welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الملل والنحل/ج7 (الزيدية)*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الملل والنحل/ج7 (الزيدية)

بحوث
في الملل والنحل

دراسة موضوعية مقارنة للمذاهب الاِسلامية

الجزء السابع

يتناول شخصية وحياة الاِمام الثائر زيد بن علي
وتاريخ الزيدية وعقائدهم

تأليف

جعفر السبحاني

مؤسسة النشر الاسلامي
التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة


(2)


(3)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين، والصّلاة والسلام على نبيّه وصفيّه محمّد وآله الطيبين الطاهرين.

أمّا بعد: فهذا هو الجزء السابع من موسوعتنا في الملل والنحل نقدّمه إلى القرّاء الكرام راجين منهم النقد والاِصلاح، فإنّ العصمة للّه ولمن عصمه.

ونخصّ هذا الجزء ببيان مذهب الزيدية المنتمية إلى الاِمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب _ عليهم السلام _ ذلك الاِمام الثائر الّذي ضمَّ إلى ثورته العارمة بوجه الظلم والطغيان، التجافيَ عن الدنيا، والزهدَ في صفرها وبيضها، والتهجّد آناء الليل وغياهبه بالصلاة وتلاوة القرآن، وكان فقيهاً في الدين، محدّثاً في الاِسلام، مفسّـراً للقرآن، ولم يكن له في الفقه منهج كما لم يكن له في مجال الاَُصول والعقائد مذهب خاص سوى ما عليه العترة الطاهرة ـ عليهم السلام ـ عامة، من أُصول التوحيد والعدل وبطلان الجبر والتشبيه، وقد نشرت منه آثار في الحديث والتفسير والفقه وسيوافيك تفصيلها.

نعم تأثّر المذهب الزيدي الحاضر بمبادىَ الاعتزال كثيراً كما تأثّر بفقه ببعض المذاهب الاَربعة، وأمّا ما هو السبب لتأثّره بآراء المعتزلة في العقائد،


(4)

وتفتّحه مع مدرسة الرأي في الفقه، فيحتاج إلى بسط في الكلام وسنوقفك على جليّة الحال في المستقبل.

وبما أنّ لزيد الشهيد بين الاَُمة الاِسلامية، وعند أئمة العترة الطاهرة مكانة خاصة، ومنزلة كبيرة لم تكن لسائر أئمة الزيدية، من الحسنيّين والحسينيّين الذين شايعوا زيداً في الخروج على الخلفاء، ومارسوا خطّه في الجهاد، ـ وكانت مساعي الجميع مشكورة ـ لم نجد بدّاً من فتح بابين، يتكفّل أحدهما، لبيان حياة زيد وآثاره وجهاده ونضاله، ويختص الآخر، ببيان حياة أئمة الزيدية والاِيعاز إلى الدول الّتي أسّسوها، والاَُصول التي اختاروها في مجال العقيدة، والمنهج الذي سلكوه في استنباط الاَحكام الشرعية إلى غير ذلك من مباحث جانبيّة، تسلّط الضوء على الموضوع.

ولاَجل إيضاح تاريخ زيد وأتباعه قسمنا الكتاب إلى قسمين:

1ـ ما يرجع إلى زيد من ولادته إلى شهادته وذلك في ضمن أربعة عشر فصلاً.

2ـ يتكفل ببيان السائرين على دربه وما يمت إليهم بصلة .

وقبل أن ندخل في صلب الموضوع نشير إلى بعض الفرق التي خلقتها السياسة في أوساط الشيعة في عصر الاَئمة الثلاثة: السجّاد والباقر والصادق ـ عليهم السلام ـ بوجه موجز، مع الاِشارة إلى الفرق الواقعية وإن كانت قليلة.


الموَلف

29 ربيع الثاني 1415




(5)

القسم الاَوّل:

وإليك مجمل ما فيه من فصول:

الفصل الاَوّل:فرق الشيعة بين الحقائق والاَوهام.

الفصل الثاني:في حياة زيد في عصر الاَئمّة الثلاثة _ عليهم السلام _ .

الفصل الثالث: في خطبه، وكلماته، وأشعاره، ومناظراته، وعبادته.

الفصل الرابع: في مشايخ زيد وتلاميذه في الحديث والتفسير.

الفصل الخامـس: الآثار العلمية الباقية عن زيد.

الفصل السادس: دراسة مسند الاِمام زيد سنداً ومضموناً.

الفصل السابع: هل كان زيد معتزلي المبدأ والفكرة.

الفصل الثامن: هل كان زيد أماماً في الاَُصول والعقائد، والفروع والاَحكام.

الفصل التاسع: هل دعا إلى نفسه أو دعا إلى الرضا من العترة.

الفصل العاشــر: موقف أئمّة أهل البيت من خروج زيد وجهاده.

الفصل الحادي عشر: الخط الثوري المدعَم من قبل أئمّة أهل البيت.

الفصل الثاني عشر: موقف علماء الشيعة من زيد الشهيد.

الفصل الثالث عشر: الثورات الناجمة عن ثورة الاِمام الحسين _ عليه السلام _ .

الفصل الرابع عشر: ثورة زيد كانت استمراراً لثورة الحسين _ عليه السلام _ .


(6)



(7)

الفصل الاَوّل

فرق الشيعة

بين الحقائق والاَوهام

إنّ من ثمرات وجود النبي المعصوم بين الاَُمّة هو رأب الصدع بعد ظهوره بينهم، وفصل القول، عند اندلاع النزاع، والقضاء على الفتنة في مهدها، وكان رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يلمّ الشمل، ويُزيل الخلاف عند بروزه فلاَجل ذلك كان اختلاف الصحابة في عصره _ صلى الله عليه وآله وسلم _ غير موَثر في تفرق الاَُمّة، لاَنّه صلوات اللّه عليه وآله بحنكته، واعتقاد الاَُمّة بعصمته، كان يأخذ بزمام الاَُمور، ويكسح أسباب الشقاق من جذوره.

