welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : كليات في علم الرجال*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

كليات في علم الرجال

(412)

6 ـ الواقفة

وهم الذين ساقوا الامامة إلى جعفر بن محمد، ثم زعموا ان الإمام بعد جعفر كان ابنه موسى بن جعفر - عليهما السلام -، وزعموا ان موسى بن جعفر حي لم يمت، وانه المهدي المنتظر، وقالوا انه دخل دار الرشيد ولم يخرج منها وقد علمنا امامته وشككنا في موته فلا نحكم في موته إلاّ بتعيين، هذا مع ان مشهد موسى بن جعفر معروف في بغداد (1).

وقال الشهرستاني: «كان موسى بن جعفر هو الذي تولى أمر الصادق وقام به بعد موت ابيه ورجع اليه الشيعة واجتمعت عليه مثل المفضل بن عمر وزرارة بن اعين وعمار الساباطي، ثم ان موسى لما خرج واظهر الإمامة حمله هارون الرشيد من المدينة، فحبسه عند عيسى بن جعفر، ثم اشخصه إلى بغداد عند السندي بن شاهك، وقيل ان يحيى بن خالد بن برمك سمه في رطب فقتله، ثم اخرج ودفن في مقابر قريش واختلفت الشيعة بعده ـ إلى ان قال: ومنهم من توقف عليه وقال: انه لم يمت وسيخرج بعد الغيبة ويقال لهم الواقفية» (2).

وقال النوبختي: «ان وجوه اصحاب ابي عبدالله ثبتوا على امامة موسى بن جعفر، حتى رجع إلى مقالتهم عامة من كان قال بامامة عبدالله بن جعفر فاجتمعوا جميعاً على امامة موسى بن جعفر، ثم ان جماعة المؤمنين بموسى بن جعفر بعد ما مات موسى في حبس الرشيد صاروا خمس فرق، فمن قال مات ورفعه الله اليه وأنه يردّه عند قيامه فسمّوا هؤلاء الواقفية»(3).

غير أن هؤلاء لم يشيروا إلى أنه كيف برزت تلك الفرقة ولكنَّ أبا عمرو


1 . الفرق بين الفرق: 63.
2 . الملل والنحل: 1 / 168 ـ 169.
3 . فرق الشيعة: 89 ـ 91.


(413)

الكشي صاحب الرجال المعروف قد كشف الستر عن كيفية نشوء هذه الفرقة وقال ما هذا خلاصته: «كان بدء الواقفية انه كان اجتمع ثلاثون الف رجل عند الاشاعثة لزكاة اموالهم وما كان يجب عليهم فيها، فحملوها إلى وكيلين لموسى بن جعفر - عليهما السلام -بالكوفة، احدهما حنان السراج وآخر كان معه، وكان موسى - عليه السلام -في الحبس، فاتخذا بذلك دوراً وعقاراً واشتريا الغلات، فلما مات موسى - عليه السلام -وانتهى الخبر اليهما، انكرا موته واذاعا في الشيعة انه لا يموت، لانه القائم، فاعتمدت عليهما طائفة من الشيعة وانتشر قولهما في الناس حتى كان عند موتهما اوصيا بدفع المال إلى ورثة موسى- عليه السلام -واستبان للشيعة انهما انما قالا ذلك حرصاً على المال» (1).

واعلم ان اطلاق الوقف ينصرف إلى من وقف على الكاظم - عليه السلام -ولا ينصرف إلى غيرهم إلاّ بالقرينة. نعم ربما يطلق على من وقف على الكاظم من الائمة في زمانه- عليه السلام -، ويستفاد من الروايات المروية في رجال الكشي في ترجمة يحيى بن أبي القاسم اطلاق الوقف في حال حياة الكاظم - عليه السلام -(2).

وبهذا يعلم ان الواقفية صنفان، صنف منهم وقفوا على الكاظم في زمانه واعتقدوا كونه قائم آل محمد - عليهم السلام - وماتوا في زمانه كسماعة، وصنف وقفوا عليه بعد موته ولا يصح تضليل من وقف على الكاظم في زمان حياته لشبهة حصلت له، لانه عرف إمام زمانه.

وها هنا كلمة قيمة للوحيد البهبهاني، يرشدنا إلى علة حصول شبهة الوقف في بعض الشيعة وهو ان الشيعة من فرط حبهم دولة الائمة وشدة تمنيهم اياها وبسبب الشدائد والمحن التي كانت عليهم وعلى ائمتهم، كانوا دائماً


1 . رجال الكشي: 390، الرقم 329.
2 . رجال الكشي: 402 ـ 403، الرقم 346 و 347.


(414)

مشتاقين إلى دولة قائم آل محمد- عليهم السلام -، متوقعين لوقوعه عن قريب، ولاجل ذلك قيل ان الشيعة تربي بالاماني، ومن ذلك انهم كانوا كثيراً ما يسألون عن ائمتهم عن قائمهم، فلربما قال واحد منهم فلان ـ يعني الذي يجيء بعد ـ تسلية لخواطرهم، تصوروا ان المراد هو الذي يجيء بعد ذلك الإمام بلا فاصلة وهم من فرط ميل قلوبهم وزيادة حرصهم ربما كانوا لا يتفطنون (1).

7 ـ الخطابية

وهم فرقة يتظاهرون بالوهية الإمام الصادق - عليه السلام -وان ابا الخطاب ـ اعني محمد بن مقلاص ابا زينب الأسدي الكوفي الأجدع، البزاز ـ نبي مرسل، أمر الصادق - عليه السلام -بطاعته وهم احلوا المحارم وتركوا الفرائض، وقد اورد الكشي في رجاله روايات كثيرة في ذمه وقد قتله عيسى بن موسى صاحب المنصور في الكوفة .

روى الكشي عن عيسى بن ابي منصور قال: سمعت ابا عبدالله - عليه السلام -عندما ذكر ابو الخطاب عنده فقال: اللّهم العن ابا الخطاب فانه خوفني قائماً وقاعداً وعلى فراشي، اللّهم اذقه حر الحديد.

وقد نقل عن إبراهيم بن ابي اسامة قال: قال رجل لابي عبدالله - عليه السلام -: اُؤخر المغرب حتى تستبين النجوم؟ فقال: خطابية ان جبرائيل انزلها على رسوله حين سقط القرص.

