welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : كليات في علم الرجال*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

كليات في علم الرجال

(76)


(77)

2 ـ رجال ابن الغضائري

* ترجمة الغضائري.

* ترجمة ابن الغضائري.

* كيفية وقوف العلماء على كتاب الضعفاء.

* هل الكتاب للغضائري او لابنه؟

* الضعفاء رابع كتبه.

* قيمته عند العلماء.


(78)


(79)

من الكتب الرجالية المؤلفة في العصور المتقدمة التي تعد عند البعض من أمهات الكتب الرجالية، الكتاب الموسوم بـ «رجال الغضائري» تارة و «رجال ابن الغضائري» اخرى، وليس هو إلاّ كتابُ «الضعفاء» الذي أدرجه العلاّمة في خلاصته، والقهبائي في مجمعه. ولرفع السّتر عن وجه الحقيقة يجب الوقوف على امور.

واليك البحث عنها واحداً بعد الاخر:

أ ـ ترجمة الغضائري

الحسين بن عبيدالله بن إبراهيم الغضائري من رجال الشيعة وهو معني في كتب الرجال بإكبار.

قال النجاشي: «شيخنا رحمه الله له كتب» ثم ذكر أسماء تآليفه البالغة الى أربعة عشر كتاباً ولم يسمّ أي كتاب في الرجال، ثم قال: «اجازنا جميعها وجميع رواياته عن شيوخه ومات - رحمه الله - في منتصف شهر صفر سنة احدى عشر وأربعمائة» (1).


1 . رجال النجاشي: الرقم 166.


(80)

وقال الشيخ في رجاله: «الحسين بن عبيدالله الغضائري يكنى أبا عبد الله كثير السماع، عارف بالرجال وله تصانيف ذكرناها في الفهرس، سمعنا منه وأجاز لنا بجميع رواياته. مات سنة احدى عشرة وأربعمائة» (1). ولكن النسخ الموجودة من الفهرس خالية من ترجمته ولعل ذلك صدر منه - رحمه الله -سهواً، أو سقط من النسخ المطبوعة، ولا يخفى أن هذه التعابير دالة على وثاقة الرجل. بل يكفي كونه من مشايخ النجاشي والشيخ، وقد ثبت في محله ـ وسيوافيك ـ أن مشايخ النجاشي كلهم ثقات.

ب ـ ترجمة ابن الغضائري

هو أحمد بن الحسين بن عبيدالله ذكره الشيخ في مقدمة الفهرس وقال: «اني لما رأيت جماعة من شيوخ طائفتنا من أصحاب الحديث عملوا فهرس كتب اصحابنا وما صنفوه من التصانيف ورووه من الاصول، ولم أجد أحداً استوفى ذلك... الا ما قصده أبو الحسين أحمد بن الحسين بن عبيدالله - رحمه الله - فانه عمل كتابين، أحدهما ذكر فيه المصنفات والاخر ذكر فيه الاصول، واستوفاهما على مبلغ ما وجده وقدر عليه، غير أن هذين الكتابين لم ينسخهما أحد من أصحابنا واخترم هو وعمد بعض ورثته الى اهلاك هذين الكتابين وغيرهما من الكتب على ما حكى بعضهم عنه» (2).

وهذه العبارة تفيد أنه قد تلف الكتابان قبل استنساخهما، غير أن النجاشي كما سيوافيك ينقل عنه بكثرة والمنقول عنه غير هذين الكتابين كما سيوافيك بيانه.

ويظهر من النجاشي في ترجمة أحمد بن الحسين الصيقل أنه اشترك مع ابن الغضائري في الاخذ عن والده وغيره حيث قال: «له كتب لا يعرف منها الا


1 . رجال الشيخ: 470، الرقم 52.
2 . ديباجة فهرس الشيخ: «الطبعة الاولى» الصفحة 1ـ 2، وفي «الطبعة الثانية» الصفحة 23 ـ 24.


(81)

النوادر قرأته انا وأحمد بن الحسين - رحمه الله - على أبيه» (1). كما يظهر ذلك أيضاً في ترجمة علي بن الحسن بن فضال حيث قال: «قرأ أحمد بن الحسين كتاب الصلاة والزكاة ومناسك الحج والصيام والطلاق و... على أحمد بن عبد الواحد في مدّة، سمعتها معه»(2). ويظهر ذلك في ترجمة عبدالله بن ابي عبدالله محمد بن خالد بن عمر بن الطيالسي قال: «ولعبد الله كتاب نوادر ـ الى ان قال: ونسخة اخرى نوادر صغيرة رواه أبو الحسين النصيبي، اخبرناها بقراءة أحمد بن الحسين »(3).

نعم يظهر من ترجمة علي بن محمد بن شيران أنه من أساتذة النجاشي حيث قال: «كنا نجتمع معه عند أحمد بن الحسين» (4). والاجتماع عند العالم لا يكون الا للاستفادة منه.

والعجب أن النجاشي مع كمال صلته به ومخالطته معه لم يعنونه في فهرسه مستقلاً، ولم يذكر ما قاله الشيخ في حقه من أنه كان له كتابان... الخ، نعم نقل عنه في موارد وأشار في ترجمة أحمد بن محمد بن خالد البرقي إلى كتاب تاريخه ويحتمل انه غير رجاله، كما يحتمل ان يكون نفسه، لشيوع اطلاق لفظ التاريخ على كتاب الرجال كتاريخ البخاري وهو كتاب رجاله المعروف، وتاريخ بغداد وهو نوع رجال، ويكفي في وثاقة الرجل اعتماد مثل النجاشي عليه والتعبير عنه بما يشعر بالتكريم، وقد نقل المحقق الكلباسي كلمات العلماء في حقه فلاحظ (5).


1 . رجال النجاشي: الرقم 200.
2 . رجال النجاشي: الرقم 676.
3 . رجال النجاشي: الرقم 572.
4 . رجال النجاشي: الرقم 705.
5 . لاحظ سماء المقال: 1 / 7 ـ 15.


(82)

ج ـ كيفية وقوف العلماء على كتاب الضعفاء

ان اول من وجده هو السيد جمال الدين أبو الفضائل أحمد بن طاووس الحسني الحلي (المتوفّى سنة 673 هـ) فأدرجه ـ موزعاً له ـ في كتابه «حل الاشكال في معرفة الرجال» الذي ألفه عام 644 هـ ، وجمع فيه عبارات الكتب الخمسة الرجالية وهي رجال الطوسي وفهرسه واختيار الكشي وفهرس النجاشي وكتاب الضعفاء المنسوب الى ابن الغضائري. قال السيد في اول كتابه بعد ذكر الكتب بهذا الترتيب: «ولي بالجميع روايات متصلة سوى كتاب ابن الغضائري» فيظهر منه أنه لم يروه عن أحد وأنما وجده منسوباً اليه، ولم يجد السيد كتاباً اخر للممدوحين منسوباً الى ابن الغضائري والا أدرجه أيضاً ولم يقتصر بالضعفاء.