فعندما اعترض عليه ذو الخويصرة عند توزيع الغنائم بين المسلمين بقوله: إعدل يامحمّد فإنّك لم تعدل، فقال عليه الصلاة والسلام: «إن لم أعدل، فمن يعدل» ثم أعاد اللعين وقال: هذه قسمة ما أُريد بها وجه اللّه، فعند ذاك لم يجد النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بُدّاً من أن يعرّفه للاَُمّة الاِسلامية وقال: «سيخرج من ضئضىَ هذا الرجل قوم يمرقون من الدين، كما يمرق السهم من الرمية» (1)


(1) مضت اسناد الرواية في: 5|480 ـ 502، من هذه الموسوعة

(8)

وليست قصة ذي الخويصرة وحيدة في بابها، فقد حدثت حوادث وكوارث في زمانه كادت تفرّق الاَُمّة ولكنّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قضى عليها بعلمه وحلمه وحكمته، ولا يقصر حديث الاِفك (1)عن قصة ذي الخويصرة، أو قعود بعض الصحابة عن الخروج مع رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في جيش العسرة، أو ما حدث في أيّام مرضه، حيث طلب دواة وقرطاساً حتى يكتب كتاباً لاتضل الاَُمّة بعده، فخالف بعضهم، ووافق البعض الآخر، فقضى النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ على الاختلاف وقال: «قوموا عنّي، لا ينبغي عندي التنازع» (2). إلى غير ذلك من حوادث مريرة في عصر الرسالة، فقد استقبلها القائد الكبير برحابة صدر في غزواته وفي إقامته في المدينة.

وقد كانت وحدة الاَُمّة الاِسلامية رهن قائد مطاع معصوم، لا يخضع لموَثرات الهوى، وتكون الاَُمّة مأمورة باتّباعه قال تعالى: "وَما كَانَ لِمُوَْمِنٍ وَلا مُوَْمِنَةٍ إذا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أمْراً أنْ تَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أمرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَد ضَلَّ ضَلالاً مُبِينا") (الاَحزاب ـ 36) .

ولئن تفرقت الاَُمّة إلى فرقتين أو أكثر فإنّما تفرّقوا بعد رحيله، وسرُّ الاختلاف يكمن في تناسي الاَُمّة الاِمام المعصوم الذي نصبه النبي مرجعاً عند الخلاف، غير أنّ المهتمّين بأمر الرسول ونصوصه تعلّقوا به تعلّقاً دينياً ولاَجل ذلك قلّ الاختلاف بينهم أو لم يتحقق إلى عصر الصادقين _ عليهما السلام _ وما يذكر من الفرق في عهدهما، لا صلة لهم بالاِسلام فضلاً عن التشيّع وإنّما كان التفرّق آنذاك ارتداداً عن الاِسلام وخروجاً عن الدين كما سيتضح.


(1) اقرأ تفصيل القصة وتشاجر الحيّين: الاَوس والخزرج في مسجد النبي بحضرته في صحيح البخاري: 5| 119 باب غزوة بني المصطلق، والسيرة النبوية: لابن هشام: 3|312. وذكرها الشهرستاني في الملل والنحل في فصل بدايات الخلاف: 1|21.
(2) لاحظ صحيح البخاري: 1|22، كتاب العلم، و2|14، والملل والنحل: للشهرستاني: 1|22 عند البحث في بدايات الخلاف.

(9)

يقول أبو حاتم أحمد بن حمدان الرازي صاحب كتاب الزينة: «كانت طائفة من (1) الشيعة قبل ظهور زيد بن علي مجتمعين على أمر واحد، فلمّا قتل زيد انحازت منهم طائفة إلى جعفر بن محمّد وقالوا بإمامته» (2).

إنّ الشيعة هم الذين شايعوا علياً وولديه الحسن والحسين _ عليهم السلام _ وكانوا متمسّكين بإمامتهم وقيادتهم ولم يبرز أيُّ اختلاف ديني بينهم إلى زمن الاِمام الصادق _ عليه السلام _ ، لاَنّ الاعتقاد بوجود المعصوم، كان يدفعهم إلى سوَاله ورفع الاِبهام عن الملابسات في وجوه المسألة، وأمّا تاريخ الكيسانية الناجمة في عصر الاِمام السجاد _ عليه السلام _ فسندرسها حسب التاريخ وكلمات أصحاب المقالات.

هذا ما يلمسه الاِنسان من قراءة تاريخ الشيعة، ولكن نرى أنّ أصحاب المقالات يذكرون للشيعة فرقاً كثيرة، وهم بين غلاة وغيرها.

قال الشهرستاني تبعاً لعبد القاهر البغدادي (3): والشيعة خمس فرق: كيسانية، وزيدية، وإمامية، وغلاةوإسماعيلية (4). ثم ذكر لكل فرقة طوائف كثيرة ولعل الغاية من إكثار الفرق تطبيق حديث الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في انقسام أُمّته إلى ثلاث وسبعين فرقة، عليهم.

ونحن نقف أمام هذا التقسيم وقفة غير طويلة، فنذكر أمرين:

الاَوّل: إنّ الغلاة ليسوا من الشيعة، ولا من المسلمين، وإنّ عدهم من الطوائف الاِسلامية جناية على المسلمين والشيعة، وعلى فرض كونهم فرقاً، فلم يكن لهم أتباع ولم يكتب لهم البقاء إلاّ أياماً قلائل.


(1) كذا في النسخة، ولعل لفظة «من» زائدة أو بيانيّة.
(2) أبو حاتم الرازي: كتاب الزينة: 207.
(3) عبد القاهر البغدادي: الفرق بين الفرق: 21. تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد.
(4) الشهرستاني: الملل والنحل: 1|147.

(10)

الثاني: إنّ الكيسانية لم تكن فرقة نجمت بين الشيعة، وإنّما خلقتها أعداء أئمة أهل البيت، ليستغلّوها ويقضوا بها على تماسك الشيعة ووحدتهم، وأكثر ما يمكن أن يقال في المقام: إنّه كانت هناك شكوك وأوهام عرت بعض البسطاء ثم أُزيلت، فتجلى الصبح لذي عينين، وإليك الكلام في كلا المقامين:

* * *

الغلاة ليسوا من المسلمين:

قد ذكر أصحاب الفرق فرقاً للشيعة باسم الغلاة ومع أنّهم يصرّحون بأنّهم ليسوا من فرق المسلمين ولكن يذكرونها فرقاً للشيعة ويحملون أوزار الغلاة على الشيعة. والشيعة طائفة من المسلمين فكيف يصح عدّ الغلاة منهم !!.