ونقل أيضاً عن يونس بن عبد الرحمن، عن ابي عبدالله - عليه السلام -قال: كتب ابو عبدالله إلى ابي الخطاب بلغني انك تزعم ان الزنا رجل، وان الخمر رجل، وان الصلاة رجل، والصيام رجل، والفواحش رجل وليس هو كما تقول. انا اصل الحق، وفروع الحق طاعة الله، وعدونا اصل الشر،


1 . الفرائد الرجالية، الفائدة الثانية: 40.


(415)

وفروعهم الفواحش، كيف يطاع من لا يعرف وكيف يعرف من لا يطاع؟ (1).

ثم ان الخطابية لما بلغهم ان جعفر بن محمد - عليهما السلام -لعنه وبرأ منه ومن اصحابه تفرقوا اربع فرق.

قال الشهرستاني: «ان ابا الخطاب عزى نفسه إلى ابي عبدالله جعفر بن محمد الصادق ولما وقف الصادق على غلوه الباطل في حقه، تبرأ منه ولعنه وأمر اصحابه بالبراءة منه، وشدد القول في ذلك، وبالغ في التبري منه واللعن عليه فلما اعتزل عنه ادعى الإمامة لنفسه».

ثم ذكر قسماً من ارائه الفاسدة والفرق المنتمية اليه (2).

8 ـ المغيرية

وهم اتباع المغيرة بن سعيد العجلي خرج بظاهر الكوفة في امارة خالد بن عبدالله القسري فظفر به فاحرقه واحرق اصحابه سنة 119 هـ (3).

روى الكشي عن الرضا - عليه السلام -: «كان المغيرة بن سعيد يكذب على ابي جعفر فاذاقه الله حر الحديد».

وروى عن ابن مسكان عمن حدثه من اصحابنا عن ابي عبدالله - عليه السلام -قال: سمعته يقول: «لعن الله المغيرة بن سعيد، انه كان يكذب على ابي فاذاقه الله حر الحديد، لعن الله من قال فينا ما لا نقوله في انفسنا ولعن الله من ازالنا عن العبودية لله الذي خلقنا واليه مآبنا ومعادنا وبيده نواصينا» (4).

وروى أيضاً عن يونس بن عبد الرحمن ان بعض اصحابنا سأله وانا حاضر


1 . راجع في هذه الروايات واضرابها; رجال الكشي: 246، رقم الترجمة 135.
2 . الملل والنحل: 1 / 179 ـ 181.
3 . تاريخ الطبري: 5 / 456 تحت عنوان: خروج المغيرة بن سعيد في نفر وذكر الخبر عن مقتلهم.
4 . رجال الكشي: 195 ـ 196، رقم الترجمة 103.


(416)

فقال له: يا ابا محمد ما اشدك في الحديث واكثر انكارك لما يرويه اصحابنا، فما الذي يحملك على رد الاحاديث؟ فقال: حدثني هشام بن الحكم انه سمع ابا عبدالله- عليه السلام -يقول: «لا تقبلوا علينا حديثاً إلاّ ما وافق القرآن والسنة او تجدون معه شاهداً من احاديثنا المتقدمة، فان المغيرة بن سعيد لعنه الله دس في كتب اصحاب ابي احاديث لم يحدث بها ابي».

وروى الكشي عن يونس قال: «وافيت العراق فوجدت بها قطعة من اصحاب ابي جعفر - عليه السلام -ووجدت اصحاب ابي عبدالله - عليه السلام -متضافرين فسمعت منهم واخذت كتبهم فعرضتها بعد على ابي الحسن الرضا - عليه السلام -فانكر منها احاديث كثيرة ان تكون احاديث ابي عبدالله - عليه السلام -وقال لي: ان ابا الخطاب كذب على ابي عبدالله - عليه السلام -، لعن الله ابا الخطاب وكذلك اصحاب ابي الخطاب يدسون هذه الاحاديث إلى يومنا هذا في كتب اصحاب ابي عبدالله، فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن».

وروى أيضاً عن يونس عن هشام بن الحكم انه سمع ابا عبدالله - عليه السلام -يقول: «كان المغيرة بن سعيد يتعمد الكذب على ابي ويأخذ كتب اصحابه، وكان اصحابه المستترون باصحاب أبي يأخذون الكتب من اصحاب أبي فيدفعونها إلى المغيرة، فكان يدس فيها الكفر والزندقة ويسندها إلى ابي، ثم يدفعها إلى اصحابه فيأمرهم ان يبثوها في الشيعة، فكل ما كان في كتب اصحاب ابي من الغلو فذاك ما دسه المغيرة بن سعيد في كتبهم» (1).

وهذه الاحاديث تعطي بوضوح ان الدس كان يرجع إلى الغلوّ في الفضائل والمغالاة، كما يصرح به قوله: «فكان يدس فيها الكفر والزندقة» وقوله:


1 . راجع رجال الكشي: 195 ـ 196.


(417)

«فكل ما كان في كتب اصحاب ابي من الغلو» وكانت الاحاديث المروية حول الفروع والاحكام محفوظة عن الدس.

قال النوبختي: «اما المغيرية اصحاب المغيرة بن سعيد فانهم نزلوا معهم (مع الزيدية) إلى القول بامامة محمد بن عبدالله بن حسن وتولوه واثبتوا امامته، فلما قتل صاروا لا إمام لهم ولا وصي ولا يثبتون لاحد امامة بعده» (1).

وما ذكره النوبختي يكشف عن وجه عداوته للامام الباقر - عليه السلام -، فان الزيدية ومن لف لفهم يعتقدون بامامة زيد بن علي بعد الحسين، ثم امامة يحيى بن زيد بن علي، وبعده بامامة عيسى بن زيد بن علي، ثم بامامة محمد بن عبدالله بن الحسن الملقب بالنفس الزكية المقتول في المدينة سنة 145.

والرجل لانحرافه عن الامام الباقر كان يدس في كتب اصحابه ليشوه سمعته بادخال الاحاديث الحاكية عن المغالاة في الفضائل (2).

9 ـ الغلاة

وهم الذين غلوا في حق النبي وآله حتى اخرجوهم من حدود الخليقة، والخطابية والمغيرية من هذه الصنوف غير ان كثرة ورودهم على السن الائمة وفي طيات الاحاديث صارت سبباً لعنوانهم مستقلين وان كان الكل داخلاً تحت هذا العنوان (الغلاة).

ثم ان الغلاة صنوف قد عدهم الشهرستاني احد عشر صنفاً منهم: السبائية، الكاملية، العليائية، المغيرية، المنصورية، الخطابية، الكيالية، الهشامية، النعمانية، اليونسية، النصيرية (الاسحاقية) ثم ذكر آراءهم وعقائدهم (3).