ثم تبع السيد تلميذاه العلاّمة الحلي (المتوفّى عام 726 هـ) في الخلاصة وابن داود في رجاله (المؤلف في 707 هـ) فأدرجا في كتابيهما عين ما أدرجه استاذهما السيد ابن طاووس في «حل الاشكال» وصرح ابن داود عند ترجمة استاذه المذكور بأن اكثر فوائد هذا الكتاب ونكته من اشارات هذا الاستاذ وتحقيقاته.

ثم ان المتأخرين عن العلاّمة وابن داود كلهم ينقلون عنهما لان نسخة الضعفاء التي وجدها السيد ابن طاووس قد انقطع خبرها عن المتأخرين عنه، ولم يبق من الكتاب المنسوب الى ابن الغضائري الا ما وضعه السيد ابن طاووس في كتابه «حل الاشكال»، ولولاه لما بقي منه أثر ولم يكن ادراجه فيه من السيد لاجل اعتباره عنده، بل ليكون الناظر في كتابه على بصيرة، ويطلع على جميع ما قيل أو يقال في حق الرجل حقاً أو باطلاً، ليصير ملزماً بالتتبع عن حقيقة الامر.

وأما كتاب «حل الاشكال» فقد كان موجوداً بخط مؤلفه عند الشهيد


(83)

الثاني، كما ذكره في اجازته للشيخ حسين بن عبد الصمد، وبعده انتقل الى ولده صاحب المعالم، فاستخرج منه كتابه الموسوم بـ «التحرير الطاووسي» ثم حصلت تلك النسخة بعينها عند المولى عبدالله بن الحسين التستري (المتوفّى سنة 1021 هـ) شيخ الرجاليين في عصره، وكانت مخرقة مشرفة على التلف، فاستخرج منها خصوص عبارات كتاب الضعفاء المنسوب الى ابن الغضائري ، مرتباً على الحروف وذكر في أوله سبب استخراجه فقط. ثم وزع تلميذه المولى عناية الله القهبائي، تمام ما استخرجه المولى عبدالله المذكور، في كتابه «مجمع الرجال» المجموع فيه الكتب الخمسة الرجالية حتى ان خطبها بيعنها ذكرت في أول هذا المجمع (1).

واليك نص ما ذكره المولى عبدالله التستري حسب ما نقله عنه تلميذه القهبائي في مقدمة كتابه «مجمع الرجال»: اعلم ـ أيّدك الله وإيانا ـ أي لمّا وقفت على كتاب السيد المعظم السيد جمال الدين أحمد بن طاووس في الرجال، فرأيته مشتملاً على نقل ما في كتب السلف، وقد كنت رزقت بحمد الله النافع من تلك الكتب، الا كتاب ابن الغضائري، فاني كنت ما سمعت له وجوداً في زماننا وكان كتاب السيد هذا بخطه الشريف مشتملاً عليه فحداني التبرك به مع ظن الانتفاع بكتاب ابن الغضائري ان اجعله منفرداً عنه راجياً من الله الجواد، الوصول الى سبيل الرشاد»(2). وعلى ذلك فالطريق الى ما ذكره ابن الغضائري عبارة عما أدرجه العلاّمة وابن داود في رجاليهما وأخيراً ما أدرجه القهبائي مما جرده استاذه التستري عن كتاب «حل الاشكال» وجعله كتاباً مستقلاً، واما طريق السيد الى الكتاب فغير معلوم او غير موجود.

هذا هو حال كتاب ابن الغضائري وكيفية الوقوف عليه ووصوله الينا.


1 . راجع الذريعة إلى تصانيف الشيعة: 4 / 288 ـ 289 ، وج 10 / 88 ـ 89.
2 . مجمع الرجال: 1 / 10.


(84)

د ـ الكتاب تأليف نفس الغضائري أو تأليف ابنه

هاهنا قولان: أما الاول; فقد ذهب الشهيد الثاني إلى انه تأليف نفس الغضائري «الحسين بن عبيد اللَّه» لا تأليف ابنه، اي «أحمد بن الحسين»، مستدلاً بما جاء في الخلاصة في ترجمة سهل بن زياد الآدمي حيث قال: «وقد كاتب أبا محمد العسكري- عليه السلام -على يد محمد بن عبد الحميد العطار في المنتصف من شهر ربيع الآخر سنة خمس وخمسين ومائتين. ذكر ذلك أحمد بن علي بن نوح وأحمد بن الحسين ـ رحمهما الله ـ . وقال ابن الغضائري: انه كان ضعيفاً(1) قال الشهيد: «إن عطف ابن الغضائري على أحمد بن الحسين يدل على انه غيره»(2).

ولا يخفى عدم دلالته على ما ذكره، لان ما ذكره العلاّمة (... ذكر ذلك أحمد بن علي بن نوح وأحمد بن الحسين) من تتمة كلام النجاشي الذي نقله العلاّمة عنه في كتابه، فان النجاشي يعرف «السهل» بقوله: «كان ضعيفاً في الحديث غير معتمد فيه. وكان أحمد بن محمد بن عيسى يشهد عليه بالغلو والكذب واخرجه من قم إلى الريّ، وكان يسكنها وقد كاتب ابا محمد ـ إلى قوله: رحمهما الله» (3).

وبالاسترحام (رحمهما الله) تم كلام النجاشي، ثم ان العلاّمة بعدما نقل عن النجاشي كلام ابن نوح وأحمد بن الحسين في حق الرجل، أراد أن يأتي بنص كلام ابن الغضائري أيضاً في كتاب الضعفاء، ولاجل ذلك عاد وقال: «قال ابن الغضائري: انه كان ضعيفا جدّاً فاسد الرواية والمذهب وكان أحمد بن محمد بن عيسى الاشعري أخرجه عن قم وأظهر البراءة منه ونهى الناس عن


1 . رجال العلامة: 228 ـ 229.
2 . قاموس الرجال: 1 / 22.
3 . رجال النجاشي: الرقم 490.


(85)

السماع منه والرواية عنه ويروي المراسيل ويعتمد المجاهيل»(1).

وعلى هذا فعطف جملة «وقال ابن الغضائري» على «أحمد بن الحسين» لا يدل على المغايرة بعد الوقوف على ما ذكرناه(2).

ويظهر هذا القول من غيره، فقد نقل المحقق الكلباسي، انه يظهر من نظام الدين محمد بن الحسين الساوجي في كتابه المسمى بـ «نظام الاقوال» أنه من تأليف الأب حيث قال فيه: «ولقد صنف اسلافنا ومشايخنا ـ قدس الله تعالى أرواحهم ـ فيه كتباً كثيرة ككتاب الكشي، وفهرس الشيخ الطوسي، والرجال له ايضا، وكتاب الحسين بن عبيدالله الغضائري ـ إلى ان قال: وأكتفي في هذا الكتاب عن أحمد بن علي النجاشي بقولي «النجاشي» ـ إلى أن قال: وعن الحسين بن عبيدالله الغضائري بـ «ابن الغضائري»(3). وعلى ما ذكره كلما اطلق ابن الغضائري فالمراد هو الوالد، واما الولد فيكون نجل الغضائري لا ابنه.

