welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : كليات في علم الرجال*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

كليات في علم الرجال

(351)

الفصل السابع

دراسة حول الكتب الاربعة

1ـ الكافي.

2ـ من لا يحضره الفقيه.

3ـ التهذيب والاستبصار.


(352)


(353)

1ـ تقييم احاديث «الكافي»


(354)


(355)

إن البحث عن كتاب الكافي للشيخ الأجل الكليني يقع على وجهين:

الأول: هل كلّ من ورد في أسناد الكافي ثقة او لا؟ وهذا هو الذي استقصينا البحث عنه عند البحث عن أدلة نفاة الحاجة إلى علم الرجال وأوضحنا الحال فيه فلا نعود اليه.

الثاني: هل هناك قرائن تدلّ على أن كل ما ورد فيه من الروايات صحيح، بمعنى أنه معتبر يصحّ العمل به او لا؟ وهذا ما نبحث عنه في المقام، ولنقدّم كلمة في حق المؤلف وكتابه.

إن كتاب الكافي أحد الكتب الاربعة التي عليها تدور رحى استنباط مذهب الإمامية، فان أدلة الاحكام وإن كانت أربعة (الكتاب والسنة والعقل والاجماع) على ما هو المشهور بين الفقهاء، إلاّ أن الناظر في فروع الدين يعلم أن العمدة في استعلام الفرائض والسنن، والحلال والحرام، هو الحديث وأن الحاوي لجلّها، هو الكتب الاربعة، وكتاب الكافي بينها كالشمس بين نجوم السماء، والمؤلف أغنى من التوصيف وأشهر من التبجيل.

فقد وصف الشيخ المفيد في شرح عقائد الصدوق كتاب الكافي بأنه أجلّ


(356)

كتب الشيعة وأكثرها فائدة(1).

وقال المحقّق الكركي في اجازته للقاضي صفي الدين عيسى: «ومنها جميع مصنَّفات ومرويات الشيخ الإمام السعيد الحافظ المحدّث الثقة، جامع أحاديث أهل البيت- عليهم السلام -أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني، صاحب الكتاب الكبير في الحديث المسمّى بالكافي، الذي لم يعمل مثله...، وقد جمع هذا الكتاب من الاحاديث الشرعية، والاسرار الربانية ما لا يوجد في غيره، وهذا الشيخ يروي عمَّن لا يتناهى كثرة من علماء أهل البيت- عليهم السلام -ورجالهم ومحدّثيهم مثل علي بن إبراهيم بن هاشم... »(2).

وقال الشيخ حسين والد شيخنا البهائي في الكتاب الموسوم بـ «وصول الاخيار»: «أما كتاب الكافي، فهو للشيخ أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني، شيخ عصره في وقته، ووجه العلماء والنبلاء، كان أوثق الناس في الحديث وأنقدهم له وأعرفهم به، صنَّف كتاب الكافي وهذَّبه في عشرين سنة، وهو يشتمل على ثلاثين كتاباً يحتوي على مالا يحتوي عليه غيره»(3).

وقال العلاّمة المجلسي في مقدمة شرحه على الكافي: «وابتدأت بكتاب الكافي للشيخ الصدوق ثقة الاسلام مقبول طوائف الأنام، ممدوح الخاص والعام، محمد بن يعقوب الكليني ـ حشره الله مع الأئمة الكرام ـ لأنه كان أضبط الاصول وأجمعها وأحسن مؤلفات الفرقة الناجية وأعظمها»(4).

إلى غير ذلك من كلمات الثناء والاطراء ممّا لا مجال لذكرها.

قال النجاشي في ترجمة الكليني: «محمد بن يعقوب بن اسحاق أبو


1 . شرح عقائد الصدوق: 27، طبعة تبريز.
2 . بحار الانوار: 108 / 75 ـ 76.
3 . مستدرك الوسائل: 3 / 532 ، الفائدة الرابعة.
4 . مرآة العقول: 1 / 34.


(357)

جعفر الكليني ـ وكان خاله علاّن الكليني الرازي ـ شيخ أصحابنا في وقته بالري ووجههم، وكان أوثق الناس في الحديث وأثبتهم. صنَّف الكتاب الكبير المعروف بالكليني يسمّى الكافي في عشرين سنة، شَرْحُ كُتُبِه: كتاب العقل، كتاب فضل العلم ـ إلى أن عدَّ أحداً وثلاثين كتاباً»(1).

ثمَّ إن صاحب «لؤلؤة البحرين» نقل عن بعض مشايخه المتأخرين: «أما الكافي فجميع أحاديثه حصرت في ستَّة عشر ألف حديث ومائة وتسعة وتسعين حديثاً، الصحيح منها باصطلاح من تأخّر خمسة آلاف واثنان وسبعون حديثاً، والحسن مائة وأربعة وأربعون حديثاً، والموثق مائة حديث وألف حديث وثمانية عشر حديثاً، والقوي منها اثنان وثلاثمائة، والضعيف منها أربعمائة وتسعة آلاف وخمسة وثمانون حديثاً»(2).

وقال المحقّق المتتّبع المحدث النوري بعد نقل ذلك الكلام: «الظاهر أن المراد من القوي ما كان بعض رجال سنده أو كلّه، الممدوح من غير الإمامي ولم يكن فيه من يضعف به الحديث»(3).

وقال الشهيد في «الذكرى»: «إن ما في الكافي يزيد على ما في مجموع الصحاح الستة للجمهور وعدّة كتب الكافي اثنان وثلاثون»(4).

قال في «كشف الظنون» نقلاً عن الحافظ بن حجر: «إن جميع أحاديث صحيح البخاري بالمكرّر، سوى المعلقات والمتابعات، على ما حرّرته وحقّقته، سبعة آلاف وثلاثمائة وسبعة وتسعون حديثاً، والخالص من ذلك بلا تكرير ألفا حديث وستمائة وحديثان، وإذا انضمّ اليه المتون المعلقة المرفوعة


1 . رجال النجاشي: الرقم 1027.
2 . لؤلؤة البحرين للمحدث البحراني الطبعة القديمة غير المرقمة في أحوال شيخنا الكليني وذكر بعد هذا عدد سائر الكتب الثلاثة. وما ذكره من الأرقام ينقص عند الجمع 78 حديثاً فلاحظ.
3 . مستدرك الوسائل: 3 / 541 الفائدة الرابعة.
4 . الذكرى: 6.


(358)

وهي مائة وخمسون حديثاً، صار مجموع الخالص ألفي حديث وسبعمائة واحداً وستيّن حديثاً.

وروي أيضا عن مسلم أن كتابه أربعة آلاف حديث دون المكرّرات وبالمكرّرات سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثاً.

وقال ابو داود في أول سننه: «وجمعت في كتابي هذا اربعة آلاف حديث وثمانية أحاديث من الصحيح وما يشبهه وما يقاربه»(1).

وقد جمع الامام أبو السعادات مبارك بن محمد بن الاثير الجزري (المولود عام 544 هـ ، والمتوفي عام 606 هـ) جميع ما في هذه الصحاح في كتاب أسماه «جامع الاصول من أحاديث الرسول» فبلغ عدد أحاديثه «9483». قال ياقوت في معجمه: جمع الجرزي فيه بين البخاري والمسلم والموطّأ وسنن أبي داود وسنن النسائي والترمذي، عمله على حروف المعجم وشرح غريب الاحاديث ومعانيها وأحكامها وصنَّف رجالها ونبَّه على جميع ما يحتاج اليه منها(2).

هذا حال الكتاب ومكانته، وإليك بيان مدى صحّة رواياته.

الصحيح عند القدماء والمتأخرين

تقسيم الحديث إلى الاقسام الاربعة المشهورة تقسيم جديد حدث من زمن الرجالي السيد أحمد بن طاووس أستاذ العلاّمة وابن داود الحليين، بعد ما كان التقسيم بين القدماء ثنائياً غير خارج عن كون الحديث معتبراً أو غير معتبر، فما أيدته القرائن الداخلية كوثاقة الراوي، أو الخارجية كوجوده في أصل معتبر


1 . كشف الظنون، كما في مستدرك الوسائل: 3 / 541. لاحظ فتح الباري في شرح أحاديث البخاري: 1 / 465، الفصل العاشر في عد أحاديث الجامع.
2 . راجع مقدمة جامع الاصول: الجزء 12.


