welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الملل والنحل/ج8(اسماعيليّة)*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الملل والنحل/ج8(اسماعيليّة)

بحوث
في الملل والنحل

الجزء الثامن

في الاِسماعليلية
وفرق
الفطحيّة ، الواقفية ، القرامطة ، الدروز والنصيرية

تأليف

جعفر السبحاني

مؤسسة النشر الاسلامي
التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة


(2)


(3)

* * *

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين .

أما بعد فهذا هو الجزء الثامن من موسوعة «بحوث في الملل والنحل» نقدمه للقراء الكرام حول الاِسماعيلية وغيرها من الفرق الشيعية وبه تنتهي سلسلة تلك البحوث نحمده سبحانه ونشكره أنّه بذلك حقيق.

تمهيد

الاِسماعيلية فرقة من الشيعة القائلة بأنّ الاِمامة بالتنصيص من النبي أو الاِمام القائم مقامه، غير انّ هناك خلافاً بين الزيدية والاِمامية في عدد الاَئمة ومفهوم التنصيص.

فالاَئمّة المنصوصة خلافتهم وإمامتهم بعد النبي عند الزيدية لا يتجاوز عن الثلاثة: عليّ أمير الموَمنين - ) - عليه السّلام- - ، والسبطين الكريمين: الحسن والحسين - عليهم السّلام- وبشهادة الاَخير غلقت دائرة التنصيص، وجاءت مرحلة الانتخاب بالبيعة على تفصيل مرّ في الجزء السابع.

وأمّا الاَئمّة المنصوصون عند الاِمامية فاثنا عشر إماماً، آخرهم غائبهم، يُظهره اللّه سبحانه عندما يشاء وقد حُوِّل أمر الاَُمّة ـ في زمان غيبته ـ إلى الفقيه العارف بالاَحكام والسنن، والواقف على مصالح المسلمين، على النحو المقرّر في كتبهم وتآليفهم.


(4)

وأمّا الاِسماعيلية فقد افترقت إلى فرق مختلفة:
1. القرامطة: القائلة بإمامة محمد بن إسماعيل ابن الاِمام الصادق و غيبته، ثمّ دخلت الاِمامة في كهف الاستتار.
2. الدروز: وهم يسوقون الاِمامة إلى الاِمام الحادي عشر الحاكم بأمر اللّه، ثمّ يقولون بغيبته وينتظرون ظهوره.
3. المستعلية: وهوَلاء يسوقون الاِمامة إلى الاِمام الثالث عشر المستنصر باللّه، ويقولون بإمامة ابنه المستعلى باللّه بعده، وهم المعروفون بالبهرة، وقد انقسمت المستعلية سنة 999هـ إلى فرقتين: داودية وسليمانية ، سيوافيك بيانها.
4. النزارية: وهوَلاء يسوقون الاِمامة إلى المستنصر باللّه، ثمّ يقولون بإمامة ابنه الآخر نزار بن معد، وقد انقسمت النزارية إلى: موَمنية وقاسمية المعروفة بالآغاخانية، وسيأتي سبب الانقسام وزمانه والركب الاِمامي منقطع عن السير عند الجميع إلاّ القاسمية حيث يقولون باستمرار الاِمامة إلى العصر الحاضر.

هذا كلّه حول اختلافهم في استمرار الاِمامة، وأمّا اختلافهم مع الزيدية والاِمامية في مفهوم التنصيص، فإنّه عند الفرقتين الاَخيرتين يرجع إلى تعيين الاِمام والقائم بالاَمر باللفظ والاشهاد، بخلاف الاِسماعيلية فإنّها تنتقل عندهم من الآباء إلى الاَبناء، ويكون انتقالُها عن طريق الميلاد الطبيعي، فيكون ذلك بمثابة نص من الاَب بتعيين الابن، وإذا كان للاَب عدة أبناء فهو بما أُوتي من معرفة خارقة للعادة يستطيع أن يعرف من هو الاِمام الذي وقع عليه النص. فالقول بأنّ الاِمامة عندهم بالوراثة أولى من القول بالتنصيص.

وعلى كلّ تقدير فهذه الفرقة، منشقة عن الشيعة، معتقدة بإمامة إسماعيل ابن جعفر بعد الاِمام الصادق - عليه السّلام- و هي متواجدة في كثير من الاَقطار، منها: الهند، وباكستان، واليمن ونواحيها، وسوريا، ولبنان وأفغانستان، وإفريقية وإيران ونحقّق مذهبهم وفرقهم وآثارهم في ضمن فصول:


(5)

الفصل الاَوّل

الخطوط العريضة


للمذهب الاِسماعيلي
(6)



(7)

إنّ للمذهب الاِسماعيلي آراءً وعقائداً ، ستوافيك تفاصيلها في الفصول الآتية نذكرها هنا على وجه الاِيجاز :

الاَُولى: إنتماوَهم إلى بيت الوحي والرسالة

كانت الدعوة الاِسماعيلية يوم نشوئها دعوة بسيطة لا تتبنّى سوى: إمامة المسلمين، وخلافة الرسول - صلّى الله عليه وآله وسلّم - ، واستلام الحكم من العباسيّين بحجة ظلمهم وتعسّفهم؛ غير أنّ دعوة بهذه السذاجة لا يكتب لها البقاء إلاّ باستخدام عوامل تُضمن لها البقاء، وتستقطب أهواءَ الناس وميولهم.

ومن تلك العوامل التي لها رصيد شعبي كبير هو ادّعاء انتماء أئمّتهم إلى بيت الوحي والرسالة، وكونهم من ذرية الرسول وأبناء بنته الطاهرة فاطمة الزهراء - عليها السّلام- ، وكان المسلمون منذُ عهدِ الرسول يتعاطفون مع أهل بيت النبيّ، وقد كانت محبتهم وموالاتهم شعار كلّ مسلم واع.

وممّا يشير إلى ذلك انّ الثورات التي نشبتْ ضدّ الاَُمويين كانت تحمل شعار حب أهل البيت - عليهم السّلام- والاقتداء بهم والتفاني دونهم، ومن هذا المنطلق صارت الاِسماعيلية تفتخر بانتماء أئمتهم إلى النبي - صلّى الله عليه وآله وسلّم - حتى إذا تسلّموا مقاليد الحكم وقامت دولتهم، اشتهروا بالفاطميين، وكانت التسمية يومذاك تهزّ المشاعر وتجذب العواطف بحجة انّ الاَبناء يرثون ما للآباء من الفضائل والمآثر، وانّتكريم ذرية الرسول - صلّى الله عليه وآله وسلّم - تكريم له - صلّى الله عليه وآله وسلّم - ، فشتان مابين بيت أُسس بنيانه على تقوى من اللّه ورضوانه، وبيت أُسّس بنيانه على شفا جرف هار، فانهار به في نار جهنم.


(8)

الثانية: تأويل الظواهر

إنّ تأويل الظواهر وإرجاعها إلى خلاف ما يتبادر منها في عرف المتشرّعة هي السمة البارزة الثانية للدعوة الاِسماعيلية، وهي إحدى الدعائم الاَساسية بحيث لو انسلخت الدعوة عن التأويل واكتفت بالظواهر، لم تتميز عن سائر الفرق الشيعية إلاّ بصَرف الاِمامة عن الاِمام الكاظم - عليه السّلام- إلى أخيه إسماعيل بن جعفر، وقد بنوا على هذه الدعامة مذهبهم في مجالي العقيدة والشريعة، وخصوصاً فيما يرجع إلى تفسير الاِمامة وتصنيفها إلى أصناف، سيوافيك بيانه.

و لم يكن تأويل الظواهر أمراً مبتدعاً، بل سبقهم ثلة من المندسّين في أصحاب الاِمام الصادق - عليه السّلام- الذين طردهم الاِمام ولعنهم وحذّر شيعته من الاختلاط بهم، لصيانتهم عن التأثر بآرائهم والانجراف في متاهاتهم كأبي منصور، وأبي الخطاب، والمغيرة بن سعيد، وغيرهم من ملاحدة عصره وزنادقة زمانه.

إنّ تأويل الظواهر والتلاعب بآيات الذكر الحكيم وتفسيرها بالاَهواء والميول جعل المذهب الاِسماعيلي يتطور مع تطور الزمان، ويتكيّف بمكيفاته، ولا ترى الدعوة أمامها أي مانع من مماشاة المستجدات وإن كانت على خلاف الشرع أو الضرورة الدينية.

الثالثة: تطعيم مذهبهم بالمسائل الفلسفية

إنّ ظاهرة الجمود على النصوص والظواهر ورفض العقل في مجالات العقائد، كانت من أهمّ ميزات العصر العباسي حيث كانوا يرفضون كل بحثٍ عقلي خارج عن هذا الاِطار خاصّة في عهد المنصور والرشيد، فقد طردوا حماة البحث الحرّ والانفتاح الفكري وضيّقوا عليهم.

إنّ هذه الظاهرة على خلاف الشريعة، التي تدعو إلى التفكّر والتعقّل. وكان


(9)

الاِمام علي - عليه السّلام- أوّل من فتحَ باب الاَبحاث العقلية على مصراعيه وبيّن الخطوط العريضة لكثير من العقائد على ضوء البرهان والدليل.

إنّ ظاهرة الجمود في أوساط العباسيين ولّدت ردّ فعلٍ عند أئمة الاِسماعيليّة، فانجرفوا في تيارات المسائل الفلسفية وجعلوها من صميم الدين وجذوره، وانقلب المذهب إلى منهج فلسفي يتطوّر مع تطوّر الزمن، ويتبنّى أُصولاً لا تجد منها في الشريعة الاِسلامية عيناً ولا أثراً.

يقول الموَرّخ الاِسماعيلي المعاصر: إنّ كلمة «إسماعيلية» كانت في بادىَ الاَمر تدل على أنّها من إحدى الفرق الشيعية المعتدلة، لكنّها صارت مع تطور الزمن حركة عقلية تدلّ على أصحاب مذاهب دينية مختلفة، وأحزاب سياسية واجتماعية متعدّدة، وآراء فلسفية وعلمية متنوعة. (1)

الرابعة: تنظيم الدعوة

ظهرت الدعوة الاِسماعيلية في ظروف ساد فيها سلطانُ العباسيين شرقَ الاَرض وغربها، ونشروا في كلّ بقعة جواسيس وعيوناً ينقلون الاَخبار ـ خاصة أخبار مخالفيهم ومناوئيهم ـ إلى مركز الخلافة الاِسلامية، ففي مثل هذه الظروف العصيبة لا يكتب النجاح لكلّدعوة تقوم ضد السلطة إلاّ إذا امتلكت تنظيماً وتخطيطاً متقناً يضمن استمرارَها، ويصون دعاتها وأتباعها من حبائل النظام الحاكم وكشف أسرارهم.

وقد وقف الدعاة على خطورة الموقف وأحسّوا بلزوم إتقان التخطيط والتنظيم، وبلغوا فيه الذروة بحيث لو قورنت مع أحدث التنظيمات الحزبية العصرية، لفاقتها وكانت لهم القدح المعلّـى في هذا المضمار، وقد ابتكروا


1. مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الاِسماعيلية :14، والموَلف سوري إسماعيلي وفي طليعة كُتّابهم.

(10)

أساليب دقيقة يقف عليها من سبر تراجمهم وقرأ تاريخهم، ولم يكتفوا بذلك فحسب بل جعلوا تنظيمات الدعوة من صميم العقيدة وفلسفتها.

يقول الموَرخ الاِسماعيلي المعاصر: وبالحقيقة لم توجه أية دولة من الدول، أو فرقة من الفرق، اهتماماً خاصاً بالدعاية وتنظيمها، كما اهتمّت بها الاِسماعيلية، فجعلت منها الوسيلة الرئيسية لتحقيق نجاح الحركة في دور الستر والتخفّي، ودور الظهور وا لبناء معاً. ولقد أحدث التخطيط الدعاوي المنظم تنظيماًعجيباً لم يسبقهم إليه أحد في العالم، وابتكرت الاَساليب المبنية على أُسس مكينة مستوحاة من عقيدتها الصميمة.

ولقد برعوا براعة لا توصف في تنظيم أجهزة الدعاية ـ على قِلّة الوسائل في ذلك العصر ـ واستطاعوا أن يشرفوا بسرعة فائقة على أقاصي بقاع البلدان الاِسلامية، ويتنسمون أخبار أتباعهم في الاَبعاد المتناهية.وذلك بما نظموا من أساليب وأحدثوا من وسائل. وقد كان للحمام الزاجل ـ الذي برع في استخدامه دعاة الاِسماعيلية ـ أثره الفعّال في تنظيم نقل الاَخبار والمراسلات السرية الهامّة.(1)

الخامسة: إضفاء طابع القداسة على أئمّتهم ودعاتهم

شعرت الدعوة الاِسماعيلية أيام نشوئها بأنّه لا بقاء لها إلاّ إذا أضفتْ طابع القداسة على أئمّتهم ودعاتهم بحيث توجب مخالفتهم مروقاً عن الدين وخروجاً عن طاعة الاِمام «والجدير بالاهتمام انّ الاِمام الاِسماعيلي ـ والذي يعتبر رئيساً للدعوة ـ جعل الدعاة من (حدود الدين) إمعاناً منه في إسباغ الفضائل عليهم ليتمكّنوا من نشر الدعوة وتوجيه الاَتباع والمريدين دونما أيّة معارضة أو مخالفة،


1. مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الاِسماعيلية:37.

(11)

لاَنّ مخالفتهم ومعارضتهم تعتبر بالنسبة للاِسماعيلية مروقاً عن الدين، وخروجاً عن طاعة الاِمام نفسه، لاَنّهم من صلب العقيدة وحدودها». (1)

إنّ الاِمامة تحتل عند الاِسماعيلية مركزاً مرموقاً ولها درجات ومقامات مختلفة ـ سيوافيك تفصيلها في مظانها ـ حتى أضحت من أبرز سمات المذهب الاِسماعيلي فهم يعتقدون بالنطقاء الستة، وانّ كلّ ناطق رسول يتلوه أئمة سبعة:
1. فآدم رسول ناطق تلته أئمة سبعة بعده.
2. فنوح رسول ناطق تلته أئمة سبعة.
3. فإبراهيم رسول ناطق جاءت بعده أئمة سبعة.
4. فموسى رسول ناطق تلته أئمة سبعة.
5. فعيسى رسول ناطق تلته أئمة سبعة.
6. فمحمّد رسول ناطق تلته أئمة سبعة، وهم:

علي بن أبي طالب، الحسن بن علي، الحسين بن علي، علي بن الحسين، محمد ابن علي الباقر، جعفر بن محمد الصادق، إسماعيل بن جعفر.

وبذلك يتم دور الاَئمة السبعة ويكون التالي رسولاً ناطقاً سابعاً وناسخاً للشريعة السابقة وهو محمد بن إسماعيل وهذا ممّا يصادم عقائد جمهور المسلمين من أنّ نبيّ الاِسلام - صلّى الله عليه وآله وسلّم - هو خاتم الاَنبياء والمرسلين، وشريعته خاتمة الشرائع، وكتابه خاتم الكتب.

فعند ذلك وقعت الاِسماعيلية في مأزق كبير سيوافيك تفصيله في الفصول الآتية إن شاء اللّه تعالى.


1. المصدر السابق:37.

(12)

السادسة: تربية الفدائيين للدفاع عن المذهب

إنّ الاَقلية المعارضة من أجل الحفاظ على كيانها لا مناص لها من تربية فدائيين مضحِّين بأنفسهم في سبيل الدعوة لصيانة أئمّتهم ودعاتهم من تعرض الاَعداء، فينتقون من العناصر المخلصة المعروفة بالتضحية والاِقدام، والشجاعة النادرة، والجرأة الخارقة، ويكلَّفون بالتضحيات الجسدية، وتنفيذ أوامر الاِمام أو نائبه، وإليك أحد النماذج المذكورة في التاريخ:

في سنة 500 هجرية فكر فخر الملك بن نظام وزير السلطان سنجر، أن يثأر لاَبيه وهاجم قلاع الاِسماعيلية ، فأوفد إليه الحسن بن الصباح أحد فدائييه فقتله بطعنة خنجر، ولقد كانت قلاعه في حصار مستمر من قبل السلجوقيين.

وفي سنة 501هـ حوصرت قلعة «آلموت» من قبل السلطان السلجوقي واشتد الحصار عليها، فأرسل السلطان رسولاً إلى الحسن بن الصباح يطلب منه الاستسلام، ويدعوه لطاعته، فنادى الحسن أحد فدائييه وقال له: ألقي بنفسك من هذا البرج ففعل، وقال للثاني: اطعن نفسك بهذا الخنجر ففعل، فقال للرسول: اذهب وقل لمولاك إنّه لدي سبعونَ ألفاً من الرجال الاَُمناء المخلَصين أمثال هوَلاء الذين يبذلون دماءهم في سبيل عقيدتهم المثلى. (1)

وقد تفشّت هذه الظاهرة بين أوساطهم، وآل أمر الاَتباع إلى طاعة عمياء لاَئمتهم ودعاتهم في كلّ حكم يصدر عن القيادة العامة، أو الدعاة الخاصين دون الاِفصاح عن أسبابه، وبلغ بهم الاَمر إطاعتهم لاَئمّتهم في رفع بعض الاَحكام الاِسلامية عن الجيل الاِسماعيلي بحجة انّالعصر يضاده، ويشهد على ذلك ما كتبه الموَرّخ الاِسماعيلي إذ يقول عن إمام عصره آغا خان الثالث إنّه قال: «إنّ الحجاب يتعارض والعقائد الاِسماعيلية، وإنّي أُهيب بكل إسماعيلية أن تنزع


1. مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الاِسماعيلية:263.

(13)

نقابَها، وتنزل إلى معترك الحياة لتساهم مساهمة فعالة في بناء الهيكل الاجتماعي والديني للطائفة الاِسماعيلية خاصّة وللعالم الاِسلامي عامة، وأن تعمل جنباً إلى جنب مع الرجل في مختلف نواحي الحياة إسوة بجميع النساء الاِسماعيليات في العالم، وآمل في زيارتي القادمة أن لا أرى أثراً للحجاب بين النساء الاِسماعيليات، وآمرك أن تبلغ ما سمعت لعموم الاِسماعيليات بدون إبطاء». (1)

السابعة: كتمان الوثائق

إنّ استعراض تاريخ الدعوات الباطنية السرية وتنظيماتها رهن الوقوف على وثائقها ومصادرها التي تنير الدرب لاستجلاء كنهها، وكشف حقيقتها وما غمض من رموزها ومصطلحاتها، ولكن للاَسف الشديد انّ الاِسماعيلية كتموا وثائقهم وكتاباتهم وموَلفاتهم وكلّ شيء يعود لهم ولم يبذلوها لاَحد سواهم، فصار البحث عن الاِسماعيلية بطوائفها أمراً مستعصياً، إلاّ أن يستند الباحث إلى كتب خصومهم وما قيل فيهم، ومن المعلوم انّ القضاء في حقّ طائفة استناداً إلى كلمات مخالفيهم، خارج عن أدب البحث النزيه.

وهذا ليس شيئاً عجيباً إنّما العجب انّ الموَرّخين المعاصرين من الاِسماعيلية واجهوا نفس هذه المشكلة منذ زمن طويل، يقول مصطفى غالب وهو من طليعة كتّاب الاِسماعيلية:«من المشاكل المستعصية التي يصعب على الموَرّخ والباحث حلّها وسبر أغوارها، وهو يستعرض تاريخ الدعوات الباطنية السرية، وتنظيماتها، حرص تلك الدعوات الشديد على كتمان وثائقهم ومصادرهم ـ إلى أن يقول: ـ والمعلومات التي نقدّمها للمهتمّين بالدراسات الاِسلامية مستقاة من الوثائق والمصادر الاِسماعيلية السرية». (2)


1. المصدر السابق:265، الخطاب لمن رفع السوَال إليه وهو الكاتب مصطفى غالب السوريّ.
2. المصدر نفسه: 35.

(14)

نعم كانت الدعوة الاِسماعيلية محفوفة بالغموض والاَسرار إلى أن جاء دور بعض المستشرقين فوقفوا على بعض تلك الوثائق ونشروها، وأوّل من طرق هذا الباب المستشرق الروسي الكبير البروفسور «ايفانوف» عضو جمعية الدراسات الاِسلامية في «بومبايي» وبعده البروفسور «لويس ماسينيون» المستشرق الفرنسي الشهير، ثمّ الدكتور «شتروطمان» الاَلماني عميد معهد الدراسات الشرقية بجامعة هامبورغ، و«مسيو هانري كوربن» أُستاذ الفلسفة الاِسلامية في جامعة طهران، والمستشرق الانكليزي «برنارد لويس».

يقول الموَرخ المعاصر: حتى سنة 1922 ميلادية كانت المكتبات في جميع أنحاء العالم فقيرة بالكتب الاِسماعيلية إلى أن قام المستشرق الاَلماني «ادوارد برون» بإنشاء مكتبة إسماعيلية ضخمة غايتها إظهار الآثار العلمية لطائفة كانت في مقدمة الطوائف الاِسلامية في الناحية الفكرية والفلسفية والعلمية، ولم يقتصر نشاط أُولئك المستشرقين عند حدود التأليف والنشر، بل تعدّاه إلى الدعاية المنتظمة سواء في المجلاّت العلمية الكبرى، كمجلة المتحف الآسيوية التي كانت تصدرها أكاديمية العلوم الروسية في مدينة «بطروسبورغ» ويشرف على تحريرها «ايفانوف» وبعض المستشرقين الروس أمثال «سامينوف» وغيره ممن دبّجوا المقالات الطوال عن العقيدة الاِسماعيلية.

ففي سنة 1918 كتب المستشرق «سامينوف» مقاله الاَوّل عن الدعوة الاِسماعيلية وقد جمعه بنفسه ونشره في مجلته كما نقل إلى اللغة الاِنكليزية عدداً ضخماً من الكتب الاِسماعيلية الموَلفة باللغتين «الكجراتية» و«الاَُوردية» ـ إلى أن قال: ـ لقد أحدثت تلك الدراسات الهامة ثورة فكرية وانقلاباً عكسياً في العالم الاِسلامي، حيث قام عدد من الاَساتذة المصريين بنشر الآثار الاِسماعيلية في العهود الفاطمية، فأخرجوا إلى حيّز الوجود عدداً لا بأس به من الكتب القيّمة


(15)

وأظهروا للعالم أجمع آثار هذه الفرقة. (1)

وبالرغم ممّا ذكره الموَرخ المعاصر من أنّ المصريين أظهروا للعالم أجمع آثار هذه الفرقة، لكنّا نرى أنّه يعتمد في كتابه على وثائق خطية موجودة في مكتبته الخاصة، أومكتبة دعاة مذهبه في سورية، ويكشف هذا عن وجود لفيف من المصادر مخبوءة لم تر النور لحد الآن.

الثامنة: الاَئمّة المستورون

إنّ الاِسماعيلية أعطت للاِمامة مركزاً شامخاً، وصنّفوا الاِمامة إلى رتب ودرجات، وزوّدوها بصلاحيات واختصاصات واسعة، وسيوافيك بيان تلك الدرجات والرتب، غير أنّ المهم هنا الاِشارة إلى تصنيفهم الاِمام إلى مستور، دخل كهف الاستتار؛ وظاهر، يملك جاهاًو سلطاناً في المجتمع.

فالاَئمّة المستورون هم الاَئمّة الاَربعة الاَوائل الذين جاءوا بعد إسماعيل، ونشروا الدعوة سراًو كتماناً، وهم:
1. محمد بن إسماعيل الملقّب بـ«الحبيب»: ولد سنة 132هـ في المدينة المنورة، وتسلّم شوَون الاِمامة واستتر عن الاَنظار خشية وقوعه بيد الاَعداء، ولقّب بالاِمام المكتوم، لاَنّه لم يعلن دعوته وأخذ في بسطها خفية، وتوفي عام 193هـ.
2. عبد اللّه بن محمد بن إسماعيل الملقّب بـ«الوفي»: ولد عام 179هـ في مدينة محمود آباد، وتولّى الاِمامة عام 193هـ بعد وفاة أبيه، وسكن السلْمية عام 194هـ مصطحباً بعدد من أتباعه، وهو الذي نظم الدعوة تنظيماً دقيقاً، توفي عام 212هـ.
3. أحمد بن عبد اللّه بن محمد بن إسماعيل الملقب بـ «التقي»: ولد عام


1. مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الاِسماعيلية:22ـ23.

(16)

198، وتولّـى الاِمامة عام 212هـ، سكن السلمية سراً حيث أصبحت مركزاً لنشر الدعوة، توفي فيها عام 265هـ.
4. الحسين بن أحمد بن عبد اللّه بن محمد بن إسماعيل المقلب بـ «الرضي»: ولد عام 212 هـ، وقيل 228هـ؛ وتولّى الاِمامة عام 265 هـ، ويقال انّه اتخذ عبد اللّه بن ميمون القداح حجة له وحجاباً عليه، توفي عام 289هـ.

والمعروف بين الاِسماعيلية انّعبيد اللّه المهدي ـ الذي هاجر إلى المغرب وأسّس هناك الدولة الفاطمية ـ كان ابتداءً لعهد الاَئمّة الظاهرين الذين جهروا بالدعوة وأخرجوها عن الاستتار .

التاسعة: انّهم عُرِّفوا بالاِسماعيلية تارة، والباطنية أُخرى، والملاحدة ثالثاً، وبالسبعية رابعاً.

قال المحقّق الطوسي: إنّما سُمُّوا بالاِسماعيلية لانتسابهم إلى إسماعيل بن جعفر الصادق.

والباطنية لقولهم: كلّ ظاهر فله باطن، يكون ذلك الباطن مصدراً وذلك الظاهر مظهراً له، ولا يكون ظاهر لا باطن له إلاّ ما هو مثل السراب، ولا باطن لا ظاهر له إلاّ خيال لا أصل له.

ولقّبوا بالملاحدة لعدولهم من ظواهر الشريعة إلى بواطنها في بعض الاَحوال. (1)

وأمّا تسميتهم بالسبعية، لاَنّهم قالوا: إنّما الاَئمّة تدور على سبعة سبعة، كأيام الاَُسبوع، والسماوات السبع، والكواكب السبع. (2)فدور الاِمامة عندهم لا يتجاوز عن سبعة، ثمّ يأتي دور آخر على هذا الشكل.


1. كشف الفوائد في شرح قواعد العقائد:301.
2. الشهرستاني: الملل والنحل: 1|200.

(17)

ويقول أيضاً : قالوا الاِمام في عهد رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلّم - كان علياً - عليه السّلام- ، وبعده كان ابنه الحسن إماماً مستودعاً، وبعده الحسين إماماً مستقراً ولذلك لم تذهب الاِمامة في ذرية الحسن - عليه السّلام- ، ثمّ نزلت الاِمامة في ذرية الحسين، وانتهت بعده إلى علي ابنه، ثمّ إلى محمد ابنه، ثمّ إلى جعفر ابنه، ثمّإلى إسماعيل ابنه وهو السابع. (1)

و معنى ذلك انّ الدور تمّ بإسماعيل، وهو متم الدور، وانّ ابنه بادىَ للدور الآخر كالتالي:
1. محمد بن إسماعيل.
2. عبد اللّه بن محمد بن إسماعيل الملقب بالرضي.
3. أحمد بن عبد اللّه الملقب بالوفي.
4. الحسين بن أحمد الملقب بالتقي.
5. عبيد اللّه المهدي بن الحسين.
6. القائم.
7. المنصور، وبه يتم الدور ويبتدأ دور آخر بالاِمام المعز لدين اللّه.

ولو قلنا بخروج الحسن - عليه السّلام- لكونه إماماً مستودعاً لا مستقراً يتم الدور بمحمد بن إسماعيل. ويأتي الدور الجديد، وسيوافيك تفصيله في بيان أدوار الاِمامة.

وعلى كلّتقدير فالسبعة عندهم لها مكانة خاصة، فلا يتجاوز دور الاَئمّة في تمام مراحلها عن السبعة.

العاشرة: انّ المذهب الاِسماعيلي لم يظهر على مسرح الحياة بصورة مذهب مدوّن متكامل، وإنّما أخذ بالتكامل عبر العصور، وفي ظل احتكاك الدعاة بأصحاب الحركات الباطنية أوّلاً، وأصحاب الفلسفات ثانياً.وقد ظهر في أوّل يوم


1. كشف الفوائد:303، المتن.

(18)

نشوئه بصورة عقيدة بسيطة، وهو أنّ الاِمام بعد جعفر بن محمد ابنه إسماعيل، وانّه لم يمت بل غاب ويظهر حتى يملك الاَرض وهو القائم، وهذه هي الاِسماعيلية المحضة، ولم يخالط هذه العقيدة شيء آخر.

نعم لما كان قبولها محفوفاً بغموض، فرجع بعضهم عن حياة إسماعيل، وقالوا بإمامة ابنه محمد بن إسماعيل لظنّهم انّ الاِمامة كانت في أبيه، وانّالابن أحقّ بمقام الاِمامة من الاَخ.

والظاهر من الشيخ المفيد أنّ الفرقة الاَُولى انقرضت ولم يبق منهم من يومأ إليه والفرقة الباقية إلى اليوم هي الاِسماعيلية غير الخالصة. (1)ثمّ صار المذهب الواحد مذاهب متشتتة ومختلفة.و قد كان للدعاة تأثير في نضوج العقيدة الاِسماعيلية وتكاملها مع اختلاف بينهم في بعض الاَُصول فمثلاً الداعي النسفي (...ـ331هـ) وضع كتابه «المحصول» في فلسفة المذهب.

ثمّ جاء بعده أبو حاتم الرازي (260ـ 322هـ) فوضع كتابه «الاِصلاح» وخالف فيه أقوال من سبقه.

ثمّ جاء بعده أبو يعقوب السجستاني الذي كان حيّاً سنة (360هـ) وكان أُستاذاً للكرماني فانتصر للنسفي وخالف أبا حاتم.

ثمّ جاء الكرماني (352ـ411هـ) فألّف كتاب «راحة العقل»، واستطاع أن يوفق بين آراء شيخه «السجستاني» وبين آراء «أبي حاتم الرازي».

أضف إلى ذلك أنّ تأويل الظواهر لا يعتمد على ضابطة فكل يوَوّلها على ذوقه وسليقته، فتجد بينهم خلافاً شديداً في المسائل التأويلية.

الحادية عشرة: الذي ظهر لي من التتبّع في كتب الاِسماعيلية انّالفرقة المستعلية القاطنين في اليمن والهند أقرب إلى الحقّوعقائد جمهور المسلمين من


1. المفيد: الاِرشاد:285.

(19)

النزارية، فالطبقة الاَُولى متعبّدون بالظواهر وتطبيق العمل على الشريعة بخلاف أغلب النزارية خصوصاً الدعاة المتأخرين منهم، فإنّهم يواجهون الاَحداث الطارئة والمستجدة بالتدخل في الشريعة (1) ويظهر ذلك من أبحاثنا الآتية.

وأخيراً فالمذهب الاِسماعيلي اكتنفه غموض وأحاطه إبهام، فإصابة الحقّ في جميع المراحل أمر مشكل، نستعينه سبحانه أن يوفقنا لبيان الحقّ ويحفظنا عن العثرة انّه هو المجيب.

والذي يهم الباحث هو تبيين جذور المذهب وانه كيف نشأ؟ وهل كان هناك اتصال بين الاِسماعيلية ، والحركات الباطنية التي نشأت في عصر الصادق عليه السّلام أو لا ؟ وهذا هو الذي نطرحه على طاولة البحث في الفصل القادم بعد المرور على كلمات أصحاب المعاجم في حقّهم.


1. أعيان الشيعة:10|202ـ24.


(20)



(21)

الفصل الثاني

* * *

الاِسماعيلية

* * *

في
معاجم الملل والنحل


(22)



(23)

إنّ للاِسماعيلية ذكراً في كتب الملل والنحل لا يتجاوز عن ذكر تاريخ إمامهم الاَوّل، إسماعيل بن جعفر الصادق، وشيء يسير عن عقيدتهم فيه، دون تبيين عقائدهم وأُصولهم التي يعتقدون بها، والاَحكام والفروع التي يصدرون عنها، وكلّ أخذ عن الآخر، وربما زاد شيئاً، لا يُسمن ولا يغني من جوع، وإليك نصوصهم:
1. قال النوبختي :فلمّـا توفي أبو عبد اللّه جعفر بن محمد - عليه السّلام- افترقت شيعته بعده إلى ست فـرق ـ إلى أن قـال: ـ وفرقة زعمت أنّ الاِمام بعد جعفر بن محمد، ابنه إسماعيل بن جعفر، وأنكرت موت إسماعيل في حياة أبيه، وقالوا كان ذلك على جهة التلبيس من أبيه على الناس، لاَنّه خاف فغيّبه عنهم، وزعموا أنّ إسماعيل لا يموت حتى يملك الاَرض، ويقوم بأمر الناس، وأنّه هو القائم، لاَنّ أباه أشار إليه بالاِمامة بعده، وقلّدهم ذلك له، وأخبرهم أنّه صاحبه؛ والاِمام لا يقول إلاّ الحقّ، فلما ظهر موته علمنا انّه قد صدَق، وانّه القائم، وانّه لم يمت، وهذه الفرقة هي «الاِسماعيلية» الخالصة. وأُمّ إسماعيل وعبد اللّه ابني جعفر بن محمد - عليه السّلام- فاطمة بنت الحسين بن الحسن بن علي بن أبي طالب - عليه السّلام- و أُمّها أُمُّ حبيب بنت عمر بن علي بن أبي طالب - عليه السّلام- ، وأُمّها أسماء بنت عقيل بن أبي طالب - عليهم السّلام- .

وفرقة ثالثة زعمت أنّ الاِمام بعد جعفر بن محمد، محمد بن إسماعيل بن جعفر، وأُمّه أُمّ ولد، وقالوا: إنّ الاَمر كان لاِسماعيل في حياة أبيه فلمّـا توفي قبل أبيه جعل جعفر بن محمد الاَمرَ لمحمد بن إسماعيل، وكان الحقّ له، ولا يجوز غير ذلك لاَنّها لا تنتقل من أخ إلى أخ بعد الحسن والحسين عليمها السّلام ، ولا تكون


(24)

إلاّ في الاَعقاب، ولم يكن لاَخوي إسماعيل عبد اللّه وموسى في الاِمامة حق، كما لم يكن لمحمد بن الحنفية حقّمع علي بن الحسين؛ وأصحاب هذا القول يسمّون «المباركية» برئيس لهم كان يسمى (المبارك) مولى إسماعيل بن جعفر. (1)
2. قال الاَشعري: والصنف السابع عشر من الرافضة يزعمون أنّ جعفر بن محمد مات وأنّ الاِمام بعد جعفر، ابنه (إسماعيل)، وأنكروا أن يكون إسماعيل ماتَ في حياة أبيه، وقالوا: لا يموت حتى يملك، لاَنّ أباه قدكان يخبر أنّه وصيّه والاِمام بعده.

والصنف الثامن عشر من الرافضة وهم «القرامطة» يزعمون أنّ النبي - صلّى الله عليه وآله وسلّم - نص على علي بن أبي طالب، وأنّعلياً نصّعلى إمامة ابنه (الحسن)، وانّالحسنَ ابن علي نصَّ على إمامة أخيه الحسين بن علي ، وأنّالحسين بن علي نصّعلى إمامة ابنه علي بن الحسين، وأنّ علي بن الحسين نصّعلى إمامة ابنه محمد بن علي، ونصَّ محمد بن علي ، على إمامة ابنه جعفر، ونصّجعفر على إمامة ابن ابنه«محمد بن إسماعيل»، وزعموا أنّ «محمد بن إسماعيل» حيّ إلى اليوم لم يمت ولا يموت حتى يملك الاَرض، وأنّه هو المهدي الذي تقدمت البشارة به، واحتجوا في ذلك بأخبار رووها عن أسلافهم، يخبرون فيها أنّ سابع الاَئمّة قائمهم.

والصنف التاسع عشر من الرافضة يسوقون الاِمامة من علي بن أبي طالب على سبيل ما حكينا عن «القرامطة» حتى ينتهوا (بها) إلى جعفر بن محمد، ويزعمون أنّجعفر بن محمد جعلها لاِسماعيل ابنه، دون سائر ولده، فلما مات إسماعيل في حياة أبيه صارت في ابنه محمد بن إسماعيل، وهذا الصنف يُدعون ، «المباركية» نُسِبوا إلى رئيس لهم يقال له (المبارك) وزعموا أنّمحمد بن إسماعيل


1. النوبختي: فرق الشيعة:66ـ 69، ولكلام النوبختي صلة سيوافيك عند التعرض لجذور المذهب الاِسماعيلي.

(25)

قد مات، وأنّها في ولده من بعده. (1)
3. وقال البغدادي: الاِسماعيلية وهوَلاء ساقوا الاِمامة إلى جعفر، وزعموا أنّ الاِمام بعده ابنه إسماعيل، وافترق هوَلاء فرقتين:

فرقة: منتظرة لاِسماعيل بن جعفر؛ مع اتّفاق أصحاب التواريخ على موت إسماعيل في حياة أبيه.

وفرقة قالت: كان الاِمام بعد جعفر، سبطه محمد بن إسماعيل بن جعفر، حيث إنّ جعفراً نصب ابنه إسماعيل للاِمامة بعده، فلما مات إسماعيل في حياة أبيه، علمنا أنّه إنّما نصبَ ابنه إسماعيل للدلالة على إمامة ابنه محمد بن إسماعيل.(2)
4. وقال الاسفرائيني: وهم يزعمون أنّ الاِمامة صارت من جعفر إلى ابنه إسماعيل، وكذّبهم في هذه المقالة جميعُ أهل التواريخ، لِما صح عندهم من موت إسماعيل قبل أبيه جعفر؛ وقوم من هذه الطائفة يقولون بإمامة محمد بن إسماعيل. وهذا مذهب الاِسماعيلية من الباطنية. (3)
5. وقال الشهرستاني: الاِسماعيلية الواقفية قالوا: إنّ الاِمام بعد جعفر إسماعيل، نصّاً عليه باتّفاق من أولاده، إلاّ أنّهم اختلفوا في موته في حال حياة أبيه. فمنهم من قال: لم يمت، إلاّ أنّه أظهر موته تقية من خلفاء بني العباس، وعقد محضراً وأشهد عليه عامل المنصور بالمدينة.

ومنهم من قال: الموت صحيح، والنصّ لا يَرجعُ قهقرى، والفائدة في النص بقاء الاِمامة في أولاد المنصوص عليه دون غيره. فالاِمام بعد إسماعيل، محمد بن إسماعيل؛ وهوَلاء يقال لهم«المباركيّة». ثمّ منهم من وقف على محمد بن


1. الاَشعري: مقالات الاِسلاميين:22ـ27، ولكلام الاَشعري صلة سيوافيك بيانها في محلّه.
2. البغدادي: الفرق بين الفرق:62.
3. الاسفراييني: التبصير:38.

(26)

إسماعيل وقال برجعته بعد غيبته.

و منهم من ساق الاِمامة في المستورين منهم، ثمّ في الظاهرين القائمين من بعدهم، وهم «الباطنية».

وسنذكر مذاهبهم على الانفراد. وإنّما مذهب هذه الفرقة الوقف على إسماعيل بن جعفر، ومحمد بن إسماعيل. والاِسماعيلية المشهورة في الفرق منهم هم «الباطنية التعليمية» الذين لهم مقالة مفردة. (1)
6. وقال المفيد: ولما مات إسماعيلرحمه الله انصرف القول عن إمامته من كان يظن ذلك، فيعتقده من أصحاب أبيه، وأقام على حياته شرذمة لم تكن من خاصة أبيه، ولا من الرواة عنه، وكانوا من الاَباعد والاَطراف.

فلما مات الصادق - عليه السّلام- انتقل فريق منهم إلى القولِ بإمامة موسى بن جعفر عليمها السّلام ، وافترق الباقون فريقين، فريق منهم رجعوا عن حياة إسماعيل، وقالوا: بإمامة ابنه محمد بن إسماعيل، لظنهم أنّ الاِمامة كانت في أبيه، وأنّ الابن أحقّ بمقام الاِمامة من الاَخ.

وفريق ثبتوا على حياة إسماعيل، وهم اليوم شُذّاذ لا يعرف منهم أحد يومى إليه، وهذان الفريقان يسميان بالاِسماعيلية، والمعروف منهم الآن مَنْ يزعم أنّ الاِمامة بعد إسماعيل في ولده وولد ولده إلى آخر الزمان. (2)
7. وقال صاحب الاَعيان: الاِسماعيلية هم القائلون بإمامة إسماعيل هذا، ويدل كلام المفيد (الماضي) على أنّ هذا القول كان موجوداً من عصر الصادق - عليه السّلام- ، وأنّ شِرذمة اعتقدوا حياته، أو بعد موت أبيه بقى بعضهم على القول بحياة إسماعيل، وبعضهم قال: بإمامة ابنه محمد بن إسماعيل، ولقب الاِسماعيلية يعم الفريقين، وأنّ الموجود منهم في عصر المفيد من يزعم أنّ الاِمامة بعد إسماعيل


1. الشهرستاني: الملل والنحل:1|167ـ 168.
2. المفيد: الاِرشاد: 285.

(27)

في ولده وولد ولده إلى آخر الزمان.

و يقال الاِسماعيلية «السبعية» أيضاً باعتبار مخالفتهم للاثني عشرية في الاِمام السابع. وفرقة من الاِسماعيلية تدعى الباطنية وكان لها ذكر مستفيض في التاريخ وصارت لها قوة، وشدّة، ووقائع عدّة مع الملوك والاَُمراء، كما فصلته كتب التاريخ.

وفي أنساب السمعاني: «الفرقة الاِسماعيلية جماعة من الباطنية ينتسبون إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، لانتساب زعيمهم المغربي إلى محمد بن إسماعيل. وفي كتاب الشجرة انّه لم يعقب (انتهى).

و «الاِسماعيلية » اليوم فرقتان: إحداهما:

الآغاخانية

يسوقون الاِمامة في ذرية إسماعيل، ويعدّون فيهم جملة من خلفاء مصر، حتى ينتهوا إلى محمد شاه (الآغاخان الثالث) الموجود اليوم في بمبيَ، ويبعثون إليه بخمس أموالهم، ومنهم الذين بسلْمية من بلاد حَماة.

والفرقة الثانية: البُهْرَة

بضم الباء وسكون الهاء وفتح الراء، لفظ هندي، معناه الجدّ والعمل، وهم يسوقون الاِمامة في ولد إسماعيل، حتى ينتهوا إلى شخص يقولون: إنّه المهدي المنتظر، وإنّه غائب. (1)


1. الاَولى أن يقال: هم يسوقون الاِمامة بعد المستنصر، إلى المستعلي، فالآمر بأحكام اللّه، فالحافظ لدين اللّه، فالظافر لدين اللّه، فالظاهر بأمر اللّه، فالفائز، فالعاضد، عند ذلك دخلت الدعوة المستعلية في كهف الاستتار بل دخلت بعد وفاة الآمر بأحكام اللّه، وهوَلاء الاَئمة الاَربعة كانت دعاة، لاَنّ الاَمر بأحكام اللّه مات بلا عقب وربما يقال ولد له باسم الطيب،و ثالثة بأنّ المولود كان أُنثى.

(28)

أمّا الذي يطلقون عليه اسم سلطان البهرة فالظاهر أنّه من قبيل النائب عن الاِمام الغائب، ويبلغ عدد البهرة في الهند واليمن وغيرها نحو أربعمائة ألف، وهم أهل جدّ وكسب، ولا يوجد بينهم فقير، والفقير منهم يُوجِدون له عملاً من تجارة أو غيرها يكتفي به، ولهم ملاجىَ وتكايا عامة في البلاد التي يقصدونها للحج والزيارة، في مكّة، والمدينة، والنجف، وكربلاء، وغيرها.وهي مبانٍ تامة المرافق يَنزلونها ولا يحتاجون إلى النزول في فندق أو خلافه، وهم متمسكون بشرائع الدين. وكان خلفاء مصر الفاطميون على مذهب الاِسماعيلية، القائلين بانتقال الاِمامة من الصادق - عليه السّلام- إلى ولده إسماعيل، ثمّ في أولاده، وكانوا يقيمون شعائر الاِسلام، ويحافظون على أحكامه، وما كان يذمهم أو بعضهم بعض الموَرّخين إلاّ للعداوة المذهبية، ولا يمكن التصديق بما ينسبه بعض الموَرّخين إلى بعضهم، بعد تأصّل العداوة المذهبية في النفوس، كما أنّ جماعة من أهل هذا العصر يخلطون بين الفريقين جهلاً أو تجاهلاً. (1)

* * *

***

هذه الاَقوال والآراء فيهم، توقفنا على أنّالقومَ لم يكن لهم موقف واحد تجاه سوق الاِمامة بعد وفاة الاِمام الصادق - عليه السّلام- .

فمنهم من أنكر الواضحات، وقال: بأنّ إسماعيل لم يمت، وإنّه القائم، وهذه هي الاِسماعيلية الخالصة. (2)

وأمّا اشهاد الاِمام على موته فلم يكن إلاّ إظهاراً لموته تقيةً من خلفاء بني العباس، وأنّه عقد محضراً، وأشهدَعليه عامل المنصور بالمدينة. (3)

وهذه الطائفة لا تسوق الاِمامة بعد إسماعيل إلى غيره، وإنّما تنتظر خروج


1. السيد الاَمين: أعيان الشيعة:3|316.
2. النوبختي: فرق الشيعة: 60.
3. الشهرستاني: الملل والنحل: 1|167.

(29)

قائمهم.

ومنهم من قال: إنّ موته صحيح، وإنّ الاِمام الصادق لَمّا نصّ على إمامته، والنص لا يرجع قهقرى، ففائدة النص بقاء الاِمامة في أولاد المنصـوص عليه دون غيرهم، فالاِمام بعد إسماعيل، محمد بن إسماعيل، ثمّ إنّ هذه الطائفــة على رأيين:

فمنهم: من وقف على محمد بن إسماعيل، وقال: برجعته بعد غيبته؛ وهوَلاء القرامطة.

ومنهم: من ساق الاِمامة في المستورين منهم، ثمّ في الظاهرين القائمين من بعدهم.

وقد سبقت الاِشارة إلى نص الشيخ المفيد،و أنّه لا يعرف من الواقفين على إسماعيل، أو ابنه محمد المنتظرين لرجعته أحداً؛ والمعروف هو سوق الاِمامة في ولد إسماعيل إلى آخر الزمان.

و سيوافيك الكلام في الاَئمة المستورين والظاهرين إن شاء اللّه.

هذا ما وقفنا عليه في معاجم الملل والنحل وهو ـ كما ترى ـ لا يغني الباحث ، فليس فيها شيء من أُصولهم وعقائدهم، ولا من فروعهم، وثوراتهم، ودولهم، وحضارتهم، وكتبهم وآثارهم العلمية.

والمهم في المقام هو دراسة جذور المذهب وانّه كيف نشأ وهذا ما سنبحث عنه في الفصل القادم إن شاء اللّه.


(30)



(31)

الفصل الثالث

الحركات الباطنية


في
عصر الاِمام الصادق - عليه السّلام-

(32)



(33)

من المشاكل التي واجهت أئمّة أهل البيت - عليهم السّلام- هي الحركات الباطنية التي تزعّمها الموالي والعناصر المستسلمة، المندسَّة بين أصحاب أئمة أهل البيت - عليهم السّلام- في عصر الصادقين عليمها السّلام .

فقد سنحت الظروف للاِمام الباقر والصادقعليمها السّلام أن يوَسّسا جامعة إسلامية كبيرة دامت نصف قرن كان لها صدى كبير في العالم الاِسلامي، فقاما بتربية نخبة من الفقهاء والمحدّثين والمفسّرين البارزين، وحفظا بذلك السنّة النبوية من الاندثار بعدما كان التحدّث بها وكتابتها أمراً محظوراً أو مكروهاً إلى عهد الخليفة العباسي المنصور الدوانيقي.

فأضحت تلك الجامعة شوكة في أعين خصومها،فقامت ثلة من العناصر الدخيلة بالانخراط في صفوف أصحاب الاَئمّة بغية التخريب والتضليل، وتشويه سمعة أئمّة أهل البيت - عليهم السّلام- أوّلاً، وهدم كيان الاِسلام ثانياً. وقد شكَّلت تلك العناصر فيما بعد اللبنة الاَُولى للحركات الباطنية التي جرّت الويلات على الاِسلام والمسلمين، فاتخذ الاِمام الصادق - عليه السّلام- موقفاً حازماً أمامها تجنباً لاَخطارها، فأعلن للملاَ الاِسلامي براءته من تلك الفئات المنحرفة عن الدين والاِسلام وتكفيرها وانّ عاقبتها النار.

و من جملة الذين أبدعوا الحركات الباطنية وأغروا جماعة من شيعة أئمّة أهل البيت - عليهم السّلام- هو محمد بن مقلاص المعروف بأبي الخطاب الاَسدي، وزملاوَه، نظير: المغيرة بن سعيد، وبشار الشعيري وغيرهم، فقد تبرّأ منهم الاِمام - عليه السّلام- على روَوس الاَشهاد. ونركز البحث هنا على رئيس الفرقة الباطنية ، أعني: أبا زينب محمد بن مقلاص الاَسدي.


(34)

ولعرض صورة صحيحة عن عقائد الخطابية، نأتي بنصوص علماء الفريقين ليتبين من خلالها جذور الدعوة الاِسماعيلية ، وانّها ليست سوى استمراراً لتلك الحركة الباطنية التي تزعّمها أبو زينب:

1. الكشي والخطابية

إنّ الكشي أحد الرجاليين الذي عاش في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع، ووضع كتابه في الرجال على أساس الروايات المروية عن أئمة أهل البيت في حقّ الرواة، فقال ما هذا نصّه:
1. روى أبو أُسامة قال: قال رجل لاَبي عبد اللّه - عليه السّلام- :أُوَخر المغرب حتى تستبين النجوم؟ فقال: «خطابية؟! انّ جبرئيل أنزلها على رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلّم - حين سقط القرص».
2. كتب أبو عبد اللّه إلى أبي الخطاب: «بلغني أنّك تزعم أنّالزنا رجل، وأنّ الخمر رجل، وأنّ الصلاة رجل، والصيام رجل، والفواحش رجل، وليس هو كما تقول، أنا أصل الحقّ وفروع الحقّ طاعة اللّه، وعدونا أصل الشر وفروعهم الفواحش، وكيف يطاع من لا يعرف وكيف يعرف من لا يطاع؟»
3. قيل للاِمام الصادق - عليه السّلام- روي عنكم أنّ الخمر والميسر والاَنصاب والاَزلام رجال، فقال: «ما كان اللّه عزّ وجلّ ليخاطب خلقه بمالا يعلمون».
4. روى أبو بصير قال: قال لي أبو عبد اللّه - عليه السّلام- :«يا أبا محمد: أبرأ ممّن يزعم انّا أرباب» قلت: برىَ اللّه منه، فقال: «أبرأ ممّن زعم أنّا أنبياء» قلت: برىَ اللّه منه.
5. روى عبد الصمد بن بشير عن مصادف قال: ما لبّى القوم الذين لبّوا بالكوفة ـ أي قالوا: لبيك جعفر، وهوَلاء هم الغلاة فيه ـ دخلت علي أبي عبد اللّه - عليه السّلام- فأخبرته بذلك، فخرّ ساجداً ودق جوَجوَه بالاَرض وبكى ـ إلى أن قال:ـ فندمت على إخباري إيّاه، فقلت: جعلت فداك وما عليك أنت من ذا، فقـال:


(35)

«إنّ عيسى لو سكت عمّا قالت النصارى فيه لكان حقاً على اللّه أن يصم سمعه ويعمي بصره، ولو سكت عمّا قال فيّ أبو الخطاب لكان حقاً على اللّه أن يصم سمعي ويعمي بصري».
6.روى علي بن حسان عن بعض أصحابنا رفعه إلى أبي عبد اللّه، قال: ذكر عنده جعفر بن واقد ونفر من أصحاب أبي الخطاب فقيل انّه صار إلى ببروذ، وقال فيهم وهو الذي في السماء إله وفي الاَرض إله قال هو الاِمام، فقال أبو عبد اللّه - عليه السّلام- :«لا واللّه لا يأويني وإياه سقف بيت أبداً، هم شر من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا ، واللّه ما صغر عظمة اللّه تصغيرهم شيئاً قط، وانّ عزيراً جال في صدره ما قالت اليهود فمحا اللّه اسمه من النبوة».
7. روى الحسن الوشاء عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام- قال: «من قال بأنّنا أنبياء اللّه، فعليه لعنة اللّه».
8. روى ابن مسكان عمّن حدّثه عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام- قال: سمعته يقول: «لعن اللّه من قال فينا مالا نقوله في أنفسنا، ولعن اللّه من أزالنا عن العبودية للّه الذي خلقنا وإليه مآبنا ومعادنا».
9. عن حنان بن سدير، عن أبيه قال: قلت لاَبي عبد اللّه: إنّ قوماً يزعمون انّكم آلهة يتلون علينا بذلك قرآناً: يا أيّها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إنّي بما تعملون عليم، قال: «يا سدير سمعي وبصري وشعري وبشري ولحمي ودمي من هوَلاء براء، برىَ اللّه منهم ورسوله ما هوَلاء على ديني ودين آبائي». (1)

فلما نهض أبو الخطاب بدعوته الفاسدة، ووصلت إلى مسامع عامل الخليفة دعا عيسى بن موسى للقضاء عليها واجتثاث جذورها.


1. الروايات مأخوذة من رجال الكشي: 246ـ260، موَسسة الاَعلمي، بيروت. ولاحظ الوسائل، الجزء 3 الباب 18 من أبواب المواقيت، فقد جاءت فيه روايات تذم عمل أبي الخطاب وتحذر الشيعة من اتباعه.

(36)

10. كان سالم من أصحاب أبي الخطاب، وكان في المسجد يوم بعث عيسى ابن موسى بن علي بن عبد اللّه بن العباس ـ وكان عامل المنصور على الكوفة ـ إلى أبي الخطاب لمّا بلغه انّهم أظهروا الاِباحات، ودعوا الناس إلى نبوة أبي الخطاب، وانّهم يجتمعون في المسجد ولزموا الاَساطين يرون الناس انّهم قد لزموها للعبادة، وبعث إليهم رجلاً فقتلهم جميعاً لم يفلت منهم إلاّ رجل واحد أصابته جراحات فسقط بين القتلى يعدّ فيهم، فلمّا جنّه الليل خرج من بينهم فتخلص، وهو أبو سلمة سالم بن مكرم الجمال الملقب بأبي خديجة. (1)

هذه نصوص عشرة توقفك على جلية الحال، وانّ الحركة الباطنية أُسست بيد الخطابية، وسيظهر انّ أتباع أبي زينب تحولوا فيما بعد إلى جانب محمد بن إسماعيل ووجدوه مرتعاً خصباً، عندها تألّق نجم ابن إسماعيل بعد انتمائهم له.

هذه الروايات التي رواها الكشي تعرب عن وجود القول بالاِلوهية والمقامات الغيبية للاَئمّة حتى انّ الحلول في الاَئمّة كان من نتاج أفكار أبي زينب وأصحابه في أواسط القرن الثاني،حتّى طردهم الاِمام الصادق ولعنهم وتبرّأ منهم، ونهى أصحابه عن مخالطتهم.

2. الاَشعري والخطابية

وليس الكشي ممّن انفرد في نقل تلك العقائد، فقد نسبها إليهم الاَشعري أيضاً في «مقالات الاِسلاميين» وذكر ما هذا نصه:

الخطابية على خمس فرق: كلّهم يزعمون انّ الاَئمة أنبياء محدَّثون، ورسل اللّه وحججه على خلقه لا يزال منهم رسولان: واحد ناطق والآخر صامت، فالناطق محمد - صلّى الله عليه وآله وسلّم - ، والصامت علي بن أبي طالب، فهم في الاَرض اليوم طاعتهم مفترضة على جميع الخلق، يعلمون ما كان، و ما هو كائن، وزعموا أنّ أبا الخطاب


1. رجال الكشي:301.وقد اقتصرنا من الكثير بالقليل، ومن أراد التفصيل فليرجع إليه.

(37)

نبي، وانّ أُولئك الرسل فرضوا عليهم طاعة أبي الخطاب، وقالوا: الاَئمة آلهة، وقالوا في أنفسهم مثل ذلك، وقالوا: ولد الحسين أبناء اللّه وأحباوَه، ثمّ قالوا ذلك في أنفسهم، وتأوّلوا قول اللّه تعالى: (فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدينَ" (1) قالوا: فهو آدم ونحن ولده، وعبدوا أبا الخطاب وزعموا أنّه إله، وزعموا أنّ جعفر بن محمد إلههم أيضاً إلاّ أنّ أبا الخطاب أعظم منه، وأعظم من عليّ، وخرج أبو الخطاب على أبي جعفر فقتله عيسى بن موسى في سبخة الكوفة، وهم يتديّنون بشهادة الزور لموافقيهم.

والفرقة الثانية من «الخطابية»: وهي الفرقة السابعة من الغالية يزعمون أنّ الاِمام بعد أبي الخطاب رجل يقال له«معمر» وعبدوه كما عبدوا أبا الخطاب، وزعموا أنّ الدنيا لا تفنى، وانّ الجنّة ما يصيب الناس من الخير والنعمة والعافية، وانّ النار ما يصيب الناس من خلاف ذلك، وقالوا بالتناسخ، وانّهم لا يموتون، ولكن يرفعون بأبدانهم إلى الملكوت، وتوضع للناس أجساد شبه أجسادهم، واستحلوا الخمر والزنا واستحلوا سائر المحرمات، ودانوا بترك الصلاة، وهم يُسمّون «المعمرية» ويقال انّهم يسمّون «العمومية».

والفرقة الثالثة من «الخطابية»: وهي الثامنة من الغالية يقال لهم«البزيغية» أصحاب «بزيغ بن موسى» يزعمون أنّ جعفر بن محمد هو اللّه، وأنّه ليس بالذي يرون، وأنّه تشبّه للناس بهذه الصورة، وزعموا أنّ كلّ ما يحدث في قلوبهم وحي، وأنّ كلّ موَمن يوحى إليه وتأوّلوا في ذلك قوله تعالى:"وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّبِإِذْنِ اللّهِ") (2) أي بوحي من اللّه، وقوله:"وَ أَوحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ") . (3) "إِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحَوارِيّين") (4) وزعموا أنّ منهم من هو خير من جبريل وميكائيل


1. ص:72.
2. آل عمران:145.
3. النحل:68.
4. المائدة:111.

(38)

ومحمد، وزعموا أنّه لا يموتُ منهم أحد، وأنّ أحدهم إذا بلغت عبادَته رُفع إلى الملكوت، وادّعوا معاينة أمواتهم، وزعموا أنّهم يرونَهم بكرة وعشية.

والفرقة الرابعة من «الخطابية»: وهي التاسعة من الغالية يقال لهم«العميرية» أصحاب «عمير بن بيان العجلي» وهذه الفرقة تكذِّب من قال منهم انّهم لا يموتون، ويزعمون أنّهم يموتون، ولا يزال خلف منهم في الاَرض أئمّة أنبياء، وعبدوا جعفراً كما عبده «اليعمريون»، وزعموا أنّه ربهم، وقد كانوا ضربوا خيمة في كناسة الكوفة، ثم اجتمعوا إلى عبادة جعفر، فأخذ يزيد بن عمر ابن هبيرة ، «عمير بن البيان» فقتله في الكناسة، وحبس بعضهم.

والفرقة الخامسة من «الخطابية»: وهي العاشرة من الغالية يقال لهم «المفضلية» لاَنّ رئيسهم كان صيرفياً يقال له «المفضّل» يقولون بربوبية جعفر، كما قال غيرهم من أصناف الخطابية، وانتحلوا النبوة والرسالة وإنّما خالفوا في البراءة من «أبي الخطاب» لاَنّ جعفراً أظهر البراءة منه. (1)

3. النوبختي والخطابية

وقد ذكر النوبختي فرقهم، وأضاف: إنّ الخطابية هم الذين خرجوا في حياة أبي عبد اللّه جعفر بن محمد عليمها السّلام فحاربوا عيسى بن موسى بن محمد بن عبد اللّه بن العباس، وكان عاملاً على الكوفة، فبلغه عنهم أنّهم أظهروا الاِباحات، ودعوا إلى نبوة أبي الخطاب، وأنّهم مجتمعون في مسجد الكوفة، فبعث إليه فحاربوه وامتنعوا عليه، وكانوا سبعين رجلاً، فقتلهم جميعاً، فلم يفلت منهم إلاّ رجل واحد أصابته جراحات فعدّ في القتلى، فتخلّص، وهو أبو سلمة سالم بن مكرم الجمال الملقّب بأبي خديجة وكان يزعم أنّه مات فرجع، فحاربوا عيسى محاربة شديدة بالحجارة والقصب والسكاكين، لاَنّهم جعلوا القصب مكان الرماح.


1. الاَشعري: مقالات الاِسلاميين:10ـ 13.

(39)

وقد كان أبو الخطاب قال لهم: قاتلوهم فإنّ قصبكم يعمل فيهم عمل الرماح والسيوف، ورماحهم وسيوفهم وسلاحهم لا تضرّكم ولا تخلّ فيكم، فقدّمهم عشرة عشرة للمحاربة، فلمّا قتل منهم نحو ثلاثين رجلاً، قالوا له: ما ترى ما يحل بنا من القوم وما نرى قصبنا يعمل فيهم ولا يُوَثر، وقد عمل سلاحهم فينا وقُتل من ترى منهم، فذكر لهم ما رواه العامة أنّه قال لهم: إن كان قد بدا للّه فيكم فما ذنبي، وقال لهم ما رواه الشيعة: يا قوم قد بُليتم وامتحنتم وأُذن في قتلكم، فقاتلوا على دينكم وأحسابكم، ولا تعطوا بلدتكم، فتذلّوا مع أنّكم لا تتخلصون من القتل فموتوا كراماً، فقاتلوا حتى قُتلوا عن آخرهم، وأُسر أبوالخطاب فأُتي به عيسى بن موسى فقتله في دار الرزق على شاطىَ الفرات، وصلب مع جماعة منهم، ثمّ أمر بإحراقه فأُحرقوا، وبعث بروَوسهم إلى المنصور فصلبها على باب مدينة بغداد ثلاثة أيام، ثمّ أُحرقت. (1)

4. الطبري والحركات الباطنية

يظهر ممّا رواه الطبري في تاريخه وابن الجوزي في منتظمه تفشّي هذا النوع من الاِلحاد عند غير الخطابية أيضاً، وإليك نص ابن الجوزي في هذا المقام:

خروج الراوندية، وهم قوم من أهل خراسان كانوا على رأي أبي مسلم، إلاّ أنّهم يقولون بتناسخ الاَرواح، ويدّعون أنّ روح آدم - عليه السّلام- في عثمان بن نهيك، وأنّ ربهم الذي يطعمهم ويسقيهم هو أبو جعفر المنصور، وأنّالهيثم بن معاوية جبرائيل.

وهوَلاء طائفة من الباطنية يسمّون السبعية يقولون: الاَرضون سبع، والسماوات سبع، والاَُسبوع سبعة يدل على أنّ دور الاَئمّة يتم بسبعة. فعدوا: العباس، ثمّ ابنه عبد اللّه، ثمّابنه علي، ثمّمحمد بن علي، ثمّإبراهيم، ثمّالسفاح،


1. النوبختي:فرق الشيعة:69ـ70.

(40)

ثمّالمنصور، فقالوا: هو السابع. وكانوا يطوفون حول قصر المنصور ويقولون: هذا قصر ربنا.

فأرسل المنصور، فحبس منهم مائتين ـ وكانوا ستمائة ـ فغضب أصحابهم الباقون ودخلوا السجن، فأخرجوهم وقصدوا نحو المنصور، فتنادى الناس، وغلقت أبواب المدينة، وخرج المنصور ماشياً ولم يكن عنده دابة، فمن ذلك الوقت ارتبط فرساً، فسمى: فرس النوبة، يكون معه في قصره، فأتى بدابة فركبها وجاء معن بن زائدة فرمى بنفسه وقال: أُنشدك اللّه يا أمير الموَمنين إلاّ رجعت، فإنّي أخاف عليك. فلم يقبل وخرج، فاجتمع إليه الناس، وجاء عثمان بن نهيك فكلّمهم، فرموه بنشابة وكانت سبب هلاكه، ثمّ حمل الناس عليهم فقتلوهم، وكان ذلك في المدينة الهاشمية بالكوفة في سنة إحدى وأربعين. (1)

تحول الخطابية إلى الاِسماعيلية

إنّ الخطابية بعد قتل زعيمهم توجهوا إلى محمد بن إسماعيل، وقد كان بعض الضالين يوَم والده إسماعيل بن جعفر، ولكن الاِمام الصادق - عليه السّلام- آيسه من إضلاله.

روى الكشي عن حماد بن عثمان قال: سمعت أبا عبد اللّه يقول للمفضل بن عمر الجعفي:«يا كافر، يا مشرك مالك ولاِبني» ـ يعني : إسماعيل بن جعفر ـ وكان منقطعاً إليه يقول فيه مع الخطابية، ثمّ رجع عنه. (2)

والذي يدل على أنّ المذهب الاِسماعيلي نشأ وترعرع في أحضان الخطابية، وإن لم يتبنى كل ما تبنّته الخطابية، هي النصوص التاريخية التي سنتلوها عليك واحداً تلو الآخر:


1. ابن الجوزي: المنتظم: 8|29ـ30، تاريخ الطبري: 6|147ـ 148.
2. الكشي: الرجال: 321 برقم 581، في ترجمة المفضل بن عمر .

(41)

1. قال النوبختي: ثمّخرج ـ بعد قتل أبي الخطاب ـ من قال بمقالته من أهل الكوفةو غيرهم إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر بعد قتل أبي الخطاب، فقالوا بإمامته وأقاموا عليها.

و صنوف الغالية افترقوا بعده على مقالات كثيرة، إلى أن قال: فقالت فرقة منهم إنّ روح جعفر بن محمد جعلت في أبي الخطاب، ثمّ تحوّلت بعد غيبة أبي الخطاب في محمد بن إسماعيل بن جعفر وتشعبت منهم فرقة من المباركية ممّن قال بهذه المقالة تسمّى القرامطة. (1)
2. إنّ تقسيم الاِمام إلى صامت وناطق من صميم عقائد الاِسماعيلية، ونرى نفس ذلك التقسيم لدى الخطابية، وقد مر تصريح الاَشعري بذلك حينما قال:

منهم رسولان: واحد ناطق، والآخر صامت؛ فالناطق محمد، والصامت علي ابن أبي طالب. (2)

و يذكر ذلك التقسيم أيضاً البغدادي عند ذكره للخطابية حيث قال:

وأتباعه كانوا يقولون ينبغي أن يكون في كلّ وقت إمام ناطق وآخر ساكت، والاَئمّة يكونون آلهة، ويعرفون الغيب، ويقولون انّ علياً في وقت النبي صامتاً، وكان النبي - صلّى الله عليه وآله وسلّم - ناطقاً، ثمّ صار علي بعده ناطقاً. وهكذا يقولون في الاَئمة بعد أن انتهى الاَمر إلى جعفر ، وكان أبو الخطاب في وقته إماماً صامتاً وصار بعده ناطقاً.(3)
3. قال المقريزي: إنّ أتباع أبي الخطاب متفقون على أنّ الاَئمّة مثل علي وأولاده كلّهم أنبياء، وإنّه لابدّ من رسولين لكلّ أُمّة أحدهما ناطق والآخر صامت،


1. النوبختي: فرق الشيعة: 71.
2. مقالات الاِسلاميين:10.
3. البغدادي: الفرق بين الفرق:247ـ 248.

(42)

فكان محمد ناطقاً وعلي صامتاً، وإنّ جعفر بن محمد الصادق - عليه السّلام- كان نبياً، ثمّ انتقلت النبوة إلى أبي الخطاب. (1)
4. قد وقفت على ما نقلناه عن الكشي من أنّ الخطابية كانت توَوّل الآيات إلى مفاهيم غير مفهومة من ظواهر الآيات، حتى أنّه أوّل الخمر والميسر والاَنصاب والاَزلام بأنّها رجال، فلما بلغ التأويل إلى الاِمام الصادق - عليه السّلام- فقال رداً عليه:«ما كان اللّه عزّوجلّ ليخاطب خلقه بمالا يعلمون». (2)

ومن الواضح أنّ الاِسماعيلية وضعت لكلّ ظاهر باطناً، واتخذت من التأويل ركناً أساسياً لها.

كما وذكر الشهرستاني والمقريزي شيئاً من تأويلات الخطابية. (3)

قال الشهرستاني: زعم أبو الخطاب أنّ الاَئمّة أنبياء ثمّ آلهة، وقال بإلهية جعفر بن محمد وإلهية آبائه وهم أبناء اللّه وأحباوَه. وا لاِلهية نور في النبوة، والنبوة نور في الاِمامة، ولا يخلو العالم من هذه الآثار والاَنوار. وزعم أنّ جعفراً هو الاِله في زمانه، وليس هو المحسوس الذي يرونه، ولكن لما نزل إلى هذا العالم لبس تلك الصورة فرآه الناس فيها، ولما وقف عيسى بن موسى صاحب المنصور على خبث دعوته، قتله بسبخة الكوفة. (4)

وقد عرفت أيضاً شيئاً من تأويلاتهم في كلام الكشي.

و من خلال استعراض تلك النصوص نخرج بهذه النتيجة انّ حقيقة التطرّف المشاهد في المذهب الاِسماعيلي طرأت عليه من قبل أصحاب أبي الخطاب الذين استغلوا إمامة محمد بن إسماعيل لبث آرائهم.


1. المقريزي: الخطط:2|352.
2. الكشي: ترجمة ابن الخطاب، برقم 135.
3. الشهرستاني: الملل والنحل:1|159؛ المقريزي: الخطط:2|252.
4. الشهرستاني: الملل والنحل:1|159؛ المقريزي: الخطط:2|252.

(43)

إنّ للمذهب الاِسماعيلي دعائم ثلاث:

الاَوّل: التمسك بالتأويل، والقول بأنّ لكلّ ظاهر باطناً.

الثاني: أخذ الفلسفة اليونانية، بأبعادها المختلفة في الاِلهيات والطبيعيات والفلكيات سناداً وعماداً للمذهب كما سيظهر.

الثالث: الغلو في حقّ أئمّتهم وتزويدهم بصلاحيات واختصاصات واسعة لا دليل عليها من العقل ولا الشرع . (1)

فخرجنا بهذه النتيجة: انّ الاِسماعيلية كانت فرقة واحدة، فانشقت إلى: قرامطة ودروز، وبهرة، ونزارية وسيوافيك تفصيلها في الفصول الآتية.


1. تقدّم الكلام في ذلك تفصيلاً في الفصل الاَوّل.


(44)



(45)

الفصل الرابع

عبد اللّه بن ميمون القداح


إسماعيلي أو اثنا عشري ؟
(46)



(47)

إنّ عبد اللّه بن ميمون القدّاح (190ـ270هـ) من أقطاب الدعوة الاِسماعيلية،و سيوافيك نصوص الرجاليين في حقّه، غير انّا نركز في هذا المقام على أنّ عبد اللّه بن ميمون الاِسماعيلي غير عبد اللّه بن ميمون الاثني عشري، فهما شخصان، لا شخص واحد، فنقول:

إنّ عبد اللّه بن ميمون القداح أحد رواة الشيعة، المعروفين بالوثاقة، وقد روى زهاء ستين رواية عن أئمة أهل البيت في مختلف الاَبواب الفقهية، فتارة عن الصادق - عليه السّلام- مباشرة، وأُخرى عن الباقر وعلي بن أبي طالب بالواسطة، ولم نر في كتب الرجال الشيعية أي غموض في سيرته إلاّالشيء اليسير من اتهامه بالتزيّد.

وأمّا أبوه فقد صحب أئمّة ثلاثة هم: زين العابدين علي بن الحسين عليمها السّلام و الاِمام الباقر محمد بن علي عليمها السّلام والاِمام الصادق جعفر بن محمد عليمها السّلام ، ولم يذكر له توثيق.

هذا من جانب ومن جانب آخر يحدّثنا كتّاب المقالات انّ عبد اللّه بن ميمون القداح وأبوه قد انضما إلى الحركة الباطنية وتحرّكا في رقعة كبيرة من العالم الاِسلامي بين الكوفة والمغرب.

كلُّ ذلك ممّا يجعل الباحث في حيرة من أمرهما، ولكن الحقّ انّما ذكرته كتب الرجال عن شخصية عبد اللّه بن ميمون وأبيه تختلف ماهويَّة عمّا ذكره أصحاب المقالات له ولاَبيه، وإنّما حصل الخلط للاشتراك في التسمية، ولا يتجلّى ذلك بوضوح إلاّبعد الوقوف على نصوص كلّ منها.

إنّ مقارنة النصوص لدليل واضح على تعدد المسمّيين ولنذكر نصوص الرجاليين من الشيعة أوّلاً.


(48)

عبد اللّه بن ميمون الاِمامي في كتب الرجال

قال البرقي في فصل أصحاب الاِمام الصادق - عليه السّلام- :عبد اللّه بن ميمون القداح، مولى بني مخزوم، كان يبري القداح. (1)

وقال الكشي: عبد اللّه بن ميمون القداح المكي، قال حدثني حمدويه، عن أيّوب بن نوح، عن جعفر بن يحيى، عن أبي خالد، عن عبد اللّه بن ميمون، عن أبي جعفر - عليه السّلام- قال: «يا ابن ميمون كم أنتم بمكة؟» قلت: نحن أربعة، قال: «أما إنّكم نور في ظلمات الاَرض». (2)

وقال النجاشي: عبد اللّه بن ميمون بن الاَسود القداح مولى بني مخزوم يبري القداح، روى أبوه عن: أبي جعفر وأبي عبد اللّه عليمها السّلام ، وروى هو عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام- ، وكان ثقة. له كتب، منها: كتاب «مبعث النبي - صلّى الله عليه وآله وسلّم - وأخباره»، وكتاب «صفة الجنة والنار» ثمّ ذكر سنده إلى كتبه. (3)

وقال الشيخ الطوسي: عبد اللّه بن ميمون القداح له كتاب، ثمّ ذكر سنده إلى كتابه. (4)

وقال الشيخ أيضاً: عبد اللّه بن ميمون القداح المكي، كان يبري القداح، مولى بني مخزوم. (5)

وذكر أباه في أصحاب علي بن الحسين عليمها السّلام (6)وذكره أيضاً في


1. رجال البرقي:22، طبعة جامعة طهران.
2. الكشي: الرجال: برقم 124، وقد أتى بنفس النص تحت رقم 247.
3. النجاشي: الرجال: برقم555.
4. الطوسي: الفهرست:129برقم 443.
5. الفهرست: أصحاب الاِمام الصادق، باب العين برقم 40.
6. الرجال: أصحاب علي بن الحسين، باب الميم، برقم 10.

(49)

أصحاب الاِمام الباقر، وقال: ميمون القداح مولى بني مخزوم مكي. (1)

هذا ما في كتب الشيعة، وأمّا الكتب الرجالية لاَهل السنة، فقد ذكره ابن حجر في «تهذيب التهذيب» وقال: عبد اللّه بن ميمون بن داود القداح المخزومي، مولاهم المكي.

روى عن: جعفر بن محمد، وإسماعيل بن أُميّة، ويحيى بن الاَنصاري، وعثمان بن الاَسود وغيرهم. (2)

وقال في «تقريب التهذيب»: عبد اللّه بن ميمون بن داود القداح المخزومي، المكي، متروك من الثامنة. (3)

و تتلخّص مواصفاته التي ذكرت في الكتب الرجالية بالاَُمور التالية:

الاَوّل: اسمه ونسبه: وهو عبد اللّه بن ميمون بن الاَسود أو ابن داود.

الثاني: الوطن: فهو مكي من بني مخزوم، وقد عرفت عن الكشي انّأبا جعفر الباقر - عليه السّلام- قال له: يابن ميمون كم أنتم بمكة؟

الثالث: الولاء: انّه مخزومي ولاءً كما قال النجاشي: مولى بني مخزوم.و مثله الشيخ في الفهرست.

الرابع: العصر: فقد عاصر والده الاَئمّة الثلاثة: زين العابدين، ومحمد الباقر، وجعفر الصادق - عليهم السّلام- .

وأمّا الولد فقد عاصر الاِمامين: الباقر والصادق عليمها السّلام و روى عنهما، كما في رواية الكشي انّأبا جعفر، قال: «يابن ميمون كم أنتم بمكة؟».


1. المصدر السابق: أصحاب الاِمام الباقر، باب الجيم، برقم 13.
2. ابن حجر: تهذيب التهذيب:6|49، وقد سمّى جدّه «داود»، خلافاً للنجاشي حيث سمّاه «الاَسود».
3. ابن حجر: تقريب التهذيب:1|455، برقم 679.

(50)

وما في رجال النجاشي من أنّه روى عن أبي عبد اللّه محمول على كثرة رواياته عن أبي عبد اللّه وقلّته عن أبي جعفر، وإلاّ فقد عرفت نقل الكشي روايته عن أبي جعفر مباشرة إلاّ أن يقال بسقوط الواسطة عن قلم الكشي.

وبما أنّالوالد صحب الاَئمة الثلاثة:
1. الاِمام زين العابدين - عليه السّلام- (م 94).
2. الاِمام الباقر - عليه السّلام- (م 114).
3. الاِمام الصادق - عليه السّلام- (م 148).

و الولد صحب الاِمام الباقر والصادق عليمها السّلام فقط ، ولم يرو شيئاً عن الاِمام الكاظم - عليه السّلام- ، وطبيعة الحال تقتضي أنّالوالد توفي في حياة الاِمام الصادق - عليه السّلام- وتوفي الولد أواخر إمامته أو بعدها بقليل.

و يوَيد ذلك: انّ أبا عبد اللّه البرقي والد صاحب المحاسن، وأحمد بن محمد بن عيسى الاَشعري كلاهما (1) ممّن لقيا الرضا - عليه السّلام- مع أنّهما يرويان عن عبداللّه بن ميمون بواسطة جعفر بن محمد بن عبيد اللّه ، فيكون عبد اللّه، متأخراً عن جعفر ومعاصراً لتلامذة الاِمام الصادق.

الخامس: وجه التلقيب: فقدلقّب بـ «القداح»، لاَنّه كان يبري القداح.

عبد اللّه بن ميمون الاِسماعيلي

و إليك بيان ما يذكره أصحاب المقالات والموَرّخون حوله:
1. قال البغدادي في «الفرق بين الفرق»:

قال أصحاب المقالات إنّ الذين أسّسوا دعوة الباطنية جماعة: منهم


1. لاحظ رجال النجاشي: برقم 555، وفهرست الشيخ، أصحاب الاِمام الصادق، باب العين، برقم 40.

(51)

«ميمون بن ديصان» المعروف بالقداح، وكان مولى لجعفر بن محمد الصادق، وكان من الاَهواز، ومنهم: محمد بن الحسين الملقب بدندان، اجتمعوا كلّهم مع ميمون ابن ديصان في سجن والي العراق، فأسّسوا في ذلك السجن مذاهب الباطنية، ثمّظهرت دعوتهم بعد خلاصهم من السجن من جهة المعروف بدندان، وابتدأ بالدعوة في ناحية توز.

فدخل في دينه جماعة من أكراد الجبل مع أهل الجبل المعروف بالبدين، ثمّ رحل ميمون بن ديصان إلى ناحية المغرب وانتسب في تلك الناحية إلى عقيل بن أبي طالب وزعم أنّه من نسله، فلمّا دخل في دعوته قوم من غلاة الرفض والحُلُولية منهم ادّعى انّه من ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، فقبل الاَغبياء ذلك منه على جهل منهم بأنّ محمد بن إسماعيل بن جعفر مات ولم يعقب عند علماء الاَنساب. (1)
2. قال ابن النديم: إنّ عبد اللّه بن ميمون ـ ويعرف ميمون بالقداح ـ وكان من أهل قوزح العباس بقرب مدينة الاَهواز، وأبوه ميمون الذي تنسب إليه الفرقة الميمونية التي أظهرت اتباع أبي الخطاب محمد بن أبي زينب الذي دعا إلى إلهية علي بن أبي طالب، وكان ميمون وابنه ديصانيين، وادّعى عبد اللّه انّه نبي مدة طويلة، وكان يظهر الشعابيذ، ويذكر انّالاَرض تطوى له فيمضي إلى أين أحب في أقرب مدة، وكان يخبر بالاَحداث الكائنات في البلدان الشاسعة، وكان له مرتبون في مواضع يرغبهم ويحسن إليهم ويعاونونه على نواميسه ومعهم طيور يطلقونها من المواضع المتفرقة إلى الموضع الذي فيه بيت عبد اللّه، فيخبر من حضره بما يكون فيتمَوّه ذلك عليهم.

إلى أن قال: وصار إلى البصرة فنزل على قوم من أولاد عقيل بن أبي طالب، فكبس هناك، فهرب إلى سلمية بقرب حمص.


1. البغدادي: الفرق بين الفرق: 282.

(52)

إلى أن قال: قد كان قبل بني القداح قريب ممّن يتعصب للمجوس ودولتها، وكان ممّن واطأ عبد اللّه أمره رجل يعرف بمحمد بن الحسين ويلقب بزيدان من ناحية الكرخ من كتاب أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف، وكان هذا الرجل متفلسفاً، حاذقاً بعلم النجوم، شعوبياً، شديد الغيض من دولة الاِسلام. (1)
3. قال ابن الاَثير: فلما يئس أعداء الاِسلام من استئصاله بالقوة أخذوا في وضع الاَحاديث الكاذبة وتشكيك ضعفة العقول في دينهم بأُمور قد ضبطها المحدّثون وأفسدوا الصحيح بالتأويل. فكان أوّل من فعل ذلك: أبو الخطاب محمد بن أبي زينب مولى بني أسد، وأبو شاكر بن ديصان صاحب كتاب الميزان في نصرة الزندقة وغيرهما، فألقوا إلى من وثقوا به انّلكل شيء من العبادات باطناً، وانّاللّه تعالى لم يوجب على أوليائه ومن عرف الاَئمّة والاَبواب صلاة ولا زكاة ولا غير ذلك ولا حرم عليهم شيئاً وأباحوا لهم نكاح الاَُمّهات والاَخوات، وإنّما هذه قيود للعامة ساقطة عن الخاصة.

وكانوا يظهرون التشيّع لآل النبي ليستروا أمرهم ويستميلوا العامة، وتفرّق أصحابهم في البلاد، وأظهروا الزهد والعبادة يغرون الناس بذلك وهم على خلافه، فقتل أبو الخطاب وجماعة من أصحابه بالكوفة.

إلى أن قال: ونشأ لابن ديصان (أبو شاكر ميمون بن ديصان) ابن يقال له عبد اللّه القداح علّمه الحيل وأطلعه على أسرار هذه النحلة فحذق وتقدم، إلى أن قال: وإنّما لقب القداح لاَنّه كان يعالج العيون ويقدحها، فلمّا توفي القداح (عبد اللّه) قام بعده ابنه أحمد مقامه، إلى آخر ما ذكر. (2)

وإليك مواصفات الرجل حسب ما ذكره البغدادي، وغيره من الموَرّخين فهي تختلف عمّا تعرفت عليه في الاَوّل.


1. ابن النديم: الفهرست: 278ـ281، نقله عن أبي عبد اللّه بن الرزام وتبرأ من صدق ما نقله وكذبه.
2. الجزري: الكامل:8|27ـ 29.

(53)

الاَوّل: اسمه ونسبه: عبد اللّه بن ميمون بن ديصان.

الثاني: الوطن : كان من الاَهواز أو من الكوفة، فانّمحمد بن أبي زينب وأتباعه كانوا كوفيين. (1)

الثالث: الولاء: كان مولىً لجعفر بن محمد الصادق، والظاهر انّ مراده هو حبه له.

الرابع: العصر: فالرجل حسب ما يذكره البغدادي ممّن ذهب لناحية المغرب وانتسب في تلك الناحية إلى عقيل بن أبي طالب هذا من جانب، ومن جانب نرى أنّالاَئمّة الاِسماعيلية توجهوا إلى المغرب في أواسط القرن الثالث، لاَنّ الاِمام المستور الحسين بن أحمد (219ـ265هـ) التقى بالنجف الاَشرف بالداعي أبي قاسم حسن بن فرح بن حوشب وعلي بن الفضل فأثر فيهما وأحضرهما إلى سلمية، ثم جهّزهما بعد ذلك إلى اليمن، وفي عهده تمّإرسال أبي عبد اللّه الشيعي إلى المغرب. (2)

فيعلم من خلالها أنّ التمهيد لبسط نفوذهم في المغرب بدأ في أواسط القرن الثالث وانّميمون بن ديصان الوالد قصدها في تلك الآونة وقد أرّخ الكاتب الاِسماعيلي مصطفى غالب في تقديمه لكتاب كنز الولد انّ عبد اللّه بن ميمون القداح ولد سنة 190 وتوفي سنة 270هـ (3) فأين هو من عبد اللّه بن ميمون المعدود من أصحاب الباقر والصادقعليمها السّلام ، الذي توفي في أواسط القرن الثاني؟!

الخامس: وجه التلقيب: انّه كان يقدح العيون.

أضف إلى ذلك انّه من البعيد أن يروي المشايخ الكبار، كجعفر بن محمد الاَشعري، والحسن بن علي بن فضال، وأحمد بن إسحاق بن سعد، وحمّاد بن عيسى، وعبد اللّه بن المغيرة عمّن خدم الاِسماعيلية وتآمر على الاِمامية الاثني


1. الجزري: الكامل:8|30.

(2) 2 الجزري: الكامل: 8|28.
3. كنز الولد: 19، المقدّمة.


(54)

عشرية، ولو افترضنا انّهم أخذوا منه الرواية حين استقامته، لصرّحوا به.

و ممن حقّق هذا الاَمر تفصيلاً صاحب أعيان الشيعة، فلاحظ. (1)

لعب عبد اللّه بن ميمون القدّاح دوراً هاماً في نشر أفكار الخطابية وبثّها في أتباع محمد بن إسماعيل، وكان حلقة وصل بين الخطابية والاِسماعيلية، وأخيراً التحق بالاِمام محمد بن إسماعيل وصار من دعاته، وكلّ الآفات التي أصابت العقيدة الاِسماعيلية تعود إليه وإلى زميله محمد بن الحسين الملقب بـ«دندان» .

و يشهد كثير من النصوص التاريخية على ذلك، نكتفي منها بالقليل.

يقول ابن الاَثير: يأس أعداء الاِسلام من استئصاله بالقوة فأخذوا في وضع الاَحاديث الكاذبة وتشكيك ضعفة العقول في دينهم بأُمور قد ضبطها المحدّثون، وأفسدوا الصحيح بالتأويل والطعن عليه.

فكان أوّل من فعل ذلك أبو الخطاب محمد بن أبي زينب مولى بني أسد، وأبو شاكر ميمون بن ديصان صاحب كتاب «الميزان» فألقوا إلى من وثقوا به انَّ لكل شيء من العبادات باطناً، وانّ اللّه تعالى لم يوجب على أوليائه ولا من عرف الاَئمّة والاَبواب، صلاة ولا زكاة ولا غير ذلك، ولا حرّم عليهم شيئاً وأباحوا لهم نكاح الاَُمّهات والاَخوات، وإنّما هذه قيود للعامة ساقطة عن الخاصّة.

وكانوا يظهرون التشيع لآل النبي - صلّى الله عليه وآله وسلّم - ليستروا أمرهم ويستميلوا العامة، وتفرّق أصحابهم في البلاد، فقتل أبو الخطاب وجماعة من أصحابه بالكوفة.

ونشأ لابن ديصان ابن يقال له عبد اللّه القدّاح ، علّمه الحيل وأطلعه على أسرار هذه النحلة. وكان بنواحي كرخ واصفهان رجل يعرف بمحمد بن الحسين ويلقب بـ«دندان» فسار إليه القدّاح وعرّفه من ذلك مازاد به محلّه. (2)


1. الاَمين: أعيان الشيعة:8|84،و في الذيل: انّالترجمة ممّا لم يكتبها الموَلف وإنّما استدركها الشيخ محمد مهدي شمس الدين.
2. ابن الاَثير: الكامل: 8|28ـ 29، حوادث عام 296.

(55)

و من طالع تاريخ الاِسماعيلية و كتبهم يقف على أنّ لاَبي عبد اللّه بن ميمون القدّاح وربيبه القدح المعلّى في صياغة العقيدة الاِسماعيلية.

فقد خرجنا بهذه النتيجة انّالخطابية وعلى حسب تعبير النوبختي «المباركيّة» هم جذور الاِسماعيلية وانّ ميمون بن ديصان، ثمّ ابنه عبد اللّه بن ميمون القداح، وزميله المعروف بـ«دندان» هم حلقة الوصل بين الفرقتين.

