welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الملل والنحل/ج7 (الزيدية)*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الملل والنحل/ج7 (الزيدية)

بحوث
في الملل والنحل

دراسة موضوعية مقارنة للمذاهب الاِسلامية

الجزء السابع

يتناول شخصية وحياة الاِمام الثائر زيد بن علي
وتاريخ الزيدية وعقائدهم

تأليف

جعفر السبحاني

مؤسسة النشر الاسلامي
التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة


(2)


(3)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين، والصّلاة والسلام على نبيّه وصفيّه محمّد وآله الطيبين الطاهرين.

أمّا بعد: فهذا هو الجزء السابع من موسوعتنا في الملل والنحل نقدّمه إلى القرّاء الكرام راجين منهم النقد والاِصلاح، فإنّ العصمة للّه ولمن عصمه.

ونخصّ هذا الجزء ببيان مذهب الزيدية المنتمية إلى الاِمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب _ عليهم السلام _ ذلك الاِمام الثائر الّذي ضمَّ إلى ثورته العارمة بوجه الظلم والطغيان، التجافيَ عن الدنيا، والزهدَ في صفرها وبيضها، والتهجّد آناء الليل وغياهبه بالصلاة وتلاوة القرآن، وكان فقيهاً في الدين، محدّثاً في الاِسلام، مفسّـراً للقرآن، ولم يكن له في الفقه منهج كما لم يكن له في مجال الاَُصول والعقائد مذهب خاص سوى ما عليه العترة الطاهرة ـ عليهم السلام ـ عامة، من أُصول التوحيد والعدل وبطلان الجبر والتشبيه، وقد نشرت منه آثار في الحديث والتفسير والفقه وسيوافيك تفصيلها.

نعم تأثّر المذهب الزيدي الحاضر بمبادىَ الاعتزال كثيراً كما تأثّر بفقه ببعض المذاهب الاَربعة، وأمّا ما هو السبب لتأثّره بآراء المعتزلة في العقائد،


(4)

وتفتّحه مع مدرسة الرأي في الفقه، فيحتاج إلى بسط في الكلام وسنوقفك على جليّة الحال في المستقبل.

وبما أنّ لزيد الشهيد بين الاَُمة الاِسلامية، وعند أئمة العترة الطاهرة مكانة خاصة، ومنزلة كبيرة لم تكن لسائر أئمة الزيدية، من الحسنيّين والحسينيّين الذين شايعوا زيداً في الخروج على الخلفاء، ومارسوا خطّه في الجهاد، ـ وكانت مساعي الجميع مشكورة ـ لم نجد بدّاً من فتح بابين، يتكفّل أحدهما، لبيان حياة زيد وآثاره وجهاده ونضاله، ويختص الآخر، ببيان حياة أئمة الزيدية والاِيعاز إلى الدول الّتي أسّسوها، والاَُصول التي اختاروها في مجال العقيدة، والمنهج الذي سلكوه في استنباط الاَحكام الشرعية إلى غير ذلك من مباحث جانبيّة، تسلّط الضوء على الموضوع.

ولاَجل إيضاح تاريخ زيد وأتباعه قسمنا الكتاب إلى قسمين:

1ـ ما يرجع إلى زيد من ولادته إلى شهادته وذلك في ضمن أربعة عشر فصلاً.

2ـ يتكفل ببيان السائرين على دربه وما يمت إليهم بصلة .

وقبل أن ندخل في صلب الموضوع نشير إلى بعض الفرق التي خلقتها السياسة في أوساط الشيعة في عصر الاَئمة الثلاثة: السجّاد والباقر والصادق ـ عليهم السلام ـ بوجه موجز، مع الاِشارة إلى الفرق الواقعية وإن كانت قليلة.


الموَلف

29 ربيع الثاني 1415




(5)

القسم الاَوّل:

وإليك مجمل ما فيه من فصول:

الفصل الاَوّل:فرق الشيعة بين الحقائق والاَوهام.

الفصل الثاني:في حياة زيد في عصر الاَئمّة الثلاثة _ عليهم السلام _ .

الفصل الثالث: في خطبه، وكلماته، وأشعاره، ومناظراته، وعبادته.

الفصل الرابع: في مشايخ زيد وتلاميذه في الحديث والتفسير.

الفصل الخامـس: الآثار العلمية الباقية عن زيد.

الفصل السادس: دراسة مسند الاِمام زيد سنداً ومضموناً.

الفصل السابع: هل كان زيد معتزلي المبدأ والفكرة.

الفصل الثامن: هل كان زيد أماماً في الاَُصول والعقائد، والفروع والاَحكام.

الفصل التاسع: هل دعا إلى نفسه أو دعا إلى الرضا من العترة.

الفصل العاشــر: موقف أئمّة أهل البيت من خروج زيد وجهاده.

الفصل الحادي عشر: الخط الثوري المدعَم من قبل أئمّة أهل البيت.

الفصل الثاني عشر: موقف علماء الشيعة من زيد الشهيد.

الفصل الثالث عشر: الثورات الناجمة عن ثورة الاِمام الحسين _ عليه السلام _ .

الفصل الرابع عشر: ثورة زيد كانت استمراراً لثورة الحسين _ عليه السلام _ .


(6)



(7)

الفصل الاَوّل

فرق الشيعة

بين الحقائق والاَوهام

إنّ من ثمرات وجود النبي المعصوم بين الاَُمّة هو رأب الصدع بعد ظهوره بينهم، وفصل القول، عند اندلاع النزاع، والقضاء على الفتنة في مهدها، وكان رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يلمّ الشمل، ويُزيل الخلاف عند بروزه فلاَجل ذلك كان اختلاف الصحابة في عصره _ صلى الله عليه وآله وسلم _ غير موَثر في تفرق الاَُمّة، لاَنّه صلوات اللّه عليه وآله بحنكته، واعتقاد الاَُمّة بعصمته، كان يأخذ بزمام الاَُمور، ويكسح أسباب الشقاق من جذوره.

فعندما اعترض عليه ذو الخويصرة عند توزيع الغنائم بين المسلمين بقوله: إعدل يامحمّد فإنّك لم تعدل، فقال عليه الصلاة والسلام: «إن لم أعدل، فمن يعدل» ثم أعاد اللعين وقال: هذه قسمة ما أُريد بها وجه اللّه، فعند ذاك لم يجد النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بُدّاً من أن يعرّفه للاَُمّة الاِسلامية وقال: «سيخرج من ضئضىَ هذا الرجل قوم يمرقون من الدين، كما يمرق السهم من الرمية» (1)


(1) مضت اسناد الرواية في: 5|480 ـ 502، من هذه الموسوعة

(8)

وليست قصة ذي الخويصرة وحيدة في بابها، فقد حدثت حوادث وكوارث في زمانه كادت تفرّق الاَُمّة ولكنّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قضى عليها بعلمه وحلمه وحكمته، ولا يقصر حديث الاِفك (1)عن قصة ذي الخويصرة، أو قعود بعض الصحابة عن الخروج مع رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في جيش العسرة، أو ما حدث في أيّام مرضه، حيث طلب دواة وقرطاساً حتى يكتب كتاباً لاتضل الاَُمّة بعده، فخالف بعضهم، ووافق البعض الآخر، فقضى النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ على الاختلاف وقال: «قوموا عنّي، لا ينبغي عندي التنازع» (2). إلى غير ذلك من حوادث مريرة في عصر الرسالة، فقد استقبلها القائد الكبير برحابة صدر في غزواته وفي إقامته في المدينة.

وقد كانت وحدة الاَُمّة الاِسلامية رهن قائد مطاع معصوم، لا يخضع لموَثرات الهوى، وتكون الاَُمّة مأمورة باتّباعه قال تعالى: "وَما كَانَ لِمُوَْمِنٍ وَلا مُوَْمِنَةٍ إذا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أمْراً أنْ تَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أمرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَد ضَلَّ ضَلالاً مُبِينا") (الاَحزاب ـ 36) .

ولئن تفرقت الاَُمّة إلى فرقتين أو أكثر فإنّما تفرّقوا بعد رحيله، وسرُّ الاختلاف يكمن في تناسي الاَُمّة الاِمام المعصوم الذي نصبه النبي مرجعاً عند الخلاف، غير أنّ المهتمّين بأمر الرسول ونصوصه تعلّقوا به تعلّقاً دينياً ولاَجل ذلك قلّ الاختلاف بينهم أو لم يتحقق إلى عصر الصادقين _ عليهما السلام _ وما يذكر من الفرق في عهدهما، لا صلة لهم بالاِسلام فضلاً عن التشيّع وإنّما كان التفرّق آنذاك ارتداداً عن الاِسلام وخروجاً عن الدين كما سيتضح.


(1) اقرأ تفصيل القصة وتشاجر الحيّين: الاَوس والخزرج في مسجد النبي بحضرته في صحيح البخاري: 5| 119 باب غزوة بني المصطلق، والسيرة النبوية: لابن هشام: 3|312. وذكرها الشهرستاني في الملل والنحل في فصل بدايات الخلاف: 1|21.
(2) لاحظ صحيح البخاري: 1|22، كتاب العلم، و2|14، والملل والنحل: للشهرستاني: 1|22 عند البحث في بدايات الخلاف.

(9)

يقول أبو حاتم أحمد بن حمدان الرازي صاحب كتاب الزينة: «كانت طائفة من (1) الشيعة قبل ظهور زيد بن علي مجتمعين على أمر واحد، فلمّا قتل زيد انحازت منهم طائفة إلى جعفر بن محمّد وقالوا بإمامته» (2).

إنّ الشيعة هم الذين شايعوا علياً وولديه الحسن والحسين _ عليهم السلام _ وكانوا متمسّكين بإمامتهم وقيادتهم ولم يبرز أيُّ اختلاف ديني بينهم إلى زمن الاِمام الصادق _ عليه السلام _ ، لاَنّ الاعتقاد بوجود المعصوم، كان يدفعهم إلى سوَاله ورفع الاِبهام عن الملابسات في وجوه المسألة، وأمّا تاريخ الكيسانية الناجمة في عصر الاِمام السجاد _ عليه السلام _ فسندرسها حسب التاريخ وكلمات أصحاب المقالات.

هذا ما يلمسه الاِنسان من قراءة تاريخ الشيعة، ولكن نرى أنّ أصحاب المقالات يذكرون للشيعة فرقاً كثيرة، وهم بين غلاة وغيرها.

قال الشهرستاني تبعاً لعبد القاهر البغدادي (3): والشيعة خمس فرق: كيسانية، وزيدية، وإمامية، وغلاةوإسماعيلية (4). ثم ذكر لكل فرقة طوائف كثيرة ولعل الغاية من إكثار الفرق تطبيق حديث الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في انقسام أُمّته إلى ثلاث وسبعين فرقة، عليهم.

ونحن نقف أمام هذا التقسيم وقفة غير طويلة، فنذكر أمرين:

الاَوّل: إنّ الغلاة ليسوا من الشيعة، ولا من المسلمين، وإنّ عدهم من الطوائف الاِسلامية جناية على المسلمين والشيعة، وعلى فرض كونهم فرقاً، فلم يكن لهم أتباع ولم يكتب لهم البقاء إلاّ أياماً قلائل.


(1) كذا في النسخة، ولعل لفظة «من» زائدة أو بيانيّة.
(2) أبو حاتم الرازي: كتاب الزينة: 207.
(3) عبد القاهر البغدادي: الفرق بين الفرق: 21. تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد.
(4) الشهرستاني: الملل والنحل: 1|147.

(10)

الثاني: إنّ الكيسانية لم تكن فرقة نجمت بين الشيعة، وإنّما خلقتها أعداء أئمة أهل البيت، ليستغلّوها ويقضوا بها على تماسك الشيعة ووحدتهم، وأكثر ما يمكن أن يقال في المقام: إنّه كانت هناك شكوك وأوهام عرت بعض البسطاء ثم أُزيلت، فتجلى الصبح لذي عينين، وإليك الكلام في كلا المقامين:

* * *

الغلاة ليسوا من المسلمين:

قد ذكر أصحاب الفرق فرقاً للشيعة باسم الغلاة ومع أنّهم يصرّحون بأنّهم ليسوا من فرق المسلمين ولكن يذكرونها فرقاً للشيعة ويحملون أوزار الغلاة على الشيعة. والشيعة طائفة من المسلمين فكيف يصح عدّ الغلاة منهم !!.

قال البغدادي: «فأمّا غلاتهم الذين قالوا بإلهية الاَئمة وأباحوا محرّمات الشريعة وأسقطوا وجوب فرائض الشريعة كالبيانية، والمغيرية، والجناحية، والمنصورية، والخطابية، والحلولية، ومن جرى مجراهم فماهم من فرق الاِسلام وإن كانوا منتسبين إليه» (1).

وقال أيضاً: الكلام في ذلك (الفرق الاِسلامية) يدور على اختلاف المتكلمين فيمن يعد من أُمّة الاِسلام وملّته ـ إلى أن قال: ـ فإن كان على بدعة الباطنية، أو البيانية، أو المغيرية، أو المنصورية، أو الجناحية،أو السبئية، أو الخطابية من الرافضة، أو كان على دين الحلولية أو على دين أصحاب التناسخ أو على دين الميمونية، أو اليزيدية من الخوارج أو على دين الخابطية، أو الحمارية من


(1) البغدادي: الفرق بين الفرق: 23ـ 24.

(11)

القدرية، أو كان ممن يحرّم شيئاً ممن نصّ القرآن على إباحته باسمه، أو أباح ما حرّم القرآن باسمه فليس هو من جملة أُمّة الاِسلام ـ إلى أن قال:ـ فالفرق المنتسبة إلى الاِسلام في الظاهر مع خروجها عن جملة الاَُمّة، عشرون فرقة هذه ترجمتها:

سبئية، وبيانية، وحربية، ومغيرية، ومنصورية، وجناحية، وخطّابية، وغرابية، ومفوضية، وحلولية، وأصحاب التناسخ، وخابطية، وحمارية، ومقنّعية، ورزامية، ويزيدية، وميمونية، وباطنية، وحلاّجية، وعذافرية، وأصحاب إباحة، وربما انشعبت الفرقة الواحدة من هذه الفرق أصنافاً كثيرة (1).

أقول: إنّ البحث في هذا الفصل في كتب الملل والنحل هو التحدث عن الفرق الاِسلامية ولا تكون الفرقة، إسلامية إلاّ إذا كان المقسم (الاِسلام) موجوداً فيها، فالاِسلام هو الشهادة على توحيده ورسالة نبيّه وحشر الخلق يوم المعاد، والتصديق بما جاء به النبي الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ على وجه الاِجمال، فمن أنكر واحداً من هذه، فليس بمسلم ولا يحمل عقيدة إسلامية، وهذه الفرق التي جاء بها الاَشعري في كتاب مقالات الاِسلاميين وتبعه البغدادي في الفرق بين الفرق ليسوا من الاِسلام ولا الشيعة بشيء وإنّما هي فرق مرتدة عن الاِسلام ولايمكن الحكم عليهم بالاِسلام، فالاَولى حذف هوَلاء المرتدين عن كتب الملل والنحل، والبحث عنهم تاريخياً فقط.

لا شك أنّ هوَلاء تنزلوا من علياء الاِسلام إلى حضيض الكفر وما جرَّتهم إلى ذلك إلاّ مطامع وشهوات استهوتهم إلى هذه المقالات الباطلة ومن حسن الحظ أنّه لم تكتب عليهم حياة معروفة إنّما كانت أيّاماً قلائل قطعت معرّتَهم حمامُهم فلم يبق منهن ذكر إلاّ بين أسطر التاريخ.

على أنّ قسماً منهم قاموا بهذه الدعايات من قبل السياسات الزمنية روماً


(1) البغدادي: الفرق بين الفرق: 232.

(12)

لتشتيت كلمة الشيعة أو المسلمين، لكن سرعان ما قلب عليهم الدهر ظهر المجنّ لما تمكنت السياسة من الحصول على غاياتها المنشودة فأُخذوا وقتلوا تقتيلاً.

هكذا يعامل مع كل عميل يعمل لصالح المستكبر. على أنّه لم يكن لمنهجهم معتنق قابل للذكر إلاّ شذاذ الآفاق أو ساقة الناس فمن مال إليهم لغاية دنيوية أو لشكوك وأوهام عرت لهم لا يتجاوز عددهم عدد الاَصابع إلاّ شيئاً طفيفاً حتى أصبح الجميع في حديث الاَمس الدابر.

والذي يتحمّل وزر ذكر هوَلاء من الفرق الاِسلامية الشيعية هو الشيخ المتكلّم الجليل الحسن بن موسى النوبختي (1)الشيعي من أعلام القرن الثالث المتوفّى حوالي عام 310هـ في كتابه «فرق الشيعة» ثم الشيخ الاَشعري (2)في كتابه «مقالات الاِسلاميين واختلاف المصلّين»، وتبعهما من جاء بعدهما كالبغدادي في «الفرق بين الفرق» (3)والاِسفرائيني في «التبصير » (4)والشهرستاني في «الملل والنحل» (5).

وإنّي لاَضن بالحبر والورق على تسطير عقائد هوَلاء وكفرياتهم الذين قضى عليهم الدهر وشرب، ولكن لاَجل إيقاف القارىَ على إجمال ما كانوا يعتقدونه نذكر أسماء الفرق مع التعريف الاِجمالي لمبادئهم حتى يقف على صدق ما قلناه.

قال الاَشعري: فمنهم الغالية وإنّما سمّوا الغالية لاَنّـهم غلوا في علي ـ عليه السلام ـ وقالوا فيه قولاً عظيماً وهم خمس عشرة فرقة:


(1) الحسن بن موسى النوبختي: فرق الشيعة: 36، وما بعدها.
(2) الاِمام الاَشعري: مقالات الاِسلاميين واختلاف المصلين: 5، وما بعدها.
(3) البغدادي: الفرق بين الفرق: 225، وما بعدها.
(4) الاِسفرائيني: التبصير: 123، وما بعدها.
(5) الشهرستاني: الملل والنحل: 1|150، وما بعدها.

(13)

الاَُولى: البيانية:

وهوَلاء يزعمون أنّ أبا هاشم عبد اللّه بن محمد بن الحنفية (1)نص على إمامة بيان بن سمعان التميمي ونصبه إماماً، يقولون بأنّ اللّه عزّ وجلّ على صورة الاِنسان وأنّه يهلك كلّه إلاّ وجهه وادّعى «بيان» أنّه يدعو (كوكب) الزهرة فتجيبه وأنّه يفعل ذلك بالاسم الاَعظم فقتله خالد بن عبد اللّه القسري، وقيل: إنّ كثيراً منهم يثبت لبيان بن سمعان، النبوة (2).

وقال النوبختي: فكان «بيان» تبّاناً يتبن التبن في الكوفة وأخذه خالد بن عبد اللّه القسري هو وخمسة عشر رجلاً من أصحابه، فشدّهم بأطنان القصب وصبّ عليهم النفط في مسجد الكوفة وألهب فيهم النار فأفلت منهم رجل فخرج بنفسه ثم التفت فرأى أصحابه تأخذهم النار فكرّ راجعاً إلى أن ألقى نفسه في النار فأُحرق معهم (3) .

أقول: إنّ البيانية ـ على فرض صحّة وجودها ـ مشتقة من القول بإمامة محمد ابن الحنفية بعد شهادة السبط الاَكبر الحسين بن علي سلام اللّه عليهما وانتقال الاِمامة منه إلى ابنه أبي هاشم، فلما مات أبو هاشم اختلفوا في وصيّه إلى أقوال فمن قائل بأنّه ابن أخيه الحسن بن علي بن محمد الحنفية، إلى آخر بأنّه أخوه علي بن محمد، وعليّ أوصى إلى ابنه الحسن فالاِمامة عندهم في بني الحنفية لاتخرج إلى غيرهم، إلى ثالث أنّه عبد اللّه بن عمرو بن الكنديّ، وأنّ الاِمامة خرجت من بني هاشم وتحرّكت روح أبي هاشم إلى عبد اللّه الكندي، إلى رابع بأنّه أوصى إلى بيان ابن سمعان التميمي (4).


(1) كل فرقة تنتمي إلى أبي هاشم فهي من فروع الكيسانية الممسوخة والفرق الثلاث الاَُول: البيانية، الجناحيّة، والحربية، من هذا الصنف.
(2) الاِمام الاَشعري: مقالات الاِسلاميين: 5 ـ 6.
(3) النوبختي: فرق الشيعة: 28، طبع بيروت، تحقيق محمد صادق بحر العلوم، ولاحظ الفرق بين الفرق: 236.
(4) الشهرستاني: الملل والنحل: 1|151 ـ 152.

(14)

الثانية: الجناحية:

أصحاب عبد اللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر ذي الجناحين، يزعمون أنّ عبد اللّه بن معاوية كان يدّعي أنّ العلم ينبت في قلبه كما ينبت الكماة والعشب وأنّ الاَرواح تناسخت وأنّ روح اللّه جلّ اسمه كانت في آدم ثم تناسخت حتى صارت فيه، قال: وزعم أنّه ربّ وأنّه نبي فعبدته شيعته وهم يكفرون بالقيامة ويدعون أنّ الدنيا لاتفنى ويستحلّون الميتة والخمر وغيرهما من المحارم ويتأوّلون قول اللّه عزّ وجلّ: "لَيسَ عَلَى الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إذا ما اتَّقَوا") (1).

هذا ولم يذكر الاَشعري اشتقاقهم من أي فرقة ولكن جاء به النوبختي، وقال: «فرقة قالت أوصى أبو هاشم عبد اللّه بن محمد الحنفية إلى عبد اللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب الخارج بالكوفة، وهو يومئذ غلام صغير فدفع الوصية إلى صالح بن مدرك وأمره أن يحفظها حتى يبلغ عبد اللّه بن معاوية فيدفعها إليه فهو الاِمام وهو العالم بكل شيء حتى غلوا فيه وقالوا: إنّ اللّه عزّ وجلّ نور وهو في عبد اللّه بن معاوية قتله أبو مسلم في حبسه» (2)

الثالثة: الحربية:

هم أصحاب عبد اللّه بن عمر بن حرب، ويسمّون الحربية، يزعمون أنّ روح أبي هاشم عبد اللّه بن محمد بن الحنفية تحولت فيه وأنّ أبا هاشم نصّ على إمامته (3) . ويرجع جذور هذه الفرق إلى القول بإمامة محمد الحنفية ثم أبي هاشم كما تقدم.


(1) الاَشعري: مقالات الاِسلاميين: 6.والآية 93 من سورة المائدة.
(2) النوبختي: فرق الشيعة: 32، ولاحظ الفرق بين الفرق: 245.
(3) الاَشعري: مقالات الاِسلاميين: 6، لاحظ الفرق بين الفرق: 243.

(15)

الرابعة: المغيرية:

هوَلاء أتباع المغيرة بن سعيد العجلي وكان يظهر في بدء أمره موالاة الاِمامية ويزعم أنّ الاِمامة بعد علي والحسن والحسين _ عليهم السلام _ إلى سبط الحسن محمد (المعروف بالنفس الزكية الذي توفي عام 145هـ) وزعم أنّه المهدي المنتظر، ثم إنّه أظهر مقالات فاسدة منها دعواه النبوة، دعواه علمه بالاسم الاَعظم، وزعم أنّه يحيي بها الموتى ويهزم بها الجيوش ومنها إفراطه في التشبيه وذلك أنّه زعم أنّ معبوده رجل من نور وله أعضاء وقلب ينبع منـه الحكمة ـ إلى أن قال: ـ وكان المغيرة مع ضلالاته يأمر بانتظار محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي (1).

ويظهر من النوبختي أنّه كان يقول بإمامة الاَئمة إلى أبي جعفر الباقر ـ عليهم السلام ـ (57 ـ 114هـ) فلما تـوفي أبو جعفر محمد بن علي، دعا المغيـرة إلى إمامــة محمـد بن عبـد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم وأظهر ما أظهر فبرئت منه أصحاب أبي عبد اللّه جعفر بن محمد _ عليهما السلام _ ورفضوه فزعم أنّهم رافضة وأنّه هو الذي سمّاهم بهذا الاسم وقال: إنّ خالد بن عبد اللّه القسري أخذ المغيرة فسأله عن عقائده فأقر بها ودعا خالداً إليها فاستتابه خالد فأبى أن يرجع عن قوله فقتله وصلبه (2).

الخامسة: المنصورية:

أصحاب أبي منصور، يزعمون أنّ الاِمام بعد أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين _ عليهم السلام _ أبو منصور وأنّ أبا منصور، قال: آل محمد هم السماء


(1) الاَشعري: مقالات الاِسلاميين: 9.
(2) النوبختي: فرق الشيعة: 63، وفيما ذكره تأمل واضح على أنّ خالد بن عبد اللّه القسري من عُمال آل أُمية، فكيف قتل من كان يدعو بالنفس الزكية الذي خرج في أوائل العباسيين وقتل عام 145هـ؟!. إلاّ أن تكون له دعوة خفيّة بعد استشهاد زيد وابنه يحيى عام 126 هـ .

(16)

والشيعة هم الاَرض وأنّه هو الكسف الساقط من بني هاشم تأويلاً لقوله سبحانه: "وإن يَرَوْا كِسفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحَابٌ مَركُوم") (الطور ـ 44) وقد ذكر الاَشعري عقائدهم الفاسدة التي لا تمت صلة بالديانات الاِلهية (1).

قال البغدادي: وكفرت هذه الطائفة بالقيامة والجنّة والنار وتأوّلوا الجنّة على نعيم الدنيا والنار على محن الناس في الدنيا واستحلّوا مع هذه الضلالة خنق مخالفيهم، واستمرت فتنتهم على عادتهم إلى أن وقف يوسف بن عمر الثقفي والي العراق في زمانه على عوارت المنصورية فأخذ أبا منصور العجلي وصلبه، وهذه الفرقة كالمتقدمة عليها غير معدودة من فرق الاِسلام لكفرها بالقيامة والجنّة والنار (2) .

السادسة: الخطابية المطلقه:

أصحاب أبي الخطاب بن أبي زينب، يقولون: إنّ الاِمامة في أولاد عليّ إلى أن انتهت إلى جعفر الصادق، ويزعمون أنّ الاَئمة كانوا آلهة، وكان أبو الخطاب يزعم أوّلاً أنّ الاَئمة أنبياء، ثم زعم أنّهم آلهة، وأنّ أولاد الحسن والحسين كانوا أبناء اللّه وأحباءه، وكان يقول: إنّ جعفراً إله، ولما بلغ ذلك جعفراً _ عليه السلام _ لعنه وطرده. وكان أبو الخطاب يدّعي بعد ذلك، الاِلهية لنفسه وزعم أتباعه أنّ جعفراً إله غير أنّ أبا الخطاب أفضل منه وأفضل من علي (3).

وخرج أبو الخطاب على أبي جعفر فقتله عيسى بن موسى في سبخة الكوفة، ثم إنّ الذين جاءوا بعد أبي الخطاب انقسموا إلى فرق ذكرها الاَشعري وقد عبر عن موَسس الفرقة بالخطابية المطلقة لتتميز عن الفرق اللاحقة.


(1) الاَشعري: مقالات الاِسلاميين: 9 ـ 10.
(2) البغدادي: الفرق بين الفرق: 243.
(3) البغدادي: الفرق بين الفرق: 247.

(17)

السابعة: الخطابية المعمرية:

يزعمون أنّ الاِمام بعد أبي الخطاب رجل يقال له «معمر» وعبدوه كما عبدوا أبا الخطاب. قال: واستحلّوا الخمر والزنا واستحلّوا سائر المحرمات ودانوا بترك الصلاة (1) وقد لعنه الاِمام الصادق _ عليه السلام _ وسيأتيك نصه.

الثامنة: الخطابية البزيعية:

أصحاب بزيع بن موسى يزعمون أن جعفر بن محمد _ عليه السلام _ هو اللّه، وزعموا أن كل ما يحدث في قلوبهم وحي، وأنّ كل موَمن يوحى إليه، وزعموا أنّ منهم من هو خير من جبرئيل وميكائيل وأن أحدهم إذا بلغت عبادته، رفع إلى الملكوت (2) .

التاسعة: الخطابية العميرية:

أصحاب عمير بن بيان العجلي، وهذه الفرقة تكذب من قال منهم: إنّهم لا يموتون ويزعمون أنّهم يموتون ولا يزال خَلَفٌ منهم في الاَرض أئمة أنبياء وعبدوا جعفراً كما عبده اليعمريون وزعموا أنّه ربّهم وقد كانوا ضربوا خيمة في كناسة الكوفة ثم اجتمعوا إلى عبادة جعفر فأخذ يزيد بن عمر بن هبيرة« عمير بن البيان» فقتله في الكناسة وحبس بعضهم (3).

العاشرة: الخطابية المفضلية:

لاَنّ رئيسهم كان صيرفياً يقال له المفضل يقولون بربوبية جعفر كما قال


(1) الاَشعري: مقالات الاِسلاميين: 11، الرازي: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين: 87، البغدادي: الفرق بين الفرق: 248.
(2) الاَشعري: مقالات الاِسلاميين: 12، النوبختي: فرق الشيعة: 43.
(3) الاَشعري: مقالات الاِسلاميين: 12، النوبختي: فرق الشيعة: 44.

(18)

غيرهم من أصناف الخطابية وانتحلوا النبوة والرسالة وإنّما خالفوا في البراءة من أبي الخطاب لاَنّ جعفراً أظهر البراءة منه(1).

الحادية عشرة:

من أصناف الغالية يزعمون أنّ روح القدس هو اللّه عزّ وجلّ وكانت في النبي ثم في علي ثم في باقي الاَئمة الاثني عشر، ولم يذكر الاِمام الاَشعري اسم موَسس الفرقة كالفرقة التالية (2).

الثانية عشرة:

يزعمون علياً هو اللّه، ويكذبون النبي ويشتمونه ويقولون: إنّ علياً وجَّه بهِ ليبين أمره فادّعى الاَمر لنفسه (3) .

الثالثة عشرة:

هم أصحاب «الشريعي» يزعمون أنّ اللّه حلَّ في خمسة أشخاص في النبي وفي علي والحسن وفي الحسين وفي فاطمة فهوَلاء آلهة عندهم وليس يطعن أصحاب الشريعي على النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ... (4) .

الرابعة عشرة: السبائية:

أصحاب عبد اللّه بن سبأ، يزعمون أنّ علياً لم يمت وأنّه يرجع إلى الدنيا قبل يوم القيامة فيملاَ الاَرض عدلاً كما ملئت جورا(5) .


(1) الاَشعري: مقالات الاِسلاميين: 13، البغدادي: الفرق بين الفرق: 250.
(2)3ـ4ـ5ـ الاَشعري: مقالات الاِسلاميين: 14، 15، 16، ولاحظ في الوقوف على عقائد هذه الفرق كتب أصحاب المقالات والملل والنحل، وكأنّ المتأخرين عن الاَشعري عمدوا إلى تحرير ما ذكره، ولانطيل المقام بذكر المصادر.

(19)

وقد تعرفت في الجزء السادس على أنّ عبد اللّه بن سبأ على النحو الذي يذكره أصحاب التواريخ والمقالات أُسطورة تاريخية.

الخامسة عشرة: المفوضة:

يزعمون أنّ اللّه عزّ وجلّ وكّل الاَُمور وفوّضها إلى محمّد _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وأنّه أقدره على خلق الدنيا فخلقها ودبرها وأنّ اللّه لم يخلق من ذلك شيئاً، ويزعمون أنّ الاَئمة ينسخون الشرائع ويهبط عليهم الملائكة... (1).

ونحن بدورنا نعلّق على هذه الفرق التي ذكروها فرقاً للشيعة وبالتالي فرقاً للاِسلام بأمرين:

الاَوّل: من المظنون جداً ـ أنّ هذه الفرق على فرض التأكد من وجودها في عصورها ممّا صنعتها يد السياسة الاَثيمة لتشويش سمعة الاَئمة الطاهرين ـ عليهم السلام ـ بين المسلمين ومحق روعتهم، وقد استعانت في ذلك، برجال كانوا غامرين في حبّ التصدر والفخفخة، وجنون العظمة، ولما كانت دعوتهم على خلاف العقل والنقل، والفطرة الاِنسانية، لم يُقم المجتمع الاِسلامي لهم وزناً ولم يعيشوا إلاّ أيّاماً قلائل وقد قامت أئمة أهل البيت بدورهم على إيقاظ الاَُمّة عند استفحال الفساد وتبرّأوا من أصحاب هذه المقالات وعقائدهم. وسيوافيك كلامهم في حقّ هوَلاء الغلاة فانتظر.

الثاني: نحن نعاتب المشايخ: النوبختي والاَشعري والبغدادي والاِسفرائيني، والشهرستاني والرازي وغيرهم من كتّاب تاريخ العقائد، وأصحاب المقالات، حيث نسبوا هوَلاء إلى الشيعة مع تصريحهم بأنّهم غلاة كفار، لايمتّون إلى الاِسلام والمسلمين بصلة، وأقلُّ، كلمة يمكن أن يقال في حقهم إنّ الجنون


(1) الاَشعري: مقالات الاِسلاميين:16.

(20)

والمجون، وحب الجاه والمقام أسفت بهوَلاء إلى هوة المذلة واللعنة ثم الفناء المطلق فليس لاَحد أن يطعن الشيعة بانتماء هوَلاء إليهم، فما أحسن قول القائل:

غيري جنى وأنّا المعاقب فيكم * فكأنّني سبابة المتندِّم

"قُلْ هذِهِ سَبِيلي أدعُوا إلى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أنا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبحانَ اللّهِ وَما أنا مِنَ المُشرِكِين") (يوسف ـ 108) .

وليس انتماوَهم إلى الشيعة إلاّ كانتماء النصارى القائلين بالتثليث إلى المسيح _ عليه السلام _ وهل يوَخذ البريء بجرم المعتدي؟!. لا واللّه.

موقف الاَئمة من الغلاة:

إنّ موقف أئمة أهل البيت من هوَلاء المرتدّين موقف النبي الاَكرم من مشركي عصره والاَعصار الآتية فقد طردوهم، ولعنوهم وكفّروهم وحذّروا شيعتهم من مكائدهم ومصائدهم، وإليك قسماً من الروايات الواردة في حقّ سعيد بن المغيرة، وأبي الخطاب، ولفيفاً من رجال العيث والفساد الذين كانوا يتظاهرون بالانتماء إلى أهل البيت _ عليهم السلام _ ولم يكونوا منهم بشيء.

وبما أنّ كتاب الرجال للشيخ الكشي الذي يعد من علماء القرن الرابع أحسن كتاب وضع في مجال التوثيق والجرح على أساس الروايات الواردة عن المعصومين _ عليهم السلام _ في حقّ الرواة، نقتبس الروايات من هذا الكتاب وإن كان لها مصادر أُخرى.


(21)

المغيرة بن سعيد في روايات أئمة أهل البيت ـ عليهم السلامـ:

1 ـ روى الكشي عن جعفر بن عيسى وأبي يحيى الواسطي قال: قال أبو الحسن الرضا _ عليه السلام _: «كان المغيرة بن سعيد يكذب على أبي جعفر ـ عليه السلام ـ فأذاقه اللّه حرّ الحديد».

2 ـ أخرج الكشي عن عبد اللّه بن مسكان عمّن حدثه من أصحابنا عن أبي عبد اللّه _ عليه السلام _ قال: سمعته يقول: لعن اللّه المغيرة بن سعيد إنّه كان يكذب على أبي، فأذاقه اللّه حرّ الحديد. لعن اللّه من قال فينا ما لا نقوله في أنفسنا، ولعن اللّه من أزالنا عن العبودية للّه، الذي خلقنا وإليه مآبنا ومعادنا وبيده نواصينا.

3 ـ أخرج الكشي عن محمد بن عيسى بن عبيد: أنّ بعض أصحابنا سأل يونس بن عبد الرحمن وأنا حاضر، فقال له: يا أبا محمد ما أشدَّك في الحديث وأكثر إنكارك لما يرويه أصحابنا فما الذي يحملك على ردّ الاَحاديث؟ فقال: حدثني هشام بن الحكم أنّه سمع أبا عبد اللّه _ عليه السلام _ يقول: لا تقبلوا علينا حديثاً إلاّ ما وافق القرآن والسنّة أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدمة، فإنّ المغيرة بن سعيد لعنه اللّه دسّ في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يُحدِّث بها أبي فاتقوا اللّه ولاتقبلوا علينا ما خالف قول ربّنا تعالى وسنّة نبينا _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فإنّا إذا حدّثنا قلنا قال اللّه عزّ وجلّ وقال رسول اللّه.

4 ـ أخرج الكشي عن هشام بن الحكم أنّه سمع أبا عبد اللّه _ عليه السلام _ يقول: «كان المغيرة بن سعيد يتعمَّد الكذب على أبي ويأخذ كتب أصحابه، وكان أصحابه المستترون في أصحاب أبي، يأخذون الكتب من أصحاب أبي فيدفعونها إلى المغيرة فكان يدسّ فيها الكفر والزندقة ويُسندها إلى أبي ثم يدفعها إلى أصحابه فيأمرهم أن يبثّوها في الشيعة فكل ما كان في كتب أصحاب أبي من الغلو فذاك مما دسّه المغيرة في كتبهم».


(22)

5 ـ أخرج الكشي عن علي بن الحسان عن عمّه عبد الرحمن بن كثير قال: قال أبو عبد اللّه _ عليه السلام _ يوماً لاَصحابه: «لعن اللّه المغيرة بن سعيد ولعن اللّه يهودية كان يختلف إليها يتعلّم منها السحر والشعبذة والمخاريق، إنّ المغيرة كذب على أبي فسلبه اللّه الاِيمان وإنّ قوماً كذبوا عليّ، ما لهم، أذاقهم اللّه حرّ الحديد، فو اللّه ما نحن إلاّ عبيد الذي خلقنا واصطفانا، مانقدر على ضرّ ولا نفع إن رُحمنا فبرحمته وإن عُذّبنا فبذنوبنا، واللّه مالنا على اللّه من حجّة ولامعَنا من اللّه براءة وإنّا لميتون ومقبورون، ومنشرون، ومبعوثون، وموقوفون، ومسوَولون، ويلهم مالهم، لعنهم اللّه آذوا اللّه وآذوا رسوله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في قبره وأمير الموَمنين وفاطمة والحسن والحسين وعليّ بن الحسين ومحمد بن علي، وها أنا ذا بين أظهركم، لحم رسول اللّه وجلد رسول اللّه، أبيت على فراشي خائفاً وجلاً مرعوباً، يأمنون وأفزع، وينامون على فرشهم، وأنا خائف ساهر، وَجِل اتقلقل بين الجبال والبراري أبرأ إلى اللّه ممّا قال فيّ الاَجدع البّراد عبد بني أسد أبو الخطاب، لعنه اللّه، واللّه لو ابتلوا بنا وأمرناهم بذلك لكان الواجب الاّ تقبلوه فكيف وهم يروني خائفاً وجلاً، استعدى اللّه عليهم وأتبرّأ إلى اللّه منهم أشهدكم إنّي امروَ ولدني رسول اللّه وما معي براءة من اللّه، إن أطعته رحمني وإن عصيته عذّبني عذاباً شديداً أو أشد عذابه».

6 ـ أخرج الكشي عن سلمان الكناني: قال: قال لي أبو جعفر _ عليه السلام _: هل تدري ما مثل المغيرة؟ قال: قلت: لا، قال: مثله مثل بلعم بن باعور، قلت: ومن بلعم قال: الذي قال اللّه عزّ وجلّ: "الّذِي آتَيناهُ آياتِنَا فَانسَلَخَ مِنْها فَأتْبَعَهُ الشَّيطانُ فَكانَ مِنَ الغاوين") (1).

إلى غير ذلك من الروايات التي وردت في ذمّه ونقلها الكشي في رجاله(2)


(1) الاَعراف: 175.
(2) الكشي: الرجال: 194 ـ 198.

(23)

أبو زينب وأتباعه في روايات أئمة أهل البيت :

قال الكشي في رجاله: محمد بن أبي زينب اسمه مقلاص بن الخطاب البرّاد الاَجدع الاَسدي ويكنّى أبا إسماعيل ويكنّى أيضاً أبا الضبيان:

1 ـ أخرج الكشي عن عيسى بن أبي منصور قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السلام ـ يقول وذكر أبا الخطاب فقال: اللهم العن أبا الخطاب فإنّه خوّفني قائماً وقاعداً وعلى فراشي، اللهم أذقه حرّ الحديد.

2 ـ أخرج الكشي عن بريد العجلي عن أبي عبد اللّه _ عليه السلام _ قال: سألته قول اللّه عزّ وجلّ "هل أُنَبِّئَكُم على مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطين * تَنَزَّلُ علَى كُلِّ أفّاكٍ أثِيم") (1) قال: هم سبعة: المغيرة بن سعيد، وبيان، والصائد النهدي، والحارس الشامي، وعبد اللّه بن حارث، وحمزة بن عمار البربري وأبو الخطاب (2).

3 ـ أخرج الكشي عن بشير الدهان عن أبي عبد اللّه _ عليه السلام _ قال: كتب أبو عبد اللّه _ عليه السلام _ إلى أبي الخطاب بلغني أنّك تزعم أنّ الزنا رجل، وأنّ الخمر رجل، وأنّ الصراط رجل، وأنّ الصيام رجل، والفواحش رجل، وليس هو كما تقول، أنا أصل الحقّ، وفروع الحقّ طاعة اللّه، وعدوّنا أصل الشر وفروعهم الفواحش، وكيف يطاع من لا يعرف وكيف يعرف من لا يطاع»؟

4 ـ أخرج الكشي عن الحمادي رفعه إلى أبي عبد اللّه أنّه قيل له: روي عنكم أن الخمر والميسر والاَنصاب والاَزلام رجال؟ فقال: «ما كان اللّه عزّ وجلّ ليخاطب خلقه بما لا يعلمون».


(1) الشعراء: 221 ـ 222.
(2) جرى الاِمام _ عليه السلام _ في تفسير الآية بهوَلاء السبعة، مجرى الجري وتطبيق الكلّـي على مصاديقه الكثيرة.

(24)

5 ـ أخرج الكشي عن سدير عن أبي عبد اللّه _ عليه السلام _ قال: كنت جالساً عند أبي عبد اللّه وميسر عنده ونحن في سنة ثمان وثلاثين ومائة فقال ميسر بياع الزطي: جعلت فداك عجبت لقوم كانوا يأتون معنا إلى هذا الموضع فانقطعت آثارهم وفنيت آجالهم، قال: «ومن هم؟» قلت: أبو الخطاب وأصحابه، فكان متكئاً فجلس فرفع اصبعه إلى السماء ثم قال: «على أبي الخطاب لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين فاشهدوا باللّه أنّه كافر، فاسق مشرك وأنّه يحشر مع فرعون في أشد العذاب غدواً وعشياً، ثم قال: أما واللّه إنّي لانفس (1)على أجساد أُصيبت معه النار».

6 ـ أخرج الكشي عن المفضل بن يزيد قال: قال أبو عبد اللّه _ عليه السلام _ وذكر أصحاب أبي الخطاب والغلاة فقال لي: «يامفضل لاتقاعدوهم ولاتواكلوهم ولاتشاربوهم ولاتصافحوهم ولاتوارثوهم».

7 ـ أخرج الكشي عن مرازم قال: قال أبو عبد اللّه: « قل للغالية توبوا إلى اللّه فإنّكم فسّاق كفّار مشركون».

8 ـ أخرج الكشي عن أبي بصير قال: قال لي أبو عبد اللّه _ عليه السلام _: «يا أبا محمد ابرأ ممن يزعم أنّا أرباب» قلت: برىَ اللّه منه، فقال: «ابرأ ممن زعم أنّا أنبياء» قلت: برىَ اللّه منه.

9 ـ أخرج الكشي عن قاسم الصيرفي قال: سمعت أبا عبد اللّه يقول: «قوم يزعمون أنّي لهم إمام واللّه ما أنا لهم بإمام، مالهم لعنهم اللّه كلما سترتُ ستراً هتكوه، هتك اللّه ستورهم».

10 ـ أخرج الكشي عن الحسن الوشاء عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ قال: «من قال بأنّنا أنبياء فعليه لعنة اللّه ومن شك في ذلك فعليه لعنة اللّه».


(1) نَفسَ به وعليه: ضنَّ به.

(25)

11 ـ أخرج الكشي عن زرارة عن أبي جعفر قال: سمعته يقول: «لعن اللّه «بيان التبّان» وأنّ «بياناً» لعنه اللّه يكذب على أبي أشهد أنّ أبي علي بن الحسين كان عبداً صالحاً».

12 ـ أخرج الكشي عن أبي يحيى الواسطي قال: قال أبو الحسن الرضا ـ عليه السلام ـ : «كان بيان يكذب على علي بن الحسين _ عليه السلام _ فأذاقه اللّه حر الحديد، وكان المغيرة بن سعيد يكذب على أبي جعفر _ عليه السلام _ فأذاقه اللّه حرّ الحديد.

وكان محمد بن بشير يكذب على أبي الحسن موسى فأذاقه اللّه حرّ الحديد.

وكان أبو الخطاب يكذب على أبي عبد اللّه فأذاقه اللّه حرّ الحديد والذي يكذب عليّ، محمد بن فرات» قال أبو يحيى: وكان محمد بن فرات من الكتاب فقتله إبراهيم بن شكلة.

13 ـ أخرج الكشي عن عبد اللّه بن سنان قال: قال أبو عبد اللّه ـ عليه السلام ـ: «إنّا أهل بيت صادقون لا نخلو من كذّاب يكذب علينا فيسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس، كان رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أصدق البرية لهجة وكان مسيلمة يكذب عليه، وكان أمير الموَمنين _ عليه السلام _ أصدق من برأ اللّه، من بعد رسول اللّه وكان الذي يكذب عليه ويعمل في تكذيب صدقه بما يفتري عليه من الكذب عبد اللّه ابن سبأ لعنه اللّه».

ذكر أبو عبد اللّه _ عليه السلام _ الحارث الشامي وبيان فقال: كانا يكذبان على علي بن الحسين _ عليه السلام _، ثم ذكر المغيرة بن سعيد وبزيعاً والسريّ وأبا الخطاب ومعمراً وبشار الاَشعري وحمزة البريري وصائد النهدي فقال: «لعنهم اللّه إنّا لا نخلو من كذاب يكذب علينا أو عاجز الرأي، كفانا اللّه موَنة كل كذّاب، وأذاقهم اللّه حر الحديد».


(26)

14 ـ أخرج الكشي عن ابن أبي يعفور قال: كنت عند أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ فاستأذن عليه رجل حسن الهيئة، فقال: اتق السفلة فما تقارّت في الاَرض حتى خرجت فسألت عنه فوجدته غالياً.

إلى غير ذلك من الروايات التي جمعها الكشي في رجاله (1)وقد اكتفينا بهذا المقدار وإلاّ فالروايات التي تذم هوَلاء الغلاة الكفّار كثيرة. وقد أشار الاِمام في ثنايا كلامه أنّهم كانوا بصدد تشويه سمعة الاَئمة بالكذب عليهم حيث قال: فيسقط صدقنا بكذبهم علينا عند الناس.


(1) الكشي: الرجال: 290 ـ 308.، ولقد قابلنا الاَحاديث مع الطبعة التي حقّقها العلاّمة المصطفويّ، ومع ذلك لا تخلو أيضاً من هفوات.


(27)

الكيسانية والاِبهامات المحدقة بها

قد علمت أنّ الغلاة ليسوا من المسلمين ولا من الشيعة ولا يصح عدّهم من الفرق الاِسلامية، وإنّ هذا الخطأ صدر من النوبختي والاَشعري وجاء الباقون فساروا على سيرتهما. نعم يظهر من كتب الفرق أنّ فرقاً للشيعة برزت إلى حيّز الوجود قبل ثورة زيد بن علي. وفرقاً أُخرى ظهرت بعد ثورته. ولعل القسم الاَوّل منحصر في الكيسانية التي يدعي أصحاب المقالات أنّها ظهرت بعد ثورة الحسين _ عليه السلام _ أيام إمامة ولده زين العابدين _ عليه السلام _، وبدورنا نذكر بعـض نصوصهم حول الكيسانية. ثم نرجع إلى تحرير المتحصل منها، ولاَجل ذكر النصوص في بدء البحث نستغني عن الاِرجاع إلى المصادر عند التحليل فنقول:

1 ـ قال الاَشعري: الكيسانية وهي إحدى عشرة فرقة، وإنّما سمّوا كيسانية لاَنّ المختار الذي خرج وطلب بدم الحسين بن علي ودعا إلى محمد ابن الحنفية كان يقال له كيسان، ويقال إنّه مولى لعلي بن أبي طالب ـ رضي اللّه عنه ـ .

الفرقة الاَُولى من الكيسانية يزعمون أنّ علي بن أبي طالب _ عليه السلام _ نصّ على إمامة ابنه محمد ابن الحنفية، لاَنّه دفع إليه الراية بالبصرة.

والفرقة الثانية: منهم يزعمون أنّ علي بن أبي طالب نصّ على إمامة ابنه الحسن بن علي وأنّ الحسن بن علي نصّ على إمامة أخيه الحسين بن علي وأنّ الحسين بن علي نصّ على إمامة أخيه محمد بن علي وهو محمد ابن الحنفية.

والفرقة الثالثة: من الكيسانية هي الكربية أصحاب أبي كرب الضرير


(28)

يزعمون أنّ محمد ابن الحنفية حيّ بجبال رضوى، أسد عن يمينه ونمر عن شماله يحفظانه، يأتيه رزقه غدوة وعشية إلى وقت خروجه. ومن القائلين بهذا القول كُثَيِّـر الشاعر وفي ذلك يقول:

ألاّ إنّ الاَئمة من قريش * ولاة الحقّ أربعة سواء

علي والثلاثة من بنيه * هم الاَسباط ليس بهم خفاء

فسبط، سبطُ إيمانٍ وبرّ * وسبطٌ غيّبته كربلاء

وسبط لا يذوق الموت حتى * يقود الخيل يَقْدُمها اللواء

تغيّب لا يُرى فيهم زمان * برضوى عنده عسل وماء

الفرقة الرابعة: يزعمون أنّ محمد ابن الحنفية إنّما جعل بجبال رضوى عقوبة لركونه إلى عبد الملك بن مروان وبيعته إيّاه.

والفرقة الخامسة: يزعمون أنّ محمد ابن الحنفية مات وأنّ الاِمام بعده ابنه أبو هاشم: عبد اللّه بن محمد الحنفية (1).

والفرقة السابعة: قالت إنّ الاِمامة بعد موت أبي هاشم لابن أخيه الحسن بن علي بن محمد ابن الحنفية.

والفرقة الثامنة: قالت إنّ أبا هاشم أوصى إلى أخيه علي بن محمد، وعليّ أوصى إلى ابنه الحسن، فالاِمامة عندهم في بني الحنفية لاتخرج إلى غيرهم (2).

والفرقة التاسعة: يزعمون أنّ الاِمام بعد أبي هاشم محمد بن علي بن عبد


(1) الاَشعري: مقالات الاِسلاميين: 18 ـ 20، وقد سقط من الطبع الفرقة السادسة من الكيسانية ولذلك ابتدأنا بالسابعة، ولما كانت نسخة مقالات الاِسلاميين مشوشة في بيان الفرقة السابعة والثامنة أخذناهما من كتاب الملل والنحل للشهرستاني.
(2) هاتان الفرقتان نقلناهما من الملل والنحل للشهرستاني ثم نتابع النقل من مقالات الاِسلاميين.

(29)

اللّه ابن العباس قالوا: وذلك أنّ أبا هاشم مات بأرض الشراة (1)منصرفة من الشام فأوصى هناك إلى محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس وأوصى محمد بن علي إلى ابنه إبراهيم بن محمد، ثم أوصى إبراهيم بن محمد إلى أبي العباس، ثم أفضت الخلافة إلى أبي جعفر المنصور بوصية بعضهم إلى بعض، ثم رجع بعض هوَلاء عن هذا القول وزعموا أنّ النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ نصّ على العباس بن عبد المطلب ونصبه إماماً، ثمّ نصّ العباس على إمامة ابنه عبد اللّه ونصّ عبد اللّه على إمامة ابنه علي بن عبد اللّه، ثم ساقوا الاِمامة إلى أن انتهوا بها إلى أبي جعفر المنصور.

الفرقة العاشرة: يزعمون أنّ أبا هاشم أوصى إلى بيان بن سمعان التميمي وانّه لم يكن له أن يوصي بها إلى عقبه.

الفرقة الحادية عشرة: يزعمون أنَّ الاِمام بعد أبي هاشم عبد اللّه بن محمد ابن الحنفية وعليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب(2)

وقال النوبختي: وفرقة قالت بإمامة محمد ابن الحنفية، لاَنّه كان صاحب راية أبيه يوم البصرة دون أخويه فسمّوا الكيسانية، وإنّما سمّوا بذلك لاَنّ المختار ابن أبي عبيدة الثقفي كان رئيسهم وكان يلقب «كيسان» وهو الذي طلب بدم الحسين بن علي صلوات اللّه عليهم وثأره حتى قتل من قتلته وغيرهم من قَـتَل، وادّعى (المختار) أنّ محمد ابن الحنفية أمره بذلك وأنّه الاِمام بعد أبيه، وإنّما لقّب المختار كيسان لاَنّ صاحب شرطته المكنّى بأبي عمرة كان اسمه كيسان، وكان أفرط في القول والفعل والقتل من المختار جداً، وكان يقول: إنّ محمد ابن الحنفية وصيّ علي بن أبي طالب، وأنّه الاِمام وأنّ المختار قيّمه وعامله ويُكفر من تقدّم


(1) كذا في النسخة المطبوعة والصحيح «السراة» وهي موضع بالشام.
(2)2 ـ الاَشعري: مقالات الاِسلاميين: 20 ـ 21.

(30)

علياً ويُكَّفِر أهل صفين والجمل، وكان يزعم أنّ جبرئيل _ عليه السلام _ يأتي المختار بالوحي من عند اللّه عزّ وجلّ فيخبره ولا يراه. وروى بعضهم أنّه سمِّي بكيسان مولى علي بن أبي طالب _ عليه السلام _ وهو الذي حمله على الطلب بدم الحسين بن علي _ عليهما السلام _ ودلّه على قتلته، وكان صاحب سرّه وموَامرته والغالب على أمره(1)

وقالت فرقة من الكيسانية إنّ محمد بن الحنفية ـ رحمه اللّه تعالى ـ هو المهدي، وهو وصيّ علي بن أبي طالب _ عليه السلام _ ليس لاَحد من أهل بيته أن يخالفه ولا يخرج عن إمامته ولايُشهّر سيفه إلاّ بإذنه، وإنّما خرج الحسن بن علي ـ عليهما السلام ـ إلى معاوية محارباً له بإذن «محمّد» وأودعه وصالحه بإذنه، وأنّ الحسين إنّما خرج لقتال يزيد بإذنه، ولو خرجا بغير إذنه هلكا وضلاّ وأنّ من خالف محمد ابن الحنفية كافر مشرك وأنّ محمد استعمل المختار بن أبي عبيدة على العراقيين بعد قتل الحسين وأمره بالطلب بدم الحسين _ عليه السلام _ وثأره وقتل قاتليه وطلبهم حيث كانوا، وسمّاه كيسان لكيسه ولما عرف من قيامه ومذهبه فيهم فهم يسمّون (المختارية) ويدعون (الكيسانية) (2).

معتقدهم :

إنّ الكيسانية على كثرة فرقهم يجمعهم شيئان:

أحدهما: القول بإمامة محمد ابن الحنفية.

والثانية: القول بالبداء على اللّه عزّ وجلّ، وقالت طائفة منهم بأنّه المهدي المنتظر في الرضوى (3).


(1) النوبختي: فرق الشيعة: 22 ـ 24.
(2) النوبختي: فرق الشيعة: 26.
(3) البغدادي: الفرق بين الفرق: 52.

(31)

الاِبهامات حول هذه الفرقة :

قد عرفت كلمات أصحاب المقالات وكتاب العقائد والظاهر منهم ومن غيرهم افتراض فرقة إسلامية شيعية نجمت بعد وقعة الطف (61 ـ 67هـ) والتفّت عدّة من الشيعة حول محمد ابن الحنفية واتّخذوه قائداً (في حياة الاِمام زين العابدين _ عليه السلام _) وقد لبّى هو وولده أبو هاشم ووصيه، ولم يكن هناك أي اعتراض واستنكار من رجالات البيت الهاشمي فاستتب الاَمر لابن الحنفية وابنه ومن بعده واستفحل أمرهم إلى عصر أبي جعفر المنصور العباسي، وقد كان العباسيون يستمدون شرعية دولتهم وخلافتهم من انتمائهم إلى تلك الفرقة وكانت لهم أُصول عقائد يتميزون بها عن سائر الفرق.

لكن الاِبهامات التي تحدق بهذه الفرقة من جوانب شتى يدفع الاِنسان إلى التأكد الكثير من وجود هذه الفرقة الاِسلامية في الساحة وبروزهم إليها باسم الدين وإليك بيانها:

1 ـ الاختلاف في المسمّى بكيسان :

إنّ الكيسانية منسوبة إلى «كيسان» وقد اختلفوا في المسمّى به إلى أقوال فمن قائل: إنّه اسم محمد ابن الحنفية، إلى آخر: إنّه اسم مولى لعلي، إلى ثالث: إنّه اسم نفس المختار بن أبي عبيدة الثقفي، إلى رابع: إنّه اسم صاحب شرطته المكنى بـ «أبي عمرة» وكان اسمه كيسان (1).

2 ـ الاختلاف فيمن نصب محمداً الحنفية للاِمامة :

إنّ القائد الذي تنتهي إليه تلك الفرقة هو محمد الحنفية، فقد


(1) الاَشعري: مقالات الاِسلاميين: 18، والبغدادي: الفرق بين الفرق: 3و 38، والنوبختي: فرق الشيعة: 22.

(32)

اختلفوا في مرشحه للاِمامة إلى قولين: فمن قائل بأنّ المعيِّن، هو الاِمام علي، إلى آخر أنّه الاِمام الحسين وهو الذي نصبه للخلافة.

3 ـ الاختلاف في مبدأ قيادته :

كما اختلفوا في الموصي والمعيّن، اختلفوا في مبدأ قيادته، فمن قائل بأنّه الاِمام المنصوب من جانب الاِمام علي وهو الاِمام بعد رحيل والده دون أخويه، إلى آخر بأنّه الاِمام بعد استشهاد الحسين _ عليه السلام _ .

4 ـ الاختلاف في كونه حياً أو ميتاً :

اختلفوا في كونه حياً أو ميتاً، فقد نسب إلى جماعة أنّهم قالوا بكونه المهدي المنتظر وأنّه حي بجبال رضوى، يصونه الاَسد والنمر، معه العسل والماء، وفي مقابلهم من قال بموته، وأنّ الاِمامة انتقلت إلى فرد آخر.

5 ـ اختلافهم في كونه حيّاً كرامة أو عقوبة :

اختلف القائلون بكونه حياً، فهل هو حي كرامة، بشهادة أنّه يصان بالاَسد والنمر عن اليمين والشمال ويأتيه رزقه غدواً وعشياً إلى وقت خروجه كما قال به كثير الشاعر، أو أنّه حي عقوبة لركونه إلى عبد الملك بن مروان وبيعته إيّاه.

6 ـ الاختلاف في الاِمام بعد أبي هاشم :

توفي محمد الحنفية عام ثمانين أو واحد وثمانين وتوفي ابنه أبو هاشم «عبد اللّه ابن محمد الحنفية» سنة ثمان أو تسع وتسعين وعرفه ابن شهر آشوب بأنّه كان ثقة جليلاً من علماء التابعين روى عنه الزهري وأثنى عليه وعمرو بن دينار وغيرهما (1)

وقد اختلفت الاَقوال في وصيه إلى قائل بأنّه أوصى إلى الحسن بن علي بن


(1) المامقاني: تنقيح المقال: 2|212 برقم 7042.

(33)

محمد الحنفية، إلى آخر بأنّه أوصى إلى أخيه، علي بن محمد الحنفية، وأنّه أوصى إلى ابنه الحسن، إلى ثالث أنّه أوصى إلى محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس، إلى رابع بأنّه أوصى إلى بيان بن سمعان، إلى خامس أنّه أوصى إلى عبد اللّه بن عمرو بن حرب.

7 ـ الاختلاف في المعتقد :

إنّ الكيسانية على كثرة فرقهم يجمعهم شيئان: أحدهما: القول بإمامة محمد ابن الحنفية والثانية: القول بأنّه المهدي المنتظر مضافاً إلى القول بالبداء(1).

أقول: إنّ القول بالبداء ليس من عقائد هذه الطائفة وإنّما هو عقيدة إسلامية جاء بها القرآن الكريم ونصت به السنّة النبوية (2)ولو فسرت على وجه صحيح لعلم أنّ المسلمين بأجمعهم متفقون على القول بها.

وإنّما نشأ النزاع من تفسيره على وجه باطل، أعني: الظهور بعد الخفاء على اللّه تعالى، ولا يقول به أحد من المسلمين، وتفسيره الصحيح قائم بكلمتين: إحداهما يرجع إلى مقام الثبوت، والاَُخرى إلى مقام الاِثبات، أمّا الاَُولى، فالبداء عبارة عن تغيير المصير بالاَعمال الصالحة أو الطالحة، كما كان الحال كذلك في قوم يونس، وأمّا الثانية فهي الاِظهار بعد الاِخفاء، وأمّا علمه سبحانه فلا يتغير ولايتبدل وأوضحنا حقيقتها في الجزء السادس من هذه الموسوعة (3).

قد نقل في كتب الملل والنحل أنّهم استدلوا على كون محمد ابن الحنفية إماماً بقول علي _ عليه السلام _ له يوم البصرة وقد أقدم بالراية: «أنت ابني حقاً» !


(1) البغدادي: الفرق بين الفرق: 52.
(2) الاِمام البخاري: الصحيح: 4|208، كتاب الاَنبياء، باب 51 حديث أبرص وأعمى وأقرع.
(3) بحوث في الملل والنحل: 6|304 ـ 327.

(34)

وأنت خبير بأنّ أحقّية البنوّة هو كونه شبيه والده في الشجاعة لا أنّه إمام بعده أو بعد السبطين.

كما نقل أنّهم استدلوا على كونه مهدياً غائباً بقول النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _:«لن تنقضي الاَيام والليالي حتى يبعث اللّه رجلاً من أهل بيتي اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي».

ولكن الاستدلال في غاية الضعف لاَنّ اسم والد محمد هو علي لا عبد اللّه. نعم كان علي صلوات اللّه عليه عبداً للّه وصفيّاً لا علَمياً.

على أنّه لو صحّ الاستدلال فالنفس الزكية، أعني: محمد بن الحسن بن عبد اللّه بن الحسن المثنى، أولى منه.

واستدلوا أيضاً على أنّ خروج المختار كان بإذنه.

يلاحظ عليه: أنّ الاِذن بالخروج لايدلّ على أنّه ادّعى الاِمامة ودعا الناس إليها، وقد روى الشيخ المفيد أنّه سئل محمد ابن الحنفية عن ظهور المختار وادّعائه أنّ خروجه بأمره فأجاب:

واللّه ما أمرته بذلك لكن لا أُبالي أن يأخذ بثأرنا كل أحد، وما يسوءني أن يكون المختار هو الذي يطلب بدمائنا.

فاعتمد السائلون على ذلك وكانوا كثيرين. وقد رحلوا إليه بهذا المعنى بعينه، فنصروا المختار على الطلب بدم الحسين _ عليه السلام _.

وأخيراً نقول إنّ الاِمامة إمّا بالنصّ أو بالبيعة، فإن كان الاَوّل فأين النصّ؟ وإن كانت بالبيعة فأين بايعه أهل الحل والعقد؟

وتوضيح المقال بذكر أمرين:

الاَوّل: أنّ محمد الحنفية وليد البيت العلوي وربيبه الذي وصفه أمير الموَمنين، بقوله: «إنّ المحامدة تأبى أن يعصى اللّه عزّ وجلّ » قال الراوي، قلت:


(35)

ومن المحامدة؟ قال _ عليه السلام _: «محمد بن جعفر، ومحمد بن أبي بكر، ومحمد بن أبي حذيفة ومحمد بن أمير الموَمنين ابن الحنفية» (1)وكان أعرف الناس بعظم مقام الاِمامة وخطورتها وأنّها لا تصلح إلاّ لمن ثبت في حقّه النص، من صاحب الرسالة أو من بايعه الناس، أو خصوص أهل الحل والعقد ومع ذلك كيف يلبّي دعوة نفر أو نفرين للقيام بأعباء الاِمامة ولم يكن هناك تنصيص ولا بيعة من وجوه المسلمين ولم يكن الرجل من الانتهازيين أو من أبناء البيت الساقط الذين كانوا يدوسون كل الاَُصول الاِسلامية، للحصول على الغايات ويستهويهم النهمة والشره لاختلاس الاَموال أو حيازة جاه.

ونحن نُجلُّ محمد ابن الحنفية عن الرغبة إلى حيازة المقام الذي لا يصلح إلاّ لمن اجتمع لديه الشرط من التنصيص أوّلاً، أو البيعة ثانياً.

والذي يوَيد ذلك أنّه لم تشاهد منه دعوة إلى نفسه، بإلقاء الخطابة والمحاضرة، أو بعث الرسل إلى الاَطراف والاَكناف، أو تصدي أمر، يعد من شوَون الحكومة، ولو كان كذلك لكان له أنصار وأعوان، ولما ألقى عليه القبض، ابن الزبير لغاية أخذ البيعة والتهديد بالاِحراق عند رفضها. كما أنّه كان يتعاطف مع عبد الملك بن مروان ـ عملاً بواجبه ـ حتى أدركته المنية عام ثمانين أو واحد وثمانين.

الثاني: لو أغمضنا عن ذلك فهل كان هناك جماعة، موَمنون بإمامته وقيادته؟ وأنّ الفراغ الذي حصل، لدى الشيعة بشهادة السبط، مُلىَ ببيعة أهل العراق ولفيف من أهل المدينة ومكة له، أو لا ؟.

والحقّ هو الثاني وأنّ كثير من الشيعة كانوا حيارى في أمر الاِمامة لاَجل الضغط من جانب الحكومة الاَموية إلاّ الاَخصّاء ولكن كانت الشيعة بأجمعهم


(1) المامقاني: تنقيح المقال: 2|57 برقم 10230، نقلاً عن رجال الكشي.

(36)

يتعاطفون مع أهل البيت وعلى مقدمتهم الشخصيتان البارزتان: محمد ابن الحنفية، و علي بن الحسين زين العابدين _ عليه السلام _ من دون أن يتخذ ابن الحنفية إماماً وقدوة للشيعة.

ففي هذه الظروف نهض إنسان غيور، وشجاع مقدام، وسيف بتّار، لاَخذ ثار الاِمام الحسين ألا وهو المختار بن أبي عبيدة الثقفي الذي كان يحب أهل البيت ـ عليهم السلام ـ منذ نعومة أظفاره إلى أن ألقى حمامه في طريق أخذ ثارهم، ونال أُمنيته باجتثاث جذور أعدائهم، وسفك دمائهم، فأشفى صدور قلوب الموَمنين وعلى رأسهم أئمة أهل البيت والهاشميون والهاشميات بأجمعهم.

لقد كان الاتصال الوثيق مع أكابر أهل البيت يوم ذاك رصيداً كبيراً للثائر لغاية التفاف شيعة العراق حول المختار ولولا ذلك لما تمكن من إنهاضهم إلى ميادين القتال. وبما أنّ محمد ابن الحنفية ـ رض ـ كان كبير العلويين في السن لم يكن له بد من التعاطف معه وكان له مثل ذلك سيد الساجدين، ولاَجل المواصلة والمكاتبة مع العظيمين جلب اهتمام الشيعة لنفسه، وأقام نهضة كبيرة أخذ بها ثأر الحسين _ عليه السلام _ لا بل كانت ناراً أحرقت أُمنيات بني أُمية وأبادت آثارهم واجتثت جذورهم.

ولما كانت ثورته ثقيلة على مناوئي أهل البيت _ عليهم السلام _ أرادوا إسقاطه من أعين الناس فتحاملوا عليه من جانب العقيدة فرموه باختراع المذهب حتى رموه بادّعاء النبوة ونزول الوحي حتى صاغوا له جملاً مضاهية لجمل الكهنة، ونسبوها إليه (1). ولم يكن لهم غاية إلاّ القضاء على نهضته وثورته.

يقول البغدادي: «فلمّا تمت للمختار ولاية الكوفة والجزيرة والعراقين،


(1) البغدادي: الفرق بين الفرق: 46.

(37)

تكهّن بعد ذلك وسجع كإسجاع الكهنة، وحكي أيضاً أنّه ادّعى نزول الوحي عليه»(1).

لم يكن المترقّب من البيت الاَموي وحماته الذين شربوا كأس المنون بيد الثائر المتفاني في حب أهل البيت، إلاّ رميه بادّعاء النبوة ونزول الوحي، ولنفترض أنّ الثائر الثقفي لم يكن رجلاً دينياً، ولم ينهض بدافع إلهي، وإنّما ثارت ثورته، بدافع نفسي مادي، ولكنه كان رجلاً عملاقاً وسياسياً عبقرياً، قاد أعظم الثورات التي شاهدها التاريخ في ذلك العصر وامتدت سلطته إلى أرمينيا، وهل مثله ـ وهو يحكم باسم الاِسلام والدين، وبتأييد من أئمة أهل البيت _ عليهم السلام _ ـ يدّعي النبوة ونزول الوحي ويتكلم بكلام الكهنة مع أنّ التاريخ ضبط خطبه وكلامه حتى نقلها البغدادي (2)كلا، ولا، وما جاء به البغدادي، ليس إلاّ نسبة مفتعلة.

«من يتحقّق في سيرة المختار وحربه للاَمويين ودكه لجيش قائدهم عبيد اللّه ابن زياد، وفي عدائه للزبيريين ابتداء من انتزاع الحكم منهم في أوّل ثورته حتى قتاله لمصعب الذي سيطر على الحكم بعد المختار، ـ من يتحقّق في هذا ـ يستطع تحليل اتّـهام المختار بالكذب والانحراف واستغلال الاِسلام وقتل الاِمام الحسين _ عليه السلام _ من أجل مصالحه الشخصية، وأن تنسب له أقاويل مضادة للاِسلام. وكيف لايتهم بالاَُمور السالفة وأضرابها وقد أطبقت على عدائه دولتان، دولة ابن الزبير ودولة الاَمويين؟» (3).

وهناك بعض التساوَلات على صعيد البحث نشير إليها:

الاَوّل: روى الشيخ الكليني بسند صحيح عن أبي جعفر _ عليه السلام _ مناشدة محمد ابن الحنفية لعلي بن الحسين في مسألة الوصاية والاِمامة حتى اتفقا


(1)1 ـ البغدادي: الفرق بين الفرق: 45 و 46.
(2)2 ـ البغدادي: الفرق بين الفرق: 45 و 46.
(3) محمود البغدادي: النظرية السياسية: 284.