(359)

معروف الانتساب إلى جماعة كزرارة ومحمد بن مسلم والفضيل بن يسار، فهو صحيح، أي معتبر يجوز الاستناد اليه، والفاقد لكلتا المزيتين غير صحيح، بمنعى انه غير معتبر لا يمكن الركون اليه، وان امكن ان يكون صادراً عنهم.

هذا هو التقسيم المعروف بين القدماء إلى عصر الرجالي المعروف ابن طاووس.

اما بعده، فقد آل الأمر إلى التقسيم الرباعي، بتقسيمه إلى صحيح وموثق وحسن وضعيف، واما الباعث لهذا التقسيم ورفض التقسيم الدارج بين القدماء، فليس هنا محل ذكره ولعل السبب هو ان القرائن المورثة للاطمئنان آل إلى القلة والندرة حسب مرور الزمان، وأوجب ضياع الاصول والمصنفات المؤلفة بيد اصحابها الثقات، فالتجأ إلى وضع التقسيم الرباعي الذي يبتني على ملاحظة السند واحوال الراوي، وعلى كل تقدير فهناك اصطلاحان للحديث الصحيح.

والهدف من البحث هنا، هو استعراض صحة احاديث الكافي حسب اصطلاح القدماء، اعني اعتبارها لاجل القرائن الداخلية او الخارجية، وممن أصر على ذلك شيخ مشايخنا المحدث النوري في الفائدة الربعة من خاتمة المستدرك، واعتمد في ذلك على وجوه اربعة، أهمها الوجه الرابع الذي استعرضناه عند البحث عن ادلة نفاة الحاجة إلى علم الرجال، لانه كان وجها عاماً يعمّ الكافي وغيره من سائر الكتب الاربعة، وهو الاعتماد على ما صرح به مؤلفوه على صحة ما ورد فيها، وقد عرفت مدى متانة ذلك الوجه، وهنا نستعرض الوجوه الثلاثة الباقية، فهي حسب اعتقاده تثبت اعتبار احاديثه وتغني الباحث عن ملاحظة حال آحاد رجال سند الأحاديث المودعة فيه، وتورث الوثوق والاطمئنان بصدورها وصحتها بالمعنى المعروف بين القدماء، واليك تلك الوجوه الثلاثة:


(360)

الوجه الأول: المدائح الواردة حول الكافي

ان المدائح الواردة في حق الكتاب، تقتضي غناء الفقيه عن ملاحظة آحاد رواته، واليك المدائح اجمالاً وان مرَّ تفصيلها في صدر البحث.

1 ـ وصفه الشيخ المفيد في شرح عقائد الصدوق بأنه اجل كتب الشيعة واكثرها فائدة.

2 ـ وعرفه المحقق الكركي في اجازته للقاضي صفيّ الدين عيسى بانه لم يعمل مثله.

3 ـ وقال الشهيد في اجازته للشيخ زين الدين ابي الحسن علي بن الخازن: «لم يعمل للامامية مثله».

4 ـ وقال محمد امين الدين الاسترآبادي: «وقد سمعنا من مشايخنا وعلمائنا انه لم يصنف في الاسلام كتاب يوازيه او يدانيه».

5 ـ ووصفه العلاّمة المجلسي بانه اضبط الاصول واجمعها واحسن مؤلفات الفرقة الناجية واعظمها.

وهذه المدائح لا ترجع إلى كبر الكتاب وكثرة احاديثه فانه مثله واكبر منه ممن تقدم او تأخر عنه، كان كبيراً متداولاً بينهم، كالمحاسن لاحمد بن محمد بن خالد البراقي، ونوادر الحكمة لمحمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري، وانما هي لاجل اتقانه وضبطه وتثبته.

اقول: لا يخفى انه يستفاد من هذه المدائح اعتبار الكتاب بما هو هو، في مقابل عدم صلاحيته للمرجعية والمصدرية، لانه لازم قولهم «اجل الكتب واكثرها فائدة» او «انه لم يعمل مثله في الاسلام». اما استفادة غنى المستنبط عن ملاحظة آحاد رجال احاديثه، وان كل ما فيه معتبر فلا، إذ ليس معنى اعتبار الكتاب صحة كل واحد من احاديثه، بحيث يغني الباحث عن اية مراجعة،


(361)

ولاجل ذلك لا يتبادر ذلك المعنى من توصيف غير الكافي بهذه الصفات كمعاجم اللغة والتاريخ والسير، مثلا إذا قيل: «لسان العرب» من أجلّ الكتب في اللغة او ان تاريخ الطبري لم يعمل مثله.

وقد ذكر - قدس سره - في ضمن الوجه الثالث الذي سيوافيك، ما يمكن ان يكون مؤيدا لكلامه هذا وقال: «ان هناك كتباً لا ينظر إلى اسانيد احاديثها، فلا يكون الكافي أجلّ هذه الكتب إلاّ إذا اشتمل على تلك المزيَّة، وإلاّ فلا يصح ان يعدّ من اجلها».

اقول: لم اقف على كتاب يشتمل على تلك المزية، ولو اراد منه الاصول المؤلفة في عصر الائمة، فصريح الشيخ في «العدة» اشتراط صحة الاحتجاج بها بكون راويها ثقة. قال في بيان ما هو المختار فى باب حجية خبر الواحد: «وجدت الفرقة المحقة مجمعة على العمل بهذه الاخبار التي رووها في تصانيفهم، ودونوها في اصولهم لا يتناكرون ذلك ولا يتدافعونه، حتى ان واحداً منهم إذا افتى بشيء لا يعرفونه، سألوه من اين قلت هذا. فاذا أحالهم على كتاب معروف، او اصل مشهور وكان راويه ثقة لا ينكر حديثه، سكتوا وسلموا الأمر في ذلك وقبلوا قوله» (1).

وهذه العبارة صريحة في ان ورود الخبر في الاصول المدونة، لم يكن كافياً في الاحتجاج ما لم يحرز وثاقة راويه، فاذا كان هذا حال الاصول فغيرها اولى بلزوم المراجعة.

وعلى فرض وجود ما لا ينظر إلى اسانيده فالظاهر ان المراد من قولهم «ان الكافي اجلّ الكتب» وما اشبه هذا، تفوّقه على سائر الكتب الحديثية من جهة الاسلوب والتبويب والجامعية والضابطية، إلى غير ذلك من المزايا التي لا توجد في نظائرها المتقدمة عليه او المتأخرة عنه، لا انه جامع لمزية كل كتاب


1 . عدة الاصول: 338، الطبعة الحديثة.


(362)

كان قبله، ويعلم مفاد هذه المدائح من امعان النظر في الكتب التي مدحت بهذه المدائح مثلاً يقال: «البحار جامع حديثي لم يعمل مثله» او «الجواهر من جلائل الكتب الفقهية» فليس النظر تصحيح كل ما في البحار من الروايات، وتصديق كل ما جاء في الجواهر من الفتيا، بل الجامعية في الأول، وكثرة الفروع ودقة النظر في الثاني هي الباعثة إلى توصيفهما بما ذكرناه، وليس المراد ان كل مزية موجودة في الكتب الحديثية او الفقهية موجودة فيهما.

الوجه الثاني: المدائح الواردة في حق المؤلف

ذهب المحدث النوري إلى ان المدائح الواردة في حق الكليني، تستلزم صحة روايات كتابه واعتبارها وعدم لزوم المراجعة إلى آحاد اسناد رواياتها واليك بعض تلك المدائح:

1 ـ قال النجاشي: «ان الكليني أوثق الناس في الحديث واثبتهم».

2 ـ وقال العلاّمة في «الخلاصة» بمثله.

وهذا القول من مثل النجاشي لا يقع موقعه إلاّ ان يكون الكليني واجداً لكل ما مدح به الرواة والمؤلفون مما يتعلق بسند الحديث واعتبار الخبر، ومن اجل المدائح واشرف الخصال المتعلقة بالمقام، الرواية عن الثقات ونقل الاخبار الموثوق بها، كما ذكروه في تراجم جماعة.