ما روي عن عبد اللّه بن ميمون الاِمامى في الجوامع الحديثية

إنّ لعبد اللّه بن ميمون بن الاَسود المخزومي روايات في مختلف الاَبواب قد نقلها أصحاب الكتب الاَربعة في جوامعهم وهي تناهز 49 حديثاً، وليس في رواياته أيّ شذوذ إلاّ في رواية واحدة. والتمعّن فيها يوقف الاِنسان على أنّه كان فقيهاً متقناً في النقل. وإليك ما وقفنا عليه:
1. روى عبد اللّه بن ميمون، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: «جاء رجل من الاَنصار إلى النبي - صلّى الله عليه وآله وسلّم - فقال: يا رسول اللّه أُحب أن تشهد لي على نحل نحلتها ابني، قال: مالك ولد سواه؟ قال: نعم، قال: فنحلتها كما نحلته؟ قال: لا، قال: فانّا معاشر الاَنبياء لا نشهد على الجنف». (1)
2. روى عبد اللّه بن ميمون، عن أبي عبد اللّه ، عن أبيه عليمها السّلام قال: «كان أصحاب رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلّم - بتبوك يعبّون الماء، فقال رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلّم - : اشربوا في أيديكم، فإنّها من خير آنيتكم». (2)
3. روى عبد اللّه بن ميمون، عن جعفر بن محمد، عن أبيه - عليه السّلام- ، قال: «الركعتان يصلّيهما متزوّج أفضل من سبعين ركعة يصليها أعزب». (3)


1. الفقيه: 3|40، الحديث 134.
2. الفقيه :3|223، الحديث 1036.
3. الفقيه: 3|242، الحديث 1146.

(56)

4. روى عبد اللّه بن ميمون، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن آبائه - عليهم السّلام- قال: «قال رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلّم - : الصبي والصبي، والصبي والصبية،والصبية والصبية يفرق بينهم في المضاجع لعشر سنين». (1)
5. روى عبد اللّه بن ميمون، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام- عن أبيه - عليه السّلام- قال: «أُتي أمير الموَمنين - عليه السّلام- برجل قد ضرب رجلاً حتى انتقص من بصره، فدعا برجال من أسنانه ثمّ أراهم شيئاً، فنظر ما انتقص من بصره، فأعطاه دية ما انتقص من بصره». (2)
6. عن عبد اللّه بن ميمون، عن جعفر، عن أبيه - عليه السّلام- انّالنبي - صلّى الله عليه وآله وسلّم - قال: «الرزق أسرع إلى من يطعم الطعام من السكين في السنام». (3)
7. عن أحمد بن إسحاق بن سعد، عن عبد اللّه بن ميمون، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه - عليه السّلام- قال: «قال الفضل بن العباس: أُهدي إلى رسول اللّه صلّى الله عليه وآله وسلّم بغلة أهداها له كسرى أو قيصر، فركبها النبي - صلّى الله عليه وآله وسلّم - بجلّمن شعر وأردفني خلفه، ثمّقال لي: يا غلام احفظ اللّه يحفظك، واحفظ اللّه تجده أمامك، تعرّف إلى اللّه عزّوجلّ في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل اللّه، وإذا استعنت فاستعن باللّه عزّ وجلّ، فقد مضى القلم بما هو كائن، فلوجهد الناس أن ينفعوك بأمرٍ لم يكتبه اللّه لك لم يقدروا عليه، ولو جهدوا أن يضروك بأمرٍ لم يكتبه اللّه عليك لم يقدروا عليه، فإن استطعت أن تعمل بالصبر مع اليقين فافعل، فإن لم تستطع، فاصبر، فإنّ في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً، واعلم أنّالصبر مع النصر، وأنّ الفرج مع الكرب، وأنّمع العسر يسراً، انّ مع العسر يسراً». (4)


1. الفقيه:3|276، الحديث 1310.
2. الفقيه:4|97، الحديث 321.
3. الكافي: 4|51، الحديث 10.
4. الفقيه:4|296، الحديث 896.

(57)

8. علي بن حاتم، عن محمد بن جعفر، عن محمد بن عمرو، عن علي بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن عبد اللّه بن ميمون، عن جعفر بن محمد، عن أبيه محمد، عن علي بن الحسين، عن أمير الموَمنين - عليهم السّلام- : «اللّهمّ إنّك أعلنت سبيلاً من سبلك فجعلت فيه رضاك، وندبت إليه أولياءك وجعلته أشرف سبلك عندك ثواباً، وأكرمهم لديك مآباً وأحبها إليك مسلكاً، ثمّ اشتريت فيه من الموَمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنة يقاتلون في سبيلك فيقتلون ويُقتلون وعداً عليك حقّاً، فاجعلني ممّن اشترى فيه منك نفسه، ثمّوفى لك ببيعه الذي بايعك عليه، غير ناكث، ولا ناقض عهداً، ولا مبدل تبديلاً، إلاّ استنجازاً لموعودك، واستيجاباً لمحبتك، وتقرباً به إليك، فصلّ على محمد وآله واجعله خاتمة عملي، وارزقني فيه لك وبك مشهداً توجب لي به الرضا، وتحط عني به الخطايا، اجعلني في الاَحياء المرزوقين بأيدي العداة العصاة تحت لواء الحق وراية الهدى، ماض على نصرتهم قدماً غير مولٍّ دبراً، ولا محدث شكاً، وأعوذ بك عند ذلك من الذنب المحبط للاَعمال». (1)
9. عن الحسن بن علي ، عن جعفر بن محمد ، عن عبد اللّه بن ميمون، عن جعفر، عن أبيه - عليه السّلام- قال: «كان رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلّم - إذا خرج إلى الجمعة قعد على المنبر حتى يفرغ الموَذنون». (2)
10. محمد بن علي بن محبوب، عن الحسن بن علي، عن جعفر بن محمد، عن عبد اللّه بن ميمون، عن جعفر، عن أبيه عليمها السّلام قال:«كان المقام لازقاً بالبيت فحولّه عمر». (3)
11. الحسن بن علي الكرخي، عن جعفر بن محمد، عن عبد اللّه بن


1. التهذيب: 3|81، الحديث 237.
2. التهذيب: 3|244، الحديث 663.
3. التهذيب: 5|454، الحديث 1586.

(58)

ميمون، عن جعفر، عن أبيه عليمها السّلام : «كان النبي - صلّى الله عليه وآله وسلّم - يستهدي من ماء زمزم وهو بالمدينة». (1)
12. عن جعفر بن محمد الاَشعري، عن عبد اللّه بن ميمون، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام- قال: «دخل أمير الموَمنين صلوات اللّه عليه المسجد، فإذا هو برجل على باب المسجد، كئيب حزين، فقال له أمير الموَمنين - عليه السّلام- مالك؟ قال: يا أمير الموَمنين أُصبت بأبي وأُمي وأخي وأخشى أن أكون قد وجلت، فقال له أمير الموَمنين - عليه السّلام- :عليك بتقوى اللّه والصبر تقدم عليه غداً؛ والصبر في الاَُمور بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا فارق الرأس الجسد فسد الجسد وإذا فارق الصبر الاَُمور فسدت الاَُمور». (2)
13. عن حماد، عن عبد اللّه بن ميمون، عن أبي عبد اللّه، عن أبيه عليمها السّلام قال: «زكاة الفطرة صاع من تمر، أو صاع من زبيب، أو صاع من شعير، أو صاع من إقط عن كلّإنسان حرّ أو عبد، صغير أو كبير ، وليس على من لا يجد ما يتصدق به حرج». (3)
14. عن حماد بن عيسى، عن عبد اللّه بن ميمون، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام- أنّعلياً صلوات اللّه عليه كان يقول إذا أصبح: «سبحان اللّه الملك القدُّوس ـ ثلاثاً ـ اللّهمّ إنّي أعوذ بك من زوال نعمتك، ومن تحويل عافيتك، ومن فجأة نقمتك، ومن درك الشقاء، ومن شرّما سبق في الليل، اللّهمّ إنّي أسألك بعزّة ملكك، وشدّة قوّتك،وبعظيم سلطانك، وبقدرتك على خلقك»، ثمّسل حاجتك. (4)
15. عن حماد بن عيسى، عن عبد اللّه بن ميمون، عن جعفر، عن أبيه


1. التهذيب:5|471، الحديث 1657.
2. الكافي: 2|90، الحديث 9.
3. التهذيب:4|75، الحديث 211.
4. الكافي:2|527، الحديث 16.

(59)

عليمها السّلام قال: «المحرمة لا تتنقّب، لاَنّ إحرام المرأة في وجهها، وإحرام الرجل في رأسه». (1)
16. عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن حماد بن عيسى، عن عبد اللّه بن ميمون، قال: سمعت أبا عبد اللّه - عليه السّلام- يقول: «إنّ رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلّم - وقف بعرفات، فلمّا همّت الشمس أن تغيب قبل أن تندفع، قال: اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الفقر، ومن تشتّت الاَمر، ومن شر ما يحدث بالليل والنهار، أمسى ظلمي مستجيراً بعفوك، وأمسى خوفي مستجيراً بأمانك، وأمسى ذلّي مستجيراً بعزِّك، وأمسى وجهي الفاني مستجيراً بوجهك الباقي، يا خير من سئل، ويا أجود من أعطى جلّلني برحمتك، وألبسني عافيتك، واصرف عني شرّ جميع خلقك». (2)
17.عن حماد بن عيسى، عن عبد اللّه بن ميمون، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام- قال: «للعبد أن يستثني ما بينه وبين أربعين يوماً إذا نسي، انّرسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلّم - أتاه ناس من اليهود فسألوه عن أشياء، فقال لهم: تعالوا غداً أُحدّثكم ولم يستثن، فاحتبس جبرئيل - عليه السّلام- عنه أربعين يوماً ثمّأتاه وقال:"وَلا تَقُولَنَّ لشايْءٍ إِنّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً* إِلاّ أَنْ يشاء اللّه واذْكُرْ ربّك إِذا نَسِيتَ") (3).(4)
18. عن حماد بن عيسى، عن عبد اللّه بن ميمون، عن أبي عبد اللّه، عن أبيه عليمها السّلام قال: «ثلاثة لا يفطرن الصائم: القيء والاحتلام والحجامة، وقد احتجم النبي - صلّى الله عليه وآله وسلّم - وهو صائم،و كان لا يرى بأساً بالكحل للصائم». (5)
19. عن حماد بن عيسى، عن عبد اللّه بن ميمون، قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: «للعبد أن يستثني ما بينه وبين أربعين يوماً إذا نسي». (6)


1. الكافي:4|345، الحديث 7؛ الفقيه:2|219، الحديث 1009.
2. الكافي: 4|464، الحديث 5.
3. الكهف:23ـ24.
4. الفقيه:3|229، الحديث 1081.
5. التهذيب:4|260، الحديث 775.
6. التهذيب:8|281، الحديث 1029.

(60)

20. عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن عبد اللّه بن ميمون، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام- قال: «كان أمير الموَمنين صلوات اللّه عليه يقول: اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الاحتلام، ومن سوء الاَحلام ، وأن يلعب بي الشيطان في اليقظة والمنام». (1)
21. علي بن الحسن بن فضال، عن محمد بن الحسن بن الجهم، عن عبد اللّه بن ميمون، عن أبي عبد اللّه، عن أبيه عليمها السّلام قال: «قال علي - عليه السّلام- : إذا طلّق الرجل المرأة فهو أحقّ بها ما لم تغتسل من الثالثة». (2)
22. روى عبد اللّه بن ميمون باسناده قال: قال رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلّم - : «إذا ضللتم الطريق فتيامنوا». (3)
23. محمد بن أحمد بن يحيى، عن جعفر بن محمد، عن عبد اللّه بن ميمون قال: أُتي علي - عليه السّلام- بأسير يوم صفين فبايعه، فقال علي - عليه السّلام- : «لا أقتلك انّي أخاف اللّه ربّالعالمين، فخلّـى سبيله، وأعطى سلبه الذي جاء به». (4)
24. عن ابن فضال، عن عبد اللّه بن ميمون القدّاح، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام- قال: «حرّمت الجنة على الديّوث». (5)
25. عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن عبد اللّه بن ميمون القدّاح، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام- قال: «قال يعقوب لابنه: يا بني لا تزن، فإنّ الطائر لو زنا لتناثر ريشه». (6)


1. الكافي:2|536، الحديث 5.
2. التهذيب:8|125، الحديث 432.
3. الفقيه: 2|197، الحديث 896.
4. التهذيب:6|153، الحديث 269.
5. الكافي: 5|537، الحديث 8، باب الغيرة.
6. الكافي: 5|542، الحديث 8، باب الزاني؛ الفقيه:4|13،الحديث 13.

(61)

26. عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمد الاَشعري،عن ابن القدّاح، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام- قال: «كان النبي - صلّى الله عليه وآله وسلّم - إذا شرب اللبن قال: اللّهمّ بارك لنا فيه وزدنا منه». (1)
27. عن جعفر بن محمد، عن عبد اللّه بن ميمون القدّاح، عن جعفر ، عن أبيه - عليه السّلام- قال: «قال النبي - صلّى الله عليه وآله وسلّم - تعاهدوا نعالكم عند أبواب مساجدكم، ونهى أن يتنعل الرجل وهو قائم». (2)
28. عن جعفر بن محمد، عن عبد اللّه بن ميمون القدّاح، عن جعفر، عن أبيه ، عن آبائه - عليهم السّلام- ، قال:« انكسفت الشمس في زمن رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلّم - فصلّى بالناس ركعتين، فطوّل حتى غشي على بعض القوم ممّن كان وراءه من طول القيام». (3)
29. عن جعفر بن محمد، عن عبد اللّه بن ميمون القدّاح، عن جعفر، عن أبيه عليمها السّلام أنّ علياً - عليه السّلام- كان يقول: «من فاته صيام الثلاثة أيام في الحج، وهي قبل التروية بيوم ويوم التروية ويوم عرفة فليصم أيام التشريق، فقد أذن له». (4)
30. عن جعفر بن محمد الاَشعري، عن عبد اللّه بن ميمون القدّاح؛ وعلي ابن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن القدّاح، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام- قال: «قال رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلّم - : من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك اللّه به طريقاً إلى الجنة، وانّ الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً به، وانّه يستغفر لطالب العلم مَنْ في السماء ومن في الاَرض حتى الحوت في البحر، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر،و إنّ العلماء ورثة الاَنبياء، إنّالاَنبياء لم يورّثوا ديناراً ولا درهماً ولكن ورّثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر». (5)


1. الكافي:6|336، الحديث 3.
2. التهذيب: 3|255، الحديث 709.
3. التهذيب: 3|293، الحديث 885.
4. التهذيب: 5|229، الحديث 778.
5. الكافي: 1|34، الحديث 1.

(62)

31. عن جعفر بن محمد الاَشعري، عن عبد اللّه بن ميمون القدّاح، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام- قال: قال: «إنّ هذا العلم عليه قفل ومفتاحه المسألة». (1)
32. عن جعفر بن محمد الاَشعري، عن عبد اللّه بن ميمون القدّاح، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام- عن آبائه - عليهم السّلام- قال: «جاء رجل إلى رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلّم - فقال: يا رسول اللّه ما العلم؟ قال: الانصات، قال: ثمّ مه؟ قال: الاستماع، قال: ثمّ مه؟ قال: الحفظ، قال: ثمّمه؟قال: العمل به، قال: ثمّمه يا رسول اللّه؟ قال: نشره». (2)
33. عن جعفر بن محمد الاَشعري ، عن عبد اللّه بن ميمون القداح، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام- قال: «كان أمير الموَمنين صلوات اللّه عليه يقول: أفضل العبادة العفاف». (3)
34. عن جعفر بن محمد الاَشعري، عن عبد اللّه بن ميمون القدّاح، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام- قال: «قال أمير الموَمنين - عليه السّلام- :الموَمن مألوف ولا خير فيمن لا يألف ولا يوَلف». (4)
35. عن جعفر بن محمد الاَشعري، عن عبد اللّه بن ميمون القدّاح، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام- قال:«من أطعم موَمناًحتّى يشبعه لم يدر أحدٌ من خلق اللّه ماله من الاَجر في الآخرة، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل إلاّ اللّه ربّالعالمين، ثمّقال: من موجبات المغفرة إطعام المسلم السغبان، ثمّتلا قول اللّه عزّوجلّ "أَوْ إِطْعامٌ في يَومٍ ذِي مَسْغَبَةٍ* يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ* أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَة") (5)». (6)


1. الكافي: 1|40، الحديث 3.
2. الكافي:1|48، الحديث 4.
3. الكافي:2|79، الحديث 3.
4. الكافي:2|102، الحديث 17.
5. البلد:14ـ16.
6. الكافي:2|201، الحديث 6.

(63)

36. عن جعفر بن محمد الاَشعري، عن عبد اللّه بن ميمون القدّاح، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام- قال: «ركعتان بالسواك أفضل من سبعين ركعة بغير سواك، قال: قال رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلّم - : لولا أن أشقّ على أُمتي لاَمرتهم بالسواك مع كلّ صلاة». (1)
37. عن جعفر بن محمد الاَشعري، عن عبد اللّه بن ميمون القدّاح، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام- قال: «كان أمير الموَمنين - عليه السّلام- إذا حضر أحداً من أهل بيته الموت، قال له: لا إله إلاّ اللّه العلي العظيم، سبحان اللّه ربّالسماوات السبع وربّ الاَرضين السبع وما بينهما وربّ العرش العظيم ، والحمد للّه ربّالعالمين فإذا قالها المريض، قال: اذهب فليس عليك بأس». (2)
38. عن جعفر بن محمد الاَشعري، عن عبد اللّه بن ميمون القدّاح، عن أبي عبد اللّه، عن آبائه - عليهم السّلام- قال: «صنائع المعروف تقي مصارع السوء». (3)
39. عن جعفر بن محمد الاَشعري، عن عبد اللّه بن ميمون القدّاح، عن جعفر، عن أبيهعليمها السّلام : أنّعلياً صلوات اللّه عليه قال لرجل كبير لم يحجّ قطّ: «إن شئت أن تجهّز رجلاً، ثمّأبعثه أن يحجّ عنك». (4)
40. عن جعفر بن محمد الاَشعري عن عبد اللّه بن ميمون القدّاح، عن جعفر - عليه السّلام- : أنّ علياً - عليه السّلام- كان لا يرى بأساً بعقد الثوب إذا قصر، ثمّ يصلّى فيه وإن كان محرماً. (5)
41. عن جعفر بن محمد الاَشعري، عن عبد اللّه بن ميمون القدّاح، عن أبي عبد اللّه عن آبائه - عليهم السّلام- قال:«قال النبي - صلّى الله عليه وآله وسلّم - ما استفاد امروَ مسلم فائدة بعد الاِسلام


1. الكافي:3|22، الحديث 1.
2. الكافي:3|124، الحديث 7.
3. الكافي:4|28، الحديث 1.
4. الكافي:4|272، الحديث 1.
5. الكافي:4|347، الحديث 3.

(64)

أفضل من زوجة مسلمة تسرّه إذا نظر إليها، وتطيعه إذا أمرها، وتحفظه إذا غاب عنها في نفسها وماله». (1)
42. عن جعفر بن محمد الاَشعري، عن عبد اللّهبن ميمون القدّاح، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام- : إنّ علي بن الحسين عليمها السّلام كان يتزوّج وهو يتعرق عرقاً يأكل ما يزيد على أن يقول: الحمد للّه وصلّى اللّه على محمد وآله، ويستغفر اللّه عزّ وجلّ، وقد زوّجناك على شرط اللّه، ثمّ قال علي بن الحسين عليمها السّلام : إذا حمد اللّه فقد خطب. (2)
43. عن جعفر بن محمد الاَشعري، عن عبد اللّه بن ميمون القدّاح، عن أبي عبد اللّه، عن أبيه، عن آبائه - عليهم السّلام- قال: «كان بالمدينة رجلان يسمّى أحدهما هيت والآخر مانع، فقالا لرجل ورسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلّم - يسمع: إذا افتتحتم الطائف إن شاء اللّه فعليك بابنة غيلان الثقفية، فإنّها شموع بخلاء مبتلة هيفاء شنباء، إذا جلست تثنّت، وإذا تكلّمت غنت، تقبل بأربع وتدبر بثمان بين رجليها مثل القدح، فقال النبي - صلّى الله عليه وآله وسلّم - :لا أريكما من أُولي الاربة من الرجال، فأمر بهما رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلّم - فغرّب بهما إلى مكان يقال له: العرايا، وكانا يتسوّفان في كلّ جمعة». (3)
44. عن جعفر بن محمد الاَشعري، عن عبد اللّه بن ميمون القدّاح، عن أبي عبد اللّه، عن أبيه عليمها السّلام قال: «للزاني ست خصال، ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة، أمّا التي في الدنيا: فيذهب بنور الوجه، ويورث الفقر، ويعجّل الفناء؛ وأمّاالتي في الآخرة: فسخط الرب، وسوء الحساب، والخلود في النار». (4)
45.عن الحسن بن عليّ، عن عبد اللّه بن ميمون القدّاح، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «الدعاء كهف الاِجابة، كما أنّالسحاب كهف المطر». (5)


1. الكافي:5|327، الحديث 1؛ التهذيب:7|240، الحديث 1047.
2. الكافي:5|368، الحديث 2.
3. الكافي:5|523، الحديث 3.
4. الكافي:5|541، الحديث 3؛ الفقيه:3|375، الحديث 1774.
5. الكافي:2|471، الحديث 1.

(65)

46. عن الحسن بن علي، عن عبد اللّه بن ميمون القدّاح، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي - عليهم السّلام- قال: «سجدتا السهو بعد التسليم وقبل الكلام». (1)
47. عن عبد اللّه بن المغيرة، عن عبد اللّه بن ميمون القدّاح، عن أبي عبد اللّه، عن آبائه، عن علي - عليهم السّلام- : انّه كان إذا خرج من الخلاء قال:«الحمد للّه الذي رزقني لذّته، وأبقى قوته في جسدي، وأخرج عني أذاه يا لها من نعمة». (2)
48. عن محمد بن الحسن بن أبي الجهم، عن عبد اللّه بن ميمون القدّاح، عن أبي عبد اللّه، عن أبيهعليمها السّلام قال: «جاء قنبر مولى علي - عليه السّلام- بفطرة إليه قال: فجاء بجراب فيه سويق عليه خاتم قال: فقال له رجل: يا أمير الموَمنين إنّهذا لهو البخل تختم على طعامك!! قال: فضحك علي - عليه السّلام- قال: ثمّ قال: أو غير ذلك؟ لا أحب أن يدخل بطني شيء إلاّ شيء أعرف سبيله، قال: ثمّ كسر الخاتم، فأخرج منه سويقاً، فجعل منه في قدح فأعطاه إياه، فأخذ القدح فلمّـا أراد أن يشرب قال:

بسم اللّه اللّهمّلك صمنا، وعلى رزقك أفطرنا، فتقبّل منّا إنّك أنت السميع العليم». (3)
49.عن جعفر بن محمد الاَشعري، عن عبد اللّه بن ميمون القدّاح، عن أبي عبيدة الحذّاء، عن أبي جعفر - عليه السّلام- قال: «قال رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلّم - : إنّ أعجل الخير ثواباً صلة الرحم». (4)

إنّ حامل تلك الدرر اللامعة وراويها، أجلّ من أن يكون موصوفاً بما وصف به عبد اللّه بن ميمون الاِسماعيلي في كتب الملل والنحل أو في سائر المعاجم.


1. التهذيب: 2|195، الحديث768.
2. التهذيب:1|29، الحديث 77؛و ص 351، الحديث 1039.
3. التهذيب:4|200، الحديث 578.
4. الكافي:2|152، الحديث 15.

(66)



(67)

الفصل الخامس في


الاَئمة المستورين
(68)



(69)

يرجع نشوء الاِسماعيلية وتكوّنهم، إلى القول بإمامة إسماعيل بن جعفر الصادق - عليه السّلام- و استمرارها في عقبه، فهو الاِمام الاَوّل، وقد تلته أئمّة :
1. إسماعيل بن جعفر.
2. محمد بن إسماعيل.
3. عبد اللّه بن محمد.
4. أحمد بن عبد اللّه.
5. الحسين بن أحمد.
6. عبيد اللّه المهدي بن الحسين، موَسس الدولة الفاطمية في المغرب.
7. محمد القائم.
8. إسماعيل بن محمد المنصور.
9. معد بن إسماعيل «المعز».
10. نزار بن معد «العزيز».
11. الحسن بن نزار «الحاكم».
12. علي بن الحسن« الظاهر».
13. معد بن علي المستنصر.

وهوَلاء هم الاَئمّة المتّفق عليهم بين الفرق الاِسماعيلية الثلاث: المستعلية، والنزارية الموَمنية، والنزارية القاسمية (الآغاخانية).


(70)

ثمّ اختلفوا إلى فرقتين، فذهبت المستعلية إلى أنّ الاِمام القائم بالاَمر بعد المستنصر عبارة عن كلّ من :
1. أحمد المستعلي.
2. الآمر بأحكام اللّه.
3. الطيّب بن الآمر.

ثمّ جاء دور الستر فلا إمام ظاهر.

لكن النزارية بكلا فريقيها قالوا باستمرار الاِمامة بعد المستنصر، وقالوا: إنّ الاِمامَ القائم بالاَمر عبارة عن كلِّ من:
1. نزار بن معد.
2. حسن بن معد (جلال الدين).
3.محمد بن حسن(علاء الدين).
4. محمود بن محمد (ركن الدين).
5. محمد بن محمود (شمس الدين).

ثمّ افترقت النزارية إلى فرقتين:

الف: النزارية الموَمنية.

ب: النزارية القاسمية الآغاخانية.

فكلّ ساقوا الاِمامة بعد شمس الدين، بشكل خاص لا يلتقيان أبداً إلى العصر الحاضر. وستوافيك أسماوَهم.

و سنقوم بترجمة الاَئمّة المتّفق عليهم بين جميع الفرق، الذين لا يتجاوز عددهم ثلاثة عشر إماماً آخرهم المستنصر.وقد عقدنا لبيانه فصلين مستقلين، أحدهما في الاَئمّة المستورين، والثاني في المتظاهرين بالاِمامة.


(71)

الاِمام الاَوّل (1)

إسماعيل بن جعفر الصادق


* * *

(110ـ145هـ)

إنّ إسماعيل هو الاِمام الاَوّل والموَسِّس للمذهب، فوالده الاِمام الصادق - عليه السّلام- غنيّ عن التعريف، وفضله أشهر من أن يذكر، وُلِد الاِمام الصادق عام 80هـ على قول و83 على قول آخر وتوفي عام 148 هـ، وهو من عظماء أهل البيت - عليهم السّلام- وساداتهم، ذو علوم جَمّة، وعبادة موفورة، وزهادة بيّنة، وتلاوة كثيرة... إلى غير ذلك من فضائل ومآثر يقصر عنها القلمُ والبيان؛ وقد أنجب - عليه السّلام- عشرة أولاد، هم إسماعيل ويليه عبد اللّه، وموسى الكاظم، وإسحاق، ومحمد، والعباس وعلي، وأمّا الاِناث، فأكبرهنّ أُمّ فروة، ثمّ أسماء، وفاطمة.

لقد تزوج - عليه السّلام- فاطمة بنت الحسين بن علي بن الحسين، فأنجب منها إسماعيل وعبد اللّه وأُمّ فروة.

وكان إسماعيل أكبر الاِخوة وكان أبو عبد اللّه - عليه السّلام- شديد المحبة له والبر به والاِشفاق عليه، مات في حياة أبيه - عليه السّلام- «بالعريض»، وحمل على رقاب الرجال إلى أبيه بالمدينة، حتى دفن بالبقيع (2)


1. المبدأ في عدّ الاَئمة للاِسماعيليّة، هو موَسس الفرقة ـ حسب زعمهم ـ وإن كان هو الاِمام السابع عندهم ثمّ إنّ الاَقوال في ميلاد ووفاة إسماعيل كثيرة وما ذكرناه أحد الاَقوال.
2. المفيد: الاِرشاد:284.

(72)

ولذلك كان من اللازم استعراض سيرته وسيرة بعض أولاده ممن كان لهم دور في نشوء هذه الفرقة فنقول:

عنونه الشيخ في أصحاب رجال الصادق - عليه السّلام- و اقتصر على اسمه واسم آبائه، وقال: إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، المدني. (1)

وقال ابن عنبة: وأمّا إسماعيل بن جعفر الصادق - عليه السّلام- ويكنى أبا محمد، وأُمّه فاطمة بنت الحسين الاَثرم بن الحسن بن علي بن أبي طالب - عليه السّلام- ويعرف بإسماعيل الاَعرج، وكان أكبر ولد أبيه، وأحبَّهم إليه، كان يحبُه حباً شديداً، وتوفي في حياة أبيه «بالعريض»، فحمل على رقاب الرجال إلى البقيع، فدفن به سنة ثلاث وثلاثين ومائة، قبل وفاة الصادق - عليه السّلام- بعشرين سنة، كذا قال أبو القاسم ابن خداع نسّابة المصريين. (2)

وقال ابن خلدون :تُوفّي قبل أبيه، وكان أبو جعفر المنصور طلبه، فشهد له عامل المدينة بأنّه مات. (3)

قال المفيد: لمّا توفي إسماعيل جزع أبو عبد اللّه عليه جزعاً شديداً، وحزن عليه حزناً عظيماً، وتقدّم سريرَه بغير حذاء ولا رداء، وأمر بوضع سريره على الاَرض قبلَ دفنه مراراً، وكان يكشف عن وجهه وينظر إليه. (4)

لم نقف في حياة إسماعيل على شيء سوى ما نقله ابن أبي الحديد حيث قال: كان القاسم بن محمد بن طلحة (5) يلقّب «أبا بعرة»، ولي شرطة الكوفة،


1. الطوسي: الرجال: 149 برقم 81.
2. ابن عنبة: عمدة الطالب: 233، ولعلَّ العشرين في العبارة مصحف خمس عشرة لاَنّ الفاصل الزمني بين الوفاتين لا يتجاوز هذا المقدار على جميع الاَقوال لاَنّها في حقّه مختلفة فانّه مضافاً إلى ما ذكره من أنّه توفي عام 138 وقيل توفي عام 143.
3. تاريخ ابن خلدون: 4|39.
4. المفيد: الاِرشاد: 284.
5. هو طلحة بن عبيد اللّه التيمي المقتول بالجمل سنة 36هـ .

(73)

لعيسى ابن موسى العباسي ـ فكلَّم إسماعيل بن جعفر الصادق بكلام خرجا فيه إلى المنافرة.

فقال القاسم: لم يزل فضلنا وإحساننا سابغاً عليكم يا بني هاشم، وعلى بني عبد مناف كافة.

فقال إسماعيل: أيّ فضل وإحسان أسديتموه إلى بني عبد مناف؟! أغضب أبوك جدي بقوله: «ليموتن محمد ولنجولنّ بين خلاخيل نسائه، كما جال بين خلاخيل نسائنا»، فأنزل اللّه تعالى مراغمة لاَبيك: "وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُوَذُوا رَسُولَ اللّهِ وَ لا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً") (1) ومنع ابن عمك أُمّي من حقّها في فدك، وغيرها من ميراث أبيها، وأجلب أبوكَ على عثمان، وحصره حتى قُتِل، ونكثَ بيعة علىٍّ، وشام السيف في وجهه، وأفسد قلوبَ المسلمين عليه، فإن كان لبني عبد مناف قوم غير هوَلاء، أسديتم إليهم إحساناً، فعرّفني من هم، جعلت فداك؟! (2)

و روى الكشي بسنده عن عنبسة العابد: كنت مع جعفر بن محمد بباب الخليفة أبي جعفر بالحيرة، حين أُتي ببسّام، وإسماعيل بن جعفر بن محمد، فأُدخلا على أبي جعفر (3)فأُخرج بسّام مقتولاً ، وأُخرِج إسماعيل بن جعفر بن محمد، قال: فرفع جعفر رأسه إليه، قال: أفعلتها يا فاسق، أبشر بالنار. (4)

قلت: الضمير في «إليه» يرجع إلى المنصور من باب خطاب الغائبين بما يقتضيه الحال.

والحديث يدل على أنّه وشي عليهما لدى المنصور فطلبهما، فقتل بسّاماً


1. الاَحزاب: 53.
2. ابن أبي الحديد: شرح النهج:9|323.
3. هو أبو جعفر المنصور الدوانيقي.
4. الكشي: الرجال: ترجمة بسام بن عبد اللّه الصيرفي برقم 121.

(74)

وأطلق إسماعيل.و لعلّه ثبتت براءته مما نسب إليه .

و روى الكشي أيضاً في ترجمة عبد اللّه بن شريك العامري، عن أبي خديجة الجمّال، قال: سمعت أبا عبد اللّه ، يقول: إنّي سألت اللّه في إسماعيل أن يُبقيه بعدي فأبى، ولكنّه قد أعطاني فيه منزلة أُخرى، انّه يكون أوّل منشور في عشرة من أصحابه، ومنهم عبد اللّه بن شريك وهو صاحب لوائه. (1)

و الحديث يدل على انّ الاِمام الصادق - عليه السّلام- كان يحبّه كثيراً،و لعلّ إسماعيل مرض، فدعا أبوه اللّه تعالى أن يشفيه ولكن اللّه قدّر موته، كما يدل على وثاقته أيضاً.

ويظهر ممّا رواه الكشي في ترجمة المفضل بن مزيد، أخي شعيب الكاتب، أنّه كان مأموراً بدفع جوائز إلى بني هاشم، وكان أسماءُ أصحاب الجوائز مكتوباً في كتابٍ، ناولَ الكتابَ للاِمام الصادق - عليه السّلام- فلما رآه قال: ما أرى لاِسماعيل هاهنا شيئاً، فأجاب المفضل: هذا الذي خرج إلينا. (2)

ومن راجع الكتب الحديثية يرى أنّ هناك روايات يظهر منها جلالة منزلة إسماعيل، عند والده نذكر منها ما يلي:

1. الاِمام الصادق - عليه السّلام- يستأجر من يحجّ عن إسماعيل:

روى الكليني بسنده، عن عبد اللّه بن سنان، قال: كنت عند أبي عبد اللّه - عليه السّلام- إذ دخل عليه رجل فأعطاه ثلاثين ديناراً يحجّ بها عن إسماعيل، ولم يترك شيئاً من العمرةِ إلى الحجّ إلاّ اشترط عليه أن يسعى في وادي مُحسِّر، ثمّ قال: يا هذا، إذا أنت فعلتَ هذا كانَ لاِسماعيل حجة بما أنفق من ماله، وكانت لك تسْع بما أتعبَت من بدنك. (3)


1. الكشي: الرجال: 190، برقم 97.
2. الكشي: الرجال: 320، برقم 237.
3. الوسائل: الجزء 8، الباب 1 من أبواب النيابة في الحجّ، الحديث 1.

(75)

2. الاِمام ينصحه من الائتمان بالفاسق:

روى الكليني بسنده، عن حريز بن عبد اللّه السجستاني، قال: كانت لاِسماعيل بن أبي عبد اللّه - عليه السّلام- دنانير وأراد رجل من قريش أن يخرجَ إلى اليمن، فقال إسماعيل: يا أبت إنّ فلاناً يريد الخروج إلى اليمن، وعندي كذا وكذا ديناراً، أفترى أن أدفعها إليه يبتاع لي بها بضاعة من اليمن؟ فقال أبو عبد اللّه - عليه السّلام- : يا بُنيّ أما بلغك أنّه يشرب الخمر؟ فقال إسماعيل: هكذا يقول الناس، فقال: يا بُنيّ لا تفعل.

فعصى إسماعيلُ أباه ودفع إليه دنانيره فاستهلكها، ولم يأته بشيء منها، فخرج إسماعيل وقضى أنّ أبا عبد اللّه - عليه السّلام- حجّ وحجّ إسماعيل تلك السنة فجعل يطوف بالبيت، ويقول: اللهمّ أجرني واخلف عليّفلحقه أبو عبد اللّه - عليه السّلام- فهمزه بيده من خلفه، فقال له: مَهْ يا بني فلا واللّه مالك على اللّه (هذا) حجة ولا لك أن يأجرك ولا يُخلف عليك، وقد بلغك أنّه يشرب الخمر فائتمنته، فقال إسماعيل: يا أبت إنّـي لم أره يشرب الخمر، إنّما سمعت الناس يقولون.

فقال: يا بُني إنّ اللّه عزّ وجلّ يقول في كتابه: "يُوَْمِنُ بِاللّهِ ويُوَْمِنُ للمُوَمِنين") (1)يقول: يصدِّق اللّه ويصدق للموَمنين فإذا شهد عندك الموَمنون فصدِّقهم ولا تأتمن شارب الخمر، فإنّ اللّه عزّ وجلّ يقول في كتابه:"وَلا تُوَتُوا السفهاءَ أَموالَكُم") (2)فأيّ سفيه أسفه من شارب الخمر؟! إنّ شارب الخمر لا يُزوَّج إذا خَطِب، ولا يُشفَّع إذا شَفَع، ولا يُوَتمن على أمانة، فمن ائتمنه على أمانة فاستهلكها لم يكن للذي ائتمنه، على اللّه أن يأجره ولا يخلف عليه. (3)


1. التوبة: 61.
2. النساء: 5.
3. الكافي: 5|299.

(76)

قلة رواياته

لم نجد في الجوامع الحديثية شيئاً يروى عنه، إلاّ الحديثين التاليين، ولعلّ قصر عمره وموته في حياة والده صارا سبباً لقلة الرواية عنه، وإليك ما وقفنا عليه من رواياته:
1. روى الكليني بسنده، عن أبي أيّوب الخزاز، قال: سألت إسماعيل بن جعفر، متى تجوز شهادة الغلام؟ فقال: إذا بلغ عشر سنين، قال: قلتُ: ويجوز أمره؟ قال: فقال: إنّ رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلّم - دخل بعائشة وهي بنت عشر سنين، وليس يدخل بالجارية حتى تكون امرأة، فإذا كان للغلام عشر سنين جاز أمره وجازت شهادته.(1)
2. روى الشيخ الطوسي، عن داود بن فرقد، عن إسماعيل بن جعفر، قال: اختصم رجلان إلى داود - عليه السّلام- في بقرة فجاء هذا ببيّنة على أنّها له، وجاء هذا ببيّنة على أنّها له، قال: فدخل داود - عليه السّلام- المحرابَ فقال: يا رب إنّه قد أعياني أن أحكم بين هذين، فكُن أنتَ الذي تحكم، فأوحى اللّه عزّوجلّ إليه اخرج فخذ البقرة من الذي في يده، فادفعها إلى الآخر، واضرب عنقه، قال: فضجت بنو إسرائيل من ذلك، وقالوا: جاء هذا ببينّة وجاء هذا ببيّنة، وكان أحقّهما بإعطائها الذي في يديه، فأخذها منه، وضرب عنقه، فأعطاها هذا... قال: فدخل داود - عليه السّلام- المحرابَ فقال: يا ربّ قد ضجَّتْ بنو إسرائيل ممّا حكمتُ، فأوحى إليه ربُّه أنّ الذي كانت البقرة في يده لقي أب الآخر فقتله وأخذ البقرة منه، إذا جاءك مثل هذا فاحكم بينهم بما ترى ولا تسألني أن أحكم حتى الحساب. (2)


1. الكافي:7|388.
2. التهذيب:6|287، الحديث 797.

(77)

وفاته

قد عرفت أنّ ابن عنبة ذكر أنّه توفي عام (133هـ)، وقال صاحب تهذيب الكمال: إسماعيل إمام مات وهو صغير، ولم يروَعنه شيء من الحديث. (1)

و أرّخ الزركلي في الاَعلام وفاته سنة (143هـ) ولعله تبع صاحب دائرة المعارف الاِسلامية حيث قال: توفي إسماعيل في المدينة سنة (143هـ) أي قبل وفاة أبيه بخمسة أعوام. (2)

و القول الثاني أقرب للصواب، لاَنّه لو كان توفي سنة (133هـ) لكانت وفاته قبل وفاة أبيه بخمسة عشر عاماً، وهذا المقدار من الفاصل الزمني، يوجب انقطاع الناس عنه، ونسيانهم له عند وفاة أبيه.

وقال عارف تامر السوري من كُتّاب الاِسماعيلية : إنّإسماعيل ولد سنة 101 في المدينة المنورة، وادّعى والده الصادق أنّه مات سنة 138هـ بموجب محضر أشهد عليه عامل الخليفة المنصور العباسي. (3)

استشهاد الاِمام الصادق - عليه السّلام- على موته:

كان الاِمام الصادق حريصاً على إفهام الشيعة بأنّ الاِمامة لم تُكْتب لاِسماعيل، فليس هو من خلفاء الرسول الاثني عشر الذين كتبت لهم الخلافة والاِمامة بأمر السماء وإبلاغ الرسول الاَعظم.

و من الدواعي التي ساعدت على بثّ بذر الشبهة والشك في نفوس


1. الاَعلام:1|311، نقلاً عن تهذيب الكمال.
2. الزركلي: الاَعلام:1|311.
3. عارف تامر: الاِمامة في الاِسلام:180.

(78)

الشيعة في ذلك اليوم، هو ما اشتهر من أنّ الاِمامة للولد الاَكبر. وكان إسماعيل أكبرَ أولاده فكانت أماني الشيعة معقودة عليه ـ حسب الضابطة ـ صحّت أم لم تصح ، ولاَجل ذلك تركزت جهود الاِمام الصادق - عليه السّلام- على معالجة الوضع واجتثاث جذور تلك الشبهةو انّ الاِمامة لغيره، فتراه تارة ينصَّ على ذلك، بقوله وكلامه، وأُخرى بالاستشهاد على موت إسماعيل، وأنّه قد انتقل إلى رحمة اللّه، ولن يصلحَ للقيادة والاِمامة.

وإليك نماذج توَيد النهج الثاني الذي انتهجه الاِمام - عليه السّلام- لتحقيق غرضه في إزالة تلك الشبهة، وأمّا القسم الاَوّل أي النصوص على إمامة أخيه فموكولة إلى محلّها (1)
1. روى النعماني عن زرارة بن أعين، أنّه قال: دخلت على أبي عبد اللّه - عليه السّلام- و عند يمينه سيّدُ ولده موسى - عليه السّلام- ، وقُدّامه مرقد مغطى، فقال لي: «يا زرارة، جئني بداود بن كثير الرقي، وحمران، وأبي بصير». ودخل عليه المفضل بن عمر، فخرجت فأحضرت مَنْ أمرني بإحضاره، ولم يزل الناس يدخلون واحداً إثرَ واحد، حتى صرنا في البيت ثلاثين رجلاً.

فلمّا حشد المجلس قال: «يا داودُ إكشف لي عن وجه إسماعيل»، فكشف عن وجهه فقال أبو عبد اللّه - عليه السّلام- : «يا داود أحيٌّ هو أم ميت؟» قال داود: يا مولايَ هو ميّت، فجعل يعرض ذلك على رجل رجل، حتى أتى على آخر مَن في المجلس،و انتهى عليهم بأسرهم وكلٌّ يقول: هو ميّت يا مولاي، فقال: «اللهمّ اشهد»، ثمّ أمر بغَسْله وحنوطه، وادراجه في أثوابه.

فلمّـا فرغ منه قال للمفضل: «يا مفضّل احسر عن وجهه»، فحسَر عن وجهه، فقال: «أحيٌّ هو أم ميّت؟» فقال: ميّت، قال: «اللهم اشهد عليهم»؛ ثمّحُمِل إلى قبره، فلما وضع في لَحده قال: «يا مفضل اكشف عن وجهه» وقال


1. سوف يأتي شيء منه عند عرض الفطحيّة فلاحظ.

(79)

للجماعة: «أحيٌّ هو أم ميت؟» قلنا له: ميت فقال: «اللهمّ اشهد، واشهدوا، فإنّه سيرتاب المبطلون، يريدون إطفاء نور اللّه بأفواههم ـ ثم أومأ إلى موسى ـ واللّه متم نوره ولو كره المشركون»، ثم حثونا عليه التراب ثمّ أعاد علينا القول، فقال: «الميّت، المحنَّط، المكفَّن، المدفون في هذا اللحد من هو؟» قلنا: إسماعيل، قال: «اللهم اشهد»، ثمّ أخذ بيد موسى - عليه السّلام- و قال: «هو حقّ، والحقّ منه، إلى أن يرث اللّه الاَرض ومن عليها». (1)
2. روى الشيخ الطوسي بسنده عن أبي كهمس، قال: حضرتُ موتَ إسماعيل وأبو عبد اللّه - عليه السّلام- جالس عنده فلمّـا حضره الموت، شدّ لحييه وغمّضه، وغطّى عليه المِلْحَفة، ثمّ أمر بتهيئته، فلمّـا فرغ من أمره، دعا بكفنه فكتب في حاشية الكفن: إسماعيل يشهد أن لا إله إلاّ اللّه. (2)
3. روى الصدوق بسنده عن أبي كهمس قال حضرت موت إسماعيل ورأيت أبا عبد اللّه - عليه السّلام- وقد سجد سجدة فأطال السجود، ثمّ رفع رأسه فنظر إليه، ثمّ سجد سجدة أُخرى أطول من الاَُولى ثمّ رفع رأسه، وقد حضره الموت فغمّضه وربط لحيته، وغطّى عليه الملحفة، ثمّقام، ورأيتُ وجهه وقد دخل منه شيء اللّه أعلم به، ثمّ قام فدخل منزله فمكث ساعة ثمّ خرج علينا مدهِناً، مكتَحلاً، عليه ثياب غير ثيابه التي كانت عليه، ووجهه غير الذي دخل به، فأمر ونهى في أمره، حتى إذا فرغ، دعا بكفنه، فكتب في حاشية الكفن: إسماعيل يشهد أن لا إله إلاّ اللّه.(3)

و هذه الروايات و خاصّة ما نقلناه عن أبي خديجة الجمّال حاكية عن جلالة إسماعيل، ويوَكّدها تقبيل الاِمام له بعد موته مراراً.


1. النعماني: الغيبة: 327، الحديث 8، ولاحظ بحار الاَنوار:48|21.
2. الوسائل: الجزء 2، الباب 29 من أبواب التكفين، الحديث 1.
3. الوسائل: الجزء 2، الباب 29 من أبواب التكفين ، الحديث 2.

(80)

نعم هناك روايات تدل على ذمّه ذكرها الكشي في ترجمة عدّة، مثل إبراهيم ابن أبي سمال، وعبد الرحمان بن سيابة، والفيض المختار، وقد ناقش السيد الخوئي، اسنادها فلاحظ. (1)

وقد أخطأ الكاتب الاِسماعيلي، مصطفى غالب السوري في فهم رأي الشيعة في معرض كتابته عن إمامه، حيث قال:

غير أنّ موَرّخي الشيعة، والسنة، يذهبون في إسماعيل مذهباً مختلفاً كلّ الاختلاف عمّا يقوله الاِسماعيلية. فيقولون: إنّ إسماعيل لم يكن يصلح للاِمامة، كونه كان يشربُ الخمر، وأنّه كان من أصدقاء أبي الخطاب الملْحِد الذي تبّـرأ منه الاِمام الصادق، وأنّ الصادق أظهر فرحه لموت ابنه إسماعيل، وعلى هذه الصورة اضطربت الروايات، واختلفت الاَقاويل في أمر إسماعيل، فأصبح أكثر الباحثين لا يدرون حقيقة أمره، ولا سيّما أنّه الاِمام الذي تنسب إليه الحركة الاِسماعيلية التي قامت بدورٍ هامٍّ في تاريخ العالم الاِسلامي منذ ظهورها. (2)

قد عرفت عقيدة الشيعة الاِماميّة في حقّ إسماعيل وانّهم ـ عن بكرة أبيهم ـ يذكرون إسماعيل بخير، اقتداء بإمامهم الصادق - عليه السّلام- وأنّ رميه بشرب الخمر من صنيع أعداء أهل البيت - عليهم السّلام- حيث كانوا لا يتمكّنون من رمي أئمة الشيعة بالسفاسف فيوجهونها إلى أولادهم المظلومين المضطهدين.

هل كان عمل الاِمام تغطية لستره؟

إنّ الاِسماعيلية تدّعي أنّ ما قام به الاِمام الصادق - عليه السّلام- كان تغطية، لستره عن أعين العباسيين، الذين كانوا يطاردونه بسبب نشاطه المتزايد في نشر التعاليم


1. السيد الخوئي: معجم رجال الحديث: 3|124ـ127، برقم 1307.
2. مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الاِسلامية: 16.

(81)

التي اعتبرتها الدولة العباسية منافية لقوانينها. والمعروف انّه توجه إلى «سلَمية» ومنها إلى دمشق فعلم به عامل الخليفة، وهذا ما جعله يغادرها إلى البصرة ليعيش فيها متستراً بقية حياته.

مات في البصرة سنة 143هــ، وكان أخـوه موسى بن جعفـر «الكاظم» حجاباً عليه، أمّا ولي عهده محمد فكان له من العمر أربع عشرة سنة عند موته. (1)

وعلى ما ذكره القائل ـ خلافاً لاَكثر الاِسماعيلية ـ فقد مات في حياة أبيه، فكيف يكون إماماً بعد أبيه وهو رهين التراب؟!

اسطورة حياته بعد رحيل أبيه

غير أنّ بعضهم يجازفون في القول، ويدعون أمراً خارقاً للعادة، ويقولون: والاَمر الهام في قضية إسماعيل وإمامته، هو أنّه عاش بعد أبيه، وأثبت هذا الخبر كثيرون من الموَلفين المعاصرين له مما يدل على أنّ إسماعيل بقى بعد أبيه اثنتي عشرة سنة.

ولقد حكى أنّ إسماعيل حين ترك المدينة سرّاً، رُئي ثانية في البصرة، حيث بلغ رفعة، بما أظهر من مقدرة نادرة بشفاء المرضى والمعلولين، وخشية من اكتشاف الاَمر، ترك البصرة ورحل إلى سوريا واستقر فيها، ولكن ليس بطمأنينة تامّة حيث حالما سمع الخليفة «المنصور» الذي كان يحكم الجزيرة العربية، بوجود إسماعيل، أمر واليه في دمشق بإرساله إسماعيل تحت الحراسة إلى بلاطه، ولكنَّ الوالي لم يكن يحترم الاِمام إسماعيل فحسب، بل كان من أتباعه، وبناء عليه ولينقذ الوالي سيده الروحي، نصح الاِمام أن يترك سوريا لعدّة أيّام، وما أن ابتعد


1. عارف تامر: الاِمامة في الاِسلام:180.

(82)

الاِمام عن سوريا، حتى أعلن الوالي التفتيش الدقيق عنه، وكتب للخليفة أنّه لم يجد لاِسماعيل أثراً في أيّ مكان. (1)

أقول: ما ذكره انّ كثيراً من الموَلفين المعاصرين لاِسماعيل أثبتوا حياته بعد وفاة أبيه، شيء لم يدعمه بالدليل، فَمَنْ هوَلاء الموَلّفون المعاصرون الذين أثبتوا حياته بعد الاِمام الصادق، وما هي كتبهم؟! نعم أوعز الكاتب في الهامش إلى عمدة الطالب، وتقدم نصُّهُ (2) وليس فيه أيُّ إشارة إلى ذلك، فضلاً عن إشارته إلى كثيرٍ من الموَلفين المعاصرين للاِمام إسماعيل، هكذا تحرّف الحقائق بيد العابثين اللاعبين بتاريخ أُمتنا المجيدة، أو بيد سماسرة الاَهواء فيبيحون الكذب لدعم المذهب.

وقد اعترف بهذه الحقيقة الكاتب الاِسماعيلي عامر تامر حيث قال:هناك أقوال كثيرة لموَرخين يوَكدون فيها أنّه مات في عهد والده، وأنّ قصة ظهوره في البصرة أُسطورة لا تقوم على حقيقة، ومهما يكن من أمر فالاِسماعيليون اشتهروا بالتخفّي والاستتار، والمحافظة على أئمّتهم. لذلك ليس بعيداً أن تكون الرواية الاَُولى صحيحة. (3)

إنّ تفسير قصة وفاة إسماعيل بالتمويه والتغطية فكره ورثها الجُدُد من الاِسماعيلين عن أسلافهم، قال مصطفى غالب: «ولكن أغلب موَرّخي الاِسماعيلية يقولون: إنّ قصة وفاة إسماعيل في حياة أبيه كانت قصة أرادَ بها الاِمام جعفر الصادق التمويه والتغطية على الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، الذي كان يُطارد أئمة الشيعة في كلّمكان، وتحت كلّ شمس، فخاف جعفر الصادق على ابنه وخليفته إسماعيل، فادّعى موته وأتى بشهود كتبوا المحضر إلى الخليفة


1. أ.س. بيكلي: مدخل إلى تاريخ الاِسماعيلية:20.
2. مرّ نصّه ص 72.
3. عارف تامر: الاِمامة في الاِسلام: 180ـ181.

(83)

العباسي، الذي أظهر سروراً وارتياحاً لوفاة إسماعيل الذي كان إليه أمر إمامة الشيعة، ثمّ شُوهِد إسماعيل بعد ذلك في البصرة، وفي بعض البلدان الفارسية. وعلى هذا الاَساس لم تسقط الاِمامة عن إسماعيل بالموت قبل أبيه لاَنّه مات بعد أبيه. (1)

ويقول في موضع آخر: ورأينا الاَخير في هذا الموضوع بعد أن اطّلعنا على جميع ما كتب حول إمامة إسماعيل، نقول: بأنّالاِمام جعفر الصادق قد شعر بالاَخطار التي تهدِّد حياة ابنه الاِمام إسماعيل، بعد أن نصّ عليه، وأصبح وليّاً للعهد، فأمره أن يستتر وكان ذلك عام 145هـ ، خشية نقمة الخلفاء العباسيين وتدبّر الاَمر بأن كتب محضراً بوفاته، وشهد عليه عامل المنصور، الذي كان بدوره من الاِسماعيلين.

و فوراً توجه إسماعيل إلى سلمية، ومنها إلى دمشق، وعلم المنصور بذلك، فكتب إلى عامله أن يلقي القبض على الاِمام إسماعيل، ولكن عامله المذكور كان قد اعتنق المذهب الاِسماعيلي، فعرض الكتاب على الاِمام إسماعيل، الذي ترك البلاد نحو العراق حيث شوهد بالبصرة عام 151هـ ، وقد مرّ على مقعد فشفاه بإذن اللّه، ولبث الاِمام إسماعيل عدّة سنوات يتنقل سرّاً بين أتباعه، حتى توفي بالبصرة عام 158هـ .

ويوَكد كتاب دستور المنجمين أنّ إسماعيل هو أوّل إمام مستور وكان بدء ستره سنة 145هـ ولم يمت إلاّ بعد سبع (2)سنين». (3)

ما ذكره أُسطورة حاكتها يدُ الخيال ، ولم يكن الاِمام الصادق - عليه السّلام- ولا


(1) 1 .مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الاِسماعيلية: 16 ترى أنّالموَرخ الاَوّل الاِسماعيلي يذكر موته في حياة أبيه وهذا يوَكد على موته بعده، فما هو الحق؟ وما هو المتوقع من مذهب حجر أساسه الريب والشك؟!!
2. فيكون وفاته على هذا عام 151، لا عام 158 كما ذكره قبل سطر .
3. مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الاِسماعيلية: 142ـ143.

(84)

أصحابه الاَجلاّء، ممّن تتلمذوا في مدرسة الحركات السرية، حتى يفتعل موت ابنه بمرأى ومسمع من الناس، وهوبعدُ حيّ يُرزق، ولم يكن عامل الخليفة بالمدينة المنورة بليداً، يكتفي بالتنويه، حتى يتسلَّم المحضر ويبعث به إلى دار الخلافة العباسية.

والعجب أنّ الكاتب يذكر في كلامه الثاني أنّعامل الخليفة في المدينة كان بدوره من الاِسماعيليين، مع أنّه لم يكن في ذلك اليوم أثر للاِسماعيلية :«وكانت الاِمامة لاَبيه الاِمام الصادق - عليه السّلام- فكيف يكون في حياة الصادق - عليه السّلام- من الاِسماعيلية؟! وأعجب منه أنّه يعتمد في إثبات معتقده بدستور المنجمين، ثمّ يذكر له مصدراً في التعليقة بالشكل التالي «بلوشيه 57ـ 58 دى خويه 203».

إنّ عقيدة إسلامية مبنيّة على تنبّوَ المنجمين ـ وما أكثر أخطائهم ـ عقيدةٌمنهارةٌ وفاشلة.

و لو أنّ هوَلاء التجأوا في تصحيح إمامة ابنه، محمد بن إسماعيل إلى القول بعدم بطلان إمامة إسماعيل بموته في حياة والده، ولمّا توفي الاِمام الصادق تسلّم عبد اللّه بن إسماعيل الاِمامة من والده، لكان أرجح من اللجوء إلى بعض الاَساطير التي لا قيمة علمية لها في مجالات البحوث التاريخية والعقائدية المبتنية على أُسس علمية دقيقة.

والحقّ أنّه توفي أيام حياة أبيه، بشهادة الاَخبار المتضافرة التي تعرفت عليها، وهل يمكن إغفال أُمّة كبيرة وفيهم جواسيس الخليفة وعمالها؟! وستر رحيل إسماعيل إلى البصرة بتمثيل جنازة بطريقة مسرحيّة يعلن بها موته فانّه منهج وأُسلوب السياسيين المخادعين، المعروفين بالتخطيط والموَامرة، ومن يريد تفسير فعلَ الاِمام عن هذا الطريق فهو من هوَلاء الجماعة « وكلّ إناء بالذي فيه ينضح». وأين هذا من وضع الجنازة مرّات وكشف وجهه والاستشهاد على موته وكتابة الشهادة على كفنه؟!


(85)

والتاريخ يشهد على أنّه لم يكن لاِسماعيل ولا لولده الاِمام الثاني، أيّة دعوة في زمان أبي جعفر المنصور ولا ولده، بشهادة أنّ المهدي العباسي الذي تسلم عرش الخلافة بعد المنصـور العباسي 158ـ 169هـ كان متشدداً على أصحاب الاَهواء والفرق، وكتب له ابن المفضل صنوف الفرق صنفاً صنفاً، ثمّ قرأ الكتاب على الناس، فقال يونس: قد سمعت الكتاب يقرأ على الناس على باب الذهب بالمدينة، ومرّة أُخرى بمدينة الوضاح، فقال: إنّ ابن المفضل صنف لهم صنوف الفرق فرقة فرقة حتى قال في كتابه: وفرقة يقال لهم الزرارية، وفرقة يقال لهم العمارية أصحاب عمار الساباطي، وفرقة يقال لهم اليعفورية، ومنهم فرقة أصحاب سليمان الاَقطع، وفرقة يقال لهم الجواليقية. قال يونس: ولم يذكر يومئذ هشام بن الحكم ولا أصحابه. (1)

ترى انّه يذكر جميع الفرق المزعومة للشيعة، حتى يذكر العمارية المنسوبة إلى عمار الساباطي الذي لم يكن له يوم ذاك أيّ تابع إلاّ كونه فطحياً موَمناً بإمامة عبد اللّه الاَفطح، ولا يذكر الاِسماعيلية ؟! فلو كانت لاِسماعيل دعوة سرية أيّام المنصور، ثمّ لابنه محمد، حيث كانا ينتقلان من بلد إلى بلد، كان من المحتّم مجيء اسمه في قائمة أصحاب الاَهواء. كلّ ذلك يدلّ على أنّ المذهب قد نشأ بعد لاَي من الدهر .

إلى هنا تمّ البحث في الاِمام الاَوّل، وكانت حصيلته هي:

أنّ الرجل كان رجلاً ثقة، محبوباً للوالد، وتُوفي في حياة والده وهو عنه راض، ولم تكن له أيُّ دعوةٍ للاِمامة، ولم تظْهر أيَّ دعوة باسمه أيّام خلافة المهدي العباسي الذي تُوفي عام 169هـ، وقد مضى على وفاة الاِمام الصادق - عليه السّلام- إحدى وعشرون سنة.


1. الكشي: الرجال: 227.

(86)

الاِمام الثاني

محمد بن إسماعيل

* * *

(132ـ193هـ)

محمد بن إسماعيل، هو الاِمام الثاني للاِسماعيلية، قال ابن عنبة: أعقب إسماعيل من محمد وعلي ابني إسماعيل، أمّا محمد بن إسماعيل فقال شيخ الشرف العبيدلي: هو إمام الميمونية وقبره ببغداد.

ويصفه الكاتب الاِسماعيلي أنّه ولد سنة 141 في المدينة عندما توفي والده الاِمام إسماعيل، اضطر لترك المدينة خوفاً من مراقبة الرشيد العباسي، الذي استطاع بنشاطه من إخماد كافة الثورات والدعوات الاِمامية، فذهب إلى الكوفة، ومنها إلى فرغانة، ثمّ إلى نيسابور، عمل على نشر دعوته بنشاط في الجزيرة العربية، وفي كافة البلدان الاِسلامية، وقد استطاع التموية على الخلفاء العباسيين والاِفلات من قبضتهم، وهم المهدي والهادي والرشيد.

إزداد تستراً بعد أن أعطى الرشيدُ أمراً بالقبض عليه، ثمّ إنّه رَحَل إلى الريّ ومنها إلى نهاوند، وفيها عقد زواجه على ابنة أميرها أبي المنصور بن جوشن، وبعد ذلك توجه إلى «تدْمُر» في سوريا حيث جعلها مركزاً لاِقامته ونشر دعوته، وجّه الرشيد جيشاً لاِلقاء القبض عليه عندما كان في نهاوند، ولكن أتباعه تمكنوا من الانتصار على الجيش المذكور وردّوه خائباً.

يقال أنّه هو الذي أرسل الداعيين: الحلواني وأبا سفيان إلى المغرب، تُوفِي


(87)

في مدينة «تَدْمر» و دفن في جبل واقع إلى الشمال الغربي منها، ويعرف حتى الآن بضريح محمد بن علي، وفاته سنة 193هـ.

يقال إنّ حجته هو ميمون القداح، والحقيقة أنّ الاِمام محمد بن إسماعيل هو نفسه كان يحمل لقبي ميمون والقداح.

ترك عدداً من الاَولاد ومنهم عبد اللّه الذي كان وليّاً للعهد. (1)

أقول: للقارىَ الكريم أن ينظر إلى كلمات ذلك الكاتب بنظر الشك والريبة، ويتفحّص عن مآخذ كلامه ومصادر نقله، فإنّ ما وقفنا عليه في السير والآثار لا يدعم كلامه، وذلك للاَسباب التالية:
1. إنّ شيخ الشرف العبيدلي قال: إنّه توفي ببغداد، وقبره هناك، والكاتب يذكر أنّه توفي بـ«تدمر» بسوريا، وقبره هناك، وله ضريح معروف بضريح «محمد بن علي» ولكن من أينَ علم انّه ضريح محمد بن إسماعيل؟! وأنّه حُرِّفَ اسم والده.
2. الروايات المتضافرة من الفريقين تشهد على أنّه كانت بينه وبين الرشيد صلة وكان موقفه منه، موقف العين، وقد أخبره بما يجري في أوساط العلويين، من جمع الاَموال للثورة، والدعوة إلى الاِمامة.و من هذه الروايات التي وقفنا عليها:

روى ابن عنبة، عن أبي القاسم بن إسماعيل نسابة المصريين، أنّ موسى الكاظم - عليه السّلام- كان يخاف ابن أخيه محمد بن إسماعيل، ويبرّه، وهو لا يترك السعي به إلى السلطان من بني العباس.

وقال أبو نصر البخاري: كان محمد بن إسماعيل بن الصادق - عليه السّلام- مع موسى الكاظم - عليه السّلام- يكتب له السر إلى شيعته في الآفاق. فلما ورد الرشيد الحجاز، سعى (2)

محمد بن إسماعيل بعمه إلى الرشيد. فقال: أعلمتَ أنّفي الاَرض خليفتين


1. عارف تامر: الاِمامة في الاِسلام:181.
2. ذكر الشيخ المفيد أنّ الساعي بعمه الكاظم - عليه السّلام- إلى الرشيد هو علي بن إسماعيل لا أخوه محمد. وذكر قصة السعاية أُنظر (الاِرشاد) باب ذكر السبب في وفاته - عليه السّلام- .

(88)

يجبى إليهما الخراج؟ فقال الرشيد: ويلك أنا ومن؟ قال: موسى بن جعفر. وأظهر أسرارَه فقبض الرشيد على موسى الكاظم - عليه السّلام- و حبسه، وكان سبب هلاكه، وحظى محمد بن إسماعيل عند الرشيد، وخرج معه إلى العراق، ومات ببغداد، ودعا عليه موسى بن جعفر عليمها السّلام بدعاء استجابه اللّه تعالى فيه وفي أولاده، ولمّا لِيْمَ (1) موسى بن جعفر عليمها السّلام في صلة محمد بن إسماعيل والاتصال مع سعيه به. قال: إنّي حدثني أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن أبيه، عن جدّه، عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، الرحم إذا قُطِعتَ فوَصَلْتَ ثمّ قُطِعَتْ فَوصلت ثمّ قُطِعْتَ فوصلتَ ثمُ قُطِعَت قطعها اللّه تعالى، وإنّما أردتُ أن يقطع اللّه رحمه من رحمي. (2)

هذا ما رواه ابن عنبة من طرق أهل السنّة، كما رواه محدّثوا الشيعة ونأتي بنصّ أفضلهم وأوسعهم اطلاعاً، أعني: الشيخ الكليني المتوفى عام 329هـ في الكافي.

روى الكليني بسند صحيح (3) عن علي بن جعفر قال: جاءني محمد بن إسماعيل وقد اعتمرنا عمرة رجب، ونحن يومئذ بمكة، فقال: يا عمُّ إنّي أُريد بغداد، وقد أحببتُ أن أُودِّعَ عمي أبا الحسن ـ يعني موسى بن جعفر - عليه السّلام- ـ وأحببت أن تذهبَمعي إليه، فخرجتُ معه نحو أخي، وهو في داره التي بالحوبة، وذلك بعد المغرب بقليل، فضربت البابَ فأجابني أخي، فقال: مَنْ هذا؟ فقلت: علي، فقال: هو ذا أُخرِجُ ـ وكان بطيء الوضوء ـ فقلت: العجل، قال: واعجل فخرج وعليه ازار ممشّق (4) قد عقده في عنقه حتى قعد تحت عتبة الباب، فقال عليّ بن جعفر: فانكببتُ عليه فقبّلتُ رأسه، وقلت: قد جئتك في أمر إن تره صواباً


1. فعل ماضي مجهول من اللوم.
2. ابن عنبة: عمدة الطالب: 233.
3. رواه عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى العبيدي، عن موسى بن القاسم البجلي و هو نجل معاوية بن وهب البجلي، عن علي بن جعفر، والرواة ثقات والرواية صحيحة.
4. أي مصبوغ بالمشق وهو الطين الاَحمر.

(89)

فاللّه وفق له، وإن يكن غير ذلك، فما أكثر ما نخطىَ، قال: وما هو؟ قلتُ: هذا ابن أخيك يريد أن يودعك ويخرجَ إلى بغداد، فقال لي: أُدعه، فدعوتُه وكان متنحيّاً، فدنا منه فقبّل رأسه.

وقال: جعلت فداك أوصني فقال: أُوصيك أن تتقي اللّه في دمي، فقال مجيباًله: من أرادك بسوء فعل اللّه به، وجعل يدعو على من يريده بسوء، ثمّ عاد فقبّل رأسه، فقال: يا عمُّ أوصني، فقال: أُوصيك أن تتقي اللّه في دمي، فقال: من أرادك بسوء فَعَلَ اللّه به وفعل، ثمّ عاد فقبّل رأسه، ثمّ قال: يا عم أوصني، فقال: أُوصيك أن تتقي اللّه في دمي، فدعا على من أراده بسوء، ثمّتنحّى عنه، ومضيت معه، فقال لي أخي: يا عليّ مكانَك فقمتُ مكاني فدخل منزله، ثمّدعاني فدخلتُ إليه، فتناول صرّة فيها مائة دينار فأعطانيها. وقال: قل لابن أخيك يستعين بها على سفره، قال عليّ: فأخذتها فأدرجتها في حاشية ردائي، ثمّ ناولني مائة أُخرى وقال: أعطه أيضاً، ثمّناولني صرة أُخرى وقال: أعطه أيضاً.

فقلت: جعلت فداك، إذا كنتَتخاف منه مثلَ الذي ذكرتَ، فلِمَ تعينه على نفسك؟ فقال: إذا وصلتُه وقطعني قطع اللّه أجله، ثمّتناول مخدَّه أدم، فيها ثلاثة آلاف درهم وضح (1) وقال: أعطه هذه أيضاً قال: فخرجت إليه فأعطيته المائة الاَُولى ففرح بها فرحاً شديداً ودعا لعمِّه، ثمّ أعطيته الثانية والثالثة ففرح بها حتى ظننت انّه سيرجع ولا يخرج، ثمّ أعطيته الثلاثة آلاف درهم فمضى على وجهه حتى دخل على هارون فسلّم عليه بالخلافة، وقال: ما ظننتُ أنّفي الاَرض خليفتين، حتى رأيت عمي موسى بن جعفر يُسلَّم عليه بالخلافة، فأرسل هارون إليه بمائة ألف درهم فرماه اللّه بالذبحة (2)فما نظر منها إلى درهم ولا مسّه.(3)


1. الوضح: الدرهم الصحيح. لسان العرب: 2|635، مادة «وضح».
2. الذبحة: وجع في الحلق، أو دم يخنق فيقتل . لسان العرب: 2|438، مادة «ذبح».
3. الكليني: الكافي: 1|485ـ 486.

(90)

روى الكشي في رجاله، عن أبي جعفر محمد بن قولويه القمي، قال: حدثني بعض المشايخ، عن علي بن جعفر بن محمد عليمها السّلام ، قال: جاءني محمد بن إسماعيل ابن جعفر يسألني أن أسأل أبا لحسن موسى - عليه السّلام- ، أن يأذن له في الخروج إلى العراق، وأن يرضى عنه ويوصيه بوصيّة، قال: فتجنّبت حتى دخل المتوضّى ... فلمّـا خرج قلت له: إنّابن أخيك محمد بن إسماعيل، يسألك أن تأذن له في الخروج إلى العراق، وأن توصيه. فأذن له - عليه السّلام- ، فلمّا رجع إلى مجلسه قام محمد بن إسماعيل، وقال: يا عم أحبَّ أن توصيني. فقال: «أُوصيك أن تتقي اللّه في دمي». فقال: لعن اللّه من يسعى في دمك. ثمّ قال: يا عم أوصني، فقال:«أُوصيك أن تتقي اللّه في دمي». قال: ثمّ ناوله أبو الحسن - عليه السّلام- صرة فيها مائة وخمسون ديناراً، فقبضها محمد، ثمّ ناوله أُخرى فيها مائة وخمسون ديناراً، فقبضها، ثمّ أعطاه صرة أُخرى فيها مائة وخمسون ديناراً، فقبضها ثمّ أمر له بألف وخمسمائة درهم كانت عنده. فقلتُ له في ذلك: استكثرته؟ فقال: «هذا ليكون أوكد لحجّتي إذا قطعني ووصلتُه». قال: فخرج إلى العراق، فلمّا ورد حضرة هارون أتى باب هارون بثياب طريقه قبل أن ينزل، واستأذن على هارون وقال للحاجب: قل لاَمير الموَمنين إنّ محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بالباب. فقال الحاجب: انزل أوّلاً وغيّر ثياب طريقك وَ عُدْ لاَُدخلك إليه بغير إذن فقد نام أمير الموَمنين في هذا الوقت. فقال: أعلم أمير الموَمنين انّي حضرتُ ولم تأذن لي، فدخل الحاجب وأعلم هارون قول محمد بن إسماعيل، فأمر بدخوله، فدخل قال: يا أمير الموَمنين خليفتان في الاَرض موسى بن جعفر بالمدينة يجبى له الخراج وأنت بالعراق يجبى لك الخراج. فقال: واللّه؟! فقال: واللّه. فقال: واللّه؟! قال: فأمر له بمائة ألف درهم، فلمّا قبضها وحمل إلى منزله أخذته الريحة في جوف ليلته، فمات، وحول من الغد المال الذي حمل إليه. (1)


1. الكشي: الرجال:226، في ترجمة هشام بن الحكم.

(91)

و رواه ابن شهر آشوب في مناقبه. (1)

فلو صحّ ما ذكراه فكيف تكون له ثورة أيام الرشيد وهو يتعامل معه، معاملة العيون والجواسيس، أو السعاة والوشاة.

نعم نقل أبو الفرج الاصفهاني نفس القصة وتبعه الشيخ المفيد (2)ولكن الساعي في كليهما هو علي بن إسماعيل أخو محمد بن إسماعيل، لكن السند قاصر، لاَنّ الاصفهاني يرويه عن أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة المتوفى عام 332هـ، عن شيخه: يحيى بن الحسن العلوي (3)والرواية مرسلة إذ لا يتمكن ابن عقدة من نقل القصة بواسطة واحدة، كيف والاِمام الكاظم قد أُخذ في آخر السبعينات بعد المائة، وتوفي عام 183هـ (4)ولاَجل الاِيماء إلى الاِرسال أضاف المفيد بعد إنهاء السند قولَه عن مشايخهم: فما نقله الكليني بسند صحيح هو المعتبر.

* * *

***

وما ذكره:«وجّه الرشيد جيشاً لاِلقاء القبض عليه عندما كان في نهاوند...» لم أقف على مصدره ولقد تصفّحت حياة الرشيد (170ـ193هـ) في تاريخ الطبري، ومروج الذهب للمسعودي، وكامل الجزري، فلم أجد فيها شيئاً من الحرب المزعومة وانتصار محمد بن إسماعيل على جيش الرشيد.

نعم نقل الجزري في حوادث سنة 312هـ : انه ظهر في الكوفة رجل ادّعى انّه «محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وهو رئيس الاِسماعيلية، وجمع جمعاً عظيماً من الاَعراب وأهل السواد واستفحل أمره في شوال، فسيّر إليه جيش من بغداد، فقاتلوه وظفروا به وانهزم،


1. ابن شهر آشوب: المناقب:4|326، قريباً مما نقله الكليني والكشي.
2. المفيد: الاِرشاد: 298.
3. في إرشاد المفيد: أبو محمد الحسن بن محمد بن يحيى عن مشايخهم.
4. الجزري: الكامل: 6|164، لاحظ حوادث سنة 183هـ.

(92)

وقتل كثير من أصحابه. (1)

قال مصطفى غالب: ويعتبر الاِمام محمد بن إسماعيل أوّل الاَئمة المستورين،و الناطق السابع ومتم الدور، لاَنّ إمامته كانت بداية دور جديد في تاريخ الدعوة الاِسماعيلية، فقام بنسخ الشريعة التي سبقته، وبذلك جمع بين النطق والاِمامة، ورفع التكاليف الظاهرة للشريعة، ونادى بالتأويل، واهتم بالباطن، ولذلك قال فيه الداعي إدريس: «وإنّما خص محمد بن إسماعيل بذلك لانتظامه في سلك مقامات دور الستر، لاَنّك إذا عددت آدم ووصيه وأئمّة دوره، كان خاتمهم الناطق،وهو نوح - عليه السّلام- وإذا عددت عيسى ووصيه قائمة دوره، كان محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّممتسلماً لمراتبهم، وهو الناطق خاتم للنطقاء، وكان وصيّه - عليه السّلام- بالفضل منفرداً به، وإذا عددت الاَئمّة في دوره كان محمد بن إسماعيل سابعهم، وللسابع قوّة على من تقدّمه، فلذلك صار ناطقاً وخاتماً للاَُسبوع، وقائماً وهو ناسخ شريعة صاحب الدور السادس، ببيان معانيها وإظهار باطنها المبطن فيها. (2)

ولولا انّه فسّـر نسخ الشريعة ببيان معانيها وإظهار باطنها المبطن فيها، كان المتبادر منه أنّه كان صاحب شريعة ودين حديث وهو كما ترى.

ثمّ إنّ ظاهر كلامه انّ النبي - صلّى الله عليه وآله وسلّم - كان خاتماً للدور الثاني، وانّ الدور الثالث يبتدأ بوصي النبي - صلّى الله عليه وآله وسلّم - علي أمير الموَمنين - عليه السّلام- و بما انّهم لا يعدّون الحسن بن علي في أئمتهم، يكون محمد بن إسماعيل هو سابع الاَئمّة وأفضلهم.

إنّ ما ذكره اعتبارات وتخيّلات لم يقم عليها دليل، فما هو الدليل القاطع العقلي أو النقلي على هذا الدور ، وإنّ كلّ سابع، خاتم له.


1. الجزري: الكامل:8|157.
2. مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الاِسماعيلية:148.

(93)

الاِمام الثالث

عبد اللّه بن محمد بن إسماعيل


* * *

(179ـ212هـ)

ولد في بلدة نيسابور عام 179 هـ من ألقابه: المستور، والرضي، والناصر، والعطار، وعبد اللّه الاَكبر، كان كثير التنقل بين نهاوند والاَهواز وطبرستان.

عرف أنّه كان معاصراً للرشيد، وقد أدرك عصر المأمون. سمّى جميع دعاته باسمه حتى لا يعرف .عندما خرج من فرغانة إلى الديلم، وكان يصحبه أخوه حسين. وفي الديلم تزوّج فتاة علوية وولد له منها أحمد.

و ألّف في سلمية رسائل «إخوان الصفاء وخلاّن الوفاء».

توفي سنة 212 هـ، ودفن في سلمية (1) وضريحه يعرف بالاِمام إسماعيل.(2)

إنّ من يدرس كتاب رسائل «إخوان الصفاء وخلاّن الوفاء» يقف على أنّه أثر لجنة علمية لا تأليف شاب لم يتجاوز عمره الثلاثين إلاّ قليلاً.

إنّ هذا الكتاب أُلّف في القرن الرابع الهجري، وقد قامت بتأليفه جماعة، وكان أبو حيان التوحيدي على معرفة بأحوال أحد أفرادها، وقد وصفه لصمصام الدولة الذي ولي الاَمر في سنة 372هـ. (3)


1. بليدة بالشام من أعمال حمص.
2. عارف تامر: الاِمامة في الاِسلام:182.
3. ابن الاَثير: الكامل في التاريخ: 9|22.

(94)

ففي مقدمة المحقّق : تألّفتْ هذه الجماعة في القرن الرابع الهجري، وكان موطنها البصرة، ولها فرع في بغداد، ولم يعرف من أشخاصها سوى خمسة يتغشاهم الغموض والشك... فقيل إنّ أحدهم هوأبو سليمان محمد بن معشر البستي المعروف بالمقدسي، والآخر أبو الحسن علي بن هارون الزنجاني، ثمّ أبو أحمد المهرجاني، فأبو الحسن العوفي، فزيد بن رفاعة، ويوَخذ من كلام لاَبي حيّان التوحيدي أثبته أحمد زكي باشا في مقدمته لرسائل الاِخوان انّ زيد بن رفاعة كان متهماً بمذهبه، وانّ الوزير صمصام الدولة بن عضد الدولة سأله عنه. (1)


1. رسائل إخوان الصفا وخلاّن الوفاء:5، المقدمة.

(95)

الاِمام الرابع


أحمد بن عبد اللّه


* * *

(198ـ265هـ)

عرّفه الكاتب عارف تامر بقوله: ولد في سلمية سنة 198هـ، واتخذ من هذه المدينة مقراً له ومركزاً لتوزيع الدعاة ونشر التعاليم في المناطق الاَُخرى. كان على جانب كبير من العلم، وإليه تنسب رسالة الجامعة لاِخوان الصفاء وخلاّن الوفاء.

ولد له ولدان هما: الحسن وسعيد.

كان يتنقل بين الديلم والكوفة، وغيرهما في سبيل التجارة. والحقيقة أنّ ذلك لم يكن إلاّ في سبيل نشر الدعاية والاَفكار الاِسماعيلية. لقبه الوفي.

عاصر المأمون واشترك في إثارة الناس عليه، إلى أن يقول: كان يقضي فصل الشتاء في سلَمية، والصيف في مصياف. نشاط الدعاة في عصره بلغ الاَوج خاصة في المجال العلمي.

مات في مصياف سنة 265هـ عن 67 عاماً، ودفن فيها في جبل مشهد. (1)

و يقول الموَرّخ المعاصر: ولقد تعرض الاِمام أثناء وجوده في السلَمية لمضايقات الخلفاء العباسيين المستمرة، لذلك وجد بأنّ السلَمية لم تعد مكاناً صالحاً له، فغادرها سرّاً إلى الري حيث استقر فيها مدّة طويلة عمل خلالها لنشر دعوته على نطاق واسع، فاعتنقها أكثر الملوك والاَُمراء، وقدّموا جميع إمكانياتهم


1. عارف تامر: الاِمامة في الاِسلام:182.

(96)

لمساعدة الدعاة في سبيل نشرها وتعميمها في جميع الاَقطار الشرقية، والجدير بالذكر انّ أكثر الحكام والولاة في العهد العباسي كانوا يتظاهرون بنقمتهم على الاِسماعيلية، بينما كانوا يدينون بعقائدها في الباطن وينصرون الدعاة، ويعملون سراً على تقوية الدعوة وإنجاحها. (1)

وقد ذكر عارف تامر انّ لقبه هوالوفي في حين أنّ مصطفى غالب قد لقبه بمحمد التقي، والظاهر انّهما لقبين لشخص واحد.

ولا يذهب عليك ما في كلامه من المبالغة من اعتناق أكثر الحكام والولاة لعقائد الاِسماعيلية، فإنّالموَرّخين المعاصرين (2) قد اعتادا على المبالغة في الثناء وانتشار الدعوة من دون أن يذكرا لكلامهما مصدراً.


1. مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الاِسماعيلية:167.
2. عارف تامر، مصطفى غالب، والثاني أكثر مبالغة.


(97)

الاِمام الخامس

الحسين بن أحمد

* * *

(219ـ 289هـ)

ولد في مصياف سنة 219هـ، كان مركز إقامته في سلمية. اشتهر بثروته المالية الطائلة.

من ألقابه: المرتضى ، والمقتدى، والزكي، والهادي، والتقي.

لخص رسالة الجامعة برسالة موجزة سمّـاها جامعة الجامعة.

كان على علاقات طيبة مع الهاشميين القاطنين في سلمية، التقى بالنجف الاَشرف بالداعي أبي قاسم حسن بن فرح بن حوشب (منصور اليمن) وعلي بن الفضل حيث كانا يدعوان للحسن العسكري الاثني عشري فأثّر فيهما وأحضرهما إلى سلمية، ثمّ جهزهما بعد ذلك إلى اليمن.

وفي عهده تم إرسال أبي عبد اللّه الشيعي (1)(2)إلى المغرب.

في عصره دبَّ الوهن إلى الدولة العباسية وأحدقت بها الثورات والاضطرابات، تولى ابن طولون في عهده شوَون مصر وأوكل إليه تنظيم بلاد الشام أيضاً. كانت الاَموال الطائلة تحمل إليه من كافة الجهات حتى من آذربيجان.


1. والقرائن تشهد انّالمراد منه، هو عبد اللّه بن ميمون القداح.
2. وصار بعد ذلك داعية عبيد اللّه المهدي الاِمام السادس، وسيوافيك تفصيله في ترجمة «عبيد اللّه».

(98)

مات في سلمية ودفن في مقام جده عبد اللّه بن محمد وكان ذلك سنة 265. (1)

ما ذكره من أنّه توفي عام 265هـ غير صحيح، لاَنّه عام وفاة والده ولعلّه تصحيف سنة 289هـ. وقد أرّخ ميلاده ووفاته موَلف تاريخ الدعوة الاِسماعيلية كما ذكرنا وقال: وعهد بالاِمامة من بعده لابنه محمد المهدي (2)وقال له: إنّك ستهاجر بعدي هجرة وتلقى محناً شديدة. (3)

قد سبق وأن ذكرنا أنّ محمد بن إسماعيل ـ أي الاِمام الثاني ـ أرسل الداعيين : الحلواني وأبا سفيان إلى المغرب، ولكن لم يحددا تاريخ البعث، فبما انّ محمد بن إسماعيل استلم الاِمامة ـ حسب رأي الاِسماعيلية ـ عام 158هـ وتوفي عام 193هـ ، فيكون إرسالهما بين الحدين.

كان الداعيان مهتمين بالتبليغ والدعوة في أيام الاَئمّة الثلاثة إلى أن استلم الاِمام الحسين بن أحمد زمام الاِمامة، ووقف بأنّ الدعوة في المغرب تتقدم باستمرار، فحينئذٍ طلب من الداعية الكبير أبي عبد اللّه الحسين أحمد بن محمد بن زكريا الشيعي ـ الذي كان يدعو الناس إلى المذهب الاِسماعيلي في البصرة ـ الذهاب إلى اليمن ويدرس هناك على ابن حوشب ويطيعه ويقتدي به، ثمّ يذهب بعد فراغه من الدراسة، إلى المغرب قاصداً بلدة «كتامة».

توجه أبو عبد اللّه إلى اليمن حيث شهد مجالس ابن حوشب وأصبح من كبار أصحابه، فلمّا أتى خبر وفاة الحلواني وأبي سفيان دعاة المغرب إلى ابن حوشب قال لاَبي عبد اللّه الشيعي: إنّأرض كتامة من المغرب قد حرثها الحلواني وأبو سفيان وقد ماتا وليس لها غيرك، فبادر فانّها موطّأة ممهّدة لك.


1. عارف تامر: الاِمامة في الاِسلام:183.
2. عبيد اللّه المهدي.
3. مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الاِسماعيلية:171.و لم يذكر مصدراً لكلامه.

(99)

فخرج أبو عبد اللّه إلى مكة وأعطاه ابن حوشب مالاً وسيّر معه عبد اللّه بن أبي ملاحف، فلمّا قدم أبو عبد اللّه مكة سأل عن حجاج كتامة، فأرشِد إليهم، فاجتمع بهم، ولم يُعرِّفهم قصدَه، وجلس قريباً منهم، فسمعهم يتحدثون بفضائل أهل البيت، فأظهر استحسان ذلك، وحدّثهم بمالم يعلموه، فلمّـا أراد القيام سألوه أن يأذن لهم في زيارته والانبساط معه، فأذن لهم في ذلك، فسألوه أين مقصده، فقال: أُريد مصر، ففرِحوا بصحبته.

وكان من روَساء الكتاميين بمكة رجل اسمه «حُريث الجُميلي»، وآخر اسمه موسى بن مكاد فرحلوا وهو لا يخبرهم بغرضه، وأظهر لهم العبادة والزهد، فازدادوا فيه رغبة وخدموه، وكان يسألهم عن بلادهم وأحوالهم وقبائلهم وعن طاعتهم لسلطان إفريقية، فقالوا: ما له علينا طاعة، وبيننا وبينه عشرة أيام، قال: أفتحملون السلاح؟ قالوا: هو شغلنا، ولم يزل يتعرّف أحوالهم حتى وصلوا إلى مصر، فلمّا أراد وداعهم قالوا له: أي شيء تطلب بمصر؟ قال: أطلب التعليم بها (1) قالوا: إذا كنت تقصد هذا فبلادنا أنفع لك ، ونحن أعرف بحقك، ولم يزالوا به حتى أجابهم إلى المسير معهم بعد الخضوع والسوَال، فسار معهم.

فلما قاربوا بلادَهم لقيهم رجال من الشيعة فأخبروهم بخبره، فرغبُوا في نزوله عندهم واقترعوا فيمن يضيِّفه منهم، ثمّ رحلوا حتى وصلوا إلى أرض كتامة منتصف شهر ربيع الاَوّل سنة ثمانين ومائتين ، فسأله قوم منهم أن ينزل عندهم حتى يقاتلوا دونه، فقال لهم: أين يكون فج الاَخيار؟ فتعجبوا من ذلك ولم يكونوا ذكروه له، فقالوا له: عند بني سليان، فقال : إليه نقصد، ثمّ نأتي كلّ قوم منكم في ديارهم ونزورهم في بيوتهم، فأرضى بذلك الجميع.

و سار إلى جبل يقال له إنكجان، وفيه فج الاَخيار، فقال: هذا فج الاَخيار، وما سمي إلاّ بكم ولقد جاء في الآثار: انّللمهدي هجرة تنبو عن الاَوطان، ينصره


1. يريد تعليم مذهب أهل البيت - عليهم السّلام- .

(100)

فيها الاَخيار من أهل ذلك الزمان، قوم مشتق اسمهم من الكتمان، فإنّهم كتامة وبخروجكم من هذا الفج يسمّى فجُ الاَخيار.