(38)

على تحكيم الحجر الاَسود وطلب الشهادة منه على أحدهما، فانطلقا حتى أتيا الحجر الاَسود، فقال علي بن الحسين لمحمد ابن الحنفية: «إبدأ أنت فابتهل إلى اللّه عزّ وجلّ وسله أن ينطق لك الحجر ثم سل» فابتهل محمد في الدعاء وسأل اللّه ثم دعا الحجر فلم يجبه، فعند ذلك تقدم علي بن الحسين وقال: «أسألك بالذي جعل فيك ميثاق الاَنبياء وميثاق الاَوصياء وميثاق الناس أجمعين لما أخبرتنا مَن الوصي والاِمام بعد الحسين بن علي _ عليهما السلام _ ؟» فتحرك الحجر حتى كاد أن يزول عن موضعه ثم أنطقه اللّه عزّ وجلّ بلسان عربي مبين فقال: اللّهم إنّ الوصي والاِمام بعد الحسين بن علي _ عليهما السلام _ هو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وابن فاطمة بنت رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _، قال فانصرف محمد بن علي وهو يتولّى علي بن الحسين ـ عليهما السلامـ(1).

لكن الاِجابة عن هذا السوَال واضحة، فإنّا لو افترضنا صحة المضمون، واكتفينا في مثل هذه الواقعة الخطيرة بالخبر الواحد، لنا أن نقول بأنّ المناشدة كانت لاَجل إفهام الآخرين بإمامة علي بن الحسين حتى يوجه نظر الجماهير إلى الاِمام الحقيقي.

إنّ محمد ابن الحنفية أجل من أن لا يعرف شروط الاِمامة وإنّها لم تكن متوفرة في حقّه. إذ لو كانت بالنص فلم يكن هناك نصّ عليه، ولو كانت بالمبايعة والتصفيق بالاَيدي فلم تكن هناك مبايعة. ومع ذلك فهل يحتمل أن يشهد له الحجر بالاِمامة.

الثاني: إذا لم تكن هناك دعوة باسم الكيسانية وإنّما خلقها أعداء المختار لاِسقاطه من أعين الناس فبماذا يفسر ما أنشأه الشاعر كُثَيِّـر عزّة.


(1) الكليني: الكافي: 1|348 ح5، كتاب الحجّة.

(39)

ألا إنّ الاَئمة من قريش * ولاة حقّ أربعة سواء

علي والثلاثة من بنيه * هم الاَسباط ليس بهم خفاء (1)

أو ما أنشأه السيد الحميري:

ياشعب رضوى ما لمن بك لا يرى * وبنا إليه من الصبابة أولق

حتى متى؟ وإلى متى؟ وكم المدى * يابن الرسول وأنت حيٌّ ترزق (2)

والاَجابة عن هذا السوَال واضحة لاَنّا أيضاً نرافق القارىَ في حكاية هذه الاَشعار عن ظهور عقيدة خاصة في حقّ محمد ابن الحنفية، ولكنها لم تكن تتجاوز عن حدوث فتنة دينية أثارت شكوكاً تارة وأوهاماً أُخرى على بعض الناس ولم يمض شيء حتى ذهبت أدراج الرياح، ولاتعد مثل ذلك فرقة إسلامية لها دور على بعض الناس على أنّ شعر السيد لا يثبت هذا المطلب لاَنّه يقول: يا ابن الرسول ولم يكن محمد ابن الحنفية ابناً للرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _.

الثالث: روي أنّ السيد الحميري كان كيسانياً وله شعر في هذا المذهب ولكنه رجع إلى الحقّ بفضل الاِمام جعفر الصادق _ عليه السلام _ وقال:

تجعفرتُ باسم اللّه واللّه أكبر * وأيقنتُ أنّ اللّه يعفو ويغفر

ودنتُ بدينٍ غير ما كنتُ دايناً * به ونهاني سيد الناس جعفر

فقلت هب أنّي قد تهوّدتُ برهة * وإلاّ فديني دين من يتنصر

فلست بغال ما حييتُ وراجع * إلى ما عليه كنت أخفي وأُضمر

ولا قائل قولاً لكيسان بعدها * وإن عاب جهال مقالي وأكثروا

ولكنه من قد مضى لسبيله * على أحسن الحالات يقضي ويوَثر (3)


1 ـ المسعودي : مروج الذهب : 78 ـ 79 ، طبعة دار الاندلس .

2 ـ المسعودي : مروج الذهب : 78 ـ 79 ، طبعة دار الاندلس .

3 ـ السيد المرتضى : الفصول المختارة : 598 .


(40)

إنّ شعره هذا يحكي عن وقوع شبهة لبعض أولياء أهل البيت ـ عليهم السلام ـ فتصوروا المجاز حقيقة، ولكنهم رجعوا إلى شرعة الحقيقة وشربوا من مائها العذب المعين.

وقد اتضح بهذا البحث الضافي على أنّ المذهب الكيساني تحدقه إبهامات وغموض في موَسسه وأتباعه وأهدافه تكاد تدفع الاِنسان إلى أنّه مذهب مختلق من جانب الاَعداء، ملصق بشيعة أهل بيت النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لغاية تشويش أذهان الشيعة أوّلاً وتحطيم سمعة السيف البّتار المختار بن أبي عبيدة ثانياً.

وهناك كلمة تدعم ما ذكرنا بأحسن وجه وهي أنّ الباعث الوحيد لترويج هذا المسلك هو العباسيون في بداية أمرهم لاَنّهم كانوا يستمدون شرعية خلافتهم من هذا الطريق إذ يدعون أنّ أبا هاشم أوصى إلى محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس.

قال الاَشعري: قالوا إنّ أبا هاشم مات بأرض السراة منصرفاً من الشام فأوصى هناك إلى محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس، وأوصى محمد بن علي، إلى ابنه إبراهيم بن محمد ثم أوصى إبراهيم بن محمد إلى أبي العباس ثم أفضت الخلافة إلى أبي جعفر المنصور بوصية بعضهم إلى بعض (1).

فالعباسيون لاَجل إضفاء الشرعية على خلافتهم كانوا يدعمون هذا المذهب ويصوّرونه أمراً واقعياً وصل إليهم من أئمة أهل البيت فمن الحسين ـ عليه السلام ـ إلى أخيه محمد ابن الحنفية إلى ابنه أبي هاشم إلى محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس إلى أن وصل إلى المنصور ذلك الحاكم الطاغي قاتل العلويين.

قال ابن خلدون في مقدمته: وآخرون يزعمون أنّ أبا هاشم لما مات بأرض السراة منصرفاً من الشام، أوصى إلى محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس، وأوصى


(1) الاشعري : مقالات الاسلاميين : 21 ، وفي النسخة «الشراة».

(41)

محمد إلى ابنه إبراهيم المعروف بالاِمام، وأوصى إبراهيم إلى أخيه عبد اللّه بن الحارثية الملقب بالسفاح، وأوصى هو إلى أخيه عبد اللّه أبي جعفر الملقب بالمنصور، وانتقلت في ولده بالنص والعهد واحداً بعد آخر إلى آخرهم، وهذا مذهب الهاشمية القائمين بدولة بني العباس، وكان منهم: أبو مسلم وسليمان بن كثير وأبو سلمة الخلاّل وغيرهم من شيعة العباسية وربما يعضدون ذلك بأنّ حقهم في هذا الاَمر يصل إليهم من العباس، لاَنّه كان حياً وقت الوفاة وهم أولى بالوراثة بعصبيّة العمومة (1).

والجدير بإلفات نظر القارىَ هو قول ابن خلدون: « وربما يعضدون ذلك بأنّ حقهم في هذا الاَمر يصل إليهم من العباس» فإن ظاهره أنّ العباسيين يعضدون الكيسانية ويروجونها إذ من ذلك الطريق يصلون إلى شرعية حكمهم (2).

وفي الختام نأتي بكلمتين للشيخ المفيد، قال:

1 ـ أنّ جميع ما حكيناه من اعتقادات القوم، أمر حادث ألجأ القوم إليه الاضطرار، عند الحيرة، وفراقهم الحقّ، والاَصل المشهور ما حكيناه من قول الجماعة المعروفة بإمامة أبي القاسم ـ محمد الحنفية ـ بعد أخويه والقطع على حياته وأنّه القائم (وأمّا غير هذا القول فقد حدث بعد زمن، ألجأهم الاضطرار إليه).

2 ـ انقرضت الكيسانيـة حتى لا يعرف منهم في هذا الزمان أحد إلاّ ما يحكى ولا تُعرف صحته، ويقول في مورد آخر: «إنّ الكيسانية في وقتنا هذا لا بقية لهم ولا يوجد عدد منهم، يقطع العذر بنقله، بل لا يوجد أحد منهم يدخل في جملة أهل العلم بل لا نجد أحداً منهم جملة، وإنّما تقع مع الناس الحكاية عنهم خاصة (3) .


(1) ابن خلدون: المقدمة: 1|250، طبع دار الفكر، بيروت.
(2) لاحظ البغدادي: الفرق بين الفرق: 40 ـ 41.
(3) الشيخ المفيد: الفصول المختارة: 297 ـ 305.

(42)

حول سائر فرق الشيعة

قد ذكر أصحاب المقالات للشيعة فرقاً بصورة عامة وللزيدية والاِمامية بصورة خاصة، أمّا فرق الزيدية فسوف نتناولها في مستقبل الكتاب ونثبت أنّ زيداً الثائر لم يكن إماماً في العقائد ولافقيهاً صاحب منهج في الفقه ولم يكن له أي ادّعاء في ذينك المجالين حتى يكون إماماً في أحدهما ويشكل فرقة خاصة باسم الزيدية، نعم بعدما قتل زيد في المعركة وأدّى واجبه تفرّق أصحابه إلى فرق ومذاهب لاتمت بالثائر بصلة، فانتماء الفرق الزيدية إلى اتباع زيد الصق بهم من زيد ـ رضي اللّه عنه ـ وسيوافيك التفصيل في محله.

إنّما الكلام عن الفرق التي ذكروها فرقاً للاِمامية وقد كبّروها وعدّوها خمس عشرة فرقة وهي:

1 ـ الكاملية 2 ـ المحمدية 3 ـ الباقرية 4 ـ الناووسية 5 ـ الشمطية 6 ـ العماريـة 7 ـ الاِسماعيليـة 8 ـ المباركية 9 ـ الموسويــة 10 ـ القطعيـة 11ـ الاثنا عشرية 12 ـ الهشامية 13 ـ الزرارية 14 ـ اليونسية 15 ـ الشيطانية (1).

وهوَلاء الذين ذكرهم البغدادي تبعاً للاَشعري، وتبعهما الاِسفرائيني في كتابه «التبصير في الدين» والشهرستاني في «الملل والنحل» والرازي في «اعتقادات المسلمين والمشركين» تدور بين الصحيح والمختلق، فإنّ كثيراً منها


(1) البغدادي: الفرق بين الفرق: 350.

(43)

فرق في عالم الوهم والخيال نسجها مناوئوا أهل البيت لتشويه سمعة الشيعة الاِمامية، ولنأتي بنموذج عنها وهم الفرق الاَربعة الاَخيرة، أعني: الهشامية والزرارية واليونسية والشيطانية فإنّك لا ترى أثراً من هذه الفرق في كتب الشيعة الاِمامية.

أمّا الاَُولى: أي المنسوبة إلى هشام بن الحكم فمختلقة، فإنّ هشام بن الحكم من متكلّمي الشيعة الاِمامية وبطانتهم وممّن دعا له الاِمام الصادق _ عليه السلام _ فقال: « ماتزال موَيداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك».

قال الشهرستاني: هذا هشام بن الحكم صاحب غور في الاَُصول لا يجوز أن يُغفل عن إلزاماته على المعتزلة، فإنّ الرجل وراء ما يلزم به على الخصم، ودون مايُظهره من التشبيه!! و ذلك أنّه ألزم العلاّف (1).

سيوافيك أنّ ما نقله عنه من التشبيه يرجع إلى زمن شبابه قبل اتصاله بالاِمام الصادق _ عليه السلام _ ويعتبر الرجل بخواتيم أعماله ومعتقداته.

يقول أحمد أمين: أكبر شخصية شيعية في الكلام وكان جداً قوي الحجّة، ناظر المعتزلة وناظروه ونقلت له في كتب الاَدب مناظرات كثيرة متفرقة تدلّ على حضور بديهته وقوة حجّته.

إنّ الشيخ الاَشعري قد أطنب الكلام عنه وذكر له عقائد خرافية في تجسيمه سبحانه وعطف عليه هشام بن صادق الجواليقي واشتراكهما في التجسيم ومضاعفاته (2) وذكره البغدادي بنفس النص مع تلخيص (3)، وتبعهما من جاء بعدهما كالشهرستاني غير أنّ هوَلاء لابتعادهم عن التعرّف برجال الشيعة لم يعرفوا هشام بن الحكم حقّ المعرفة واشتبه عليهم الاَمر، فإنّ هشام كان بداية أمره


(1) الشهرستاني: الملل والنحل: 1|185.
(2) الاَشعري: مقالات الاِسلاميين: 1|31 ـ 34.
(3) البغدادي: الفرق بين الفرق: 65 ـ 69.

(44)

من تلامذة أبي شاكر الديصاني صاحب النزعة الاِلحادية، ثم تبع جهم بن صفوان الجبري المتطرف المقتول بـ «ترمذ» عام 128هـ، ولما التحـق بالاِمـام الصادق ـ عليه السلام ـ ودان بمذهب الاِمامية ترك ما كان يعتقد به من تجسيم وتشبيه فقد تطبعت عقليته على معارف أهل البيت إلى حد كبير، ولا يخفى على إنسان ملمّ بالحديث والكلام أنّ التنزيه شعار أهل البيت _ عليهم السلام _ ولقد كفانا الشيخ عبد اللّه نعمة في رسم حياة هشام رسماً واقعياً منزّهاً عن كل رأي مفتعل (1).

وأمّا الثانية: أعني الزرارية فهذه الفرقة المختلقة منسوبة إلى زرارة بن أعين من أجلاّء تلاميذ الاِمامين الباقر والصادق _ عليهما السلام _. يقول النجاشي في حقه: شيخ أصحابنا في زمانه ومتقدّمهم وكان قارئاً، فقيهاً، متكلماً، شاعراً، أديباً، قد اجتمعت فيه خصال الفضل والدين (2)وقد ذكرنا له ترجمة ضافية طبعت في مقدمة مسنده، مات رحمه اللّه عام 150هـ، ولم يكن له أي شطح في العقيدة أو اعوجاج في الفكر، وإنّما كان يسير على ضوء إماميه الباقر والصادق ـ عليهما السلام ـ وقد أثنيا عليه بجمل ضافية، ومسنده المطبوع لاَصدق دليل على براءته في الكلام واضطلاعه في الفقه.

نعم أنّ الضغائن والحقد على هذا المتكلّم وعلى من سبقه ـ هشام بن الحكم ـ دفع المخالفين على رميهم بالانحراف الفكري، قال البغدادي: ومنهم الزرارية أتباع زرارة بن أعين الرافضي، في دعواها حدوث جميع صفات اللّه عزّ وجلّ وإنّها من جنس صفات اللّه عزّ وجلّ وزعموا أنّ اللّه تعالى لم يكن في الاَزل حياً، ولاعالماً ولا قادراً ولا مريداً ولاسميعاً، ولا بصيراً وإنما استحق هذه الاَوصاف حين أحدث لنفسه حياة وقدرة وعلماً وأرادة وسمعاً وبصراً. (3)


(1) لاحظ كتابه حياة هشام بن الحكم، طبع بيروت.
(2) النجاشي: الرجال: 1|397 برقم 461. ولاحظ مقدمة الموَلّف على مسنده.
(3) البغدادي: الفرق بين الفرق: 230.

(45)

ما عزى إليه، نسبة مفتعلة، والرجل ممّن برع في الفقه الاَكبر والاَصغر في أحضان الاِمامين الباقر والصادق _ عليهما السلام _ وحاشا أنّ يقول مثله بحدوث الاَوصاف الثبوتية للّه.

وأمّا الثالثة: فهي اليونسية المنسوبة إلى يونس بن عبد الرحمن مولى علي بن يقطين بن موسى، مولى بني أسد، فقد كان حافظاً للحديث، فقيهاً في الدين، متكلّماً على مذهب أهل البيت. يقول النجاشي:

كان وجهاً في أصحابنا، متقدماً ،عظيم المنزلة، ولد في أيام هشام بن عبد الملك ورأى جعفر بن محمد _ عليهما السلام _ بين الصفا والمروة ولم يرو عنه، وروى عن أبي الحسن موسى والرضا _ عليهما السلام _، وكان الرضا ـ عليه السلام ـ يشير إليه في العلم والفتيا له كتاب يوم وليلة وقد قال في حقّه الاِمام العسكري ـ عليه السلام ـ: «أتاه اللّه بكل حرف نوراً يوم القيامة» وكتب أُخرى ذكرها النجاشي(1).

وقد نسب إليه البغدادي من أنّه كان يقول: إنّ اللّه تعالى يحمله حملة عرشه وإن كان هو أقوى منها (2).

وأمّا الرابعة: فهوَلاء يريدون من الشيطان، محمد بن علي بن النعمان بن أبي طريفة البجلي، كوفي صيرفي يلقّب بـ «موَمن الطاق» و«صاحب الطاق»، وإنّما لقبه المخالفون بشيطان الطاق، وكان دكانه في طاق المحامل بالكوفة فيرجع إليه في النقد فيرد رداً فيخرج كما يقول فيقال شيطان الطاق. له كتاب الاحتجاج في إمامة أمير الموَمنين، وكتاب رد فيه على الخوارج، ومناظرات مع أبي حنيفة والمرجئة.

وقال ابن النديم: كان متكلماً حاذقاً. وله من الكتب: الاِمامة وكتاب المعرفة


(1) النجاشي: الرجال: 2|421 ـ 422.
(2) البغدادي: الفرق بين الفرق: 228، والنسبة مفتعلة، والعدل والتنزيه من شعار أئمة أهل البيت، وما نقل أشبه بكلام المجسّمة من الحنابلة والحشوية.

(46)

وكتاب الرد على المعتزلة في إمامة المفضول، وكتاب في أمر طلحة والزبير وعائشة (1).

نسب إليه البغدادي من أنّ اّللّه تعالى إنّما يعلم الاَشياء إذا قدرها وأرادها، ولا يكون قبل تقديره الاَشياء عالماً بها، وإلاّ ما صحّ تكليف العباد (2)

إنّ دراسة حياة هوَلاء الاَكابر تشهد على أنّهم من حفاظ أحاديث أهل البيت ومن مقتفي آثارهم، فعقيدتهم لاتختلف قدر شعرة مما كان عليه الاِمام الصادق والاِمام الكاظم _ عليهما السلام _.

هوَلاء كانوا صواعق تنزل على روَوس المنافقين وتدمر أوكار أفكارهم، فلم يجد الخصوم بدّاً من الازدراء بهم حتى لقّبوا بعضهم بالشيطانية تنابزاً بالاَلقاب.

نحن نسلم أنّ له رأياً فيما ترجع إلى الاستطاعة كما زعمها الاَشعري في موَمن الطاق ومن تقدّمه (3)

أفيصح أن يعد هوَلاء موَسّسين لفرق إسلامية بحجّة أنّ لهم رأياً في مسألة كلامه ولو صلح ذلك لبلغت عدد الفرق الاِسلامية المائة بل المئات، إذ ما من مسألة كلامية إلاّ فيها خلاف بين علماء الكلام.

هذا ما يرجع إلى الفرق الاَربعة التي ذكرها البغدادي في آخر الفرق للاِمامية، ولنرجع إلى ماصدّر به فرق الاِمامية ونشرحها بالمشراط العلمي.

* * *


(1) ابن النديم: الفهرست: 264، وأيضاً: 258.
(2) البغدادي: الفرق بين الفرق: 71.
(3) الاَشعري: مقالات الاِسلاميين: 43.

(47)

قالوا: منهم الكاملية:

يقول البغدادي: هوَلاء أتباع رجل من الرافضة كان يعرف بأبي كامل، وكان يزعم بأنّ الصحابة قد كفروا بتركهم بيعة علي، وكفر عليّ، بتركه قتالهم، وكان يلزمه قتالهم كما لزمه قتال أصحاب صفين، وكان بشار بن برد الشاعر الاَعمى على هذا المذهب، وروى أنّه قيل: له ماتقول في الصحابة؟ قال: كفروا، فقيل له: فماذا تقول في علي؟ فتمثل بقول الشاعر:

وما شر الثلاثة أم عمرو * بصاحبك الذي لا تصبحينا

وحكى أصحاب المقالات عن بشار أنّه ضم إلى ضلالته في تكفير الصحابة وتكفير علي معهم ضلالتين أُخريتين.

إحداهما: قوله برجعته إلى الدنيا قبل يوم القيامة، كما ذهب إليه أصحاب الرجعة من الرافضة.

الثانية: قوله بتصويب إبليس في تفضيل النار على الاَرض، واستدلوا في ذلك بقول بشار في شعر له:

الاَرض مظلمة والنار مشرقة * والنار معبودة مذ كانت النار (1)

يلاحظ عليه: بما ذكرنا في أوّل الفصل من أنّ عد فرقة من المذاهب الاِسلامية مشروط بوجود المقسم في القسم فلو لم يشم القسم رائحة المقسم فلا يصح عدّه قسماً منه، فإنّ التشيع بالمعنى الاصطلاحي هو الاعتقاد بأنّ علياً ـ عليه السلام ـ هو المنصوب للقيادة بعد رحيل الرسول الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _، ومعنى ذلك لزوم متابعته والاقتفاء بأثره، وأنّه الرجل الاَمثل والاَفضل بعد رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _، فإذا كان الرجل مبغضاً


(1) البغدادي: الفرق بين الفرق: 54، والاِسفرائيني، التبصير: 35، تحقيق كمال يوسف الحوت.

(48)

ومكفّراً لعلي وإن كان مكفّراً لسائر الخلفاء، فهل يصح عدّه من الشيعة وعدّ مذهبه فرقة من فرق الشيعة الاِمامية؟!.

لا أدري ولا المنجم يدري ولا القراء يدرون !!

على أنّ الرجعة ليست بمعنى رجوع جميع الناس إلى الدنيا المستلزم لاِنكار البعث، بل المقصود رجوع عدد قليل من الصلحاء والطواغيت عند ظهور المهدي _ عليه السلام _ ولعل عددهم لا يتجاوز عدد الاَصابع، وقد أوضحنا معناها في الجزء السادس من هذه الموسوعة (1).

ومنهم المحمدية:

هوَلاء ينتظرون محمد (النفس الزكية) بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ولا يصدّقون بقتله ولا بموته، ويزعمون أنّه في جبل حاجز من ناحية نجد إلى أن يوَمل بالخروج، وكان المغيرة بن سعيد العجلي مع ضلالاته في التشبيه يقول لاَصحابه: إنّ المهدي المنتظر، محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن ابن علي، ويستدل على ذلك بأنّ اسمه كاسم رسول اللّه واسم أبيه عبد اللّه كاسم أبي رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _، وقال في الحديث عن النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قوله في المهدي: «إنّ اسمه يوافق اسمي، واسم أبيه اسم أبي» فلما أظهر محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي دعوته بالمدينة واستولى على مكة والمدينة، واستولى أخوه إبراهيم بن عبد اللّه على البصرة، واستولى أخوهما الثالث ـ وهو إدريس بن عبد اللّه ـ على بلاد المغرب، وكان ذلك في زمان الخليفة أبي جعفر المنصور فبعث المنصور إلى حرب «محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن» بعيسى بن موسى في جيش كثيف قاتلوا محمّداً بالمدينة وقتلوه في المعركة، ثم أنفذ بعيسى بن موسى أيضاً إلى حرب «إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي» مع جنده، فقتلواإبراهيم بباب


(1) السبحاني: موسوعة بحوث في الملل والنحل: 6|363.

(49)

حمرين على الستة عشر فرسخاً من الكوفة، ومات في تلك الفتنة إدريس بن عبد اللّه بن الحسن بأرض المغرب، وقيل: إنّه سُمَّ بها، ومات عبد اللّه بن الحسن بن الحسن والد أُولئك الاِخوة الثلاثة في سجن المنصور، وقبره بالقادسية، وهو مشهد معروف يزار (1).

يلاحظ عليه: من سبر تاريخ العلويين يذعن بأنّه كانت في عصر الاِمام الصادق _ عليه السلام _ وأيام إمامته (114 ـ 148هـ) فكرتان تسودهم، فمن معتقد بأن طريق إنقاذ الاَُمة الاِسلامية من أيدي الاَمويين ثم العباسيين يكمن في الكفاح المسلّح، إلى آخر بأنّ الظروف لاتسمح للكفاح المسلح وإنّما الواجب توعية الناس وتثقيفهم وتعليمهم وإعدادهم إلى الظرف المناسب.

وقد سلك زيد الثائر الدرب وفق المعتقد الاَوّل، وأعقبه أبناوَه:يحيى بن زيد وعيسى بن زيد، ثم الحسنيون عامة، ولذلك قام محمد بن إبراهيم بن الحسن المثنى بطرق هذا الباب وأثار ثورة مع إخوته كما عرفت، ولم يكن له ولا لاِخوته أو غيره أي دعوة إلى شخصهم وإنّما فرضوا على أنفسهم إزالة الحكومة الجائرة ثم تفويض الاَمر إلى الاَليق والاَمثل من أئمة أهل البيت _ عليهم السلام _ ،وعلى ضوء ذلك فلا يصح لنا عد ثائر على الظلم موَسساً لمذهب ومكوناً لفرقة، وأمّا أنّ أمثال المغيرة بن سعيد من رجال العبث والفساد الذين استبطلوه بتعريفهم إيّاه للملاَ على أنّه المهدي المنتظر فلا يمت إلى الثائر بصلة، وقد تقدّم أنّ أئمة أهل البيت تبرّأوا من ابن سعيد وأذنابه عملاء الفسق والفساد.

ومنهم: الباقرية والجعفرية:

إنّ الاِمامية عن بكرة أبيهم يعتقدون بأنّ الاَئمة اثنا عشر خلفاء اللّه بعد وفاة


(1) البغداي: الفـرق بين الفـرق: 57 ـ 58، وقد بسط الكلام في هذه الفرقة الاِسفرائيني في التبصير: 35 ـ 36.

(50)

الرسول الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وقد ذكر الرسول الاَكرم أسماءهم لخُلَّص أصحابه، منهم جابر بن عبد اللّه الاَنصاري وغيره (1)وقد تضافر عن الرسول حسب ما رواه أحمد في صحيحه أنّه يملك هذه الاَُمّة اثنا عشر خليفة كعدد نقباء بني إسرائيل (2)وروى البخاري عن جابر بن سمرة، قال: سمعت رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يقول: «يكون اثنا عشر أميراً» فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنّه قال: «كلّهم من قريش» (3)وروى مسلم عنه أيضاً يقول: سمعتُ رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يقول: «لا يزال الاِسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة» ثم قال كلمة لم أفهمها فقلت لاَبي: ماقال؟ فقال: كلّهم من قريش(4).

إلى غير ذلك من الروايات الناصة على أنّ خلفاء الرسول اثنا عشر خليفة، وقد ذكرنا متون الروايات في الجزء السادس من هذه الموسوعة (5).

وقد اتفقت الاِمامية على أنّ محمداً الباقر وجعفراً الصادق _ عليهما السلام _ من الاَئمة الاثني عشر بلا ريب أو شك، كما اتفقت الاَُمّة على فضلهما وجلالتهما بلا ريب أو شك.

قال ابن خلّكان: أبو جعفر محمد بن زين العابدين الملقب بـ «الباقر» أحد الاَئمة الاثني عشر في اعتقاد الاِمامية، وهو والد جعفر الصادق، كان الباقر عالماً سيّداً كبيراً، وإنّما قيل له الباقر، لاَنّه تبقّر في العلم، أي توسّع، وفيه يقول الشاعر:

يا باقر العلم لاَهل التقى * وخير من لبّى على الاَجْبُلِ (6)


(1) الحويزي: نور الثقلين: 1|414، في تفسير قوله تعالى: (أطيعُوا اللّهَ وأطِيعُوا الرسولَ) (النساء ـ 59).
(2) أحمد بن حنبل، المسند: 1|398.
(3) البخاري: الصحيح: 9|101، كتاب الاَحكام الباب51 (باب الاستخلاف)
(4) مسلم: الصحيح: 6|3.
(5) السبحاني: بحوث في الملل والنحل: 6|58 ـ 62.
(6) ابن خلّكان: وفيات الاَعيان: 4|174.

(51)

وهذا هو الشهرستاني يعرف الاِمام جعفر الصادق _ عليه السلام _ بقوله: وهو ذو علم غزير في الدين، وأدب كامل في الحكمة، وزهد بالغ في الدنيا، وورع تام عن الشهوات، وقد أقام بالمدينة مدّة يفيد الشيعة المنتمين إليه، ثم دخل العراق وأقام بها مدّة(1).

نعم كان الاعتقاد بظهور المهدي أمراً مسلماً بين المسلمين عامّة والشيعة خاصة، وربما تطرأ الشبهة للعوام في حقّ بعض الاَئمة، وقد نقل البغدادي أنّ من بين الشيعة من يقول: إنّ الاِمام الباقر هو المهدي المنتظر، ويستدل بما روي عن النبي أنّه قال لجابر بن عبد اللّه الاَنصاري: «إنّك تلقاه فاقرئه مني السلام» وكان جابر آخر من مات بالمدينة من الصحابة، وكان قد عمي في آخر عمره، وكان يمشي في المدينة ويقول: ياباقر، ياباقر، متى ألقاك؟ فمرّ يوماً في بعض سكك المدينة فناولته جارية صبياً كان في حجرها، فقال لها: من هذا؟ فقالت: هذا محمد ابن علي بن الحسين بن علي، فضمه إلى صدره وقبّل رأسه ويديه ثم قال: يابني، جدّك رسول اللّه يقرئك السلام. ثم قال جابر: قد نعيت إلي نفسي، فمات في تلك الليلة(2).

وتبعه الاِسفرائيني في «التبصير»، ونسبا إلى بعض الشيعة أنّهم اعتقدوا بأنّ المهدي المنتظر هو أبو جعفر الباقر _ عليه السلام _ وليس في كتب الشيعة من هذه الفرقة من أثر، ولعله كانت هنا شبهة لبعض الناس فماتت الشبهة بموتهم.

ومنهم: الناووسية:

قال الاَشعري: وهوَلاء يسوقون الاِمامة إلى أبي جعفر محمد بن علي، وأنّ


(1) الشهرستاني: الملل والنحل: 1|166.
(2) البغدادي: الفرق بين الفرق: 60.

(52)

أبا جعفر نصّ على إمامة جعفر بن محمد، وأنّ جعفر بن محمّد حيّ لم يمت ولا يموت حتى يظهر أمره، وهو القائم المهدي وهذه الفرقة تسمّى الناووسية، لقبوا برئيس لهم يقال له: «عجلان بن ناووس» من أهل البصرة (1).

وفي الحور العين:إنّهم أتباع رجل يقال له «ناووس» وقيل: نسبوا إلى قرية ناووس (2) .

إذا تردّد أمر موَسس المذهب من أنّه هو «ناووس» أو ابنه عجلان، أو شخص ثالث منسوب إلى «ناووس» يكون أولى بأن يشك الاِنسان في أصله وغاية ما يمكن أن يقال طروء شبهة لشخص أو شخصين في أمر المهدي فزعموا أنّه الاِمام الصادق _ عليه السلام _ لكن ماتت الشبهة بموت أصحابها ولايعد مثل ذلك فرقة، غير أنّ حبّ أصحاب المقالات لتكثير فرق الشيعة أوّلاً، وفرق المسلمين ثانياً لتجسيد حديث افتراق الاَُمّة إلى ثلاث وسبعين فرقة، جرّهم إلى عدّ هوَلاء فرقة.

والحاصل بما أنّه لم يذكر لهم دور في الحياة، ولا حركة في المجتمع، يظن أنّه حصلت شبهة في مسألة المهدي، فزعم الرجل أنّه الاِمام الصادق وتبعه واحد أو اثنان، ثم ماتت الفرقة بموت المشتبه فلا يعد مثل ذلك فرقة.

نحن نطلق الفرقة على جماعة لهم منهج في العقيدة أو مذهب في الفقه أو لهم دعايات وبلاغات وحركات في المجتمع.

إلى هنا لم نجد للشيعة الاِمامية فرقة صحيحة قابلة للذكر فهي بين خارجة عن الدين من رأس كالغلاة، ومغمورة في أطباق الاِبهام كالكيسانية، أو طارئة عليها الشبهة ولم يكتب لها البقاء إلاّ أياماً قلائل، والمظنون أنّ الشيعة الاِمامية إلى عصر الاِمام الصادق _ عليه السلام _ كانوا متماسكين غير منفصلين.


(1) الاَشعري: مقالات الاِسلاميين: 25.
(2) الحاكم الجشمي: الحور العين: 162.

(53)

قال الشهرستاني: إنّ الاِمامية متفقون في الاِمامة وسوقها إلى جعفر بن محمد الصادق _ عليه السلام _، ومختلفون في المنصوص عليه من أولاده، إذ كانت له خمسة أولاد، وقيل ستة: محمد وإسحاق وعبد اللّه وموسى وإسماعيل (1).

* * *

الفرق الواقعية للشيعة بعد رحيل الاِمام الصادق ـ عليه السلامـ:

لقد عرفت أنّ جماهير الشعية كانوا متماسكين غير مختلفين، ولو طرأت هناك شبهة فلواحد أو اثنين فلم تكن موَثرة على التحامهم.

نعم، توفي الاِمام الصادق _ عليه السلام _ وكان الضغط على الشيعة شديداً وكان أبو جعفر المنصور ذلك الحاكم الطاغي يقتل العلويين بقسوة شديدة، ففي هذه الظروف أي عام 148هـ لبى الاِمام الصادق _ عليه السلام _ دعوة ربّه ولم يكن في إمكانه التصريح العام بالاِمام الذي بعده، حتى أنّه لما مات أوصى إلى خمسة أشخاص منهم أبو جعفر المنصور ومنهم حاكم المدينة وثالثهم زوجته، وبذلك جعل الاَمر مخفياً على الاَعداء. وعند ذلك نشأ اختلاف بين الشيعة وتفرّقوا إلى فرق ثلاث:

الاَُولى: السميطية:

قالوا بأنّ الاِمام هو محمد بن جعفر والاِمامة في ولده، نسبت تلك العقيدة إلى رئيس لهم باسم يحيى بن سميط (2)ولم يكتب البقاء لهذه الفرقة وليس لها رسم ولا اسم بين كتب الشيعة الذين هم أعرف بفرقهم.


(1) الشهرستاني: الملل والنحل: 1|167.
(2) الاَشعري: مقالات الاِسلاميين: 27، البغدادي: الفرق بين الفرق: 61، الاِسفرائيني: التبصير: 23.

وفي الحور العين: يحيى بن أبي شميط.


(54)

الثانية: الفطحية:

وهم القائلون بإمامة الاثني عشر مع عبد اللّه الاَفطح ابن الصادق ـ عليه السلام ـ يدخلونه بين أبيه وأخيه (الاِمام الكاظم _ عليه السلام _) ، وعن الشهيد ـ رحمه اللّه ـ أنّهم يدخلونه بين الكاظم والرضا _ عليهما السلام _ وقد كان أفطح الرأس، وقيل: أفطح الرجلين، وإنّما دخلت عليهم الشبهة مما رووا عن الاَئمة: الاِمامة في الاَكبر من ولد الاِمام، ثم منهم من رجع عن القول بإمامته لما امتحنوه بمسائل من الحلال والحرام ولم يكن عنده جواب، ولما ظهرت منه الاَشياء التي لا ينبغي أنّ تظهر من الاِمام، ثم إنّ عبد اللّه مات بعد أبيه بسبعين يوماً، فرجع الباقون ـ الشذّاذ منهم ـ عن القول بإمامته إلى القول بإمامة أبي الحسن موسى ـ عليه السلام ـ .

وقد أسماهم أبو الحسن الاَشعري بـ: «العماريـة» وقال: وأصحاب هذه المقالة منسوبون إلى زعيم منهم يسمى: عماراً، ولعل المراد منه هو: عمار بن موسى الساباطي من روَساء الفطحية. قال: الشيخ الطوسي: عمار بن موسى الساباطي وكان فطحياً له كتاب كبير جيد معتمد (1).

الثالثة: الاِسماعيلية:

وربّما يعبر عنهم بالقرامطة: وهم القائلون بإمامة إسماعيل بن جعفر ولما مات إسماعيل في حياة أبيه صارت الاِمامة في ابنه محمد بن إسماعيل، وهم فرقة كبيرة موجودة في العصر الحاضر.


(1) الاَشعري: مقالات الاِسلاميين: 27، والبغدادي: الفرق بين الفرق: 62. والنوبختي: فرق الشيعة: 68، والطوسي : الفهرست: برقم 527.

(55)

الرابعة: الواقفية:

إنّ الشيعة الاِمامية القائلة بإمامة الاثني عشر قالت بإنّ الاِمام بعد جعفر الصادق _ عليه السلام _ هو ابنه موسى بن جعفر _ عليه السلام _ ولهم على إمامته براهين وحجج مقنعة، فلما توفي وقفت عدّة على إمامة موسى _ عليه السلام _ ولم يقولوا بإمامة ولده علي بن موسى الرضا _ عليه السلام _ .

قال الاَشعري: وهذا الصنف يدعون الواقفة لاَنّهم وقفوا على موسى بن جعفر ولم يجاوزوه إلى غيره، وبعض مخالفي هذه الفرقة يدعونهم بالممطورة، وذلك أنّ رجلاً منهم ناظر يونس بن عبد الرحمن فقال له يونس: أنتم أهون عليّ من الكلاب الممطورة، فلزمهم هذا النبز وربما يطلق عليهم: الموسوية (1).

هذه الفرق الاَربعة، السميطية، الفطحية، الاِسماعيلية والواقفية هي الفرق الواقعية للشيعة بعد الاِمام الصادق _ عليه السلام _ وقد هلكت جميعها ولم يبق منهم إلاّ الاِسماعيلية وأمّا النصيرية، أعني: أصحاب محمد بن نصير الفهري، فهم من الغلاة الذين لا يمتّون إلى الاِسلام والتشيع بصلة، ظهرت في عصر الاِمام الهادي _ عليه السلام _ وهم أصحاب محمد بن نصير النميريّ وقيل فيهم غير ذلك ومثلهم المفوضة ببعض معانيها. بما أنّ نطاق هذا الجزء يضيق عن التبسط سنبحث عن هذه الفرق في مقدّمة الجزء الثامن المختص بالاِسماعيلية بفضل من اللّه تبارك وتعالى.


(1) الاَشعري: مقالات الاِسلاميين: 28 ـ 29.


(56)



(57)

الفصل الثاني

حياة زيد

في عصر الاَئمة الثلاثة

_ عليهم السلام _

بَخَس الموَرخون حقوق آل البيت جميعاً، وحقوق زيد الثائر الشهيد خصوصاً ولم يذكروا من أحواله شيئاً كثيراً، مع أنّهم استقصوا بيان حياة الجائرين من بني أُمية والعباس وذكروا مجالس المجون والخلاعة لهم، وما جرى بينهم وبين المغنّيات وسائر الاَجلاف فيها. من القصص والهزليّات وهذا إن دل على شيء فإنّما يدلّ على اضطهاد أهل البيت حتى عند أهل القلم والبيان، فأخفوا آثارهم ومناقبهم. ولاَجل ذلك نذكر في المقام ما وقفنا عليه في طيات الكتب معتذرين عن قلة ما نهدي إلى سدنة ثائرنا ـ قدس اللّه نفسه الزكية ـ .

فنقول:

حياته في عصر الاِمام زين العابدين _ عليه السلام _ :


أدرك زيد بن علي من الاَئمة الاثني عشر، ثلاثة:

1ـ والده علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب _ عليه السلام _ (38 ـ 94 هـ).


(58)

2ـ أخوه الاَكبر أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين _ عليه السلام _ (57ـ 114هـ).

3ـ ابن أخيه الاِمام جعفر بن محمد الصادق _ عليه السلام _ (83 ـ 148هـ).

فلنذكر فيما يرجع إلى المحور الاَوّل من المحاور الثلاثة، نسبه وميلاده ومواصفاته الخلقية وما يمتّ إليه بصلة.

نسبه الوضّاح :

هو زيد الشهيد، بن زين العابدين علي، بن سيد الشهداء الحسين، بن مولى الموحدين وسيد الوصيين علي، بن حامي الرسول والذائد عن حريمه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أبي طالب، هوَلاء آباوَه فله أن يفتخر ويقول:

أُولئك آبائـي فجئنـي بمثلهـم * إذا جمعتنا يا جرير المجامع

وأمّا أُمّه فاسمها حورية أو حوراء اشتراها المختار بن أبي عبيدة الثقفي وأهداها إلى علي بن الحسين _ عليهما السلام _ روى أبو الفرج في مقاتل الطالبيين: انّ المختار بن أبي عبيدة اشترى جارية بثلاثين ألفاً. فقال لها: أدبري، فأدبرت، ثم قال لها: أقبلي، فأقبلت، ثم قال: ما أرى أحداً أحقّ بها من علي بن الحسين، فبعث بها إليه، وهي أُم زيد بن علي _ عليه السلام _ وأنجبت له زيداً وعمر، وعلياً وخديجة (1) .

روى ابن قولويه (م 369 هـ) قال: روى بعض أصحابنا، قال: كنت عند علي بن الحسين _ عليه السلام _ فكان إذا صلّى الفجر لم يتكلّم حتى تطلع الشمس فجاءُوه يوم ولد فيه زيد، فبشّروه به بعد صلاة الفجر، قال: فالتفت إلى أصحابه وقال: «أي شيء ترون أن أُسمّي هذا المولود؟» فقال كل رجل منهم: سمّه كذا، سمّه كذا. قال: فقال: «يا غلام عليّ بالمصحف»، فجاءُوا بالمصحف، فوضعه على


(1) أبو الفرج :مقاتل الطالبيين: 86، المكتبة الحيدرية، النجف الاَشرف (1385هـ ـ 1965م) .

(59)

حجره. قال: ثم فتحه، فنظر إلى أوّل حرف في الورقة، فإذا فيه: "فَضَّلَ اللّهُ المُجاهِدِينَ على القاعِدِينَ أجراً عَظِيماً") (النساء ـ 95) قال: ثم طبقه، ثم فتحه، فنظر فإذا في أوّل الورقة: "إنَّ اللّهَ اشتَرى مِنَ المُوَمِنِينَ أنفُسَهُم وأموالَهمْ بِأنَّ لَهُمُ الجنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التوراة والاِنجِيلِ والقُرآنِ ومَنْ أوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فاسْتَبشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الّذِي بايَعْتُم بِهِ وذلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيم") (التوبة ـ 111) ثم قال: «هو واللّه زيد، هو واللّه زيد». فسمّي زيداً(1).

وفي الروض النضير بعد نقل الآيتين، قال الاِمام: «عزّيت عن هذا المولود وأنّه لمن الشهداء» (2)وإنّما اختار الاِمام هذا الاسم بعد التفاوَل بالقرآن والمفاجأة بالآيتين، في صدر الورقةلما تضافر عن النبي والوصي والحسين بن علي ـ عليهم السلام ـ أنّه قال مشيراً إلى الحسين _ عليه السلام _: «إنّه يخرج من ولده رجل يقال له زيد، ويقتل بالكوفة، يصلب بالكناسة، ويخرج من قبره نبشاً، تفتح لروحه أبواب السماء وتبتهج به أهل السماوات» (3)فأيقن أنّ المولود هو الذي تنبّأ به الرسول الاَعظم _ صلى الله عليه وآله وسلم _.

ميلاده :

اختلف الموَرّخون في ميلاده، ويرجع بعضُ الاختلافِ في ميلاده، إلى الاختلاف في مقتله، وأنّه هل استشهد سنة مائة وعشرين، أو مائة وإحدى وعشرين، أو مائة وثنتين وعشرين، أو مائة وثلاث وعشرين، وبما أنّ المشهور أنّه


(1) ابن إدريس: السرائر: 3|638، قسم المستطرفات، فيما استطرفه من روايات أبي القاسم بن قولويه وحميد بن أحمد المحلي (582 ـ 652هـ) : الحدائق الوردية: 137 ـ 138.
(2) السياغي: الروض النضير: 1|100.
(3) الصدوق: عيون أخبار الرضا _ عليه السلام _ : 1|250، الباب 25، وحميد بن أحمد المحلي: الحدائق الوردية: 138 ـ 139، وسيوافيك تفصيل التنبّوَات في محلها.

(60)

استشهد عن عمر يناهز (42 سنة) ، وتلك الشهرة منضمة إلى الاختلاف في نفس الميلاد، صارا سبباً للاختلاف الاَكثر في ميلاده، وها أنّا نسرد أقوال الموَرخين والمترجمين، وعلى جميع الاَقوال يدور ميلاده بين سنة (75) و (79) وربما يبدو أنّ الحقّ غير ذلك، وسيوافيك آخر البحث:

1ـ قال محمد بن سعد: قتل يوم الاثنين لليلتين خلتا من صفر سنة عشرين ومائة ويقال: سنة اثنتين وعشرين ومائة (1).

2 ـ وقال البخاري: زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي عن أبيه، روى عنه عبد الرحمن بن الحارث ويقال: كنيته أبو الحسين، أخو محمد بن علي، وحسين بن علي قتل سنة ثنتين وعشرين ومائة (2).

3 ـ وقال ابن حِبّان في الثقات: رأى جماعة من أصحاب رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وروى عنه ولده، وقتل سنة ثنتين وعشرين ومائة (3).

4 ـ وعن مصعب بن عبد اللّه الزبيري: قتل زيد بن علي بالكوفة. قتله يوسف بن عمر في زمن هشام بن عبد الملك وقتل يوم الاثنين لثلاث خلت من صفر سنة عشرين ومائة، وهو يوم قتل، ابن اثنتان وأربعين سنة (4).

5 ـ وقال الذهبي: اختلف في تاريخ مصرعه على أقوال: فقال مصعب الزبيري: قتل في صفر سنة عشرين ومائة وله اثنتان وأربعون سنة.

وقال أبو نعيم: قتل يوم عاشوراء سنة اثنتين وعشرين ومائة، رواه ابن سعد.

وقال الزبير بن بكار: قال محمد بن الحسن: قتل زيد يوم الاثنين ثاني صفر


(1) ابن سعد: الطبقات: 5|326.
(2) البخاري: التاريخ الكبير: 2|403 برقم 1341.
(3) ابن حبان: الثقات: 4|249 ـ 250.
(4) المزي: تهذيب الكمال: 10|98.

(61)

سنة اثنتين وعشرين ومائة (1)

6 ـ وقال الصفدي: وكانوا قد صلبوه بالكناسة سنة إحدى واثنتين أو ثلاث وعشرين ومائة، وله اثنتان أو أربع وأربعون سنة ثم حرقوه بالنار، فسمّي زيد النار، ولم يزل مصلوباً إلى سنة ست وعشرين ثم أُنزل بعد أربع سنين من صلبه (2)

7 ـ وروى السياغي عن الاِمام المرشـد باللّه في أماليـه أنّه ولـد سنة 75 واستشهد سنة 122هـ (3).

وسيوافيك عن الطبري والجزري في الفصل المختص بثورته أنّهما ذكرا تاريخ خروجه واستشهاده عام 122هـ.

القول الحق في ميلاده :

ولكن هنا احتمالاً آخر لا يتفق مع جميع الاَقوال لكن توَيده القرائن والروايات وهي أنّ أُم زيد كما تقدم ـ كانت أمة أهداها المختار إلى الاِمام زين العابدين _ عليه السلام _ ـ وقد خرج المختار عام 66 وقتل عام 67هـ، وطبع الحال يقتضي أنّه أهداها إلى الاِمام في أحد العامين، ولا يمكن تأخره عنهما، وبما أنّ زيداً كان أوّل ولدٍ أنجبت فلا محيص عن القول بأنّ زيداً من مواليد سنة 67هـ أو بعدها، ولو قلنا بتأخر ولادة زيد إلى عام 75هـ وما بعده فلازم ذلك أن لا يمسّها الاِمام إلى ذلك العام أو كانت لا تلد إلى تلك السنة أو أولدت ولكن لم يكن له حظ من البقاء والكل بعيد. وعلى ضوء ذلك يحتمل قوياً أنّ يكون ميلاد زيد هو


(1) الذهبي: تاريخ الاِسلام ووفيات المشاهير والاَعلام: 107 ـ 108 (حوادث سنة 121 ـ 140هـ) .
(2) الصفدي: الوافي بالوفيات: 15|34. (إنّ «زيد النار» لقب زيد بن موسى بن جعفر الذي خرج في عصر «المأمون» وأحرق بيوت بني العباس: والظاهر أنّ الصفدي قد سها في تسمية زيد بن علي به).
(3) السياغي: الروض النضير: 1|96.

(62)

عام قتل المختار، أعني: 67هـ، أو عام بعده، فلو أخذ في مقتله بالقول المشهور، وأنّه استشهد عام 122هـ، يكون عمره عند ذاك حوالي 55 سنة.

هذا وتوَيد ذلك روايات تنصّ على أنّ أُمّه حملت زيداً عام الاَهداء وإليك نصّها:

1 ـ روى الشيخ أبو القاسم فرات بن إبراهيم الكوفي ـ من أعلام أوائل القرن الرابع ـ في تفسيره عن الجعفي عن أبيه، قال: كنت أُدمن الحجّ فأمرّ على علي ابن الحسين _ عليهما السلام _ فأُسلِّمُ عليه ففي بعض حججي غدا علينا علي بن الحسين _ عليهما السلام _ ووجهه مشرق فقال: «جاءني رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في ليلتي هذه حتى أخذ بيدي فأدخلني الجنّة، فزوّجني حوراء فواقعتها فعلقته، فصاح بي رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _: يا علي بن الحسين سمِّ المولود منها زيداً».

قال: فما قمنا من مجلس عليّ بن الحسين ذلك اليوم، وعلي بن الحسين ـ عليهما السلام ـ يقصّ الروَيا حتى أرسل المختار بن أبي عبيدة بأُم زيد أرسل بها إليه المختار ابن أبي عبيدة هدية إلى علي بن الحسين _ عليهما السلام _ شراها بثلاثين ألفاً، فلما رأينا إشغافه بها تفرّقنا من المجلس، فلما كان من قابل حججت ومررت على علي بن الحسين ( _ عليهما السلام _.أ) لاَُسلِّم عليه فأخرج بزيد على كتفه الاَيسر وله ثلاثة أشهر وهو يتلو هذه الآية ويومىَ بيده إلى زيد وهو يقول: "هذا تَأوِيلُ رُوَيايَ مِن قَبلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقّاً")(1)

2 ـ روى أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الثقفي وقال: وعن أبي حمزة الثمالي قال: كنت أزور علي بن الحسين _ عليهما السلام _ في كل سنة مرّة في وقت الحجّ، فأتيته سنة وإذا على فخذه صبيّ، فقام الصبي فوقع على عتبة الباب فانشجّ رأسه، فوثب إليه علي بن الحسين _ عليهما السلام _ مُهَروِلاً فجعل ينشف دمه بثوبه


(1) فرات بن إبراهيم: التفسير: 200، تحقيق محمد الكاظم.والآية 100 من سورة يوسف.

(63)

ويقول له: «يابني أُعيذك باللّه أن تكون المصلوب في الكناسة!» قلت: بأبي أنت وأُمي أيّ كناسة؟ قال: «كناسة الكوفة». قلت: جعلت فداك ويكون ذلك ؟ قال: «أي واللّه إن عشت بعدي لترينّ هذا الغلام في ناحية من نواحي الكوفة مقتولاً مدفوناً منبوشاً مسلوباً مسحوباً مصلوباً في الكناسة ثم ينزل فيحرق ويدق ويذرى في البر».

قلت: جعلت فداك وما اسم هذا الغلام؟ قال: «زيد». ثم دمعت عيناه، ثم قال: «ألا أُحدثك بحديث ابني هذا، بينما أنا ليلة ساجد وراكع، ذهب بي النوم فرأيت كأنّي في الجنة، وكأنّ رسول اللّه وعلياً وفاطمة والحسن والحسين ـ صلوات اللّه عليهم أجمعين ـ قد زوّجوني جارية من الحور العين، فواقعتها واغتسلت عند سدرة المنتهى وَوَلِّيت، وهاتف يهتف بي: لِيُهنَّك زيد، ليهنّك زيد، ليهنّك زيد. فاستيقظت فأصبت جنابة، فقمت فتطهرت وصليت صلاة الفجر، فدقّ الباب وقيل لي: على الباب رجل يطلبك. فخرجت فإذا أنا برجل معه جارية ملفوف كمها على يده، مخمرة بخمار، فقلت: ما حاجتك؟ فقال: أُريد علي بن الحسين. فقلت: أنا علي بن الحسين. قال: أنا رسول المختار بن أبي عبيدة الثقفي وهو يقرئك السلام ويقول: وقعت هذه الجارية في ناحيتنا فاشتريتها بستمائة دينار وهذه ستمائة دينار فاستعن بها على دهرك (1) ودفع إليّ كتاباً، فأدخلت الرجل والجارية وكتبت له جواب كتابه، وقلت للجارية: ما اسمك ؟ قالت: حوراء. فهيّوَوها لي وبتُّ بها عروساً فعلقت بهذا الغلام فسمّيته زيداً، وهو هذا، وسرّي ما قلت لك».


(1) روى ابن الاَثير: أنّ المختار وجد في بيت المال تسعة آلاف ألف فقسّمها بين أصحابه (الكامل: 4|226) ولعله عند ذاك بعث بهذه الدنانير إلى علي بن الحسين _ عليهما السلام _، فيكون عام الاِهداء هو عام الخروج.

(64)

قال أبو حمزة: فما لبثت إلاّ برهة حتى رأيت زيداً بالكوفة في دار معاوية بن إسحاق فسلّمت عليه. ثم قلت: جعلت فداك ما أقدمك هذا البلد؟ قال: الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فكنت أختلفُ إليه فجئته ليلة النصف من شعبان فسلمت عليه وجلست عنده. فقال: يا أبا حمزة تقوم حتى تزور قبر أمير الموَمنين علي _ عليه السلام _ ؟ ـ قلت: نعم جعلت فداك.

ثم ساق أبو حمزة الحديث حتى قال:

أتينا الذكوات البيض فقال: هذا قبر علي بن أبي طالب _ عليه السلام _ ثم رجعنا فكان من أمره ما كان. فواللّه لقد رأيته مقتولاً مدفوناً منبوشاً مسلوباً مسحوباً مصلوباً بالكناسة ثم أُحرق ودق وذُري في الهواء (1)

3 ـ ما رواه أبو القاسم علي الخزاز قال: عن زيد بن علي _ عليه السلام _ قال: كنت عند أبي علي بن الحسين _ عليه السلام _ إذ دخل عليه جابر بن عبد اللّه الاَنصاري، (م78هـ) فبينما هو يحدثه إذ خرج أخي محمد من بعض الحجر، فأشخص جابر ببصره نحوه ثم قام إليه فقال: يا غلام أقبل، فأقبل، ثم قال: أدبر، فأدبر، فقال: شمائل كشمائل رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ما اسمك يا غلام؟ قال: «محمد». قال: ابن من؟ قال: «ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب»، قال: أنت إذاً الباقر. قال: فأبكى (فانكبّ) عليه وقبّل رأسه ويديه ثم قال: يا محمد إنّ رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يقرئك السلام. قال: «على رسول اللّه أفضل السلام وعليك يا جابر بما أبلغت السلام».

ثم عاد إلى مصلاّه، فأقبل يحدث أبي ويقول: إنّ رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال لي يوماً: يا جابر إذا أدركت ولدي الباقر فاقرأه مني السلام فإنّه سميّي وأشبه الناس بي، علمه علمي وحكمه حكمي، سبعة من ولده أُمناء


(1) الثقفي: الغارات: 2|860 ـ 861؛ وابن طاووس: فرحة الغريّ: 51، المطبوع في ذيل مكارم الاَخلاق.

(65)

معصومون أئمة أبرار، والسابع مهديهم الذي يملاَ الدنيا قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً. ثمّ تلا رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _: "وَجَعَلناهُمْ أئمّةً يَهدُونَ بِأَمرنا وأوْحَيْنا إلَيْهِم فِعْلَ الخَيْراتِ وإقَامِ الصَّلاةِ وإيتَاءَ الزَّكاةِ وكَانُوا لَنا عابِدِينَ") (1) .

المشهور أنّ جابر، توفي بين السبعين والثمانين من الهجرة(2)

وهذه الروايات المسندة، التي رواها الاَثبات من العلماء، مع ما ذكرنا من القرينة يدفع جميع الاَقوال ويثبت أنّ ميلاده كان متقدماً على عقد السبعين كما عرفت.

إكمال :

ولعل ما يرويه الكليني في كافيه من تعبير عبد الملك تزويج الاِمام السجاد، أمته راجع إلى أُم زيد التي كانت أمة وتزوجها الاِمام بعد الاعتاق، وإليك النص:

كان لعبد الملك بن مروان عين بالمدينة يكتب إليه بأخبار ما يحدث فيها، وإن عليّ بن الحسين _ عليه السلام _ أعتق جارية له ثم تزوّجها، فكتب العين إلى عبدالملك.

ثم كتب عبد الملك إلى علي بن الحسين _ عليه السلام _: « أمّا بعد: فقد بلغني تزويجك مولاتك، وقد علمت أنّه كان في أكفّائك من قريش من تُمجّد به في الصهر، وتستنجبه في الولد، فلا لنفسك نظرت، ولا على ولدك أبقيت والسلام.

فكتب إليه علي بن الحسين _ عليه السلام _: «أمّا بعد: فقد بلغني كتابك تعنّفني بتزويجي مولاتي وتزعم أنّه قد كان في نساء قريش من أتمجّد به في


(1) الخزاز: كفاية الاَثر في النص على الاَئمة الاثني عشر: 298.والآية 73 من سورة الاَنبياء.
(2) قال الشيخ الطوسي في رجاله: أنّه توفي عام 78، وبه قال ابن قتيبة في معارفه، والطبري في ذيوله لاحظ: قاموس الرجال لشيخنا التستري: 2|519.

(66)

الصهر، واستنجبه في الولد، وأنّه ليس فوق رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ مرتقاً في مجد، ولا مستزاد في كرم. وإنّما كانت ملك يميني خرجت منّي، أراد اللّه عزّ وجلّ منّي بأمر التمس به ثوابه، ثم ارتجعتها على سنة، ومن كان زكياً في دين اللّه فليس يخل به شيء من أمره، وقد رفع اللّه بالاِسلام الخسيسة، وتمّم به النقيصة، وأذهب اللوَم، فلا لوَم على أمرىَ مسلم إنّما اللوَم لوَم الجاهلية والسلام».

فلمّا قرأ، الكتاب رمى به إلى ابنه سليمان فقرأه، فقال: يا أمير الموَمنين لشدّ ما فخر عليك علي بن الحسين!! فقال: يا بني لا تقل ذلك فإنّها ألسُن بني هاشم التي تفلق الصخر، وتغرف من بحر، أنّ علي بن الحسين _ عليه السلام _ يا بني يرتفع من حيث يتّضع الناس(1).

مواصفاته الخلقية :

نقل السياغي عن الشيخ أبي محمد يحيى بن يوسف بن محمد الحجوري الشافعي: أنَّ زيداً كان أبيض اللون، أعين، مقرون الحاجبين، تام الخلق، طويل القامة، كث اللحية، عريض الصدر، أقنى الاَنف، أسود الرأس واللحية، إلاّ أنّه خالطه الشيب في عارضيه.

كان مثل جده _ عليه السلام _ في شجاعته وسخاوته وفصاحته وبلاغته وعلمه وحلمه ـ إلى أن قال: ـ وما أشبه حاله بقول من قال:

فما إن براه اللّه إلاّ لاَربع * يقرّ له القاصي بهنّ مع الداني

إمامٌ لاَخيارٍ، وقلبٌ لجحفلٍ * وفارسُ ميدانٍ وصدرٌ لاِيوانِ


(1) الكليني: الكافي: 5|344.

(67)

إلى أن قال: ونحن نعلم بأنّ من بني أُمية من خطب له في ثمانين ألف منبر، فإذا مات، مات ذكره معه، وكان من بني العباس من كانت دولته خمسين سنة وملك أقطار الاَرض من شرق وغرب فما كان ذكرهم إلاّ مدّة حياتهم (1).

روى أبو الفرج عن مولى آل الزبير، قال: كنّا عند علي بن الحسين ـ عليه السلام ـ فدعا ابناً له يقال له: زيد، فكبا لوجهه، وجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: «أُعيذك باللّه أن تكون زيداً المصلوب بالكناسة من نظر إلى عورته متعمداً أصلى اللّه وجهه النار» (2).

وعن أبي خالد الواسطي وأبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر _ عليه السلام _ أنّه قال لهما: «يا أبا خالد، وأنت يا أبا حمزة إنّ أبي دعا زيداً فاستقرأه القرآن، فقرأ عليه، فسأله عن المعضلات ثم دعا له وقبّل بين عينيه»، ثم قال أبو جعفر ـ عليه السلام ـ: «يا أبا حمزة إنّ زيداً أُعطي من العلم علينا بسطة» (3).

والظاهر أنّ الراوي صحّف كلمة الاِمام وأضاف لفظة «علينا» وأنّ أبا جعفر قال: إنّ زيداً أُعطي من العلم بسطة مشيراً إلى قوله سبحانه: "وزادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ والجِسْم") (البقرة ـ 247) .

ولو صحّ ما ذكره السياغي فيرجع كونه ذا قراءة خاصة إلى عصره والده السجاد _ عليه السلام _: فقال أبو سعيد الحميري أنّه ضليع بعدّة علوم منها علم القرآن، ووجوه القراءات وله قراءة خاصة مفردة مروية عنه (4).

ونقل الشيخ الطوسي في الفهرست أنّ قراءته هي عين قراءة جده الاِمام


(1) السياغي: الروض النضير: 1|97، حميد بن أحمد المحلي: الحدائق الوردية: 138.
(2) أبو الفرج: مقاتل الطالبيين: 89.
(3) السياغي: الروض النضير: 1|102، حميد بن أحمد المحلي: الحدائق الوردية: 142.
(4) الحور العين: 186.

(68)

علي ابن أبي طالب _ عليه السلام _ (1).

قال محقّق تفسيره في مقدمته: «ولعلّ أوّل من جمع قراءته بكتاب مستقل عمر بن موسى الوجيهي الذي كان معاصراً لزيد فقال عنها: «إنّ هذه القراءة سمعتها عن زيد بن علي _ عليه السلام _ » وكان هذا الكتاب موجوداً بعد سنة إحدى وستين ومائتين فقد استنسخها إبراهيم بن مسكين في السنة ذاتها ونقل عنه بعد ذلك يحيى بن كهمش.

وقد جمع قراءته أيضاً الحسن بن علي الاَهوازي. ولعل أبا حيان قد اطّلع عليها أو على قسم منها على الاَقل، فقد استشهد منها في كتابه البحر المحيط فذكر «أنّ الاَهوازي... في قراءة زيد بن علي أنّه قرأ ربّ العالمينَ الرحمنَ الرحيمَ بنصب الثلاثة».

وجمعها أيضاً أبو حيان في كتاب سمّاه: «النير الجلي في قراءة زيد بن علي».

ووردت قراءة زيد أيضاً كاملة في كتب القراءة والتفسير لكنها مقرونة بغيرها من القراءات حسب ورود كل منها على الآية القرآنية الكريمة.

فقد جاءت بهذه الطريقة في كتب القراءات كما في كتاب «شواذ القراءة» للكرماني، وأيضاً في كتاب «معجم القراءات القرآنية».

وكذلك وردت كاملة في كتب التفسير كما في كتاب «البحر المحيط» لاَبي حيان وكذلك ضمها الآلوسي لكتابه في التفسير المسمّى «روح المعاني» (2).

وقال الكاتب الچلبي: كتاب «النير الجلي في قراءة زيد»لاَبي علي الاَهوازي المقري (3) .


(1) الطوسي: الفهرست: 140.
(2) الدكتور حسن محمد تقي الحكيم: تفسير الشهيد زيد بن علي: 37، المقدمة.
(3) الكاتب الچلبي: كشف الظنون:2|624.

(69)

وفي الختام:

نقل المقريزي عن عاصم بن عبيد اللّه أنّه قال: لقد أُصيب عندكم رجل ماكان في زمانكم مثله، ولا أراه يكون بعده مثله (زيد بن علي) لقد رأيته وهو غلام حدث، وأنّه ليسمع الشيء من ذكر اللّه فيغشى عليه، حتى يقول القائل ما هو بعائد إلى الدنيا... (1).

* * *

حياته في عصر الاِمام الباقر _ عليه السلام _ :


التحق الاِمام زيد العابدين _ عليه السلام _ بالرفيق الاَعلى، ونصّ على إمامة ولده البارّ، أبي جعفر محمد الباقر _ عليه السلام _ الذي دان بفضله وعلمه وورعه الداني والقاصي، والموَالف والمخالف قال ابن حجر: سمّي الاِمام باقراً، لاَنّه من بقر الاَرض أي شقّها وإثارة مخبآتها ومكامنها، فكذلك هو أظهر من مخبآت كنوز المعارف وحقائق الاَحكام والحكم واللطائف ما لا يخفى إلاّ على منطمس البصيرة أو فاسد الطويّة والسريرة، ومن ثم قيل هو باقر العلم وشاهر علمه ورافعه(2).

لقد استنارت بقية الصحابة ووجوه التابعين، من نوره، وارتووا من منهل علمه، فكان الاحتفال بمجالسه أكبر احتفال، يوم ذاك. توفي الاِمام زين العابدين ـ عليه السلام ـ، وزيد بن علي في أوان حلُمه، أو بعده بقليل فضّمه الاِمام الباقر إلى أولاده فكان يعطف عليه ويحنو إليه كالوالد الروَوف بالنسبة إلى أولاده إلى أن شبّ وترعرع، وبلغ في العلم والعمل ما بلغ، وقد نصّ بذلك أكثر من كتب عن زيد:


(1) السياغي: الروض النضير: 1| 98، لاحظ الخطط للمقريزي: 2|419.
(2) ابن حجر: الصواعق المحرقة: 200، ط2، مكتبة القاهرة (1385هـ ـ 1965م) .

(70)

1 ـ قال الشيخ في فصل أصحاب الاِمام الباقر _ عليه السلام _: «زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبو الحسن، أخوه _ عليه السلام _، ذكره أيضاً في أصحاب أبيه زين العابدين _ عليه السلام _ (1)

2 ـ قال المزي: روى عن: أبان بن عثمان، وعبيد اللّه بن أبي رافع، وعروة بن الزبير وأبيه علي بن الحسين وأخيه أبي جعفر محمد بن علي الباقر (2).

3 ـ وذكره بهذا النصّ ابن حجر في تهذيب التهذيب (3).

4 ـ وقال الذهبي: زيد بن علي بن الحسين... الهاشمي العلوي أخو أبي جعفر... روى عن: أبيه وأخيه أبي جعفر وعروة وكان أحد العلماء الصلحاء بدت منه هفوة (4) فاستشهد فكانت سبباً لرفع درجته في آخرته (5).

لقد عاش زيد تحت رعاية أخيه الكبير البار الحنون فتلقى منه الحديث والتفسير والاَُصول والمعارف حتى فاق وبرع أقرانه.

قال ابن زهرة: وقد مات أبوه (زيد) عام 94هـ أي وهو في الرابعة عشرة من عمره فتلقى الرواية عن أخيه محمد الباقر _ عليه السلام _ الذي يكبره بسن تسمح بأن يكون له أباً إذ إنّ الاِمام جعفر الصادق بن الاِمام محمد الباقر _ عليهما السلام _، كان مثل سن الاِمام زيد رضي اللّه عنهم أجمعين.


(1) الشيخ الطوسي: الرجال: باب الزاي: 89 ـ 122.
(2) جمال الدين المزّي: تهذيب الكمال: 10|96.
(3) ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب: 3|419.
(4) أُنظر إلى كلام الرجل، وتسميته الخروج على الظلم والعدوان هفوة والمداراة مع الظالمين ثباتاً على الدين. ولا عتب لاَنّه من الذين رأوا الخروج على الظالمين حراماً، على خلاف قول رسول اللّه من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً حرم اللّه، ناكثاً لعهد اللّه، مخالفاً لسنّة رسول اللّه، يعمل في عباده بالاِثم والعدوان، فلم يُغير عليه بفعل أو قول كان حقاً على اللّه أن يدخله مدخله (الطبري: التاريخ: 4|304) وسيوافيك الكلام في هذا المجال في المستقبل.
(5) الذهبي: تاريخ الاِسلام: 105 (حوادث سنة 121 ـ 140هـ) .

(71)

وما كان من المعقول أن يجمع الاِمام زيد وهو في سن الرابعة عشرة كل علم آل البيت فلابد أن يكمل أشطراً من أخيه الذي تلقى علم أبيه كاملاً، وقد كان الباقر _ عليه السلام _ إماماً في الفضل والعلم، وأخذ عنه كثيرون من العلماء ورووا عنه ومن هوَلاء أبو حنيفة شيخ فقهاء العراق، وقد نال الباقر _ عليه السلام _ فضل الاِمامة العلمية، حتى أنّه كان يحاسب العلماء على أقوالهم وما فيها من خطأ وصواب(1) .

كان الاِمام الباقر _ عليه السلام _ ينظر إليه نظر أخٍ عطوف ويثني عليه أحياناً ويطريه، ويأمر بعض أصحابه بإنشاء طرائف تمثل شخصية زيد ونفسيته وإليك بعض ما وقفنا عليه:

5 ـ روى الصدوق في الاَمالي عن أبي الجارود قال: إنّي لجالس عند أبي جعفر محمد بن علي الباقر _ عليهما السلام _ إذ أقبل زيد فلما نظر إليه وهو مقبل، قال: «هذا سيد أهل بيته والطالب بأوتارهم لقد أنجبت أُمٌّ، ولدتك يازيد» (2).

6 ـ وعن جابر الجعفي قال سمعت أبا جعفر _ عليه السلام _ وقد نظر إلى أخيه زيد بن علي فتلا هذه الآية: « "فالّذِينَ هَاجَرُوا وأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأُوذُوا فِي سَبِيلي وقاتَلُوا وقُتِلُوا ...") الآية، وقال: هذا واللّه من أهل ذلك» (3).

7 ـ وعنه أيضاً سألت محمد بن علي _ عليهما السلام _ عن أخيه زيد فقال: «سألتني عن رجل ملىء إيماناً وعلماً من أطراف شعره وقدمه وهو سيد أهل بيته»(4).

دخل زيد على الاِمام الباقر _ عليه السلام _ فلما رآه تلا: "يا أيُّها الّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوامينَ للّهِ شُهداءَ بالقِسطِ") ثم قال: «أنت واللّه يا زيد من أهل ذلك» (5).


(1) محمد أبو زهرة، تاريخ المذاهب الاِسلامية: 2| 465.
(2) الصدوق: الاَمالي: 335، الحديث 11.
(3) السياغي: الروض النضير: 4|104.والآيتان من سورة آل عمران: 195 وسورة المائدة: 8.
(4) السياغي: الروض النضير: 4|104.والآيتان من سورة آل عمران: 195 وسورة المائدة: 8.
(5) السياغي: الروض النضير: 4|104.والآيتان من سورة آل عمران: 195 وسورة المائدة: 8.