1 . فرق الشيعة: 71 ـ 72.
2 . راجع في تفسير احواله: الملل والنحل: 1 / 176 ـ 177.
3 . لاحظ الملل والنحل: 1 / 174 ـ 190.


(418)

اقول: ما ذكره من الصنوف وما نسب إليهم من الآراء السخيفة غير ثابت جدّاً، خصوصاً ما زعم من الفرقة السبائية التي أصبحت اسطورة تاريخية اختلقها بعض المؤرّخين ونقلها الطبري بلا تحقيق وأخذ عنه الآخرون وهكذا ساق واحد بعد واحد(1).

ويتلوه في البطلان ما نسبه إلى هشام بن حكم من الآراء كالتشبيه وغيره، فإن هذه الآراء ممّا يستحيل أن ينتحل بها تلميذ الإمام الصادق - عليه السلام -الذي تربّى في أحضانه، ومن الممكن جدّاً، بل هو الواقع أن رمي هشام بهذه الآراء إنما جاء من جانب المخالفين والحاسدين لفضله والمنكرين لفضل بحثه، فلم يجدوا مخلصاً إلاّ تشويه سمعته بنسبة الأقاويل الباطلة اليه(2).

ومثله ما نسبه إلى محمد بن نعمان أبي جعفر الاحول الملقّب بمؤمن الطاق وإن لقَّبه مخالفوه بشيطان الطاق عصياناً لقوله سبحانه: (ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق) (3).

هذه ليست أول قارورة كسرت في التاريخ، بل لها نظائر وأماثل كثيرة، فكم من رجال صالحين شوَّه التاريخ سمعتهم، وكم من أشخاص طالحين قد وزن لهم التاريخ بصاع كبير، وعلى أي تقدير فلا نجد لأكثر هذه الفرق بل جميعها مصداقاً في أديم الارض، ولو وجد من الغلاة من الطراز الذي ذكره الشهرستاني في الجوامع الاسلامية، فإنما هي فرقة العلياوية وهم الذين يقولون بربوبية علي بن أبي طالب - عليه السلام -وربما يفسر النصيرية أيضا بهذا المعنى(4).


1 . لاحظ كتاب عبدالله بن سبأ للعلاّمة السيد مرتضى العسكري.
2 . انظر كتاب هشام بن حكم للعلاّمة الشيخ نعمة، فقد ألف كتاباً في ترجمة هشام بن حكم ونزه ساحته عن تلك المغالاة.
3 . الحجرات: 11.
4 . نقله العلاّمة المامقاني عن بعض معاصريه. لاحظ مقباس الهداية: 146.


(419)

قال الكشي: «وقالت فرقة بنبّوة محمد بن نصير الفهري النميري، وذلك أنه ادّعى أنه نبي رسول، وأن علي بن محمد العسكري أرسله، وكان يقول بالتناسخ والغلوّ في أبي الحسن الهادي - عليه السلام -ويقول فيه بالربوبية ـ إلى آخر ما قاله»(1).

وقال النوبختي: «فرقة من القائلين بامامة علي بن محمد في حياته قالت بنبوَّة رجل يقال له محمد بن نصير النميري، وكان يدَّعي أنه نبي بعثه أبو الحسن العسكري، وكان يقول بالتناسخ والغلوّ في أبي الحسن الهادي، ويقول فيه بالربوبية ويقول بالاباحة للمحارم»(2).

وعلى كل تقدير، فلا جدوى في البحث عن الغلاة على النحو الذي ذكره الشهرستاني وغيره في كتابه، فان الرواة الواردين في أسناد الروايات، منزهون عن الغلوّ بهذا المعنى الذي يوجب الخروج عن التوحيد والاسلام، ويلحق الرجل بالكفار والمشركين، كالقول بالربوبية ورسالة غير نبيّنا أو غير ذلك.

نعم وصف عدَّة من الرواة بالغلوّ والمغالاة ووقعوا في أسناد الروايات، فيجب البحث عن هذا الطراز من الغلوّ لأن وضع كتابنا لا يقتضي إلاّ البحث فيما يرجع إلى الرواة والرجال الذين جاءت أسماؤهم في أسناد الروايات.

التفويض ومعانيه

إن الفرقة المعروفة بالغلوّ هي فرقة المفوّضة، غير أنه يجب تحقيق معناها حتى يتبين الصحيح عن الزائف فنقول: إن التفويض يفسر بوجوه:

الأول: تفويض خلقة العالم إلى النبي والأئمة- عليهم السلام -وأنهم هم الخالقون والرازقون والمدبرون للعالم.


1 . رجال الكشي: 438.
2 . فرق الشيعة: 102 ـ 103.


(420)

وغير خفيّ أن التفويض بهذا المعنى شرك على وجه، وباطل على وجه آخر. فلو قالوا بأن الله سبحانه فوض أمر الخلق والتدبير اليهم - عليهم السلام -واعتزل هو عن كل شيء، فهذا هو الشرك والكفر، يخالفه العقل والبرهان، ويضادّه صريح الآيات. قال سبحانه (بديع السموات والأرض أنّى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم * ذلكم الله ربكم لا إله إلاّ هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل) (1).

وقال سبحانه: (إنَّ ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستّة أيام ثم استوى على العرش يدبّر الأمر ما من شفيع إلاّ من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون).(2)

ولو زعموا أن النبي والأئمة من جملة الأسباب لخلق العالم وتدبيره، وأن الفاعل الحقيقي والسبب الواقعي هو الله سبحانه، وهو لم يعتزل بعد، وإنما جعلهم في مرتبة الاسباب والعلل، فهذا القول وإن كان لا يوجب الشرك، لكنه غير صحيح، فان النبي والأئمة- عليهم السلام -ليسوا من أسباب الخلقة، بل هم يستفيدون من تلك الاسباب الطبيعية وتتوقف حياتهم على وجود العلل والأسباب المادية، فكيف يكونون في مرتبة العلل والأسباب؟ فالنبي والإمام يستنشقان الهواء، ويسدّان جوعهما بالطعام، ويداويان بالادوية إلى غير ذلك من الاُمور التي يتصف بها كل الناس.

نعم إن للعالم الامكاني ظاهره وباطنه، دنياه واُخراه مدبراً ومدبّرات يدبّرون الكون بأمره سبحانه كما ينبئ عنه قوله تعالى: (فالمدبّرات أمراً) (3).

وقال سبحانه: (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) (4).


1 . الانعام: 101 ـ 102.
2 . يونس: 3.
3 . النازعات: 5.
4 . التحريم: 6.