قال البغدادي: «فأمّا غلاتهم الذين قالوا بإلهية الاَئمة وأباحوا محرّمات الشريعة وأسقطوا وجوب فرائض الشريعة كالبيانية، والمغيرية، والجناحية، والمنصورية، والخطابية، والحلولية، ومن جرى مجراهم فماهم من فرق الاِسلام وإن كانوا منتسبين إليه» (1).

وقال أيضاً: الكلام في ذلك (الفرق الاِسلامية) يدور على اختلاف المتكلمين فيمن يعد من أُمّة الاِسلام وملّته ـ إلى أن قال: ـ فإن كان على بدعة الباطنية، أو البيانية، أو المغيرية، أو المنصورية، أو الجناحية،أو السبئية، أو الخطابية من الرافضة، أو كان على دين الحلولية أو على دين أصحاب التناسخ أو على دين الميمونية، أو اليزيدية من الخوارج أو على دين الخابطية، أو الحمارية من


(1) البغدادي: الفرق بين الفرق: 23ـ 24.

(11)

القدرية، أو كان ممن يحرّم شيئاً ممن نصّ القرآن على إباحته باسمه، أو أباح ما حرّم القرآن باسمه فليس هو من جملة أُمّة الاِسلام ـ إلى أن قال:ـ فالفرق المنتسبة إلى الاِسلام في الظاهر مع خروجها عن جملة الاَُمّة، عشرون فرقة هذه ترجمتها:

سبئية، وبيانية، وحربية، ومغيرية، ومنصورية، وجناحية، وخطّابية، وغرابية، ومفوضية، وحلولية، وأصحاب التناسخ، وخابطية، وحمارية، ومقنّعية، ورزامية، ويزيدية، وميمونية، وباطنية، وحلاّجية، وعذافرية، وأصحاب إباحة، وربما انشعبت الفرقة الواحدة من هذه الفرق أصنافاً كثيرة (1).

أقول: إنّ البحث في هذا الفصل في كتب الملل والنحل هو التحدث عن الفرق الاِسلامية ولا تكون الفرقة، إسلامية إلاّ إذا كان المقسم (الاِسلام) موجوداً فيها، فالاِسلام هو الشهادة على توحيده ورسالة نبيّه وحشر الخلق يوم المعاد، والتصديق بما جاء به النبي الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ على وجه الاِجمال، فمن أنكر واحداً من هذه، فليس بمسلم ولا يحمل عقيدة إسلامية، وهذه الفرق التي جاء بها الاَشعري في كتاب مقالات الاِسلاميين وتبعه البغدادي في الفرق بين الفرق ليسوا من الاِسلام ولا الشيعة بشيء وإنّما هي فرق مرتدة عن الاِسلام ولايمكن الحكم عليهم بالاِسلام، فالاَولى حذف هوَلاء المرتدين عن كتب الملل والنحل، والبحث عنهم تاريخياً فقط.

لا شك أنّ هوَلاء تنزلوا من علياء الاِسلام إلى حضيض الكفر وما جرَّتهم إلى ذلك إلاّ مطامع وشهوات استهوتهم إلى هذه المقالات الباطلة ومن حسن الحظ أنّه لم تكتب عليهم حياة معروفة إنّما كانت أيّاماً قلائل قطعت معرّتَهم حمامُهم فلم يبق منهن ذكر إلاّ بين أسطر التاريخ.

على أنّ قسماً منهم قاموا بهذه الدعايات من قبل السياسات الزمنية روماً


(1) البغدادي: الفرق بين الفرق: 232.

(12)

لتشتيت كلمة الشيعة أو المسلمين، لكن سرعان ما قلب عليهم الدهر ظهر المجنّ لما تمكنت السياسة من الحصول على غاياتها المنشودة فأُخذوا وقتلوا تقتيلاً.

هكذا يعامل مع كل عميل يعمل لصالح المستكبر. على أنّه لم يكن لمنهجهم معتنق قابل للذكر إلاّ شذاذ الآفاق أو ساقة الناس فمن مال إليهم لغاية دنيوية أو لشكوك وأوهام عرت لهم لا يتجاوز عددهم عدد الاَصابع إلاّ شيئاً طفيفاً حتى أصبح الجميع في حديث الاَمس الدابر.

والذي يتحمّل وزر ذكر هوَلاء من الفرق الاِسلامية الشيعية هو الشيخ المتكلّم الجليل الحسن بن موسى النوبختي (1)الشيعي من أعلام القرن الثالث المتوفّى حوالي عام 310هـ في كتابه «فرق الشيعة» ثم الشيخ الاَشعري (2)في كتابه «مقالات الاِسلاميين واختلاف المصلّين»، وتبعهما من جاء بعدهما كالبغدادي في «الفرق بين الفرق» (3)والاِسفرائيني في «التبصير » (4)والشهرستاني في «الملل والنحل» (5).

وإنّي لاَضن بالحبر والورق على تسطير عقائد هوَلاء وكفرياتهم الذين قضى عليهم الدهر وشرب، ولكن لاَجل إيقاف القارىَ على إجمال ما كانوا يعتقدونه نذكر أسماء الفرق مع التعريف الاِجمالي لمبادئهم حتى يقف على صدق ما قلناه.

قال الاَشعري: فمنهم الغالية وإنّما سمّوا الغالية لاَنّـهم غلوا في علي ـ عليه السلام ـ وقالوا فيه قولاً عظيماً وهم خمس عشرة فرقة:


(1) الحسن بن موسى النوبختي: فرق الشيعة: 36، وما بعدها.
(2) الاِمام الاَشعري: مقالات الاِسلاميين واختلاف المصلين: 5، وما بعدها.
(3) البغدادي: الفرق بين الفرق: 225، وما بعدها.
(4) الاِسفرائيني: التبصير: 123، وما بعدها.
(5) الشهرستاني: الملل والنحل: 1|150، وما بعدها.