ثمّ إنّه قال للكتاميين: أنا صاحب البدر الذي ذكر لكم أبوسفيان والحلواني، فازدادت محبتهم له وتعظيمهم لاَمره. ثمّ إنّ الحسن بن هارون وهو من أكابر كتامة، فأخذ أبا عبد اللّه إليه، ودافع عنه، ومضيا إلى مدينة ناصرون فأتته القبائل من كلّ مكان وعظم شأنه، وصارت الرئاسة للحسن بن هارون، فاستقام له أمر البربر وعامة كتامة. ثمّ كان الاَمر على ذلك حتى توفي الاِمام الحسين بن أحمد عام 289هـ وعهد بالاِمامة من بعده لابنه محمد المهدي، وقال له: إنّك ستهاجر بعدي هجرة بعيدة، وتلقى محناً شديدة، فلمّا قام عبيد اللّه بعد أبيه انتشرت دعوته، وأرسل إليه أبو عبد اللّه الشيعي رجالاً من كتامة من المغرب ليخبروه بما فتح اللّه عليه وانّهم ينتظرونه. وهذا ما سنذكره في سيرة الاِمام التالي الاِمام عبيد اللّه المهدي. (1)

* * *

***

هوَلاء هم الاَئمّة المستورون عند الاِسماعيلية، والذي يدلّ على ذلك أنّ القاضي النعمان وصفهم بالاستتار، وجعل مبدأ الظهور قيام عبد اللّه الاِمام المهدي باللّه، وإليك أبياته في أُرجوزته يقول:

* * *

واشتدت المحنة بعد جعفرٍ * فانصرف الاَمر إلى التستر

* * *

وكان قد أقام بعضَ ولده * مقامَه لمّا رأى من جَلدِه

* * *

فجعل الاَمر له في ستر * فلم يكن قالوا بذاك يدري

* * *

لخوفه عليه من أعدائه * إلاّ ثقاتُ محضِ أوليائِه


1. الجزري: الكامل: 8|31 ـ 37؛ تاريخ ابن خلدون:4|40ـ44،و أيضاًص 261.وقد لخصنا القصة وحذفنا ما ليس له صلة بالموضوع كالحروب التي خاضها أبو عبد اللّه الشيعي.

(101)

* * *

وأهلُه الذين قد كانوا معه * فقام بالاَمر، وقاموا أربعة

* * *

لمّا مضى كلّهم لصلبه * مستترين بعده بحسبه

* * *

قد دخلوا في جملة الرعية * لشدة المحنة والرزية

* * *

و كلهم له دعاة تسري * ودعوة في الناس كانت تجري

* * *

يعرفهم في كل عصر وزمن * وكل حين وأوان، كلُّ مَن

* * *

والاهم،وكلُّ أوليائهم * يعلم ما علم من أسمائهم

* * *

ولم يكن يمنعني من ذكرهم * إلاّ احتفاظي بمصون سرهم (1)

* * *

و ليس لي بأن أقول جهراً * ما كان قد أَُُدّي إليّ سرّاً

* * *

وهم على الجملة كانوا استتروا * و لم يكونوا إذ تولّوا ظهروا

* * *

بل دخلوا في جملة السواد * لخوفهم من سطوة الاَعادي

* * *

حتى إذا انتهى الكتاب أجله * وصار أمر اللّه فيمن جعله

* * *

بمنّه مفتاحَ قفل الدين * أيّده بالنصر والتمكين (2)

و ممّا ينبغي إلفات القارىَ إليه انّ القاضي في كتابه «الاَُرجوزة المختارة» وإن ذكر في المقام استتار الاَئمة بعد رحيل الاِمام الصادق وهو يوافق عقيدة الاِسماعيلية، لكنّه في مقام الرد والنقد، رد على جميع الفرق الشيعية ماعدا الاِمامية الاثني عشرية ، فقد رد على مقالات الحريرية، الراوندية، الحصينية، الزيدية، الجارودية، البترية، المغيرية، الكيسانية، الكربية، البيانية، المختارية، الحارثية،


1. لوصحّ ما ذكره يجب على سائر الدعاة سلوك مسلكه وعدم التنويه بأسمائهم، لكن المشهور خلافه، ولعلّ الاختلاف في أسمائهم وسائر خصوصياتهم دفعه إلى هذا الاعتذار.
2. القاضي النعمان: الاَرجوزة المختارة:191ـ192، والاَُرجوزة تبحث عن قضية الاِمامة منذ وفاة الرسول، إلى عصره، والظاهر أنّه ألّفها في عهد الخليفة الفاطمي الثاني القائم بأمر اللّه وكان حكمه من سنة 322 إلى 334 كما استظهر محقّق الكتاب.

(102)

العباسية، الرزامية.و لم يردّ على الاِمامية بشيء فلو لم يكن المذهب الاثنا عشري مرضيّاً عنده لما فاته التعرض عليه، كيف وهو من أعظم فرق الشيعة؟!

وهذا يدل على أنّ الموَلف كان إمامياً اثني عشرياً ـ حسب رأي المحدّث النوري ـ، ويعيش في حال التقية في عصر الخليفة الفاطمي المعزّ بدين اللّه في القاهرة ويجاريه، وقد ألف دعائم الاِسلام، الذي اعتمدت عليه الاِسماعيلية والاثنا عشرية، وإنّما المهم هو كتاب «تأويل الدعائم» الذي انفرد المذهب الاِسماعيلي في الاعتماد عليه.ولعلّه كان هناك مبرر لتأليف هذا الكتاب وما ماثله واللّه العالم.

و مع ذلك سيوافيك ما يخالف هذا الرأي في الفصل الثالث عشر ضمن ترجمة أبي حنيفة النعمان.

إلى هنا تمت ترجمة سيرة الاَئمّة المستورين، فلوجعلنا إسماعيل بن جعفر أوّل الاَئمّة، فالاَئمّة المستورون خمسة وهم:
1. إسماعيل بن جعفر، وقد عرفت أنّه لم تكن له أيّة دعوة، وإنّما ذكرناه في هذه القائمة مجاراة للقوم.
2. محمد بن إسماعيل، ولم تثبت عندنا له دعوة، بل كان يتعاطى مع هارون الرشيد على ما عرفت.
3. عبد اللّه بن إسماعيل، المعروف بالوفي.
4. الاِمام أحمد بن عبد اللّه، المعروف بالتقي.
5. الحسين بن أحمد، المعروف بالرضي.

وعلى هذا فالاِمام السادس أعني عبيد اللّه المهدي ـ الذي خرج عن كهف الاستتار، وأسّس دولة إسماعيلية بإفريقيةـ هو ابن الاِمام السابق، أعني: الحسين بن أحمد، وعلى ذلك جرى موَرخو الاِسماعيلية فيذكرونه ابناً للاِمام السابق، ومع


(103)

ذلك ففي نسبه خلاف كما سيوافيك تفصيله.

تتمة

الموجود في كتب أنساب الطالبيين أنّ محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق لم يعقّب إلاّ من رجلين، ولم يتعرّضوا لعبد اللّه بن محمد، فضلاً عن أحمد بن عبد اللّه وولده الحسين.

قال الرازي: ولمحمد بن إسماعيل هذا من الاَولاد المعقبين اثنان: إسماعيل الثاني، وجعفر الاَكبر السلامي. (1)

وقال أبو طالب الاَزوَرقاني: وعقّب محمد من رجلين: جعفر الاَكبر السلامي، وإسماعيل الثاني. (2)

وقال ابن عنبة: وأعقب محمد بن إسماعيل من رجلين: إسماعيل الثاني، وجعفر الشاعر «السلامي». (3)

نعم ذكر الشهرستاني: انّ ثلاثة من أولاد محمد بن إسماعيل بقوا مستورين لا وقوف لاَحد عليهم: الرضي، والوفي، والتقي "قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلاّ قَلِيل") (4)ثمّ ظهر المهدي بالمغرب وبنى المهدية. (5)

ولكن ما ذكره الشهرستاني رأي تفرّد به.

ولذلك نرى أنّ بعض علماء الاَنساب جعل أئمّة الاِسماعيلية على الترتيب التالي:


1. الرازي: الشجرة المباركة:101.
2. أبو طالب الاَزورقاني: الفخري في انساب الطالبيين:23.
3. ابن عنبة:عمدة الطالب:234.
4. الكهف:22.
5. الرازي: الشجرة المباركة:103.

(104)

1. إسماعيل بن الاِمام جعفر الصادق.
2. محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، المعروف بالمكتوم.
3. ابنه: جعفر بن محمد السلامي، المعروف بالمصدق.
4. ابنه: محمد بن جعفر، المعروف بالحبيب. (1)
5. ابنه: عبيد اللّه المهدي ابن محمد الحبيب، وعليه يكون المهدي الاِمام الخامس.

وفي بعض الروايات انّه ابن جعفر بن الحسن بن الحسن، بن محمد بن جعفر الشاعر السلامي بن محمد بن إسماعيل. (2)


1. ابن عنبة:عمدة الطالب:235ـ 236.
2. أُنظر تراجم محمد المكتوم، جعفر المصدق، محمد الحبيب في الاَعلام:6|34، 2|126، 6|70 نقلاً عن اتعاظ الحنفاء بأخبار الاَئمة الفاطميين الخلفاء.

(105)

* * *

الفصل السادس

* * *

في

* * *

الاَئمة الظاهرين



(106)



(107)

الاِمام السادس

عبيد اللّه المهدي

* * *

(260ـ322هـ)

الاِمام عبيد اللّه الملقب بالمهدي، هو موَسس الدولة الاِسماعيلية في المغرب.

ولد بسلمية التي هي بلدة بالشام من اعمال حمص عام 260ـ 259 ودعي له بالخلافة على منابر: رقادة، والقيروان، يوم الجمعة لتسع بقين من شهر ربيع الآخر سنة 289هـ، فخرجت بلاد المغرب عن ولاية بني العباس، وبنى البلدة المعروفة بـ«المهدية» وتوفي بها عام 322هـ.

إذا سبرنا التاريخ نجد أنّ الموَرخين، وأصحاب المعاجم، لا يمسّون إسماعيل ولا الاَئمّة الذين تلوه بكلمة مشينة، وإنّما يذكرونهم كسائر الفرق فلهم مالهم وعليهم ما عليهم، فلما وصل الاَمر إلى عبيد اللّه الذي أسس دولة شيعية في المغرب و تعاقب على حكمها خلفاء تمكنوا من إرساء دعائمها وتقوية مرتكزاتها، ثارت ثائرة السنّة المعاندين، وأخذوا يصبّون عليهم قوارع الكلم، ويرمونهم بأفظع النسب والتهم، ممّا يندى لها الجبين، والذي دعاهم لذلك أمران:

الاَوّل: عداوَهم السياسي، فهوَلاء الخلفاء أخرجوا المغرب ومصر والشامات من قبضة الخليفة ببغداد،مما حرض البلاط العباسي ووعاظ الخلفاء على سبّهم والطعن في نسبهم، وانّ نسب عبد اللّه المهدي لا يصل إلى آل علي، بل إلى مجوسي أو يهودي.


(108)

الثاني: بغضهم للشيعة، فلقد قام الخلفاء الفاطميون بتأسيس دولة إسلامية شيعية، لاَوّل مرة في أقصاع كبيرة من الاَرض وأشاعوا فيها التشيع، وحب أهل البيت، وأمروا بإدخال «حي على خير العمل» في الاَذان، وترك بعض البدع، كإقامة صلاة التراويح جماعة وغيرها، ممّا حدا بالمتعصبين من أهل السنّة كالذهبي، ومن لف لفه ـ الذي كان لا يقيم للاَشاعرة من أهل العقائد ولا لغير الحنابلة من أهل الفقه وزناً ولا قيمة، فكيف للشيعة المنزهة للّه سبحانه عن الجسم ولوازمه ـ أن يسبّهم ويتّهمهم بتهم رخيصة، وانّهم من عناصر يهودية قلبوا الاِسلام ظهراً لبطن.

فما نرى في كتب التاريخ والمعاجم حول نسب عبيد اللّه المهدي، كـ«وفيات الاَعيان» لابن خلكان، وسير أعلام النبلاء للذهبي وغيرهما لا يمكن الاعتماد عليها والوثوق بها، لاَنّها وليدة أجواء العداء السياسي، والاختلاف المذهبي، اللّذين يعميان ويصمان.

نعم هناك من رد تلك التهم المشينة من الموَرخين برحابة صدر كابن خلدون في مقدمته، والمقريزي في خططه.

يقول ابن خلدون: أوّلهم عبيد اللّه المهدي بن محمد الحبيب بن جعفر الصادق (1) بن محمد المكتوم بن (2)جعفر الصادق، ولا عبرة بمن أنكر هذا النسب من أهل القيروان وغيرهم وبالمحضر الذي ثبت ببغداد أيام القادر بالطعن في نسبهم، وشهد فيه أعلام الاَئمّة، وقد مرّ ذكرهم. فإنّ كتاب المعتضد


1. هو جعفر الاَكبر السلامي، ولد محمد بن إسماعيل ابن الاِمام الصادق - عليه السّلام- و ربما يعبر عنه بالمصدق ليتميز عن جدّه الاِمام الصادق - عليه السّلام- .
2. سقط عن الطبع: ابن إسماعيل بن جعفر الصادق، أُنظر عمدة الطالب: 235،وقد ذكر ابن خلدون نفسه في مكان آخر نسبه وقال: لما توفّي محمد الحبيب بن جعفر بن محمد بن إسماعيل الاِمام عهد إلى ابنه عبيد اللّه وقال: أنت المهدي...التاريخ 4|44.

(109)

إلى ابن الاَغلب بالقيروان وابن مدرار بسجلماسة يغريهم بالقبض عليه، لمّا سار إلى المغرب، شاهد بصحة نسبه، وشعر الشريف الرضي مسجل بذلك. والذين شهدوا في المحضر فشهادتهم على السماع وهي ما علمت،و قد كان نسبهم ببغداد منكراً عند أعدائهم شيعة بني العباس منذ مائة سنة، فتلون الناس بمذهب أهل الدولة وجاءت شهادة عليه مع أنّها شهادة على النفي، مع أنّ طبيعة الوجود في الانقياد إليهم، وظهور كلمتهم حتى في مكة والمدينة أدل شيء على صحّة نسبهم.

وأمّا من يجعل نسبهم في اليهودية والنصرانية ليعمونَ القدح وغيره، فكفاه ذلك إثماً و سفسفة. (1)

ثمّ إنّ تقي الدين المقريزي بعد ما نقل أقوال المخالفين في حقّ عبيد اللّه المهدي ـ حيث إنّهم وصفوه تارة بأنّه ابن مجوسي، وأُخرى أنّه ابن يهودي ـ أخذ بالقضاء العادل وقال:

وهذه أقوال إن أنصفت تبيّن لك أنّها موضوعة، فإنّبني علي بن أبي طالب ـ رضي اللّه عنه ـ قد كانوا إذ ذاك على غاية من وفور العدد وجلالة القدر عند الشيعة، فما الحامل لشيعتهم على الاِعراض عنهم والدعاء لابن مجوسيّ أو لابن يهودي؟! فهذا ممّا لا يفعله أحد ولو بلغ الغاية في الجهل والسخف، وإنّما جاء ذلك من قبل ضَعَفة خلفاء بني العباس عندما غصوا بمكان الفاطميّين، فإنّهم كانوا قد اتصلت دولتهم نحواً من مائتين وسبعين سنة، وملِكوا من بني العباس بلاد المغرب ومصر والشام وديارَ بكر والحرمين واليمن، وخطب لهم ببغداد نحو أربعين خطبة وعجزت عساكر بني العباس عن مقاومتهم.

فلاذت حينئذٍ بتنفير الكافة عنهم بإشاعة الطعن في نسبهم، وبث ذلك عنهم خلفاوَهم وأعجب به أولياوَهم وأُمراء دولتهم الذين كانوا يحاربون عساكر الفاطميين كي يدفعوا بذلك عن أنفسهم وسلطانهم معرّة العجز عن مقاومتهم،


1. ابن خلدون: التاريخ :4|40.

(110)

و دفعهم عمّا غُلِبُوا عليه من ديار مصر، والشام والحرمين حتى اشتهر ذلك ببغداد، وأسجل القضاة بنفيهم من نسب العلويين، وشهد بذلك من أعلام الناس جماعة منهم الشريفان الرضي والمرتضى (1)وأبو حامد الاسفرائيني والقدوري في عدّة وافرة عندما جمعوا لذلك في سنة اثنتين وأربعمائة أيام القادر.

وكانت شهادة القوم في ذلك على السماع لما اشتهر، وعرف بين الناس ببغداد وأهلها من شيعة بني العباس، الطاعنون في هذا النسب، والمتطيّرون من بني علي ابن أبي طالب، الفاعلون فيهم منذ ابتداء دولتهم الاَفاعيل القبيحة، فنقل الاَخباريون وأهل التاريخ ذلك كما سمعوه، ورووه حسب ما تلقوه من غير تدبّر، والحقّ من وراء هذا.

وكفاك بكتاب المعتضد من خلائف بني العباس حجة، فإنّه كتب في شأن عبيد اللّه إلى ابن الاَغلب بالقيروان وابن مدرار بسجلماسة (2) بالقبض على عبيد اللّه، فتفطّن ـ أعزك اللّه ـ لصحّة هذا الشاهد، فإنّ المعتضد لولا صحّة نسب عبيد اللّه عنده ما كتب لمن ذكرنا بالقبض عليه، إذ القوم حينئذٍ لا يَدْعون لِدعيّ البتة ولا يذعنون له بوجه، وإنّما ينقادون لمن كان علوّياً، فخاف ممّا وقع، ولو كان عنده من الاَدعياء، لما مرّ له بفكر ولا خافه على ضيعة من ضياع الاَرض.

وإنّما كان القوم، أعني: بني علي بن أبي طالب، تحتَ ترقّب الخوف من بني العباس لتطلّبهم لهم في كلّ وقت، وقصدهم إيّاهم دائماً بأنواع من العقاب، فصاروا ما بين طريد شريد، وبين خائف يترقّب، ومع ذلك فإنّ لشيعتهم الكثيرة المنتشرة في أقطارهم من المحبة لهم، والاِقبال عليهم مالا مزيد عليه، وتكرّر قيام


1. سيوافيك كلام الرضي الذي نقله ابن أبي الحديد في شرحه.
2. سجلماسة مدينة انشئت سنة 140هـ ، وتقع في محلة تافيلات اليوم في طرف صحراء المغرب على بعد حوالي 325 كلم إلى الجنوب الشرقي لمدينة فاس، عمرها بربر مكناسة، ولمّا تولاّها اليسع بن سمغون المكناسي أحاطها بسور وبنى بها عدّة مصانع و قصور ، وقد استمر عمران هذه المدينة إلى القرن العاشر الهجري.(دولة التشيع في بلاد المغرب: 109).

(111)

الرجال منهم مرّة بعد مرّة والطلب عليهم من ورائهم، فلاذوا بالاختفاء ولم يكادوا يُعْرفُون، حتى تسمّى محمد بن إسماعيل الاِمام جدُ عبيد اللّه المهدي بالمكتوم، سمّـاه بذلك الشيعة عند اتّفاقهم على إخفائه، حذراً من المتغلّبين عليهم، وكانت الشيعة فرقاً.

فمنهم من كان يذهب إلى أنّ الاِمام من ولد جعفر الصادق هو إسماعيل ابنه، وهوَلاء يعرفون من بين فرق الشيعة بالاِسماعيلية من أجل انّهم يرون أنّ الاِمام من بعد جعفر ابنه إسماعيل، وانّ الاِمام بعد إسماعيل بن جعفر الصادق هو ابنه محمد المكتوم، وبعد ابنه محمد المكتوم، ابنه جعفر الصادق (1) ومن بعد جعفر الصادق، ابنه محمد الحبيب، وكانوا أهل غلو في دعاويهم في هوَلاء الاَئمّة.

وكان محمد بن جعفر هذا يوَمل ظهوره وانّه يصير له دولة، وكان باليمن من أهل هذا المذهب كثير بعدن وبإفريقية وفي كتامة و نفره، تلقوا ذلك من عهد جعفر الصادق، فقدم على محمد (الحبيب) بن جعفر والد عبيد اللّه رجل من شيعته باليمن فبعث معه الحسن بن حوشب في سنة ثمان وستين ومائتين، فأظهرا أمرهما باليمن، وأشهرا الدعوة في سنة سبعين، وصار لابن حوشب دولة بصنعاء، وبثّ الدعاة بأقطار الاَرض، وكان من جملة دعاته أبو عبد اللّه الشيعي، فسيّره إلى المغرب فلقي كتامة ودعاهم، فلمّا مات محمد (الحبيب) بن جعفر عهد لابنه عبيد اللّه فطلبه المكتفي العباسي وكان يسكن عسكر مكرم، فسار إلى الشام، ثمّ سار إلى المغرب فكان من أمره ما كان، وكانت رجال هذه الدولة الذين قاموا ببلاد المغرب وديار مصر أربعة عشر رجلاً .

هذه خلاصة أخبارهم في أنسابهم، فتفطّن ولا تغتر بزخرف القول الذي لفّقوه من الطعن فيهم، واللّه يهدي من يشاء. (2)


1. كان التعبير بالمصدَّق.
2. المقريزي: الخطط: 1|348ـ 349.

(112)

ولا يظن القارىَ الكريم انّ الكاتب بصدد الدفاع عن عقيدتهم وأُصولهم، وما اقترفوه من الاَعمال الشنيعة كسائر الخلفاء وا لملوك، وإنّما الهدف إيقاف القارىَ على بَخس حملة الاَقلام لحق هوَلاء، ولو كان لآل البيت حرية ولم يكن لهم اضطهاد لما التجأوا إلى ترك أوطانهم والهجرة إلى أقاصي البلاد هرباً ممّا يحيط بهم من الاَخطار.

ونعم ما قال العزيز باللّه أحد الخلفاء الفاطميين:

* * *

نحن بنو المصطفى ذوو مَحن * أوّلنا مبتلى وخاتمنا

* * *

عجيبة في الاَيام محنَتنا * يجرعها في الحياة كاظمنا

* * *

يفرح هذا الورى بعيدهم * طرّاً وأعيادنا مآتمنا (1)

إنّ الباطل إذا خلص من شائبة الحق، لا يمكن أن يدوم 272 سنة حاكماً، 208 أعوام منها على مصر، وعلى مساحات شاسعة من المغرب والشام والعراق، فلم تكن الدعوة إلحادية، ولا مجوسية ، ولا يهودية، بل دعوة إسلامية على نهج آل البيت، لكنّهم ضلّوا في الطريق، فأخذوا ببعض وتركوا بعضاً.

أضف إلى ذلك انّ الناس بايعوا الحاكم باللّه الاِمام الحادي عشر وهو ابن خمس وستين سنة ممّا يدلّل على أنّ قلوب الاَُمّة كانت تهوي إليهم لمّا شاهدوا بأمّ أعينهم من إشاعة للعدل وعمران للبلاد، وبسط للثقافة وأمن للطرق.

وأمّا ما نسب المقريزي إلى الشريف الرضي من أنّه وافق القوم في نفي انتسابهم إلى البيت العلوي فيصفه ابن أبي الحديد ويقول:

«ذكر أبو الحسن الصابي وابنه غرس النعمة محمد في تاريخهما: أنّ القادر باللّه عقد مجلساً أحضر فيه الطاهر أبا أحمد الموسوي، وابنه أبا القاسم المرتضى وجماعةمن القضاة والشهود والفقهاء، وأبرز إليهم أبيات الرضي أبي الحسن التي


1. الذهبي: سير الاَعلام:15|167ـ 168.وسيوافيك أيضاً في ترجمته، فانتظر.

(113)

أوّلها:

* * *

ما مقامي على الهَوان وعندي * مِقْول صارِم وأنف حَمِيّ

* * *

و إباء مُحلِّقٌ بي عن الضي * ــم كما زاغَ طائر وحشيّ

* * *

أي عذر له إلى المجد إن ذ * ل غلام في غمده المشرفيّ

* * *

أحمل الضيمَ في بلاد الاَعادي * و بمصر الخليفةُ العلوي

* * *

من أبوه أبي، ومولاه مولا * ي إذا ضامني البعيدُ القصيّ

* * *

لفَّ عِرقي بِعِرْقِه سيدا النا * س جميعاً محمد وعليّ

وقال القادر للنقيب أبي أحمد: قل لولدك محمد: أيَّ هوان قد أقام عليه عندنا؟! أيّ ضيم لقي من جهتنا؟! وأي ذُلّ أصابه في مملكتنا؟! وما الذي يعمل معه صاحب مصر لو مضى إليه؟! أكان يصنع إليه أكثر من صنيعنا؟! ألم نولِّه النقابة؟! ألم نولِّه المظالم؟! ألم نستخلفه على الحرمين والحجاز، وجعلناه أمير الحجيج؟! فهل كان يحصل له من صاحب مصر أكثر من هذا؟! ما نظنّه كان يكون لو حصل عنده إلاّ واحداً من أبناء الطالبيين بمصر.

فقال النقيب أبو أحمد: أمّا هذا الشعر فممّا لم نسمعه منه، ولا رأيناه بخطه، ولا يبعد أن يكون بعضُ أعدائه نَحله إيّاه، وعزاه إليه.

فقال القادر: إن كان كذلك، فلتكتب الآن محضراً يتضمن القدح في أنساب ولاة مصر، ويكتُب محمد خطَه فيه. فكتب محضراً بذلك، شهد فيه جميع من حضر المجلس، منهم النقيب أبو أحمد، وابنه المرتضى، وحمل المحضر إلى الرضي ليكتب خطّه فيه، حَمَله أبوه وأخوه، فامتنع من سطر خطه، وقال: لا أكتب وأخاف دعاة صاحب مصر، وأنكر الشعر، وكتب خطه وأقسم فيه أنّه ليس بشعره، وأنّه لا يعرفه. فأجبره أبوه على أن يكتب خطّه في المحضر، فلم يفعل، وقال: أخـاف دعاة المصريين وغيلتهـم لي فانّهم معروفون بذلك، فقـال أبـوه:


(114)

يا عجباه، أتخاف من بينك وبينه ستمائة فرسخ، ولا تخاف من بينك وبينه مائة ذراع؟! وحلف ألاّ يكلّمه، وكذلك المرتضى، فعلا ذلك تقية وخوفاً من القادر، وتسكيناً له.

و لمّا انتهى الاَمر إلى القادر سكتَ على سوءٍ أضمره، وبعد ذلك بأيام صرفه عن النقابة، وولاّها محمد بن عمر النهر السايسي. (1)

ذهاب عبيد اللّه إلى إفريقية

لمّا تمكن أبو عبد اللّه واستقر أمره مهّد الطريق لاِمامة عبيد اللّه المهدي، فبعثَ برجال من كتامة إلى سلمية في أرض الشام، فقدِموا على عبيد اللّه وأخبروه بما فتح اللّه عليه، وكان قد اشتهر هناك انّالخليفة المكتفي طلبه، فخرج من سلَمية فارّاً ومعه ابنه أبوالقاسم نزّار، ومعهما أهلهما فأقاما بمصر مستقرين، ثمّسار إلى طرابلس وقد سبقَ خبره إلى «زيادة اللّه» فسار إلى قسطيلية فقدم كتاب «زيادة اللّه» ابن الاَغلب إلى عامل طرابلس بأخذ عبيد اللّه وقد فاتهم، فلم يدركوه، فرحل إلى سجلماسة وأقام بها، فوافى عامله على سجلماسة كتاب زيادة اللّه، بالقبض على عبيد اللّه فلم يجد بداً من أن قبض عليه وسجنه. فلمّا دخل شهر رمضان سار أبو عبد اللّه من رقادة في جيوش عظيمة يريد سجلماسة، فحاربه اليسع يوماً كاملاً إلى الليل ثمّ فر عاملها في خاصته، فدخل أبو عبد اللّه من الغد إلى البلد وأخرج عبيد اللّه وابنه ومشى في ركابهما بجميع روَساء القبائل، وهو يقول للناس: هذا مولاكم، وهو يبكي من شدة الفرح حتى وصل بهما إلى فسطاط وأقاما فيها أربعين يوماً، ثمّ سار إلى إفريقية في ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ونزل برقادة، وقسّم على وجوه كتامة أعمال إفريقية. (2)


1. شرح نهج البلاغة: 1|37ـ 39.

(2) 2 . المقريزي: الخطط المقريزية:1|350، دار صادر؛ ابن خلكان: وفيات الاَعيان:2|192.


(115)

ولكن العجب انّ عبيد اللّه جزى أبا عبد اللّه الشيعي جزاء السنمار، وذلك انّ المهدي لما استقامت له البلاد، ودانت له العباد، وباشر الاَُمور بنفسه وكف يد أبي عبد اللّه ويد أخيه أبي العباس، داخل أبا العباس الحسد وعظم عليه الفطام عن الاَمر والنهي والاَخذ والعطاء، فأقبل يزري على المهدي في مجلس أخيه ويتكلّم فيه وأخوه ينهاه ولا يرضى فعله فلا يزيده ذلك إلاّلجاجاً، ولم يزل حتى أثّر في قلب أخيه وكلّ ذلك يصل إلى المهدي وهو يتغافل، ثمّ صار أبوالعباس يقول: إنّ هذا ليس الذي كنّا نعتقد طاعتَه وندعو إليه، لاَنّ المهدي يختم بالحجة ويأتي بالآيات الباهرة، فأخذ قوله بقلوب كثير من الناس، منهم إنسان في كتامة يقال له شيخ المشايخ، فواجه المهدي بذلك وقال: إن كنت المهدي، فأظهر لنا آية فقد شككنا فيك، فقتله، فخافه أبو عبد اللّه و علم أنّ المهدي قد تغيّر عليه واتّفق هو وأخوه ومن معهما على الاجتماع عند أبي زاكي وعزموا على قتل المهدي، واجتمع معهم قبائل كتامة إلاّقليلاً منهم وكان معهم رجل يظهر أنّه منهم وينقل ما يجري إلى المهدي.

فلمّا وقف المهديّ على أمرهم حاربهم وأمر رجالاً معه أن يرصدوا أبا عبد اللّه وأخاه أبا العباس ويقتلوهما. (1)

ولكن الاِسماعيلية تنكر ذلك، وتقول: وهذه الاَقوال لا يقرّها المنطق، ولا يمكن أن يصدّقها العقل، فلو كان أبو عبد اللّه الشيعي يبغي الخلافة لنفسه لكان باستطاعته أن يحصل عليها قبل قدوم الاِمام محمد المهدي إلى إفريقية عندما كانت جيوشه يربو عددها على المائة ألف مقاتل بينما كان الاِمام المهدي في الرملة بطريقه إليه.

ثمّ يقول: إنّ أبا عبد اللّه الشيعي قضى آخر أيّامه بقرب الاِمام مخلِصاً له


1. الجزري: الكامل في التاريخ :8|50ـ53، دار صادر.

(116)

حتّى أدركته الوفاة، فدفن باحتفال مهيب وصلّى عليه الاِمام المهدي. (1)

ولكن فات الكاتب أنّ أبا عبد اللّه الشيعي وإن كان لا يبغي الخلافة لنفسه لفقدانه الرصيد الشعبي ، ومع ذلك كان يتطلع للمشاركة في الاَُمور ، وقد حال المهدي دون ذلك، فعند ذلك ثارت ثائرته. وتآمر على إمامه.

ثمّ إنّ هناك نكتة أُخرى هامة وهي أنّالنبي - صلّى الله عليه وآله وسلّم - أخبر عن خروج المهدي في آخر الزمان، وانّه يملك الشرق والغرب، ويجري القسط والعدل بين الناس، فاتخذ المهدي هذا الخبر الذائع الصيت ذريعة لاستقطاب الناس حوله، وقد سمّى نفسه محمّداً، ولقب نفسه بالمهدي فتقمّص أوصاف المهدي الذي أخبر به النبي - صلّى الله عليه وآله وسلّم - ، ليتخذها وسيلة لتحقيق مآربه وانّه مفترض الطاعة.

وقد مات عبيد اللّه في ليلة الثلاثاء منتصف شهر ربيع الاَوّل سنة 322هـ بالمهدية في القيروان عن ثلاث وستين سنة، وكانت خلافته أربعاً وعشرين سنة وشهراً وعشرين يوماً، وقام بعده ابنه.


1. مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الاِسماعيلية:183.

(117)

الاِمام السابع

القائم بأمر اللّه

* * *

(280ـ 334هـ)

ولد الاِمام القائم بأمر اللّه، ابن الاِمام عبيد اللّه المهدي، في محرم سنة 280 هجرية «بالسلَمية»، وارتحل مع أبيه الاِمام محمد المهدي إلى المغرب، وعَهد إليه بالاِمامة من بعده حسب الاَُصول الاِسماعيلية، فاقتفى إثر أبيه وخطا خطاه، ونهج نهجه، وعمل جاهداً على تعزيز وازدهار الدعوة الاِسماعيلية، وتعميمها في جميع البلدان والاَقاليم، ووجّه اهتمامَه الزائد لتنظيم وتقويةَ البحرية الاِسماعيلية، فشكل اسطولاً عظيماً، تمكن بواسطته من قهر العصابات البحرية المالطية، التي كانت تأتي بأعمال القرصنة لغزو البلاد الاِسماعيلية، وقيامهم بأعمال النهب والسلب والتخريب.و احتلَّ الاسطول الاِسماعيلي «جنوه» و«لونبارتي» و«غرناطة» وغيرها من البلاد الايطالية التي كانت خاضعة لحكم الروم، كما فتح الاِسماعيلية جزيرة «صقليا». (1)

يقول المقريزي: كان اسمه بالمشرق عبد الرحمان فتسمى في بلاد المغرب بمحمد، فلما فرغ من جميع ما يريده وتمكّن، أظهر موتَ أبيه، واستقلّ بالاَمر وله سبع وأربعون سنة، وتبع سيرة أبيه، وثار عليه جماعة فظفر بهم، وبثَّ جيوشَه في البرّ والبحر فسبَوا وغَنِمُوا من بلد «جنوه» وبعث جيشاً إلى مصر فملكوا


1. مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الاِسماعيلية: 184.

(118)

الاسكندرية، والاخشيد يومئذٍ أمير مصر، فلما كان في سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة خرج عليه أبو يزيد مخلد بن كندار النكاري الخارجي بإفريقية، واشتدّت شوكتُه وكثرت أتباعه، وهزمَجيوشَ القائم غير مرة، وكان مذهبه تكفير أهل الملّة ، وإراقة دمائهم ديانة، فملك «باجه» وحرّقها، وقتل الاَطفال، وسبى النسوان، ثمّملك القيروان، فاضطرب القائم، وخاف الناس، وهمّوا بالنقلة من «زويلة» وقوى أمر أبي يزيد ونازل المهدية وحصر القائم بها، وكاد أن يغلب عليها، فلما بلغ المصلّى حيث أشار المهدي أنّه يصل، هزمه أصحاب القائم وقتلوا كثيراً من أصحابه، وكانت له قصص وأنباء، إلى أن مات القائم لثلاث عشرة خلت من شوال سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، عن أربع وخمسين سنة وتسعة أشهر، ولم يرق منبراً، ولا ركب دابّة لصيدٍ مدّة خلافته حتى مات، وصلى مرّةً على جنازةٍ، وصلى بالناس العيدَ مرة واحدة، وكانت مدّة خلافته اثنتي عشرة سنة وستة أشهر وأيّاماً، و ترك أبا الظاهر إسماعيل، وأبا عبد اللّه جعفر أو حمزة، وعدنان، وعدّة أُخر، وقام من بعده ابنه. (1)

يقول الجزري في حوادث سنة (334): وفي هذه السنة توفي القائم بأمر اللّه، أبو القاسم محمد بن عبد اللّه المهدي العلوي صاحب إفريقية، لثلاث عشرة مضت من شوال، وقام بالاَمر بعده ابنه إسماعيل، وتلقّب المنصور باللّه، وكتم موته (2) خوفاً أن يعلم بذلك أبو يزيد، وهو بالقرب منه على «سوسة» وأبقى الاَُمور على حالها، ولم يتسمّ بالخليفة، ولم يغير السكّة، ولا الخطبة، ولا البنود، وبقي على ذلك إلى أن فرغ من أمر أبي يزيد، فلما فرغ منه أظهر موته، وتسمّى بالخلافة، وعمل آلات الحرب والمراكب، وكان شهماً شجاعاً، وضبط الملك والبلاد. (3)


1. المقريزي: كتاب الخطط المقريزية: 351، دار صادر.
2. كسيرة أبيه في حقّ المهدي.
3. الجزري: الكامل في التاريخ: 8|455، دار صادر.

(119)

وقد ذكره الذهبي السلفي وبالغ في ذمه، وسلك في ترجمته نفس ما سلكه في ترجمة أبيه، ولاَجل ذلك تركنا النقل عنه، ومن أراد الوقوف عليه فليرجع إلى كتابه. (1)


1. الذهبي: سير أعلام النبلاء: 15|151، موَسسة الرسالة.

(120)

الاِمام الثامن

الاِمام المنصور باللّه

* * *

(303ـ346هـ)

ولد الاِمام المنصور باللّه ، إسماعيل بن الاِمام القائم بـ«المهدية» في أوّل جمادى الآخرة سنة 303هـ، وقيل: ولد بالقيروان سنة 302هـ، تسلّم شوَون الاِمامة بعد وفاة أبيه سنة 334هـ، وكان سياسيّاً عظيماً، ومحارباً قديراً، وخطيباً من أفصح الخطباء وأبلغهم. (1)

وقال المقريزي: جدّ في حرب أبي يزيد حتى ظفر به وحمل إليه فمات من جراحات كانت به، سلخ المحرّم سنة ست وثلاثين وثلاثمائة ولم يزل المنصور إلى أن مات سلخ شوال سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة عن إحدى وأربعين سنة وخمسة أشهر، وكانت مدّة خلافته ثمان سنين وقيل سبع سنين وعشرة أيّام، وقد اختلف في تاريخ ولادته فقيل: ولد أوّل ليلة من جمادى الآخرة سنة 303هـ بالمهدية، وقيل: بل ولد في سنة اثنتين وقيل: سنة إحدى وثلاثمائة، وكان خطيباً بليغاً يرتجل الخطبة لوقته شجاعاً عاقلاً، وقام من بعده ابنه. (2)

يقول الموَرخ المعاصر: وما زال أبو يزيد هارباً والجيوش تلاحقه حتى التجأ إلى جبل البربر، وجمع خلقاً كثيراً لمقابلة جيش الاِمام المنصور، ولكنّه هزم،


1. مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الاِسماعيلية:189.
2. المقريزي: الخطط: 1|351، دار صادر.

(121)

فأدركه أحد الاَُمراء الاِسماعيليين وقبض عليه وساقه إلى الاِمام المنصور، وكان ذلك سنة 336 هجرية، فقتله وأمر الاِمام أن تبنى مدينة «المنصورية» تيمّناً بذلك الانتصار العظيم، ثمّ عاد الاِمام إلى المهدية في شهر رمضان عام 336 هجرية، فعهد بالاِمامة من بعده لولده المعز لدين اللّه، وتوفي يوم الاَحد في الثالث والعشرين من شوال سنة 346هجرية، ودفن جسده الطاهر في مدينة المنصورة، وقيل كانت وفاته سنة 343 هجرية ودفن بالمهدية. (1)


1. مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الاِسماعيلية: 190.

(122)

الاِمام التاسع

المعزّ لدين اللّه

موَسس الدولة الفاطمية في مصر


* * *

(319ـ365هـ)

وهو أوّل خليفة فاطمي ملك مصر وخرج إليها، وكان مغرىً بالنجوم ويعمل بأقوال المنجمين، وكان المعز عالماً، فاضلاً، جواداً، شجاعاً، جارياً على منهاج أبيه في حسن السيرة، وإنصاف الرعية، وستر ما يدعون إليه إلاّ عن الخاصة، ثمّ أظهره وأمر الدعاة بإظهاره إلاّ أنّه لم يخرج فيه إلى حد يذم به. (1)

يقول المقريزي: المعز لدين اللّه أبو تميم، «معد» ولد للنصف من رمضان سنة 319هـ فانقاد إليه البربر وأحسن إليهم، فعظم أمره واختص من مواليه، «بجوهر» وكنّاه بأبي الحسين، وأعلى قدره، وسيّره في رتبة الوزارة، وعقدَ له على جيش كثيف، فدوّخ المغرب، وافتتح مدناً، وقهر عدّة أكابر وأسّـرهم، حتى أتى البحر المحيط الذي لا عمارة بعده، ثمّ قدم غانماً مظفراً، فعظم قدرُه عند المعزّ، ولما وصل الخبر إلى المعز بموت كافور الاِخشيدي صاحب مصر أخذ في تجهيز جوهر بالعساكر إلى أخذ ديار مصر حتى تهيأ أمره، وبرز للمسير، فلمّا ثبتت قدم جوهر بمصر، عزم المعز على المسير إلى مصر أجال فكره فيمن يخلفه في بلاد المغرب، فوقع اختياره على «يوسف بن زيري الصنهاجي»، وقال له: تأهب


1. الجزري: الكامل في التاريخ: 8|664.

(123)

لخلافة المغرب، فأكبر ذلك وقال: يا مولانا أنت وآباوَك الاَئمة من ولد رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلّم - ما صفا لكم المغرب فكيف يصفو لي وأنا صنهاجيّ بربريّ؟! قتلتني يا مولانا بغير سيف ولا رمح. فما زال به المعز حتى أجاب.

فلمّا ملك جوهرُ مصر بادر حسن بن جعفر الحسني بالدعاء للمعز في مكة، وبعث إلى «جوهر»بالخبر، فسيّر إلى المعزّ يعرّفه بإقامة الدعوة له بمكة، فأنفذ إليه بتقليده الحرم وأعماله، وسار المعز بعساكره من المغرب حتى نزل بالجيزة، فعقد له جوهر جسراً جديداً عند المختار بالجزيرة، فسار إليه وقد زيّنت له مدينة الفسطاط فلم يشقها، ودخل إلى القاهرة بجميع أولاده وإخوته وسائر أولاد عبيد اللّه المهدي، وذلك لسبع خلون من رمضان سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، فعندما دخل القصر صلّى ركعتين، وأمر فكتب في سائر مدن مصر : خير الناس بعد رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلّم - أمير الموَمنين علي بن أبي طالب، وأثبت اسم المعزّ لدين اللّه واسم أبيه عبد اللّه الاَمير، وجلس في القصر على سرير الذهب، وصلّى بالناس صلاة عيد الفطر في المصلّى، وركب لفتح خليج مصر يوم الوفاء وعمل عيد غدير خم. وقدمت القرامطة إلى مصر فسير إليهم الجيوش وهزموهم، ومازال إلى أن توفي من علة اعتلّها بعد دخوله إلى القاهرة بسنتين وسبعةأشهر وعشرة أيّام وعمره خمس وأربعون سنة وستة أشهر تقريباً، فإنّ مولده بالمهدية في حادي عشر شهر رمضان سنة تسع عشرة وثلاثمائة (1) ووفاته بالقاهرة لاَربع عشرة خلت من ربيع الآخر سنة خمس وستين وثلاثمائة، وكانت مدّة خلافته بالمغرب وديار مصر ثلاثاً وعشرين سنة وعشرة أيّام وهو أوّل الخلفاء الفاطميين بمصر وإليه تنسب القاهرة المعزية، لاَنّ عبده «جوهراً» القائد بناها حسب ما رسم له.

وكان المعز عالماً، فاضلاً، جواداً، أحسن السيرة منصفاً للرعية، مغرماً بالنجوم، أُقيمت له الدعوة بالمغرب كله وديار مصر والشام والحرمين وبعض


1. وقد أرخ ميلاده عارف تامر بـ347 وهو خطأ واضح.

(124)

اعمال العراق، وقام من بعده ابنه العزيز باللّه أبو منصور نزار. (1)

يقول ابن خلكان: وكان المعز عاقلاً، حازماً، سرياً، أديباً، حسن النظر في النجامة، وينسب إليه من الشعر قوله:

* * *

للّه ما صنعت بنا * تلك المحاجر في المعاجر

* * *

أمضي وأقضي في النفو * س من الخناجر في الحناجر

* * *

ولقد تعبت ببينكم * تعب المهاجر في الهواجر

و ينسب إليه أيضاً:

* * *

اطلع الحسن من جبينك شمسا * فوق ورد في وجنتيك اطلا

* * *

و كأن الجمال خاف على الور * د جفافاً فمد بالشعر ظلا

و هو معنى غريب بديع. (2)

و يقول في موضع آخر : ملك المعز أبو تميم معد بن المنصور العبيدي الديار ا لمصرية على يد القائد جوهر، وجاء المعزّ بعد ذلك من إفريقية، وكان يُطعن في نسبه، فلمّا قرب من البلد وخرج الناس للقائه، اجتمع به جماعة من الاَشراف، فقال له من بينهم ابن طباطبا: إلى من ينتسب مولانا؟ فقال له المعزّ: سنعقد مجلساً ونجمعكم ونسرد عليكم نسبنا. فلمّـا استقر المعز بالقصر جمع الناس في مجلس عام وجلس لهم،و قال: هل بقي من روَسائكم أحد؟ فقالوا: لم يبق معتبر، فسلّ عند ذلك نصف سيفه وقال: هذا نسبي، ونثر عليهم ذهباً كثيراً،


1. وفيات الاَعيان:5|224. المقريزي: كتاب الخطط المقريزية:1|352ـ354، دار صادر . ومن الغريب أنّ المقريزي ذكر ولادة المعز سنة 317 تارة وأُخرى بسنة 319، وقد اعتمدنا في تعيين سنة ولادته على نقل ابن خلكان.
2. ابن خلكان: وفيات الاَعيان:5|228.

(125)

وقال: هذا حسبي، فقالوا جميعاً: سمعنا وأطعنا. (1)

لا شكّ انّ عصر المعز لدين اللّه من العصور الذهبية للاِسماعيلية حيث أصبحت مصر داراً للخلافة، وأصبح الاِمام المعز أوّل خليفة فاطمي فيها، فعمل على ترقية العلوم والثقافة، وأمر ببناء الجامع الاَزهر، وجعله داراً للعلوم ومنهلاً للثقافة والفكر، وشجّع العلماء، وخصّص لهم المبالغ الطائلة، فوفدوا عليه من كلّقطر حيث وجدوا المساعدات.

كما أشرف بنفسه على تأليف الكتب على غرار المذهب الاِسماعيلي، فتقدمت الثقافة الاِسماعيلية تقدماً باهراً، وازدهر في عصره فقهاء وشعراء وفلاسفة يشار إليهم بالبنان.

فمن فقهاء عصره: القاضي النعمان بن محمد بن منصور التميمي المغربي موَلف كتاب «دعائم الاِسلام»، توفي بالقاهرة في 29 من جمادى الثانية سنة 363هـ، وصلّى عليه الاِمام المعز لدين اللّه.

خدم المهدي باللّه موَسس الدولة الفاطمية تسع سنوات، ثمّ ولي قضاء طرابلس في عهد القائم بأمر اللّه الخليفة الثاني للفاطميين، وفي عهد الخليفة الثالث المنصور باللّه عين قاضياً للمنصورية، ووصل إلى أعلى المراتب في عهد المعز لدين اللّه الخليفة الرابع الفاطمي إذ رفعه إلى مرتبة قاضي القضاة وداعي الدعاة.

وقد نشر كتابه لاَوّل مرّة في مستدرك الوسائل للمحدّث النوري (1254ـ1320هـ) مبعّضاً وموزعاً أحاديثه على أبواب الكتب الفقهية كما تم طبعه مستقلاً بتحقيق آصف بن علي أصغر فيضي في مصر عام 1374هـ، وطبع ثالثاً على الاَُفست في بيروت عام 1383هـ.


1. ابن خلكان: وفيات الاَعيان: 3|81.

(126)

ومن شعراء عصره ابن هانىَ الاَندلسي، وهو محمد بن هانىَ الاَندلسي من قرية اشبيلية، ولد عام 320هـ ولقب بأبي القاسم، ولما اتهم بمذهب الاِسماعيلية غادر الاَندلس نازلاً إلى المغرب، واتصل بأميره، فبالغ في إكرامه وأحسن إليه، ولما وصل خبره إلى المعز طلبه من أمير المغرب، فأقام عنده حتى ارتحل الاِمام المعز إلى مصر فلحق به فيها.

كان ابن هانىَ من فحول الشعراء، ولكن قصائده تحكي عن غلوه في حقّ الاَئمّة الاِسماعيلية حيث تفوح منها رائحة الاِلحاد، وقد أعطى لهم ما للخالق من الاَوصاف، وإليك مقتطفات من أشعاره:

قال:

* * *

ما شئتَ لا ماشاءت الاَقدارُ * فاحكم فأنتَالواحدُ القهّار

* * *

وكانّما أنت النبي محمّد * وكأنّما أنصارك الاَنصار

* * *

أنت الذي كانت تبشّرنا به * في كتبها الاَحبارُوالاَخبار

* * *

هذا إمام المتقين و من به * قد دوخ الطغيان والكفار

* * *

هذا الذي ترجى النجاة بحبِّه * و به يُحطُ الاِصر والاَوزار

* * *

هذا الذي تجدي شفاعته غداً * حقاً وتخمـد أن تراه النارُ(1)

إنّ بيته الاَوّل ينم عن غلوّه غلواً يكسي صفة الخالق على المخلوق.

و من العجب أنّ الموَرّخ الاِسماعيلي المعاصر حاول تصحيح الاَشعار، ودفع الفاسد بالاَفسد، حيث قال في تعليقته: إنّ العقيدة الاِسماعيلية تنزّه الخالق عن الصفات كالعالم والقادر والصانع و...، فإنّ إطلاق الصفات عليه يوجب الكثرة في ذاته عندهم، وهم يروون عن الاِمام الباقر محمد بن علي زين العابدين


1. مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الاِسماعيلية:209.

(127)

قوله:«إنّ اللّه عالم على المعنى انّه يوَتي العلم من يشاء لا على معنى انّ العلم قائم بذاته، وانّه تعالى قادر على معنى أنّ القدرة قائمة بذاتها».

ولمّا كان الاِمام قائماً مقام الاَمر والكلمة في هذا العالم فجميع صفات الباري واقفة عليه، ومن هنا نجد انّ إطلاق كلمة الواحد القهار على المعز إنّما هي حسب الاعتقاد. (1)

عزب عن هذا المسكين أوّلاً: انّ إطلاق الصفات عليه سبحانه لا توجب الكثرة في ذاته عند المحقّقين، وذلك لاَنّ الاَوصاف وإن كانت مختلفة مفهوماً لكنّها متحدة وجوداً، فذاته نفس العلم والقدرة والحياة، لا انّكلّ واحدة من هذه الصفات تمثل جزءاً من ذاته.

وثانياً: انّه لوصحّ ما ذكره من التفسير في العالم والقادر بمعنى أنّه سبحانه يعطي العلم والقدرة لا يصحّ ذلك في الواحد القهار، إذ معناه عندئذ انّ الاِمام يهب الوحدة والقهر من يشاء لكي يصحّ إطلاقها على الاِمام ، ولا شكّ انّ في ما جاء به الشاعر غلواً واضحاً، عصمنا اللّه من غلو الغالين وإبطاء التالين.


1. مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الاِسماعيلية:209 الهامش.


(128)

الاِمام العاشر


العزيز باللّه

* * *

(344 - 386 هـ )(1)

نزار بن معد، العزيز باللّه، ولي العهد بمصر يوم الخميس رابع شهر ربيع الآخر سنة 365هـ، واستقل بالاَمر بعد وفاة أبيه، وكان يوم الجمعة حادي عشر الشهرالمذكور وسُتِرتْ وفاة أبيه وسُلّم عليه بالخلافة، وكان شجاعاً، حسن العفو عند المقدرة، ذكره أبو منصور الثعالبي في كتاب «يتيمة الدهر» وأورد له شعراً قاله في بعض الاَعياد، وقد وافق موت بعض أولاده وعقد عليه المآتم وهو:

* * *

نحن بنو المصطفى ذوو محن * يجرعها في الحياة كاظمنا

* * *

عجيبة في الاَنام محنتنا * أوّلنا مبتلى وخاتمنا

* * *

يفرح هذا الورى بعيدهم * طرّاً وأعيادنا مآتمنا

و فتحت له حُمْص وحماة وشَيْزَر، وحلب، والموصل ، وخطب له باليمن ولم يزل في سلطانه وعظم شأنه إلى أن خرج إلى بلبيس متوجهاً إلى الشام، فابتدأت به العلّة في العشر الاَخير من رجب سنة ست وثمانين وثلاثمائة، ولم يزل مرضه يزيد حتى توفي في مسلخ الحمّـام في الثلاثاء الثامن والعشرين من شهر رمضان


1. وقد أرّخ عارف تامر تاريخ وفاته 368 وهو خطأ.

(129)

سنة ست وثمانين و ثلاثمائة. (1)بمدينة بلبيس وحمل إلى القاهرة.

وذكر ابن خلكان انّ تاريخ وفاته في الثامن والعشرين من شهر رمضان، في حين انّالمقريزي ذكره في الثامن والعشرين من رجب مع توافقهما في سنة وفاته.

قال ابن الاَثير: في هذه السنة توفي العزيز أبو منصور نزار ابن المعز أبي تميم معد العلوي، صاحب مصر لليلتين بقيتا من رمضان وعمره اثنتان وأربعون سنة وثمانية أشهر ونصف، بمدينة بلبيس، وكان برز إليها لغزو الروم، فلحقه عدة أمراض، منها: النقرس، والحصا، والقولنج، فاتصلت به إلى الشامات.

وكانت خلافته إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر ونصفاً، ومولده بالمهدية من إفريقية. (2)

قال الذهبي: وكان كريماً، شجاعاً، صفوحاً، أسمر، أصهب الشعر، أعين، أشهل، بعيد ما بين المنكبين، حسن الاَخلاق، قريباً من الرعية، مغرى بالصيد، ويكثر من صيد السباع، ولا يوَثر سفك الدماء.

وفي سنة 367هـ جرت وقعات بين المصريين وهفتكين الاَمير، وقتل خلق، وضرب المثل بشجاعة هفتكين وهزم الجيوش، وفرّ منه جوهر القائد، فسار لحربه صاحب مصر العزيز بنفسه، فالتقوا بالرملة، وكان «هفتكين» على فرس أدهم يجول في الناس، فبعث إليه العزيز رسولاً يقول: أزعجتني وأحوجتني لمباشرة الحرب، وأنا طالب للصلح، وأهب لك الشام كلّه.

قال: فات الاَمر، ووقعت الحرب، فحمل العزيز بنفسه عليه في الاَبطال، فانهزم هفتكين ومن معه من القرامطة، واستحرَّ بهم القتل.

وفي سنة 377هـ تهيأ العزيز لغزو الروم فأُحرقت مراكبه، فغضب وقتل


1. ابن خلكان: وفيات الاَعيان:5|371ـ374.
2. ابن الاَثير: الكامل في التاريخ:9|116.

(130)

مائتي نفس اتهمهم، ثمّ وصلت رسل طاغية الروم بهديّة، تطلب الهدنة، فأجاب بشرط أن لا يبقى في مملكتهم أسير، وبأن يخطبوا للعزيز بقسطنطينية في جامعها، وعقدت سبعة أعوام. (1)


1. الذهبي: سير أعلام النبلاء: 15|167ـ172.

(131)

الاِمام الحادي عشر

الحاكم بأمر اللّه

* * *

(375ـ411هـ)

هو منصور بن نزار (1)ولد يوم الخميس لاَربع ليال بقين من شهر ربيع الاَوّل سنة 375هـ، وبويع في اليوم الذي توفي فيه والده أي سنة 368هـ، وكان عمره أحد عشر عاماً ونصف العام وهو من الشخصيات القليلة التي لم تتجلّ شخصيته بوضوح، وقام بأعمال إصلاحية زعم مناوئوه انّها من البدع.

يقول الجزري: وبنى الجامع براشدة، وأخرج إلى الجوامع والمساجد، من الآلات،والمصاحف، والستور والحصر ما لم ير الناس مثله، وحمل أهل الذمة على الاِسلام، أو المسير إلى مأمنهم، أو لبس الغيار، فأسلم كثير منهم، ثمّ كان الرجل منهم بعد ذلك يلقاه، ويقول له: إنّني أُريد العود إلى ديني، فيأذن له.

أظن انّ إدخال الحصر إلى المساجد، لاَجل أنّالمسجود عليه في مذهب الشيعة يجب أن يكون إمّا أرضاً، أو ما أنبتته الاَرض، فبما أنّ المساجد كانت مفروشة فحمل الحصر على ذلك.

و يقول أيضاً: ثمّ أمر في سنة 399هـ بترك صلاة التراويح، فاجتمع الناس بالجامع العتيق، وصلّى بهم إمام جميع رمضان، فأخذه وقتله، ولم يصل أحد


1. وأسماه في «الاِمامة في الاِسلام» بـ «الحسن بن نزار» ولكن في الخطط،وتاريخ الدعوة الاِسماعيلية حسب ما أثبتناه.

(132)

التراويح إلى سنة 408هـ. (1)

أقول: لقد قام الخليفةبمهمته، فإنّ صلاة التراويح كانت تقام في عصر النبي - صلّى الله عليه وآله وسلّم - و الخليفة الاَوّل بغير جماعة، وإنّما أُقيمت جماعة في عصر الخليفة الثاني، واصفاً إيّاهابالبدعة الحسنة، ولمّا تسلّم الاِمام أمير الموَمنين علي - عليه السّلام- زمام الخلافة نهى الناس عن إقامتها جماعة، فلمّـا رأى إصرار الناس على إقامتها جماعة تركهم وما يهوون.

وأمّا رميه بتهمة قتل الاِمام بعد انقضاء شهر رمضان، فما لا يقبله العقل، إذ كان في وسع الخليفة منعه من إقامتها أوّل الشهر فأي مصلحة كانت تكمن في استمهاله إلى آخر الشهر واكتسابه مكانة في القلوب ثمّ قتله؟!

يقول المقريزي: جامع الحاكم بني خارج باب الفتوح أحد أبواب القاهرة، وأوّل من أسّسه أمير الموَمنين العزيز باللّه، نزار بن المعز لدين اللّه معد، وخطب فيه وصلّى بالناس الجمعة، ثمّ أكمله ابنه الحاكم بأمر اللّه، فلمّا وسّع أمير الجيوش بدر الجمالي القاهرة، وجعل أبوابها حيث هي اليوم صار جامعُ الحاكم داخل القاهرة. (2)

و ينقل أيضاً انّ الحاكم بأمر اللّه أمر في سنة 393هـ أن يتم بناء الجامع الذي كان الوزير يعقوب بن كاس بدأ في بنيانه عند باب الفتوح، فقدّر للنفقة عليه أربعون ألف دينار، فابتدأ بالعمل فيه وفي صفر سنة إحدى وأربعمائة زيد في منارة جامع باب الفتوح وعمل لها أركاناً، طول كلّ ركن مائة ذراع.

و في سنة 403هـ أمر الحاكم بأمر اللّه بعمل تقدير ما يحتاج إليه جامع باب الفتوح من الحصر والقناديل والسلاسل، فكان تكسير ما ذرع للحصر 36 ألف ذراع، فبلغت النفقة على ذلك خمسة آلاف دينار.


1. الجزري: الكامل في التاريخ:9|316ـ317.
2. المقريزي: الخطط: 2|277.

(133)

وتم بناء الجامع الجديد بباب الفتوح، وعلّق على سائر أبوابه ستور ديبقية عملت له، وعلّق فيه تنانير فضة عدّتها أربع وكثير من قناديل فضة، وفرش جميعه بالحصر التي عملت له، ونصب فيه المنبر، وتكامل فرشه وتعليقه، وأذن في ليلة الجمعة سادس شهر رمضان سنة ثلاث وأربعمائة لمن بات في الجامع الاَزهر أن يمضوا إليه،فمضوا وصار الناس طول ليلتهم يمشون من كلّواحد من الجامعين إلى الآخر بغير مانع لهم ولا اعتراض من أحد من عسس القصر، ولا أصحاب الطوف إلى الصبح، وصلّى فيه الحاكم بأمر اللّه بالناس صلاة الجمعة، وهي أوّل صلاة أُقيمت فيه بعد فراغه. (1)

ما ذكرنا من محاسن أعماله قد أخفاها أعداوَه، وبدل ذلك فقد نالوا منه وأكثروا في ذمّه وذكر مساوىَ أعماله، حتى تجد انّ الذهبي قد بالغ في ذمّه ووصفه بقوله: «العبيدي، المصري، الرافضي بل الاِسماعيلي الزنديق المدّعي الربوبية».

ثمّ يقول في موضع آخر: وكان شيطاناً مريداً، جباراً عنيداً، كثير التلوّن، سفاكاً للدماء، خبيث النحلة، عظيم المكر، جواداً ممدحاً، له شأن عجيب ونبأ غريب، كان فرعون زمانه، يخترع كلّ وقت أحكاماً يلزم الرعية بها إلى آخر ما ذكر.(2)

و على أيّ حال فهو من الشخصيات القلقة التي تجمع بين محاسن الاَعمال ومساوئها.

ولولا انّ الحاكم كان من الشيعة لما وجد الذهبي السلفي في نفسه مبرراً لصب هذه التقريعات.

وقد اكتفينا بذلك في ترجمته، لاَنّ فيها أُموراً متناقضة ومتضادة لا يمكن الاِذعان بصحّة واحد منها.


1. المقريزي: الخطط:2|277، دار صادر.
2. الذهبي: سير أعلام النبلاء: 15|174.

(134)

انشقاق الاِسماعيلية

كانت الاِسماعيلية فرقة واحدة، غير انّه طرأ عليهم الانشقاق، فقال قوم منهم: بإلوهية الحاكم وغيبته، وهم المعروفون اليوم بـ «الدروز»، يقطنون لبنان.

فالدروز إسماعيلية محرّفة، وسيوافيك البحث عن هذه الفرقة وعقائدها في باب خاصّ، وهي أكثر غموضاً من سابقتها، فهم يمسكون بكتبهم ووثائقهم عن الآخرين.

يقول الموَرخ المعاصر: وفي سنة 408 استدعى الحاكم كبير دعاته، وأحد المقربين إليه الموثوق بهم سيدنا «الحمزة بن علي» الفارسي الملقب بـ «الدرزي» وأمره أن يذهب إلى بلاد الشام ليتسلم رئاسة الدعوة الاِسماعيلية فيها، ويجعل مقره «وادي التيم»، لاَنّ الاَخبار التي وردت إلى بيت الدعوة تفيد بأنّ إسماعيلية وادي التيم تسيطر عليهم التفرقة والاختلافات الداخلية، حول تولّي رئاسة الدعوة هناك ولقبه الاِمام بـ«السند الهادي».

تمكّن الدرزي في وقت قليل من السيطرة على الموقف في وادي التيم وإعادة الهدوء والسكينة في البلاد، وعمل جاهداً لتوسيع وانتشار الدعوة الاِسماعيلية في تلك البلاد.

لبث الدرزي رئيساً للدعوة الاِسماعيلية وكبيراً لدعاتها في بلاد الشام حتى أُعلنت وفاة الاِمام الحاكم وولاية ابنه الطاهر.

لم يعترف الدرزي بوفاة الاِمام الحاكم، مدّعياً بأنّ وفاته لم تكن سوى نوع من الغيبة لتخليص أنفس مريدي الاِمام من الاَدران، وبقي متمسكاً بإمامة الحاكم ومنتظراً عودته من تلك الغيبة، وبذلك أعلن انفصاله عن الاِسماعيلية التي لا تعتقد بالغيبة، وتقول بفناء الجسم وبقاء سر الاِمامة بالروح، فينتقل بموجب النص إلى إمام آخر وهو المنصوص عليه من قبل الاِمام المتوفى، وسميت الفرقة


(135)

التي تبعت الدرزي بالدرزية نسبة إليه.

وهكذا يتبين للقارىَ الكريم بأنّ الدرزية والاِسماعيلية عقيدتان من أصل واحد. (1)

وأمّا عن مصير الحاكم فمجمل القول فيه انّه فُقد في سنة 411هـ، ولم يعلم مصيره، وحامت حول كيفية اغتياله أساطير لا تتلاءم مع الحاكم المقتدر .

يقول الذهبي: وثمّ اليوم طائفة من طغام الاِسماعيلية الذين يحلفون بغيبة الحاكم، وما يعتقدون إلاّ بأنّه باق، وانّه سيظهر (2)


1. مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الاِسماعيلية: 238ـ 239.
2. الذهبي: سير أعلام النبلاء:15|108، ابن الاَثير: الكامل في التاريخ : 9|11.

(136)

الاِمام الثاني عشر

الظاهر لاِعزاز دين اللّه

علي بن منصور

(1)

* * *

(395ـ427هـ)

هو علي بن منصور ، ولد ليلة الاَربعاء من شهر رمضان سنة ثلاثمائة وخمس وتسعين، وبويع بالخلافة وعمره ستة عشر عاماً يقول ابن خلكان: كانت ولايته بعد فقد أبيه بمدّة، لاَنّ أباه فقد في السابع والعشرين من شوال سنة 411هـ، وكان الناس يرجون ظهورَه ويتبعون آثاره إلى أن تحقّقوا عدمه، فأقام ولده المذكور في يوم النحر من السنة المذكورة. (2)

وقد أطنب المقريزي في سيرته وذكر حوادث حياته.

يقول المقريزي: مات الظاهر في النصف من شعبان سنة 427 هـ عن اثنين وثلاثين سنة إلاّ أيّاماً، وكانت مدّة خلافته 15 سنة وثمانيةأشهر. (3)

وذكر الذهبي فتنة القرامطة عام 413 هـ فنقل عن محمد بن علي بن عبد الرحمان العلوي الكوفي انّه قال: لما صليت الجمعة والركب بعدُبمنى، قام رجل،


1. سماه عارف تامر علي بن الحسن ، وفي المقريزي وتاريخ الدعوة كما أثبتناه.
2. ابن خلكان: وفيات الاَعيان: 3|407، دار صادر.
3. المقريزي: الخطط:1|355.

(137)

فضرب الحجر الاَسود بدبّوس ثلاثاً، وقال: إلى متى يُعبد الحجر فيمنعني محمد ممّا أفعله؟ فإنّي اليوم أهدم هذا البيت، فاتقاه الناس، وكاد يفلت، وكان أشقر، أحمر، جسيماً، تام القامة، وكان على باب المسجد عشرة فرسان على أن ينصروه، فاحتسب رجل، فوجأه بخنجر، وتكاثروا عليه، فأُحرق، وقتل جماعة من أصحابه وثارت الفتنة، فقتل نحو العشرين ونهب المصريون وقيل: أخذ أربعة من أصحابه، فأقرّوا بأنّهم مائة تبايعوا على ذلك، فضربت أعناق الاَربعة، وتهشّم وجه الحجر، وتساقط منه شظايا وخرج مُكْسَـرُه أسمر إلى صفرة. (1)

ويقال انّ الظاهر شنّ على الدروز حرباً محاولاً إرجاعهم إلى العقيدة الفاطمية الاَصيلة، مدة خلافته كانت ستة عشر عاماً ... لم تنته هجمات الصليبيين عن الاَراضي والثغور العائدة للدولة الفاطمية، وقّع هدنة مع الروم. (2)


1. الذهبي: سير أعلام النبلاء:15|185ـ186، موَسسة الرسالة.
2. عارف تامر: الاِمامة في الاِسلام:189.

(138)

الاِمام الثالث عشر


المستنصر باللّه

* * *

(420 - 487 هـ)(1)

هو معد بن علي، ولد يوم الثلاثاء في الثالث عشر من شهر جمادى الآخر سنة 420هـ، وبويع بالخلافة يوم الاَحد في منتصف شهر شعبان سنة 427هـ، وكان له من العمر سبعة أعوام، وقد ظل في الحكم ستين عاماً، وهي أطول مدّة في تاريخ الخلافة الاِسلامية.

يقول ابن خلكان: وجرى على أيامه مالم يجر على أيام أحد من أهل بيته ممّن تقدّمه ولا تأخره، منها:
1. قضية أبي الحارث أرسلان البساسيري، فإنّه لمّا عظم أمره وكبر شأنه ببغداد، قطع خطبة الاِمام القائم وخطب للمستنصر المذكور، وذلك في سنة خمسين وأربعمائة، ودعا له على منابرها مدّة سنة.
2. انّه ثار في أيّامه علي بن محمد الصليحي وملك بلاد اليمن، ودعا للمستنصر على منابرها بعد الخطبة.
3. انّه أقام في الاَمر ستين سنة، وهذا أمر لم يبلغه أحد من أهل بيته ولا من بني العباس.


1. أرّخ كل من الكاتبين عارف تامر ومصطفى غالب تاريخ ولادته420هـ .

(139)

4. انّه ولي العهد وهو ابن سبع سنين.
5. انّ دعوتهم لم تزل قائمة بالمغرب منذ قام جدهم المهدي إلى أيام المعز، ولمّا توجه المعز إلى مصر واستخلف بلكين بن زيري كانت الخطبة في تلك النواحي جارية على عادتها لهذا البيت إلى أن قطعها المعز بن باديس في أيام المستنصر، وذلك في سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة.
6. أنّه حدث في أيّامه الغلاء العظيم الذي ما عهد مثله منذ زمان يوسف - عليه السّلام- حتى قيل انّه بيع رغيف واحد بخمسين ديناراً، وكان المستنصر في هذه الشدة يركب وحده، وكلّمن معه من الخواص مترجّلون ليس لهم دواب يركبونها، و كانوا إذا مشوا تساقطوا في الطرقات من الجوع، وكان المستنصر يستعير من ابن هبة صاحب ديوان الانشاء بغلته ليركبها صاحب مظلته، وآخر الاَمر توجهت أُم المستنصر وبناته إلى بغداد من فرط الجوع، وتفرّق أهل مصر في البلاد وتشتتوا.(1)

وذكر الذهبي تفاصيل حياته بحسب السنين التي مرت عليه. (2)

و لقي المستنصر شدائداً وأهوالاً، وانفتقت عليه الفتوق بديار مصر أخرج فيها أمواله وذخائره إلى أن بقي لا يملك غير سجادته التي يجلس عليها، وهو مع هذا صابر غير خاشع. (3)

وقد توفي في الثامن عشر من ذي الحجة، ودامت خلافته ستين سنة وأربعة أشهر.

إلى هنا تمت ترجمة الاَئمّة الثلاثة عشر الذين اتّفقت كلمة الاِسماعيلية على إمامتهم وخلافتهم، ولم يشذ عنهم سوى الدروز الذين انشقوا عن


1. ابن خلكان: وفيات الاَعيان: 5|229ـ230، دار صادر.
2. الذهبي: سير أعلام النبلاء:1|186ـ 196.
3. الجزري: الكامل: 10|237.

(140)

الاِسماعيلية في عهد خلافة الحاكم بأمر اللّه، وصار وفاة المستنصر باللّه سبباً لانشقاق آخر وظهور طائفتين من الاِسماعيلية بين: مستعلية تقول بإمامة أحمد المستعلي ابن المستنصر باللّه، ونزارية تقول بإمامة نزار ابن المستنصر.

فالمستعلية هم المعروفون في هذه الاَيام بالبُهرة، وقد انقسموا إلى: سليمانية وداودية؛ كما أنّ النزاريين هم القائلون بإمامة نزار ابن المستنصر ، وانقسموا إلى: موَمنية وقاسمية. وقد اتّفقت الطائفتان الاَخيرتان في بعض الاَئمة، واختلفت في البعض الآخر، وسيوافيك تفصيل الجميع.


(141)

الفصل السابع


في
أئمة المستعلية


(142)



(143)

الاِمام الاَوّل


المستعلي باللّه

* * *

(467ـ495هـ)

قد ذكرنا ـ فيما سبق ـ أنّالمستنصر قد عهد في حياته بالخلافة لابنه «نزار» وقد بويع بعد وفاة أبيه، ولكن خلعه الاَفضل وبايع المستعلي باللّه، وسبب خلعه أنّ الاَفضل ركب مرّة أيّام المستنصر، ودخل دهليز القصر من باب الذهب راكباً، و«نزار» خارج، والمجاز مظلم، فلم يره الاَفضل، فصاح به نزار: انزلْ، يا أرمني، كلب، عن الفرس، ما أقلَّ أدبَك. فحقدها عليه، فلما مات المستنصر خلعه خوفاً منه على نفسه، وبايع المستعلي، فهرب نزار إلى الاسكندرية، وبها ناصر الدّولة «افتكين»، فبايعه أهل الاسكندرية، وسمّوه المصطفي لدين اللّه، فخطب بالناس، ولعن الاَفضل، وأعانه أيضاً القاضي جلال الدّولة ابن عمار، قاضي الاسكندرية، فسار إليه الاَفضل، وحاصره بالاسكندرية، وأخذ«افتكين» فقتله، وتسلّم المستعلي نزاراً فبنى عليه حائطاً فمات، وقتل القاضي جلال الدولة ابن عمار ومن أعانه. (1)

وحيث إنّه لم يتم الاتّفاق على إمامة هوَلاء فقد عقدنا لهم فصلاً مستقلاً.

يقول ابن خلكان: وكانت ولادة المستعلي (أحمد بن معد) لعشر ليال بقين من محرم سنة تسع وستين وأربعمائة، بالقاهرة وبويع في يوم عيد غدير خم، وهو الثامن عشر من ذي الحجة سنة سبع وثمانين وأربعمائة، وتوفي بمصر يوم الثلاثاء


1. ابن الاَثير: الكامل في التاريخ:10|237 ـ 238، دار صادر.

(144)

لثلاث عشرة ليلة بقيت من صفر سنة خمس وتسعين وأربعمائة، وله من العمر ثمان وعشرون سنة وأيام (1) فكانت مدّة ولايته سبع سنين وكسراً، وتولّـى بعده ولدُه أبو علي المنصور، الملقب بالآمر، وله من العمر خمس سنين وشهر وأربعة أيام، ولم يكن في من تسمى بالخلافة قط أصغر منه، ومن المستنصر، وكان المستنصر أكبر من هذا، ولم يقدر يركب وحده الفرس، وقام بتدبير دولته الاَفضل ابن أمير الجيوش، أحسن قيام، إلى أن قتل. (2)

الاِمام الثاني

الآمر بأحكام اللّه

* * *

(490 ـ 524هـ)

هو منصور بن أحمد، ولد في القاهرة في الثالث عشر من محرم، وبويع بالخلافة يوم وفاة والده في الثالث عشر من صفر سنة 495هـ، وكان له من العمر خمس سنوات، وفي عهده سقطت مدينة «صور» بأيدي الصليبيين، وذلك بعد سقوط انطاكية وبيت المقدس وقيصارية وعكا وبانياس وطرابلس، وأكثرها كانت فاطميّة.

من آثاره العمرانية الجامع الاَقمر في القاهرة، وتجديد قصر القرافة، وفتح مكتبة دار العلوم للمطالعة والتدريس، قتله النزاريون انتقاماً لاِمامهم نزار، وكان في هودج يقوم بالنزهة بين الجزيرة والقاهرة، وقد حُمل إلى القصر، ولكنّه لم يلبث


1. لو كان له من العمر ثمان وعشرون عاماً عند الوفاة لكانت ولادته عام 467، لا ما ذكره من انّولادته 469هـ.
2. ابن خلكان: وفيات الاَعيان: دار صادر:1|180.

(145)

أن فارق الحياة في الرابع عشر من ذي القعدة سنة 524هـ، وكان عمره 34 عاماً وتسعة أشهر وعشرين يوماً. (1)

قال ابن خلكان: ولما انقضت أيّامه، خرج من القاهرة صبيحة يوم الثلاثاء في الثالث من ذي القعدة سنة 524هـ ونزل إلى مصر، وعدى على الجسر إلى الجزيرة التي قبالة مصر، فكمُن له قوم بالاَسلحة وتواعدوا على قتله في السّكة التي يمر فيها، فلمّا مرّ بهم وثبوا عليه فلعبوا عليه بأسيافهم، وكان قد جاوز الجسر وحده مع عدّة قليلة من غلمانه وبطانته وخاصته وشيعته، فحُمل في النيل في زورق ولم يمت، وأُدخل القاهرة وهو حيٌّ، وجيء به إلى القصر من ليلته، فمات ولم يعقب، وهو العاشر من أولاد المهدي عبيد اللّه القائم بسجلماسة، إلى أن يقول: وكان ربعة، شديدَ الاَدمة، جاحظ العينين، حسن الخط والمعرفة والعقل. (2)

ومع هذا فيصفه بكونه «قبيح السيرة، ظلم الناس وأخذ أموالهم وسفك دماءهم، وارتكب المحذورات واستحسن القبائح المحظورات، فابتهج الناس بقتله». (3)

س

ولا يخفى وجود التضاد بين الوصفين، فلو كان حسن المعرفة والعقل لما قبحت سيرته وما أخذ أموالَ الناس ولا أراق دماءهم. واللّه العالم.

وكان يطمـع إلى عرش العباسيين في العراق، ولكنَّ الاَحداث الداخليّة حالت بينه وبين أُمنيته .

يقول المقريزي:و كانت نفسه تحدّثه بالسفر والغارة على بغداد، ومن شعره في ذلك:


1. عارف تامر: الاِمامة في الاِسلام:190ـ191.
2. ابن خلكان: وفيات الاَعيان : 5|301 ـ 302، و لاحظ الخطط المقريزية: 1|357 و 2|290.
3. وفيات الاَعيان: 5|302.

(146)

* * *

دع اللوم عني لست مني بموثق * فلابدّ لي من صدمة المتحقق

* * *

وأسقى جيادي من فرات ودجلة * وأجمع شمل الدين بعد التفرق

وقال:

* * *

أما والذي حجّت إلى ركن بيته * جراثيم ركبان مقلّدة شهبا

* * *

لاقتحمن الحرب حتى يقال لي * ملكت زمام الحرب فاعتزل الحربا

* * *

و ينزل روح اللّه عيسى ابن مريم * فيرضى بنا صحباً ونرضى به صحبا(1)

والمهم في تاريخه، أنّه قتل الاَفضل الذي مَهّدَ الطريقَ لاَبيه المستعلي في زمانه، ويقال أنّه قتل بأشارة أو موَامرة الآمر بأحكام اللّه.

يقول المقريزي: وفي يوم الثلاثاء، السابع عشر من صفر، سنة خمس وتسعين، أحضره الاَفضل بن أمير الجيوش، وبايع له ونصبه مكان أبيه، ونعته بالآمر بأحكام اللّه، وركب الاَفضل فرساً، وجعل في السّرج شيئاً، وأركبه عليه لينمو شخص الآمر، وصار ظهره في حجر الاَفضل، فلم يَزلْ تحت حجره حتّى قتل الاَفضل ليلة عيد الفطر سنة خمس عشرة وخمسمائة. (2)

وقد مرّ آنفاً قول ابن خلكان بأنّ الآمر بأحكام اللّه مات ولم يعقب، وربَّما يقال أنّالآمر مات وامرأته حامل بالطّيب، وربّما يقال بأنّ امرأته ولدت أُنثى، فلاَجل ذلك عهد الآمر بأحكام اللّه الخلافة إلى الحافظ، الظافر، الفائز، ثمّ إلى العاضد.

و سنتطرق إلى حياة الاَئمة الاَربعة الذين لم يكونوا من صُلب الاِمام السابق، بل كانوا من أبناء عمّه، ولاَجل ذلك لا تصح تسميتهم بالاَئمة ، وإنّما


1. المقريزي: الخطط: 2|191.
2. المقريزي: الخطط: 2|290.

(147)

هم دعاة، حيث لم يكن في الساحة إمام، ودخلت الدعوة المستعلية بعد اختفاء الطيِّب بالستر، وما تزال تنتظر دعوته، وتوقفت عن السير وراء الركب الاِمامي، واتبعت نظام الدعاة المطلقين. (1)

الاِمام الثالث


الحافظ لدين اللّه

* * *

(467 ـ 544هـ)

ولد بعسقلان سنة 467هـ، عندما مات الآمر، وتوفي في الخامس من جمادى الاَُولى سنة 544هـ، فدامت دولته عشرين سنة سوى خمسة أشهر، وعاش سبع وسبعين سنة، وقام بعده ولده الظاهر. (2)

عبد المجيد الملقب بالحافظ، ابن أبي القاسم محمد بن المستنصر، بويع بالقاهرة يوم مقتل ابن عمّه الآمر، بولاية العهد وتدبير المملكة، حتى يظهر الحمل المخلف عن الآمر، فغلب عليه أبو علي أحمد بن الاَفضل، في صبيحة يوم مبايعته، وكان الآمر لمّا قتل الاَفضل اعتقل جميع أولاده وفيهم أبو علي المذكور، فأخرجه الجند من الاعتقال لما قُتل الآمر، وبايعوه فسار إلى القصر، وقبض على الحافظ المذكور، واستقلّ بالاَمر وقام به أحسن قيام، وردّ على المصادرين أموالهم، وأظهر مذهب الاِماميّة وتمسك بالاَئمّة الاثني عشر، ورفض الحافظ وأهل بيته، ودعا على المنابر للقائم في آخر الزمان المعروف بالاِمام المنتظر على زعمهم، وكتب اسمه على السّكة، ونهى أن يوَذن (حي على خير العمل) وأقام كذلك، إلى أن وثب عليه


1. عارف تامر:الاِمامة في الاِسلام:191.
2. ابن خلكان، وفيات الاَعيان:3|236، دار صادر.

(148)

رجل من الخاصّة بالبستان الكبير بظاهر القاهرة، في النصف من المحرم سنة ست وعشرين وخمسمائة فقتله، وكان ذلك بتدبير الحافظ، فبادر الاَجناد بإخراج الحافظ، وبايعوه ولقبوه الحافظ، ودعي له على المنابر. (1)

الاِمام الرابع

الظافر بأمر اللّه

* * *

(527ـ 549هـ)

هو إسماعيل بن عبد المجيد ولد في القاهرة يوم الاَحد منتصف شهر ربيع الآخر سنة سبع وعشرين وخمسمائة، واغتيل في منتصف محرم سنة 549هـ، بويع الظافر يوم مات أبوه، بوصيّة أبيه، وكان أصغر أولاد أبيه سناً، ولي الاَمر بعد أبيه وكان شاباً جميلاً.

وهو الذي انشأ الجامع المعروف بجامع الفاكهيين، قتله نصر بن عباس أحد أبناء وزرائه، وقد ذكر الموَرخون سبب قتله وتفصيله، فمن أراد فليراجــع. (2)

وعاش الظافر 22 سنة.


1. وفيات الاَعيان: 3|235 ـ 236، و سير أعلام النبلاء:15|199.
2. المقريزي: الخطط:2|30 وذكره بايجاز ابن خلكان في وفيات الاَعيان:1|237،والذهبي في سير أعلام النبلاء: 15|204.

(149)

الاِمام الخامس

الفائز بنصر اللّه

* * *

(544 ـ 555هـ)

هو عيسى بن إسماعيل ولد عام 544هـ، وتسلّم الخلافة وله خمس سنين، وبقى على سدّة الخلافة ست سنين، ولَمّا اُغتيل أبوه، أقامه الوزير عباس مكان والده، تغطية لِما ارتكبه ابنُه من قتل الاِمام الظافر، فلمّا قدم طلائع بن رزيك، والي الاشمونين بمجموعة إلى القاهرة، فرّ عباس، واستولى طلائع على الوزارة، وتلقّب بالصالح، وقام بأمر الدولة، إلى أن مات الفائز لثلاثة عشرة بقيت من رجب سنة 555هـ عن إحدى عشرة سنة وستة أشهر ويومين، منها في الخلافة ست سنين وخمسة أشهر وأيام. (1)

الاِمام السادس

العاضد لدين اللّه

* * *

(546ـ567هـ)

هو عبد اللّه بن يوسف ولد عام 546هـ وتوفي عام 567هـ، وهو عبد اللّه ابن يوسف بن عبد المجيد بن محمد بن المنتصر، أقامه طلائع بن رزيك، بعد الفائز، ولي المملكة بعد وفاة ابن عمّه الفائز بنصر اللّه، وكان العاضد شديدَ التشيّع، بويع وعمره آنذاك إحدى عشرة سنة، وقام الصالح بن رزيك، أخو طلائع بن رزيك، بتدبير الاَُمور، إلى أن قتل في رمضان سنة 556هـ فقام من بعده


1. المقريزي: الخطط:1|357، لاحظ وفيات الاَعيان:3|291،رقم الترجمة 514،والذهبي: سير اعلام النبلاء:15|207 رقم الترجمة 78، وقصد فصل الاَخيران الكلام في حياته.

(150)

ابنه رزيك بن طلائع، وحسنت سيرته.

يقول المقريزي: فلما قوى تمكّن الافرنج في القاهرة عام 564هـ، وجاروا في حكمهم بها، وركبوا المسلمين بأنواع الاِهانة، فسار مري ملك الافرنج يريد أخذ القاهرة، ونزل على مدينة بلبيس وأخذها عنوة، فكتب العاضد إلى نور الدين محمود بن زنكي صاحب الشام يستصرخه ويحثّه على نجدة الاِسلام وإنقاذ المسلمين من الافرنج، فجهّز أسد الدين شيركوه في عسكر كثير، وسيّرهم إلى مصر، فلما اطّلع الافرنج على قدوم شيركوه، رحلوا عن القاهرة في السابع من ربيع الآخر، ونزل شيركوه بالقاهرة، فخلع عليه العاضد وأكرمه، وتقلّد وزارة العاضد وقام بالدولة شهرين وخمسة أيّام، ومات في الثاني والعشرين من جمادى الآخرة، ففوض العاضد الوزارة لصلاح الدين يوسف بن أيوب، فساس الاَُمور ودبّر لنفسه، فبذل الاَموال وأضعف العاضد باستنفاد ما عنده من المال، فلم يزل أمرُهُ في ازدياد، وأمر العاضد في نقصان، واستبدَّ بالاَُمور ومنع العاضد من التصرّف حتى تبيّـن للناس ما يريده من إزالة الدولة، إلى أن كان من واقعة العبيد ما كان فأبادهم وأفناهم، و من حينئذٍ تلاشى العاضد وانحل أمره ولم يبق له سوى إقامة ذكره في الخطبة، وتتبع صلاح الدين جُندَ العاضد، وأخذ دور الاَُمراء، وإقطاعاتهم، فوهبها لاَصحابه، وبعث إلى أبيه وإخوته وأهله فقدموا من الشام عليه، وعزل قضاة مصر الشيعة، واختفى مذهب الشيعة إلى أن نسي من مصر، وقد زاد المضايقات على العاضد وأهل بيته، حتى مرض ومات، وعمره إحدى وعشرون سنة إلاّ عشرة أيّام، وكان كريماً ليّـن الجانب مرّت به مخاوف وشدائد، وهو آخر الخلفاء الفاطميين بمصر، وكانت مدّتهم بالمغرب، ومصر، منذ قام عبيد اللّه المهدي إلى أن مات العاضد 272سنة، منها بالقاهرة 208 سنين فسبحان الباقي. (1)


1. المقريزي، الخطط: 1|358ـ 359 باختصار ، وابن خلكان: وفيات الاَعيان:3|109ـ 112، والذهبي: سير اعلام النبلاء:15|207ـ215.

(151)

جناية التاريخ على الفاطميين

إنّ لكلّ دول ةأجلاً مسمّى، كما أنّ لطلوعها ونشوئها عللاً، كذلك لزوالها وإبادتها أسباباً سنّة اللّه سبحانه الذي قد كتب على كلّأُمّة أمرَ زوالها وفنائها قال سبحانه: "كُلّ مَنْ عَلَيْها فانٍ* وَ يَبْقى وَجْهُ رَبّكَ ذُو الجَلالِ وَ الاِِكْرام ") (1)وقال سبحانه: "ما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلد أفَإن متّ فَهُمُ الْخاِلدُون") . (2)

لا شكّ أنّكلَّ دولة يرأسها غيرُ معصوم لا تخلو من أخطاء وهفوات، بل من جرائم وآثام، وربّما تنتابها بين آونة وأُخرى حوادث وفتن، تضعضع كيانها وتشرفها على الانهيار.

ومع ذلك فالدولة الفاطميّة غير مستثناة عن هذا الخط السائد، فقد كانت لديهم زلاّت وعثرات ومآثم وجرائم كسائر الدول.

إلاّ أنّهم قاموا بأعمال ومشاريع كبيرة لا تقوم بها إلاّالدولة الموَمنة باللّه سبحانه وشريعته، كالجامع الاَزهر،ـ الذي ظل عبر الدهور يُنير الدرب لاَكثر من ألف سنة ـ ، كما أنّهم أنشأوا جوامع كبيرة، ومدارس عظيمة مذكورة في تاريخهم، وبذلك رفعوا الثقافة الاِسلامية إلى مرتبة عالية، وتلك الاَعمال جعلت لهم في قلوب الناس مكانة عالية.

وممّا يدلّ على أنّ حكمهم لم يكن حكماً استبدادياً، ولم تكن سيرتهم على سفك الدماء، أنّ البعضَ منهم تسلموا الخلافة وهم بين خمس سنين إلى عشر سنين، فلوكانت حكومتهم حكومة ظالمة ومالكة للرقاب بالتعسف والظلم، لانهار ملكهم منذ أوائل خلافتهم، ولم يدم ثلاثة قرون، وسط عدوّين شرسين، الخلافة العباسيّة من جانب، والافرنج من جانب آخر.

غير أنّا نرى أنّ أكثر الموَرّخين يصوّرونهم كالفراعنة، وأنّهم فراعنة الاَعصار


1. الرحمن:26ـ27.
2. الاَنبياء:34.

(152)

الاِسلامية، كالقبطيين الذي كانوا فراعنة أعصارهم، لا لم يكونوا بهذه المثابة، كما لم يكونوا نزيهين عن الآثام، خلطوا المحاسن بالمساوىَ، شأن كلّ ملك يحكم ، وإن كانت محاسنهم أكثر من مساوئهم، فأظن أنّ ما كتبته أقلام السير والتاريخ كلّها حدسيّات وتخمينات أخذوها من رماة القول على عواهنه، فيجب على القارىَ دراسة سيرة الفاطميين من رأس وأخذها من معين صاف غير مشوب بالعداء.