(421)

وقال الصادق - عليه السلام -: «أبى الله أن يجري الأشياء إلاّ بأسباب فجعل لكل شيء سبباً، وجعل لكل سبب شرحاً، وجعل لكل شرح علماً، وجعل لكل علم باباً ناطقاً، عرفه من عرفه وجهله من جهله، ذاك رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -ونحن»(1).

ومع هذا الاعتراف فليس النبي والإمام من أسباب الخلق والتدبير، وإنما هم وسائط بين الخالق والخلق في إبلاغ الاحكام وإرشاد العباد، وسائر الفيوض المعنوية من الهداية الظاهرية والباطنية.

فان قلت: قد تواترت الروايات بأنه لولا الحجّة لساخت الارض بأهلها، وقد عقد الكليني في كتاب الحجة باباً لذلك وقال: «إن الارض لا تخلو من حجة» وأورد فيه روايات تبلغ ثلاث عشرة رواية(2).

قلت: لا إشكال في صحة هذه الروايات، ولكنها لا تهدف إلى كون النبي والإمام من الاسباب والمدبّرات التي نزل به الذكر الحكيم، ونطق به الحديث الصحيح، وإنما تهدف إلى أحد أمرين:

الأول: إن النبي والإمام غاية لخلق العالم، ولولا تلك الغاية لما خلق الله العالم، بل كان خلقه أمراً لغواً.

وبعبارة اُخرى إن العالم خلق لتكوّن الانسان الكامل فيه، ومن أوضح مصاديقه هو النبي والإمام، ومن المعلوم أن فقدان الغاية يوجب فقدان ذيها، ولأجل ذلك يصحّ أن يقال: إن الانسان الكامل يكون من بسببه الوجود سببية غائية، لا منه الوجود سببية فاعلية معطية له فهو سبب غائي لا علة فاعلية، فاحفظ ذلك فانه ينفعك.

الثاني: إن الحجة يعرف الحلال والحرام ويدعو الناس إلى سبيل الله،


1 . الكافي: 1 / 183 ، كتاب الحجة، الحديث 7.
2 . الكافي: 1 / 178.


(422)

وأنه لولاه لما عرف الحق من الباطل، وقد جرت مشيئته الحكيمة على أن يهديهم إلى سبل الرشاد بعد خلقهم ولا يتركهم سدى. قال سبحانه: (وما كان ربّك مهلك القرى حتى يبعث في اُمّها رسولاً) (1).

وإلى كلا الوجهين تصريحات في روايات الباب. أما الأول، فعن أبي حمزة قال: «قلت لأبي عبدالله أتبقى الارض بغير إمام؟ قال: لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت». وأما الثاني، فعن أبي بصير، عن أحدهما- عليهما السلام -قال: «إن الله لم يدع الأرض بغير عالم، ولولا ذلك لم يعرف الحقّ من الباطل»(2).

ولشيخنا العلاّمة المجلسي كلام في التفويض ننقله بنصّه قال:

«وأما التفويض فيطلق على معان بعضها منفي عنهم- عليهم السلام -وبعضها مثبت لهم.

الأول: التفويض في الخلق والرزق والتربية والاماتة والاحياء، فان قوماً قالوا: إن الله تعالى خلقهم وفوَّض اليهم أمر الخلق، فهم يخلقون ويرزقون ويميتون ويحيون، وهذا الكلام يحتمل وجهين:

أحدهما أن يقال: إنهم يفعلون جميع ذلك بقدرتهم وإرادتهم وهم الفاعلون حقيقة، وهذا كفر صريح دلّت على استحالته الأدلة العقلية والنقلية ولا يستريب عاقل في كفر من قال به.

وثانيهما: أن الله تعالى يفعل ذلك مقارناً لارادتهم كشقّ القمر وإحياء الموتى وقلب العصا حيّة وغير ذلك من المعجزات، فان جميع ذلك إنما تحصل بقدرته تعالى مقارناً لارادتهم لظهور صدقهم، فلا يأبى العقل عن أن يكون الله تعالى خلقهم وأكملهم وألهمهم ما يصلح في نظام العالم، ثم خلق


1 . القصص: 59.
2 . الكافي: 1 / 178، الحديث 5 و 10 وغيرهما من الروايات.


(423)

كل شيء مقارناً لارادتهم ومشيّتهم.

وهذا وان كان العقل لا يعارضه كفاحاً، لكن الأخبار السالفة تمنع من القول به فيما عدا المعجزات ظاهراً بل صراحاً، مع أن القول به قول بما لا يعلم، إذ لم يرد ذلك في الأخبار المعتبرة فيما نعلم.

وما ورد من الأخبار الدالة على ذلك كخطبة البيان وأمثالها، فلم يوجد إلاّ في كتب الغلاة وأشباههم، مع أنه يحتمل أن يكون المراد كونهم علّة غائية لايجاد جميع المكونات، وأنه تعالى جعلهم مطاعين في الأرضين والسماوات، ويطيعهم بإذن الله تعالى كل شيء حتى الجمادات، وأنهم إذا شاءُوا أمراً لا يرد الله مشيئتهم ولكنهم لا يشاءُون إلاّ أن يشاء الله.

وأما ما ورد من الأخبار في نزول الملائكة والروح لكل أمر اليهم، وأنه لا ينزل ملك من السماء لأمر إلاّ بدأ بهم، فليس ذلك لمدخليتهم في ذلك ولا الاستشارة بهم، بل له الخلق والأمر تعالى شأنه، وليس ذلك إلاّ لتشريفهم وإكرامهم وإظهار رفعة مقامهم»(1).

وما ذكره هو الحقّ، إلاّ أن ظواهر الآيات والروايات في المعاجز على خلاف ما اختاره، لظهورها في كون المعجزات مستندة اليهم أنفسهم بإذن الله. قال سبحانه: (وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيراً بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني)(2). فان الخطابات دليل على أنهم- عليهم السلام -قائمون بها باذن الله. وللبحث مجال آخر.

الثاني: تفويض الحلال والحرام اليهم، أي فوض اليهم أن يحللوا ما شاءُوا ويحرموا أيضاً ما شاءُوا، وهذا أيضاً ضروري البطلان، فان النبي ليس


1 . بحار الانوار: 25 / 347.
2 . المائدة: 110.