(13)

الاَُولى: البيانية:

وهوَلاء يزعمون أنّ أبا هاشم عبد اللّه بن محمد بن الحنفية (1)نص على إمامة بيان بن سمعان التميمي ونصبه إماماً، يقولون بأنّ اللّه عزّ وجلّ على صورة الاِنسان وأنّه يهلك كلّه إلاّ وجهه وادّعى «بيان» أنّه يدعو (كوكب) الزهرة فتجيبه وأنّه يفعل ذلك بالاسم الاَعظم فقتله خالد بن عبد اللّه القسري، وقيل: إنّ كثيراً منهم يثبت لبيان بن سمعان، النبوة (2).

وقال النوبختي: فكان «بيان» تبّاناً يتبن التبن في الكوفة وأخذه خالد بن عبد اللّه القسري هو وخمسة عشر رجلاً من أصحابه، فشدّهم بأطنان القصب وصبّ عليهم النفط في مسجد الكوفة وألهب فيهم النار فأفلت منهم رجل فخرج بنفسه ثم التفت فرأى أصحابه تأخذهم النار فكرّ راجعاً إلى أن ألقى نفسه في النار فأُحرق معهم (3) .

أقول: إنّ البيانية ـ على فرض صحّة وجودها ـ مشتقة من القول بإمامة محمد ابن الحنفية بعد شهادة السبط الاَكبر الحسين بن علي سلام اللّه عليهما وانتقال الاِمامة منه إلى ابنه أبي هاشم، فلما مات أبو هاشم اختلفوا في وصيّه إلى أقوال فمن قائل بأنّه ابن أخيه الحسن بن علي بن محمد الحنفية، إلى آخر بأنّه أخوه علي بن محمد، وعليّ أوصى إلى ابنه الحسن فالاِمامة عندهم في بني الحنفية لاتخرج إلى غيرهم، إلى ثالث أنّه عبد اللّه بن عمرو بن الكنديّ، وأنّ الاِمامة خرجت من بني هاشم وتحرّكت روح أبي هاشم إلى عبد اللّه الكندي، إلى رابع بأنّه أوصى إلى بيان ابن سمعان التميمي (4).


(1) كل فرقة تنتمي إلى أبي هاشم فهي من فروع الكيسانية الممسوخة والفرق الثلاث الاَُول: البيانية، الجناحيّة، والحربية، من هذا الصنف.
(2) الاِمام الاَشعري: مقالات الاِسلاميين: 5 ـ 6.
(3) النوبختي: فرق الشيعة: 28، طبع بيروت، تحقيق محمد صادق بحر العلوم، ولاحظ الفرق بين الفرق: 236.
(4) الشهرستاني: الملل والنحل: 1|151 ـ 152.

(14)

الثانية: الجناحية:

أصحاب عبد اللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر ذي الجناحين، يزعمون أنّ عبد اللّه بن معاوية كان يدّعي أنّ العلم ينبت في قلبه كما ينبت الكماة والعشب وأنّ الاَرواح تناسخت وأنّ روح اللّه جلّ اسمه كانت في آدم ثم تناسخت حتى صارت فيه، قال: وزعم أنّه ربّ وأنّه نبي فعبدته شيعته وهم يكفرون بالقيامة ويدعون أنّ الدنيا لاتفنى ويستحلّون الميتة والخمر وغيرهما من المحارم ويتأوّلون قول اللّه عزّ وجلّ: "لَيسَ عَلَى الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إذا ما اتَّقَوا") (1).

هذا ولم يذكر الاَشعري اشتقاقهم من أي فرقة ولكن جاء به النوبختي، وقال: «فرقة قالت أوصى أبو هاشم عبد اللّه بن محمد الحنفية إلى عبد اللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب الخارج بالكوفة، وهو يومئذ غلام صغير فدفع الوصية إلى صالح بن مدرك وأمره أن يحفظها حتى يبلغ عبد اللّه بن معاوية فيدفعها إليه فهو الاِمام وهو العالم بكل شيء حتى غلوا فيه وقالوا: إنّ اللّه عزّ وجلّ نور وهو في عبد اللّه بن معاوية قتله أبو مسلم في حبسه» (2)

الثالثة: الحربية:

هم أصحاب عبد اللّه بن عمر بن حرب، ويسمّون الحربية، يزعمون أنّ روح أبي هاشم عبد اللّه بن محمد بن الحنفية تحولت فيه وأنّ أبا هاشم نصّ على إمامته (3) . ويرجع جذور هذه الفرق إلى القول بإمامة محمد الحنفية ثم أبي هاشم كما تقدم.


(1) الاَشعري: مقالات الاِسلاميين: 6.والآية 93 من سورة المائدة.
(2) النوبختي: فرق الشيعة: 32، ولاحظ الفرق بين الفرق: 245.
(3) الاَشعري: مقالات الاِسلاميين: 6، لاحظ الفرق بين الفرق: 243.

(15)

الرابعة: المغيرية:

هوَلاء أتباع المغيرة بن سعيد العجلي وكان يظهر في بدء أمره موالاة الاِمامية ويزعم أنّ الاِمامة بعد علي والحسن والحسين _ عليهم السلام _ إلى سبط الحسن محمد (المعروف بالنفس الزكية الذي توفي عام 145هـ) وزعم أنّه المهدي المنتظر، ثم إنّه أظهر مقالات فاسدة منها دعواه النبوة، دعواه علمه بالاسم الاَعظم، وزعم أنّه يحيي بها الموتى ويهزم بها الجيوش ومنها إفراطه في التشبيه وذلك أنّه زعم أنّ معبوده رجل من نور وله أعضاء وقلب ينبع منـه الحكمة ـ إلى أن قال: ـ وكان المغيرة مع ضلالاته يأمر بانتظار محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي (1).