والذي يدل على ذلك أنّ الفقيه عمارة اليمني كتب إلى صلاح الدين قصيدة متضمنة شرح حاله وضرورته وسماها «شكاية المتظلم ونكاية المتألم» وهي بديعة ورثى أصحاب القصر عند زوال ملكهم، بقصيدة لاميّة أجاد فيها. (1)

وعلى كلّ تقدير، فبعد وفاة الطيّب بن الآمر وخلافة الاَئمّة الاَربعة المتأخرة، الحافظ، الظافر، الفائز ثمّ العاضد، دخلت الدعوة المستعلية بالستر وتوقفت عن السير وراء الركب الاِمامي واتبعت نظام الدعاة مكان الاَئمّة.

إلى هنا تم بيان أئمة المستعلية، التي افترقت بعد المستنصر باللّه، وصارت فرقة عظيمة معروفة بالبهرة، ولهم اليوم في الهند نشاطات، ومدارس ودعايات، وهم يمسكون بكتبهم عن الغير ويبخلون بها.

إنّ الاِسماعيلية المستعلية انقسمت سنة 999هـ إلى فرقتين: داودية، وسليمانية، وذلك بعد وفاة الداعي المطلق، داود بن عجب شاه، انتخبت مستعلية كجرات داود بن قطب شاه خلفاً له، ولكن اليمانيين عارضوا ذلك وانتخبوا داعياً آخراً، يدعى سليمان بن الحسن، ويقولون: إنّ داود قد أوصى له بموجب وثيقة ما تزال محفوظة.

إنّ الداعي المطلق، للفرقة الاِسماعيلية المستعلية الداودية اليوم، هو طاهر سيف الدين، ويقيم في بومباي ـ الهند ـ أمّا الداعي المطلق للفرقة المستعلية السليمانية، فهو علي بن الحسين، ويقيم في مقاطعة نجران بالحجاز. (2)


1. ابن خلكان: وفيات الاَعيان:434.
2. عارف تامر: الاِمامة في الاِسلام:162.


(153)

الفصل الثامن


في
أئمة النزارية
الموَمنية والآغاخانية

(154)



(155)

قد عرفت أنّ الاِسماعيلية افترقت فرقتين، بين مستعلية تأتم بعد المستنصر باللّه، بأحمد المستعلي، ثمّ الآمر بأحكام اللّه؛ ونزارية تقول: بإمامة نزار بن معد بعد المستنصر، ولا تأتم بالمستعلي أبداً، وقد تعرّفت على أئمّة المستعلية، وهذا بيان لاَئمّة النزارية المشتركة بين الفرقتين «الموَمنية» و«الآغاخانية»، فإنّ الفرقتين تتفقان على إمامة الاَئمة الخمسة التالية:
1. المصطفى باللّه نزار بن معد المستنصر.
2. الاِمام جلال الدين حسن بن أعلى محمد.
3. الاِمام علاء الدين بن الاِمام جلال الدين.
4. الاِمام ركن الدين خورشاه بن الاِمام علاء الدين.
5. الاِمام شمس الدين بن ركن الدين.

وقد اتّفقت الفرقتان على إمامة الاَئمّة الخمسة في مسلسل أئمّتهما، واختلفتا في غيرهم، فإليك قائمة بأسماء أئمّة النزارية الموَمنية أوّلاً، ثمّ قائمة بأسماء أئمّة النزارية«الآغاخانية» أو «القاسمية» ثانياً، وترى أسماء الاَئمّة المتفق عليهم في كلتا القائمتين.

* * *

***


(156)

قائمة الاَئمّة النزارية الموَمنية:

1. نزار بن معد.
2. حسن بن نزار.
3. محمد بن الحسن.
4. حسن بن محمد «جلال الدين».
5. محمد بن الحسن«علاء الدين».
6. محمود بن محمد «ركن الدين».
7. محمد بن محمود «شمس الدين».
8. موَمن بن محمد.
9. محمد بن موَمن.
10. رضي الدين بن محمد.
11. طاهر بن رضي الدين.
12. رضي الدين الثاني بن طاهر.
13. طاهر بن رضي الدين الثاني.
14. حيدر بن طاهر.
15. صدر الدين بن حيدر.
16. معين الدين بن صدر الدين.
17. عطية اللّه بن معين الدين.
18. عزيز بن عطية اللّه.
19. معين الدين الثاني بن عزيز.
20. محمد بن معين الدين الثاني.
21. حيدر بن محمد.
22. محمد بن حيدر (الاَمير الباقر). (1)

ولد هذا الاِمام الاَخير في أورنك آباد عام 1179هـ، لقبه محمد الباقر (وتوفي سنة 1210هـ)، كلّ ما عرف عنه حتى الآن، هو أنّه آخر إمام من أسرة موَمن، يحتفظ الاِسماعيليون في سوريا بفرمان مرسل منه، من بلدة أورنك آباد بالهند، إلى الاِسماعيليين في سوريا، وفي عهده توقف الفرع الموَمني النزاري عن الركب الاِمامـي، ولم يبق بين فرق الاِسماعيليين سوى القاسمية ـ الآغاخانية ـ سائرة على المنهج دون توقف. (2)


1. الاِمامة في الاِسلام: 178.
2. الاِمامة في الاِسلام:214.

(157)

قائمة الاَئمّة النزارية القاسمية ـ الآغاخانية:

1. نزار بن معد.
2. هادي.
3. مهتدي.
4. قاهر .
5. حسن على ذكره السلام.
6. أعلى محمد.
7. جلال الدين حسن.
8. علاء الدين محمد.
9. ركن الدين خورشاه.
10. شمس الدين محمد.
11. قاسم شاه.
12. اسلام شاه.
13. محمد بن اسلام.
14. المستنصر باللّه الثاني.
15. عبد السلام.
16. غريب ميرزا.
17. أبو الذر علي .
18. مراد ميرزا .
19. ذو الفقار علي.
20. نور الدين علي.
21. خليل اللّه علي.
22. نزار علي.
23. السيد علي.
24. حسن علي.
25. قاسم علي.
26. أبو الحسن علي.
27. خليل اللّه علي.
28. حسن علي.
29. علي شاه.
30. سلطان محمد شاه
31. كريم خان. (1)

فعدد الاَئمّة عند النزارية الموَمنية بعد المستنصر يبلغ 22 إماماً، وعند الآغاخانية يبلغ 31 إماماً.


1. الاِمامة في الاِسلام: 178.

(158)

إنّ الاختلاف بدأ يدبُ بعد الاِمام نزار ابن المستنصر، ففي الشجرة الموَمنية نرى إمامين بعد نزار، هما: حسن، ومحمد، ثمّ حسن جلال الدين، وفي الشجرة القاسميّة نرى خمسة أئمّة بعد نزار، هم: هادي، ومهتدي، وقاهر، وحسن على ذكره السلام، وأعلى محمد، ثم يأتي جلال الدين حسن، هذا ويلاحظ أنّه بعد هذا الالتقاء عند حسن جلال الدين، تعود الشجرتان إلى السير جنباً إلى جنب حتى محمد شمس الدّين، فبعد وفاة هذا الاَخير ظهر اختلاف من نوع جديد، فالمعلوم أنّه كان للاِمام محمد شمس الدين ثلاثة أولاد، هم: موَمن شاه، وقاسم شاه، وكياشاه.

فالموَمنيّة اعترفت بإمامة موَمن شاه، وسارت وراءه، ووراء ولده من بعده حتى آخرهم أمير محمد باقر سنة 1210هـ، والقاسميّة سارت وراء قاسم شاه، وولده الذين هم أسرة آغاخان. (1)

ثمّ إنّ بسط الكلام في ترجمة هوَلاء الاَئمّة يحوجنا إلى تأليف كتاب مفرد، ولنقتصر على ترجمة الاَئمّة الذين حكموا قلعة آلموت من قلاع قزوين، التي دمّرها هولاكو سنة 654هـ. وكان آخر الاَئمّة في تلك القلاع الاِمام ركن الدين، الذي ولد عام 625هـ وأُسّر بيد جيوش التتر، وقتل سنة 654هـ عند ما كانت الجيوش التترية تعبر نهر جيحون لتسليم الاِمام والاَسرى إلى هولاكو.

وأمّا الباقي فسنترك ذكر سيرتهم، ومن أراد المزيد فليرجع إلى المصادر التالية:
1. الاِمامة في الاِسلام تأليف عارف تامر، 2. تاريخ الدعوة الاِسماعيلية لمصطفى غالب.


1. الاِمامة في الاِسلام: 171.

(159)

الاِمام الاَوّل

المصطفى باللّه

نزار بن معد المستنصر

* * *

(437 ـ 490هـ)

قد تعرفت على أنّالمستنصر عهد بالولاية لابنه نزار إلاّ أنّ الاَفضل رئيس الوزراء، سعى لخلعه، وبايع أخاه الاَصغر أحمد المستعلي، وقد ذكرنا سبب هذا الخلاف، فغادر الاِمام نزار القاهرة بصحبة عدّة من رجال دعوته، ونزل الاسكندرية بدعوة من حاكمها، فسار إليه الاَفضل على رأس جيش وحاصر الاسكندرية، وعندما اشتدَّ الحصار عليها غادرها الاِمام نزار مع أهل بيته متخفّياً بزي التجار، نحو «سجلماسة» حيث مكث عند عمّته هناك بضعة أشهر، حتى عادت إليه الرسل التي أوفدها لاِبلاغ الحسن بن الصباح عن محل إقامته، فسار إلى جبال الطالقان مع أهل بيته ومن بقي معه من دعاته وخدمه، حيث استقر بقلعة «آلموت» بين رجال دعوته المخلصين، وعمل مع الحسن بن الصباح على تأسيس الدولة النزارية، وبعد أن تمّ له ذلك أصابه مرض شديدٌ استدعى على أثره دعاته ونص على إمامة ابنه (علي) وذلك سنة 490هـ، وتوفي في اليوم الثاني ودفن في قلعة الموت. (1)

هذا ما يذكره ذلك الموَرخ، ولكنَّ غيره من الموَرخين يذكرون شيئاً آخر، وهو أنّالاَفضل لحق به ونشبت بينهم معارك ضارية انتهت بمقتل نزار، وقد انتقم


1. مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الاِسماعيلية:255.

(160)

النزاريون بمقتله فيما بعد بأن قتلوا الخليفة الفاطمي الآمر بن المستعلي، ورئيس الوزراء الاَفضل نفسه. وعلى كلّتقدير فقد توفي عام 490هـ إمّا في الاسكندرية مقتولاً، أو في قلعة آلموت. (1)

وتجدر الاِشارة إلى أنّ الحسن بن الصباح شيخ الجبل(428 ـ 518هـ) هو الموَسس الواقعي للاِمامة النزارية، ولولا بيعته لابن المستنصر لما كان للنزارية دولة.

إنّ ابن الصباح قصد المستنصر باللّه في زياراته واجتمع به، وخاطبه في إقامة الدعوة له فأجاب الدعوة له في بلاد العجم، فعاد ودعا الناس إليه سراً، ثمّ أظهرها وملك قلاع آلموت.

يقول الجزري: وكان الحسن بن الصباح رجلاً شهماً، كافياً، عالماً بالهندسة، والحساب، والنجوم والسحر وغير ذلك؛ وكان رئيس الري إنسان يقال له أبو مسلم، وهو صهر نظام الملك، فاتهم الحسن بن الصباح بدخول جماعة من دعاة المصريين عليه، فخافه ابن الصباح، وكان نظام الملك يكرمه، وقال له يوماً من طريق الفراسة: عن قريب يضل هذا الرجل ضعفاء العوام، فلمّا هرب الحسن من أبي مسلم طلبه فلم يدركه، فطاف البلاد، ووصل إلى مصر ودخل على المستنصر صاحبها فأكرمه وأعطاه مالاً، وأمره أن يدعو الناس إلى إمامته، فقال له الحسن: فمن الاِمام بعدك؟ فأشار إلى ابنه نزار، وعاد من مصر إلى موطنه، فلمّا رأى قلعة آلموت واختبر أهل تلك النواحي، أقام عندهم وطمع في إغوائهم ودعاهم في السر، وأظهر الزهد، ولبس المسح، فتبعه أكثرهم، والعلوي صاحب القلعة حسن الظن فيه، يجلس إليه يتبرك به.

فلمّا أحكم الحسن أمره، دخل يوماً على العلوي بالقلعة، فقال له ابن الصباح: اخرج من هذه القلعة، فتبسم العلوي وظنّه يمزح، فأمر ابن الصباح


1. وليعلم أنّنزار بن معد المذكور في المقام غير نزار بن معد العزيز باللّه الاِمام العاشر للاِسماعيلية.

(161)

بعض أصحابه بإخراج العلوي، فأخرجوه إلى دامغان وأعطاه ماله وملك القلعة.

و لما بلغ الخبر إلى نظام الملك بعث عسكراً إلى قلعة آلموت، فحصروه فيها، وأخذوا عليه الطرق، فضاق ذرعه بالحصر، فأرسل من قتل نظام الملك، فلمّا قتل رجع العسكر عنها. (1)

وقال الذهبي: الحسن بن الصباح الملقب بالكيا صاحب الدعوة النزارية وجدّ أصحاب قلعة آلموت.

كان من كبار الزنادقة ومن دهاة العالم، وله أخبار يطول شرحها، إلى أن قال: وأصله من مرو، وقد أكثر التطواف مابين مصر إلى بلد كاشغر، يغوي الخلق ويضل الجهلة، إلى أن صار منه ما صار، وكان قوي المشاركة في الفلسفة والهندسة وكثير المكر والحيل، بعيد الغور.

قال أبو حامد الغزالي: شاهدت قصة الحسن بن الصباح لما تزهد تحت حصون آلموت، فكان أهل الحصن يتمنّون صعوده إليهم ويمتنع، ويقول : أما ترون المنكر كيف فشا وفسد الناس؟ فتبعه خلق، ثمّ خرج أمير الحصن يتصيد فنهض أصحابه وملكوا الحصن، ثمّكثرت قلاعهم. (2)

واستعرض حسن الاَمين في «دائرة المعارف الشيعية» تاريخ الاِسماعيلية، والانشقاق الذي طرأ على الخلافة الفاطمية بعد وفاة الخليفة الفاطمي المستنصر، وانقسامها إلى فرقتين هي: المستعلية والنزارية وموقف الحسن بن الصباح منهما، حيث قال:

و كان الحسن بن الصباح من أشد الناس إنكاراً لخلافة أحمد المستعلي وأكثرهم تحمسّاً لنزار. ويضيف قائلاً:


1. الكامل في التاريخ:10|316ـ 317.
2. الذهبي: ميزان الاعتدال:1|500.

(162)

وثمة من يقول من النزاريين إنّ الحسن بن الصباح كان في مصر حين وقوع الخلاف على ولاية العهد ، فلم يقر ما جرى، وكان ممّن يرون أنّ المستنصر كان مكرهاً على تولية ولده أحمد، وأنّ الاَمر هو لنزار لا لاَحمد، ففر الحسن بن الصباح من مصر داعياً لنزار، ثمّ أرسل بعض فدائييه، فأحضروا ابناً لنزار إلى قلعة آلموت.

وفي قول آخر: إنّه لم يخرج من مصر حتى أخرج معه ابناً لنزار، واسمه في سلسلة الاَئمة النزاريين علي ولقبه الهادي، فأخفاه الحسن وستره.

و مهما يكن من أمر فقد أصبح الحسن بن الصباح الرجل الاَوّل والموجه الفعلي للدعوة النزارية.

وبعد ذلك استعرض حسن الاَمين الانحراف الخطير الذي طرأ على الدعوة النزارية وتخلّيها عن الاِسلام كعقيدة وعمل، حيث قال:

توفي الحسن بن الصباح سنة 518هـ فخلفه من خلفه في قيادة الدعوة النزارية دون أن يعلن هو أو غيره ممّن خلفه عن عقيدة جديدة، حتى انتهى الاَمر إلى الحسن الثاني بن محمد بن بزرك أُميد سنة 558هـ، فإذا به يعلن التخلّي عن الاِسلام كعقيدة وعمل والاَخذ بمفهوم جديد للدين يتعارض كل التعارض مع مفهوم الاِسلام له.

و يصف الموَرخ علاء الدين عطاء الملك الجويني (م 658هـ) هذا الاَمر وتفاصيله ويوم حدوثه، ثمّ يقول:

فأعلن ـ أي الحسن الثاني ـ أنّرسالة قد جاءته من الاِمام المستتر مع دليل جديد.

ثمّ قال: «إنّ إمام وقتنا قد بعث إليكم صلواته ورحمته ودعاكم عباده المختارين، ولقد أعفاكم من أعباء تكاليف الشريعة وآل بكم إلى البعث.

ثمّ يقول الجويني: وأكد حسن بالتصريح بأنّه كما في عصر الشريعة إذا لم


(163)

يطع إنسان ولم يعبد بل تبع حكم القيامة بحجة أنّالطاعة والعبادة هما أمران روحيان كان ينكل به ويرجم ويقتل، كذلك الآن في عصر القيامة إذا تقيد إنسان بحرفية الشريعة وواظب على العبادة الجسدية والشعائر فانّ ذلك تعصب ينكل به ويرجم ويقتل من أجله.

ثمّ أكمل حسن كلامه قائلاً: لقد أُعفي الناس من تكاليف الشريعة، لاَنّ عليهم في فترة القيامة هذه أن يتوجّهوا بكلّ جوارحهم نحو اللّه، ويهجروا كل الشعائر الدينية وجميع العبادات القائمة. فقد وضع في الشريعة بأنّ على الناس عبادة اللّه خمس مرات في اليوم وأن يكونوا معه. وهذا التكليف كان ظاهرياً فقط. ولكن الآن في أيام القيامة عليهم أن يكونوا دائماً مع اللّه في قلوبهم، وأن يبقوا نفوسهم متوجهة دائماً نحو الحضرة الاِلهية، فإنّها الصلاة الحقيقية. انتهى.

وقد أثّر كلامه في الجموع المحتشدة تحت منبره يقول الموَرخ الجويني:

وفي ذلك اليوم الذي اقترفت فيه هذه القبائح وأُفشيت فيه تلك المساوىَ في «مأمون آباد» عش الكفر، لعب الجميع على الجنك والرباب، وشربوا الخمر بشكل مكشوف على نفس درجات ذلك المنبر وفي مكان جلوس الخطيب.

نعم كان بين الموَمنين بالمذهب من أنكر عليهم ذلك، فنرى أنّ يوم الاَحد السادس من ربيع الاَوّل سنة 561هـ قام شقيق زوجة الحسن بطعنه في قلعة (لمسر) فمضى المفتري من هذه الدنيا إلى نار اللّه الموقدة، ولكن الانحراف لم ينته باغتيال أصله، بل بقي مستمراً على عهد خليفته ابنه «علاء محمد» الذي تولّى بعد أبيه وهو في التاسعة عشرة من عمره وتوفي سنة 607 هـ،كما كانت المعارضة الشديدة مستمرة، وإذا كان قد تزعمها في عهد حسن، شقيق زوجته، فقد تزعمها الآن حفيد حسن وسميّه جلال الدين حسن، إذ كان على خلاف أبيه وجدّه في العقيدة متشدداً في خلافه لهما كلّ التشدد.

وقام بإصلاحات كبيرة، فقد اتصل بحكام الاَقطار الاِسلامية يعلنهم


(164)

العودة إلى الاِسلام ليوثق الصلات بهم وبجمهور المسلمين بعد الذي شاع عن انحراف جدّه وما أعلنه من خروج على الشريعة، فراسل الخليفة في بغداد«الناصر لدين اللّه» وغيره من الملوك والاَُمراء، كما أرسل والدته وزوجته إلى الحجّ وأمر ببناء المساجد وقرّب إليه الفقهاء والقرّاء.

و من البديهي أن لا يكون «جلال الدين حسن» قد استطاع استئصال جذور الانحراف، وأن يظل للانحراف أتباعه الآخذون به شأن جميع الدعوات في كلّزمان ومكان.

على أنّ أمر دولة هوَلاء النزاريين لم يطل كثيراً بعد جلال الدين، فقد انتهى ملكهم على يد هولاكو سنة 654هـ، لكن مَن أخذوا بأقوال الحسن الثاني بن محمد وانحرافه لم ينتهوا، بل ظل للدعوة من يحملها من جيل إلى جيل حتى هذا الجيل وهم اليوم أتباع آغاخان وظلوا هم وحدهم منفردين باسم الاِسماعيليين بعد أن تبرأ من هذا الاسم أصحابه الحقيقيين وتسمّوا باسم البهرة. (1)


1. حسن الاَمين: دائرة المعارف الاِسلامية الشيعية:4|73ـ75.

(165)

الاِمام الثاني

علي الهادي بن الاِمام نزار


* * *

(470 ـ 530هـ)

ولد الاِمام علي الهادي بن الاِمام نزار سنة 470هـ وارتحل مع والده الاِمام نزار إلى قلعة آلموت، ولما توفي أبوه عـام 490هـ أصبح إماماً للاِسماعيليّة ولم يتجاوز عمره عن عشرين سنة.

وقد انتشر المذهب الاِسماعيلي في عهده على يد داعيته الحسن بن الصباح، شيخ الجبل، المعروف بالمقدرةوالبطش.

عمد الاِمام إلى تأليف جيش قويّ من الاِسماعيليّة، قسّمه إلى فرقتين، الفرقة الاَُولى أسماها(الفدائية)، وهي المكلّفة ببذل التضحيات السريعة المستعجلة، وتنفيذ الاَوامر السرية الهامة، ولقد تدرّب أفراد تلك الفرقة أعظم تدريب على استعمال كافة أنواع الاَسلحة، وعلى الفروسية، كما لُقّنوا مختلف العلوم الفلسفية، وأتقنوا أغلب لُغات أهالي تلك البلاد. أمّاالفرقة الثانية سميت بـ(الرفقاء) وهم المكلَّفون بنشر الدعوة الاِسماعيليّة بأُسلوبهم الخاص في مختلف الاَقطار والاَقاليم، وهم المدافعون عن مذهبهم بالعلم والفلسفة، وعلى الغالب كانوا يتولون الوظائف الاِدارية في البلاد التي يوفدون إليها لنشر الدعوة.

وفي سنة 530هجرية توفي الاِمام علي الهادي، بعد أن مكث في الاِمامة أربعين عاماً، ودفن في قلعة «لامستر» بعد أنْ نصَّ على إمامة ولده محمد المهتدي.(1)


1. مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الاِسماعيلية:257ـ262.

(166)

الاِمام الثالث


محمد المهتدي بن الاِمام علي


* * *

(500 ـ 552هـ)

ولد الاِمام محمد بن علي بن الاِمام نزار الملقب بالمهتدي سنة 500 هـ في قلعة «لامستر»، وأصبح إماماً للاِسماعيلية بعد وفاة أبيه الاِمام علي الهادي سنة 530هـ.

كان أوّل عمل قام به أن نقل مقرّه إلى قلعة آلموت، ووجه إهتمامه لبعث الجيش الاِسماعيلي (الفدائية) من جديد، وتدريبه تدريباً كاملاً ليستطيع الدفاع عن القلاع والحصون الاِسماعيلية.

وقد وجه عنايته أيضاً لتنظيم الدعاة، وتلقينهم أُصول العقائد الاِسماعيلية ، وتدريبهم على المباحثة والمناقشة في الفلسفة، والفقه الاِسلامي والعقائد الاِسلامية، كما أوجد بينهم نظام الشيفرة ليستعملوه في اتصالاتهم الداخلية والخارجية فاستعملوا الاَعداد للدلالة على الاَحرف الاَبجدية،و تعرضت الاِسماعيليّة أيضاً لكثير من الهجمات الداخلية والغزوات الخارجيّة.

وفي سنة 552هـ توفي الاِمام المهتدي ودفن في قلعة آلموت بعد أن نصَّ على إمامة ولده حسن. (1)


1. المصدر السابق: 266.

(167)

الاِمام الرابع


القاهر بقوة اللّه

حسن بن محمد بن علي بن نزار


* * *

(520 ـ 557هـ)

ولد سنة 520هـ في قلعة آلموت، وأصبح بعد وفاة أبيه 552هـ إماماً بموجب النص، وكان عمره آنذاك 28 سنة، وعين الداعي محمد كيا بزرك آميد نائباً عنه وكبيراً لدعاته.

عمل الداعي بكل إخلاص ووزع الدعاة الاَكفاء على جميع المناطق، ووجّه عناية خاصة للفرقة الفدائية، التي كانت تحتل المكان الاَوّل في الجيش الاِسماعيلي، وأنشأ مدرسة خاصّةً لتثقيف الفدائية وتدريبهم التدريب الكامل على استعمال الاَسلحة، وتلقينهم أغلب اللغات المستعملة في ذلك الوقت.

توفي سنة 557هـ ودفن في قلعة آلموت بعد أن نصَّ على إمامة ولده الحسن علي. (1)


1. المصدر نفسه:272.

(168)

الاِمام الخامس


الاِمام الحسن علي بن الاِمام حسن القاهر

* * *

(539ـ 561هـ)

ولد الاِمام حسن علي بن الحسن بن محمد بن علي بن نزار سنة 539هـ، في قلعة آلموت، وتولّـى الاِمامة بعد وفاة أبيه سنة 557 هـ.

وقام بتنظيم الدعوة الاِسماعيليّة فوزّع الدعاة الاَكفّاء على الاَقاليم الخاضعة للنفوذ الاِسماعيلي.

توفي في السادس من ربيع الاَوّل سنة 561 ودفن في قلعة آلموت. (1)

الاِمام السادس


الاِمام أعلى محمد بن الاِمام الحسن علي

* * *

(553ـ607هـ)

ولد الاِمام أعلى محمد سنة 553هـ في قلعة آلموت، وتولّـى الاِمامة بعد وفاة أبيه سنة 561هـ، وهو في الثامنة من عمره.

و وجّه عناية خاصّة (للمناظرات العلمية ) فخصّص يوماً واحداً من كلّ أُسبوع لاِجراء المناظرات الفلسفية، والفقهية بين الدعاة، يحضرها بنفسه ليحكم بين المتناظرين فيعلّيهم ويرقّيهم في مراتب الدعوة، حسب ما يظهروه من كفاءة


1. المصدر نفسه:275.

(169)

علميّة ، وهذا ما ساعد الدعاة على تفهّم أُصول المذهب الاِسماعيلي.

توفي الاِمام أعلى محمد سنة 607هـ ودفن في قلعة آلموت بعد أن نصَّ على ولاية ابنه جلال الدين،و استمرت إمامته 46 سنة. (1)

الاِمام السابع


الاِمام جلال الدين حسن بن أعلى محمد

* * *

(582ـ 618هـ)

ولد الاِمام حسن بن أعلى، الملقب بجلال الدين سنة 582هـ في قلعة آلموت، وأصبح إماماً بعد وفاة أبيه سنة 607هـ.

عمل على توثيق عُرى الصداقة بين الاِسماعيلية والعالم الاِسلامي، ولهذا لقّبوه بـ«المسلم الجديد» كما أنّ علاقاته بالعباسيين زادت وثوقاً، وخاصّةً مع الخليفة الناصر لدين اللّه.

تنقل كثيراً في سوريا والعراق وآذربيجان، وأدّى فريضة الحج مع عائلته مرتين، تحالف مع جلال الدين خوارزمشاه، عندما غزا چنگيزخان إيران، وذلك انقاذً لمعاقله ولاَتباعه. قتل بموَامرة من النساء بالسُم سنة 618هـ، وخلّف ولداً هو محمد بن الحسن «علاء الدين». (2)


1. المصدر نفسه:277.
2. عارف تامر: الاِمامة في الاِسلام:192؛ تاريخ الدعوة الاِسماعيلية:284.

(170)

الاِمام الثامن


علاء الدين محمد بن الحسن


* * *

(608ـ 653هـ)

ولد الاِمام علاء الدين محمد بن الاِمام جلال الدين سنة 608هـ في قلعة آلموت، وجلس على أريكة الاِمامة الاِسماعيليّة سنة 618هـ، وهو في العاشرة من عمره، ودامت إمامته 35 عاماً.

و من العجب أنّ الموَرّخ المعاصر مصطفى غالب ذكر سقوط مدينة بغداد في عصر هذا الاِمام مع أنّ سقوط بغداد تم بعد تدمير قلاع الاِسماعيليّة، لاَنّ مسير التتر كان من قزوين ثمّ همدان ثمّ بغداد.

و توفي عام 653 هـ ودفن في آلموت. (1)

الاِمام التاسع

ركن الدين خورشاه بن الاِمام علاء الدين

* * *

(629ـ 654هـ)

ولد الاِمام ركن الدين خورشاه بن الاِمام علاء الدين محمد سنة629هـ في قلعة آلموت، وأصبح إماماً بعد وفاة أبيه سنة 653هـ، وأرسل هولاكو التتري جيشاً بقيادة بوكيان التتري لاَطراف كوهستان لمحاربة الاَمير ناصر الدين أمير


1. تاريخ الدعوة الاِسماعيلية:286.

(171)

تلك المقاطعة الذي كان يقيم في قلعة (سرخوست).

و أرسل جيشاً آخر لحصار بقية القلاع الاِسماعيليّة، ولقد استمر ذلك الحصار مدّة ستة أشهر، نفدت بعدها موَونة الاِسماعيليين، ففتحوا أبواب قلاعهم واشتبكوا مع التتر في معارك قويّة طاحنة، قتل فيها اثنا عشر ألف إسماعيلي وثلاثون ألف تتري، واحتلت الجيوش الغازية جميع القلاع الاِسماعيليّة ودمّرتها عن بكره أبيها فجعلتها قاعاً صفصفاً، وأُلقي القبض على الاِمام ركن الدين خورشاه مع ولده الاَصغر مظفر الدين، وابن أخيه سيف الدين، وبعض دعاته، وأخذوهم إلى الخليفة في بغداد.

و في طريق العودة بينما كانت الجيوش التترية تعبر نهر (جيحون) توفي الاِمام ركن الدين خورشاه وكانت وفاته سنة 654هـ، ودفن على ضفة ذلك النهر اليمني.

أمّا بقية الاَسرى فسلّموا لهولاكو الذي أمر بإعدامهم جميعاً،والتمثيل بجثثهم، ولم تستمر إمامة ركن الدين سوى عاماً واحداً، قضاه في الحروب والحصار، وبانتهاء عهده ودّعت الاَئمة الاِسماعيلية بلاد آلموت لتستقر في آذربيجان بعد أن دام حكمهم فيها ما يقارب 214 عام. (1)

* * *

***

إلى هنا وقفت على أئمّة النزارية، من الاِسماعيليّة وأمّا غيرهم من الاَئمّة الباقية الذين تسلموا مسند الاِمامة بعد تدمير قلاع آلموت فيحتاج إلى تأليف مفرد.

إنّ الكتب الاِسماعيليّة التاريخية المخطوطة والمصادر الصوريّة القديمة، منذ عام 710هـ حتى سنة 1210 هـ جاءت حافلة بذكر أُسرة موَمن شاه وحدها،


1. تاريخ الدعوة الاِسماعيلية:289ـ290.

(172)

وبعد سنة 1210هـ انطفأ وخبا كلُّ نشاط علمىٍّ من جانب هذه الفرقة (الموَمنية) وقامت الا َُسرة الثانية (القاسميّة) تحتل مركزها وتبرز على مسرح الاِسماعيلية النزارية وبما أنّ الاَُسرة الآغا خانية تزعّمت الاِسماعيلية النزارية ما يربو عن القرنين، فلذلك خصصنا الفصل التالي لبيان حياة تلك الاَُسرة.

إنّ الفرقة الاِسماعيلية النزارية الموَمنية تقطن في عهدنا الحاضر في بلدتي «القدموس» و«مصياف» السوريتين وفي بعض قرى سلمية وفي سلمية نفسها، وأمّا الفرقة القاسمية النزارية الآغاخانية فتقطن في سلمية،وما يتبعها من القرى، وفي نهر الخوابي قرب طرطوس، كما تقطن في إيران،والهند،وباكستان، وبورما، والصين ،وإفريقية الشرقية ،و الكونغو ومدغشقر و زنجبار وغيرها. (1)


1. عارف تامر: الاِمامة في الاِسلام:170.

(173)


الفصل التاسع

في
الاَسرة الآغاخانية




(174)



(175)

قد عرفت أنّ النزاريّة انقسمت إلى طائفتين: «موَمنيّة» و«قاسمية» ويطلق على«القاسمية» في الآونة الاَخيرة «الآغا خانية» واشتهروا في هذه الاَعصار باللقب الاَخير وأئمة هذه الاَُسرة هم:
1. حسن علي شاه.
2. علي شاه.
3. سلطان محمد شاه.
4. كريم خان.

1. حسن علي شاه: (1219ـ 1298هـ)

ولد في بلدة محلاّت سنة 1219 هـ وهو أوّل من لُقّب بـ«آغا خان» كان معاصراً للشاه «محمد القاجاري» وفي عهده قُتل الشاه القاجاري وجلس مكانه فتح علي شاه، وقد عامل الاِسماعيليين معاملة طيبة، وزوّج حسن علي شاه من كريمته، ولكنَّ حياته لم تطل فمات، واستلم مكانه «علي محمد شاه».

فلاحظ أنّ مركز الاِمام حسن علي شاه قد أصبح قويّاً وخطيراً، فاعتبره خطراً على شوَون المملكة، وأمر بإبعاده عن إيران، فذهب إلى السند، واستقر بين أتباعه الكثيرين في كراتشي يُنظّم أُمورهم ويصلح أحوالهم، ويقرّب وجهات النظر بين ملوك السند والبريطانيين، وأخيراً انتقل إلى الهند.

وتوفي سنة 1298 هـ ودفن في محلة «مجكائون» أو «حسن آباد» عن أربعة أولاد، هم: آغا علي شاه، وآغا جهانگير شاه، وآغا جنگي شاه، وآغا جلال شاه،


(176)

وكان عليُّ هو وصيّه ووريث الاِمامة. (1)

يقول الموَرّخ المعاصر مصطفى غالب: دخل الاِمام حسن علي شاه مدينة «بومباي» واسْتقبِل من قبل حاكم تلك المدينة ورجال السلك السياسي وممثلي الدول ومختلف طبقات الشعب،و منحته المملكة البريطانية لقب صاحب السمو،وأرفع وسام للسلام في المملكة. (2)

ولعلّ مغادرته لاِيران وإقامته في بومباي هيّأت له أرضية الاتصال بالبلاط البريطاني، وتوثقت عُرى الصداقة بينهما عبر العصور، فلم تزل أئمة الطائفة بعده متهمين بالعمالة للبريطانيين.

2. علي شاه: (1246 ـ1302هـ)

ولد عام 1246هـ في بلدة محلاّت، وجلس على مسند الاِمامة بعد وفاة أبيه سنة 1298هـ، واشتهر بـ«آغا خان الثاني» والدته هي كريمة فتح علي شاه القاجاري.

يذكر أنّه كان مولعاً بصيد الاَُسود والرماية، وقوة الساعد والرجولة. تزوّج شمس الملوك ابنة ميرزا علي خان الاِيرانية.

أنجب ثلاثة أولاد، هم: سلطان محمد شاه، وشهاب الدين شاه، ونور شاه، ووليُّ عهده هو السلطان محمد شاه آغا خان الثالث.

وفي احتفال مهيب ضم آلاف الاِسماعيليّة الذين قدموا لتقديم الزكاة والخمس للاِمام، أعلن الاِمام علي شاه بأنّ نجله الاَكبر سلطان محمد شاه قد أصبح وليّاً للعهد، وسيكون إماماً من بعده.


1. عارف تامر: الاِمامة في الاِسلام:228.
2. مصطفى غالب:تاريخ الدعوة الاِسماعيلية:336.

(177)

قدم إليه وفد من إسماعيليّة سوريا، وطلبوا من الاِمام رفع مشاكلهم وأن يدفع إليهم السلطان العثماني مكاناً يقطنون فيه بعد أن ضاقت بهم معاقلهم، فقام الاِمام بتنفيذ طلبهم واتصل بالسلطان العثماني إلى أن أصدر السلطان أمره إلى والي دمشق ليسمح للاِسماعيليّة بأن يختاروا مكاناً ليشيدوا فيه مساكن لهم، شريطة أن يعفوا من الضرائب والجندية، تجمّع الاِسماعيليون بزعامة الاَمير إسماعيل، وذهبوا باتجاه المنطقة الشرقيّة حتى وصلوا إلى سهول السلمية فقرروا أن يعيدوا تأسيس مدينة «السلمية» التاريخية، بعد أن دمّرتها الحروب.

توفي الاِمام علي شاه سنة 1302هـ، ونقل جسده إلى مدينة كربلاء ودفن هناك. (1)

3. سلطان محمد شاه «آغا خان الثالث»:

(1294ـ1380هـ)

ولد «محمد سلطان الحسيني» المعروف بآغا خان الثالث عام 1294هـ في محلة «شهر العسل» بكراتشي، وفي الثامنة من عمره اجتمع به رجال الدعوة الاِسماعيليّة في الهند وسلّموه شوَون الاِمامة باحتفال مهيب، وتزوّج في سن العشرين ابنة عمّه «شاه زاده» وزار الغرب لاَوّل مرّة واصلاً إلى لندن، فمنح لقب «كوماندور» للامبراطورية الهندية. كما زار ألمانيا وفرنسا وإيران وتركيا ومناطق عديدة من العالم، وتزوّج عدّة مرّات، وساهم بإنشاء جامعة عليكرة، وبإرسال بعثة إسلامية لتدريس الدين الاِسلامي في اليابان.

وفي حياته نقاط جديرة بالمطالعة، منها:
1.يقول عارف تامر: ورأيته في القاهرة سنة 1956م يقول لاَتباعه الذين جاءوا لزيارته: علّموا أولادكم العلوم العمليّة، وأبعدوهم عن العلوم النظرية،


1. الاِمامة في الاِسلام:228 ـ 229؛ وتاريخ الدعوة الاِسماعيلية:339 ـ 341.

(178)

فالعالم قادم على انقلاب خطير وتطور سريع في ميدان الاستنباط والاختراع. (1)

أقول: ماذا يقصد من العلوم النظرية؟ وهل تختص بالعلوم الدينية، أعني: الكلام والتفسير والفقه، أو تشمل سائر العلوم الاِنسانية الاَُخرى كمعرفة النفس وعلم الاجتماع والقانون؟و على أيّة حال فإرشاداته لا اعتبار بها، وكان الاَفضل أن يرشدهم بالقول: علّموا أولادكم الصناعات الحديثة والعلوم العمليّة إلى جانب سائر العلوم، يقول سبحانه:"وَ قالَ الّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالاِِيمان") (2)فإنّتزويد البشر بالصناعات الحديثة دون الاِيمان كتزويد المجنون بالسلاح، والذي يكبح جماح البشر عن استخدامه لتلك الصناعات الحديثة من سبيل الشر، هو الاِيمان باللّه، والاعتقاد بالمبدأ والمعاد، التي تتكفل العلوم النظرية بيانه.
2. يقول ـ للوفد الاِسلامي الذي جاء يطالبه بالمساهمة ببناء كلية إسلامية في مدينة «منباسا» كينياـ: إنّني لا أُساهم إلاّ بإنشاء مدرسة صناعية كبرى لتعليم الصناعات المختلفة، والمهن الحرّة، فقد كفانا نوماً وركضاً وراء الخيالات والاَحلام. (3)

أقول: ماذا يريد بقوله: كفانا نوماً و ركضاً وراء الخيالات والاَحلام؟! فهل مقصوده أنّ العلوم الدينيّة هي منبع للخيالات والاَحلام؟! فحينئذٍ ستكون قيادته مبنيّة على الاَوهام والخيالات، فما أشبه كلامه بفعل من تسلّق الشجرة وأخذ يقطع ما تحته. بل إنّ كلامه هذا تفريغ واضح وصريح لحالة القداسة الدينية التي طالما حاول أن يظهر بها أمام المسلمين عامة وأتباعه بصورة خاصة.
3. يقول الموَرّخ المعاصر مصطفى غالب: سمو آغا خان يملك قصوراً كثيرة في جميع أنحاء العالم، وطائرات حديثة من أفخر طراز، وعدداً كبيراً من


1. عارف تامر: الاِمامة في الاِسلام:231.
2. الروم:56.
3. عارف تامر: الاِمامة في الاِسلام:233.

(179)

أحدث اصطبلات الجياد في العالم، ويحتفظ بفصيلة جياد (هاراث) التي تملكها أُسرته منذ زمن بعيد، ومنها ينتج أحسن خيول السباق المعروفة، وقد ربحت هذه الخيول أكبر الجوائز العالمية لسباق (دربي).

والاِمام آغا خان يُعد من أغنى أغنياء العالم، إذ يُقدّر إيراده السنوي بمبلغ يتراوح بين 600 ألف و10 ملايين دولار، وقد قُدّرت مجموعة الجواهر التي يملكها بمبلغ 200 مليون دولار. (1)

لا شكّ أنّ حياة البذخ التي عاشها الاِمام آغا خان ليست نتيجة كد عمله ومحصول جهده إنّما هي أموال شرعية باسم الزكاة والخمس قدمتها إليه الطائفة الاِسماعيليّة المتشكلة من الفلاحين والعمال وأصحاب المكاسب الحرّة، لا أنّها أموال شخصيّة للاِمام، بل ملك لمنصب الاِمامة يصرفها في المشاريع الخيرية، فأين حياة البذخ هذه ممّا كان عليه الاِمام أمير الموَمنين ذلك الاَُسوة الحسنة لعامة البشر والمسلمين خاصة حيث يكتب إلى عامله بالبصرة عثمان بن حنيف: «ألا وإنّ لكلّ مأموم إماماً يقتدي به ويستضىَ بنور علمه، ألا وإنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طعمه بقرصيه، إلى أن يقول: ولعلّ بالحجاز واليمامة من لا طمع له بالقرص، ولا عهد له بالشبع، أو أبيت مبطاناًوحولي بطون غرثى، وأكباد حرّى، أو أكون كما قال القائل:

* * *

وحسبك داءً أن تبيت ببطنةٍ * وحولك أكباد تحن إلى القـد

أ أقنع من نفسي بأن يقال هذا أمير الموَمنين، ولا أُشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون أُسوة لهم في جشوبة العيش، فما خُلقت ليشغلني أكل الطيبات، كالبهيمة المربوطة همّها علفها، أو المرسلة شغلها تقمّمها». (2)


1. مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الاِسماعيلية:366.
2. نهج البلاغة: قسم الرسائل، رقم 45، تعليق صبحي الصالح.

(180)

4. يقول: ويجب أن لا يغرب عن بالكم، بأنّ هذه المشاريع لا يمكن أن تتحقق، ولا يكتب النجاح لهذه النهضة الاِصلاحية إلاّ إذا دفعت ضريبة العشر، والعشر هذا تضحية جزئية واجبة على كلّ إسماعيلي يعتقد ولايتنا ويخلص لنا.(1)

ويلاحظ عليه: بأنّ الفريضة مختلفة في الزكاة، وليست مبعضة بالعشر كما هو واضح، لمن له أدنى إلمام بالفقه الاِسلامي من سنة وشيعة، كما أنّ الواجب في المعادن، والركائز، وأرباح المكاسب، هو الخمس، لا العشر، فالتركيز على العشر، وحذف المعايير الاَُخر إبطال للشريعة.
5. ومن نصائحه لاَتباعه أنّه أمرهم بالزهد، ويقول: لا تسرفوا شيئاً على طقوس الاَموات والزواج، وازهدوا في لذائذ الحياة الدنيا، وادّخروا شيئاً من نفقاتكم الشهريّة، وابتاعوا بها سندات شركات التأمين وأوراق الدولة المالية. (2)

إنّ هذه النصيحة ممزوجة بالحقّ والباطل، فهو يأمرُ أتباعه بالزهد، بينما يعيش هو حياة البذخ والاِسراف، أتقولون مالا تفعلون؟!
6. قال لزوجته الفرنسية في صباح اليوم الذي قرّر أن تتم به حفلة زواجهما:

ابنتي العزيزة!!...

أنت لا تجهلين ولا ريب بأنّي أميرٌ شرقي كبيرٌ وأعتقد بأنّك تجهلين بأنّ آلافاً وآلافاً من البشر يعتقدون بأنّ الاِله متجسم فيَّ تقريباً. (3)

أقول: يبدو بأنّه إمّا يصحح عقيدة أتباعه في حقّه ، أو يخطّئهم، فعلى الوجه الاَوّل هو إله متجسِّم حسب عقيدته، وعلى الوجه الثاني مقصّر في إضفاء الشرعية على عقيدة قومه، وعدم تخطئتهم، وإرشادهم إلى الحقّ.


1. مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الاِسماعيلية:365.
2. المصدر السابق: 368.
3. المصدر السابق: 372.


(181)

الاِمام يتعلّم على يد مأمومه

قال الموَرّخ الاِسماعيلي المعاصر مصطفى غالب: وسموّه يجيد اللغات الشرقية والغربية من الهندية والفارسية والعربية والتركية، والانكليزية والفرنسية والاِيطالية والاَلمانية، وغيرها من اللغات العديدة، كلُّ هذا بدون أن يدخل أيَّ مدرسة أو يتلّقى علومه في أيّ معهد، وقد تلقّى تعليمه الاَوّل على أيدي والدته التي علّمته تعليماً صحيحاً، فجعلته يتقن اللغات الاَُوروبية والعربية والفارسية. (1)

وقال عارف تامر: وتوفي والده علي شاه، وهو في الثامنة من عمره، فاجتمع به رجال الدعوة الاِسماعيليّة في الهند، وسلّموه شوَون الاِمامة باحتفال مهيب. وكان هذا من الاَسباب التي حفّزت والدته على مضاعفة السهر على حياته، وإحضار المربّين الاختصاصين، والاَساتذة الماهرين ، عملوا على تدريسه اللغات الاَجنبية والفارسية والعربية. (2)

و هنا نقطة جديرة بالاِمعان وهي أنّالثابت في عقيدتهم أنّ الاِمام منصوص لا يتلقّى العلم إلاّ عن الغيب فعلمه لدني.

فلا أدري ما هذا الاِمام. الذي يتلقّى العلم عن مأمومه، وهل الاِمام ذو العلم اللدني بحاجة إلى دخول المدارس البشرية، وتعلّم اللغات والعلوم وغير ذلك.

وفي يوم الخميس الساعة الثانية ظهراً الحادي عشر من تموز سنة 1957م الموافـق (1377هـ) توفي الآغا خان في قصره بسويسرا، ونقل جثمانه جوّاً إلى أسوان بمصر. ودفن في المقبرة التي شرع بتشييدها على رأس ربوة الجبل الاَصفر غرب مدينة أسوان في مصر. (3)


1. مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الاِسماعيلية:351.
2. عارف تامر: الاِمامة في الاِسلام:234.
3. مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الاِسماعيلية:392.

(182)

و لما توفي آغا خان الثالث في سويسرا توجه زعماء الاِسماعيلية من مختلف أنحاء العالم إلى مقر الآغا خان في قصر بركان، حيث حضروا فتح وصيّة الاِمام الراحل التي كانت مودعة في بنك (لويدز) في بريطانيا.

واستناداً إلى هذه الوصية فقد تم إعلان إمامة كريم بن علي شاه الحسيني، ولُقّب بآغا خان الرابع. (1)

و من الطريف بالذكر هو أنّالاِمام آغا خان الثالث قد عهد بالاِمامة لابنه الاَمير على خان في حياته، يقول مصطفى غالب: أصبح الاَمير علي خان وليّاً لعهد الاِمامة الاِسماعيليّة في التاسع والعشرين من تشرين الثاني عام 1927 ميلادية وجرت احتفالات عظيمة بهذه المناسبة، عمّت جميع البلدان الاِسماعيليّة. (2)

وقد خاب أمل الاَمير علي خان لما فُتحت وصيّة والده التي كانت مُودعة في بنك (لويدز) في بريطانيا والتي تنصُّ على إمامة حفيده كريم بن علي شاه الحسيني (آغا خان الرابع)، ولا أجد تفسيراً لها إلاّبنشوب الخلافات بينهما.

و ممّا جاء في وصيته التي أبطل بها إ مامة ابنه:

و نظراً إلى الظروف التي تغيّرت تغيّراً أساسياً في العالم في السنوات الاَخيرة، ونظراً للتغيّـرات الكبرى التي وقعت، ومن بينها اكتشاف العلوم الذرية، فإنّي على يقين أنّمصلحة الطائفة الاِسماعيليّة تقتضي أن يخلفني شابٌ نشأ وترعرع في السنوات الاَخيرة وسط هذا العصر الحديث، وأن تكون له نظرةٌ جديدة للحياة عند تولّي زعامة الطائفة الاِسماعيليّة، لذلك أختار حفيدي كريم خان، ليكون خليفة لي وزعيماً للطائفة من بعدي. (3)


1. مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الاِسماعيلية: 402ـ403.
2. مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الاِسماعيلية :393.
3. مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الاِسماعيلية:402.

(183)

وقد توفي ولده علي خان المعزول في الخامس عشر من ذي القعدة سنة 1380 هجرية، بحادث اصطدام سيارته التي كان يقودها بنفسه، ودفن جثمانه موَقتاً في قصره الخاص في نويللي بفرنسا، ريثما يتم نقله إلى مقرّه الاَخير في سلَمية سوريا تنفيذاًلوصيته.

فالاِمام الحاضر للاِسماعيليّة هو كريم حفيد (آغا خان الثالث) لا ولده.

كريم بن علي بن محمد

آغا خان الرابع

ولد سنة 1938 م في مدينة جنيف بسويسرا، والده هو الاَميرعلي خان الذي أُقصي عن مركز الاِمامة بموجب وصية والده سلطان محمد شاه (آغا خان الثـالـث)، وأُمّه هي الاَميرة البريطانية (جون بربارايولد) ابنة اللورد تشارستون، تلقّى علومه الاَوّلية في مدارس سويسرا، فأتقن الانكليزية والفرنسية والاِسبانية، كما درس اللغة العربية، وبعد أن أكمل تحصيله في سويسرا انتسب إلى جامعة (هارفرد الاَميركية).

كان كثير التنقل والاَسفار، يمارس الرياضة الصعبة، وقد نجا مرتين من حادثتي اصطدام مروعتين، ويولي الشوَون الاقتصادية والمالية اهتمامه، ويتجنّب الخوض ببحر السياسة. كما ويقوم بزيارة لاِفريقية وسوريا ولبنان وإيران في العام، لتفقد شوَون أتباعه ومعالجة قضاياهم. وهو لا يزال حيّاً يرزق. (1)

هوَلاء أئمّة النزاريّة القاسمية الآغاخانية، وهم الفرقة المنحصرة باستمرار الاِمامة في أولاد إسماعيل، وفق المذهب الاِسماعيلي، فاللّه سبحانه يعلم هل تستمر الاِمامة بعد رحيله أوتدخل في كهف الغيبة.


1. الاِمامة في الاِسلام:237؛ وتاريخ الدعوة الاِسماعيلية:403.

(184)



(185)


الفصل العاشر


في
الاِسماعيلية والاَصول الخمسة


(186)



(187)

الاِسلام عقيدة وشريعة، والاِسماعيليّة كغيرها من المذاهب الاِسلاميّة لها أُصول، وفروع، أمّا الفروع فلا يختلفون مع المسلمين في أُمهاتها، وكفى في الوقوف عليها ما كتبه القاضي أبو حنيفة النعمان بن محمد التميمي المغربي باسم «دعائم الاِسلام». نعم، انفردوا في الاعتقاد بأنّ لكلِّ حكم فرعي ظاهراً وباطناً، ولهم موَلفات خاصّة في تأويل الظواهر الفرعيّة،وقد ألّف القاضي المذكور كتاباً باسم «تأويل الدعائم» وسيمر عليك بعض تأويلاتهم في هذا المجال.

إنّما الكلام في عقائدهم وأُصولهم التي بنوا مذهبهم عليها، والعثور عليها أمر مشكل جدّاً وذلك لوجوه:

الاَوّل: الظنّة بكتبهم والتستر عليها وإخفائها وعدم جعلها تحت متناول أيدي الآخرين، وأن فرض عليهم الوضع الراهن كسرطوق التكتم، وإزاحة الستار عن بعض الكتب، والفضل يعود إلى غيرهم، فلو كان الاَمر بيد دعاتهم وعلمائهم لما سمحوا بذلك، ولَما وصلت بأيدينا تلك الكتب.

الثاني: اتخاذ الفلسفة اليونانية عماداً وسنداً للمذهب، فأدخلوا فيه أشياء كثيرةً ممّا لا صلة لها بباب العقائد والاَُصول، ولا يضر الاعتقاد بها أو بعدمها، ولا يضرّه جهلها فالقول بالعقول العشرة، والاَفلاك التسعة ونفوسها، وأنّ الصادر الاَوّل هو العقل إلى أن ينتهي الصدور إلى العقل العاشر، فروض فلسفيّة طُرحت لحل مشكلة (امتناع صدور الكثيرعن الواحد)، وهذه المباحث على فرض صحتها تختص بذوي المواهب الكبيرة في مجال الفكر، فإدخالها في المذهب والدعوة إليها، إلزام بلا ملزم.


(188)

الثالث: أنّ المذهب الاِسماعيلي، لم يكن في بدء ظهوره مذهباً منسقاً، وإنّما تكامل حسب مرّ السنين، نتيجة احتكاك الدعاة مع أصحاب الفلسفة اليونانية، وحسب أذواقهم في مجال التأويل، وهذا أمر مسلّم بينهم، يقول الكاتب الاِسماعيلي مصطفى غالب:

إنّالعقائد الاِسماعيلية لا يمكن دراستها وبحثها على أنّها عقائد ثابتة لفرقة موحّدة، وذلك أنّها عقائد تطورت حسب البيئات والاَزمان، واختلفت باختلافها، وتشعّبت آراوَها ونظرياتها، حتى أصبح من الصعب أن تبلور هذه العقائد، أو أن تُصهر في بوتقة واحدة. (1)

وقد اعتمدنا من بين كتبهم العقائديّة على كتابين هما:
1. «راحة العقل»: تأليف الداعي في عهد الحاكم، أعني: حميد الدين أحمد ابن عبد اللّه الكرماني، الملقّب بحجة العراقين، وكبير دعاة الاِسماعيليّة في جزيرة العراق، وصاحب الموَلّفات العديدة في المذهب الاِسماعيلي، ألّفه عام (411هـ)، وقد عاصر الفيلسوف الاِسلامي الكبير ابن سينا (373ـ427هـ) ومن المعلوم أنّ هذا العصر وما قبله عصر إزدهار الفلسفة اليونانية، فقد قام المسلمون وغيرهم بترجمة تلك الفلسفة وشرحها وتحقيقها.

وقد وضع الداعي كتابه هذا على غرار ما أُثر من الفلسفة، وأدخل فيه شيئاً ممّا لا يمت إلى المذهب بصلة، فإنّ أكثر مباحثه مسائل فلسفية بحتة، أو طبيعية، لا ارتباط لها بصميم المذهب.و يتجلّى ذلك بوضوح حينما يقوم الداعي الكرماني في ترسيم عوالم الخلقة.

إنّ الكتاب لا ينقسم إلى أبواب أو مقالات، ولا تشتمل أبوابه أو مقالاته على فصول على نحو ماجرت به العادة في تقسيم الكتب،و إنّما ينقسم إلى أسوار،


1. كنز الولد: 7 ، قسم المقدمة.

(189)

ويندرج تحت كلّ سور عدّة مشارع، هي من السور بمنزلة الاَجزاء من البلد الذي يحيط به السور.

فكان مثل «راحة العقل» كمثل المدينة،و السور بمنزلة الاَبواب، والمشارع بمنزلة الفصول، ولكن عدد الاَسوار، التي يشتمل عليها الكتاب سبعة، يدخل في نطاق كلّ منها سبعة مشارع، فتكون عدد المشارع تسعة وأربعين مشرعاً.

ولكنّ تتمة لما ينطوي عليه منهجه في تقسيم الكتاب من معاني التأويل والمتقابلات قد زاد على هذه المشارع (التسعة والاَربعين) سبعة مشارع أُخرى.

وإنّما كانت الاَسوار سبعة مقابلة بينها وبين السيارات السبع، وهي: زحل، والمشتري، والمريخ، والشمس، والزهرة، وعطارد، والقمر.

يقول الداعي: فجعلنا أسواره سبعة بإزاء السيارات منها الموَثرة في المواليد الجسمانية القائمة في الدين تأويلاً، حيال بيوت أنوار اللّه أصحاب الاَدوار السبعة الموَثّرين في المواليد النفسانية. وجعلنا مشارع أسواره تسعة وأربعين مشرعاً، بإزاء محيط الاَفلاك صغاراً وكباراً المحركة لما دونها من الاَجسام. (1)

وقد طبع لاَوّل مرّة بالقاهرة بتحقيق الدكتور محمد كامل حسين والدكتور محمد مصطفى حلمي، ونشرته دار الفكر العربي بالقاهرة عام 1371 هـ، وأُعيد طبعه ثانياً بتحقيق مصطفى غالب الذي هو من كتّاب الاِسماعيلية نشره عام 1967م.
2. «تاج العقائد ومعدن الفوائد»، تأليف الداعي الاِسماعيلي اليمني المطلق، علي بن محمد الوليد (522ـ612هـ) حقّقه عارف تامر، ونشرته دار المشرق بيروت، وهذا الكتاب أسهل فهماً وأحسن تعبيراً في بيان عقائد الاِسماعيلية.


1. راحة العقل:25، ولاحظ المقدمة :10.

(190)

و نحن نعتمد على هذين الكتابين ـ مع البون الشاسع بينهما ـ في بيان الفوارق الموجودة بينهم وبين سائر الفرق، دون أن نذكر المشتركات، فانّ دراسة الجميع توَدي إلى أن يطول بنا الكلام، والهدف تسليط الضوء على عقائدهم عن كثب، وربّما نعتمد على غير هذين الكتابين عند اقتضاء الحال.


(191)

الاِسماعيلية والاَُصول الخمسة

1

عقيدتهم في التوحيد

1. عقيدتهم في توحيده سبحانه، أنّه واحد لا مثل له ولا ضد:

يقول الكرماني في المشرع الخامس: إنّه تعالى لا ضد له ولا مثل (1) ثمّ يستدل عليه.

ويقول علي بن محمد الوليد (الداعي الاِسماعيلي اليمني): إنّه تعالى واحد لا من عدد، ولا يُعتقد فيه كثرة، أو إزدواج أشكال المخلوقات، واختلاف البسائط والمركبات (2) ثمّيستدل عليه.

و يقول أحد الدعاة الاِسماعيلية في قصيدة له في العقائد:

* * *

الحمد للّه القديم الاَزلي * المبدع العالي معلِّ العلل

* * *

باري البرايا الدائم الفرد الصمد * والجاعل الواحد أصلاً للعدد (3)


1. راحة العقل:47.
2. علي بن محمد الوليد: تاج العقائد ومعدن الفوائد:21.
3. القصيدة الشافية:1.

(192)

2. انّه سبحانه ليس أيسا:

إنّالاَيس بمعنى الوجود، ولعلّ أوّل من استعمله هو الفيلسوف الكندي، وقد اشتهر في الفلسفة الاِسلاميّة أنّالممكن من ذاته أن يكون ليس، ومن علّته أن يكون أيس، وإن كانت هذه الكلمة في التعبير عن مكانة الممكن تعبيراً غير دقيق، لاَنّ معناه ، أنّالممكن من ذاته يقتضي العدمَ، وهذه علامة الممتنع لا الممكن، فالممكن لا يقتضي من صميم ذاته أحدَ الشيئين، الاَيس والليس.

وعلى كلّ تقدير فهوَلاء يستنكرون وصفه سبحانه بالاَيس، المرادف للوجود.

وقد استدل عليه الداعي الكرماني بوجه مبسّط نأخذ منه ماله صلة بصميم الموضوع، وحاصل ما ذكره يرجع إلى أمرين:

الاَوّل: لمّا كان الاَيس ـ في كونه أيساً ـ محتاجاً إلى ما يستند إليه في الوجود، وكان هو ـ عزّ كبرياوَه ـ متعالياً عن الحاجة فيما هوهو إلى غير، به يتعلق، مابه هوهو، كان من ذلك الحكم، بأنّه تعالى خارج عن أن يكون أيساً، لتعلّق كون الاَيس أيساً بالذي يتأوّل عليه الذي جعله أيساً، واستحالة الاَمر في أن يكون هو تعالى أيساً، ولا هو يحتاج فيما هوهو إلى غير به هوهو، فيستند إليه، تكبّر عن ذلك وتعزّز وتعالى علوّاً كبيراً.

فإذا كان هو عزّوعلا غير محتاج فيما هوهو إلى غير، به يتعلّق ، ما به هوهو، فمحال كونه أيسا.

وحاصل هذا الوجه مع تعقيده في التعبير، يرجع إلى أمر واضح، وهو أنّه لوكان موصوفاً بالوجود، فبما أنّالصفة غير الموصوف، يحتاج في وصفه به إلى الغير، وهو تعالى غني عمّا سواه.

ولو كان ما جاء به الكرماني مذهباً للاِسماعيليّة فهو يُعرب عن عدم نضوج الفلسفة اليونانية في أوساطهم، فهوَلاء يتصوّرون أنّ الوجود أمر عارض على


(193)

الواجب، فيبحثون عن مسبب العروض، مع أنّه إذا كان ماهيته انيّته، وكان تقدّست أسماوَه عين الوجود، فالاستدلال ساقط من رأسه، والمسألة مطروحة في الفلسفة الاِسلامية على وجه مبسط، وفي ذلك الصدد يقول الحكيم السبزواري:

* * *

والحقّ ماهيّته إنِّيَّته * إذ مقتضى العروض معلوليّته

فمن أراد التفصيل فليرجع إلى المصدرين في الهامش. (1)

الثاني: أنّ اللّه تعالى إن كان أيساً، فلا يخلو أن يكون إمّا جوهراً، وإمّا عرضاً.

فإن كان جوهراً، فلا يخلو أن يكون إمّا جسماً أو لا جسماً (المجرد).

فإن كان جسماً، فانقسام ذاته إلى ما به وجودها، يقتضي وجود ما يتقدم عليه بكون كلّ متكثر مسبوقاً متأوّلاً عليه، وهو يتعالى بسبحانيّته عن أن يتأوّل عليه غيره.

وإن كان لا جسماً، فلا يخلو أن يكون إمّا قائماً بالقوة مثل الاَنفس، أو قائماً بالفعل مثل العقول.

فإن كان قائماً بالقوّة، فحاجته إلى ما به يخرج إلى الفعل تقتضي ما يتقدّم عليه، وهو يتعالى عن ذلك.

وإن كان قائماً بالفعل ، فلا يخلو من أن يكون إمّا فاعلاً في ذاته من غير حاجة إلى غيرٍ به يتم فعله، أو فاعلاً في غيرٍ به يتم فعله.

فإن كان فاعلاً في غير به يتم فعله، فلنقصانه في فعله وحاجته إلى ما يتم به فعله، تقتضي ما يتأوّل عليه، وهو يتعالى عن ذلك.

وإن كان فاعلاً في ذاته، من غير حاجة إلى غيرٍ به يتم فعله، فلاستيعاب ذاته النسب المختلفة بكثرة المعاني المتغايرة، بكونه في ذاته فاعلاً ومفعولاً بذاته،


1. راجع الاَسفار لصدر المتألهين:1|96، باب في أنّ الحق تعالى إنيّة صرفة؛ وشرح المنظومة للحكيم السبزواري:2|96.

(194)

يقتضي ما عنه وجوده الذي لا تكون فيه كثرة ولا قلّة بهذه النسب، وهو يتعالى عن ذلك.

وإن كان عَرضاً، وكان وجودُ العرض مستنداً إلى وجود ما يتقدم عليه من الجوهر، الذي به وجوده، وهو يتعالى ويتكبر عن أن تتعلّق هويته بما يتأوّل عليه، بطل أن يكون عرضاً. (1)

وحاصل هذا الوجه أنّ كونه سبحانه موصوفاً بالاَيس، لا يخلو من صور أربع:

أ: أن يكون جوهراً جسمانياً.

ب: أن يكون عرضاً.

ج: أن يكون جوهراً مجرداً، قائماً بالقوّة، مثل الاَنفس.

د: أن يكون جوهراً مجرداً قائماً بالفعل، مثل العقول.

الصورة الاَُولى: تستلزم أن يكون موَلّفاً من أجزاء، والاَجزاء متقدّمة على الكُلّ، فيكون محتاجاً إلى غيره.

و مثلها الصورة الثانية: لحاجة العرض إلى وجود موضوع متقدم عليه.

ومثلها الثالثة:لاَنّه إذا كان قائماً بالقوّة، فيحتاج إلى من يخرجه إلى الفعل، وأن يكون المخرج متقدّماً عليه، وهو سبحانه غني.

وأمّا الصورة الرابعة: فقد فصّل فيها الكلام ولها شقان:

الاَوّل: أن يكون فاعلاً في ذاته، من غير حاجة إلى غير به يتم فعله، فهذا يستلزم اجتماع النسب المختلفة في ذاته.

الثاني: أن يكون فاعلاً في غيرٍ به يتم فعله، فهو يستلزم حاجته إلى ما يتمُّ به فعله، وهو غني على الاِطلاق.


1. راحة العقل:39ـ40.

(195)

والاستدلال مبني على أنّه صوّر للواجب ماهيّة بين كونها جوهراً أو عرضاً، والجوهر جسماني أو نفساني، أوعقلائي، والفروض كلّها باطلة، لاَنّ القائل بكونه وجوداً، وأيسا، يقول: هو والوجود متساويان؛ الواجب = الوجود.

ولا يذهب عليك أنّ الفرض الرابع، وهو كونه موجوداً بالفعل مردداً بين كونه فاعلاً في ذاته، أو فاعلاً في غير، لا يخلو عن تعقيد وغموض.

ثمّ إنّ الداعي ذكرَ وجهاً ثالثاً لعدم كونه سبحانه أيساً، ليس له قيمة تذكر، فمن أراد فليرجع إليه. (1)

3. في نفي التسمية عنه:

يقول الداعي الاِسماعيلي علي بن محمد الوليد: إنّوضع التسمية عليه محال، إذ كانت التسمية إنَّما جعلت وسماً يوسم بها المخلوقات، ليكون الخلق بها فصولاً فصولاً، يتميّز بها كلّ صورة عن الصورة الاَُخرى، حتى ينحفظ كلّ صنف منها، ويمكن للعقل الحكاية عنها إذا دعت الحاجة إليها، فيكون بذلك ظهور أشكال العالم في أيّ تسمية وسم بها، وهو متعال، ليس له صورة نفسانية،ولا عقلية،ولا طبيعيّة،ولا صناعيّة، بل يتعالى بعظيم شأنه، وقوّة سلطانه عن أن يوسم بما يوسم به أسباب خلقته، وفنون بريته ،و قد اتفقت فحول العلماء على أنّه تعالى لم يزل ولا شيء معه، لا جوهراً ولا عرضاً. (2)

ولا يذهب عليك، أنّعنوان البحث غير منطبق على ما جاء فيه، فلو كان العنوان من جانب الموَلّف، وإلاّ فالعنوان يهدف إلى شيء، وما ورد فيه إلى شيء آخر، فإنّ تسمية اللّه سبحانه أمر اتّفق عليه كافّة أهل التوحيد، ومراده هو نفي


1. راحة العقل:40.
2. علي بن محمد الوليد: تاج العقائد ومعدن الفوائد:26.

(196)

الماهيّة، كالجوهرية والعرضية.

كما أنّمراده في بحث آخر في الكتاب، تحت عنوان «في نفي الحدّعنه» هو نفي كونه متناهياً.

4. نفي الصفات عنه:

إنّنفي الصفات عنه سبحانه، مما اشتهر عن الاِمام أمير الموَمنين - عليه السّلام- في خطبه، وعنه أخذت المعتزلة، قال - عليه السّلام- : «أوّل الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الاِخلاص له، وكمال الاِخلاص له نفي الصفات عنه، بشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف، وشهادة كلِّ موصوف أنّه غير الصفة، فمن وصف اللّه سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثنّاه، ومن ثنّاه فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد جهله، ومن جهله فقد أشار إليه، ومن أشار إليه فقد حدّه، ومن حدّه فقد عده، ومن قال: «فيم» فقد ضمّنه، ومن قال: «عَلامَ؟» فقد أخلى منه».(1)

وقد ذهبت الاِماميّة، وقسم من المعتزلة، تبعاً للاَدلة العقليّة، التي أشار إليها الاِمام في كلامه، بأنّ المرادَنفي الصفات الزائدة عليه، لا نفي الصفات على الاِطلاق، فاللّه سبحانه علمٌ كلّه، قدرة كلّه، حياة كلّه، وهكذا، لا أنّه شيء، وعلمه شيء آخر ؛ خلافاً للاَشاعرة، فقد ذهبوا إلى زيادة الصفات على الذات مع كونها قديمة، فأورد عليهم باستلزامه القول بالقدماء الثمانية.

ولكن الاِسماعيليّة ذهبت إلى نفي الصفات عنه على الاِطلاق، واكتفت في مقام معرفته سبحانه بالقول بهويته وذاته دون وصفه بصفات، حتى الصفات الجماليّة والكماليّة، ولهذا نرى أنّ الداعي الكرماني يعترض على المعتزلة الذين


1. نهج البلاغة: الخطبة الاَُولى.

(197)

قالوا بنفي الصفات قائلاً:

إنّ المتأمّل المنصف، إذا فحص عن ذلك بفكره، علم أنّ كلاً من المخالفين قد زيّن مذهبه، بأن عمد في توحيده لمعبوده ما عمدناه، وقصد ما قصدناه، في استعمال حرف (لا ) في نفي (1)ما يستحق الغير عن اللّه تعالى، خاصّة المعتزلة الذين صدّروا كتبهم، وزيّنوها بقولهم في أُصول مذهبهم: بأنّ اللّه تعالى لا يوصف بصفات المخلوقين...و هذا من قولهم، هو أصل مذهبنا، وعليه قاعدة دعوتنا، بأنّنا لا نقول على اللّه تعالى، ما يقال على المخلوقين، وهو المعتمد في توحيد معبودنا، والمقصود في أنحاء كلامنا، لكن المعتزلة قالوا بأفواههم قول الموحدين، واعتقدوا بأفئدتهم اعتقاد الملحدين، بنقضهم قولهم أوّلاً بأنّاللّه لا يوصف بصفات المخلوقين، بإطلاقهم على اللّه سبحانه وتعالى ما يستحقه غير اللّه تعالى، من الصفات من القول بأنّه حيٌّ قادرٌ، عالمٌ، وسائر الصفات، نعوذ باللّه. (2)

ويقول علي بن محمد الوليد: إنّنفي الصفات عنه معتقد صحيح، لا يسوغ تركه، لاَنّ الصفات تلحق الجوهر، إمّا في الاَجسام وإمّا في النفوس، ويكون في الاَجسام كيفيات من خارجها، كالاَقدار، والاَلوان، وما يجري مجراها، وفي النفوس كيفيات من داخلها، كالعلم، والجهل، ومايجري هذا المجرى، وهو يتعالى عن أن يكون له داخل أو خارج.

و ممّا تقرر عند كل ذي عقل أنّ الصفات تلحق الموصوف من غيره، لا من ذاته، ألا ترى أنّصفات الاَجسام التي هي لها، تأتي من خارجها كالاَقدار والاَلوان، وما يجري مجراها، وفي النفوس كيفيات من داخلها، كالعلم، والجهل ومايجري هذا المجرى، وهو يتعالى أن يكون له داخلاً أو خارجاً، ومما تقرر عند كلّ ذي عقل أنّ الصفات تلحق الموصوف من غيره لا من ذاته. (3)


1. وفي المصدر (النفي)؛ راحة العقل:52.
2. راحة العقل:52ـ53.
3. علي بن محمد الوليد: تاج العقائدو معدن الفوائد:27.

(198)

5. الصّادر الاَوّل هو الموصوف بالصفات العليا:

لمّا ذهبت الاِسماعيليّة إلى نفي الصفات عنه سبحانه، مع أنّ الكتاب والسنّة مليئان بهما، لم يكن لهم بُد من إرجاع تلك الصفات إلى المبدع الاَوّل، الذي هو الموجود الاَوّل، وإليه تنتهي الموجودات، وهو الصادر عنه سبحانه بالاِبداع، لا بالفيض والاِشراق، كما عليه إخوان الصفا. (1)

قال الداعي علي بن محمد الوليد: إنّ الباري تعالى وتقدّس لمّا تعاظم عن أن يُنال بصفة توجد في الموجودات، لقصور الموجودات عن وصفه بما تستحقه الاِلهيّة، جعل موجوداً أوّلاً تتعلّق الصفات به، عطفاً ورحمةً ومنّة على عقول عباده أن تهلك وتضل، إذا لم تستند إلى ما تقف عنده، فتوقع الصفات عليه، فجعل للعالم مبدأ مبدعاً، وهو الاَوّل في الوجود من مراتب الموجودات، وكان المبدع حق لوجوده عن المتعالى سبحانه، غاية تنتهي إليها الموجودات.

ثمّإنّه أفاض الكلام في صفاته، وعرّفه بكونه: موجوداً حقاً واحداً،تامّاً، باقياً، عاقلاً، عالماً، قادراً، حيّاً، فاعلاً.

ثمّ قال: الحياة ذات جامعة لهذه الاَُمور وبها هي فاعلة. (2)

وقال الداعي الكرماني في هذا الصدد:

«فالاِبداع هو الحقّ والحقيقة، وهو الوجود الاَوّل، وهو الموجود الاَوّل، وهو الوحدة، وهو الواحد، وهو الاَزل، وهو الاَزلي، وهو العقل الاَوّل، وهو المعقول الاَوّل، وهو العلم، وهو العالم الاَوّل، وهو القدرة، وهو القادر الاَوّل، وهو الحياة، وهو الحيّ الاَوّل، ذات واحدة، تلحقها هذه الصفات، يستحق بعضها لذاته، وبعضها بإضافةٍ إلى غيره، من غير أن تكون هناك كثرة بالذات.


1. رسائل اخوان الصفا:3|189، طبعة بيروت.
2. علي بن محمد الوليد: تاج العقائد ومعدن الفوائد:40ـ41.

(199)

إلى أن قال: وهذه الاَُمور وجودها له ضروري، لكونه أوّلاً في الوجود الواجب، احتوائه على أشرف الكمالات وأشرف الموجودات.

إلى أن يقول: وجوهر هذا الاِبداع جوهر الحياة، وعينه عين الحياة، والحياة متقدمة على سائر هذه الصفات، ولذلك قدَّم اللّه تعالى عند وصفه سمة الحياة في قوله تعالى: "اللّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم") (1)فهو متوحّد من جهة كونه إبداعاً وشيئاً واحداً، ومتكثّر من جهة الموجود فيه من الصفات، على ما بيّناه. (2)

أقول: إنّ المبدع الاَوّل حسب ما يذكرونه هو الاِله الثاني، غير أنّه يفارقه بأنّه المبدَع بإبداعه سبحانه، وبذلك يفترق عن إله العالمين.

وأعجب منه أنّالكرماني يصفه بأنّه أزليٌّ، ولعلَّ المراد أنّه قديم زماناً وحادثاً ذاتاً.

على أنّهذا الكلام باطلٌ من أصله، وذلك: لاِمكان وصفه سبحانه بالاَوصاف الجماليّة، والكماليّة، من دون أن يطرأ على ذاته وصمة النقص، وذلك بحذف المبادىَ، والاَخذ بالغايات، فهو سبحانه علم، لا بما أنّه كيف، بل بما هو وجود بحت، وأنّ الوصف ربَّما يكون له من الكمال على حدٍّ يكون قائماً بذاته لا طارئاً على الذات، وما يلاحظ من المباينة بين الوصف والموصوف، فإنّما هو من خصوصيات المورد أيْ الممكنات، ولا يجب أن يكون كلّ وصف كذلك.


1. البقرة:255.
2. راحة العقل: 83، طبعة القاهرة.

(200)

الاِسماعيلية والاَُصول الخمسة

2

عقيدتهم في العدل

قد تعرّفت في البحث السابق على أنّهم لا يصفونه سبحانه بوصف، ويعتقدون أنّه فوق الوصف، وأنّغاية التوحيد نفي الوصف، وإثبات الهوية، ولهذا لا تجد عنواناً لهذا الفصل في كتبهم حسب ما وصل بأيدينا، ولكن يمكن استكشاف عقيدتهم في عدله سبحانه من خلال دراستهم لفعل الاِنسان، وهل هو إنسان مسيّر أو مخيّر؟

1. الاِنسان مخيّر لا مسيّر

يقول الداعي علي بن محمد الوليد: الاِنسان مجبور في حال تركيبه، ورزقه، ومدّته، وحركات طبائعه، والكيان بنشوئه، ومايحدث عليه مقهور عليه مغيّب عن إدراكه وعيانه، ليكون مفتقراً بالدعاء والتضرّع إلى خالقه، إذ لو كشف له لفسد حاله.و مخيّـر غير مجبور فيما يعتقد لنفسه، من علومه، وصناعته، ومذاهبه، و معتقداته.

إلى أن قال: ولولا ذلك لما كانت لها منفعة بإرسال الرسل، وقبول العلم، وتلقي الفوائد والانصياع لاَوامر اللّه تعالى، إذ لو كانت مجبورة لاستغنت عن كلّ شيء تستفيده.

ثمّ استدلّ بآيات منها قوله تعالى: "وَ أَنْ لَيْسَ لِلاِِنْسانِ إِلاّما سَعى* وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى") (1)إلى غير ذلك من الآيات. (2)


1. النجم: 39ـ40.
2. تاج العقائد: 166ـ 168.

(201)

2. القضاء والقدر لا يسلبان الاختيار

إنّ القضاء والقدر من العقائد الاِسلاميّة التي لا محيص لمسلم عن الاعتقاد بهما، غير أنّ البحث فيهما ينصّب على نكتة مهمة وهي هل أنّهما يسلبان الاختيار أو لا ؟

فالظاهر من أهل السنّة، إلاّمَنْ شذَّ، تفسيرهما على وجه يسلبان الاختيار، على خلاف ما ذهبت إليه العدليّة.

والاِسماعيليّة تُثبت القضاء والقدر حقيقةً لا مجازاً، ولكنها تُنفي كونهما سالبين للاختيار.

يقول الداعي علي بن محمد الوليد: القضاء والقدر حقيقة لا مجاز، ولهما في الخلق أحوال على ما رتب الفاعل سبحانه، من غير جبر يلزم النفوس الآدمية الدخول إلى النار أو الجنة.

إلى أن قال:إذ لو كان كذلك لذهبت النبوات والاَوامر المسطورات في الكتب المنزّلة، في ذم قوم على ما اقترفوه، ومدح قوم على ما فعلوه.

ثمّإنّه فسّر القضاء بمعنى الفراغ، والاَمر، والخبر، والفعل، والوصيّة، وأرجع الجميع إلى معنى الفراغ.

وأمّا القدر: فقد فسّـره بأنّه من المقدار، والتقدير، والترتيب، ثمّ جعل له تفاسير ثمانية، ومن أراد فليرجع إليه. (1)

وقد نقل في آخر الفصل رسالة الحسن البصري إلى الحسين بن علي عليمها السّلام يسأله عن القضاء والقدر، كما نقل جواب الاِمام إليه، وقد جاءت هذه الرسالة أيضاً في كتاب «تحف العقول» للحلبي الحراني مع اختلاف يسير.


1. تاج العقائد: 179.

(202)

الاِسماعيلية والاَُصول الخمسة

3

عقيدتهم في النبوة

1. النبوّة أعلى درجات البشر

النبوّة :عبارة عن ارتقاء النفس إلى مرتبة تصلح لاَن يتحمل الوحي.

يقول الداعي علي بن محمد الوليد: إنّالرسول الحائز لرتبة الرسالة، لا ينبغي أن يكون كمالاً يفوق كماله ولا علماً يخرج عن علمه، وأنّه الذي به تكون سعادة أهل الدور من أوّله إلى آخره، وأنّ السعادة الفلكيّة، والاَشخاص العاليّة، والموَثرات، خدم له في زمانه.

والوجود مكشوف له، وبين يديه، فنظره ثاقب، وإحاطته كلّية، وحدود أوضاعه مبرّأة من النقص، وجميع ما يأتي به محرر، لا يحتاج إلى زيادة، وأقواله لا تردّ، ولا يوجد فيما ينطق به خلل، وجوهره المقدّس نهاية في الشرف، وأنّ القوة الملكية عليه أغلب وحواسه خادمة لنفسه، وعقله لا ينظر إلاّإلى أوامر اللّه تعالى خالقه، وأنّه في نهاية من المنازل من مولودات العالم في حسنه. (1)

2. الرسالة الخاصة والعامة

إنّ الرسالة على ضربين: خاصّة، وعامّة.


1. تاج العقائد:57ـ 58.

(203)

فالرسالة العامّة شاملة طبعاً، وعقلاً، ولولا الرسالة الاَُولى العامّة، لن تُقبل الرسالة الخاصّة، وذلك لاَنّه تعالى خلق الصورة الآدميّة، وأكمل منافعها، وسوّاها على أحسنِ هيئة، ووضع فيها العقل الغريزي، الذي إليه ترجع أحوال الصورة لنيل منافعها، فهو الرسول الاَوّل المُعدُّ لقبول أمر الرسول الثاني، الخاص لمنافع النفس في الآخرة، مثلما كان الاَوّل لمنافع الدنيا، وعلى الاَوّل يعول في الاغتذاء، وطلب المصالح بغير ثواب ولا عقاب، إذ هو أمرٌ بديهي لمنافع الصورة، وعلى الثاني يكون الحساب والعقاب، إذ هو أمرٌ ربّانيّ، يدعو إلى دار غير دار الطبيعة.

إلى أن قال:

فإذا أظهر الرسول الرسالة، كانت الفضيلة على المستضيء المنتفع بها، وذلك القادح هو الرسول - صلّى الله عليه وآله وسلّم - إلى الخلق وحجّته على أهل زمانه، وهو لسانه فيهم، وترجمانه في العالم السفلي بأسره، والمتبحّر أبداً في الحكمة. (1)

أقول: إنّتسمية العقل الاِنسانيّ بالرسول لا يخلو من شيء، والاَولى تسميته بالحُجّة الباطنة، في مقابل الحجّة الظاهرة، الذي هو النبي.

3. الوحي

إنّ الوحي: إلهام خاص بالاَنبياء والمرسلين ،إذا كانت لغاية التشريع، وتبيين الوظائف لمن بعثوا إليهم، وله طرق ثلاثة، جاء في الذكر الحكيم، قال سبحانه:

"وَ ما كانَلِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللّهُ إِلاّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَرَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ").(2)


1. تاج العقائد: 48ـ50.
2. الشورى:51.

(204)

وأمّا الوحي عند الاِسماعيليّة، فيقول الداعي علي بن محمد الوليد: إنّ الوحي: هو ما قبلته نفس الرسول من العقل، وقبله العقل من أمر باريه، ولم يخالفه علم تألفه النفس الناطقة، بقواها، ثمّ تتأمّل منه النفس ما ليس لها استنباطاً بذاتها، ولا تستخرجه بفكرها، وتكون فيه غاية لسداد قصدها، ومصلحة لجميع أمرها.

إلى أن قال: والفرق بين الوحي وغيره من سائر العلوم، أنّ الوحيَ يرد على من يوحى إليه مفروغاً منه، قد استغنى عن الزيادة فيه والنقصان منه، كما يقع الصحيح للمستمع من المتكلم، وصفه ومعناه خارجين عن قدرة من جاء به، وليس كذلك العلوم، لاَنّها تكون بالمقايسة، وكثرة الذّوبِ فيها، وإعمال الفكر و الرّويّة والتأليف والتحرير. (1)

ثمّ للداعي الكرماني كلام مفصّلٌ في الوحي لا يخلو من تعقيد. أعرضنا عن نقله . (2)

4. في أنّالاَنبياء لا يولدون من سِفاح

يقول علي بن محمد الوليد: إنّ الاَنبياء والاَئمّة - عليهم السّلام- لا يلدهم الكفّار ، ولا يولدون من سِفاح، ثمّ استدلَّ ببعض الآيات، وما جاء في التاريخ في حقّ عبد المطلب وأبي طالب. (3)

5. في صفات الاَنبياء

يقول الداعي الكرماني: الموَيد المبعوث مجمع الفضائل الطبيعيّة، التي هي


1. تاج العقائد: 47ـ 48.
2. راجع راحة العقل: 409ـ410.
3. تاج العقائد:51.

(205)

أسبابٌ في نيل السعادة الاَبديّة، وهو فيها على أمر يكون به على النهاية في جميعها، من جودة الفهم والتصوّر لما يشار إليه ويومأ، ومن جَودة الحفظ لما يراه الخاطر والعين على تباينه، ويدركه السمع من الصوت على اختلافه، ومن جودة الفِطنة والذكاء والتوقّد فيهما، ومن جودة الذكر، ومن جودة الاَعضاء وسلامتها، والقدرة على التأنّـي بمعاناة أُمور الحرب ومباشرتها والصبر عليها، ومن جودة الفطرة والطبع، ومن جودة النحيزة (الخير) في السلامة والانقياد لكلّ خير، فيكون خالياً من الرذائل، التي هي الشره والطمع والرغبة في المأكول والمشروب والمنكوح زيادة على الحاجة، واللعب واللهو، وعاطلاً في الجملة، من الاَُمور التي تعوق على النفس سعادتها.

ويكون عظيم النفس كريماً، محبّاً للعدل، مبغضاً للظلم والجور، موَثراً لما يعود على النفس منفعته من العبادة، مقداماً في الاَُمور، جسوراً عليها، لا يروعه أمر في جنب ما يراه صواباً بجوهره. (1)

6. الرسول الناطق

الرسول الناطق، هو الاَصل الذي يصدر عنه الدين بما فيه من علم وعمل، وبمن فيه من أئمة يدعون إلى التحقّق بكمال العلم عن طريق العبادة الظاهرة. (2)

وفي الحقيقة، الرسولُ الناطق عندهم، عبارة عن أُولي العزم من الرُّسل، غير أنّهم يعدون آدم منهم، والمشهور عند سائر المسلمين أنّه ليس منهم، ويضيفون إليهم محمد بن إسماعيل باسم القائم؛ وإليك أسماءهم: آدم، نوح، إبراهيم، موسى، عيسى، محمد، القائم.


1. راحة العقل:421ـ 422.
2. مصطفى غالب: في مقدمة كتاب الينابيع:17.

(206)

وكلّ واحد منهم رسول ناطق، يتقدّمه إمام مقيم ويتلوه الاَئمة الاَساس ـ المتم ـ المستقر ـ المستودع ـ وهم يتعاملون مع القائم الذي يبتدأ به الدور، أعني: محمد بن إسماعيل، معاملة الرسول الناطق، ولا يشترط أن يكون في كلّدور إمامٌ مستودعٌ، فإنّه إنّما يتسلّم شوَون الاِمامة في الظروف الاستثنائية، وكأنّه ينوب عن الاِمام المستقر كما سيتضح معنى ذلك.

ولا يخفى أنّ في صميم العقائد الاِسماعيليّة تناقضاً وتعارضاً، فمن جانب نراهم يصرّحون بخاتميّة النبوة والرسالة، وأنّ القرآن حجّة خالدةً إلى يوم القيامة، وأنّه لا ينسخ القرآن إلاّ بالقرآن. (1)

ومع ذلك فمحمد بن إسماعيل ، المعبّر عنه بالقائم عندهم من النطقاء (2)

ولاَجل إيضاح ذلك سوف نبحث عن عقيدتهم في الاِمامة إن شاء اللّه.

7. في المعجزات التي يأتي بها الرسل

قال علي بن محمد الوليد: إنّ المعجزات التي ترد وقت إظهار الشرائع من الرسول حقيقية، وإنّها على ثلاثة أقسام:

الاَوّل: خرق العادة في تكوين العالم بظهور ما يعجز العقل عن وجوده من الاَُمور الطبيعية، من ردّ ما في الطبيعة عن قانونه المعهود لقهر العقول، ودخولها تحت أمر المعقولات، ومن أجله يعلم أنّه متصل بالفاعل، الذي لا يتعذّر عليه متى أراد، إذ كلّما في العالم لا يتحرك إلاّ بمادته وتدبيره.

الثاني: ما يأتي به الشخص المبعوث من النطق المنسوب إلى من أظهر له المعجزات، وأعجز كافّة أهل الدور عن الاِتيان بمثله.


1. تاج العقائد: 98.
2. وقد مرّ كلامهم في ذلك ص 92. وما علقنا عليه فلاحظ.

(207)

الثالث: جميع الفضائل الموجودة في أشخاص العالم فيه حتى لا يوجد فوق كماله كمال في وقته. (1)

أقول: إنّ القسم الثاني الذي يريد به القرآن الكريم داخل تحت القسم الاَوّل، فلا وجه لعدّه قسماً ثانياً.

والقسم الثالث: كمالات النبي، ولا تعدّ معجزة.

8. في أنّ الرسول الخاتم أفضل الرّسل

يُفضَّلُ رسول اللّه على سائر الرسل والاَنبياء من وجوه، أفضلها الوجوه التالية:

أ: هو أنّه سبحانه جعل شريعته موَيّدة لا تُنسخ أبداً، وجعل الاِمامة في ذريّته إلى قيام السّاعة، ولم يُقدَّر ذلك لغيره.

ب: انّاللّه عزّوجلّ أعطاه الشفاعة في الخلق. ولم يعطها إلى نبي قبله.