قال الشيخ في «الفهرس»: «علي بن الحسن الطاطري كان واقفياً شديد العناد في مذهبه ـ إلى ان قال: وله كتب في الفقه رواها عن الرجال الموثوق بهم وبرواياتهم».

وقال ايضاً: «جعفر بن بشير، كثير العلم ثقة روى عن الثقات ورووا عنه».


(363)

وقال النجاشي بمثله في ترجمة محمد بن اسماعيل بن ميمون الزعفراني.

وقال الشيخ في «العدة»: « سوَّت الطائفة بين ما يرويه محمد بن ابي عمير وصفوان بن يحيى وأحمد بن محمد بن ابي نصر وغيرهم من الثقات الذين عرفوا بانهم لا يروون ولا يرسلون إلاّ ممن يوثق به، وبين ما اسنده غيرهم، ولذلك عملوا بمراسيلهم إذا انفرد عن رواية غيرهم».

وصرح العلاّمة في «المختلف» بأن ابن ابي عقيل شيخ من علمائنا تقبل مراسيله لعدالته ومعرفته.

فاذا كان ابو جعفر الكليني اوثقهم واثبتهم في الحديث، فلابد وان يكون جامعاً لكل ما مدح به آحادهم من جهة الرواية فلو روى عن مجهول، او ضعيف ممن يترك روايته، او اخبراً يحتاج إلى النظر في سنده، لم يكن اوثقهم واثبتهم، فان كل ما قيل فى حق الجماعة من المدائح والاوصاف المتعلقة بالسند يرجع اليهما، فان قيس مع البزنطي واضرابه وجعفر بن بشير لابد وان يحكم بوثاقة مشايخه، وان قيس مع الطاطري واصحاب الاجماع، فلا مناص من الحكم بصحة حديثه وانه لم يودع في كتابه إلاّ ما تلقّاه من الموثوقين بهم وبرواياتهم.

ثم ان النجاشي قال بعد توصيفه بالاوثقية بانه ألفّ الكافي في عشرين سنة، وظاهر ان ذكره لمدة تأليفه لبيان اثبتيته وانه لم يكن غرضه مجرد جمع شتات الاخبار، فانه لا يحتاج إلى هذه المدة الطويلة، بل ولا إلى عشرها، بل الغرض جمع الاحاديث المعتبرة المعتمدة الموثوق بها، وهذا يحتاج إلى هذه المدة، لاحتياجه إلى جمع الاصول والكتب المعتبرة، واتصالها إلى اربابها بالطرق المعتبرة والنظر في متونها وتصحيحها وتنقيحها.

ويظهر من اوثقيته واثبتيته أيضاً، انه مبرء عن كل ما قدح به الرواة وضعفوا


(364)

به من حيث الرواية، كالرواية عن الضعفاء والمجاهيل، وعمن لم يلقه، وسوء الضبط، واضطراب ألفاظ الحديث، والاعتماد على المراسيل الّتي لم يتحقق وثاقة الساقط عنده، وامثال ذلك مما لا ينافي العدالة ولا يجتمع مع التثبت والوثاقة (1).

وقد نقلنا كلامه بطوله لما فيه من فوائد ونكات، ومع ذلك كله، فالنتيجة التي استنبطها غير صحيحة لوجوه:

أوّلاً: ان الاوثقية صفة تفضيل من الوثاقة، والمراد منه التحرز عن الكذب لاجل العدالة والورع، كما ان الاثبتية وصف تفضيل من التثبت، والمراد منه قلة الزلّة والخطأ وندرة الاشتباه، فلو كان غير متحرز عن الكذب لا يكون ثقة، ولو كان كثير الزلة والخطأ، لا يكون ثبتاً.

هذا حال المادة، وعليه يكون معنى «الاوثق» هو الواقع في الدرجة العليا من التحرز عن الكذب، كما يكون معنى «الاثبت» هو المصون عن الزلة والعثرة بوجه ممتاز.

وعلى ذلك فلا يدل اللفظان على ما رامه المحدث النوري وان اتعب نفسه الشريفة في جمع الشواهد لما قصده.

وبالجملة، لا يستفاد من اللفظين ان كل ما يوصف به معدود من الرواة في الفضائل فهو حاصل فيه على الوجه الاتم والاشد بل المراد تنزيهه من جهة التحرز عن الكذب، وتوصيفه من جهة الصيانة عن الاشتباه والزلة، وانه من تينك الجهتين في الدرجة العليا.

واين هو من صحة عامة رواياته لاجل وثاقة رواتها، او اكتنافها بالقرائن الداخلية، كما هو المدعى؟


1 . مستدرك الوسائل: 3 / 534 ـ 535.


(365)

ثانياً: اتصاف جماعة من اصحابنا بعدم الرواية او الارسال إلاّ عن ثقة، على فرض ثبوته، فضيلة لهم، ليست لها دخالة في الاتصاف بالوثاقة، بحيث لو لم يكن الكليني مثلهم لا يكون اوثق الناس واثبتهم، لما عرفت من ان المادة والهيئة لا ترميان إلاّ إلى التحرز عن الكذب، والسداد عن الزلة وقلة الاشتباه، من دون نظر إلى سائر الجهات.

ثالثاً: ان الرواية عن الضعفاء مع ترك التسمية يخالف الوثاقة، واما الرواية عنهم معها فلا يخالفها ابداً، نعم اكثار الرواية من الضعفاء كان امراً مذموماً، وقد رُمي به أحمد بن محمد بن خالد البراقي، واما النقل عنهم على الوجه المتعارف مع التسمية فلا ينافي الوثاقة والثبت، فلا مانع من ان يروي الكليني مع ذكر اسمائهم ومع ذلك يكون من اوثق الناس واثبتهم.

رابعاً: ان المتحرزين في النقل عن الضعفاء، انما يتحرزون في النقل عنهم بلا واسطة، واما النقل عنهم بواسطة الثقات، فقد كان رائجاً، وهذا هو النجاشي لا يروي إلاّ عن ثقة بلا واسطة، واما معها فيروي عنه وعن غيره، ولاجل ذلك يقول في ترجمة ابي المفضل محمد بن عبدالله بن محمد: «كان سافر في طلب الحديث عمره، اصله كوفي وكان في أول امره ثبتاً ثم خلط، ورأيت جلّ اصحابنا يغمزونه ويضعفونه، له كتب ـ إلى ان قال: رأيت هذا الشيخ وسمعت منه كثيراً ثم توقفت عن الرواية عنه إلاّ بواسطة بيني وبينه» (1).

وعلى ذلك فأقصى ما يمكن ان يقال: ان الكليني لا يروي في كتابه بلا واسطة إلاّ عن الثقات، واما معها فيروي عن الثقة وغيره، واما الالتزام بالنقل عن الثقات في جميع السلسلة فلم يثبت في حق احد، إلاّ المعروفين بهذا الوصف، اعني ابن ابي عمير وصفوان والبزنطي كما اوضحناه.


1 . رجال النجاشي: الرقم 1059.


(366)

خامساً: إن تأليف الكافي في عشرين سنة، لم يكن لأجل تمييز الصحيح عن غيره، وجمع الروايات الموثوق بها فقط، بل كان هذا أحد الاهداف، ولكن كان هناك أسباب اُخر لطول المدّة، وهو السعي في العثور على النسخ الصحيحة المقروءة على المشايخ، أو المسموعة عنهم وانتخاب الصحيح عن الغلط، والأصح من الصحيح، والدّقة في مضمون الرواية، ووضعها في الباب المناسب له، إلى غير ذلك من الاسباب التي تأخذ الوقت الثمين من المؤلف، ولم يكن التأليف يومذاك أمراً سهلاً، ولم تكن الكتب مطبوعة منتشرة حتى يمهّد الطريق للمؤلف.

نعم، مع ذلك لم يكن هدفه أيضاً مجرّد الجمع بلا دقّة، والتأليف بلا ملاحظة الاسناد والمتون، ولكن لا على وجه يغني عن ملاحظة الاسناد مطلقاً، وعلى كل حال، فالكتاب مع جلالته عمل فردي لا يمكن أن يكون نقيّاً عن الاشتباه والزلة غير محتاج إلى التنقيب والتفتيش، فجهوده الكبرى مشكورة لا يستغنى عنها، ولكن لا يكتفى بها.