ويظهر من النوبختي أنّه كان يقول بإمامة الاَئمة إلى أبي جعفر الباقر ـ عليهم السلام ـ (57 ـ 114هـ) فلما تـوفي أبو جعفر محمد بن علي، دعا المغيـرة إلى إمامــة محمـد بن عبـد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم وأظهر ما أظهر فبرئت منه أصحاب أبي عبد اللّه جعفر بن محمد _ عليهما السلام _ ورفضوه فزعم أنّهم رافضة وأنّه هو الذي سمّاهم بهذا الاسم وقال: إنّ خالد بن عبد اللّه القسري أخذ المغيرة فسأله عن عقائده فأقر بها ودعا خالداً إليها فاستتابه خالد فأبى أن يرجع عن قوله فقتله وصلبه (2).

الخامسة: المنصورية:

أصحاب أبي منصور، يزعمون أنّ الاِمام بعد أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين _ عليهم السلام _ أبو منصور وأنّ أبا منصور، قال: آل محمد هم السماء


(1) الاَشعري: مقالات الاِسلاميين: 9.
(2) النوبختي: فرق الشيعة: 63، وفيما ذكره تأمل واضح على أنّ خالد بن عبد اللّه القسري من عُمال آل أُمية، فكيف قتل من كان يدعو بالنفس الزكية الذي خرج في أوائل العباسيين وقتل عام 145هـ؟!. إلاّ أن تكون له دعوة خفيّة بعد استشهاد زيد وابنه يحيى عام 126 هـ .

(16)

والشيعة هم الاَرض وأنّه هو الكسف الساقط من بني هاشم تأويلاً لقوله سبحانه: "وإن يَرَوْا كِسفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحَابٌ مَركُوم") (الطور ـ 44) وقد ذكر الاَشعري عقائدهم الفاسدة التي لا تمت صلة بالديانات الاِلهية (1).

قال البغدادي: وكفرت هذه الطائفة بالقيامة والجنّة والنار وتأوّلوا الجنّة على نعيم الدنيا والنار على محن الناس في الدنيا واستحلّوا مع هذه الضلالة خنق مخالفيهم، واستمرت فتنتهم على عادتهم إلى أن وقف يوسف بن عمر الثقفي والي العراق في زمانه على عوارت المنصورية فأخذ أبا منصور العجلي وصلبه، وهذه الفرقة كالمتقدمة عليها غير معدودة من فرق الاِسلام لكفرها بالقيامة والجنّة والنار (2) .

السادسة: الخطابية المطلقه:

أصحاب أبي الخطاب بن أبي زينب، يقولون: إنّ الاِمامة في أولاد عليّ إلى أن انتهت إلى جعفر الصادق، ويزعمون أنّ الاَئمة كانوا آلهة، وكان أبو الخطاب يزعم أوّلاً أنّ الاَئمة أنبياء، ثم زعم أنّهم آلهة، وأنّ أولاد الحسن والحسين كانوا أبناء اللّه وأحباءه، وكان يقول: إنّ جعفراً إله، ولما بلغ ذلك جعفراً _ عليه السلام _ لعنه وطرده. وكان أبو الخطاب يدّعي بعد ذلك، الاِلهية لنفسه وزعم أتباعه أنّ جعفراً إله غير أنّ أبا الخطاب أفضل منه وأفضل من علي (3).

وخرج أبو الخطاب على أبي جعفر فقتله عيسى بن موسى في سبخة الكوفة، ثم إنّ الذين جاءوا بعد أبي الخطاب انقسموا إلى فرق ذكرها الاَشعري وقد عبر عن موَسس الفرقة بالخطابية المطلقة لتتميز عن الفرق اللاحقة.


(1) الاَشعري: مقالات الاِسلاميين: 9 ـ 10.
(2) البغدادي: الفرق بين الفرق: 243.
(3) البغدادي: الفرق بين الفرق: 247.

(17)

السابعة: الخطابية المعمرية:

يزعمون أنّ الاِمام بعد أبي الخطاب رجل يقال له «معمر» وعبدوه كما عبدوا أبا الخطاب. قال: واستحلّوا الخمر والزنا واستحلّوا سائر المحرمات ودانوا بترك الصلاة (1) وقد لعنه الاِمام الصادق _ عليه السلام _ وسيأتيك نصه.

الثامنة: الخطابية البزيعية:

أصحاب بزيع بن موسى يزعمون أن جعفر بن محمد _ عليه السلام _ هو اللّه، وزعموا أن كل ما يحدث في قلوبهم وحي، وأنّ كل موَمن يوحى إليه، وزعموا أنّ منهم من هو خير من جبرئيل وميكائيل وأن أحدهم إذا بلغت عبادته، رفع إلى الملكوت (2) .

التاسعة: الخطابية العميرية:

أصحاب عمير بن بيان العجلي، وهذه الفرقة تكذب من قال منهم: إنّهم لا يموتون ويزعمون أنّهم يموتون ولا يزال خَلَفٌ منهم في الاَرض أئمة أنبياء وعبدوا جعفراً كما عبده اليعمريون وزعموا أنّه ربّهم وقد كانوا ضربوا خيمة في كناسة الكوفة ثم اجتمعوا إلى عبادة جعفر فأخذ يزيد بن عمر بن هبيرة« عمير بن البيان» فقتله في الكناسة وحبس بعضهم (3).

العاشرة: الخطابية المفضلية:

لاَنّ رئيسهم كان صيرفياً يقال له المفضل يقولون بربوبية جعفر كما قال


(1) الاَشعري: مقالات الاِسلاميين: 11، الرازي: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين: 87، البغدادي: الفرق بين الفرق: 248.
(2) الاَشعري: مقالات الاِسلاميين: 12، النوبختي: فرق الشيعة: 43.
(3) الاَشعري: مقالات الاِسلاميين: 12، النوبختي: فرق الشيعة: 44.

(18)

غيرهم من أصناف الخطابية وانتحلوا النبوة والرسالة وإنّما خالفوا في البراءة من أبي الخطاب لاَنّ جعفراً أظهر البراءة منه(1).

الحادية عشرة:

من أصناف الغالية يزعمون أنّ روح القدس هو اللّه عزّ وجلّ وكانت في النبي ثم في علي ثم في باقي الاَئمة الاثني عشر، ولم يذكر الاِمام الاَشعري اسم موَسس الفرقة كالفرقة التالية (2).