ج: انّالاَنبياء قبله بطلت معجزاتهم من بعدهم، ومعجزة محمّد - صلّى الله عليه وآله وسلّم - وهي «القرآن» ثابتة موَيّدة لا تفنى أبداً إلى حين زوال أحكام الدنيا. (2)

9. في أنّ الشريعة موافقة للحكمة

إنّ الحكمة والفلسفة العقليّة، هي والحكمة الشرعيّة سواء، لاَنّ اللّه سبحانه خلق في عباده حكماء، وعقلاء، ومحال أن يشرع لهم شرعاً غير محكم وغير معقول، ولا يبعث برسالته وشرعه إلاّ حكيماً عاقلاً مدركاً مبيّناً لِما تحتاجه العقول، ويكلّف لها بما يسعدها ويقوّي نورها ويعظّم خطرها. (3)


1. تاج العقائد: 97.
2. تاج العقائد:59ـ 60.
3. المصدر نفسه: 101.

(208)

10. في أنّالشريعة لها ظاهر وباطن

يقول علي بن محمد الوليد: إنّالشارع قد وضع أحكام شريعته وعباداتها من الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحجّ وغير ذلك، مضّمنة للاَُمور العقليّة والاَحكام والمعاني الاِلهيّة، وما يتخصص منها من الاَُمور الظاهرة المشاكلة لظاهر الجسم، والاَُمور الباطنة المشاكلة للعقل، والنفس، وكلُّ من حقق ذلك كانت معتقداته سالمة. (1)

أقول: هذا المقام هو المزلقة الكبرى للاِسماعيلية الموَوّلة ، إذ كلُّ إمام وداعٍ، يسرح بخياله فيضع لكل ظاهر باطناً ولكلّ واجب حقيقةً، يسمي أحدهما بالشريعة الظاهرية والآخر بالباطنية من دون أن يدلّ عليه بدليل من عقل أو نقل، فكلُّ ما يذكرونه من البواطن للشريعة ذوقيات، أشبه بذوقيات العرفاء في تأويل الاَسماء والصفات وغير ذلك، وكأنّالجميع فروع من شجرة واحدة. وستوافيك نظرية المثل والممثول في فصل خاص، وتقف على تأويلاتهم.


1. تاج العقائد: 101.


(209)

الاِسماعيلية والاَُصول الخمسة

4

عقيدتهم في الاِمامة

تحتل الاِمامة عند الاِسماعيلية مركزاً مرموقاً حيث جعلوها على درجات ومقامات وزودوا الاَئمة بصلاحيات واختصاصات، ولتسليط الضوء على عقيدتهم فيها نبحث في مقامين:

المقام الاَوّل: الاِمامة المطلقة

إنّدرجات الاَئمّة ورتبهم لا تتجاوز عن الخمسة من دون أن تختص بالشريعة الاِسلامية، بل تعم الشرائع السماوية كلّها، وبما أنّمذهب الاِسماعيلية أُحيط بهالة من الغموض عبر القرون لم يكن من الممكن أن يقف أحداً عليها إلاّطبقة خاصة من علمائهم، وكانوا يبخلون بآرائهم وكتبهم على الغير، غير أنّ الاَحوال الحاضرة رفعت الستر عن كتبهم ومنشوراتهم، فقام المستشرقون وفي مقدّمتهم «ايفانوف» الروسي وتبعه عدد آخر من المحقّقين بنشر آثارهم، وعند ذلك تجلّت الحقيقة بوجهها الناصع، كما قام الكاتبان الاِسماعيليان عارف تامر ومصطفى غالب ببذل الجهود الحثيثة في نشر آثار تلك الطائفة، فكشفا النقاب عن وجه العقيدة الاِسماعيلية وبيّناها بوجه واضح خالياً من الغموض والتعقيد الموجودين في عامة كتب الاِسماعيلية وإن كان بين الكاتبين اختلاف في بعض


(210)

الموارد، ونحن نعتمد في تفسير درجات الاِمامة على كتاب «الاِمامة في الاِسلام» للكاتب عارف تامر، وإليك بيانه:

درجات الاِمامة خمس وهي:
1. الاِمام المقيم.
2. الاِمام الاَساس.
3. الاِمام المتم.
4. الاِمام المستقر.
5. الاِمام المستودع.

و ربما يضاف إليها رتبتان الاِمام القائم بالقوة،و الاِمام القائم بالفعل.

فالمهم هو الوقوف على هذه الدرجات.

يعتقد عارف تامر في كتابه «الاِمامة في الاِسلام» انّ هذه الدرجات ظلّت حقبة طويلة من الزمن مجهولة لدى الباحثين إلاّ طبقة خاصة من العلماء، أو لا أقلّ في التقية والاستتار و الكتمان.

1. الاِمام المقيم

هوالذي يقيم الرسول الناطق ويعلّمه ويربّيه ويدرجه في مراتب رسالة النطق، وينعم عليه بالاِمدادات وأحياناً يطلقون عليه اسم«رب الوقت» و«صاحب العصر»، وتعتبر هذه الرتبة أعلى مراتب الاِمامة وأرفعها وأكثرها دقة وسرية.

2. الاِمام الاَساس

هو الذي يرافق الناطق في كافة مراحل حياته، ويكون ساعده الاَيمن،


(211)

وأمين سره، والقائم بأعمال الرسالة الكبرى، والمنفذ للاَوامر العليا، فمنه تتسلسل الاَئمة المستقرون في الاَدوار الزمنية، وهو المسوَول عن شوَون الدعوة الباطنية القائمة على الطبقة الخاصة ممن عرفوا «التأويل» ووصلوا إلى العلوم الاِلهية العليا.

3. الاِمام المتم

هو الذي يتم أداء الرسالة في نهاية الدور، والدور كما هو معروف أصلاً يقوم به سبعة من الاَئمة، فالاِمام المتم يكون سابعاً ومتماً لرسالة الدور، وانّ قوته تكون معادلة لقوة الاَئمّة الستة الذين سبقوه في الدور نفسه بمجموعهم. ومن جهة ثانية يطلق عليه اسم ناطق الدور أيضاً، أي انّ وجوده يشبه وجود الناطق بالنسبة للاَدوار. أمّا الاِمام الذي يأتي بعده فيكون قائماً بدور جديد، وموَسساً لبنيان حديث.

4. الاِمام المستقر

هو الذي يملك صلاحية توريث الاِمامة لولده، كما أنّه صاحب النص على الاِمام الذي يأتي بعده، ويسمّونه أيضاً الاِمام بجوهر والمتسلم شوَون الاِمامة بعد الناطق مباشرة، والقائم بأعباء الاِمامة أصالة.

5. الاِمام المستودع

هو الذي يتسلّم شوَون الاِمامة في الظروف والاَدوار الاستثنائية، وهو الذي يقوم بمهماتها نيابة عن الاِمام المستقر بنفس الصلاحيات المستقرة للاِمام المستقر، ومن الواضح أنّه لا يستطيع أن يورث الاِمامة لاَحد من ولده، كما أنّهم يطلقون عليه (نائب غيبة). (1)


1. عارف تامر: الاِمامة في الاِسلام:143ـ144.

(212)

والعجب انّهم عندما بحثوا موضوع الاِمامة لم يجعلوا تسلسلها من إسماعيل ابن جعفر الصادق فحسب، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك، وحجتهم انّ الاِمامة إذا كانت قد بدأت من هذا العهد المبكر فتكون محدثة ولا يقوم وجودها على أساس (1)، فذهبوا إلى عهد بدء الخليقة المعروف من عصر آدم إلى يومنا هذا، ثمّ أضافوا إلى ذلك قولهم بالاَدوار والاَكوار، فقد جعلوا كل دور يتألف من إمام مقيم ورسول ناطق أو أساس له، ومن سبعة أئمة يكون سابعهم متم الدور، ويمكن أن يزيد عدد الاَئمّة عن سبعة في ظروف أُخرى وفي فترات استثنائية، وهذه الزيادة تحصل في عداد الاَئمّة المستودعين دون الاَئمّة المستقرين، أمّا الدور فيكون عادة صغيراً وكبيراً، فالدور الصغير هو الفترة التي تقع بين كلّ ناطق وناطق يقوم فيها سبعة أئمّة. أمّا الدور الكبير فيبتدىَ من عهد آدم إلى القائم المنتظر الذي يسمّى دوره الدور السابع، ويكون بالوقت ذاته متماً لعدد النطقاء الستة.

فلاَجل عرض صورة عن عقائدهم في مجال تسلسل الاِمامة من عصر أبينا آدم إلى يومنا هذا سوف نأتي بالجداول التي استخرجها، عارف تامر في كتاب «الاِمامة» ومصطفى غالب في كتاب «تاريخ الدعوة الاِسماعيلية».

يقول عارف تامر: إنّ هذا الموضوع من أدق المواضيع وأصعبها، بل هو بالحقيقة من الدعائم المتينة في عقائد الاِسماعيلية، وقد يبدو لكل باحث فيها انّ دعاتها حافظوا على سريته التامة طيلة العصور الماضية وجعلوا معرفته مقتصرة على طبقة خاصة من العلماء والدعاة. (2)

و سوف توافيك تلك الجداول تحت عنوان «شجرة الاِمامة الاِسماعيلية» في الفصل الحادي عشر فانتظر.


1. ماذا يعنون من هذه الجملة، هل الاِمامة أمر أزلي، أو الاِمام موجود قديم مع تضافر البراهين على حدوث ما سوى اللّه سبحانه؟!
2. الاِمامة في الاِسلام:141.

(213)

المقام الثاني: في الاِمامة الخاصة

قد تعرفت على نظام الاِمامة في مذهب الاِسماعيلية ولكن المهم هو الوقوف على ملامح الاِمامة عندهم بصورة عامة، وقد تصدّى لذكرها الداعي اليمني علي ابن محمد الوليد في كتابه «تاج العقائد» ونحن ننقل منه ما يبيّن عقيدتهم في ذلك:

1. صاحب الوصية أفضل العالم بعد النبي في الدور

إنّ صاحب الوصية هو الذي جوهره لاحق بجوهره، وكماله مشتق من كماله، وإنّ معاني أقواله ورموز شريعته وأسرار ملته وحقائق دينه توجد عنده، ولا تتعداه، ولا توَخذ إلاّ منه، وانّه المبرهن عن أغراضه، والمفصح لاَقواله، المبين لاَفعاله، القائم بالهداية بعده لمن قصد المعرفة لما جاء به، والحافظ لشريعته من الآراء المختلفة، وبذلك كان وصياً، ولا يوجد في الاَصحاب من يقوم مقامه، ولا يسد مسده في حفظ معاني تكليفه الذي أخذه عن باريه مع ما يوجد فيه من الطهارة، وصدق القول، وزكاة النفس، والاحتواء على العلوم، والقربة منه في الطبع، والجوهر، والسابقة، والصحبة،و الاَصل. (1)

2. في أنّ الاِمامة في آل بيت رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلّم -


يُعْتقد انّ الاِمامة في آل بيت رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلّم - من نسل علي وفاطمة فرض من اللّه سبحانه أكمل به الدين فلا يتم الدين إلاّ به، ولا يصحّ الاِيمان باللّه والرسول إلاّ بالاِيمان بالاِمام وا لحجّة، ويدل على فرض الاِمامة إجماع الاَُمّة على أنّ الدين والشريعة لا يقومان ولا يصانان إلاّ بالاِمام، وهذا حقّ لاَنّه سبحانه لا


1. تاج العقائد: 65.

(214)

يترك الخلق سدى. ولا يمنعهم هذه الفريضة التي لا تسوغ الهداية إلاّ بها.

وإنّ الرسول نص على ذلك نصاً تشهد به الاَُمة كافة بقوله:«الحسن والحسين إمامان إن قاما وإن قعدا، وأبوهما خير منهما»، ولم يحوج الاَُمّة إلى اختيارها في تنصيب الاِمام، بل نص عليها بهذا لاَنّ بالاِمامة كمال الدين.

فلو أنّ الرسول تركها حتى تكون الاَُمة هي التي تفعلها ويتم بما فعلوه (في) دين اللّه بقولهم انّ الرسول لم ينص على الوصية ولا استخلف أحداً لخرجت الاِمامة عن أن تكون فرضاً على الاَُمة، وكان سبيلها سبيل الولاة في كلّ زمان، القائمين بأُمور الناس.

إلى أن قال: وقد اعترف المخالفون انّ إمامة الثلاثة ليست بنص، لاَنّهم قد جحدوا النص والوصية وفيما جرى في السقيفة من الاَُصول ما يجب للعاقل أن يفكر فيه وغير معيوب على المتخلّف عن بيعتهم والخلاف لهم فيها إذ كان الحال فيما تقرّر مشهوراً غير مستور، والعودة إلى الحقائق أولى لمن يعتمد عليها إذا كان طالباً للهداية مع ترك التعصب. (1)

3. في أنّ الاِمامة وارثة النبوة والوصاية

الاِمام يرث من النبوة الظواهر والاَحكام وجري الاَُمور على ما علمه من النظام.

ويرث من صاحب الوصاية المعاني التي ورثها عن النبوة، ليكون الكمال موجوداً لقاصده، ومسلماً في شريعته التي جعلها عصمة لمن التجأ إليها، وطهارة لمن التزم قوانينها وسار على محجَّتها، فتسلم له دنياه ويفوز في عقباه بالتجائه إلى من عنده علم النجاة وحقيقة الشريعة السالمة من كلّتغيير وتمويه مع سلامة


1. المصدر نفسه:65ـ 66.

(215)

توحيده لباريه. (1)

أقول: ولا يذهب عليك أنّ الاِمام على هذا أفضل من النبي كما هو أفضل من الوصي، لاَنّ الاِمام جامع للمنقبتين ظاهر الشريعة وباطنها، إلاّ إذا كان النبي رسولاً فهو جامع أيضاً للمنقبتين، ولا أدري من أين لهم هذه الضوابط والقواعد، وما هو الدليل على هذا التقسيم؟!

4. في انقطاع الوصاية بعد ذهاب الوصي

يُعْتقد أنّ الوصي إنّما يوصيه الرسول على معالم شريعته، وأسرار ملّته، وعيون هدايته، وحقيقة أقواله، وحفظ أسراره، فإذا قام بها ومضى إلى دار كرامته استحال قيام وصي ثان بعده، لاَنّ الشريعة لم تتغير، ولا ذهبت فتأتي أوامر جديدة تحتاج إلى من يوصّى بحفظها والقيام بمعانيها وضبط أحوالها، فلهذا كان انقطاع الوصية بعد مضي الوصي الذي خلّفه الرسول في العالم. (2)

5. في استمرار الاِمامة في العالم دون النبوة والوصاية

يُعْتقد: انّالاِمامة مستمرة الوجود في الاَدوار جميعها، من أوّلها إلى آخرها، لاَنّ الاِمام هو الوارث لما جاء به النبي - صلّى الله عليه وآله وسلّم - من الشرع والوصي على البيان، لكونه حافظاً في الاَُمة على الهداية التي ورثها منهما، ولمّا كان أمر الرسول والوصي جارياً على أهل الدور من أوّله إلى آخره، كان من ذلك حفظ درجة الاِمامة على الدور بالاستمرار، والتوالي، إذ لم يبق زيادة تستجد فتحتاج إلى منزلة مستجدة، فكانت هداية موروثة منسوبة إلى أصل الدور، ومعلم الشريعة والبيان، فلا تزال هذه


1. تاج العقائد: 66.
2. المصدر نفسه: 68.

(216)

الحالة مستمرة إلى حين تأذن الحكمة الاِلهية بتجديد شريعة ثانية، وأمر يحتاج العالم إليه لحفظ نظامه، ولمّا كانت هذه الشريعة، أي شريعة محمد، لا تنسخ، ولا يفقد حكمها حتى قيام الساعة، بقيت الاِمامة فيها موجودة، ومحفوظة إلى حين قيام الاَشهاد، ويوم التناد، فلهذا استمرت الاِمامة في العالم دون النبوة، والوصاية.(1)

وعلى هذا فكلّ إمام غائب أو حاضر بعد الاِمام الصادق يساوي في الفضل والعلم والكمال الاِمام المنصوص في يوم الدار ويوم الغدير، فالاِمام الحاضر، أعني به: كريم آغا خان، تساوي كفته في معالي الاَُمور كفّة الاِمام علي بن أبي طالب - عليه السّلام- فيقوم بنفس ما يقوم به الاِمام.

ياتُرَى ما هذا الجور في القضاء والاعتساف في الحكم، فكيف يكون الاِمام المذكور إماماً عالماً محيطاً بالشريعة وواقفاً على أسرارها مع أنّه تلقى علومه الاَوّلية في مدارس سويسرا فأتقن الانكليزية والفرنسية والاِسبانية كما درس اللغة العربية وبعد أن أكمل تحصيله في سويسرا انتسب إلى جامعة هارفرد الاَمريكية؟!!(2)

والاِمام الذي يتلقّى العلوم الظاهرية في المدارس والجامعات كيف يكون واسطة في الفيض ، واقفاً على الاَسرار، وإماماً يعادل في التقى والعصمة والعلم والفضل الاَئمّة المعصومين المنصوبين من قبل النبي - صلّى الله عليه وآله وسلّم - ؟!

وكأنّي بابن المعرة يقول:

* * *

فيا مـوت زر إنّالحياة ذميمـة * و يا جد جدي ان سعيك هازل


1. تاج العقائد: 69.
2. راجع تاريخ الدعوة الاِسماعيلية:403.

(217)

6. في أنّ الاِمام لا تجوز غيبته من الاَرض

إنّ الاِمام لا تجوز غيبته عن الاَُمة بوجه، ولا بسبب، وإن حدثت فترة فتكون خواص شيعته على اتصال به ويعرفون مقامه، ويدلّون من خلصت نيته إلى مقره.

والغيبة لا تخلو من ثلاث خصال:
1. أن تكون غيبته من قبل اللّه.
2. أن تكون من قبل نفسه.
3. أن تكون من قبل الناس وخيفة من أعدائه.

فباطل أن تكون الغيبة من قبل اللّه، لاَنّذلك لا يليق بالحكيم العادل.

وإذا رجعنا إلى نفسه فلا نجدها من قبلها، لاَنّه معصوم من الخطايا وفرض ولايته يوجب حضوره .

وإن كان من قبل الناس، فقد شكّ في دين اللّه، لاَنّ اللّه نصبه وتكفل إيصال الهداية إلى الاَُمة به، وعرّفه أنّه لا يخرج من العالم حتى يورث مقامه هادياً مثله.

إذن فليس لخوفه من الناس وجه.

إلى أن قال: والاِمام هوالحاكم بين عباد اللّه، الموهوب له الحكم من الحكيم الخبير والنائب في خلافته على الخلق، الوارث الاَرض، والمتصرف بأحكامها ولا يجب زواله ولا عدمه بوجه من الوجوه. (1)

أقول: إنّ المراد من الغيبة ليس هو الغيبة عن عالم الوجود كما تصوّره ذلك الكاتب، بل المراد من الغيبة هو الغيبة عن أعين الناس، فهو يبعث بين الناس فيعرفهم ولا يعرفونه، لا أنّه يخرج من الدنيا ويعيش في عالم آخر يباين ذلك


1. تاج العقائد: 69ـ70.

(218)

العالم، وهذا يعرب عن أنّالداعي لم يرجع إلى كتب الاِمامية الاثني عشرية، وهو مع ذلك يتصرف في الاَُمور حسب مصالح الناس وإن كان الناس لا يعرفونه، ويتشرف بحضوره ويتمتع بلقائه من هو أهل لذلك وإن كان يكتمه ولا يظهره إلاّللخاصة من الناس.

هذا هو القرآن الكريم يعرّف لنا ولياً من أوليائه سبحانه، كان يعيش بين الناس ويركب سفينتهم ويتصرف فيها أمام أعينهم وهم لا يعرفونه ويتصرف في أُمور أشد من ذلك يقتل غلاماً معصوماً بإذن من اللّه ولا يُلاحَق، ويبني جداراً في حال الانقضاض تحته كنز ليتيمين لغاية الستر عليه حتى يستخرجا كنزهما رحمة من ربه يقول سبحانه:

"أَمّا السَفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُّ أَنْ أَعِيبَها وَ كانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً* وَ أَمّا الغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُوَْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً* فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً* وَأَمّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينةِ وَ كانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَ كانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَ يَسْتَخْرِجا كَنْزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ") . (1)

وقد غاب عن أعين الناس على وجه لم يكن الرسول موسى - عليه السّلام- عارفاً به، وإنّما عرفه بتعريف من اللّه سبحانه.

فلماذا لا تكون غيبة الاِمام بهذه الصورة، أي يكون غائباًعن أعين الناس ولكن متصرفاً في مصالحهم ويلتقي مع خيار أُمته؟

هذا وانّ لاَصحابنا كتباً ورسالات حول غيبة الاِمام الثاني عشر كشفوا فيها علل الغيبة ومصالحها وفوائدها، فمن أراد فليرجع إليها. (2)


1. الكهف:79ـ82.
2. لاحظ، كمال الدين للشيخ الصدوق، الغيبة للشيخ الطوسي، ومنتخب الاَثر للعلامة الصافي.

(219)

7. في الوصية بعد الرسول - صلّى الله عليه وآله وسلّم - إلى الوصي

يعتقد بوصية الرسول إلى علي بن أبي طالب - عليه السّلام- من اثني عشر وجهاً، منها:
1. قول النبي - صلّى الله عليه وآله وسلّم - : «لا يحل لامرىَ مسلم أن يبيت ليلتين إلاّو وصيته مكتوبة عند رأسه».
2. إجماعنا على أنّالرسول استخلف علي في المدينة في غزوة تبوك مقتدياً باستخلاف موسى لاَخيه هارون عند مضيه لميقات ربه، وفي هذا الاستخلاف قال له: « يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي».
3. حديث الدار والاِنذار وقد ذكره المفسرون في تفسير قوله سبحانه:"وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الاََقْرَبينَ") (1). (2)

أقول: والعجب انّه لم يذكر حديث الغدير الذي اتفقت الاَُمّة على نقله!!

8. في قعود علي عن الخلافة

ويعتقد انّ قعود الوصي بعد الوصية لم يكن عن عجز، ولا تفريط،و ذلك لاَنّ الرسول - صلّى الله عليه وآله وسلّم - قد أعلمه عن دولة المتغلبين، وعقوبة اللّه عزّ وجلّ لهم في ذلك بقوله: «إنّ لك يا علي في أُمّتي من بعدي أمر، فإن ولّوك في عافية، وأجمعوا عليك في رضى، فقم بأُمورهم، وإن اختلفوا واتبعوا غيرك، فدعهم وماهم فيه، فإنّاللّه سيجعل لك مخرجاً».

فلمّا قام أمير الموَمنين في يوم الجمل وصفين والنهروان قام في الوصية أيضاً لقول الرسول - صلّى الله عليه وآله وسلّم - : «يا علي تقاتل بعدي الناكثين والمارقين والقاسطين».


1. الشعراء:214.
2. تاج العقائد: 60ـ64.

(220)

فليت شعري من هوَلاء الذين نكثوا ومرقوا وقسطوا حتى قاتلهم، هل هم غير أُمّة محمد الذين نكثوا بيعة وصيّه ومرقوا عن أمره، وقسطوا وأظهروا الاَحقاد الكامنة له ولاَهل بيته بالرغم من أوامر الرسول إليهم. (1)

9. في فساد إمامة المفضول

يعتقد فساد إمامة المفضول وإبطال إمامة المشرك الناقض لقوله عزّوجلّ:"وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَإِنّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً قالَوَمِنْ ذُرِّيَّتي قالَلا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمينَ") . (2)

فجلّثناوَه وتقدّست أسماوَه بيّن أنّ عهد الاِمامة وخلافة اللّه تعالى لا تلحق من أشرك باللّه طرفة عين، وإنّما يكون ميراثها في الطاهرين المصطفين العلماء، لقوله تعالى: "ثُمَّ أَورَثْنَا الكِتابَ الّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبيرِ") . (3)

وقوله:"أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون") . (4)

وقد ثبت انّ كلّ من دخل في الاِسلام من الجاهلية فقد عبد الاَصنام وتدنس بالشرك مع ما كانوا يفعلون برسول اللّه أيام حياته ممّا هو مشهور غير خفي.

و توقف كلّ واحد منهم بعده وحاجتهم إلى علم علي مع طهارته واصطفائه عليهم في حالتي العلم والجسم، وكونه لم يسجد لصنم، ولا توقف عن أمر محمد - صلّى الله عليه وآله وسلّم - ولا كانت له سابقة في الجاهلية، ولا أشرك في اللّه طرفة عين، ولا


1. المصدر نفسه:72.
2. البقرة:124.
3. فاطر:32.
4. يونس:35.

(221)

تحمّل، ولا كذب، ولا داهن، ولا مال إلى مفضول، بالرغم من ميل الغير عنه إلى كل مفضول، مع إقرار المفضول على نفسه بقوله:«ولّيت عليكم ولست بخيركم» وغير ذلك من قوله: «فإن غلطت فردّوني، وإن اعوججت فقوّموني، فإنّ لي شيطاناً يغريني».

فليت شعري على أي شيء اعتمدوا بتقديم من قدّموه دون نص، أو وصية». (1)

10. في إبطال اختيار الاَُمّة للاِمام

ويعتقد انّ اختيار الاَُمّة لنفسها الاِمام غير جائز، لاَنّ إقامة الحدود على الاَُمّة هي للاِمام، ففيها بعض رسوم الشريعة المبسوطة إلى الاِمام، من دون الاَُمة، فإقامة الاِمام الذي تتعلّق به كلّ أُمور الشريعة، لاَنّه صاحب المقام العظيم، والمستخلف أولى أن يكون بأمر اللّه، وإذا كان إقامة الاِمام بأمر اللّه كان من ذلك الاِيجاب بأنّ الاختيار من الاَُمّة باطل.

وانّ صحّة العلم انّ المختار للاِمامة لا يكون إلاّ بعد الاِحاطة بجميع ما يحتاج إليه في الاِمامة من علم الشريعة والكتاب والاَحكام، ثمّ العلم بأنّ ما عرف ممّا يحتاج إليه في الاِمامة موجود فيمن يختاره هوكاف فيه. (2)

11. في أنّ كلّ متوثب على مرتبة الاِمام فهو طاغوت

ويعتقد انّ كلّ من دفع الاِمام عن مقامه ومنزلته وعانده بعد وصية النبي له في كلّ عصر وزمان، إنّما هو المشار إليه باسم الطاغوت، وهو رئيس الجائرين


1. تاج العقائد: 75ـ76.
2. تاج العقائد: 76.

(222)

الحائدين عن أمر الرسول، المعنيّ بالظالم، الذي توجهت إليه الاِشارة وإلى أمثاله في كلّ دور: "وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَني اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسولِ سَبيلاً") . (1) إلى قوله تعالى: "لَقَدْ أَضَلّني عَنِ الذِّكْرِ بعْدَ إِذْ جاءَني وَكانَ الشيطانُ لِلاِنْسانِ خَذُولاً") . (2)

فالطاغوت هو رئيس الجائرين المعتدي على المنصوص عليه، والشيطان معاضده على الباطل القائم في نصرته المنمِّق للاَحاديث الكاذبة ليصرف وجوه الناس إليه، ويصدّهم عن أمر اللّه ورسوله بالكون معه، والطاعة له، وإذا نظروا إلى ما تضمّنته الشريعة، يتبين لهم الاَمر على جليته، وتنفتح لهم طرق الهداية ويقع الانتباه ويزول الهوى ويشملهم التوفيق في قصدهم. (3)

12. في أنّ الاَرض لا تخلو من حجّة للّه فيها

يعتقد انّ الاَرض لا تخلو من حجّة للّه فيها: من نبي، أو وصي، أو إمام يقوم المسائل، ويقيم الحدود، ويحفظ المراسيم، ويمنع الفساد في الشرع، ويقبل الاَعمال، ويزكّي الاَفعال، وتقام به الحجة على الطالب، ويزيل المشكلات إذا حلت على المتعلمين، ويركز الاَُمة بعد غيبة نبيها، إذا كان شخصه غير مستقر البقاء في العالم، محفوظ النسب، معروف الولادة، متبِع دينَ آبائه، لا يرجع عن أقوالهم، ولا يقدم غيرهم، ولا يكون مأمون خلاف غيره، ولا مشير في الفضيلة إلى سواه، متبوع لا تابع، مقصود لا قاصد، مرغوب في حكمه، وصحّة أفعاله، وتعاليمه، وهدايته، لاَنّ الرسول جعله دليلاً للمتعلم، ونجاة للحائر. (4)


1. الفرقان:27.
2. الفرقان:29.
3. تاج العقائد: 78ـ 79.
4. تاج العقائد: 70ـ 71.

(223)

أقول: إنّ ما ذكره من أنّ الاَرض لا تخلو من حجة للّه حق، ولكن السبب ليس ما جاء في كلامه من إقامة الحدود، وحفظ المراسم، ومنع الفساد؛ فإنّ ذلك يقوم به سائر الولاة أيضاً، وإنّما الوجه انّه الاِنسان الكامل وهو الغاية القصوى في الخلقة ويترتب على وجود ذلك الاِنسان الكامل بقاء العالم بإذن اللّه سبحانه وآخره لحصول الغاية وإلى ذلك يشير الحديث النبوي:

«أهل بيتي أمان لاَهل الاَرض، فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الاَرض». (1)

وقوله: - صلّى الله عليه وآله وسلّم - لعلي - عليه السّلام- :«إنّي وأحد عشر من ولدي وأنت يا علي رزّ الاَرض ـ أعني أوتادها وجبالها ـ بنا أوتد اللّه الاَرض أن تُسيخ بأهلها فإذا ذهب الاثنا عشر من ولدي ساخت الاَرض بأهلها ولم ينظروا». (2)

وقال - صلّى الله عليه وآله وسلّم - : «أهل بيتي أمان لاَهل الاَرض، فإذا هلك أهل بيتي جاء أهل الاَرض من الآيات ما كانوا يوعدون». (3)

وقال الاِمام أمير الموَمنين - عليه السّلام- : «اللّهمّ بلى لا تخلو الاَرض من قائم للّه بحجّة إمّا ظاهراً مشهوراً أو خائفاً مغموراً». (4)

13. منع المبتدي عن الكلام

ويُعتقد انّ منع المبتدي عن الكلام في الدين، صفات، واقتداء بأفعال اللّه، وذلك انّ اللّه سبحانه وتعالى قادر على أن يجعل الطفل يتكلم عند خروجه وولادته، وإنّما تأخر عن الكلام لحكمة أوجبها لتكون لاَبويه عنده فضيلة التنطيق، والتلقين، والتعليم، وكذلك المبتدي يمنع من المجادلة، والنطق بما يشق على


1. الشريف الحضرمي: رشفة الصادي:78، الصواعق المحرقة:233ـ234.
2. الغيبة:99، عنه البحار: 36|259 ح79.
3. الصواعق المحرقة:150.

(4) 4 .نهج البلاغه: 497، قسم الحكم، الحكمة رقم 147.


(224)

غيره، ومتى تعلم من شيخه أو معلّمه القائم له مقام الصورة، فيعلمه الاَُصول التي يجب الاحتياط بها نموذجاً يحتذى عليه في خطابه، وكلامه فيما يجب الاحتياط له. (1)

14. في أنّالقرآن لا ينسخه إلاّقرآن مثله

ويعتقد انّ القرآن لا ينسخه إلاّ قرآن مثله، والدلالة على ذلك موافقة السنّة للكتاب، قال اللّه تعالى: "وإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَ اللّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ") . (2)قال النبي - صلّى الله عليه وآله وسلّم - في خطبة الوداع:«لا يقولنّ عليَّ أحد منكم مالم أقله، فإنّي لم أحلل إلاّ ما أحلّه اللّه في كتابه، وكيف أُخالف كتاب اللّه وبه هداني؟ وكيف أخالف كتاب اللّه وبه هداني وعليّ أُنزل؟». (3)

15. في تخطئة القياس والاستحسان

لا ترخّص الشيعة قاطبة القضاء والافتاء بالقياس والاستحسان، والرأي غير المستنبط من الكتاب والسنّة ويظهر من الداعي علي بن محمد الوليد، اتّفاق الاِسماعيلية على منع العمل به قال:

إنّ الخطأ، القول بالرأي، والقياس، والاجتهاد والاستحسان، بدليل قوله تعالى:"وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتِكُمُ الكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلى اللّهِ الكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ") . (4)

وقال اللّه عزّوجلّ: "وَ قالُوا لَنْ تَمَسَنّا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ)


1. تاج العقائد: 181.
2. النحل: 101.
3. تاج العقائد: 98.
4. النحل:116.

(225)

اللّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ"). (1)فالقائل في الدين برأيه واجتهاده قائل عن اللّه مالا يعلم.

قال النبي:«اتبعوا ولا تبدعوا، فإنّ البدعة رأس كلّضلالة، وكلّ ضلالة في النار».

وقال عبد اللّه بن جعفر بن محمد: «إيّاك وخصلتان فيهما هلك من هلك، إيّاك أن تكتفي برأيك، أو تدين بمالا تعلم».

وقال - عليه السّلام- : «إيّاك والقياس، فإنّ أوّل من قاس إبليس فأخطأ في قوله: "قالَ ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَني مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِين") (2) ».

فالدين لا يصح إلاّ بالاقتداء والاتباع للكتاب والسنّة، والرضا، والتسليم، إلى الهادي الذي عرفناه، ورضيناه من غير ابتداع، ولا قول برأي ولا قياس، ولا تقليد سلف.

قال رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلّم - :«الاَُمور ثلاثة: أمر قد بان لك رشده فاتبعه، وأمر بان لك غيّه فاجتنبه، وأمر أشكل عليك فرده إلى أهله».

وقال الاِمام جعفر بن محمد لاَبي حنيفة النعمان القائل بالرأي والقياس: «يا نعمان بلغني انّك تعمل بالقياس، فأخبرني إن كنت مصيباً: لم جعلت العين مالحة، والمنخران رطبان، والاَُذنان مرّتان، واللسان عذب؟» قال: لا أدري، فأخبرني جعلت فداك؟ فقال الصادق: «العين مالحة لاَنّها شحمة،ولا تصلحها إلاّ الملوحة؛ والاَنف رطب لاَنّه مجرى الدماغ والنفس؛ والاَُذن مرّة لقتل الدواب، متى دخلتها؛ وجعل اللسان عذب ليعرف به طعوم الاَشياء. يا نعمان إذا لم تعرف


1. البقرة:80.
2. الاَعراف:12.

(226)

ما جعله اللّه في بنيتك، وأحكمه في صورتك لتمام منافعك، فكيف تقيس على دين اللّه عزّوجلّ؟!» فقال: أخبرني جعلت فداك، لم تقضي الحائض الصيام دون الصلاة؟ فقال - عليه السّلام- :«لاَنّالصلاة تكرر» قال: أخبرني لم وجب الغسل من الجنابة،و الوضوء من الغائط؟ قال: «لاَنّ الجنابة تخرج من جميع الجسد، بينما الغائط من مكان واحد» قال: أخبرني لم فضّل الرجل في الفرائض على الامرأة مع ضعفها، وقوته؟ قال:«لاَنّ اللّه تعالى جعل الرجال قوامين على النساء، ينفقون عليهن»، فقال أبو حنيفة: "اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ") . (1)

فترك القياس سعادة للمكلّف، وضبط له عن الخوض في دين اللّه برأي النفس، والهوى الغالب، فإنّ أصل الشريعة ليس بقياس، لاَنّه أخذ عن اللّه تعالى بتعليم الملك، وأخذ من الرسول بتعليم دون قياس، وأخذ من الوصي بتعليم النبي، وأخذ من الاِمام بتعليم الوصي، وأخذ الرجال بتعليم الاِمام دون رأي من يرى، وقياس من قاس، واجتهاد من اجتهد، بالظنون الكاذبة، والرأي، والآراء المتناقضة. (2)


1. الاَنعام:124.
2. تاج العقائد ومعدن الفوائد:82ـ84.

(227)

الاِسماعيلية والاَُصول الخمسة

5

عقيدتهم في المعاد وما يرتبط به

المعاد بمعنى عود الاِنسان إلى الحياة الجديدة من أُسس الشرائع السماوية وهي حقيقة لا تنفك عن الاِيمان باللّه، لذا نرى أنّ أصحاب الشرائع اتّفقوا على وجود المعاد بعد الموت:"وَ أَنَّ اللّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُور ") . (1)ولولا القول بالمعاد لما قام للدين عمود، ولا اخضرّ له عود.

نعم، اختلفوا في كونه جسمانياً أو روحانياً وعلى فرض كونه جسمانياً فهل الجسم المعاد جسم لطيف برزخي أوجسم عنصري؟

والاِمعان في الآيات الواردة حول المعاد يثبت الاَخير بلا شك، فهلمّ معي ندرس عقيدة الاِسماعيلية في المعاد وكيفيته.

1. في أنّ المعاد روحاني لا جسماني

قال الكرماني ـ بعد بيان النشأة الاَُولى في الدنيا ـ : ثمّ اللّه ينشأ النشأة الآخرة، بقوله تعالى: "وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الاَُولى ـ التي هي خلق أجسامكم من قبيل جسمكم ـ فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ") (2)فهلا تتفكرون وتوازنون وتعلمون انّ النظام في الخلق والبعث واحد، وانّ النشأة الآخرة هي خلق الاَرواح وإحياوَها بروح


1. الحج:7.
2. الواقعة:62.

(228)

القدس على مثال النشأة الاَُولى. ثمّ إنّه أفاض في الكلام ومحصّله: كما أنّ الاِنسان في عالم الاحشاء يكتسب آلات ليحس بها الكمالات عند مصيره إلى عالم الدنيا، فهكذا هو في عالم الجسم والدنيا يكتسب آلات ليلتذ بها عند مسيره إلى عالم الآخرة، فكما أنّه يستغني عند مسيره من عالم الاحشاء إلى عالم الحس عمّـا فيها، فهكذا عند مسيره من عالم الحس إلى عالم الآخرة وإليك عبارته:

ولما كان الاَمر في وجود النفس وكمالها كالاَمر في جسمها كما نطق به الكتاب الكريم، فالاِنسان ينتقل من رتبة النطفية إلى رتبة العلقية، و من رتبة العلقية إلى رتبة المضغية ومن رتبة المضغية كذلك أن يحصل له الآلات من عين وأُذن ويد و رجل وأنف ولسان وغير ذلك من الاَُمور ليقوم بالفعل بها عند مصيره إلى عالم الحس إذ كان وجودها له في تلك الظلمات وضيق الاَحشاء لا لها، بل لفسحة الدنيا وما فيها فيكون ما يلتذ به أو يألم بحسب ما اكتسب في الاَحشاء من الآلات، فهكذا وجودها في جسمها لا له بل لذاتها التي تليق بعالم آخر إليه مصيرها وعند مفارقة الجسم من جسمها مصيراً إلى الآخرة التي إليها إنهاوَها كمفارقة جسمها الاَحشاء مصيراً إلى عالم الحس الذي إليه وروده وتكون ذاتها في آخرتها لذاتها آلة تجد بها الملاذ كالجسم الذي هو لها في دنياها آلة تجد بها الملاذ، وما يحصل لها من روح القدس في ذلك العالم كالروح الحسي الذي يحصل للجسم في هذا العالم. (1)

ومن تأمل فيما أفاض يذعن بأنّ المعاد عندهم روحاني لا جسماني، وقد صرح بذلك أيضاً الداعي علي بن محمد الوليد، وقال: ويعتقد انّ اللّه تعالى دعانا على ألسنة وسائطه بقبول أمره، إلى دار غير هذه الدار فهذه الدار صورية وتلك مادية ومابينهما صوري ومادي. (2)


1. راحة العقل: 361، المشرع 13.
2. تاج العقائد: 165.

(229)

2. في التناسخ

وهو عود الروح بعد مفارقة البدن إلى الدنيا عن طريق تعلقها ببدن آخر كتعلّقها بالجنين عند استعدادها لاِفاضة الروح وله أقسام مذكورة في محلّها. (1)

وربما ينسب القول بالتناسخ إلى الاِسماعيليّة، ولكن النسبة في غير محلّها.

يقول الداعي الكرماني: وأمّا من يرى الجزاء، مثل محمد بن زكريا والغلاة وأهل التناسخ، وانّه يكون في الدنيا، فمن اعتقادهم انّهذه الاَنفس لها وجود قبل أشخاصها بخلاف اعتقاد الدهرية وأمثالها ممّن ينحون نحوهم الذين يقولون انّوجودها بوجود أشخاصها، ويقولون: إنّها جوهر تتردد في الهياكل بحسب اكتسابها إلى أن تصفو وتعود، فقد (2)أوردنا في كتابنا المعروف بـ«الرياض» و«ميزان العقل» وغيرهما من رسائلنا في فساد قولهم ما يغني سيّما ما يختص بذلك في كتابنا المعروف بـ«المقاييس» رداً على الغلاة وأشباههم. (3)

يقول الكاتب الاِسماعيلي مصطفى غالب: ويذهب أكثر الذين كتبوا عن عقائد الاِسماعيليّة من القدماء والمحدثين بأنّ الاِسماعيليّة يقولون بتناسخ الاَرواح، أي أنّ الروح بعد الموت تنتقل إلى إنسان آخر أو إلى حيوان أو نبات على نحو ما نراه في العقيدة البوذية أو النصيرية مثلاً، ويمكننا بعد أن درسنا كتب الاِسماعيلية السرية والعلنية دراسة دقيقة، أن نقول بأنّهم لا يدينون مطلقاً بالتناسخ، بل ذهبوا إلى أنّ الاِنسان بعد موته يستحيل عنصره الترابي (جسمه) إلى ما يجانسه من التراب، وينتقل عنصره الروحي (الروح) إلى الملاَ الاَعلى، فإن كان الاِنسان في حياته موَمناً بالاِمام فهي تحشر في زمرة الصالحين وتصبح ملكاً مدبراً،


1. لاحظ شرح المنظومة للحكيم السبزواري:312.
2. جواب لقوله: امّا.
3. راحة العقل:364.

(230)

وإن كان شريراً عاصياً لاِمامه حشرت مع الاَبالسة والشياطين وهم أعداء الاِمام.

والاِمام نفسه يجري على جسده مثلما يجري على سائر الاَجساد بعد الموت، حيث يتحلّل كل قسم إلى ما يناسبه، فالجسم الترابي يعود إلى التراب، والنفس الشريفة تعود إلى ما يجانسها ويناسبها، فتصبح نفس الاِمام عقلاً من العقول المدبرة للعالم، فلا تتناسخ ولا تتلاشى أي تتقمص. (1)

3. في الحساب

والحساب تابع للبعث وهو فعل يحدث عنه من النفس للنفس الثواب الذي هو الملاذ والمسار، والعقاب الذي هو الاَلم والعذاب والغم، وينقسم هذا الفعل إلى ما يكون وجوده في الدنيا، وإلى ما يكون وجوده في الآخرة.

فأمّا ما يكون وجوده في الدنيا فينقسم قسمين. ثمّ أفاض الكلام في القسمين. (2)

4. في الجنة

يقول الكرماني: إنّها موصوفة بالسرمد والاَبد ووجود الملاذ فيها أجمع، وأنّها لا تستحيل، ولا تتغير، ولا يطرأ عليها حال، ولا تتبدل، والذي بهذه الصفة هو النهاية الاَُولة من الموجودات عن المتعالى سبحانه عن الموصوفات والصفات إبداعاً خارج الصفحة العليا من السماوات المعرب عنها بسدرة المنتهى الذي هوالمبدع الاَوّل. (3)


1. مصطفى غالب: في مقدمة كتاب الينابيع:16.
2. راحة العقل: 369.
3. راحة العقل: 379.

(231)

5. في الملائكة

إنّ الملائكة على ضروب وكلّهم قد أُهّلوا لمنافع الخليقة، فلا يتعدى أحد منهم بغير ما وكّل به، كما قال وأخبر عنهم:"وَ ما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ") (1)

والجوهر فيهم واحد، وإنّما اختلفت أسماوَهم لاَجل ما وكلوا به فمنهم من هو في العالم العقلي، ومنهم من هو في العالم الفلكي، ومنهم من هو في العالم الطبيعي لحفظ ارجائه، ثمّ استدل بالآيات القرآنية.

منها قوله:"فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ*وَ ما لا تُبْصِرونَ") (2)يعني الملائكة الذين قد أخفى سبحانه ذواتهم عن النظر، وجعل المخلوق عن الطبائع محجوباً عنهم لا يراهم حتى يصير إمّا في منزلة النبي أو يخلص القبول من النبي بقرب الدرجة منه. (3)

6. في الجن

ويعتقد انّ في الجن ذوات أرواح نارية وهوائية ومائية وترابية، ويعتقد انّ الجن صحيح لا ريب فيه وهم على ضروب في البقاع والمصالح والمنافع والفساد والضرر، إلى أن قال: فمنهم من هو في ارجاء العالم ممنوع عن مخالطة بني آدم، ومنهم من هو مخالط لبني آدم في أماكنهم. (4)


1. الصافات:164.
2. الحاقة:38ـ 39.
3. تاج العقائد: 45.
4. تاج العقائد: 46.


(232)



(233)

الفصل الحادي عشر


في
شجرة الاِمامة الاِسماعيلية


(234)



(235)

تدّعي الاِسماعيليّة أنّ شجرة الاِمامة تبتدأ من حين هبوط آدم إلى يومنا هذا، ولم يجعلوا تسلسلها من إسماعيل بن جعفر الصادق، بل ذهبوا إلى عهد بدء الخليقة، فطبّقوا قواعدهم الاِماميّة، وسلسلوا الاِمامة تسلسلاً مستمرّاً إلى العصر الحاضر.

ثمّ أضافوا إلى ذلك قولهم بالاَدوار، والاَكوار، وقد جعلو كلَّ دور يتألّف من إمام مقيم، ورسولٍ ناطق، أو أساس له ومن سبعة أئمّة يكون سابعهم متمَّ الدَّور، ويمكن أن يزيد عدد الاَئمّة عن سبعة في ظروف أُخرى وفي فترات استثنائيّة، وهذه الزيادة تحصل في عداد الاَئمّة المستودعين، وليس في الاَئمّة المستقرين.

أمّا الدّور فيكون عبادة صغيراً أو كبيراً، فالدور الصغير هو الفترة التي تقع بين كلّ ناطق وناطق، ويقوم فيها سبعة أئمَّة، أمّا الدّور الكبير فيبتدأ من عهد آدم إلى القائم المنتظر ، الذي يُسمى دوره، الدور السابع، ويكون في الوقت ذاته متماً لعدد النطقاء الستة.

وفي الصفحات التالية تظهر الشجرة الاِسماعيليّة ، وتفرعاتها، وقد أخذناها من كتاب «الاِمامة في الاِسلام»، تأليف الكاتب الاِسماعيليّ عارف تامر (1)الذي يقول: إنّ شجرةَ الاِمامة عند الاِسماعيليّة ظلّت حقبة طويلة مجهولة لدى الباحثين، ومقصورة على طبقة خاصّةٍ من العلماء ، أو قُل في التقيّة والاستتار والكتمان.

وقد أفرده الاَُستاذ أيضاً في كتاب خاص أسماه «فروع الشجرة الاِسماعيليّة الاِماميّة» نشرته المطبعة الكاثوليكية، في بيروت عام 1957م.


1. الاِمامة في الاِسلام:145ـ161.

(236)

شجرة الاِمامة الاِسماعيليّة


منذ أَقدم العصور


الدور الاَوّل:

(و يبتدىَ من وقت هبوط آدم حتى ابتداء الطوفان، ومدته ألفان وثمانون عاماً وأربعة أشهر وخمسة عشر يوماً).

* * *


العدد الإمام المقيم الرسول الناطق أساس الدور الإمام المتم الإمام المستقر
1
2
3
4
5
6
7
هُنيد آدم هابيل 130 -
225
شيث
230 - 1144


لامك بن متوشالح
أنوش بن (1) شيث 534ـ 5831
قينان بن أنوش 625ـ 1535
مهليئل بن قينان 795ـ 1690
يارد بن مهليئل 960ـ 1922
أخنوخ بن يارد 1122ـ 1487
متوشالح بن اخنوخ 1287ـ2242.
لامك بن متوشالح 1454ـ 2346

1. وفي المصدر بنت، وما أثبتناه هو الصحيح.

(237)

التعليقات:

في هذا الدور يظهر لنا أنّ هُنيد (1)هو الاِمام المقيم، الذي ربّى وتعهّد، وأقام الرسول الناطق آدم، وفي هذا الدور أيضاً يظهر لآدم أساسان هما: هابيل وشيث، الاَوّل قتل بيد أخيه «قابيل» فاستلم منصبه بعد وفاته «شيث». ويظهر أنّ متمَّ الدَّور هو الاِمام السابع لامك بن متوشالح.

المعروف تاريخيّاً أنّهبوط آدم كان في عدن، وأنّ وفاته كانت في موقع غار أبي قبيس في أرض الكعبة، ويُقال : أنّ نوحاً بعد الطوفان استخرج جثته، ودفنها في النجف الاَشرف، إنّ الاَرقام التاريخيّة المذكورة أعلاه اعتبرناها في بدء ظهور آدم صفراًحتى طوفان نوح. ولهذا يكون آدم قد عمَّر 930 عاماً، وشيث تسعمائة واثني عشر 912، وأنوش هو أوّل من غرس النخل 950 عاماً، وقينان 910 أعوام، ومهليئل 895عاماً، ويارد 962 عاماً واخنوخ 365 عاماً، ومتوشالح 955 عاماً، ولامك 891 عاماً.

في المصادر التاريخيّة أنّ الاِمام الخامس أخنوخ هو إدريس أو هرمس المثلث، وهو أوّل من خط بالقلم، وكان مسكنه في الكوفة، وقد ولد قبل الطوفان بمدَّة يسيرة، أمّا ابتداء الطوفان فكان سنة 2242. انّالكتاب السماويَّ المتداول في الدّور الاَوّل هو «الصحف» وتنسب إلى آدم.


1. قال العلامة الروحاني:و لم يعلم انّ هُنَيْد مربى آدم وهو الاِمام المقيم هل هو من جنس آدم أو ملك أو جنّأو غيرها.

أقول: من العجب أنّه لم يأت اسمه في الذكر الحكيم،ولو كان له ذلك المقام الشامخ، فأولى أن يكون معلّم الملائكة، لا آدم ثمّ إنّ المذهب المبنيّ على هذه الحدسيات التي لا تقوم علىأساس قطعي لا يكتسب صبغة علميّة قطعيّة.


(238)

الدور الثاني:

«و يبتدىَ من وقت الطوفان سنة 2242، حتى ولادة إبراهيم الخليل، ومدّته تسعمائة واثنتان وسبعون سنة وستة أشهر وخمسة عشر يوماً.

* * *


العدد الإمام المقيم الرسول الناطق أساس الدور الإمام المتم الإمام المستقر
1
2
3
4
5
6
7
هود نوح
1642 -
350
سام
2142 -
5000


ناحور بن سروج
أرفكشاد بن سام «2» بعد الطوفان ـ467
شالخ بن قينان بن أرفشكاد (1)672 ـ 765
عابر بن شالخ 466 ـ 930
فالج بن عابر 540 ـ 879
رعوا بن فالج 670 ـ 1009
سروج بن رعوا 802 ـ 1132
ناحور بن سروج 932 ـ 1140

التعليقات:

في هذا الدّور يظهر أنّ هوداً (2)هوالاِمام الذي أقام و أنعم و ربّى الرسول


1. كذا في المصدر .
2. قال العلاّمة الروحاني: إنّ ظاهر الكتاب العزيز،. أنّ نوحاً - عليه السّلام- أقدم من هودعليه السّلام ، قال سبحانه:(وقومَ نُوحٍ مِنْ قَبلُ إنّهم كانوا همُ أظلم وأطغى) (النجم|52) فكيف يمكن للمتأخر زماناً أن يربّي المتقدم؟!

(239)

الناطق نوح، وأنّ نوحاً هو صاحب رسالة النطق، وأنّ ساماً هو أساس الدّور،ويظهر أنّه سقط من الشجرة اسم «قينان بن أرفكشاد» والد شالخ. وقينان هذا أُبعد عن الاِمامة وأسقط اسمُه من الشجرة الاِماميّة لاَنّه كان يتعاطى السّحر، فوصيَّة ارفكشاد تجاوزته إلى ولده شالخ. ويلاحظ أنّ هناك أكثر من مصدر تاريخي يوَكّد أنّ عابر بن شالخ هو «هود»، وبعض المصادر توَكّد أنّ فالج هو ذو القرنين، أو هود، على اختلاف الروايات. و يلاحظ أنّ ناحور هو الاِمام المتمّ للدّور الثاني.

إنّ نوحاً ولد سنة 1642 من ولادة آدم، و عندما بلغ من العمر 600 عاماً جرى الطوفان الذي ابتدأ في العاشر من شهر رجب سنة 2242 من هبوط آدم، وقد دام الطوفان ستة أشهر، و انتهى في العاشر من شهر محرم سنة 2243.توفي نوح سنة 350 بعد الطوفان و عاش 950 عاماً، و دفن على جبل الجودي، من أعمال الموصل.وقد استوطن في مدّّة حياته الكوفة.

أمّا أساس الدّور سام، فقد عاش 600 عاماً. من الواضح أنّ أرفكشاد عاش 465 عاماً، و شالخ 464 عاماً، و عابر 460 عاماً، و فالج 339 عاماً، وسروج 330 عاماً، وناحور 205 أعوام.

الدور الثالث:

«و يبتدىَ من وقت ولادة إبراهيم حتى ظهور موسى، و مدَّته ألف و مائة و خمسون عاماً وسبعة أشهر و ثمانيةأيّام».


(240)


العدد الإمام المقيم الرسول الناطق أساس الدور المستقر أساس الدور المستودع الإمام المتم الإمام المستودع الإمام المستقر
1
2
3
4
5
6
7
تاريخ
1011 - 1316
إبراهيم
1081 - 1256
إسماعيل
86 - 227
إسحاق
100 - 280


شعيب
يعقوب بن إسحاق160ـ307
يوسف بن يعقوب250ـ361
افرايم بن يوسف 280
رازح بن عيص
أيوب بن موص
يونان بن أيوب
شعيب بن صيفون

قيذار بن إسماعيل
سلامان بن قيذار
بنت بن سلامان
الهميسع بن بنت
يقدم بن الهميسع
يقداد بن يقدم
أود بن يقداد


(241)

التعليقات:

في هذا الدّور يبدو أنّه ظهر تطور جديد على قصة الاِمامة، فالاَئمّة المستقرّون من ولد إسماعيل بن إبراهيم، يدخلون كهف التقية والاستتار و يحل محلّهم الاَئمة المستودعون، الذين هم من ولد إسحاق بن إبراهيم، و قد ظل هذا الوضع قائماًحتى ظهور الناطق السادس محمد، الذي ينحدر من أُسرة الاِمام المستقر إسماعيل، بينما الرسولان الناطقان، موسى و عيسى، ينحدران من أُسرة إسحاق بن إبراهيم الخليل، و من الواضح أنّه في عهد محمد ينتهي دور الاستيداع، وتعود الاِمامة إلى الاَئمّة المستقرين.

مما يجدر ذكره أنّ الرسول الناطق إبراهيم، ولد في ا لاَهواز، و منها جاء إلى حوران، حيث اتخذها دار هجرة، و دفن في بيت المقدس، و قد عاش 113 عاماً، أمّا ولده الاَكبر إسماعيل، فوالدته هاجر و قد عاش 137 عاماً، و دفن في بيت اللّه الحرام، وأما إسحاق الابن الثاني ، فوالدته سارة، وكان يقيم بين الشام و القدس، وقد عاش 280 عاماً و دفن في بيت المقدس، و يأتي بعده ولده الذي عاش 307 أعوام، و قد دفن في القدس. و بعده يأتي أيضاً يوسف فقد عاش 110 أعوام ، و دفن في مصر. أمّا أيّوب، وهو الاِمام الخامس فقد توفي في (مسكنه) و عاش 93 عاماً، و يأتي بعده ابنه يونان، و هو يونس أو ذو النون، كما هو معروف، و مقامه في نينوى، قرب الموصل، على هذه الصفحة نلاحظ أنّ شعيب هو الاِمام المستودع المتمّ للدور الثالث، و كان يقيم في مديَن.


(242)

الدور الرابع:

* * *


العدد الإمام المقيم الرسول الناطق أساس الدور المستقر أساس الدور المستودع الإمام المتم الإمام المستودع الإمام المستقر
1
2
3
4
5
6
7

* * *

أُد

موسى
425 - 545
هارون 442
يوشع بن النون
436 - 28


زكريا
أيليا بن بسباس
أليسع بن أخطف
صموئيل الرائي 442ـ2494
داوَد بن بسي 419ـ535
سليمان بن داوَد 523ـ575
عمران بن ماثان
زكريا بن برخيا1616ـ 1716

عدنان بن أُد
معد بن عدنان
نزار بن معد
مضر بن نزار
الياس بن مضر
مدركة بن الياس
خزيمة بن مدركة

(243)

التعليقات:

يلاحظ أنّه في هذا الدور لا يوجد أساس مستودع،وأنّالاَساس المستقر هو هارون أخو موسى. و يبدو أنّه بعد وفاته تسلَّم يوشع بن نون رتبته الاَساسيّة. من الواضح أنّ إيليا بن بسباس هو «إيليا النبي» ، و أنّ عمران بن ماثان هو «روبيل» وأنّ زكريا هو الاِمام السابع المستودع المتمّ للدّور الرابع. في المصادر التاريخيّة أنّ موسى عاش 120 عاماً و نقل جثمانه من صحراء سيناء إلى القدس، وولادته كانت في السابع من آذار سنة 425، وأنّ صموئيل الرائي عاش 53 عاماً، وأنّ داوَد بن بسي عاش 116 عاماً، وأنّسليمان بن داوَد عاش 52عاماً، وأنّ زكرياء عاش 100 عام.


(244)

الدور الخامس:

«ويبتدىَ من وقت ولادة عيسى حتى ظهور محمّد، و مدّته ستمائة و سبعون سنة و ستة عشر يوماً».

* * *

العدد

* * *

الإمام المقيم

* * *

الرسول الناطق

* * *

أساس الدور المستقر

* * *

أساس الدور المستودع

* * *

الإمام المتم

* * *

الإمام المستودع

* * *

الإمام المستقر

1
2
3
4
5
6
7
8
9
10
11
12
13
14

* * *

خزيمة

* * *

عيسى

يحيى 1715 - 30
شمعون الصفا 1716 - 33




جرس بحيرا

مرقص أو عبد المسيح
فيلبس
اسطفانس
هرقل
أرميا
مروة الراهب
جرجس ـ بحيرا
كنانة بن خزيمة
النضر بن كنانة
مالك بن النضر
فهر بن مالك
غالب بن فهر
لوَي بن غالب
كعب بن لوَي
مرة بن كعب
كلاب بن مرة
قصي بن كلاب
عبد مناف بن قصي
هاشم بن عبد مناف
عبد المطلب بن هاشم
عبد اللّه بن عبد اللّه


(245)

التعليقات:

في هذا الدّور يظهر على المسرح أربعة عشر إماماً مستقراً، يقابلهم سبعة أئمّة مستودعين، أيْ أنّ كلَّ إمام مستودع كان معاصراً لاِمامين مستقرين، ولم يجر مثل هذا في الاَدوار السابقة. ويلاحظ أنّ ولادة عيسى كانت سنة 1716 موسوية، أي بعد وفاة موسى، وقد قتل صلباً (1)سنة 9471، و عمّر ثلاثة وثلاثين عاماً، أمّا أساس الدّور المستقر فكان يحيى، و هو الذي ولد قبل ولادة عيسى بستة أشهر، و هو يوحنا المعمدان نفسه، و من المعروف انّ هيرودس الروماني قتله سنة 1746، وأنّ الاَساس الثاني المستقر للدور الخامس الذي سلم إليه هو «شمعون الصفا» أو سمعان بن يونان، أو بطرس الراهب ، و يعتبر مربي عيسى وحجّة عمران بن ماتان الذي ورد ترتيبه، الاِمام السادس المستودع في الدور الرابع.

ويلاحظ أنّ جرجس أو بحيرا الراهب هو الاِمام السابع المستودع المتم للدور الخامس، وكان دعاته في الجزيرة العربية هم: عمرو بن نفيل، و ورقة بن نوفل، و زيد بن عمران، و هو الذي سلّم وراثة الاَنبياء المستودعين، للاِمام المستقر المقيم أبو طالب، يوم جاء إليه من الجزيرة العربية إلى دير بصرى الشام مع النبي محمد. ويلاحظ أنّ الاِمام المستقر النضر بن كنانة، وكان يسمّى قيس، ولُقّب النضر لنضارته، وأنّ الاِمام المستقر هو فهر بن مالك، كان لقبه مجمع قريش، وأنّ كلاّب بن مرة كان يلقب بالحكيم، أو عروة، وأنّ قصي بن كلاب هو زيد، و سمّي قصي لاَنّه أُقصي عن عشيرته، وأنّ عبد مناف بن قصي اسمه المغيرة، وأنّ هاشم بن عبد المناف اسمه عمران، وأنّ عبد المطلب بن هاشم اسمه «شيبة الحمد».


1. هذا الكلام تفنده الآية الشريفة: (وما قَتَلُوهُ ومَا صَلَبُوهُ ولكِن شُبِّهَ لَهُم ...) (النساء|157).

(246)

الدور السادس:

« يبتدىَ من تاريخ الهجرة المحمدية و ينتهي بظهور القائم المنتظر، ولا يمكن تحديد مدّته. إنّ الدور الكبير قد أصبح مقسماً إلى أدوار صغيرة».

* * *


العدد الإمام المقيم الرسول الناطق أساس الدور الإمام المتم الإمام المستقر
1
2
3
4
5
6
7
عمران
أبو طالب
محمد
م 571 -
634
علي بن أبي طالب

محمد بن إسماعيل
علي بن أبي طالب
الحسين بن علي
علي بن الحسين «زين العابدين»
محمد بن علي «الباقر»
جعفر بن محمد «الصادق»
إسماعيل بن جعفر
محمد بن إسماعيل

التعليقات:

في هذا الدور يظهر أنّ عمران أبا طالب، هو الاِمام المقيم في عهد الرسول الناطق محمد، و أنّ الاِمام محمد بن إسماعيل هو الاِمام السابع المتم.و يلاحظ أنّ الاِمام الحسن بن علي لم يذكر في شجرة النسب لاَنّه يعتبر إماماً مستودعاً لدى الاِسماعيليين، و هكذا محمد بن الحنفية، و موسى بن جعفر (الكاظم).


(247)

تتمة الدور السادس:

«ويبتدىَ من عهد معد بن إسماعيل«المعز لدين اللّه»، ولا يمكن بعد الآن الحكم على الاَئمّة المتمّين بعد أن ظهر الاختلاف و تشعبت الشجرات».

* * *


العدد العدد المتسلسل الإمام المتم الإمام المستقر
1
2
3
4
5
6
7
15
16
17
18
19
20
21
نزار بن معد «العزيز باللّه»
الحسين بن نزار «الحاكم بأمر اللّه»
علي بن الحسن «الظاهر لاِعزاز دين اللّه»
معد بن علي«المستنصر باللّه»
الاِسماعيلية، الاِسماعيلية، الاِسماعيلية
المستعلية الموَمنية القاسمية ـ الآغاخانية
أحمد المستعلي نزار بن معد نزار بن معد
الآمر بأحكام اللّه حسن بن نزار هادي
الطيب بن الآمر محمد بن الحسن مهتدي

التعليقات:

من الملاحظ هنا أنّ الاِسماعيليين قد افترقوا بعد الاِمام الثامن عشر المستنصر باللّه، إلى ثلاث فرق هي: النزاريّة «القاسميّة» الآغاخانية، و النزاريّة الاِسماعيلية الموَمنيّة، والاِسماعيلية المستعلية، و يلاحظ أنّ الفرقة المستعلية قد توقفت عند الطيّب بن الآمر الاِمام الحادي و العشرين، الذي دخل كهف التقيّة و الاستتار، كما يلاحظ أنّ الفرقة الدرزية قد توقفت عند الاِمام السادس عشر الحاكم بأمر اللّه،و من الواضح أنّ النزاريّة نفسها قد انقسمت إلى فرقتين هما: الموَمنيّة، والقاسميّة (الآغا خانية)، كما سيظهر في الصفحات التالية.


(248)

تتمة الدور السادس

«و يبتدىَ من الاِمام النزاري الموَمني حسن بن محمد، و ينتهي برضي الدين ابن محمد، وبقاهر النزاري القاسمي، و ينتهي بشمس الدين محمد و هو الاِمام المتم السابع».

* * *

* * *

العدد

* * *

العدد المتسلسل

* * *

أئمة النزارية المؤمنية

* * *

أئمة النزارية القاسمية _ الآغاخانية

1
2
3
4
5
6
7
22
23
24
25
26
27
28
حسن بن محمد «جلال الدين»
محمد بن الحسن «علاء الدين»
محمود بن محمد «ركن الدين»
محمد بن محمود «شمس الدين»
موَمن شاه بن محمد «علاء الدين»
محمد بن موَمن «خداوند»
رضي الدين بن محمد «ضياء الدين»

قاهر
حسن على ذكره السلام
أعلى محمد
جلال الدين حسن
علاء الدين محمد
ركن الدين خير شاه
شمس الدين محمد

التعليقات:

يظهر أنّ الاختلاف لدى النزاريّة قد بدأ منذ عهد نزار بن المستنصر باللّه الفاطمي، ثمّ يظهر أنّ الفرقتين عادتا إلى الالتقاء مع أربعة أئمة هم:حسن بن محمد و «جلال الدين» ومحمد بن الحسن و «علاء الدين» ومحمود بن محمد «ركن الدين» ومحمد بن محمود «شمس الدين» و هوَلاء يشكّلون الاَرقام: 22و 23 و 24 و 25. أمّا لدى النزارية القاسمية الآغاخانية فيشكّلون الاَرقام 25و26و27و 28. وبعد الاِمام محمد شمس الدين انقسمت النزارية انقساماً فعليّاً إلى فرقتين:

فالموَمنية ساقت الاِمامة بموَمن «الابن الاَكبر» ، و القاسمية ساقتها بقاسم «الابن الاَصغر»، و كلّهذا جاء مفصّلاً في الصفحات التالية:


(249)

تتمة الدور السادس

«و يبتدىَ من طاهر بن رضي الدين ، و ينتهي بعطية اللّه، و هو الخامس و الثلاثون في شجرة الموَمنية، أمّا لدى القاسمية فيبتدىَ بقاسم شاه و رقمه 29، و ينتهي بالاِمام أبي الذر علي، و هو الاِمام الخامس والثلاثون من شجرة قاسم».

* * *

* * *

العدد

* * *

العدد المتسلسل

* * *

أئمة النزارية المؤمنية

* * *

أئمة النزارية القاسمية _ الآغاخانية

1
2
3
4
5
6
7
29
30
31
32
33
34
35
طاهر بن رضي الدين «العزيز»
رضي الدين الثاني بن طاهر «شمس الدين»
طاهر شاه بن رضي الدين الثاني «حجة اللّه»
حيدر بن طاهر «خداوند»
صدر الدين بن حيدر «معز الدين»
معين الدين بن صدر الدين«قاهر»
عطية اللّه بن معين الدين «خداي بخش»

قاسم شاه
إسلام شاه
محمد بن إسلام
المستنصر باللّه الثاني
عبد السلام
غريب ميرزا
أبو الذر علي

التعليقات:

ماتزال الشجرتان النزاريتان قائمتين هنا، و هما الوحيدتان بين فرق الشيعة الاِماميّة اللتان ظلتا سائرتين على النهج الاِمامي.


(250)

تتمة الدور السادس:

«و يبتدىَ من عزيز بن عطية اللّه و رقمه 36، و ينتهي بالاِمام محمد بن حيدر «الاَمير الباقر» و هو الاِمام الخامس لدى الفرقة الموَمنية، و بعهده انقطعت الفرقة الموَمنيّة عن الاتصال، أمّا لدى القاسميّة فيبتدىَ من الاِمام مراد ميرزا، و ينتهي بحسن علي و هو متمٌّ و سابع.

* * *

* * *

العدد

* * *

العدد المتسلسل

* * *

أئمة النزارية المؤمنية

* * *

أئمة النزارية القاسمية _ الآغاخانية

1
2
3
4
5
6
7
36
37
38
39
40
41
42
عزيز بن عطية اللّه«الشاه»
معين الدين الثاني بن عزيز «خليل اللّه»
محمد بن معين الدين «الاَمير المشرف»
حيدر بن محمد «المطهّر»
محمد بن حيدر «الاَمير محمد الباقر»
؟
؟

مراد ميرزا
ذو الفقار علي
نور الدين علي
خليل اللّه علي
نزار علي
السيد علي
حسن علي

التعليقات:

يظهر أنّ الفرقة الموَمنية النزارية توقفت عن السير الاِمامي في عهد الاِمام محمد بن حيدر الاَمير الباقر، رقم 40، وذلك سنة 1210هـ. أمّا شقيقتها القاسميّة. فظلت سائرة على المنهج الاِمامي حتى عهدنا الحاضر.


(251)

تتمة الدور السادس:

و يبتدىَ من الاِمام قاسم علي، و ينتهي بالاِمام «كريم علي خان» ، و ترتيبه التاسع والاَربعون، و هو متمم للدّور و سابع.

* * *

العدد

* * *

العدد المتسلسل

* * *

أئمة النزارية القاسمية _ الآغاخانية

1
2
3
4
5
6
7
43
44
45
46
47
48
49
قاسم علي
أبو الحسن علي
خليل اللّه علي
حسن علي «آغا خان الاَوّل»
علي شاه « « « « « »
سلطان محمد شاه « « « « « »
كريم علي خان « « « « « »

التعليقات:

يظهر أنّ الفرقة الموَمنيّة النزارية، قد اختفت عن المسرح الاِمامي، وأنّ النزارية القاسميّة الآغاخانية ظلّت وحدها سائرة دون انقطاع عن الركب الاِمامي حتى يومنا هذا، و هي الوحيدة بين الفرق الاِمامية التي لم تتوقف.

ويلاحظ أنّ الاِمام الاَخير التاسع والاَربعين «كريم خان» ليس هو ابن سلطان محمد شاه، بل حفيده، و يظهر أنّ اسم علي خان و هو النجل الاَكبر لسلطان محمد شاه، قد أسقط من الشجرة بموجب وصيّة عامّة من والده. إنّ الاَمير علي خان توفي في باريس بحادث سيارة بتاريخ 12 أيار سنة 1960، وكان يمثل باكستان في الاَُمم المتحدة.


(252)

تتمة الدور السادس:

«هذا الدّور الصغير يبتدىَ من الاِمام محمد إسماعيل حتى عهد الاِمام معد ابن إسماعيل «المعز لدين اللّه » و يعتبر جزءاً من الدّور الكبير الذي يبتدىَ من عهد محمد حتى القائم المنتظر».

* * *

العدد

* * *

العدد المتسلسل

* * *

الإمام المتم

* * *

الإمام المستقر

1
2
3
4
5
6
7
8
9
10
11
12
13
14


معد بن إسماعيل المعز لدين اللّه

عبد اللّه بن محمد «الرضي»
أحمد بن عبد اللّه «الوفي»
الحسين بن أحمد «التقي»
عبيد اللّه المهدي
محمد بن علي «القائم»
إسماعيل بن محمد «المنصور باللّه»
معد بن إسماعيل «المعز لدين اللّه»

التعليقات:

يلاحظ هنا أنّه لم يعد هناك أيُّ وجود للناطق أو للاَساس، وأصبح الاِمام هو الذي يحمل مهمات الناطقية، كما أنّمهمات الاَساسيّة يحملها الحجّة أو الباب. في شجرات الدروز و المستعلية لا يرد اسم «عبيد اللّه المهدي» بين أسماء الاَئمّة المستقرين ويرد مكانه اسم «علي بن الحسين» و هذا لم تحقّقه المصادر ولا الوقائع حتى الآن. ومهما يكن من أمر فنحن ما نزال نعتبر «عبيد اللّه المهدي» إماماً مستقراً منتظرين المزيد من المعلومات والمصادر والاكتشافات التاريخية.(1)


1. عارف تامر، الاِمامة في الاِسلام : 145 ـ 161،و التعليقات كلها له.

(253)

تأملات في أدوار الاِمامة

إنّ ما ذكره الكاتب الاِسماعيلي، لا يخلو من تأمّلات، وإشكالات، نشير إليها:

الاَوّل: انّ ما ذكره من الاَدوار الستة للاِمامة و انّ كلَّ رسول ناطق تتلوه أئمّة سبعة، على النحو السابق، أمر مبنيٌّ على الظن و التخمين، لا على القطع واليقين، فإنّ التحدُّثَ عن الاَئمّة الذين قاموا بالاَمر، بعد الرسول الناطق، آدم، فنوح، فإبراهيم، فموسى، فعيسى، فمحمـد ـ صلّى اللّه عليه و آله و - عليهم السّلام- ـ يبتني على أساطير، لا يمكن الاِذعان بها، ولا أدري أنّ الكاتب إلى أيِّ كتابٍ، و سند قطعيّ اعتمد عليه في استخراج هذه القوائم، مع أنّه ـ حسب اعتراف الكاتب ـ يعترف بأنّهذه الدرجات بالتفصيل ظلّت مجهولة لدى الباحثين، ومقصورة على طبقة خاصة من العلماء.(1)

الثاني: أن تفسير الاِمام المقيم، بأنّه هو الذي يقيم الرسول الناطق، ويعلمه و يربيه، ويدرجه في مراتب رسالة النطق، و ينعم عليه بالاِمدادات، وأحياناً يطلقون عليه اسم «ربّ الوقت» و «صاحب العصر» و تعتبر هذه الرتبة أعلى مراتب الاِمامة و أرفعها، وأكثرها دقَّة و سرّية(2) وعلى ما ذكره فـ«هُنيد» إمام مقيم لآدم، وهود لنوح، وتارح لاِبراهيم، و «أد» لموسى و خزيمة لعيسى، وأبو طالب لمحمد - صلّى الله عليه وآله وسلّم - . و معنى ذلك أنّهوَلاء أفضل من النطقاء الستة، الذين هم أُولو العزم من الرسل.

وهل «هُنيد» أفضل من آدم الذي اختاره اللّه سبحانه بتعليم الاَسماء؟! أو أنّ هود أفضل من شيخ الاَنبياء نوح، وهو الذي بُدئت به الشرائع؟! وهل تارح


1. عارف تامر: الاِمامة في الاِسلام: 142.
2. المصدر السابق: 143.

(254)

أفضل من إبراهيم، الذي وصفه اللّه سبحانه بصفات عظيمة في القرآن الكريم و لم يصف بها غيره؟! وبالتالي يلزم أن يكون أبوطالب - عليه السّلام- أفضل من محمد - صلّى الله عليه وآله وسلّم - !!

الثالث: انّ الاِمام المتمّ هو الاِمام السابع، المتم لرسالة الدور، وأنّ قوته تكون معادلة لقوّة الاَئمّة الستة الذين سبقوه في الدور نفسه بمجموعهم،و من جهة ثالثة يطلق عليه اسم ناطق الدور أيْ أنّ وجوده يشبه وجود الناطق بالنسبة للاَدوار.

ومعنى ذلك أن يكون إسماعيل بن جعفر - عليه السّلام- أو محمد بن إسماعيل ـ على القول بأنّه متمّ الدّور ـ أفضلُ من خاتم النبيين الذي هوأفضل الخليقة باعتراف الفريقين.

الرابع: أنّ الكاتب أخرج الحسن بن علي عليمها السّلام عن قائمة الاِمامة، بحجّة أنّه لم يكن إماماً مستقراً، بل إماماً مستودعاً، ومعنى ذلك أنّ كلّ الاَئمّة الذين جاءوا بعد كلّ رسول ناطق من زمان آدم إلى زمان الخاتم، كانوا أئمّة مستقرين، وليس للكاتب دليل على ذلك، مع أنّ إخراجه ينافي قول الرسول الذي نقلته الاِسماعيليّة في كتبهم من قوله - صلّى الله عليه وآله وسلّم - : «الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا»، و معنى كلامه أنّهما صنوان لا يتفاوتان.

الخامس: أنّ الكاتب بإخراجه الحسن بن علي عليمها السّلام عن قائمة الاِمامة، جعل محمداً بن إسماعيل هو الاِمام السابع الذي به يتم الدّور مع أنّ الاِسماعيليّة يعتبرونه رسولاً ناطقاً، و المتم في الاَدوار السابقة من زمان آدم إلى زمان نبي الاِسلام، لم يكن رسولاً ناطقاً.

والكاتب في الوقت نفسه جعله بادئاً للدور حيث قال في ص 156: هذا الدّور الصغير يبتدىَ من الاِمام محمد بن إسماعيل، حتى عهد الاِمام معد بن إسماعيل «المعز لدين اللّه»، ولو كان الميزان هو الاَدوار السابقة، لا يكون متمَّ الدّور، بادىَ الدور باسم الرسول الناطق.


(255)

وبالجملة أنّ جعل محمد بن إسماعيل متمّاً للدّور من جانب، وناطقاً سابعاً، ناسخاً للشريعة، التي سبقته من جانب آخر، أمران متناقضان، إذا كان الميزان هو الاَدوار السابقة.

لكن الظاهر من كلام مصطفى غالب، في كتابه «تاريخ الدعوة الاِسماعيليّة» غير ذلك، وأنّ متمَّ الدّور في الاَدوار السابقة أيضاً، هو الرسول الناطق، وأنّ نوحاً كان متمَّ الدّور، وفي الوقت نفسه رسولاً ناطقاً، وأنّمحمّداً - صلّى الله عليه وآله وسلّم - كان متمَّ الدَّور و في الوقت نفسه رسولاً ناطقاً. وقد استشهد على ما ذكره بكلام الداعي إدريس في كتابه «زهر المعاني» و إليك نصهما:

ويعتبر الاِمام محمد بن إسماعيل أوّل الاَئمّة المستورين، والناطق السابع، و متمّ الدّور، فقام بنسخ الشريعة التي سبقته، وبذلك جمع بين النطق و الاِمامة، و رفع التكاليف الظاهرة للشريعة، ونادى بالتأويل، واهتمَّ بالباطن.

و لذلك قال فيه الداعي إدريس في كتابه «زهر المعاني» ص 56: «إنّما خُصَّ محمد بن إسماعيل بذلك لانتظامه في سلك مقامات دور الستر، لاَنّك إذا عددت آدم و وصيّه و أئمّة دوره، كان خاتمهم الناطق و هو نوح - عليه السّلام- ... و إذا عددت عيسى و وصيَّه وأئمّة دوره، كان محمد - صلّى الله عليه وآله وسلّم - متسلّماً لمراتبهم، و هو الناطق خاتم للنطقاء، وكان وصيُّه - عليه السّلام- بالفضل منفرداً به، و إذا عددت الاَئمّة في دوره كان محمد بن إسماعيل سابعهم، و للسابع قوّةٌ على من تقدَّمهُ، فلذلك صار ناطقاً و خاتماً للاسبوع، و قائماً، وهو ناسخ شريعة صاحب الدّور السادس، ببيان معانيها، وإظهار باطنها المبطن فيها.(1)

فهذان الكاتبان اللّذان قاما في عصرنا هذا بنشر آثار الاِسماعيليّة، وتبيين عقائدها، قد صوّرا الاَدوار السابقة بصورتين متناقضتين.

فعارف تامر يصوّر الاَئمّة سبعة سابعهم متمّمهم، ويتلوه الرسول الناطق


1. مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الاِسماعيلية:148.

(256)

بادىَ الدّور الجديد؛ و مصطفى غالب يصوّرهم سبعة، سابعهم متمّمهم، وفي الوقت نفسه الرسول الناطق.

وهناك وجه آخر، و هو أن يختلف حكم الاَدوار الستة، مع الدَّور السابع، فيكون الاِمام المتمُّ في الدّور الاَخير متمّاً و رسولاً ناطقاً على خلاف الاَدوار الستة، و وجه ذلك أنّ هذا الدّور ليس دوراً مستقلاً، بل تتمّة للدور السادس، ولذلك يقول عارف تامر في التعريف بهذا الدور بالشكل التالي:

تتمة الدور السادس

وهذا الدور الصغير يبتدىَ من الاِمام محمد بن إسماعيل حتى عهد الاِمام «معد بن إسماعيل» المعز لدين اللّه، ويعتبر جزءاً من الدّور الكبير الذي يبتدىَ من عهد «محمد» حتى القائم المنتظر.(1)

وما ذكرنا من الوجه هو الظاهر من الحامدي في كتابه «كنز الولد» وسيوافيك نصّه في الفصل الخاص بترجمة أعلام الاِسماعيليّة.

السادس: أنّالمعروف بين الاِسماعليّة في العصور الاَُولى، أنّ محمد بن إسماعيل هو الرسول الناطق، وهو ناسخ للشريعة، وقد نسبه النوبختي إلى طائفة من الاِسماعيليّة باسم القرامطة وقال: وزعموا أنّمحمد بن إسماعيل حيٌّ لم يمت وأنّه في بلاد الروم، وأنّه القائم المهدي؛ ومعنى القائم عندهم أنّه يبعث بالرسالة وبشريعة جديدة، ينسخ بها شريعة محمد - صلّى الله عليه وآله وسلّم - ، وأنّ محمد بن إسماعيل من أُولو العزم، وأُولو العزم عندهم سبعة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، وعلي، ومحمد بن إسماعيل. (2)

ولما كان القول بذلك يصادم إتفاق جمهور المسلمين على أنّ شريعة الاِسلام هي الشريعة الخاتمة، و نبيّها هو النبي الخاتم ، وكتابه خاتم الكتب، تجد


1. الاِمامة في الاِسلام:156.
2. النوبختي: الفرق بين الفرق:73.

(257)

أنّ مصطفى غالب، ينقل عن الداعي إدريس «عماد الدين» في كتابه«زهر المعاني» أنّ المراد أنّه يبيّن معاني الشريعة، ويظهر باطنها المبطن فيها. (1)

ولكنّه تصرّف في العقيدة، فإنّ الظاهر من عطف محمد بن إسماعيل على سائر النطقاء ، كنوح،و إبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، أنّه ناسخ بالحقيقة، وإلاّ يلزم الاختلاف في معنى النسخ.

السابع: قد عرفت أنّ لازم القاعدة التي استنبطها الكاتب من بطون التاريخ، في أدوار الاِمامة أن تكون شريعة كلِّ رسول منتهية بظهور الاِمام السابع، ويكون الاِمام اللاحق بادئاً للدّور الجديد، مع أنّه يُرى انتقاض القاعدة في ظهور محمد بن إسماعيل، حيث جعل الكاتب عارف تامر دوره متماً للدّور السادس لا بادئاً للدّور الجديد، وأضاف بأنّه ينتهي بظهور الاِمام القائم المنتظر، ولا يمكن تحديدُ مدّته.

يلاحظ عليه: أنّ إدراج القائم المنتظر، الذي هو من صميم عقائد الاِماميّة الاثني عشريّة في عقائد الاِسماعيليّة غريب جداً من وجهين:
1. إخراج محمد بن إسماعيل عن مقامه العظيم في العقيدة الاِسماعيليّة، وجعل الاَدوار التالية حتى دور محمد بن إسماعيل من توابع دور محمد - صلّى الله عليه وآله وسلّم - .
2. إنتظار الاِسماعيليّة للقائم المنتظر، فإنّ القائم المنتظر في عقيدة الشيعة الاِماميّة أقلّ بكثير من صاحب الدور عند الاِسماعيليّة.

وأظن أن جعل الدور الذي بدأ به محمد بن إسماعيل جزءاً من الدّور السادس، لا دوراً مستقلاً لاَجل استقطاب نظر جمهور المسلمين إلى أنفسهم حتى ينسلكوا في عداد المسلمين. (2)

كلّ ذلك يُعرب عن عدم وجود نظام عقائدي منسق عندهم.


1. مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الاِسماعيلية:148، نقلاً عن زهر المعاني:56.
2. الاِشكال السابع من إفادات العلاّمة الروحاني ـ دام ظلّه ـ.


(258)



(259)

الفصل الثاني عشر



في
نظرية المثل والممثول
أو
تأويلات الاِسماعيلية


(260)



(261)

إنّ نظرية المثل والممثول تُعدُّ الحجر الاَساس لِعامّة عقائد الاِسماعيليّة، التي جعلت لكلِّ ظاهر باطناً، وسمّوا الاَوّل مثلاً، والثاني ممثولاً.وعليه تبتني نظرية التأويل الدينيّة الفلسفية، فتذهب إلى أنّ اللّه تعالى جعل كلَّ معاني الدّين في الموجودات، لذا يجب أن يُستدل بما في الطبيعة على إدراك حقيقةَ الدين، فما ظهر من أُمور الدين من العبادة العمليّة، التي بيّنها القرآن معاني يفهمها العامّة، ولكن لكلّ فريضة من فرائض الدين تأويلاً باطناً، لا يعلمه إلاّ الاَئمّة، وكبار حججهم وأبوابهم ودعاتهم. (1)

يقول الداعي الموَيد في الدين الشيرازي: خلق اللّه أمثالاً وممثولات، فجسم الاِنسان مثل، ونفسه ممثول، والدنيا مثَل والآخرة ممثول، وانَّ هذه الاَعلام التي خلقها اللّه تعالى، وجعل قُوام الحياة بها، من الشمس والقمر،و النجوم، لها ذوات قائمة، يحل منها محل المثل وانّقواها الباطنة التي توَثر في المصنوعات، هي ممثول تلك الاَمثال.

وقال صاحب المجالس المستنصرية: معشر الموَمنين انّ اللّه تعالى ضرب لكم الاَمثال جملاً وتفصيلاً، ولم يستح من صغر المثال إذا بيّن به ممثولاً، وجعل ظاهر القرآن على باطنه دليلاً، ومن قصيدة الموَيد للدين يقول فيها:

* * *

أقصد حمى ممثـوله دون المَثـل * ذا أبرُ النحل (2)وهذا كالعسل


1. مصطفى غالب: في مقدمة الينابيع :13.
2. ابر النحل: لذعته.

(262)

واستناداً إلى نظرية المثل والممثول يجب أن يكون في العالم الاَرضي عالم جسماني ظاهر يماثل العالم الروحانيّ الباطن. (1)

1. العقول العشرة

إنّ الاِسماعيليّة استخدمت في تطبيق تلك النظرية، على ما تتبناه من تطبيق الدعوة الدينيّة على عالم التكوين نظرية الفلسفة اليونانية في كيفيّة حصول الكثرة في العالم، ولم يكن الهدف في استخدام نظريتهم، في بيان صدور الكثرات من الواحد البسيط، إلاّ تطبيقها على الدعوة الدينيّة، حتى يكون لكلِّ ظاهر باطن.

توضيحه: أثبتت البراهين الفلسفيّة أنّه سبحانه واحد، بسيط من جميع الجهات، لا كثرةَ فيه، لا خارجاً ولا عقلاً، ولا وهماً

ثمّ إنّهم بعد البرهنة على تلك القاعدة، وقعوا في مأزق وهو أنّه كيف صدرت من الواحد البسيط ـ الذي لا يصدر عنه إلاّ الواحد ـ هذه الكثرات في عالم العقول، والاَفلاك، والاَجسام؟

ذهب أرسطو وتلاميذه، ومن تبعهم من المسلمين كالفارابي والشيخ الرئيس، إلى أنّ الصادر منه سبحانه واحد، وهو: العقل الاَوّل، وهو مشتمل على جهتين:

جهة لعقله لمبدئه، وجهة إضافته إلى ماهيته.

فبالنظر إلى الجهة الاَُولى صدر العقل الثاني، وبالنظر إلى الجهة الثانية صدر الفلك الاَوّل ونفسه، الذي هو الفلك الاَقصى.

وصدر من العقل الثاني لهاتين الجهتين، العقل الثالث، والفلك الثاني مع نفسه، الذي هو فلك الثوابت.


1. مصطفى غالب: في مقدمة الينابيع :13.

(263)

ثمّ صدر من العقل الثالث لهاتين الجهتين، العقل الرابع، والفلك الثالث مع نفسه، الذي هو فلك زحل.

وبهذا الترتيب، صدر العقل الخامس والفلك الرابع، الذي هو فلك المشتري، إلى أن وصل عدد العقول إلى عشرة، وعدد الاَفلاك مع نفوسها تسعة.

و تبنّى المذهب الاِسماعيلي، الذي هو مذهب ذو صبغة فلسفيّة يونانيّة هذه النظرية مع اختلاف يسير في التعبير لا غير، والفكرة الرئيسيّة عندهم واحدة.

فمثلاً يعبّر الداعي الكرماني عن العقل الاَوّل بالمبدع، كما يعبّر عن العقل الثاني بالمنبعث الاَوّل، وكلا المسلكين يشتركان في أنّه يبتدىَ الصدور بالعقل الاَوّل، الذي تسمّيه فلسفةُ المشاء بالعقل الاَوّل، والمذهب الاِسماعيليّ بالمبدع الاَوّل، وتنتهي بالعقل الفعّال،ويتوسط بين العقل الاَوّل والعقل الفعّال سلسلة العقول، والاَفلاك الاَُخرى.