(424)

شارعاً للاحكام، بل مبين وناقل له، وليس شأنه في المقام إلاّ شأن ناقل الفتيا بالنسبة إلى المقلدين، قال سبحانه: (قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدّله قل ما يكون لي أن اُبدّله من تلقائ نفسي إن أتبع إلاّ ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم)(1) وقال سبحانه: (واتّبع ما يوحى إليك من ربّك إن الله كان بما تعملون خبيراً) (2)وقال سبحانه: (اتّبع ما اُوحي اليك من ربّك لا إله إلاّ هو وأعرض عن المشركين)(3) وهذه الآيات والروايات المتضافرة، تفيد بوضوح أن النبي لم يكن شارعاً بل كان ناقلاً ومبيناً لما اُوحي اليه، فلم يكن له إلاّ تحليل ما أحلّ او تحريم ما حرم الله، وقد نقل سيدنا الاستاذ الأكبر ـ دام ظله ـ أن الصدوق قد عدَّ إطلاق لفظ الشارع على النبي الأكرم من الغلوّ في حقه - صلى الله عليه وآله وسلم -.

نعم عقد الكليني في كتاب الحجّة من اصول الكافي باباً أسماه «التفويض إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -وإلى الائمة- عليهم السلام -فى أمر الدين» فربما يتبادر منه إلى الذهن أن النبي قد شرع بعض الاحكام. فروى بسند صحيح عن الامام الصادق - عليه السلام -يقول: «إن الله عز وجل أدب نبيه فأحسن أدبه، فلما أكمل له الأدب، قال: إنك لعلى خلق عظيم ثمَّ فوض اليه أمر الدين والاُمة ليسوس عباده فقال عز وجل: (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)وإن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -كان مسدّداً موفقاً مؤيداً بروح القدس لا يزل ولا يخطئ في شيء ممّا يسوس به الخلق، فتأدب بآداب الله، ثم إن الله عزَّ وجل فرض الصلاة ركعتين ركعتين، عشر ركعات فأضاف رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم -إلى الركعتين، ركعتين وإلى المغرب ركعة، فصارت عديل الفريضة لا يجوز تركهن إلاّ في سفر، وأفرد الركعة في المغرب فتركها قائمة في السفر والحضر، فأجاز الله عز وجل له ذلك كلّه، فصارت الفريضة سبع عشرة ركعة، ثم سن رسول الله النوافل أربعاً وثلاثين ركعة مثلي الفريضة، فأجاز الله عز وجل له ذلك، والفريضة والنافلة


1 . يونس: 15.
2 . الاحزاب: 2.
3 . الانعام: 106.


(425)

إحدى وخمسون ركعة، منها ركعتان بعد العتمة جالساً تعدّ بركعة مكان الوتر، وفرض الله في السنة صوم شهر رمضان وسنَّ رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -صوم شعبان، وثلاثة أيام في كل شهر مثلي الفريضة، فأجاز الله عز وجل له ذلك وحرم الله عز وجل الخمر بعينها، وحرم رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -المسكر من كلّ شراب فأجاز الله له ذلك كله... الخ»(1).

اقول: إن مضمون الروايات يوجه بوجهين:

الأول: إن الله سبحانه علم الرسول مصالح الاحكام ومفاسدها، وأوقفه على ملاكاتها ومناطاتها، ولما كانت الاحكام تابعة لمصالح ومفاسد كاملة في متعلقاتها، وكان النبي بتعليم منه سبحانه واقفاً على المصالح والمفاسد على اختلاف درجاتها ومراتبها، كان له أن ينصّ على أحكامه سبحانه من طريق الوقوف على عللها وملاكاتها، ولا يكون الاهتداء إلى أحكامه سبحانه من طريق التعرّف على عللها بأقصر من الطرق الاخر التي يقف بها النبي على حلاله وحرامه، وإلى هذا يشير الإمام أمير المؤمنين- عليه السلام -بقوله: «عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية، لا عقل سماع ورواية فان رواة العلم كثير ورعاته قليل»(2) غير أن اهتداءه - صلى الله عليه وآله وسلم -إلى الاحكام وتنصيصه بها من هذا الطريق، قليل جدّاً لا تتجاوز عمّا ذكرناه إلاّ بقليل، وبذلك يعلم حال الأئمة المعصومين- عليهم السلام -في هذا المورد.

الثاني: إن عمل الرسول لم يكن في هاتيك الموارد سوى مجرَّد طلب، وقد أنفذ الله طلبه، لا أنه قام بنفسه بتشريع وتقنين، ويشير إلى ذلك بقوله: «فأجاز الله عز وجل له ذلك».

ولو أن النبي كان يمتلك زمام التشريع وكان قد فوّض اليه أمر التقنين على


1 . الكافي: 1 / 266، الحديث 4، وقد ذكر بعض الاجلة موارد اخر من هذا القبيل.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 234، طبعة عبده.


(426)

نحو ما تفيده كلمة التفويض، لما احتاج إلى إذنه وإجازته المجددة، ولما كان للجملة المذكورة أي معنى، فالحاصل أن ما صدر من النبي لم يكن بصورة التشريع القطعي، بل كان دعاء وطلباً من الله سبحانه لما وقف على مصالح في ما دعاه وقد استجاب دعاءه كما يفيده قوله في الحديث «فأجاز الله عز وجل له ذلك».

قال العلاّمة المجلسي: «التفويض في أمر الدين يحتمل وجهين:

أحدهما: أن يكون الله تعالى فوض إلى النبي والأئمة عموماً أن يحلوا ما شاءُوا ويحرّموا ما شاءُوا من غير وحي وإلهام، أو يغيروا ما اُوحي اليهم بآرائهم، وهذا باطل لا يقول به عاقل، فان النبي كان ينتظر الوحي أياماً كثيرة لجواب سائل، ولا يجيبه من عنده وقد قال تعالى(وما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى) (1).

وثانيهما: أنه تعالى لما أكمل نبيه بحيث لم يكن يختار من الاُمور شيئاً إلاّ ما يوافق الحق والصواب، ولا يخطر بباله ما يخالف مشيئته تعالى في كل باب، فوض اليه تعيين بعض الامور كالزيادة في الصلاة وتعيين النوافل في الصلاة والصوم، وطعمة الجدّ وغير ذلك ممّا مضى وسيأتي، اظهاراً لشرفه وكرامته عنده، ولم يكن أصل التعيين إلاّ بالوحي، ولم يكن الاختيار إلاّ بالالهام، ثم كان يؤكد ما اختاره بالوحي، ولا فساد في ذلك عقلاً، وقد دلت النصوص المستفيضة عليه ممّا تقدم في هذا الباب وفي أبواب فضائل نبينا من المجلد السادس.