الثانية عشرة:

يزعمون علياً هو اللّه، ويكذبون النبي ويشتمونه ويقولون: إنّ علياً وجَّه بهِ ليبين أمره فادّعى الاَمر لنفسه (3) .

الثالثة عشرة:

هم أصحاب «الشريعي» يزعمون أنّ اللّه حلَّ في خمسة أشخاص في النبي وفي علي والحسن وفي الحسين وفي فاطمة فهوَلاء آلهة عندهم وليس يطعن أصحاب الشريعي على النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ... (4) .

الرابعة عشرة: السبائية:

أصحاب عبد اللّه بن سبأ، يزعمون أنّ علياً لم يمت وأنّه يرجع إلى الدنيا قبل يوم القيامة فيملاَ الاَرض عدلاً كما ملئت جورا(5) .


(1) الاَشعري: مقالات الاِسلاميين: 13، البغدادي: الفرق بين الفرق: 250.
(2)3ـ4ـ5ـ الاَشعري: مقالات الاِسلاميين: 14، 15، 16، ولاحظ في الوقوف على عقائد هذه الفرق كتب أصحاب المقالات والملل والنحل، وكأنّ المتأخرين عن الاَشعري عمدوا إلى تحرير ما ذكره، ولانطيل المقام بذكر المصادر.

(19)

وقد تعرفت في الجزء السادس على أنّ عبد اللّه بن سبأ على النحو الذي يذكره أصحاب التواريخ والمقالات أُسطورة تاريخية.

الخامسة عشرة: المفوضة:

يزعمون أنّ اللّه عزّ وجلّ وكّل الاَُمور وفوّضها إلى محمّد _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وأنّه أقدره على خلق الدنيا فخلقها ودبرها وأنّ اللّه لم يخلق من ذلك شيئاً، ويزعمون أنّ الاَئمة ينسخون الشرائع ويهبط عليهم الملائكة... (1).

ونحن بدورنا نعلّق على هذه الفرق التي ذكروها فرقاً للشيعة وبالتالي فرقاً للاِسلام بأمرين:

الاَوّل: من المظنون جداً ـ أنّ هذه الفرق على فرض التأكد من وجودها في عصورها ممّا صنعتها يد السياسة الاَثيمة لتشويش سمعة الاَئمة الطاهرين ـ عليهم السلام ـ بين المسلمين ومحق روعتهم، وقد استعانت في ذلك، برجال كانوا غامرين في حبّ التصدر والفخفخة، وجنون العظمة، ولما كانت دعوتهم على خلاف العقل والنقل، والفطرة الاِنسانية، لم يُقم المجتمع الاِسلامي لهم وزناً ولم يعيشوا إلاّ أيّاماً قلائل وقد قامت أئمة أهل البيت بدورهم على إيقاظ الاَُمّة عند استفحال الفساد وتبرّأوا من أصحاب هذه المقالات وعقائدهم. وسيوافيك كلامهم في حقّ هوَلاء الغلاة فانتظر.

الثاني: نحن نعاتب المشايخ: النوبختي والاَشعري والبغدادي والاِسفرائيني، والشهرستاني والرازي وغيرهم من كتّاب تاريخ العقائد، وأصحاب المقالات، حيث نسبوا هوَلاء إلى الشيعة مع تصريحهم بأنّهم غلاة كفار، لايمتّون إلى الاِسلام والمسلمين بصلة، وأقلُّ، كلمة يمكن أن يقال في حقهم إنّ الجنون


(1) الاَشعري: مقالات الاِسلاميين:16.

(20)

والمجون، وحب الجاه والمقام أسفت بهوَلاء إلى هوة المذلة واللعنة ثم الفناء المطلق فليس لاَحد أن يطعن الشيعة بانتماء هوَلاء إليهم، فما أحسن قول القائل:

غيري جنى وأنّا المعاقب فيكم * فكأنّني سبابة المتندِّم

"قُلْ هذِهِ سَبِيلي أدعُوا إلى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أنا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبحانَ اللّهِ وَما أنا مِنَ المُشرِكِين") (يوسف ـ 108) .

وليس انتماوَهم إلى الشيعة إلاّ كانتماء النصارى القائلين بالتثليث إلى المسيح _ عليه السلام _ وهل يوَخذ البريء بجرم المعتدي؟!. لا واللّه.

موقف الاَئمة من الغلاة:

إنّ موقف أئمة أهل البيت من هوَلاء المرتدّين موقف النبي الاَكرم من مشركي عصره والاَعصار الآتية فقد طردوهم، ولعنوهم وكفّروهم وحذّروا شيعتهم من مكائدهم ومصائدهم، وإليك قسماً من الروايات الواردة في حقّ سعيد بن المغيرة، وأبي الخطاب، ولفيفاً من رجال العيث والفساد الذين كانوا يتظاهرون بالانتماء إلى أهل البيت _ عليهم السلام _ ولم يكونوا منهم بشيء.

وبما أنّ كتاب الرجال للشيخ الكشي الذي يعد من علماء القرن الرابع أحسن كتاب وضع في مجال التوثيق والجرح على أساس الروايات الواردة عن المعصومين _ عليهم السلام _ في حقّ الرواة، نقتبس الروايات من هذا الكتاب وإن كان لها مصادر أُخرى.


(21)

المغيرة بن سعيد في روايات أئمة أهل البيت ـ عليهم السلامـ:

1 ـ روى الكشي عن جعفر بن عيسى وأبي يحيى الواسطي قال: قال أبو الحسن الرضا _ عليه السلام _: «كان المغيرة بن سعيد يكذب على أبي جعفر ـ عليه السلام ـ فأذاقه اللّه حرّ الحديد».

2 ـ أخرج الكشي عن عبد اللّه بن مسكان عمّن حدثه من أصحابنا عن أبي عبد اللّه _ عليه السلام _ قال: سمعته يقول: لعن اللّه المغيرة بن سعيد إنّه كان يكذب على أبي، فأذاقه اللّه حرّ الحديد. لعن اللّه من قال فينا ما لا نقوله في أنفسنا، ولعن اللّه من أزالنا عن العبودية للّه، الذي خلقنا وإليه مآبنا ومعادنا وبيده نواصينا.