(72)

8 ـ روى الصدوق عن جابر الجعفي، قال: دخلت على الباقر _ عليه السلام _ وعنده زيد أخوه، فدخل عليه معروف بن خربوذ المكي، قال له أبو جعفر ـ عليه السلام ـ: «يامعروف أنشدني من طرائف ما عندك»، فأنشد:

لعمرك ! ما إن أبو مالك * بوان، ولا بضعيف قواه

ولا بألدّ «لدى قوله» (1) * يعادي الحكيم إذا ما نهاه

ولكنه سيد بارع * كريم الطبايع حلو نثاه (2) إذا سُدته، سُدتَ مِطواعة * ومهما وكلت إليه كفاه

قال: فوضع أبو جعفر _ عليه السلام _ يده على كتفي زيد، وقال: هذه صفتك يا أبا الحسين! (3).

9 ـ روى أبو الفرج عن أبي جعفر _ عليه السلام _ أنّه قال له بعد التمثل بالاَبيات السابقة: «ولقد أنجبت أُمّ ولدتك يا زيد. اللّهم أشدد أُزري بزيد» (4).

* * *


(1) ورواه في الاَغاني بالنحو التالي:

ولا بالاَلدَّ، لــه فــــارغ * يعادي أخاه إذا ما نهـاه (الاَغاني: 24|106) . (2) بتقديم النون على الثاء المثلثة لاحظ تعليقة المحقّق على البحار: 46|169.
(3) عيون أخبار الرضا _ عليه السلام _ :1|251 ح5 الباب 25، أبو الفرج: الاَغاني: 24|106، ورواه في الاَغاني بالنحو التالي:

ولـكـنّـه هيِّـــن ليّـــنٌ * كعاليـة الرمـح عَردٌ نَساه

قال المعلّق: عرد نساه شديد ساقه. (الاَغاني: 24|106)
(4) أبو الفرج: الاَغاني: 24|107 ومر صدره في حديث الصدوق.


(73)

حياته في عصر الاِمام الصادق _ عليه السلام _ :


1 ـ لم يذكر التاريخ شيئاً من حياته في عصر الاِمام الصادق _ عليه السلام _، غير تجواله في البلاد، لدعم الخروج، وجمع العُدّة والعِدِّة، الذي سيمر عليك في الفصول الآتية غير أنّه لو صحّ ما يرويه أبو الفرج الاصفهاني عن عبد اللّه بن جرير أنّه رأى أنّ جعفر بن محمد _ عليه السلام _ «يمسك لزيد بن علي بالركاب ويسوي ثيابه على السرج» (1)لدل على أنّ الاِمام _ عليه السلام _ كان يكرمه لكونه عمـه ـ وهو بمنزلة الاَب ـ ولاَنّه أكبر منه سناً، خصوصاً على ما حقّقنا من أنّه من مواليد عام 67 أو 68، فيدل على تواضعه وكمال أدبه، وقد كان ذلك رائجاً بين بني هاشم.

وقد كان بين زيد، وعبد اللّه بن الحسن المثنى مناظرة في صدقات علي ـ عليه السلام ـ فكانا يتحاكمان إلى قاض، فإذا قاما من عنده أسرع عبد اللّه إلى دابة زيد فأمسك له بالركاب (2).

وقد كانت أواصر الحب والود بين الاِمام وعمه متبقية إلى يوم حمامه، ولما بلغ نعيه إلى المدينة أخذ الناس يفدون إلى الاِمام ويعزّونه.

2 ـ روى أبو الفرج عن فضيل بن رسام: دخلت علي جعفر بن محمد ـ عليهما السلام ـ أُعزّيه عن عمّه ثم قلت له: ألا أُنشدك شعر السيد (الحميري) فقال: «أنشد» فأنشدته قصيدته (العينية المعروفة) التي يقول فيها:

الناس يوم البعث راياتهم * خمس فمنها هــالك أربـع (3)


(1) أبو الفرج: مقاتل الطالبيين: 87.
(2) سيوافيك شرح المحاكمة بينهما.
(3) أبو الفرج: الاَغاني: 7|251، وللقصة صلة، فمن أراد فليرجع إلى مصدرها.

(74)

3 ـ لمّا توفي الاِمام أبو جعفر الباقر _ عليه السلام _ أنشد زيد قصيدة ـ سنوافيك بها في فصل خطبه وأشعاره ـ عزّى فيها الاِمام الصادق _ عليه السلام _ وقال:

أبا جعفر الخير أنت الاِمام * وأنت المرجي لبلوى غدي (1)

ويظهر من بعض الروايات أنّه استشار الاِمام الصادق _ عليه السلام _ في خروجه فقال له: «يا عم إن رضيت أن تكون المقتول (المصلوب) بالكناسة فشأنَك» فلمّا ولّى، قال جعفر بن محمد _ عليهما السلام _: «ويل لمن سمع واعيته فلم يجبه» (2) .

روى الصدوق عن معمر بن خيثم: كنت جالساً عند الصادق _ عليه السلام _ فجاء زيد بن علي بن الحسين فأخذ بعضادتي الباب، فقال له الصادق ـ عليه السلام ـ: «أُعيذك أن تكون المصلوب بالكناسة» (3).

كل ذلك يدلّ على ودٍّ عميق للعمّ، وأدب لائق بأهل البيت.



(1) ابن شهر آشوب: المناقب: 4|197، طبعة دار الاَضواء، بيروت.
(2) عيون أخبار الرضا _ عليه السلام _ : 1|248 ح1، عنه البحار: 46|174 ح27.
(3) الصدوق: العيون: 1، الباب 25، الحديث: 4، طبعة قم. وسنوافيك ببقية الرواية.


(75)

الفصل الثالث


في خطبه، وكلماته

وأشعاره، ومناظراته وعبادته

كان زيد الشهيد فصيحاً، بليغاً يأخذ بجوامع الكلم ويستعملها في مواردها وقد شهد به الصديق والعدو، قال الواقدي: وبلغ هشام بن عبد الملك مقامُ زيد بالكوفة، فكتب إلى يوسف بن عمر: أشخِصْ زيداً إلى المدينة فإنّي أخاف أن يخرجه أهل الكوفة لاَنّه حلو الكلام، شديد البيان، خليق بتمويه الكلام (1)وإليك بعض ما أثر عنه من المواعظ والحكم والاَدب ونحوها:

1 ـ روى أبو الموَيد موفق بن أحمد المدعو بـ «أخطب خوارزم»: «قيل لزيد ابن علي: الصمت خير أم الكلام؟ فقال: قبح اللّه المساكتة، ما أفسدها للبيان، وأجلبها للعيّ والحصر، واللّه للمماراة أسرع في هدم الفتى من النار في يبس العرفج، ومن السيل إلى الحدور (2) (3).


(1) سبط ابن الجوزي: تذكرة الخواص: 300، اليعقوبي: التاريخ: 2|325 الخوارزمي: مقتل الحسين: 2|119.
(2) الحدور على وزن رسول هو المكان ينحدر منه. (لسان العرب: 4|172، مادة «حدر)».
(3) محسن الاَمين: أعيان الشيعة: 7|123، نقلاً عن مقتل الحسين للخوارزمي.

(76)

فقد فضل الكلام على السكوت، وذم المماراة، فالكلام أفضل بشرط أن لا يكون مماراة.

2 ـ إذا تلا زيد بن علي قوله سبحانه: "وإن تَتَولَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُم ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أمْثَالَكُم")(محمد ـ 38) .

يقول: «إنّ كلام اللّه هذا تهديد وتخويف، ثم يقول: اللّهم لا تجعلنا ممّن تولّى عنك فاستبدلت به بدلا ً» (1).

3 ـ قال زيد بن علي لاَصحابه: «أُوصيكم بتقوى اللّه، فإنّ الموصي بها لم يدَّخر نصيحة، ولم يقصِّـر في الاِبلاغ، فاتقوا اللّه في الاَمر الذي لا يفوتكم منه شيء وإن جهلتموه وأجملوا في الطلب، ولاتستعينوا بنعم اللّه على معاصيه، وتفكّروا، وأبصروا هل لكم قبل خالقكم من عمل صالح قدمتموه فَشَكَرَه لكم، فبذلك جعلكم اللّه تعالى من أهل الكتاب والسنّة، وفضّلكم على أديان أبائكم، ألم يستخرجكم نطفاً من أصلاب قوم، كانوا كافرين، حتى بثّكم في حجور أهل التوحيد، وبث من سواكم في حجور أهل الشرك، فبأي سوابق أعمالكم طهركم إلاّ بمنّه وفضله الذي يوَتيه من يشاء واللّه ذو الفضل العظيم» (2).

4 ـ وقال مبيّناً لما هو الغاية من الخروج: «وإنّما خرجت على بني أُمية الذين قتلوا جدي الحسين، وأغاروا على المدينة يوم الحرة، ثم رموا بيت اللّه بحجر المنجنيق والنار» (3).

5 ـ روى عبد اللّه بن مسلم بن بابك قال: خرجنا مع زيد بن علي إلى مكة، كان نصف الليل واستوت الثريا فقال: «يا بابكيّ، ما ترى هذه الثريا أترى أن


(1) محسن الاَمين: أعيان الشيعة: 7|123.
(2) الاَمير أُسامة بن مرشد، لباب الآداب نقلاً عن المدائن كما في زيد الشهيد للسيد الاَمين العاملي: 92.
(3) البغدادي: الفرق بين الفرق: 35 ـ 36.

(77)

أحداً ينالها؟» قلت: لا، قال: «واللّه لوددت أن يدي ملصقة بها فأقع إلى الاَرض أو حيث أقع، فأتقطَّع قطعة قطعة وإنّ اللّه أصلح بين أمة محمد _ صلى الله عليه وآله وسلم _» (1) .

6ـ إنّ زيداً كتَّب كتائبه، فلمّـا خفقت راياته رفع يده إلى السماء فقال: «الحمد للّه الذي أكمل لي ديني، واللّه ما يسرني إنّي لقيت محمّداً _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ولم آمر أُمّته بمعروف ولم أنههم عن منكر».

وفي رواية أُخرى: «واللّه إنّي لاَستحيي من رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ إذا لقيته ولم آمر أُمته بالمعروف ولم أنههم عن المنكر واللّه ما أُبالي إذا أقمت كتاب اللّه وسنّة رسول اللّه إن أُجّجت لي نار وقذفتُ فيها ثم صرت بعد ذلك إلى رحمة اللّه عزّ وجلّ، واللّه لا ينصرني أحد إلاّ كان في الرفيق الاَعلى مع محمّد وعلي وفاطمة والحسن والحسين ـ صلوات اللّه عليهم ـ ويحكم أما ترون هذا القرآن بين أظهركم جاء به محمّد _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ونحن بنوه، يا معشر الفقهاء وأهل الحجى أنا حجة اللّه عليكم هذه يدي مع أيديكم، على أن نقيم حدود اللّه ونعمل بكتابه...» (2).

7ـ كانت بيعته التي يبايع عليها الناس هي: «إنّا ندعوكم إلى كتاب اللّه وسنّة نبيه، وجهاد الظالمين والدفع عن المستضعفين، وإعطاء المحرومين وقسم هذا الفيء بين أهله بالسوية ورد الظالمين، وإقفال المجمر ونصرنا أهل البيت على من نصب لنا، وجهل حقنا. أتبايعون على ذلك؟» فإذا قالوا نعم، وضع يده على يده ثم يقول: «عليك عهد اللّه وميثاقه وذمته أو ذمة رسول اللّه لتفينّ ببيعتي، ولتقاتلنّ عدوي، ولتنصحنّ لي في السر والعلانية» فإذا قال نعم مسح يده على يده، ثم قال: «اللهم اشهد» (3).


(1) المجلسي: البحار: 44|329.
(2) أخطب خوارزم: مقتل الحسين: 2|108.
(3) الطبري: التاريخ: 5|492، ابن الاَثير: الكامل: 4|233، باختلاف يسير في الكلمات.

(78)

8 ـ ومن كلامه: «إنّا ندعوكم إلى كتاب اللّه وسنّة نبيه وإلى السنن أنّ تحيى، وإلى البدع أن تدفع، فإن أنتم أجبتمونا سعدتم، وإن أنتم أبيتم فلست عليكم بوكيل» (1).

9 ـ ومن كلامه المعروف قاله لهشام أنّه: « لم يكره قوم قطُّ حدّ السيف إلاّ ذلّوا» (2).

10ـ وروى ابن عساكر أنّه قال: «واللّه ما كره قوم الجهاد في سبيل اللّه إلاّ ضربهم اللّه تعالى بالذل» (3)

11ـ وقال أيضاً لهشام: «أنّه ليس أحد يكبر عن تقوى اللّه، ولا يصغر دون تقوى اللّه» (4)

إلى غير ذلك من الكلمات التي سيمرّ بعضها عليك في المستقبل. غير أنّ كل ذلك حكم قصيرة يباري فيها، ما ورثه عن مطلع الفصاحة والبلاغة جدّه الاِمام أمير الموَمنين.

ثم لزيد خطب، ورسائل، نكتفي من كل منهما بواحد، والاِمعان فيهما يعرف مقدرته على إنشاء الكلام البليغ، وإبداعه المعاني السامية، في جمل قصيرة وإليك الخطبة ثم الرسالة:

12 ـ خطبته التي، يعرّف فيها موقفه من الخروج وأنّه ليس إلاّ الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنهاض المسلمين لاِزالة المروانيّين عن منصة الحكومة الاِسلامية ورد الاَمر إلى أهل بيت النبي وإليك نصها:

«يا أيّها الناس إنّ اللّه قد بعث في كل زمان خيرة، ومن كل خيرة منتجباً


(1) الطبري: التاريخ: 5| 498؛ ابن الاَثير: الكامل: 5|243.
(2) المفيد: الاِرشاد: 269.
(3) مختصر تاريخ دمشق: 9|151.
(4) المسعودي: مروج الذهب: 3|206، طبعة دار الاَندلس، بيروت.

(79)

خيرة منه قال: "اللّهُ أعلَمُ حَيْثُ يَجعَلُ رِسالَتَه") (الاَنعام ـ 124) فلم يزل اللّه يتناسخ خيرته حتى خرج محمد _ صلى الله عليه وآله وسلم _ من أفضل تربة وأطهر عترة أُخرجت للناس، فلمّا قبض اللّه محمّداً _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ولا عارف أمخركم (1) بعد زخورها وحصّن حصونك على سائر الاَحياء بأنّ محمداً _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كان قريشياً، ودانت العجم للعرب بأنّ محمد _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كان عربياً حتى ظهرت الكلمة وتمت النعمة فاتّقوا اللّه عباد اللّه وأجيبوا إلى الحقّ وكونوا أعواناً لمن دعاكم إليه، ولاتأخذوا سنّة بني إسرائيل، كذَّبوا أنبياءهم، وقتلوا أهل بيت نبيهم.

ثم أنا أُذكركم أيّـها السامعون لدعوتنا، المتفهّمون لمقالتنا، باللّه العظيم الذي لم يذكر المذكورون بمثله، إذا ذكروه وجلت قلوبكم واقشعرَّت لذلك جلودكم، ألستم تعلمون أنّا ولد نبيكم المظلومون المقهورون، فلا سهمُ وُفينا، ولا تراث أُعطينا، وما زالت بيوتاً تهدم وحرمتنا تنتهك وقائلنا يعرف، يولد مولودنا في الخوف، وينشأ ناشئنا بالقهر ويموت ميّتنا بالذل؟

ويحكم إنّ اللّه قد فرض عليكم جهاد أهل البغي والعدوان من أُمتكم على بغيهم، وفرض نصرة أوليائه الداعين إلى اللّه وإلى كتابه قال: "ولَيَنصُرَنَّ اللّهُ مَن يَنصُـرُهُ إنَّ اللّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز") (الحجّ ـ40) .

ويحكم إنّا قوم غَضِبْنا للّه ربّنا، ونقمنا الجور المعمول به في أهل ملتنا، ووضعنا من توارث الاِمامة والخلافة، وحكم بالهوى ونقض العهد، وصلّـى الصلاة لغير وقتها، وأخذ الزكاة من غير وجهها ودفعها إلى غير أهلها، ونسك المناسك بغير هديها، وأزال الاَفياء والاَخماس والغنائم ومنعها الفقراء والمساكين وابن السبيل، وعطّل الحدود وأخذ منه الجزيل، وحكم بالرشا والشفاعات والمنازل، وقرب الفاسقين ومثل بالصالحين، واستعمل الخيانة وخوّن أهل الاَمانة،


(1) وفي نسخة: أنجزكم.

(80)

وسلّط المجوس وجهز الجيوش، وخلد في المحابس وجلد المبين وقتل الوالد، وأمر بالمنكر ونهى عن المعروف بغير مأخوذ من كتاب اللّه وسنّة نبيه.

ثم يزعم زاعمكم الهزاز على قلبه، يطمع خطيئته إنّ اللّه استخلفه يحكم بخلافته، ويصد عن سبيله وينتهك محارمه ويقتل من دعا إلى أمره، فمن أشرّ عند اللّه منزلة ممّن افترى على اللّه كذباً أو صد عن سبيله أو بغاه عوجاً، ومن أعظم عند اللّه أجراً ممّن أطاعه وأدان بأمره وجاهد في سبيله وسارع في الجهاد، ومن أشرّ عند اللّه منزلة ممّن يزعم أن بغير ذلك يحقّ عليه ثم يترك ذلك استخفافاً بحقّه وتهاوناً في أمر اللّه وإيثاراً لدنياه، "ومَنْ أحْسَنُ قَوْلاً ممّن دَعا إلى اللّهِ وعَمِلَ صالِحاً وقالَ إنّني مِنَ المُسْلِمين") (فصلت ـ 33)(1)

13 ـ روى حميد بن أحمد المحلي (582 ـ 652هـ) بالاِسناد المنتهي إلى أبي الجارود أن زيداً لمّا ظهر، خطب وقال: «الحمد للّه الذي منّ علينا بالبصيرة وجعل لنا قلوباً عاقلة، وأسماعاً واعية، وقد أفلح من جعل الخير شعاره، والحقّ دثاره ـ إلى أن قال: ـ فمن سمع دعوتنا هذه الجامعة غير المفرِّقة، العادلة غير الجائرة، فأجاب دعوتنا وأناب إلى سبيلنا وجاهد بنفسه نفسه ومن يليه من أهل الباطل، ودعائم النفاق، فله ما لنا وعليه ما علينا، ومن ردّ علينا دعوتنا وأبى إجابتنا واختار الدنيا الزائلة الآفلة، على الآخرة الباقية، فاللّه من أُولئك برىء، وهو يحكم بيننا وبينكم.

إذا لقيتم القوم فادعوهم إلى أمركم، فلاَن يستجيب لكم رجل واحد خير ممّا طلعت عليه الشمس من ذهب وفضة، وعليكم بسيرة أمير الموَمنين علي بن طالب _ عليه السلام _ بالبصرة والشام: لا تتبعوا مُدبِراً ولا تُجهِزوا على جريح ولا تفتحوا باباً مغلقاً، واللّه على ما أقول وكيل.


(1) فرات بن إبراهيم الكوفي: التفسير: 136 ـ 137، ط 1، تحقيق محمد الكاظم، موَسسة الطبع والنشر التابعة لوزارة الاِرشاد، طهران (1410 هـ ـ 1990م) .

(81)

عباد اللّه لا تقاتلوا على الشك فتضلّوا عن سبيل اللّه، ولكن البصيرة ثم القتال، فإنّ اللّه يجازي عن اليقين أفضل جزاء يجزي به على حقّ. عباد اللّه: البصيرة» قال أبو الجارود: يابن رسول اللّه، يبذل الرجل نفسه عن غير بصيرة؟ قال: «نعم أنّ أكثر من ترى عشقت نفوسهم الدنيا فالطمع أرداهم إلاّ القليل الذين لا تخطر الدنيا على قلوبهم، ولا لها يسعون فأُولئك مني وأنا منهم» (1).

14 ـ وها نحن ننشر في المقام رسالته إلى علماء الاَُمّة قبيل خروجه، فحاول فيها بكل وسيلة تشجيع الناس على رفض الظلم والمطالبة بالحرية والعدالة.

قام بتحقيقها وتصحيحها محمد يحيى سالم عزان عن أربع نسخ، نوّه بخصوصيتها في مقدمتها ونشرها دار التراث اليمني صنعاء عام 1412هـ.

وإليك نصها:

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين حتى يرضى وصلّى اللّه وسلم وبارك وترحّم وتحنّن وسلّم على سيّدنا محمد وعلى آل سيّدنا محمّد.

إلى علماء الاَُمّة الذين وجبت للّه عليهم الحجّة.

من «زيد بن علي» ابن رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _.

سلام على أهل ولاية اللّه وحزبه.

ثم إنّي أُوصيكم معشر العلماء بحظّكم من اللّه في تقواه وطاعته، وأن لا تبيعوه بالمكس (2)من الثمن، والحقير من البدل، واليسير من العِوَض، فإنّ كلّ


(1) حميد المحلي: الحدائق الوردية: 141، الطبعة الثانية ـ 1405هـ ق. وقد جئنا بخلاصة الخطبة ومن أراد الوقوف على الجميع فعليه الرجوع الى المصدر.
(2) المكس: النقص والظلم.

(82)

شيء آثرتموه وعملتم له من الدنيا ليس بخَلَف ممّا زيّن اللّه به العلماء من عباده الحافظين لرعاية ما استرعاهم واستحفظهم من أمره ونهيه، ذلك بأنّ العاقبة للمتقين، والحسرة والندامة والويل الدائم للجائرين الفاجرين.

[

الاعتبار من الاَُمم السابقة]

فتفكّروا عباد اللّه واعتبروا، وانظروا وتدبّروا وازدجروا بما وعظ اللّه به هذه الاَُمّة من سوء ثنائه على الاَحبار والرهبان.

إذ يقول: "لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَبّانِيُّونَ والاَحبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الاِثْمَ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ") (1).

وإنّما عاب ذلك عليهم بأنّهم كانوا يشاهدون الظلمة الذين كانوا بين ظهرانيهم يأمرون بالمنكر، ويعملون الفساد فلا ينهونهم عن ذلك، ويرون حقّ اللّه مضيعاً، ومال اللّه دُولة يوَكل بينهم ظلماً ودولة بين الاَغنياء، فلا يمنعون من ذلك رغبة فيما عندهم من العَرَض الآفل، والمنزل الزائل، ومداهنة (2)منهم على أنفسهم.

وقد قال اللّه عزّ وجلّ لكم: "يَا أَيُّـها الّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الاَحْبارِ والرُّهْبَانِ لَيَأكُلُونَ أموالَ النّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَهَبَ وَالفِضَّةَ وَلايُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّـرْهُمْ بِعَذَابٍ ألِيمٍ")(3)كيما تحذروا.

وإذا رأيتم العالم بهذه الحالة والمنزلة فأنزلوه منزلة من عاث في أموال الناس بالمصانعة (4)، والمداهنة، والمضارعة (5)لظلمة أهل زمانهم، وأكابر


(1) المائدة: 63.
(2) المداهنة: المداراة والملاينة، وداهن على نفسه أبقى عليها.
(3) التوبة: 34.
(4) المصانعة: الرشوة والمداراة.
(5) المضارعة: التقرب والمقارنة.

(83)

قومهم، فلم ينهوهم عن منكر فعلوه. رغبة فيما كانوا ينالون من السحت (1) بالسكوت عنهم.

وكان صدودهم عن سبيل اللّه بالاِتباع لهم، والاغترار بإدهانهم (2) ومقارنتهم الجائرين الظالمين المفسدين في البلاد. ذلك بأنّ أتباع العلماء يختارون لاَنفسهم ما اختار علماوَهم. فحذروا علماء السوء الذين سلكوا سبيل من ذَمّ اللّه وباعوا طاعة اللّه الجائرين.

إنّ اللّه عزّ وجلّ قال في كتابه: "إِنّا أنْزَلْنَا التوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُوراً يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الّذِينَ أسْلَمُوا لِلّذِينَ هَادُوا وَالرّبّانِيّونَ والاَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا الناسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الكافِرُون") (3).

فعاب علماء التوراة والاِنجيل بتركهم ما استحفظهم من كتابه، وجَعَلَهم عليه شهداء خشية الناس، ومواتاة (4)للظالمين، ورضاً منهم بأعمال المفسدين. فلم يوَثروا اللّه بالخشية فسخط اللّه عليهم لمّا اشتروا بآياته ثمناً قليلاً، ومتاعاً من الدنيا زائلاً. والقليل عند اللّه الدنيا وما فيها من غضارتها (5)وعيشتها ونعيمها وبهجتها، ذلك بأنّ اللّه هو علاّم الغيوب.

قد علم بأنّ ركوب معصيته، وترك طاعته، والمداهنة للظلمة في أمره ونهيه، إنّما يلحق بالعلماء للرهبة والرغبة من عند غير اللّه، لاَنّهم علماء باللّه، وبكتابه وبسنّة نبيّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _.


(1) السحت: ما خبث من المكاسب.
(2) الاِدهان والمداهنة بمعنى: المصانعة واللين، وقيل: الاِدهان الغش.
(3) المائدة: 44.
(4) المواتاة: حسن المطاوعة والموافقة.
(5) غضارة الدنيا: النعمة والسعة والخصب.

(84)

[

الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر ]

ولعمري لو لم يكن نال علماء الاَزمنة من ظلمتها، وأكابرها، ومفسديها، شدة وغلظة وعداوة، ما وصّاهم اللّه تعالى وحذّرهم. ذلك أنّهم ما ينالون ما عند اللّه بالهوينا ولا يخلدون في جنّته بالشهوات.

فكره اللّه تعالى للعلماء ـ المستحفظين كتبه وسنّته وأحكامه ـ ترك ما استحفظهم، رغبة في ثواب من دونه، ورهبة عقوبة غيره. وقد ميزكم اللّه تعالى حقّ تميز، ووسمكم سمة (1)لا تخفى على ذي لب، وذلك حين قال لكم: "والمُوَْمِنُونَ وَالمُوَْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأمُرُونَ بالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصّلاةَ وَيُوَْتُونَ الزَكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلئِكَ سَيرْحَمُهُمُ اللّهُ إنَّ اللّهَ عَزيزٌ حَكِيم") (2).

فبدأ بفضيلة الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم بفضيلة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر عنده، وبمنزلة القائمين بذلك من عباده.

ولعمري لقد استفتح الآية في نعت الموَمنين بفريضة الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فاعتبروا عباد اللّه وانتفعوا بالموعظة.

وقال تعالى في الآخرين: "المُنَافِقُونَ والمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ") (3).

فلعمري لقد استفتح الآية في ذمّهم بأمرهم بالمنكر ونهيهم عن المعروف فاعتبروا عباد اللّه وانتفعوا.


(1) السمة: العلامة.
(2) التوبة: 71.
(3) التوبة: 67.

(85)

واعلموا أنّ فريضة اللّه تعالى في الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا أُقيمت له استقامت الفرائض بأسرها هَيّنُها وشديدها.

وذلك أنّ الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو:

الدعاء إلى الاِسلام، والاِخراج من الظلمة، ورد الظالم، وقسمة الفيء والغنائم على منازلها، وأخذ الصدقات ووضعها في مواضعها، وإقامة الحدود، وصلة الاَرحام، والوفاء بالعهد، والاِحسان، واجتناب المحارم، كل هذا من الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

يقول اللّه تعالى لكم: "وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرّ وَالتَقْوَى وَلاَتَعَاوَنُوا عَلَى الاِثْمِ وَالعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ العِقَابِ") (1)فقد ثبت فرض اللّه تعالى فاذكروا عهد اللّه الذي عاهدتموه وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم: "سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ") (2).

[

دور العلماء ومكانتهم ]

عباد اللّه فإنّما تصلح الاَُمور على أيدي العلماء وتفسد بهم إذا باعوا أمر اللّه تعالى ونهيه بمعاونة الظالمين، الجائرين، فكذلك الجهّال والسفهاء إذا كانت الاَُمور في أيديهم، لم يستطيعوا إلاّ بالجهل والسفه إقامتها فحينئذ تصرخ المواريث، وتضج الاَحكام، ويفتضح المسلمون (3).

وأنتم أيّها العلماء عصابة مشهورة، وبالورع مذكورة، وإلى عبادة اللّه


(1) المائدة: 2.
(2) المائدة: 7.
(3) يفتضح المسلمون بمعنى يفرط المسلمون. قال الزمخشري: سمعتهم يقولون: افتضحنا فيك أي فرطنا في زيارتك وتفقدك.

(86)

منسوبة، وبدراسة القرآن معروفة، ولكم في أعين الناس مهابة، وفي المدائن والاَسواق مكرمة، يهابكم الشريف، ويكرمكم الضعيف، ويرهبكم من لا فضل لكم عليه. يُبدَأ بكم عند الدُعوَة، والتُحَفَة (1)، ويشار إليكم في المجالس، وتشفعون في الحاجات، إذا امتنعت على الطالبين. وآثاركم متبعة، وطرقكم تسلك.

كل ذلك لما يرجوه عندكم من هو دونكم من النجاة في عرفان حقّ اللّه تعالى. فلاتكونوا عند إيثار (2)حقّ اللّه تعالى غافلين، ولاَمره مضيّعين، فتكونوا كالاَطباء الذين أخذوا ثمن الدواء وأعطبوا المرضى. وكرعاة استوفوا الاَجر وضلّوا عن المرعى. وكحرّاس مدينة أسلموها إلى الاَعداء، هذا مثل علماء السوء.

لا مالاً تبذلونه للّه تعالى، ولانفوساً تخاطرون بها في جنب اللّه تعالى، ولاداراً عطلتموها، ولازوجة فارقتموها، ولاعشيرة عاديتموها. فلاتتمنوا ما عند اللّه تعالى وقد خالفتموه.

فترون أنّكم تسعون في النور، وتتلقاكم الملائكة بالبشارة من اللّه عزّ وجلّ؟ كيف تطمعون في السلامة يوم الطامة؟! وقد أخرجتم الاَمانة، وفارقتم العلم، وأدهنتم في الدين. وقد رأيتم عهد اللّه منقوضاً، ودينه مبغوضاً، وأنتم لاتفزعون ومن اللّه لاترهبون.

فلو صبرتم على الاَذى، وتحملّتم الموَنة في جنب اللّه لكانت أُمور اللّه صادرة عنكم، وواردة إليكم.


(1) التحفة: بضم المثناة وتسكين المهملة: البر واللطف.
(2) الاِيثار: التقديم والتفضيل، والمعنى هنا: فلا تكونوا غافلين عند إيثار وتقديم حقّ اللّه تعالى والدفاع عنه.

(87)

عباد اللّه لاتمكّنوا الظالمين من قِيَادِكم (1)بالطمع فيما بأيديهم من حطام الدنيا الزائل، وتراثها الآفل، فتخسروا حظّكم من اللّه عزّ وجلّ.

عباد اللّه استقدموا إلى الموت بالوثيقة في الدين، والاعتصام بالكتاب المتين، ولاتعجبوا بالحياة الفانية فما عند اللّه هو خير لكم، وإنّ الآخرة هي دار القرار.

عباد اللّه اندبوا الاِيمان ونوحوا على القرآن، فو الذي نفس «زيد بن علي» بيده لن تنالوا خيراً لا يناله أهل بيت نبيّكم _ صلى الله عليه وآله وسلم _، ولا أصبتم فضلاً إلاّ أصابوه فأصبتم فضله.

[إلى علماء السوء]

فيا علماء السوء أكببتم على الدنيا وإنّها لناهية لكم عنها، ومحذرة لكم منها، نصحت لكم الدنيا بتصرفها فاستغششتموها، وتَفَتحت لكم الدنيا فاستحسنتموها، وصدقتكم عن نفسها فكذبتموها.

فيا علماء السوء هذا مهادكم الذي مهدتموه للظالمين، وهذا أمانكم الذي أتمنتموه (2) للخائنين، وهذه شهادتكم للمبطلين. فأنتم معهم في النار غداً خالدون. "ذلِكُم بِمَا كُنْتُم تَفْرَحُونَ فِى الاَرْضِ بِغَيْرِ الحَقّ وَبِمَا كُنْتُم تَمْرَحُونَ")(3)

فلو كنتم سلّمتم إلى أهل الحقّ حقهم، وأقررتم لاَهل الفضل بفضلهم لكنتم أولياء اللّه، ولكنتم من العلماء به حقاً، الذين امتدحهم اللّه عزّ وجلّ في كتابه بالخشية منهم.


(1) القياد كالمقود: ما يقاد به، واستعماله هنا مجاز ، والمعنى: لا تمكّنوا الظالمين من قودكم كما تقاد البهائم.
(2) أتمنتموه بمعنى أمنتموه، حكاه في اللسان عن ثعلب وقال: وهي نادرة.
(3) غافر: 75.

(88)

فلا أنتم علمتم الجاهل، ولا أنتم أرشدتم الضال، ولا أنتم في خلاص الضعفاء تعملون، ولابشرط اللّه عليكم تقومون، ولا في فكاك رقابكم [ولا السلب إلاّ سلبكم].

يا علماء السوء اعتبروا حالكم، وتفكّروا في أمركم، وستذكرون ما أقول لكم.

يا علماء السوء إنّما أمنتم عند الجبارين بالاِدهان، وفزتم بما في أيديكم بالمقاربة، وقربتم منهم بالمصانعة (1)، قد أبحتم الدين، وعطّلتم القرآن، فعاد علمكم حجّة للّه عليكم، وستعلمون إذا حشرج الصدر، وجاءت الطامة، ونزلت الداهية.

يا علماء السوء أنتم أعظم الخلق مصيبة، وأشدهم عقوبة، إن كنتم تعقلون، ذلك بأنّ اللّه قد احتج عليكم بما استحفظكم إذ جعل الاَُمور ترد إليكم، وتصدر عنكم.

الاَحكام من قبلكم تلتمس، والسنن من جهتكم تختبر. يقول المتبعون لكم: أنتم حجّتنا بيننا وبين ربّنا. فبأي منزلة نزلتم من العباد هذه المنزلة؟

فوالذي نفس «زيد بن علي» بيده لو بيّنتم للناس ما تعلمون ودعوتموهم إلى الحقّ الذي تعرفون، لتضعضع بنيان الجبارين، ولتهدّم أساس الظالمين، ولكنّكم اشتريتم بآيات اللّه ثمناً قليلاً، وأدهنتم في دينه، وفارقتم كتابه.

هذا ما أخذ اللّه عليكم من العهود والمواثيق، كي تتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الاِثم والعدوان، فأمكنتم الظلمة من الظلم، وزيّنتم لهم الجور، وشددتم لهم ملكهم بالمعاونة والمقارنة، فهذا حالكم.

فيا علماء السوء فمحوتم كتاب اللّه محواً، وضربتم وجه الدين ضرباً،


(1) المصانعة: المداراة والمداهنة.

(89)

فند(1) واللّه نديد البعير الشارد، هرباً منكم.

فبسوء صنيعكم سفكت دماء القائمين بدعوة الحقّ من ذرية النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _، ورفعت روَوسهم فوق الاَسنّة، وصُفّدُوا في الحديد، وخلص إليهم الذل، واستشعروا الكرب وتسربلوا الاَحزان، يتنفسون الصعداء (2)، ويتشاكون الجهد.

فهذا ما قدّمتم لاَنفسكم، وهذا ما حملتموه على ظهوركم، فاللّه المستعان، وهو الحكم بيننا وبينكم، يقضي بالحق وهو خير الفاصلين.

[

دعوة إلى الجهاد ]

وقد كتبت إليكم كتاباً بالذي أُريد من القيام به فيكم. وهو: العمل بكتاب اللّه، وإحياء سنّة رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _.

فبالكتاب قوام الاِيمان، وبالسنّة يثبت الدين. وإنّما البدع أكاذيب تخترع، وأهواء تتّبع، يتولّـى فيها وعليها رجال رجالاً صدّوهم عن دين اللّه، وذادوهم عن صراطه، فإذا غيّرها الموَمن، ونهى عنها المُوَحّد، قال المفسدون: جاءنا هذا يدعونا إلى بدعة!!

وأيم اللّه ما البدعة إلاّ التي أحدث الجائرون، ولا الفساد إلاّ الذي حكم به الظالمون.

وقد دعوتكم إلى الكتاب. فأجيبوا داعي اللّه، وانصروه، فوالذي بإذنه دعوتكم، وبأمره نصحت لكم، ما ألتمس أثرة على موَمن، ولا ظلماً لمعاهد، ولوددت أنّي قد حميتكم مراتع (3)الهلكة، وهديتكم من الضلالة، ولو كنت أوقد


(1) ند البعير: شرد ونفر.
(2) في القاموس: بالضم بعده سكون، وفي لسان العرب: بالضم بعده تحريك بالفتح: النفس بتوجع، وفي شرح القاموس الاَوّل أصح.
(3) مراتع: مواضع.

(90)

ناراً فأقذف بنفسي فيها، لا يقربني ذلك من سخط اللّه، زهداً في هذه الحياة الدنيا، ورغبة منّي في نجاتكم، وخلاصكم. فإن أجبتمونا إلى دعوتنا كنتم السعداء والموفورين حظاً ونصيباً.

عباد اللّه انصحوا داعي الحقّ وانصروه إذ قد دعاكم لما يحييكم. ذلك بأنّ الكتاب يدعو إلى اللّه، وإلى العدل والمعروف، ويزجر عن المنكر.

فقد نظرنا لكم وأردنا صلاحكم، ونحن أولى الناس بكم. رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ «جدّنا»، والسابق إليه الموَمن به «أبونا»، وبنته سيدة النسوان «أُمّنا»، فمن نزل منكم منزلتنا. فسارعوا عباد اللّه إلى دعوة اللّه، ولا تنكلوا عن الحق، فبالحق يُكبَت (1)عدوّكم، وتمنع حريمكم، وتأمن ساحتكم.

وذلك أنّا ننزع الجائرين عن الجنود، والخزائن، والمدائن، والفيء، والغنائم، ونثبت الاَمين الموَتمن، غير الراشي والمرتشي، الناقض للعهد. فإن نظهر فهذا عهدنا، وإن نستشهد فقد نصحنا لربّنا، وأدّينا الحقّ إليه من أنفسنا، فالجنة مثوانا ومنقلبنا، فأي هذا يكره الموَمن، وفي أي هذا يرهب المسلم، وقد قال اللّه عزّ وجل لنبيه _ صلى الله عليه وآله وسلم _: "وَلاَ تُجادِلْ عَنِ الّذِينَ يَخْتَانُونَ أنْفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَيُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أثِيماً") (2).

وإذا بدأت الخيانة، وخربت الاَمانة، وعمل بالجور، فقد افتضح الوالي. فكيف يكون إماماً على الموَمنين من هذا نعته وهذه صفته؟!

اللّهم قد طلبنا المعذرة إليك، وقد عرّفتنا إنّك لاتصلح عمل المفسدين، فأنت اللّهم وليّنا، والحاكم فيما بيننا وبين قومنا بالحقّ.

هذا ما نقول، وهذا ما ندعو إليه، فمن أجابنا إلى الحقّ فأنت تثيبه وتجازيه،


(1) يكبت: يرد العدو ويغيضه.
(2) النساء: 107.

(91)

ومن أبى إلاّ عتوّاً وعناداً فأنت تعاقبه على عتوّه وعناده.

فاللّه اللّه عباد اللّه أجيبوا إلى كتاب اللّه، وسارعوا إليه، واتخذوه حكماً فيما شجر بينكم، وعدلاً فيما فيه اختلفنا، وإماماً فيما فيه تنازعنا، فإنّا به راضون، وإليه منتهون، ولما فيه مسلمون، لنا وعلينا. لانريد بذلك سلطاناً في الدنيا، إلاّ سلطانك، ولانلتمس بذلك أثرة على موَمن، ولا موَمنة، ولاحر، ولا عبد.

عباد اللّه فأجيبونا إجابة حسنة تكن لكم البشرى.

يقول اللّه عزّ وجلّ في كتابه: "فَبَشِّـرْ عِبَادِ * الّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ") (1) .

ويقول: "وَمَنْ أحْسَنُ قَوْلاً مِـمَّن دَعَا إِلى اللّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقالَ إِنّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ") (2).

[

مكانة أهل البيت _ عليهم السلام _ ]


عباد اللّه فاسرعوا بالاِنابة وأبذلوا النصيحة، فنحن أعلم الاَُمّة باللّه، وأوعى الخلق للحكمة، وعلينا نزل «القرآن»، وفينا كان يهبط «جبريل» _ عليه السلام _، ومن عندنا اقتبس الخير. فمن علم خيراً فمنّا اقتبسه، ومن قال خيراً فنحن أصله، ونحن أهل المعروف، ونحن الناهون عن المنكر، ونحن الحافظون لحدود اللّه.

عباد اللّه فأعينونا على من استعبد أُمّتنا، وأخرب أمانتنا، وعطّل كتابنا، وتشرف بفضل شرفنا. وقد وثقنا من نفوسنا بالمضي على أُمورنا، والجهاد في سبيل خالقنا، وشريعة نبينا _ صلى الله عليه وآله وسلم _، صابرين على الحق، لا نجزع من نائبة من ظلمنا، ولا نرهب الموت إذا سلم لنا ديننا.


(1) الزمر: 17 ـ 18.
(2) فصلت: 33.

(92)

فتعاونوا، وانصروا، يقول اللّه عزّ وجلّ في كتابه: "يَا أَيُّها الّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُـرُوا اللّهَ يَنْصُـرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أقدامَكُمْ") (1).

ويقول اللّه عزّ وجلّ: "وَليَنْصُرَنَّ اللّه مَنْ يَنْصُـرُهُ إنَّ اللّه لَقَويٌّ عَزيزٌ * الّذِينَ إنْ مَكّنَّاهُمْ فِي الاَرضِ أقامُوا الصّّلاةَ وآتَوُا الزّكاةَ وَأَمَرُوا بِالمعَرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ وللّهِ عاقِبَةُ الاَُمورِ") (2).

عباد اللّه فالتمكين قد ثبت بإثبات الشريعة، وبإكمال الدين يقول اللّه عزّ وجلّ: "فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أنْتَ بِمَلُوم") (3).

وقال اللّه عزّ وجلّ فيما احتج به عليكم: "اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِسلامَ دِيناً") (4).

عباد اللّه فقد أكمل اللّه تعالى الدين، وأتم النعمة، فلا تنقصوا دين اللّه من كماله، ولا تبدّلوا نعمة اللّه كفراً فيحل بكم بأسه وعقابه.

عباد اللّه إنّ الظالمين قد استحلّوا دماءنا، وأخافونا في ديارنا، وقد اتّخذوا خذلانكم حجة علينا فيما كرهوه من دعوتنا، وفيما سفهوه من حقّنا، وفيما أنكروه من فضلنا عناداً للّه، فأنتم شركاوَهم في دمائنا، وأعوانهم في ظلمنا، فكل مال للّه أنفقوه، وكل جمع جمعوه، وكل سيف شحذوه (5)، وكل عدل تركوه، وكل جور ركبوه، وكل ذمة للّه تعالى أخفروها (6) وكل مسلم أذلّوه، وكل كتاب نبذوه، وكل


(1) محمد: 7.
(2) الحج: 40ـ 41.
(3) الذاريات: 54.
(4) المائدة: 3.
(5) شحذوه: أحدّوه.
(6) أخفره: نقض عهده.

(93)

حكم للّه تعالى عطّلوه، وكل عهد للّه تعالى نقضوه، فأنتم المعينون لهم على ذلك بالسكوت عن نهيهم عن السوء.

عباد اللّه إنّ الاَحبار والرهبان من كل أُمّة مسوَولون عما استحفظوا عليه، فأعدّوا جواباً للّه عزّ وجلّ على سوَاله.

اللهم إنّي أسألك بنبيّنا محمّد _ صلى الله عليه وآله وسلم _ تثبّتاً منك على الحقّ الذي ندعو إليه وأنت الشهيد فيما بيننا، الفاصل بالحقّ فيما فيه اختلفنا، ولاتستوي الحسنة ولا السيئة.

والسلام على من أجاب الحقّ، وكان عوناً من أعوانه الدالّين عليه.

تمّ ذلك بحمد اللّه ومنّه.

* * *

مناظراته :

إنّ لزيد الشهيد مناظرات جرت بينه وبين هشام وأُناس أُخر وفيها دلالة واضحة على قوة منطقه، ونضاجة فكره وبالاَخص على حضور بديهته نقتطف ما يلي:

1 ـ روى موفق الدين عن معمر بن خيثم: قال لي زيد بن علي: كنت أُباري هشام بن عبد الملك وأُكايده في الكلام، فدخلت عليه يوماً فذكر بني أُمية، فقال: واللّه هم أشدّ قريش أركاناً، وأشدّ قريش مكاناً، وأشدّ قريش سلطاناً، وأكثر قريش أعواناً، كانوا روَوس قريش في جاهليّتها، وملوكهم في إسلامها فقلت له: على من تفخر؟ أعلى بني هاشم، أوّل من أطعم الطعامَ وضرب الهامَ وخضعت لها قريش بإرغام، أم على بني المطلب سيد مُضر جميعاً، وإن قلت معد كلّها صدَقت، إذا ركب مشوا، وإذا انتعل احتفوا، وإذا تكلّم سكتوا، وكان يطعم الوحوش في روَوس


(94)

الجبال والطير، والسباع والاِنس في السهل، حافر زمزم، وساقي الحجيج، أم على بنيه أشرف رجال، أم على نبي اللّه ورسوله حمله اللّه على البراق، وجعل الجنة عن يمينه، والنار عن شماله فمن تبعه دخل الجنة، ومن تأخّر عنه دخل النار، أم على أمير الموَمنين وسيد الوصيين علي بن أبي طالب _ عليه السلام _ أخي رسول اللّه وابن عمه المفرِّج الكرب عنه وأوّل من قال لا إله إلاّ اللّه بعد رسول اللّه لم يبارزه فارس قط إلاّ قتله، وقال فيه رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ مالم يقله في أحد من أصحابه ولا لاَحد من أهل بيته، قال: فاحمر وجهه (1).

2 ـ دخل زيد على هشام بن عبد الملك، وقد جمع له هشام أهل الشام وأمر أن يتضايقوا في المجلس حتى لا يتمكن من الوصول إلى قربه، فقال له زيد: إنّه ليس من عباد اللّه أحد فوق أن يوصى بتقوى اللّه، ولا من عباد اللّه أحد دون أن يوصى بتقوى اللّه، وأنا أُوصيك بتقوى اللّه يا أمير الموَمنين فاتقه، فقال له هشام: أنت الموَهل نفسك للخلافة، الراجي لها؟ وما أنت وذاك لا أُمّ لك وإنّما أنت ابن أمة، فقال له زيد: إنّي لا أعلم أحداً أعظم منزلة عند اللّه من نبيّ بعثه وهو ابن أمة، فلو كان ذلك يقصر عن منتهى غاية، لم يبعث، وهو إسماعيل بن إبراهيم ـ عليهما السلام ـ فالنبوة أعظم منزلة عند اللّه أم الخلافة يا هشام؟ وبعد فما يقصر برجل أبوه رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وهو ابن علي بن أبي طالب، فوثب هشام عن مجلسه (وزيد في عمدة الطالب ووثب الشاميون) ودعا قهرمانه فقال: لا يبيتن هذا في عسكري (الليلة) فخرج زيد وهو يقول: إنّه لم يكره قط أحد حد السيوف إلاّ ذلّوا (2).

3 ـ قد وشي بزيد إلى هشام، فسأله عن ذلك فقال: أحلف لك. قال هشام: فإذا حلفت أفأُصدقك؟! قال: إتق اللّه. قال هشام: أومثلك يا زيد يأمر مثلي بتقوى


(1) موفق الدين الخوارزمي : مقتل الحسين: 2 | 117 .
(2) المفيد: الاِرشاد: 268،طبعة النجف الاَشرف.

(95)

اللّه، قال: لا أحد فوق أن يوصى بتقوى اللّه، ولا أحد دون أن يوصى بتقوى اللّه. قال هشام: بلغني أنّك تريد الخلافة وأنت لا تصلح لها لاَنّك ابن أمة قال: قد كان إسماعيل بن إبراهيم ابن أمة وإسحق ابن حرة، فأخرج اللّه من صلب إسماعيل النبيّ الكريم، فعندها قال له هشام: قم، قال: إذاً لا تراني إلاّ حيث تكره (1).

4 ـ روى خالد بن صفوان اليمامي، قال: أتينا زيـد بن علي وهو يومئذ بالرصافة، رصافة هشام بن عبد الملك، فدخلنا عليه في نفر من أهل الشام وعلمائهم وجاءُوا معهم برجل انقاد له أهل الشام في البلاغة، والبصر بالحجج، وكلّمنا زيد بن علي في الجماعة وقلنا: إنّ اللّه مع الجماعة وأنّ أهل الجماعة حجّة اللّه على خلقه، وأنّ أهل القلّة هم أهل البدعة والضلالة، قال: فحمد اللّه وأثنى عليه وصلّـى على محمد _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ثم تكلّم بكلام ما سمعت قرشيّاً ولا عربيّاً أبلغ موعظة، ولا أظهر حجّة ولا أفصح لهجة منه، قال: ثم أخرج إلينا كتاباً قاله في الجماعة والقلة، ذكر من كتاب اللّه فلم يذكر كثيراً إلاّ ذمّه ولم يذكر قليلاً إلاّ مدحه، والقليل في الطاعة هم أهل الجماعة، والكثير في المعصية هم أهل البدع. قال خالد بن صفوان: فيئس الشامي فما أحلى ولا أمر (كذا) وسكت الشاميون فما يجيبون بقليل ولا كثير، ثم قاموا من عنده فخرجوا وقالوا لصاحبهم: فعل اللّه بك وفعل، غررتنا وفعلت، زعمت أنّك لا تدع له حجّة إلاّ كسرتها فخرست، فلم تنطق، فقال لهم: ويلكم كيف أكلّم رجلاً إنّما حاجّني بكتاب اللّه أفأستطيع أن أرد كلام اللّه؟! فكان خالد بن صفوان يقول بعد ذلك: ما رأيت في الدنيا رجلاً قرشياً ولا عربياً يزيد في العقل والحجج غير زيد بن علي _ عليهما السلام _ (2).


(1) مختار البيان والتبيين كما في زيد الشهيد للاَمين: 48 ـ 49.
(2) حميد المحلي: الحدائق الوردية: 142 ـ 143؛ السياغي: الروض النضير: 1|100.

(96)

أشعاره :

هذه نتف من مناظراته وفيها غنى وكفاية، فلنعطف عنان البحث إلى ما جادت به قريحته في مواقف مختلفة ويبدو أنّه لا ينظم الشعر إلاّ في مجالات قليلة، يصبّ ما في نفسه من جوى وشكوى، وحماس في قالب النظم وإليك بعض ما وقفنا عليه:

1 ـ روى أبو الفرج عن زكريا قال: أردت الخروج إلى الحجّ فمررت بالمدينة، فقلت: لو دخلت على زيد بن علي، فدخلت فسلمت عليه فسمعته يتمثّل:

ومن يطلب المال الممنّع بالقنا * يعش ماجداً أو تخترمه المخارم

متى تجمع القلب الذكي وصارماً * وأنفاً حمياً تجتنبك المظالم

وكنت إذا قوم غزوني غزوتهم * فهل أنا في ذا يالهمدان ظالم

يقول: فخرجت من عنده وظننت أنّ في نفسه شيئاً وكان من أمره ما كان (1)

2 ـ روى الخزاز عن ابن بكير أنّه قال لزيد: يابن رسول اللّه هل عهد إليكم رسول اللّه متى يقوم قائمكم؟ قال: يا بن بكير، إنّك لن تلحقه، وإن هذا الاَمر يليه ستة أوصياء بعد هذا، ثم يجعل اللّه خروج قائمنا فيملاَها قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، قلت يا بن رسول اللّه ألست صاحب هذا الاَمر؟ فقال: أنا من العترة، فعدت فعاد إليّ، فقلت: يا بن رسول اللّه هذا الذي قلته عنك أو عن رسول اللّه؟ فقال: لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير، لا ولكن عهد، عهِدَه إلينا رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ثم أنشأ يقول:


(1) أبوالفرج: مقاتل الطالبيين: 89.

(97)

نحن سادات قريش * وقوام الحقّ فينا

نحن الاَنوار التي من * قبل كون الخلق كنّا

نحن منّا المصطفى ال * ـمختار والمهدي منّا

فبنا قد عرف اللّه * وبالحق أقمنا

سوف يصلاه سعيراً * من تولى اليوم عنّا(1)

3 ـ روى ابن شهر آشوب في المناقب أنّه رثى الاِمام الباقر _ عليه السلام _ بأبيات وقال:

ثوى باقر العلم في ملحد * إمام الورى طيب المولد

فمن لي سوى جعفر بعده * إمام الورى الاَوحد الاَمجد

أبا جعفر الخير أنت الاِمام * وأنت المرجى لبلوى غد (2)

4 ـ اجتمع مع هشام فأهانه، فخرج عن مجلسه وهو يقول: «من أحب الحياة ذل» ثم أنشأ يقول:

مهلاً بني عمنا عن نحت أثلتنا * سيروا رويداً كما كنتم تسيرونا

لاتطمعوا أن تهينونا ونكرمكم * وان نكفّ الاَذى عنكم وتوَذونا

واللّه يعلم أنّا لا نحبّكم * ولانلومكم أن لا تحبّونا

كلّ امرىءٍ مولعٌ في بغض صاحبه فنحمد اللّه نقلوكم وتقلونا(3)


(1) الخزاز القمي: كفاية الاَثر: 296 ـ 297.
(2) ابن شهر آشوب: المناقب: 4|197، طبعة دار الاَضواء، بيروت.
(3) ابن منظور: مختصر تاريخ دمشق: 9|156.

(98)

5 ـ روى ابن الاَثير لما أهانه هشام، وقال: أُخرج، قال: أخرج ثم لا أكون إلاّ حيث تكره، فقال له سالم: يا أبا الحسين لا يظهرن هذا منك، فخرج من عنده وسار إلى الكوفة ولمّا خرج من مجلس هشام أنشد:

شرّده الخـوف وأزرى به * كذاك من يكره حرّ الجلاد

منخرق النعلين يشكو الوجى * تنكثه أطراف مرو حداد

قد كان في الموت له راحة * والموت حتم في رقاب العباد

إن يحدث اللّه له دولة * تترك آثار العدا كالرماد (1)

6 ـ روى السيد محسن الاَمين في أعيان الشيعة نقلاً عن الخوارزمي في مقتله: إنّ أبا الحسين لما رأى الاَرض قد طوقت جوراً ورأى قلة الاَعوان، وتخاذل الناس، كانت الشهادة أحب الميتات إليه فخرج وهو يتمثل بهذين البيتين:

إن المحكم ما لم يرتقب حسداً * لو لم يرهب السيف أو وخز القنا صفا

من عاذ بالسيف لاقى فرجة عجباً * موتاً على عجل أو عاش فانتصفا (2)

7 ـ روى ابن الاَثير، قال محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب لزيد: أذكرك اللّه يا زيد، لما لحقت بأهلك ولا تأتي أهل الكوفة، فإنّهم لا يفون لك، فلم يقبل، فقال له: خُرِجَ بنا أُسراء على غير ذنب من الحجاز، إلى الشام ثم إلى الجزيرة ثم إلى العراق، إلى قيس ثقيف يلعب بنا ثم قال:


(1) المسعودي: مروج الذهب: 3|206.
(2) الاَمين: أعيان الشيعة: 7|116.

(99)

بكرت تخوّفني الحتوف كأنّني * أصبحت عن عرض الحياة بمعزل

فأجبتها إنّ المنية منهل * لا بد أن أُسقى بكأس المنهل

إنّ المنية لو تُمثَّل مُثّلتْ * مثلي (كذا) إذا نزلوا بضيق المنزل

فاقني حياءك لا أبا لُكِ وأعلمي * إنّي امروَ سأموت إن لم أُقتل (1)

8 ـ روى المرتضى في الفصول المختارة عن الحسين بن زيد، قال: حدثني مولاي قال: كنت مع زيد بن علي _ عليه السلام _ بواسط فذكر قوم الشيخين وعلياً فقدّموهما عليه، فلمّا قاموا قال لي زيد: قد سمعت كلام هوَلاء وقد قلت أبياتاً فادفعها إليهم وهي:

من شرّف الاَقوام يوماً برأيه * فإنّ علياً شرّفته المناقبُ

وقول رسول اللّه والحقّ قوله * وإن رغمت منهم أُنوف كواذب

بأنّك منّي ياعلي معالنا * كهارون من موسى أخ لي وصاحب

دعاه ببدر فاستجاب لاَمره * وما زال في ذات الاِله يضارب

فما زال يعلوهم به وكأنّه * شهاب تلقاه القوابس ثاقب (2)

9 ـ قال السيد الاَمين: وممّا نسب إليه قوله:

لو يعلم الناس ما في العرف من شرف * لشرفوا العرف في الدنيا على الشرف

وبادروا بالذي تحوي أكفهم * من الخطير ولو أشفوا على التلف (3)


(1) ابن الاَثير: الكامل: 5|233، طبعة دار صادر.
(2) المرتضى، الفصول المختارة من العيون والمحاسن:25.
(3) تاريخ ابن عساكر: 6|20.

(100)

10 ـ روى عن نسمة السحر أنّ هذين البيتين له:

يقولون زيداً لا يزكى بما له * وكيف يزكي المال من هو باذله

إذا حال حول لم يكن في أكفنا * من المال إلاّ رسمه وفواضله (1)

11 ـ روى الديلمي: أنّه لما جرى بينه وبين هشام كلام خرج _ عليه السلام _ وهو يقول:

حكم الكتاب وطاعة الرحمن * فرضا جهاد الجائر الخوان

كيف النجاة لاَُمّة قد بدلت * ما جاء في الفرقان والقرآن

فالمسرعون إلى فرائض ربّهم * برئوا من الآثام والعدوان

والكافرون بحكمه وبفرضه * كالساجدين لصورة الاَوثان (2) لكل أُناس مقبر بفنائهم * فهم ينقصون والقبور تزيد

فما إن تزال دار حيٍّ قد أُخربت * وقبرٌ بأفناء البيوت جديد

هم جيرة الاَحياء أمّا مزارهم * فدانٍ وأمّا الملتقى فبعيد (3)

12 ـ تمثل زيد بالاَبيات التالية وقد تمثل بها علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ يوم صفين والحسين بن علي _ عليهما السلام _ يوم قتل وهي لضرار بن الخطاب الفهري:


(1) الاَمين العاملي: زيد الشهيد: 94، نقلاً عن نسمة السحر فيمن تشيع وشعر.
(2) السياغي، الروض النضير: 1|107.
(3) ابن عبد ربّه: العقد الفريد: 3|236.

(101)

مهلاً بني عمنا ظلامتن * اإنّ بنا سورة من الفلق

لمثلكم نحمل السيوف ولا * تغمز أحسابنا من الدقق

إنّي لاَنمي إذا انتميت إلى * عز عزيز ومفتر صدق

بيض بساط كان أعينهم * تكحل يوم الهياج بالعلق (1)

لما خرج زيد بن علي كتب للكميت: اخرج عنّا يا أعيمش ألست القائل :

ما أُبالي إذا حفظت أبا القا * سم فيكم ملامة اللوام

فكتب إليه الكميت:

تجود لكم نفسي بما دون وثبة * تظل بها الغربان حولي تحجل(2)

* * *

هذا زيد، وهذه كلمه وخطبه، وحججه ومناظراته، وشعره وقريضه وعند ذاك تقف على صدق ما رواه الخوارزمي في مقتله عن خالد بن صفوان قال: انتهت الفصاحة والخطابة والزهادة والعبادة في بني هاشم إلى زيد بن علي ـ رضي اللّه عنه ـ (3).

أمّا الفصاحة والخطابة فقد عرفت نماذج من كلامه، وأمّا العبادة، فيكفي في


(1) الاَغاني:19|191.
(2) الاَغاني: 17|34.
(3) الخوارزمي: المقتل: 2|119.

(102)

تهالكه فيها: ما رواه فرات بن إبراهيم عن رجل: قال صحبت زيداً ما بين مكّة والمدينة وكان يصلّـي الفريضة ثم يصلّي ما بين الصلاة إلى الصلاة ويصلّـي الليل كلّه ويكثر التسبيح ويكرر هذه الآية: "وجَاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيد") ، فصلّـى ليلة معي وقرأ هذه الآية إلى قريب نصف الليل فانتبهت من نومي فإذا أنا به مادّ يديه نحو السماء وهو يقول:

إلهي عذاب الدنيا أيسر من عذاب الآخرة، ثم انتحب، فقمت إليه وقلت: يا بن رسول اللّه لقد جزعت في ليلتك هذه جزعاً ما كنت أعرفه، فقال: ويحك يا نازلي أنّي نمت هذه الليلة وأنا ساجد فرأيت جماعة عليهم لباس لم أر أحسن منه فجلسوا حولي وأنا ساجد فقال رئيسهم: هل هو هذا ؟ فقالوا: نعم. فقال: أبشر يا زيد فإنّك مقتول في اللّه ومصلوب ومحروق بالنار ولا تمسّك النار بعدها أبداً، فانتبهت وأنا فزع (1).

روى الخزاز عن يحيى بن زيد أنّه قال له في حديث: يا أبا عبد اللّه إنّي أُخبرك عن أبي _ عليه السلام _ وزهده وعبادته إنّه كان يصلّـي في نهاره ما شاء اللّه، فإذا جنّ الليل عليه نام نومة خفيفة ثم يقوم فيصلي في جوف الليل ما شاء اللّه، ثم يقوم قائماً على قدميه يدعو اللّه تبارك وتعالى ويتضرع له ويبكي بدموع جارية حتى يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر سجد سجدة ثم يصلّـي الفجر ثم يجلس للتعقيب حتى يرتفع النهار، ثم يذهب لقضاء حوائجه، فإذا كان قريب الزوال أتى وجلس في مصلاّه واشتغل بالتسبيح والتمجيد للرب المجيد، فإذا صار الزوال صلى الظهر وجلس، ثم يصلي العصر ثم يشتغل بالتعقيب ساعة ثم يسجد سجدة، فإذا غربت الشمس صلّى المغرب والعشاء، فقلت: هل كان يصوم دائماً؟ قال: لا


(1) فرات بن إبراهيم: التفسير: 435. والآية 19 من سورة ق.

(103)

ولكنّه يصوم في كل سنة ثلاثة أشهر، وفي كل شهر ثلاثة أيام ثم أخرج إليّ صحيفة كاملة فيها أدعية علي بن الحسين ـ عليه السلامـ(1)

روى أبو الفرج بسند عن محمد بن الفرات: رأيت زيد بن علي وقد أثر السجود بوجهه أثّراً خفيفاً وكان في خاتمه «اصبر تُوَجر وتوقّ تنج» (2).


(1) الخزاز القمي: كفاية الاَثر: 304 ـ 305.
(2) أبو الفرج: مقاتل الطالبيين: 87 و 89.


(104)



(105)

الفصل الرابع


مشايخه وتلاميذه

في الحديث والتفسير

إنّ أئمة أهل البيت _ عليهم السلام _ كانوا في غنى عن الحضور لدى الغير، والرجوع إليهم في مجال العقائد والاَُصول، والاَحكام والفروع، والاَخلاق والسلوك وكل ما يمتّ إلى الدين بصلة، وتحتاج إليه الاَُمّة. وذلك لا للمبالغة في مقامهم، أو الغلو في علومهم. بل لاَجل تنصيص النبي الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عليهم، حيث إنّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ تارة يصوّرهم بأنّهم أعدال القرآن وقرناوَه، من تمسك بهما لن يضل أبداً (1)، وأُخرى بأنّ مثلهم كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق (2)، وثالثة بأنّهم كالنجوم، فكما أنّ الكواكب أمان لاَهل الاَرض من الغرق، فكذلك أئمة أهل البيت _ عليهم السلام _ أمان للاَُمّة من الاختلاف (3) ، إلى غير ذلك من الاَحاديث المتواترة أو المتضافرة الدالة على أنّ أئمة أهل البيت مراجع الاَُمّة، ومصادر الاَحكام، وهم عن


(1) حديث الثقلين: اتفق الفريقان على نقله وتصحيحه لايشك فيه إلاّ العدو الغاشم.
(2) تلويح إلى قول النبي الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _:« مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق».
(3) قوله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «النجوم أمان لاَهل الاَرض من الغرق وأهل بيتي أمان لاَُمّتي من الاختلاف في الدين»لاحظ في الوقوف على مصادرها المراجعات للسيد شرف الدين العاملي المراجعة الثانية: 40 ـ 46 طبعة الاَعلمي، لبنان.

(106)

علومهم ومعارفهم يصدرون، وإلى أقوالهم وأفعالهم يسكنون. ومن كان هذا وصفه ومقامه فيحتلّ من مخروط الاَُمّة مكان الرأس والقمة، ونعم ما قال القائل:

فَوال أُناساً قولهم وكلامهم * روى جدنا عن جبرئيل عن الباري

وما ربّما يرى من أنّ أحد الاَئمة، يروي حديثاً عن صحابي أو تابعي كالاِمام الباقر _ عليه السلام _ إذا روى مثلاً عن جابر، فإنّما هو لاَجل إقناع السائل الذي اعتاد بقبول الرواية إذا أُسند إلى النبي الاَكرم وإلاّ فالاِمام الباقر _ عليه السلام _ في غنى عن الاِسناد إليه وهو معدن علم النبي وموئله وهكذا أبناوَه المعصومون.

هذا هو حال أئمة أهل البيت وأمّا العلماء المنتمون إليهم بالنسب كالحسنيّين والحسينيّين فيصدرون عن معارفهم ويحتجون بأقوالهم وأفعالهم أيضاً وربّما ينقلون عن الغير ويسكنون إليهم وذلك لا للاِعراض عن أئمتهم، بل اقتداء بقول نبيهم _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «الحكمة ضالة الموَمن أين وجدها أخذها» ولاَجل ذلك نرى أنّ زيد الثائر أخذ الحديث عن غيرهم، كما أخذ عنه الكثيرون من المحدّثين والفقهاء. وإليك بيان هذا الفصل من فصول حياته.

مشايخه :

كان لزيد الثائر تنقلات وسفرات كثيرة بين المدن الاِسلامية بين المدينة ومكّة، والحجاز والشام والعراق، ففي هذه الرحلات أخذ العلم والحديث عن لفيف، وإليك أسماء مشايخه أوّلاً، ثم تلامذته.

روى عن: أبان بن عثمان بن عفان، وعبيد اللّه بن أبي رافع، وعروة بن الزبير، وأبيه علي بن الحسين زين العابدين _ عليه السلام _، وأخيه أبي جعفر محمد بن علي الباقر _ عليه السلام _ (1).


(1) المزي: تهذيـب الكمال: 10|96، الذهبي: سير أعلام النبلاء: 5|389 ، تاريخ الاسلام القسم المختص بحوادث (سنة 121ـ 141)ص105، ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب:3|419.

(107)

تلامذته:

روى عنه: الاَجلح بن عبد اللّه الكندي، وآدم بن عبد اللّه الخثعمي، وإسحاق بن سالم، وإسماعيل بن عبد الرحمان السدي، وبسام الصيرفي، وأبو حمزة ثابت بن أبي صفية الثمالي، وابن أخيه جعفر بن محمد بن علي الصادق، وابنه حسين بن زيد بن علي، وخالد بن صفوان، وأبو سلمة راشد بن سعد الصائغ الكوفي، وزبيد اليامي، وزكريا بن أبي زائدة، وزياد بن علاقة، أبو الجارود زياد بن المنذر الهمداني، وسعيد بن خثيم الهلالي، وسعيد بن متصور المِشرفي الكوفي، وسليمان الاَعمش، وشعبة بن الحجاج، وعباد بن كثير، وعبد اللّه بن عمر بن معاوية، وعبد اللّه بن عيسى بن عبد الرحمان بن أبي ليلى، وعبد الرحمان بن الحارث ابن عياش بن أبي ربيعة المخزومي، وعبد الرحمان بن أبي الزناد، وعبيد اللّه بن محمد ابن عمر بن علي بن أبي طالب، وعبيد بن اصطفى، وأبو هريرة عُريف بن درهم، وعمر بن موسى، وأبو خالد عمرو بن خالد الواسطي، وابنه عيسى بن زيد بن علي، وفضيل بن مرزوق، وكثير النواء، وكيسان أبو عمر القصار الكوفي، ومحمد ابن سالم، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري، والمطّلب بن زياد، وأبو الزناد موح ابن علي الكوفي، وهارون بن سعد العجلي، وهاشم بن البريد (1) .

ثم إنّ علاّمة صنعاء السياغي فصل من يروي عنه من أولاده عمّن ليس منهم، فقال:

تلامذته: أولاده السادة الاَبرار:

عيسى بن زيد، ومحمد بن زيد، وحسين بن زيد، ويحيى بن زيد.


(1) جمال الدين المزي: تهذيب الكمال: 10|96. هذا ما ذكره جمال الدين، ونذكر المشهورين منهم في قائمة خاصة.

(108)

فعيسى بن زيد الاَوحد الذي أخذ عنه سفيان الثوري، وكان زاهد أهل زمانه وهو جد العراقيين.

ومحمد بن زيد، جد الذين ببلاد العجم.

وحسين بن زيد، جد المشهورين من ذرية زيد بن علي.

ويحيى بن زيد هو القائم بالاِمامة بعده.

مشاهير أصحابه الذين أخذوا عنه العلم :

ما نقلناه عن جمال الدين المزّي يهدف إلى مطلق من أخذ عنه العلم، سواء اشتهر بالاَخذ عنه أم لا وفي هذه القائمة نخص المشهورين وبين المذكورين في القائمتين من النسب الاَربع عموم وخصوص من وجه.

1 ـ منصور بن المعتمر بن عبد اللّه السلمي الكوفي مات سنة 132 هـ احتج به البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.

2 ـ هارون بن سعد العجلي أو الجعفي الكوفي وهو من شيوخ مسلم.

3 ـ معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الاَنصاري استشهد مع الاِمام زيد وصلب معه.

4 ـ أبو الجارود زياد بن المنذر الهمداني وهو الذي تنسب إليه الجارودية الزيدية.

5 ـ الحسن بن صالح وأخوه.

6 ـ علي بن صالح وكلاهما بتريان، لاحظ رجال الكشي برقم 108.

7 ـ هاشم صاحب البريد وقد جاء في سند الكافي في باب معرفة الاَئمة يروي عن الصادق _ عليه السلام _ لاحظ تنقيح المقال: 3|288.


(109)

8 ـ محمد بن عبد الرحمان بن أبي ليلى من أصحاب الاِمام الصادق ـ عليه السلام ـ لاحظ تنقيح المقال: 3|136.

9 ـ سلمة بن كهيل أحد المبايعين لزيد له ترجمة في رجال الكشي برقم: 205.

10 ـ عمرو بن خالد الواسطي راوي مسنده وستوافيك ترجمته عند البحث عن آثار زيد العلمية.

11 ـ إسماعيل بن عبد الرحمان السدّي من كبار علماء الكوفة مات سنة 127هـ.

12 ـ أبو الزناد: موح بن علي الكوفي. له ترجمة في تهذيب الكمال: 1|456.

13 ـ سليمان بن مهران الاَعمش من كبار علماء الكوفة ولد سنة ستين وتوفي عام 148هـ.

14 ـ الاَجلح بن عبد اللّه الكندي. لاحظ تنقيح المقال: 1|266.