ولعلّ الصدوق - رحمه الله -أيضاً إنما نفى المعنى الأول، حيث قال في الفقيه: «وقد فوض الله عز وجل إلى نبيه أمر دينه، ولم يفوض اليه تعدّي حدوده» وأيضاً هو - رحمه الله -قد روى كثيرا من أخبار التفويض في كتبه ولم يتعرض لتأويلها.


1 . النجم: 4.


(427)

الثالث: تفويض بيان العلوم والاحكام، وهذا مما لا شك ولا شبهة فيه، قال سبحانه: (ونزَّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين)(1) وقال سبحانه: (وأنزلنا اليك الذكر لتبيّن للناس ما نزل اليهم) (2) وهذه الآية تفيد أن من شؤون النبي مضافاً إلى التلاوة هو تبيين ما نزل اليه من الآيات الحكيمة.

والآيات والاحاديث في ذلك كثيرة جدّاً. قال الباقر - عليه السلام -مخاطباً لجابر: «يا جابر لو كنا نحدثكم برأينا وهوانا، كنا من الهالكين، ولكنا نحدثكم بأحاديث نكنزها عن رسول الله كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضتهم» وفي رواية «ولكنّا نفتيهم بآثار من رسول الله واصول علم عندنا نتوارثها كابراً عن كابر».

وفي رواية محمد بن شريح عن الصادق - عليه السلام -: «والله ما نقول بأهوائنا ولا نقول برأينا ولكن نقول ما قال ربّنا».

وفي رواية عنه: «مهما أجبتك فيه بشيء فهو عن رسول الله. لسنا نقول برأينا من شيء»(3) إلى غير ذلك من الاحاديث المفيدة أن أحاديثهم مأخوذة عن نبيّهم.

غير أنهم- عليهم السلام -يبيّنون الاحكام حسب اختلاف عقول الناس، ويفتون حسب المصالح، فتارة يبيّنون الاحكام الواقعية، واُخرى الاحكام الواقعية الثانوية حسب مصالح المكلفين كما هو معلوم من افتائهم بالتقية.

قال العلاّمة المجلسي - رحمه الله -: «تفويض بيان العلوم والاحكام بما رأوا المصلحة فيها بسبب اختلاف عقولهم، أو بسبب التقية فيفتون بعض الناس بالواقع من الاحكام، وبعضهم بالتقية، ويبينون تفسير الآيات وتأويلها، وبيان المعارف بحسب ما يحتمل عقل كل سائل، ولهم أن يبيّنوا ولهم أن يسكتوا كما


1 . النحل: 89.
2 . النحل: 44.
3 . راجع جامع احاديث الشيعة: 1 / 17 ، المقدمة.


(428)

ورد في أخبار كثيرة: «عليكم المسألة وليس علينا الجواب» كل ذلك بحسب ما يُريهم الله من مصالح الوقت كما ورد في خبر ابن أشيم وغيره».

روى محمد بن سنان في تأويل قوله تعالى(لتحكم بين الناس بما أريك الله)فقال: (إنا أنزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أريك الله)وهي جارية في الأوصياء(1). ولعل تخصيصه بالنبي - صلى الله عليه وآله وسلم -والأئمة- عليهم السلام -، لعدم تيسّر هذه التوسعة لسائر الانبياء والاوصياء- عليهم السلام -، بل كانوا مكلفين بعدم التقية في بعض الموارد وإن أصابهم الضرر.

والتفويض بهذا المعنى أيضاً ثابت حق بالأخبار المستفيضة.

الرابع: تفويض سياسة الناس وتأديبهم اليهم، فهم اُولوا الأمر وساسة العباد ـ كما في الزيارة الجامعة ـ واُمراء الناس، فيجب طاعتهم في كل ما يأمرون به وينهون عنه قال سبحانه: (وما أرسلنا من رسول إلاّ ليطاع بإذن الله)(2). وقال سبحانه: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)(3) . وقال سبحانه (من يطع الرسول فقد أطاع الله) (4) إلى غير ذلك من الآيات والروايات.

قال العلاّمة المجلسي: «تفويض اُمور الخلق اليهم من سياستهم وتأديبهم وتكميلهم وتعليمهم، وأمر الخلق باطاعتهم فيما أحبّوا وكرهوا، وفيما علموا جهة المصلحة فيه وما لم يعلموا، وهذا حق لقوله تعالى: (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)وغير ذلك من الآيات والاخبار، وعليه يحمل قولهم- عليهم السلام -«نحن المحلّلون حلاله والمحرّمون حرامه» أي بيانهما علينا ويجب على الناس الرجوع فيهما الينا».


1 . بصائر الدرجات: 114، ورواه في الاختصاص عن عبدالله بن مسكان. لاحظ البحار: 25 / 334.
2 . النساء: 64.
3 . النساء: 59.
4 . النساء: 80.


(429)

نعم وجوب اطاعة الرسول واُولي الأمر في طول اطاعته سبحانه فالله تعالى مطاع بالذات والرسول واُولوا الأمر مطاعون بالعرض وقد أوضحنا ذلك في «مفاهيم القرآن»(1).

وهناك تفويضان آخران يظهر من العلاّمة المجلسي - رحمه الله -.

1ـ الاختيار في أن يحكموا بظاهر الشريعة، او بعلمهم، او بما يلهمهم الله من الوقايع ومخّ الحق في كل واقعة، وهذا أظهر محامل خبر ابن سنان وعليه أيضاً دلّت الاخبار.

2ـ التفويض في العطاء، فان الله تعالى خلق لهم الارض وما فيها، وجعل لهم الأنفال والخمس والصفايا وغيرها، فلهم أن يعطوا ما شاءُوا ويمنعوا ما شاءُوا، كما مرّ في خبر الثمالي، وإذا أحطت خبراً بما ذكرنا من معاني التفويض سهل عليك فهم الاخبار الواردة فيه، وعرفت ضعف قول من نفى التفويض مطلقاً ولمّا يحط بمعانيه.

هذه هي المعاني المعقولة المتصورة من التفويض، وأما تفسير التفويض بما عليه المعتزلة كما عن العلاّمة المامقاني(2) فخارج عن موضوع البحث، فان التفويض بذلك المعنى يقابل الجبر.

فقدان الضابطة الواحدة في الغلو

المراجع إلى كلمات القدماء يجد أنهم يرمون كثيراً من الرواة بالغلوّ حسب ما اعتقد به في حق الائمة، وان لم يكن غلوّاً في الواقع، ويعجبني أن أنقل كلام الوحيد البهبهاني في هذا المقام، والتأمل فيه يعطي أن كثيرا من هذه النسب لم يكن موجباً لضعف الراوي عندنا، وان كان موجباً للضعف عند الناقل.