الوجه الثالث: كون المؤلف في عصر الغيبة الصغرى

أشار السيد علي بن طاووس في «كشف المحجّة» في مقام بيان اعتبار الوصية المعروفة التي كتبها أمير المؤمنين لولده الحسن - عليهما السلام -وقد نقلها من كتاب «رسائل الائمة» للكليني، إلى وجه آخر لاعتبار أحاديث الكافي وقال ما هذا لفظه: «والشيخ محمد بن يعقوب كان حيّاً في زمن وكلاء المهدي ـ صلوات الله عليه ـ: عثمان بن سعيد العمري، وولده أبي جعفر محمد، وأبي القاسم بن روح، وعليّ بن محمد السيمري (رحمهم الله)، وتوفي محمد بن يعقوب قبل وفاة علي بن محمد السيمري، لأن علي بن محمد السيمري توفّي في شعبان سنة تسع وعشرين وثلاثمائة والكليني توفي ببغداد سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، فتصانيف الكليني ورواياته في زمن الوكلاء


(367)

المذكورين في وقت يجد طريقاً إلى تحقيق منقولاته وتصديق مصنفاته»(1).

ونقله المحدّث الحرّ إلى قوله «في زمن الوكلاء المذكورين»(2) ولم ينقل تتَّمة كلامه الذي هو أوفى دلالة على ما هو بصدد اثباته.

وقال المحدّث النوري بعد نقل كلام السيد: «نتيجة ما ذكره من المقدّمات عرض الكتاب على أحدهم وإمضاؤه وحكمه بصحته، وهو عين إمضاء الإمام - عليه السلام -، وهذا وان كان أمراً غير قطعي يصيب ويخطئ، ولا يجوز التشبّث به في المقام، إلاّ أن التأمل في مقدماته يورث الظن القوي والاطمئنان التامّ او الوثوق بما ذكره، فانه - رحمه الله -كان وجه الطائفة وعينهم ومرجعهم كما صرحوا به، في بلد اقامة النوّاب، وكان غرضه من التأليف، العمل به في جميع ما يتعلق بامور الدين، لاستدعائهم وسؤالهم عنه ذلك كما صرح به في أول الكتاب، وكان بمحضره في بغداد، يسألون عن الحجة- عليه السلام - بتوسّط أحد من النواب عن صحة بعض الاخبار، وجواز العمل به، وفي مكاتيب محمد بن عبدالله بن جعفر الحميري اليه - عليه السلام -من ذلك جملة وافرة وغيرها، فمن البعيد أنه - رحمه الله -في طول مدة تأليفه وهي عشرون سنة لم يعلمهم بذلك، ولم يعرضه عليهم مع ما كان فيما بينهم من المخالطة والمعاشرة بحسب العادة وكانت الشيعة يسألون عن الابواب حوائج واُموراً دنيوية تعسرت عليهم يريدون قضاءها وإصلاحها، وهذا أبو غالب الزراري استنسخ قسماً كبيراً من أبواب الكافي ورواه عن مؤلفه بالقراءة عليه او بالاجازة، فمن البعيد أن لا يعرضه على الأبواب مع أنه رفع مشكلة زوجته فوافاه الجواب.


1 . مستدرك الوسائل: 3 / 532. وجاءت العبارة المذكورة في المحجة المطبوعة (الصفحة 159) الى قوله «تحقيق منقولاته» وليس من الجملة الاخيرة فيها أثر، نعم توجد في النسخة المكتوبة المصححة بقلم المحدث النوري في حاشيتها العبارة الاخيرة.
2 . الوسائل: 2 / 71.


(368)

وكان عرض الكتاب على النواب مرسوماً، روى الشيخ في غيبته أنه لما عمل الشلمغاني كتاب التكليف، قال الشيخ أبو القاسم بن روح: اطلبوا إليّ لأنظره، فجاؤوا به فقرأه من أوله إلى آخره، فقال ما فيه شيء إلاّ وقد روي عن الائمة إلاّ في موضعين أو ثلاثة، فانه كذب عليهم في روايتها ـ لعنه الله ـ .

وقد سئل الشيخ من كتب ابن أبي العزاقر بعد ما ذمّ وخرجت فيه اللعنة فقيل: كيف نعمل بكتبه وبيوتنا منها ملأى؟ فقال: أقول فيها ما قاله ابو محمد الحسن بن علي ـ صلوات الله عليهما ـ وقد سئل عن كتب بني فضّال، فقالوا: كيف نعمل بكتبهم وبيوتنا منها ملأى؟ فقال ـ صلوات الله عليه ـ: «خذوا ما رووا وذروا ما رأوا».

فمن البعيد غاية البعد أن أحداً منهم (النواب) لم يطلب من الكليني هذا الكتاب الذي عمل لكافة الشيعة، او لم يره عنده ولم ينظر اليه، وقد عكف عليه وجوه الشيعة وعيون الطائفة، وبالجملة فالناظر إلى جميع ذلك لعلَّه يطمئن إلى ما أشار اليه السيد الأجل، وتوهّم أنه لو عرض على الإمام - عليه السلام -، او على أحد من نوابه لذاع واشتهر، منقوض بالكتب المعروضة على آبائه الكرام ـ صلوات الله عليهم ـ، فانه لم ينقل الينا كل واحد منها إلاّ بطريق أو بطريقين»(1).

أقول: ما ذكره مبنيّ على أمرين غير ثابتين، بل الثابت خلافه.

1ـ كون الكليني مقيماً ببغداد وقام بتأليفه بمرأى ومسمع من النواب، وكان بينه وبينهم مخالطة ومعاشرة.

2ـ إن الجهة الباعثة إلى عرض كتاب (التكليف) على أبي القاسم بن روح، كانت موجودة في الكافي أيضاً واليك بيان الأمرين:


1 . مستدرك الوسائل: 3 / 532 ـ 533.


(369)

أما الأول: فيه أوّلاً: أن صريح قول النجاشي في ترجمته «شيخ أصحابنا في وقته بالري ووجههم» أنه كان مقيماً بالري، مؤلفا فيها، وإنما انتقل في اُخريات عمره إلى بغداد، ولم نقف على سنة انتقاله إلى بغداد ومدّة اقامته فيها، وان ادّعى بعضهم أنه أقام بها سنتين ثم توفي، ومن البعيد أن لا يستنسخ منه في موطنه عدّة نسخ بواسطة تلاميذه قبل الانتقال إلى بغداد، ولا ينتشر في الاقطار الاسلامية، ولو صحّ ذلك فلا فائدة من العرض بعد النشر، ولا في الاستظهار بعد البثّ، وانما يكون مفيداً لو عرض قبل النشر واستظهر قبل البثّ، حتى يعالج ما يحتاج إلى الاصلاح.

وثانياً: إنه لم تكن بينهما مخالطة ومعاشرة، بشهادة انه لم يرو عن أحد من النواب في أبواب الكافي، حتى ما يرجع إلى الإمام الحجة - عليه السلام -، وهذا يعرب عن عدم خلطته ومعاشرته معهم، وإلاّ لنقل منهم رواية او روايات في الابواب المختلفة، ومع هذا فكيف يصحّ أن يدّعي أنه عرض كتابه عليهم واستظهر منهم الحال.

وثالثاً: انه لو عرض هو نفسه او احد تلاميذه، كتابه عليهم، لذكره في ديباجة الكتاب، وقد كتب الديباجة بعد تأليف الكتاب كما هو ظاهر لمن لاحظها، وما ذكره المحدّث النوري من أن هنا كتباً معروضة على الإمام، لم ينتقل إلاّ بطريق او طريقين غير تامّ، لأن هذه الكتب عرضت على الإمام بعد وفاة مؤلفيها، والمدّعى أنه عرض الكافي بواسطة المؤلف او تلاميذه في حياة مؤلفه، فطبع الحال يقتضي أنه لو كان نفس المؤلف عرضه، لأثبته في المقدمة قطعاً، تثبيتاً لموقف الكتاب الذي ألّفه ليكون مرجعاً للشيعة في جميع الاعصار.