يقول الداعي الكرماني:

والعقل الاَوّل مركز لعالم العقول إلى العقل الفعّال، والعقل الفعّال عاقل للكل، وهو مركز لعالم الجسم ، من الاَجسام العالية الثابتة (الاَفلاك) إلى الاَجسام المستحيلة المسمّاة عالم الكون والفساد (العناصر الاَربعة). (1)

يقول الحكيم السبزواري في بيان تلك النظرية:

* * *

فالعقل الاَوّل لدى المشــاء * وجوبه مبدأ ثان جاء

* * *

وعقله لذاته للفلك * دان لدان سامك لسامك

* * *

وهكذا حتى لعاشرٍ وصل * والفيض منه في العناصر حصل

* * *

بالفقر معط لهيولى العنصر * و بالوجوب لنفوس صور

* * *

فللهيولى كثرة استعداد * بحركات السبعة الشداد (2)


1. راحة العقل:127ـ 129.
2. السبزواري: شرح المنظومة:185.

(264)

ثمّ إنّ المهم تطبيق هذه الدرجات الكونية على درجات الدعوة الدينيّة عند الاِسماعيليّة، فقد جعلوا لكل ظاهر باطناً، ولكلّ درجة كونيّة درجة دينيّة ،و إليك جدولاً يوضح ذلك:
1. العقـل الاَوّل = الناطق.
2. العقـل الثـاني= الفلك الاَقصى = الاَساس.
3. العقـل الثالث= فلك الثوابت = الاِمام.
4. العقـل الرابـع = فلك زحل = الباب.
5. العقل الخامس= فلك المشتري= الحجّة.
6. العقل السادس=فلك المريخ= داعي البلاغ.
7. العقـل السابع= فلك الشمس= الداعي المطلق.
8. العقـل الثامـن= فلك زهرة = الداعي المحدود.
9. العقل التاسـع= فلك عطارد = المأذون المطلق.
10. العقل العاشر= فلك القمر = المأذون المحدود، وربّما يُطلق عليه المكاسر والمكالب. (1)

هذا عرض موجز عن الدرجات الدينيّة للدعوة، وأمّا تفسيرها فإليك بيانها إجمالاً:
1. الناطق: وله رتبة التنزيل.
2. الاَساس: وله رتبة التأويل.
3. الاِمام: وله رتبة الاَمر.
4. الباب: وله رتبة فصل الخطاب.


1. إنّ محقّقي كتاب راحة العقل لم يذكروا فلك الثوابت، ولهذا صار العقل ممثولاً لما دون القمر، وجعلوا فلك الاَفلاك والمحيط. فلكين مستقلين، مع أنّهما في هيئة بطليموس، فلك واحد، إلاّ أن يخلتف ترتيب العوالم العلوية عند الاِسماعيليّة مع ما هو الثابت في علم الهيئة (لاحظ راحة العقل، ص 25).

(265)

5. الحجّة: وله رتبة الحكم فيما كان حقّاً أو باطلاً.
6. داعي البلاغ:و له رتبة الاحتجاج، وتعريف المعاد.
7. الداعي المطلق: وله رتبة تعريف الحدود العلوية والعبادة الباطنية.
8. الداعي المحصور، أو المحدود: وله رتبة تعريف الحدود السفليّة والعبادة الظاهرة.
9. المأذون المطلق: وله رتبة أخذ العهد والميثاق.
10. المأذون المحدود: وله رتبة جذب الاَنفس المستجيبة، وهو المكاسر.(1)

2. النطقاء السبعة وأمثالها:

وربّما يعبّرون عنها بالحروف السبعة (آ، ن، إ، م ، ع، م، ق) وهي الحروف الاَُولى من أسماء النطقاء السبعة، وهم: آدم، نوح، إبراهيم، موسى، عيسى، محمد، قائم (2) مع أُسسهم ممثولين للاَفلاك السبعة بالشكل التالي:

المثل الممثول أساسه
1. زحل
2.المشتري
3. المريخ
4. الشمس
5. الزهرة
6. عطارد
7. القمر
آدم
نوح
إبراهيم
موسى
عيسى
محمد
القائم
شيث
سام
إسماعيل
يوشع
شمعون
علي
مهدي (3)

1. مصطفى غالب: في مقدمة كتاب الينابيع23.
2. يريدون به محمد بن إسماعيل، لاَنّ والده توفي في حياة أبيه، فانتقلت الاِمامة إليه، وهو القائم والاِمام المستقر، وأمّا الاِمام الكاظم - عليه السّلام- فقد كان إماماً مستودعاً.
3. القصيدة الشافية: 38، قسم التعليقة .

(266)

3. الاَنوار الخمسة وأمثالها:

الاَنوار الخمسة، عبارة عن أُولى الموجودات في العالم، وهي: السابق،والتالي، والجد، والفتح، والخيال، وكلُّها ممثولات، ولها أمثلة في الحدود العلويّة، وفي عالم الدين،وعالم المادة بالشكل التالي:

* * *

المثل

* * *

المثل في العالم العلوي

* * *

الممثول في عالم الدين

المثل في عالم الجسم
1. السابق
2. التالي
3. الجد
4. الفتح
5. الخيال
العقل الكلّي
النفس الكلّي
إسرافيل
ميكائيل
جبرائيل
النبي
الاِمام
الوصي
الحجّة
الداعي
السماء
الاَرض
المعدن
النبات
الحيوان

وكلٌّ يأخذ الفيض من السابق، ويفيضه إلى التالي. (1)

وإلى هذه الاَنوار الخمسة يشير الداعي في قصيدته الشافيّة عند ذكر توبة آدم وتوسله بها قائلاً:

* * *

وعاد للّه بحسن التوبة * آدم كي يغفر تلك الحوبة

* * *

وقال يا ربي إنّي أسأل * وإنّني عن زلّتي منفصل

* * *

مُبتهلاً بالخمسة الاَنوار * أوّل ما أبدعته في الدّار

* * *

من سابق كان بلا مثال * ولاحق يتلوه بالكمال

* * *

والجد ثم الفتح والخيال * وبالحروف السبعة الاَشكال (2)


1. القصيدة الشافية: 37، قسم التعليقة؛ ناصر خسرو: خوان الاِخوان:199.
2. القصيدة الشافية:37.

(267)

نماذج من تأويلاتهم الفقهية

لما كان القول بالمثَل والممثول أساساً للتأويل، نذكر في المقام بعض تأويلاتهم في الشريعة.

قالت الاِسماعيليّة: إنّ لكلّ ظاهر في الشريعة، كالوضوء، والصلاة، والزكاة، والجهاد، والحج، والولاية، وغيرها باطناً، يجب الاِيمان به.

وقد كتب كثير من الفاطميين كُتباً في التأويل، غير أنّ قاضي القضاة، النعمان بن محمد، قام بأمرين:

الاَوّل: ألَّف كتاباً باسم «دعائم الاِسلام» وذكر الحلال والحرام والقضايا والاَحكام، وطبع الكتاب في جزءين وهو يشتمل على الكتب التالية:
1. كتاب الولاية.
2. كتاب الطهارة.
3. كتاب الصلاة.
4. كتاب الزكاة.
5. كتاب الصوم والاعتكاف.
6. كتاب الحج.
7. كتاب الجهاد.
8. كتاب البيوع والاَحكام.
9. كتاب الاَيمان والنذور.
10. كتاب الاَشربة.
11. كتاب الاَطعمة
12. كتاب الطب.
13. كتاب اللباس والطبيب.
14. كتاب الصيد.
15. كتاب الذبائح.
16. كتاب الضحايا والعقائق.
17. كتاب النكاح.
18. كتاب الطلاق.
19. كتاب العتق.
20. كتاب العطايا.
21. كتاب الوصايا.
22. كتاب الفرائض.
23. كتاب الدّيات.
24. كتاب الحدود.
25. كتاب السُّرّاق والمحاربين.
26. كتاب الرّدة والبدعة
27. كتاب الغصب والتعدّي.
28. كتاب العارية والوديعة.
29. كتاب اللفظة واللقيطة والآبق.
30. كتاب القسمة والبنيان.
31. كتاب الشهادات.
32. كتاب الدعوى والبينات.
33. كتاب آداب القضاة.

وهو في الحقيقة يحتوي على ظواهر الشريعة.


(268)

الثاني: ألَّف كتاباً، حاولَ فيه أن يبيّن التأويل الباطني لجميع الاَحكام، أسماه بـ«تأويل الدعائم» واستطاع أن يُنهي تأليف الجزء الاَوّل منه، والذي يشتمل على كتاب الولاية، والطهارة، والصلاة، ولكنَّ المنيّة حالت دون إتمامه لتأويل بقيّة الاَبواب الفقهية.

ولذا نقتصر في المقام على ما جاء في هذا الكتاب، بوجه مُوجز، وهدفنا ذكر نماذج، منها فقط، لاَنّنا لا نروم التفصيل والاستقصاء في هذا البحث.

وليعلم أنّ للفاطميين كتباً كثيرةً في التأويل،وقد وَعَدَ محقّق كتاب «تأويل الدعائم» محمد حسن الاَعظمي أن ينشر بعضها في المستقبل. (1)

لمّا كان التأويل أمراً شخصيّاً، يختلف باختلاف الدّاعي،واختلاف ذوقه، اختلفت كلمة الدعاة أشدَّ الاختلاف، في مسائل كثيرة، يقول محقّق كتاب راحة العقل، ما هذا لفظه:

الداعي النخشبي وضع كتابه المحصول في فلسفة المذهب. وجاء بعده أبو حاتم الرازي، فوضع كتابه الاِصلاح، وخالف فيه أقوال من سبقه، ثمّ جاء أبو يعقوب السجستاني، أُستاذ الكرماني، فانتصر للنخشبي، وخالف أبا حاتم، ثمّ جاء الكرماني الذي استطاع أن يوفّق بين آراء شيخه وآراء أبي حاتم. (2)

إنّ المواضع المقتطفة من كتاب «تأويل الدعائم» يعرب عن أمرين:

الاَوّل: أنّ جميع التأويلات مبنيّة على: أُسس فلسفيّة ذوقيّة، لا تتمتع بالبرهان كأكثر تأويلات الصوفيّة.

الثاني: أنّ غالب التأويلات مبنيّة على ثبوت مقامات غيبيّة لاَئمّتهم. ومن أجل أن يقف القارىَ بنفسه، ويتيقن من صحة الدعوى التي ذكرناها هنا، سوف نستعرض مجموعة من النماذج لآرائهم، وهي:


1. تأويل الدعائم: 35، قسم المقدمة.
2. راحة العقل: 17، مقدمة المحققين.

(269)

كتاب الولاية (الدعامة الاَُولى)

جاء في كتاب تأويل الدعائم: عن الباقر - عليه السّلام- : «بني الاِسلام على سبع دعائم: (1) الولاية: وهي أفضل وبها وبالوليّ يُنتهى إلى معرفتها، والطهارة، والصلاة،والزكاة،والصوم، والحج والجهاد»، فهذه كما قال - عليه السّلام- : دعائم الاِسلام قواعده، وأُصوله التي افترضها اللّه على عباده.

ولها في التأويل الباطني أمثال، فالولاية مَثلُها مَثلُ آدم(ص) لاَنّه أوّل من افترض اللّهُ عزّوجلّ ولايته، وأمر الملائكة بالسجود له، والسجود: الطاعة، وهي الولاية، ولم يكلفهم غير ذلك فسجدوا إلاّ إبليس، كما أخبر تعالى، فكانت المحنةُ بآدم (ص) الولاية، وكان آدمُ مثلَها، ولابدَّ لجميع الخلق من اعتقاد ولايته، ومن لم يتولّه، لم تنفعْهُ ولاية من تولاّه من بَعده، إذا لم يدُن بولايته ويعترف بحقّه، وبأنّه أصل مَنْ أوجب اللّهُ ولايتَه من رسله وأنبيائه وأئمّة دينه، وهو أوّلهم وأبوهم.

والطهارة: مَثَلُها مَثَلُ نوح - عليه السّلام- ، وهو أوّل مبعوث ومرسل من قبل اللّه، لتطهير العباد من المعاصي والذنوب التي اقترفوها، ووقعوا فيها من بعد آدم (ص)، وهو أوّل ناطق من بعده، وأ وّلُ أُولي العزم من الرسل، أصحاب الشرائع،وجعلَ اللّه آيته التي جاء بها، الماء، الذي جعله للطهارة وسمّاه طهوراً.

والصلاة: مَثَلُها مَثَلُ إبراهيم (ص) وهو الذي بَنى البيتَ الحرام، ونصبَ المقام، فجعل اللّه البيت قبلة، والمقامَ مصلّى.

والزكاة: مثلها مثل موسى،وهو أوّل من دعا إليها ، وأُرسل بها، قال تعالى: "هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى* إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ المُقَدَّسِ طُوى* اذْهَبْ إِلى فِرْعَونَ إِنَّهُ طَغى* فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى") . (2)


1. المرويّ عن طرقنا: بنى الاِسلام على خمس.
2. النازعات:15ـ 18.

(270)

والصوم: مَثَلُه مثل عيسى - عليه السّلام- وهو (1)أوّل ما خاطب به أُمّه، أن تقولَ لِمَنْ رأته من البشر، وهو قوله الذي حكاه تعالى عنه لها:"فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَومَ إِنْسِيّاً"). (2)وكان هو كذلك يصوم دهره، ولم يكن يأتي النساء، كما لا يَجوز للصائم أن يأتيهنّ في حال صومه.

والحج: مَثَلُه مَثَلُ محمّد - صلّى الله عليه وآله وسلّم - ، وهو أوّل من أقام مناسك الحج، وسنَّ سنته، وكانت العرب وغيرها من الاَُمم، تحجّ البيت في الجاهليّة ولا تقيم شيئاً من مناسكه، كما أخبر اللّه تعالى عنهم بقوله: " وما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاّ مُكاءً وَ تَصْدِيَةً"). (3)

وكانوا يطوفون به عُراة، فكان أوّلُ شيء نهاهم عنه ذلك فقال، في العُمرة التي اعتمرها، قبل فتح مكة، بعد أن وادعَ أهلَها، وهم مشركون:«لا يطوفنّ بعد هذا بالبيت عريان، ولا عريانة»، وكانوا قدنصبوا حول البيت أصناماً لهم يعبدونها، فلمّا فتح اللّهُ مكّة كسّرها، وأزالها، وسنَّ لهم سُنن الحجّ، ومناسكه، وأقام لهم بأمر اللّهِ معالمه. وافترض فرائضه. وكان الحجّ خاتمة الاَعمال المفروضة، وكان هو - صلّى الله عليه وآله وسلّم - خاتم النبيين، فلم يبق بعدَ الحجّ من دعائم الاِسلام غير الجهاد، وهو مثل سابع الاَئمّة ، الذي يكون سابع اسبوعهم الاَخير، الذي هو صاحب القيامة. (4)


1. الظاهر أنّ ضمير الفاعل يرجع إلى روح الاَمين.
2. مريم:26.
3. الاَنفال:35.
4. النعمان: تأويل الدعائم:1|51ـ52.

(271)

كتاب الطهارة (الدعامة الثانية)

قال صاحب تأويل الدعائم: لا يجزي في الظاهر صلاة بغير طهارة، ومن صلّى بغير طهارة لم تُجزِه صلاتُه، وعليه أن يتطهّر، وكذلك (في الباطن) لا تجزي ولا تنفع دعوة مستجيبٍ يدعى،ويوَخذ عليه عهد أولياء اللّهِ حتى يتطهّر من الذنوب، ويتبرأ من الباطل كلِّه، ومن جميع أهله، وإن تبرأ من الباطل بلسانه، مقيم على ذلك، لم تنفعه الدعوة، ولم يكن من أهلها، حتى يتوبَ ويتبرأ ممّا تجب البراءة منه، فيكون طاهراً من ذلك، كما قال تعالى: "وَذَرُوا ظاهِرَالاِِثْمِ وَ باطِنَهُ")(1).(2)

و يقول: إنّ الاَحداث التي توجب الطهارة لها في الباطن أمثال، يجب التطهّر منه بالعلم ، كما وجب التطهّر في الظاهر من هذه بالماء، فمثل الغائط مَثَل الكفر، والذي يطهّر منه من العلم الاِيمان باللّه، ومثَل البول مثل الشرك وهو درجات ومنازل،و الذي يطهر منه من العلم توحيد اللّه، ونفي الاَضداد والاَشباه، والشركاء عنه، ومثَل الريح تخرج من الدُبر، مثل النفاق، والذي يطهّر منه من العلم التوبةُ والاِقلاع عنه، واليقين والاِخلاص والتصديق باللّه، وأنبيائه وأوليائه، وأئمّة دينه.(3)

أمّا غسل الوجه ففيه سبعة منافذ: العينان، والاَُذنان،و المنخران، والفم.

وأنّ أمثالَهم في الباطن، أمثال السبعة النطقاء الذين هم: آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى - عليهم السّلام- و محمد - صلّى الله عليه وآله وسلّم - ، وخاتم الاَئمّة من ذريته صاحب القيامة (ص)، ولابُدّ للمستجيب بعد البراءة، من الكفر والشرك والنفاق، من


1. الاَنعام:120.
2. تأويل الدعائم:1|76.
3. تأويل الدعائم:1|79.

(272)

العلم والاِيمان والتصديق بمحمد - صلّى الله عليه وآله وسلّم - ووصيّه علي ومن الاِيمان والتصديق بالنطقاء الستة، وهم: آدم، ونوح،و إبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد - صلّى الله عليه وآله وسلّم - ، وبخاتم الاَئمّة صاحب القيامة (ص) وهو اليوم الآخر الذي ذكره اللّه في غير موضع من كتابه، وجعل الاَيّام السبعة أمثالاً لهم، فالاَحد مَثَل آدم - عليه السّلام- و الاِثنين مَثَل نوح - عليه السّلام- ، والثُلاثاء مَثَل إبراهيم، والاَربعاء مثل موسى - عليه السّلام- ، والخميس مَثَل عيسى - عليه السّلام- ، والجمعة مَثَل محمد - صلّى الله عليه وآله وسلّم - جمع اللّه له علم النبيين،و فضلهم وأكملهم به، وجعله خاتمهم، وفضّله بأن جعل السابع من ذريته، ومن أهل دعوته. فكانَ غُسل الوجه مَثلاً على الاِقرار بهذه الاَسابيع وطاعتهم. (1)

في التيمّم:

يقول: التيمّم وضوء الضرورة، هذا من ظاهر الدّين، وأمّا باطن التيمّم لِمَن عُدِم الماءَ وأنّه في التأويل طهارة من أحدث حدثاً في الدّين من المستضعفين، مِنَ الموَمنين الّذين لا يجدون مفيداً للعلم ، ممّا يحدثونه عند ذوي العدالة من الموَمنين من ظاهر علم الاَئمّة الصادقين إلى أن يجد مفيداً من المطلقين.

إلى أن قال: ولا ينبغي أن يتيمّم من لم يجد الماء إلاّ في آخر الوقت، بعد أن يطلب الماء.

وذلك في الباطن من اقترف ما يوجب عليه الطهارة بالعلم الحقيقي، فعليه أن يطلبه، ولا يُعجِّل بالقصد إلى غير مطلق، فيأخذ عنه ما يطهّره من العلم الظاهر، حتى يجتهد في طلب مفيد مطلق، فإذا بلغ في الطلب استطاعته وانتهى إلى آخر وقت، يعلم أنّه لا يجد ذلك، فحيئنذٍ يَقصد إلى من يفيده من الموَمنين، أهل الطهارة من ظاهر علم أولياء اللّه، ما يزيل عنه شكَ ما اقترفه وباطله.

إلى أن قال: قال الصادق (ص) في ذلك: إنّه إن وجد الماء وقد تيمّم وصلّى


1. تأويل الدعائم:1|101 ـ 102.

(273)

بتيمّمه ذلك، أجزأه وعليه أن يتطهّر بالماء أو يتيمّم، إن لم يجد الماء، لما يستقبله من الصلاة.

باطن ذلك أنّه إن فعلَ ما ذكرناه في دعوة إمام أو حدّ من حدوده، ثمّ دخلت على تلك الدعوة دعوة أُخرى، ولم يجد مفيداً، فهو على ما كان عليه، وإن وجده كان على ما وصفنا، وليس عليه شيء لما مضى. (1)

في ذكر التنظّف

يقول: الحيض علّة تُصيب النساء في الظاهر، وأمثال النساء ـ كما ذكرنا في الباطن ـ أمثال المستجيبين.

فتأويل جملة القول في الحيض في الباطن، أنّه علّة وفساد، يدخل على المستجيب في دينه، يحرم عليه من أجلها سماع الحكمة، والكون في جماعة أهل الدعوة، كما لا يحلّ في الظاهر للمرأة إذاحاضت أن تصلّي،ولا تدخل المسجد، وكذلك لا يحل لمفيد ذلك المستجيب، أن يفيده شيئاً من العلم إذا أحدث ذلك الحدث، حتى يتطهّر منه، بالتوبة والنزوع عنه، والاِقلاع، وينقطع عنه ما عرض من ذلك الفساد في دينه. (2)

ويقول أيضاً: قال الصادق - عليه السّلام- : إذا طهرت المرأة من حيضها في وقت صلاة، فضيّعت الغسل، كان عليها قضاء تلك الصلاة.

تأويله: أنّ المقترِف إذا تابَ وانتصل ممّا اقترفه، ولم يتطهّر في ذلك بالعلم، كما وصفنا، كان عليه أن يتطهّر، وأن يسعى في إفادة ما فاته من الحكمة، بعد إقلاعه عمّا اقترفه.

فافهموا معشر الموَمنين ما تعبدكم اللّه به ظاهراً وباطناً ،فإنّ ذلك مرتبط


1. تأويل الدعائم:1|123 ـ 124.
2. تأويل الدعائم:1|161.

(274)

بعضه ببعض، يشهد كلّ شيء منه لصاحبه، ويطابقه ويوافقه فما وجب في الظاهر، وجب كذلك مثله ونظيره في الباطن، لا يجزي إقامة أحدهما دون الآخر، ولا يحلُّ في الظاهر ما حُرّم في الباطن، ولا في الباطن ما حُرم في الظاهر، وإيّاكم أن يستميلكم عن ذلك، تحريف المحرّفين، ولا شبهات الشياطين، فإنّ اللّه عزّوجلّ يقول: "وَ ذَرُوا ظاهِرَ الاِِثْمِ وَ باطِنَهُ") (1)وقال: "قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ") (2)وقال: "وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَ باطِنَةً") (3). (4)

كتاب الصلاة (الدعامة الثالثة)

يقول: الصلاة في الظاهر ما تعبّد اللّه عباده الموَمنين به، ليُثيبهم عليه، وذلك ممّا أنعم اللّهُ عزّوجلّ به عليهم، وقد أخبر تعالى أنّه "أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً") فظاهرالنّعمة في الصلاة إقامتها في الظاهر، بتمام ركوعها وسجودها وفروضها ومسنونها، وباطن النّعمة كذلك في إقامة دعوة الحقّ في كلّ عصرٍ كما هو في ظاهر الصلاة. (5)

و يقول أيضاً: افترض اللّهُ خمسَ صلوات في الليل والنهار سمّاها في كتابه.

وتأويل ذلك أنّ الخمس الصلوات في الليل والنهار في كلِّ يوم وليلة مثلها في الباطن مثلُ الخمس الدعوات لاَُولي العزم من الرسل الذين صبَروا على ما أُمروا به، ودَعوا إليه.

فصلاة الظهر وهي الصلاة الاَُولى مَثَلٌ لدعوة نوح (ص)، وهي الدعوة


1. الاَنعام:120.
2. الاَعراف:33.
3. لقمان:20.
4. تأويل الدعائم:1|167.
5. تأويل الدعائم:1|177.

(275)

الاَُولى، وهوأوّل أُولي العزم من الرّسل.

والعصر مَثَلٌ لدعوة إبراهيم (ص) وهو ثاني أُولي العزم، وهي الصلاة الثانية.

والمغرب وهي الصلاة الثالثة مَثَلٌ لدعوة موسى (ص) وهي الدعوة الثالثة، وهو ثالث أُولي العزم.

والعشاء الآخرة مَثَلٌ لدعوة عيسى (ص) وهي الدّعوة الرابعة، وهو الرابع من أُولي العزم، وهي الصلاة الرابعة.

والفجر وهي الصلاة الخامسة مَثَلٌ لدعوة محمد - صلّى الله عليه وآله وسلّم - ، وهي الدعوة الخامسة، وهو خامس أُولي العزم، فأمره اللّه بأن يُقيم الصلاة ظاهراًو باطناً... وأن يدعو فيها إلى مِثْل ما دعا أُولوا العزم من قبله. (1)

في عدد الصّلاة

يقول: ويتلو ذلك ذكر عددُ ما في كلّ صلاةٍ، من الركوع، وما يُجهر فيه منها بالقراءة،و ما يُخافت فيه منها.

تأويل ذلك: أنّ جملة عدد الركعات للخمس الصلوات في اليوم والليلة، الفرض من ذلك سبعَ عشرة ركعة والسُّنّة مِثلا الفريضة (أربع وثلاثون ركعة) والصلاة على سبعة أضرب، هذا ضرب منها.

والثاني: صلاة الكسوف، على خلاف صفة هذه ،لاَنّها ركعتان، في كلِّ ركعة خمس ركوع.

والثالث: صلاة العليل، والعريان، يصلّيان جالسين، وإذا لم يستطع العليل الصلاة، جالساً، صلّى مستلقياً أو مضطجعاً، وإذا لم يستطع الركوع والسجود،


1. تأويل الدعائم:1|178ـ180.

(276)

يومىَ أي إيماء برأسه أو ببصره، إذا لم يستطع أن يومىَ برأسه.

والرابع: صلاة الخوف، تصلى على معنى غير معنى الصلاة في الاَمن، وتجزى على ركعة منها تكبيرة عند المواقفة والمسائفة.

والخامس: صلاة الاستسقاء،والاَعياد، والجُمَع، لها حدّ غير حدّ الصلاة في غير ذلك.

والسادس: صلاة الجنائز، ليس فيها ركوع ولا سجود.

والسابع: الصلاة على النبي - صلّى الله عليه وآله وسلّم - ، وهي لفظ باللسان بلا عمل بالاَركان.

فأمثال الستة الاَضرب من الصلاة أمثال الدعوة الستة النطقاء، وهم: آدم،و نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى - عليه السّلام- و محمد - صلّى الله عليه وآله وسلّم - ... والصلاة السابعة التي هي الصلاة على النبي - صلّى الله عليه وآله وسلّم - وهي قول بلا عمل، مثل لدعوة آخر الاَئمّة وخاتمهم، وهو صاحب عصر القيامة، لاَنّه إذا قام رفع العمل، وقامت القيامة. (1)

في وقت الصّلاة

يقول: أوّل وقت الظهر زوال الشمس.

وتأويل ذلك: أنّ الشمس في الباطن مَثَلُها مثلُ وليّ الزمان من كاننبىٍّ أو إمام، ومثل طلوعِها مَثلُ قيام ذلك الوليّ و ظهوره، ومَثَلُ غروبها مَثَلُ نقلته وانقضاء أمره، وكان رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلّم - في وقته مَثَلُه مثل الشمس، من وقت بعثه اللّه تعالى فيه إلى أن أكمل دينه الذي ابتعثه لاِقامته، وإكماله بإقامة وصيّه، وذلك قول اللّه تعالى الذي أنزل عليه في اليوم الذي قام فيه بولاية علي (ص) بغدير خم:"اَليَومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الاِِسلامَ")


1. تأويل الدعائم:1|182.

(277)

دِيناً") (1)،

ل فلما فعل ذلك (ص) مال إلى النقلة عن دار الدنيا إلى معاده، فكان بينَ ذلك وبين وفاته سبعون ليلة.

وكان ذلك في التأويل مثل الزوال على رأس سبع ساعات، كما ذكرنا من النهار، التي جاء أنّ مَثَل عددها مثلُ عدد حروف اسمه واسم وصيّه (ص)، وذلك سبعةأحرف، محمدٌ أربعةُ أحرف، وعليٌّ ثلاثة أحرف، فذلك سبعة، مثل للسبع ساعات، التي تزول الشمس عندها التي مثلُها مثلُه (ص)، ومثل زوالها زواله، وانتقاله إلى معاده، الذي أعدّ اللّهُ له فيه الكرامة لديه. (2)

في الاَذان والاِقامة

يقول: إنّ الاَذان مَثَلُهُ مَثَلُ الدعاء إلى ولاية الناطق، وهو النبي - صلّى الله عليه وآله وسلّم - في وقته، والاِمام في عصره.

والاِقامة مثلُها مثلُ الدعاء إلى حجّته، وهو وليّ أمر الاَُمّة من بعده، الذي يُقيمه لذلك في حياته، ويصير مقامه له بعد وفاته، فالاَذان ثماني عشرة كلمة... ومثل الاَذان، مثلُ الدعاء إلى دعوة الحقّ، وذلك مثلُ الدعاء إلى الستة النطقاء، وهم: آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى - عليهم السّلام- ومحمد - صلّى الله عليه وآله وسلّم - ،و الدعاء إلى دعوة الحجج الاثني عشر وهم أكابر الدعاة أصحاب الجزائر، التي هي جزائر الاَرض الاثنتي عشرة جزيرة، بكلِّ جزيرةٍ منها داعٍ، يدعو إلى دعوة الحق، فدعوة الحق تشتمل على هذه الدعوات، وتوَكّد أمرها، وتُوجبُ الاِقرار بأصحابها، وكان ذلك مثل عدد كلمات الاَذان لكلّ دعوة منها كلمة؛ والاِقامة تسعَ عشرة كلمة... والاِقامة ـ كما ذكرنا ـ مثل النداء إلى الحُجّة فمثلُ الكلمة الزائدة فيها، مثل الدعوة إلى الحجّة، الذي هو أ ساس الناطق، فأمّا الدعاء إلى الاَئمّة وحججهم، فيدخل ذلك في دعوة أصحاب الجزائر، لاَنّ دعوتهم إلى كلِّ إمامٍ في وقته وحجّته. (3)


1. المائدة:3.
2. تأويل الدعائم:1|199.
3. تأويل الدعائم:1|214.

(278)

في ذكر المساجد

يقول: فالمساجد في الظاهر البيوت التي يجتمع الناس إليها، للصلاة فيها، وهي على طبقات، ودرجات فأعلاها المسجد الحرام.

ومثله مثلُ صاحب الزمان مَنْ كان من نبي أو إمام.

ومثل الاَمر بالحج والسعي إليه من أقطار الاَرض، مَثلُ واجبِ ذلك على الناس، لولي زمانهم أن يأتوه من كلّ أُفق من الآفاق.

ومثل مسجد الرسول - صلّى الله عليه وآله وسلّم - مثلُ الحجّة وكذلك، على الناس أن يأتوه كما يأتون المسجدَ الحرام.

ومثلُ مسجد بيت المقدس مثلُ بابه، أكبر الدعاة وبابهم، ويسمّى باب الاَبواب.

وجوامع الاَمصار أمثالها أمثال النقباء وهم أكابر الدعاة أصحاب الجزائر.

ومساجد القبائل أمثالها أمثال دعاة القبائل على مقاديرهم، كمثل المساجد في فضلها، وفضل بعضها على بعض، وسعتِها، وضيقها، كذلك الدعاة منهم مشهورون بالفضل، وبعضهم أفضل من بعض وأوسع علماً. (1)

في تكبيرة الاِفتتاح

يقول: إذا افتتحت الصلاة فارفع يديك، ولا تجاوز بهما أُذنيك، وأبسطهما بسطاً، ثمّ كبّر، فهذه التكبيرة التي تكون في أوّل الصلاة، هي تكبيرة الاِفتتاح، ورفع اليدين فيهما واجب عند أكثر الناس، إلاّ أنّهم يختلفون في منتهى حدِّ ذلك، والثابت عن أهل البيت - عليهم السّلام- ما جاء في هذه الرواية عن الصادق - عليه السّلام- أنّه لا يجاوز


1. تأويل الدعائم:1|225.

(279)

بهما الاَُذنين، والذي يوَمر به في ذلك أن يحاذي بأطراف الاَصابع من اليدين أعلى الاَُذنين، ويحاذي بأسفل الكفين أسفلَ الذقن، فتكونُ اليدان قد حاذتا ما في الوجه من المنافذ السبعة، وهي: الفم، والمنخران، والعينان، والاَُذنان.

وتأويل ذلك أنّ مثل اليدين مثل الاِمام والحجّة، ومثل هذه المنافذ السبعة، مثل النطقاء السبعة، فمثل رفع اليدين إلى أن يحاذيهما، مثلُ الاِقرار في أوّل دعوة الحقّ بالاِمام والحجّة والنطقاء السبعة أعني: إمام الزمان وحجّته ، وأن لا يفرّق بين أحدٍ منهم، ومثل قوله:«اللّه أكبر» انّه شهادة وإقرار واعتقاد بأنّ اللّه أكبر وأجل وأعظم من كلّ شيء وأنّ النطقاء والاَئمّة والحجـج ـ وإن قرن اللّه طاعتهـم بطاعته ـ عباد من عباده مربوبون. (1)

في القراءة

يقول: يقرأ في الصلاة في كلّ ركعة بعد بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، بفاتحة الكتاب، وفي الركعتين الاَوليين، بعد فاتحة الكتاب بسورة، ونُهي عن أن يُقال«آمين» بعد فراغ فاتحة الكتاب، كما تقول ذلك العامّة.

تأويل ذلك أنّ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم تسعةَ عشر حرفاً، بسم اللّه سبعة أحرف، وهي مثل النطقاء السبعة، والسبعة الاَئمّة الذين يتعاقبون الاِمامة بين كل ناطقين، الرّحمن الرّحيم اثني عشر حرفاً مثل النقباء الاثني عشر.

وتأويل قراءته في كلّ ركعة بفاتحة الكتاب، من أنّها سبع آيات وأنّه جاء في التفسير أنّـها السبع المثاني، لاَنّها تثنّى في كلّ ركعة، وانّ مَثَلَها ومثل قراءتها في الصلاة مثل الاِقرار بالسبعة الاَئمّة الذين يتعاقبون الاِمامة بين كلّ ناطقين، وانّ ذلك هو قول اللّه تعالى لمحمد نبيه - صلّى الله عليه وآله وسلّم - :"وَ لَقَدْآتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِيَ") (2)وتأويله


1. تأويل الدعائم:1|259.
2. الحجر:87.

(280)

أنّه جعل في ذريته سبعة أئمّة يثنّى منهم اسبوع بعد اسبوع، كما يثنّى أيّام الجُمعة إلى أن تقوم الساعة وانّه جمع له علم النطقاء والاَئمّة من قبله والقرآن العظيم،و مثله في التأويل مثل أساس دعوته وأئمّته وهو وصيّه علي(ص).

وأمّا قراءة فاتحة الكتاب وسورة في كلّ ركعة تقرنان فيها فمَثَل ذلك في التأويل، مثل الاِقرار في دعوة الحقّ بإمام الزمان وحجّته وقول العامّة بعد فراغ سورة الحمد آمين زيادة فيها فنهى عن ذلك كما يُنهى عن إدخال غير أولياء اللّه في جملتهم،وعن زيادة غيرهم فيهم. (1)

في صلاة العيدين

يقول: ليس في العيدين أذان ولا إقامة، ولا نافلة، ويُبدأ فيهما بالصلاة قبل الخطبة، خلاف الجُمعة؛و صلاةَ العيدين ركعتان يُجهر فيهما بالقراءة.

تأويل ذلك: أنّ مثل الخروج إلى العيدين مَثَلُ الخروج إلى جهاد الاَعداء،وأنّمثل الاَذان مثل الدعوة والخروج إلى العدو،وليست تقام له دعوة، إذ تقدم في دعوة الحقّ الاَمر به، وإنّما يُلزم الناس أن ينفروا ويخرجوا إليه، كما أوجب اللّهُ ذلك عليهم في كتابه.

ومعنى البدء في الصلاة يوم العيدين قبل الخطبة، خلاف الجمعة، أنّالخروج إلى العيدين مَثلُ الخروج إلى جهاد العدو، واستقبال القبلة في الصلاة مَثَلُ استقبال الاِمام بالطاعة والسمع له وذكرنا أنّ مثل الخطبة من الخطيب مثلُ التوقيف من الداعي مَنْ يدعوه على ما يأمره به، فكان مَثَلُ الاِبداء بالصلاة في العيدين مَثلُ إقبال الخارجين إلى جهاد الاَعداء في حين خروجهم على إمامهم، والسّمع منهم والطاعة لما به يأمرهم، وما عليه يرتِّبهم ويقيمهم وفي مقاماتهم، فذلك مَثلُ الصلاة وبه يبتدىَ، ومثل الخطبة بعد ذلك مثل تحريض الاِمام


1. المصدر نفسه:269.

(281)

الموَمنين على الجهاد، وأمره ونهيه إيّاهم في ذلك، بما يأمرهم به، وينهاهم عنه، ولذلك كان في خطبة العيدين الاَمر بالجهاد وبطاعة الاِمام، والتوبيخ على التقصير في العمل. (1)

هذه نماذج من تأويلات الاِسماعيليّة، في مجال الاَحكام الشرعيّة، ومن أراد الاستقصاء فعليه الرجوع ـ مضافاً إلى كتاب تأويل الدعائم ـ إلى كتاب «وجه دين» للرحالة ناصر خسرو (394ـ471 أو 481هـ)، فقد قام بتأويل ما جاء من الاَحكام في غير واحد من الاَبواب، حتى الحدود والدّيات، والنكاح، والسفاح،و لكنّه ألّفه بلغة فارسية قديمة، فعلى من يريد المزيد من الاطلاع فليرجع إلى ذلك الكتاب، وقد طبع عام 1397هـ طبعة أنيقة.


1. تأويل الدعائم:1|323 ـ 324.


(282)



(283)

الفصل الثالث عشر


في

أعلام الفكر الاِسماعيلي
(284)



(285)

ظهر المذهب الاِسماعيلي على الساحة الاِسلاميّة بطابَع دينيّ بحت، مدّعياً استمرار الاِمامة، المتجسّدة في إسماعيل بن جعفر، ومحمد بن إسماعيل، ولمّا اشتدَّ سلطانهم بقيام دولة لهم في شمال إفريقية، في بلاد المغرب، ومصر، ظهرت بينهم شخصيات بارزة في حقول السياسة والفلسفة والفقه والحديث والاَدب وغيرها، وبما أنّ دراسة سيرتهم وما قدموه من تراث للمجتمع الاِسلامي خارج عن موضوع كتابنا، لاَنّه رهن دراسة تاريخ الدولة الفاطميّة؛ فلنقتصر على ترجمة لفيف من أعلامهم ومفكّريهم، مِمّن كان لهم دور في نضج المذهب وتكامله وانتشاره.

1


أحمد بن حمدان بن أحمد الورثنياني
(أبوحاتم الرازي)
(260ـ322هـ)

أحمد بن حمدان بن أحمد الورثنياني الليثي (أبوحاتم الرازي) من زعماء الاِسماعيليّة وكُتّابهم، أوّل من ترجمه هو الصدوق في «تاريخ الري» حسب ما نقله ابن حجر في «لسان الميزان»، قال:

ذكره أبو الحسن ابن بابويه في «تاريخ الري»، وقال: كان من أهل الفضل والاَدب، والمعرفة باللغة، وسمع الحديث كثيراً، وله تصانيف؛ ثمّ أظهر القول بالاِلحاد وصار من دعاة الاِسماعيليّة، وأضلّ جماعة من الاَكابر ومات في سنة


(286)

322هـ. (1)

و نقل صاحب الاَعيان عن الرياض ما هذا لفظه: كان من القدماء المعاصرين للصدوق، له كتاب الرد على محمد بن زكريا الطبيب الرازي في الاِلحاد وإنكار النبوة. (2)

وقال مصطفى غالب: كان داعياً كبيراً لبلاد الري وطبرستان وآذربيجان، وقد استطاع أن يُدخل أمير الري في المذهب الاِسماعيلي وكان من كبار دعاة القائم بأمر اللّه، ونوَكّد أنّه لعِب دوراً عظيماً في شوَون طهران والديلم والري، السياسيّة، فاستجاب لدعوته أعظم رجالات تلك البلاد، وله موَلفات عظيمة منها:
1. كتاب «الزينة»: كتاب في الفقه والفلسفة الاِسماعيليّة.
2. «أعلام النبوة»: كتاب يبحث في الفلسفة الاِسماعيليّة.
3. «الاِصلاح»: كتاب يبحث في التأويل.
4. «الجامع» كتاب في الفقه الاِسماعيلي. (3)

والحقيقة فإنّ أبا حاتم الرازي كان علماً من أعلام النهضة العلميّة عند الاِسماعيليّة،وقد ساهم بنشر التعاليم الفلسفيّة في كافّة الاَقطار الشرقيّة، وخاصّة في محيط الثقافة الاِسلاميّة العامّة، وبالرغم من كلّ هذا فإنّه لم يَسلم من اضطهاد الاَعداء في الديلم، وقد اضطر إلى الاختفاء في أواخر سني حياته، ومات سنة 322هـ بعد تولية القائم الفاطمي شوَون الاِمامة الاِسماعيليّة، في بلاد المغرب، وقد عمّر اثنين وستين عاماً، كما قال بعض الموَرخين.

كان معاصراً لاَبي بكر محمد بن زكريا الرازي الطبيب المشهور، وصاحب


1. لسان الميزان:1|164.
2. الاَمين العاملي: أعيان الشيعة:2|583، ولم نعثر على النص في رياض العلماء المطبوع.
3. مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الاِسماعيلية :186.

(287)

الآراء الفلسفيّة المعروفة، التي خرج فيها على كثير من نظريات أرسطو الطبيعية والميتا فيزيائية، منكراً التوفيق بين الفلسفة والدين، معتقداً بأنّ الفلسفة هي الطريق الوحيد لاِصلاح الفرد والمجتمع.

وقد دارت بينهما (أي بين الرازيين) مناقشات عنيفة ومتعددة، حضرها بعض العلماء والروَساء السياسيين، وقد دوّن أبو حاتم هذه المناقشات في كتابه «أعلام النبوة». (1)

وإليك كلاماً حول كتابه «أعلام النبوة»، فالكتاب يصوّر لنا معركة فكريّة عقائديّة بين رازيين، هما: أبو حاتم الداعي المتكلم الاِسماعيلي، ومحمد بن زكريا الطبيب المتفلسف حيث تعددت اللقاءات بينهما، ودار النقاش حول مواضيع شتى في جوانب الثقافة الاِسلاميّة، من عقائد فلسفيّة وكلام وطب وصيدلة وهيئة، وما إلى ذلك.

إنّ اختلاف الرأي بين الرجلين في هذه الجوانب لم يكن إلاّ مظاهر متعددة لاختلاف أساسي واحد بينهما في الرأي حول العقل الاِنساني، وتكليفه وحدود إمكانه من جانب،والنبوّة والضرورة إليها من جانب آخر. (2)

والكتاب جدير بالمطالعة وقد بدأ الموَلف كتابه بقوله:

ناظرني «الملحد» في أمر النبوّة وأورد كلاماً نحو ما رسمه في كتابه الذي قد ذكرناه فقال:

«من أين أوجبتم أنّاللّه اختصَّ قوماً بالنبوّة دون قوم، وفضلهم على الناس،وجعلهم أدلّة لهم، وأحوج الناس إليهم؟ ومن أين أجزتم في حكمة الحكيم أن يختار لهم ذلك ويشلي بعضهم على بعض، ويوَكد بينهم العداوات


1. كتاب الرياض: 8ـ 9 المقدمة بقلم عارف تامر.
2. أبو حاتم الرازي: أعلام النبوة:4، المقدمة بقلم صلاح الصاوي.

(288)

ويكسر المحاربات ويهلك بذلك الناس؟!». (1)

ثمّذكر المناظرة.

وترجمه ابنُ النديم في «الفهرست»، وقال: وله من الكتب «كتاب الزينة» نحو 400 ورقة وكتاب «الجامع » وفيه فقه. (2)

2

محمد بن أحمد النسفي البردغي(النخشبي)

* * *

( ... ـ 331هـ)

كان كبير دُعاة خراسان وتركستان، استطاع أن يدخل في المذهب الاِسماعيلي الكثيرين، من أهل تلك البلاد، اشتهر في تعمّقه بدراسة فلسفة المذهب الاِسماعيلي؛ ومن أشهر موَلفاته:
1. كتاب «المحصول» يتألّف من 400 صفحةجلّها في الفلسفة الاِسماعيليّة.
2. «كون العالم».
3. كتاب «الدعوة الناجية».
4. كتاب «أُصول الشرع» يبحث في الفقه الاِسماعيلي، وفلسفة ما وراء الطبيعة.

توفي هذا الداعي سنة 331هـ. (3)


1. أبو حاتم الرازي: أعلام النبوة:1، وطبع الكتاب في طهران عام 1397هـ وترجمه خير الدين الزركلي و لم يأتي بشيء يذكر لاحظ الاَعلام:1|119.
2. ابن النديم: الفهرست:282.
3. تاريخ الدعوة الاِسماعيليّة:186ـ187، وقد ذكره باسم عبد اللّه بن أحمد النسفي البردغي، وجاء في مقدمة كتاب الرياض، للكرماني، باسم محمد بن أحمد النسفي، والمقدمة لعارف تامر.

(289)

يقول عارف تامر: إنّ أوّل جَدَل فَتح للاِسماعيليّة الآفاق الجديدة، ظهورُ كتاب «المحصول»، وهذا الكتاب وضع موضع التداول في بداية القرن الرابع الهجري، وينسب إلى الداعي السوري الاَكبر «محمد بن أحمد النسفي» الذي كان له الفضل بتحويل مذهب الدولة السامانية في آذربيجان إلى الاِسماعيليّة، وقد أُعدم سنة 331 هـ، كما جاء في كتاب «الفرق بين الفرق» لموَلفه عبد القاهر البغدادي. (1)

وقد ذكر ابن النديم في الفهرست أنّ النسفي خلف، الحسين بن علي المروزي في خراسان، الذي مات في حبس نصر بن أحمد،و استغوى نصر بن أحمد وأدخله في الدعوة الاِسماعيليّة، وأغرمه دية المروزي، وزعم أنّه ينفذها إلى صاحب المغرب القيّم بالاَمر. فلحق نصر سقمٌ طرحه على فراشه، وندم على إجابته للنسفي، فأظهر ذلك ومات.

فجمع ابنه نوح بن نصر الفقهاء وأحضر النسفي، فناظروه وهتكوه وفضحوه، فقتل النسفي، وروَساء الدعاة ووجوهها من قواد نصر، ممن دخل في الدعوة ومزقهم كل ممزق. (2)

3


أبو يعقوب السجستاني
( 271ـ وكان حيّاً عام 360هـ)

أبو يعقوب إسحاق بن أحمد السجزي أو السجستاني، ولد عام 271 هـ في سجستان، وهي مقاطعة في جنوب خراسان يمتُّ بصِلة النسب إلى أُسرة فارسيّة،


1. عارف تامر: كتاب الرياض:6، قسم المقدمة.
2. ابن النديم: الفهرست :239.

(290)

وقيل أنّه من أصل عربي، جاء جدُّه من الكوفة، وقطن في سجستان.

نشأ السجستاني في مدارس الدعوة الاِسماعيليّة في اليمن، وأسهم مساهمة فعّالة في المناظرات العلميّة التي كانت تجري في ذلك العصر. (1)

يقول عنه الكاتب الاِسماعيلي عارف تامر: يعتبر أبو يعقوب إسحاق السجستاني (السجزي) في طليعة العلماء الذين كرّسوا أنفسهم لوضع قواعد فلسفيّة كونيّة قائمة على دعائم فكريّة عقائديّة إسماعيليّة، ونشرها وتعميمها في الاَقطار الاَُخرى، حتى اتّهم في أواخر حياته، بالكفر والاِلحاد، من الجمهور، ثمّ قتل أخيراً.

وقد لعب السجستاني دوراً هامّاً في مجال الفلسفة في القرن الثالث للهجرة، وقد ظهر أثره الفكري في تلميذه حميد الدين الكرماني (حجة العراقين) الذي سار على منهاجه، ودعا إلى تعاليمه.

عاصر الدعوة الاِسماعيليّة الباطنيّة في عصر الظهور أي ابان ازدهار الدولة الفاطميّة وظهورها كدولة إسلاميّة ذات كيان حضاري، وعلمي، واجتماعي، وسياسي. (2)

كتب كتاب «النصرة» الذي عارض فيه كتاب «الاِصلاح» الذي وضعه أبو حاتم الرازي في الرد على آراء النسفي التي وردت في كتابه«المحصول» وبذلك انتصر للنسفي على الرازي.

وقام الكرماني إلى تأليف كتابه «الرياض» بتقريب وجهات النظر بين الدعاة المتجادلين (النسفي، الرازي، السجستاني).

ترك السجستاني بعده موَلفات علميّة فلسفيّة عددها ينوف على الثلاثين


1. مصطفى غالب: مقدمة الينابيع:46.
2. عارف تامر: مقدمة كتاب الرياض:10، نقل بتصرف.

(291)

ولعل أشهر كتبه:
1. كتاب النصرة، 2. كتاب الافتخار، 3. كتاب المقاليد، 4. كتاب مسيلة الاَحزان، 5. كتاب سلم النجاة، 6. كتاب سرائر المعاد والمعاش، 7. كتاب كشف المحجوب، 8. كتاب الوعظ، 9. كتاب أُسس البقاء، 10، كتاب خزانة الاَدلة، 11. كتاب تآلف الاَرواح، 12. كتاب تأويل الشريعة، 13. كتاب أساس الدعوة، 14. رسالة تحفة المستجيبين، 15. كتاب الينابيع (1)

وقد وقفنا من كتبه على كتاب ورسالة فالكتاب تحت عنوان «الينابيع» بتقديم وتحقيق مصطفى غالب، نشره المكتب التجاري للطباعة في لبنان ـ بيروت عام 1965 م.

و قد قسم السجستاني ينابيعه إلى أربعين يُنبوعاً، جعل كلَّ ينبوع مشابهاً لحدِّ من الحدود الدينيّة، المعروفة بالنظام الاِسماعيلي. ويظهر أنّه قد وضعه لطبقة خاصّة من الدعاة، وأصحاب المراتب العليا في الدعوة، وإلى الذين وصلوا في دراساتهم الفلسفيّة إلى الذروة.

و أمّا الرسالة فهي رسالة «تحفة المستجيبين» طبعت ضمن خمس رسائل إسماعيليّة بتحقيق وتقديم عارف تامر عام 1375هـ. كتبها لطبقة المستجيبين والطلاب الذين يرغبون في الاطلاع على الفلسفة الاِسماعيليّة، أو الدخول في الدعوة الهادية.

وقد ترجم له مصطفى غالب أيضاً في تاريخ الدعوة الاِسماعيلية ص 187.

ولادته ووفاته

ذكر مصطفى غالب أنّه ولد سنة 271هـ في سجستان، ثمّ قال: وبعد اضطهاد مرير، قُتل في تركستان عام 331هـ.


1. مقدمة الينابيع: 47.

(292)

غير أنّ الكاتب الاِسماعيلي عارف تامر يذكر خلاف ذلك ويقول: يذهب «ماسينيون» و«و.ايفانوف» إلى القول أنّه مات سنة 331هـ، ولكنّي أخالفهما في ذلك فالمعروف عن السجستاني أنّه كان أُستاذاً للكرماني، والكرماني ظل عائشاً حتى سنة 411هـ، إذن متى أخذ الكرماني عنه علوم الدعوة؟ وهناك نص صريح في كتاب «الافتخار» للسجستاني يذكر فيه أنّه وضعه سنة 360هـ، وقد ورد ذكر كتاب «الافتخار» في كتاب «الرياض» للسجستاني نفسه، أي أنّالسجستاني وضع كتاب «الرياض» بعدكتاب «الافتخار» أي سنة 360هـ.

وهذا يجعلنا نقول بل نوَكد: إنّ السجستاني كان داعياً في منطقة بخارى أيّام إمامة المعز لدين اللّه الفاطمي، أي انّه كان معاصراً لجعفر بن منصور اليمني، وللقاضي النعمان وغيرهما، من كبار الموَلفين وعلماء الدعوة في ذلك العصر العلمي الزاهر. (1)

وقال البغدادي عند البحث عن الباطنيّة: وظهر بنيسابور داعية لهم يعرف بالشعراني، وقتل بها في ولاية أبي بكر بن الحجاج عليها، وكان الشعراني قد دعا الحسين بن علي المروزي، وقام بدعوته بعده محمد بن أحمد النسفي داعية أهل ماوراء النهر، وأبو يعقوب السجزي المعروف بـ«بندانه» وصنف النسفي لهم كتاب «المحصول» وصنف لهم أبو يعقوب كتاب «أساس الدعوة» وكتاب «تأويل الشرائع» و«كشف الاَسرار» وقتل النسفي والمعروف بـ «بندانه» على ضلالتهما. (2)

وقال خير الدين الزركلي: إسحاق بن أحمد السجزي أو السجستاني أبو يعقوب، من علماء الاِسماعيليّة ودعاتهم يماني، اشتهر في سجستان، وقتل في تركستان، له تصانيف منها «الينابيع» قالوا: إنّه أهمُّ كتبهم. (3)


1. عارف تامر: مقدمة خمس رسائل إسماعيلية:15ـ 16.
2. البغدادي: الفرق بين الفرق:283.
3. خير الدين الزركلي: الاَعلام: 1|293.

(293)

4


أبوحنيفة النعمان
(...ـ363هـ)

قاضي القضاة النعمان بن محمد بن منصور بن أحمد التميمي، واختلف في تاريخ ولادته، فقال بعضهم: إنّها سنة 259هـ وقال آخرون: إنّه ولد في العشر الاَخيرة من القرن الثالث.

إتّصل في أوّل عهده بموَسس الدولة الفاطمية عبيد اللّه المهدي، ورافق الدولة الجديدة خطوةً فخطوة، وبعد وفاة المهدي ولاّه «القائم بأمر اللّه» قضاء طرابلس الغرب، وفي عهد المنصور تولّى قضاء المنصورية، وكان قضاوَه يشمل سائر المدن الاِفريقيّة، مرجعاً لجميع القضاة حتى عهد المعز لدين اللّه الذي قرّبه إليه، وأدناه من مجلسه، فوضع فيه كتاب «المجالس والمسامرات».

ولما دخل المعز مصر، كان معه «النعمان» وكان قاضياً للجيش، فأصبح في مصر قاضياً للقضاة. (1)

وكان محط ثقة المعز لدين اللّه، جعله مستشاراً قضائياً له، وساعد المعز في المسائل الخاصّة بالدعوة، فقد وضع أُسس القانون الفاطمي، وينظر إليه على أنّه المشرع الاَكبر للفاطميين. يقول رواة الفاطميين: إنّه لم يوَلف شيئاً دون الرجوع إلى المعز لدين اللّه، ويعتبر أقوم كتبه كتاب «دعائم الاِسلام» أنّه من عمل المعز نفسه، وليس من عمل قاضيه الاَكبر، ولهذا كان هذا الكتاب هوالقانون الرسمي منذ عهد المعز حتى نهاية الدولة الفاطميّة، كما يتضح ذلك من رسالة كتبها الحاكم بأمر


1. أعيان الشيعة:10|223.

(294)

اللّه إلى داعيه باليمن، بل لا يزال هذا الكتاب هوالوحيد الذي يسيطر على حياة طائفة البهرة في الهند، وعليه المعول في أحوالهم الشخصيّة. (1)

توفي النعمان أوّل رجب سنة 363هـ فخرج المعز يبين الحزن عليه، وصلّى عليه، وأضجعه في التابوت، ودفن في داره بالقاهرة (2)وذكر أحمد بن محمد بن عبد اللّه الفرغاني في «سيرة القائد جوهر» أنّه توفي في ليلة الجمعة سلخ جمادى الآخرة من السنة. (3)

بلغت موَلّفاته نحواً من سبعة وأربعين كتاباً، جمعت ألواناً شتى من العلوم في فقه، وتأويل وتفسير، وأخبار، وفيما نقل ابن خلكان عن ابن زولاق:«انّه ألّف لاَهل البيت من الكتب آلاف أوراق بأحسن تأليف».

وهذه الموَلفات بعضها محفوظ، وبعضها لا يوجد إلاّ بعض أجزائه وبعضها فُقد فلا يعرف إلاّاسمه، وإليك أسماء بعض تلك الموَلفات:
1. جزء من كتاب شرح الاَخبار ، في مكتبة برلين.
2. دعائم الاِسلام، وهذا الكتاب من أهم كتبه، مطبوع.
3. تأويل دعائم الاِسلام، مطبوع.
4. أساس التأويل، مطبوع.
5. جزء من كتاب المجالس والمسافرات.
6. كتاب الهمة في اتّباع الاَئمّة.
7. إفتتاح الدعوة، مطبوع.
8. الارجوزة المختارة، مطبوع.
9. الطهارة.


1. دعائم الاِسلام: 1|12، قسم ا لمقدمة.
2. اتعاظ الحنفاء: 1|149.
3. ابن خلكان: وفيات الاَعيان:5|416.

(295)

10. التوحيدوالاِمامة. (1)
11. كتاب «الاقتصار» في الفقه، مطبوع.
12. كتاب «الاَخبار» في الفقه أيضاً.
13. ابتداء الدعوة للعبيديين، مطبوع في جزء.

وقال عنه ابن زولاق في كتاب «أخبار قضاة مصر» :إنّه كان عالماً بوجوه الفقه، وعلم اختلاف الفقهاء، واللغة والشعر، والمعرفة بأيّام الناس.

إلى أن قال: وله ردود على المخالفين: له رد على أبي حنيفة، وعلى مالك، والشافعي، وعلى ابن سريج، وكتاب «اختلاف الفقهاء» ينتصر فيه لاَهل البيت، وله العقيدة الفقهية لقبها بـ «المنتخبة». (2)

النعمان إسماعيلي لا اثني عشري

وقعت الشكوك حول مذهب النعمان وهل هو إسماعيليّ أو اثنا عشري؟ وبعد التتبع والاِمعان في الكتب التي تحت متناول أيدينا من آثار الموَلف، وهي:
1. الدعائم.
2. تأويل الدعائم.
3. الاَُرجوزة المختارة.
4. أساس التأويل.
5. كتاب الاقتصار في الفقه.


1. أعيان الشيعة: 10|223.
2. ابن خلكان: وفيات الاَعيان:5|416. ومن أراد المزيد فليراجع المصادر التالية: معالم العلماء:126؛ العبر:2|117؛ دول الاِسلام: 1|224؛ سير اعلام النبلاء:16|150؛ اتعاظ الحنفاء:149؛ لسان الميزان:6|167؛ شذرات الذهب:3|47؛ رياض العلماء:4|375؛ ريحانة الاَدب: 7|73؛ روضات الجنات: 8|147.

(296)

6.رسالة افتتاح الدعوة.
7. الرسالة المذهبة.

اتضح أنّ الرجل إسماعيلي لا اثنا عشري، وإن كان محباً لاَهل البيت كثيراً، ويتنزّه عن بعض العقائد المنحرفة عند الاِسماعيليّة. وقد ذكر في باب «ذكر منازل الاَئمّة» شيئاً عن أحوال الغلاة كما وذكرمعاملة علي معهم بالاِحراق، إلى أن يقول: وكان في أعصار الاَئمّة من ولد علي مثل ذلك ما يطول الخبر بذكرهم، كالمغيرة بن سعيد (لعنه اللّه) وكان من أصحاب أبي جعفر محمد بن علي ودعاته.

إلى أن قال: ولعن أبو جعفر ، المغيرة وأصحابه، ثمّ ذكر «أبا الخطاب» وعقيدتهم الاِباحيّة،وأنّ أبا جعفر لعنه كل ذلك يدل على سلامة عقيدته في حقّ الاَئمّة (1).

ومع ذلك كلّه فهو فقيه إسماعيلي اعتنق ذلك المذهب بعدما كان سنيّاً، ولم يكن إمامياً اثني عشرياً.

نعم ذكر المحدّث النوري، أنّالرجل كان إماميّاً اثني عشريّاً، وأنّ اقتصاره على الحديث عن الاَئمّة الست، لاَجل ستر الاَمر وكتمان السر، واستشهد على ذلك بوجوه غير مجدية نشير إلى بعضها:

الاَوّل: قال ابن خلكان: كان من أهل العلم والفقه والدين والنبل، على مالا مزيد عليه، وله عدّة تصانيف ـ إلى أن قال ـ: وكان مالكي المذهب ثمّ انتقل إلى مذهب الاِماميّة وصنف كتاب «ابتداء الدعوة للعبيدين». (2)

أقول: إنّ المراد من الاِماميّة من يعتقد بإمامة علي وأولاده، سواء كان زيدياً أو إسماعيليّاً أو اثني عشرياً، والاِسماعيليّة يصفون أنفسهم بالاِماميّة لقولهم بإمامة


1. لاحظ دعائم الاِسلام: 1|45، باب ذكر منازل الاَئمة.
2. وفيات الاَعيان: 5|415 برقم 766.

(297)

المنصوص عليهم؛ والذي يدل على ذلك أنّابن خلكان يذكر بعد قوله: «ثمّ انتقل إلى مذهب الاِماميّة» وصنف كتاب «ابتداء الدعوة للعبيديين» والمراد منه الدعوة «لعبيداللّه المهدي» موَسس الدولة الفاطميّة في المغرب ومصر.

وأمّا ما نقله ابن خلكان عن ابن زولاق، انّه قال: وللقاضي كتاب: «اختلاف الفقهاء» ينتصر فيه لاَهل البيت فليس دليلاً على ما يتبنّاه لاَنّ الفرق الثلاث كلّهم ينتمون إلى أهل البيت - عليهم السّلام- .

الثاني:
1. روايته عن أبي جعفر الثاني «الاِمام الجواد» - عليه السّلام- ، والرضا - عليه السّلام- ففي كتاب الوصايا عن ابن أبي عمير أنّه قال: كنت جالساً على باب أبي جعفر - عليه السّلام- إذ أقبلت امرأة، فقالت: استأذن لي على أبي جعفر - عليه السّلام- ،فقيل لها: وما تريدين منه؟قالت: أردت أن أسأله عن مسألة ، قيل لها: هذا الحكم، فقيه أهل العراق فاسأليه.

قالت: إنّزوجي هلك وترك ألف درهم،و كان لي عليه من صداق خمسمائة درهم، فأخذت صداقي،و أخذت ميراثي، ثمّجاء رجل فقال لي: عليه ألف درهم وكنت أعرف له ذلك، فشهدت بها.

فقال الحكم: اصبري حتى أتدبر في مسألتك وأحسبها وجعل يحسب، فخرج إليه أبو جعفر - عليه السّلام- وهو على ذلك، فقال: ما هذاالذي تحرك أصابعك يا حكم؟ فأخبره فما أتم الكلام حتى قال أبوجعفر - عليه السّلام- : أقرت له بثلثي ما بيديها، ولا ميراث له حتى تقضي.

ثمّ ذكر المحدّث النوري: أنّ المراد من أبي جعفر هو الاِمام الجواد، لاَنّ ابن أبي عمير لم يدرك الصادق فضلاً عن الباقر - عليه السّلام- . (1)


1. النوري: المستدرك:3|314، الفائدة الثانية.

(298)

أقول: إنّالنسخة الموجودة عند المحدّث النوري كانت مغلوطة محرّفة، وقد جاءت الرواية في كتاب دعائم الاِسلام في مصر بتحقيق آصف بن علي أصغر فيضي، بالنحو التالي: عن الحكم بن عيينة (1) قال: كنت جالساً على باب أبي جعفر وذكر الحديث (2)

والشاهد على أنّالجالس كان هو الحكم بن عتيبة لا ابن أبي عمير ما في متن الرواية حيث قيل لها: هذا الحكم فقيه أهل العراق.
2. انّه روى في كتاب الميراث عن حذيفة بن منصور قال: مات أخ لي وترك ابنته فأمرت إسماعيل بن جابر أن يسأل أبا الحسن عليّاً ـ صلوات اللّه عليه ـ عن ذلك فسأله فقال: المال كلّه للابنة. (3)وقد تصفحنا كتاب الفرائض من الدعائم المطبوع بمصر فلم نعثر على الحديث. (4)
3. روى في كتاب الوقوف عن أبي جعفر محمد بن علي عليمها السّلام أنّبعض أصحابه كتب إليه أنّ فلاناً ابتاع ضيعة وجعل لك في الوقف الخمس الخ.

وهذا الخبر مروي في الكافي و التهذيب والفقيه مسنداً عن علي بن مهزيار قال: كتبت إلى أبي جعفر الخ، وعلي بن مهزيار من أصحاب الجواد والرضا عليمها السّلام لم يدرك قبلهما من الاَئمّة أحداً. (5)

ما نقله عن علي بن مهزيار، و رواه الكليني في كتاب الوصايا (6) ورواه


1. الصحيح، ا لحكم بن عتيبة، (47 ـ 115 هـ) وهو من مشاهير فقهاء عصر أبي جعفر الباقر - عليه السّلام- . راجع رجال الكشي:177، ورجال الطوسي: 86 برقم 6.
2. دعائم الاِسلام: 2|360 برقم 1309.
3. المستدرك:3|314.
4. لاحظ الدعائم:2|365ـ400.
5. المستدرك: 3|314.
6. الكافي:7|36 برقم30.

(299)

الشيخ في التهذيب (1)ورواه الصدوق في الفقيه. (2)

هذا في كتبنا وأمّا الدعائم، فقد رواه في كتاب الصدقة، بالنحو التالي:

عن أبي جعفر محمد بن علي عليمها السّلام ، أنّه قال: تصدَّق الحسين بن علي بدار، فقال له الحسن بن علي: تحوّل عنها.

وعنه أنّ بعض أصحابه كتب إليه: أنّفلاناً إبتاع ضَيعةً فأوقفها، وجعل لك في الوقف الخمس ... . (3)

غير أنّالمتبادر من أبي جعفر بقرينة مضمون الحديث حيث يحكي فعل الحسن بن علي هو الاِمام الباقر - عليه السّلام- ، وهو في كتابه يكرر النقل عن أبي جعفر ويذكر اسمه بعده، ويقول: محمد بن علي، ومراده الاِمام الباقر - عليه السّلام- .

وعلى ذلك فالضمير في الحديث الثاني يرجع إلى الاِمام الباقر.

نعم بقي هنا شيء وهو تقارب ما روي في الدعائم مع ما روي في جوامعنا في مضمون الخبر،و هو قابل للتأمّل.
4. ذكر في الدعاء بعد الصلاة:و روينا عن الاَئمّة، أنّهم أمروا بالتقرّب بعد كلّ صلاة فريضة، إذا سلّم المصلي بسط يديه ورفع باطنهما، ثم قال: اللّهمّ إنّي أتقرب إليك بمحمد رسولك ونبيك، وبوصيّه علي وليّك، وبالاَئمّة من ولده الطاهرين، الحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد ويُسمّي الاَئمة إماماً إماماً إلى أن ينتهي لاِمام عصره.

ثمّ يقول: اللّهمّ إنّي أتقرّب إليك بهم. (4)


(1) 1 . التهذيب:9|130 برقم 4.
2. الفقيه:4|178 برقم 628.
3. دعائم الاِسلام:2|344.
4. دعائم الاِسلام: 1|171.

(300)

قال النوري: غير خفي على المنصف أنّه لو كان إسماعيلياً، لذكر بعده إسماعيل بن جعفر بن محمد بن إسماعيل إلى إمام عصره المنصور باللّه والمهدي باللّه. (1)

أقول: إنّه لم يذكر أسماءهم إمّا لكثرتهم، أو لاِخفاء سرّهم كما ذكره في منظومته، فيقول:

* * *

ولم يكن يمنعني من ذكرهم * إلاّ احتفاظي بمصون سرّهم

* * *

وليس لي بأن أقول جهراً * ما كان قد أُدِّي إليَّ سِرّا

* * *

وهم على الجملة كانوا استتروا * و لم يكونوا إذ تولوا ظهروا

* * *

بل دخلوا في جملة السواد * لخوفهم من سطوة الاَعادي

* * *

حتى إذا انتهى الكتاب أجله * وصار أمر اللّه فيمن جعله

* * *

بمنه مفتاح قفل الدين * أيّده بالنصر والتمكين

* * *

فقام عبد اللّه وهو الصادق * مهدينا صلى عليه الخالق (2)

إلى آخر ما ذكره، ومراده من المهدي، هو عبيد اللّه المهدي.

إلى هنا تبيّن أنّه لا دليل على كون الرجل اثني عشرياً إلى آخر عمره، أو كان اثني عشرياً، وعدل عنها إلى الاِسماعيليّة.

نعم بقي هنا شيء وهو أنّه ذكر في كتاب «الارجوزة المختارة» فرق الشيعة، وردَّ على الرونديّة، والزيديّة، والجاروديّة، والبتريّة، والمغيريّة، والكيسانيّة، والكربيّة، والبيانيّة، والمختارية والحارثيّة، والعباسيّة، والرزاميّة، ولم يذكر شيئاً ما عن الاِماميّة الاثني عشريّة.


1. المستدرك:3|317.
2. الارجوزة المختارة:192.

(301)

و يقول:

* * *

وهذه أُصول قول الشيعة * ولو حكيت معها فروعه

* * *

لاتّسع القول بغير فائدة * و كانت الحجة فيه واحدة (1)

وهذا من العجب، مع أنّالاثني عشريّة، من أشهر الفرق، وهذا يدفعنا إلى القول، بأنّه كان يميل إليها بعض الميل، واللّه العالم.

نظرة في كتاب الدعائم

نرى في كتاب الدعائم أنّقاضي القضاة حفظ السنة المرويّة عن طريق أئمّة أهل البيت، وأنّه أكثر الرواية عن الصادقين عليمها السّلام ، غير أنّه لم تكن له صلة بعلماء المذهب الاثني عشري، ولذلك خالفهم في نفس كتاب الاِرث في موارد عديدة:
1. ممّا روي عن علي أنّه قضى في رجل هلك، ولم يخلّف وارثاً غير امرأته، فقضى لها بالميراث كلّه. وفي امرأة هلكت ولم تدع وارثاً غير زوج لها، فقضى له بالميراث كلّه.

فزعم أنّه يخالف ظاهر نص الكتاب، وثابت السنة. (2)
2. ما روي عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه، أنّهما قالا: لا يرث النساء من الاَرض شيئاً، وإنّما تعطى المرأة قيمة النقض.

قال: فهذا أيضاً لوحمل على ظاهره وعلى العموم، لكان يخالف كتاب اللّه


1. الارجوزة المختارة:236.
2. دعائم الاِسلام:2|393.

(302)

جلّذكره، والسنّة وإجماع الاَئمّة والاَُمة. (1)

وما روي عن أئمّة أهل البيت، في عدم إرث النساء من الاَرض، مُخصص للقرآن والسنّة، وليس مخالفاً؛ والمخالف هو المتباين.

كما أنّ الردّ مازاد على الثمن والربع، في الفرع الاَوّل إلى الزوج والزوجة، لا يُعدّ مخالفاً للكتاب، لاَنّالكتاب ساكت عن حكم مازاد على الفريضة.

نعم نسب إليه المحدّث النوري، أنّه ممّن يُحرّم المتعة ولكنّالوارد في النسخة المطبوعة خلافه، قال القاضي: عن جعفر بن محمد، أنّه قال: إذا تزوّج الرجل المرأة بصداق إلى أجل، فالنكاح جائز، ولكن لابدّأن يعطيها شيئاً قبل أن يدخل بها، فيحل له نكاحها، ولو أن يعطيها ثوباً أو شيئاً يسيراً، فإن لم يجد شيئاً، فلا شيء عليه، وله أن يدخل بها، ويبقى الصداق ديناً عليه. (2)

و في خاتمة المطاف: من طالع كتبه التي أومأنا إليها، يقف على أنّ الرجل فقيه إسماعيليّ، يدافع عن المذهب، وخلافة الخلفاء الفاطميين بحماس، خصوصاً في كتابه «افتتاح الدعوة في ظهور الدعوة العبيدية الفاطمية».

5


أحمد بن حميد الدّين بن عبد اللّه الكرماني

(352ـ كان حيّاً سنة 411هـ)

حميد الدّين ، أحمد بن عبد اللّه الكرماني الداعي في عهد الحاكم باللّه (375ـ 411هـ) والملقّب بحُجّـة العراقين، وكبير دعاة الاِسماعيليّة في جزيرة


1. دعائم الاِسلام: 2|396.
2. دعائم الاِسلام:2|225 برقم 844.

(303)

العراق، وصاحب التآليف العديدة في المذهب الاِسماعيلي وإثبات الاِمامة للفاطميين، والردّ على مخالفيهم.

«ظهر أثره وعظم شأنه في عهد الخليفة الفاطمي «الحاكم بأمر اللّه» وكان لقبه المشهور «حجّة العراقين» أي أنّه كان مسوَولاً عن شوَون الدعوة الثقافيّة في فارس والعراق، وفي القاهرة كان مركزه كمقام (حجّة جزيرة) فهو أحد الحجج الاثني عشر، المكلّفين بإدارة شوَون الدعوة الاِسماعيليّة في العالم، ثمّاستخدم بعد ذلك كرئيس لدار الحكمة في القاهرة، وهي الموَسسة الثقافيّة التي نستطيع أن نقول عنها: إنّها أوّل جامعة انشئت في العالم.

وفد على القاهرة سنة 408هـ، بناءً على طلب المأمون افتكين الضيف داعي دعاة الدولة الفاطميّة في عهد الحاكم بأمر اللّه، عندما حَمي وطيس المعارك الدينيّة، وقامت الدعوات الجديدة وراج سوق البدع التي كانت تهدف إلى الغلو والانحراف عن واقع وأُسس الدعوة.

ألّف كثيراً من الكتب أشهرها: «الرسالة الواعظة» في الردّ على الحسن الفرغاني، القائل بإلوهيّة الحاكم بأمر اللّه، و«البشارات» و«المصابيح» و«الرسالة المضيئة» و«المصابيح في إثبات الاِمامة» و«تنبيه الهادي والمستهدي»و «راحة العقل» و«الرسالة الدرّية» و«رسالة التوحيد في المعاد» و«الاَقوال الذهبية» و«تاج العقول» و«ميزان العقل» و«رسالة المعاد». (1)وكتاب «الرياض في الحكم بين (الصادين) صاحبي الاِصلاح والنصرة» مطبوع، إلى غيرها من الموَلفات.

و قد ظلت سنة وفاته مجهولة بالرغم من وصول أكثر موَلفاته وآثاره إلينا.

يقول الكرماني عن نفسه في مقدمة كتابه «راحة العقل»: وموَلفه حميد الدين، أحمد بن عبد اللّه الداعي في جزيرة العراق وما وليها، من جهة الاِمام


1. عارف تامر:مقدمة كتاب الرياض: 16ـ21.

(304)

الحاكم بأمر اللّه أمير الموَمنين، المنصوص عليه من جهة القائمين مقام الرسولصلّى الله عليه و آله و سلّم على ما بيّناه في كتبنا المعروفة بكتاب «المصابيح في الاِمامة» و«مباسم البشارات» و«الرسالة الكافية» وكتاب «تنبيه الهادي والمستهدي». ألّفه في سنة إحدى عشرة وأربعمائة (411) في ديار العراق.(1)

وهذا النصّ يدل على أنّه كان حيّاً في تلك السنة.

فما ذكره ايفانوف، من أنّه توفي بعد سنة 408 بقليل ليس تامّاً.

وكتابه «راحة العقل»، من أشهر موَلفاته، وقد حاول فيه أن يوفّق بين الفلسفة اليونانيّة وما دانت به الاِسماعيليّة. وقد ذكرنا شيئاً من خصوصيات كتابه عند البحث عن عقائد الاِسماعيليّة.

يقول محقق الكتاب: يُعد الكرماني بحق شيخ فلاسفة الاِسماعيليّة فنحن نعلم أنّالدعاة قبله كانوا مختلفين أشدَّ الاختلاف في مسائل كثيرة، فالداعي النخشبي وضع كتابه «المحصول» في فلسفة المذهب، وجاء بعده أبو حاتم الرازي فوضع كتاب «الاِصلاح» وخالف فيه أقوال من سبقه، ثمّ جاء أبو يعقوب السجستاني أُستاذ الكرماني فانتصر للنخشبي، وخالف أبا حاتم، ثمّجاء الكرماني الذي استطاع أن يوفّق بين آراء شيخه، وبين آراء أبي حاتم، ولا نكاد نجد خلافاً يُذكر بين علماء الدعوة الاِسماعيليّة في فلسفة المذهب، بعد أقوال الكرماني، وإن كنّا نجد خلافاً شديداً بينهم في المسائل التأويليّة، لاَنّ التأويل شخصي يختلف باختلاف الداعي، وكل كتب الدعاة بعد الكرماني تتفق مع ما ورد في كتاب «راحة العقل». (2)

وقد ترجمه مصطفى غالب في كتابه «تاريخ الدعوة الاِسماعيليّة» ضمن ترجمة سيرة الحاكم باللّه، وأنهى كتبه إلى 33 كتاباً، وذكر منها كتاب «الاِصابة في


1. راحة العقل:20، مقدمة التحقيق للدكتور كامل حسين، ومحمد مصطفى حلمي.
2. المصدر السابق:17.

(305)

تفضيل علي على الصحابة». (1)

كما وترجمه خير الدّين الزركلي، ولم يأت بشيء جديد. (2)

6

الموَيّد في الدين

(حدود390ـ470هـ)

هبة اللّه بن موسى بن داود الشيرازي، الموَيّد في الدّين، داعي الدعاة من زعماء الاِسماعيليّة. ولد بشيراز سنة 390هـ ونشأ وتعلّم فيها، وكان له و لاَبيه دورٌ هامٌّ في بث الدّعوة الفاطميّة.

وغادر مدينته خوفاً من السلطان أبي كاليجار فخرج متنكراً إلى الاَهواز سنة (329هـ) ثمّ توجّه إلى حلّة منصور بن الحسين الاَسدي. وتوجه إلى مصر، فخدم المستنصر الفاطمي، في ديوان الاِنشاء وتقدّم إلى أن صار إليه أمر الدّعوة الفاطميّة (سنة 450هـ)و لقب بداعي الدعاة، وباب الاَبواب. ثمّنُحّي وأُبعَد إلى الشام، وعاد إلى مصر فتوفي بها، عن نحو ثمانين عاماً، وصلّـى عليه المستنصر.

و قيل: إنّه استطاع أن يدخل الملك أبي كاليجار في المذهب الاِسماعيليّ، كما أدخل غيره من الوزراء و الاَُمراء، وكان يفحمهم ويقنعهم بغزارة علمه، وشدّة معرفته، في أُصول العقائد الاِسماعيليّة، وخاصّة نبوغه في علم التأويل الذي ترتكز عليه العقائد الفلسفيّة الاِسماعيليّة.

عظم أمر الموَيد، في تلك البلاد فسارت سيرته في الآفاق، ولقد استدعي إلى بيت الدعوة في مصر، نحو عام 438، ليلقي بعض المجالس التأويليّة،


1. تاريخ الدعوة الاِسماعيلية:241ـ 243.
2. خير الدين الزركلي: الاَعلام:1|156.

(306)

وليتدرب التدريب النهائي على يدي الاِمام، فوصل القاهرة ودخل القصر معززاً مكرماً. (1)

و له تصانيف عديدة منها:
1. المرشد إلى أدب الاِسماعيليّة.
2. المجالس الموَيديّة.
3. السيرة الموَيديّة.
4. ديوان الموَيد في الدّين.
5. أساس التأويل، كتبه بالفارسيّة ترجمه عن العربيّة، وأصل الكتاب للقاضي النعمان. (2) 6. شرح العماد.
7. جامع الحقائق في تحريم اللحوم والاَلبان.
8. القصيدة الاسكندريّة.
9. تأويل الاَرواح.
10. نهج العبادة.

وله قصيدة يذكر فيها حديث غدير خم نقتطف منها هذه الاَبيات:

* * *

لو أرادوا حقيقة الدّين كانوا * تبعاً للذي أقام الرسولُ

* * *

و أتت فيه آيةُ النصّ بلغ * يوم «خم» لمّا أتى جبريل

* * *

ذاكم المرتضى عليٌّ بحق * فبعلياه ينطق التنزيل

* * *

أهلُ بيت عليهم نزل الذكر * وفيه التحريم والتحليل

* * *

هم أمان من العمى وصراط * مستقيم لنا وظل ظليل


1. تاريخ الدعوة الاِسماعيلية:250.
2. خير الدين الزركلي: الاَعلام:8|75.

(307)

كما وتوجد ترجمة له بقلمه، في كتاب أفرده في سيرته بين سنة 429 وسنة 450،و هو المصدر الوحيد للباحثين عن ترجمته، طبع بمصر في 184 صفحة . وللاَُستاذ محمد كامل حسين المصري، بكلّية الآداب، دراسة ضافية حول حياة المُترجَم، بحث عنها من شتّى النواحي في 186 صفحة، وجعلها مقدمة لديوانه المطبوع بمصر، ففي الكتابين غنى، وكفاية عن التبسط في ترجمة الموَيد. (1)

7

ناصر خسرو (الرحالة المعروف)

(394 ـ 481هـ)

ناصر بن خسرو، من أحفاد الاِمام علي بن موسى الرضا - عليه السّلام- ،ولد في ذي القعدة عام 394هـ في قصبة (قباذيان) من أعمال بلخ، وتوفي عام 481هـ، وهو خراساني الاَصل، بلخي المنشأ.

و كانت أُسرته من الاَُسر الغنيّة ، وقد اهتمّ والد المترجم بتربية ابنه وتعليمه، فحفظ القرآن وهو لم يبلغ بعدُ التاسعة من العمر، ودرس اللغة العربيّة وآدابها، والعلوم الاِسلاميّة، وعلوم النجوم والفلك والحساب والهندسة والجبر وتضلع في الفلسفة، إلى أن أُطلق عليه الحكيم.

وكان شاعراً فحلاً في اللغة الفارسيّة، وكان رحّالاً، ترك الاِقامة في موطنه واعتزم القيام برحلات في بعض الاَمصار، قاصداً فيها مكّة، يرافقه أخوه أبو سعيد خسرو العلوي، وغلام هندي، فقد شرع برحلته في شهر شعبان عام 437 هـ فترك مرو وسافر إلى إقليم آذربيجان مارّاً بنيسابور، فدامغان، فسمنان، فالري، فقزوين،


1. الاَميني: الغدير: 4|304ـ312.

(308)

ثمّ تبريز، وقد وصلها في عشرين صفر عام 438 هـ، وبعد أن أتمّ رحلته عام 444هـ، وقد بلغ من العمر 50 عاماً، وقطع في رحلته هذه التي طالت سبع سنوات، مسافة 2220 فرسخاً ـ وبعد أن ـ ساقه القضاء إلى مصر، وتوطّدت الصلة بينه وبين الخليفة الفاطمي بمصر، المستنصر باللّه، أبو تميم معد بن علي، الذي حكم مصر من سنة 427هـ إلى سنة 478هـ، وقد أثرت فيه دعوتهم له، فاعتنق مذهبهم على يد أحد حُجّاب الدعوة في القاهرة، وسمّاه بالباب واجتاز المقامات، والدرجات الخاصّة بكبار قادة هذا المذهب، حتى بلغ درجة الحُجّة، واعتبر أحد الحجج الاثني عشر، في إحدى الجزر الاثني عشر، حسب تقسيمات الفاطميين.

وعاد إلى بلخ، وصار بينه وبين علماء المذهب السني نقاش ومعارضة، إلى أن هرب من بلخ قبيل سنة (453هـ)، فلم يزل ينتقل من مدينة إلى مدينة، إلى أن انتهى به المطاف سنة (456هـ) إلى مدينة «غاريمكان» الواقعة قرب مدينة بدخشان، وأقام فيها مختفياً إلى أن وافاه الاَجل عام (481هـ) فدفن هناك، وقبره اليوم مزار للاِسماعيليّين.وقد ترك آثاراً كثيرةً نشير إلى بعضها:
1. «زاد المسافرين» الذي انتهى منه في سنة 453هـ، وهو من أضخم موَلفاته.
2. «وجه دين» في عقائد الاِسماعيليّة.
3. «خوان اخوان».
4. «دليل المتحيّرين» الذي أراد أن يثبت فيه أحقّية المذهب الفاطمي.
5. إكسير أعظم في المنطق، أو الفلسفة.
6. «رسالة المستوفي» في الفقه الاِسماعيلي. (1)


1. أعيان الشيعـة: 10|202 ـ 204، من أراد المزيد فليراجـع المصادر التالية؛ رياض العلماء:5|232؛ مستدركات علم رجال الحديث:8|55؛ طبقات أعلام الشيعة:2|198؛ الذريعة:21|15؛ معجم الموَلفين:13|70.


(309)

8


محمد بن علي بن حسن الصوري
من علماء القرن الخامس

ولد في مدينة صور، وعاش رَدْحاً من الزمن في مدينة طرابلس، داعيّاً للفاطميين. هبط القاهرة في عهد الاِمام المستنصر باللّه الفاطمي (427ـ487هـ).

صنّف قصائد كثيرة ورسائل عديدة، أشهرها «التحفة الظاهرة» و«نفحات الاَئمّة» وقد رجّح عارف تامر، أنّه مات في حصون الدعوة الاِسماعيليّة الصوريّة بجبال «السماق» بعد تعيينه داعية للمذهب الاِسماعيلي فيها من قبل الاِمام «المستنصر باللّه».

و من أبرز تأليفاته، القصيدة الصورية، وقد ألّفها في عصر ازدهر فيه الاَدب، وبرز إلى ميدان العلم والاَدب ثلّة من العلماء، والاَُدباء، الذين قَدَّموا للمكتبة الاِسلامية العديد من الموَلفات، وجادت قرائح الشعراء بالشعر العربي الفاطمي، الذي كان في ذلك العصر وسيلة من وسائل الدّعاية الدينيّة، وداعياً للتعبير عن التعاليم الفلسفيّة وتعدُّ القصيدة الصورية من أقدم المصادر عن الاِسماعيليّة، ومن أهم الرسائل المعبَّرة عن العقائد الاِسماعيليّة، أو بالاَحرى، من الرسائل التي تُشّكل عنصراً هامّاً في العقائد الباطنيّة،ومرجعاً يرجع إليه عند اختلاف وجهات النظر، ولذلك فقد تناقلتها الدعاة وحافظوا على سرّيتها وعدم تسرّبها.

وإليك مقاطع من قصيدته يشير فيها إلى تلك العقائد الباطنيّة ، منها:
1. انّ الاَسماء والصفات ليس للّه سبحانه، بل للمبدأ الاَوّل:


(310)

* * *

والعلم بالتوحيد أسمى العلم * فاصغ لما قد نال منه فهمي

* * *

فكلّما يجري على اللسان * من سائر الاَفكار والاَديان

* * *

وسائر الاَسماء والصفات * للمُبدع الاَوّل لا للذات 2. توحيده سبحانه:

* * *

وسائل يسأل هل هو واحد * أم أَحدُ حتى يصح الشاهد

* * *

قلنا له الواحد مبدأ للعدد * والاَحد المبدي له الفرد الصمد

* * *

والاَحد المبدع وهو الاَزل * والواحد المبدع وهو الاَوّل

* * *

أوّل من قام بتوحيد الاَحد * ودلّ بالعلم عليه من جحد

* * *

وصار للاَعداد أصلاً صدرت * عنه ومنه انبجست إذ ظهرت (1)

9


إبراهيم بن الحسين الحامدي

( ... ـ 557هـ)

إبراهيم بن الحسين الهمداني الحامدي: من دعاة الاِسماعيليّة وعلمائهم في اليمن، عاصر الدّولة الصليحيّة فحينما قرّرت السيدة الحرّة أروى ـ من أميرات الدّولة الصليحيّة ـ أن تُفصل الدعوة عن الدّولة فصلاً تامّاً، عقدت موَتمراً لكبار السلاطين والدّعاة لانتخاب من يتولّى رئاسة الدّعوة، فوقع الاختيار على الداعي الذوَيب بن موسى الوادعي الهمداني (520 ـ 536هـ) (2)ليتولّى هذه المهمّة.


1. القصيدة الصورية:17، قسم المقدمة.
2. كذا في المصدر ، ولعلّ في التاريخ تصحيف .

(311)

وبعد أُفول نجم الدّولة الصليحيّة بوفاة السيّدة الحرّة. أصبحت الدّعوة منظّمة دينيّة بحتة يرأسها الداعي ذوَيب بن موسى، ومن الطبيعي حسب ترتيبات الدّعوة الاِسماعيليّة أن يختار من بين الدعاة داعياً مأذوناً له يساعده في أعماله، فاختار إبراهيم بن الحسين بن أبي السعود الحامدي الهمداني، وهو من كبار الدعاة العلماء الذين أوجدتهم مدارس الدّعوة الاِسماعيليّة المستعلية الطيبية في اليمن.