1 . لاحظ الجزء الأول: 530 ـ 532.
2 . مقباس الهداية: 148.


(430)

قال - قدس سره -: «فاعلم أن الظاهر أن كثيراً من القدماء لا سيما القميين منهم، والغضائري، كانوا يعتقدون للائمة- عليهم السلام -منزلة خاصة من الرفعة والجلالة، ومرتبة معينة من العصمة والكمال، بحسب اجتهادهم ورأيهم وما كانوا يجوزون التعدي عنها، يعدّون التعدّي ارتفاعاً وغلوّاً حسب معتقدهم، حتى إنهم جعلوا مثل نفي السهو عنهم غلوّاً، بل ربما جعلوا مطلق التفويض اليهم، او التفويض الذي اختلف فيه، او المبالغة في معجزاتهم ونقل العجائب من خوارق العادات عنهم، او الاغراق في شأنهم واجلالهم وتنزيههم عن كثير من النقائص، واظهار كثير قدرة لهم، وذكر علمهم بمكنونات السماء والارض، (جعلوا كل ذلك) ارتفاعاً مورثاً للتهمة به، لا سيَّما بجهة أن الغلاة كانوا مختفين في الشيعة مخلوطين بهم مدلِّسين.

وبالجملة، الظاهر أن القدماء كانوا مختلفين في المسائل الاصولية أيضاً، فربّما كان شيء عند بعضهم فاسداً، او كفراً، او غلّواً، او تفويضاً، او جبراً، او تشبيهاً، او غير ذلك، وكان عند آخر ممّا يجب اعتقاده او لا هذا ولا ذاك.

وربما كان منشأ جرحهم بالامور المذكورة وجدان الرواية الظاهرة فيها منهم ـ كما أشرنا آنفاً ـ او ادّعاء أرباب المذاهب كونهم منهم، او روايتهم عنه، وربما كان المنشأ روايتهم المناكير عنه، إلى غير ذلك، فعلى هذا ربّما يحصل التأمل في جرحهم بأمثال الاُمور المذكورة.

ومما ينبه بذلك على ما ذكرنا ملاحظة ما سيذكر في تراجم كثيرة مثل ترجمة إبراهيم بن هاشم وأحمد بن محمد بن نوح، وأحمد بن محمد بن أبي نصر، ومحمد بن جعفر بن عوف، وهشام بن الحكم، والحسين بن شاذويه، والحسين بن يزيد، وسهل بن زياد، وداود بن كثير، ومحمد بن اورمة، ونصر بن الصباح، وإبراهيم بن عمر، وداود بن القاسم، ومحمد بن عيسى بن عبيد، ومحمد بن سنان، ومحمد بن علي الصيرفي، ومفضل بن عمر،


(431)

وصالح بن عقبة، ومعلى بن خنيس، وجعفر بن محمد بن مالك، واسحاق بن محمد البصري، واسحاق بن الحسن، وجعفر بن عيسى، ويونس بن عبد الرحمن، وعبد الكريم بن عمر، وغير ذلك.

ثم اعلم أن ابن عيسى والغضائري ربما ينسبان الراوي إلى الكذب ووضع الحديث أيضاً، بعد ما نسباه إلى الغلوّ، وكأنه لروايته ما يدل عليه، ولا يخفى ما فيه وربما كان غيرهما أيضاً كذلك فتأمل»(1).

فيجب على العالم الباحث، التحقيق في كثير من النسب المرميّ بها الاجلة، لما عرفت من انه لم يكن في تلك الازمنة ضابطة واحدة ليتميز الغالي عن غيره.

قال العلاّمة المامقاني: «لا بدَّ من التأمل في جرحهم بأمثال هذه الاُمور ومن لحظ مواضع قدحهم في كثير من المشاهير كيونس بن عبد الرحمن، ومحمد بن سنان، والمفضل بن عمر وأمثالهم، عرف الوجه في ذلك، وكفاك شاهداً اخراج أحمد بن محمد بن عيسى، أحمد بن محمد بن خالد البرقي من قم، بل عن المجلسي الأول أنه أخرج جماعة من قم، بل عن المحقق الشيخ محمد ابن صاحب المعالم، أن أهل قم كانوا يخرجون الراوي بمجرد توهّم الريب فيه.

فاذا كانت هذه حالتهم وذا ديدنهم فكيف يعوَّل على جرحهم وقدحهم بمجرده، بل لا بد من التروي والبحث عن سببه والحمل على الصحة مهما أمكن، كيف لا، ولو كان الاعتقاد بما ليس بضروري البطلان عن اجتهاد، موجباً للقدح في الرجل، للزم القدح في كثير من علمائنا المتقدمين، لأن كلا منهم نسب اليه القول بما ظاهره مستنكر فاسد»(2).


1 . الفوائد الرجالية: 38 ـ 39 المطبوعة بآخر رجال الخاقاني.
2 . مقباس الهداية: 49 للمامقاني.


(432)

وممّا يؤيد ذلك ما ذكره الوحيد البهبهان في ترجمة أحمد بن محمد بن نوح السيرافي قال: «إنه حكى في الخلاصة أن الشيخ كان يذهب إلى مذهب الوعيدية (وهم الذين يكفّرون صاحب الكبيرة ويقولون بتخليده في النار)، وهو وشيخه المفيد إلى انه تعالى لا يقدر على عين مقدور العبد كما هو مذهب الجبائي، والسيد المرتضى إلى مذهب البهشمية من ان إرادته عرض لا في محل، والشيخ الجليل إبراهيم بن نوبخت إلى جواز اللّذة العقلية عليه سبحانه، وأن ماهيته معلومة كوجوده وأن ماهيته الموجود، والمخالفين يخرجون من النار ولا يدخلون الجنة، والصدوق وشيخه ابن الوليد والطبرسي إلى جواز السهو على النبي، ومحمد بن عبدالله الاسدي إلى الجبر والتشبيه، وغير ذلك ممّا يطول تعداده، والحكم بعدم عدالة هؤلاء لا يلتزمه أحد يؤمن بالله، والذي ظهر لي من كلمات أصحابنا المتقدمين، وسيرة أساطين المحدثين، أن المخالفة في غير الاُصول الخمسة لا يوجب الفسق، إلاّ أن يستلزم انكار ضروري الدين كالتجسيم بالحقيقة لا بالتسمية، وكذا القول بالرؤية بالانطباع او الانعكاس، وأما القول بها لا معهما فلا، لانه لا يبعد حملها على ارادة اليقين التام، والانكشاف العلمي، وأما تجويز السهو عليه وادراك اللذة العقلية عليه تعالى مع تفسيرها بارادة الكمال من حيث انه كمال فلا يوجب فسقاً.