وأما الثاني: فلأن الداعي إلى عرض كتاب الشلمغاني، هو احتمال انه أدخل فيه لأجل انحرافه ما لم يصدر عنهم- عليهم السلام -، وكان كتاب التكليف كالرسالة العملية ينظر فيه كل عاكف وباد، وعمل بما فيه، وأين هو


(370)

من كتاب الكافي الذي ألفه الثقة الثَّبت الورع، الذي نقطع بعدم كذبه على الأئمة- عليهم السلام -، فلا حاجة للعرض، وإلاّ لوجب عرض غيره من الجوامع، مثل جامع البزنطي، ومحاسن البرقي، ونوادر الحكمة للأشعري. كل ذلك يؤيد أنه كان هنا سبب خاص لعرض كتاب التكليف دون غيره من الكتب.

وعلى الجملة، إن قياس كتاب الكافي بكتاب التكليف، قياس مع الفارق، وقد ألف الشيخ الشلمغاني كتاب التكليف حال استقامته، ثم ادعى ما ادعى، فخرج التوقيع على لعنه والبراءة منه من الناحية المقدسة عام 312، وصار ذلك مظنة للسؤال عن كتابه الذي كان كالرسالة العملية، فصار العمل به مظنة الضلال، كما أن تركه كان مظنّة ترك ما يصحّ العمل به.

ولأجل هذا المحذور المختصّ به، رفع الأمر إلى الشيخ أبي القاسم بن روح، فطلب الكتاب وطالعه وعين مواضع ضلاله، واين هذا من كتاب الكافي الذي ألفه الثقة الثبت ليكون مصدراً ومرجعاً للفقهاء ولا بأس بنقل ما ورد حول كتاب التكليف.

منها: ما رواه الشيخ في كتاب «الغيبة» عن ابن زهومة النوبختي، قال: سمعت روح بن أبي القاسم بن روح يقول: «لمّا عمل محمد بن علي الشلمغاني كتاب التكليف، قال ابو القاسم الحسين بن روح: اطلبوه إليّ لأنظره، فقرأه من أوله إلى آخره، فقال: ما فيه شيء إلاّ وقد روي عن الائمة، إلاّ في موضعين او ثلاثة، فانه كذب عليهم في روايتها ـ لعنه الله ـ(1).

ومنها: ما رواه أيضاً بسنده عن عبدالله الكوفي خادم الشيخ حسين بن روح قال: «سئل الشيخ ـ يعني أبا القاسم ـ عن كتب ابن ابي العزاقر بعد ما ذمّ وخرجت فيه اللّعنة، وقيل له فكيف نعمل بكتبه وبيوتنا منه ملأى؟ فقال: أقول


1 . الغيبة للشيخ الطوسي: 251 ـ 252 طبعة النجف.


(371)

فيها ما قاله ابو محمد الحسن بن علي ـ صلوات الله عليهما ـ وقد سئل عن كتب بني فضال، فقالوا: كيف نعمل بكتبهم وبيوتنا منها ملأى؟ فقال ـ صلوت الله عليه ـ: «خذوا بما رووا وذروا ما رأوا» (1).

وروى ايضاً عن سلامة بن محمد قال: «انفذ الشيخ الحسين بن روح كتاب التأديب (2) إلى قم، وكتب إلى جماعة الفقهاء بها فقال لهم: انظروا في هذا الكتاب وانظروا فيه شيء يخالفكم؟ فكتبوا اليه: انه كله صحيح، وما فيه شيء يخالف، إلاّ قوله «الصاع في الفطرة نصف صاع من طعام» و «الطعام عندنا مثل الشعير من كل واحد صاع» (3).

قال العلاّمة المجلسي: «اما جزم بعض المجازفين بكون جميع الكافي معروضاً على القائم - عليه السلام -، لكونه في بلد السفراء فلا يخفى ما فيه، نعم عدم انكار القائم وآبائه ـ صلوات الله عليه وعليهم ـ عليه وعلى امثاله في تأليفاتهم ورواياتهم مما يورث الظن المتاخم للعلم بكونهم - عليهم السلام -راضين بفعلهم ومجوزين للعمل باخبارهم» (4).

تقييم العرض على وكيل الناحية

ثم ان الشيعة عرضت كتب الشلمغاني على الشيخ ابي القاسم وكيل الناحية، لأجل درايته بالحديث وتعرفه على كلمات الائمة - عليهم السلام -، ولأجل ذلك لما عرض عليه كتاب التكليف قال: «ما فيه شيء إلاّ وقد روي عن الائمة إلاّ موضعين او ثلاثة» لا لأجل عرضه على القائم - عليه السلام -، حتى انه قد انفذ الكتاب نفسه (التأديب) إلى فقهاء قم، والتمس نظرهم فيه، فكتبوا في حقه ما عرفته، فاذا كان عرض الكتاب على الشيخ ابي القاسم لأجل


1 . كتاب الغيبة: 239 ـ 240 طبعة النجف.
2 . هذا الكتاب لنفس الشيخ ابي القاسم الحسين بن روح، راجع الذريعة: 3 / 210 .
3 . الغيبة للطوسي: 240 طبعة النجف.
4 . مرآة العقول: 1 / 22 مقدمة المؤلف.


(372)

تعرفه بالحديث، لا لأجل عرضه على القائم - عليه السلام -فالكليني كان في غنى عن عرضه عليه، لأن الشيخ لم يكن اقوى منه في الحديث وعرفان الكلم. نعم لو كان الهدف عرضه على القائم - عليه السلام -لكان لما ذكر وجه.

واما ما ذكره العلاّمة المجلسي من حصول الظن المتاخم للعلم بكونه - عليه السلام -راض بفعله فهذا مما لا شك فيه، كيف ولولا الكافي واضرابه لما بقى الدين، ولضاعت السنة، ولكنه لا يقتضي ان يؤخذ بكل رواياته من دون تحقيق في الاسناد.

وقد قال العلاّمة المجلسي في نفس كلامه: «الحق عندي ان وجود الخبر في امثال تلك الاصول المعتبرة مما يورث جواز العمل به، ولكن لا بد من الرجوع إلى الاسانيد لترجيح بعضها على بعض عند التعارض» (1).

ومما يدل على انه لم يكن جميع روايات الكتاب صحيحة عند المؤلف نفسه انه - قدس سره -عنون في مقدمة الكافي الخبرين المتعارضين وكيفية علاجهما، بأن من المتعارضين ما أمر الإمام بترجيحه بموافقة الكتاب ومخالفته العامة وكونه موافقاً للمجمع عليه، وفيما لا يوجد المرجحات المذكورة، يجوز الاخذ باحدهما من باب التسليم.

ومع ذلك، كيف يمكن القول بأن كل ما ورد في الكافي كان صحيحاً عند الكليني، واليك نص عبارته: فاعلم يا اخي ـ ارشدك الله ـ انه لا يسع احداً تمييز شيء مما اختلف الرواة فيه عن العلماء - عليهم السلام -برأيه، إلاّ على ما اطلقه العالم بقوله - عليه السلام -: «اعرضوها على كتاب الله فما وافق كتاب الله عز وجل فخذوه، وما خالف كتاب الله فردوه» وقوله - عليه السلام -: «دعوا ما وافق القوم فإنّ الرشد في خلافهم» وقوله - عليه السلام -: «خذوا


1 . مرآة العقول: 1 / 22.


(373)

بالمجمع عليه، فان المجمع عليه لا ريب فيه» ونحن لا نعرف من جميع ذلك إلاّ اقلّه ولا نجد شيئاً احوط ولا اوسع من ردّ علم ذلك كله إلى العالم - عليه السلام -وقبول ما وسع من الأمر فيه بقوله - عليه السلام -: «بأيّما اخذتم من باب التسليم وسعكم».

وهذا الكلام ظاهر في ان الكليني لم يكن يعتقد بصدور روايات كتابه عن المعصوم جزماً، وإلاّ لم يكن مجال للاستشهاد بالرواية على لزوم الاخذ بما له مرجح.