ويظهر التردّد من المحقّق الجليل مؤلف معجم الرجال ـ دام ظله ـ حيث استدل على عدم ثبوت نسبة الكتاب بقوله: «فان النجاشي لم يتعرض له مع أنه - قدس سره -بصدد بيان الكتب التي صنَّفها الامامية، حتى انه يذكر ما لم يره من الكتب وانما سمعه من غيره أو رآه في كتابه، فكيف لا يذكر كتاب شيخه الحسين بن عبيدالله او ابنه أحمد؟ وقد تعرض - قدس سره -لترجمة الحسين بن عبيدالله وذكر كتبه ولم يذكر فيها كتاب الرجال، كما انه حكى عن أحمد بن


1 . رجال العلامة: 228 ـ 229.
2 . لاحظ سماء المقال: 1 / 7، وقاموس الرجال: 1 / 32.
3 . سماء المقال: 1 / 5 في الهامش. وكان نظام الدين الساوجي نزيل الري وتلميذ الشيخ البهائي، توفي بعد 1038 هـ بقليل، وفرغ من تأليف نظام الاقوال في سنة 1022 هـ ، وهو بعد مخطوط لم يطبع.


(86)

الحسين في عدَّة موارد ولم يذكر أن له كتاب الرجال»(1).

ولكن النجاشي نقل عن ابن الغضائري كثيرا وكلما قال: «قال أحمد بن الحسين» أو «ذكره أحمد بن الحسين» فهو المراد، وصرح في ترجمة البرقي بأن له كتاب التاريخ ومن القريب ان مراده منه هو كتاب رجاله، لشيوع تسمية «الرجال» بالتاريخ كما سيوافيك.

وأما الثاني، فهو أن الكتاب على فرض ثبوت النسبة، من تآليف ابن الغضائري (أحمد) لا نفسه ـ أعني الحسين ـ ويدل عليه وجوه:

الاول: ان الشيخ كما عرفت ذكر لاحمد بن الحسين كتابين: أحدهما في الاصول والاخر في المصنفات، ولم يذكر للوالد اي كتاب في الرجال، وان وصفه الشيخ والنجاشي بكونه كثير السماع، عارفاً بالرجال، غير ان المعرفة بالرجال لا تستلزم التأليف فيه، ومن المحتمل ان هذا الكتاب هو احد هذين او هو كتاب ثالث وضع لذكر خصوص الضعفاء والمذمومين، كما احتمله صاحب مجمع الرجال، ويحتمل ان يكون له كتاب آخر في الثقات والممدوحين وان لم يصل الينا منه خبر ولا اثر، كما ذكره الفاضل الخاجوئي، محتملا ان يكون كتاب الممدوحين، احد الكتابين اللذين صرح بهما الشيخ في اول الفهرس على ما نقله صاحب سماء المقال(2) ولكن الظاهر خلافه، وسيوافيك حق القول في ذلك فانتظر.

الثاني: ان اول من وقف على هذا الكتاب هو السيد الجليل ابن طاووس الحلي، فقد نسبه إلى الابن في مقدمة كتاب على ما نقله عنه في التحرير الطاووسي، حيث قال: «إني قد عزمت على ان اجمع في كتابي هذا اسماء


1 . معجم رجال الحديث: 1 / 113 ـ 114 من المقدمة، طبعة النجف، والصفحة 101 ـ 103 من طبعة لبنان.
2 . سماء المقال: ج 1 الصفحة 2.


(87)

الرجال المصنّفين وغيرهم من كتب خمسة إلى ان قال: وكتاب ابي الحسين أحمد بن الحسين بن عبيدالله الغضائري في ذكر الضعفاء خاصة»(1).

الثالث: ان المتتّبع لكتاب «الخلاصة» للعلامة الحلي، يرى انه يعتقد بأنه من تآليف ابن الغضائري، فلاحظ ترجمة عمر بن ثابت، وسليمان النخعي، يقول في الاول: «انه ضعيف، قاله ابن الغضائري» وقال في الثاني: «قال ابن الغضائري: يقال انه كذاب النخع ضعيف جدّاً».

وبما انه يحتمل ان يكون ابن الغضائري كنية للوالد، ويكون الجدّ منسوبا إلى «الغضائر» الذي هو بمعنى الطين اللازب الحر، قال العلاّمة في اسماعيل بن مهران: «قال الشيخ ابو الحسين أحمد بن الحسين بن عبيدالله الغضائري - رحمه الله -: انه يكنّى ابا محمد، ليس حديثه بالنقي» وعلى ذلك فكلما اطلق ابن الغضائري يريد به أحمد بن الحسين، لا غيره.

ومما يؤيد ان الكتاب من تأليف ابن الغضائري، أن بعض ما ينقله النجاشي في فهرسه عن أحمد بن الحسين موجود في هذا الكتاب، وأما الاختلاف من حيث العبارة فسيوافيك وجهه.

وهناك قرائن اُخر جمعها المتتبّع الخبير الكلباسي في كتابه سماء المقال فلاحظ(2).

هـ كتاب الضعفاء رابع كتبه

الظاهر أن ابن الغضائري ألف كتبا اربعة وان كتاب الضعفاء رابع كتبه. الاول والثاني ما اشار اليهما الشيخ في مقدمة الفهرس «فانه (أبا الحسين) عمل كتابين: احدهما ذكر فيه المصنَّفات والآخر ذكر فيه الاصول واستوفاهما على مبلغ ما وجده وقدر عليه، غير أن هذين الكتابين لم ينسخهما احد من اصحابنا


1 . سماء المقال: 1 / 5 ـ 6.
2 . سماء المقال: 1 / 6 ـ 7.


(88)

واخترم هو - رحمه الله -وعمد بعض ورثته إلى إهلاك هذين الكتابين وغيرهما من الكتب على ما حكى بعضهم عنه»(1).

والثالث هو كتاب الممدوحين ولم يصل الينا ابداً، لكن ينقل عنه العلاّمة في الخلاصة، والرابع هو كتاب الضعفاء الذي وصل الينا على النَّحو الذي وقفت عليه، والظاهر أن النجاشي لأجل مخالطته ومعاشرته معه قد وقف على مسوداته ومذكراته فنقل ما نقل عنها.