و لمّا توفي الذوَيب خلفه مأذونه إبراهيم داعياً مطلقاً للاِمام المستور، الطيّب ابن الآمر في اليمن وما جاورها من البلاد والهند والسند وذلك سنة 536هـ. وجعل الشيخ علي بن الحسين بن جعفر الانف القريشي العبثمي، مأذوناً له، فكان له معاضداً على أمره، قائماً بنشر الدّعوة في سرّه وجهره، ولم يعمّر علي بن الحسين طويلاً فقد وافته المنية في سنـة 554هـ، فاستعان الحامدي بابنه حاتم، حيث اتخذه مأذوناً له، ونقل مقرّه إلى صَنعاء، ثمّ أعلن عدم تدخله في سياسة الدولة، وواظب على دراسة العلوم،ونقل التراث العلمي الاِسماعيلي،وجمعه وتدريسه للدعاة التابعين لمدرسته، ووزّع الدعاة في بلاد اليمن والهند والسند، وفيه يقول الشاعر الحارثي:

* * *

أبا حسن أنقذت بالعلم انفسا * وأمّنتها من طارق الحدثان

* * *

فجوزيت بالحسنى وكوفيت بالمنى * ودمت سعيداً في أعزّ مكان

* * *

عمرت بصنعا دعوة طيبية * جعلت لها أسّاً وشُدت مباني

من كتبه: «كنز الولد» و«الابتداء والانتهاء»و «كتاب تسع وتسعين مسألة في الحقائق» و«الرسائل الشريفة في المعاني اللطيفة».

وفي عهد هذا الداعي الاَجل تعرضت الدّعوة المستعليّة الطيبية إلى هزّات عنيفة قاسيّة، لاَنّ ملوك آل زريع في عدن مالوا إلى الدعوة المستعليّة المجيديّة،


(312)

التي أخذت تنتشر بقوّة في أنحاء اليمن حتى أصبح لها دعاة نشيطون في قلب تنظيمات الدّعوة الطيبية،وفي معاقلها، كحراز، ونجران، واليمن الاَسفل، وكذلك أعلن ملوك همدان الياميون في صنعاء، وبلاد همدان، عن تنصّلهم من جميع الدّعوات والمذاهب.

و مع كلّ هذا فقد ظلّ الداعي إبراهيم بن الحسين الحامدي، على إخلاصه للدّعوة الطيبية، مواصلاً نشاطه حتى توفّاه اللّه في صنعاء، في شهر شعبان سنة 557هجرية. (1)

وقد طبع للمترجم له كتاب «كنز الولد» بتحقيق مصطفى غالب عام 1391 هـ نشرته جمعيّة المستشرقين الاَلمانيّة، والكتاب يتألف من أربعة عشر باباً، وقد استهل المقدّمة على عادة كتّاب العصر، بالاستعانة والتوكل، والشهادة، والسلام، ثمّ يذكر موضوع الكتاب والاَسباب الداعيّة لتأليفه.

قال: واعلم هداك اللّه لاَوضح المسالك ونجّاك عن المهالك، أنّ لكلّ رابع من الاتماء قوّة وتأييداً، واستطالة وتشديداً. ولكلّ سابع، أعظم وأعلى وأقوم، يقوم مقام النطق، ونحن في دور سابع الاَشهاد، المتوجّه نحوه ملاحم آبائه وأجداده،والاشارات والرموز في أسانيدهم. والبشارات الموصوفة بالبركات والنعم والخيرات بظهور العلوم والمعجزات، وإشراق النور، وبنبوع الاَنهار، وأزهرار الاَشجار، بالخضرة والنوّار، حتى تتصل أنواره بنور القائم - عليه السّلام- على أتمّ تمام وأحسن نظام. (2)

و يظهر منه أنّ الاِمام السابع يقوم مقام النطق، أي يكون مع كونه إماماً، رسولاً ناطقاً فعليه يكون محمد بن إسماعيل مع كونه إماماً سابعاً، رسولاً ناطقاً، بادئاً للدور السابع، وأمّا عدّ نفسه بأنّه في دور سابع الاَشهاد، مع أنّه كان في


1. مصطفى غالب: كنز الولد:31ـ33، قسم المقدمة؛ الزركلي: الاَعلام:1|36.
2. الحامدي: كنز الولد:5.

(313)

الدور الثامن، لاَنّ الدّور السابع ليس لمدّته أمد محدود، كما صرّح به في كتاب «الاِمامة في الاِسلام». (1)

وأمّا فهرس أبواب كتابه هذا، فهي:

الباب الاَوّل : في القول على التوحيد، من غير تشبيه ولا تعطيل.

الباب الثانــي: في القول على الاِبداع الذي هو المبدع الاَوّل.

الباب الثالــث: في القول على المنبعثين عن المبدع الاَوّل معاً، وتباينهما.

الباب الرابـــع: في القول على المنبعث الاَوّل القائم بالفعل. وما ذلك الفعل؟

الباب الخامـس: في القول على المنبعث الثاني القائم بالقوّة. وما سبب ذلك؟

الباب السادس: في القول على الهيولى والصورة وما هما في ذاتهما، وسبب تكثفهما وامتزاجهما؟

الباب السابــع: في القول على ظهور المواليد الثلاثة: المعدن، والنبات ،و الحيوان.

الباب الثامــن: في القول على ظهور الشخص البشري أوّلاً، وفي كلّ ظهور بعد وفاء الكور.

الباب التاســع: في القول على ظهور الشخص الفاضل من تحت خط الاعتدال.

الباب العاشــر: في القول على الارتقاء والصعود إلى دار المعاد إن شاء اللّه تعالى.

الباب الحادي عشر: في القول على معرفة الحدود العلوّية والسفليّة.

الباب الثاني عشر: في القول على الثواب والارتقاء في الدرج إلى الجنّة الدانية والعالية، إن شاء اللّه.

الباب الثالث عشر: في القول على اتصال المستفيد بالمفيد وارتقائه إليه واتّصاله به.

الباب الرابع عشـر: في القول على العذاب بحقيقته وكيفيته نعوذ باللّه منه.


1. عارف تامر: الاِمامة في الاِسلام: 155.

(314)

10

علي بن محمد الوليد

(522ـ612هـ)

«علي بن محمد الوليد الاَنف العبشي القرشي» الداعي المطلق الخامس للاِسماعيليّة المستعليّة في اليمن، المولود سنة 522 هـ والمتوفى سنة 612هـ، والمنحدر من أُسرة عربيّة عريقة، كان لها شأن في مجالات الاَدب والفلسفة، وقد لعب دوراً أدبيّاً فلسفيّاً هامّاً، في القرن السادس الهجري، وبالرغم من المصادر القليلة عن تاريخ حياته، إلاّ انّه يمكننا القول بأنّه ينحدر من أُسرة معروفة بإخلاصها للاَئمّة الفاطميين. يدلنا على ذلك والده الذي كان يلقب (بالاَنف) تيمّناً بأبرز عضو في وجه الاِنسان.

و لقد كان الداعي يتمتع بسمعة طيبة وعلم وافر فقد تحسنت أُمور الاتباع وأقبلوا عليه من كل حدب وصوب لسماع محاضراته والتزّود من علومه والدراسة عليه وأيده السلاطين والاَُمراء من همدان و جعل مقره مدينة صنعاء حيث اعتكف على الدراسة والتصنيف وكتابة الكتب والرسائل والمقالات التي يدافع فيها عن الدعوة ويشرح عقائدها ومعارفها الفكرية

وكان علي بن الوليد أيضاً من الشعراء البارزين، ففي ديوانه القوافي العذبة والتأملات، التي تدلّ على عراقته بفن الشعر:

* * *

ما العمر إن طال للاِنسان أو قصرا * بنافع في غد أو دافعٍ ضرراً

* * *

ولا حياة الفتى تُغني إذا هو لمْ * يكن بها قاضياً في دينه وطرا

* * *

فإن يمتْ جاهلاً ماذا أُريد به * فبالحقيقة في الدارين قد خسرا


(315)

أمّا موَلفاته فنشير إلى بعض منها:
1. «تاج العقائد ومعدن الفوائد». يتضمن مائة مسألة في معتقدات مذهب الاِسماعيليّة.
2. «دافع الباطل وحتف المناضل» ألفه رداً على كتاب «المستظهري».و هو أوّل كتاب ردٍّ للغزالي على الباطنيّة.
3. «مختصر الاَُصول» ويشمل شرح المقالات وكيفية انقسامها والردّ على الفلاسفة وبعض الفرق.
4. رسالة «نظام الوجود في ترتيب الحدود».
5. رسالة «الاِيضاح والتبيين في كيفية تسلسل ولادتي الجسم والدين».
6. رسالة «تحفة المرتاد وغصَّة الاَضداد» في الرد على الفرقة المجيدية وإثبات إمامة الطيب بن الآمر وذكر تسلسل الاِمامة.
7. «لبَّ الفوائد وصفو العقائد» في المبدأ والمعاد. (1)
8.ديوان شعر وفيه أشعاره في الردّ على المخالفين وفي مدائح الاَئمة.

و كان وفاة هذا الداعي يوم الاَحد السابع والعشرين من شهر شعبان سنة 612هـ عن عمر ناهز التسعين عاماً ودامت أيام دعوته ست سنين وتسعة أشهر وثلاثة أيّام.

وقد أخذنا شيئاً من عقائدهم من كتاب «تاج العقائد» الذي يُعد أوضح كتاب وضع في بيان عقائد تلك الطائفة، والكتاب واضح العبارة جداً، بعيد عن الانحراف والاعتساف، إلاّ ما ندر، وهو يدل على أنّ طائفة الاِسماعيليّة القاطنة في اليمن كانوا بمعزل عن كثير من الزلاّت المشاهدة عند غيرهم.


1. تاج العقائد ومعدن الفوائد:7ـ 9، المقدمة، تحقيق عارف تامر.

(316)



(317)

الفصل الرابع عشر


في
التنظيمات السرّية الاِسماعيلية




(318)



(319)

التنظيمات السرّية الاِسماعيلية


إنّ طابَع الاَقلّية يستدعي امتلاك تنظيمات سرية يسودها التكاتف والتعاون لتصمد أمام العواصف التي تهددهم من جانب الاَكثرية، ولولا ذلك لتفكّكت وانفصمت عرى حياتهم ولانصهر كيانهم المستقل.

ظهرت الاِسماعيلية على مسرح الحياة في زمان ساده روح العداء لاَهل البيت - عليهم السّلام- وأتباعهم، وكانت الشيعة قذى في عيون الخلافة العباسية، لما يسودها من روح العصيان على السلطة والخروج عليها.

هذا وما شابهه صار سبباً لدخول أئمتهم في كهف الاستتار والتقية وإحداث تنظيمات سرية في مختلف الاَدوار لتكون حصناً حصيناً لهم ولاَتباعهم، وقد ذكر التاريخ شيئاً كثيراً من تنظيماتهم ومخططاتهم المبتكرة والتي قلّما يشهد التاريخ لها من مثيل.

وهذا الكاتب الاِسماعيلي مصطفى غالب يشرح لنا الصورة الدقيقة عن التنظيمات السرية في أدوار الستر وفي عهد الدولة الاِسماعيلية في مصر والمغرب حيث يقول:

إذا أردنا أن نقارن تلك التنظيمات مع أحدث التنظيمات والتخطيطات الدعاوية العصرية المعروفة اليوم، لتبين لنا انّ الاِسماعيليين كان لهم القدح المعلّى في هذا المضمار، من حيث ابتكار الاَساليب المبنية على أُسس مكينة مستوحاة من عقائدهم الصميمة، وتظهر عبقريتهم بوضوح من جهة البراعة في تنظيم أجهزتهم الدعاوية ـ في قلّة الوسائل في تلك الاَيام ـ ممّا جعلهم يستطيعون الاِشراف بسرعة فائقة على تنسم أخبار أتباعهم في الاَبعاد المتناهية، وذلك بما


(320)

ابتكروا من أساليب وأحدثوا من وسائل، وقد كان للحمام الزاجل الذي برع في استخدامه الدعاة، أثره الفعّال في نقل الاَخبار والمراسلات السرية الهامة.

ولقد كان الاِمام الاِسماعيلي الذي يعتبر رئيس الدعوة قد وفق بين جهاز الدعاية الذي نظّمه خير تنظيم، وبين نظام الفلك ودورته، وجعل العالم الذي كان معروفاً في تلك الاَيام مثل السنة الزمنية، فالسنة كما هو معروف مقسمة إلى اثني عشر شهراً، ولذلك يجب أن يقسم العالم إلى اثني عشر قسماً، أطلق على كل قسم اسم (جزيرة)و جعل على كل جزيرة من هذه الجزر داعياً، هو المسوَول الاَوّل عن الدعاية فيها، ولقب بـ(داعي دعاة الجزيرة) أو بـ(حجة الجزيرة). وقال: إنّ الدعوة لا يمكن استقامتها إلاّ باثني عشر داعياً يتولون إدارتها، فكان الاِمام ينتخب الدعاة من ذوي المواهب الخارقة، والقدرة الفائقة في بث الدعوة والعمل على نشرها بين مختلف الطبقات وقد جعل الدعاة من (حدود الدين) إمعاناً في إسباغ الفضائل عليهم، ليتمكنوا من نشر الدعوة وتوجيه الاَتباع دونما أيّة معارضة أو مخالفة، لاَنّ مخالفتهم ومعارضتهم تعتبر بنظر الاِمام مروقاً عن الدين، وخروجاً عن طاعة الاِمام نفسه، لاَنّهم من صلب العقيدة وحدودها.

و لمّا كان الشهر ثلاثون يوماً لذلك كان لكل داعي جزيرة ثلاثون داعياًنقيباً لمساعدته في نشر الدعوة، وهم قوته التي يستعين بها في مجابهة الخصوم،وهم عيونه التي بها يعرف أسرار الخاصة والعامة، فكانوا بمثابة وزارئه ومستشاريه في كلّ ما يتعلّق بجزيرته.

ولمّا كان اليوم أربع وعشرين ساعة، اثنتي عشر ساعة بالليل، واثنتي عشر ساعة بالنهار ، وجب لكلّ داع نقيب أربعة وعشرين داعياً، منهم اثني عشر داعياً ظاهراً كظهور الشمس بالنهار، واثني عشر داعياً محجوباً مستتراً استتار الشمس بالليل. وبعملية حسابية بسيطة نجد انّعدد الدعاة الذين بثهم الاِمام الاِسماعيلي في العالم كان حوالي 8640 داعياً في وقت واحد.


(321)

التنظيمات السّرية للدعوة الاِسماعيليّة النزارية

ولما انتقلت الدعوة الاِسماعيلية النزارية إلى فارس، أجرى الاِمام النزاري بعض التعديلات، وأوجد تنظيمات تتناسب مع ظروفه وعصره وهي على قسمين:
1. القسم الخاص بالدعاية الدينية والذي ظل قريب الشبه من النظام السابق، ولو انّ عدد الدعاة تقلص ونقص، لاَنّ الاِمام النزاري جعل رتبة (الشيخ) في دعوته بدلاً من رتبة (داعي الدعاة) وعيّـن في كلّ منطقة من المناطق الاِسماعيلية له نواباً، وألحق بهوَلاء النواب عدداً غير محدود من الدعاة الذين كانوا يدعون الناس للمذهب الاِسماعيلي النزاري.
2. أمّا القسم الثاني فهو خاص بالفدائية والجيش، وهوَلاء كانوا يتبعون مباشرة مركز الاِمامة أو نائب الاِمام في قطره، ويتلقّون الاَوامر والمهمات السرية منه مباشرة.

وكانت الفدائية على ثلاث درجات:

أوّلا: الرفاق أو المقدمون: وهم قادة الجيش والفدائية ولهم مهمّة الاِشراف على التدريب،و السهر على تنفيذ المهمات العسكرية وغير العسكرية.

ثانياً: مرتبة الفدائيين الذين ينتقون من العناصر المخلصة المعروفة بالتضحية والاِقدام والشجاعة النادرة، والجرأة الخارقة فيكلفَّون بالتضحيات الجسدية، وبتنفيذ أوامر الاِمام أو نائبه.

ثالثاً: المستجيبون: وهم الذين يقضون دور التدريب والتعليم،وهوَلاء يدخلون مدارس الفدائية، وهم في سن مبكرة ويتلقون التدريب والتعليم في المدارس الخاصة بهم، على أيدي كبار المقدمين. ويسهر الاِمام نفسه أو نائبه الشيخ على تدريبهم وتعليمهم. (1)


1. مصطفى غالب: في مقدمة كتاب الينابيع:21 ـ 24.

(322)



(323)

الفصل الخامس عشر


في
القرامطة




(324)



(325)

لقد ذكرنا في الفصل الثاني من هذا الكتاب أنّ الحركات الباطنيّة نشطت في أواسط القرن الثاني، وكان زعيمها هو أبو الخطاب، محمد بن مقلاص، فلمّا قتل انتهى أمرهـم ـ بعد فتـرة ـ إلى الاجتماع حول محمد بن إسماعيل، ووجدوه مرتعاً خصباً لنشر أفكارهم. فارتكزت الدّعوة الاِسماعيليّة على تلك الاَفكار في بادىَ الاَمر. وكان من نتيجة ذلك التحرك أن:
1. اتخذ الاَئمّة المستورون سوريا،وأخصّ بالذكر «السلمية» وما حولَها مركزاً للدّعوة، ومنها انتشرت إلى سائر الاَمصار.
2. انتشرت الدّعوة في اليمن بزعامة ابن حوشب «منصور اليمن».
3. أرسل ابن حوشب، أبا عبد اللّه الشيعي إلى إفريقية حيث آلت الاَحداث بعدها إلى تأسيس الخلافة الفاطميّة.
4. ظهور حركة القرامطة، وهذا ما سنبحثه في هذا الفصل.

إنّ من الاِسماعيليّة فرقة باسم المباركيّة قالوا بإمامة محمد بن إسماعيل، بدل إسماعيل، وقد تشعبت منهم فرقة باسم القرامطة، كان لهم دورٌ مهم على الساحة السياسية والعقائدية أيّام عبيد اللّه المهدي، حسب ما يذكره التاريخ وما يزال الغموض يكتنف عقائدهم، وتاريخهم والجرائم التي قاموا بها، في أواخر القرن الثالث. ومن أجل تسليط الضوء على جانب من جوانب عقائدهم نستعرض ما ذكره أصحاب المقالات:
1.قال النوبختي: إنّما سُمّيت بهذا لرئيس لهم من أهل السواد من أهل الاَنباط كان يلقب «قرمطويه» وكانوا في الاَصل على مقالة المباركيّة، ثمّ خالفوهم،


(326)

فقالوا لا يكون بعد محمد النبي - صلّى الله عليه وآله وسلّم - إلاّسبعة أئمّة، علي بن أبي طالب وهو إمامٌ رسولٌ، والحسن والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، ومحمد بن إسماعيل بن جعفر، وهو الاِمام القائم المهدي، وهو رسولٌ.

وزعموا أنّ النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلّم - انقطعت عنه الرسالة في حياته، في اليوم الذي أُمر فيه بنصب علي بن أبي طالب - عليه السّلام- للناس بغدير خم، فصارت الرسالة في ذلك اليوم في علي بن أبي طالب، واعتلّوا في ذلك بقول رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلّم - :«من كنت مولاه فعليٌّ مولاه» وانّهذا القول منه خروج من الرسالة والنبوّة، وتسليم منه في ذلك لعلي بن أبي طالب، بأمر اللّه عزّوجلّ وانّالنبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلّم - بعد ذلك كان مأموماً لعليّ، محجوجاً به، فلمّا مضى عليٌّ صارت الاِمامة في الحسن، كما صارت من الحسن في الحسين ثمّ في علي بن الحسين، ثمّفي محمد بن علي، ثمّ كانت في جعفر بن محمد، ثم انقطعت عن جعفر في حياته، فصارت في إسماعيل بن جعفر، كما انقطعت الرسالة عن محمد - صلّى الله عليه وآله وسلّم - في حياته، ثمّإنّ اللّه عزّوجلّ بدا له في إمامة جعفر، وإسماعيل، فصيّرها في محمد بن إسماعيل، إلى أن قال:

و زعموا أنّ محمد بن إسماعيل حيٌّ، لم يمت، وأنّه في بلاد الروم، وأنّه القائم المهدي، ومعنى القائم عندهم، انّه يبعث بالرسالة وبشريعة جديدة، ينسخ بها شريعة محمد، وانّ محمد بن إسماعيل من أولي العزم، وأولي العزم عندهم سبعة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد - صلّى الله عليه وآله وسلّم - وعلي - عليه السّلام- ، ومحمد بن إسماعيل، على معنىً.

قال: إنّالسماوات سبع وإنّالاَرضين سبع وإنّ الاِنسان بدنه سبع: يداه، ورجلاه، وظهره، وبطنه، وقلبه، وإنّ رأسه سبع: عيناه، أُذناه، منخراه، وفمه ، وفيه لسانه، كصدره الذي فيه قلبه، وإنّ الاَئمّة كذلك، وقلبهم محمد بن إسماعيل واعتلوا في نسخه شريعة محمد - صلّى الله عليه وآله وسلّم - وتبديلها، بأخبار، رووها عن أبي عبد اللّه جعفر ابن محمد - عليه السّلام- أنّه قال: لو قام قائمنا علمتم بالقرآن جديداً، وأنّه قال: إنّ


(327)

الاِسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدا، فطوبى للغرباء، ونحو ذلك من أخبار القائم.

و انّ اللّه جعل لمحمد بن إسماعيل جنّة آدم (ص) ومعناها عندهم الاِباحة للمحارم،وجميع ما خلق في الدنيا، وهو قول اللّه عزّ وجلّ:"وَ كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ") (1)أي موسى بن جعفر بن محمد، وولده من بعده من ادّعى منهم الاِمامة.

وزعموا أنّ محمد بن إسماعيل، هو خاتم النبيين، الذي حكاه اللّه عزّوجلّ في كتابه، وأنّ الدّنيا اثنا عشر جزيرة، في كلّجزيرة حُجّة وأنّ الحجج اثنا عشر، ولكلّ حجّة داعية. ولكلّ داعية يد، يعنون بذلك أنّ اليد رَجلٌ له دلائل وبراهين يقيمها، ويُسمّون الحُجّة الاَب، والدّاعية الاَُم،و اليد الابن، يضاهون قول النصارى في ثالث ثلاثة، إنّ اللّه الاَب جل جلاله، والمسيح - عليه السّلام- الابن، وأُمّه مريم، والحُجّة الاَكبر هو الربّ وهو الاَب والدّاعية هي الاَُم، واليد هو الابن.

وزعموا أنّجميع الاَشياء التي فرض اللّه تعالى على عباده وسنّها نبيّه(ص) وأمر بها، لها ظاهر وباطن، وأنّجميع ما استعبد اللّه به العباد في الظاهر من الكتاب والسنة، أمثال مضروبة وتحتها معان هي بطونها، وعليه العمل وفيه النجاة، وأنّ ما ظهر منها ففي استعماله الهلاك والشقاء، وهي جزء من العقاب الاَدنى، عذّب اللّه به قوماً إذ لم يعرفوا الحقّ ولم يقولوا به، وهذا أيضاً مذهب عامّة أصحاب أبي الخطاب، واستحلّوا استعراض الناسَ بالسيف وقتلهم على مذهب الخوارج في قتل أهل القبلة، وأخذ أموالهم، والشهادة عليهم بالكفر، واعتلّوا في ذلك بقول اللّه عزّوجلّ:"فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ") (2)ورأوا سبي النساء وقتل الاَطفال، واعتلّوا في ذلك بقول اللّه تبارك وتعالى:"لا تَذَرْ علَى الاََرْضِ مِنَ الْكافِرينَ دَيّاراً") . (3)


1. البقرة:35.
2. التوبة:5.
3. نوح:26.

(328)

وزعموا أنّه يجب عليهم أن يبدأوا بقتل مَنْ قال بالاِمامة مِمّنْ ليس على قولهم، وخاصّة من قال بإمامة موسى بن جعفر، وولده من بعده؛ وتأوّلوا في ذلك قولَ اللّه تعالى: "قاتِلُوا الَّذِينَ يَلوُنَكُمْ مِنَ الْكُفّارِوَ لْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظةً") (1) فالواجب أن يُبدأ بهوَلاء، ثمّ بسائر الناس؛ وعددهم كثير، إلاّ أنّه لا شوكة لهم ولا قوّة، وهم بسواد الكوفة واليمن أكثر ولعلّهم أن يكونوا زُهاء مائة ألف. (2)

أقول: إنّ النوبختي أقدم مَن كتب عنهم من أصحاب المقالات، وقد عاصرهم، حيث إنّ القرامطة ظهرت سنة 267هـ، وتوفي النوبختي في أوائل القرن الرابع حوالي سنة 310 هـ، فما ذكره عنهم أدقّممّا ذكره غيره.
2.وقال الاَشعري: القرامطة يزعمون أنّالنبيّ نصّعلى إمامة ابنه الحسن ـ وهكذا ينقل نصّ كلّ إمام على الاِمام المتأخر ـ حتّى وصلت النوبة إلى نصّ جعفر علىإمامة ابن ابنه محمد بن إسماعيل.

و زعموا أنّمحمد بن إسماعيل حيٌّ إلى اليوم، ولم يمت ولا يموت حتّى يملك الاَرض، وأنّه هو المهدي الذي تقدّمت البشارة به، واحتجوا في ذلك بأخبار رووها عن أسلافهم يخبرون فيها أنّ سابع الاَئمّة قائمهم. (3)
3.وأمّا عبد القاهر البغدادي فلم يذكر القرامطة بالاسم، لكن نقل ما ذكره الاِمام الاَشعري في المقالات وقال: «و فرقة قالت كان الاِمام بعد جعفر سبطه محمد بن إسماعيل بن جعفر، حيث إنّ جعفراً نصب ابنه إسماعيل للاِمامة بعده، فلمّا مات إسماعيل في حياة أبيه، علمنا أنّه إنّما نصب ابنه إسماعيل للدلالة على إمامة ابنه محمد بن إسماعيل. (4)


1. التوبة:123.
2. النوبختي: فرق الشيعة:72ـ76.
3. الاَشعري: مقالات الاِسلاميين:26.
4. عبد القاهر البغدادي: الفرق بين الفرق:63.

(329)

يظهر ممّا ذكره النوبختي في فرق الشيعة أنّهم كانوا يكفّرون جميع المسلمين حسب عقيدتهم، ولاَجله قاموا بقتل حجاج بيت اللّه الحرام عام 317هـ في عهد المقتدر باللّه.

ذكر ابن الاَثير أنّه حج بالناس في هذه السنة (317هـ) المنصور الدّيلمي،و صار بهم من بغداد إلى مكّة فسلّموا في الطريق فوافاهم أبو طاهر القرمطي بمكّة، يوم التروية، فنهبَ هو وأصحابُه أموال الحُجّاج،وقتلوهم حتى في المسجد الحرام وفي البيت نفسه، وقلع الحجر الاَسود ونفذه إلى هجر فخرج إليه ابن محلب، أمير مكّة في جماعة من الاَشراف، فسألوه في أموالهم فلم يشفعهم، فقاتلوه فقتلهم أجمعين، وقلع باب البيت وأصعد رجلاً ليقلع الميزاب فسقط فمات.

وطرح القتلى في بئر زمزم، ودفن الباقين في المسجد الحرام، حيث قُتلوا بغير كفن ولا غُسل، ولا صلى على أحد منهم، وأخذ كسوة البيت، فقسّمها بين أصحابه، ونهب دُورَ أهل مكّة.

فلما بلغ ذلك المهدي أبا محمد عبيد اللّه العلوي بإفريقية، كتب إليه، يُنكر عليه ذلك ويلومه ويلعنه ويقيم عليه القيامة، ويقول: قد حققت على شيعتنا ودعاة دولتنا اسم الكفرو الاِلحاد بما فعلت، وإن لم ترد على أهل مكّة وعلى الحجّاج وغيرهم، ما أخذت منهم، وتردّ الحجر الاَسود إلى مكانه، وتردّكسوة الكعبة، فأنا بريء منك في الدنيا والآخرة.

فلمّا وصله هذا الكتاب أعاد الحجر الاَسود، واستعاد ما أمكنه من الاَموال من أهل مكّة فردّه، وقال: إنّ الناس اقتسموا كسوة الكعبة، وأموال الحجاج ولا أقدر على منعهم. (1)


1. ابن الاَثير: الكامل في التاريخ:8|207ـ 208.

(330)

من هذا المقطع الذي ذكرناه من كلام ابن الاَثير يظهر أنّ عبيد اللّه المهدي ينكر عليهم ما ارتكبوه من جرائم شنيعة، وأنّهم بأعمالهم الوحشيّة هذه مهّدوا الطريق للاَعداء، ليتّهموهم بالاِلحاد، والخروج عن الدين. وهذا ممّا يوجب على الباحث العلمي إذا أراد أن يخرج بنتيجة إيجابية أن يجعل للقرامطة حساباً خاصاً وأن يدرسهم دراسة موضوعية تتسم بالعلميّة وعدم الخلط .

و للاِسماعيليّة التي كانت الخلافة الفاطميّة في مصر تتبناها حساباً آخر ولا يضربهما بسهم واحد.


(331)

الملامح العامّة للقرامطة


قد تعرّفت على الفرق الاِسماعيلية ، وإنّ منها القرامطة الّذين قالوا بإمامة محمد بن إسماعيل وغيبته، وبذلك عطّلوا الاِمامة، وانقطعوا عن الركب الاِمامي، وحيث إنّه كان لهم دور في الاَعصار الغابرة لا بأس بذكر ملامحهم العامّة، وفرقهم، وعقائدهم، وما قاموا به من الاَحداث الاِرهابيّة، وقد وجدنا أنّ ما كتبه «طه ولي» حول تلك الفرقة في كتابه «القرامطة أوّل حركة اشتراكية في الاِسلام» هو أبسط ما كتب عنهم، فقمنا بتلخيص ما جاء في هذا الكتاب من المواضيع الهامّة .

القرامطة من إحدى الفرق الباطنية الّتي شغلت السلطات العباسيّة قُرابة قرن من الزمن، وأشاعت الاضطرابَ والقلقَ في الشرق العربي، بما خَلَقْته من أفكار ثوريّة، ما تزال آثارها باقية إلى أيّامنا الحاضرة، عبر الطوائف الدينية التي تحمل أسماءً مختلفة.

إنّ القرامطة جاءت من معنى لغويّ وهو قَرمطَ الرجلُ في خَطْوه، إذا قارب بين السطور في كتابته، ويقال: إنّ حمدانَ بن الاَشعث موَسّس هذه الفرقة سُمي قرمط لقصر قامته ورجليه.

أسباب نشوء الحركة القرمطيّة وموَسّسها:

إنّ كلمة قَرمط بدأت بحمدان بن الاَشعث، وهو الذي نزل عنده الداعي الموَسِّس لهذه الفرقة: الحسين الاَهوازي، الذي جاء من ناحية خوزستان، وهذه التسمية ـ أي القرامطة ـ لم تتخذّها هذه الفرقة الباطنيّة لنفسها، وإنّما أطلقها أعداوَها عليها في العهود المبكِّرة لقيامها.


(332)

والحديث عن العوامل التي أدّت إلى نشوء الحركة القرمطية، وقيام دولة القرامطة، ذو شجون، والخوض فيه يحتاج إلى تفصيلات، لا يتسع لها مجال هذه الدراسة، التي قصدنا بها التعريف بالقرامطة، وحركتهم بأكثر ما أمكننا من الاِيجاز، دون الدخول في التناقضات التي تميّزت بها أقوال المحققين.

كان المجتمعُ الاِسلامي، في أواخر العهد الاَُموي يسير في طريق مُظلم، وأنّ الدولة الاَُمويّة الحاكمة، العربيّة النزعة والطابع، كما هو جليّ وواضح في تاريخها لم تكن تعتمد إلاّ على العناصر الخالصة التي تنحدر من أصل عربي فلم يُعِنْ بنو أُمية بغير قومهم العرب، فمنهم الولاة والقوّاد، وروَساء الدولة، والعمال وحكّام الاَقاليم، والمقاطعات، فضلاً عن أنّ زمام الاَسواق التجارية والمهنيّة والزراعيّة، والنفوذ والجاه، كان أيضاً بأيديهم، وبأيدي أنصارهم، ولهذا كره الموالي (غير العرب) حكمهم، وعملوا على إسقاطهم وكانوا معاول هدم في كيان الدّولة الاَُمويّة.

إنّ المجتمع الاَُموي كان يقوم على سيادة العنصر العربيّ، فكان لا يتمكن أيُّ إنسان من الانتساب إلى صفوفه إلاّ بطريق الولادة، ولم يكن أفراده يدفعون الضرائب عن أراضيهم، وكانوا وحدهم أصحاب الحقّ، بأن يتجنّدوا في الاَمصار، ويقبضوا الرواتب الشهرية المغرية، فضلاً عن حقّهم بالاَعطية من غنائم الفتوح، ولم يكن حلول العباسيين محلّالاَُمويين أكثر من مجرد تغيير الاَُسرة الحاكمة.

وبذلك تبين أنّالاَسباب التي أدّت إلى قيام الحركة القرمطية كانت هي أيضاً في جوهرها حركة قوميّة إقليميّة وإقتصاديّة واجتماعيّة، ولعلّنا لا نأتي بجديد حين نقول: إنّالاَُمويين بسياستهم هذه: قد مهّدوا الطريق لمن يريد ضرب الدّولة الاِسلامية ، وكان أفضل وسيلة للمنفعلين بهذه الاَسباب أن اتخذوا من الصراع العقائدي بين بني أُميّة وبين بني هاشم، ذريعة لتقويض الحكم العربي العنصريّ، ونقض التعاليم الاِسلاميّة، وذلك بادّعائهم الولاء للهاشميين في مطالبتهم


(333)

بحقّهم بالخلافة دون الاَُمويين.

وهكذا تكون كلّ الحركات الباطنيّة توسلتْ بشعار الولاء لآل البيت النبوي، من أجل الوصول إلى هدف واحد وهو الثأر من حكام الوقت الّذين أشاعوا البدع الجاهليّة، تحت غطاء الاِسلام، ومنها التركيز على العنصر العربي، والحط من الموالي المسلمين.

كان ابتداء الدّعوة القرمطيّة في البحرين عن طريق رجل يُعرف بيحيى بن المهدي، الذي قصد بلدة القطيف، وحلّ فيها ضيفاً على رجل يُعرف بعلي بن المعلى بن حمدان، مولى الزياديّين، فأظهر له يحيى أنّه رسولُ المهدي، وكان ذلك في سنة 281هـ، وذكر أنّه خرج إلى شيعته في البلاد، يدعوهم إلى أمره وأنّ ظهوره قد قَرُب، فأخبر عليُّ بن المعلى، الشيعةَ من أهل القطيف، وقرأ عليهم الكتاب، الذي مع يحيى بن المهدي، المرسل إليهم من المهديّ، فأجابوه، وأنّهم خارجون معه ، إذا ظهر أمره. ووجّه إلى سائر قرى البحرين بمثل ذلك، فأجابوه وكان أبو سعيد الجنابيّ يبيع للناس الطعامَو يحسب لهم بيعهم.

ويقول موَلّف «البحرين عِبر التاريخ»: إنّحمدان قرمط ابن الاَشعث، هو موَسّس حركة القرمطيين في واسط بين الكوفة والبصرة ـ حيث أنشأ داراً للهجرة، وجعلها مركزاً لبث الدّعوة، ثمّ كلّف دعاته بإنشاء فروع للحركة، أهمّها على الاِطلاق فرعُ البحرين الذي أقامه أبو سعيد الجنابي.

فرق القرامطة:

القرامطة توزّعوا في أيّام ظهورهم إلى ثلاث فرق، ومرّوا في ثلاث مراحل، وتقلّبوا في ثلاثة أدوار:

الفرقة الاَُولى: وهي قرامطة السّواد ـ أي سواد العراق ـ وقد أطلق لفظُ السواد على هذه المنطقة لكثرة النخيل الذي يُغَطِّي أرضها، ويطلق على هذه الفرقة


(334)

كذلك، اسم قرامطة الشمال، وأبرز دعاتهم «داندان» و«حمدان» و«عبادان» و«آل مهرويه».

الفرقة الثانية: قرامطة البحرين أو الخليج في شطه الغربي، وأبرزُ دعاتهم آل الجنابي.

الفرقة الثالثة: قرامطة القطيف وجنوبي البصرة، وأبرز دعاتهم أبو حاتم البوراني، وأبو الفوارس، وهذا يُعدُّ من كبارهم، وله مع الخليفة العباسي «المعتضد» محاورة مشهورة، ويُعتبر من أقوى الدعاة الّذين عرفهم القرامطة في تاريخهم.

انقسام القرامطة إلى حركتين بعدما كانت حركة واحدة

عندما هلك سليمان بن الحسن الجنابي «أبو طاهر»، زعيم الدولة القرمطية في البحرين، الذي هتك حرمة الكعبة، وقتل الكثير من الحجاج، ترك أولاداً غير أكفاء لخلافته في الزعامة، فتنافس أخواه سعيد وأحمد على الولاية، وأدّى هذا التنافس إلى انقسام جماعة القرامطة إلى حركتين متعاديتين بعدَ أن كانوا حركة واحدة متجانسة، وكان على رأس إحدى هاتين الحركتين أبناء سليمان (أبو طاهرالجنابي ) ومعهم سابور، وعمه أحمد، وانضم إليهم كبار هذه الطائفة، وكان هوَلاء خاضعين للعُبيديين في المغرب يتلقون منهم التوجيه وينفِّذون تعاليمهم، وقد أطلقوا على أنفسهم اسم «الفرقة العقدانية» أي أصحاب العقيدة.

وعلى رأس الحركة الثانية، سعيد المذكور الذي رفض التبعية للعُبيديين وآثر الاستقلال بشوَونه، ولاَجل تقوية مركزه ضد العبيديّين، الذين لم يعترفوا به، اتجه لمصانعة العباسيين الذين سارعوا لموآزرته بهدف تعميق الانقسام في صفوف هوَلاء القرامطة، لكي يسهل التخلص منهم جميعاً، وقد أدّى هذا الانقسام الذي رافقته حروب دامية بين الحركتين إلى التعجيل بنهاية القرامطة كقوة سياسية ومذهبية.


(335)

عقائد القرامطة

إنّ عقائد القرامطة ، هي مزيج من الحق والباطل شأن كلّ فرقة زائفة، فأخذت بتبنّي الاِمامة لاَئمّة أهل البيت وإظهار الاِخلاص لهم، ورفض الحكومات الاَُموية والعباسية المخالفة للقرآن والسنّة والسيرة النبوية .و إليك بعض عقائدهم بشكل موجز:

1. نظرية الحلول عند القرامطة

والقرامطة ، قالوا بنظرية الحلول أو ما يسمى عند بعض الطوائف المعاصرة باسم حلول اللاهوت بالناسوت، فذهبوا إلى أنّأئمّتهم حلّت فيهم شخصيات الاَنبياء السابقين الذين بعثهم اللّه في الاَُمم الغابرة ابتداءً من آدم وانتهاءً بمحمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم بل أنّهم تجاوزوا الاَنبياء.

لما دخل عبيد اللّه المهدي إلى رقادة بالمغرب مدحه محمد البديل، أحد موظفي الديوان عند أبي قضاعة بقوله:

* * *

حل برقادة المسيح * حل بها آدم ونوح

* * *

حل بها أحمد المصفّى * حل بها الكبش والذبيح

* * *

حل بها ذو المعالي * و كل شيء سواه ريح

2. الغلو عند القرامطة

تعتقد القرامطة أنّ الاِمام القائم هو محمد بن إسماعيل الذي يبعث بالرسل، ويسن شريعة جديدة ينسخ بها شريعة النبي محمد - صلّى الله عليه وآله وسلّم - .

كما يعتقد القرامطة بأنّ روح اللّه تعالى تحل في أجساد أئمتهم فتعصمهم


(336)

من الزلل وترشدهم إلى صالح العمل.

وهم يعتقدون أيضاً أنّ أئمّتهم السبعة هم السبع المثاني الذين أشار القرآن الكريم إليهم، ورفعوهم إلى حدّ المغالاة.

3. التأويل الباطني في تفسير القرآن

تفردت الباطنية بتفسير القرآن الكريم على طريقة التأويل الباطني، وهو أن يتجاوز الاِنسان المعنى الظاهري للآية ويتجه إلى فهمها عن طريق تفسير كلماتها بما يخيل إليه أنّه المقصود الحقيقي من كلام اللّه، ومن الطبيعي أن يعتمد الباطنيون هذه الطريقة لتحميل الآيات المعنى الذي يوَيد وجهة نظرهم وأفكارهم المذهبية.

إنّالتأويل بمعناه الواقعي لدى الاِسماعيليين يختلف عن التفسير المعمول به لدى عامة الفرق الاِسلامية الاَُخرى،والتفسير معناه جلاء المعنى لكلّ كلمة غامضة لا يفهم معناها القارىَ والتأويل باطن المعنى أو رمزه أو جوهره وهو حقيقة مستترة وراء لفظة لا تدل عليها، ومن هنا أعطى النظام الاِسماعيلي ـ ومثله القرمطي ـ الفكـري صلاحية التفسير للناطق ووهب صلاحية التأويل للاِمام، فالناطق اعتبر ممثلاً للشريعة والاَحكام والفقه والقانون الظاهر، والاِمام اعتبر ممثلاً للحقيقة والتأويل،و الفلسفة والباطن، ومن الواضح أنّ أوّل منهاج دعوا إليه هو نظام التأويل، فإنّهم هذّبوه وصقلوه بأفكارهم وأدخلوا فيه النظرية العقلية التي تشذب الفعل والتسليم ليثبتوا للعالم الاِسلامي انّهم من العريقين في فهم الاَُصول الاِسلامية، فقالوا بالباطن وضرورته كما قالوا بالظاهر إلى جانبه، فلا يقبل الظاهر دون الباطن، ولا ينفع الباطن دون الظاهر، لاَنّ الباطن والظاهر كالجسد والروح تولد في اجتماعهما الفوائد ومعرفة المقاصد.

إنّ للقرآن مدلولاً، ظاهرياًو باطنياً، فالمعنى الظاهري واللغوي ليس هو المقصود بالذات والتمسك بهذا المعنى يوجب العذاب والمشقة، أمّا الاَخذ


(337)

بالمعنى الباطني فهو يوجب الانشراح والسعادة، لاَنّه يقضي بترك التكاليف والاَعمال الظاهرة وكان ابن ميمون يدس هذه الفكرة بصورة خفية وباطنة وما كان يتظاهر بها تجاه غير الاِسماعيليين ـ القرامطة ـ ولذلك كانت هذه الطريقة مبالغ فيها.

نهاية القرامطة سياسياً وعسكرياً

في منتصف القرن الرابع الهجري دخل القرامطة النهاية لاَسباب ذاتية وأُخرى خارجية، وما لبثوا أن زالوا عن مسرح الصراع في المشرق العربي من الناحيتين السياسية والعسكرية.

الاَسباب الذاتية

من الواضح أنّ الحركة القرمطية لم تستطع إخفاء مقاصدها الحقيقية في محاربة العقيدة الاِسلامية الصحيحة لا سيما بعد الانتصارات المحلية لبعض زعمائها على السلطة العباسية، فقد أساء المتأخرون من هوَلاء الزعماء التصرف بالنسبة للمجتمع الاِسلامي آنذاك، حتى أنّ العبيديين وهم على منوالهم في الاتجاه السياسي والعقائدي اضطروا إلى أن يتبرأوا منهم وأن يهاجموهم عسكرياً في أماكن تواجدهم ، حيث أوعزوا إلى قائدهم العسكري«جوهر الصقلي» بأن يذيع بياناً يستنكر فيه أعمال القرامطة ويتبرّأ من تصرفاتهم المغايرة للاِسلام والضارة بالمسلمين، على أنّجوهر لم يكتف بهذا البيان بل حاربهم فعلاً على أرض فلسطين في الرملة (سنة 368هـ)و كانت هذه المعركة بداية النهاية بالنسبة للحركة القرمطية ولاَتباعها على مختلف المستويات وفي جميع البلدان التي انتشروا فيها بقوة الدعاية التبشيرية أو بقوة السلاح والاَرهاب.

وإنّه يمكن القول بأنّ حادثة العدوان الذي قام به القرامطة على مكة


(338)

المكرمة بقيادة أبي طاهر الجنابي، وما رافق ذلك من قتل الحجاج، واقتلاع الحجر الاَسود من مكانه، وأخذه إلى هجر، إنّ هذه الحادثة كانت بمثابة القنبلة الموقوتة التي انفجرت بعد حين ودمرت الكيان القرامطي من أساسه، حتى أنّ أبا محمد عبيد اللّه الذي أسس الدولة العبيدية وكان هو نفسه قرمطي العقيدة استهول هذه الحادثة وأفزعته مضاعفاتها السلبية في الاَوساط الاِسلامية، فأرسل كتاباً لنظرائه قرامطة البحرين ينكر فيه عليهم فعلتهم الشنيعة ويلوم أبا طاهر المذكور ويلعنه ويقيم عليه القيامة، بقوله:

قد حقّقت على شيعتنا ودعاة دولتنا اسم الكفر والاِلحاد بما فعلت وإن لم ترد على أهل مكة وعلى غيرهم من الحجاج ما أخذت منهم، وترد الحجر الاَسود إلى مكانه، وترد كسوة الكعبة فأنا بريء منك في الدنيا والآخرة.

وهذه الحادثة المشوَومة كانت (سنة 317هـ) و هنا فإنّنا نرى من الفائدة تسجيل وجهة نظر القرامطة في هذه الحادثة كما عبّر عنها أبو طاهر القرمطي الذي اقترف هذه الجريمة النكراء، وذلك من خلال الشعر الذي قاله في هذه المناسبة، والرد الذي أرسله إلى الخليفة العباسي المقتدر باللّه.

قال أبو طاهر في تبرير اقتلاع الحجر الاَسود والعدوان على البيت الحرام:

* * *

فلو كان هذا البيت للّه ربّنا * لصب علينا النار من فوقنا صبا

* * *

لانّا حججنا حجة جاهلية * مجللة لم تبق شرقاً ولا غرباً

* * *

و انّا تركنا بين زمزم والصفا * كتائب، لا تبغي سوى ربها ربا

* * *

و لكن ربّ العرش جلّ جلاله * لم يتخذ بيتاً ولم يتخذ حجبا

ومن العوامل الذاتية الاَُخرى التي أضعفت القرامطة وأدّت إلى ذهاب ريحهم واضمحلال شوكتهم، الانقسام الذي فرّق أمرهم فيما بينهم، وخاصة بعد موت أبي طاهر سليمان مما اضطرهم إلى تعديل نظام (مجلس العقدانية) وتحويله (إلى مجلس السادة) الذي أوهن قيادتهم المركزية، والحروب التي شنها بعضهم على


(339)

بعض في عهدي أبي طاهر والاعلم خارج مركز قوتهم (البحرين) ممّا كبدهم أموالاً طائلة، وأضعف مواقفهم بعد كل معركة، وأدى إلى قيام حركات انفصالية داخل مجموعتهم لا سيما في عمان وا ليمن.

الاَسباب الخارجية

أمّا الاَسباب الخارجية التي أدّت إلى زوال الحركة كدولة ونظام ومجتمع، فإنّ الموَرخين يردّون ذلك إلى الظواهر السلبية التي عانوا منها في أُخريات أيامهم وهي التالية:
1. ظهور دولة بني بويه المناوئة للقرامطة التي نجحت في جرهم إلى حروب جانبية خلقت لهم أعداء من كلّ جانب، وخاصة من الدولة العبيدية المصرية.
2. قلة الاَموال التي كانت بحوزتهم، فلم يعودوا يتمكنون من الاستمرار في صرف المعتاد من العطايا على البدو ممّا أضعف موالاة هوَلاء لهم، وتحوّلوا عنهم إلى العباسيين لهذا السبب.
3. انقلاب قبائل إقليم البحرين نفسها عليهم، مثل: بني عقيل وبني تغلب، ونجاح هذه القبائل بالتغلب على بعض أطراف الدولة القرمطية مثل القطيف وما جاورها.
4. ومن العوامل الخارجية الاَُخرى التي قادت القرامطة إلى نهايتهم وتلاشيهم أنّ أسيادهم وحلفاءهم ورفاقهم في الاتجاه المذهبي والمبادىَ العقائدية، نعني: العبيديين حكام القاهرة، انقلبوا عليهم بعد أن ضاقوا ذرعاً بتأرجحهم بين الولاء لبغداد وبين الاستسلام للقاهرة، وبخروجهم عن كلّحد، وزاد غيّهم وسفكهم للدماء وغزوا مكة وفتكوا بالحاج واقتحموا البيت الحرام، ولمّا ذهبوا في جرأتهم إلى مهاجمة الدولة الفاطمية ذاتها في الشام وانتزعوا منها دمشق وهاجموها في مصر منزلها الجديد، تنكرت لهم وأنكرت ثورتهم وتبرأت منهم.


(340)

نهاية القرامطة

وقد مرت نهاية القرامطة في مرحلتين:

الاَُولى: يوم طردوا من جزيرة أوال في البحرين

ففي سنة 458هـ خرجت الجزيرة المذكورة عن طاعتهم ووالت العباسيين بعد سلسلة الحروب الداخلية التي خاضها المسلمون والمجاعة في هذه الجزيرة، فقد بنى أهل البحرين مسجداً لجذب التجار إلى جزيرتهم، ولمّا فرغوا من بناء هذا المسجد آل أمر الجزيرة إلى العباسيين.

الثانية: استئصال شأفتهم نهائياً من هذه البلاد

كانت هزيمة القرامطة في جزيرة أوال ذات أثر سلبي كبير عليهم، إذ عمد سكان الجزيرة إلى الاتصال بالسلاجقة والعباسيين في العراق وفي سنة 462هـ بعثت بغداد بجيوش ألحقت الهزيمة تلو الهزيمة بالقرامطة، فاضطروا للارتداد إلى الاَحساء، فلحقت بهم إلى الاَحساء وحرضوا عليهم السكان بالمنشورات التي يستحثونهم فيها على الانضواء تحت لواء العباسيين في جهاد المبطلين القرامطة الملحدين، وفي استئصال ذكرهم ، وتطهير تلك البقعة من دنس كفرهم.

فاستجاب أهالي البلاد لهذه الاِثارة وانضموا إلى العساكر العباسيّة، وأصبح القرامطة محاطين بأعدائهم في شمالي الاَحساء الذين انتصروا عليهم في معركة الخندق سنة 470هـ.

وتعد هذه الواقعة من الوقائع الحاسمة في تاريخ الحركة القرمطية، لاَنّها قضت على دولة القرامطة وألغت وجودها نهائياً من خارطة العالم الاِسلامي.

* * *

هذا وقد لخصنا هذا المقال من كتاب طه ولي بتصرف يسير لما لمسنا منه من تطرف للحكم العربي المتمثل في الدولة الاَُموية والعباسية حيث رأى أنّهما يمثلان الدولة الاِسلامية الشرعية المجسدة لاَهداف النبي - صلّى الله عليه وآله وسلّم - وآماله.


(341)

الفصل السادس عشر


في
فرقة الدروز




(342)


(343)

الدروز هي جمع الدرزي، والعامة تتكلّم بضم الدال، والصحيح هو فتحها. والظاهر انّ الكلمة تركية بمعنى الخياط، وهي من الكلمات الدخيلة على العربية حتى يقال: درز يدرز درزاً، الثوب، خاطه، والدرزي: الخياط.

والدروز فرقة من الباطنية لهم عقائد سرية متفرقون بين جبال لبنان وحوران والجبل الاَعلى من أعمال حلب.

ولم يكتب عن الدروز شيء يصح الاعتماد عليه ولا هم من الطوائف التي تنشر عقائدها حتى يجد الباحث ما يعتمد عليه من الوثائق.

نعم كتب عنهم المستشرقون أشياءً لا يمكن الاعتماد عليها، وقد سبق منّا في ترجمة الاِمام الحادي عشر الحاكم باللّه انّالاِسماعيلية كانت فرقة واحدة وطرأ عليهم الانشقاق بالقول بإلوهية الحاكم وغيبته وهم اليوم معروفون بالدروز، وقلنا: إنّ الحاكم استدعى الحمزة بن علي الفارسي الملقّب بالدرزي وأمره أن يذهب إلى بلاد الشام ليتسلم رئاسة الدعوة الاِسماعيليّة فيها، ويجعل مقرّه «وادي التيم»، ولقبه الاِمام بالسيد الهادي، وتمكن الدرزيّ في وقت قليل من نشر الدعوة الاِسماعيليّة في تلك البلاد إلى أن وصلت إليه وفاة الاِمام الحاكم وتصدى ابنه الظاهر لمقام الولاية، ولكن الدرزيّ لم يعترف بوفاة الاِمام الحاكم بل ادّعى انّه غاب وبقى متمسكاً بإمامته ومنتظراً لعودته، وبذلك انفصلت الدرزية عن الاِسماعيليّة وكان ذلك الانشقاق عام 411هـ . (1)

* * *

***


1. لاحظ تاريخ الدعوة الاِسماعيلية: 238.

(344)

الدروز في موسوعات دائرة المعارف

إنّ الدروز من الفرق الباطنية التي يصعب الاطلاع على عقائدهم لاَنّهم راعوا جانب الحذر والتكتم عليها، ومع ذلك فقد نقل أصحاب دوائر المعارف أُموراً عنهم، ونحن نقتطف مما جاء فيها:

1. الدروز في دائرة المعارف البستانية (1)


بعد أن ذكرت الموسوعة مراكز توطّنهم وعدد نفوسهم وشيئاً من أحوالهم السياسية والآداب الاجتماعية و ما يزاولوه من المهن كالزراعة والتجارة، والحروب التي نشبت بينهم وبين غيرهم من الطوائف، قالت عن عقيدتهم ما هذا نصّه:

و إيمان الدروز، أنّ اللّه واحد، أحد، لابداءة له ولا نهاية، وأنّالنفوس مخلّدة تتقمّص بالاَجساد البشرية (التناسخ)و لابدّ لها من ثواب وعقاب يوم المعاد بحسب أفعالها، وأنّ الدنيا تكونت بقوله تعالى كوني فكانت، والاَعمار مقدّرة بقوله:"وَ لَنْ يُوَخِّرَ اللّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها") (2) وأنّ اللّه عارف بكل شيء، وهم يكرمون الاَنبياء المذكورين في الكتب المنزلة، ويوَمنون بالسيد المسيح ولكنّهم ينفون عنه الاِلوهية والصلب،وأسماء بعض الاَنبياء عندهم كأسمائهم في تلك الكتب، ولبعضهم أسماء أُخرى كالقدّيس جرجس، فإنّه عندهم الخضر، وأسماء أنبيائهم شعيب وسليمان وسلمان الفارسي ولقمان ويحيى، وعندهم انّه لابدّمن العرض والحساب يوم الحشر والنشر. وتنقسم هذه الطائفة إلى: عقّال وجهّال. فالعقال هم عمدة الطائفة، ولهم رئيسان دينيان يسمّيان بشيخي العقّال، والاَحكام الدينية مفوضة إليهم.


1. وقد طبع الجزء الذي نقلنا الترجمة عنه عام 1883 م ، أي ما يعادل عام 1301 هـ .
2. المنافقون:11.

(345)

وعندهم للوصية نفوذ تام، فإنّ الاِنسان مختار أن يوصي قبل موته بأملاكه لمن يشاء، قريباً كان أم غريباً. ولذلك قد منحتهم الدولة العلية منذ القديم قاضي مذهب لدعاوى الوصايا.

وقد أمر عقّالهم بتجنّب الشك، والشرك، والكذب، والقتل، والفسق، والزنا، والسرقة،والكبرياء، والرياء، والغش، والغضب، والحقد، والنميمة، والفساد، والخبث، والحسد،وشرب الخمور، والطمع، والغيبة، وجميع الشهوات والمحرمات والشبهات، ورفض كلّ منكر من المآكل والمشارب، ومجانبة التدخين،والهزل والمساخر والهزء والمضحكات، وجميع الاَفعال المغايرة لاِرادته تعالى،وترك الحلف باللّه صدقاً أو كذباً،والسب،و القذف،والدعاء بما فيه ضرر الناس.

وعندهم انّه على كلّ موَمن التحلّي بالعفاف،و الطهارة،و الفعل الجميل، والكرم بالعلم، والمال، وخوف اللّه وطاعته، والرصانة،و صيانة العرض،و صدق اللسان، وصونه من الاِفك والاِثم والزور والبهتان مع استمرار ذكر اللّه وتسبيحه وتقديمه، وتقديم الصلوات والتضرعات والتوسلات لعزته تعالى.

ولا يجوز لعاقل أن يخلو بامرأة، ولا أن يرد تحيّتها ما لم يكن بينهما ثالث.

وشأنهم التهذيب وكره الزيف والترف. وكل عاقل ارتكب القتل أو الزنا أو السرقة أو غيرها من الآثام يطرد من مجلس العقال الذين يجلسون فيه للقيام بالفروض الدينية ويبقى مطروداً إلى أن تتحقّق ندامته وتوبته.

ومن شأن الدروز إكرام الضيف،و الشجاعة، والاقتصاد بالمعيشة.

ويسكنون الآن في جبل لبنان وقضاء «راشيا» وقضاء «حاصيا» وإقليم البلان والغوطة والشام وجبل حوران وجبل الكرامل والجبل الاَعلى ومرعش وحلب والحلة والكوفة، ومنهم عشيرة بني لام في العراق، وفي الغرب والهند.


(346)

وتناولنا من أحد أُدبائهم جملة أُخرى هذا ملخصها:

يوَمن الدروز بأنّ الدنيا حادثة وبوجود اللّه وان لا خالق سواه. وانّه قديم أزلي،أبدي، عادل، لا غرض لفعله، غني لا يحتاج، وحاكم قادر لا يجب عليه شيء، إن أثاب فبفضله وإن عاقب فبعدله، غير متبعّض، ولا له حد ولا نهاية، ويعتقدون القرآن الشريف اعتقاد السنية إلاّأنّهم يخالفونهم في تفسير بعض آياته الكريمة. ويعتقدون أيضاً أقوال حمزة وتعاليمه ويسمّونها كتب الحكمة؛ وتتضمن علم التوحيد، وكيفية خلق العالم وأسبابه وعلله، وذكر الاَنبياء، وأسمائهم وفضائلهم، والاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما يجب على الاِنسان وما لا يجب عليه، وإثبات المعاد والحساب والعقاب واعتقاد التناسخ، وكون النفوس معدودة محدودة لا تزيد ولا تنقص باقية أزلية لا تفنى، مستقرة في أمكنتها غارقة في بحر عظمة اللاهوت، تفنى الاَجساد القائمة بها وتتلاشى وهي باقية إلى الاَبد لا تفنى ولا تتغير.

وهم ينقسمون باعتبار الطريقة المذهبية إلى قسمين:

طائعون ويعرفون بالعقال، وهم السالكون بمقتضى الطريقة المذهبية، كالامتناع عن التدخين وسائر المشروبات الروحية والابتعاد عن التأنّق في المأكولات والملبوسات وسائر اللذات الدنيوية والاقتصار على التقشف في المعيشة.

و شراحون ويعرفون بالجهال، وهم المخالفون للعقال في الامتناع عن التدخين والمشروبات الروحية وعن الترفّه في المعيشة والتنعّم باللذات الدنيوية، ولذلك لا يسوغ لهم مطالعة القرآن الشريف، ولا متون الحكمة خلافاً للعقال، لاَنّ عندهم كتباً مقدسة لا يمسّها إلاّالطاهرون. والطهارة عندهم الامتناع عن سائر المحرمات والممنوعات، وإنّما يسوغ لهم تلاوة بعض شروح كتب دينية، ولهذا يقال لهم شراحون.


(347)

و يمتاز العقال عن الجهلاء بكونهم يتعمّمون بعمامة بيضاء ويلبسون الملابس البسيطة كالقباء والعباءة، ونسبة هوَلاء العقال إلى الجهال عدداً أكثر من ثلاثة أرباع.

أمّا شعائرهم في ختان الاَولاد والزواج والطلاق والصلاة على الجنازة فهي طبق الشعائر الاِسلامية غير انّه ليس من عوائدهم أن يتزوج أحدهم بغير امرأة واحدة، لا يسوغ التزوّج بها ثانية بعد الطلاق على الطريقة المعروفة بالرجعة، ولهم عيدان: عيد رمضان ويسمّونه بالعيد الصغير، وعيد الاَضحى ويسمّونه بالكبير، ولهم معابد كثيرة معدّة للصلوات يجتمعون فيها كلّ ليلة جمعة، ولاَكثر هذه المعابد أوقاف مخصوصة تنفق حاصلاتها على لوازم تلك المعابد. ولهم أيضاً معابد أُخرى معدّة للاَشخاص الذين يفرغون أوقاتهم لعبادة اللّه تعالى. وتسمّى هذه المعابد بـ «الخلوات» وهي كالاَديرة عند المسيحيين عددها 40 في الجبل وخلافه. (1)

2. الدروز في دائرة المعارف المصرية (2)


هذا ما يذكره بطرس البستاني ويصور لهم صورة بيضاء ناصعة ويطهّرهم عن كلّما ينسب إليهم من المنكرات، وفي الوقت نفسه يصوّر لنا الكاتب محمد فريد وجدي صورة مشوّهة عنهم حينما قال:

ظلت معتقدات الدروز في طي الخفاء حتى استولى إبراهيم باشا بن محمد علي على معابدهم في جبل «حاصبيا» ووجد في كتبهم كنه مذهبهم تفصيلاً منها كلمة الشهادة عندهم :(ليس في السماء إله موجود ولا على الاَرض ربّمعبود إلاّ الحاكم بأمره).

من معتقداتهم أنّ الحاكم بأمر اللّه هو اللّه نفسه وقد ظهر على الاَرض عشر


1. البستاني: دائرة المعارف : 7|675 ـ 677.
2. طبع سنة 1386 هجري، 1967 ميلادي.

(348)

مرات أُولاها في العلى، ثمّفي البارز إلى أن ظهر عاشر مرة في الحاكم بأمر اللّه، وأنّ الحاكم لم يمت بل اختفى حتى إذا خرج يأجوج ومأجوج ـ ويسمّونهم القوم الكرام ـ تجلّى الحاكم على الركن اليماني من البيت بمكة ودفع إلى حمزة سيفه المذهب فقتل به إبليس والشيطان، ثمّيهدمون الكعبة ويفتكون بالنصارى والمسلمين ويملكون الاَرض كلّها إلى الاَبد.

ويعتقدون أنّ إبليس ظهر في جسم آدم، ثمّ نوح، ثمّ إبراهيم، ثمّموسى، ثمّ عيسى، ثمّمحمد، وأنّالشيطان ظهر في جسم ابن آدم، ثمّ في جسم سام، ثمّ في إسماعيل، ثمّ في يوشع، ثمّ في شمعون الصفا، ثمّ في علي بن أبي طالب، ثمّ في قداح صاحب الدعوة القرمطية.

ويعتقدون بأنّعدد الاَرواح محدود، فالروح التي تخرج من جسد الميت تعود إلى الدنيا في جسد طفل جديد.

وهم يسبون جميع الاَنبياء، يقولون: إنّ الفحشاء والمنكر هما أبوبكر وعمر، ويقولون: إنّقوله تعالى: "إِنّما الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الاََنْصابُ وَ الاََزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطان") (1)يراد به الاَئمّة الاَربعة وانّهم من عمل محمد.

و يعتقدون بالاِنجيل والقرآن، فيختارون منهما ما يستطيعون تأويله ويتركون ماعداه، ويقولون: إنّالقرآن أُوحي إلى سلمان الفارسي فأخذه محمد ونسبه لنفسه ويسمّونه في كتبهم المسطور المبين.

ويعتقدون أنّ الحاكم بأمر اللّه تجلّى لهم في أوّل سنة (408هـ) فأسقط عنهم التكاليف من صلاة وصيام وزكاة وحجّوجهاد وولاية وشهادة.

لدى الدروز طبقة تعرف بالمنزهين وهم عباد أهل ورع وزهد، ومنهم من لا يتزوج، ومن يصوم الدهر، ومن لا يذوق اللحم، ولا يشرب الخمر. (2)


1. المائدة:90.
2. محمد فريد وجدي: دائرة المعارف: 4|26 ـ 28.

(349)

عقائد الدروز

وقد تناولت دائرة المعارف الاِسلامية ـ بعد أن استعرضت شيئاً من أحوالهم ومواطنهم وعاداتهم وحرفهم ـ جانباً من أبرز جوانب عقيدتهم، وهو اعتقادهم بإلوهية الحاكم، ما هذا نصّه:

1. اعتقادهم بإلوهية الحاكم

وقد قام مذهب الدروز على فكرة أنّ اللّه قد تجسد في الاِنسان في جميع الاَزمان وهم يتصورون أنّاللّه ذاته أو على الاَقل القوة الخالقة تتكون من مبادىَ متكثرة يصدر الواحد منها عن الآخر ويتجسد مبدأ من هذه المبادىَ في الاِنسان.

فالخليفة الحاكم وفقاً لهذه العقيدة يمثل اللّه في وحدانيته وهذا هو السبب في أنّ حمزة قد أطلق على مذهبه اسم مذهب «التوحيد» وهم يعبدون الحاكم ويسمّونه «ربنا» ويفسرون متناقضاته وقسوته تفسيراً رمزياً، فهو آخر من تجسد فيهم اللّه. وهم ينكرون وفاته ويقولون إنّه إنّما استتر وسيظهر في يوم ما وفقاً للعقيدة المهدوية.

ويلي الحاكم في المرتبة خمسة أئمّة كبار تتجسد فيهم المبادىَ التي صدرت عن اللّه:

فالاَوّل: تجسيد للعقل الكلي، وهو حمزة بن علي بن أحمد الزوزني الملقب بـ«العقل» ويرمز له بـ«الاَخضر» وهو الاِمام الاَعظم وآدم الحقيقي.

والثاني: تجسيد للنفس الكلية وهو إسماعيل بن محمد بن حامد التميمي الملقب بـ«النفس» ويرمز له بـ« الاَزرق» وهو صهر حمزة ووكيله في الدين.

والثالث: تجسيد للكلمة التي خرجت من النفس عن طريق العقل، وهو محمد بن وهب القرشي الملقب بـ «الكلمة» ويرمزر له بـ«الاَحمر» وهو سفير


(350)

القدرة والشيخ الرضي.

والرابع: السابق وهو سلامة بن عبد الوهاب السَّمُري الملقب بـ «السابق» ويرمز له بـ «الاَصفر» أو«الجناح الاَيمن».

الخامس: التالي وهو بهاء الدين أبو الحسن علي بن أحمد السموكي الملقب بـ «التالي» أو «الجناح الاَيسر» ويرمز له بـ«البنفسجي» وهو آخر الحدود الخمسة وبه انغلقت الدعوة الدرزية وصارت سرية لا علنية.

و يلي هوَلاء الاَئمّة الكبار آخرون أدنى منهم مرتبة موزعون على ثلاث طبقات وهم: الداعي، والمأذون، والمكاسر و يعرف أيضاً بالنقيب. ويعرف الداعي كذلك بالعمل،والمأذون بالفاتح.

ومعرفة ذات اللّه وصفاته وتجلياته في سلسلة المبادىَ المتجسدة في الاَئمّة وهي عقائد هذا المذهب. وتتلخص آدابه في سبعة أركان تقوم مقام أركان الاِسلام وهي:
1. حب الحقّ (بين الموَمنين دون غيرهم).
2. حفظ الاِخوان (الدروز).
3. التبروَ من العقيدة التي كان يدين بها الدرزي من قبل.
4. الابتعاد عن الشيطان وعن الضالين والاَبالسة.
5. التوحيد للحاكم في كلّعصر ومكان.
6. الرضا عن أفعال «ربنا» الحاكم أياً كانت.
7. الخضوع التام لاِرادته كما تتجلّى في أئمته على ما هو مفهوم.

و هذه القواعد واجبة الطاعة على كلّ درزي رجلاً كان أو امرأة. (1)

وقد قام بعض الباحثين بتأليف رسالة خاصة بعقائدهم أشار فيها إلى جوانب أُخرى منها ـ غير ما نقلناه آنفاً ـ وإليك نصّ المقال بتلخيص وتصرّف:


1. دائرة المعارف الاِسلامية: 9|217ـ 218.

(351)

2. التحريف الواضح للقرآن وانّ الاَنبياء أبالسة جاءوا للظاهر

كانت عقيدة الدروز بادىَ بدء توَمن بالقرآن وانّه من العلي الاَعلى كما توَمن بالنبي محمد - صلّى الله عليه وآله وسلّم - وبقية الاَنبياء كموسى وعيسى وإبراهيم - عليهم السّلام- و تجلّهم كثيراً، لكن بعد ذلك صارت هذه العقيدة لا توَمن باللّه إلاّ بالحاكم ولا بالاَنبياء بل تعدهم أصل الظاهر يحرفون الناس عن الباطن والحقيقة، واستطاع (حمزة بن علي) أن يجمع من متفرقات كثيرة حتى يكتب (المصحف المنفرد بذاته) أو كثيراً من رسائل الحكمة والتي صارت فيما بعد العقيدة الدرزية.

و يتظاهرون في المجتمع الاِسلامي بأنّهم مسلمون وينسبون أنفسهم إلى الاِسلام وقد يحفظون بعض آيات القرآن والتي وردت في «المصحف المنفرد بذاته» ويتظاهرون بإيمانهم بالقرآن والاَنبياء، وقد يعطون الرسائل الاَربعة الاَُولى لرسائل الحكمة التي وجدت على قبر الحاكم بأمر اللّه الفاطمي وذلك للتمويه والتظاهر بانتسابهم إلى الاِسلام.

لكنّهم يوَوّلون ما جاء في ذلك إلى مبنى مباين ومغاير تماماً فالمسيح الحقّ هو حمزة، وبسم اللّه الرّحمن الرّحيم هي حدود حمزة، والجنة التوحيد، والنار هي الشرك، والصدق هم أنبياء الحقّ، والكذب هم الاَبالسة ويقصدون بهم الاَنبياء: آدم، ثمّ نوح، ثمّإبراهيم ، ثمّموسى، ثمّ عيسى، ثمّمحمّد.

3. إيمانهم بالتناسخ واعتباره مبدأً أساسياً في عقيدتهم

يوَمنون بالتقمّص حيث تنتقل روح الاِنسان بعد موته إلى شخص آخر جديد وهكذا، ويتمسّكون أمام المسلمين بقوله تعالى: "تُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيّ") (1)، "أَمَتّنا اثْنَتَيْنِ وَ أَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْن") (2)ويوجد في


1. آل عمران:27.
2. غافر: 11.

(352)

«المصحف المنفرد بذاته»:

«لقد كبرت فرية تخرج من أفواه الذين جحدوا إذ قالوا لن نرجع إلى خلق جديد حتى يوم الحاقة قل اخسأوا في تقلباتكم إن تقولون إلاّكذباً».

ويعتبرون هذه الحالة وسيلة لوصول كلّ روح إلى درزي، ويتحقق بذلك المجتمع التوحيدي:إذ يعتقدون بمحدودية عدد الاَرواح، وشرار الاَرواح تتقمّص أجسام الكلاب.

و من هنا ينطلق الدروز في الاِيمان بأنّ الجسد هو الذي يموت بينما النفس تبقى خالدة والتقمّص في نظر الموحدين هو انتقال النفس بعد الموت مباشرة من جسد إنسان إلى جسد إنسان آخر والجسد هو قميص الروح وهذا القميص هو الذي يتغير عند الوفاة منتقلة إلى جسد إنسان آخر. (1)

يقول الشاعر الدرزي:

* * *

نحن الاَُلى هان الممات عليهم * الروح تبقى، والقميص يُمزّقُ

4. إسقاط التكاليف

أمّا الصلاة فهي ساقطة عنهم، والمقصود بها هي الصلة للقلوب مع مولاهم الحاكم.

وأمّا الزكاة فتعني: توحيد المولى الحاكم وتزكية القلوب وتطهيرها.

وأمّا الصوم فباطنه الصمت لقوله لمريم: "فَكُلي وَاشْرَبي وَ قَرِّي عَيْناً") (2) والصوم الحقيقي هو صيانة القلوب بتوحيد المولى الحاكم.


1. محمد كرد علي: خطط الشام: 6|265.
2. مريم: 26.

(353)

أمّا الحج فهو معرفة المولى الحاكم والبيت هو توحيد المولى، ويذكرون قول المنصور:

* * *

هلم اريك البيت توقن انّه * هو البيت بيت اللّه لا ما توهمنا

* * *

أبيت من الاَحجار، أعظم حرمة * أم المصطفى الهادي الذي نصب البينا

ويقصدون بالبيت هو توحيد الحاكم.

وأمّا الولاية فيقولون: إنّ الحاكم نسخها بقوله:(لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا للذي خلقهن) أي لا تسجدوا لعلي أو محمد، بل للحاكم وهو المشية إن كنتم إيّاه تعبدون.

كما أنّهم من القائلين بجواز الزواج من المحارم كالاَُخت وبتعدّد الزوجات وحلية شرب الخمر.

5. تفسير الشهادتين

إنّ شهادة (أن لا إله إلاّ اللّه) كلمتان دليل على السابق والتالي.

و هي أربعة فصول دليل على الاَصلين والاَساسين.

وهي سبع قطع دليل على النطقاء السبعة والاَوصياء السبعة والاَيام السبعة والسماوات السبعة والاَرضين السبعة والجبال السبعة والاَفلاك السبعة.

وهي 12 حرفاً دليل على 12 حجة أساسية.

وأمّا شهادة :(محمّد رسول اللّه) فهي 3 كلمات دليل على 3 حدود: الناطق والتالي فوقه والسابق فوق الكلي، وهي 6 قطع دليل على 6 نطقاء، وهي 12 حرفاً دليل على 12 حجة، وكذلك السماء 12 برجاً و12 جزيرة.


(354)

6. تقديسهم للعجل وإظهاره في مراسمهم واحتفالاتهم

يدعى الكثير بأنّهم من عبدة العجل، والواضح في مراسمهم واحتفالاتهم ظهور صورة العجل، وفي خلواتهم يذكرون العجل بشيء من التقديس والاِجلال، كما أنّهم يحرّمون قتله وأكله.

7. تأويل غريب ومنحرف للاَحاديث الاِسلامية

كما أنّهم يذكرون روايات علي بن أبي طالب - عليه السّلام- حول المهدي ويقولون في تأويلها المقصود به المهدي باللّه (أوّل خلفاء الدولة الفاطمية).

ويدّعون أنّ الحاكم سيرجع في آخر الزمان ليدين العالم ويبدد أعداءه من أمام وجهه، ويبسط ملكه على العالم،و تسبق رجعة الحاكم رجعة حمزة ليعدَّ لمجيء الاِله الحاكم ويحطم الاَضداد والاَبالسة المرتدين ويكسر الصلبان، ويهدم الكعبة التي يعتبرونها «مقطرة الكفرة» يقتل علوج الضلال وقود الزنج في الاَغلال ونسخ الشرائع والطرائق، وظهور الحقائق وسبي النساء والاَطفال وذبح الرجال بسيف الحاكم على يد عبده القائم الناطق حمزة بن علي، فينصر مستجيبيه بعساكره الجرارة فيحيي كل البشر تحت رايته.

هذه هي أبرز سمات عقيدة الدروز والتي تعتبر السرية ركناً أساسياً لها خوفاً من المتطفلين كما أنّ كشفها قد يعرضها إلى إساءة فهمها ثمّ الاستهزاء بها وهذا يجر صاحبها إلى الهلكة.

كما أنّلهذه الفرقة طقوساً خاصة بهم.

منها: الميثاق: وهو انّ كلّ من يكتمل ويصل لسن الاَربعين عليه أن يعرض دينه بحضور شاهدين ويقسم ومما يقوله:


(355)

«آمنت باللّه ربّي الحاكم...و بجميع الحدود... وقد سلمت نفسي وذواتي ظاهراً وباطناً، علماًو عملاً، وأنا أُجاهد في سبيل مولانا سراً وعلانية بنفسي ومالي وولدي، واشهد مولاي هادي المستجيبين المنتقم من المشركين المرتدين حمزة بن علي بن أحمد من به أشرقت الشمس الاَزلية ونطقت فيه وله السحب الفضلية انّني قد تبرأت وخرجت من جميع الاَديان والمذاهب والمقالات والاعتقادات قديمها وحديثها، وآمنت بما أمر به مولانا الحاكم وأقر بأنّك أنت الحاكم الاِله الحقيقي المعبود والاِمام الموجود جلّذكرك». (1)

و منها: الخلوة : وهي أماكن اجتماعهم في جلساتهم الدينية في ليالي الجمع ويحضرها كبارهم العقال فقط ويقودها شيخ العقل أو أكبرهم علماً. (2)

ولعلّ ما نقلناه عن الباحثين سلط ضوءاً على جوانب من حياتهم وآدابهم وعقائدهم غير أنّ الكاتب خير الدين الزركلي ذكر في كتابه «الاَعلام» اتصاله ببعض المثقفين من الدروز وأخذ عنهم شيئاً من عقائدهم ولاِكمال الفائدة ننقل ما جاء في موسوعته، قال:

كنت قد جمعت طائفة من النصوص والمصادر للرجوع إليها عند كتابة هذه الترجمة، ومنها ما جاء في دائرة المعارف البريطانية 8:603ـ 606 مادة «دروز» ودائرة البستاني «دروز» وعرضتها على صديقي الشهيد «فوَاد سليم» وهو من مثقفي المنسوبين إلى المذهب الدرزي، فقال: إنّ في الدائرتين البريطانية والبستانية أغلاطاً، وصحّح ما أخذته عنهما منها. وأضاف من عنده زيادات مما اشتملت عليه الحاشية السابقة.و أطلعت بعد ذلك صديقي أيضاً «فوَاد حمزة» وهو من أُسرة درزية معروفة في لبنان، وكان يومئذٍ في الرياض ـ بنجد ـ وانقطعت صلته بالعقيدة التي نشأ عليها، كما ذكر لي مراراً، وسألته عن رأيه في الترجمة


1. رسائل الحكمة:1|47، الرسالة رقم 5.
2. نقل بتصرف من رسالة فرقة الدروز، للسيد نبيل الحيدري.

(356)

والحاشية، فكتب لي: «هذا أصحّ ما كتب في الموضوع حتى الآن، وهو في الحقيقة ما يذهب إليه الجماعة » ثمّقال في رسالة أُخرى: «إنّ بعض الرسائل المقول إنّها لحمزة هي لغيره. وأكثر ما كتب هو من قلم علي بن أحمد السموقي الملقب ببهاء الدين. وكتب الدروز الستة هي من وضع أربعة أشخاص:

الاَوّل: الحاكم نفسه، وعدد رسائله قليل، منها «الميثاق» و«السجل» الذي وجد معلقاً على المساجد.

والثاني: حمزة، والرسائل التي تركها غير كثيرة.

والثالث: إسماعيل بن محمد التميمي الداعي المكنّى بصفوة المستجيبين وبالنفس، فله بعض الرسائل ومنها شعر اسمه«شعر النفس» وهو كملحمة.

والرابع: بهاء الدين الصابري أي علي بن أحمد السموقي، وله معظم الرسائل، وهو الذي نشر الدعوة ووطد أركانها أكثر ممن سبقه.

وقال في رسالة ثالثة: «لا شكّ في أنّ الحسن بن هاني كان من كبار الباطنيين، ولكنّه باطني في مبتدأ نشوء الدعوة قبل أن تدرك مبلغها الذي عرفت به في عصر الحاكم الفاطمي.و من الواضح أنّ الحاكميين كانوا آخر من انشق عن الاِسماعيلية ولذلك تجد في كتابات الفريقين مصطلحات واحدة، كالناطق، والاَساس، وداعي الدعاة، والنقباء، والمكاسرين، والعقل، والنفس الخ البانثيون الباطني».

وقال في رسالة رابعة: «لقد كثر الكتاب في موضوع الاِسماعيليّة والفرق الباطنية كما كثر فيه الخلط من جانب الذين كتبوا.

والموضوع من الوجهة التاريخية جدير بالعناية لاَنّ هذه الفرق الباطنية هي التي أعملت معولها في بنيان الاِسلام تحت ستار من الغيرة الدينية.وقد قرأت عن ذلك الكثير ولكن معظم الكتاب لم يتمكّنوا من بلوغ الهدف. إذ أنّ معرفة حقائق


(357)

الدعوات الباطنية لا تتيسر إلاّ لمن كان مطلعاً على التاريخ الاِسلامي بوقائعه الظاهرة وكان في نفس الوقت من جماعة الداخلين في العملية.وقد تكون كتابات بطرس البستاني وكتابات دائرة المعارف البريطانية مهمة ولكن كما ذكرت لك يصعب على من كتب أن يتفقه كنه الدعوة مادام لا يعرف حقيقتها السرية وتفسيراتها الداخلية. (1)


1. الاَعلام: 2|279.

(358)

أعلام الدروز


حمزة بن علي (375 ـ 433هـ)

حمزة بن علي بن أحمد الفارسي الحاكمي الدرزي، من كبار الباطنية، ومن موَسسي المذهب الدرزي، فارسي الاَصل، من مقاطعة زوزن، كان قزازاً أو لبادا، وتأدّب بالعربية وانتقل إلى القاهرة واتصل برجال الدعوة السرية من شيعة الحاكم بأمر اللّه الفاطمي، فأصبح من أركانها واستمر يعمل لها في الخفاء ويواصل رفع كتبه إلى الحاكم، حتى سنة 408 هـ فأظهر الدعوة وجاهر بتأليه الحاكم، وقال: إنّه رسوله، وجعله الحاكم داعي الدعاة و لما هلك الحاكم وحل ابنه (الظاهر لاِعزاز دين اللّه) محلّه سنة 411 هـ فترت الدعوة ثمّ طوردت بعد براءة الظاهر منها سنة 414 هـ ، فاضطر حمزة إلى الرحيل ولحق به بعض أتباعه إلى بلاد الشام، واستقر أكثرهم في المقاطعة التي سمّيت بعد ذلك «جبل الدروز» في سورية وسمّوا بالدروز. وحمزة عندهم أوّل الحدود الخمسة المعصومين، ويكنّون عنه بالعقل. وله رسائل في مذهبهم والدعوة إلى الحاكم والردّعلى مخالفيهم منها:
1. «الواقعة » في الرد على الفاسق النصيري.
2. «الرضا والتسليم» وفيها ذكر الدرزي محمد بن إسماعيل وعصيانه.
3. «التنزيه» لاِظهار تنزيه الاِله عن كلّوصف وإدراك، وفيها ذكر وزراء الدين ومضاديهم (أبالستهم) الخمسة.
4. «رسالة النساء».
5. «الصبحة الكائنة».


(359)

6. «نسخة سجل المجتبى».
7. «تقليد الرضى سفير القدرة».
8. «تقليد المقتنى».
9. «مكاتبة أهل الكدية البيضاء».
10. «شرط الاِمام صاحب الكشف».
11. «التحذير والتنبيه».
12. «البلاغ والنهاية».
13. «سبب الاَسباب والكنز لمن أيقن واستجاب».

وقد انقطع حمزة عن الكتابة بعد رحيله إلى الشام وانقطاع الصلة بينه وبين شيعة الحاكم في مصر. (1)توفي عام 334هـ. (2)

جمال الدين عبد اللّه التنوخي


* * *

(820 ـ 884 هـ)

هو أكبر شخصية علمية بين الدروز ، ولد في عبيه سنة 820 هـ ، وتوفي فيها في جمادى الآخرة سنة 884هـ ، تتلمذ على يد الشيخ أبي علي مرعى زهر الدين، وانتقل إلى دمشق طمعاً في مزيد من العلم اثنتي عشرة سنة وبعدها عاد إلى عبيه، يمضي وقته في التدريس والعبادة حتى أقبل عليه التلاميذ من مختلف نواحي البلاد الدرزية، واشتهر أمره وصارت له مكانة عالية بين أكابر البلاد ومشايخها وأصبح المرجع الدرزي الوحيد لاَهل عصره.


1. الزركلي: الاَعلام:2|278ـ 279، نقل بتصرف.
2. وقد ادّعى الكاتب الدرزي صالح زهر الدين في كتابه «تاريخ الدروز»: 38، انّحمزة اختفى بعد غيبة الحاكم بوقت قصير في نهاية عام 411هـ.

(360)

و يعده الدروز اليوم قطباً من أقطاب المذهب الدرزي، وانّ شروحه على بعض رسائل الدروز أو رسائل الحكمة الدرزية كما يطلق عليها تنال عناية وافرة لدى شيوخ العقل الدروز.

و له مصنفات كثيرة، منها:
1. «اللغة العرباء» وهو معجم في اللغة العربية على غرار «الصحاح» للجوهري.
2. «سياسة الاَخيار في شرح كمالات النبي المختار».
3. «شروحات الاَمير السيد» وهي مجموعة شروح على بعض الرسائل التوحيدية .
4. رسالة من بين رسائل الدروز المائة واحدى عشرة (1) قام بطبعها الكاتب الدرزي عجاج يوسف نويهض، ضمن كتابه الموسوم باسم «التنوخي الاَمير عبد اللّه والشيخ محمد أبو هلال».

والفصول التي طبعت هي في الموضوعات التالية:
1. في تحريم الخمر وكلّ مسكر.
2. في طلب الاستفادة والمرشد الاَمين.
3. في النهي عن الغضب ومحقه بالاعتصام بحبل اللّه .
4. في آداب جوارح البدن: اللسان، العين، الاَُذن، اليد، الرجل، البطن.
5. في اختلاف ألوان الاَطعمة.
6. في الحركة والرياضة قبل الطعام.
7. في آداب الزواج.
8. في ادخار المال وإنفاقه.


1. عبد الرحمان البدوي، مذاهب الاِسلاميين: 644ـ 649، نقل بتصرف؛ وله ترجمة في تاريخ الدروز للدكتور صالح زهر الدين: 268.

(361)

9. في النهي عن الاحتكار.
10. في الغنى نحو اللّه ونفسه والمحتاجين.
11. في معاملات البيع والشراء والقرض والوديعة.
12. في واجبات الدائن والمدين.
13. في الوصية.
14. في تربية الولد.
15. شذرات من أقوال التنوخي واختياره. (1)

يوسف الكفرقوقي


هو الشيخ يوسف سعيد برّو ، من كفرقوق في راشيا ، وعرف بهذا الاسم (الكفرقوقي) نسبه لقريته. كان شاعراً دينياً ومن كبار علماء الدروز، له كتاب ضخم اسمه «دور النحو في التوبة إلى الملك الغفور» توفي في قرية «ينطا» بعد عودته من دمشق، ودفن فيها. (2)

محمد أبو هلال

المعروف بـ «الشيخ الفاضل»

(1005ـ 1050 هـ)

ولد في قرية صغيرة من جبل الشيخ تدعى «الشعيرة»، انكب على القراءة والمطالعة، وبدأ نجمه يلمع ويتألق حتى توصل لمرتبة شيخ عقل الدروز كافة،


1. عجاج نويهض: التنوخي الاَمير عبد اللّه والشيخ محمد أبو هلال: الطبعة الثانية، بيروت ـ1963 م.
2. صالح زهر الدين: تاريخ الدروز : 269؛ توفيق سلمان: أضواء على تاريخ مذهب التوحيد: 162ـ 163، بيروت ـ 1963 م.

(362)

ونال ثقتهم حتى أصبحوا يطلقون عليه اسم «الشيخ الفاضل»، وبرع في شعره براعة فائقة، وجميع الدروز يردّدون شعره في اجتماعاتهم الدينية وطقوسهم، لاَنّها تمجيد للخالق والمآثر الدينية الحميدة، هذا وقد كتب عنه وعن آدابه أحد تلاميذه ويدعى أبو علي عبد الملك، ضمن كتاب اسمه «آداب الشيخ الفاضل» وفيه وصف لسيرة شيخه الفاضل في مرحلة تديّنه، وهي المرحلة التي كتب فيها الشعر حيث كان يبلغ من العمر الاَربعين أو خمسة وأربعين عاماً. توفي في بلدة عين عطا، ودفن فيها عام 1050هـ. (1)


1. عارف أبو شقرا: ثلاثة علماء من شيوخ بني معروف: 82؛ عبد الرحمان بدوي: مذاهب الاِسلاميين: 653ـ657؛ الدكتور صالح زهر الدين: تاريخ الدروز : 269ـ 270.


(363)

الفصل السابع عشر


في


الفطحية
(364)



(365)

الفطحية : هم القائلون بإمامة الاَئمّة الاثني عشر مع عبد اللّه الاَفطح ابن الاِمام الصادق - عليه السّلام- يدخلونه بين أبيه الصادق وأخيه الكاظمعليمها السّلام و قد كان عبد اللّه أفطح الرأس.

والاَفطح كما في اللسان: عريض الرأس، ورأس أفطح ومفطّح: عريض. (1)

وقال الطريحي: أفطح الرجلين: عريضهما (2)وربما يفسّر باعوجاج في الرجل.

كان عبد اللّه بن جعفر الصادق - عليه السّلام- قد ادّعى الاِمامة والوصاية، بعد رحيل أبيه، وكان هو أكبر أولاد الاِمام بعد إسماعيل المتوفى في حياته، فتمسّك القائلون بإمامته بحديث رووه عن الاِمام أنّه قال:«الاِمامة في الاَكبر من ولد الاِمام» ولم يكن حظّه من الدنيا بعد رحيل أبيه إلاّ سبعين يوماً، فقد تُوفي أبوه الصادق - عليه السّلام- في الخامس والعشرين من شهر شوال عام 148هـ، فيكون قد توفي في خامس شهر ذي الحجة الحرام من نفس السنة وبرحيله عاد القائلون بإمامته إلى إمامة الاِمام موسى الكاظم - عليه السّلام- . ولقد ظهرت منه أشياء لا ينبغي أن تظهر من الاِمام لمّا امتحنوه بمسائل من الحلال والحرام ولم يكن عنده جواب، وإليك ما وقفنا عليه من النصوص:
1. قال الحسن بن موسى النوبختي: قالت الفطحية: الاِمامة بعد جعفر في ابنه عبد اللّه بن جعفر الاَفطح، وذلك أنّه كان عند مضيّ جعفر، أكبرُ وُلْدِه سناً و جلس مجلس أبيه وادّعى الاِمامة ووصية أبيه، واعتلّوا بحديث يروونه عن أبي


1. ابن منظور: لسان العرب:2|545، مادة «فطح».
2. الطريحي: مجمع البحرين:2|400، مادة «فطح».