15 ـ معمر بن خثيم الهلالي له ترجمة في تنقيح المقال: 3|234.

16 ـ سعيد بن خثيم الهلالي له ترجمة في تنقيح المقال: 2|26.

17 ـ شعبة بن الحجاج بن ورد (83 ـ 160هـ) من العلماء كان ينتقل بين الكوفة والبصرة وواسط.

18 ـ قيس بن الربيع من أصحاب الصادقين _ عليهما السلام _ . تنقيح المقال: 3|31.

19ـ سفيان بن أبي السمط، اقـرأ ترجمتـه في تنقيح المقال: 2|38، بسقوط «أبي» من العبارة.

20 ـ محمد بن الفرات الجرمي. له ترجمة في رجال الكشي، برقم: 428.


(110)

21 ـ فضيل بن الزبير الرسان له ترجمة في تنقيح المقال: 2|13.

22 ـ عبد اللّه بن الزبير: أخو فضيل بن الزبير لاحظ رجال الكشي برقم: 287.

23 ـ سالم بن أبي حفصة ترجمه الكشي برقم 109.

24 ـ عبد اللّه بن عتيبة.

25 ـ زبيد اليامي (1)وهو من صغار التابعين توفي عام 221أو 421هـ.

هوَلاء مشاهير تلامذته، وأمّا غيره فقد أتى بأسمائهم العلاّمة السياغي في كتابه، فمن أراد فليرجع إليه، وقد تعرفت على ما ذكره جمال الدين المزّي في ذلك المجال (2)

ثم إنّ أولاد عبد اللّه بن الحسن بن الحسن المثنى الذين أخذوا من زيد عبارة عن:

1 ـ محمد بن عبد اللّه: النفس الزكية.

2 ـ إبراهيم بن عبد اللّه: النفس الرضية.

3 ـ إدريس بن عبد اللّه.

4 ـ يحيى بن عبد اللّه.

5 ـ السيد موسى بن عبد اللّه.

فهوَلاء أخذوا العلم عن أبيهم وعن زيد وبعض أصحابه أيضاً(3).

* * *


(1) السياغي: الروض النضير: 1|114 ـ 115.
(2) جمال الدين المزّي: تهذيب الكمال: 10|96.
(3) السياغي: الروض النضير: 1|115.

(111)

إنّ العلاّمة السياغي وغيره عدّوا كثيراً من فقهاء أهل السنّة ونسّاكهم من أتباع الاِمام زيد، وحاولوا بذلك شيوع إمامته والاقتداء به يوم ظهوره وخروجه، ولكن الموَيد لثورة زيد، غير كونه تابعاً لزيد في الاَُصول والفروع.

وهناك كلمة قيّمة لنشوان الحميري قد رفع بها الستر عن وجه الحقيقة وقال: «اجتمع طوائف الناس على اختلاف آرائهم على مبايعته، فلم يكن المعتزلي أسرع إليها من المرجىَ، ولا المرجىَ من الخارجي، فكانت بيعته ـ عليه السلام ـ مشتملة على فرق الاَُمّة على اختلافها (1).

إنّ أبا حنيفة إمام السنّة دعم خروج زيد بالمال، وأفتى بوجوب نصرة زيد وقد أرسل المال إليه، كما هو مذكور في غير واحد من المعاجم، مع أنه لم يكن تابعاً لزيد لا في الاَُصول ولا في الفروع.

حديث المنتمين إلى زيد :

إنّ لفيفاً من فقهاء أهل السنّة، كانوا يعانون من جور بني أُمية وطغيانهم، لمّا وقفوا على خروج زيد قاموا بدعمه وإمداده بالقول والعمل، فصاروا معروفين بالزيدية وما هم من الزيدية بشيء إلاّ تصويب خروج زيد، وإمداده، والزيدي عندنا، من يقتفيه في العقيدة والعمل.

وبذلك يظهر التأمل في بعض ما ذكره الحاكم الجشمي البيهقي (413 ـ 494هـ) في جلاء الاَبصار.

قال: وعن محمد بن زيد قال: بعث أبو حنيفة ـ رحمه اللّه ـ إلى زيد بن علي _ عليهما السلام _ بمال، وقال: استعن به على ما أنت فيه. وعن فضيل ابن الزبير قال: كنت رسول زيد بن علي إلى أبي حنيفة، فسألني من يأتيه من الفقهاء؟ فقلت:


(1) نشوان الحميري: الحور العين: 185.ولكلامه صلة سيوافيك.

(112)

سلمة بن كهيل ويزيد بن أبي زياد وهارون بن سعد وأبو هاشم الرماني وحجاج ابن دينار وغيرهم كثير. وعن شعبة قال: سمعت الاَعمش يقول: واللّه لولا ضرارة بي لخرجت معه، واللّه ليُخذُلنَّه واللّه ليُسلمُنَّه كما فعلوا بجده وعمه. وعن عقبة بن إسحاق السلمي قال: كان منصور بن المعتمر يدور على الناس يأخذ البيعة لزيد ابن علي. وعن ليث قال: جاءنا منصور يدعونا إلى الخروج مع زيد بن علي. وعن حماد بن زيد وذكر سفيان الثوري فقال: كان ذاك زيدياً، وعن أبي معاوية وذكر عنده سفيان فقال: نحن أعرف بهذا منكم، كان سفيان من هذه الشيعة وكان منصور يأخذ البيعة لزيد بن علي. وذكر السيد أبو طالب بإسناده عن أبي عوانة قال: كان سفيان زيدياً، وكان إذا ذكر زيد بن علي يقول: بذل مهجته لربّه، وقام بالحقّ لخالقه، ولحق بالشهداء المرزوقين من آبائه. وقال أبو عوانة: كان زيد بن علي يرى الحياة غراماً، وكان ضجراً بالحياة. وعن الواقدي قال: كان سفيان زيدياً. وعن النضر بن حميد الكندي قال: شهدت سعد بن إبراهيم بالمدينة حين نعي إليه زيد بن علي _ عليهما السلام _، فبكى واشتد حزنه واشتد جزعه، وتخلف في منزله يعزّى بعد سبعة أيام، فسمعته يقول: ما خلف مثله. وعن الصادق ـ يعني جعفر بن محمد _ عليهما السلام _ ـ: «عمي زيد خرج على ما خرج عليه آباوَه، ووددت أنّي استطعت أن أصنع كما صنع عمي، فأكون مثل عمي، من قتل مع زيد كمن قتل مع الحسين ابن علي _ عليهما السلام _ » (1).

وعلى هذا الغرار قول ابن العماد الحنبلي، قال: وكان ممن بايعه منصور بن المعتمر، ومحمد بن عبد الرحمان بن أبي ليلى، وهلال بن خباب بن الاَرت وابن شبرمة ومسعر بن كدام وغيرهم(2)


(1) السياغي: الروض النضير: 1|104.
(2) ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب: 1|158.

(113)

إنّ القول بالتشيع يجمعه الاعتقاد، بخلافة الاِمام علي أمير الموَمنين عن النبي الاَكرم نصاً جليّاً أو خفياً كما يدّعيه بعض الزيدية، ولم يكن هوَلاء متشيعين بهذا المعنى نعم كانوا موَيدين ثورة زيد ومدعمين لها بألوان مختلفة.

حتى إنّ بعض الموَيدين لثورته، والمبايعين له، قد استقال بعد البيعة كما روى في حق كثير النواء حيث بايع فاستقال وأقاله زيد وقال:

للحرب أقوام لها خلقوا * وللتجارة والسلطان أقوام

خير البرية من أمسى تجارته * تقوى الاِله، وضرب يجتلي الهام (1)

الثناء عليه ممزوجاً مع المغالاة :

1 ـ روى المقريزي عن أحمد بن محمد بن الحسيـن بن زيد بن علي، قال: حدثنا أهلي أنّ زيداً _ عليه السلام _ ماتوسد القرآن منذ احتلم حتى قتل، وأمّا الصيام فكان يصوم يوماً ويفطر يوماً.

ولعله أراد بقوله: «ماتوسد القرآن» الكناية عن قيام الليل واستكمال قراءة القرآن في صلاة التهجد (2).

2 ـ قال نشوان الحميري في شرح «رسـالة الحور العين»: فلمّا شهر فضله وتقدمه وبراعته وعرف كماله الذي تقدم به أهل عصره اجتمع طوائف الناس على اختلاف رأيهم على مبايعته، فلم يكن الزيدي أحرص عليها من المعتزلي، ولا المعتزلي أسرع إليها من المرجىَ، ولا المرجىَ من الخارجي، فكانت بيعته ـ عليه السلام ـ مشتملة على فرق الاَُمّة مع اختلافهم. ولم يشذ عن بيعته إلاّ هذه الفرقة


(1) المفيد: الاختصاص: 128، ط 1379؛ المجلسي: البحار: 46|181.
(2) المقريزي: الخطط: 2|419، كما في الروض النضير: 1|99.

(114)

القليلة التوفيق ـ أخزاهم اللّه تعالى ـ قال: ومن الواضح الذي لا أشكال فيه أنّ زيد بن علي _ عليه السلام _ يُذكر مع المتكلمين إن ذكروا، ويُذكر مع الزهاد، ويُذكر مع الشجعان، وأهل المعرفة بالضبط والسياسة، فكان أفضل العترة لاَنّه كان مشاركاً لجماعتهم في جميع خصال الفضل، ومتميزاً عنهم بوجوه لم يشاركوه فيها، فمنها اختصاصه بعلم الكلام (1)، الذي هو أجلّ العلوم، وطريق النجاة، والعلم الذي لا ينتفع بسائر العلوم إلاّ معه، والتقدم فيه والاشتهار عند الخاص والعام. هذا أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ يصفه في صنعه الكلام ويفتخر به ويشهد له بنهاية التقدم، وجعفر بن حرب في كتاب «الديانة» وكثير من معتزلة بغداد كمحمد بن عبد اللّه الاِسكافي وغيره ينتسبون إليه في كتبهم، ويقولون نحن زيدية، وحسبك في هذا الباب انتساب المعتزلة إليه، مع أنّهاتنظر إلى سائر الناس بالعين التي تنظر بها ملائكة السماء إلى أهل الاَرض مثلاً. فلولا ظهور علمه وبراعته وتقدمه على كل أحد في فضيلته لما انقادت إليه المعتزلة (2).

المغالاة في علمه وفقهه :

إنّ الغلو هو الخروج عن الحد، قال سبحانه: "يا أهْلَ الكِتابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُوُُلوا على اللّهِ إلاّ الحَق") (النساء ـ 171) . وقال سبحانه: "قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الحَق") (المائدة ـ 77) . وقال الاِمام علي ـ عليه السلام ـ وهو يصف الغلوّ وخلافه يقول: الثناء بأكثر من الاستحقاق ملق، والتقصير عن الاستحقاق عي أو حسد» (3).


(1) سيوافيك أنّه لم يوَثر من زيد، أي رأي كلامي وإنّ تتلمذه على واصل غير ثابت.
(2) السياغي: الروض النضير: 1|101، لاحظ شرح رسالة الحور العين: 185.
(3) الرضي: نهج البلاغة: قسم الحكم، برقم 347.

(115)

المغالا ة في أي موضوع من الموضوعات تلازم الكذب أوّلاً، والاِغراء بالجهل ثانياً، وبخس الحق ثالثاً إلى غير ذلك من المضاعفات، من غير فرق بين أن يتعلق بأمر ديني أو غيره، وهنا نذكر شيئاً مما قيل في حقّه من المغالاة:

1 ـ اتفقت كلمة أصحاب المعاجم على أنّ زيداً، أخذ عن والده وأخيه محمد الباقر _ عليهما السلام _ ولم ينكر أحد ذلك وقد تخرج من مدرسة أخيه عشرات المحدثين والفقهاء والمتكلمين، لا يشق غبارهم ولا يدرك شأوهم غير أنّ هناك من يروقه الحط عن مكانة أئمة أهل البيت، أو الخضوع للعاطفة، أو الحسد لمنزلة أبي جعفر الباقر _ عليه السلام _ فلا يرضى إلاّ بترفيع زيد عليه، يقول: لقد علم زيد، القرآن من حيث لم يعلمه أبو جعفر، قلت: وكيف ذلك؟ قال: لاَنّ زيداً علم القرآن، وأُوتي فهمه. وأبو جعفر أخذ من أفواه الرجال. قال الديلمي: وقد قيل لاَبي جعفر: باقر علم الاَنبياء والعالم ورأس الشيعة في زمانه. وعنه: واللّه لقد علمت أهل بيتي فما علّمت أفضل من زيد بن علي ولقد استوسقت له الفضائل، واجتمع له الخير، وكمل فيه الحقّ فما يساميه أحد إلاّ والحقّ ينكسه ويزهقه (1).

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ زيداً من علماء أهل البيت وأفاضلهم، وهو علم القرآن وأُوتي فهمه، ولكنه من أين أخذ علمه هل أخذ عن أبيه زين العابدين، وأخيه باقر العلوم _ عليهما السلام _ فإذاً تنتفي المغالاة، أو من غيرهما، ومن هو ذاك الغير الذي علّم زيداً، وصار زيد في علم القرآن عيالاً عليه، وبرع وترعرع وتقدم على أئمة أهل البيت _ عليهم السلام _ ؟!

وثانياً: ما مصدر هذه الاَُكذوبة من أنّ أبا جعفر _ عليه السلام _ أخذ من أفواه الرجال، إذ لم يأت في أي مصدر من المصادر، إنّ الاَئمة الاثني عشر ـ عليهم


(1) الروض النضير: 1|101 وهذا القضاء الجائر نسبه الديلمي في مشكاة الاَنوار إلى عبد اللّه بن محمد ابن علي بن الحنفية.

(116)

السلام ـ حضروا مجلس درس أحد من الصحابة والتابعين والعلماء، نعم ربّما روى بعضهم حديثاً عن الرسول مسنداً إلى بعض الصحابة أو التابعين وهو غير الدراسة والتعلّم لديهم.وقد مضى وجه النقل عنهم.

هذا هو ابن سعد يعرّفه بقوله: «محمّد الباقر من الطبقة الثالثة من التابعين كان عالماً عابداً ثقة، روى عنه الاَئمة أبو حنيفة وغيره. وقال عطاء: ما رأيت العلماء عند أحد أصغر علماً منهم عند أبي جعفر، لقد رأيت الحكم عنده كأنّه مغلوب، ويعني بالحكم، الحكم بن عتيبة، وكان عالماً نبيلاً جليلاً في زمانه» (1).

أفمن يسلم عليه النبي عن طريق جابر يقول جابر: كنت جالساً عند رسول اللّه والحسين في حجره وهو يداعبه فقال _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «ياجابر يولد مولود اسمه علي إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقوم سيد العابدين فيقوم ولده، ثم يولد له ولد اسمه محمد، فإن أدركته يا جابر فاقرأه منّي السلام» (2).

يقول المفيد: لم يظهر عن أحد من ولد الحسن والحسين _ عليهما السلام _ في علم الدين والآثار والسنّة وعلم القرآن والسيرة وفنون الآداب ما ظهر من أبي جعفر الباقر _ عليه السلام _ وروى عنه معالم الدين، بقايا الصحابة ووجوه التابعين وفقهاء المسلمين، وسارت بذكر كلامه الاَخبار وانشدت في مدائحه الاَشعار (3).

وبذلك يظهر حال ما رواه الذهبي وغيره عن الاِمام الصادق _ عليه السلام _ أنّه عرف عمه بقوله: «كان واللّه أقرأنا لكتاب اللّه وأفقهنا في دين اللّه، وأوصلنا


(1) سبط ابن الجوزي: تذكرة الخواص: 1|302.
(2) المصدر نفسه: 3. 3، أخرجه أيضاً ابن حجر في لسان الميزان: 5|198، وابن حجر الهيثمي في الصواعق المحرقة: 199، والمناوي في الكواكب الدّريّة: 1|164 وغير ذلك.
(3) المفيد: الارشاد: 261 ـ 262.

(117)

للرحم ما تركنا وفينا مثله» (1)ولو صح الحديث لحمل على التفضيل النسبي بالنسبة إلى سائر الهاشميين.

تطرف بعد تطرف:

ومن ذلك ما يرويه حميد بن أحمد المحلي قال: روينا بالاسناد الموثوقة أيضاً أنّ زيد بن علي _ عليهما السلام _ سأل محمد بن علي الباقر _ عليهما السلام _ كتاباً كان لاَبيه، قال: فقال له محمد بن علي: نعم، ثم نسي ولم يبعث إليه، فمكث سنة ثم ذكر، فلقى زيداً فقال: أي أخي ألم تسأل كتاب أبيك؟ قال: بلى. قال: واللّه ما منعني أن أبعث به إلاّ النسيان. قال: فقال له زيد: وقد استغنيتُ عنه. قال: تستغني عن كتاب أبيك؟ قال: نعم استغنيت عنه بكتاب اللّه، قال: فاسألك عما فيه؟ قال له زيد: نعم، قال: فبعث محمداً إلى الكتاب، ثم أقبل فسأله عن حرف حرف وأقبل زيد يجيبه حتى فرغ من آخر الكتاب، فقال له محمد: واللّه ما حرمت منه حرفاً واحداً (2) .

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ ظاهر الحديث أنّ اللقاء بين الاَخوين كان بعيداًبشهور غير متقارب كما هو ظاهر قوله: فمكث سنة ثم ذكر فلقى زيداً، وهذا ما لا تعطيه ظروف الحياة في المدينة المنورة.

وثانياً: أنّ ما نقله عن زيد من حديث الاستغناء إنّما يصح لو كان الكتاب، كتاباً عادّياً غير مرتبط بتفسير القرآن وحل معضلاته ومشكلاته، أو مبيّناً لمخصصاته ومقيداته، ولكن الظاهر أنّ الكتاب كان على خلاف ذلك ومع ذلك كيف يمكن الاستغناء عنه بالقرآن.


(1) جمـال الدين المزي، تهذيب الكمال في أسماء الرجال: 10|98، الذهبي: سير أعلام النبلاء: 5|390وتاريخ الاِسلام (حوادث ـ 121 ـ 140هـ) ص 106.
(2) الحدائق الوردية: 140.

(118)



(119)

الفصل الخامس

الآثار العلمية الباقية عن زيد

كان وليد البيت العلوي، مفسّراً للقرآن، عارفاً بالسنّة، ترك آثاراً علمية إمّا أملاها على تلاميذه، أو حرّرها بقلمه ويراعه ونأتي في المقام بما وقفنا عليه من الآثار:

1 ـ المجموع الفقهي.

2 ـ المجموع الحديثي.

نسب إلى زيد المجموع الفقهي تارة والحديثي أُخرى، والمسند ثالثة. روى الجميع أبو خالد عمرو بن خالد الواسطي غير أنّ الكتب الثلاثة هي المطبوعة باسم المسند، وأمّا تسميته بالحديثي والفقهي فلاَجل أنّ الكتاب يتضمّن روايات عن زيد عن آبائه كما يتضمن آراء له فلو كان الكتابان في بدء الاَمر مختلفين فهو في المطبوع كتاب واحد، وأمّا توصيفه بالمسند لاَنّ ما في الكتاب يحتوي رواياته عن آبائه، وقد جمع ـ ما رواه أبو خالد عن زيد ـ عبد العزيز بن إسحاق بلا تبويب شأنَ المسانيد، وبوبّه بعد قرون الحسين بن يحيى بن إبراهيم الديلمي في سنة 1201هـ وكان قبل التبويب مجزّأ على ستة أبواب على أصل الجامع له، والمطبوع


(120)

هو ما بوبّه الديلمي.

والناظر في المجموع الحديثي يميز الحديث عن المجموع الفقهي فنرى في كتاب الطهارة باب ذكر الوضوء لونين من الكلام.

أ: حدثني زيد بن علي بن الحسين (عن أبيه سقط عن المطبوع) عن جده الحسين بن علي إلى أن قال: رأيت رسول اللّه توضّأ فغسل وجهه.

ب: وسألت زيداً بن علي عن الرجل ينسى مسح رأسه حتى يجفّ وضووَه.

ومثل الثاني إذا قال: وقال زيد بن علي رضي اللّه عنه «المضمضة والاستنشاق سنّة ...»

والقسم الاَوّل حديث، ولكن الثاني وما يليه، من المجموع الفقهي.

وأخبار المجموع النبويةُ المرفوعة مائتا حديث وثمانية وعشرون حديثاً.

والعلوية ثمانمائة وعشرون خبراً.

وقد تلقاها أئمة الزيدية بالقبول وقالوا: هو أوّل كتاب جمع في الفقه وقال منهم:

زيد يزيد على الورى * في أصله وفروعه

فالفضل مجموع به * والعلم في مجموعه

وقد شرحه لفيف من الزيدية أوسعها شرح القاضي العلامة شرف الدين الحسين بن أحمد السياغي الحيمي اليمني الصنعاني، ولد بصنعاء سنة 1180 هـ وتوفي سنة 1221هـ، أسماه «الروض النضير في شرح مجموع الفقه الكبير»، وقد طبع طبعتين، الطبعة الثانية محقّقة طبع عام 1388هـ، وشرحه هذا يشتمل على تخريج الاَحاديث وشرحها واستنباط الاَحكام المأخوذة منها مع ذكر أقوال العلماء


(121)

في مسائل الخلاف والتكلّم في ما عارضها من الاَحاديث بالجمع أو الترجيح، والكتاب يدلّ على سعة باعه واتقانه الفقه والاَُصول (1).

والشارح وإن جعل المحور، مسند الاِمام زيد، لكنه يستدل على ما ورد فيه شيء بالطرق المألوفة في الفقه السنّي من الاحتجاج بما ورد في الصحاح والمسانيد من مراسيل وموقوفات للصحابة وبأُمور لا تعترف بها أئمّة أهل البيت من القياس وغيره، ولذلك أصبح الكتاب أشبه بفقه أهل السنّة، ولاَجل ذلك يقول الشيخ محمّد بخيت المطيعي الحنفي المصري في تقريظه على الكتاب: «وهو موافق في معظم أحكامه لمذهب الاِمام الاَعظم أبي حنيفة النعمان وماذا عنى أن تقول في كتاب يوافق ما فيه، ما بكتبنا ومذاهبنا» (2)وسوف ندرس المجموع من حيث الاعتبار في الفصل القادم.

* * *

3 ـ تفسير غريب القرآن :

الغريب من الغرابة وهي الغموض والخفاء، فالغريب هو الغامض من الكلام وكان النبي الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ والاِمام علي _ عليه السلام _ وتلميذه ابن عباس وغيرهم من الصحابة يفسّرون غريب القرآن الكريم وقد جاء في أسئلة نافع بن الاَزرق( 277) سوَالاً وجّهها هو وزميله إلى ابن عباس، وأجاب عنها (3) .

ولعل أوّل من ألّف في غريب القرآن هو أبان بن تغلب بن رياح البكري (ت


(1) لاحظ ما كتب حول الكتاب بقلم عدّة من الاَعلام في مقدمته، ط2، مكتبة الموَيد، الطائف، 1388هـ ـ 1968م.
(2) الروض النضير: 17، المقدمة.
(3) السيوطي: الاتقان: 2|69ـ 104.

(122)

141هـ) من أصحاب الاِمام السجاد والباقر والصادق _ عليهم السلام _ وكانت له عندهم منزلة، وله قراءة مفردة مشهورة عند القراء (1).

لكن لو صحت نسبة تفسير غريب القرآن المطبوع حديثاً لزيد، المحقّق على يد فضيلة الدكتور حسن محمد تقي الحكيم، لَسبقه زيد في التأليف، فهو أوّل باكورة في هذا النوع ظهر في الصعيد الاِسلامي، ويظهر من مقارنة هذا الكتاب مع كتاب المجاز لاَبي عبيدة (ت 212هـ) الذي ألّفه في غريب القرآن أنّه كان لهذا الكتاب تأثير بالغ في كتاب أبي عبيدة مباشرة أو بالوساطة (2).

والكتاب يبتدىَ من سورة الفاتحة وينتهي بسورة الناس ويركز في التفسير على الغريب ولذلك لا يذكر من آيات السورة إلاّ ما هو موضع نظره.

وردت نسبة الكتاب إليه في بعض الكتب مثلاً:

1 ـ جاء في كتاب الاَمالي لابن الشجري: قال الاِمام أبو الحسين زيد بن علي _ عليهما السلام _ في تفسير الغريب.

2 ـ جاء في طبقات الزيدية لصارم الدين في ترجمة حياة أبي خالد قوله: وروي عن أبي خالد تفسير الغريب للاِمام زيد بن علي، عطاء بن السائب.

3 ـ جاء في كتاب الروض النضير: روى عن أبي خالد تفسير الغريب للاِمام زيد بن علي، عطاء بن السائب (3).

ونستطيع أن نوَيد نسبة الكتاب إلى الاِمام الثائر بالرجوع إلى المواضع التي يمكن أن يظهر فيها مذهبه وعقيدته.


(1) النجاشي: الرجال: 1|73 برقم 6، السيوطي: بغية الوعاة: 76.
(2) عن مقدمة المحقّق ص55، ثم ذكر دلائل التأثير بشكل واضح.
(3) تفسير غريب القرآن، مقدّمة المحقّق ص48 وذكر مصادر ما نقل.

(123)

ومن تلك الآيات آية البلاغ، فهو يقول في تفسير قوله: "يا أيُّـها الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإن لَم تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ واللّهُ يَعصِمُكَ مِنَ النّاس") قال زيد بن علي _ عليهما السلام _ : هذه لعلي بن أبي طالب صلوات اللّه عليه خاصة: "واللّه يعصمك من الناس") أي يمنعك منهم (1).

ومنها آية الذكر، قال في تفسير قوله سبحانه: "فَسْئَلُوا أهْلَ الذِّكْر") (النحل ـ 43) قال الاِمام زيد بن علي _ عليهما السلام _: نحن أهل الذكر (2).

فالتفسيران يوَيدان أنّ الكتاب لشيعي يرى النص لعليّ يوم الغدير، ويرى أنّ المرجع بعد الكتاب والرسول، هو عترته.

كما يعلم كونه نافياً للروَية التي كانت يوم ذاك عقيدة أصحاب الحديث. يقول في تفسير قوله: "وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ * إلى رَبِّها ناظِرَة") (القيامة: 22 ـ 23) معناه مشرقة وناضرة: منتظرة للثواب (3).

هذه نظرة عابرة إلى التفسير، ولو قرىَ بإمعان ودقة، يتبين أن التفسير لمن تربّى في أحضان أئمة أهل البيت والعترة الطاهرة _ عليهم السلام _.

4 ـ الصفوة :

والكتاب، دراسة قرآنية هادئة يتبنى بيان فضائل أهل البيت ـ عليهم السلام ـ، وتقديمهم على سائر الناس في مختلف المجالات، وإنّ السبب لدبيب الفساد بين المسلمين صرف القيادة عنهم، ودفعها إلى غيرهم. حقّقه الكاتب ناجي حسن، طبع في مطبعة الآداب في النجف الاَشرف بلا تاريخ، اعتمد في التصحيح


(1) تفسير غريب القرآن، ص129، ط بيروت، 1412هـ.
(2) تفسير غريب القرآن: ص 18 و 359.
(3) تفسير غريب القرآن: ص 18 و 359.

(124)

على تصوير نسخة واحدة محفوظة بمكتبة المتحف البريطاني تحت رقم 203 زيدية.

رواها أبو الطيب علي بن محمد بن مخلد الكوفي:

قال: حدثني إسماعيل بن يزيد العطارد.

قال: حدثنا حسين بن نصر بن مزاحم المنقري

قال: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن الحكم بن ظهير الفزاري

قال: حدثني أبي وحماد بن يعلى الثمالي

عن أبي الزناد، وأصحاب زيد بن علي عن زيد بن علي _ عليه السلام _ أوّله:

أمّا بعد فإنّي أُوصيك بتقوى اللّه الذي خلقك ورزقك.

5 ـ رسالته إلى علماء الاَُمّة :

نشرت ـ موَخراً ـ رسـالة بهذا الاسـم عن دار التراث اليمني في صنعـاء، حقّقها محمد يحيى سالم غفران وهي الرسالة التي بعثها الاِمام الثائر إلى علماء الاَُمّة مبيّناً فيها تفاصيل دعوته وبيان أهدافه التي خرج مجاهداً من أجلها وهي تعطي صورة واضحة من روح ثورية للاِمام، وتمرد على الحكم الاَموي، وصياح على علماء السوء الذين كان لهم الدور البارز في تخدير حماس الجماهير، وتشويه مفاهيم الدين، وتثبيت ملك الظالمين.

وبما أنّ للرسالة أثرها الرسالي الجهادي الحماسي وتمثل الهدف الاَمثل لنضال الاِمام وكفاحه وتمرّده على الحكم الاَموي نشرناها في الفصل الثالث مشفوعاً بالشكر للناشر والمحقّق، وقد حقّقها عن نسخ أربع، قدّم تفاصيلها في المقدمة، وشفّعها بذكر موارد اقتبس العلماء من هذه الرسالة مع نسبة ما اقتبسوه إلى الاِمام.


(125)

6 ـ منسك الحج أو مناسك الحج

رسالة في بيان أعمال الحجّ ومناسكه نشره العلاّمة السيد محمد علي الشهرستاني ببغداد سنة 1342هـ و يوجد من الكتاب نسخ مخطوطة في مكتبة برلين برقم 10360 وغيرها (1).

هذه هي الآثار المنشورة التي وقفنا على نشرها وطبعها وقرأناها وهناك آثار له لم تنشر إلى الآن أو نشرت ولم نقف على نشرها ومنها نسخ في المكتبات والمتاحف، وقد بذل الدكتور حسن محمد تقي الحكيم محقّق تفسير غريب القرآن لزيد جُهداً في الوقوف على تلك الآثار نقتبس من مقدمته ما يلي:

7 ـ رسالـة في أثبات وصيـة أمير الموَمنين وإثبات إمامته وإمامة الحسن والحسين وذريتهما، توجد نسخة منها في مكتبة برلين برقم 9681(الاَوراق 16ب ـ 19ب، من سنة 850 هـ تقريباً) (2)وقال: توجد عندي صورة منها.

8 ـ رسالة في أجوبة زيد بن علي، على مسائل لاَخ له من أهل المدينة، توجد في مكتبة وهبي457|4 (الاَوراق 81ب ـ 84ب، من القرن العاشر الهجري)(3).

9 ـ رسالة في الاِمامة إلى واصل بن عطاء. توجد في مكتبة وهبي457|2 (الاَوراق 77 ب ـ 78 ب من القرن العاشر الهجري)(4)

10 ـ تثبيت الاِمامـة. مخطوطة المتحف البريطاني ملحق 336 ،مخطوطات شرقية رقم 3971 (الاَوراق 25 ـ 28 من سنة 1215هـ) وتوجد أيضاً في مكتبة


(1) لاحظ مقدّمة تفسير غريب القرآن لمحقّقها الدكتور حسن محمد تقي الحكيم: 43.
(2) انظـر تاريخ الاَدب العربي لبروكلمان: 3|324 ؛ وتاريخ التراث العربي: الجزء 3 من المجلد 1|324؛ والروض النضير: 1|117.
(3) انظر تاريخ التراث العربي: ج 3 من المجلَّد 1|326، منشورات مكتبة آية اللّه المرعشي النجفي.
(4) انظر تاريخ التراث العربي: ج 3 من المجلَّد 1|326، منشورات مكتبة آية اللّه المرعشي النجفي.

(126)

أمبروزيانا في ميلانو بإيطاليا رقم 74أ (الاَوراق 78أ ـ 188 ب من سنة 1035هـ)(1).

11 ـ تفسير سورة الفاتحة وبعض آيات القرآن. يوجد في مكتبة برلين رقم 10224( الاَوراق 9 ـ 16 من حوالي سنة 850 هـ)(2)

12 ـ رسالة في حقوق اللّه. توجد في مكتبة الفاتيكان رقم 1027 (الورقتان 130 ـ 131، من سنة 1332 هـ) وتوجد أيضاً في مكتبة وهبي رقم 457|3 (الاَوراق 78 ب ـ 81أ ، القرن العاشر الهجري) (3).

13 ـ الرد على المرجئة. يوجد هذا الكتاب مخطوطاً في مكتبة برلين رقم 10265 (الاَوراق من 1 ـ 116، من حوالي سنة 850هـ)(4)

14 ـ قراءة زيد بن علي. يوجد الكتاب في مكتبة امبروزيانا في (ميلانو) في إيطاليا، رقم 289ف.

هذه هي الكتب الباقية من ثائرنا ولعل اللّه سبحانه يقيض رجال العلم لنشر ما بقي من آثاره وربما يذكر له رسائل، عفى عليها الزمان فالاَولى عطف عنان البحث، على دراسة مجموعه الفقهي والحديثي، حتى نقوّمهما سنداً ومتناً في الفصل الآتي.


(1) أُنظر تاريخ الاَدب العربي لبروكلمان: 3|324؛ وتاريخ التراث العربي: الجزء 3 من المجلد 1|324.
(2) أُنظر تاريخ الاَدب العربي لبروكلمان: 3|323؛ وتاريخ التراث العربي: الجزء 3 من المجلد: 1|323.
(3) أُنظر تاريخ الاَدب العربي لبروكلمان: 3|324؛ وتاريخ التراث العربي: المجلد 1 الجزء 3|326 و 323؛ وتفسير غريب القرآن: 41، المقدمة.
(4) أُنظر تاريخ الاَدب العربي لبروكلمان: 3|324؛ وتاريخ التراث العربي: المجلد 1 الجزء 3|326 و 323؛ وتفسير غريب القرآن: 41، المقدمة.


(127)

الفصل السادس

دراسة مسند الاِمام زيد

سنداً ومضموناً

لقد وقفت على الآثار الباقية من الاِمام زيد، والمهُم منها هو مجموعه الفقهي والحديثي الذي اشتهر باسم المسند للاِمام زيد، فتلزم علينا دراسته من حيث الاعتبار، وما فيه بعض المخالفة لفقه أهل البيت، أعني: الصادقين ومن بعدهم فنقول:

روي المجموعُ عن الاِمام زيد بالسند التالي:

1 ـ حدثني (1) عبد العزيز بن إسحاق بن جعفر بن الهيثم القاضي البغدادي قال:

2 ـ حدثنا أبو القاسم علي بن محمد النخعي الكوفي. قال:

3 ـ حدثنا سليمان بن إبراهيم بن عبيد المحاربي. قال:

4 ـ حدثني نصر بن مزاحم المنقري العطار قال:

5 ـ حدثني إبراهيم بن الزبرقان التيمي قال:

6 ـ حدثني أبو خالد الواسطي رحمهم اللّه تعالى قال:


(1) والقائل هو علي بن العباس الذي هو أحد الرواة عن عبد العزيز جامع المجموع.

(128)

7 ـ حدثني زيد بن علي بن الحسين عن أبيه: علي بن الحسين، عن جده الحسين بن علي، عن أمير الموَمنين علي بن أبي طالب _ عليهم السلام _.

وقد وصلنا المجموع بهذا السند وهو مذكور في صدره (1)وفي الصفحة التي تلي آخر الكتاب (2).

وقد ذكر شارح المجموع شرف الدين الحسين بن أحمد السياغي (1180 ـ 1221هـ) سنده إلى الكتاب، فأخذ أوّلاً بذكر أُستاذه وشيخه أبي يوسف الحسين ابن يوسف (3) إلى أن انتهى إلى أبي القاسم علي بن محمد النخعي الآنف ذكره، غير أنّ المهم دراسة وثاقة هوَلاء المشايخ الذين تنتهي إليهم رواية المسند في جميع الاَعصار فنبتدىَ بدراسة حال من وقع في أوّل السند.

أ ـ عبد العزيز بن إسحاق بن البقال:

قال الذهبي: كان في حدود الستين وثلاثمائة قال ابن أبي الفوارس الحافظ: له مذهب خبيث، ولم تكن في الرواية بذاك، سمعت منه أحاديث رديّة.

قلت: له تصانيف على رأي الزيدية عاش تسعين عاماً. ثم روى الذهبي عنه بإسناده الحديث التالي:

قال: إنّ نزول اللّه إلى الشيء إقباله عليه من غير نزول، ثم وصفه بأنّ إسناده مظلم ومتنه مختلق (4).

لانستطيع أن نساير ابن أبي الفوارس في قوله: «له مذهب خبيث» ولم يكن مذهبه سوى محبته لآل البيت أو دعمه مبدأ الخروج على بني أُمية الذي لا يروق


(1) مسند الاِمام زيد: 247.
(2) المصدر نفسه: 282.
(3) توفّي بصنعاء سنة 1231هـ عن ثمانين سنة.
(4) الذهبي: ميزان الاعتدال: 2|623 برقم 5083.

(129)

السلفيّين ومن لف لفّهم، فإنّ مذهبهم هو المماشاة مع الظالمين و السكوت أمام ظلمهم، وعدم الخروج عليهم.

كما لا نستطيع أن نساير الذهبي حيث وصف اسناد حديثه بالظلمة ومتنه بالاختلاق، وما هذا إلاّ لاَنّ الذهبي يتظاهر بالتنزيه، ولكن يعتنق لبّاً التجسيم بشهادة أنّ كتبه تمدح المجسمةومن يثبت للّه الحركة والجهة من أوصاف الجسم وإذا ذكر المشبهة أطال الكلام فيهم بالمدح والوصف، وربّما سود صحائف في حقهم خصوصاً في كتابه «سير أعلام النبلاء» وأمّا إذا بلغ إلى أهل التوحيد والتنزيه فلا يخرج إلاّ بالهمز واللمز وهو دأبه يلمسه كل دوَوب على مطالعة رجاله وتاريخه.

والحديث لما كان على طرف النقيض من عقيدته، وصف اسناده بالظلمة ومتنه بالاختلاق، صدق اللّه العلي العظيم حيث قال: "كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُون") .

وأمّا الشيعة فقد ورد في كتبهم ذكر في حقّ عبد العزيز بن إسحاق البقال فعنونه الشيخ في رجاله في باب من لم يرو عنهم _ عليهم السلام _ قال: عبد العزيز بن إسحاق بن جعفر الزيدي البقال الكوفي وكان زيدياً يكنى أبا القاسم سمع منه التلعكبري سنة ست وعشرين وثلاثمائة (1).

وقال في الفهرست: عبد العزيز بن إسحاق له كتاب في طبقات الشيعة، وعنونه ابن داود في القسم الثاني (2)من رجاله، ومعنى كونه من القسم الثاني أنّه ممن ورد فيه ذم وإن كان ورد فيه مدح عن آخرين.كما عنونه العلاّمة في هذا القسم (3) من كتابه الخلاصة، ومعناه أنّه لا يعمل برواياته.


(1) الطوسي: الرجال: 483، باب من لم يرو عنهم، برقم 37.
(2) القسم الثاني من كتابه مختص بمن ورد فيه أدنى جرح، ولو كان أوثق الثقات وعمل بخبره.
(3) القسم الثاني: من كتابه مختص بمن لايعمل بروايته ومن لايعمل بروايته أعم من كونه مطعوناً أو لا.

(130)

ومع ذلك نرى أنّ الشيخ أبا زهرة يقول: إنّ الرجل موضع طعن جمهور المحدثين من أهل السنّة كما أنّه موضع طعن الاِمامية، لكنه موضع تقدير وتوثيق الزيدية أجمعين (1).

وما ذكره أخيراً حقّ لا غبار عليه لكن ما نسبه إلى الاِمامية لا مصدر له سوى أنّه ورد في القسم الثاني من رجال العلاّمة وابن داود وقد عرفت في التعليقة معنى ذلك.

وأمّا الزيدية فقد اتفقوا على وثاقته وقالوا: أبو القاسم عبد العزيز بن إسحاق بن جعفر البغدادي البقال شيخ الزيدية ببغداد. قال في الطبقات: روى مجموع الاِمام زيد بن علي _ عليه السلام _ الفقهي الكبير المرتب المبوب عن علي بن محمد النخعي، وقد سمع منه أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن الحسن الحسني سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة. وقال في مطلع البدور: هو شيخ الزيدية ببغداد، والعراق، وكان عالماً محدثاً حافظاً، وقال في غيره: كان علاّمة كبيراً وفاضلاً شهيراً، سمحاً، عالماً زاهداً، سعيداً ولياً لآل محمّد، رأساً في العلوم، مهيمناً على المظنون والعلوم، له كتاب في إسناد مذهب الزيدية وتعدادهم، وذكر تلامذة زيد بن علي وأصحابه الذين أخذوا عنه العلم (2).

* * *

ب: أبو القاسم علي بن محمّد النخعي الكوفي:

وهو أُستاذ عبد العزيز بن إسحاق، ولم نجد له عنواناً في كتب الرجال للشيعة، وأمّا أهل السنة فقال الذهبي: علي بن محمد: أبو القاسم الشريف


(1) الاِمام زيد: 262.
(2) السياغي: الروض النضير: 1|61، ثم ذكر ترجمة الذهبي ونقده.

(131)

الزيدي الحراني شيخ القرّاء وتلميذ النقاش وثّقه أبو عمرو الداني، واتّهمه عبد العزيز الكتاني، ذكرته في طبقات القراء (1)وهل الترجمة للشيخ النخعي أو لغيره المشترك معه في الكنية والاسم واسم الاَب؟ احتمالان، نعم ذكر الذهبي في ترجمة عثمان بن أبي شيبة وقال: «يحيى» (2)بن محمد بن كاس النخعي قال: حدّثنا: إبراهيم بن عبد اللّه الحصاف، قال: قرأ علينا عثمان بن أبي شيبة تفسيره فقال: وجعل السفينة في رجل أخيه فقيل إنّما هو السقاية، فقال: أنا وأخي أبو بكر لا نقرّ لعاصم (3).

وقال في تذكرة الحفاظ: وفيها «سنة أربع وعشرين وثلاثمائة» توفي شيخ الحنفية علي بن كاس النخعي الكوفي (4).

وذكره في طبقات الحنفية فقال: علي بن محمد بن الحسن بن كاس الكاسي النخعي القاضي الكوفي، روى عن محمد بن علي بن عفان، وعنه أبو القاسم المطرزي والمستكي أُستاذ الضميري وله «الاَركان الخمسة» توفي أربع وعشرين وثلاثمائة (5) .

وعند ذلك يظهر لنا سر تلاقي الفقه الزيدي والفقه الحنفي إلى حد كبير، فإنّ الفقه الموروث من زيد لم يكن على حد يتجاوب مع متطلبات المجتمع الاِسلامي آنذاك، فلم يكن بدّ من بسطه في ضوء القواعد الاَُصولية، فإذا كان المفتي حنفياً يبسطه حسب الضوابط التي يعتبرها دليلاً على الحكم فيدخل فيه القياس، والاستحسان، والمصالح المرسلة، وسد الذرائع، ولا تهمه مخالفة


(1) الذهبي: ميزان الاعتدال: 3|155 برقم 5935.
(2) وفي التعليقة: علي وهو الصحيح.
(3) الذهبي: ميزان الاعتدال: 3|37 ـ 38 برقم 5518.
(4) الذهبي: تذكرة الحفاظ: 3|821 في ضمن ترجمة ابن الشرقي.
(5) السيّاغي: الروض النضير: 1|64.

(132)

أئمة أهل البيت، الذين جاءوا إلى الساحة بعد مقتل زيد، وقد بيّـن الشيخ الكوثري هذا التلاقي بشكل آخر فقال: «إنّ ذلك التوافق العظيم بين آل زيد وبين فقهاء العراق في ثلاثة أرباع المسائل إنّما نشأ من اتحاد مصدر علوم الفريقين، لاَنّ فقهاء الكوفة والعراق إنّما توارثوا الفقه طبقة فطبقة عن علي وابن مسعود وسائر كبار فقهاء الصحابة الذين نشروا العلم بالكوفة ولاسيما الذين تديّروها (1)بعد انتقال علي كرم اللّه وجهه إليها، واستمروا بها في عهد الاَُمويين ثم عن فقهاء أصحابهم وأصحاب عمر، وابن عباس ومعاذ الذين انتقلوا إليها واستقروا بها ابتعاداً عن معاقل الاَُمويين، ثم عن أصحاب أصحابهم الفقهاء رضي اللّه عنهم الذين بهم صارت الكوفة مصدر العلم الناضج في ذلك العهد وكانت علوم الحجاز والمدينة المنورة يتشارك فيها فقهاء الاَمصار لكثرة حجهم عاماً فعاماً في تلك الاَعصار(2)

ج ـ سليمان بن إبراهيم بن عبيد المحاربي :

هو جد علي بن محمد النخعي أبو أُمّه، قال في الطبقات: يروي عن نصر بن مزاحم المنقري سمع منه مجموعي الاِمام زيد بن علي _ عليه السلام _ «الحديثي» و«الفقهي» وسمعهما عليه علي بن محمد بن كاس (أي النخعي) وكان سماعه عليه سنة خمس وستين ومائتين (3)ولم أجد له عنواناً في كتب الرجال لاَصحابنا الاِمامية.

د ـ نصر بن مزاحم المنقري العطار :

قال الذهبي: نصر بن مزاحم الكوفي، عن قيس بن الربيع وطبقته، رافضي، جلد، تركوه. مات سنة اثنتي عشرة ومائتين، حدّث عنه: نوح بن حبيب وأبو


(1) من الدير: أخذوه مكاناً.
(2) الروض النضير: ص28، المقدمة.
(3) السياغي: الروض النضير: 1|64.

(133)

سعيد الاَشجّ وجماعة، قال العقيلي: شيعي في حديثه اضطراب وخطأ كثير . وقال أبو خيثمة: كان كذاباً، وقال أبو حاتم: واهي الحديث، متروك، وقال الدار قطني: ضعيف وروى أيضاً عن شعبة (1).

ما ذكره الذهبي وشيوخه، شنشنة أعرفها من كل من يكنّ لاَهل البيت غيظاً وعداء وإن كان يتجنب عن إظهاره، فمن روى فضيلة فيهم أو أنشد قريضاً فهو عندهم رافضي، كذاب، خبيث، متروك الحديث إلى غير ذلك، وأمّا المجسّمة والمشبهة ومن يتولّى آل أُمية وسلاطينهم، فهو جليل، ثقة، يكتب حديثه ويحتج به.

وأمّا أصحابنا فقد اتفقوا على وثاقته قال النجاشي: نصر بن مزاحم مستقيم الطريقة، صالح الاَمر، غير أنّه يروي عن الضعفاء كتبه. حِسان، منها: كتاب الجمل (2)بل وذكره الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب الاِمام الباقر _ عليه السلام _ (3).

إنّ الرجل مع كونه شيعياً، علوي الولاء، لكنه عندما يسرد وقائع صفين يسرده بشكل كاتب محايد فهو حين يذكر مثالب معاوية، يذكر شعر الشاميّين في الطعن على الاِمام وحزبه، وهذا يدل على أنّه كان رجلاً رحب الصدر لايستفزه المذهب إلى الاكتفاء بذكر كلام طرف واحد، ويذكر كلام المبطل بتمامه أيضاً.

هـ ـ إبراهيم بن الزبرقان :

قال الذهبي: وثقه ابن معين. وقال أبو حاتم: لا يحتج به روى عنه أبو نعيم(4).


(1) الذهبي: ميزان الاعتدال: 4|253 ـ 254، لاحظ تاريخ بغداد: ج 13 برقم 7245.
(2) النجاشي: الرجال: 2|384 برقم 1149.
(3) الشيخ الطوسي: الرجال: برقم: 3 باب أصحاب الاِمام الباقر _ عليه السلام _ ولكنه بعيد لاَنّ الاِمام توفّي سنة 114هـ وتوفّي نصر عام 212هـ.
(4) ميزان الاعتدال: 1|31.

(134)

وقال في طبقات الزيدية: روى عن أبي خالد الواسطي مجموعي الاِمام زيد ابن علي، وله رواية عن مجاهد، وعنه نصر بن مزاحم، وقال: حدثني المجموع الكبير المرتب جميعه، عن أبي خالد، وروى عنه أبو نعيم الحافظ، واحتج به أئمتنا، ووثقه الموَيد باللّه ووثقه من المحدثين ابن معين، وقال نصر بن مزاحم: كان من خيار المسلمين، وكان خاصاً بأبي خالد الواسطي، وقال ابن أبي الحديد: هو في رجال الحديث وقال غيره من رجال الشيعة المحدثين، وعيب عليه بالتشيع. وقال أبو حاتم: لا يحتج به (1).

وأمّا أصحابنا الاِمامية فذكره الشيخ في رجاله من أصحاب الاِمام الصادق ـ عليه السلام ـ وقال: إبراهيم بن الزبرقان التيمي الكوفي، أسند عنه (2)فقد أهملوه من حيث التوثيق وعدمه.

و ـ أبو خالد، عمرو بن خالد :

لقد اضطربت كلمة الرجاليين في حقه فأهل السنّة على تضعيفه. قال الذهبي: عمرو بن خالد القرشي، كوفي، أبو خالد، تحول إلى واسط.

قال وكيع: كان في جوارنا، يضع الحديث، فلما فطن له تحوّل إلى واسط.

وقال معلى بن منصور عن أبي عوانة: كان عمرو بن خالد يشتري الصحف من الصيادلة ويحدّث بها.

وروى عباس، عن يحيى، قال: كذاب غير ثقة. حدث عنه أبو حفص الاَبـّار وغيره، فروى عن زيد بن علي، عن آبائه.

وروى عثمان بن سعيد، عن يحيى، قال: عمرو بن خالد الذي يروي عنه


(1) السياغي: الروض النضير: 1|66.
(2) الطوسي: الرجال: 144 برقم 40.

(135)

الاَبـّار كذاب. وروى أحمد بن ثابت، عن أحمد بن حنبل، قال: عمرو بن خالد الواسطي كذاب.

وقال النسائي: روى عن حبيب بن أبي ثابت، كوفي ليس بثقة. وقال الدارقطني: كذاب.

وروى إبراهيم بن هراسة أحد المتروكين، عن أبي خالد، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن علي، قال: لعن رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ الذكرين أحدهما يلعب بصاحبه (1).

وأظن أن هذا الصخب والهياج حول الرجل لاَجل أنّه من موالي أئمة أهل البيت والمجاهرين بولائهم، وهذا يكفي في التضعيف وصب القارعات عليه.

وأعجب منه ما ذكره الذهبي في آخر كلامه من الحكم بوضع لعن رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ الذكرين أحدهما يلعب بصاحبه، فإنّه مروي عن الفريقين.

كيف يشك الذهبي في صحة الحديث مع أنّ الكتاب يصدّقه حيث يخص جواز الالتذاذ بالجنس بموردين ويقول: "والّذِين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ * إلاّ على أزْواجِهِمْ أو مَا مَلَكَتْ أيْمانُهُم") (الموَمنون: 5 ـ 6) وما ورد في الحديث ليس منهما فجاز لعنه.

روى السيوطي في مسنده من كتاب جمع الجوامع من قسم الاَفعال فقال: عن الحرث، عن علي: «قال رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _: سبعة لايكلمهم اللّه يوم القيامة ولاينظر إليهم ويقال لهم أدخلوا النار مع الداخلين إلاّ أن يتوبوا: الفاعل والمفعول به، والناكح يده...».

أخرج البيهقي عن ابن عباس:« أنّ النبي قال: لعن اللّه من وقع على بهيمة،


(1) الذهبي: ميزان الاعتدال:3|257. وفي المتن يغلب أحدهما صاحبه.

(136)

ولعن اللّه من عمل عمل قوم لوط، إلى غير ذلك من الروايات التي رواها أهل السنّة (1) وأمّا الشيعة فحدث عنه ولا حرج، فقد عدّه الكشي في ترجمة الحسين بن علوان، من رجال أهل السنّة الذين لهم ميل ومحبة شديدة (2).

وظاهر النجاشي أنّه إمامي حيث ألّفه لذكر رجال الاِمامية ولو ذكر من غيرهم لاَشار إلى مذهبه وهو عنونه وذكر سنده إلى كتابه من دون إيعاز إلى مذهبه (3)إلاّ إذا قيل إنّه ترك ذكر مذهبه في المقام لكونه معروفاً.

وعده الشيخ في الفهرست من موَلفي الشيعة وقال: أبو خالد عمرو بن خالد الواسطي له كتاب ذكره ابن النديم (4)فعدّه من أصحاب الاِمام الباقر وعمرو بن خالد الواسطي بتري.

وستعرف كلامه عند سرد الروايات المروية عن زيد في الكتب الاَربعة عند الكلام على رواية زيد أنّ رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ غسل رجليه، والقرائن تشهد أنّه شيعي زيدي، ويدلّ عليه مضافاً إلى إطباق الزيدية عليه ما رواه الكشي في ذيل ترجمة محمد بن سالم بياع القصب: محمد بن مسعود، قال: حدثني أبو عبد اللّه الشاذاني ـ وكتب به ـ إلى أن قال: حدثني الفضل، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا أبو يعقوب المقري وكان من كبار الزيدية، قال: أخبرنا عمرو بن خالد وكان من روَساء الزيدية عن أبي الجارود وكان رأس الزيدية قال: كنت عند أبي جعفر _ عليه السلام _ جالساً إذ أقبل زيد بن علي فلمّا نظر إليه أبو جعفر قال:


(1) السياغي: الروض النضير: 1|85 ـ 86؛ ولاحظ وسائل الشيعة: 18، الاَبواب الستة من أبواب اللواط: 416ـ 424، والباب الثالث من أبواب نكاح البهائم ووطء الاَموات والاستمناء: 574. هذا إذا فهمنا من الحديث الناكح بيده أو لعب أحد الذكرين بالآخر، وإلاّ يكون الحديث مجملاً.
(2) الكشي: الرجال: 333، برقم 252، وما ذكره هنا ينافي ما ذكره برقم 106 من كونه من روَساء الزيدية.
(3) النجاشي: الرجال: 2، برقم 762.
(4) الطوسي: الفهرست: برقم 849.

(137)

«هذا سيد أهل بيتي والطالب بأوتارهم» ومنزل عمرو بن خالد كان عند مسجد سماك وذكر ابن فضال أنّه ثقة (1).

وإذا كان لبعض هذه النقاشات في هوَلاء، مظنة صدق، غير أنّ الشيخ النجاشي ( 372 ـ 450هـ) يرويـه بسنـد آخر نأتي بنصّه حتى يتبيّـن أنّ للكتاب سندين أو أكثر .

أخبرنا محمد بن عثمان (النصيبي) قال: حدثنا علي بن محمد بن الزبير، عن علي بن الحسن بن فضال، عن نصر بن مزاحم عنه (أبي خالد) بكتابه (2).

ولاَجل إيقاف القارىء على عناية الاِمامية بروايات زيد، نأتي بما وقفنا عليه في الكتب الاَربعة بعد حذف المكررات فنقول:

الرواية عن زيد بن علي في الكتب الاَربعة :

احتجت الاِمامية بالروايات المروية عن زيد بن علي عن آبائه ـ عليهم السلام ـ إذا لم تكن مخالفة لما اتفقت عليه روايات أئمة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ وروي عنه في الكتب الاَربعة تسعة وثلاثون حديثاً ـ بعد حذف المكررات ـ وأكثر ما روي فيها موجود في مسنده كما سنشير إليه في مواضعه:

والراوي عنه:

إمّا عمرو بن خالد ـ غالباً ـ.

أو أبو خالد الواسطي.في موردين وكلاهما واحد.

أو هاشم بن يزيد. في مورد واحد.

أو الحسين بن علوان.


(1) الكشي: الرجال: 231 برقم419.
(2) النجاشي: الرجال: برقم 769.

(138)

والظاهر وقوع السقط في الاَخير والصحيح الحسين بن علوان عن عمرو بن خالد عن زيد فإنّ الحسين بن علوان يروي عن زيد بواسطة عمرو بن خالد كثيراً.

ولاَجل إيقاف القارىَ على اهتمام محدثي الاِمامية بما روي عنه نأتي في هذا الفصل بخصوص ما روي عنه في الكتب الاَربعة ونترك الباقي لوقت آخر، وقد استعنّا في تخريج رواياته بالحاسب الآلي، ورتبنا الروايات حسب ترتيب أبواب الفقه المألوف بين أصحابنا وربما يكون، بين ما روي فيها والموجود في مسنده اختلاف يسير في اللفظ.

كتاب الطهارة

روى الشيخ الطوسي:

1 ـ روى محمد بن الحسن الصفار عن عبد اللّه بن المنبه (1)عن الحسين بن علوان عن عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه عن علي _ عليهم السلام _ قال: «جلست أتوضأ وأقبل رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ حين ابتدأت في الوضوء فقال لي: تمضمض واستنشق واستن، ثم غسلت وجهي ثلاثاً، فقال: قد يخرجك من ذلك المرتان، قال: فغسلت ذراعي ومسحت برأسي مرتين، فقال: قد يجزيك من ذلك المرة، وغسلت قدمي، فقال لي:« يا علي خلّل ما بين الاَصابع لا تخلل بالنار» (2).

وعلّق عليه الشيخ قال: هذا الخبر موافق للعامة قد ورد مورد التقية، لاَنّ المعلوم من مذهب الاَئمة _ عليهم السلام _ مسح الرجلين في الوضوء دون غسلهما.


(1) والظاهر وقوع التصحيف في السند، والصحيح المنبه بن عبيد اللّه كما في كثير من الاَسانيد.
(2) الطوسي: محمد بن الحسن: (ت 460 هـ) ، التهذيب: 1|93، الباب: 4 باب صفة الوضوء الحديث 97 و رواه الاِمام المهدي لدين اللّه محمد بن المطهر في المنهاج الجلي، (لاحظ تعليقة مسند زيدص 53) .

وراجع أيضاً: الطوسي: الاستبصار: 1|65، الباب 37، الحديث8.


(139)

روى الشيخ الطوسي:

2 ـ أخبرني الشيخ (محمد بن النعمان) عن أبي القاسم جعفر بن محمد عن أبيه، عن سعد بن عبد اللّه، عن المنبه بن عبيد اللّه، عن الحسين بن علوان الكلبي، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي ـ عليهم السلام ـ قال: «سألت رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عن الجنب والحائض يعرقان في الثوب حتى يلصق عليهما ؟فقال: إنّ الحيض والجنابة حيث جعلهما اللّه عزّ وجلّ ليس في العرق، فلا يغسلان ثوبهما» (1).

روى الشيخ الطوسي:

3 ـ سعد، عن أبي الجوزاء المنبه بن عبيد اللّه، عن الحسين بن علوان الكلبي، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي _ عليهم السلام _ قال: «الغسل من سبعة من الجنابة وهو واجب، ومن غسل الميت وإن تطهرت أجزاك» وذكر غير ذلك (2).

في غسل الميت والصلاة عليه :

روى الشيخ الطوسي:

4 ـ سعد بن عبد اللّه، عن أبي الجوزاء المنبه بن عبد اللّه (3) عن الحسين


(1) الطوسي: التهذيب: 1|269، الباب12 (باب تطهير الثوب) الحديث: 79، زيد بن علي: المسند: ص61 وراجع: الطوسي: الاستبصار: 1|185، الباب110، الحديث: 5.
(2) الطوسي: التهذيب: 1|464، الباب 23، الحديث162، وعلّق الشيخ والطوسي على قوله: وإن تطهّرت أجزاك، أنّه محمول على التقية لوجوب الغسل وعدم كفاية التطهير.
(3) هكذا في النسخة والظاهر عبيد اللّه بقرينة سائر الروايات.

(140)

بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه عن علي ـ عليهم السلام ـ قال: «إذا مات الرجل في السفر مع النساء ليس فيهن امرأته ولا ذو محرم من نسائه، قال: يوزرنه إلى الركبتين، ويصبن عليه الماء صباً، ولا ينظرن إلى عورته، ولا يلمسنه بأيديهن ويطهرنه، فإذا كان معه نساء ذوات محرم يوزرنه ويصببن عليه الماء صباً ويمسسن جسده ولا يمسسن فرجه (1).

روى الشيخ الطوسي:

5 ـ سعد بن عبد اللّه، عن أبي الجوزاء، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه عن علي _ عليهم السلام _ قال: أتى رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ نفر فقالوا إنّ امرأة توفيت معنا وليس معها ذو محرم، فقال: «كيف صنعتم؟» فقالوا: صببنا عليها الماء صباً، فقال: «أما وجدتم امرأة من أهل الكتاب تغسلها؟» قالوا: لا، قال: «أفلا يمّمتموها؟» (2)

روى الشيخ الطوسي:

6 ـ وبهذا الاِسناد (3)، عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن أبي بصير، عن أيوب ابن محمد الرقي، عن عمرو بن أيوب الموصلي، عن إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق السبيعي، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي _ عليهم السلام _ قال: «إنّ قوماً أتوا رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فقالوا: يارسول اللّه مات صاحب لنا وهو


(1) الطوسي: التهذيب: 1|441، الباب23، الحديث 71: زيد بن علي: المسند: ص145 ورواه أيضاً في التهذيب: 1|343، الباب 13، الحديث168، باختلاف يسير . و الاستبصار: 2|201، الباب118، الحديث7.
(2) الطوسي: التهذيب: 1|443، الباب23، الحديث78؛ و الاستبصار: 1|203، الباب 118، الحديث14.
(3) أي أخبرني الشيخ المفيد عن أبي جعفر محمد بن علي عن محمد بن الحسن.

(141)

مجدور فإن غسلناه انسلخ، فقال: يمّموه» (1).

7 ـ عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبي الجوزاء، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه عن علي ـ عليهم السلام ـ أنّه سئل عن رجل يحترق بالنار، فأمرهم أن يصبوا عليه الماء صباً وأن يصلّـى عليه (2).

روى الشيخ الطوسي:

8 ـ روى علي بن الحسين، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن أبي الجوزاء المنبه بن عبد اللّه (3)، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي _ عليه السلام _ في الصلاة على الطفل أنّه كان يقول: «اللّهم اجعله لاَبويه ولنا سلفاً وفرطاً وأجراً» (4).

روى الشيخ الطوسي:

9 ـ علي بن الحسين، عن سعد، عن أبي الجوزاء المنبه بن عبيد اللّه، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن أمير الموَمنين علي بن أبي طالب _ عليه السلام _ قال: «يسل الرجل سلاّ ويستقبل المرأة استقبالاً، ويكون أولى الناس بالمرأة في موَخرها» (5).


(1) الشيخ الطوسي: التهذيب: 1|333، الباب13، الحديث145.
(2) الكليني: الكافي: 3|213؛ الحديث6؛ زيد بن علي: المسند: 147؛ الطوسي: التهذيب: 1|333، الباب13، الحديث144.
(3) الظاهر عبيد اللّه.
(4) الطوسي: التهذيب: 3|195، الباب13، الحديث21؛ زيد بن علي: المسند: 150.
(5) الطوسي: التهذيب: 1|326، الباب13 باب تلقين المحتضرين، الحديث119؛ زيد بن علي: المسند، باب 152، باختلاف يسير.

(142)

أحكام الشهيد

روى الكليني:

10 ـ عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن أبي الجوزاء، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه ـ عليهم السلام ـ قال: قال أمير الموَمنين صلوات اللّه عليه: «ينزع عن الشهيد الفرو والخف والقلنسوة والعمامة والمنطقة والسراويل إلاّ أن يكون أصابه دم فإن أصابه دم ترك ولا يترك عليه شيء معقود إلاّ حل» (1).

روى الطوسي:

11 ـ محمد بن الحسن الصفار عن عبد اللّه بن المنبه (2)عن الحسين بن علوان عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي عن أبيه عن آبائه _ عليهم السلام _ قال: قال رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «للشهيد سبع خصال من اللّه: أوّل قطرة من دمه مغفور له كل ذنب، والثانية: يقع رأسه في حجر زوجتيه من الحور العين وتمسحان الغبار عن وجهه تقولان مرحباً بك ويقول هو مثل ذلك لهما، والثالثة: يكسى من كسوة الجنّة، والرابعة: يبتدره خزنة الجنّة بكل ريح طيبة أيهم يأخذه معه، والخامسة: أن يرى منزلته، والسادسة: يقال لروحه أسرح في الجنّة حيث شئت والسابعة: أن ينظر في وجه اللّه وإنّها لراحة لكل نبي وشهيد» (3).


(1) الكليني: الكافي: 3|211، الحديث4؛ زيد بن علي: المسند: 146 (باب الشهيد) الطوسي، التهذيب: 1|332، الحديث 140.
(2) الظاهر وقوع التصحيف في السند، والصحيح عن المنبه بن عبيد اللّه كما في كثير من الاَسانيد.
(3) الطوسي: التهذيب: 6|121، الباب22، الحديث3؛ زيد بن علي، المسند: 351. وقد ورد أبسط مما في المتن هنا.

(143)

روى الشيخ الطوسي:

12 ـ محمد بن أحمد بن يحيى، عن أبي جعفر، عن أبي الجوزاء، عن الحسين ابن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن أبيه ـ عليهم السلام ـ قال: قال رسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «إذا مات الشهيد من يومه أو من الغد فواره في ثيابه، وإن بقى أياماً حتى تتغير جراحته غسل» (1).

كتاب الصلاة

قال الصدوق:

13 ـ روي عن زيد بن علي بن الحسين _ عليه السلام _ أنّه قال: «سألت أبي سيد العابدين _ عليه السلام _ فقلت له: يا أبه أخبرني عن جدنا رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لمّا عرج به إلى السماء وأمره ربه عزّ وجلّ بخمسين صلاة كيف لم يسأله التخفيف عن أُمّته حتى قال له موسى بن عمران _ عليه السلام _: إرجع إلى ربك فاسأله التخفيف فأنّ أُمّتك لا تطيق ذلك؟ فقال: «يابُنيَّ أن رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لايقترح على ربه عزّ وجلّ فلا يراجعه في شيء يأمره به، فلمّا سأله موسى _ عليه السلام _ ذلك وصار شفيعاً لاَُمّته إليه لم يجز له أن يرد شفاعة أخيه موسى _ عليه السلام _ فرجع إلى ربّه عزّ وجلّ فسأله التخفيف إلى أن ردها إلى خمس صلوات» قال: فقلت له: يا أبه فلم لم يرجع إلى ربّه عزّ وجلّ ولم يسأله التخفيف من خمس صلوات وقد سأله موسى _ عليه السلام _ أن يرجع إلى ربّه عزّ وجلّ ويسأله التخفيف؟ فقال: « يا بُنيَّ أراد _ عليه السلام _ أن يحصل


(1) الطوسي: التهذيب: 6|168، الباب22، الحديث7؛ زيد بن علي: المسند: 146. وللشيخ الطوسي تعليقة على الرواية فإنّها غير معمول بها عند الاَصحاب؛ أيضاً الشيخ الطوسي: الاستبصار: 1|25، الباب 125، الحديث 6.

(144)

لاَُمّته التخفيف مع أجر خمسين صلاة لقول اللّه عزّ وجلّ: "مَن جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْـرُ أمثَالِها") ألا ترى أنّه _ عليه السلام _ لما هبط إلى الاَرض نزل عليه جبرئيل ـ عليه السلام ـ فقال: يامحمّد إنّ ربّك يقرئك السلام ويقول (لك) : إنّها خمس بخمسين "ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ وما أنا بِظَلاّمٍ لِلعَبِيد") » قال: فقلت له: يا أبه أليس اللّه جلّ ذكره لا يوصف بمكان؟ فقال: «بلى تعالى اللّه عن ذلك علواً كبيراً» قلت: فما معنى قول موسى _ عليه السلام _ لرسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _: إرجع إلى ربّك؟ فقال: «معناه معنى قول إبراهيم _ عليه السلام _: "إنّي ذَاهِبٌ إلى رَبّي سَيَهْدِين") ومعنى قول موسى _ عليه السلام _ "وَعجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى") ومعنى قوله عزّ وجلّ: "فَفِرُّوا إلى اللّه") يعني حجّوا إلى بيت اللّه، يابني إنّ الكعبة بيت اللّه فمن حجّ بيت اللّه فقد قصد إلى اللّه، والمساجد بيوت اللّه فمن سعى إليها فقد سعى إلى اللّه وقصد إليه، والمصلّـي ما دام في صلاته فهو واقف بين يدي اللّه عزّ وجلّ، فإنّ للّه تبارك وتعالى بقاعاً في سماواته، فمن عرج به إلى بقعة منها فقد عرج به إليه ألا تسمع اللّه عزّ وجلّ يقول: "تَعْرُجُ الَمَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْه") ويقول (اللّه) عزّ وجلّ في قصة عيسى بن مريم _ عليهما السلام _: "بَل رَفَعَهُ اللّهُ إلَيْه") ويقول اللّه عزّ وجلّ: "إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطّيِّبُ والعَمَلُ الصالِحُ يَرْفَعُه")»(1)

روى الشيخ الطوسي:

14 ـ محمد بن الحسن الصفار، عن عبد اللّه بن المنبه (2)، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن آبائه، عن علي ـ عليه


(1) الصدوق: من لايحضره الفقيه: 1| 198، الحديث 603، وفي الحديث نكات بديعة ولم نجده في مسنده.
(2) الصحيح: المنبه بن عبيد اللّه كما في سائر الاَسانيد.

(145)

السلام ـ أنّه أتاه رجل فقال: يا أمير الموَمنين واللّه إنّي لاَحبك للّه فقال له: «ولكني أُبغضك للّه» قال: ولم؟ قال: «لاَنّك تبغي في الاَذان، وتأخذ على تعليم القرآن أجراً (1) ، سمعت رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يقول: من أخذ على تعليم القرآن أجراً كان حظّه، يوم القيامة» (2).

روى الشيخ الطوسي:

15 ـ محمد بن علي بن محبوب، عن محمد بن الحسين، عن الحسن بن علي، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي _ عليهم السلام _ قال: دخل رجلان المسجد وقد صلّى الناس، فقال: لهما علي _ عليه السلام _ «إن شئتما فليوَم أحدكما صاحبه ولا يوَذن ولايقيم» (3).

روى الشيخ الطوسي:

16ـ محمد بن أحمد بن يحيى، عن أبي جعفر، عن أبي الجوزاء، عن الحسين ابن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي ـ عليه السلام ـ قال: «الاَغلف لا يوَم القوم وإن كان أقرأهم، لاَنّه ضيع من السنّة أعظمها، ولا تقبل له شهادة ولا يصلّى عليه إلاّ أن يكون ترك ذلك خوفاً على نفسه» (4) .


(1) الطوسي: الاستبصار: 3|65 الباب 38، الحديث 2.
(2) الطوسى: التهذيب: 6|376، الباب 93، الحديث 220؛ زيد بن علي: المسند: 85، وفي المسند تتغنّى مكان تبغي وهو الاَصح.
(3) الطوسي: التهذيب: 2|281، الباب13، الحديث 21، و 3|55، الباب 13، الحديث 103؛ زيد بن علي: المسند: 113 باختلاف.
(4) الطوسي: التهذيب: 3|30، الباب 3، الحديث 20؛ زيد بن علي: المسند: 151 باختلاف يسير.

(146)

روى الشيخ الطوسي:

17 ـ سعد، عن أبي الجوزاء، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي _ عليه السلام _ قال: «صلّى بنا رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ الظهر خمس ركعات ثم انفتل فقال له بعض القوم: يارسول اللّه هل زيد في الصلاة شيء؟ فقال: وماذاك؟ قال: صليت بنا خمس ركعات قال: فاستقبل القبلة وكبر وهو جالس ثم سجد سجدتين ليس فيهما قراءة ولا ركوع ثم سلم وكان يقول: هما المرغمتان».