ومن البعيد جدّاً أن يكون كتاب الضعفاء نفس الكتابين اللذين ذكرهما الشيخ في مقدمة الفهرس، وما عمل من كتابين كان مقصورا في بيان المصنفات والاُصول، كفهرس الشيخ من دون تعرض لوثاقة شخص او ضعفه، فعلى ذلك يجب ان يكون للرجل وراءهما كتاب رجال لبيان الضعفاء والممدوحين، كما أن من البعيد أن يؤلف كتابا في الضعفاء فقط، دون ان يؤلّف كتابا في الثقات أو الممدوحين، والدليل على تأليفه كتابا في الممدوحين وجود التوثيقات منه في حقّ عدَّة من الرواة، ونقلها النجاشي عنه. اضف إلى ذلك ان العلاّمة يصرح بتعدد كتابه ويقول في ترجمة: سليمان النخعي: «قال ابن الغضائري سليمان بن هارون النخعي ابو داود يقال له: كذاب النخع، روى عن ابي عبد الله ضعيف جداً» وقال في كتابه الاخر: «سليمان بن عمر ابو داود النخعي.. الخ»(2) وقال في ترجمة عمر بن ثابت: «ضعيف جدّاً قاله ابن الغضائري وقال في كتابه الاخر عمر بن ابي المقدام...»(3) وقال في ترجمة محمد بن مصادف: «اختلف قول ابن الغضائري فيه ففي احد الكتابين انه ضعيف وفي الآخر إنه ثقة»(4). وهذه النصوص تعطي أن للرجل كتابين،


1 . ديباجة فهرست الشيخ: «الطبعة الاولى» الصفحة 1 ـ 2 وفي «الطبعة الثانية» الصفحة 4.
2 . رجال العلامة: 225.
3 . نفس المصدر: 241.
4 . نفس المصدر: 251.


(89)

أحدهما للضعفاء والمذمومين، والآخر للممدوحين والموثَّقين، وقد عرفت أن ما ذكره الشيخ في أول الفهرس لا صلة لهما بهذين الكتابين. فقد مات الرجل وترك ثروة علمية مفيدة.

و ـ كتاب الضعفاء وقيمته العلمية عند العلماء

لقد اختلف نظرية العلماء حول الكتاب اختلافا عميقاً، فمن ذاهب الى انه مختلق لبعض معاندي الشيعة اراد به الوقيعة فيهم، إلى قائل بثبوت الكتاب ثبوتاً قطعياً وانه حجة ما لم يعارض توثيق الشيخ والنجاشي، إلى ثالث بأن الكتاب له وانه نقّاد هذا العلم ولا يقدم توثيق الشيخ والنجاشي عليه، الى رابع بأن الكتاب له، غير أن جرحه وتضعيفه غير معتبر، لأنه لم يكن في الجرح والتضعيف مستندا إلى الشهادة ولا إلى القرائن المفيدة للاطمئنان بل إلى اجتهاده في متن الحديث، فلو كان الحديث مشتملاً على الغلوّ والارتفاع في حقّ الائمة حسب نظره، وصف الراوي بالوضع وضعّفه، وإليك هذه الاقوال:

النظرية الأولى

إن شيخنا المتتبّع الطهراني بعدما سرد وضع الكتاب وأوضح كيفية الاطلاع عليه، حكم بعدم ثبوت نسبة الكتاب إلى ابن الغضائري، وان المؤلف له كان من المعاندين لأكابر الشيعة، وكان يريد الوقيعة فيهم بكل حيلة، ولأجل ذلك ألَّف هذا الكتاب وأدرج فيه بعض مقالات ابن الغضائري تمويهاً ليقبل عنه جميع ما اراد إثباته من الوقائع والقبائح(1) ويمكن تأييده في بادئ النظر بوجوه:

1ـ إنه كانت بين النجاشي وابن الغضائري خلطة وصداقة في أيام الدراسة والتحصيل، وكانا يدرسان عند والد ابن الغضائري، كما كانا يدرسان عند غيره، على ما مرَّ في ترجمتهما، فلو كان الكتاب من تآليف ابن الغضائري،


1 . الذريعة: 4 / 288 ـ 289، وج 10 / 89.


(90)

اقتضى طبع الحال وقوف النجاشي عليه، وقوف الصديق على أسرار صديقه، وإكثار النقل منه، مع انه لا ينقل عنه إلا في موارد لا تتجاوز بضعة وعشرين مورداً، وهو يقول في كثير من هذه الموارد «قال أحمد بن الحسين» أو «قاله أحمد بن الحسين» مشعراً بأخذه منه مشافهة لا نقلاً عن كتابه.

نعم، يقول في بعض الموارد: «وذكر أحمد بن الحسين» الظّاهر في أنه أخذه من كتابه.

2ـ إن الظاهر من الشيخ الطوسي أن ما ألفه ابن الغضائري اُهلك قبل أن يستنسخ حيث يقول: «واخترم هو (ابن الغضائري) وعمد بعض ورثته الى إهلاك هذين الكتابين وغيرهما من الكتب على ما حكى بعضهم عنه»(1).

3ـ إن لفظ «اخترم» الذي أطلقه الشيخ عليه، يكشف عن أن الرجل مات بالموت الاخترامي، وهو موت من لم يتجاوز الاربعين وبما أن النجاشي الذي هو زميله ولد عام 372 هـ ، يمكن أن يقال انه أيضاً من مواليد ذلك العام او ما قبله بقليل، وبما ان موته كان موتاً اخترامياً، يمكن التنبّؤ بأنه مات بعد أبيه بقليل، فتكون وفاته حوالي 412 هـ ، وعلى ذلك فمن البعيد أن يصل الكتاب إلى يد النجاشي ولا يصل إلى يد الشّيخ، مع أن بيئة بغداد كانت تجمع بين العَلَمين (النجاشي والشيخ) كلَّ يوم وليلة، وقد توفّي الشيخ سنة 460 هـ ، وتوفّي النجاشي على المشهور عام 450، فهل يمكن بعد هذا وقوف النجاشي على الكتاب وعدم وقوف الشيخ عليه؟

وأقصى ما يمكن أن يقال: إن ابن الغضائري ترك أوراقاً مسودة في علم الرجال، ووقف عليها النجاشي، ونقل عنها ما نقل، ثمَّ زاد عليه بعض المعاندين ما تقشعّر منه الجلود وترتعد منه الفرائص من جرح المشايخ ورميهم بالدسّ والوضع، وهو كما قال السيد الداماد في رواشحه «قلّ أن يسلم أحد من


1 . مقدمة فهرس الشيخ: «الطبعة الاولى» الصفحة 2، و«الطبعة الثانية» الصفحة 24.


(91)

جرحه أو ينجو ثقة من قدحه».(1)

تحليل هذه النظرية

هذه النظرية في غاية التَّفريط، في مقابل النظرية الثالثة التي هي في غاية الإفراط ولا يخفى وهن هذه النظرية الاُمور:

أما الاول: فيكفي في صحة نسبة الكتاب الى ابن الغضائري تطابق ما نقله النجاشي في موارد كثير مع الموجود منه وعدم استيعابه بنقل كل ما فيه، لاجل عدم ثبوته عنده، ولذلك ضرب عنه صفحاً الا في موارد خاصة لاختلاف مشربهما في نقد الرجال وتمييز الثقات عن غيرهم.