ثم قال: ونسب ابن طاووس ونصير الدين المحقق الطوسي وابن فهد والشهيد الثاني وشيخنا البهائي وجدّي العلاّمة وغيرهم من الاجلة إلى التصوف، وغير خفي أن ضرر التصوف إنما هو فساد الاعتقاد من القول بالحلول او الوحدة في الوجود او الاتحاد او فساد الاعمال المخالفة للشرع التي يرتكبها كثير من المتصوفة في مقام الرياضة او العبادة، وغير خفي على المطلعين على أحوال هؤلاء الاجلة من كتبهم وغيرهم انهم منزهون من كلتا المفسدتين قطعاً، ونسب جدي العالم الرباني والمقدس الصمداني مولانا محمد صالح المازندراني وغيره من الاجلة إلى القول باشتراك اللفظ، وفيه أيضاً ما أشرنا اليه ونسب المحمدون الثلاثة والطبرسي إلى القول بتجويز السهو على


(433)

النبي، ونسب ابن الوليد والصدوق أيضاً منكر السهو إلى الغلوّ، وبالجملة اكثر الاجلة ليسوا بخالصين عن امثال ما اشرنا اليه، ومن هذا يظهر التأمل في ثبوت الغلوّ وفساد المذهب بمجرد رمي علماء الرجال من دون ظهور الحال»(1).

ونحن بعد ما قرأنا ذلك انتقلنا إلى ما ذكره العلاّمة الزمخشري في حق نفسه حيث يقول:

تعجبت من هذا الزمان وأهله       فما أحد من اُلسن الناس يسلم(2)

والذي تبيَّن لنا من مراجعة هذه الكلم هو أن اكثر علماء الرجال، او من كان ينقل عنه علماء الرجال لم يكن عندهم ضابطة خاصة لتضعيف الراوي من حيث العقيدة، بل كلّما لم تنطبق عقيدة الراوي مع عقيدته رماه بالغلوّ والضعف في العقيدة، وربما يكون نفس الرامي مخطئاً في اعتقاده بحيث لو وقفنا على عقيدته لحكمنا بخطئه، أو وقف في كتاب الراوي على أخبار نقلها هو من غير اعتقاد بمضمونها فزعم الرامي أن المؤلف معتقد به، إلى غير ذلك مما يورث سوء الظن، مثل ما إذا ادّعى بعض أهل المذاهب الفاسدة أن الراوي منهم وليس هو منهم.

وجملة القول في ذلك ما ذكره المحقّق المامقاني حيث قال: «إن الرمي بما يتضمن عيباً، فضلا عن فساد العقيدة مما لا ينبغي الأخذ به بمجرده إذ لعل الرامي قد اشتبه في اجتهاده، أو عول على من يراه أهلاً في ذلك وكان مخطئاً في اعتقاده، او وجد في كتابه أخباراً تدل على ذلك وهو بريء منه ولا يقول به، أو ادعى بعض أهل تلك المذاهب الفاسدة أنه منهم وهو كاذب، أو روى أخباراً ربما توهم من كان قاصراً أو ناقصاً في الادراك والعلم أن ذلك ارتفاع وغلوّ، وليس كذلك، او كان جملة من الاخبار يرويها ويحدث بها ويعترف


1 . تعليقة المحقق البهبهاني.
2 . الكشاف: 3 / 376، طبعة مصر.


(434)

بمضامينها ويصدق بها من غير تحاش بها واتّقاء من غيره من أهل زمانه، بل يتجاهر بما لا تتحمّلها أغلب العقول فلذا رمى»(1).

فتلخص أن تضعيف الراوي من جانب العقيدة لا يتمّ إلاّ بثبوت أمرين:

الأول: أن يثبت أن النظرية مما توجب الفسق.

الثاني: أن يثبت أن الراوي كان معتقداً بها.

وأنى لنا باثبات الأمرين.

أما الأول، فلوجود الخلاف في كثير من المسائل العقيدية حتى مثل سهو النبي في جانب التفريط او نسبة التفويض في بعض معانيها في جانب الافراط، فان بعض هذه المسائل وان صارت من عقائد الشيعة الضرورية بحيث يعرفها العالي والداني، غير أنها لم تكن بهذه المثابة في العصور الغابرة.

وأما الثاني، فان إثباته في غاية الاشكال، خصوصاً بالنظر إلى بعض الاعمال التي كان يقوم بها بعض الرواة في حق بعض، من الاخراج والتشديد بمجرد النقل عن الضعفاء وان كان ثقة في نفسه، او لبعض الوجوه المحتملة التي ذكرها العلاّمة المامقاني، وما لم يثبت الامران لا يعتني بهذه التضعيفات الراجعة إلى جانب العقيدة.

تضعيف الراوي من حيث العمل

قد عرفت في صدر البحث أن تضعيف الراوي يرجع إلى أحد الأمرين: إما تضعيف في العقيدة او تضعيف في جانب العمل، وقد وقفت على التضعيف من الجانب الأول وحان الوقت أن نبحث في الضعف من الجانب الثاني.

فنقول: إن تضعيف الراوي من جانب العمل على قسمين: تارة يرجع


1 . مقباس الهداية: 150.


(435)

إلى عمله غير المرتبط بنقله وحديثه، كما إذا ارتكب بعض الكبائر وأصرَّ بالصغائر ولم يكن مرتبطاً بالحديث، واُخرى يكون مربوطاً بالحديث ويعرف ذلك بملاحظة الكلمات الواردة في حقه. منها قولهم: مضطرب الحديث ومختلط الحديث، وليس بنقيّ الحديث، يعرف حديثه وينكر، غمز عليه في حديثه، او في بعض حديثه، وليس حديثه بذاك النقي، وهل هذه الألفاظ قادحة في العدالة او لا، قال المحقّق البهبهاني: إن هذه الالفاظ وأمثالها ليست بظاهرة في القدح في العدالة لورود هذه الالفاظ في حق أحمد بن محمد بن خالد وأحمد بن عمر(1).

تمَّ الكلام حول فرق الشيعة التي ربما يوجب الانتماء إلى بعضها تضعيف الراوي وعدم الاعتماد على نقله. بقيت هناك فوائد رجالية لا تجتمع تحت عنوان واحد، نبحث عنها في الخاتمة ـ إن شاء الله ـ.


1 . الفوائد الرجالية: 43، الفائدة الثانية.

Website Security Test