اضف إلى ذلك انه لو كان كل ما في الكافي صحيحاً عند الكليني لنقل منه إلى غيره بعبارة واضحة، وكان للصدوق الذي يعد في الطبقة التالية للكليني نقل ذلك القول في احد كتبه، بل كان عليه ان يصحح ما صححه الكليني، ويزيف ما زيفه، إذ ليس الكليني باقل من شيخه محمد بن الحسن بن الوليد، فقد نرى انه يقول في حقه في «فقيهه»: «اما خبر صلاة يوم غدير خمّ والثواب المذكور فيه لمن صامه فان شيخنا محمد بن الحسن كان لا يصححه ويقول انه من طريق محمد بن موسى الهمداني وكان غير ثقة، وكل ما لا يصححه ذلك الشيخ ـ قدس الله روحه ـ ولم يحكم بصحته من الاخبار فهو عندنا متروك غير صحيح» (1).

وقال أيضاً: «كان شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد (رضي الله عنه)سيِّىء الرأي في محمد بن عبدالله المسمعي، راوي الحديث، واني اخرجت هذا الخبر في هذا الكتاب، لانه كان في كتاب الرحمة، وقد قراته عليه فلم ينكره ورواه لي»(2).

كل ذلك يشير إلى انه لم يكن كتاب الكافي عند الصدوق بهذه المنزلة.


1 . الفقيه: الجزء الثاني، باب صوم التطوع وثوابه، ذيل الحديث 241.
2 . العيون: الجزء 2، باب ما جاء عن الرضا - عليه السلام -من الاخبار المنثورة، ذيل الحديث 45.


(374)

نعم ربما يستدل على عدم صحة ما في الكافي بأن الشيخ الصدوق انما كتب كتاب «من لا يحضره الفقيه» اجابة لطلب السيد الشريف ابي عبدالله المعروف بـ «نعمة الله» ولا شك ان كتاب الكافي اوسع من الفقيه، فلو كانت جميع روايات الكافي صحيحة عند الشيخ الصدوق، فضلاً عن ان تكون قطعية الصدور، لم تكن حاجة إلى كتابة كتاب الفقيه، بل كان على الشيخ الصدوق ارجاع السائل إلى كتاب الكافي (1).

ولا يخفى ما في هذا الاستدلال، فان السيد الشريف طلب من الشيخ الصدوق كتاباً اشبه بالرسائل العملية الرائجة في هذه الاعصار، ولم يكن الكافي بهذه المثابة، فلاجل ذلك لم يرجعه الشيخ الصدوق إلى ذلك الكتاب، لا لاجل عدم قطعية رواياته او عدم صحته.

نعم ربما يورد على المستدل بقطعية احاديث الكافي ان الشيخ الكليني روى في كتابه روايات كثيرة عن غير اهل البيت المعصومين - عليهم السلام -. وهذا لا يجتمع مع ما صرح به في ديباجة كتابه من انه يأخذ منه من يريد علم الدين والعمل به بالآثار الصحيحة عن الصادقين - عليهم السلام -وقد نقل ذلك الشيخ المتتبع النوري ـ رضوان الله عليه ـ عن رسالة الاستاذ الاكبر، المحقق البهبهاني فقال: «فقد اكثر من الرواياة عن غير المعصوم في أول كتاب الارث، وقال في كتاب الديات في باب وجوه القتل: علي بن إبراهيم قال: وجوه القتل على ثلاثة اضرب ـ إلى آخر ما قال. ولم يورد في ذلك الكتاب حديثاً آخر، وفي باب شهادة الصبيان عن ابي ايوب قال: سمعت اسماعيل بن جعفر ـ إلى آخره، واكثر أيضاً في اصول الكافي من الرواية عن غير المعصوم منه ما ذكره في مولد الحسين من حكاية الاسد الّذي دعته فضة إلى حراسة جسده - عليه السلام -وما ذكره في مولد امير المؤمنين - عليه السلام -


1 . معجم رجال الحديث: 1 / 40 ـ 41.


(375)

عن اسيد بن صفوان» (1).

وقد جاء بعض ما رواه الشيخ الكليني عن غير المعصوم في «معجم رجال الحديث» أيضاً (2).

ولا يخفى ان نقل هذه الكلمات مع التصريح باسماء المروي عنهم لا يضر المستدل،فان نقل هذه الكلمات عن اصحابها مع كونهم غير معصومين، كنقل معاني اللغة عن اصحابها ولا ينافي كون مجموع الكتاب مروياً عن الصادقين - عليهم السلام -.

إلى هنا تبين ان كتاب الكافي كتاب جدير بالعناية، ويعد اكبر المراجع واوسعها للمجتهدين، وليست رواياته قطعية الصدور فضلاً عن كونها متواترة او مستفيضة، ولا ان القرائن الخارجية دلت على صحتها ولزوم الاعتماد عليها، بل هو كتاب شامل للصحيح والسقيم، فيجب على المجتهد المستنبط تمييز الصحيح عن الضعيف.

ولاجل ايقاف القارئ على بعض ما لا يمكن القول بصحته نقلاً وعقلاً نشير إلى نموذجين:

1 ـ فقد روي عن ابي عبدالله - عليه السلام -في قول الله (وانه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون) ـ الزخرف: 44 فرسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -الذكر واهل بيته المسؤولون وهم الذكر(3).

ولو كان المراد من «الذكر» هو النبي، فمن المخاطب في قوله «لك» وهو سبحانه يقول: «انه لذكر لك» أي لك ايها النبي. نعم وجود هذه


1 . مستدرك الوسائل: 3 / 540 الفائدة الرابعة من الخاتمة.
2 . لاحظ معجم رجال الحديث: 1 / 101 ـ 103.
3 . الكافي: 1 / 210، باب ان اهل الذكر الذين أمر الله الخلق بسؤالهم هم الائمة - عليهما السلام -الحديث 2 و 4.


(376)

الروايات الشاذة النادرة لا ينقص من عظمة الكتاب وجلالته، وأي كتاب بعد كتاب الله العزيز، ليس فيه شيء؟

واما الثاني، فنرجو المراجعة إلى المصدر التالي (1).


1 . الكافي: 1 / 237.


(377)

2 ـ تقييم احاديث «من لا يحضره الفقيه»


(378)


(379)

ان كتاب «من لا يحضره الفقيه» تأليف الشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين بن بابويه المولود بدعاء صاحب الأمر - عليه السلام -(1) حدود عام 306 والمتوفى سنة 381 هـ، من اصح الكتب الحديثية واتقنها بعد الكافي وهي في الاشتهار والاعتبار كالشمس في رابعة النهار.

وقد ذكر الشيخ الصدوق في ديباجة كتابه انه لما ساقه القضاء إلى بلاد الغربة ونزل ارض بلخ، وردها شريف الدين ابو عبدالله محمد بن الحسن المعروف بنعمة، فدام سروره بمجالسته، وانشرح صدره بمذاكرته، وقد طلب منه ان يصنف كتاباً في الفقه والحلال والحرام ويسميه بـ «من لا يحضره الفقيه» كما صنَّف الطبيب الرازي محمد بن زكريا كتاباً في الطب واسماه «من لا يحضره الطبيب» فاجاب مسؤوله وصنف هذا الكتاب له.

ويصف هذا الكتاب بقوله: «ولم اقصد فيه قصد المصنفين في ايراد جميع ما رووه، بل قصدت إلى ايراد ما افتي به، واحكم بصحته، واعتقد فيه انه حجة فيما بيني وبين ربي ـ تقدس ذكره، وتعالت قدرته ـ وجميع ما فيه


1 . لاحظ رجال النجاشي: 184، وكتاب الغيبة للشيخ الطوسي: 201 عند ذكر التوقيعات، واكمال الدين واتمام النعمة: 276.