وأما الثاني: فلما عرفت من أن كتاب الضعفاء، غير ما ألفه حول الاصول والمصنفات، وهو غير كتاب الممدوحين، الذي ربما ينقل عنه العلاّمة كما عرفت، وتعمد الورثة على اهلاك الاولين لا يكون دليلا على اهلاك الآخرين (2).

وأما الثالث: فيكفي في الاعتذار من عدم اطلاع الشيخ على بقية كتب ابن الغضائري، ان الشيخ كان رجلاً عالمياً مشاركاً في أكثر العلوم الاسلامية ومتخصصاً في بعض النواحي منها، زعيما للشيعة في العراق. والغفلة من مثل هذا الشخص المتبحر في العلوم، والمتحمل للمسؤوليات الدينية والاجتماعية، أمر غير بعيد.

وهذا غير النجاشي الذي كان زميلاً ومشاركاً له في دروس أبيه وغيره، متخصصاً في علم الرجال والانساب، والغفلة من مثله أمر على خلاف العادة.

وما ذكره صاحب معجم رجال الحديث ـ دام ظله ـ من قصور المقتضي


1 . الرواشح السماوية: 114 و 115 .
2 . نعم الظاهر من مقدمة الفهرس للشيخ تعمد الورثة لاهلاك جميع آثاره بشهادة لفظة «وغيرهما ».


(92)

وعدم ثبوت نسبة هذا الكتاب الى مؤلفه (1) غير تام، لان هذه القرائن تكفي في ثبوت النسبة ولولا الاعتماد عليها للزم رد كثير من الكتب غير الواصلة إلينا من طرق الرواية والاجازة.

وعلى الجملة لا يصحّ رد الكتاب بهذه الوجوه الموهونة.

النظرية الثانية

الظاهر من العلاّمة في الخلاصة ثبوت نسبة الكتاب الى ابن الغضائري ثبوتاً قطعياً، ولأجل ذلك توقّف في كثير من الرواة لأجل تضعيف ابن الغضائري، وإنما خالف في موارد، لتوثيق النجاشي والشيخ، وترجيح توثيقهما على جرحه.

النظرية الثالثة

إن هذا الكتاب وإن اشتهر من عصر المجلسي بأنه لا عبرة به، لأنه يتسرع إلى جرح الأجلة، الا أنه كلام قشري وأنه لم ير مثله في دقّة النّظر، ويكفيه اعتماد مثل النجاشي الذي هو أضبط أهل الرجال عليه، وقد عرفت من الشيخ انه أول من ألف فهرساً كاملاً في مصنَّفات الشيعة واُصولهم، والرجل نقّاد هذا العلم، ولم يكن متسرّعاً في الجرح بل كان متأملاً متثبّتاً في التضعيف، قد قوّى من ضعفه القميون جميعاً كأحمد بن الحسين بن سعيد، والحسين بن آذويه وزيد الزرّاد وزيد النرسي ومحمد بن أورمة بأنه رأى كتبهم، وأحاديثهم صحيحة.

نعم إن المتأخرين شهّروا بابن الغضائري بأنه يتسرَّع إلى الجرح فلا عبرة بطعونه، مع أن الذي وجدناه بالسبر في الذين وقفنا على كتبهم ممَّن طعن


1 . معجم رجال الحديث: 1 / 114 من المقدمة (طبعة النجف)، والصفحة 102 طبعة لبنان.


(93)

فيهم، ككتاب الاستغاثة لعليّ بن أحمد الكوفي، وكتاب تفسير محمد بن القاسم الاسترآبادي، وكتاب الحسين بن عباس ابن الجريش أن الامر كما ذكر(1).

ولا يخفى أن تلك النظرية في جانب الافراط، ولو كان الكتاب بتلك المنزلة لماذا لم يستند اليه النجاشي في عامة الموارد، بل لم يستند اليه إلا في بضعة وعشرين مورداً؟ مع أنه ضعّف كثيرا من المشايخ التي وثاقتهم عندنا كالشمس في رائعة النهار.

إنّ عدم العبرة بطعونه ليس لاجل تسرّعه إلى الجرح وأنه كان جرّاحاً للرواة خارجاً عن الحدّ المتعارف، بل لأجل أنه لم يستند في جرحه بل وتعديله إلى الطرق الحسية، بل استند إلى استنباطات واجتهادات شخصية كما سيوافيك بيانه في النظرية الرابعة.

النظرية الرابعة

إنَّ كتاب الضعفاء هو لابن الغضائري، غير أن تضعيفه وجرحه للرواة والمشايخ لم يكن مستنداً إلى الشهادة والسماع، بل كان اجتهاداً منه عند النظر إلى روايات الافراد، فان رآها مشتملة على الغلوّ والارتفاع حسب نظره، وصفه بالضعف ووضع الحديث، وقد عرفت أنه صحَّح روايات عدَّة من القمّيين بأنه رأى كتبهم، وأحاديثهم صحيحة (أي بملاحظة مطابقتها لمعتقده).

ويرشد إلى ذلك ما ذكره المحقّق الوحيد البهبهائي في بعض المقامات حيث قال: «اعلم أن الظاهر أن كثيراً من القدماء سيَّما القمّيين منهم والغضائري كانوا يعتقدون للائمة- عليهم السلام -منزلة خاصة من الرفعة والجلالة، ومرتبة معينة من العصمة والكمال بحسب اجتهادهم ورأيهم، وما


1 . قاموس الرجال: 1 / 41 ـ 51.


(94)

كانوا يجوزون التعدّي عنها، وكانوا يعدّون التعدي ارتفاعا وغلوّاً حسب معتقدهم، حتى انهم جعلوا مثل نفي السهو عنهم غلوّاً، بل ربما جعلوا مطلق التفويض اليهم أو التفويض الذي اختلف فيه ـ كما سنذكر ـ او المبالغة في معجزاتهم ونقل العجائب من خوارق العادات عنهم، أو الاغراق في شأنهم وإجلالهم وتنزيههم عن كثير من النقائص، واظهار كثير قدرة لهم، وذكر علمهم بمكنونات السماء والارض (جعلوا كل ذلك) ارتفاعاً او مورثاً للتّهمة به، سيَّما بجهة أن الغلاة كانوا مختفين في الشيعة مخلوطين بهم مدلِّسين.

وبالجملة، الظاهر أن القدماء كانوا مختلفين في المسائل الاصولية أيضاً فربما كان شيء عند بعضهم فاسداً او كفراً أو غلوّاً أو تفويضاً او جبراً او تشبيهاً أو غير ذلك، وكان عند آخر ممّا يجب اعتقاده، أو لا هذا ولا ذاك. وربما كان منشأ جرحهم بالأمور المذكورة وجدان الرواية الظاهرة فيها منهم ـ كما أشرنا آنفاً ـ او ادّعاء أرباب المذاهب كونه منهم او روايتهم عنه وربّما كان المنشأ روايتهم المناكير عنه، إلى غير ذلك، فعلى هذا ربَّما يحصل التأمل في جرحهم بأمثال الامور المذكورة إلى أن قال:

ثمَّ اعلم أنه (أحمد بن محمد بن عيسى) والغضائري ربما ينسبان الراوي إلى الكذب ووضع الحديث أيضاً بعد ما نسباه إلى الغلوّ وكأنه لروايته ما يدل عليه»(1).