(366)

عبد اللّه جعفر بن محمد أنّه قال: الاِمامة في الاَكبر من وُلْد الاِمام، فمالَ إلى عبد اللّه والقول بإمامته جُلَّ من قال بإمامة أبيه جعفر بن محمد غير نفر يسير عرفوا الحقّ فامْتَحنَوا عبد اللّه بمسائل في الحلال والحرام من الصلاة والزكاة وغير ذلك فلم يجدوا عنده علماً، وهذه الفرقة القائلة بإمامة عبد اللّه بن جعفر هي«الفطحية» وسُمّوا بذلك لاَنّ عبد اللّه كان أفطح الرأس، وقال بعضهم: كان أفطح الرجلين، وقال بعض الرواة: نُسِبُوا إلى رئيس لهم من أهل الكوفة يقال له عبد اللّه بن فطيح، ومال إلى هذه الفرقة جلّ مشايخ الشيعة وفقهائها ولم يشكّوا في أنّ الاِمامة في «عبد اللّه بن جعفر» وفي وُلْده من بعده، فمات عبد اللّه ولم يخلِّف ذكراً، فرجع عامة الفطحية عن القول بإمامته ـ سوى قليل منهم ـ إلى القول بإمامة «موسى بن جعفر»، وقد كان رجع جماعة منهم في حياة عبد اللّه إلى موسى بن جعفر عليمها السّلام ، ثمّ رجع عامتهم بعد وفاته عن القول به، وبقى بعضهم على القول بإمامته ثمّ إمامة موسى بن جعفر من بعده، وعاش عبد اللّه بن جعفر بعد أبيه سبعين يوماً و نحوها. (1)

2. وقال الكشي: هم القائلون بإمامة عبد اللّه بن جعفر بن محمد، وسُمُّوا بذلك لاَنّه قيل إنّه كان أفطح الرأس، وقال بعضهم: كان أفطح الرجلين، وقال بعضهم: إنّهم نسبوا إلى رئيس من أهل الكوفة يقال له «عبد اللّه بن فطيح» والذين قالوا بإمامته عامة مشايخ العصابة وفقهائها، مالوا إلى هذه المقالة فَدَخلْت عليهم الشبهة لما روي عنهم - عليهم السّلام- أنّهم قالوا: الاِمامة في الاَكبر من ولد الاِمام إذا مضى إمام. ثمّ منهم من رجع عن القول بإمامته لما امتحنه بمسائل من الحلال والحرام لم يكن عنده فيها جواب، ولِما ظهر منه من الاَشياء التي لا ينبغي أن يظهر من الاِمام.

ثمّ إنّ عبد اللّه مات بعد أبيه بسبعين يوماً، فرجع الباقون إلاّ شاذاً منهم عن


1. الحسن بن موسى النوبختي:فرق الشيعة:77ـ 78.

(367)

القول بإمامته إلى القول بإمامة أبي الحسن موسى - عليه السّلام- و رجعوا إلى الخبر الذي روي: أنّ الاِمامة لا تكون في الاَخوين بعد الحسن والحسين عليمها السّلام و بقى شذّاذ منهم على القول بإمامته، وبعد أن مات قال بإمامة أبي الحسن موسى - عليه السّلام- .

وروي عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام- أنّه قال لموسى: «يا بني انّ أخاك سيجلس مجلسي، ويدّعي الاِمامة بعدي، فلا تنازعه بكلمة،فإنّه أوّل أهلي لحوقاً بي». (1)
3. ونقل في ترجمة «هشام بن سالم الجواليقي» أنّه قال: كُنّا بالمدينة بعد وفاة أبي عبد اللّه - عليه السّلام- أنا وموَمن الطاق أبو جعفر، والناس مجتمعون على أنّ عبد اللّه صاحب الاَمر بعد أبيه، فدخلنا عليه أنا وصاحب الطاق، والناس مجتمعون عند عبد اللّه وذلك أنّهم رووا عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام- أنّالاَمر في الكبير مالم يكن به عاهة، فدخلنا نسأله عمّا كنّا نسأل عنه أباه، فسألناه عن الزكاة في كم تجب؟ قال: في مائتين خمسة. قلنا: ففي مائة؟ قال: درهمان ونصف درهم. قلنا له: واللّه ما تقول في المرجئة هذا؟!، فرفع يده إلى السماء فقال: لا واللّه ما أدري ما تقول المرجئة.قال:فخرجنا من عنده ضُلاّلاً لا ندري إلى أين نتوجه أنا وأبو جعفر الاَحول، فقعدنا في بعض أزقّة المدينة باكين حيارى لا ندري إلى من نقصد، وإلى من نتوجه، نقول: إلى المرجئة، إلى القدرية، إلى الزيدية، إلى المعتزلة، إلى الخوارج.

قال: فنحن كذلك إذ رأيتُ رجلاً شيخاً لا أعرفه يُومي إليّ بيده ، فخفتُ أن يكون عيناً من عيون أبي جعفر (2) وذلك أنّه كان له بالمدينة جواسيس ينظرون على من اتّفق من شيعة جعفر فيضربون عنقه، فخفتُ أن يكون منهم، فقلت لاَبي جعفر: تنحّ فإنّي خائف على نفسي وعليك، وإنّما يريدني ليس يريدك، فتنحَّ عني لا تُهْلَك وتُعين على نفسك. فتنحّى غير بعيد وتبعت الشيخ وذلك انّي ظننت أنّي


1. الكشي: الرجال:219.
2. المراد أبو جعفر المنصور العباسي.

(368)

لا أقدر على التخلّص منه، فمازلتُ أتبعه حتى ورد بي على باب أبي الحسن موسى - عليه السّلام- ثمّخلاّني ومضى، فإذا خادم بالباب، فقال لي: أُدخل رحمك اللّه.

قال: فدخلت فإذا أبو الحسن - عليه السّلام- فقال لي ابتداءً:«لا إلى المرجئة ولا إلى القدرية، ولا إلى الزيدية، ولا إلى المعتزلة، ولا إلى الخوارج، إليّ إليّ إليّ». قال: فقلتُ له: جعلتُفداك مضى أبوك؟ قال:«نعم». قال: قلت: جعلتُ فداك مضى في موتٍ؟ قال: «نعم». قلتُ: جعلتُ فداك فمَنْ لنا بعده؟فقال: «إن شاء اللّه أن يهديك، هداك». قلت: جعلتُ فداك إنّ عبد اللّه يزعم أنّه من بعد أبيه؟ فقال: «يريد عبد اللّه أن لا يُعبد اللّه». قال: قلتُ: جعلتُ فداك فمن لنا بعده؟ فقال: «إن شاء اللّه أن يهديك هداك» أيضاً. قلت: جعلت فداك أنت هو؟ قال:«ما أقول ذلك»، قلت في نفسي: لم أُصبْ طريقَ المسألة. قال: قلت: جعلتُ فداك عليك إمام؟ قال: «لا ». قال: فدخلني شيء لا يعلمه إلاّاللّه إعظاماً له، وهيبة أكثر ما كان يحلّ بي من أبيه إذا دخلتُ عليه، قلت: جعلتُ فداك أسألك عمّا كان يسأل أبوك؟ قال:«سل تُخبر، ولا تُذِع، فإن أذعت فهو الذبح». قال: فسألته فإذا هو بحر .

قال: قلت: جعلت فداك شيعتُك وشيعة أبيك ضُلاّل فألقي إليهم وأدعهم إليك فقد أخذت عليّ بالكتمان؟ فقال:«من آنست منهم رشداً فالق عليهم، وخذ عليهم بالكتمان، فإن أذاعوا فهو الذبح ـ وأشار بيده إلى حلقه ـ قال: فخرجتُ من عنده فلقيتُ أبا جعفر، فقال لي: ما وراك؟ قال: قلت: الهدى. قال: فحدثتُه بالقصة، ثم لقيت المفضل بن عمر وأبا بصير. قال: فدخلوا عليه وسلّموا وسمِعوا كلامَه وسألوه. قال: ثمّ قطعوا عليه، قال: ثمّ لقينا الناس أفواجاً. قال: وكان كل من دخل عليه قطع عليه إلاّ طائفة مثل عمار وأصحابه، فبقي عبد اللّه لا يدخل عليه أحد إلاّ قليلاً من الناس. قال: فلمّا رأى ذلك وسأل عن حال الناس؟ قال: فأُخبر أنّ هشام بن سالم صدّ عنه الناس. قال: فقال هشام: فأقعد لي بالمدينة


(369)

غير واحد ليضربوني.(1)
4. وقال الاَشعري (260ـ324هـ) عند عدّ فرق الشيعة: ومنهم من يزعم أنّ الاِمام بعد جعفر ابنه «عبد اللّه بن جعفر» وكان أكبرَ من خلَف من ولده وهي في ولده، وأصحاب هذه المقالة يدعون العَمّارية، نُسِبوا إلى رئيس لهم يعرف بـ«عمّار»،و يُدعون الفطحية، لاَنّ عبد اللّه بن جعفر كان أفطحَ الرجلين، وأهل هذه المقالة يرجعون إلى عدد كثير.

فأمّا زرارة فإنّ جماعة من العمّارية تدّعي أنّه كان على مقالتها، وأنّه لم يرجع عنها، وزعم بعضهم أنّه رجع إلى ذلك حين سأل «عبد اللّه بن جعفر» عن مسائل لم يجد عنده جوابها، وصار إلى الائتمام بموسى بن جعفر بن محمد، وأصحاب زرارة يدعون «الزرارية» ويدعون«التميمية». (2)
5.و تبعه البغدادي ولخّص كلامه قائلاً: العمارية وهم منسبون إلى زعيم منهم يسمّى عماراً، وهم يسوقون الاِمامة إلى جعفر الصادق، ثمّ زعموا انّ الاِمام بعده ولده عبد اللّه، وكان أكبر أولاده، وكان أفطح الرجلين، ولهذا قيل لاَتباعه «الفطحية». (3)

وقد خبط الرجلان فاخترعا فرقة باسم العَمّارية نسبة إلى عمار بن موسى الساباطي، مع أنّه رجل من أتباع «عبد اللّه» وأكثر ما يمكن أن يقال أنّه كان داعياً، لا صاحب مذهب.

وأمّا اتّهام الاَشعري زرارة بن أعين بأنّه كان من الفطحية مدة ثمّ رجع عنها، فليس له سند إلاّ روايات ضعاف، كأكثر ما ورد في حقّزرارة من الروايات


1. الكشي: الرجال:239ـ 241.
2. الاَشعري: مقالات الاِسلاميين واختلاف المصلّين: 1|27، تصحيح هلموت ريز.
3. الفرق بين الفرق: 62 برقم 59.

(370)

الذامّة.(1)

مع أنّ الصحيح في حقّه ما نقله الصدوق في «كمال الدين» عن إبراهيم بن محمد الهمداني ـ رضي اللّه عنه ـ قال : قلت للرضا - عليه السّلام- يابن رسول اللّه أخبرني عن زرارة، هل كان يعرف حقّ أبيك؟ فقال - عليه السّلام- :«نعم»، فقلتُ له: فلمَ بعث ابنه عبيداً ليتعرف الخبر إلى من أوصى الصادق جعفر بن محمد - عليه السّلام- ؟ فقال: «إنّ زرارة كان يعرف أمر أبي - عليه السّلام- و نصّ أبيه عليه، وإنّما بعث ابنه ليتعرّف من أبي هلْ يجوز له أن يرفع التقية في إظهار أمره، ونصّ أبيه عليه؟ وانّه لمّا أبطأ عنه طُولب بإظهار قوله في أبي - عليه السّلام- ، فلم يحب أن يقدم على ذلك دون أمره فرفع المصحف، وقال:اللّهمّ إنّ إمامي من أثبت هذا المصحف إمامتَه من ولد جعفر بن محمد - عليه السّلام- ». (2)
6. وقال الشهرستاني:«الفطحية قالوا بانتقال الاِمامة من الصادق إلى ابنه عبد اللّه الاَفطح، وهو أخو إسماعيل من أبيه وأُمّه، وأُمّهما فاطمة بنت الحسين بن الحسن بن علي، وكان أسن أولاد الصادق.

زعموا أنّه قال: الاِمامة في أكبر أولاد الاِمام.وقال: الاِمام من يجلس مجلسي، وهو الذي جلس مجلسه. والاِمام لا يغسّله، ولا يصلّي عليه، ولا يأخذ خاتمه، ولا يواريه إلاّ الاِمام. وهو الذي تولّى ذلك كلّه. ودفع الصادق وديعة إلى بعض


1. نقل الكشي الروايات الحاكية عن أنّ زرارة كان شاكاً في إمامة الكاظم - عليه السّلام- وانّه لما توفي الصادق - عليه السّلام- بعث ابنه «عبيد» للتحقيق عن أمر الاِمامة وانّه لعبد اللّه أو للكاظم عليمها السّلام ، ثمّ إنّ زرارة مات قبل أن يرجع إليه عبيد، ونقلها السيد الخوئي قّدس سّره في معجمه، معجم رجال الحديث: 7|230 ـ 234،و ناقش في اسنادها وأثبت أنّها، ضعاف، ونحن نجلّ زرارة بن أعين الذي عاش مع الاِمامين أبي جعفر الباقر وأبي عبد الصادق عليمها السّلام قرابة نصف قرن ، عن هذه الوصمة.
2. الصدوق: كمال الدين: 75، ط موَسسة النشر الاِسلامي.

(371)

أصحابه وأمره أن يدفعها إلى من يطلبها منه وأن يتخذه إماماً. وما طلبها منه أحد إلاّ عبد اللّه، ومع ذلك ما عاشَ بعد أبيه إلاّ سبعين يوماً ومات ولم يعقب ولداً ذكراً.(1)

لقد غاب عن الشهرستاني مفاد قوله - عليه السّلام- : «الاِمام من يجلس مجلسي»، فلو صدر منه ذلك القول، فالمراد منه ما يقوم بمثل ما كان الاِمام يقوم به في مجال بيان الاَُصول والفروع، وملء الفراغ الحاصل من رحيله، لا مجرّد جلوسه في مكانه وإن كان جاهلاً بأبسط المسائل.

كما أنّه لم يثبت أنّ عبد اللّه تولّى غسل الاِمام والصلاة عليه.

وقد روى ابن شهر آشوب عن أبي بصير ، عن موسى بن جعفرعليمها السّلام أنّه قال:«فيما أوصاني به أبي أن قال: يا بنيّ إذا أنا متُّ فلا يغسّلني أحد غيرك، فإنّ الاِمام لا يغسّله إلاّ إمام، واعلم أنّ «عبد اللّه» أخاك سيدعو الناس إلى نفسه فدعه، فإنّ عمره قصير. فلمّا أن مضى غسلته...». (2)
7. وقال الصدوق: قال الصادق لاَصحابه في ابنه عبد اللّه:«إنّه ليس على شيء فيما أنتم عليه وانّي أبرأ منه ، برىَ اللّه منه». (3)
8. قال المفيد: وكان عبد اللّه بن جعفر أكبر إخوته بعد إسماعيل، ولم تكن منزلته عند أبيه كمنزلة غيره من ولده في الاِكرام، وكان متهماً بالخلاف على أبيه في الاعتقاد.ويقال أنّه كان يخالط الحشوية ويميل إلى مذاهب المرجئة، وادّعى بعد أبيه الاِمامة، واحتج بأنّه أكبر إخوته الباقين، فاتّبعه على قوله جماعة من أصحاب أبي عبد اللّه - عليه السّلام- ، ثمّ رجع أكثرهم بعد ذلك إلى القول بإمامة أخيه موسى - عليه السّلام- ، لمّا تبيّنوا ضعفَ دعواه وقوة أمر أبي الحسن - عليه السّلام- ودلالة حقّه وبراهين إمامته، وأقام نفر


1. الشهرستاني: الملل والنحل:1|167.ولاحظ التبصير للاِسفراييني:38.
2. ابن شهر آشوب:المناقب: 4|224.
3. اعتقادات الصدوق، المطبوع ضمن مصنفات المفيد: 113.

(372)

يسير منهم على أمرهم ودانوا بإمامة عبد اللّه وهم الطائفة الملقبة بالفطحية، وإنّما لزمهم هذا اللقب لقولهم بإمامة عبد اللّه وكان أفطح الرجلين، ويقال انّهم لقبوا بذلك لاَنّ داعيهم إلى إمامة عبد اللّه كان يقال له عبد اللّه بن الاَفطح. (1)

وقال أيضاً: وأمّا الفطحية فإنّ أمرها أيضاً واضح، وفساد قولها غير خاف ولا مستور عمّن تأمله، وذلك أنّهم لم يدّعوا نصاً من أبي عبد اللّه - عليه السّلام- على عبد اللّه، وانّما عملوا على ما رووه من أنّ الاِمامة تكون في الاَكبر، وهذا حديث لم يُرو قط إلاّ مشروطاً، وهو أنّه قد ورد أنّ الاِمامة تكون في الاَكبر مالم تكن به عاهة، وأهل الاِمامة القائلون بإمامة موسى بن جعفر - عليه السّلام- متواترون بأنّ عبد اللّه كان به عاهة بالدين، لاَنّه كان يذهب إلى مذاهب المرجئة الذين يقعون في علي - عليه السّلام- وعثمان، وانّأبا عبد اللّه - عليه السّلام- قال وقد خرج من عنده:«عبد اللّه هذا مرجىَ كبير» وانّه دخل عليه عبد اللّه يوماً وهو يحدث أصحابه، فلمّا رآه سكت حتى خرج، فسئل عن ذلك؟ فقال: «أو ما علمتم أنّه من المرجئة» هذا مع أنّه لم يكن له من العلم بما يتخصص به من العامة، ولا رُوي عنه شيء من الحلال والحرام، ولا كان بمنزلة من يستفتى في الاَحكام، وقد ادّعى الاِمامة بعد أبيه، فامتحن بمسائل صغار فلم يجب عنها وما أتى بالجواب، فأيّ علّة ممّا ذكرناه تمنع من إمامة هذا الرجل، مع أنّه لو لم تكن علّة تمنع من إمامته، لما جاز من أبيه صرف النص عنه، ولو لم يكن صرفه عنه لاَظهره فيه، ولو أظهره لنقل وكان معروفاً في أصحابه، وفي عجز القوم عن التعلّق بالنص عليه دليل على بطلان ما ذهبوا إليه. (2)

بقيت هنا أُمور :

الاَوّل: الظاهر ممّا ذكرنا أنّ أكثر القائلين بإمامة عبد اللّه بن جعفر عدلوا عن


1. المفيد: الاِرشاد: 285ـ286.
2. العيون والمحاسن:253.

(373)

رأيهم، وقالوا بإمامة أخيه موسى بن جعفر بعد إمامة أبيه جعفر الصادق، وأمّا القليل منهم فقال بإمامة موسى بن جعفر بعد الاَفطح، فصار عبد اللّه الاِمام السابع، وأخوه موسى الاِمام الثامن، وبذلك يتجاوز عدد الاَئمّة عن الاثني عشر، ولا أظن أنّهم وقفوا على عبد اللّه من دون الاعتقاد بإمامة الآخرين، وإلاّ كانوا واقفة لا فطحية، وسيوافيك الكلام في المذهب الواقفي عن قريب إن شاء اللّه.

الثاني: الظاهر ممّا نقله الصدوق عن بعضهم أنّ القائلين بإمامة عبد اللّه كانوا معروفين بالشمطية كما أنّ بعض الفطحية قال بإمامة إسماعيل بن جعفر بعد رحيل عبد اللّه، وإليك نص الصدوق ناقلاً عن بعضهم:

قال: قال صاحب الكتاب: وهذه الشمطية تدّعي إمامة عبد اللّه بن جعفر بن محمد من أبيه بالوراثة والوصية، وهذه الفطحية تدّعي إمامة إسماعيل ابن جعفر عن أبيه بالوراثة والوصية وقبل ذلك إنّما قالوا بإمامة عبد اللّه بن جعفر ويسمّون اليوم إسماعيلية. لاَنّه لم يبق للقائلين بإمامة عبد اللّه بن جعفر خلف ولا بقية، وفرقة من الفطحية يقال لهم القرامطة، قالوا بإمامة محمد بن إسماعيل بن جعفر بالوراثة والوصية، وهذه الواقفة على موسى بن جعفر تدّعي الاِمامة لموسى وترتقب لرجعته. (1)

الثالث: بما أنّ أكثر القائلين بإمامة الاَفطح رجعوا عن رأيهم بعد ظهور الحقّ، فلا ينبغي أن يكون ذلك سبباً لجرحهم، نعم من بقى منهم على عقيدته، وآمن بإمامة موسى بن جعفر أو إسماعيل بن جعفر حكمهم حكم سائر فرق الشيعة إذا كانوا متثبتين في القول، فيوَخذ برواياتهم، وإلاّ فلا.

الرابع: انّعدّ الفطحية مذهباً ونحلة، أمر غير صحيح لوجهين:

أحدهما: أنّ القول بإمامة عبد اللّه نشأ عن شبهة، دخلت في أذهانهم، ثمّ


1. الصدوق: كمال الدين: 101ـ 102.

(374)

زالت الشبهة، ولم يبق إلاّالقليل.

وثانيهما: أنّ النحلة عبارة عن آراء في الاَُصول والعقائد أو في الفروع والاَحكام تكون سبباً لتمييز طائفة عن أُخرى، وأمّا الاتّفاق في عامة الاَُصول مع اختلاف في أمر واحد، كالاعتقاد بإمامة عبد اللّه ، فهذا مالا يبرر عدّ القول به نحلة، والقائلون به فرقة.

نعم، من يريد تكثير النحل، وزيادة عدد الفرق، يصحّ له ذكرهم فرقة من الفرق.

الخامس: انّ الفطحية وإن اشتركت مع الواقفية في مسألة عدم الاعتراف بالاِمام الحقيقي، ولكن الطائفة الاَُولى كانت أقل تعصباً من الاَُخرى بدليل أنّهم اعترفوا بإمامة موسى الكاظم - عليه السّلام- بعد رحيل إمامهم الاَفطح، لكن بين مُخطِّىَ نفسه في الاعتقاد بإمامة الاَفطح،و بين مصوِّب إمامته مع إمامة الكاظم - عليه السّلام- إلاّ أنّ الواقفية كانت متعصبة جدّاً حيث وقفت على إمامة موسى الكاظم - عليه السّلام- و لم تتجاوزه، وجرت مناظرات بينهم وبين القطعية الذين قطعوا بإمامة ابن الكاظم، علي بن موسى الرضا عليمها السّلام .

يقول المجلسي الاَوّل: واعلم أنّ الفطحية كانوا أقربَ إلى الحقّ من الواقفية، أو هم أبعد عن الحقّ من الفطحية، لاَنّ الفطحية لا ينكرون بقية الاَئمّة - عليهم السّلام- وكانوا يقولون بإمامتهم، ولهذا شُبهُوا بالحمير، بخلاف الواقفة، فإنّهم شُبهوا بالكلاب الممطورة، والشيخ ذكر الواقفية في كتاب الغيبة وأبطل مذهبهم بالاَخبار التي نقلوها. (1)

وقال العلاّمة المامقاني:لا يخفى عليك أنّ القول بالفطحية أقرب مذاهب


1. المجلسي الاَوّل (محمد تقي): روضة المتقين:14|395.

(375)

الشيعة إلى الحقّ من وجهين:

أحدهما: انّ كلّ مذهب من المذاهب الفاسدة يتضمّن إنكار بعض الاَئمّة - عليهم السّلام- ، ومن المعلوم بالنصوص القطعية، أنّ من أنكر واحداً منهم كان كمن أنكر جميعهم، والفطحي يقول بإمامة الاثني عشر جميعاً ويضيف عبد اللّه بين الصادق والكاظم عليمها السّلام ، فهو يقول بإمامة ثلاثة عشر، ويحمل أخبار الاثني عشر إماماً على الاثني عشر مِنْ ولد أمير الموَمنين - عليهم السّلام- ، فلا يموت الفطحي إلاّ عارفاً بإمام زمانه بخلاف من ماتَ من أهل سائر المذاهب فإنّه يموت جاهلاً بإمام زمانه.

نعم من مات من الفطحية في السبعين يوماً زمان حياة عبد اللّه بعد أبيه مات غير عارف لاِمام زمانه فمات ميتة جاهلية بخلاف من مات بعد وفاة عبد اللّه.

ثانيهما: انّكلّذي مذهب من المذاهب الفاسدة قد تلقّى ممّن يعتقده إماماً من غير الاثني عشر فروعاً مخالفة لفروعنا بخلاف الفطحية فإنّ عبد اللّه لم يبق إلاّ سبعين ولم يتلقّوا منه حكماًفرعياً وإنّما يعملون في الفروع بما تلقّوه من الاَئمة الاثني عشر، فالفطحية قائلون بالاثني عشر، عاملون بما تلقّوه من الاثني عشر، فليس خطأهم إلاّ زيادة عبد اللّه سبعين يوماً بين الصادق والكاظم عليمها السّلام ، وإيراث ذلك الفسقَ محلّتأمّل. (1)

يلاحظ على الثاني: بأنّ الواقفية أيضاً مثل الفطحية لم يتلقّوا فروعاً من غير الاَئمّة، نعم انّ الفطحية أخذوا منهم جميعاً والواقفية اقتصرت على الاَئمّة السبعة، فما ذكره من الوجه الثاني لا يعد فرقاً بين الطائفتين.


1. عبد اللّه المامقاني: تنقيح المقال:1|193، الفائدة السابعة.

(376)

مشاهير الفطحية

انّ هناك لفيفاً من رواة الشيعة وُصفوا بالفطحية، وهم بين من ثبت على القول بإمامة الاَفطح ومن رجع عنه، وإليك أسماءهم المستخرجة من كتب الرجال:
1. أحمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن فضّال بن عمر بن أيمن.
2. إسحاق بن عمّار بن حيّان، مولى بني تغلب، أبو يعقوب الصيرفي الساباطي.
3. الحسن بن علي بن فضال.
4. عبد اللّه بن بكير بن أعين بن سنسن الشيباني الاَصبحي المدني.
5. عبد اللّه بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - عليه السّلام- .
6. علي بن أسباط بن سالم بياع الزطّي المقري.
7. الاَزدي الساباطي (كوفي).
8. علي بن الحسن بن علي بن فضّال.
9. عمار بن موسى الساباطي.
10. محمد بن الحسن بن علي بن فضّال.
11. محمد بن سالم بن عبد الحميد.
12. مصدق بن صدقة المدائني.


(377)

الفصل الثامن عشر


في

الواقفية




(378)



(379)

التوقّف عند إمامة شخص بعد رحيل إمام ما، ظاهرة برزت عند الشيعة بين آونة وأُخرى، ولذلك صار لها إطلاقان:

الاَوّل: التوقّف بالمعنى العام من غير اختصاصه بالتوقّف على إمام خاص، فإنّ هناك طائفة توقّفت عند إمامة الحسين - عليه السّلام- ولم تتجاوز عنه وهم المعروفون بالكيسانية، كما أنّ هناك من توقّف عند إمامة الاِمام الباقر - عليه السّلام- ولم تتجاوز عنه - عليه السّلام- و هي المعروفة بالمنصورية أو المغيرية وهناك من توقّف عند إمامة الاِمام الصادق ولم يتجاوز عنه كالاِسماعيلية، وهذه الفرق حتى الزيدية من الواقفية الذين لم يعترفوا بإمامة الاَئمّة الاثني عشر قاطبة وتوقّفوا أثناء الطريق، ومع ذلك كلّه فلا يطلق عليهم الواقفية في كتب الرجال ولا في الملل والنحل، وإنّما يطلق عليهم نفس أسمائهم، وقد مرّ في الجزء السابع أنّ بعض هذه الفرق غلاة كفّار لا يعترف بهم.

الثاني: الطائفة المتوقّفة عند إمامة الاِمام موسى الكاظم - عليه السّلام- غير المعترفة بإمامة ابنه علي بن موسى الرضا - عليه السّلام- و هوَلاء المعروفون بـ«الواقفية». وقد اختصت بهم هذه التسمية، فلا تتبادر من هذه التسمية إلاّ تلك الطائفة.

قال المحقّق البهبهاني: اعلم أنّ الواقفة هم الذين وقفوا على الكاظم - عليه السّلام- ، و ربما يطلق الوقف على من وقف على غير الكاظم - عليه السّلام- من الاَئمّة ...ولكن عند الاِطلاق ينصرف إلى من وقف على الاِمام الكاظم - عليه السّلام- ولا ينصرف إلى غيرهم إلاّ بالقرينة، ولعلّ من جملتها عدم دركه للكاظم - عليه السّلام- و موته قبله أو في زمانه، مثل سماعة بن مهران وعلي بن حيان ويحيى بن القاسم. (1)


1. البهبهاني: الفوائد الرجالية:40.

(380)

سبب ظاهرة التوقف

إنّ السبب الغالب لبروز فكرة التوقف بين طائفة من الشيعة هو أنّها رزحت تحت نير الحكم الاَُموي والعباسي ولولا لجوئها إلى التقية واتخاذها سلاحاً لما كتب لها البقاء، حتى أنّ الاتهام بالزندقة والاِلحاد كان أخف وطأً من الاتّهام بالتشيّع في فترة خلافة عبد الملك بن مروان وإمارة الحجاج على العراق، فكان الاَئمّة لا يبوحون بأسرارهم إلاّ لخاصتهم، حتى نرى أنّ رحيل كلّ إمام تعقبه هوة بين الشيعة برهة من الزمن إلى أن يستقرَّ الرأي على الحقّ.

هذا هو السبب الغالب لنشوء بعض الفرق بين الشيعة الذين لم يكن لديهم أيّ اختلاف في الاَُصول والفروع إلاّ في القيادة والاِمامة.

إنّ عصر هارون الرشيد كان عصر القمع والكبت والتضييق على الشيعة وإمامهم، وكانت سياسته على غرار سياسة أبي جعفر الدوانيقي، والتاريخ يحدثنا عن السياسة التي اتبعها مع الاِمام موسى الكاظم - عليه السّلام- .

كان الاِمام مهوى قلوب الشيعة، يتلقون عنه أحكام الدين وأُصول المذهب، وربما تحمل إليه الاَموال من المشرق ومن المغرب فشق على هارون لمّا أخبره بعض جواسيسه بهذا الاَمر ، ولاَجل معالجة هذا الموقف الذي أشغل فكره، حجّ في تلك السنة وزار قبر النبي - صلّى الله عليه وآله وسلّم - فقال: يا رسول اللّه إنّي أعتذر إليك من شيء أُريد أن أفعله، أُريد أن أحبس موسى بن جعفر، فإنّه يريد التشتيت بأُمّتك وسفك دمائها. ثمّ أمر به فأُخذ من المسجد فأُدخل إليه فقيّده ، وأُخرج من داره بغلان عليهما قبتان مغطاتان هو - عليه السّلام- في إحديهما، ووجه مع كلّ واحدة منهما خيلاً، فأخذ بواحدة على طريق البصرة، والاَُخرى على طريق الكوفة، ليعمى على الناس أمره، وكان في التي مضت إلى البصرة.

وأمر الرسول أن يسلّمه إلى عيسى بن جعفر بن المنصور، وكان على البصرة


(381)

حينئذٍ، فمضى به، فحبسه عنده سنة.

ثمّ كتب إلى الرشيد أن خذه منّي و سلّمه إلى من شئت وإلاّ خلّيت سبيله، فقد اجتهدت بأن أجد عليه حجّة، فما أقدر على ذلك، حتى أنّي لاَتسمّع عليه إذا دعا لعلّه يدعو عليّ أو عليك، فما أسمعه يدعو إلاّ لنفسه يسأل الرحمة والمغفرة.

فوجّه من تسلّمه منه، وحبسه عند الفضل بن الربيع ببغداد فبقى عنده مدّة طويلة وأراد الرشيد على شيء من أمره فأبى.

فكتب بتسليمه إلى الفضل بن يحيى فتسلّمه منه، وأراد ذلك منه فلم يفعل.

و بلغه انّه عنده في رفاهية وسعة، وهو حينئذ بالرقة.

وقد أثار هذا الاَمر غضبَالرشيد إلى ان انتهى الاَمر بتجريد الفضل بن يحيى وضربه بسياط وعقابين. (1)

هذا هوموقف الرشيد مع الرجل الذي كان يحترمه جلّ المسلمين وينظرون إليه بأنّه من أئمّة أهل البيت، فكيف الحال مع سواد الناس إذا اتّهموا بالتشيّع وموالاة الاِمام - عليه السّلام- ؟!

قال ابن كثير: فلمّا طال سجن الاِمام الكاظم - عليه السّلام- كتب إلى الرشيد:«أمّا بعد يا أمير الموَمنين انّه لم ينقضِ عني يوم من البلاء إلاّ انقضى عنك يوم من الرخاء، حتى يفضي بنا ذلك إلى يوم يخسر فيه المبطلون». (2)

ولم يزل الاِمام ينقل من سجن إلى سجن حتى انتهى به الاَمر إلى سجن السندي بن شاهك، فغال في سجن الاِمام وزاد في تقييده، حتى جاء أمر الرشيد بدس السم للكاظم فانبرى السندي إلى تنفيذ هذا الاَمر، وكانت نهاية حياة الاِمام الطاهر على يده الفاجرة.


1. الطوسي: الغيبة: 28ـ30 بتلخيص.
2. ابن كثير: البداية والنهاية: 10|190.

(382)

قال أبوالفرج الاصفهاني: لمّا توفي الاِمام مسموماً خشى الرشيد ردّة فعل المسلمين عند انتشار خبر موته، فأدخل عليه الفقهاء ووجوه أهل بغداد وفيهم الهيثم بن علي وغيره ليشهدوا على أنّه مات حتف أنفه دون فعل من الرشيد وجلاوزته، ولمّا شهدوا على ذلك اخرج بجثمانه الطاهر، ووضع على الجسر ببغداد، ونودي بوفاته. (1)

هذه لمحة خاطفة عن حياة الاِمام موسى الكاظم - عليه السّلام- توقفك على الوضع السياسي السائد آنذاك في العراق والحجاز، وموقف الحكومة تجاه إمام الشيعة، أفهل يمكن للاِمام التصريح بالقائد من بعده؟!

ومع ذلك كلّه فإنّ الاِمام الكاظم له تنبوءات عن المستقبل المظلم الذي ينتظره بعض الشيعة، وإليك بعض ما روي في ذلك:

روي عن ابن سنان قال: دخلت على أبي الحسن موسى الكاظم من قبل أن يقدم العراق بسنة، وعليّ ابنه جالس بين يديه، فنظر إليّ وقال: «يا محمد أما إنّه ستكون في هذه السنة حركة، فلا تجزع لذلك» قال: قلت: وما يكون جعلني اللّه فداك فقد أقلقتني؟ قال: «أصير إلى هذا الطاغية ، (2)أما إنّه لا يبدأني منه سوء ومن الذي يكون بعده» (3)قال: قلت: وما يكون جعلني اللّه فداك؟ قال:«يضل اللّه الظالمين ويفعل اللّه ما يشاء» . قال: قلت: وما ذلك جعلني اللّه فداك؟ قال:«من ظلم ابني هذا حقَّه، وجحده إمامته من بعدي كان كمن ظلم عليّ بن أبي طالب - عليه السّلام- إمامته وجحده حقّه بعد رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلّم - » قال: قلت: واللّه لئن مدّ اللّه لي في العمر لاَسلِّمن له حقّه، ولاَقرّن بإمامته.

قال: «صدقت يا محمد يمدّ اللّه في عمرك وتسلِّم له حقّه - عليه السّلام- وتقرّله بإمامته وإمامة من يكون بعده»، قال: قلت: ومن ذاك؟ قال: «ابنه محمد»، قال:


1. أبوالفرج الاصفهاني:مقاتل الطالبيين:504.
2. يريد به المهدي العباسي.
3. يريد به موسى بن المهدي.

(383)

قلت: له الرضا والتسليم. (1)

روى الكشي عن الحكم بن عيص، قال: دخلت مع خالي سليمان بن خالد على أبي عبد اللّه - عليه السّلام- فقال: «يا سليمان من هذا الغلام؟» فقال: ابن اختي، فقال: «هل يعرف هذا الاَمر؟» فقال: نعم، فقال: «الحمد للّه الذي لم يخلقه شيطاناً ـ ثمّقال: ـ يا سليمان عوِّذ باللّه ولدك من فتنة شيعتنا» فقلت: جعلت فداك وما تلك الفتنة؟! قال: «إنكارهم الاَئمّة - عليهم السّلام- و وقوفهم على ابني موسى - عليه السّلام- ، قال: ينكرون موته ويزعمون أن لا إمام بعده، أُولئك شرّالخلق». (2)

إلى غير ذلك من الروايات التي جمعها الشيخ الطوسي في كتاب «الغيبة» ممّا تدل على تنصيص الاِمام الكاظم - عليه السّلام- على إمامة ولده علي بن موسى الرضا - عليه السّلام- غير انّ حبَّ المال آل بالبعض إلى إنكار إمامته ، وقد رويت في ذلك روايات نذكر بعضها:

روى الطوسي في «الغيبة» بسنده عن يعقوب بن يزيد الاَنباري، عن بعض أصحابه، قال: مضى أبو إبراهيم - عليه السّلام- وعند زياد القندي سبعون ألف دينار، وعند عثمان بن عيسى الرواسي ثلاثون ألف دينار وخمس جوار، ومسكنه بمصر.

فبعث إليهم أبو الحسن الرضا - عليه السّلام- أن احملوا ما قِبَلكم من المال، وما كان اجتمع لاَبي عندكم من أثاث وجوار، فإنّي وارثه وقائم مقامه، وقد اقتسمنا ميراثه ولا عذر لكم في حبس ما قد اجتمع لي ولوارثه، قبلكم، وكلام يشبه هذا.

فأمّا ابن أبي حمزة فإنّه أنكره ولم يعترف بما عنده، وكذلك زياد القندي.

وأمّا عثمان بن عيسى فانّه كتب إليه إنّ أباك ـ صلوات اللّه عليه ـ لم يمت وهو حي قائم، ومن ذكر أنّه مات فهو مبطل، واعمل على أنّه قد مضى كما تقول: فلم يأمرني بدفع شيء إليك، وأمّا الجواري فقد اعتقتهنّو تزوجت بهنّ. (3)


1. الطوسي: الغيبة:33ـ34.
2. الكشي: الرجال: 389؛ البحار: 48|265، الحديث 24.
3. الطوسي: الغيبة:64ـ 65، الحديث 67.

(384)

روى الكشي، عن يونس بن عبد الرحمان، قال: مات أبو الحسن وليس من قُوامه أحد إلاّ وعنده المال الكثير، فكان ذلك سبب وقوفهم وجحودهم موته، وكان عند علي بن أبي حمزة ثلاثون ألف دينار. (1)

روى الصدوق في «العلل» عن يونس بن عبد الرحمان قال: مات أبو الحسن - عليه السّلام- و ليس من قوّامه أحد إلاّ وعنده المال الكثير، فكان ذلك سبب وقفهم وجحودهم لموته، وكان عند زياد القندي سبعون ألف دينار، وعند علي بن أبي حمزة ثلاثون ألف دينار، قال: فلمّا رأيت ذلك وتبيّن الحق وعرفت من أمر أبي الحسن الرضا - عليه السّلام- ما علمتُ تكلّمت ودعوت الناس إليه، قال: فبعثا إليّ، وقالا: ما يدعوك إلى هذا؟ إن كنتَ تريد المال فنحن نغنيك وضمِنا لي عشرة آلاف دينار، وقالا لي: كف، فأبيت وقلت لهم: إنّا رُوينا عن الصادقين - عليهم السّلام- أنّهم قالوا: إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يُظهر علمَه، فإن لم يفعل سُلب منه نور الاِيمان، وما كنت لاَدع الجهاد في أمر اللّه على كلّحال، فناصباني وأضمرا لي العداوة.

وروى أيضاً عن أحمد بن حماد قال: أحد القَوّام، عثمان بن عيسى الرواسي ، وكان يكون بمصر، وكان عنده مال كثير وست جواري، قال: فبعث إليه أبو الحسن الرضا - عليه السّلام- فيهن وفي المال، قال: فكتب إليه أنّ أباك لم يمت، قال: فكتب إليه : إنّ أبي قد مات، وقد اقتسمنا ميراثه، وقد صحّت الاَخبار بموته، واحتج عليه فيه، قال: فكتب إليه: إن لم يكن أبوك مات، فليس لك من ذلك شيء، وإن كان قد مات على ما تحكي، فلم يأمرني بدفع شيء إليك، وقد اعتقت الجواري وتزوجتهنّ. (2)

إلى غيرها من الروايات الدالّة على أنّ سبب التوقف كان حبّ الجاه والمال .


1. الكشي: الرجال:345.
2. الصدوق: علل الشرائع:235.

(385)

الواقفية في كتب الملل والنحل

جاءت الواقفية في كتب الملل والنحل على وجه الاِجمال، وهذا يعرب عن عدم وجود دور بارز لهم في عصر الغيبة، وستوافيك القائمة التي ذكرنا فيها بعض أسماء الرواة من الواقفية.

قال النوبختي ـ بعدما بيّن أنّ الشيعة انقسمت بعد رحيل الاِمام الكاظم - عليه السّلام- إلى فرقتين، وبيّن الفرقة الثانية بالبيان التالي ـ:
1. وقالت الفرقة الثانية: إنّ موسى بن جعفر لم يمت، وإنّه حيّ، ولا يموت حتى يملك شرق الاَرض وغربها، ويملاَها كلها عدلاً كما ملئت جوراً، وإنّه القائم المهدي، وزعموا أنّه خرج من الحبس ولم يره أحد نهاراً ولم يعلم به، وأنّ السلطان وأصحابه ادّعوا موته، وموّهوا على الناس وكذبوا، وأنّه غاب عن الناس واختفى، ورووا في ذلك روايات عن أبيه جعفر بن محمد عليمها السّلام أنّه قال: هو القائم المهدي فإن يدهده رأسه عليكم من جبل فلا تصدقوا فإنّه القائم.

وقال بعضهم: إنّه القائم وقد مات، ولا تكون الاِمامة لغيره حتى يرجع، فيقوم ويظهر، و زعموا أنّه قد رجع بعد موته إلاّ أنّه مختف في موضع من المواضع حي يأمر وينهى، وأنّأصحابه يلقونه ويرونه، واعتلّوا في ذلك بروايات عن أبيه، أنّه قال: سمّي القائم قائماً، لاَنّه يقوم بعدما يموت.

وقال بعضهم: إنّه قد مات، وإنّه القائم، وإنّ فيه شبهاً من عيسى بن مريم ـ صلى اللّه عليه ـ وانّه لم يرجع، ولكنّه يرجع في وقت قيامه فيملاَ الاَرض عدلاً كما ملئت جوراً، وإنّ أباه قال: إنّ فيه شبهاً من عيسى بن مريم، وإنّه يقتل في يدي ولد العباس فقد قتل.

وأنكر بعضهم قتله، وقالوا: مات ورفعه اللّه إليه، وإنّه يردّه عند قيامه، فسمّوا هوَلاء جميعاً الواقفية لوقوفهم على موسى بن جعفر على أنّه الاِمام القائم،


(386)

ولم يأتمّوا بعده بإمام ولم يتجاوزوه إلى غيره.

وقد قال بعضهم ممّن ذكر أنّه حي: إنّ الرضا - عليه السّلام- و من قام بعده ليسوا بأئمّة، ولكنّهم خلفاوَه واحداً بعد واحد إلى أوان خروجه، وإنّ على الناس القبول منهم والانتهاء إلى أمرهم.

وقد لقّب الواقفةَ بعضُ مخالفيها ممّن قال بإمامة علي بن موسى «الممطورة»وغلب عليها هذا الاسم وشاع لها، وكان سبب ذلك انّعليّبن إسماعيل الميثمي ويونس بن عبد الرحمان ناظرا بعضهم، فقال له علي بن إسماعيل وقد اشتد الكلام بينهم: ما أنتم إلاّ كلاب ممطورة، أراد أنّكم أنتن من جيف، لاَنّ الكلاب إذا أصابها المطر فهي أنتن من الجيف، فلزمهم هذا اللقب فهم يُعرفون به اليوم، لاَنّه إذا قيل للرجل انّه ممطور فقد عرف أنّه من الواقفة على موسى بن جعفر خاصة، لاَنّ كل من مضى منهم فله واقفة قد وقفت عليه، وهذا اللقب لاَصحاب موسى. (1)
2.وقال الشيخ الاَشعري ملخصاً لما قاله النوبختي ما هذا نصه:

الصنف الثاني والعشرون من الرافضة يسوقون الاِمامة حتى ينتهوا إلى جعفر بن محمد ويزعمون أنّجعفر بن محمد نصّ على إمامة ابنه موسى بن جعفر، وأنّ موسى بن جعفر حيّلم يَمت ولا يموتُ حتى يملك شرقَالاَرض وغربها، حتى يملاَ الاَرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماًوجوراً، وهذا الصنف يُدْعون «الواقفة»لاَنّهم وقفوا على «موسى بن جعفر»و لم يتجاوزوه إلى غيره، وبعض مخالفي هذه الفرقة يدعوهم «الممطورة» وذلك أنّرجلاً منهم ناظر «يونس بن عبد الرحمان» ويونس من القطعية الذين قطعوا على موت موسى بن جعفر، فقال له يونس: أنتم أهون عليّمن الكلاب الممطورة، فلزمهم هذا النبز. (2)


1. النوبختي: فرق الشيعة:80ـ82، وفي ذيل كلامه إشارة إلى القسمين من الوقف كما ذكرناه.
2. الاَشعري: مقالات الاِسلاميين:28ـ 29.

(387)

3.وقال البغدادي معبّراً عن الواقفة بالموسوية: هوَلاء الذين ساقوا الاِمامة إلى جعفر، ثمّزعموا أنّالاِمام بعد جعفر، كان ابنه موسى بن جعفر، وزعموا أنّموسى بن جعفر حيّ لم يمت وانّه هو المهدي المنتظر، وقالوا إنّه دخل دارَالرشيد ولم يخرج منها، وقد علمنا إمامته وشككنا في موته فلا نحكم في موته إلاّبيقين.

فقيل لهذه الفرقة الموسوية: إذا شككتم في حياته وموته، فشُكُّوا في إمامته ولا تقطعوا القول بأنّه باق وأنّه هوالمهديّ المنتظر، هذا مع علمكم بأنّ مشهد موسى بن جعفر معروف في الجانب الغربي من بغداد ويُزار.

و يقال لهذه الفرقة موسوية لانتظارها موسى بن جعفر .

ويقال لها الممطورة أيضاً، لاَنّ يونس بن عبد الرحمان القمّي كان من القطعية (الذين قطعوا على موت موسى بن جعفر) وناظر بعض الموسوية فقال في بعض كلامه : أنتم أهون على عيني من الكلاب الممطورة. (1)
4.وقال الشهرستاني ـ بعد أن ذكر الاِمام موسى بن جعفر وانّه دفن في مقابر قريش ببغداد ـ: اختلفت الشيعة بعده...

فمنهم من توقّف في موته، وقال: لا ندري أمات أم لم يمت؟ ويقال لهم الممطورة، سمّاهم بذلك علي بن إسماعيل فقال: ما أنتم إلاّ كلاباً ممطورة.

و منهم من قطع بموته ويقال لهم القطعية.

و منهم من توقّف عليه، وقال: إنّه لم يمت، وسيخرج بعد الغيبة، ويقال لهم الواقفة. (2)

إنّ ظاهرة الوقف بعد رحيل الاِمام الكاظم - عليه السّلام- كانت أمراً خطيراً يهدّد


1. البغدادي: الفرق بين الفرق:63.
2. الشهرستاني: الملل والنحل: 169، ولاحظ التبصير للاسفرائيني:38، حيث عبّر عنهم بالموسوية.

(388)

كيان الشيعة، وتماسكها وانسجامها، وقد كانت الواقفة تتمسك بشبه، ربما تغري البسطاء من الشيعة، وتصدّهم عن القول بامتداد الاِمامة إلى عصر الاِمام المنتظر. ولعلّه لاَجل خطورة الوقف، ربما نرى وجود الحث المتزايد على زيارة الاِمام الرضا - عليه السّلام- من النبي والوصيّ والصادق والكاظم - عليهم السّلام- ليلفتوا نظر الشيعة إليه ولا يغفلوا عنه.

فقد روي عنه - صلّى الله عليه وآله وسلّم - أنّه قال: «ستدفن بضعة منّي بأرض خراسان، لا يزورها موَمن إلاّ أوجب اللّه له الجنّة، وحرّم جسده على النار». (1)

كما توجد روايات كثيرة عن أئمّة أهل البيت - عليهم السّلام- توَكد وتحث على زيارة الاِمام الرضا - عليه السّلام- و تبيّن فضلها. (2)

ولعلّ تلك الروايات تهدف إلى رفع الشبهات التي أوجدتها الواقفة في ذلك العصر، ولولا انّ الرضا هو الاِمام القائد بعد أبيه ، لما كان لهذا الحث وجه، وقد جابه الاِمام الرضا تلك الزوبعة بعظات بالغة، ومناظرات قيّمة، قام فيها بإزالة الالتباس عن شبههم.

وقد جمعها العالم الحجة الشيخ رياض محمد حبيب الناصري في كتابه«الواقفية» ، حيث بلغت ثماني مناظرات.و من أراد الوقوف على مضامينها فعليه الرجوع إلى ذلك الكتاب القيّم الذي طرح فيه الواقفية ودرسها دراسة تحليلية رائعة. (3)


1. الصدوق: الفقيه:2|351، الحديث 36.
2. راجع الكافي:4|584؛و الفقيه:2|348ـ351؛ والتهذيب:6|84.
3. الواقفية:1|151ـ163، ولقد رجعنا إلى ذلك الكتاب في دراسة هذه الطائفة فشكر اللّه مساعيه.

(389)

مشاهير الواقفية

يظهر من مراجعة الكتب الرجالية، انّعدد الواقفية لم يكن قليلاً، وقد ذكر الشيخ الطوسي فيهم حوالي أربعة وستين شخصاً، فمن مشاهيرهم:
1. سماعة بن مهران.
2. جعفر بن سماعة.
3. الحسن بن محمد بن سماعة.
4. زرعة بن محمد الحضرمي.
5. زياد بن مروان القندي.
6. داود بن الحصين.
7. درست بن أبي منصور.
8. عثمان بن عيسى الرواسي.
9. علي بن أبي حمزة البطائني.
10. علي بن الحسن الطاطري.
11. حنان بن سدير الصيرفي.
12. يحيى بن القاسم الحذاء.
13. يحيى بن الحسين بن زيد.
14. سعد بن خلف. (1)


1. وقد استخرج محقّق رجال الطوسي، أسماء الذين وصفوا بالوقف فيه ، تحت فهرست المنسوبين إلى المذاهب الفاسدة. رجال الطوسي: 589ـ591.

(390)

ثمّإنّ هناك لفيفاً آخر من الواقفية ذكرهم النجاشي في رجاله، وليس فيهم اسم سماعة بن مهران، ولا ولده جعفر، ولا سبطه محمد، و ربما تردّد بعضهم في عدّ سماعة من الواقفية، إذ لو كان كذلك لما خفي على مثل النجاشي، ولا على ابن الغضائري.

وقد جمع الشيخ الناصري أسماء الموصوفين بالوقف من الكتب الرجالية وغيرها، غير أنّ كثيراً منهم رجعوا عن الوقف.

ومن العجب العجاب انّسبعة أشخاص من أصحاب الاِجماع، رُمُوا بالوقف، وهوَلاء هم:
1. أحمد بن محمد بن أبي نصر.
2. جميل بن دراج.
3. حماد بن عيسى.
4. صفوان بن يحيى.
5. عثمان بن عيسى.
6. يونس بن عبد الرحمان.
7. عبد اللّه بن المغيرة.

و أظن أنّاتّـهامهم بالوقف ربما يعود إلى فحصهم وترّيثهم في الاِمام الذي يعقب الاِمام الكاظم - عليه السّلام- بعد رحيله. ولو كان هذا هو المنطلق لوصفهم بالوقف فلا يوجد أي مبرر لهذا الرمي والوصف، وعلى أية حال فإنّهم رجعوا عن الوقف، حتّى أنّ يونس بن عبد الرحمان كان في الصف المقدّم لمكافحة الوقف وهو الذي وصف الواقفية بالكلاب الممطورة كما في بعض الروايات، وهذا ما يثير الشكوك حول وصفه وزملائه بالوقف.


(391)

ثمّ إنّ هناك ردوداً بين الطائفتين ذكرها الطوسي في «الفهرست» و«الغيبة» فمن الكتب الموَلّفة في نصرة الواقفية:
1. «نصرة الواقفة»لعلي بن أحمد العلوي الموسوي، ذكره الشيخ. (1)
2. «الصفة في الغيبة على مذهب الواقفة» لعبد اللّه بن جبلة. (2)
3. رسالة لعلي بن الحسن الطاطري في نصرة مذهبه. (3)

وهناك ردود من الاَصحاب على تلك الموَلفات، ذكرها النجاشي في رجاله، نذكر منها ما يلي:
1. الرد على الواقفة لاِسماعيل بن علي بن إسحاق بن سهل بن نوبخت. (4)
2. الرد على الواقفة للحسن بن موسى الخشاب. (5)
3. الرد على الواقفة للحسين بن علي البزوفري. (6)
4. الرد على الواقفة لفارس بن حاتم بن ماهويه القزويني. (7)

بقي الكلام في رجال الواقفة الذين وردت أسماوَهم في الكتب الرجالية، وكان لهم دور في نقل الحديث وتدوينه، فإليك فهرس أسمائهم، وأمّا الكلام عن تراجمهم وحالاتهم فموكول إلى محله.


1. الطوسي: الغيبة:29.
2. النجاشي: الرجال: 2|13 برقم 561.
3. الطوسي: الفهرست:118 برقم 392.
4. النجاشي: الرجال: 1|121 برقم 67.
5. النجاشي: الرجال:1|143 برقم 84.
6. النجاشي: الرجال: 1|188 برقم 160.

(7) 7. النجاشي: الرجال: 2|174 برقم 846.


(392)

1. إبراهيم .2. أبو جبل.
3. أبو جعدة. 4. أبو جنادة الاَعمى.
5. أحمد بن أبي بشر السرّاج. 6. أحمد بن الحارث.
7. أحمد بن الحسن بن إسماعيل بن شعيب بن ميثم التمّار.
8. أحمد بن زياد الخزّاز. 9. أحمد بن السري.
10. أحمد بن الفضل الخزاعي.
11. أحمد بن محمد بن علي بن عمر بن رباح بن قيس بن سالم القلاء السوّاق.
12. إدريس بن الفضل بن سليمان الخولاني.
13. إسحاق بن جرير بن يزيد بن جرير بن عبد اللّه البجلي الكوفي.
14. إسماعيل بن أبي بكر محمد بن الربيع بن أبي السمّال الاَسدي.
15. إسماعيل بن عمر بن أبان الكلبي.
16. أُمية بن عمرو الشعيري. 17. بكر بن محمد بن جناح.
18. جعفر بن المثنى الخطيب.
19. جعفر بن محمد بن سماعة بن موسى بن رويد.
20. جندب بن أيوب. 21. جهم بن جعفر بن حيان.
22. الحسن بن علي بن أبي حمزة سالم البطائني.
23. الحسن بن محمد بن سماعة، أبو محمد الكندي الصيرفي الكوفي.
24. الحسين(من أصحاب الاِمام الكاظم - عليه السّلام- ).
25.الحسين بن أبي سعيد هاشم بن حيّان المكاري.
26. الحسين بن قياما. 27. الحسين بن كيسان.
28. الحسين بن المختار، أبو عبد اللّه القلانسي.


(393)

29. الحسين بن مهران بن محمد، أبو نصر السكوني.
30. الحسين بن موسى.
31. حصين بن المخارق بن عبد الرحمان بن ورقاء بن حبشي بن جنادة.
32. حميد بن زياد بن حمّاد بن حمّاد بن زياد هوار الدهقان.
33. حنان بن سدير بن حكيم بن صهيب الصيرفي.
34. داود بن الحصين الاَسدي.
35. دُرست بن أبي منصور محمد الواسطي.
36. زرعة بن محمد الحضرمي.
37. زكريا بن محمد، أبو عبد اللّه الموَمن.
38. زياد بن مروان الاَنباري القندي.
39. زيد بن موسى. 40. سعد بن أبي عمران الاَنصاري.
41. سعد بن خلف. 42. سلمة بن حيّان.
43. سماعة بن مهران بن عبد الرحمان الحضرمي.
44. عبد اللّه بن جبلة بن حيّان بن أبجر الكناني.
45. عبد اللّه بن عثمان الحنّاط. 46. عبد اللّه بن القاسم الحضرمي.
47. عبد اللّه بن القصير. 48. عبد اللّه النخّاس.
49. عبد الكريم بن عمرو بن صالح الخثعمي.
50. عبيد اللّه بن أبي زيد أحمد بن عبيد اللّه بن محمد الانباري.
51. عثمان بن عيسى، أبو عمرو العامري الكلابي الرواسي.
52. عثمان بن عيسى الكلابي، مولى لبني عامر، وليس بالرواسي.
53. علي بن أبي حمزة البطائني.


(394)

54. علي بن جعفر بن العباس الخزاعي المروزي.
55. علي بن الحسن بن محمد الطائي الجرمي المعروف بالطاطري.
56. علي بن الخطّاب. 57. علي بن سعيد المكاري.
58. علي بن عمر الاَعرج الكوفي.
59. علي بن محمد بن علي بن عمر بن رباح السوّاق، ويقال: القلاّء.
60. علي بن وهبان. 61. عمر بن رباح الزهري القلا.
62. عنبسة بن مصعب العجلي.
63. عيسى بن عيسى الكلابي مولى بني عامر ـ وليس بالرواسي ـ.
64. غالب بن عثمان. 65. الفضل بن يونس الكاتب البغدادي.
66. القاسم بن إسماعيل القرشي، أبو محمد المنذر.
67. القاسم بن محمد الجوهري. 68. محمد بن بكر بن جناح.
69. محمد بن الحسن بن شمّون. 70. محمد بن عبد اللّه الجلاّب البصري.
71. محمد بن عبد اللّه بن غالب الاَنصاري البزاز.
72. محمد بن عبيد بن صاعد. 73. محمد بن عمر.
74. محمد بن محمد بن علي بن عمرو بن رباح.
75. مقاتل بن مقاتل بن قياما. 76. منصور بن يونس بزرج.
77. موسى بن بكر الواسطي. 78. موسى بن حماد الطيالسي الذرّاع.
79. هاشم بن حيان، أبو سعيد المكاري.
80. وهيب بن حفص، أبو علي الجريري.
81. يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين - عليه السّلام- .
82. يزيد بن خليفة الحارثي. 83. يوسف بن يعقوب.


(395)

خاتمة المطاف


في
النصيرية
(396)



(397)

الكتابة عن النصيرية كسائر الفرق الشيعية أمر صعب لا سيما وانّهم اضطروا إلى التخفّي والانطواء على أنفسهم، وعاشوا في ظل التقية، ومن يتصفّح التاريخ يجد أنّه لا مندوحة لهم من التكتّم والتحفّظ في عقائدهم، فمعاجم الفرق مليئة بذمّهم وتفسيقهم وتكفيرهم، وقد أخذ بعضهم عن بعض، ولا يمكن الاعتمادعلى ما نقلوه عنهم إلاّ بالرجوع إلى كتب تلك الفرقة أو التعايش معهم في أوطانهم حتى ينجلي الحقّ ليقف الاِنسان على مكامن عقائدهم وخفايا أُصولهم، ونحن نسرد قبل كلّ شيء ما ذكرته معاجم الفرق في هذا المقام من دون أيّ تعليق مسهب.

النصيرية في معاجم الملل والنحل

1. ولعلّ أوّل من ذكرهم من أصحاب المقالات هو الشيخ الحسن بن موسى النوبختي من أعلام القرن الثالث، ويظهر منه أنّـها نشأت بعد وفاة الاِمام الهادي - عليه السّلام- عام 254هـ، فقال:

وقد شذّت فرقة من القائلين بإمامة علي بن محمد في حياته، فقالت بنبوّة رجل يقال له محمد بن نصير النميري، وكان يدّعي أنّه نبي، بعثه أبو الحسن العسكري - عليه السّلام- ، وكان يقول بالتناسخ والغلو في أبي الحسن، ويقول فيه بالربوبية، ويقول بالاِباحة للمحارم ويحلّل نكاح الرجال بعضهم بعضاً في أدبارهم، ويزعم أنّ ذلك من التواضع و التذلّل، وأنّها إحدى الشهوات والطيبات، وأنّ اللّه عزّ وجلّ لم يحرّم شيئاً من ذلك، وكان يقوي أسباب هذا النميري، محمد بن موسى بن


(398)

الحسن بن الفرات. (1)

أقول: ما ورد من النسب في هذا الكلام ممّا يستبعده العقل جداً، إذ كيف يمكن أن يتبنى أحد في حاضرة الخلافة الاِسلامية هذه المنكرات التي لا يرتضيها أيّ إنسان ساذج؟! ولو كان داعياً إلى هذه الاَُمور في أجواء نائية بعيدة ربّما يسهل تصديقه.
2. وقال الكشي (من أعلام القرن الرابع): وقالت فرقة بنبوة محمد بن نصير الفهري النميري، وذلك أنّه، ادّعى أنّه نبي، وأنّ علي بن محمد العسكري أرسله، وكان يقول بالتناسخ والغلو في أبي الحسن، ويقول فيه بالربوبية، ويقول بإباحة المحارم ويحلّل نكاح الرجال بعضهم بعضاً في أدبارهم، ويقول: إنّه من الفاعل والمفعول به أحد الشهوات والطيبات، وإنّ اللّه لم يحرّم شيئاً من ذلك. وكان محمد ابن موسى بن الحسن بن فرات يقوي أسبابه ويعضده، وذكر أنّه رأى بعض الناس محمد بن نصير عياناً وغلام له على ظهره، فرآه على ذلك، فقال: إنّ هذا من اللذات وهو من التواضع للّه وترك التجبّر، وافترق الناس فيه بعده فرقاً. (2)
3. وقد ذكر الاَشعري المتوفّـى (324هـ) من أصنـاف الغالية، أصحاب الشريعي، وقال: يزعمون أنّ اللّه حلّ في خمسة أشخاص، ثمّ انتقل منه إلى ذكر النميرية، وقال: إنّ فرقة من الرافضة يقال لهم النميرية أصحاب النميري يقولون إنّ الباري كان حالاًّ في النميري. (3)
4. وقال البغدادي المتوفّى (429هـ)، في فصل عَقَده لبيان الفرقة الشُريعية أتباع الشريعي والنميرية أتباع محمد بن نصير النميري، ونقل نفس ما نقله الاَشعري في حقّ الرجلين و لم يزد عليه شيئاً.


1. فرق الشيعة:93.
2. رجال الكشي: 438.
3. مقالات الاِسلاميين: 1|15.

(399)

ومن قارن كتاب الفرق بين الفرق مع كتاب مقالات الاِسلاميين يجد أنّه صورة ملخّصة من الثاني، غير أنّه زاد في بيان الفرق سبّاً وذمّاً غير لائق بشأن الكاتب. (1)

5. وقد عقد الشيخ الطوسي المتوفّى (460هـ) فصلاً لمدّعي البابية عدّ منها الشريعي، ومحمد بن نصير النميري.

قال:كان محمد بن نصير النميري من أصحاب أبي محمد الحسن بن علي عليمها السّلام فلمّا توفي أبو محمد، ادّعى مقام أبي جعفر محمد بن عثمان أنّه صاحب إمام الزمان، وادّعى له البابية، وفضحه اللّه تعالى بما ظهر منه من الاِلحاد والجهل، ولعن أبي جعفر محمد بن عثمان له وتبرّأه منه، واحتجابه عنه وادّعى ذلك الاَمر بعد الشُريعي.

ثمّ قال: قال أبو طالب الاَنباري: لما ظهر محمد بن نصير بما ظهر لعنه أبو جعفر (رض) وتبرّأ منه فبلغه ذلك، فقصد أبا جعفر (رض) ليعطف بقلبه عليه، أو يعتذر إليه، فلم يأذن له وحجبه وردّه خائباً.

ثمّ نقل عن سعد بن أبي عبد اللّه ما نقلناه آنفاً عن النوبختي.

ثمّ قال: فلمّا اعتلّ محمد بن نصير العلّة التي توفي فيها، قيل له وهو مثقل اللسان: لمن هذا الاَمر من بعدك؟ فقال بلسان ضعيف ملجلج: أحمد، فلم يدروا من هو؟فافترقوا بعده ثلاث فرق، قالت فرقة: إنّه أحمد ابنه، وفرقة قالت: هو أحمد ابن محمد بن موسى بن الفرات، وفرقة قالت: إنّه أحمد بن أبي الحسين بن بشر بن يزيد، فتفرّقوا فلا يرجعون إلى شيء. (2)

ثمّ إنّ الشيخ أخرج في أسماء أصحاب الهادي - عليه السّلام- ، محمد بن حصين


1. انظر الفرق بين الفرق:252.
2. الطوسي: الغيبة: 398ـ 399.

(400)

الفهري، وقال: ملعون ولعلّه محمد بن نصير، فالحصين تصحيف لنصير. (1)

وأخرج في أصحاب الاِمام العسكري محمد بن موسى الصريعي، وقال المعلق:وفي بعض النسخ الشريعي، وهو أوّل من ادّعى البابية حسب تنصيص الشيخ الطوسي في الغيبة، ولم يذكر في أصحاب العسكري محمد بن نصير النميري. (2)

6. وقال الاسفرايني المتوفّى (471هـ): الفرقة التاسعة منهم الشريعية والنميرية، و الشريعية أتباع رجل كان يدعى شريعاً، وكان يقول: إنّ اللّه تعالى حلَّ في خمسة أشخاص في محمد، وعلي، وفاطمة، والحسن والحسين، وكانوا يقولون: إنّ هوَلاء آلهة ولهوَلاء الخمسة خمسة أضداد، إلى أن قال: وكان النميري، خليفته وكان يدعي لنفسه مثله بعده وجملة النميرية والشريعية والخطابية وكانوا يدعون إلهيّة جعفر الصادق . (3)

ولا يخفى وجود التناقض في كلامه حيث فسر الشريعية بالاعتقاد بالاَُلوهية في الخمسة الطاهرة آخرهم الحسين - عليه السّلام- وقال في ذيل كلامه: إنّ الطوائف الثلاث: النميرية ـ الشريعية ـ الخطابية كانوا يدّعون إلهية جعفر الصادق.

ومع ذلك كلّه فما ذكره مأخوذ من الفرق بين الفرق والمقالات وكأنّ الجميع عيال على الاَشعري.
8. وقال ابن أبي الحديد المتوفّـى (655هـ) في فصل عقده لذكر الغلاة من الشيعة والنصيرية وغيرهم: إنّالنصيرية: فرقة أحدثها محمد بن نصير النميري، وكان من أصحاب الحسن العسكري - عليه السّلام- ، إلى أن قال: وكان محمد بن نصير من


1. الطوسي: الرجال: أصحاب الاِمام الهادي - عليه السّلام- برقم 39.
2. الطوسي: الرجال: أصحاب الاِمام العسكري - عليه السّلام- برقم 19.
3. التبصير في الدين:129.

(401)

أصحاب الحسن بن علي بن محمد بن الرضا، فلمّا مات ادّعى وكالة لابن الحسن الذي تقول الاِمامية بإمامته ففضحه اللّه تعالى بما أظهره من الاِلحاد والغلو، والقول بالتناسخ، ثمّادّعى أنّه رسول ونبي من قبل اللّه تعالى، وأنّه أرسله علي بن محمد ابن الرضا، وجحد إمامة الحسن العسكري وإمامة ابنه، وادّعى بعد ذلك الربوبية وقال بإباحة المحارم. (1)
9. وقد بسط الكلام الشهرستاني (479ـ 548هـ) في النصيرية والاِسحاقية وعدّهم من جملة غلاة الشيعة وقال: لهم جماعة ينصرون مذهبهم ويذبّون عن أصحاب مقالاتهم، وبينهم خلاف في كيفية إطلاق اسم الاِلهية على الاَئمة من أهل البيت ـ إلى أن قال ـ : «قالوا ولم يكن بعد رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلّم - شخص أفضل من علي (رضي اللّه عنه)، وبعده أولاده المعصومون وهم خير البرية، فظهر الحقّ بصورتهم ونطق بلسانهم وأخذ بأيديهم، فعن هذا أطلقنا اسم الاِلهية عليهم.

وإنّما أثبتنا هذا الاختصاص «لعلي» رضي اللّه عنه دون غيره لاَنّه كان مخصوصاً بتأييد إلهي من عند اللّه تعالى، فيما يتعلق بباطن الاَسرار. قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: «أنا أحكم بالظاهر، واللّه يتولّـى السرائر» وعن هذا كان قتال المشركين إلى النبي - صلّى الله عليه وآله وسلّم - وقتال المنافقين إلى علي رضي اللّه عنه.

وعن هذا شبهه بعيسى بن مريم - عليه السّلام- ، فقال - صلّى الله عليه وآله وسلّم - :«لولا أن يقول الناس فيك ما قالوا في عيسى بن مريم - عليه السّلام- ، لقلت فيك مقالاً». (2)
10.وقال العلاّمة الحلّي (648ـ 726هـ): محمد بن الحصين الفهري من أصحاب أبي الحسن الثالث الهادي - عليه السّلام- كان ضعيفاً ملعوناً. (3)


1. شرح نهج البلاغة:8|122، ولا يخفى أنّ ابن أبي الحديد تفرّد بإنكار النميري إمامة الحسن العسكري - عليه السّلام- وإمامة ابنه مع أنّه كان يدّعي البابية لابن العسكري سلام اللّه عليهم.
2. الملل والنحل: 1|168ـ 169.
3. الخلاصة:2|252 برقم 22.

(402)

والعجب أنّه عنونه تارة أُخرى، وقال: محمد بن نصير بالنون المضمومة والصاد المهملة، قال ابن الغضائري: قال لي أبو محمد بن طلحة بن علي بن عبد اللّه بن غلاله، قال لنا أبو بكر بن الجعابي: كان محمد بن نصير من أفاضل أهل البصرة علماً وكان ضعيفاً بدو النصيرية وإليه ينسبون. (1)

ولعلهما شخصان مختلفان.
11. وقال الجرجاني المتوفّى (816هـ): النصيرية الذين قالوا إنّ اللّه حلّ في علي (رض). (2)

والباحث في كتب الرجال لاَصحابنا يجد أنّـها تعج بما رواه الشيخ في كتاب الغيبة، والكشي في رجاله. (3)

النصيرية فرقة بائدة

إذا كانت النصيرية هي التي عرّفها أصحاب المعاجم وغيرهم، فهذه الفرقة قد بادت لا تجد أحداً يتبنّى أفكارها بين المسلمين، إلاّ إذا كان مغفّلاً أو مغرضاً، وربّما تكون بعض هذه النسب ممّا لا أصل له في الواقع، وإنّما اتهمت بها بعض فرق الشيعة من قبل أعدائهم، فإنّ خصومهم من العباسيين شنّوا حملة شعواء ودعايات مزيفة ومضلّلة ضدهم، حتى يجد الباحث أنّالكتّاب والموَلّفين المدعومين من قبل السلطات لا يألون جهداً في اتهامهم بأرخص التهم في العقيدة والعمل حتى صارت حقائق راهنة في حقّ هوَلاء، وتبعهم غير واحد من أصحابنا لحسن ظنّهم بما كتب حولهم.


1. الخلاصة: 2|257 برقم 61.
2. التعريفات: 106.
3. انظر تنقيح المقال: 3|195.

(403)

محمد بن نصير النميري شخصيّة قلقة

الحقّ أن يقال إنّ ابن نصير شخصية قلقة، يكتنفها كثير من الغموض، فتارة يعدّونه من أفاضل أهل البصرة علماً وأنّه ضعيف (1)وأُخرى من أصحاب الاِمام الجواد - عليه السّلام- (2) وأُخرى أنّه من أصحاب الاِمام العسكري - عليه السّلام- وأنّه غال (3)وطوراً عدّوه فهرياً بصرياً مع أنّ هذين لا يجتمعان. (4)

وأخيراً تحيّروا في أمر هذا الرجل ووضعوا اسمه في قائمة المشتركات. (5)

ثمّ إنّ كتّاب الفرق ذكروا رجالاً كان لهم دور في حياة ذلك الرجل، منهم:

الشريعي أبو محمد، وقد عرفت ما قيل حوله؛ وابن فرات، وهو الذي ذكر النوبختي أنّه كان يقوي عضد محمد بن نصير، ومن الموَكد أنّ هذا الرجل ينتمي إلى أُسرة شيعية عريقة كان لها مركز ونفوذ في البلاط العباسي.وتقلّد جمع منهم الوزارة، منهم:
1. أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات تسنّم عرش الوزارة ثلاث مرّات، خلع وحبس خلالها، فقد تسلم الوزارة بين سنة 296و299هـ ،ثمّ في سنة 304، وثالثة في سنـة 311ـ313هـ وقد اتّهموه بموَازرة الاَعراب البوادي الذين نهبوا بغداد، وكذلك اتهم بالزندقة وصودرت أمواله وذلك أيّام المقتدي باللّه


1. المامقاني: تنقيح المقال: 3|195.
2. الطوسي: الرجال: أصحاب الاِمام الجواد برقم 10 و 26.
3. الطوسي: الرجال: أصحاب الاِمام العسكري - عليه السّلام- برقم 20.
4. الكشي: الرجال: برقم 383.
5. المامقاني: تنقيح المقال: 3|196.

(404)

العباسي.(1)

2. أبو الفتح الفضل بن جعفر بن محمد بن الفرات وزير الراضي باللّه العباسي.
3. أبو أحمد المحسن بن الوزير أبي الحسن.
4. جعفر بن محمد أخو الوزير علي بن محمد. (2)

هذه هي النصيرية وهذه هي كلمات أصحاب المعاجم في حقّها ونحن على شكّ في صدق هذه النسب، لاَنّ أكثر من كتب عنهم يعدّون خصوماً لهم، ومن كتب عنهم من غير خصومهم لم يعتمد على أصل صحيح، فلا يبعد أن تكون هذه الفرقة على فرض وجودها في عصرها من الفرق البائدة التي عبث بها الزمان.

العلويون وأصل التسمية بالنصيرية

إنّ هناك أقلاماً مغرضة حاولت أن تنسب العلويين المنتشرين في الشام والعراق وتركيا وإيران إلى فرقة النصيرية البائدة اعتماداً على أُمور ينكرها العلويون اليوم قاطبة.

وأظن أنّ السبب في ذلك هو جور السلطات الظالمة التي أخذت تشوّه صحيفة العلويين وتسودّها، فأقامت فيهم السيف والقتل والفتك والتشريد، ولم تكتفِ بل أخذت بالافتراء عليهم لتنفّر الناس من الاختلاط بهم، وأنّهم زمرة وحشية هجمية، ممّا زاد في انكماش هذه الطائفة على نفسها، لذا نجد من المناسب الكتابة عنهم حسب ما كتبوه عن أنفسهم.

أمّا سبب تسمية العلويين بالنصيرية لاَنّه لما فتحت جهات بعلبك وحمص استمد أبو عبيدة الجراح نجدة، فأتاه من العراق خالد بن الوليد، ومن مصر عمرو


1. الصابي: كتاب الوزراء:247.
2. الصابي: كتاب الوزراء:247.

(405)

ابن العاص، وأتاه من المدينة جماعة من أتباع علي - عليه السّلام- وهم ممّن حضروا بيعة غدير خم، وهم من الاَنصار، وعددهم يزيد عن أربعمائة وخمسين، فسمّيت هذه القوة الصغيرة، نصيرية، إذ كان من قواعد الجهاد تمليك الاَرض التي يفتحها الجيش لذلك الجيش نفسه، فقد سميت الاَراضي التي امتلكها جماعة النصيرية: جبل النصيرية، وهو عبارة عن جهات جبل الحلو وبعض قضاء العمرانية المعروف الآن ثمّ أصبح هذا الاسم علماً خاصاً لكلّ جبال العلويين من جبل لبنان إلى أنطاكية. (1)

وهذا الرأي أقرب إلى الصواب، ذلك أنّ الموَرّخين الصليبيّين أطلقوا على هذا الجبل اسم «النصيرة» ويبدو انّ هذا الاسم قد حرّف إلى نصيرية و الذي يعزز القناعة بصحة هذا الرأي هو أنّإطلاق اسم نصيرية على هذا الجبل، لم يظهر إلاّ أثناء الحملات الصليبية، أي بعد عـام 498هـ ، وإذا كان معنى ذلك أنّ اسم نصيرية قد تغلّب على اسم الجبل في زمن الشهرستاني.

وثمة آراء أُخرى قليلة ترى أنّ تسمية نصيرية نسبة إلى نصير غلام الاِمام عليّ بن أبي طالب - عليه السّلام- .ويبدو لنا خطل هذه الآراء، خاصة وأنّ التاريخ لم يذكر أنّ للاِمام علي غلاماً يدعى نصيراً. (2)

أهم عقائدهم

حسب المصادر المطّلعة على حالهم، فإنّ عقائد العلويين لا تختلف عن عقائد الشيعة الاثنا عشرية الاِمامية، وهي معروفة مسجّلة. (3)


1. محمد أمين غالب الطويل: تاريخ العلويين:87ـ 88.
2. هاشم عثمان: العلويون بين الاَُسطورة والحقيقة:35ـ36.
3. علي عزيز آل إبراهيم: العلويون والتشيع: 91ـ97، الدار الاِسلامية، بيروت، 1403هـ|1992م؛ وراجع العلويون بين الاَُسطورة والحقيقة لهاشم عثمان، وعقيدتنا وواقعنا لعبد الرحمان الخير.

(406)

وما يوجب السكون والاطمئنان في ذلك أنّ جميع الموَلفين وأرباب كتب الفرق و المذاهب عدّوهم من الشيعة الاِمامية الاثنا عشرية على الرغم ممّا نسبوا إليهم ورموهم بالغلو والتطرّف والباطنية وأمثال ذلك ممّا ستأتي الاِشارة إليه.

فالعلويون يوَمنون برسالة محمد بن عبد اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلّم - ولا يشكّون بإمامة ابن عمه علي بن أبي طالب والاَئمة الاَحد عشر من صلبه - عليهم السّلام- وينطقون بالشهادتين عن إيمان فحصنهم شهادة أنْ لا إله إلاّ اللّه محمد رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلّم - والموالاة لآل بيته والصلاة والصوم والحج والزكاة والجهاد في سبيل اللّه والمعاد في اليوم الآخر، وكتابهم القرآن، ما زاغوا عن هواه ولانهجوا منهجاً غير شريعته، ولهم مراجع دينية عرفوا بتمسّكهم بالدين وإقامة شعائرهم الدينية الاِسلامية، ويطرحون كلَّ حديث لم يشر إليه القرآن وجاء مخالفاً له، كما وأنّهم لا يوَيّدون قول من يقول بصحّة تأويل الآيات التي بحق محمد وآل محمد - عليهم السّلام- ، ويحترمون كل الشرائع السماوية، ويقدّسون كلَّ الاَنبياء، ولا يشكّون بصحّة ما أُنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والاَسباط، وما أُوتي موسى وعيسى والنبيون من ربّهم، وهم للّه مسلمون، ولم يعصوا الرسول في عمل ولم يخالفوه في قول، ويحصرون كلمة العلم الكاملة بأهل البيت، ويعتمدون على جعفر بن محمد الصادق - عليه السّلام- في أبحاثهم الدينية وتأويل القرآن والفقه والفتوى، فلا شافعي ولا حنبلي ولا مالكي ولا حنفي عندهم، وكلّهم للّه حنفاء متّبعون ملّة أبيهم إبراهيم، وهو الذي سمّاهم المسلمين ويعبدون اللّه تعالى لا يشركون في عبادته حداً. (1)

ونترك الحديث إلى أحد كتابهم وهو الشيخ عبد الرحمان الخير يتحدث عن عقيدتهم في أُصول الدين وفروعه، حيث يقول:

أُصول الدين خمسة، وهي:

التوحيد و العدل والنبوّة والاِمامة والمعاد.


1. أحمد زكي تفاحة: أصل العلويين وعقيدتهم:47ـ 48.

(407)

التوحيد: نعتقد بوجود إله واحد خالق للعالم المرئي وغير المرئي، لا شريك له في الملك متصف بصفات الكمال، منزّه عن صفات النقص والمحال:"لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ الْسَمِيعُ الْبَصِير ") (الشورى|11).

العدل: نعتقد بأنّ اللّه تعالى عادل منزّه عن الظلم، وعن فعل القبيح والعبث، لا يكلّف البشر غير ما هو في وسعهم وطاقتهم ولا يأمرهم إلاّ بما فيه صلاحهم ولا ينهاهم إلاّ عمّا فيه فسادهم ولو جهل كثير من العباد وجه الصلاح والفساد في أمره ونهيه سبحانه.

النبوّة: نعتقد بأنّ اللّه سبحانه يصطفي من خيرة عباده الصالحين رسلاً لاِبلاغ رسالاته إلى الناس، ليرشدهم إلى ما فيه صلاحهم ويحذّروهم عمّا فيه فسادهم في الدنيا والآخرة.

ونعتقد بأنّ الاَنبياء كثيرون، ذكر منهم في القرآن الكريم خمسة وعشرون نبياً ورسولاً، أوّلهم سيدنا آدم - عليه السّلام- وآخرهم سيدنا محمد بن عبد اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلّم - وشريعته هي آخر الشرائع الاِلهية وأكملها، ونعتقد بأنّها صالحة لكلّ زمان و مكان.

ونعتقد بعصمة جميع الاَنبياء من السهو والنسيان، وارتكاب الذنوب عمداً وخطأ قبل البعثة، وبعدها، وأنّهم منزّهون عن جميع العيوب والنقائص، وأنّهم أكمل أهل زمانهم وأفضلهم وأجمعهم للصفات الحميدة، صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين.

الاِمامة: نعتقد بأنّ الاِمامة منصب تقتضيه الحكمة الاِلهية لمصلحة البشر في موَازرة الاَنبياء بنشر الدعوة الاِلهية، وفي القيام بعدهم بالمحافظة على تطبيق أحكامها بين الناس وبصون التشريع من التغيير والتحريف والتفسيرات الخاطئة.

ولذلك نعتقد اقتضاء اللطف الاِلهي بأن يكون الاِمام معيّناً بنص إلهي وأن يكون معصوماً مثل النبي سواء بسواء ليطمئن الموَمنون إلى الاقتداء به في جميع أعماله وأقواله.


(408)

ونعتقد بأنّ الاِمام بعد نبينا محمد - صلّى الله عليه وآله وسلّم - هو سيدنا الاِمام علي بن أبي طالب عليه السّلام، ومن بعده ابناه الحسن والحسين، ثمّتسعة من ذرية الحسين - عليه السّلام- ، آخرهم المهدي عجّل اللّه فرجه، وعجل به فرج الموَمنين.

المعاد: نعتقد بأنّ اللّه سبحانه يعيد الناس بعد الموت للحساب، فيجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.

كما ونوَمن بكل ما جاء في القرآن الكريم، وبما حدّث به النبي - صلّى الله عليه وآله وسلّم - من أخبار يوم البعث و النشور والجنّة والنار والعذاب والنعيم والصراط والميزان وغير ذلك ممّا أثبته كتاب اللّه وحديث رسوله الصحيح.

وأمّا فروع الدين: فكثيرة أهمّها الصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد. (1)

الجبر والاختيار والتفويض

يقول أحد كتّابهم في هذا الصدد:

عقيدة المسلمين العلويين في هذه المسألة هي طبق ما جاء عن الاِمام أمير الموَمنين علي بن أبي طالب - عليه السّلام- وهو ينفي الجبر والاِهمال، وقد منح اللّه العباد القوّة على أفعالهم وأوكلهم فيها إلى نفوسهم فعلاً وتركاً بعد الوعد والوعيد، قال - عليه السّلام- في نهج البلاغة: «إنّ اللّه سبحانه أمر عباده تخييراً ونهاهم تحذيراً، وكلّف يسيراً ولم يكلف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يعص مغلوباً ولم يطع مكرهاً، ولم يرسل الاَنبياء لعباً ولم ينزل الكتاب عبثاً، ولا خلق السماوات والاَرض وما بينهما باطلاً، ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار».

وقد شنع الاَمير الشاعر المكزون السنجاري على القائلين بالجبر ووصفهم بأنّ عبيد اللات خير منهم قال:


1. عبد اللّه الخير: عقيدتنا وواقعنا نحن المسلمين العلويين:20ـ23، نقل بتلخيص.

(409)

* * *

عبيد اللات فيما جاء عنهم * يسبّون الاِله بغير علم

* * *

وأما المجبرون فعن يقين * يسبّون الاِله بكل ظلم

ويقول أيضاً:

* * *

إذا كان فعلي له مرادا * فلم بما قد أراد يعصى

* * *

ولم دعاني إلى أُمور * مني لها الخلف ليس يحصى

ومن احتجاجه على القائلين بالجبر قوله:

* * *

قل لمن قال إنّ باري البرايا * ليس في خلقه مريد سواه

* * *

من ترى ان أراد بالعبد سوءاً * راح في العبد كارهاً ما قضاه

* * *

اتقوا اللّه ذاك أمر محال * أن يرى ساخطاً رضاه رضاه

* * *

وإذا لم يكن فقد ثبت القو * ل لعبد ومان في مدعاه. (1)

ما حيك حولهم

وفي غياب المصادر الموثوقة، نسب مناوئوهم عقائد وآراء شتى إلى العلويين نشير في ما يلي إلى بعضها:
1. الاعتقاد بالحلول والغلو في حقّ الاَئمّة سيّما الاِمام علي بن أبي طالب عليه السّلام.(2)

2. التناسخ. (3)

3. نبوّة النميري محمد بن نصير. (4)


1. علي عزيز الاِبراهيم: العلويون والتشيع:76ـ83.
2. الشهرستاني: الملل والنحل:2|25، 26، سليمان الاذنى: الباكورة السليمانية: 87.
3. النوبختي : فرق الشيعة: 93 ـ 94.
4. نفس المصدر .

(410)

4. شركة الاِمام علي مع رسول اللّه في نبوته. (1)
5. إباحة المحارم وتحليل نكاح الرجال بعضهم بعضاً. (2)
6. افتراقهم إلى ثلاث فرق في خلافة محمد بن نصير النميري. (3)
7. عبادة السماء والشمس والقمر على تقاليد الفينيقيين والاعتقاد بوجود الاَئمّة - عليهم السّلام- فيها. (4)

وهذه الافتراءات والتهم إنّما تهدف إلى شيء واحد وهو تأليب الناس عليهم دون أن تستند إلى مصدر أو مستند أو وثيقة. ودون أن يتجشّم الموَلّفون لتحقيقها، فإنّ موَلّفي الفرق والملل والنحل كان همّ أكثرهم توسيع رقعة الخلاف، وخلق أكبر عدد ممكن من الفرق وطرح أشياء غريبة عجيبة وغير معقولة ولا مشروعة.

رميهم بالغلو والتطرّف

أُمُّ الاتهامات ضدّهم هي تهمة الغلو وتأليه الاِمام علي - عليه السّلام- حيث يكرره الموَلفون من قديم وجديد. (5)

ويترآى أنّ رميهم بالغلو والتطرف كان ردّ فعل من مناوئيهم حيث كان يرميهم هوَلاء بالتقصير في حقّ علي بن أبي طالب - عليه السّلام- أو عدم الاِيمان بفضائله وأفضليته من سائر الصحابة، حتى عدائهم له بتحريض من خلفاء الاَُمويين،


1. المصدر نفسه.
2. الشهرستاني : الملل والنحل:2|25ـ26.
3. النوبختي: فرق الشيعة:115ـ116، الرازي فخر الدين: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين:61.
4. النوبختي: فرق الشيعة:115ـ116، وراجع: القلقشندي: صبح الاَعشى:13|222ـ 253.
5. الدكتور عبد الرحمان بدوي: مذاهب الاِسلاميين: 2|425، دار العلم للملايين ، بيروت ـ 1973م.

(411)

فقابلوا تهمة بتهمة. ولا غرو في ذلك فانّ النزاع السياسي والعسكري بين العشائر العلوية وخصومهم من الاَُمويين والعباسيين والعثمانيين الذين كانوا يتمتعون بالسلطة الرسمية تسبب في شن حرب إعلامية نفسية ضدّهم وسلب الشرعيّة عنهم حتى يبرّر ذلك التنكيلَ بهم والفتكَ الذريع بحقهم، وقد أجاد شاعرهم الاَمير حسن المكزون السنجاري حينما أنشد:

* * *

قد بدت البغضاء