قال محمد بن الحسن: هذا خبر شاذ لا يعمل عليه لاَنّا قد بينا أن من زاد في الصلاة وعلم ذلك، يجب عليه استئناف الصلاة، وإذا شك في الزيادة فإنّه يسجد السجدتين المرغمتين، ويجوز أن يكون _ عليه السلام _ إنّما فعل ذلك لاَنّ قول واحد له لم يكن مما يقطع به، ويجوز أن يكون كان غلطاً منه وإنّما سجد السجدتين احتياطاً (1)

روى الشيخ الطوسي:

18 ـ روى سعد بن عبد اللّه، عن أبي الجوزاء، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي _ عليه السلام _ قال: صليت مع أبي _ عليه السلام _ المغرب فنسى فاتحة الكتاب في الركعــة الاَُولى فقرأها في الثانية(2)


(1) الطوسي: التهذيب: 2|349، الباب14، الحديث 37؛ الاستبصار: 1|377، الباب 219، الحديث5؛ زيد بن علي: المسند: 109.
(2) الطوسي: التهذيب: 2|148، الباب 23، الحديث36؛ زيد بن علي: المسند: 94. والرواية مطروحة لتضمنها نسبة السهو إلى الاِمام المعصوم مع بعد مضمونها لعدم طروء النسيان في الركعة الاَُولى بالنسبة إلى فاتحة الكتاب. وراجع أيضاً: الطوسي: الاستبصار: 1|354، الباب206، الحديث7.

(147)

في الضمان

روى الشيخ الطوسي:

19 ـ عنه (1) ، عن أبي الجوزاء، عن الحسين بن علوان ، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه _ عليهم السلام _ أنّه أتى بحمال كانت عليه قارورة عظيمة كانت فيها دهن فكسرها فضمّنها إيّاه، وكان يقول: كل عامل مشترك إذا أفسد فهو ضامن، فسألته ما المشترك؟ فقال: الذي يعمل لي ولك ولذا (2).

روى الشيخ الطوسي:

20 ـ روى محمـد بن أحمد بن يحيى، عن أبي جعفر، عن أبي الجوزاء، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه ـ عليهم السلام ـ أنّه أتاه رجل تكاري دابة فهلكت، فأقرّ أنّه جاز بها الوقت فضمّنه الثمن ولم يجعل عليه كراء (3).

روى الشيخ الطوسي:

21 ـ محمد بن أحمد بن يحيى، عن أبي جعفر، عن أبي الجوزاء، عن الحسين ابن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي ـ عليه السلام ـ أنّه كان يضمن صاحب الكلب إذا عقر نهاراً ولايضمنه إذا عقر بالليل، وإذا دخلت دار قوم بإذنهم فعقرك كلبهم فهم ضامنون، وإذا دخلت بغير إذنهم فلا ضمان عليهم (4).


(1) أي عن محمد بن أحمد بن يحيى.
(2) الطوسي: التهذيب: 7|222، الباب 20، الحديث85؛ زيد بن علي: المسند: 254.
(3) الطوسي: الاستبصار: 3|135، الباب88، الحديث3. قال الشيخ: الوجه في هذه الرواية ضرب من التقيّة لاَنّها موافقة لمذهب كثير من العامة.
(4) الطوسي: التهذيب: 10|228، باب الاثنين إذا قتلا، الحديث 31.

(148)

في الربا

روى الشيخ الطوسي:

22 ـ عنه (1) ، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي _ عليهم السلام _ قال: «لعن رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ الربا وآكله وبائعه ومشتريه وكاتبه وشاهديه» (2).

في الخمر

روى الكليني:

23 ـ عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه ـ عليهم السلام ـ قال: لعن رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ الخمر وعاصرها ومعتصرها وبايعها ومشتريها وساقيها وآكل ثمنها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه (3)

في النكاح

روى الشيخ الطوسي:

24 ـ روى محمد بن أحمد بن يحيى، عن أبي جعفر، عن أبي الجوزاء، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي ـ


(1) أي عن الحسين بن سعيد الاَهوازي.
(2) الطوسي: التهذيب: 7|15، الباب1، الحديث 64؛ زيد بن علي: المسند: 229 باختلاف يسير.
(3) الكليني: الكافي: 6|398، الحديث10.

(149)

عليه السلام ـ : إنّ امرأة أتته ورجل قد تزوجها ودخل بها وسمى لها مهراً وسمى لمهرها أجلاً فقال له علي _ عليه السلام _: «لا أجل لك في مهرها إذا دخلت بها فأدّ إليها حقها»(1).

روى الشيخ الطوسي:

25 ـ محمد بن أحمد بن يحيى، عن أبي جعفر عن أبي الجوزاء، عن الحسين ابن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي ـ عليه السلام ـ أنّه قال: «الرضعة الواحدة كالمائة رضعة لاتحل له أبداً » (2).

روى الشيخ الطوسي:

26 ـ روى محمد بن أحمد بن يحيى، عن أبي جعفر، عن أبي الجوزاء، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي ـ عليهم السلام ـ قال: «حرم رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يوم خيبر لحوم الحمر الاَهلية ونكاح المتعة» (3).

في الطلاق

روى الشيخ الطوسي:

27 ـ محمد بن أحمد بن يحيى، عن أبي الجوزاء، عن الحسين [بن علوان]


(1) الطوسي: التهذيب: 7|358، الباب 31 من أبواب النكاح، الحديث 20؛ الاستبصار: 3|221، الباب 138، الحديث4؛ زيد بن علي: المسند: 27.
(2) الطوسي: التهذيب: 7|317، الباب 27 من أبواب النكاح، الحديث17، والرواية مطروحة لدى الاِمامية لعدم كفاية الرضعة الواحدة بالاتفاق عندهم، وفي المسند: 282: سألت زيداً عن المصة والمصتين، قال: تحرم.
(3) الطوسي: التهذيب: 7|251، الباب 24، الحديث10؛ زيد بن علي المسند: 271، وفي المسند: نهى رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عن نكاح المتعة عام خيبر. والرواية وردت مورد التقية.

(150)

عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي _ عليه السلام _ في رجل أظهر طلاق امرأته وأشهد عليه وأسرّ رجعتها ثم خرج فلمّا رجع وجدها قد تزوجت قال: «لاحقّ له عليها من أجل أنّه أسرّ رجعتها وأظهر طلاقها» (1).

في الحدود

روى الشيخ الطوسي:

28ـ عنه (2) ، عن أبي جعفر، عن أبي الجوزاء، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه _ عليهم السلام _ قال: سئل رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عن الساحر؟ فقال: إذا جاء رجلان عدلان فيشهدان عليه فقد حل دمه(3)

روى الشيخ الطوسي:

29 ـ محمد بن أحمد بن يحيى، عن أبي جعفر، عن أبي الجوزاء، عن الحسين ابن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي ـ عليهم السلام ـ قال: «إذا أسلم الاَب جر الولد إلى الاِسلام، فمن أدرك من ولده دعى إلى الاِسلام فإن أبى قتل، وإذا أسلم الولد لم يجر أبويه ولم يكن بينهما ميراث» (4) .


(1) الطوسي: التهذيب: 8|44، الباب 3 من أبواب الطلاق، الحديث5.
(2) أي عن محمد بن أحمد بن يحيى.
(3) الطوسـي: التهذيب: 6|283، البــاب 91، الحديث185؛ و ج 10|147، الباب 10 من الزيادات، الحديث16؛ زيد بن علي: المسند: 303، وفي المسند: حد الساحر القتل.
(4) الطوسي: التهذيب: 8|236، العتق الباب1، الحديث 85. أن لا يرث الاَب، ويرث الولد، لاَنّ الاِسلام يزيد عزّاً لا حرماناً.

(151)

روى الصدوق:

30 ـ محمد بن أحمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن أبي الجوزاء، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه ـ عليهم السلام ـ، عن علي _ عليه السلام _ في رجل قذف امرأته ثم خرج فجأة وقد توفيت قال: «يخير واحدة من ثنتين يقال له: إن شئت ألزمت نفسك الذنب فيقام عليك الحد وتعطى الميراث، وإن شئت أقررت فلاعَنْت أدنى قرابتها إليها ولا ميراث لك» (1)

.

في الديات

روى الشيخ الطوسي:

31ـ محمد بن أحمد بن يحيى، عن أبي جعفر، عن أبي الجوزاء، عن


(1) الطوسي: التهذيب: 8|194، الباب 8 باب اللعان، الحديث 38؛ الصدوق: من لا يحضره الفقيه: 3|539، الباب2 الحديث 4856.

(152)

الحسين ابن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه ـ عليهم السلام ـ قال: لاتعقل العاقلة إلاّ ما قامت عليه البينة، قال: وأتاه رجل فاعترف عنده فجعله في ماله خاصة ولم يجعل على العاقلة شيئاً (1).

روى الشيخ الطوسي:

32 ـ محمد بن أحمد بن يحيى، عن أبي جعفر، عن أبي الجوزاء، عن الحسين ابن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي ـ عليه السلام ـ قال: «المعتق على دبر فهو من الثلث وما جنى هو والمكاتب وأُم الولد فالمولى ضامن لجنايتهم» (2).

في القصاص

روى الشيخ الطوسي:

33 ـ عن محمد بن أحمد بن يحيـى، عن أبي جعفر، عن أبي الجـوزاء، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي ـ عليهم السلام ـ قال: «ليس بين الرجل والنساء قصاص إلاّ في النفس» (3).

روى الشيخ الطوسي:

34 ـ عـن محمد بن أحمد بن يحيى، عن أبي جعفر، عن أبي الجـوزاء عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي عن آبائه، عن علي ـ عليه السلام ـ قال: «ليس بين الرجال والنساء قصاص إلاّ في النفس، وليس بين الاَحرار والمماليك قصاص إلاّ في النفس عمداً، وليس بين الصبيان قصاص في شيء إلاّ في النفس» (4).


(1) الطوسي: التهذيب: 10|175، باب البينات على القتل، الحديث 24؛ والاستبصار: 4|262، الباب 152، الحديث5؛ لاحظ المسند: 306.
(2) الطوسي: التهذيـب: 8|262، التدبير الباب2، الحديث17؛ و الاستبصار: 4|31، الباب 15، الحديث 19.
(3) الطوسي: الاستبصار: 4|266، الباب 154، الحديث7.
(4) الطوسي: التهذيب: 10|279، باب القصاص، الحديث 18؛ لاحظ المسند: 307.

(153)

ما لا يختص بباب

روى الشيخ الطوسي:

35 ـ عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن أبي الجوزاء، عن الحسين بن علوان، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي ـ عليه السلام ـ قال: أتى النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ رجل فقال: يارسول اللّه أنّ أبي عمد إلى مملوك لي فاعتقه كهيئة المضرة لي فقال رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «أنت ومالك من هبة اللّه لاَبيك، أنت سهم من كنانته يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور ويجعل من يشاء عقيماً، جازت عتاقة أبيك، يتناول والدك من مالك وبدنك، وليس لك أن تتناول من ماله ولا من بدنه شيئاً إلاّ بإذنه»(1).

روى الشيخ الطوسي:

36 ـ محمد بن الحسن الصفار، عن الحسن بن علي بن النعمان، عن الحسن ابن الحسين الاَنصاري، عن يحيى بن معلى الاَسلمي، عن هاشم بن يزيد قال: سمعت زيد بن علي _ عليه السلام _ يقول: كان علي _ عليه السلام _ في حربه أعظم أجراً من قيامه مع رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في حربه قال: قلت بأي شيء تقول أصلحك اللّه؟ قال: فقال لي: لاَنّه كان مع رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ تابعاً ولم يكن له إلاّ أجر تبعيته وكان في هذه متبوعاً وكان له أجر كل من تبعه (2) .

روى الكليني:

37 ـ عنه [أي عن علي بن إبراهيم]، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن أبي


(1) الطوسي: التهذيب: 8|235، كتاب العتق الباب 1، الحديث 82.
(2) الطوسي: التهذيب: 6|170، الباب 179، الحديث4.

(154)

خالد الواسطي، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «يلزم الوالدين من العقوق لولدهما ما يلزم الولد لهما من عقوقهما» (1) .

روى الشيخ الطوسي:

38 ـ محمد بن أحمد بن يحيى، عن أبي جعفر، عن أبي الجوزاء، عن الحسين ابن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي ـ عليه السلام ـ قال: «أتيت أنا ورسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ رجلاً من الاَنصار فإذا فرس له يكيد بنفسه، فقال له رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _: انحره يضعف لك به أجران: بنحرك إيّاه واحتسابك له، فقال: يارسول اللّه إلي منه شيء؟ قال: نعم كل وأطعمني قال: فأهدى للنبي _ عليه السلام _ فخذاً منه فأكل منه وأطعمني» (2) .

روى الشيخ الطوسي:

39 ـ عنه (3) عن أبي جعفر، عن أبي الجوزاء، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه _ عليهم السلام _: قال رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _: إذا التقى المسلمان بسيفهما على غير سنّة، القاتل والمقتول في النار» فقيل: يارسول اللّه القاتل فما بال المقتول؟! قال: «لاَنّه أراد قتلاً » (4)

هذه هي 39 حديثاً نقلها مصنّفو الكتب الاَربعة عن الاِمام زيد التي نقلها عن أبيه عن آبائه.


(1) الكلينـي: الكافي: 6| 48، الحديث5. الطوسي: التهذيب: 8|12، الباب 5 من أبواب الطلاق، الحديث 35.
(2) التهذيب: 9|48، كتاب الصيد والذبائح، الباب 1، الحديث 101.
(3) أي عن محمد بن أحمد بن يحيى.
(4) الطوسي: التهذيب: 6|174، الباب 79، الحديث 25.


(155)

الفصل السابع

هل كان زيد معتزليّ المبدأ والفكرة

ولمّا كان أحد الاَُمور الدافعة إلى القول بأنّ زيداً كان ذا منهاج كلامي خاص، هو صلته بواصل رئيس المعتزلة، نطرح الموضوع على طاولة البحث ليتبيّـن مدى صحة ذلك الوهم.

هل كانت الصلة بين زيد وواصل بن عطاء على أساس أنّهما يذهبان إلى وجوب الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو أحد الاَُصول الخمسة لدى المعتزلة (1) أو أنّ الصلة بينهما كانت على أساس أنّ زيداً تتلمذ على واصل وتخرج عليه في الاَُصول. المعروف هو الثاني، والحقّ هو الاَوّل لوجوه:

أوّلاً: كانت العاصمة العلمية للمسلمين يوم ذاك (أوائل القرن الثاني الهجري) هي المدينة المنورة، فكانت تزدحم بالعلماء والمفكرين، وعلى رأسهم محمد الباقر _ عليه السلام _ وبعده شيخ الهاشميين عبد اللّه بن الحسن بن الحسن وغيرهما من مشاهير المحدثين والمفسرين وعلى ضوء ذلك فلم يكن في ذلك أي حافز لمغادرة المدينة إلى العراق ثم البصرة. ولم تكن البصرة يوم ذاك إلاّ


(1) الانتصار: 5؛ ومقالات الاِسلاميين: 1|278.

(156)

مركزاً أدبياً لغوياً ثم مركز الاَهواء والملل والآراء والنحل.

ثانياً: قد عرفت فيما سبق أنّ زيداً الثائر من مواليد عام 67 هـ، وواصل بن عطاء من مواليد 80 هـ. فهو أكبر منه بكثير. فلو صحّ أن يتتلمذ على أحد في العراق فيجب أن يتتلمذ على شيخ واصل، الحسن البصري، في البصرة أو يتتلمذ على شيخه في المدينة المنورة وهو أبو هاشم ابن محمد الحنفية أُستاذ واصل. وبعد ذلك كله، فلم يكن عند واصل شيء بديع قصرت عنه يد زيد. فإنّه أخذ ما أخذ عن أبي هاشم، كما حققناه في الجزء الثالث (1)من تلك الموسوعة، فالذي شهّر واصل في الاَوساط الاِسلامية هو القول بالتوحيد والعدل والتركيز على كون الاِنسان مختاراً، ورد القضاء والقدر بالمعنى السالب عن الاِنسان الاختيارَ والحريةَ وهو قد أخذه من أبي هاشم وهو عن أبيه، وهو عن وصي الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أمير الموَمنين علي بن أبي طالب _ عليه السلام _، فربيب البيت الهاشمي، أعني: زيداً، كان غنياً عن التوسل بواصل في معرفة ما كان يجده في بيته العامر بالعلم والمعرفة.

وثالثاً: لم يذكر أحد من الموَرخين ولا أصحاب المقالات تتلمذ زيد على واصل قبل الشهرستاني وإنّما انفرد هو بذلك وتبعه غيره، فلا تجد منه أثراً في فرق الشيعة للنوبختي، ولا في مقالات الاِسلاميين للاَشعري، ولا الفرق بين الفرق للبغدادي ولا لابن حزم في الفصل. وعلى ذلك فلا يركن إلى كلام تفرد به الشهرستاني البعيد عن بيئة زيد وعصره، وقد استشهد الاِمام في أوائل القرن الثاني، وتوفي الشهرستاني عام 548هـ.

هذا هو الحقّ القراح الذي لا مرية فيه، ولا أظن بزيد ولا بإنسان دونه تربّى في أحضان البيت النبوي، أن يتتلمذ في الاَُصول والعقائد على أمثال واصل، صنيع أبي هاشم في المدينة، ثم الحسن البصري في البصرة، والمتفردّ بآراء وعقائد لا


(1) السبحاني: بحوث في الملل والنحل: 3|189.

(157)

يساندها علماء أهل البيت وأئمتهم. وأظن أنّ المصدر لما ذكره، هو تعاطف الزيديين مع المعتزلة في العصور اللاحقة على وجه صارت الاَُصول الخمسة مقبولة لدى الزيديين، فصار ذلك سبباً لحدس الشهرستاني أنّ زيداً تتلمذ على واصل، ومنه أخذ الاَُصول وسرى إلى أتباعه ومقتفيه، غافلاً عن عدم الملازمة بين الاعتقادين، ولو خضعت الزيدية لهذه الاَُصول فلجهة أُخرى سيوافيك بيانها. ولنذكر عبارة الشهرستاني ثم نذكر ماذكره بعض المحقّقين من السنّة والزيدية.

يقول: «وزيد بن علي لمّا كان مذهبه هذا المذهب: (كل فاطمي عالم زاهد شجاع، سخيّ خرج بالاِمامة يكون إماماً واجب الطاعة) أراد أن يحصـل الاَُصول والفروع حتى يتحلى بالعلم، فتتلمذ في الاَُصول لواصل بن عطاء الغزال الاَلثغ رأس المعتزلة ورئيسهم. مع اعتقاد واصل أنّ جده علي بن أبي طالب (رض) في حروبه التي جرت بينه وبين أصحاب الجمل وأهل الشام ما كان على يقين من الصواب. وأنّ أحد الفريقين منهما كان على الخطأ لابعينه وصارت أصحابه كلهم معتزلة» (1) .

وقد سرى هذا الخطاء إلى غير واحد ممن كتب عن زيد فاتخذه حقيقة راهنة.

قال ابن أبي الدم في «الفرق الاِسلامية»: الزيدية أصحاب زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وكان زيد قد آثر تحصيل علم الاَُصول. فتتلمذ لواصل بن عطاء رئيس المعتزلة ورأسهم وأوّلهم فقرأ عليه واقتبس منه علم الاعتزال وصار زيد وجميع أصحابه معتزلة في المذهب والاعتقاد، وكان أخوه الباقر محمد بن علي يعيب عليه كونه قرأ على واصل بن عطاء وتتلمذ له واقتبس منه مع كونه يجوِّز الخطأ على جده علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ بسب خروجه إلى حرب الجمل والنهروان، ولاَنّ واصلاً كان يتكلم


(1) الشهرستاني: الملل والنحل: 1|138.

(158)

في القضاء والقدر على خلاف مذهب أهل البيت _ عليهم السلام _ (1).

كلام الشيخ أبو زهرة:

لقد تلقى الشيخ أبو زهرة ما ذكره الشهرستاني أمراً صحيحاً واستنتج من كلامه أُموراً ثلاثة ولكنه تنظر فيه بما يلي:

«ولكن أيصح أن نقول إنّ زيداً تتلمذ على واصل في هذه المرحلة؟ إنّ الرجلين كانا في سن واحدة فقد ولد كلاهما في سنة 80 (2)من الهجرة النبوية أو قريباً من ذلك ويظهر أنّهما عندما التقيا كان زيد في سن قد نضجت لاَنّ واصلاً لا يمكن أن يكون في مقام من يدرس مستقلاً إلاّ إذا كان في سن ناضجة.

ولهذا نرى أنّ التقاء زيد ـ رضي اللّه عنه ـ بواصل بن عطاء كان التقاء مذاكرة علمية وليس التقاء تلميذ عن أُستاذ، فإنّ السن متقاربة وزيد كان ناضجاً فهو قد أراد أن يعرف النواحي المختلفة حول أُصول العقائد، كما تلقي فروع الاَحكام عن أُسرته وفي المدينة مهد علم الفروع ـ إلى أن قال ـ: وقبل رحلة زيد إلى البصرة أيسوغ لنا أن نقول إنّه ما كان من قبل، على علم بأُصول المعتزلة؟ لعل الاِجابة عن هذا السوَال توجب علينا أن نرجع إلى علماء آل البيت قبل زيد والذين عاصروه وهنا نجد من الاَخبار، ما يذكر أنّ علماء آل البيت تكلموا في العقائد وكانوا قريبين مما قاله واصل بن عطاء بل إنّا نجد من يقول إنّ واصلاً تلقى عقيدة الاعتزال عن آل البيت فقد كانوا على علم به وخصوصاً محمد ابن الحنفية ابن علي رضي اللّه عنهما، فقد كان عالماً غواصاً في العلوم، وقد قال فيه الشهرستاني: «وكان كثير العلم، غزير المعرفة، وقّاد الفكر، مصيب الخواطر، قد أخبره أمير الموَمنين (أي علي) عن أحوال الملاحم وأطلعه على مدارج المعالم، قد اختار العزلة، وآثر


(1) الصفدي: الوافي بالوفيات: 15|35.
(2) عرفت ما هو الحقّ في ميلاده.

(159)

الخمول على الشهرة» (1).

هذا كلامه وياليت الاَُستاذ رافق كلامه بذكر المصادر، ولا يقضي في الموضوع بشكل قاطع.

وهذا ما نلمسه من كتب الاَُستاذ أبي زهرة مع كثرة ما كتب. وعلى كل تقدير فلا دليل على تتلمذ زيد لواصل، لو لم يكن دليل على عدمه، وكون اتباعه معتزليين في العقيدة لا يكون دليل على كون إمامهم كذلك.

كلام بعض المعاصرين من الزيدية :

إنّ لبعض المعاصرين من علماء الزيدية تحقيقاً رائعاً في المقام نأتي بنصه ـ مع طوله ـ :

«من الاَغلاط الشائعة نسبة الزيدية إلى المعتزلةـ في أُصول الدين والتوحيد وعلم الكلام ـ والقول بأنّ الاِمام زيد بن علي قد تتلمذ على رئيس المعتزلة واصل ابن عطاء.

ولعل الشهرستاني المتوفى 548هـ هو أوّل من سجّل هذه الغلطة في كتابه (الملل والنحل) ثم تابعه أكثر من بحث عن الاعتزال والمعتزلة. إمّا لاِهمالهم الفحص والتمحيص لما يروونه، وإمّا لاَنّه قد وافق ما يريدون قوله عن الزيدية والزيديين.

ولا أعتقد أنّ للشهرستاني أيَّ دليل قوي على قوله. وربّما أنّه جعل من التوافق بين الزيدية والمعتزلة في أكثر مسائل الاَُصول الدينية دليلاً على قوله، ولكن هذا غير كاف قطعاً لاِلحاق فرقة بأُخرى. لاَنّه لو اعتبر التوافق في رأي ما، دليلاً على توحيد فرقة مع أُخرى لما تميزت فيما بينها كل المذاهب الاِسلامية المعروفة اليوم وقبل اليوم، لاَنّها تتوافق في كثير من المسائل وبالاَخص الفقهية الفرعية منها.


(1) أبو زهرة: الاِمام زيد: 39 ـ 40.

(160)

أمّا القول بأنّ الاِمام زيداً قد تتلمذ لواصل بن عطاء. من أجل أن يحصل على علم الاَُصول والفروع حتى يتحلّـى بالعلم كما يقول الشهرستاني ـ فهو أغرب وأعجب. ذلك لاَنّ المعلوم عند جميع الموَرخين والباحثين والعالمين ـ أنّ المدينة المنورة ـ وليست البصرة ـ هي معدن العلم ومدينته، كما قال الاِمام أبو حنيفة ـ رحمه اللّه ـ لمن سأله عمن تلقى علمه فقال: كنت في معدن العلم ولزمت فقيهاً من فقهائهم. وهو يعني الاِمام جعفر الصادق ـ رحمه اللّه ـ حيث لازمه عامين، وكان يقول: لولا السنتان لهلك النعمان» (1).

فهل من المعقول أن يخرج الاِمام زيد من معدن العلم وينبوعه ومدينته ليذهب إلى البصرة ليحصل على علم الفروع والاَُصول حتى يتحلّـى بالعلم كما قال الشهرستاني؟ إنّه لاَمر غريب وعجيب حقاً!! وهو مع ذلك قول مخالف لما أجمع عليه الموَرخون فقد قالوا إنّ واصل بن عطاء هو الذي أخذ العلم من معدن العلم ومدينته، ولازم أهل البيت النبوي الشريف الذي يعد من مشاهيره في عصره الاِمام زيد بن علي. وأجمعوا على أنّ واصل بن عطاء كان مولى لآل محمد بن علي بن أبي طالب _ عليهم السلام _ ـ أي آل محمد بـن الحنفيــة ـ وأخذ العلم عن ابنـه أبي هاشم عبد اللّه بن الحنفية. وأنّه بعد 21 عاماً من عمره سافر إلى البصرة سنة 101 هـ حيث التقى فيها بالزاهد عمرو بن عبيد فزامله في حلقة الحسن البصري حتى حدث الخلاف بين واصل وأُستاذه الحسن البصري في تسمية مرتكب الكبيرة من المسلمين حيث قالت الخوارج هو كافر. وقالت المرجئة: هو موَمن. فقال الحسن البصري: هو منافق. فقال واصل: هو فاسق. والفسق منزلة بين المنزلتين: منزلة الكفر والنفاق. ومنزلة الاِيمان، وبعد أن رجع عمرو بن عبيد إلى قوله وفارقا حلقة الحسن، أطلق عليهما لاعتزالهما الحلقة (اسم المعتزلة) ثم صار


(1) أبو زهرة: الاِمام الصادق _ عليه السلام _: 28.

(161)

اسماً لمن تابعهم في مسائل علم الكلام، بل لقد نصّ المحقّقون من المعتزلة والزيدية على أنّ مسألة المنزلة بين المنزلتين هذه قد أخذها واصل بن عطاء من أُستاذه أبي هاشم عبد اللّه ابن محمد بن الحنفية (1).

وإذا كان لابد من نسبته إلى فرقة من الفرق فينسب إلى الفرقة (العدلية) والعدلية كلمة تطلق على كل من يقول بالعدل والتوحيد وينفي الجبر والتشبيه والتجسيم للّه، تعالى اللّه عن ذلك، ولهذا صحّ للقاضي عبد الجبار بن أحمد المتوفى 415 هـ. وللاِمام المهدي أحمد بن يحيى بن المرتضى، ان يجعلا من رجال الطبقة الاَُولى للعدلية كلَّ الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة ممن صرح بالعدل ونفي الجبر. وقد جعلا الاِمام زيد بن علي وأبا هاشم عبد اللّه بن محمد بن الحنفية أُستاذ واصل من رجال الطبقة الثالثة وجعلا واصل بن عطا وعمرو بن عبيد من رجال الطبقة الرابعة.

وقد توهم البعض من المتأخرين أنّ الطبقات التي أشرت إليها هي طبقات المعتزلة والصحيح غيره. لاَنّ البحث في طبقات القاضي وفي الملل والنحل للمهدي كان عن العدلية، وليس عن المعتزلة، ولفظه في الملل والنحل (2)مسألة (له) أي قالت المعتزلة: وأجمعت العدلية على أنّ للعالم محدثاً قديماً قادراً عالماً حياً ... حتى قال: وقد رتب القاضي ـ أي عبد الجبار ـ طبقاتهم ونحن نشير إلى جملتها. ثم أشار في المسألة التي تلتها إلى طبقاتهم.

فالاِمام المهدي حكى عن المعتزلة روايتهم لما اجمعت عليه العدلية. ثم رتب طبقاتهم كما فعل القاضي عبد الجبار مستدلاً بأقوالهم في العدل ونفي الجبر(3).


(1) شرح الاَُصول الخمسة: 137 ـ 138.
(2) البحر الزخار: 1|44 ـ 45.
(3) علي بن عبد الكريم شرف الدين: الزيدية نظرية وتطبيق: 21.

(162)

وبعد هذا البيان الضافي من العلمين، لا يبقى أي شك في أنّه لم يكن لوليد البيت النبوي أية دراسة لدى واصل بن عطاء، وأقصى ما يمكن أن يقال: كانت بينهما مزاملة أو محادثة في تطبيق أصل الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على الساحة الاِسلامية. ونضيف في المقام أمرين:

1 ـ أنّه لو تتلمذ زيد على واصل أو كان معتزلياً في العقائد، لانعكست آراء أُستاذه في الكتب الموروثة منه، مع أنّه ليس من تلك الاَُصول فيها عين ولا أثر، غير التركيز على الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي استنتجه من الكتاب والسنّة واختمر به منذ شبابه إلى التحاقه بربه.

2 ـ أنّ ابن المرتضى، جعل زيد بن علي في طبقاته مقدماً على طبقة واصل ابن عطاء (1) ولو صحّ الزعم المعروف كان عليه أن يجعله متأخراً عنه، لكونه في الاعتزال عيال عليه.



(1) ابن المرتضى: المنية والاَمل: 17و 28، تحقيق سوسنة ديفلدفلزر، بيروت 1380هـ ـ 1961م؛ والقاضي عبد الجبار الهمذاني: فرق وطبقات المعتزلة: 32 و 41، تحقيق الدكتور علي سامي النشار وعصام الدين محمد علي، دار المطبوعات الجامعية، القاهرة، 1972م.

(163)

الفصل الثامن


هل كان زيد إماماً

في الاَُصول والعقائد، والفروع والاَحكام؟

إنّ للمذهب الزيدي السائد حالياً في اليمن وغيرها بعدين: بعداً فقهياً ـ يُلحقه بالمذاهب الفقهية المعروفة، وهذا ما يبحث عنه في تاريخ الفقه وطبقات الفقهاء ـ وبُعداً عقائدياً، وهذا هو المسوّغ لطرحه في كتب الملل والنحل، ولاشك أنّ المذهب الزيدي الذي تبنّاه أئمة الزيدية طيلة قُرُون، من عهد أحمد بن عيسى ابن زيد موَلف الاَمالي (ت 247 هـ) إلى عهود الاَقطاب الثلاثة كان يتمتع ببعدين متميزين العقيدة والفقه، وهوَلاء الاَقطاب عبارة عن:

1 ـ الاِمام القاسم الرسّـي.

2 ـ الاِمام الهادي يحيى بن الحسين.

3 ـ الاِمام الناصر الاَطروش.

فكان عندهم الفقه والعقيدة ولكل ميزة وسمة، تضفي له صبغة خاصة في مجاله إنّما الكلام في المذهب الموروث عن نفس الاِمام أي زيد الثائر، فهل كان لمذهبه بعدان، فقهي وعقائدي؟ أو كان لمذهبه بعد واحد؟ أو لم يكن هذا ولا ذاك


(164)

بل كان رجلاً ثورياً وإماماً للجهاد والنضال ومفسراً للقرآن، ومحدّثاً للسنّة النبوية، ومفتياً في ضوئهما أحياناً؟ وتظهر حقيقة الحال فيما يأتي ولنقدم البحث في العقائد ثم نتبعه بالبحث في الفقه.

إنّ ربيب البيت العلوي زيداً الثائر قد تعلم الاَُصول والعقائد، من أئمة أهل البيت وعلى رأسهم والده الاِمام زين العابدين وأخيه الاِمام الباقر ـ عليهما السلام ـ، فكان القول بالتوحيد ورفض التجسيم والجهة، والعدل وتنزيهه سبحانه عن كل سوء وشين، والقول بعصمة الاَنبياء ومصونيتهم عن الخطأ والزلل، ونفي القدر بمعنى السالب للاختيار والحرية والموجب للغوية بعث الاَنبياء والرسل، إلى غير ذلك من الاَُصول الرائجة في باب الاِمامة والمعاد ـ كان القول بهذه الاَُصول ـ أمراً واضحاً لدى الهاشميين والعلويين ورثها كابر عن كابر، فلو قال به زيد، فلا يجعله ذا منهج كلامي خاص.

إنّما الكلام فيما ينسب مناسب إليه من الآراء حول سائر الموضوعات، وسيوافيك إنّها آراء الزيدية، لاصلة لها بزيد، وأنّ ربطها ونسبتها إليه، خال عن الدليل.

قال الحاكم أبو سعد المحسَّن بن محمد بن كرامة الجشمي البيهقي (413 ـ 494هـ) في كتابه جلاء الاَبصار :

وإذ قد بينا المذاهب المحدثة والبدع المولدة، بقى ما كان عليه النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وأصحابه وعلماء أهل البيت، وهو القول بتوحيد اللّه، ونفي التشبيه، والقول بعدله، وبراءته من كل سوء، والقول بعصمة أنبيائه، وصدق ما جاءوا به على ما نطق به الكتاب، ومشايخ العدل، أخذوها من علماء أهل البيت. أخذها واصل بن عطاء عن محمد بن الحنفية وابنه أبي هاشم وكان مع ذلك من أصحاب النفس الزكية، وكان عمرو بن عبيد قد تأهب للخروج إلى زيد بن علي ـ


(165)

عليه السلام ـ فورد الخبر بقتله. وكان مطر الوراق، وبشير الرحال من أصحاب إبراهيم بن عبد اللّه، وكان حَكَمُ المعتزلي من أصحاب عيسى بن زيد، والروايات بذلك من علماء أهل البيت _ عليهم السلام _ ظاهرة، وكتب القاسم ويحيى والناصر والمهدي ـ يعني أبا عبد اللّه الداعي ـ وأحمد بن عيسى وغيرهم من أئمتهم عليهم السلام مشحونة بذكر العدل والتوحيد.

وروى أنّ أبا الخطاب وجماعة دخلوا على زيد بن علي _ عليهما السلام _ فسألوه عن مذهبه، فقال: إنّي أبرأ، إلى اللّه من المشبهة الذين شبّهوا اللّه بخلقه، ومن المجبرة الذين حملوا ذنوبهم على اللّه، ومن المرجئة الذين طمَّعوا الفسّاق في عفو اللّه، ومن المارقة الذين كفّروا أمير الموَمنين، ومن الرافضة الذين كفّروا أبا بكر وعمر، وهذا عين مذهب أهل العدل، وكان إمام هذه الطائفة بعد أمير الموَمنين والحسن والحسين ومحمد بن علي (1)وعلي بن الحسين، زيد بن علي بن الحسين عليه السلام ورحمة اللّه وبركاته وجميع أولاد أمير الموَمنين، إلاّ أنّ زيداً تقدمهم بالفضل والعلم والجهاد في سبيل اللّه (2).

هذا مجمل القضاء في الموضوع وقد «شهد شاهد من أهلها» على ما ذكرنا غير أنّ البرهنة على المختار، وأنّ ما نسب إلى زيد من الآراء فإنّما هي أرآء الزيدية، لا الاِمام القائد ولاَجل ذلك، لانجد أثراً من هذه الآراء المعزوّة إليه في الكتب الموروثة منه. حتى لو وجدنا أنّ أئمة الزيدية لهجوا بها ـ كالقاسم الرسي ـ رأس القاسمية (170ـ242هـ) والناصر الاَطروش ـ رأس الناصرية (230 ـ 304هـ) موَسس المذهب الزيدي في بلاد الديلم والجبل، والاِمام الهادي إلى الحقّ به رأس الهادوية في اليمن (245 ـ 298هـ) لا يكون ذلك دليلاً على ثبوته من إمامهم، لاَنّ


(1) يريد محمدبن الحنفية بقرينة تقديمه على والد زيد: علي بن الحسين _ عليهما السلام _.
(2) السياغي: الروض النضير: 1|99 ـ 100.

(166)

الاَئمة المتأخرين عن زيد، اجتهدوا في الاَُصول والفروع فضموا ما ورثوه من إمامهم إلى ما حصلوه بمساعيهم فيهما، فلا يسوغ لباحث أن ينسب شيئاً إلى زيد، بحجة تواجده في كتب هوَلاء الاَئمة المتأخرين. وإن أردت التفصيل في الآراء المعزوّة إليه عن كثب فلاحظ ما يلي:

1 ـ مرتكب الكبيرة :

كانت الخوارج تصفه بالكفر والشرك. والمرجئة بالاِيمان، وكان الحسن البصري يصفه بالنفاق، وذهب واصل إلى أنّه لا كافر ولا موَمن بل في منزله بين المنزلتين (1) .

واستظهر الشيخ أبو زهرة أنّ زيداً يوافق المعتزلة في هذا الرأي غير أنّه لا يراه مخلداً في النار على خلاف المعتزلة واستظهره من كتاب أوائل المقالات، مع أنّه نسبه إلى الزيدية دون زيد حيث قال: وأجمعت المعتزلة وكثير من الخوارج والزيدية على خلاف ذلك وزعموا أنّ مرتكب الكبائر ممن ذكرناه فاسق ليس بموَمن ولا مسلم (2)ولا يصح القضاء البات بهذا المقدار.

2 ـ رأيه في القدر :

لقد استنبط أبو زهرة مما ذكره ابن المرتضى في المنية والاَمل خصوصاً من الرسالة التي كتبها ابن عباس إلى جبرية أهل الشام، أنّ عقيدة زيد في القدر، هو أنّه يجمع بين الاِيمان بالقضاء والقدر، واعتبار الاِنسان مختاراً في طاعاته ومعاصيه، وأنّ معاصيه ليس قهراً عن اللّه تعالى، ولا غلبة عليه (3).


(1) لاحظ دليله حول هذا الاَصل: الجزء الثالث: 225.
(2) الظاهر أن يقول ولا كافر لينطبق على عقيدة المعتزلة.
(3) أبو زهرة: الاِمام زيد: 209.

(167)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره إنّما هو عقيدة كل آل البيت أخذوه من مستقى الوحي وكلام الوصي علي _ عليه السلام _ وقد أوضح الحال عندما سأله رجل عند منصرفه من صفين بما هو معروف (1)وقد اشتهر عنهم: «لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الاَمرين» وزيد وغيره وجميع الشيعة أمام هذا الاَصل سواسية.

3 ـ رأيه في البداء :

لقد كثر اللغط والجَلَبَة حول البداء فمن طاعن عليه بأنّ معنى قولهم بدا للّه، هو ظهور ما خفي عليه، وهو يستلزم جهله سبحانه بالمستقبل وتغيير إرادته المستلزمة لحدوث ذاته إلى غير ذلك من المضاعفات، ومن قائل بأنّ المقصود من بدا للّه، هو أنّه بدا للناس من اللّه والاِطلاق من باب المشاكلة، والنبي الاَكرم هو الاَُسوة في الاِطلاق فقد وصفه سبحانه بهذا في كلامه ونقلها البخاري (2)وإلاّ فأي مسلم واع يلهج بتجويز الجهل أو تغيير إرادته، فمن المأسوف عليه جداً أنّ الناقمين من الشيعة في قولهم بالبداء تساهلوا في بيان عقيدتهم وراجعوا في تبيين مواقفهم إلى كتاب خصمائهم.

نعم ذكر الشيخ المفيد على أنّ الاِمامية اتفقوا على أنّ إطلاق لفظ البداء في وصف اللّه تعالى وإن كان ذلك من جهة السمع دون القياس وأضاف: وأجمعت المعتزلة والخوارج والزيدية والمرجئة وأصحاب الحديث على خلاف الاِمامية(3).

وما ذكره المفيد إنّما هو عقيدة الزيدية، لا الاِمام زيد، ولا ملازمة بين الرأيين والمخالف لو وقف على مقصود الاِمامية من البداء لما خالفه وتلقاه أمراً صحيحاً، ولاَجل أنّ الشيخ أبا زهرة وقف على مقاصدهم البداء بعد الاحتكاك بعلمائهم


(1) الرضي: نهج البلاغة: قصار الحكم برقم 78.
(2) البخاري: الصحيح: 4|171، باب حديث أبرص وأعمى وأقرع.
(3) المفيد: أوائل المقالات: 13|53.

(168)

وكتبهم صرح بما ذكرناه فلاحظ (1).

4 ـ الرجعة والمهدي:

ذهبت الاِمامية إلى القول بالرجعة وإنّ اللّه سبحانه يرد قوماً من الاَموات إلى الدنيا في صورهم التي كانوا عليها فيعزّ منهم فريقاً، ويذلّ فريقاً وقد ذكرنا دليلهم من الكتاب والسنّة في الجزء السادس من هذه الموسوعة فلاحظ، غير أنّ الشيخ المفيد ذكر مخالفة الزيدية لهذا الاَصل في كلامه السابق، وجعله الشيخ أبا زهرة دليلاً على كونه معتقد زيد والاَصل الذي نشأ عليه (2).

والعجب أنّه عطف القول بالمهدي على فكرة الرجعة ونسب إلى الاِمام الجليل نفي فكرة المهدي وقال: الاِمام زيد قد نفى فكرة المهدي المنتظر، فنفى معها فكرة الرجعة، لاَنّ الرجعة كما تصورها الاِمامية ومن قبلهم الكيسانية تقتضي وجود المهدي، وبما أنّ لا مهدي في نظر الاِمام زيد، لاَنّ الاِمام يجب أن يكون غير مستور وأن يدعو لنفسه فلا يوجد إمام مكتوم ولا مغيب (3).

إنّ ما ذكره الشيخ أبو زهرة زلة لاتستقال، فكيف يمكن أنّ يستدل على عقيدة إنسان مثل زيد، بكلمة لم يثبت كونه قائلها، وعلى فرض كونه قائلها فإنّما قال بها في ظروف خاصة، لا في الاِمام الذي اتفقت الشرائع السماوية عليه، ولاسيما مسانيد السنّة وصحاحها.

أقول: لقد تواترت النصوص الصحيحة والاَخبار المروية من طريق أهل السنّة والشيعة الموَكدة على إمامة أهل البيت _ عليهم السلام _ والمشيرة صراحة إلى أنّ عددهم كعدد نقباء بني إسرائيل، وأنّ آخر هوَلاء الاَئمة هو الذي يملاَ


(1) أبو زهرة: الاِمام زيد: 212.
(2) أبو زهرة: الاِمام زيد: 212.
(3) أبو زهرة: الاِمام زيد: 212.

(169)

الاَرض ـ في عهـده ـ عـدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجورا، وأنّ أحاديث الاِمام الثاني عشر الموسوم بالمهدي المنتظر قد رواها جملة من محدثي السنّة في صحاحهم المختلفة كأمثال الترمذي (المتوفى عام 297هـ) وأبي داود (المتوفى عام 275هـ) وابن ماجة (المتوفى عام 275هـ) وغيرهم، حيث أسندوا رواياتهم هذه إلى جملة من أهل بيت رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وصحابته، أمثال علي بن أبي طالب _ عليه السلام _ وعبد اللّه بن عباس، وعبد اللّه بن عمر، وأُم سلمة زوجة الرسول الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة وغيرهم:

1 ـ روى الاِمام أحمد في مسنده عن رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «لو لم يبق من الدهر إلاّ يوم واحد لبعث اللّه رجلاً من أهل بيتي يملاَها عدلاً كما ملئت جورا» (1) .

2 ـ أخرج أبو داود عن عبد اللّه بن مسعود: أنّ رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال: «لا تنقضي الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطىَ اسمه اسمي» (2) .

3 ـ أخرج أبو داود عن أُم سلمة ـ رضي اللّه عنها ـ قالت: سمعت رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يقول: «المهدي من عترتي من ولد فاطمة» (3).

4 ـ أخرج الترمذي عن ابن مسعود: أن رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال: «يلي رجل من أهل بيتي يواطىَ اسمه اسمي»(4).

إلى غير ذلك من الروايات المتضافرة التي بلغت أعلى مراتب التواتر على وجه. يقول الدكتور عبد الباقي: إنّ المشكلة ليست مشكلة حديث أو حديثين أو راو أو راويين، إنّها مجموعة من الاَحاديث والآثار تبلغ الثمانين تقريباً، اجتمع


(1) مسند أحمد: 1|99 و 3|17، 70.
(2) جامع الاَُصول: 11|48 برقم 7810.
(3) جامع الاَُصول: 11|48 برقم 7812.
(4) المصدر نفسه: برقم 7810.

(170)

على تناقلها مئات الرواة وأكثر من صاحب كتاب صحيح (1).

5 ـ لا معجزة للاَئمة :

إذا كانت الاِمامة رئاسة عامّة في أُمور الدين والدنيا، وإمرة إلهية (لاشعبية) واستمراراً لوظائف النبوة كلّها، سوى تحمل الوحي الاِلهي، ومحتاجاً إلى تنصيب النبي الاَكرم بأمر من اللّه سبحانه، فالتعرف على الاِمام المنصوب، يتوقف على دليل يعرفه كالنبي الاَعظم، وهو أحد الاَُمور التالية:

1 ـ نص صريح متواتر لايدع شكاً للاِنسان أنّه خليفة الرسول.

2 ـ أو كرامة خارقة للعادة مقارنة لدعوى الاِمامة والخلافة عن الرسول مورثة لليقين بصلته باللّه سبحانه.

3 ـ أو وجود قرائن وشواهد تفيد القطع أنّه منصوب من اللّه سبحانه لهداية الاَُمّة.

نعم لو كانت الاِمامة مقاماً شعبياً، تختاره الاَُمّة الاِسلامية لقيادتها وتنظيم أمرها. فهو لا يحتاج إلى شيء من النص، والكرامة الخارقة للعادة، ولا إلى العلم المفاض من اللّه سبحانه.

وبما أنّ الاِمامة عند الشيعة إنّما هي بالمعنى، الاَوّل، وهي عندهم من الاَُصول اشترطوا فيها: النص، والعلم بما تحتاج إليه الاَُمّة في مجال الدين والقيادة، أو الكرامة الخارقة للعادة المورثة لليقين بكونه رجلاً إلهياً صادقاً فيما يدعي من الخلافة والاِمامة. وهذا على خلاف ما يذهب إليه أهل السنّة فإنّها عندهم حكومة عرفية، وإمارة زمنية، يُنصب ويعزل بأمر الشعب وإرادته وعزله ونصبه. أو يُنصب بإرادة الحاكم السابق.


(1) الدكتور عبد الباقي: بين يدي الساعة 123.

(171)

غير أنّ أبا زهرة زعم أنّ الاِمام زيد لا يرتضي شيئاً من هذا وذلك لاَنّه يرى أنّ الاِمام من بني فاطمة رجل ككل الناس ليس بمعصوم عن الخطأ وليس علمه فيضاً ولو إشراقاً، بل علمه بالدرس والبحث ويُخطىَ ويصيب كغيره من الناس ومادام كذلك فإنّه لا يحتاج إلى خارق العادات (1).

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره إنّما هو عقيدة أئمة الزيدية الذين جاءوا إلى الساحة، شاهرين سيوفهم. فقاموا بالاَمر في اليمن وغيره ولولاه لما استقرت إمامتهم، ـ بعد كونهم أفراداً عاديين ـ وأمّا كونه معتقد زيد فلم يقم عليه دليل، مع كونه معتقداً بإمامة الاِمام علي والسبطين وأبيه وأخيه _ عليهم السلام _ بالنص، وهو واضح لمن تتبع شوارد النصوص.

أضف إلى ذلك أنّ ظهور الكرامات على الاَولياء والاَبرار مما جوّزه أكثر الفرق وإنّما خالف فيه المعتزلة بشبهة أنّه تبطل دلالة المعجزة على النبوة. لكن جوزه من المعتزلة ابن الاَخشيد، وأبو الحسين البصري وكذا محقّقو الاَشعرية كالجويني والغزالي وفخر الدين الرازي وغيرهم، وأمّا الزيدية فالمذكور في كلام الشيخ المفيد، أنّهم يوافقون المعتزلة في نفي صدورها لكن في كلام المتأخرين منهم ما يدلّ على العكس، فقد نقل العلاّمة الشيخ فضل الزنجاني في تعليقته على أوائل المقالات عن الاِمام أبي الحسين يحيى بن حمزة بن علي الحسيني الذي كان من أفاضل الزيدية ومن القائمين بالاَمر باليمن (2)في كتابه الكبير المسمّى بالشامل إلى ذهاب الزيدية إلى جواز ظهورها (3).

وياحبذا راجع أبا زهرة الكتب الفلسفية كالاِشارات والشفاء للشيخ


(1) أبو زهرة: الاِمام زيد: وكان عليه أن يلاحظ أوائل المقالات: 41، 42 كما لاحظ سائر الموارد.
(2) ولد بصنعاء سنة 669 وتوفّي عام 747 وكانت مدّة خلافته 51 سنة.
(3) الزنجاني( 1301 ـ 1360): تعليقة أوائل المقالات: 41، طبعة تبريز.

(172)

الرئيس (1)، حتى يقف على أنّ صدور الكرامات من الاَولياء ليس أمراً معضلاً، بل الاَُصول العقلية توَيده والكتاب والسنّة يوافقانه.

6 ـ الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر :

إنّ الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من الاَُصول المسلّمة لدى المسلمين عامّة من غير فرق بين الفرق: المعتزلة والاَشاعرة والاِمامية. قال القاضي عبد الجبار: «لا خلاف بين الاَُمّة في وجوب الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر» (2) .قال الشيخ المفيد: «إنّ الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللسان فرض على الكفاية بشرط الحاجة إليه لقيام الحجّة على من لاعلم لديه إلاّ بذكره...» (3).

وهو مشروط بشروط مذكورة في كتب القوم، غير أنّ الشيخ أبا زهرة زعم أنّ الاَصل المذكور، لايجتمع مع القول بالتقية، وزعم أنّ أبا الشهداء وحفيده زيد الثائر أخذا بالاَصل الاَوّل، وأمّا أباه أعني: علي زين العابدين رأى من الحكمة ألاّ يخرج إلاّ مع العدد والقوة، ولاَنّ تلك الحوادث (حوادث كربلاء) جعلته يشك في وجود النصراء الاَقوياء في اعتقادهم، فانصرف إلى العلم غير راض ولامطمئن للباطل.

ـ ثم قال: ـ ومن هنا تولد عند الشيعة مبدأ التقية وهي السكوت عن مقاومة الباطل من غير رضا به ـ إلى أن قال: ـ إنّ زيداً آمن بالاَصل الاَوّل وروي إنّه رخص في التقية لكنه كان في أوّل حياته وفي وقت انصرافه للدراسة كان يأخذ بمبدأ التقية، لكنّه بعد أن درس الفرق المختلفة والتقى بأهل العراق غلب الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر (4).


(1) أبو علي: الاِشارات: 3|497.
(2) القاضي عبد الجبار: شرح الاَُصول الخمسة: 741.
(3) المفيد: أوائل المقالات: 98.
(4) أبو زهرة: الاِمام زيد: 215 ـ 217.

(173)

يلاحظ عليه: أنّ هذا أشبه بكلام من لا يعرف موضع الاَصلين ومركزهما (وأُجلّ الشيخ أبا زهرة من أن يكون من تلك الزمرة) ويزعم أنّ بين الاَصلين مطاردة، وأنّ الزعيم الاِسلامي إمّا أن يختار الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو يلتجىء إلى التقية، وأنت إذا راجعت إلى ما أسلفناه في الجزء الثالث حول الاَصل الاَوّل وفي الجزء السادس حول التقية لعرفت أنّ الاَصلين من الاَُصول الاِسلامية المتقنة ولكل موردٍ وموقف حسب شروطهما وضوابطهما، فلو أنّ أبا الشهداء وحفيده زيد بن علي قاما بالاَمر وأمرا بالمعروف والنهي عن المنكر لاَجل ظروف فرضته عليهما، ولو كانت تلك الشروط مهيأة في زمن ابنه زين العابدين وأخيه محمد بن الحنفية لقاما مثل ما قاما، فلو نرى أنّ الاَخيرين التزما البيت وصارا جليسيه فلظروف فُرضت عليهما، ولعمر الحقّ أنّ مثل هذا الكلام من شيخ المصريين غريب جداً إذ كيف يقول: «ومن هنا ـ أي قعود الاِمام السجاد ومحمد الحنفية عن الاَمر بالمعروف ـ تولد عند الشيعة مبدأ التقية؟! أو ما يذكر قول اللّه سبحانه: "إلاّ أن تَتَّقُوا مِنهُم تُقاة") (آل عمران ـ 28) أو قوله سبحانه: "مَن كَفَرَ بِاللّه مِن بِعدِ إيمانِهِ إلاّ مَنْ أُكرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالاِيمانِ") (النحل ـ 28) .

أو ما قرأ كلمات المفسرين حولهما حتى عمّموا مفادهما إلى اتقاء المسلم من المسلم الظالم؟ والحقّ أنّ الشيخ أبا زهرة مع كونه كاتباً ذا صدر رحب وإطلاع وسيع وقلم سيّال، لكنه يخرج الظنون بصورة الاَُمور الواضحة القطعية ويضفي على حدسيّاته صبغة الجزم.

7 ـ الصفات ليست غير الذات :

ذهبت العدلية ـ من غير فرق بين المعتزلة والاِمامية والزيدية ـ إلى أنّ صفات اللّه الذاتية كالعلم والقدرة والحياة غير ذاته مفهوماً، وعينها مصداقاً، دفعاً لوصمة التركيب، الملازم للاِمكان، المنزّه عنه سبحانه، قال الشيخ المفيد: «إنّ اللّه


(174)

عزّ وجلّ اسمه حي لنفسه لا بحياة وأنّه قادر لنفسه، وعالم لنفسه، لا بمعنى كما ذهب إليه المشبهة من أصحاب الصفات ـ إلى أن قال: ـ وهذا مذهب الاِمامية كافة والمعتزلة إلاّ من سميناه (أبا هاشم الجبائي) وجمهور الزيدية وجماعة من أصحاب الحديث والحكمة (1).

وقد تبع هوَلاء خطب الاِمام علي _ عليه السلام _ وكلماته، فإنّه أوّل من شقّ هذا الطريق، وأوضح المنهج، وحكم بحكم بات على توحيد الصفات مع الذات. قال: «أوّل الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الاِخلاص له، وكمال الاِخلاص له نفي الصفات عنه، لشهادة كل صفة أنّها غير الموصوف، وشهادة كل موصوف أنّه غير الصفة، فمن وصف اللّه سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثنّاه، ومن ثنّاه فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد جهله، ومن جهله فقد أشار إليه، ومن أشار إليه فقد حدّه، ومن حدّه فقد عدّه» (2).

والعجب أنّ الشيخ أبا زهرة نسب عينية الصفات إلى زيد وصوّره أنّه من آرائه، والحقّ أنّه من أرائه، لكنه لابمعنى أنّه ذو منهج كلامي بل كل ما نسب إليه لا يخلو من أمرين: إمّا أنّه ليس من زيد وإنّما هو من أتباعه ومقتفي أثره، أو هو من زيد ولكنه أخذه من أئمة أهل البيت _ عليهم السلام _.

فقد حصحص الحقّ وبان أنّ زيداً لم يكن مفكراً كلامياً غارقاً في البحوث الكلامية نظير واصل بن عطاء، أو عمرو بن عبيد أو أبي جعفر موَمن الطاق وهشام بن الحكم، بل كان زيد رجلاً ثورياً له صلة بتفسير القرآن وجمع الروايات وعظة الناس وهدايتهم إلى الطريق المهيع.

ثم إنّ الشيخ أبا زهرة استخرج عقائده الكلامية ـ حسب ما عرفت ـ من


(1) المفيد: أوائل المقالات: 18.
(2) الرضي: نهج البلاغة: الخطبة 1.

(175)

أسباب عقيمة غير منتجة وبما أنّه أشار إليها في آخر كلامه نأتي بنصه، ثم بملاحظتنا، يقول:

«حاولت استخراج عقائده الكلامية من الاَُمور التالية:

1 ـ أن يكون ذلك رأياً لواصل بن عطاء الذي صاحبه، وقدّر علماء النحل أنّه اختار منهاجه وطريقه، أو كان كلاهما على منهاج واحد ورأي واحد، فاعتبر كل كلام لواصل في هذه المسائل آراء للاِمام زيد إلاّ ما ثبت أنّه لم يقله، أو لم يكن من المعقول أن يكون قد قاله، كقول واصل: إنّ علياً في قتال معاوية لم يكن على حقّ بيقين، فليس ذلك نظر أهل البيت بالاتفاق.

2 ـ إنّ ما ينسب إلى الزيدية من أقوال ونراه في ذاته معقولاً وقريباً من منطق الاِمام زيد وتفكيره فإنّا نقرر أنّه رأي زيد ـ رضي اللّه عنه ـ لاَنّ الزيدية إذا استثنينا الجارودية منهم، يتلاقون في أكثر آرائهم مع الاِمام زيد، فهم له في الجملة متبعون.

3 ـ إنّ ما يقوله بعض المتصلين به أو الذين ثبت اتصالهم به نعتبره إذا اتفق ما يقوله الزيدية أو ينسب مزكياً لنسبة تلك الاَقوال إليه (1).

يلاحظ عليه: أنّ القياس الاَوّل عقيم جداً إذ لا نعلم مدى تعاطف زيد مع واصل وزمالته معه، حتى نتخذ عقيدة الجليس دليلاً على عقيدة الجليس الآخر.

وأضعف منه الطريق الثاني فإنّ الزيدية كسائر الفرق، مارسوا علم الكلام وحضروا محافل البحث والنقاش ثم أتّخذوا موقفاً في كل مسألة، وكيف يمكن أن ينسب وليد فكر هوَلاء لزيد المحدِّث المفسِّر غير المهتّم إلا بإنهاض المسلمين ضد الطغاة وإزالتهم عن منصّة الحكم واستغلال الصلحاء بالحكم؟!.

ومنه يظهر حال الطريق الثالث فلا نطيل الكلام.


(1) أبو زهرة: الاِمام زيد: 222 ـ 224.

(176)

كل ما ذكرنا يرجع إلى زيد، وأمّا الزيدية فلهم عندنا حساب خاص سوف نرجع إلى إرائهم وعقائدهم في مجال الاَُصول والفقه في فصل مستقل.

زلة بعدها زلة :

قد عرفت مدى صحّة كلام الشيخ أبو زهرة في نسبه هذه الآراء إلى زيد وقد تبعه من جاء بعده، من دون ترو وتحقيق، فنرى أنّ الدكتور «أحمد محمود صبحي» يتبعه عشوائياً وينسب تلك الآراء إلى زيد حرفاً بحرف، فنسب إليه إنكار القول بالبداء، والتقية، والعصمة، والعلم اللدني، والمهدوية، وذكر أنّ آراء زيد في ذلك المجال متعارضة وآراء الاِمامية وذكر أنّ مصدر كلامه هو كتاب «نشأة الفكر الفلسفي في الاِسلام» للدكتور علي سامي النشار، وأظن أنّه ذكره بعنوان أحد المصادر، وإلاّ فالمصدر الواقعي لكلامه هو كتاب أبي زهرة ووحدة الصياغة تعرب عن عيلولتهما على الشيخ وعلى كل تقدير فقد خبطوا خبطة عشواء وبذلك أفسدوا الاَمر على المجتمع الاِسلامي وصوروا أنّ الاِمام زيد كان يخالف الرأي العام لسائر الاَئمة الاثني عشر، ولعله كان هذا هو المقصد من إلقاء الحجر في الماء الراكد. وإيجاد الفرقة أو توسيعها بين الطائفتين.

* * *

قد أسفر وجه الحقيقة وبان أنّ زيداً كان علويّ المبدأ والفكرة، ولم يكن له في الاَُصول والعقائد سوى ما عند العترة الطاهرة بقي الكلام من كونه صاحب مذهب فقهي خاص، على أساس منهج معين وهذا هو الذي نأخذه بالبحث.


(177)

هل كان لزيد مذهب فقهي خاص ؟

هل كان لزيد مذهب فقهي خاص كسائر المذاهب الفقهية الذائعة في عصره وبعده؟

وهل كان لزيد منهاج خاص يسير عليه في استنباطه وافتائه؟

وهل الاَئمة الزيدية ـ وأخص بالذكر أئمة الاجتهاد منهم ـ مشوا على ضوء آرائه ولم يخالفوه، والفقه الزيدي الموجود، تبسيط لفقهه ورأيه؟

هذه موضوعات ثلاثة جديرة بالبحث والدراسة على ضوء ما ورثناه من زيد من الكتب، والفقه الزيدي الرائج اليوم.

فلنشرح الموضوع الاَوّل فنقول:

كان زيد رجلاً عابداً زاهداً، حليف القرآن والعبادة، وتعلّم ما تعلم في أحضان والده وأخيه الاِمام الباقر _ عليه السلام _ وروى عن عدّة من التابعين، ولم يكن موطنه يوم ذاك، مهداً لمذهب فقهي خاص يتميز بسماته عن المذاهب الاَُخر حتى يكون الاِمام أحدهم، ويكون له مذهب متمايز عن الآخرين، وأقصى ما كان يتمتع به التابعون والراوون عنهم، هو الاِفتاء في ضوء الروايات الواصلة إليهم، وتجريدها عن الاسناد، أو استثمار الضوابط التي تلقوها عن الرسول الاَعظم واستخراج أحكام الجزئيات منها أو التخريج على أقوال الصحابة وغيره، وأين هذا من كونه إمام مذهب خاص له سمات وميزات، تميزه عن سائر المذاهب الفقهية، كما هو الحال في المذاهب المعروفة ولاسيما المذاهب الاَربعة؟ هذا حال زيد في موطنه، وأمّا حاله في غيره، فقد غادر المدينة كراراً، ونزل الشام والكوفة، إمّا بالجبر والاضطرار، أو بالحرية والاختيار، ولم تكن الغاية له في تلك الرحلات إلاّ إجابة الجبر، أو دعم المبدأ وإنهاض المسلمين ضد الاَمويين وبالتالي، دعم الجهاد


(178)

والنضال المسلح، وأين هذا من الاختلاف في أندية الدروس، ومحافل البحث والدراسة، لاستثمار ما تلقاه وصبغه بصبغة خاصة تعطي له سمة وميزة؟!

وهذا ما يعطيه الاِمعان في حياته، والغور في الآثار الباقية منه وأقصى ما يمكن أن يقال: إنّه كان يفتي عند السوَال، بمضمون الرواية، أو ببسط الضوابط الكلية.

وبذلك يعلم حال السوَال الثاني، فإنّ المراد من المنهاج الخاص، هو القواعد الكلية الاَُصولية التي منها يستمد الفقه، وبها ينصبغ، فالفقه المستمد من القياس والاستحسان غير الفقه المستنبط من الكتاب والسنّة والوقوف فيما لا نص فيه، ومن المعلوم أنّه لم يكن لزيد ذلك المنهاج ولو كان لبان في آثاره العلمية، أو نقله طلابه وملازموه كما هو الحال في أبي حنيفة، فقد انعكست آراوَه على فقه تلاميذه كالشيباني وأبي يوسف وغيرهما.

وأمّا الموضوع الثالث فالاِجابة عنه سهلة، بعد الوقوف على اعتبار الاجتهاد المطلق عند الزيدية فقد فتحوا ـ كالاِمامية ـ بابَ الاجتهاد المطلق في الفروع والاَُصول فخالفوا زيداً في قسم من الفروع، وركنوا إلى أُصول لم يعلم الركون به من إمامهم.

وإن شئت قلت: هناك فرق بين اجتهاد الاَحناف، والشوافع واجتهاد أئمة الزيدية فالطائفة الاَُولى كانوا مجتهدين لكن مقيدين بأُصول إمامهم ومناهجه. وكانوا يبذلون مساعيهم لاستكشاف آراء إمامهم في ضوء الاَُصول الواصلة إليهم منه. وأمّا أئمة الزيدية، فلاَجل فتح باب الاجتهاد المطلق صاروا مجتهدين مستقلين ربما وافقوا إمامهم، وأحياناً خالفوه ولذلك ترى بعداً شاسعاً بين المجموع الفقهي المنقول عن الاِمام زيد وكتاب الاَحكام للاِمام الهادي المطبوع المنتشر في جزئين، ومثله الروض النضير فالموَلف وإن كان زيدياً، لكن كتابه هذا،


(179)

أُلّف على ضوء الاجتهاد المطلق، فيستهدي من روايات الصحاح والمسانيد والقواعد الدارجة بين المذاهب الاَربعة التي رفضها أئمة أهل البيت أوّلاً ولم يثبت حجيتها عند الاِمام زيد ثانياً.

يقول أبو زهرة: « ويجب أن يعلم أنّ الفقه الزيدي ليس كله فقه الاِمام زيد، بل هو فقه طائفة كبيرة من آل البيت كالهادي والناصر وغيرهم ممن جاءوا بعده وخصوصاً أنّ باب الاجتهاد فيه كان مفتوحاً لم يغلق (1).

ويقول في موضع آخر في سبب انتشار المذهب الزيدي وأنّ من أسبابه: «فتح باب الاختيار من المذاهب الاَُخرى فقد صار هذا المذهب بهذا الاختيار حديقة غنّاء تلتقي فيها أشكال الفقه الاِسلامي المختلفة، وأغراسه المتبائنة وجناه المختلف الاَلوان والطعوم، وإن كان ذلك نتيجة لفتح باب الاجتهاد فيه، فقد اختاروا باجتهادهم من المذاهب الاَُخرى ما يتفق مع منطق المذهب أو أُصوله، وأُصوله متحدة أو على الاَقل متقاربة مع جملة الاَُصول التي قررها فقهاء المسلمين» (2) .

والحقيقة هي: أنّ المذهب الفقهي المعروف بالمذهب الزيدي في اليمن، نسبةً إلى الاِمام زيد أو المذهب الهادوي كما يروق للبعض اليوم أن يسميه وينسبه إلى الاِمام الهادي يحيى بن الحسين ولا فارق بين الاِمامين إلاّ في مسائل يسيرة جداً، نتيجة الاجتهاد المفتوح بابه في المذهب الزيدي حتى اليوم وإلى الاَبد إن شاء اللّه ـ هذا المذهب لم يكن مذهب إمام معين، ولكنّه خلاصة أبحاث عميقة، ودراسات واسعة مختلفة في كل مجالات الفقه الاِسلامي العظيم، وجهود مضنية استمرت في البحث والتنقيب والتصفية أكثر من سبعة قرون، وقام بتلك الاَبحاث


(1) أبو زهرة: الاِمام زيد: 331.
(2) أبو زهرة: الاِمام زيد: 488.

(180)

والدراسات أئمة أعلام من أهل البيت النبوي الشريف ومن تابعهم من الفقهاء المجتهدين، معتمدين في كل ذلك على المحكم من كتاب اللّه، والصحيح من سنّة رسول اللّه، وعلى القياس، والاِجماع، وأحياناً على الاستصحاب، والاستحسان، والمناسب المرسل ـ المصالح المرسلة ـ وهي التي تتفق مع المقاصد الشرعية فيما لا يوجد له نص في الكتاب أو السنّة إثباتاً أو نفياً كما سيأتي في موضعه إن شاء اللّه. وبسبب ذلك تصارع الاَئمة وأتباعهم أزماناً عديدة مع دسائس الملحدين وأفكار المندسين، كما تعاركوا مع جبابرة الاَهواء السياسية والاَحقاد العنصرية، جاعلين الاخلاص رائدهم، والحقّ مقصدهم، ورضوان اللّه غايتهم (1) .

ولعل حقيقة الحال تعلم من دراسة ما بقي منه من الآثار وأخص بالذكر ما طبعت وانتشرت منها فإنها مرآة ضمير الرجل، والمرء بآرائه وأفكاره.


(1) علي بن عبد الكريم: الزيدية نظرية وتطبيق: 14.


(181)

الفصل التاسع

هل دعا إلى نفسه

أو دعا إلى الرضا من العترة

إنّ هناك فرقاً واضحاً بين إمام الثورة والجهاد ـ الذي يقابل الظالمين والغاصبين بالطرد والقتل، ويُعبِّدَ الطريق لصلحاء الاَُمّة في المستقبل حتى يتفكروا في أمرهم بعد قمع الظالمين ـ والاِمام الذي فرضتْ طاعته من قَبل إمّا بتنصيص من اللّه ورسوله أو بإتفاق من أهل الحل والعقد أو ما أشبه ذلك. وزيد الثائر لم يكن من قبيل الثاني، وإنّما كان إمام الثورة والجهاد. قام بأخذ الثأر والاَمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة العدل، وإزاحة الظلم وتدمير عرش الاَمويين، فهو بهذا المعنى كان إماماً لا شك فيه، وقد أطبقت الزيدية والاِمامية على كونه إماماً بهذا المعنى ومن نسب غير ذلك إلى الاِمامية فهو باهت كاذب إنّما الكلام في كونه الاِمام المنصوص عليه بلسان النبي الاَكرم وأوصيائه فلم يكن زيد إماماً بهذا المعنى ولا إماماً مختاراً من قبل الاَُمّة ولا ادّعاه هو ولا أحد من أتباعه ومقتفيه، والذي يوضح ذلك ما نص عليه الشيخ المفيد وهو من متكلمي الشيعة في القرن الرابع. روى تلميذه المرتضى:

قال: حضر المفيد مسجد الكوفة، فاجتمع إليه أكثر من خمسمائة فقال له


(182)

رجل من الزيدية ـ أراد الفتنةـ: بأي شيء استجزت إنكار إمامة زيد؟ فقال: ظننت عليّ باطلاً وقولي في زيد لا يخالفني فيه أحد من الزيدية. فقال: وما مذهبك فيه؟ قال: إنّي أُثبت من إمامة زيد ما تثبته، وأُنفي ما تنفيه وأقول كان إماماً في العلم والزهد والاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنفي عنه الاِمامة الموجبة لصاحبها العصمة والنصَّ والمعجزة، وهذا ما لا يخالفني عليه أحد من الزيدية، فلم يتمالك من حضر من الزيدية أن شكروه ودعوا له وبطلت حيلة الرجل (1).

ولعل الجوّ السائد على مجلس المناظرة ـ كما يظهر من كلام تلميذه الجليل السيد المرتضى ـ لم يسمح للشيخ المفيد، أن ينفي حتى الشق الثاني وهو كونه إماماً مفترضة طاعتـه باختيار الاَُمّة.

نعم تضافرت الروايات على بيعة جماعة كثيرة معه لكن متعلق البيعة، هو الجهاد والنضال، وكونه أميره ورائده لا على الاِمامة بعد النجاح واكتساح الاَشواك.

نعم أنّ الطائفة الزيدية المتشكلة بعد رحيل الاِمام الثائر زعموا أنّه ادّعى الاِمامة لنفسه وكان الجهاد، لرفع الموانع عن طريق إمامته وحاكميته وقد اغترّوا بظواهر الاَمر، ولم يتدبروا في القرائن الحافة به.