اجابة المحقق التستري عن هذه النظرية

إن المحقّق التستري أجاب عن هذه النظرية بقوله: «كثيراً ما يردّ المتأخرون طعن القدماء في رجل بالغلوّ، بأنهم رموه به لنقله معجزاتهم وهو غير صحيح، فان كونهم- عليهم السلام -ذوي معجزات من ضروريات مذهب


1 . الفوائد الرجالية للوحيد البهبهاني: 38 ـ 39 المطبوعة في آخر رجال الخاقاني، والصفحة 8 من المطبوعة في مقدمة منهج المقال.


(95)

الامامية، وهل معجزاتهم وصلت إلينا الا بنقلهم؟ وإنما مرادهم بالغلوّ ترك العبادة اعتماداً على ولايتهم- عليهم السلام -. فروى أحمد بن الحسين الغضائري، عن الحسن بن محمد بن بندار القمّي، قال: سمعت مشايخي يقولون: إنَّ محمد بن أورمة لما طعن عليه بالغلوّ بعث اليه الأشاعرة ليقتلوه، فوجدوه يصلّي الليل من أوله الى آخره، ليالي عدَّة فتوقَّفوا عن اعتقادهم.

وعن فلاح السّائل(1) لعلي بن طاووس عن الحسين بن أحمد المالكي قال: قلت لأحمد بن مليك الكرخّي(2) عمّا يقال في محمد بن سنان من أمر الغلوّ، فقال: معاذ الله، وهو والله علَّمني الطهور.

وعنون الكشّي(3) جمعاً، منهم علي بن عبدالله بن مروان وقال إنَّه سأل العيّاشي عنهم فقال: وأما علي بن عبد الله بن مروان فان القوم (يعني الغلاة) تمتحن في أوقات الصلوات ولم أحضره وقت صلاة. وعنون الكشي(4) أيضاً الغلاة في وقت الإمام الهادي - عليه السلام -وروى عن أحمد بن محمد بن عيسى انه كتب اليه - عليه السلام -في قوم يتكلَّمون ويقرؤون أحاديث ينسبونها


1 . فلاح السائل: 13 وفيه أحمد بن هليل الكرخي.
2 . كذا وفي رجال السيد بحر العلوم «أحمد بن هليك» وفي تنقيح المقال «أحمد بن مليك» والظاهر وقوع تصحيف فيه، والصحيح هو أحمد بن هلال الكرخي العبرتائي، للشواهد التالية:
الاول: كون الحسين بن أحمد المالكي في سند الخبر الذي هو راو عن أحمد بن هلال الكرخي (راجع روضة الكافي: الحديث 371).
الثاني: كون محمد بن سنان فيه، الذي يروي عنه أحمد بن هلال الكرخي (راجع أيضاً روضة الكافي: الحديث 371).
الثالث: ان أبا علي بن همام ينقل بعض القضايا المرتبطة بأحمد بن هلال الكرخي كما في غيبة الشيخ (الصفحة 245) وهو أيضاً يذكر تاريخ وفاة أحمد هذا كما نقل عنه السيد بن طاووس. اضف إلى ذلك أنا لم نعثر على ترجمة لاحمد بن هليل، او هليك او مليك في كتب الرجال المعروفة.
3 . رجال الكشي: 530.
4 . رجال الكشي: 516 ـ 517.


(96)

اليك والى آبائك ـ إلى أن قال: ومن أقاويلهم أنهم يقولون: ان قوله تعالى (إنَّ الصَّلوة تنهى عن الفحشاء والمنكر) معناها رجل، لا سجود ولا ركوع، وكذلك الزكاة معناها ذلك الرجل لا عدد دراهم ولا إخراج مال، واشياء من الفرائض والسنن والمعاصي تأوَّلوها وصيروها على هذا الحدّ الذي ذكرت»(1).

أقول: ما ذكره ـ دام ظله ـ من أن الغلاة كانوا يمتحنون في أوقات الصلاة صحيح في الجملة، ويدل عليه مضافا الى ما ذكره، بعض الروايات. قال الصادق - عليه السلام -: احذروا على شبابكم الغلاة لا يفسدوهم، فان الغلاة شرّ خلق الله إلى أن قال: إلينا يرجع الغالي فلا نقبله، وبنا يلحق المقصّر فنقبله، فقيل له: كيف ذلك يا ابن رسول اللَّه؟ قال: الغالي قد اعتاد ترك الصلاة والزَّكاة والصَّيام والحجِّ، فلا يقدر على ترك عادته وعلى الرجوع إلى طاعة الله عزّ وجل أبداً وان المقصّر إذا عرف عمل وأطاع(2).

وكتب بعض اصحابنا إلى أبي الحسن العسكري - عليه السلام -: أن علي بن حسكة يدَّعي أنه من أوليائك وأنك أنت الاول القديم وانه بابك ونبيك أمرته أن يدعو الى ذلك ويزعم أن الصلاة والزكاة والحج والصوم كل ذلك معرفتك ـ الى آخره(3).

ونقل الكشي عن يحيى بن عبد الحميد الحمّاني، في كتابه المؤلف في إثبات إمامة أمير المؤمنين - عليه السلام -عن الغلاة: أن معرفة الامام تكفي من الصوم والصلاة(4).


1 . قاموس الرجال: 1 / 50 ـ 51.
2 . بحار الانوار: 25 / 265 ـ 266، الحديث 6 نقلا عن أمالي الطوسي، طبعة النجف، الصفحة 264.
3 . بحار الانوار: 25 / 316، الحديث 82 نقلا عن رجال الكشي: 518.
4 . بحار الانوار: 25 / 302، الحديث 67 نقلا عن رجال الكشي: 324.


(97)

ومع هذا الاعتراف ان هذه الروايات لا تثبت ما رامه وهو أن الغلوّ كان له معنى واحد في جميع الأزمنة، ولازمه ترك الفرائض، وأن ذلك المعنى كان مقبولاً عند الكلّ من عصر الإمام الصادق - عليه السلام -الى عصر الغضائري اذ فيه:

أما أولاً: فانه يظهر عما نقله الكشي عن عثمان بن عيسى الكلابي أن محمد بن بشير احد رؤساء الغلاة في عصره، وأتباعه كانوا يأخذون بعض الفرائض وينكرون البعض الآخر، حيث زعموا أن الفرائض عليهم من الله تعالى إقامة الصلاة والخمس وصوم شهر رمضان، وفي الوقت نفسه، أنكروا الزكاة والحجّ وسائر الفرائض(1). وعلى ذلك فما ذكره من امتحان الغلاة في أوقات الصلاة راجع إلى صنف خاص من الغلاة دون كلهم.