3 ـ أخرج الكشي عن محمد بن عيسى بن عبيد: أنّ بعض أصحابنا سأل يونس بن عبد الرحمن وأنا حاضر، فقال له: يا أبا محمد ما أشدَّك في الحديث وأكثر إنكارك لما يرويه أصحابنا فما الذي يحملك على ردّ الاَحاديث؟ فقال: حدثني هشام بن الحكم أنّه سمع أبا عبد اللّه _ عليه السلام _ يقول: لا تقبلوا علينا حديثاً إلاّ ما وافق القرآن والسنّة أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدمة، فإنّ المغيرة بن سعيد لعنه اللّه دسّ في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يُحدِّث بها أبي فاتقوا اللّه ولاتقبلوا علينا ما خالف قول ربّنا تعالى وسنّة نبينا _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فإنّا إذا حدّثنا قلنا قال اللّه عزّ وجلّ وقال رسول اللّه.

4 ـ أخرج الكشي عن هشام بن الحكم أنّه سمع أبا عبد اللّه _ عليه السلام _ يقول: «كان المغيرة بن سعيد يتعمَّد الكذب على أبي ويأخذ كتب أصحابه، وكان أصحابه المستترون في أصحاب أبي، يأخذون الكتب من أصحاب أبي فيدفعونها إلى المغيرة فكان يدسّ فيها الكفر والزندقة ويُسندها إلى أبي ثم يدفعها إلى أصحابه فيأمرهم أن يبثّوها في الشيعة فكل ما كان في كتب أصحاب أبي من الغلو فذاك مما دسّه المغيرة في كتبهم».


(22)

5 ـ أخرج الكشي عن علي بن الحسان عن عمّه عبد الرحمن بن كثير قال: قال أبو عبد اللّه _ عليه السلام _ يوماً لاَصحابه: «لعن اللّه المغيرة بن سعيد ولعن اللّه يهودية كان يختلف إليها يتعلّم منها السحر والشعبذة والمخاريق، إنّ المغيرة كذب على أبي فسلبه اللّه الاِيمان وإنّ قوماً كذبوا عليّ، ما لهم، أذاقهم اللّه حرّ الحديد، فو اللّه ما نحن إلاّ عبيد الذي خلقنا واصطفانا، مانقدر على ضرّ ولا نفع إن رُحمنا فبرحمته وإن عُذّبنا فبذنوبنا، واللّه مالنا على اللّه من حجّة ولامعَنا من اللّه براءة وإنّا لميتون ومقبورون، ومنشرون، ومبعوثون، وموقوفون، ومسوَولون، ويلهم مالهم، لعنهم اللّه آذوا اللّه وآذوا رسوله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في قبره وأمير الموَمنين وفاطمة والحسن والحسين وعليّ بن الحسين ومحمد بن علي، وها أنا ذا بين أظهركم، لحم رسول اللّه وجلد رسول اللّه، أبيت على فراشي خائفاً وجلاً مرعوباً، يأمنون وأفزع، وينامون على فرشهم، وأنا خائف ساهر، وَجِل اتقلقل بين الجبال والبراري أبرأ إلى اللّه ممّا قال فيّ الاَجدع البّراد عبد بني أسد أبو الخطاب، لعنه اللّه، واللّه لو ابتلوا بنا وأمرناهم بذلك لكان الواجب الاّ تقبلوه فكيف وهم يروني خائفاً وجلاً، استعدى اللّه عليهم وأتبرّأ إلى اللّه منهم أشهدكم إنّي امروَ ولدني رسول اللّه وما معي براءة من اللّه، إن أطعته رحمني وإن عصيته عذّبني عذاباً شديداً أو أشد عذابه».

6 ـ أخرج الكشي عن سلمان الكناني: قال: قال لي أبو جعفر _ عليه السلام _: هل تدري ما مثل المغيرة؟ قال: قلت: لا، قال: مثله مثل بلعم بن باعور، قلت: ومن بلعم قال: الذي قال اللّه عزّ وجلّ: "الّذِي آتَيناهُ آياتِنَا فَانسَلَخَ مِنْها فَأتْبَعَهُ الشَّيطانُ فَكانَ مِنَ الغاوين") (1).

إلى غير ذلك من الروايات التي وردت في ذمّه ونقلها الكشي في رجاله(2)


(1) الاَعراف: 175.
(2) الكشي: الرجال: 194 ـ 198.

(23)

أبو زينب وأتباعه في روايات أئمة أهل البيت :

قال الكشي في رجاله: محمد بن أبي زينب اسمه مقلاص بن الخطاب البرّاد الاَجدع الاَسدي ويكنّى أبا إسماعيل ويكنّى أيضاً أبا الضبيان:

1 ـ أخرج الكشي عن عيسى بن أبي منصور قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السلام ـ يقول وذكر أبا الخطاب فقال: اللهم العن أبا الخطاب فإنّه خوّفني قائماً وقاعداً وعلى فراشي، اللهم أذقه حرّ الحديد.

2 ـ أخرج الكشي عن بريد العجلي عن أبي عبد اللّه _ عليه السلام _ قال: سألته قول اللّه عزّ وجلّ "هل أُنَبِّئَكُم على مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطين * تَنَزَّلُ علَى كُلِّ أفّاكٍ أثِيم") (1) قال: هم سبعة: المغيرة بن سعيد، وبيان، والصائد النهدي، والحارس الشامي، وعبد اللّه بن حارث، وحمزة بن عمار البربري وأبو الخطاب (2).

3 ـ أخرج الكشي عن بشير الدهان عن أبي عبد اللّه _ عليه السلام _ قال: كتب أبو عبد اللّه _ عليه السلام _ إلى أبي الخطاب بلغني أنّك تزعم أنّ الزنا رجل، وأنّ الخمر رجل، وأنّ الصراط رجل، وأنّ الصيام رجل، والفواحش رجل، وليس هو كما تقول، أنا أصل الحقّ، وفروع الحقّ طاعة اللّه، وعدوّنا أصل الشر وفروعهم الفواحش، وكيف يطاع من لا يعرف وكيف يعرف من لا يطاع»؟

4 ـ أخرج الكشي عن الحمادي رفعه إلى أبي عبد اللّه أنّه قيل له: روي عنكم أن الخمر والميسر والاَنصاب والاَزلام رجال؟ فقال: «ما كان اللّه عزّ وجلّ ليخاطب خلقه بما لا يعلمون».