وبذلك الزعم ـ صارت الاِمامة عند الاِمامية غيرها عند الزيدية وذلك:

إنّ مفهوم الاِمامة لدى الشيعة الاِمامية غيرها لدى الزيدية، فالطائفة الاَُولى تشترط في الاِمام النص والعصمة والمعجزة وكونه أعلم الاَُمّة وأفضلها سواء أقام بالسيف أم لا، وإنّمـا يتبع في القيام والجهاد مصالح الاَُمّة الاِسلامية فهي بين ما يفرض عليه القيام والجهاد أو يفرض عليه إرشاد الاَُمّة عن طريق آخر.


(1) المرتضى: الفصول المختارة: 277.

(183)

وهذا بخلاف الاِمامة لدى الزيدية فلايشترط فيها ما ذكرنا، قال الشيخ المفيد: الاِمامة عَلَم على من دان بوجوب الاِمامة ووجودها في كل زمان، وأوجب النصَّ الجلي والعصمة والكمال لكل إمام، ثم حصر الاِمامة في ولد الحسين بن علي _ عليهما السلام _ وساقها إلى الرضا علي بن موسى الرضا.

وأمّا الزيدية فهم القائلون بإمامة أمير الموَمنين علي بن أبي طالب، والحسن والحسين وزيد بن علي _ عليهم السلام _، وبإمامة كل فاطمي دعا إلى نفسه وهو على ظاهر العدالة، ومن أهل العلم والشجاعة وكانت بيعته على تجريد السيف للجهاد (1) .

وقال ابن المرتضى: «فالزيدية منسوبة إلى زيد بن علي _ عليه السلام _ يجمع مذهبهم تفضيل علي _ عليه السلام _ وأولويته بالاِمامة وقصرها في البطنين، واستحقاقها بالفضل والطلب لا بالوراثة ووجوب الخروج على الجائرين (2).

والذي يعرب عن موقفه في الاِمامة ما جاء في خطبه وفيها هذه الجمل التالية:

كلمات لزيد تعرب عن موقفه:

1 ـ الحمد للّه الذي أكمل لي ديني بعد أن كنتُ استحيي من رسول اللّه أن أرِدَ عليه ولم آمر أُمّته بمعروف ولم أنه عن منكر(3)

2 ـ واعلموا أنّه ماترك قوم الجهادَ قط إلاّ حُقِّروا وذلّوا(4)


(1) المفيد: أوائل المقالات: 8.
(2) ابن المرتضى: البحر الزخار: 1|40 وسيوافيك تفصيل عقيدتهم في الاِمامة فانتظر.
(3) السياغي: الروض النضير: 1|102.
(4) المصدر نفسه.

(184)

3 ـ أيّها الناس أعينوني على أنباط الشام فواللّه لايعينني عليهم منكم أحد إلاّ رجوت أن يأتيني يوم القيامة آمنا... (1).

ولاَجل ذلك تضافرت الروايات من طرقنا على أنّ زيداً ما دعا إلى نفسه وإنّما دعا إلى الرضا من آل محمّد، وأنّه لو ظفر لوفى، ومعنى هذه الروايات أنّه كان يمهّد الطريق لولاية الاِمام المنصوص عليه في لسان النبي والاَئمة الصادقين، وإليك بعض النصوص:

1 ـ قال الصادق _ عليه السلام _: إنّ زيداً كان موَمناً وكان عارفاً وكان صدوقاً أما إنّه لو ظفر لوفى، أما إنّه لو ملك عرف كيف يضعها(2).

2 ـ وقال _ عليه السلام _: إنّ زيداً كان عالماً وكان صدوقاً ولم يدعكم إلى نفسه وإنما دعاكم إلى الرضا من آل محمّد، ولو ظفر لوفى بما دعاكم إليه، وإنّما خرج إلى سلطان مجتمع لينقضه (3).

3 ـ وقال الاِمام الرضا _ عليه السلام _ في جواب سوَال المأمون عن ادّعاء زيد ما لم يكن له بحق:

إنّ زيد بن علي لم يدعُ ما ليس له بحقّ، وإنّه كان أتقى للّه من ذلك أنّه قال: أدعوكم إلى الرضا من آل محمّد، وإنّما جاء ما جاء فيمن يدعي أنّ اللّه نصَّ عليه ثم يدعو إلى غير دين اللّه ويضل عن سبيله بغير علم وكان زيد بن علي واللّه ممن خوطب بهذه الآية! "وجَاهِدُوا فِي اللّهِ حقّ جِهادِه") (4).

إنّ الاِمام الرضا _ عليه السلام _ نصَّ على موقف زيد من الاِمامة وهو أنّه كان


(1) المصدر نفسه: 1|127 ـ 128، والاَنباط: أخلاط الناس وعوامهم.
(2) الكليني: الكافي: الروضة الحديث 381.
(3) الكشي: الرجال: ترجمة السيد إسماعيل الحميري: برقم 144 ص 242.
(4) عيون أخبار الرضا، الباب 25، ص 249. وسيوافيك تفصيل المذاكرة بينهما ص 199 فلاحظ.

(185)

إمام الجهاد وقد جسّد قوله سبحانه: «وجاهدوا في اللّه حقّ جهاده» (1)وأين هو من الاِمامة المنصوص عليها من جانب اللّه بلسان نبيه وأوصيائه السابقين أو الاِمام المختار من جانب الاَُمّة. ولو كان زيد يتظاهر بالاِمامة فإنّما كان لغاية كسح الاَشواك عن طريقها ثم تسليم الاَمر إلى الاِمام المنصوص.

إنّ هناك نكتة اجتماعية وهي أنّ زيداً قام موطّناً نفسه على الشهادة، ومستميتاً متيقناً بأنّه سوف يقتل ويستشهد، وقد سمع من أبيه وأخيه وابن أخيه أنّه سوف يقتل ويصلب في الكناسة، وأنّه لم يكن شاكاً ولامتردداً في هذا الاَمر ومن كان هذا مآله ومستقبله فهل يمكن أن يدّعي الاِمامة بالمعنى المعروف بين المتكلمين أي قيادة الاَُمّة في جوانب شتى إلى الصلاح والفلاح، فإنّ القيام بهذا الواجب فرع الحياة وهو كان على الطرف الخلاف من هذا، فلم يبق إلاّ أن يكون أميراً في الجهاد قائداً في النضال، وإن قصرت حياته، وقلّ بقاوَه.

اعترافه بإمامة الاِمام الصادق _ عليه السلام _ :


1 ـ إنّ زيداً كان معترفاً بإمامة ابن أخيه جعفر الصادق _ عليه السلام _ بلا كلام، وكان يقول: من أراد الجهاد فإليّ، ومن أراد العلم فإلى ابن أخي جعفر (2).

2 ـ روى الصدوق في الاَمالي: عن عمرو بن خالد: قال زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: في كل زمان رجل منّا أهل البيت يحتج اللّه به على خلقه، حجّة زماننا ابن أخي جعفر بن محمد لا يضل من تبعه ولا يهتدي من خالفه(3).


(1) سيأتي نصّ الاِمام: في ص 199 ـ 200 في ضمن الرواية الثالثة عشرة.
(2) الخزاز القمي: كفاية الاَثر: ص 302.
(3) الصدوق: الاَمالي: 542 بحار الاَنوار: 46|173.

(186)

3 ـ روى الكشي عن عمار الساباطي، قال: كان سليمان بن خالد خرج مع زيد بن علي، قال: فقال له رجل ونحن وقوف في ناحية وزيد واقف في ناحية: ماتقول في زيد أهو خير من جعفر؟ قال سليمان: قلت واللّه ليوم من جعفر خير من زيد أيام الدنيا، فحرّك رأسه وأتى زيداً وقصّ عليه القصة فمضيت فانتهيت إلى زيد وهو يقول: جعفر إمامنا في الحلال والحرام (1).

4 ـ إنّ يحيى بن زيد سأل أباه عن الاَئمة، فقال: الاَئمة اثنا عشر، أربعة من الماضين وثمانية من الباقين فقلت: فسمّهم يا أبة. فقال: أمّا الماضون فعلي بن أبي طالب والحسن والحسين، وعلي بن الحسين، ومن الباقين أخي الباقر وبعده جعفر الصادق ابنه، وبعده موسى ابنه، وبعده علي ابنه، وبعده محمد ابنه، وبعده علي ابنه، وبعده الحسن ابنه، وبعده المهدي ابنه، فقلت له يا أبة: ألست منهم؟

قال: لا، ولكنّي من العترة، فقلت: فمن أين عرفت أساميهم؟ قال: عهد معهود عهده إلينا رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _(2)

5 ـ روى محمد بن مسلم: دخلت على زيد بن علي وقلت: إنّ قوماً يزعمون أنّك صاحب هذا الاَمر، قال: لا ولكنّي من العترة، قلت: فلمن يكون هذا الاَمر بعدكم؟ قال: سبعة من الخلفاء المهدي منهم.

قال محمد بن مسلم: دخلت على الباقر محمد بن علي _ عليهما السلام _، فأخبرته بذلك فقال: صدق أخي زيد، سبيل هذا الاَمر بعدي سبعة من الاَوصياء والمهدي منهم، ثم بكى _ عليه السلام _ وقال: وكأنّي به وقد صُلِب في الكناسة. يابن مسلم حدّثني أبي عن أبيه الحسين: قال: وضع رسول اللّه يده على كتفي، قال:


(1) الكشي: الرجال: ترجمة سليمان بن خالد برقم: 205 ص308.
(2) الخزاز: كفاية الاَثر: 300 وسيوافيك تذييل الخزاز بعد هذا الحديث، ورواياتها مسانيد، لا مراسيل اقتصرنا على نقل المتون روماً للاختصار.

(187)

ياحسين يخرج من صلبك رجل يقال له زيد، يُقتل مظلوماً إذا كان يوم القيامة حشر أصحابه إلى الجنة (1).

6 ـ روى الخزاز عن عبد العلاء ... قلت: فأنت صاحب الاَمر؟ قال: لا ولكنّي من العترة، قلت: فإلى من تأمرنا؟ قال: عليك بصاحب الشعر وأشار إلى الصادق ـ عليه السلام ـ (2).

7 ـ روى الخزاز قال: عن المتوكل بن هارون قال: لقيت يحيى بن زيد بعد قتل أبيه وهو متوجه إلى خراسان، فما رأيت رجلاً في عقله وفضله، فسألته عن أبيه _ عليه السلام _ فقال: إنّه قتل وصلب بالكناسة ثم بكى وبكيت حتى غشي عليه. فلما سكن قلت له: يا ابن رسول اللّه وما الذي أخرجه إلى قتال هذا الطاغي وقد علم من أهل الكوفة ما علم؟ فقال: نعم لقد سألته عن ذلك فقال: سمعت أبي ـ عليه السلام ـ يحدّث عن أبيه الحسين بن علي _ عليهما السلام _ قال: وضع رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يده على صلبي فقال: ياحسين يخرج من صلبك رجل يقال له: زيد يقتل شهيداً إذا كان يوم القيامة يتخطّى هو وأصحابه رقاب الناس ويدخل الجنّة، فأحببت أن أكون كما وصفني رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _.

ثم قال: رحم اللّه أبي زيداً، كان واللّه أحد المتعبّدين، قائم ليله، صائم نهاره يجاهد في سبيل اللّه عزّ وجلّ حقّ جهاده. فقلت: يا ابن رسول اللّه هكذا يكون الاِمام بهذه الصفة. فقال: يا أبا عبد اللّه إنّ أبي لم يكن بإمام ولكن كان من سادات الكرام وزهادهم، وكان من المجاهدين في سبيل اللّه، وقد جاء عن رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فيمن ادّعى الاِمامة كاذباً، فقال: مه يا أبا عبد اللّه إنّ أبي ـ عليه السلام ـ كان أعقل من أن يدّعي ما ليس له بحقّ وإنّما قال: «أدعوكم إلى الرضا


(1) الخزاز: كفاية الاَثر: 306.
(2) الخزاز: كفاية الاَثر: 307.

(188)

من آل محمد» عنى بذلك عمّي جعفر. قلت: فهو اليوم صاحب هذا الاَمر؟ قال: نعم هو أفقه بني هاشم.

ثم قال: يا أبا عبد اللّه إنّي أُخبرك عن أبي _ عليه السلام _ وزهده وعبادته، إنّه كان يصلّـي في نهاره ما شاء اللّه، فإذا جنّ عليه الليل نام نومة خفيفة، ثم يقوم فيصلّـي في جوف الليل ما شاء اللّه، ثم يقوم قائماً على قدميه يدعو اللّه تبارك وتعالى ويتضرّع له ويبكي بدموع جارية حتى يطلع الفجر. فإذا طلع الفجر سجد سجدة. ثم يقوم يصلي الغداة إذا وضح الفجر، فإذا فرغ من صلاته قعد في التعقيب إلى أن يتعالى النهار، ثم يقوم في حاجته ساعة، فإذا قرب الزوال قعد في مصلاه فسبح اللّه تعالى ومجّده إلى وقت الصلاة، فإذا حان وقت الصلاة قام فصلى الاَُولى وجلس هنيئة وصلى العصر وقعد تعقيبه ساعة، ثم سجد سجدة فإذا غابت الشمس صلى العشاء والعتمة. قلت: كان يصوم دهره؟ قال: لا ولكنه كان يصوم في السنة ثلاثة أشهر ويصوم في الشهر ثلاثة أيام. قلت: فكان يفتي الناس في معالم دينهم؟ قال: ما أذكر ذلك عنه. ثم أخرج إليّ صحيفة كاملة فيها أدعية علي بن الحسين _ عليهما السلام _ (1)

8 ـ روى الخزاز في حديث طويل عن محمد بن بكير قال: دخلت على زيد بن علي وعنده صالح بن بشر فسلمت عليه وهو يريد الخروج إلى العراق فقلت له: يا بن رسول اللّه... هل عهد إليكم رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ متى يقوم قائمكم؟ قال: يا ابن بكير إنّك لن تلحقه، وإنّ هذا الاَمر تليه ستة من الاَوصياء بعد هذا ثم يجعل اللّه خروج قائمنا، فيملاَها قسطاً وعدلاً، كما ملئت جوراً وظلما، فقلت: يا ابن رسول اللّه ألست صاحب هذا الاَمر؟ فقال: أنا من العترة، فعدت فعاد إليّ فقلت: هذا الذي تقول، عنك أو عن رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ؟ فقال: لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير، لا ولكن عهد عهده إلينا رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _، ثم أنشأ يقول:


(1) الخزاز: كفاية الاَثر: 303.

(189)

نحن سادات قريش * وقوام الحقّ فينا

نحن أنوار التي من * قبل كون الخلق كنّا

نحن منّا المصطفى المختار * والمهدي منّا

فبنا قد عرف اللّه * وبالحق أقمنا

سوف يصلاه سعيراً من * تولى اليوم عنّا (1)

9 ـ روى ابن شهر آشوب قال: ونسب إلى زيد أنّه رثا الباقر _ عليه السلام _ بهذه الاَبيات:

ثوى باقر العلم في ملحد * إمامُ الورى طيب المولد

فمن لي سوى جعفر بعده * إمام الورى الاَوحد الاَمجد

أيا جعفر الخير أنت الاِمام * وأنت المرجى لبلوى غد (2)

نصوص الاِمامية في تفسير خروجه:

نعم تفرقت الشيعة بعد استشهاده إلى فرقتين فرقة تقتفي زيد بن علي وتراه إماماً وفرقة أُخرى تقتفي الاِمام الصادق _ عليه السلام _ وكان بينهما نقاشات وخلافات نشبت من الجهل بموقف زيد، ولو كان لهم علم به لما كان لهذا الانقسام وجه، وقد أوضحه أعلام الاِمامية في كتبهم وإليك بعض كلماتهم:

1 ـ قال شيخنا المفيد في إرشاده وقال: واعتقد كثير من الشيعة فيه بالاِمامة وكان سبب اعتقادهم ذلك فيه خروجه بالسيف يدعو إلى الرضا من آل محمد


(1) الخزاز: كفاية الاَثر: 297.
(2) ابن شهر آشوب: المناقب: 4|197 طبعة بيروت. وقد مرّت الاَشعار في الفصل الثالث أيضاً بمناسبة بيان خطبه وأشعاره.

(190)

فظنّوه يريد بذلك نفسه، ولم يكن يريدها به لمعرفته باستحقاق أخيه ـ عليه السلام ـ للاِمامة من قبله ووصيته عند وفاته إلى أبي عبد اللّه (1).

2 ـ قال أبو القاسم القمي الخزاز ـ بعد نقل كلام يحيى بن زيد ـ الذي تعرفت عليه: فإن قال قائل: فزيد بن علي إذا سمع هذه الاَخبار وهذه الاَحاديث من الثقات المعصومين وآمن بها واعتقدها. فلماذا خرج بالسيف وادّعى الاِمامة لنفسه وأظهر الخلاف على جعفر بن محمد وهو بالمحل الشريف الجليل، معروف بالستر والصلاح، مشهور عند الخاص والعام بالعلم والزهد، وهذا ما لا يفعله إلاّ معاند أو جاحد، وحاشا زيداً أن يكون بهذا المحل؟

فأقول في ذلك وباللّه التوفيق: إنّ زيد بن علي بن الحسين _ عليهم السلام _ خرج على سبيل الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا على سبيل المخالفة لابن أخيه جعفر بن محمد _ عليهما السلام _، وإنّما وقع الخلاف من جهة الناس، وذلك أنّ زيد بن علي _ عليه السلام _ لما خرج ولم يخرج جعفر بن محمد ـ عليهما السلام ـ توهم من الشيعة أنّ امتناع جعفر كان للمخالفة وإنّما كان لضرب من التدبير، فلمّا رأى الذين صاروا للزيدية سلفاً قالوا: ليس الاِمام من جلس في بيته وأغلق بابه وأرخى ستره وإنّما الاِمام من خرج بسيفه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فهذا كان سبب وقوع الخلاف بين الشيعة، وأمّا جعفر وزيد ـ عليهما السلام ـ فما كان بينهما خلاف.

والدليل على صحة قولنا قول زيد بن علي _ عليه السلام _: «من أراد الجهاد فإليّ ومن أراد العلم فإلى ابن أخي جعفر» ولو ادّعى الاِمامة لنفسه لم ينف كمال العلم عن نفسه إذ الاِمام يكون أعلم من الرعية، ومن المشهور قول جعفر ـ عليه السلام ـ «رحم اللّه عمي زيداً لو ظفر لوفاه إنّما دعا إلى الرضا من آل محمد وأنا الرضا»(2).


(1) الاِرشاد: 268، طبعة النجف الاَشرف.
(2) الخزاز القمي: كفاية الاَثر: 301 ـ 302.

(191)

3 ـ قال شيخنا المجلسي: إعلم أنّ الاَخبار اختلفت وتعارضت في أحوال زيد وأضرابه كما عرفت لكن الاَخبار الدالة على جلالة زيد ومدحه، وعدم كونه مدعياً لغير الحقّ أكثر، وقد حكم أكثر الاَصحاب بعلو شأنّه (1).

وقال أيضاً: «وكان يدعو إلى الرضا من آل محمد _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وأنّه كان عازماً على أنّه إن غلب على الاَمر فوضه إلى أفضلهم وإليه ذهب أكثر أصحابنا ولم أر في كلامهم غيره (2).

4 ـ وقال الزنوزي في رياض الجنّة: إنّ زيد بن علي كان دائماً في فكر الانتقام والاَخذ بثأر جده الحسين _ عليه السلام _ ومن هذه الجهة توهم بعضهم أنّه ادّعى الاِمامة وهذا الظن خطأ لاَنّه كان عارفاً برتبة أخيه وكان حاضراً في وقت وصية أبيه ووضع أخيه في مكانه وكان متيقناً أنّ الاِمامة لاَخيه وبعده للصادق ـ عليه السلام ـ (3).

5 ـ وعن السيد الجليل بهاء الدين علي بن عبد الحميد النبلي النجفي رضوان اللّه عليه في كتابه الاَنوار المضيئة أنّه قال: زعم طوائف ممن لا رشد لهم أنّ زيد بن علي بن الحسين _ عليهم السلام _ خرج يدعو لنفسه وقد افتروا عليه الكذب، وبهتوه بما لم يدّعه لاَنّه كان عين إخوته بعد أبي جعفر _ عليه السلام _ وأفضلهم ورعاً وفقهاً وسخاءً وشجاعة وعلماً وزهداً وكان يُدعى حليف القرآن وحيث إنّه خرج بالسيف ودعا إلى الرضا من آل محمد زعم كثير من الناس لا سيما جهال أهل الكوفة هذا الزعم، وتوهموا أنّه دعا إلى نفسه ولم يكن يريدها له لمعرفته باستحقاق أخيه الاِمامة من قبله وابن أخيه لوصية أخيه إليه بها من بعده ـ إلى أن قال: ـ وقد انتشرت الزيدية فكثروا وهم الآن طوائف كثيرة في كل صقع أكثرهم باليمن ومكة وكيلان (4).


(1) المجلسي: البحار: 46|205 ومرآة العقول: 1|261.
(2) المجلسي: البحار: 46|205 ومرآة العقول: 1|261.
(3) السيد الاَمين: زيد الشهيد: 35، نقلاً عن رياض الجنّة وهي بعد مخطوطة.
(4) المصدر نفسه: 35 ـ 36.

(192)

6 ـ وقال السيد صدر الدين: « لو لم يظهر الصادق _ عليه السلام _ عدم الرضا بخروجه، ويصوب أصحابه في معارضتهم وإسكاتهم إياه، ولم يجب بالاِبهام والاعجام عند السوَال عن خروجه، لكان في ذلك نقض الغرض والتعريض بهلاك الاِمام (1) .

7 ـ قال السيد علي خان المشعشعي الحويزي في كلام له: «ولا ريب أنّ قصده ونيته إن استقام له الاَمر إرجاع الحقّ إلى أهله ويدلّ على ذلك رضاهم عنه، وإنّما لم يمنعه أبو عبد اللّه الصادق _ عليه السلام _ من الخروج مع علمه بأنّ هذا الاَمر لا يتم له وأنّه يقتل لاَنّهم _ عليهم السلام _ يعلمون ما يقع بهم وبذريتهم، وماقدر لهم لاَنّ عندهم علم ما كان وما يكون، وكان يعلم أن لا مفر مما قدر فلا وجه للمنع (2)

اً .

8 ـ وقال المحقق المامقاني: « إنّما ادعى الاِمامة ليتبعوه فيستنقذ الحقّ من المتغلبين، ثم يسلمه إلى أهله والظاهر أنّ هذا هو الضرب من التدبير الذي أشار إليه العياشي في كتابه مقتضب الاَثر(3)

لما كانت الروايات المروية عن زيد على قسمين، قسم ورد التصريح فيه بأسماء الاَئمه الاثني عشر كالرواية الرابعة وقسم أجمل فيه الكلام، كسائر الروايات التالية، علّق عليها السيّد عبد الرزاق المقرم بما يلي:

9 وقال السيّد المقرّم: وهذه الاَحاديث وإن لم تصرح بأسماء الاَئمة الذين يلون الخلافة من عترة النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لكن تفيدنا القطع ببراءته


(1) السيد صدر الدين بن الفقيه السيد محمد العاملي في تعليقته على ترجمة زيد من منتهى المقال وهي مخطوطة. لاحظ زيد الشهيد للسيد المقرم: 87.
(2) الحويزي: نكت البيان: كما في وقائع الاَيام لشيخنا الخياباني قسم الصيام: 44.
(3) المامقاني: تنقيح المقـال: 1|469 ـ 470. ما نقله من كتـاب مقتضب الاَثر للعياشي فإنّما هو الخزاز في كتابه: كفاية الاَثر، وليس في الكتاب الاَوّل عين ولا أثر ممّا نقله.

(193)

من تلك الدعاوى الفارغة من كل حقيقة، وأنّه طاهر الضمير، قابل لاِيداع أسرار الاِمامة فيه ومع ملاحظة رواية ابنه يحيى (الرابعة) يتضح المراد مما أجمل في هذه الاَحاديث.

ولو أعرضنا عن جميع ذلك لاَفادنا اعترافه باستحقاق الصادق ـ عليه السلام ـ للخلافة بعد الباقر _ عليه السلام _ وأنّه الحجّة التي لايضل من تبعه، ولا يهتدي من خالفه، سلوكه المحجّة البيضاء والطريق اللاحب في الاِمامة. وهل يقع الشك في اعترافه بإمامة الصادق _ عليه السلام _ وهو يقول لعبد اللّه بن أبي العلاء (الرواية السادسة) وقد قال له: «أنت صاحب هذا الاَمر، قال: لا ولكنّي من العترة ـ قال له: ـ فإلى من تأمرني، قال: عليك بصاحب الشعر».

روى الكشي عن سورة بن كليب قال: قال لي زيد بن علي: ياسورة كيف علمتم أن أصاحبكم على ما تذكرونه؟

قال: قلت على الخبير سقطت. قال فقال: هات! فقلت له: كنّا نأتي أخاك محمد بن علي _ عليه السلام _ نسأله فيقول: قال رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وقال اللّه عزّ وجلّ في كتابه حتى مضى أخوك فأتيناكم وأنت فيمن أتينا، فتخبرونا ببعض ولا تخبرونا بكل الذي نسألكم عنه، حتى أتينا ابن أخيك جعفراً فقال لنا كلما قال أبوه قال رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وقال تعالى، فتبسّم وقال: أما واللّه إنّ قلت بذا فانّ كتب علي صلوات اللّه عليه عنده(1)

ثم إنّ السيد المقرم ـ بعد المناقشة في دلالة أو سند الروايات الذامّة ونقدها نقداً علمياً ـ يقول: «من جميع ما مر فقد تجلّـى الحقّ، وانكشف بطلان دعواه الاِمامة لنفسه عن جد وعقيدة، وما هي إلاّ أساطير لفقهاء دعاة الباطل للحطّ من كرامة تلك الذات الطاهرة بغضاً وعدواناً، وإن تكن تلك الدعاوى، فإنّما الغرض منها استنقاذه الحقّ من أيدي المتغلبين عليه، ولاة الجور وأرباب الباطل وإعادته


(1) الكشي: الرجال: ترجمة سورة بن كليب برقم 240.

(194)

إلى أهله كما يفصح عنه قول الصادق _ عليه السلام _: «كان زيد عالماً وصدوقاً ولم يدعكم إلى نفسه وإنّما دعاكم إلى الرضا من آل محمد ولو ظفر لوفى بما دعا إليه» وهذا من أهم الوسائل إلى استحصال الحقّ المغصوب، وإعادة سلطان العدل إلى أهله، ولو أعلن الدعوة للاِمام الصادق ـ كما يريده ضعيف النظر، قاصر البصيرة، لرأيت هناك الاَضرار البالغة التي تلحق الاِمام من أئمة الجور "تَكادُ السَّمواتُ يَتَفَطَّرنَ مِنهُ وَتَنشَقُّ الاََرْضُ وَتَخرُّ الجِبال")(1).



(1) السيد المقرم: زيد الشهيد: 63 و 86.

(195)

الفصل العاشر

موقف أئمة أهل البيت

من خروج زيد وجهاده

إنَّ موقف أئمة أهل البيت _ عليهم السلام _ من خروج ثائرهم، كان إيجابياً، لا سلبياً وكانوا يرون أنّ خروجه ونضاله، مطابق للكتاب والسنّة، بمعنى أنّ الخروج حين ذاك لم يكن تكليفاً إلزامياً على الاِمام ولا على غيره، ولكنه لو خرج مسلم لاِزالة الطغاة عن منصّة الحكم، وتبديد هياكل الفساد والظلم، من دون أن يدعو إلى نفسه، كان على المسلمين عونه ومناصرته، وإجابة دعوته.

وكان خروج زيد على هذا الخط الذي رسمناه وهذا ما يستفاد من الروايات المستفيضة، وإليك بعض ما وقفنا عليه:

1ـ لمّا بلغ قتـل زيد إلى الاِمام الصـادق _ عليه السلام _ قال: «إنّا للّه وإنّا إليه راجعون، عند اللّه أحتسب عمي إنّه كان نعم العم. إنّ عمي كان رجلاً لدنيانا وآخرتنا، مضى واللّه عمي شهيداً كشهداء استشهدوا مع رسول اللّه وعلي والحسين صلوات اللّه عليهم» (1).


(1) الصدوق: عيون أخبار الرضا _ عليه السلام _ : 1|252 ح6، الباب 25.

(196)

2 ـ وقال أيضاً في حديث: «إنّ الباكي على زيد فمعه في الجنّة، فإمّا الشامت فشريك في دمه» (1)

3 ـ وقال الشيخ المفيد: لما قتل زيد بلغ ذلك من أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ كل مبلغ، وحزن له حزناً عظيماً حتى بان عليه وفرّق من ماله في عيال من أُصيب معه من أصحابه ألف دينار . روى ذلك أبو خالد الواسطي قال: سلّم إليَّ أبو عبد اللّه _ عليه السلام _ ألف دينار أمرني أن أُقسمها في عيال من أُصيب مع زيد، فأصاب عيال عبد اللّه بن الزبير أخي فضيل الرسان أربعة دنانير (2).

4 ـ روى ابن سيابة قال: دفع إليّ أبو عبد اللّه الصادق جعفر بن محمد ـ عليهما السلام ـ ألف دينار وأمرني ان أُقسمها في عيال من أُصيب مع زيد بن علي ـ عليه السلام ـ فقسمتها فأصاب عبد اللّه بن الزبير أخا فضيل الرسّان أربعة دنانير(3).

5 ـ روى الصدوق عن عبد اللّه بن سيابة أنّه أتى رسول بسـام الصيرفي بكتاب فيه: أمّا بعد، فإنّ زيد بن علي قد خرج يوم الاَربعاء غرة صفر، ومكث الاَربعاء والخميس وقتل يوم الجمعة، وقتل معه فلان وفلان، فدخلنا على الصادق _ عليه السلام _ فدفعنا إليه الكتاب، فقرأه وبكى، ثم قال: «إنّا للّه وإنّا إليه راجعون. عند اللّه أحتسب عمي، إنّه نعم العم، إنّ عمي كان رجلاً لدنيانا وآخرتنا ...» إلى آخر ما مر في الحديث الاَوّل (4).

6 ـ روى ابن شهر آشوب بلغ الصادق _ عليه السلام _ قول الحكيم بن عباس الكلبي:


(1) بحار الاَنوار: 46|193 ح 63.
(2) المفيد: الاِرشاد: 269، الباب 175، حياة الاِمام علي بن الحسين، لاحظ الحديث العاشر أيضاً.
(3) الصدوق: عيون أخبار الرضا _ عليه السلام _ : 1|249، بحار الاَنوار: 46|170.
(4) الصدوق: عيون أخبار الرضا _ عليه السلام _ : 1|249؛ الباب 25.

(197)

صلبنا لكم زيداً على جذع نخلة * ولم أر مهدياً على الجذع يصلب

وقستم بعثمان علياً سفاهة * وعثمان خير من علي وأطيب

فرفع الصادق _ عليه السلام _ يديه إلى السماء وهما يرعشان. فقال: «اللهم إن كان عبدُك كاذباً فسلط عليه كلبك»، فبعثه بنو أُمية إلى الكوفة فبينما هو يدور في سككها افترسه الاَسد واتصل خبره بجعفر _ عليه السلام _، فخر للّه ساجداً، ثم قال: «الحمد للّه الذي أنجزنا وعده» (1).

7ـ روى الصدوق في معاني الاَخبار، قال: كنّا عند أبي عبد اللّه فذكر زيد، ومن خرج معه، فهمَّ بعض أصحاب المجلس أن يتناوله، فانتهره أبو عبد اللّه، وقال: «مهلاً ليس لكم أن تدخلوا فيما بيننا إلاّ بسبيل خير، إنّه لم تمت نفس منّا إلاّ وتدركه السعادة قبل أن تخرج نفسه ولو بفواق الناقة» قلت: وما فواق الناقة؟ قال: «حلابها» (2) .

8 ـ روى الحلبي: قال قال أبو عبد اللّه _ عليه السلام _: «إنّ آل أبي سفيان: قتلوا الحسين بن علي ـ صلوات اللّه عليه ـ فنزع اللّه ملكهم، وقتل هشام زيد بن علي فنزع اللّه ملكه، وقتل الوليد يحيى بن زيد فنزع اللّه ملكه» (3).

9ـ روى الصدوق بإسناده عن الفضيل بن يسار قال: انتهيت إلى زيد بن علي صبيحة يوم خرج بالكوفة، فسمتعه يقول: من يعينني منكم على قتال أنباط أهل الشام؟ فو الذي بعث محمداً _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بالحقّ بشيراً ونذيراً لا يعينني على قتالهم منكم إلاّ أخذت بيده يوم القيامة، فأدخلته الجنّة بإذن اللّه تعالى، فلمّا قتل ـ رضي اللّه عنه ـ اكتريت راحلة وتوجهت نحو المدينة فدخلت


(1) المناقب: 3|360، بحار الاَنوار: 46|192.
(2) معاني الاَخبار: 392، بحار الاَنوار: 46|179.
(3) الصدوق: ثواب الاَعمال وعقابها: 198، بحار الاَنوار: 46|182.

(198)

على أبي عبد اللّه فقلت في نفسي واللّه لا أخبرته بقتل زيد فيجزع عليه، فلما دخلت عليه قال: «ما فعل بعمي زيد ؟!» فخنقتني العبرة، فقال: «قتلوه؟» قلت: أي واللّه قتلوه، قال: «فصلبوه؟» قلت: أي واللّه فصلبوه، فأقبل يبكي ودموعه تنحدر من جانب خده كأنّها الجمان ثم قال: «يافضيل شهدت مع عمي زيد قتال أهل الشام؟» قلت: نعم، قال: «فكم قتلتَ منهم ؟» قلت: ستة، قال: «فلعلك شاك في دمائهم؟» فقلت: لو كنت شاكاً في دمائهم ماقتلتهم، فسمتعه يقول: «أشركني اللّه في تلك الدماء، مضى واللّه عمي وأصحابه مثل مامضى عليه علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ وأصحابه» (1).

10 ـ وروى الصـدوق عن حمزة بن حمران قـال: دخلت على الصادق ـ عليه السلام ـ فقال لي: «يا حمزة من أين أقبلت؟» فقلت: من الكوفة، فبكى حتى بلّت دموعه لحيته!فقلت له: يا بن رسول اللّه! مالك أكثرت من البكاء؟ فقال: «ذكرت عمي زيد وماصنع به فبكيت» فقلت له: وما الذي ذكرت منه؟ قال: مقتله وقد أصاب جبينه سهم، فجاءه ابنه يحيى فانكب عليه وقال له: أبشر يا أبتاه! فإنّك ترد على رسول اللّه وعلي وفاطمة والحسن والحسين _ عليهم السلام _ قال: أجل يابنيّ! ثم دعا بحدّاد فنزع السهم من جبينه، فكانت نفسه معه، فجيء به إلى ساقية تجري عند بستان زائدة، فحفر له فيها ودفن وأُجري عليه الماء، وكان معهم غلام سنديّ لبعضهم، فذهب إلى يوسف بن عمر ـ لعنه اللّه ـ من الغد، فأخبره بدفنهم إيّاه، فأخرجه يوسف وصلبه في الكناسة أربع سنين، ثم أمر به فأُحرق بالنار وذري في الرياح، فلعن اللّه قاتله وخاذله، وإلى اللّه جل اسمه أشكو ما نزل بنا أهل بيت نبيه بعد موته، وبه نستعين على عدونا وهو خير مستعان (2).


(1) عيون أخبار الرضا _ عليه السلام _: 1|253.
(2) أمـالي الصـدوق: 321، المجلـس: 62 ح3؛ وأمـالي الطوسـي: 2|48؛ والمجلـسي: البحـار: 46|172.

(199)

11 ـ قال الصادق _ عليه السلام _ لاَبي ولاّد الكاهلي: «رأيت عمي زيداً؟» قال: نعم رأيته مصلوباً، ورأيت الناس بين شامت وبين محزون محترق، فقال: «أمّا الباكي فمعه في الجنّة وأمّا الشامت فشريك في دمه» (1).

12 ـ روى الراوندي عن الحسن بن راشد قال: ذكرت زيد بن علي فتنقَّصته عند أبي عبد اللّه _ عليه السلام _ فقال: «لاتفعل، رحم اللّه عمي أتى أبي، فقال: إنّي أُريد الخروج على هذا الطاغية. فقال: لاتفعل، فإنّي أخاف أن تكون المقتول المصلوب على ظهر الكوفة ـ إلى أن قال الاِمام _ عليه السلام _ للحسن: ـ ياحسن إنّا أهل بيت لا يخرج أحدنا من الدنيا حتى يقرّ لكل ذي فضل فضله» (2).

13ـ روى الصدوق عن أبي عبدون عن أبيه قال: لمّا حمل زيد بن موسى بن جعفر إلى المأمون، وكان قد خرج بالبصرة، وأحرق دور ولد العباس، ووهب المأمون جرمه لاَخيه علي بن موسى الرضا _ عليه السلام _ وقال له: لئن خرج أخوك وفعل ما فعل، لقد خرج من قبله زيد بن علي فقتل ولولا مكانتك لقتلته فليس ما أتاه بصغير! فقال: _ عليه السلام _ له:

«لا تقس أخي زيداً إلى زيد بن علي فإنّه كان من علماء آل محمد ـ عليهم السلام ـ غضب له، فجاهد أعداءه حتى قتل في سبيله، ولقد حدثني أبي موسى بن جعفر أنّه سمع أباه جعفر بن محمد يقول: رحم اللّه عمي زيداً إنّه دعا إلى الرضا من آل محمد ولو ظفر لوفى بما دعا إليه، ولقد استشارني في خروجه فقلت له: ياعم إن رضيت أن تكون المقتول المصلوب بالكناسة فشأنك، فلما ولي قال جعفر بن محمد _ عليه السلام _: ويل لمن سمع واعيته فلم يجبه».

فقال المأمون: أليس قد جاء في من ادّعى الاِمامة بغير حقها ما


(1) الاَربلي: كشف الغمة: 2|442.
(2) الخرائج والجرائح: 232، البحار: 46|185.

(200)

جاء؟ فقال: _ عليه السلام _: «إنّ زيد بن علي لم يدع ما ليس له بحق، وإنّه كان أتقى من ذلك، إنّه قال: أدعوكم إلى الرضا من آل محمد _ عليهم السلام _ إنّما جاء ما جاء في من يدّعي أنّ اللّه نصَّ عليه، ثم يدعو إلى غير دين اللّه ويضل عن سبيله بغير علم، وكان زيد بن علي واللّه ممن خوطب بهذه الآية:

"وَجاهِدُوا فِي اللّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجتَباكُم") » (1).

14 ـ روى الشيخ الطوسي عن مهزم بن أبي بردة الاَسدي قال: دخلت المدينة حِدثان صلب زيد ـ رضي اللّه عنه ـ فدخلت على أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ فساعة رآني قال: «يامهزم ما فعل بزيد؟» قال: قلت: صلب، قال: « أين؟» قال: قلت: في كناسة بني أسد، قال: « أنت رأيته مصلوباً في كناسة بني أسد؟» قال: قلت: نعم، قال: فبكى حتى بكت النساء خلف الستور ثم قال: «أما واللّه لقد بقي لهم عنده طلبة ما أخذوها منه بعد» قال فجعلت أُفكر وأقول أي شيءٍ طلَبتهم بعد القتل والصلب؟ قال: فودعته وانصرفت حتى انتهيت الكناسة، فإذا أنا بجماعة فأشرفت عليهم، فإذا زيد قد أنزلوه من خشبته يريدون أن يحرقوه قال قلت: هذه الطلبة التي قال لي (2).

15 ـ روى الكليني عن سليمان بن خالد قال: قال لي أبو عبد اللّه ـ عليه السلام ـ: «كيف صنعتم بعمي زيد؟» قلت: إنّهم كانوا يحرسونه فلما شفّ الناس أخذنا خشبته فدفناه في جرف على شاطيء الفرات فلما أصبحوا جالت الخيل يطلبونه فوجدوه فأحرقوه فقال: «أفلا أوقرتموه حديداً وألقيتموه في الفرات ـ صلى اللّه عليه ـ» ولعن قاتله (3).


(1) الصدوق: عيون الاَخبار: 1|249، الباب 25.
(2) الطوسي: الاَمالي: 682.
(3) الكليني: الكافي: 8|161.

(201)

16 ـ روى الكليني عن الحسن بن الوشاء عمن ذكره عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ قال: «إنّ اللّه عزّ وجلّ أذن في هلاك بني أُمية بعد إحراقهم زيداً بسبعة أيام» (1) .

17 ـ روى أيضـاً عن أبـي هاشـم الجعفري قـال: سـألـت الرضا عن المصلوب؟ فقال: «أما علمت أنّ جدي صلّـى على عمه»(2).

18 ـ روى الكشـي في ترجمة السيـد الحميري عن فضيل الرسان، قال: دخلت على أبي عبد اللّه _ عليه السلام _ بعد ماقتل زيد بن علي _ عليه السلام _ فادخلت بيتاً في جوف بيت، وقال لي: «يا فضيل، قتل عمي زيد بن علي؟» قلت: نعم جعلت فداك، فقال: «رحمه اللّه، أما إنّه كان موَمناً وكان عارفاً وكان عالماً، وكان صدوقاً، أما إنّه لو ظفر لوفى، أما إنّه لو ملك لعرف كيف يضعها، قلت: ياسيدي ألا أُنشدك شعراً؟ قال: «أمهل» ثم أمر بستور فسدلت، وبأبواب فتحت، ثم قال: «أنشد» فأ نشدته:

لاَُمّ عمرو باللوى مربع * طامسة أعلامها بلقع (3)

هذه نماذج مما ورد عن أئمة أهل البيت حول جهاد زيد واستشهاده، ولو ضمت إليها ما ورد عنهم من المدائح حال حياته وقبل ميلاده، مما تقدم لما بقي شك في أنّ ثائر أهل البيت كان رجلاً مثالياً متقياً، عادلاً، مخالفاً لهواه، لايهمه سوى تجسيد الاِسلام بين الورى، وتبديد هياكل الظلم والطغيان.

يقول السيد المقـرم ـ بعد نقـل الاَحاديث المادحـة ـ: «على ضـوء هـذه


(1) الكليني: الكافي: 8|161.
(2) الكليني: الكافي: 3|215.
(3) الكشي: الرجال: 242 برقم 133، وذكر قسماً من عينية السيد الحميري المعروفة.

(202)

الاَحاديث الكريمة نعرف من الحقيقة أنصعَها ويتجلّـى من أعماق الاَصداف لوَلوَها، وانّ تلك الشخصية الشامخة على سبب وثيق من معادن الحقّ، وذات كرامة قدسية تهبط من الملاَ الاَعلى، وأنّ الاَئمة الهداة يتفألون من غرة تلك النهضة الهاشمية أن يعود الحقّ إلى نصابه، وهي القوة التي تتحطم بها هياكل الباطل وتعقد عليها الآمال، وهي التي أظهرت مظلومية الاَئمة، ومثّلت للملاَ أحقيتهم بالخلافة، من غيرهم ذوي الاَطماع وأرباب الشهوات، وانكشف لنا بكل وضوح امتثاله أمر الاِمام في نقض دعائم الاِلحاد وتبديد جيش الظلم والباطل، وتفريق جماهير الشرك وأحزاب الضلال، وعبدة المطامع والاَهواء، خصوصاً إذا قرأنا قول الباقر ـ عليه السلام ـ: «ويل لمن سمع واعيته فلم يجبه» وقول الصادق _ عليه السلام _: «إذا دعاكم فأجيبوه وإذا استنصركم فانصروه» وقوله: «أشركني اللّه في تلك الدماء» وقوله عندما سئل عن مبايعته: «بايعوه» وقوله: «خرج على ما خرج عليه آباوَه» وقوله: «برىَ اللّه ممن تبرّأ من عمي زيد». فإنّ هذه الاَحاديث تدلنا على أنّه لم يقصد إلاّ إصلاح أُمّة جده _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ولم يدع إلاّ إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة.

وهناك جملة أُخرى من الاَحاديث حكت لنا مقايسة الاِمام _ عليه السلام _ شهادة زيد بالشهداء الذين استشهدوا مع النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وعلي والحسين _ عليهما السلام _ وقد استشهد هنالك رجال كانت لهم منازل عالية ومقامات رفيعة يغبطهم عليها جميع الشهداء، وقد نال زيد بذلك التشبيه والمقايسة تلك المراتب العاليه وحاز ذلك الشرف الباهر، فحقيق إذاً إذا قال الباقر _ عليه السلام _ في دعائه: «اللهم أُشدد أزري بزيد»، وقال النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «يأتي زيد وأصحابه يوم القيامة يتخطّون رقاب الناس غُرّاً محجلين يدخلون الجنّة بغير حساب، وكانوا فرحين مسرورين بما أُوتي لهم من النعيم الدائم» (1).


(1) المقرم: زيد الشهيد: 59.


(203)

الفصل الحادي عشر

الخط الثوري

المدعَم من قبل أئمة أهل البيت

كان الاِمام الصادق _ عليه السلام _ يعيش في جو مفعم بالمراقبة والملاحقة من جانب الحكومة الاَموية وكانت عيون النظام ترصده عن كثب وترفع تقارير عن حياته اليومية إلى العاصمة، ولاَجل ذلك كان الاِمام يتجنب عن التظاهر بأية ثورة ضد النظام إذ نتيجة ذلك هو إلقاء القبض على الاِمام، وإنهاء حياته، وإطفاء نور الاِمامة والقضاء على الجامعة العلمية التي أسسها الاِمام في عاصمة الاِسلام وربّى في حجره وحضنه مئات المفسرين والمحدثين وقد أعاد بذلك، السنّة النبوية والاَحكام الشرعية إلى الساحة الاِسلامية بعد اندراسها، كما فعل أبوه الاِمام الباقر _ عليه السلام _ كذلك، وفي القضاء على حياته أو الحيلولة بينه وبين الاَُمّة خسارة كبرى لا تجبر بشهادته.

ومن جانب آخر، كان خروج زيد الثائر مورد الرغبة من الاِمام فكيف لا يرضى بذلك وهو يثير المسلمين ضد النظام ويحرضهم على تقويضه وقلبه، وهي خطوة كبرى للمنية العظيمة.


(204)

وبملاحظة هذين الاَمرين يعلم أنّه لم يكن للاِمام بد من الاِبهام في الكلام بشكل تفهم البطانة موقفه من استشهاده ويتحيّر الاَجانب فيه، وهذا هو السبب لوجود الاِبهام والاِعجام في كلامه.

ففي موقف يبكي على عمّه ويسيل دموعه على خديه، وتبكي من كانت وراء الستار من الهاشميات، يُعرِّف عمّه شهيداً ويعرّف الشهداء في موكبه كالشهداء الذين أراقوا دماءهم مع رسول اللّه وعلي والحسين _ عليهم السلام _ وربما يزيد على ذلك ويقول: «إنّ الباكي على زيد معه في الجنّة والشامت له شريك في دمه» إلى غير ذلك من الاِطراء والثناء على عمّه والذين استشهدوا في طريقه(1) .

وفي موقف آخر يتظاهر بالابتعاد عن خروج زيد واستشهاده، فكل من يرد عليه من الكوفة يسأله عن عمه ويكرر السوَال، وكأنّه لم يكن مطلعاً عما جرى عليه من المصائب، كل ذلك كان ضرباً من التدبير للاِمام _ عليه السلام _ فأي رضى أولى من دعائه على الحكيم بن عباس الذي أنشأ شعراً في حقّ زيد، وقال:

صلبنا لكم زيداً على جذع نخلة * ولم أر مهدياً على الجذع يصلب

فرفع الصادق _ عليه السلام _ يديه إلى السماء وهما ترتعشان، وقال: «اللهم إن كان عبدك كاذباً فسلط عليه كلبك» (2).

إنّ بقاء الاِسلام رهن دعامتين:

الاَُولى: التعليم والتربية وتثقيف الاَُمّة ووعيها وتعليم الكتاب والسنة وغير ذلك مما يرجع إلى الثقافة الاِسلامية العامة.

الثانية: إصلاح المجتمع والحفاظ على البيئة وتفويض الاَمر إلى صلحاء


(1) أُنظر إلى الروايات الواردة تحت «عنوان موقف الاَئمة من استشهاده» في هذا الجزء.
(2) مضى مصدره في ص 197، الرواية السادسة، فراجع.

(205)

الاَُمّة الذين عليهم تجسيد الاِسلام في الساحة الاجتماعية ولايتم ذلك إلاّ بالكفاح ضدَّ الظالمين وإبادتهم وتسليم الاَمر إلى صلحاء الاَُمّة.

وكانت المصالح الزمنية تفرض الاَمر الاَوّل على عاتق الاِمام الصادق ـ عليه السلام ـ إذ كان هو عالم الاَُمّة وراعيها، والواقف بأسرار الكتاب والسنّة، ولولاهما لما قامت هذه الدعامة وسقطت يومذاك، وأمّا الدعامة الثانية فكان على عاتق زيد الثاثر، والثائرون بعده على خط الاِمام زيد كيحيى بن زيد، وعيسى بن زيد، والحسين بن زيد، ومحمد بن زيد (دون الحسنيّين الذين ثاروا في عصر العباسيين) وكانوا هم القائمون بهذه الفريضة فكيف يمكن للاِمام أن يُخطّئهم من صميم ذاته لذلك يرى أنّه يصف الزيدية، وقاء، ويقول لاَصحابه: كفوا ألسنتكم والزموا بيوتكم فإنّه لا يصبكم أمر تخصون به أبداً ولا تزال الزيدية لكم وقاءً أبدا(1).

إنّ بعض المتحمسين من الشبان في عصر الاِمام الصادق _ عليه السلام _ كانوا يفرضون عليه أن يودع زيداً عند الوفود إلى العراق، ويدعو له ويتظاهر بدعم نضاله وجهاده وعندما بلغه استشهاده، يعلن الحداد العام ويجلس في بيته للعزاء وما أشبه ذلك، لكن كانت هذه أفكاراً فوضوية تختمر في صدور أُناس لم يكن لهم إلمام بالظروف المحدقة بالاِمام، فما قام به الاِمام من السير بين الخطين كان هو الموَمّن لحياته، ونضاله العلمي وخدماته المشكورة ولم يكن القضاء على حياة الاِمام الصادق _ عليه السلام _ وجامعته العلمية عند الخلفاء أشد من القضاء على حياة زيد الثائر.

وفي نهاية المطاف نقول: لم يكن قيام زيد وخروجه أقل قيمة من خروج المختار الثائر، نرى أنّ الاِمام علي بن الحسين وعمه محمد بن الحنفية والهاشميات يخرجون من حدادهم على الاِمام الحسين _ عليه السلام _ عندما


(1) الكليني: الكافي: 2|باب التقية، الحديث13.

(206)

بعث المختار بروَوس الخونة وقتلة الاِمام الحسين _ عليه السلام _ حتى أنّ الاِمام السجاد _ عليه السلام _ يخر ساجداً ويعد عمل المختار مشكوراً، فأين المختار من زيد الثائر وإن كان عمل الجميع مشكوراً.

ومع أنّ الاِمام الصادق _ عليه السلام _ قام بمواقف مشكورة في عيال زيد، ومن أُصيب معه، ولكن لما كان المتطرفون غير راضين بهذا الحد، وكانوا يطلبون من الاِمام نضالاً باهراً مثل زيد، فقاموا بوجه الاِمام _ عليه السلام _ في مواقف عديدة لم تكن محمودة، ولو نرى في بعض الاَحاديث أنّ الاِمام يتبرّأ من الزيدية فإنّما تبرّأ من المتطرفين غير العارفين بالمواقف الصحيحة في تلك الاَيام الخطيرة لا من زيد الثائر، ولا المستشهدين بين يديه ولا المقتفين أثره بعد استشهاده، عارفين بواجباتهم وواجبات أئمة أهل البيت، وبذلك تقدر على فهم الروايات الواردة في ذم بعض الزيدية فليس الذم راجعاً إلى زيد الطاهر، ولا إلى المقتفين أثره في ميدان النضال، ولا إلى مجيبيه بل راجع إلى المتطرفين المنتمين إليه، وكان هو ـ قدّس اللّه سرّه ـ بريئاً عنهم. فلنذكر بعضها إيقافاً للقارىء بمفادها:

1 ـ عن عمر بن يزيد قال: سألته عن الصدقة على النصَّاب وعلى الزيدية؟ فقال: «لا تصدق عليهم بشيء ولا تسقهم من استطعت» وقال: « الزيدية هم النصاب» (1).

2 ـ قد كان من المعروف أنّ الاِمام من كان عنده سلاح رسول اللّه ومتاعه وكان ذلك كلّه عند الاِمام الصادق _ عليه السلام _ كما سنذكر، وقد كان ذلك الاَمر ثقيلاً على بعض الزيدية، فكانوا يحاجون الاِمام الصادق _ عليه السلام _ وينكرون وجود السلاح ومتاع رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عنده ويقولون: إنّه عند عبد اللّه بن الحسن المثنى.


(1) الحر العاملي: وسائل الشيعة: 6| كتاب الزكاة، الباب 5 من أبواب المستحقين، الحديث5، لاحظ التهذيب: 4|54، الحديث12.

(207)

روى الكليني عن سعيد السمان، قال: كنت عند أبي عبد اللّه _ عليه السلام _ إذ دخل عليه رجلان من الزيدية، فقالا له: أفيكم إمام مفترض الطاعة؟ قال: فقال: «لا » (1)، قال: فقالا له: قد أخبرنا عنك الثقات إنك تفتي، وتقر وتقول به (بأنّ فيكم إماماً مفترض الطاعة) ونسمّيهم لك فلان وفلان وهم أصحاب ورع وتشمير وهم ممّن لا يكذب، فغضب أبو عبد اللّه _ عليه السلام _ فقال: «ما أمرتهم بهذا» (بوجود إمام مفترض الطاعة) فلما رأيا الغضب في وجهه خرجا، فقال لي: «أتعرف هذين؟» قلت: نعم هما من أهل سوقنا، وهما من الزيدية، وهما يزعمان أنّ سيف رسول اللّه عند عبد اللّه بن الحسن، فقال: «كذبا لعنهما اللّه واللّه ما رآه عبد اللّه بن الحسن بعينيه ولا بواحدة من عينيه ولا رآه أبوه. اللّهم إلاّ أن يكون رآه عند علي بن الحسين _ عليه السلام _ ...» (2).

ترى أنّ موقف الرجلين أمام الاِمام الصادق _ عليه السلام _ هو موقف أخذ الاِقرار منه بإمامة زيد ومن بعده وتكذيب إمامته وقيادته وأنّه ليس عنده سلاح رسول اللّه ولا متاعه فلم يكن بد من الاِمام _ عليه السلام _ من التعرض عليهم.

والذي يدلّ على ذلك ما رواه الكليني عن إسماعيل بن محمد بن عبد اللّه بن علي بن الحسين _ عليه السلام _ عن أبي جعفر _ عليه السلام _ قال: لما حضر علي بن الحسين الوفاة قبل ذلك أخرج سفطاً أو صندوقاً عنده قال: يا محمد احمل هذا الصندوق. قال: فحمل بين أربعة فلما توفي جاء إخوته يدعون [ما] في الصندوق، فقالوا: أعطنا نصيباً من الصندوق، فقال: واللّه مالكم فيه شيء، ولو كان لكم فيه شيء ما دفعه إليّ، فكان في الصندوق سلاح رسول اللّه وكتبه (3).


(1) قاله _ عليه السلام _ تقية أو تورية اتّقاء شرهما.
(2) الكليني: الكافي: 1|232 ـ 233، كتاب الحجّة، باب ما عند الاَئمة من سلاح رسول اللّه ومتاعه.
(3) الكافي: 1|305، كتاب الحجّة، باب الاِشارة والنص على أبي جعفر _ عليه السلام _ ، الحديث1.

(208)

وفي رواية أُخرى: التفت علي بن الحسين إلى ولده وهو في الموت وهم مجتمعون عنده، ثم التفت إلى محمد بن علي، فقال: «يامحمد هذا الصندوق، اذهب به إلى بيتك، قال: أما إنّه لم يكن فيه دينار ولا درهم ولكن كان مملوءاً علماً»(1).

3 ـ روى الكليني عن عبد اللّه بن المغيرة قال: قلت لاَبي الحسن ـ عليه السلام ـ: إنّ لي جارين أحدهما ناصب، والآخر زيدي ولابد من معاشرتهما فمن أُعاشر ؟ فقال: «هما سيّان، من كذَّب بآية من آيات اللّه فقد نبذ الاِسلام وراء ظهره، وهو المكذب بجميع القرآن والاَنبياء والمرسلين» قال: ثم قال: « إنَّ هذا نصب لكم، وهذا الزيدي نصب لنا» (2).

فكما أنّ المتشابه من الآيات تردّ على المحكمات وتستوضح بها، فهكذا الخبر المتشابه يفسر بالمحكم منه، فأين استرحامه لعمه وبكاءه عليه، ودعاءه على شاعر السوء، من هذه التعرضات والنقاشات، فتحمل الطائفة الثانية، على المتطرفين غير العارفين بمقام الاِمام الصادق _ عليه السلام _ مضافاً إلى أنّ في مضمونهما من القرائن المثبتة. فلاحظ.

الخط الثوري الثابت لاَئمة أهل البيت _ عليهم السلام _ :


كان لزيد عند الاِمام الصادق _ عليه السلام _، حساب خاص لا يعدل به إلى غيره، ويفضّله على الهاشميين ويتلقاه عالماً صدوقاً، غير متجاوزٍ عن طريق الحقّ وكان يعلن على أصحابه، أنّه لو ظفر لوفى بما نوى ودعا إليه، ولاَجل ذلك ليس من البعيد أن يقال إنّه كان مأذوناً من قبل الاِمام سراً كما نقله شيخنا المجلسي (3)


(1) الكليني: الكافي: 1|305، كتاب الحجّة، باب الاِشـارة والنـص على أبي جعفر ـ عليه السلام ـ، الحديث 2.
(2) الكليني: الكافي: 8|235، برقم 314.
(3) المجلسي: مرآة العقول: 1|261.

(209)

ويكفي في المقام ما يرويه الكليني: عن عيص بن القاسم، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ : «فانظروا على أي شيء تخرجون ولاتقولوا خرج زيد، فإنّ زيداً كان عالماً وكان صدوقاً ولم يدعكم إلى نفسه إنّما دعاكم إلى الرضا من آل محمد ـ عليهم السلام ـ ولو ظهر لوفى بما دعاكم إليه، إنّما خرج إلى سلطان مجتمع لينقضه فالخارج منا اليوم إلى أي شيء يدعوكم، إلى الرضا من آل محمد _ عليهم السلام _ فنحن نشهدكم أنّا لسنا نرضى به وهو يعصينا اليوم» (1).

ولم يكن له ذلك الموقف مع الحسنيّين الذين خرجوا، بعد زيد وابنه يحيى، وصاروا أئمة للزيدية للفرق الواضح بين زيد وابنه، وبين بني عبد اللّه بن الحسن، أعني:

1 ـ محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب المعروف بالنفس الزكية خرج بالمدينة لليلتين بقيتا من جمادي الآخرة من سنة خمسة وأربعين ومائة وقتل في شهر رمضان تلك السنة قتله أبو جعفر المنصور.

2 ـ إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن، خرج بالبصرة وقتل هناك في نفس السنة التي قتل فيها أخوه محمد بن عبد اللّه، وأُخذ رأسه وحمل إلى أبي جعفر المنصور ودفن بباخمرى.

وسيوافيك ترجمتهم في القسم الثاني من الكتاب.

والذي يعرب عن ذلك ما رواه أبو الفرج في كتابه عن عبد اللّه بن محمد بن علي، قال: إنّ جماعة من بني هاشم اجتمعوا بالاَبواء وفيهم:

1 ـ إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس.

2 ـ وأبو جعفر المنصور.


(1) الكليني: الكافي: 8|264، برقم 381.

(210)

3 ـ وصالح بن علي.

4 ـ وعبد اللّه (1)بن الحسن بن الحسن بن علي.

5 ـ ومحمد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي.

6 ـ وإبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي.

7 ـ ومحمد بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان.

فقال صالح بن علي: قد علمتم أنّكم الذين تمد الناس أعينهم إليهم، وقد جمعكم اللّه في هذا الموضع، فاعقدوا بيعة لرجل منكم، تعطونه إياها من أنفسكم وتوافقوا على ذلك، حتى يفتح اللّه وهو خير الفاتحين.

فحمد اللّه عبد اللّه بن الحسن وأثنى عليه ثم قال: قد علمتم أنّ ابني هذا هو المهدي فهلم لنبايعه.

وقال أبو جعفر: لاَيّ شيء تخدعون أنفسكم، واللّه لقد علمتم ما الناس إلى أحدٍ أصور (2) أعناقاً، ولا أسرع إجابة منهم إلى هذا الفتى، يريد به محمد بن عبد اللّه (3)، قالوا: قد واللّه صدقت، إنّ هذا الذي نعلم، فبايعوا محمداً جميعاً ومسحوا على يده.

قال عيسى (4) : وجاء رسول عبد اللّه بن الحسن إلى أبي: أن أئتنا، فإنّا مجتمعون لاَمر، وأرسل بذلك إلى جعفر بن محمد _ عليه السلام _.

وقال غير عيسى: إنّ عبد اللّه بن الحسن قال لمن حضر: لاتريدوا جعفراً


(1) وعبد اللّه بن الحسن كان أكبر سناً من الاِمام الصادق _ عليه السلام _ وكان من مواليد عام سبعين من الهجرة.
(2) أصور: بمعنى (أميل) كما في مكان آخر من مقاتل الطالبيين ص 257 وفي الاِرشاد (أطول) .
(3) أُنظر إلى هذا الخداع السياسي والنفاق المبطن فيصوره المنصور في هذا المجلس بما سمعت، ثم بعد تصدّره منصّة الحكم يقتله.
(4) عيسى بن عبد اللّه بن محمد بن عمر بن علي.

(211)

فإنّا نخاف أن يفسد عليكم أمركم.

قال عيسى بن عبد اللّه بن محمد: فأرسلني أبي أنظر ما اجتمعوا له؟ فجئتهم فإذا بمحمد بن عبد اللّه يصلي على طنفسة رجل مثنية فقلت لهم: أرسلني أبي إليكم أسألكم لاَيّ شيء اجتمعتم؟ فقال عبد اللّه: اجتمعنا لنبايع المهدي محمد ابن عبد اللّه.

قال: وجاء جعفر بن محمد _ عليه السلام _، فأوسع له عبد اللّه بن الحسن إلى جنبه فتكلم بمثل كلامه.

فقال جعفر _ عليه السلام _: «لاتفعلوا فإنّ هذا الاَمر لم يأت بعد، إن كنت ترى ـ يعني عبد اللّه ـ أنّ ابنك هذا هو المهدي فليس به، ولا هذا أوانه، وإن كنت إنّما تريد أن تخرجه غضباً للّه وليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فإنّا واللّه لاندعك وأنت شيخنا ونبايع ابنك في هذا الاَمر» (1).

فغضب عبد اللّه بن الحسن، وقال: لقد علمتُ خلاف ما تقول، [واللّه ما أطلعك على غيبه] ولكن يحملك على هذا الحسد لابني.

فقال: «واللّه ما ذاك يحملني، ولكن هذا وإخوته وأبناوَهم دونكم» وضرب بيده على ظهر أبي العباس (2)، ثم ضرب بيده على كتف عبد اللّه بن الحسن، وقال: «إنّها واللّه ما هي إليك ولا إلى ابنيك، ولكنها لهم، وإن ابنيك لمقتولان». ثم نهض فتوكأ على يد عبد العزيز بن عمران الزهري فقال: أرأيت صاحب الرداء الاَصفر ـ يعني أبا جعفر ـ؟ فقال له: نعم، قال: قال: «إنّا واللّه نجده يقتله» قال له عبد العزيز: أيقتل محمداً؟ قال: «نعم»، فقلت في نفسي: حسده ورب الكعبة، ثم قال: واللّه ما خرجت من الدنيا حتى رأيته قتلهما.


(1) بما أنّه أمير الجهاد، لا إمام الفقه والاجتهاد ولا الاِمام المفترض الطاعة.
(2) إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس.

(212)

قال: فلمّا قال جعفر _ عليه السلام _ ذلك ونهض القوم وافترقوا، تبعه عبد الصمد وأبو جعفر فقالا: يا أبا عبد اللّه أتقول هذا؟ قال: «نعم أقوله واللّه وأعلمه»(1).

قال أبو الفرج: وحدثني علي بن العباس المقانعي قال: أخبرنا بكار بن أحمد قال: حدثنا الحسن بن الحسين، عن عنبسة بن نجاد العابد قال: كان جعفر بن محمد _ عليهما السلام _ إذا رأى محمد بن عبد اللّه بن الحسن تغرغرت عيناه ثم يقول: «بنفسي هو، إنّ الناس ليقولون فيه، وإنّه لمقتول، ليس هو في كتاب علي ـ عليه السلام ـ من خلفاء هذه الاَُمّة» (2).

والاِمعان في هذه الرواية يعرب عن أمرين:

الاَوّل: أنّ محمد بن عبد اللّه اتّخذ موقفاً غير موقف زيد بن علي، حيث إنّ عبد اللّه بن الحسن يريد أن يصف، ابنه بأنّه هو المهدي الموعود كما قال: اجتمعنا لنبايع المهدي محمد بن عبد اللّه ولم يردّه ابنه وكأنّه قبله.

فيردعه الاِمام بقوله: «إنّ ابنك هذا ليس هو المهدي ولا أخاه».

ولكنّه رافقهم إذا خرجوا مثلما خرج زيد وقال مخاطباً أباه: «وإن كنت إنّما تريد أن تخرجه غضباً للّه وليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فإنّا واللّه لا ندعك وأنت شيخنا، ونبايع ابنك في هذا الاَمر».

ولما كان كلام الاِمام مخالفاً لما يهواه عبد اللّه غضب عليه وقال: واللّه ما أطلعك على غيبه ولكن يحملك على هذا الحسد لابني.

ورغم هذا الموقف الجافي كيف يمكن للاِمام _ عليه السلام _ أن يرافقهم،


(1) أبو الفرج: مقاتل الطالبيين: 206.
(2) أبو الفرج: مقاتل الطالبيين: 208، الاِرشاد: 294.

(213)

ويوَيدهم، ويساندهم، ولكنّه في نهاية المجلس تنبأ بما وجده في الكتب الموروثة، أنّ محمد بن عبد اللّه وأخاه يقتلان ويكون الرابح هو أبو جعفر المنصور صاحب الرداء الاَصفر، وقد وقع ما وقع، ورآه الناس حسب ما أخبر به الاِمام.

وبذلك يعرف مفاد الاَحاديث التي ترفض عمل الزيدية في العصور اللاحقة لحركة زيد فلا يرفض زيداً، ولا ابنه يحيى ولاثورته ونضاله، وإنّما يرفض أتباعه في العصور بعد استشهاده حيث كانوا يعاندون أئمة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ ونذكر منها ما يلي:

1 ـ روى الشيخ الطوسي عن عبد الملك أنّه قال لاَبي عبد اللّه: قلت: فإنّ الزيدية تقول ليس بيننا وبين جعفر خلاف إلاّ أنّه لا يرى الجهاد، فقال: «إنّي لا أرى!! بلى واللّه إنّي لا أراه ولكنّي أكره أن أدع علمي إلى جهلهم» (1).

2 ـ روى الكليني عن عبد الملك بن أعين قال لاَبي عبد اللّه _ عليه السلام _: إنّ الزيدية والمعتزلة قد أطافوا بمحمد بن عبد اللّه (2)فهل له سلطان؟ فقال: «واللّه إنّ عندي لكتابين فيهما تسمية كل نبي وملك يملك الاَرض لا واللّه ما محمد بن عبد اللّه في واحد منهما» (3)وبذلك يعلم مفاد سائر الاَحاديث (4)فلاحظ.

وحصيلة البحث أنّ الخط الرائج لاَئمة أهل البيت _ عليهم السلام _ بالنسبة للثورات والانتفاضات التي تحققت على يد الحسينيين والحسنيين إنّما كان هو خط العدل والاقتصاد.


(1) الكليني: الكافي: 5|19، باب من يجب عليه الجهاد: الحديث 1، 2.
(2) محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي الملقب بالنفس الزكية من أئمة الزيدية.
(3) الكليني: الكافي: 1|242 باب ذكر الصحيفة، رقم 7.
(4) لاحظ الكافي: 7|376، كتاب الديات باب فيما فيه نصاب من البهائم، الحديث17.

(214)

فلو كان الحافز عند الثائر هو الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والاِنكار على الظلم والعدوان، وتخليص المجتمع الاِسلامي من الفساد والدمار فالاِمام الصادق _ عليه السلام _ ومن بعده كانوا يوَيدون ذلك العمل، ويكون الثائر حينئذ مأذوناً من قبل الاِمام وتأخذ الثورة لنفسها صفة المشروعية.

وأمّا إذا كان الحافز عند الثائر إلى الثورة هو دعوة الناس إلى إمامة نفسه، وادّعاء الخلافة عن رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وإنّه ـ والعياذ باللّه ـ المهدي الموعود فلا يكون هناك أيّ مبرر لموافقتهم ومساندتهم.



(215)

الفصل الثاني عشر

موقف علماء الشيعة

من جلالة ووثاقة زيد الشهيد

إنّ موقف علماء الشيعة الاِمامية نفس موقف النبي وعترته الطاهرة ـ عليهم السلام ـ وإن كنت في شك من ذلك فاقرأ كلماتهم في حقه:

1 ـ قال المفيد: كان عين إخوته بعد أبي جعفر _ عليه السلام _ وأفضلهم، وكان ورعاً، عابداً فقيهاً، سخياً، شجاعاً، وظهر بالسيف يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويطلب بثارات الحسين _ عليه السلام _ (1).

2 ـ وقال النسابة أبو الحسن علي بن محمد العمري: كان زيد أحد سادات بني هاشم فضلاً وفهماً خرج أيام هشام الاَحول ابن عبد اللّه (2)فقتل وصلب ست سنين، وقيل أُحرق وذري في الفرات ـ لعن اللّه ظالميه ـ (3).

3 ـ وقال الطبرسي: إنّ زيداً كان من علماء آل محمد، غضب للّه فجاهد أعداءه حتى قتل في سبيله (4).


(1) الاِرشاد: 268، ط النجف.
(2) والظاهر عبد الملك.
(3) المجدي في الاَنساب: 1|156.
(4) أُنظر: رياض العلماء: 2|338.

(216)

4 ـ وقال ابن داود: زيد بن علي بن الحسين قتل سنة إحدى وعشرين ومائة، وله اثنتان وأربعون سنة شهد له الصادق _ عليه السلام _ بالوفاء وترحم له(1).

5 ـ قال الشهيد الاَوّل في القواعد: وجاز أن يكون خروجهم بإذن إمامٍ واجب الطاعة كخروج زيد بن علي _ عليه السلام _ وغيره من بني علي ـ عليه السلام ـ (2) .