وثانياً: أن الظاهر من كلمات القدماء أنهم لم يتفقوا في معنى الغلوّ بشكل خاصّ على ما حكى شيخنا المفيد عن محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد أنه قال: أول درجة في الغلو، نفي السهو عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -والإمام، ثمَّ قال الشيخ: فان صحت هذه الحكاية عنه فهو مقصر، مع انه من علماء القميين ومشيختهم، وقد وجدنا جماعة وردت الينا من قم يقصِّرون تقصيراً ظاهراً في الدين، ينزلون الائمة- عليهم السلام -عن مراتبهم، ويزعمون أنهم كانوا لا يعرفون كثيرا من الاحكام الدينية، حتى ينكت في قلوبهم، ورأينا من يقول إنهم كانوا يلجأون في حكم الشريعة إلى الرّأي والظّنون ويدَّعون مع ذلك أنهم من العلماء(2).

فاذا كانت المشايخ من القمّيين وغيرهم يعتقدون في حق الائمة ما نقله


1 . بحار الانوار: 25 / 309، الحديث 76 نقلا عن رجال الكشي: 478 ـ 479.
2 . بحار الانوار: 25 / 345 ـ 346، نقلاً عن تصحيح الاعتقاد، باب معنى الغلو والتفويض : 65 ـ 66.


(98)

الشيخ المفيد، فانّهم إذا وجدوا رواية على خلاف معتقدهم وصفوها بحسب الطبع بالضعف وراويها بالجعل والدسّ.

قال العلاّمة المجلسي - رحمه الله -بعدما فسَّر الغلوّ في النبي والائمة- عليهم السلام -: «ولكن افرط بعض المتكلمين والمحدّثين في الغلوّ لقصورهم عن معرفة الأئمة- عليهم السلام -، وعجزهم عن إدراك غرائب احوالهم وعجائب شؤونهم، فقدحوا في كثير من الرواة الثقات لنقلهم بعض غرائب المعجزات حتى قال بعضهم: من الغلوّ نفي السهو عنهم، أو القول بأنهم يعلمون ما كان وما يكون»(1).

وعلى ذلك، فليس من البعيد أن الغضائري ونظراءه الذين ينسبون كثيراً من الرواة إلى الضعف والجعل، كانوا يعتقدون في حقّ النبي والائمة- عليهم السلام -عقيدة أولئك المشايخ، فاذا وجدوا أن الرواية لا توافق معتقدهم اتَّهموه بالكذب ووضع الحديث.

والآفة كلّ الآفة هو أن يكون ملاك تصحيح الرواية عقيدة الشخص وسليقته الخاصة فان ذلك يوجب طرح كثير من الروايات الصحيحة واتهام كثير من المشايخ.

والظاهر أن الغضائري كان له مذاق خاصّ في تصحيح الروايات وتوثيق الرواة، فقد جعل اتقان الروايات في المضمون، حسب مذاقه، دليلا على وثاقة الراوي، ولأجل ذلك صحَّح روايات عدة من القمّيين، ممَّن ضعفهم غيره، لأجل أنه رأى كتبهم، وأحاديثهم صحيحة.

كما أنه جعل ضعف الرواية في المضمون، ومخالفته مع معتقده في ما يرجع إلى الائمة، دليلا على ضعف الرواية، وكون الراوي جاعلا للحديث،


1 . بحار الانوار: 25 / 347.


(99)

أو راوياً ممَّن يضع الحديث. والتوثيق والجرح المبنيان على اتقان المتن، وموافقته مع العقيدة، من أخطر الطرق إلى تشخيص صفات الراوي من الوثاقة والضعف.

ويشهد على ما ذكرنا أن الشيخ والنجاشي ضعَّفا محمد بن أورمة، لانه مطعون عليه بالغلوّ وما تفرَّد به لم يجز العمل به(1) ولكن ابن الغضائري أبرأه عنه، فنظر في كتبه ورواياته كلّها متأملاً فيها، فوجدها نقيَّة لا فساد فيها، إلا في أوراق اُلصقت على الكتاب، فحمله على أنها موضوعة عليه.

وهذا يشهد أن مصدر قضائه هو التتبّع في كتب الراوي، وتشخيص أفكاره وعقائده وأعماله من نفس الكتاب.

ثمَّ ان للمحقّق الشيخ أبي الهدى الكلباسي كلاماً حول هذا الكتاب يقرب مما ذكره المحقّق البهبهاني، ونحن نأتي بملخّصه وهو لا يخلو من فائدة.

قال في سماء المقال: «إن دعوى التسارع غير بعيدة نظراً إلى أمور(2):

الاول: إن الظاهر من كمال الاستقراء في أرجاء عبائره، انه كان يرى نقل بعض غرائب الامور من الائمة- عليهم السلام -من الغلو على حسب مذاق القميين، فكان إذا رأى من أحدهم ذكر شيء غير موافق لاعتقاده، يجزم بأنه من الغلو، فيعتقد بكذبه وافترائه، فيحكم بضعفه وغلوه، ولذا يكثر حكمه بهما (بالضعف والكذب) في غير محلهما.

ويظهر ذلك مما ذكره من أنه كان غالياً كذاباً كما في سليمان الديلمي، وفي آخر من أنه ضعيف جدّاً لا يلتفت اليه، أو في مذهبه غلوّ كما في


1 . رجال الشيخ : 512 برقم 112، الفهرس: «الطبعة الاولى» الصفحة 143، الرقم 610، وفي «الطبعة الثانية»: الصفحة 170 الرقم 621، ورجال النجاشي: الرقم 891.
2 . ذكر - رحمه الله -أموراً واخترنا منها أمرين.


(100)

عبد الرحمن بن أبي حمّاد، فان الظاهر أن منشأ تضعيفه ما ذكره من غلوّه، ومثله ما في خلف بن محمد من أنه كان غالياً، في مذهبه ضعف لا يلتفت اليه، وما في سهل بن زياد من أنه كان ضعيفاً جداً فاسد الرواية والمذهب، وكان أحمد بن محمد بن عيسى أخرجه من قم. والظاهر أن منشأ جميعه ما حكاه النجاشي عن أحمد المذكور من أنه كان يشهد عليه بالغلوّ والكذب، فأخرجه عنه(1)، وما في حسن بن ميّاح من أنه ضعيف غال، وفي صالح بن سهل: غال كذّاب وضّاع للحديث، لا خير فيه ولا في سائر ما رواه»، وفي صالح بن عقبة «غال كذّاب لا يلتفت اليه»، وفي عبدالله بن بكر «مرتفع القول ضعيف»، وفي عبدالله بن حكم «ضعيف مرتفع القول»، ونحوه في عبدالله بن سالم وعبدالله بن بحر وعبدالله بن عبد الرحمان.