(380)

مستخرج من كتب مشهورة عليها المعول، واليها المرجع، مثل كتاب حريز بن عبدالله السجستاني، وكتاب عبيدالله بن علي الحلبي، وكتب علي بن مهزيار الاهوازي، وكتب الحسين بن سعيد، ونوادر أحمد بن محمد بن عيسى، وكتاب نوادر الحكمة تصنيف محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الاشعري، وكتاب الرحمة لسعد بن عبدالله الاشعري، وجامع شيخنا محمد بن الحسن بن الوليد (رضي الله عنه)، ونوادر محمد بن ابي عمير، وكتب المحاسن لاحمد بن ابي عبدالله البرقي، ورسالة ابي (رضي الله عنه)إلي وغيرها من الاصول والمصنفات التي طرقي اليها معروفة في فهرس الكتب التي رويتها عن مشايخي واسلافي ـ رضي الله عنهم ـ وبالغت في ذلك جهدي مستعيناً بالله» (1).

وقد سلك - رحمه الله - في كتابه هذا مسلكاً غير ما سلكه الشيخ الكليني، فان ثقة الاسلام كما عرفت جرى في الكافي على طريقة السلف من ذكر جميع السند غالباً، وترك اوائل الاسناد ندرة اعتماداً على ما ذكره في الاخبار المتقدمة عليها واما الشيخ الصدوق فانه بنى في «الفقيه» من أول الأمر على اختصار الاسانيد، وحذف اوائل السند، ووضع مشيخة في آخر الكتاب يعرف بها طريقه إلى من روى عنه، فهي المرجع في اتصال اسناده في اخبار هذا الكتاب، وربما اخل بذكر الطريق إلى بعض فيكون السند باعتباره معلقاً.

ثم انهم اطالوا البحث عن احوال المذكورين في المشيخة، ومدحهم وقدحهم وصحة الطريق من جهتهم او من جهة القرائن الخارجية، وأول من دخل في هذا الباب العلاّمة في «الخلاصة» وتبعه ابن داود، ثم ارباب المجاميع الرجالية وشراح الفقيه كالتفريشي والمجلسي الأول وغيرهما (2).

ولا يخفى ان البحث في تقييم الكتاب، يقع في عدة نقاط:


1 . من لا يحضره الفقيه: 1 / 2 ـ 5.
2 . مستدرك الوسائل: 3 / 547، الفائدة الخامسة.


(381)

الأولى انه استدل على ان روايات كتاب «الفقيه» كلها صحيحة، بمعنى كون من جاء في اسانيده من الرواة ثقات، بقوله - قدس سره -: «بل قصدت إلى ايراد ما افتي به واحكم بصحته» والمراد من الصحة في هذه العبارة، هو الحكم بعدالة الراوي او وثاقته، فتكون هذه العبارة تنصيصاً من الشيخ الصدوق على ان من ورد في اسناد ذلك الكتاب، كلهم عدول او ثقات، ولا يخفى ان استفادة ذلك من تلك العبارة مشكل جداً.

اما أوّلاً، فلأن الصحيح في مصطلح القدماء ومنهم الصدوق، غير الصحيح في مصطلح المتأخرين، إذ الصحيح عند المتأخرين هو كون الراوي عدلاً امامياً، ولكن الصحيح عند القدماء عبارة عمّا اعتضد بما يقضي اعتمادهم عليه، او اقترن بما يوجب الوثوق والركون اليه واسبابه عندهم مختلفة.

منها: وجوده في كثير من الاصول الاربعمائة المؤلفة في عصور الائمة - عليهم السلام -، او وجوده في اصل معروف الانتساب لمن اجتمعت العصابة على تصديقهم كزرارة ومحمد بن مسلم واضرابهما.

ومنها: اندراجه في احدى الكتب التي عرضت على الائمة ـ صلوات الله عليهم ـ فاثنوا على مصنفيها، ككتاب عبيدالله الحلبي الذي عرض على الصادق - عليه السلام -وكتاب يونس بن عبد الرحمن وفضل بن شاذان المعروضين على العسكري - عليه السلام -.

ومنها: كونه مأخوذاً من الكتب التي شاع بين سلفهم الوثوق بها والاعتماد عليها، سواء الفت بيد رجال الفرقة المحقة ككتاب الصلاة لحريز بن عبدالله، وكتب الحسن والحسين ابني سعيد، وعلي بن مهزيار، او بيد غيرهم ككتاب حفص بن غياث، وكتب الحسين بن عبيدالله السعدي وكتاب القبلة لعلي بن


(382)

الحسن الطاطري(1)، وقد جرى الشيخ الصدوق على متعارف القدماء فحكم بصحة جميع احاديثه، وهذا غير ما نحن بصدده من عدالة الراوي او وثاقته.

قال المحقق البهبهاني: «ان الصحيح عند القدماء هو ما وثقوا بكونه من المعصوم أعم من ان يكون منشأ وثوقهم كون الراوي من الثقات، او امارات اُخر، ويكونوا قطعوا بصدوره عنهم او يظنون» (2).

وعلى ذلك فبين صحيح القدماء وصحيح المتأخرين العموم والخصوص المطلق، فحكم الشيخ الصدوق - رحمه الله -بصحة احاديثه لا يستلزم صحتها باصطلاح المتأخرين، من كون الرواة في الاسانيد كلهم ثقات، لاحتمال كون المنشأ في الجميع او بعضها هو القرائن الخارجية.

وثانياً: سلمنا ان الصدوق بصدد الحكم بوثاقة او عدالة كل من وقع في اسناد كتابه، ولكنه مخدوش من جانب آخر، لانه قد علم من حاله انه يتبع في التصحيح والتضعيف شيخه ابن الوليد، ولا ينظر إلى حال الراوي نفسه، وانه ثقة او غير ثقة، ومعه كيف يمكن ان يكون قوله هذا شهادة حسية على عدالة او وثاقة كل من ذكر في اسناد كتابه، وقد مر عند دراسة كتاب الكافي طريقته في التصحيح والتضعيف. اللّهم إلاّ ان يكون طريقة شيخه، موافقة لطريقة المتأخرين ويكون قوله اخباراً عن شهادة استاذه بعدالة او وثاقة الواردين في هذا الكتاب.

وثالثاً: ان المتبادر من العبارة التالية، انه يعتمد في تصحيح الرواية على وجود الرواية في كتب المشايخ العظام غالباً. قال - قدس سره -: «كان شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد(رضي الله عنه) سيء الرأي في محمد بن عبدالله المسمعي راوي هذا الحديث، واني اخرجت هذا الخبر في هذا


1 . لاحظ مشرق الشمسين للشيخ البهائي.
2 . تعليقة البهبهاني: 27، وفي العبارة حزازة.


(383)

الكتاب، لانه كان في كتاب الرحمة، وقد قرأته عليه فلم ينكره ورواه لي» (1).

وهذا يعرب عن انه ما كان يتفحص عن احوال الراوي عند الرواية، وهذا ان لم يكن كلياً لكنه أمر ذائع في تصحيحاته.

الثانية: إن أحاديث كتاب الفقيه لا تتجاوز عن 5963 حديثاً، منها ألفان وخمسون حديثاً مرسلاً، وعند ذلك يقع الكلام كيف يمكن الركون إلى هذا الكتاب بلا تحقيق اسناده، مع أن جميع الاحاديث المسندة فيها 3913 حديثاً، والمراسيل 2050 حديثاً، ومرادهم من المرسل ما لم يذكر فيه اسم الراوي بأن قال «روي» أو قال «قال الصادق - عليه السلام -» او ذكر الراوي وصاحب الكتاب، ونسي أن يذكر طريقه اليه في المشيخة، وهم على ما صرَّح به المجلسي أزيد من مائة وعشرين رجلاً.

الثالثة: في اعتبار مراسيل الفقيه وعدمه.

ذهب بعض الأجلة إلى القول باعتبار مراسيله، قال التفريشي في شرحه على الفقيه:

«الاعتماد على مراسيله ينبغي أن لا يقصر في الاعتماد على مسانيده، حيث حكم بصحَّة الكل». وقد قيل في وجه ترجيح المرسل: «إن قول العدل: قال رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم -يشعر باذعانه بمضمون الخبر، بخلاف ما لو قال: حدثني فلان» وقال بحر العلوم: «إن مراسيل الصدوق في الفقيه كمراسيل ابن ابي عمير في الحجّية والاعتبار، وان هذه المزية من خواص هذا الكتاب لا توجد في غيره من كتب الاصحاب».