6 ـ قال الشيخ عبد اللّه الاَفندي التبريزي: السيد الجليل الشهيد أبو الحسين زيد بن علي بن الحسين، إمام الزيدية وكان سيداً كبيراً عظيماً في أهله وعند شيعة أبيه، ولكن اختلفت الاَخبار وتعارضت الآثار بل كلام العلماء الاَخيار أيضاً في مدحه وقدحه، والروايات في فضله كثيرة، وقد ألّف جماعة من متأخري علماء الشيعة ومتقدميهم كتباً عديدة مقصورة على ذكر فضائله كما يظهر من مطاوي كتب الرجال ومن غيرها أيضاً.

ومن المتأخرين ميرزا محمد الاسترآبادي فله رسالة في أحوال زيد بن علي. هذا وأورد فيه كلام المفيد في الاِرشاد بتمامه، ونقل فيها أيضاً ما رواه الطبرسي في أعلام الورى، وما رواه ابن طاووس في ربيع الشيعة ونحوهما، وبالجملة فقد أورد فيها روايات كثيرة في مدحه.

قال بعض أفاضل السادات المعاصرين ضوعف قدره في أوائل شرح الصحيفة: هو أبو الحسين زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ـ عليهم السلام ـ أُمّه أُمّ ولد كان جمّ الفضائل عظيم المناقب، وكان يقال له: حليف القرآن. روى أبو نصر البخاري عن أبي الجارود، قال: قدمت المدينة، فجعلت كلّما سألت عن زيد بن علي. قيل لي: ذلك حليف القرآن. ذاك أُسطوانة المسجد من كثرة صلاته.


(1) ابن داود: الرجال: 1|10 (ذكره في القسم الاَوّل الذي خصّه بالموثوقين بخلاف القسم الثاني فقد خصّه بالمجروحين والمهملين).
(2) القواعد: 2|207 (ضمن القاعدة: 221) .

(217)

وقال الشيخ بهاء الدين العاملي في آخر رسالته المعمولة في إثبات وجود القائم _ عليه السلام _: الآن أيضاً إنّا معشر الاِمامية لا نقول في زيداً ـ رضي اللّه عنه ـ إلاّ خيراً وكان جعفر الصادق _ عليه السلام _ قد قال لاَصحابه: «إنّ زيداً يتخطّى يوم القيامة أهل المحشر حتى يدخل الجنّة» والروايات عن أئمتنا في هذا المعنى كثيرة(1).

7 ـ قال الكاظمي: اتّفق علماء الاِسلام على جلالته وثقته وورعه وعلمه وفضله، وقد روي في ذلك أخبار كثيرة حتى عقد ابن بابويه في العيون باباً لذلك(2).

8 ـ قال المحدّث النوري: وأمّا زيد بن علي فهو عندنا جليل القدر عظيم الشأن، كبير المنزلة، وما ورد مما يوهم خلاف ذلك مطروح أو محمول على التقية(3).

9 ـ قال المحقّق المامقاني: إنّي أعتبر زيداً ثقة وأخباره صحاحاً اصطلاحاً بعد كون خروجه بإذن الصادق _ عليه السلام _ لمقصد عقلائي عظيم وهو مطالبة حقّ الاِمامة إتماماً للحجّة وقطعاً لعذرهم بعدم مطالب له وقول جمع فيه بالاِمامة بتسويل الشيطان مع نفيه إياها من نفسه، وإثباته إياها لابن أخيه الصادق لا يزري فيه كعدم إزراء نسبة القائلين بإمامته إليه أحكاماً فقهية مخالفة للحق(4)

10 ـ وقال المحقّق الخوئي: وقد استفاضت الروايات غير ما ذكرناه في مدح زيد وجلالته وأنّه طلب بخروجه الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ إلى أن قال: ـ وإنّ استفاضة الروايات أغنتنا عن النظر في أسنادها (5).


(1) رياض العلماء وحياض الفضلاء: 2|318، وقد ترجم زيد بن علي ترجمة وافية، طالع هذا الجزء ص 318 ـ 352.
(2) راجع تكملة الرجال: 352، تنقيح المقال: 1|467.
(3) المستدرك: 3|599.
(4) تنقيح المقال: 1|469، 470.
(5) معجم رجال الحديث: 7|347 ـ 349.

(218)

ثم إنّه أفرد غير واحد من أعلام الاِمامية تأليفاً في زيد وفضله ومآثره، فمنهم:

1 ـ إبراهيم بن سعيد بن هلال الثقفي (م 283 هـ) له كتاب أخبار زيد.

2 ـ محمد بن زكريا مولى بني غلاب (م 298 هـ) له أخبار زيد.

3 ـ عبد العزيز بن يحيى الجلودي (م 368هـ) له أخبار زيد.

4 ـ محمد بن عبد اللّه الشيباني (م 372هـ) له كتاب فضائل زيد.

5 ـ الشيخ الصدوق أبو جعفر القمي (م 381هـ) له كتاب في أخباره.

6 ـ ميرزا محمـد الاسترابـادي صاحب الرجـال الكبير (م 1028هـ) لـه رسالة في أحوال زيد.

7 ـ السيد محسن الاَمين العاملي أحد كبار علماء الاِمامية في القرن الرابع عشر (م 1373هـ) له كتاب أبو الحسين زيد الشهيد وقد طبع في الشام.

8 ـ السيد عبد الرزاق الموسوي المقرم، له كتاب زيد الشهيد وفي ذيله كتاب تنزيه المختار، وقد طبع عام 1355هـ.

هذه كلمات علماء الشيعة الاِمامية في حقّ زيد وليس هناك من الشيعة الاِمامية من يبغضه أو يذمّه ولو ورد فيه روايات ذم فإنّما هي مطروحة أو موَوّلة لاتعادل ماتواترت عليه من الروايات الدالة على وثاقته، وجلالة قدره فمن أراد رمي الشيعة الاِمامية بغير هذا فهو كذاب يُعدُّ من رماة القول على عواهنه.

نعم بعدما خرج زيد، وجاهد وناضل وقتل وصلب وأُحرق اتّخذه أعداء الشيعة ذريعة للطعن على إمام الوقت جعفر الصادق _ عليه السلام _ وتوهم بعض الشيعة أنّ الاِمام من قام ونهض وجاهد، دون غيره وهذا لا صلة له بزيد الثائر.

وبذلك تقف على قيمة كلام رجلين يُعدّان من رماة القول على عواهنه:

أحدهما: أحمد بن تيمية في كتاب «منهاج السنّة».

ثانيهما: الآلوسي البغدادي.


(219)

قال ابن تيمية: إنّ الرافضة رفضوا زيد بن علي بن الحسين ومن والاه، وشهدوا عليه بالكفر والفسوق (1).

وقال الآلوسي: الرافضة مثلهم كمثل اليهود، الرافضة يبغضون كثيراً من أولاد فاطمة ـ رضي اللّه عنها ـ بل يسبونهم كزيد بن علي(2).

أقول: إنّ الرافضة ـ حسب تسمية الآلوسي ـ يقتفون أثر أئمتهم في كل صغيرة وكبيرة، فإذا كان هذا موقف أئمتهم فكيف يمكن للشيعة التخطّي عنه، والعجب أنّ الكاتبين كتبا ماكتبا ولم يرجعا إلى معاجم الرجال للشيعة وقد أطبقت معاجمهم على تزكيته وترفيع مقامه وتبجيله بكل كلمة.

* * *

بين أُباة الضيم وحماة الذل :

لم أجد أحداً ممن كتب عن زيد، وكفاحه وجهاده الرسالي الذي عرف به، من القدامى والجدد من يغمطه حقه ويزدري به، ويتكلم فيه بهمز أو لمز، غير الكاتب السلفي: الشيخ شمس الدين الذهبي، ومع أنّه يصف زيداً بأنّه كان أحد العلماء والصلحاء، لكنّه يصف جهاده سقطة وزلّة يقول في موضع من كتبه: «بدت منه هفوة فاستشهد، فكانت سبباً لرفع درجته في آخرته» (3)وفي كتاب آخر: «خرج متأوّلاً، قتل شهيداً وليته لم يخرج» (4).


(1) ابن تيمية: منهاج السنة: 2|126.
(2) السنة والشيعة: 52.
(3) تاريخ الاِسلام: حوادث (121 ـ 141هـ) ص 105. انظر إلى التناقض في كلامه إذ لو كان خروجه زلّة فكيف صار سبباً لرفع درجته في الآخرة.
(4) سير أعلام النبلاء: 5|391.

(220)

أقول: ما ذكره شنشنة أعرفها من كل سلفي يرى الجهاد والكفاح على الظلم والعدوان، أمراً محرّماً، والحياة مع الظالمين ومهادنتهم أمراً مشروعاً وسعادة، فهم حماة الذلّ، ودعاة الهوان، وأين هم من أُباة الظلم والضيم.

ومن أُصول الطائفة الاَُولى: الصبر تحت لواء السلطان على ما كان منهم، من عدل أو جور، ولا يخرج عليهم بالسيف وإن جاروا (1)وماذكره على طرف الخلاف مع ما حدّثه السبط الشهيد عن جده رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وذلك عندما اقترب من الكوفة استقبله الحر بن يزيد الرياحي بألف فارس مبعوثاً من الوالي عبيد اللّه ابن زياد لاِكراه الحسين على إعطاء البيعة ليزيد، وإرساله قهراً إلى الكوفة، فعند ذلك قام الاِمام وخطب بأصحابه وأصحاب الحُرّ بقوله: أيّها الناس إنّ رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال: «من رآى سلطاناً جائراً مستحلاً حُرَمَ اللّه ناكثاً لعهد اللّه، مخالفاً لسنّة رسول اللّه، يعمل في عباده بالاِثم والعدوان، فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول، كان حقاً على اللّه أن يُدخله مدخله، ألا وإنّ هوَلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفيء وأحلوا حرام اللّه، وحرّموا حلاله...» (2).

كيف يكون جهاده هفوة، مع أنّ الرسول الاَعظم تنبّأ به وأثنى عليه عندما نظر يوماً إلى زيد بن حارثة وبكى وقال: المظلوم من أهل بيتي، سميّ هذا، المقتول في اللّه، المصلوب من أُمتي سميّ هذا، ثم قال: ادنُ منّي يازيد ـ زادك اللّه حباً عندي ـ بإنّك سميّ الحبيب من ولدي (3).وقد بكى الوصي وأبكى، أفيصح العزاء والبكاء على السقطة والزلة.


(1) أبو الحسين الملطي: التنبيه والرد: 15.
(2) الطبري: التاريخ: 4|304.
(3) أخرجه السيوطي في الجامع الكبير كما في الروض النضير: 1|108.

(221)

وما أحسن قول أخي الاَوس لابن عمه وهو يريد نصرة رسول اللّه فخوّفه ابن عمّه وقال: أين تذهب فإنّك مقتول؟ فقال:

سأمضي وما بالموت عار على الفتى * إذا مانوى حقاً وجاهد مسلما

و واسى الرجال الصالحين بنفسه * وفارق مثبوراً وخالف مجرما

فإن عشت لم أندم وإن مت لم أُلم * كفى بك ذلاً أن تعيش وترغما(1)

ما عشت أراك الدهر عجبا :

لا أظنّ من قرأ صحائف حياة الملك الاَموي «هشام بن عبد الملك» يشك في أنّه كان دموياً سفّاكاً، لا يرى لدم الاِنسان أيّة قيمة إذا ظنّ ولو واحداً بالمائة، إنّه يريد خلافه، وقتل زيد وصلبه وإبقاء جثمانه الطاهر على الخشبة أربع أو ست سنوات، ثم حرقه ونسفه وذروه في الرياح والمياه، دليل واضح على أنّ الرجل بلغ في القسوة غايتها.

ومع ذلك كله ترى أنّ ابن سعد جاء في الطبقات ما يضيق به الاِنسان ذرعاً يقول: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا سحبل بن محمد قال: ما رأيت أحداً من الخلفاء أكره إليه الدماء ولا أشدّ عليه من هشام بن عبد الملك وقد دخله من مقتل زيد بن علي ويحيى بن زيد أمر شديد وقال: وددت أنّي كنت افتديتهما.

ثم ينقل عن أبي الزناد: ما كان فيهم أحد أكره إليه الدماء من هشام بن عبد الملك ولقد ثقل عليه خروج زيد بن علي، فما كان شيء حتى أتى برأسه، وصلب بدنه بالكوفة. ولي ذلك يوسف بن عمر في خلافة هشام بن عبد الملك (2).

أقول: نعم ولي ذلك يوسف بن عمر لكن بأمر منه حتى أنّ عامله في الكوفة


(1) المفيد: الاِرشاد: 225.
(2) ابن سعد: الطبقات الكبرى: 5|326.

(222)

والحيرة كان غافلاً عمّا يجري فيها من وثوب الناس على زيد ومبايعتهم له، إلى أن كشف عنه هشام، وأمره بما أمره.

روى أبو الفرج قال: لما قتل زيد رثاه الكميت بقصيدة هجا فيها بني أُمية يقول فيها:

فيا ربّ هل إلاّ بك النصر يُبتغى * وياربّ هل إلاّ عليك المعول

وهي طويلة يرثي فيها زيد بن علي، والحسين بن زيد ويمدح بني هاشم فلما قرأها هشام بن عبد الملك أكبرها وعظمت عليه واستنكرها وكتب إلى خالد يُقسم عليه أن يقطع لسان الكميت ويده، فلم يشعر الكميت إلاّ والخيل محدقة بداره فأُخذ وحبس في المخيّس... (1).

يقول ابن العماد الحنبلي في حوادث سنة 125:

وفيها مات في ربيع الآخر، الخليفة أبو الوليد هشام بن عبد الملك الاَموي، وكانت خلافته عشرين سنة إلاّ شهراً، وكانت داره عند الخواصين بدمشق فعمل منها السلطان نور الدين مدرسة، وكان ذا رأي وحزم وحلم وجمع للمال. عاش أربعاً وخمسين سنة، وكان أبيض سميناً أحول، سديداً حسن الكلام، شكس الاَخلاق، شديد الجمع للمال قليل البذل، وكان حازماً متيقّـظاً لايغيب عنه شيء من أمر ملكه، قال المسعودي: كان هشام أحول، فظّاً، غليظاً، يجمع الاَموال ويعمّر الاَرض، ويستجيد الخيل، وأقام الحلبة. اجتمع له فيها من خيله وخيل غيره أربعة آلاف فرس ولم يعرف ذلك في جاهلية ولا إسلام لاَحد من الناس، وقد ذكرت الشعراء ما اجتمع له من الخيل واستجاد الكساء والفرش وعدد الحرب، ولامتها، واصطنع الرجال، وقوّى الثغور واتّخذ القنى، والبرك بمكة وغير ذلك من الآبار التي أتى عليها داود بن علي في صدر الدولة العباسية، وفي أيامه عمل الحرز فسلك الناس جميعاً في أيامه مذهبه، ومنعوا ما في أيديهم فقلّ الاِفضال وانقطع


(1) الاَغاني: 17|4.

(223)

الرفد ولم ير زمان أصعب من زمانه.

ودخل هشام بستاناً له ومعه ندماوَه فطافوا به وفيه من كل الثمار، فجعلوا يأكلون ويقولون: بارك اللّه لاَمير الموَمنين فقال: وكيف يبارك لي فيه وأنتم تأكلونه ثم قال: أُدع قيّمه فدُعي به فقال له: أقلع شجره واغرس فيه زيتوناً حتى لا يأكل أحد منه شيئاً، وكان أخوه مسلمة مازحه قبل أن يلي الاَمر فقال له: ياهشام أتوَمل الخلافة وأنت جبان بخيل قال: أي واللّه العليم الحليم.

ومن نوادره ما روي أنّه تمادى في الصيد فوقع على غلام فأمر ببعض الاَمر!!فأبى الغلام وأغلظ له في القول وقال له: لا قرب اللّه دارك ولا حيّا مزارك ـ في قصة طويلة فيها ـ أنّه أمر بقتله وقرب له نطع الدم فأنشأ الغلام يقول:

نبئت أنّ الباز علّق مرّة * عصفور برّ ساقه المقدور

فتكلّم العصفور في أظفاره * والباز منهمك عليه يطير

ما فيّ ما يغني لبطنك شبعة * ولئن أكلت فإنّني لحقير

فتعجّب الباز المدل بنفسه * عجباً وأفلت ذلك العصفور

فضحك هشام وقال: يا غلام أحش فاه دراً وجواهر (1).

أقول: إذا كان هذا أكره الخلفاء للدماء وأشدهم عليه فمن هو أحرصهم عليها وعلى إراقتها، وكأنّي بشاعر المعرة يخاطب ابن سعد صاحب الطبقات ومن لفّ لفّه ويقول:

إذا وصف الطائي بالبخل مادر * وعيّر قساً بالفهاهة باقل

وقال السهى للشمس أنت خفية * وقال الدجى للصبح لونك حائل

وطاولت الاَرض، السماء ترفعاً * وفاخرت الشهب الحصى والجنادل

فياموتُ زُر إنّ الحياة ذميمةويانفس جدي، إنّ دهرك هازلا


(1) عماد الدين الحنبلي: شذرات الذهب: 162 ـ 164.


(224)



(225)

الفصل الثالث عشر

الثورات الناجمة عن ثورة

الاِمام الحسين

_ عليه السلام _

1 ـ ثورة أهل المدينة ومأساة الحرة.

2 ـ ثورة عبد اللّه بن الزبير في مكة المكرّمة أيام خلافة يزيد وبعدها.

3 ـ ثورة التوابين المستميتين في الكوفة.

4 ـ ثورة المختار بن أبي عبيدة الثقفي.

5 ـ ثورة عبد الرحمن بن محمد بن الاَشعث أيام عبد الملك.


(226)

أُباة الضيم وأخبارهم

قال ابن أبي الحديد:

سيد أهل الاِباء الذي علّم الناس الحميّة والموت تحت ظلال السيوف، اختياراً له على الدنيّة، أبو عبد اللّه الحسين بن عليّ بن أبي طالب _ عليهما السلام _ عُرِض عليه الاَمان، فأنِفَ من الذلّ، وخاف من ابن زياد أن ينالَه بنوعٍ من الهوان؛ إن لم يقتُله، فاختار الموت على ذلك (1)

الثورات الناجمة عن ثورة الاِمام الحسين _ عليه السلام _ :

أرى أنّ اللازم قبل كل شيء تبيين جذور ثورة الاِمام زيد، وما دفعه إلى الخروج وهل كان هناك حافز نفساني دفعه إلى القيام واكتساح الاَشواك عن طريق الخلافة التي كان يتبنّاها، أو كان هناك دافع خارجي يحضّه ويشوّقه إلى قبض الخلافة والزعامة، أو لا هذا ولا ذاك بل كان مستلهماً من ثورة جده الاِمام الحسين ـ عليه السلام ـ وكانت ثورته استمراراً لثورته، تلك الثورة التي أنارة الدرب لكل من يطلب الحقّ ويضحي في سبيله.

إنّ ثورة الحسين _ عليه السلام _ منذ تفجرها صارت أُسوة وقدوة للمضطهدين على وجه البسيطة، والمعذبين تحت نير الطغاة، وعلى المعانين من حكومات الجور والتعسف في الاَوساط الاِسلامية وانحراف الدول والحكومات عن خط العدل والاقتصاد.


(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 3|249.

(227)

وقد لمس الثائرون أنّ ثورة الحسين _ عليه السلام _ كانت ثورة مبدئية إلهية، لاَجل صيانة الدين عن التحريف والمجتمع عن الانحراف والاعتساف، فلاَجل إيقاف القارىَ على مبادىَ ثورته وغاياتها نذكر الحافز أو الحوافز التي دفعت الاِمام الحسين _ عليه السلام _ إلى الثورة والتضحية بشيخه، وكهله، وطفله الرضيع، حتى يتبين عمق الثورة وملامحها وآثارها. سلام اللّه عليه وعلى الثائرين المتأثرين التابعين لخطه.

الخصومة بين الحسين _ عليه السلام _ والحاكم الاَموي كانت مبدئية :

كانت الخصومة بين الهاشميين والاَمويين قائمة على قدم وساق منذ عصور قبل الاِسلام، وكانت الخصومة عند ذاك تتسم بالقبلية وإن كان العداء السائد يتغذى من أُمور تمت إلى المعنوية والمثالية بصلة، حيث إنّ الهاشمي كان عنوان الفضل والفضيلة ومثالاً للتقى على عكس ما كان أُمية وبنوه عليه، فكانوا منغمرين في الانهيار الخلقي، والانكباب على المادة والماديات وقد ألّف الموَرخ الشهير المقريزي كتاباً خاصاً أسماه بـ «النزاع والتخاصم بين بني أُمية وبني هاشم» نقتطف شيئاً قليلاً منه، حتى يتبيّن أنّ التخاصم في ذلك العصر وإن كان متسماً بالنزاع القبلي ولكنه كان مبنياً على تمتع بني هاشم بنفسيات كريمة وروحيات طيبة حيث كانوا رافلين في حلل الفضائل والفواضل على جانب الخلاف مما كانت عليه بنو أُمية.

مناشدة هاشم وأُمية :

نافر أُمية هاشماً على خمسين ناقة سود الحدق، تنحر بمكة وعلى جلاء عشر سنين وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي جد عمرو بن الحمق وكان منزله بعسفان وخرج مع أُمية أبو همهمة حبيب بن عامر بن عميرة بن وديعة بن الحارث


(228)

بن فهر ابن مالك الفهري، فقال الكاهن: «والقمر الباهر، والكوكب الزاهر، والغمام الماطر، وما بالجو من طائر وما اهتدى بعَلَم مسافر، من منجد وغائر، لقد سبق هاشم أُمية إلى المآثر أوّل منه وآخر، وأبو همهمة بذلك خابر».

فأخذ هاشم الاِبل فنحرها وأطعم لحمها من حضر، وخرج أُمية إلى الشام فأقام به عشر سنين فكان هذا أوّل عداوة وقعت بين بني هاشم وبني أُمية، ولم يكـن أُمية في نفسه هناك وإنّما يرفعه أبوه وبنوه وكان مضعوفاً وكان صاحب عهار، ويدلّ على ذلك قول نفيل بن عبد العزى جد عمر بن الخطاب حين تنافر إليه حرب بن أُمية وعبد المطلب بن هاشم فنفر عبد المطلب وتعجب من إقدامه عليه وقال:

أبوك معاهر وأبوه عفّ * وذاد الفيل عن بلد حـرام

وذلك أنّ أُمية كان يعرض لامرأة من بني زهرة، فضربه رجل منهم، ضربة بالسيف وأراد بنو أُمية ومن تابعهم إخراج زهرة من مكة فقام دونهم قيس بن العدي السهمي وكانوا أخواله... (1)

جاء نبي الاِسلام بدين سمح قد شطب على جميع ما كان في الجاهلية من أحقاد وضغائن، وقال في خطبة حجّة الوداع: ألا كلّ شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع» (2).

وبعد حروب ومعارك دامية قتلت فيها أبطال قريش وصناديدهم، كما استشهد لفيف من المهاجرين والاَنصار، دخل بنو أُمية في حظيرة الاِسلام متظاهرين به ولكن مبطنين الكفر والنفاق شأن كل حزب منهزم أمام تيّار جارف، فكانوا ينتهزون الفرص ليقضوا على الاِسلام باسم الاِسلام، وعلى العدل والتقى


(1) النزاع والتخاصم بين بني أُمية وبني هاشم: 20 ـ 21.
(2) الصدوق: الخصال: 487.

(229)

باسم الخلافة عن رسول اللّه وقد ظهرت بوادر ذلك في مجلس الخليفة عثمان بن عفان عندما بويع من جانب شورى سداسية أشبه بمسرحية سياسية حيث دخل عثمان بيته ومعه بنو أُمية، جالسين حوله، يتبجحون بإناخة جمل الخلافة على بابهم، وقد تلقاها رئيس القبيلة أبو سفيان إنّها إمرة سياسية أو سلطة بشرية وصلت إليهم، وإنّه كان كذلك في عصر الخليفتين السابقين وحتى الرسول الاَكرم وأنّه لم تكن هناك أية إمرة إلهية وخلافة دينية وليس هناك جنّة ولانار.

يقول أبو بكر الجوهري: إنّ أبا سفيان، قال لما بويع عثمان: كان هذا الاَمر في تيم، وأنّى لتيم هذا الاَمر. ثم صار إلى عدي فأبعد وأبعد، ثم رجعت إلى منازلها، واستقر الاَمر قراره، فتلقفوها تلقف الكرة.

وقال أيضاً: إنّ أبا سفيان قال لعثمان: بأبي أنت. أنفق ولا تكن كأبي حجر، وتُداولوها يابني أُمية تداول الولدان الكرة، فواللّه ما من جنةولا نار، وكان الزبير حاضراً، فقال عثمان لاَبي سفيان: أُغرب، فقال: يابني أهاهنا أحدٌ؟ قال الزبير: نعم واللّه لا كتمتها عليك (1)

أسّس عثمان حكومة أموية بحتة عزل سعد بن أبي وقاص عن ولاية الكوفة فولاها الوليد بن عقبة وكان أخاً لعثمان من أُمّه، كما أنّه عزل عمرو بن العاص عن خراج مصر عام 27هـ، واستعمل عليه عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح وكان أخاه من الرضاعة، وهو ابن خال عثمان، وأبقى معاوية على ولايته على الشام ولما كثرت الشكوى على عامله بالكوفة: الوليد بن عقبة، عزله فولى مكانه سعيد بن العاص، حتى قيل إنّ سبعاً وخمسين من ولاته وعماله الكبار كانوا من بني أُمية (2)

إنّ هذه الحوادث المريرة وأضعافها التي حفظها التاريخ وجئنا بقليل منها


(1) ابن أبي الحديد: شرح النهج: 2|45 نقلاً عن كتاب السقيفة للجوهري.
(2) لاحظ: الدينوري: الاَخبار الطوال: 139، ابن الاَثير: الكامل: 3|88 ـ 89، الطبري: التاريخ: 3|339 و 445 وغيرها.

(230)

في الجزء الخامس من هذه الموسوعة أغضبت جمهور المسلمين وأثارتهم ضد الخليفة حتى انتهت إلى قتله في داره، والمهاجرون والاَنصار، بين مجهز عليه، أو موَلّب ضده، أو مستبشر بمقتله أو صامت رهين بيته محايد عن الطرفين (1)

قُتل عثمان بسيف مروان بن الحكم الذي سلّه عليه بأعماله المأساوية في بلاطه، وجاء بعده الاِمام علي بن أبي طالب _ عليه السلام _ بإلحاح من الجماهير وبايعوه على أن يرد الاِسلام إلى عصر الرسول، وقد امتنع في بدء الاَمر عن قبول الخلافة وتزهد فيها كما تزهد في عصر الخلفاء، غير أنّه لمّا تمت الحجّة عليه ورأى أنّ في التقاعس عن قبولها ضرراً على الاِسلام والمسلمين أخذ بزمام الخلافة بيد من حديد وقد خضعت له الاَوساط الاِسلامية بعمالها وأُمرائها قاطبة إلاّ معاوية بن أبي سفيان، فقد استمر على العناد، واقفاً على أنّه لو بايع الاِمام للحقه العزل عن العمل، ومصادرة الاَموال الطائلة. فبقي على المخالفة وألّب بعض المهاجرين والاَنصار على الاِمام حتى بايعهم خفاء إلى أن يبايعهم جلياً بعد سحب الاِمام عن ساحة الخلافة، إلى أن آل الاَمر إلى تأجيج نار حروب ثلاثة (الجمل وصفين والنهروان) قد عرفت تفاصيلها في الجزء الخامس، فلو قتل في الجمل قرابة أربعة عشر ألف مقاتل من الطرفين، أو قتل في صفين سبعين ألف مقاتل من العراقيين والشاميين، أو نشبت حروب دامية بين أنصار علي والخارجين على بيعته، طوال سنين، فكلّها من جرائم وآثام ذلك الخلاف والعناد والخروج على الاِمام.

التحق الاِمام علي بن أبي طالب _ عليه السلام _ إلى الرفيق الاَعلى وقتل بيد أشقى الاَوّلين والآخرين عبد الرحمن بن ملجم عام أربعين، ومعاوية بعدُ قابع على كرسيه، وقد صفا له الجوّ برحيل علي _ عليه السلام _ فلم ير في الساحة إنساناً منافساً ولا مخالفاً سوى، الحسن بن علي _ عليه السلام _ لاَنّ الجماهير من المهاجرين والاَنصار الذين كانوا مع علي في العراق بايعوه بالخلافة والاِمامة ولكن معاوية خالفه ولم يبايعه كما


(1) الطبري: التاريخ: 3|399.

(231)

خالف أباه ولم يبايعه بل حاربه.

نشب الخلاف بين معاوية والحسن بن علي وانجر الاَمر إلى تجنيد الجنود ونفرهم إلى ميادين الحرب وبعد حوادث مريرة رأى الاِمام الحسن _ عليه السلام _ أنّ الاَصلح هو التنازل والتصالح تحت شروط ومبادىَ خاصة حفظها التاريخ، ومن أهم الشروط التي وقَّع عليها كل من معاوية والحسن بن علي، هو أنّه ليس لمعاوية أن يعهد إلى أحد من بعده عهداً (1)ولكن معاوية لم يكن ممن يعتمد على قوله وعهده ولا على حلفه ويمينه.

إنّ معاوية من الفئة الذين يقولون ولا يفعلون وقد أظهر نواياه بعدما تم التصالح فقال: إنّي واللّه ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتصوموا ولا لتحجّوا ولا لتزكّوا انّكم لتفعلون ذلك ولكني قاتلتكم لاَتأمّر عليكم وقد أعطاني اللّه ذلك وأنتم له كارهون ألا وإنّي كنت منّيت الحسن أشياء وأعطيته أشياء وجميعها تحت قدمي هاتين لا أفي بشيء منها له. (2)

رجع الحسن بن علي إلى مدينة جده، ومعه أخوه الحسين وبنو هاشم وكان يتجرع الغصص من آل أُمية طيلة حياته إلى أن سمّه معاوية بتغرير زوجته فوافاه الاَجل عام خمسين من الهجرة النبوية، وكان يضرب به المثل في الصبر والحلم. قال أبو الفرج: لما مات الحسن بن علي _ عليهما السلام _ وأخرجوا جنازته حمل مروان سريره، فقال له الحسين _ عليه السلام _: أتحمل سريره أما واللّه كنت تجرعه الغيظ، فقال: مروان إنّي كنت أفعل ذلك بمن يوازن حلمه الجبال (3)

لم يكن معاوية يجترىَ على نقض ما وقع من عدم العهد إلى أحد ما دام الحسن في قيد الحياة، وكان يتحين الفرص لنقض العهد واليمين وقد نقض أكثر


(1) ابن صباغ المالكي: الفصول المهمة: 163.
(2) المفيد: الاِرشاد: 191.
(3) أبو الفرج الاَصفهاني: مقاتل ا،لطالبيين: 49، طبعة النجف الاَشرف.

(232)

ما عهد ولم يبق إلاّ شيء واحد وهو أن لا يعهد إلى أحد وكان ولده يزيد أُمنيته وقرة عينه، ولما مات الحسن رأى الجو صافياً، فمهد الطريق لتنصيبه والياً من بعده، وقد بذل في طريق أُمنيته أموالاً طائلة لاَصحاب الدنيا من الصحابة والتابعين حتى أرضى طائفة بترغيبه ونقوده، وطائفة أُخرى بتخويفه وترهيبه. نعم بقى هناك لفيف قليل اشتروا سخط المخلوق برضا الخالق فلم يبايعوه بل ثاروا عليه ووبخوا معاوية على نقض عهده، منهم: أبو الشهداء الحسين بن علي فقد جاهر وطرد بيعته وذلك عندما أراد معاوية أخذ البيعة ليزيد فقام وحمد اللّه وصلى على الرسول، فقال بعد كلام: «وفهمت ما ذكرته عن يزيد من اكتماله وسياسته لاَُمّة محمد، تريد أن توهم الناس في يزيد، كأنّك تصف محجوباً، أو تنعت غائباً أو تخبر عما كان مما احتويته بعلم خاص. وقد دلّ يزيد من نفسه على موقع رأيه، فخذ ليزيد فيما أخذ به ومن استقرائه الكلاب المهارشة عند التحارش، والحمام السبق لاَترابهن، والقينات ذوات المعازف، وضروب الملاهي، تجده ناصراً، ودع عنك لما تحاول فما أغناك أن تلقى اللّه بوزر هذا الخلق بأكثر مما أنت لاقيه»(1)

تسنم معاوية منصة الحكومة فكان يحكم كالقياصرة والاَكاسرة إلى ان أدركته المنية عام ستين وجلس مكانه وليده وربيبه، ونظيره في الخَلق والخُلق، واهتز العالم الاِسلامي حينذاك حيث أحسّوا أنّ إنساناً خمِّيراً وسكّيراً لاعباً بالكلاب والقردة، تصدى للاِمارة وفي الحقيقة للقضاء على الاِسلام والمسلمين باسم الخلافة عن النبي الاَكرم، فعند ذاك تمت الحجّة على الحسين بن علي ـ عليه السلام ـ فجاهر بالخلاف والصمود أمامه حيث تجسد في الزمان قول جده رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه وإلاّ فعليه لعنة اللّه» (2)


(1) ابن قتيبة: الاِمام والسياسية: 1|169.
(2) الكليني: الكافي: 1|54، ط الغفاري.

(233)

وكان يزيد يحس بذلك عن كثب فكتب إلى عامله بالمدينة الوليد بن عقبة أن يأخذ الحسين بالبيعة له، فلما اجتمع مع عامله فعرض عليه البيعة فرفض بعد جدال عنيف بحضور مروان بن الحكم، وأصبح الحسين من غده يستمع الاَخبار فإذا هو بمروان بن الحكم قد عارضه في طريقه ونصحه بالبيعة ليزيد فعندئذ ارتجّ الحسين وثارت ثورته وقال: «إنّا للّه وإنّا إليه راجعون، وعلى الاِسلام السلام إذا بليت الاَُمة براع مثل يزيد»، ثم قال: «يا مروان أترشدني لبيعة يزيد، يزيد رجل فاسق لقد قلت شططاً من القول وزللاً ولا ألومك، فإنّك اللعين الذي لعنك رسول اللّه وأنت في صلب أبيك الحكم بن العاص، ومن لعنه رسول اللّه، فلا ينكر منه أن يدعو لبيعة يزيد، إليك عني ياعدو اللّه فإنّا أهل بيت رسول اللّه، الحقّ فينا ينطق على ألسنتنا وقد سمعت جدي رسول اللّه يقول: الخلافة محرمة على آل أبي سفيان الطلقاء وأبناء الطلقاء، فإذا رأيتم معاوية على منبري فابقروا بطنه. ولقد رآه أهل المدينة على منبر رسول اللّه فلم يفعلوا به ما أُمروا فابتلاهم بابنه يزيد» (1)

دوافعه نحو الثورة :

هذه الكلمة المباركة من الحسين بن علي _ عليهما السلام _ في أعتاب تفجير الثورة تعرب عن أنّ خلافه مع يزيد لم يكن خلافاً قبلياً ولا استمراراً له، وإنّما كان يثور عليه لاَجل أنّ الحاكم يتّسم بمبادىَ هدامة للدين، ولو أُتيحت له الفرصة لقضى على الاِسلام والمسلمين، فلاَجل ذلك قام عن مجلس الوليد ولم يبايعه وترك مدينة جده والتجأ إلى مكة المكرمة، وليست هذه الكلمة كلمة وحيدة معربة عن نواياه وحوافزه التي دفعته إلى الثورة فكم لها من نظير في حياته.

وإليك كلمته الثانية عندما نزل منطقة البيضة من العراق واعترضه الجيش الاَموي بقيادة الحر بن يزيد التميمي اليربوعي، فقال واقفاً بعد أن حمد اللّه وأثنى


(1) الخوارزمي: مقتل الحسين: 1|184 ـ 185.

(234)

عليه: «أيها الناس أنّ رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال: من رأى سلطاناً جائراً، مستحلاً لحرام اللّه، ناكثاً لعهد اللّه، مخالفاً لسنّة رسول اللّه، يعمل في عباد اللّه بالاِثم والعدوان، فلم يغير عليه بفعل ولا قول، كان حقاً على اللّه أن يدخله مدخله، ألا وإنّ هوَلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء وأحلّوا حرام اللّه وحرّموا حلاله» (1)

ترى أنّ الاِمام يعلل ثورته على يزيد في البيان الاَوّل بأنّه رجل فاسق شارب الخمر، قاتل النفس المحترمة معلن للفسق، وإن هذه الصفات لا تتفق مع شروط الخلافة كما أنّه يعلل ثورته في البيان الثاني بأنّه سلطان جائر، مستحل لحرام اللّه ناكث لعهده، مخالف لسنّة رسوله عامل في عباده بالاِثم والعدوان. كل ذلك يعرب عن أنّ ثورته لم تكن ثورة قبلية ولا عنصرية، بل مبدئية بحتة.

وهناك للاِمام بيان ثالث ورابع وخامس و ... يعرّف موقفه من الحاكم الاَموي، يعرف دافعه إلى النضال والكفاح نأتي بثالثة:

كتب الاِمام إلى روَساء الاَخماس والاَشراف بالبصرة كتاباً جاء فيه: «وقد بعثت رسولي إليكم بهذا الكتاب وأنا أدعوكم إلى كتاب اللّه وسنّة نبيه، فإنّ السنّة قد أُميتت، وإنّ البدعة قد أُحييت وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب، فمن قبلني بقبول الحقّ، فاللّه أولى بالحقّ، ومن ردّ عليّ هذا أصبر حتى يقضي اللّه بيني وبين القوم بالحقّ وهو خير الحاكمين» (2)

وفي هذه المقتطفات من خطب ورسائل الاِمام أدلّة واضحة على أنّ الثورة لم تكن ثورة قبلية ولا عنصرية بل كانت ثورة دينية عقائدية بحتة، وكان الدافع المهم للتضحية ترسيم خط الشهادة والفداء لكل من يطلب رضى الحقّ، وبالتالي


(1) ابن الاَثير: الكامل: 3|280، الطبري: التاريخ: 4|300.
(2) الخوارزمي: المقتل: 1|88، الفصل 9.

(235)

قطع جذور الشر وتحطيم قوى الكفر والمنكر، وإن طال سنين، وقد نجح الاِمام في ثورته هذه إلى أن انتهى الاَمر إلى اجتثاث جذور بني أُمية عن أديم الاَرض وغلق ملفهم بقتل حمارهم مروان عام 132هـ. ق.

نجاح الاِمام الحسين _ عليه السلام _ في ثورته :


لقد درسنا الحافز أو الحوافز التي دفعت الاِمام إلى الثورة غير أنّه بقي هنا أن نتحدث عن نتائجها وعن عطائها، إذ بالوقوف عليها يعلم أنّه كان في ثورته ناجحاً أو فاشلاً، إنّ هناك من ينظر إلى ثورة الحسين من منظار سياسي ضيق أو مادي بحت أضيق، فيظن أنّ ثورته كانت فاشلة حيث إنّ الاِمام استشهد ولم ينل الخلافة، والمسلمون بقوا بعد الثورة على ما كانوا عليه قبلها، فكان الاِرهاب والتشريد حليفهم، وكانت الحكومة الاَموية هي الحاكمة في البلاد الاِسلامية قرابة سبعين سنة.

هذا ما يتصوره بعض الكتاب في ثورة الحسين، وكأنّ نجاح الثورة في منطقهم، هو نجاحها في يومها أو بعد أيام، وهذا الزعم من هوَلاء ناش من الجهل بالحقّ أو التجاهل به، فلاَجل قلع هذا التعتيم نركّز من عطاء الثورة في المقام على أمرين مهمين ونترك الباقي لاَقلام الكاتبين في ثورة الحسين:

1 ـ إنّ الاِمام بتضحية نفسه ونفيسه، أعلم الاَُمّة فظاظة الاَُمويين وقسوة سياستهم، وابتعادهم عن الناموس البشري فضلاً عن الناموس الديني وتوغلهم في الغلظة الجاهلية، وعادات الكفر الدفين.

ثار في وجه الحكم السائد ليُعلم الملاَ الديني أنّهم لم يوقروا كبيراً ولم يرحموا صغيراً، ولم يرقبوا على رضيع ولم يعطفوا على امرأة فقدّم إلى ساحات المفاداة، أغصان الرسالة وأوراد النبوة، وأنوار الخلافة، ولم تبق جوهرة من هاتيك


(236)

الجواهر الفريدة، فلم يعتم هو ولا هوَلاء إلاّ وهم ضحايا في سبيل تلك الطلبة الكريمة.

سل كربلا كم من حشاً لمحمّدٍ * نهبت بها وكم استجذت من يد

أقمار تمٍّ غالها خسف الردى * وانثالها بصروفها الزمن الردي(1)

2 ـ لم يكن الحسين _ عليه السلام _ يطلب ملكاً عضوضاً ولا سلطة بشرية وإنّما يطلب إيقاظ الاَُمّة بواجبه الحتمي، وما هو إلاّ إقامة الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكأنّ الاَُمّة نسيت ذينك العمادين وذلك لعوامل خلفت رفض ذينك الاَمرين المهمين.

كانت الاَُمّة تعيش بين الترغيب والترهيب فصارت محايدة عن كل عمل إيجابي يغير الوضع الحاضر وهم بين راضٍ بما يجري، وبين مبغض صامت، يترك الاَمر إلى اللّه تبارك وتعالى، فكانت القلوب مشفقة والاَيدي مغلولة وعلى الاَلسن أُوكية.

وكيف يصح لمسلم واع، التساهل أمام عربدة يزيد بالكفر الصريح في شعره ونثره، وإنكار الوحي والرسالة وهذا هو التاريخ يحكي لنا: أنّه لما ورد على يزيد نساء الحسين وأطفاله، والروَوس على الرماح وقد أشرفوا ثنيّة جيرون نعب الغراب فأنشأ يزيد يقول:

لما بدت تلك الحمول وأشرقت * تلك الشموس على رُبى جيرون

نعب الغراب فقلت صح أو لاتصح * فلقد قضيت من الغريم ديوني(2)

يعني أنّه قتل بمن قتل رسول اللّه يوم بدر كجده عتبة وخاله وليد بن عتبة، وغيرهما وهذا كفر صريح لا يلهج به إلاّ المنكر للرسالات والنبوات ورسالة سيد الرسل.


(1) الاَميني: الغدير: 3|264.
(2) ابن الجوزي: تذكرة الخواص: 235.

(237)

ولم يقتصر بذلك بل أخذ ينشد شعر ابن الزبعرى حين حضر رأس الحسين بين يديه وقال:

ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا * جزع الخزرج من وقع الاَسل

قد قتلنا القرم من ساداتهم * وعدلنا قتل بدر فاعتدل

فأهلوا واستهلوا فرحاً * ثم قالوا يايزيد لاتشل

لست من خندف إن لم أنتقم * من بني أحمد ما كان فعل

لعبت هاشم بالملك فلا * خبر جاء ولا وحيٌ نزل (1)

وليس ذلك ببعيد عن ابن معاوية فإنّ أباه كان يشمئز من سماع الشهادة الثانية على رسالة محمد فكان يقول: للّه أبوك يا ابن عبد اللّه لقد كنت عالي الهمة ما رضيت لنفسك إلاّ أن تقرن اسمك مع اسم ربّ العالمين (2)

ولما قال له المغيرة بن شعبة: لقد كبرت فلو أظهرت عدلاً لاِخوانك من بني هاشم فإنّه لم يكن عندهم شيء تخافه قال: هيهات مَلِكَ أخو تيم، وفعل ما فعل، فواللّه ما غدا أن هلك فهلك ذكره إلاّ أن يقول قائل أبو بكر، ثم ملك أخو عدي، فاجتهد وشمر فواللّه ما غدا أن هلك فهلك ذكره إلاّ أن يقول قائل عمر، ثم ملك أخونا عثمان، فعمل ما عمل فواللّه ما غدا أن هلك فهلك ذكره إلاّ أن يقول قائل عثمان.

وانّ أخا هاشم يصرخ باسمه في كل يوم خمس مرات: أشهد أن محمداً رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فأي عمل يبقى مع هذا لا أُم لك واللّه إلاّ دفنا دفنا.


(1) البيتان الاَوّلان لابن الزبعرى، والثلاثة الاَخيرة ليزيد، لاحظ تذكرة الخواص: 235.
(2) شرح النهج الحديدي: 2|537.

(238)

ولمّا سمع المأمون بهذا الحديث كتب إلى الآفاق بلعنه على المنابر فأعظم الناس ذلك وأكبروه واضطربت العامة فأُشير عليه بالترك فأعرض عما كان عليه(1).

فلما قام الحسين في وجه الحكومة بأولاده وأصحابه القليلين، فقد نفث في جسم الاَُمّة روح الكفاح والنضال وحطمت كل حاجز نفسي واجتماعي كان يوقفهم عن القيام، وأثبت أنّ الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذه الظروف الحرجة ليس رهن العِدّة والعُدّة بل إذا حاق الخطر بالاَُمّة من ملوكها وأمرائها وزعمائها وأصبحوا يسوقون الناس بأفعالهم وأعمالهم، والمجتمع إلى العيش الجاهلي، وجب على الموَمن الاستنكار بقلبه ولسانه ويده فكان في قيامه تحطيم السدود المزعومة الممانعة عن القيام بالفريضة، ولاَجل ذلك استتبعت ثورته، ثورات عديدة تترى من غير فرق بين من ثار وهو على خط الاِمام وبين من ثار في وجه الطغمة الاَموية ولم يكن على خطه وفكره ولكن الكل كانوا مستلهمين من تلك الثورة العارمة، ولولا حركة الحسين _ عليه السلام _ لما كان لهذه الحركات أيّ أثر في المجتمع الاِسلامي، وإن كنت في ريب من ذلك فعليك بدراسة الثورات المتتابعة بعد قيامه ونهضته.

قضى الاِمام نحبه في اليوم العاشر من محرم الحرام عام 61هـ والرضاء بقضاء اللّه وقدره بين شفتيه (2)وهو ظمآن لم يشرب الماء منذ ثلاثة أيام، والفرات يموج بمياهه وحيتانه «سبيل على الرواد منهله العذب» دون الحسين وأولاده وأصحابه حتى يموتوا عطشى. ولم يقتصر عدوّه الغاشم بقتله حتى همّ


(1) مروج الذهب: 2|343. آخر أخبار المأمون.
(2) قال _ عليه السلام _ وهو طريح مصرعه: «رضاءً بقضائك، وتسليماً لاَمرك، لا معبود سواك، ياغياث المستغيثين».

(239)

برضِّ صدره وظهره بالخيل، ليقضي بذلك على جسم الاِمام كلّه. لكنّه فاته أنّ شهداء طريق الحقّ، أحياء عند ربّهم يرزقون، أحياء بين الشعوب الحية، وأنّه سوف ينقلب الاَمر لصالح الاِمام وضد العدو حتى في اليوم الذي قضى عليه وأنّه ـ عليه السلام ـ سيجعل من أعدائه الذين وجهوا إليه سيوفهم ورماحهم، أنصاراً صامدين، وثواراً مناضلين.

روى الموَرخون: لما قتل الحسين وتسابق العسكر إلى نهب خيام آل الرسول ونهبوا ما فيها أولاً، وأضرموا النار ثانياً وبنات الزهراء حواسر مسلبات، باكيات فنظرت امرأة من آل بكر بن وائل، كانت مع زوجها، إلى بنات رسول اللّه بهذا الحال فصاحت: يا آل بكر بن وائل أتسلب بنات رسول اللّه لا حكم إلاّ للّه، يالثارات رسول اللّه فردها زوجها إلى رحله (1)

كان ذلك الهتاف من ذلك الوقت، نواة للثورة على العدو، وإن لم يشعر به العدو، واكتفى بجرها إلى رحله.

كان الحسين فاتحاً في نهضته، إذ لم يكن يتبنّى شيئاً سوى إيقاظ شعور الاَُمّة بلزوم القضاء على دعاة الضلال، وكسح أشواك الباطل، عن طريق الشريعة، وتعريف الملاء بالذين هم الاَحق بالخلافة والقيادة.

إنّ أئمة أهل البيت _ عليهم السلام _ غذّوا الاَُمّة بتحريضهم على عقد المحافل والمجالس لذكر حادثة الطف، وما جرى على الحسين من مصائب تدك الجبال الرواسي، وتذيب القلوب القاسية وقد اتخذوا أساليب مختلفة في إحياء حديث الطف بتشكيل أندية العزاء في بيوتهم تارة، ودعوة الناس إليها ثانياً، فقال الاِمام الباقر _ عليه السلام _ «رحم اللّه عبداً اجتمع مع آخر فتذاكر أمرنا» (2)فكان


(1) ابن نما: مثير الاَحزان: 4، ابن طاووس: اللهوف: 74.
(2) المجلسي: البحار: 74|354 ح 31.

(240)

لتلك الذكريات أثراً باهراً في تخليد الثورة في نفوس الاَُمّة حتى اتخذه الاَحرار مقياساً للسير في ضوئه مصباحاً وإليك نزراً يسيراً من الثورات التالية لثورة الاِمام ـ عليه السلام ـ.



(241)

1

ثورة أهل المدينة

وإخراج عامل يزيد

لما ولي الوليد الحجاز أقام يريد غِرّة عبد اللّه بن الزبير فلا يجده إلاّ محترزاً ممتنعاً، وثار نجدة بن عامر النخعي باليمامة حين قتل الحسين، وثار ابن الزبير بالحجاز ... فعزل يزيد الوليد، وولى عثمان بن محمد بن أبي سفيان فبعث إلى يزيد وفداً من أهل المدينة، فيهم: عبد اللّه بن حنظلة، غسيل الملائكة وعبد اللّه ابن أبي عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي، والمنذر بن الزبير ورجالاً كثيراً من أشراف أهل المدينة، فقدموا على يزيد فأكرمهم وأحسن إليهم، وأعظم جوائزهم فأعطى عبد اللّه بن حنظلة، وكان شريفاً فاضلاً عابداً سيداً، مائة ألف درهم، وكان معه ثمانية بنين، فأعطى كل ولد عشرة آلاف.

فلمّا رجعوا قدموا المدينة كلهم إلاّ المنذر بن الزبير فإنّه قدم العراق على ابن زياد وكان يزيد قد أجازه بمائة ألف دينار، فلمّا قدم أُولئك النفر الوفد، المدينة قاموا فيهم فأظهروا شتم يزيد وعيبه وقالوا: قدمنا من عند رجل ليس له دين يشرب الخمر، ويضرب بالطنابير، ويعزف عنده القيان، ويلعب بالكلاب، ويسمر عنده الحراب وهم اللصوص وإنّا نشهدكم إنّا قد خلعناه.

وقام عبد اللّه بن حنظلة الغسيل فقال: جئتكم من عند رجل لو لم أجد إلاّ


(242)

بنيّ هوَلاء لجاهدته بهم، وقد أعطاني وأكرمني وما قبلت منه عطاءه إلاّ لاَتقوّى به فخلعه الناس، وبايعوا عبد اللّه بن حنظلة الغسيل على خلع يزيد وولّوه عليهم (1)

ولما دخل عام 63هـ أخرج أهل المدينة عثمان بن محمد بن أبي سفيان عامل يزيد، وحصروا بني أُمية بعد بيعتهم عبد اللّه بن حنظلة، فاجتمع بنو أُمية ومواليهم ومن يرى رأيهم في ألف رجل حتى نزلوا دار مروان بن الحكم فكتبوا إلى يزيد يستغيثون به فبعث إلى عمرو بن سعيد فأقرأه الكتاب وأمره أن يسير إليهم فردّ وقال: لا أُحب أن أتولّى ذلك.

وبعث إلى عبيد اللّه بن زياد يأمره بالمسير إلى المدينة ومحاصرة ابن الزبير بمكة فقال: واللّه لا جمعتهما للفاسق، قتل ابن رسول اللّه وغزو الكعبة. ثم أرسل إليه يعتذر.

فبعث إلى مسلم بن عقبة المري، وهو الذي سمّي مسرفاً، وهو شيخ كبير فاستجاب، فنادى في الناس بالتجهز إلى الحجاز، وأن يأخذوا عطاءهم ومعونة مائة دينار، فانتدب لذلك اثنا عشر ألفاً، وخرج يزيد يعرضهم، فأقبل مسلم إلى المدينة ودخل من ناحية الحرّة وضرب فسطاطه بين الصفين واقتتل الصفان قتالاً شديداً وانتهى الاَمر، إلى غلبة قوات الشام على أهل المدينة بعدما قتل من الطرفين أُناس كثير، ولم يقتصر المسرف بذلك بل أباح المدينة ثلاثاً يقتلون الناس ويأخذون المتاع والاَموال... (2)


(1) ابن الاَثير الجزري: الكامل: 4|103.
(2) المصدر نفسه: 4|111ـ 117، الطبري: التاريخ: 4|372 ـ 380، موَسسة الاَعلمي ـ بيروت.

(243)

2

ثورة عبد اللّه بن الزبير

عبد اللّه بن الزبير بن العوام ولد بعد الهجرة بعشرين شهراً، وكان أبوه ابن عمة علي _ عليه السلام _ وهو ابن خاله، وهو ممن سلّ سيفه يوم السقيفة لصالح علي وقال: لا أغمد سيفي حتى يبايع علي، ولكن ـ و للاَسف ـ كان ولده على الطرف النقيض من ذلك فهو كما قال علي _ عليه السلام _: ما زال الزبير منّا أهل البيت حتى نشأ عبد اللّه فأفسده (1)وهو الذي دفع أباه إلى محاربة الاِمام في وقعة الجمل بعد ما ندم وأراد التصالح والتراجع.

ومع هذا هو ممن اتخذ ثورة الاِمام حجّة على خروجه في وجه الحاكم الاَموي وروى الطبري بسنده إلى عبد الملك بن نوفل قال: حدثني أبي: قال لما قتل الحسين _ عليه السلام _ قام ابن الزبير في أهل مكة وعظّم مقتله، وعاب أهل الكوفة خاصة ولام أهل العراق عامة فقال بعد أن حمد اللّه وأثنى عليه وصلّـى على محمد _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : إنّ أهل العراق غدر فجر إلاّ قليلاً، وإنّ أهل الكوفة شرار أهل العراق وأنّهم دعوا حسيناً لينصروه ويولوه عليهم، فلمّا قدم عليهم صاروا إليه، فقالوا له: إمّا أن تضع يدك في أيدينا فنبعث بك إلى ابن زياد بن سمية، فيمضي فيك حكمه وإمّا أن تحارب فرأى واللّه أنّه هو مقتول ولكنّه اختار


(1) تنقيح المقال: 2|184، مادة «عبد اللّه بن الزبير».

(244)

الميتة الكريمة على الحياة الذميمة فرحم اللّه حسيناً، وأخزى قاتل حسين ـ إلى أن قال: ـ أفبعد الحسين نطمئن إلى هوَلاء القوم ونصدق قولهم ونقبل لهم عهداً لا ولا نراهم لذلك أهلاً. أما واللّه لقد قتلوه، طويلاً بالليل قيامه، كثيراً في النهار صيامه، أحقّ بما هم فيه منهم وأولى به في الدين والفضل.

أما واللّه ما كان يبدل بالقرآن، الغناء، ولا بالبكاء من خشية اللّه الحداء، ولا بالصيام شرب الحرام، ولا بالمجالس في حلَق الذِّكر الركض في تطلاب الصيد (يعرض بذلك يزيد) فسوف يلقون غياً.

فثار إليه أصحابه فقالوا له: أيها الرجل أظهر بيعتك فإنّه لم يبق أحد (إذ هلك حسين) ينازعك هذا الاَمر وقد كان يبايع الناس سراً ويظهر أنّه عائذ بالبيت (1)

لما فرغ مسلم من قتال أهل المدينة ونهبها شخص بمن معه نحو مكة يريد ابن الزبير ومن معه، واستخلف على المدينة رَوْح بن زِنباع الجُذاميّ، وقيل: استخلف عمرو بن مخرمة الاَشجعي، فلمّا انتهى إلى المشلَّل نزل به الموت، وقيل: مات بثنيّة هَرْشَى، فلمّا مات سار الحصين بالناس فقدم مكة لاَربع بقين من المحرم سنة أربع وستين وقد بايع أهلها وأهل الحجاز عبد اللّه بن الزبير واجتمعوا عليه، ولحق به المنهزمون من أهل المدينة فحمل أهل الشام عليهم حملةً انكشف منها أصحاب عبد اللّه، ثم نزل فصاح بأصحابه، وصابرهم ابن الزبير إلى الليل ثم انصرفوا عنه.

هذا في الحصر الاَوّل ثم أقاموا يقاتلونه بقية المحرم وصفر كلّه حتى مضت ثلاثة أيام من شهر ربيع الاَوّل سنة أربع وستين، ولاَجل القضاء على ابن الزبير


(1) الطبري: التاريخ: 4|364، ابن الاَثير: الكامل: 4|98 ـ 99.

(245)

المتحصن في المسجد الحرام رموا البيت بالمجانيق وحرقوه بالنار، وكانت الحرب طاحنة إذ بلغهم نعي يزيد بن معاوية لهلال ربيع الآخر ولم يكن أمامهم إلاّ طريق واحد وهو الرجوع إلى الشام واختار الرجوع إليها (1)

كان ابن الزبير يسوس الحجاز والعراق وفيهما عماله إلى أن استولى عبد الملك على العراق عام إحدى وسبعين من الهجرة وانحصرت إمارة ابن الزبير بالحجاز وعند ذاك وجّه عبد الملك، الحجاج بن يوسف الثقفي في ألفين وقيل في ثلاثة آلاف من أهل الشام لقتال عبد اللّه بن الزبير، وقدم مكة وحصر ابن الزبير والتجأ هو وأصحابه إلى المسجد الحرام، ونصب الحجاج المنجنيق على أبي قبيس ورمى به الكعبة إلى أن خرج أصحابه إلى الحجاج بالآمان، و قتل ابن الزبير يوم الثلاثاء من جمادي الآخرة عام ثلاث وسبعين من الهجرة (2)



(1) ابن الاَثير: الكامل: 4|123 ـ 124، الطبري: التاريخ: 4|381 ـ 384.
(2) الطبري: التاريخ: 5|24، ابن الاَثير: الكامل: 4|349 ـ 356.

(246)

3

ثورة التوابين في الكوفة

إنّ ثورة أهل المدينة على عامل يزيد وإخراجه من المدينة، وحركة ابن الزبير واستيلاوَه على الحجاز والعراق، لم يكن ردّ فعل مباشر لقتل الحسين ـ عليه السلام ـ وإن كانا متأثرين من ثورته وحركته، وهذا بخلاف حركة التوابين فقد كانت ردّ فعل مباشر لقتله، حيث أحسّوا أنّهم قصّروا في حقّ إمامهم، إذ دعاهم فلم يجيبوا، وذلك عار عليهم. يتبعهم عذاب أليم، وأنّه لا يغسل العار والاَثم عنهم إلاّ بالثورة على قاتليه وعلى رأسهم، النظام الحاكم.

يقول الطبري: «لما قتل الحسين بن علي ورجع ابن زياد من معسكره بالنخيلة فدخل الكوفة، تلاقت الشيعة بالتلاوم والتندّم، ورأت أنّها قد أخطأت خطأ كبيراً، بدعائهم الحسين إلى النصرة، وتركهم إجابته ومقتله إلى جانبهم، لم ينصروه، ورأوا أنّه لا يُغسل عارهم والاِثم عنهم في مقتله إلاّ بقتل من قتله أو القتل فيه ففزعوا بالكوفة إلى خمسة نفر من روَوس الشيعة:

1ـ سليمان بن صرد الخزاعي، وكانت له صحبة مع النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _.

2 ـ المسيب بن نَجَبة الفزاري، وكان من أصحاب علي _ عليه السلام _ وخيارهم.

3 ـ عبد اللّه بن سعد بن نفيل الاَزدي.

4 ـ عبد اللّه بن وال التيميّ.

5 ـ رفاعة بن شدّاد البجلي.

إنّ هوَلاء النفر الخمسة اجتمعوا في منزل سليمان بن صرد وكانوا من خيار


(247)

أصحاب علي ومعهم أُناس من الشيعة وخيارهم ووجوههم قال: فلمّا اجتمعوا إلى منزل سليمان بن صرد بدأ المسيب بن نجبة القوم بالكلام وقال:

1 ـ قـد ابتلينا بطول العمر والتعرض لاَنواع الفتن، فنرغب إلى ربّنا ألاّ يجعلنا ممن يقول له غداً: "أوَلَم نُعَمِّركُم ما يَتَذَكَّرُ فِيه مَن تَذَكَّر وجاءَكُمُ النَّذِير")(1).

فإنّ أمير الموَمنين _ عليه السلام _ قال:

العمر الذي أعذر اللّه فيه إلى ابن آدم ستون سنة، وليس فينا رجل إلاّ وقد بلغه وقد كنّا مغرمين بتزكية أنفسنا، وتفريط شيعتنا حتى بلا اللّه أخيارنا فوجدنا كاذبين، في موطنين من مواطن ابن ابنة نبينا _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وقد بلغتنا قبل ذلك كتبه وقدمت علينا رسله، وأعذر إلينا، يسألنا نصره عوداً وبدءاً، وعلانية وسرّاً فبخلنا عنه بأنفسنا حتى قُتِل إلى جانبنا، لا نحن نصرناه بأيدينا، ولا جادلنا عنه بألستنا ولا قوّيناه بأموالنا، ولا طلبنا له النصرة إلى عشائرنا، فما عذرنا إلى ربّنا وعند لقاء نبينا _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وقد قُتِلَ فينا ولده وحبيبه وذريته ونسله، لا واللّه لا عذر دون أن تقتلوا قاتله، والموالين عليه، أو تقتلوا في طلب ذلك فعسى ربّنا أن يرضى عنّا ذلك، وما أنا بعد لقائه، لعقوبته بآمن.

أيّها القوم ولّوا عليكم رجلاً منكم فإنّه لابد لكم من أمير تفزعون إليه، وراية تحفون بها أقول قولي وأستغفر اللّه لي ولكم.

2 ـ وتكلّم رفاعة بن شداد وقال: إنّ اللّه قد هداك لاَصوب القول ودعوت إلى أرشد الاَُمور، ودعوت إلى جهاد الفاسقين، وإلى التوبة من الذنب العظيم، فمسموع منك، مستجاب لك، مقبول قولك قلت: ولّوا أمركم رجلاً منكم، تفزعون إليه، وتحفون برايته وذلك رأي قد رأينا مثل الذي رأيت، فإن تكن أنت


(1) فاطر: 37.

(248)

ذلك الرجل تكن عندنا مرضياً، وفينا متنصّحاً وفي جماعتنا محباً، وإن رأيت ورأى أصحابنا ذلك ولّينا هذا الاَمر شيخ الشيعة صاحب رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وذا السابقة والقدم، سليمان بن صرد المحمود في بأسه ودينه، الموثوق بحزمه.

ثم تكلّم كل من عبد اللّه بن وال، وعبد اللّه بن سعد وتكلّما بنحو من كلام رفاعة بن شداد فذكرا المسيب بن نجبة بفضله، وذكرا سليمان بن صرد بسابقته ورضاهما بتوليته.

3 ـ تكلّم سليمان بن صرد وقال: فإنّي واللّه لخائف ألاّ يكون آخرنا إلى هذا الدهر الذي نكدت فيه المعيشة، وعظمت فيه الرزية وشمل فيه الجور أُولي الفضل من هذه الشيعة لما هو خير، إنّا كنّا نمد أعناقنا إلى قدوم آل نبينا، ونمنِّيهم النصر ونحثهم على القدوم، فلما قدموا ونَينا وعجزنا، وأدهنّا وتربصنا وانتظرنا ما يكون، حتى قتل فينا، ولدينا ولد نبينا وسلالته وعصارته وبضعة من لحمه ودمه، إذ جعل يستصرخ ويسأل النصف فلا يُعطاه، إتخذه الفاسقون غرضاً للنبل، ودريئة للرماح حتى أقصدوه، وعدوا عليه فسلبوه. ألا انهضوا فقد سخط عليكم ربّكم، ولا ترجعوا إلى الحلائل والاَبناء حتى يرضى اللّه، واللّه ما أظنه راضياً دون أن تناجزوا مَنْ قتله أو تبيروا، ألا لا تهابوا الموت فواللّه ما هابه امروَ قطّ إلاّ ذلّ، كونوا كالاولى من بني إسرائيل إذ قال لهم نبيهم "إنَّكُمْ ظَلَمتُمْ أنْفُسَكُمْ باتّخاذِكُمُ العِجْلَ فَتُوبُوا إلى بارِئِكُمْ فَاقتُلوا أنْفُسَكُمْ ذلكُمْ خَيرٌ لَكُمْ عِندَ بارِئِكُمْ") فما فعل القوم جثوا على الركب واللّه ومدّوا الاَعناق ورضوا بالقضاء حتى حين علموا أنّه لا ينجيهم من عظيم الذنب إلاّ الصبر على القتل، فكيف بكم لو قد دعيتم إلى مثل ما دعي القوم إليه، أشحذوا السيوف وركّبوا الاَسنة وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل حتى تدعوا حين تدعوا وتستنفروا:

4 ـ فقام خالد بن سعد بن نفيل فقال: أمّا أنا فواللّه لو أعلم أنّ قتلي نفسي


(249)

يخرجني من ذنبي ويرضي عنّي ربّي لقتلتها، ولكن هذا أُمر به قوم كانوا قبلنا، ونُهينا عنه فأُشهد اللّه ومن حضر من المسلمين أنّ كلّ ما أصبحت أملكه سوى سلاحي الذي أُقاتل به عدوّي، صدقة على المسلمين أُقوّيهم به على قتال القاسطين.

5 ـ وقام أبو المعتمر حنش بن ربيعة الكناني فقال: وأنا أُشهدكم على مثل ذلك، فقال سليمان بن صرد: حسبكم من أراد من هذا شيئاً، فليأت بماله عبد اللّه ابن وال التيمي تيم بكر بن وائل، فإذا اجتمع عنده كلّ ما تريدون إخراجه من أموالكم، جهزنا به ذوي الخُلَّة والمسكنة من أشياعكم (1)

6 ـ ثم أخذ سليمان بن صرد يكاتب وجوه الشيعة في الاَطراف وكتب سليمان بن صرد: إلى سعد بن حذيفة اليمان (2)يعلمه بما عزموا عليه، ويدعوه إلى مساعدتهم، ومن معه من الشيعة بالمدائن، فقرأ سعد بن حذيفة الكتاب على من بالمدائن من الشيعة فأجابوا إلى ذلك فكتبوا إلى سليمان بن صرد يعلمونه أنّهم على الحركة إليه والمساعدة له.

وكتب سليمان أيضاً كتاباً إلى المثنّى بن مخربة العبدي بالبصرة مثل ما كتب إلى سعد بن حذيفة فأجابه المثنى: إننّا معشر الشيعة حمدنا اللّه على ما عزمتم عليه، ونحن موافوك إن شاء اللّه للاَجل الذي ضربت وكتب في أسفله أبياتاً (3)

لم يزل القوم في جمع آلة الحرب والاستعداد للقتال ودعاء الناس ـ في السر ـ إلى الطلب بدم الحسين فكان يجيبهم القوم بعد القوم، والنفر بعد النفر ولم يزالوا على ذلك إلى أن هلك يزيد بن معاوية سنة أربع وستين.

فلمّـا مات يزيد جاء إلى سليمان أصحابه فقالوا: قد هلك هذا الطاغية،


(1) الطبري: التاريخ: 4|426 ـ 428.
(2) لاحظ نصّ الكتاب: تاريخ الطبري: 4|429 ـ 430.
(3) ابن الاَثير: الكامل: 4|158 ـ 162، الطبري: التاريخ: 431.

(250)

والاَمر ضعيف فإن شئت وثبنا على عمرو بن حريث، وكان خليفة ابن زياد على الكوفة ثم أظهرنا الطلب بدم الحسين وتتبّعنا قتلته ودعونا الناس إلى أهل هذا البيت المستأثر عليهم، المدفوعين عن حقهم.

فقال سليمان بن صرد: لاتعجلوا، إنّي قد نظرت فيما ذكرتم فرأيت أنّ قتلة الحسين هم أشراف الكوفة وفرسان العرب وهم المطالبون بدمه، ومتى علموا ما تريدون كانوا أشدّ الناس عليكم، ونظرت فيمن تبعني منكم فعلمت أنّهم لو خرجوا لم يدركوا ثأرهم، ولم يشفوا نفوسهم، وكانوا جَزَرَاً لعدوهم ولكن بثّوا دعاتكم وادعوا إلى أمركم هذا، شيعتكم وغير شيعتكم فإنّي أرجو أن يكون الناس اليوم حيث هلك هذا الطاغية أسرع إلى أمركم استجابة منهم قبل هلاكه، ففعلوا واستجاب لهم ناس كثير بعد هلاك يزيد، وهم يريدون قتال أهل الشام الذين أقاموا دعائم عرش يزيد، وعدم التعرض بمن في الكوفة من قتلة الحسين ـ عليه السلام ـ على جانب الخلاف من ثورة المختار.

مسير التوابين:

لما أراد سليمان بن صرد الخزاعي الشخوص سنة خمس وستين بعث إلى روَوس أصحابه فأتوه، فلمّا أهلّ ربيع الآخر خرج في وجوه أصحابه وكانوا تواعدوا للخروج في تلك الليلة، فلمّا أتى النخيلة دار في الناس فلم يعجبه عددهم فأرسل حكيم بن منقذ الكندي، والوليد بن عصير الكناني في الكوفة فناديا: يالثارات الحسين فكانا أوّل (1)خلق اللّه دعوا يالثارات الحسين.

فأصبح من الغد وقد أتاه نحو مما في عسكره، ثم نظر في ديوانه فوجدهم ستة عشر ألفاً ممن بايعه فقال: سبحان اللّه ما وافانا من ستة عشر ألفاً إلاّ أربعة


(1) لقد سبق أنّه أوّل من دعا به، هو امرأة من بني بكر بن وائل يوم عاشورا عند إضرام النار في الخيام.

(251)

آلاف. فأقام بالنخيلة ثلاثاً يبعث إلى من تخلف عنه فخرج إليه نحو من ألف رجل. ثم قام سليمان في أصحابه فقال: أيّها الناس من كان خرج، يريد بخروجه وجه اللّه والآخرة فذلك منّا، ونحن منه، ومن كان يريد الدنيا فواللّه ما نأتي فيئاً نأخذه وغنيمة نغنمها ما خلا رضوان اللّه. فتنادى أصحابه من كل جانب: إنّا لا نطلب الدّنيا وإنّما خرجنا نطلب التوبة والطلب بدم ابن بنت رسول اللّه نبينا _ صلى الله عليه وآله وسلم _ .

فسار سليمان عشية يوم الجمعة لخمس مضين من ربيع الآخر سنة خمس وستين فوصل دار الاَهواز، ثم ساروا فانتهوا إلى قبر الحسين فلمّا دخلوا صاحوا صيحة واحدة فما رئي أكثر باكياً من ذلك اليوم فترحموا عليه وتابوا عنده من خذلانه، وترك القتال معه، وأقاموا عنده يوماً وليلة يبكون ويتضرعون ويترحمون عليه وعلى أصحابه، وكان قولهم عند ضريحه: «اللّهمّ إرحم حسيناً الشهيد ابن الشهيد المهدي ابن المهدي، الصديق ابن الصديق، اللّهمّ إنّا نشهدك إنّا على دينهم وسبيلهم وأعداء قاتليهم، وأولياء محبيهم. اللّهمّ إنّا خذلنا ابن بنت نبينا _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فاغفر لنا ما مضى، منّا وتب علينا وارحم حسيناً وأصحابه الشهداء الصديقين وإنّا نشهدك أنّا على دينهم، وعلى ماقتلوا عليه. وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين. وزادهم النظر إليه حنقاً.