الثاني: إن الظاهر أنه كان غيورا في دينه، حامياً عنه، فكان إذا رأى مكروها اشتدَّت عنده بشاعته وكثرت لديه شناعته، مكثراً على مقترفه من الطَّعن والتشنيع واللعن والتفظيع، يشهد عليه سياق عبارته، فأنت ترى أن غيره في مقام التضعيف يقتصر بما فيه بيان الضعف، بخلافه فانه يرخي عنان القلم في الميدان باتّهامه بالخبث والتهالك واللعان، فيضعّف مؤكداً واليك نماذج:

قال في المسمعي: «إنه ضعيف مرتفع القول، له كتاب في الزيارات يدلّ على خبث عظيم ومذهب متهافت وكان من كذابة أهل البصرة».

وقال حول كتاب عليّ بن العبّاس: «تصنيف يدلّ على خبثه وتهالك مذهبه لا يلتفت اليه ولا يعبأ بما رواه».

وقال في جعفر بن مالك: «كذّاب متروك الحديث جملة، وكان في مذهبه ارتفاع، ويروي عن الضعفاء والمجاهيل، وكلّ عيوب الضعفاء مجتمعة فيه».


1 . رجال النجاشي: الرقم 490.


(101)

والحاصل أنه كان يكبِّر كثيراً من الاُمور الصغيرة وكانت له روحية خاصة تحمله على ذلك.

ويشهد على ذلك أن الشيخ والنجاشي ربّما ضعفا رجلاً، والغضائري أيضاً ضعفه، لكن بين التعبيرين اختلافاً واضحاً.

مثلاً ذكر الشيخ في عبدالله بن محمد انه كان واعظاً فقيهاً، وضعفه النجاشي بقوله: «إنه ضعيف» وضعَّفه الغضائري بقوله: «انه كذاب، وضّاع للحديث لا يلتفت إلى حديثه ولا يعبأ به».

ومثله علي بن أبي حمزة البطائني الذي ضعفه أهل الرجال، فعرفه الشيخ بأنه واقفّي، والعلاّمة بأنه احد عمد الواقفة. وقال الغضائري: «عليّ بن أبي حمزة لعنه الله، أصل الوقف وأشدّ الخلق عداوة للوليّ من بعد أبي إبراهيم».

ومثله إسحاق بن أحمد المكنّى بـ «أبي يعقوب أخي الاشتر» قال النجاشي: «معدن التَّخليط وله كتب في التخليط» وقال الغضائري: «فاسد المذهب، كذّاب في الرواية، وضّاع للحديث، لا يلتفت إلى ما رواه»(1).

وبذلك يعلم ضعف ما استدل به على عدم صحَّة نسبة الكتاب إلى ابن الغضائري من أن النجاشي ذكر في ترجمة الخيبري عن ابن الغضائري، انه ضعيف في مذهبه، ولكن في الكتاب المنسوب اليه: «إنه ضعيف الحديث، غالي المذهب» فلو صحَّ هذا الكتاب، لذكر النجاشي ما هو الموجود أيضاً(2).

وذلك لما عرفت من أن الرجل كان ذا روحيَّة خاصَّة، وكان إذا رأى


1 . لاحظ سماء المقال: 1 / 19 ـ 21 بتلخيص منّا.
2 . معجم رجال الحديث: 1 / 114، من المقدَّمات طبعة النجف، والصفحة 102 طبعة لبنان.


(102)

مكروهاً، اشتدَّت عنده بشاعته وكثرت لديه شناعته، فيأتي بألفاظ لا يصحّ التعبير بها الا عند صاحب هذه الروحية، ولما كان النجاشي على جهة الاعتدال نقل مرامه من دون غلوّ وإغراق.

وبالجملة الآفة كلّ الآفة في رجاله هو تضعيف الأجلة والموثَّقين مثل «أحمد بن مهران» قال: «أحمد بن مهران روى عنه الكليني ضعيف» ولكن ثقة الاسلام يروي عنه بلا واسطة، ويترحَّم عليه كما في باب مولد الزهراء- عليها السلام - (1) قال: «أحمد بن مهران - رحمه الله -رفعه وأحمد بن إدريس عن محمد بن عبد الجبار الشيباني» إلى غير ذلك من الموارد.

ولأجل ذلك لا يمكن الاعتماد على تضعيفاته، فضلا عن معارضته بتوثيق النجاشي خبير الفنّ والشيخ عماد العلم. نعم ربما يقال توثيقاته في أعلى مراتب الاعتبار ولكنه قليل وقد عرفت من المحقق الداماد من أنه قل أن يسلم أحد من جرحه او ينجو ثقة من قدحه(2). وقد عرفت آنفاً وسيأتي أن الاعتماد على توثيقه كالاعتماد على جرحه.

النظرية الخامسة

وفي الختام نشير إلى نظرية خامسة وان لم نوعز اليها في صدر الكلام وهي أنه ربما يقال بعدم اعتبار تضعيفات ابن الغضائري لانه كان جراحا كثير الردّ على الرواة، وقليل التعديل والتصديق بهم ومثل هذا يعدّ خرقاً للعادة وتجاوزاً عنها، وانما يعتبر قول الشاهد إذا كان انسانا متعارفاً غير خارق للعادة. ولأجل ذلك لو ادعى رجلان رؤية الهلال مع الغيم الكثيف في السماء وكثرة الناظرين، لا يقبل قولهما، لان مثل تلك الشهادة تعدّ على خلاف العادة، وعلى ذلك فلا يقبل تضعيفه، ولكن يقبل تعديله.


1 . الكافي: 1 / 458، الحديث 3.
2 . لاحظ سماء المقال: 22.


(103)

وفيه: أن ذلك إنما يتمّ لو وصل الينا كتاب الممدوحين منه، فعندئذ لو كان المضعفون أكثر من الممدوحين والموثقين، لكان لهذا الرأي مجال. ولكن يا للأسف! لم يصل الينا ذلك الكتاب، حتى نقف على مقدار تعديله وتصديقه، فمن الممكن أن يكون الممدوحون عنده أكثر من الضعفاء، ومعه كيف يرمى بالخروج عن المتعارف؟

ولأجل ذلك نجد أن النسبة بين ما ضعفه الشيخ والنجاشي أو وثَّقاه، وما ضعَّفه ابن الغضائري او وثقه، عموم من وجه. فربَّ ضعيف عندهما ثقة عنده وبالعكس، وعلى ذلك فلا يصحّ رد تضعيفاته بحجّة أنه كان خارجاً عن الحدّ المتعارف في مجال الجرح.

بل الحقّ في عدم قبوله هو ما أوعزنا اليه من أن توثيقاته وتضعيفاته لم تكن مستندة الى الحسّ والشهود والسماع عن المشايخ والثقات، بل كانت مستندة الى الحدس والاستنباط وقراءة المتون والروايات، ثمَّ القضاء في حقّ الراوي بما نقل من الرواية، ومثل هذه الشهادة لا تكون حجة لا في التضعيف ولا في التوثيق. نعم، كلامه حجة في غير هذا المجال، كما إذا وصف الراوي بأنه كوفيٌّ او بصريٌّ أو واقفيٌّ او فطحيٌّ او له كتب، والله العالم بالحقائق.