وقال الشيخ بهاء الدين في شرح الفقيه ـ عند قول الصدوق: «وقال الصادق جعفر بن محمد - عليه السلام -: كل ماء طاهر حتى تعلم أنه قذر» ـ


1 . العيون: الجزء الثاني، باب ما جاء عن الرضا - عليه السلام -من الاخبار المنثورة، الحديث 45.


(384)

«هذا الحديث من مراسيل المؤلف، وهي كثيرة في هذا الكتاب، تزيد على ثلث الاحاديث الموردة فيه، وينبغي أن لا يقصر الاعتماد عليها من الاعتماد على مسانيده، من حيث تشريكه بين النوعين في كونه ممّا يفتي به ويحكم بصحته، ويعتقد أنه حجة بينه وبين ربّه، بل ذهب جماعة من الاُصوليين إلى ترجيح مرسل العدل على مسانيده محتجّين بأن قول العدل «قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -كذا» يشعر باذعانه بمضمون الخبر، بخلاف ما لو قال «حدثني فلان، عن فلان أنه - صلى الله عليه وآله وسلم -قال كذا» وقد جعل أصحابنا (قدس سرهم)مراسيل ابن أبي عمير كمسانيده في الاعتماد عليها، لما علموا من عادته أنه لا يرسل إلاّ عن ثقة(1).

وقال المحقّق الداماد في الرواشح: «إذا كان الارسال بالاسقاط رأساً جزماً، كما قال المرسل «قال النبي، أو قال الإمام» فهو يتم فيه، وذلك مثل قول الصدوق في الفقيه «قال الصادق - عليه السلام -: الماء يطهِّر ولا يطهَّر» إذ مفاده الجزم او الظنّ بصدور الحديث عن المعصوم، فيجب أن تكون الوسائط عدولاً في ظنّه، وإلاّ كان الحكم الجازم بالاسناد هادماً لجلالته وعدالته»(2).

ولا يخفى أن غاية ما يقتضيه الاسناد جازماً، هو جزم الصدوق او اطمئنانه على صدور الرواية من الإمام - عليه السلام -، وهذا لا يقتضي أن يكون منشأ جزمه هو عدالة الراوي او وثاقته، فيمكن أن يكون منشؤه هو القرائن الحافَّة على الخبر التي يفيد القطع او الاطمئنان بصدور الخبر، ولو كان اطمئنانه حجَّة للغير، يصحّ للغير الركون اليه وإلا فلا.

الرابعة: قد عرفت أن الصدوق كثيراً ما ذكر الراوي ونسي أن يذكر طريقه اليه في المشيخة، أو ذكر طريقه ولكن لم يكن صحيحاً عندنا، فهل هنا طريق


1 . مستدرك الوسائل: 718، الفائدة الخامسة.
2 . الرواشح: 174.


(385)

يعالج هذه المشكلة؟ فقد قام المحقّق الاردبيلي صاحب كتاب «جامع الرواة» على تصحيح هذه الروايات بطريق خاصّ نذكره عند البحث عن كتاب «التهذيب».

والذي عند سيد المحقّقين، البروجردي- قدس سره -من الاجابة عن هذا السؤال هو أن الكتب التي نقل عن الصدوق في هذا الكتاب كانت كتباً مشهورة، وكان الأصحاب يعوِّلون عليها ويرجعون اليها، ولم يكن ذكر الطريق إلى هذه الكتب إلاّ تبرّعاً وتبرّكاً، أي لاخراج الكتب عن صورة المرسل إلى صورة المسند وإن كان لبّاً جميعها مسانيد، لشهرة انتساب هذه الكتب إلى مؤلفيها، وبذلك كانت تستغني عن ذكر الطريق.

والذي يدل على ذلك، قوله في ديباجة الكتاب: «وجميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعوَّل واليها المرجع مثل كتاب حريز بن عبدالله السجستاني(1)، وكتاب عبيدالله بن علي الحلبي(2)، وكتب علي بن مهزيار الاهوازي ـ إلى آخر ما نقلناه عنه آنفاً».

وبعد هذه العبارة لا يبقى شكّ للانسان أن ذكر الطريق إلى هذه الكتب في المشيخة، لم يكن إلاّ عملا تبرّعياً غير إلزامي، ولأجل ذلك نرى أنه لم يذكر طريقاً إلى بعض هذه الكتب، او ذكر طريقاً فيه ضعف، لعدم المبالاة بصحَّة الطريق وعدمها، لانه لم تكن الغاية اثبات انتساب الكتب إلى اصحابها، فان الكتب كانت مشهورة الانتساب إلى مؤلفيها، ولأجل ذلك نرى أن المحقّق المولى محمد تقي المجلسي (المولود عام 1003، والمتوفى عام 1070 هـ) ذكر في شرحه على الفقيه عند تفسير العبارة المتقدمة ما هذا لفظه: «من كتب


1 . قال حماد بن عيسى للصادق - عليه السلام -اني اعمل به وقرّره الإمام. روضة المتقين: 1 / 14.
2 . عرض كتابه على الصادق - عليه السلام -فصححه الإمام ومدحه. روضة المتقين: 1 / 14.


(386)

مشهورة بين المحدّثين، بالانتساب إلى مصنّفيها ورواتها، والظاهر أن المراد بالشهرة التواتر. عليها المعوّل، يعني كلها محلّ اعتماد الاصحاب»(1).

وقال أيضاً: «الظاهر منهم النقل من الكتب المعتبرة المشهورة، فاذا كان صاحب الكتاب ثقة يكون الخبر صحيحاً، لأن الظاهر من نقل السند إلى الكتاب المشهور المتواتر، مجرد التيمّن والتبرّك لا سيما إذا كان من الجماعة المشهورين كالفضيل بن يسار ومحمد بن مسلم ـ رضي الله عنهما ـ فان الظاهر أنه لا يضرّ جهالة سنديهما»(2).

وقال أيضاً: مع كثرة التتّبع يظهر أن مدار ثقة الاسلام (الكليني) أيضاً كان على الكتب المشهورة، وكان اتصال السند عنده أيضاً لمجرّد التيمّن والتبرّك، ولئلاً يلحق الخبر بحسب الظاهر بالمرسل، فان روى خبراً عن حمّاد بن عيسى، او صفوان بن يحيى، أو محمد بن أبي عمير فالظاهر أنه أخذ من كتبهم فلا يضرّ الجهالة التي تكون في السند إلى الكتب بمثل محمد بن اسماعيل عن الفضل، او الضعف بمثل سهل بن زياد»(3).

وبعد ذلك نرى أن البحث عن طرق الصدوق إلى أصحاب الكتب أمر زائد، فاللازم البحث عن مؤلف الكتاب وطرقه إلى الإمام - عليه السلام -. هذا ما يميل إليه سيّدنا المحقّق البروجردي ويقرّبه.

نعم، على ذلك كلّما علم أن الشيخ الصدوق أخذ الحديث من الكتب المعروفة، فالبحث عن الطريق أمر غير لازم، وأما إذا لم نجزم بذلك واحتملنا أن الحديث وصل اليه بالطرق المذكورة في المشيخة، فالبحث عن صحَّة الطرق يعدُّ أمراً لازماً.


1 . روضة المتقين: 1 / 14.
2 . روضة المتقين: 1 / 29.
3 . روضة المتقين: 1 / 31.


(387)

ونقول بمثل ذلك في طرق الكافي، فاذا علم أنه أخذ الحديث من الكتب التي ثبت اسنادها إلى الراوي، فلا وجه للبحث عن ضعف الطريق او صحته. وبذلك نستغني عن كثير من المباحث حول طرق الصدوق إلى أرباب الكتب.

ثمّ إنهم أطالوا البحث عن أحوال المذكورين في المشيخة ومدحهم وقدحهم وصحة الطريق من جهتهم.

وقد عرفت أن أول من دخل في هذا الباب هو العلاّمة في «الخلاصة»، وتبعه ابن داود ثم أرباب المجاميع الرجالية وشرّاح الفقيه، كالعالم الفاضل المولى مراد التفريشي والعالم الجليل المجلسي الأول وغيرهما(1).


1 . مستدرك الوسائل: 3 / 547 و 719، ولاحظ مقدمة الحدائق.

Website Security Test