(1) الشعراء: 221 ـ 222.
(2) جرى الاِمام _ عليه السلام _ في تفسير الآية بهوَلاء السبعة، مجرى الجري وتطبيق الكلّـي على مصاديقه الكثيرة.

(24)

5 ـ أخرج الكشي عن سدير عن أبي عبد اللّه _ عليه السلام _ قال: كنت جالساً عند أبي عبد اللّه وميسر عنده ونحن في سنة ثمان وثلاثين ومائة فقال ميسر بياع الزطي: جعلت فداك عجبت لقوم كانوا يأتون معنا إلى هذا الموضع فانقطعت آثارهم وفنيت آجالهم، قال: «ومن هم؟» قلت: أبو الخطاب وأصحابه، فكان متكئاً فجلس فرفع اصبعه إلى السماء ثم قال: «على أبي الخطاب لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين فاشهدوا باللّه أنّه كافر، فاسق مشرك وأنّه يحشر مع فرعون في أشد العذاب غدواً وعشياً، ثم قال: أما واللّه إنّي لانفس (1)على أجساد أُصيبت معه النار».

6 ـ أخرج الكشي عن المفضل بن يزيد قال: قال أبو عبد اللّه _ عليه السلام _ وذكر أصحاب أبي الخطاب والغلاة فقال لي: «يامفضل لاتقاعدوهم ولاتواكلوهم ولاتشاربوهم ولاتصافحوهم ولاتوارثوهم».

7 ـ أخرج الكشي عن مرازم قال: قال أبو عبد اللّه: « قل للغالية توبوا إلى اللّه فإنّكم فسّاق كفّار مشركون».

8 ـ أخرج الكشي عن أبي بصير قال: قال لي أبو عبد اللّه _ عليه السلام _: «يا أبا محمد ابرأ ممن يزعم أنّا أرباب» قلت: برىَ اللّه منه، فقال: «ابرأ ممن زعم أنّا أنبياء» قلت: برىَ اللّه منه.

9 ـ أخرج الكشي عن قاسم الصيرفي قال: سمعت أبا عبد اللّه يقول: «قوم يزعمون أنّي لهم إمام واللّه ما أنا لهم بإمام، مالهم لعنهم اللّه كلما سترتُ ستراً هتكوه، هتك اللّه ستورهم».

10 ـ أخرج الكشي عن الحسن الوشاء عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ قال: «من قال بأنّنا أنبياء فعليه لعنة اللّه ومن شك في ذلك فعليه لعنة اللّه».


(1) نَفسَ به وعليه: ضنَّ به.

(25)

11 ـ أخرج الكشي عن زرارة عن أبي جعفر قال: سمعته يقول: «لعن اللّه «بيان التبّان» وأنّ «بياناً» لعنه اللّه يكذب على أبي أشهد أنّ أبي علي بن الحسين كان عبداً صالحاً».

12 ـ أخرج الكشي عن أبي يحيى الواسطي قال: قال أبو الحسن الرضا ـ عليه السلام ـ : «كان بيان يكذب على علي بن الحسين _ عليه السلام _ فأذاقه اللّه حر الحديد، وكان المغيرة بن سعيد يكذب على أبي جعفر _ عليه السلام _ فأذاقه اللّه حرّ الحديد.

وكان محمد بن بشير يكذب على أبي الحسن موسى فأذاقه اللّه حرّ الحديد.

وكان أبو الخطاب يكذب على أبي عبد اللّه فأذاقه اللّه حرّ الحديد والذي يكذب عليّ، محمد بن فرات» قال أبو يحيى: وكان محمد بن فرات من الكتاب فقتله إبراهيم بن شكلة.

13 ـ أخرج الكشي عن عبد اللّه بن سنان قال: قال أبو عبد اللّه ـ عليه السلام ـ: «إنّا أهل بيت صادقون لا نخلو من كذّاب يكذب علينا فيسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس، كان رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أصدق البرية لهجة وكان مسيلمة يكذب عليه، وكان أمير الموَمنين _ عليه السلام _ أصدق من برأ اللّه، من بعد رسول اللّه وكان الذي يكذب عليه ويعمل في تكذيب صدقه بما يفتري عليه من الكذب عبد اللّه ابن سبأ لعنه اللّه».

ذكر أبو عبد اللّه _ عليه السلام _ الحارث الشامي وبيان فقال: كانا يكذبان على علي بن الحسين _ عليه السلام _، ثم ذكر المغيرة بن سعيد وبزيعاً والسريّ وأبا الخطاب ومعمراً وبشار الاَشعري وحمزة البريري وصائد النهدي فقال: «لعنهم اللّه إنّا لا نخلو من كذاب يكذب علينا أو عاجز الرأي، كفانا اللّه موَنة كل كذّاب، وأذاقهم اللّه حر الحديد».


(26)

14 ـ أخرج الكشي عن ابن أبي يعفور قال: كنت عند أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ فاستأذن عليه رجل حسن الهيئة، فقال: اتق السفلة فما تقارّت في الاَرض حتى خرجت فسألت عنه فوجدته غالياً.

إلى غير ذلك من الروايات التي جمعها الكشي في رجاله (1)وقد اكتفينا بهذا المقدار وإلاّ فالروايات التي تذم هوَلاء الغلاة الكفّار كثيرة. وقد أشار الاِمام في ثنايا كلامه أنّهم كانوا بصدد تشويه سمعة الاَئمة بالكذب عليهم حيث قال: فيسقط صدقنا بكذبهم علينا عند الناس.


(1) الكشي: الرجال: 290 ـ 308.، ولقد قابلنا الاَحاديث مع الطبعة التي حقّقها العلاّمة المصطفويّ، ومع ذلك لا تخلو أيضاً من هفوات.

Website Security Test