ثم ساروا بعد أن كان الرجل يعود إلى ضريحه كالمودع له، فازدحم الناس عليه أكثر من ازدحامهم على الحجر الاَسود، ثم أخذوا على الاَنبار وكتب إليهم عبد اللّه بن يزيد كتاباً يثبطّهم عن السير إلى الشام وقتال العدو ولما وصل الكتاب إلى سليمان قرأه على أصحابه، فكتب إليه جواباً ـ بعد أن شكره وأثنى عليه ـ: أنّ القوم قد استبشروا ببيعهم أنفسهم من ربّهم، وأنّهم قد تابوا من عظيم ذنبهم وتوجهوا إلى اللّه وتوكلوا عليه ورضوا بما قضى اللّه عليهم.


(252)

ثم ساروا حتى انتهوا إلى «قرقيسيا» على تعبئة وبها زفر بن الحارث الكلابي وقد فتح باب حصنه بعد ما عرف أن فيهم المسيّب بن نجبة فأخرج لهم سوقاً وأمر للمسيب بألف درهم وفرس، فردّ المال وأخذ الفرس وقال: لعلّي أحتاج إليه إن عرج فرسي، وبعث «زفر» إليهم، بخبز كثير وعلف ودقيق حتى استغنى الناس عن السوق.

ثم ارتحلوا من الغد، وخرج «زفر» يشيّعهم وقال لسليمان أنّه قد سار خمسة أُمراء من الرقة هم: الحصين بن نمير، وشرحبيل بن ذي الكلاع، وأدهم بن محرز، وجبلة بن عبد اللّه الخثعمي، وعبيد اللّه بن زياد، في عدد كثير مثل الشوك والشجر، ثم اقترح عليهم أن ينزلوا بديرهم حتى يكونوا يد واحدة على العدو الشاميين، فإذا جاءنا هذا العدو، قاتلناهم جميعاً. فلم يقبل سليمان وقال: قد طلب أهل مصر ذلك منّا فأبينا عليهم. ثم ساروا مجدّين فانتهوا إلى عين الوردة فنزلوا غربيّها وأقاموا خمساً فاستراحوا وأراحوا.

وأقبل أهل الشام في عساكرهم حتى كانوا من عين الوردة على مسيرة يوم وليلة، فقام سليمان في أصحابه وذكر الآخرة ورغب فيها ثم قال: أمّا بعد فقد أتاكم عدوكم الذي دأبتم إليه في السير آناء الليل والنهار، فإذا لقيتموهم فأصدقوهم القتال واصبروا إنّ اللّه مع الصابرين ثم قال: إن أنا قتلت فأمير الناس مسيب بن نجبة، فإن قتل، فالاَمير عبد اللّه بن سعد بن نفيل، فإن قتل، فالاَمير عبد اللّه بن وال، فإن قتل، فالاَمير رفاعة بن شداد، رحم اللّه امرئاً صدق ما عاهد اللّه عليه.

كان أدنى عسكر من عساكر الشام هو عسكر شرحبيل بن ذي الكلاع، وكان على رأس ميل فسار المسيّب ومن معه مسرعين فأشرفوا عليهم وهم غارّون، فحملوا في جانب عسكرهم فانهزم العسكر وأصحاب المسيب منهم رجالاً فأكثروا فيهم الجراح وأخذوا الدواب وخلّـى الشاميون عسكرهم وانهزموا، فغنم


(253)

منه أصحاب المسيّب ما أرادوا ثم انصرفوا إلى سليمان موفورين.

وبلغ الخبر ابن زياد فسرّح الحصين بن نمير مسرعاً حتى نزل في اثني عشر ألفاً، فخرج أصحاب سليمان إليه لاَربع بقين من جمادي الاَُولى، وعلى ميمنتهم عبد اللّه بن سعد، وعلى ميسرتهم المسيّب بن نجبة وسليمان في القلب، وجعل الحصين على ميمنته جملة بن عبد اللّه (1) وعلى ميسرته ربيعة بن المخارق الغنوي فلمّا دنا بعضهم من بعض دعاهم أهل الشام إلى الجماعة على عبد الملك بن مروان، ودعاهم أصحاب سليمان إلى خلع عبد الملك وتسليم عبيد اللّه بن زياد إليهم وأنّهم يخرجون من بالعراق من أصحاب ابن الزبير ثم يرد الاَمر إلى أهل بيت النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فأبى كل منهم، فحملت ميمنة سليمان على ميسرة الحصين، والميسرة أيضاً على الميمنة، وحمل سليمان في القلب على جماعتهم، فانهزم أهل الشام إلى عسكرهم، وما زال الظفر لاَصحاب سليمان إلى أن حجز بينهم الليل.

فلمّا كان الغد صبّح الحصين جيش مع ابن ذي الكلاع ثمانية الآف، أمدهم بهم عبيد اللّه بن زياد، وخرج أصحاب سليمان فقاتلوهم قتالاً لم يكن أشد منه جميع النهار، لم يحجز بينهم إلاّ الصلاة، فلمّا أمسوا تحاجزوا وقد كثرت الجراح في الفريقين، وطاف القصّاص على أصحاب سليمان يحرضونهم.

فلمّا أصبح أهل الشام أتاهم أدهم بن محرز الباهلي في نحو من عشرة آلاف من ابن زياد، فاقتتلوا يوم الجمعة قتالاً شديداً إلى ارتفاع الضحى، ثم إنّ أهل الشام كثروهم وتعطفوا عليهم من كل جانب، ورأى سليمان ما لقي أصحابه، فنزل ونادى: عباد اللّه من أراد البكور إلى ربّه والتوبة من ذنبه فإلي. ثم كسر جفنة سيفه ونزل معه ناس كثير وكسروا جفون سيوفهم ومشوا معه، فقاتلوهم، فقتل من أهل الشام مقتلة عظيمة وجرحوا فيهم فأكثروا الجراح. فلمّـا رأى الحُصين صبرهم


(1) كذا في النسخة.

(254)

وبأسهم، بعث الرجّالة ترميهم بالنبل واكتنفتهم الخيل والرجال، فقتل سليمان، رحمه اللّه، رماه يزيد بن الحصين بسهم فوقع ثم وثب ثم وقع.

فلمّا قُتل سلمان أخذ الراية المسيب بن نجبة وترحّم على سليمان ثم تقدّم فقاتل بها ساعة ثم رجع ثم حمل. فعل ذلك مراراً، ثم قتل، رحمه اللّه، بعد أن قتل رجالاً.

فلمّا قتل أخذ الراية عبد اللّه بن سعد بن نفيل وترحّم عليهما، ثم قرأ: "فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ ومنهُمْ مَنْ يَنْتَظِرْ وَما بَدَّلُوا تَبدِيلا") وحفّ به من كان معه من الاَزد. فبينما هم في القتال أتاهم فرسان ثلاثة من سعد بن حذيفة، يخبرون بمسيرهم في سبعين ومائة من أهل المدائن، ويخبرون أيضاً بمسير أهل البصرة مع المثنى بن مخربة العبدي في ثلاثمائة، فسرّ الناس فقال عبد اللّه بن سعد: ذلك لو جاءُونا ونحن أحياء.

فلمّا نظر الرسل إلى مصارع إخوانهم ساءهم ذلك واسترجعوا وقاتلوا معهم، وقتل عبد اللّه بن سعد بن نفيل، قتله ابن أخي ربيعة بن مخارق، وحمل خالد بن سعد بن نفيل على قاتل أخيه فطعنه بالسيف، واعتنقه الآخر فحمل أصحابه عليه فخلّصوه بكثرتهم وقتلوا خالداً، وبقيت الراية ليس عندها أحد، فنادوا عبد اللّه بن وال فإذا هو قد اصطلى الحرب في عصابة معه، فحمل رفاعة بن شداد فكشف أهل الشام عنه، فأتى فأخذ الراية وقاتل ملياً ثم قال لاَصحابه: من أراد الحياة التي ليس بعدها موت، والراحة التي ليس بعدها نصب، والسرور الذي ليس بعده حزن، فليتقرب إلى اللّه بقتال هوَلاء المحلّين، والرواح إلى الجنّة، وذلك عند العصر فحمل هو وأصحابه فقتلوا رجالاً وكشفوهم.

ثم إنّ أهل الشام تعطفوا عليهم من كل جانب حتى ردوهم إلى المكان الذي كانوا فيه، وكان مكانهم لا يوَتى إلاّ من وجه واحد، فلما كان المساء تولى قتالهم


(255)

أدهم بن محرز الباهلي فحمل عليهم في خيله ورجله، فوصل ابن محرز إلى ابن وال وهو يتلو: "ولا تَحْسَبَنَّ الّذِينَ قُتِلُوا في سَبيلِ اللّهِ أَمْواتاً") الآية، فغاظ ذلك أدهم بن محرز فحمل عليه، فضرب يده فأبانها ثم تنحى عنه وقال: إنّي أظنك وددت أنّك عند أهلك. قال ابن وال: بئس ما ظننت، واللّه ما أحبّ أنّ يدك مكانها إلاّ أن يكون لي من الاَجر مثل ما في يدي ليعظم وزرك ويعظم أجري. فغاظه ذلك أيضاً، فحمل عليه وطعنه فقتله وهو مقبل ما يزول. وكان ابن وال من الفقهاء العبّاد.

فلمّا قتل أتوا رفاعة بن شداد البجليّ وقالوا: لتأخذ الراية. فقال: إرجعوا بنا لعلّ اللّه يجمعنا ليوم شرهم. فقال له عبد اللّه بن عوف بن الاَحمر: هلكنا واللّه، لئن انصرفت ليركبنّ أكتافنا فلا نبلغ فرسخاً حتى نهلك عن آخرنا، وإن نجا منّا ناج أخذته العرب يتقرّبون به إليهم فقتل صبراً، هذه الشمس قد قاربت الغروب فنقاتلهم على خيلنا، فإذا غسق الليل ركبنا خيولنا أوّل الليل وسرنا حتى نصبح ونسير على مهل، ويحمل الرجل صاحبه وجريحه ونعرف الوجه الذي نأخذه. فقال رفاعة: نعم ما رأيت، وأخذ الراية وقاتلهم قتالاً شديداً، ورام أهل الشام إهلاكهم قبل الليل فلم يصلوا إلى ذلك لشدّة قتالهم، وتقدّم عبد اللّه بن عزير الكناني فقاتل أهل الشام ومعه ولده محمد وهو صغير، فنادى بني كنانة من أهل الشام وسلّم ولده إليهم ليوصلوه إلى الكوفة، فعرضوا عليه الاَمان، فأبى ثم قاتلهم حتى قتل.

وتقدّم كرب بن يزيد الحميري عند المساء في مائة من أصحابه فقاتلهم أشد قتال، فعرض عليه وعلى أصحابه ابن ذي الكلاع الحميري الاَمان، قال: قد كنّا آمنين في الدنيا وإنّما خرجنا نطلب أمان الآخرة، فقاتلوهم حتى قتلوا وتقدّم صخر ابن هلال المزني في ثلاثين من مزينة فقاتلوا حتى قتلوا.

فلما أمسوا رجع أهل الشام إلى معسكرهم، ونظر رفاعة إلى كل رجل قد


(256)

عُقِربه فرسُه وجُرِح فدفعه إلى قومه ثم سار بالناس ليلته، وأصبح الحصين ليلتقيهم فلم يرهم، فلم يبعث في آثارهم، وساروا حتى أتوا قرقيسيا فعرض عليهم زفر الاِقامة، فأقاموا ثلاثاً، فأضافهم ثم زودهم وساروا إلى الكوفة.

ثم أقبل سعد بن حذيفة بن اليمان في أهل المدائن فبلغ «هيت» فأتاه الخبر، فرجع فلقي المثنى بن مخرَّبة العبدي في أهل البصرة بصندوداء، فأخبره، فأقاموا حتى أتاهم رفاعة فاستقبلوه، وبكى بعضهم إلى بعض وأقاموا يوماً وليلة ثم تفرقوا، فسار كل طائفة إلى بلدهم.

ولما بلغ رفاعة الكوفة كان المختار محبوساً، فأرسل إليه: أمّا بعدّ فمرحباً بالعصبة الذين عظّم اللّه لهم الاَجر، حين انصرفوا ورضي فعلهم حين قُتِلوا، أما وربّ البيت ما خطا خاط منكم خطوة، ولا ربا ربوة، إلاّ كان ثواب اللّه له أعظم من الدنيا. إنّ سليمان قد قضى ما عليه، وتوفّاه اللّه، وجعل وجهه مع أرواح النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ولم يكن بصاحبكم الذي به تنصرون، إنّي أنا الاَمير المأمور، والاَمين المأمون، وقاتل الجبارين، والمنتقم من أعداء الدين، المقيّد من الاَوتار، فأعدوا واستعدوا وأبشروا، أدعوكم إلى كتاب اللّه، وسنّة نبيه، والطلب بدم أهل البيت، والدفع عن الضعفاء وجهاد المحلين، والسلام» (1)

هذه هي ثورة التوابين، المشرقة، وهممهم العالية، وتفاديهم في سبيل الهدى، وقد بُذل لهم الاَمان فلم يقبلوا فقد: "صدقوا ما عاهدوا اللّه عليه") (2)فقد قاموا بواجبهم فما رجع منهم إلاّ قليل بعد اليأس من الغلبة على العدو فرجعوا إلى أوطانهم ولحقوا بعشائرهم وبذلك ابتغوا أنّ الوظيفة بعد باقية، على عاتقهم.

وهناك كلمة قيمة للمحقّق شمس الدين نأت بها: «لقد اعتبر التوابون أنّ


(1) الجزري: الكامل: 4|175 ـ 186.
(2) الاَحزاب: 23.

(257)

المسوَول الاَوّل والاَهم عن قتل الحسين _ عليه السلام _ هو النظام، وليس الاَشخاص وكانوا مصيبين في هذا الاعتقاد ولذا نراهم توجّهوا إلى الشام ولم يلقوا بالاً إلى من في الكوفة من قتلة الحسين _ عليه السلام _ (1)

إنّ هذه الثورة قد انبعثت عن شعور بالاِثم والندم، وعن رغبة في التكفير فمن يقرأ أقوالهم وكتبهم وخطبهم، يلمس فيها الشعور العميق بالاِثم والندم، والرغبة الحارة عن التكفير، وكونها صادرة عن هذه البواعث، جعلها ثورة انتحارية فالثائرون يريدون الانتقام والتكفير ـ ومع ذلك ـ إنّها أثّرت في مجتمع الكوفة تأثيراً عميقاً فقد عبّأت خطبُ قادات هذه الثورة وشعاراتهم، الجماهير في الكوفة للثورة على الحكم الاَموي.



(1) محمد مهدي شمس الدين: ثورة الحسين: 264.


(258)

4

ثورة المختار

المختار هو ابن أبي عبيدة بن مسعود بن عمرو بن عوف بن عبدة بن عوف ابن ثقيف الثقفي، ولد عام الهجرة وقد جاء أبوه به إلى علي _ عليه السلام _ وهو صغير وأجلسه على فخذه وقال له وهو يمسح على رأسه: «ياكيّس! ياكيّس!» ولذا لُقّبَ بالكيسان (1)

إنّ ثورة المختار الثقفي من الثورات الانتقامية التي أثلجت قلوب بني هاشم إذ ما امتشطت هاشمية ولا اختضبت، حتى أخذ المختار ثأر الحسين من قتلته، ولما وقف الاِمام علي بن الحسين _ عليهما السلام _ على ما جرى على أعداء أبيه بيد المختار خرّ ساجداً وقال: الحمد للّه الذي أدرك لي ثأري من أعدائي وجزى المختار خيرا (2)

وهناك سوَال يطرح نفسه وهو أنّ المختار كان من أهل الولاء لاَهل البيت ـ عليهم السلام ـ فلماذا لم يُشارك في جيش الاِمام _ عليه السلام _ ولم يقاتل أمامه ولكن التاريخ يجيبك عن هذا السوَال، وهو أنّ الرجل جاء لنصرة الاِمام لكن قبض عليه وحيل بينه وبين أُمنتيه.


(1) الكشي: الرجال: 116.
(2) المصدر نفسه.

(259)

يذكر الموَرخون أنّ مسلم بن عقيل _ عليه السلام _ خرج قبل الاَجل الذي كان بينه وبين أصحابه منهم المختار بن أبي عبيدة، وكان في قرية تدعى «لقفا» فبلغه ما جرى على مسلم فجاء بمواليه إلى الكوفة يحمل راية خضراء ومعه عبد اللّه بن الحارث رافعاً لواء أحمر، فانتهى إلى باب الفيل ووضح لديهما قتل مسلم وهانىَ وأُشير عليهما بالدخول تحت راية عمرو بن حريث ليسلما على دمهما، ففعلا وحفظ دمهما ابن حريث بشهادته عند ابن زياد باجتنابهما مسلم بن عقيل، فقبل منه بعد أن شتم المختار واستعرض وجهه بالقضيب فشتر (1)عينه، ثم أمر بهما فسجنا وبقيا في السجن إلى أن قتل الحسين _ عليه السلام _ فكتب المختار إلى عبد اللّه بن عمر ابن الخطاب وكان زوج أُخته (صفية) أن يشفع له عند يزيد بن معاوية ففعل وشفعه يزيد وأمر ابن زياد بإطلاقه من السجن بعد أن أجّله بالكوفة ثلاثاً ليخرج إلى الحجاز وإلاّ أعاده إلى السجن (2)

خرج المختار إلى الحجاز وأقام هناك خمسة أشهر واجتمع مع ابن الزبير لخروجه على يزيد وكفاحه ضد الاَمويين وهذه هي النقطة التي كان المختار وعبد اللّه بن الزبير وكثير من المعارضين يشتركون فيها حتى الخوارج. مكث عنده شهوراً وأياماً ولكن لم يجد بغيته فيه، ومع ذلك كلّه قاتل الشاميين جنود الطاغية تحت راية عبد اللّه بن الزبير، وهذا يدلّ على خلوصه في مكافحته الاَمويين وقد ذكر الطبري شيئاً كثيراً من بطولته وقتاله ضد الشاميين نقتطف منه ما يلي:

مكث المختار مع عبد اللّه بن الزبير حتى شاهد الحصار الاَوّل حين قدم الحُصين بن النمير السكوني مكة فقاتل في ذلك اليوم، فكان من أحسن الناس يومئذ بلاء وأعظمهم عناء، ولما قتل المنذر بن الزبير والمسور بن مخرمة


(1) شتر: قلب جفنه.
(2) اليعقوبي: التاريخ: 2|258، ط دار صادر ـ بيروت، الطبري: التاريخ: 4|441 ـ 442.

(260)

ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، نادى المختار: يا أهل الاِسلام! إليّ إليّ أنا ابن أبي عبيد بن مسعود، وأنا ابن الكرار لا الفرار، أنا ابن المقدمين غير المحجمين. إليّ يا أهل الحفاظ وحماة الاَوتار، فحمى الناس يومئذ وأبلى وقاتل قتالاً حسناً ثم أقام مع ابن الزبير في ذلك الحصار حتى كان يوم أُحرق البيت، فإنّه أُحرق يوم السبت لثلاث مضين من شهر ربيع الاَوّل سنة 64هـ فقاتل المختار يومئذ في عصابة معه نحواً من ثلاثمائة أحسن قتال قاتله أحد من الناس إن كان ليقاتل حتى يتبلّد ثم يجلس ويحيط به أصحابه، فإذا استراح نهض فقاتل، فما كان يتوجه نحو طائفة من أهل الشام إلاّ ضاربهم حتى يكشفهم (1)

وقد ذكر الطبري شيئاً كثيراً من هذه البطولات أيّام إقامته في مكة مع ابن الزبير قبل مهلك يزيد وبعده.

مغادرته مكة إلى الكوفة :

ولما بلغ نعي يزيد إليه غادر مكة إلى الكوفة للطلب بدم شهيد الطف وإنّما اختار الكوفة لاَنّ هناك مجتمع أنصاره وأعدائه، ولما نزل الكوفة اجتمع حوله كثير من الشيعة، يقول المسعودي: نزل ناحية من الكوفة وجعل يظهر البكاء على الطالبيين وشيعتهم، ويظهر الحنين والجزع لهم ويحثُّ على أخذ الثار فمالت إليه الشيعة وانضافوا إلى جملته (2)ولما بلغ إلى ابن الزبير التفاف الشيعة حول المختار وأنّه بصدد الخروج أحسّ خطراً وأنّه سوف يخرج العراق من يده، وقد كان العراق تحت قدرته، فرأى أنّ التفاف الناس حول المختار يرجع إلى عدم كفاءة عامله، فحاول إبداله بعامل آخر لم يكن في اللباقة أحسن منه فاستعمل عبد اللّه بن مطيع بالكوفة، وكان قدومه في رمضان لخمس بقين منه، ولما قدم صعد


(1) الطبري: التاريخ: 4|445 ـ 446.
(2) المسعودي: مروج الذهب: 3|73 ـ 74.

(261)

المنبر وخطبهم وقال: أمّا بعد فإنّ أمير الموَمنين (ابن الزبير) بعثني على مصركم وثغوركم وأمرني بجباية فيئكم وأن لا أحمل فضل فيئكم عنكم إلاّ برضا منكم، وأن أتّبع وصية عمر ابن الخطاب التي أوصى بها عند وفاته، وسيرة عثمان بن عفان فاتقوا اللّه واستقيموا ولا تختلفوا وخذوا على أيدي سفهائكم فإن لم تفعلوا فلوموا أنفسكم ولا تلوموني، فواللّه لاَُوقعنَّ بالسقيم العاصي، ولاَُقيمنّ درع الاَصعر المرتاب (1)

ولو كان كلامه مقياساً لشعوره ودهائه وسياسته، فهذه الخطابة التي ألقاها، دليل على عدم تعرفه على بيئته، والنفسيات الحاكمة على سكانها فإنّ ما ذكره إنّما كان يتجاوب مع أفكار قليل من أهل الكوفة الذين كانوا يتجاوبون مع بني أُمية ويحبّون خطهم، وأمّا الاَكثرية الساحقة، فكانوا على خلاف تلك الفكرة.

ولاَجل ذلك قام السائب بن مالك الاَشعري ولم يمهله لاِتمام كلامه وقال: «أمّا حمل فيئنا برضانا فإنّا نشهد أنّا لا نرضى أن يحمل عنّا فضله، وأن لا يقسم إلاّ فينا، وأن لا يُسار فينا إلاّ بسيرة علي بن أبي طالب التي سار بها في بلادنا هذه حتى هلك، ولا حاجة لنا في سيرة عثمان في فيئنا ولا في أنفسنا، ولا في سيرة عمر بن الخطاب فينا وإن كانت أهون السيرتين علينا وكان يفعل بالناس خيرا».

فقال يزيد بن أنس: صدق السائب وبرّ، وعندئذ تنبه عبد اللّه بن مطيع أنّ كلامه لم يكن بليغاً مطابقاً لمقتضى الحال فعاد بتلطيف ما سبق وقال: نسير فيكم بكل سيرة أحببتموها ثم نزل (2)

لمس المختار ما تتبناه الاَكثرية الساحقة من أهل الكوفة والعراق ولم يكن آنذاك في وسعه تحقيق العدل الاجتماعي الذي سار به علي _ عليه السلام _ في أيامه، ولكن كانت فيه مقدرة عظيمة على أخذ الثأر حتى يتمكن من الاَخذ بمجامع القلوب.


(1) الجزري: الكامل في التاريخ: 4|211 ـ 213.
(2) الجزري: 4|213.

(262)

ميزة ثورة المختار :

وتتميز ثورة المختار عن ثورة التوابين بأنّ ثورة هوَلاء كانت متوجّهة على النظام الاَموي بالذات دون الذين ارتكبوا الجرائم بالمباشرة، وذلك لاعتقادهم بأنّ النظام هو الاَساس لقتل الحسين _ عليه السلام _ دون الاَشخاص العملاء، فلابد من السعي لقطع جذور السبب قبل مكافحة المسبب، فلاَجل ذلك تركوا الكوفة وفيها قتلة الحسين _ عليه السلام _ فتوجهوا إلى الشام وقد استشهد كثير منهم في معركة الحرب مع الشاميين وتراجع القليل منهم إلى الكوفة وعلى رأسهم رفاعة بن شداد الاَمير الاَخير لهم، وتفرقوا في عشائرهم.

أمّا المختار فقد كانت ثورته متوجهه بالذات إلى القتلة، وتطهير أرض العراق من جراثيم العيث والفساد من الاَمويين، وأمّا الذي حداه إلى اتّخاذ هذا الاَُسلوب في ثورته هو أنّ العراقيين قد استجابوا لابن الزبير وبايعوه وطردوا عامل الاَمويين من الكوفة باسم عمرو بن حريث، وذلك قبل خروج المختار، وكانت أُمنيتهم من تلك البيعة أمرين:

1 ـ تحقيق العدل الاِجتماعي والسير وراء الاِصلاح الذي قام به الاِمام علي ـ عليه السلام ـ.

2 ـ أخذ الثأر من قاتل الاِمام الحسين _ عليه السلام _ .

أمّا الاَمر الاَوّل فلم يتحقّق منه شيء واضح حتى يقنع العراقيين، وأمّا الثاني فكان على طرف النقيض من أُمنيتهم حيث كانت هياكل الاِثم كعمر بن سعد وشمر بن ذي الجوشن وشبث بن ربعي وغيرهم مقربين إلى السلطة، فصار ذلك سبباً لتسرّب الضعف إلى سلطان ابن الزبير في القلوب فكانوا يتحيّنون الفرص للخروج عن بيعته وإقامة نظام جديد يحقّق العدل الاجتماعي الذي مارسوه في


(263)

عهد الاِمام علي وأخذ الثأر من قتلة الاِمام.

نهض المختار والشيعة هم الاَغلبية الساحقة على الكوفة ـ غير راضين من سلطة ابن الزبير وعامله في الكوفة عبد اللّه بن مطيع واجتمعت الشيعة حول المختار واتفقوا على الرضا به ولم يزل أصحابه يكثرون، وأمره يقوى.

إنّ ثورة المختار كانت ثورة وهاجة أنارت الطريق للثائرين الآتين بعده، غير أنّ حولها إبهامات وتأملات أهمها كونها مبعوثة أو مدعمة من جانب ابن الحنفية مع أنّ الاِمام القائم مقام الحسين ووليه وسلطان دمه هو علي بن الحسين زين العابدين _ عليهما السلام _ ولعلّ اتصاله بابن الحنفية لاَجل أنّه قام بالاَمر وقد مضت خمس سنين من شهادة الاِمام وكان محمد الحنفية شخصية معروفة من عصر الاِمام علي ويعد من علماء أهل البيت فاستجاز منه حتى يتخذه رصيداً لثورته ولا يعد ذلك دليلاً على أنّه كان معتقداً بإمامته على أنّه لم يظهر لابن الحنفية أية دعوة لنفسه، ولو رمي بالدعوة فإنّما هو من أساطير المخالفين لاَجل تشويه سمعته والتشكيك في قلوب الشيعة، مع أنّ المختار أرسل الرسل وروَوس القتلة إلى علي بن الحسين _ عليه السلام _ أثناء ثورته كما سيوافيك.

خرج المختار بعد مناوشات واشتباكات بينه وبين عبد اللّه بن مطيع، عامل ابن الزبير في الكوفة حتى غلب عليه المختار، فدخل المختار القصر وبات فيه وأصبح أشراف الناس في المسجد وعلى باب القصر وخرج المختار فصعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه وقال:

«الحمد للّه الذي وعد وليه النصر، وعدوّه الخسر، وجعله فيه إلى آخر الدهر وعداً مفعولاً، وقضاءً مقضياً وقد خاب من افترى، أيّها الناس إنّا رفعت لنا راية ومدّت لنا غاية فقيل لنا في الراية إنّ إِرفعوها، وفي الغاية أن أجروا إليها ولا تعدوها، فسمعنا دعوة الداعي ومقالة الواعي.


(264)

ـ وقال في نهاية كلامه: ـ فلا والذي جعل السماء سقفاً محفوظاً والاَرض فجاجاً سبلاً، ما بايعتم بعدَ بيعة علي بن أبي طالب وآل علي، أهدى منها».

ثم نزل ودخل عليه أشراف الكوفة فبايعوه على كتاب اللّه وسنّة رسول اللّه والطلب بدماء أهل البيت وجهاد المحلّين والدفع عن الضعفاء وقتال من قاتلنا وسلم من سالمنا (1)

وأقبل المختار يمنّي الناس ويستجرّ مودة الاَشراف ويحسن السيرة، وقيل له: إنّ عبد اللّه بن مطيع في دار أبي موسى، فسكت فلمّا أمسى بعث له بمائة ألف درهم وقال: تجهّز بهذه فقد علمت مكانك وأنّك لم يمنعك من الخروج إلاّ عدم النفقة وكان بينهما صداقة (2)

نهض المختار بالكوفة لاَربع عشرة ليلة خلت من ربيع الاَوّل سنة 66هـ وبقي إلى شهر رمضان من سنة 67هـ وكانت ولايته ما يقارب 18 شهراً فجدّ في الاَمر وبالغ في النصرة وتتبّع أُولئك الاَرجاس وقد أخذ الثأر من قتلة الحسين ـ عليه السلام ـ. ونذكر هنا شيئاً قليلاً من قتاله وكفاحه في ساحة الاَخذ بالثأر :

كان عامل المختار على الموصل عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني فزحف إليه عبيد اللّه بن زياد بعد قتله سليمان بن صرد (الاَمير الاَوّل للتوابين)، فحاربه عبد الرحمن وكتب إلى المختار بخبره. فوجّه إليه يزيد بن أنس، ثم وجّه إبراهيم بن مالك بن الحارث الاَشتر، فلقي عبيد اللّه بن زياد فقتله، وقتل الحصين ابن نمير السكوني، وشرحبيل بن ذي الكلاع الحميري، وحرق أبدانهما بالنار وأقام والياً على الموصل وأرمينية وآذربيجان من قبل المختار وهو على العراق


(1) ابن الاَثير: الكامل: 4|211 ـ 226بتلخيص.
(2) الجزري: الكامل: 4|225 ـ 226.

(265)

والٍ، ووجّه برأس عبيد اللّه بن زياد إلى علي بن الحسين إلى المدينة مع رجل من قومه، وقال له: قف بباب علي بن الحسين فإذا رأيت أبوابه قد فتحت ودخل الناس فذاك الوقت الذي يوضع فيه طعامه، فادخل إليه، فجاء الرسول إلى باب علي بن الحسين _ عليهما السلام _ فلمّا فتحت أبوابه ودخل الناس للطعام، نادى بأعلى صوته: يا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومهبط الملائكة ومنزل الوحي أنا رسول المختار بن أبي عبيد معي رأس عبيد اللّه بن زياد، فلم تبق في شيء من دور بني هاشم امرأة إلاّ صرخت، ودخل الرسول فأخرج الرأس فلمّا رآه علي علي بن الحسين قال: أبعده اللّه إلى النار.

وروى بعضهم أنّ علي بن الحسين _ عليهما السلام _ لم يُرَ ضاحكاً يوماً قط، منذ قتل أبوه، إلاّ في ذلك اليوم، وأنّه كان له إبل تحمل الفاكهة من الشام، فلمّا أُتي برأس عبيد اللّه بن زياد أمر بتلك الفاكهة ففرقت في أهل المدينة، وامتشطت نساء آل رسول اللّه، واختضبن، وما امتشطت امرأة ولا اختضبت منذ قتل الحسين بن علي _ عليهما السلام _.

وتتبّع المختار قتلة الحسين فقتل منهم خلقاً عظيماً، حتى لم يبق منهم كثير أحدٍ، وقتل عمر بن سعد وغيره، وحرق بالنار، وعذب بأصناف العذاب (1)

وقد جاء الجزري بتفصيل قتل قادة الجيش الاَموي في كربلاء. قال:

وكان عمرو بن الحجاج الزبيدي ممن شهد قتل الحسين فركب راحلته، وقيل أدركه أصحاب المختار وقد سقط من شدّة العطش فذبحوه وأخذوا رأسه.

وبعث المختار غلاماً له يدعى زربى في طلب شمر بن ذي الجوشن ومعه أصحابه أحاطوا بالبيت الذي فيه شمر، وقام شمر وقد اتّزر ببرد وكان أبرص فظهر بياض برصه من فوق البرد وهو يطاعنهم بالرمح وقد عجّلوه عن لبس ثيابه


(1) اليعقوبي: التاريخ: 2|259.

(266)

وسلاحه، وكان أصحابه قد فارقوه فلمّـا أبعدوا عنه، سمعوا التكبير وقائلاً يقول: قتل الخبيث، قتله ابن أبي الكنود وأُلقيت جثته للكلاب (1)

ثم أُرسل إلى خولي بن يزيد الاَصبحي وهو صاحب رأس الحسين ـ عليه السلام ـ فاختفى في مخرجه فدخل أصحاب المختار يفتّشون عنه، فخرجت امرأته، واسمها العيوف بنت مالك، وكانت تعاديه منذ جاء برأس الحسين فقالت لهم: ماتريدون؟ فقالوا لها: أين زوجك؟ قالت: لا أدري، وأشارت بيدها إلى المخرج فدخلوا فوجدوه وعلى رأسه قَوْصرّة فأخرجوه وقتلوه إلى جانب أهله وأحرقوه بالنار.

وبعث المختار أبا عمرة إلى عمر بن سعد فأتاه وقال: أجب الاَمير فقام عمر، فعثر في جبة له، فضربه أبو عمرة بسيفه فقتله وأخذ رأسه فأحضره عند المختار، فقال المختار لابنه «حفص بن عمر» وهو جالس عنده: أتعرف من هذا؟ قال: نعم ولا خير في العيش بعده فأمر به فقتل، وقال المختار : هذا بحسين، وهذا بعلي بن الحسين ولا سواء، واللّه لو قتلتُ به ثلاثة أرباع قريش، ما وفوا أُنملة من أنامله، ثم بعث برأسه ورأس ابنه إلى ابن الحنفية وكتب إليه يعلمه أنّه قد قتل من قدر عليه وإنّه في طلب الباقين ممن حضر القتل (2)

ثم إنّ المختار أرسل إلى حكيم بن طفيل الطائي، وكان أصاب سلب العباس بن علي ورمى الحسين بسهم. كما بعث إلى قاتل علي بن الحسين وهو مرّة ابن منقذ فأحاطوا بداره، فخرج إليهم على فرسه وبيده رمحه فطاعنهم فضُـرب على يده وهرب منهم فنجا ولحق بمصعب بن الزبير وشلّت يده بعد ذلك.

وطلب المختار سنان بن أنس الذي كان يدّعي قتل الحسين فرآه قد هرب إلى البصرة فهدم داره، كما أرسل إلى محمد بن الاَشعث ولم يجده وقد كان هرب


(1) الجزري: الكامل: 4|236 ـ 237 باختصار .
(2) الجزري: الكامل: 4|241 ـ 242.

(267)

إلى مصعب، فهدم المختار داره وبنى بلبنها وطينها دار حجر بن عدي الكندي، كان زياد قد هدمها(1)

وفي الختام نذكر عمله القيم الذي أنجى به لفيفاً من أهل بيت النبي الاَكرم من الاِحراق بالنار.

إنّ عبد اللّه بن الزبير حبس محمد الحنفية وأصحابه بزمزم وتوعدهم بالقتل والاِحراق وإعطاء اللّه عهداً إن لم يُبايعوا أن ينفذ فيهم ما توعّدهم به، وضرب لهم في ذلك أجلاً.

فأشار بعض من كان مع ابن الحنفية عليه، أنّ يبعث إلى المختار يعلمه حالهم فكتب إلى المختار بذلك وطلب منه النجدة فقرأ المختار الكتاب على الناس، فبكى الناس وقالوا: سرّحنا إليه، وعجّل، فبعث إليهم ثمانمائة راكب من أهل القوة، حتى دخلوا المسجد الحرام ومعهم الرايات وهم ينادون يالثارات الحسين حتى انتهوا إلى زمزم، وقد أعدّ ابن الزبير الحطب ليحرقهم، وكان قد بقي من الاَجل يومان، فكسروا الباب، ودخلوا على ابن الحنفية يستأذنون القتال وهو يقول: إنّي لا أستحلّ القتال في الحرم. فخافهم ابن الزبير وتركهم. وخرج محمد بن الحنفية ومن معه إلى شعب علي وهم يسبّون ابن الزبير ويستأذنون محمداً فيه فأبى عليهم فاجتمع في الشعب أربعة آلاف رجل فقسّم بينهم المال وعزوا وامتنعوا (2).

ونقل الجزري أنّ ابن عباس كان أيضاً محبوساً مع محمد الحنفية فأزال جيش المختار الضرر عن كليهما، ولما قتل المختار قوى عليهما ابن الزبير فخرجا إلى الطائف ولما وصل ابن عباس إلى الطائف توفي به وصلّـى عليه ابن الحنفية(3).


(1) الجزري: الكامل: 4|242 ـ 244.
(2) الجزري: الكامل: 4|250 ـ 254.
(3) الجزري: الكامل: 4|250 ـ 254.

(268)

قتل المختار بجيش مصعب بن الزبير :

كان المختار يسيطر على قسم كبير من أراضي العراق من الكوفة إلى الموصل وغيرهما وكان أمامه عدوين غاشمين: أحدهما عبد اللّه بن الزبير حيث كان يحكم على العراق كله غير أنّه أخرج المختار عامله من الكوفة وبقيت البصرة بيد عامله مصعب بن الزبير، ثانيهما عبد الملك بن مروان الخليفة الاَموي الذي كانت بيده مفاتيح الاَقطار الاِسلامية غير العراق والحجاز.

وكان مصعب يتحيّن الفرصة للهجوم على الكوفة وعزل المختار وكان عبد اللّه يشجّعه على ذلك ناسياً عمله المشرق عند ما ضرب جيش الشام الحصار على ابن الزبير، فقد حارب المختار ذلك الجيش المكثَّف أياماً عديدة، ولكن الملك عقيم. هذا من جانب.

ومن جانب آخر أنّ المختار تتبّع قتلة الحسين _ عليه السلام _ بيتاً بيتاً وجدّ في الاَمر، وقتل أُولئك الاَرجاس، ولاَجل فتكه وقتله، هرب قسم من أشراف الكوفة الذين كان لهم يد في قتل الحسين _ عليه السلام _ منهم شبث بن ربعي، حيث ورد البصرة على هيئة خاصة يحرض والي البصرة على قتال المختار وهو في عمله هذا اتّبع ضمضم بن عمرو الغفاري عند ما أرسله أبو سفيان ليخبر قريشاً بالخطر الذي يحدق بتجارتهم، فاستأجر ذلك الرجل وأمره بأن يجدع بعيره، ويقطع رحله ويشقّ قميصه من قبله ودبره، ويصيح: الغوث الغوث.

قام شبث بن ربعي بنفس ذلك العمل (والجنس إلى الجنس يميل) جاء راكباً بغلة قد قطع ذنبها وقطع أطراف أُذنها في قباء مشقوق وهو ينادي: وا غوثاه، فقال الاَشراف الهاربون إلى البصرة لمصعب: سر بنا إلى محاربة هذا الرجل الذي هدم دورنا وأخذوا يحرضونه على ذلك.


(269)

فجاء مصعب بجيش كثيف وقد وقعت بينهما حروب طاحنة في أقطار متعددة إلى أن انحسر المختار إلى الكوفة، وتخبّأ بالقصر.

فحاصره ابن الزبير بقصر الاِمارة مع أربعمائة رجل من أصحابه أياماً، وقد كان المختار يخرج من القصر فيقاتل ويرجع إلى أن قتل لاَربع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، خرج بمن معه مستميتين فقتلوا وقتل المختار وجاء القاتل برأسه إلى مصعب بن الزبير فأجازه بثلاثين ألف درهم، ثم ابتدأ الجيش بقتل الناهضين معه وقتلوا رجالاً كثيراً، ثم بعث مصعب على حرم المختار ودعاهنّ إلى البراءة فرجعت ابنة سمرة بن جندب ولعنته وتبرّأت منه فأطلق سراحها وأبت زوجته الاََُُخرى ابنة النعمان بن بشير وقالت: شهادة أُرزقها ثم أتركها، كلا إنّها موتة ثم الجنّة والقدوم على الرسول وأهل بيته، فأمر بها مصعب وقتلت صبراً.


(270)

5

ثورة عبد الرحمن بن محمد بن الاَشعث

لا يهمّنا في المقام بيان تفاصيل الثورة التي جاءت في تاريخ الطبري والكامل وغيرهما وإنّما يهمّنا الاِلماع إلى النقطة الحساسة في خطب الثائرين على النظام الاَموي، فقد ترى فيها محاكات عن خطب الاِمام أبي الشهداء وبذلك صاروا مستلهمين ثورتهم من ثورته، و فكرتهم من فكرته، وقد نقموا من النظام بنفس ما نقم به الاِمام منهم، وإليك بيانها على وجه موجز:

أرسل الحجاج، عبد الرحمن بن محمد بن الاَشعث إلى سجستان على رأس جيش عراقي وقد فتحوا من البلاد شيئاً كثيراً وكتب القائد في النهاية إلى الحجاج أنّ رأيه إيقاف الحرب في هذه البلاد حتى يعرفوا طريقها، ويجبوا خراجها، ولما وصل الكتاب إلى الحجاج كتب إليه كتاباً وبّخه فيه على إيقاف الحرب، ثم أردفه بكتاب ثانٍ وثالث يأمره بالتوغّل في الحرب وأنّه إن أظهر العجز فالاَمير أخوه إسحاق بن محمد.

ولما وصلت كتب الحجاج إلى عبد الرحمن جمع أصحابه وقال: أيّها الناس! إنّي لكم ناصح ولصلاحكم محب، ثم ذكر ما دار بينه وبين الحجاج عن طريق الكتب، وأنّه أمره بالتوغل في الحرب في أرض العدو، وهي البلاد التي هلك فيها إخوانكم بالاَمس. وقال: إنّما أنا رجل منكم أمضي إذا مضيتم، وآبي إذا أبيتم. فثار إليه الناس فقالوا: لا بل نأبى على عدوّ اللّه، ولا نسمع له ولا نطيع.


(271)

وقد تكلّم فيمن تكلّم عامر بن واثلة الكناني، فقال بعد أن حمد اللّه وأثنى عليه: أما بعد فإنّ الحجاج واللّه ما يرى بكم إلاّ ما رأى القائل الاَوّل إذ قال لاَخيه: إحمل عبدك على الفرس، فإن هلك هلك وإن نجا فلك، إنّ الحجاج واللّه ما يبالي أن يخاطر بكم فيقحمكم بلاداً كثيرة اللهوب واللصوب، فإن ظفرتم فغنمتم أكل البلاد، وحاز المال، وكان ذلك زيادة في سلطانه، وإن ظفر عدوكم كنتم أنتم الاَعداء البغضاء الذين لا يبالي عنتهم ولا يبقي عليهم، اخلعوا عدوّ اللّه الحجاج وبايعوا عبد الرحمن فإنـّي أُشهدكم أنـّي أوّل خالع، فنادى الناس من كل جانب: فعلنا، فعلنا قد خلعنا عدوّ اللّه.

وقام عبد الموَمن بن شبث بن ربعي التميمي ثانياً وكان على شرطته حين أقبل فقال: عباد اللّه إنّكم إن أطعتم الحجاج جعل هذه البلاد بلادكم مابقيتم، وجمّركم تجمير فرعون الجنود فإنّه بلغني أنّه أوّل من جمّر البعوث، ولن تعاينوا الاَحبة فيما أرى أو يموت أكثركم. بايعوا أميركم وانصرفوا إلى عدوكم فانفوه عن بلادكم، فوثب الناس إلى عبد الرحمن فبايعوه فقال: تبايعوني على خلع الحجاج عدوّ اللّه وعلى النصرة لي وجهاده معي حتى ينفيه اللّه من أرض العراق فبايعه الناس ولم يذكر خلع عبد الملك إذ ذاك بشيء.

ثم إنّه خرج عبد الرحمن من سجستان مقبلاً إلى العراق فلمّا دخل فارس اجتمع الناس بعضهم إلى بعض وقالوا: إنّا إذا خلعنا الحجاج عامل عبد الملك فقد خلعنا عبد الملك، فاجتمعوا إلى عبد الرحمن فبايعوه على كتاب اللّه وسنّة نبيّه وخلع أئمة الضلالة وجهاد المحلّين.

ثم بعد وقوع اشتباكات عنيفة بين عبد الرحمن وجنود الحجاج، دخل عبد الرحمن البصرة، وبايعه الناس من كهولها وقرائها على حرب الحجاج وخلع عبد الملك وكان ذلك في آخر ذي الحجّة من سنة 81هـ، فصارت الحرب في


(272)

الحقيقة بين الشاميين يرأسهم الحجاج، والعراقيين يقودهم عبد الرحمن.

مضى ابن الاَشعث إلى جانب الكوفة والحجاج خلف عبد الرحمن إلى أن حصل التقابل بين الجندين في دير الجماجم (1)فلمّا حمل أهل الشام على العراقيين ناداهم عبد الرحمن ابن أبي ليلى الفقيه، فقال: يا معشر القرّاء إنّ الفرار ليس بأحد من الناس بأقبح منه بكم، إنـّي سمعت عليّاً رفع اللّه درجته في الصالحين وأثابه أحسن ثواب الشهداء والصدّيقين، يقول يوم التقينا أهل الشام: «أيّـها الموَمنون إنّه من رأى عدواناً يعمل به، ومنكراً يدعى إليه فأنكره بقلبه، فقد سلم، وبرىَ، ومن أنكر بلسانه فقد أجر وهو أفضل من صاحبه، ومن أنكر بالسيف لتكون كلمة اللّه العليا وكلمة الظالمين السفلى، فذلك الذي أصاب سبيل الهدى ونوّر قلبه باليقين، فقاتلوا هوَلاء المحلّين المحدثين المبتدعين الذين قد جهلوا الحقّ فلا يعرفونه وعملوا بالعدوان فليس ينكرونه.

وقال أبو البختري: أيّـها الناس قاتلوهم على دينكم ودنياكم، فواللّه لئن ظهروا عليكم ليفسدنّ عليكم دينكم وليغلبنّ على دنياكم.

وقال الشعبي: يا أهل الاِسلام قاتلوهم ولا يأخذكم حرج من قتالهم فواللّه ما أعلم قوماً على بسيط الاَرض أعمل بظلم، ولا أجور منهم في الحكم فليكن بهم البدار.

وقال سعيد بن جبير: قاتلوهم ولاتأثموا من قتالهم بنيّة ويقين وعلى آثامهم، قاتلوهم على جورهم في الحكم وتجبّـرهم في الدين واستذلالهم الضعفاء وإماتتهم الصلاح (2)


(1) دير الجماجم: بظاهر الكوفة على سبعة فراسخ منها على طرف البرّ للسالك إلى البصرة قال أبو عبيدة: الجمجمة: القدح من الخشب وبذلك سمُيَ دير الجماجم لاَنّه يعمل فيه الاَقداح من الخشب (معجم البلدان: 2|501).
(2) الطبري: التاريخ: 5|145 ـ 163.

(273)

إلى غير ذلك من الخطب التي أُلقيت في ذلك المقام وإن تمت الحرب لصالح الحجاج وقضى على ثورة ابن الاَشعث يوم الاَربعاء لاَربع عشرة مضت من جمادي الاَُخرى عام 83هـ ولكنّها كانت ثورة وهّاجة في وجه العدو استتبعت ثورات أُخرى حتى قضت على بني أُمية من رأس.

وأُعلّق على ثورة عبد الرحمن بأُمور:

1 ـ إنّ الاِمعان في هذه الكلم الموجزة يقتضي بأنّ القوم كانوا مستلهمين من خطب الاِمام أمير الموَمنين وخطب سيد الشهداء يوم عاشوراء وغيره، ويظهر ذلك بمقارنة خطب أبي الشهداء منذ غادر المدينة إلى أن استشهد في الطف، وبهذا يظهر أنّ هذه الثورات كانت نابعة عن ثورة الحسين ولولاها لما تتابعت هذه الثورات وبالتالي كان الحكم بيد الاَمويين إلى قرون كما كان الاَمر كذلك بيد العباسيين ولم يكونوا أحسن سلوكاً من الاَمويين.

2 ـ نرى أنّ سعيد بن جبير ذلك التابعي العظيم وكميل بن زياد النخعي، ممن شاركوا في هذه الثورة وجاهدوا تحت راية عبد الرحمن بن محمد بن الاَشعث مع أنّ بين المقود والقائد بعد المشرقين، فهوَلاء كانوا علويين وعبد الرحمن وأبوه محمد ابن الاَشعث كانا عثمانيَّي الهوى، فإنّ محمد بن الاَشعث هو الذي قضى على ثورة مسلم في الكوفة وقتله وشارك في قتل الحسين. وما هذا إلاّ لاَنّ روَساء الشيعة آنذاك استثمروا الفرصة وشاركوا في هذه الثورة ليقضوا على العدوّ الغاشم بيد غيرهم، ولاَجل ذلك لما وضعت الحرب أوزارها دعا الحجاج بكميل بن زياد النخعي فقال له: أنت المقتصّ من عثمان أمير الموَمنين قد كنت أحب أن أجد عليك سبيلا. فقال: واللّه ما أدري على أيّنا أنت أشد غضباً عليه حين أقاد من نفسه أم عليّ حين عفوت عنه؟ ثم قال: أيّها الرجل من ثقيف لا تصرف عليَّ أنيابك ولاتهدّم عليّ تهدُّم الكثيب، ولاتكشر كشران الذئب، واللّه ما بقي من


(274)

عمري إلاّ ضِمْءُ الحمار فإنّه يشرب غدوة ويموت عشية، ويشرب عشية ويموت غدوة، إقض ما أنت قاض فإنّ الموعد اللّه وبعد القتل الحساب. قال الحجاج: فإنّ الحجّة عليك. قال: ذلك إن كان القضاء إليك، قال: بلى كنتَ فيمن قتل عثمان وخلعت أمير الموَمنين. أُقتلوه، فقدم فقتل، قتله أبو الجهم بن كنانة (1)

3 ـ إنّ الحجاج كان ممن نكست فطرته فالمعروف كان عنده منكراً والمنكر معروفاً، وكان قتل الاَبرياء وتعذيبهم بألوان العذاب شيئاً سهلاً عنده. يقول الموَرخون: لما أسرف الحجاج في قتل أسارى دير الجماجم واعطائه الاَموال بلغ ذلك عبد الملك فكتب إليه: أمّا بعد: فقد بلغ أمير الموَمنين سرفك في الدماء وتبذيرك في الاَموال ولا يحتمل أمير الموَمنين هاتين الخصلتين لاَحد من الناس، وقد حكم عليك أمير الموَمنين في الدماء في الخطاء الدية وفي العمد القود، وفي الاَموال ردّها إلى مواضعها...

فلمّا بلغ كتاب عبد الملك إليه كتب إليه في الجواب: واللّه ما عليَّ من عقل ولا قود، ما أصبتُ القوم فأدِيَهُم، ولاظلمتهم فأُقاد بهم، ولا أعطيتهم إلاّ لك، ولا قتلت إلاّ فيك... (2)

وكان سعيد بن الجبير وكميل بن زياد ومئات من التابعين الاَبرياء كانوا ممن تستباح دماوَهم وأموالهم فخضّب وجه الاَرض بسيول الدماء ... وإلى اللّه المشتكى.

4 ـ وإنّ من العجـب العجـاب مشاركة الحسـن المثنى في انتفاضة ابن الاَشعث ولاَجل ذلك يعدّه ابن المرتضى سلفاً للزيدية، ولم يكن زيد يوم ذاك إلاّ طفلاً أو مراهقاً، وبما أنّ أهل البيت كانوا يعانون من النظام الاَمويّ المتمثل يوم


(1) الطبري: التاريخ: 5|169 ـ 170.
(2) المسعودي: مروج الذهب: 3|134 ـ 135.

(275)

ذلك في بني مروان، شاركوا في مثل هذه الانتفاضة لاتفاقهم معه في الهدف الموَقّت أعني إزالة عبد الملك عن الحكم (1)

إلى هنا تمت الثورات المتقدمة على ثورة الاِمام زيد وقد اتضح كونها مستلهمة من ثورة الحسين بوجه وحان حين الكلام في ثورة زيد الشهيد التي أنارت الطريق للثائرين المتأخرين الذين أنهضهم بثورته، للقضاء على النظام السائد في مدّة لا تتجاوز عشر سنين وإليك البيان.



(1) البحر الزخار: المقدمة |225، وسيوافيك الكلام عند ذكر أئمة الزيدية.

(276)



(277)

الفصل الرابع عشر

ثورة زيد بن علي بن الحسين

كانت استمراراً لثورة الحسين

_ عليهم السلام _

هذه هي الثورة السادسة من الثورات المتتابعة لثورة الاِمام أبي الشهداء الحسين _ عليه السلام _ المستلهمة منها ولم تكن آخرتها، وقد جاءت الثورات بعد ثورة زيد أيضاً تترى على تقويض النظام الاَموي ثم النظام العباسي وكان الهدف المشترك بين الجميع مكافحة الظلم والفساد ونشر العدل والقسط بين الناس. وإن لم تخلّ بعضها عن تحوير وانحراف.

نعم كانت في حياة زيد أحداث جزئية لم يكن لها دور في تكون الثورة واختمارها في نفسه وإنّما أشعلت الفتيل، وفجّرت الثورة، ولو صحّ ما ذكروه من الاَُمور، فإنّما كانت سبباً لظهور ما كان يختمره زيد طيلة سنوات عصر أخيه الاِمام الباقر _ عليه السلام _ (57 ـ 114هـ) وبعده عصر الاِمام الصادق _ عليه السلام _ .

وبعبارة واضحة: أنّ جفاء هشام (1)مثلاً له في مجلسه ـ كما يذكره


(1) أبو الفرج: مقاتل الطالبيين: 77 ـ 86 وغيره كالصفدي في فوات الوفيات.

(278)

الموَرخون ـ لايكون دليلاً شرعياً على النهضة وإراقة الدماء وقتل النفوس، وإنّما يكون موجباً لاَن يندفع إلى ما يراه منذ سنوات من لزوم تطهير المجتمع الاِسلامي من هوَلاء الظالمين الناصبين، المفسدين وفي النهاية المحقِّرين للرسول وآله.

فإذا كان زيد الثائر إنساناً إذا ذكر اللّه عنده يغشى عليه حتى يقول القائل: ما يرجع إلى الدنيا، و كان حليف القرآن وأثر السجود في وجهه واضحاً ـ ومن كانت هذه ملامحه ومواصفاته ـ فلا يخوض المعارك المدلهمّة، ولايضحي بنفسه ونفيسه ودماء أصحابه الاَبرياء إلاّ إذا كانت هناك مصلحة عامة ترجع إلى الدين ويرضى بها اللّه ورسوله وإمام عصره، والذي يميط الستر عن نواياه وعن الحوافز التي دفعته إلى الثورة، أمران:

1 ـ ما أثر عن النبي وعترته من التنبّوَ بشهادته.

2 ـ ما أثر عنه من قول أوان النهضة.

فيجب علينا دراسة هذين الاَمرين.

* * *

تنبّوَ النبي وعترته _ عليهم السلام _ بقتله :


إنّ النبي الاَكرم تنبّأ بقتله واصفاً أصحابه بأنّهم يدخلون الجنّة بغير حساب، ووصفه في رواية أُخرى بالمظلوم من أهل بيته، وأنّه كان يحب زيد بن حارثة لكونه سميّ زيد من صلبه. كما أنّ علياً لما وقف بالكناسة بكى وأبكى أصحابه، ووصفه أخوه الاِمام الباقر _ عليه السلام _ بأنّه سيد أهله والطالب بأوتارهم، كل ذلك ينمّ عن أنّه لم يخرج إلاّ بدافع ديني استحق به التكريم. وإليك نفس النصوص في هذا المجال:


(279)

1 ـ قال رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ مخاطباً لولده الحسين ـ عليه السلام ـ «ياحسين، يخرج من صلبك رجل يقال له زيد، يتخطى هو وأصحابه يوم القيامة رقاب الناس غراً محجلين يدخلون الجنّة بغير حساب». (1)

2 ـ قال ـ مشيراً إلى الحسين _ عليه السلام _ ـ: «إنّه يخرج من ولده رجل يقال له زيد ويقتل بالكوفة، ويصلب بالكناسة، ويخرج من قبره نبشاً، تفتح لروحه أبواب السماء، وتبتهج به أهل السموات»(2)

3 ـ روى حذيفة قال: نظر النبي إلى زيد بن حارثة فقال: «المقتول في اللّه، والمصلوب في أُمتي، المظلوم من أهل بيتي سميّ ـ هذا وأشار بيده إلى زيد بن حارثة ـ ثم قال له: أُدن مني يا زيد زادك اسمك عندي حباً، فأنت سميّ الحبيب من أهل بيتي» (3)

4 ـ روى أبو الفرج عن رجاله عن جرير بن حازم قال: رأيت النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في المنام وهو متساند إلى جذع زيد بن علي وهو مصلوب، وهو يقول: «أهكذا تفعلون بولدي؟!»(4)

5 ـ وقال أمير الموَمـنين _ عليه السلام _ وقد وقف على موضع صلبه بالكوفة، فبكى وأبكى أصحابه فقالوا له: ما الذي أبكاك؟ قال: «إنّ رجلاً من ولدي يصلب في هذا الموضع. من رضى أن ينظر إلى عورته أكبّه اللّه على وجهه في النار» (5).


(1) الصدوق: عيون أخبار الرضا _ عليه السلام _ الباب25، ص 250 و 251 وفي بعض النسخ: : «حين ينشر» مكان «نبشا» والصحيح ما أثبتناه في المتن.
(2) الصدوق: عيون أخبار الرضا _ عليه السلام _ الباب25، ص 250 و 251 وفي بعض النسخ: : «حين ينشر» مكان «نبشا» والصحيح ما أثبتناه في المتن.
(3) ابن إدريس: السرائر: 3| قسم المستطرفات، فيما استطرفه من رواية أبي القاسم ابن قولويه.
(4) أبو الفرج: مقاتل الطالبيين: 98، ط النجف.
(5) ابن طاووس: الملاحم: الباب 31.

(280)

6 ـ روى أبو الفرج عن مولى آل الزبير قال: كنّا عند علي بن الحسين ـ عليه السلام ـ فدعا ابناً له يقال له زيد: فكبا لوجهه وجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: «أُعيذك باللّه، أن تكون زيداً المصلوب بالكناسة، من نظر إلى عورته متعمداً أصلى اللّه وجهه النار» (1)

7 ـ روى الكشي عن أبي الجارود قال: كنت عند أبي جعفر _ عليه السلام _ جالساً إذ أقبل زيد بن علي فلما نظر إليه أبو جعفر _ عليه السلام _ قال: «هذا سيد أهل بيتي والطالب بأوتارهم» (2)

8 ـ روى الصدوق عن معمر بن سعيد قال: «كنت جالساً عند الصادق ـ عليه السلام ـ فجاء زيد بن علي فأخذ بعضادتي الباب، فقال له الصادق: «ياعم أُعيذك باللّه أن تكون المصلوب بالكناسة ـ إلى أن قال:ـ حدثني أبي عن جدي أنّه قال: يخرج من ولدي رجل يقال له زيد يقتل بالكوفة، ويصلب بالكناسة، يخرج من قبره حين ينشر، تفتح له أبواب السماء يبتهج به أهل السماوات والاَرض» (3)

إلى غير ذلك من التنبّوَات الواردة حتى في كلمات غيرهم مثل عبد اللّه بن محمد الحنفية (4)

هذه التنبّوَات وإن لم ترد عن طريق صحيح، لكن بعضها يدعم بعضاً خصوصاً إذا أُضيفت إليه ماسننقله عن أئمة أهل البيت _ عليهم السلام _ حول ثورته ونهضته فتصبح جلالة الرجل ومكانته العالية أمراً قطعياً لاشك فيه وأنّ دافعه إلى الخروج كان أمراً إلهياً كما سنشرحه.


(1) ابو الفرج: مقاتل الطالبيين: 89، ورواه المجلسي عن فرحة الغري بوجه مبسوط لاحظ البحار: 46|183. فرحة الغري: 51، المطبوع ملحقاً بمكارم الاَخلاق.
(2) الكشي: الرجال: في ترجمة هارون بن سعد البجلي، برقم: 105.
(3) الصدوق: عيون أخبار الرضا: 1|249، الباب 25.
(4) المجلسي: البحار: 46|209.


(281)

ما أثر عنه من قول قبل الخروج وأوانه :

إنّ دراسة ما نقل عنه من كلمة أو كلمات يوقفنا على مرماه من الثورة، فإن الاِنسان بصير على نفسه ومهما اهتم على كتمان ما يضمره لكنه سيظهر على لمحات وجهه وفلتات لسانه، ولكن الثائر أصحر بهدفه في غير واحد من المواضع حتى أنّ الحاكم الاَموي (هشام بن عبد الملك) اتّهمه بفكر الثورة والقيام على النظام، وهذا يدلّ على أنّه كان يبوح بها آونة بعد أُخرى، وإليك هذه الكلمات:

1 ـ إنّما خرجت على الذين أغاروا على المدينة يوم الحرة ثم رموا بيت اللّه بحجر المنجنيق والنار (1)

ويشير ثائرنا بكلامه هذا إلى ما ارتكبه الحجاج قائد الجيش الاَموي ـ يوم التجأ ابن الزبير إلى البيت ـ فحصّبـه بالحجارة مستعيناً بالمنجنيق الذي نصبه الجيش على جبل أبي قبيس، المشرف على الكعبة. كما مر في ثورة عبد اللّه بن الزبير.

2 ـ إنّما خرجت على الذين قاتلوا جدي الحسين _ عليه السلام _ (2)

3 ـ روى عبد اللّه بن مسلم بن بابك، قال: خرجنا مع زيد بن علي إلى مكة فلما كان نصف الليل واستوت الثريا فقال: يا بابكي ما ترى هذه الثريا؟ أترى أنّ أحداً ينالها؟ قلت: لا، قال: واللّه لوددت أنّ يدي ملصقة بها فأقع إلى الاَرض، أو حيث أقع، فأتقطع قطعة قطعة وأن اللّه أصلح بين أُمّة محمّد _ صلى الله عليه وآله وسلم _ (3).

إنّ هذه الكلمة إشراقة من كلام الحسين ووصيته إلى أخيه محمد ابن الحنفية: «إنّي ما خرجت أشراً ولا بطراً ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الاِصلاح في أُمّة جدي، وشيعة أبي علي بن أبي طالب فمن قبلني بقبول الحقّ فاللّه


(1) البغدادي: الفرق بين الفرق: 35 ـ 36.
(2) البغدادي: الفرق بين الفرق: 35 ـ 36.
(3) أبو الفرج الاصفهاني: مقاتل الطالبيين: 87.

(282)

أولى بالحقّ، ومن ردّ على هذا أصبر حتى يقضي اللّه بيني وبين القوم بالحقّ وهو خير الحاكمين» (1)

ترى أنّ بين الكلمتين تقارناً بل توافقاً، وهذا ما يدفعنا إلى أنّ ثورته كانت امتداداً لثورة الحسين _ عليه السلام _.

4 ـ أقام زيد الثائر بالكوفة وبايعه أصحابه وكانت بيعته التي يبايع عليها الناس: إنّا ندعوكم إلى كتاب اللّه وسنّة نبيه، وجهاد الظالمين، والدفع عن المستضعفين، وإعطاء المحرومين وقسم هذا الفيء بين أهله بالسواء، ورد المظالم، وإقفال المجمر، ونصرنا أهل البيت على من نصب لنا، وجهل حقنا. أتبايعون على ذلك فإذا قالوا نعم: وضع يده على يده، ثم يقول: عليك عهد اللّه وميثاقه وذمته وذمّة رسوله لتفينّ ببيعتي ولتقاتلنّ عدوي، ولتنصحنّ لي في السر والعلانية، فإذا قال نعم: مسح يده على يده، ثم قال: اللّهمّ اشهد (2)

وفي كلامه هذا إلماع إلى كلام الاِمام الحسين _ عليه السلام _ ألقاه بالبيضة عندما حبسه الحرّ بن يزيد الرياحي عن الحركة: فقال: «أيها الناس إنّ رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال: من رأى سلطاناً جائراً، مستحلاً لحرم اللّه، ناكثاً لعهد اللّه، مخالفاً لسنّة رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، يعمل في عباد اللّه بالاِثم والعدوان. فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول، كان حقّاً على اللّه أن يدخله مدخله، ألا وإنّ هوَلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمان وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام اللّه وحرّموا حلاله وأنا أحقّ من غيّر » (3).

5 ـ ومن كلامه: وإنّا ندعوكم إلى كتاب اللّه وسنّة نبيه، وإلى السنن أن تحيى


(1) المجلسي: بحار الاَنوار: 44|329.
(2) الطبري: التاريخ: 5|492، ابن الاَثير: الكامل: 5|233 باختلاف في التعبير.
(3) الطبري: التاريخ: 4|304.

(283)

وإلى البدع أن تدفع، فإن أنتم أجبتمونا سعدتم، وإن أنتم أبيتم فلست عليكم بوكيل(1).

6 ـ ومن كلامه لهشام بن عبد الملك: أنه لم يكره قوم قط حدّ السيف إلاّ ذلّوا (2).

وهذه الكلمة من هشام تعرب عن أنّه تجاهر بالثورة في ظروف مناسبة حتى وُشِـيَ به إلى هشام.

7 ـ روى ابن عساكر أنّ زيداً دخل على هشام فقال له: يازيد بلغني أنّ نفسك لتسمو بك إلى الاِمامة، والاِمامة لاتصلح لاَولاد الاِماء ـ فأجابه زيد بما مر عليك في الفصل الثالث المعقود لحياته فقال هشام: يازيد إنّ اللّه لايجمع النبوة والملك لاَحد، فقال زيد: قال اللّه تعالى: : "أم يَحْسُدُونَ الناسَ على ما آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آل إبراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ واتَينْاهُم مُلكاً عظِيماً") (3)

8 ـ روى المسعودي أنّه لما قامت الحرب بين أصحاب زيد وجيش يوسف ابن عمر الثقفي انهزم أصحاب زيد وبقي في جماعة يسيرة فقاتلهم أشد قتال وهو يقول متمثلاً:

أذل الحياة وعزّ الممات * وكلاً أراه طعاماً وبيلا

فإن كان لابد من واحد * فسيري إلى الموت سيراً جميلاً(4)


(1) الطبري: التاريخ: 5|498، ابن الاَثير: الكامل: 5|243.
(2) المفيد: الاِرشاد: 269.
(3) ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق، كما في زيد الشهيد للسيد العاملي: 91.
(4) المسعودي: مروج الذهب: 3|207.

(284)

وما أنشأه زيد الثائر من الشعر نفس ما أنشده الاِمام الحسين _ عليه السلام _:

سأمضي وما بالموت عار على الفتى * إذا في سبيل اللّه يمضي ويقتل (1)

9 ـ روى المسعودي أنّه دخل زيد على هشام بالرصافة، فقال له: ليس أحد يكبر عن تقوى اللّه ولا يصغر دون تقوى اللّه، فقال هشام: اسكت لا أُمّ لك أنت الذي تنازعك نفسك في الخلافة وأنت ابن أمة، ثم نقل جواب زيد وقال: وقام زيد عن المجلس وهو يقول:

شرَّدَهُ الخوف وأزرى به * كذاك من يكره حرَّ الجلاد

منخرق الكفين يشكو الجوى * تنكثه أطراف مَرْوٍ حداد

قد كان في الموت له راحة * والموت حتم في رقاب العباد

إن يُحدث اللّه له دولــة * يترك آثار العدا كالرماد (2)

10 ـ إنّ رسالة زيد إلى علماء الاَُمّة أوان خروجه تدل بوضوح على أنّ دافعه إلى الخروج هو الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد مر نصّها في الفصل الثالث.

توطين النفس على الشهادة :

خرج زيد موطناً نفسه على القتل والشهادة، مقدّماً المنيّة على الدنيا الدنية، وقتل العز على عيش الذل، كيف وهو الذي كان يترنّم بقوله:

فأجبتها أنّ المنية منهل * لابدّ أن أُسقى بذاك المنهل


(1) الخوارزمي: مقتل الحسين _ عليه السلام _: 2|33.
(2) المسعودي: مروج الذهب: 3|206.

(285)

ومن كان هذا كلامه ويترنّم بما ماثله أيضاً، لا يخرج لطلب الملك والاِمارة وكسب الجاه والمقام وهو مشرف على القتل، وطلب الجاه من شوَون من يريد البقاء والالتذاذ بلذائذ الدنيا لا من يريد ركوب الرماح والاَسنّة.

ومن أراد اتهام زيد بطلب الاِمارة والخلافة فلم يعرف نفسيته ولا بيئته وظروفه المحدقة به فإنّها كانت تُحتِّم عليه الموت وهو كان يرى الشهادة أمامه.

والذي وطّن نفسه على القتل هو الاَُمور التالية:

1 ـ كان كلام جده وآبائه رنين سمعه وأنّه يخرج من ولده رجل يقال له زيد ويقتل بالكوفة ... وقد سمع عن والده عليّ بن الحسين _ عليهما السلام _ وهو صغير: «أُعيذك باللّه أن تكون زيداً المصلوب بالكناسة» كما سمع نظيره عن ابن أخيه الاِمام الصادق _ عليه السلام _ الذي أطبق المسلمون على صدقه، ومع هذه الاَخبار المتضافرة كيف لا يوطّن نفسه على الشهادة، ويخرج لطلب الملك والجاه والمقام دون إباء الضيم، والاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعريف الاَُمّة بواجبهم تجاه الطغمة الغاشمة.

2 ـ إنّ الذين بايعوه ودعوه إلى النضال والكفاح كانوا ـ وللاَسف ـ معروفين بالنفاق، وعدم الثبات والصمود في مسيرة الدعوة وطريق البيعة، فكانوا يبرمون أمراً وينقضونه من فوره، وأهل الكوفة وإن لم يكن كلّهم كذلك وكان فيهم أبطال صامدون ولكن الاَكثرية الساحقة كانوا بهذه الخصيصة وقد عرّفهم الاِمام عليّ ـ عليه السلام ـ في غير واحد من خطبه نقتطف منها ما يلي:

1 ـ يا أشباه الرجال ولا رجال حلوم الاَطفال، وعقول ربّات الحجال، لوددت أنّي لم أركم، ولم أعرفكم معرفة ـ واللّه ـ ... قاتلكم اللّه لقد ملاَتم قلبي قيحاً، وشحنتم صدري غيظاً (1)


(1) نهج البلاغة: الخطبة: 27.

(286)

2 ـ ويقول في خطبة أُخرى: «يا أهل الكوفة منيت بكم بثلاث واثنتين، صمّ ذو أسماع، وبكم ذو كلام، وعمي ذو أبصار، لا أحرار صدقٍ عند اللقاء، ولا إخوان ثقة عند البلاء... لوددت واللّه أنّ معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم، فأخذ مني عشرة منكم وأعطاني رجلاً منهم» (1)

فإذا كان المبايعون هوَلاء الذين وصفهم جدّه بعدم الثبات والصدق عند اللقاء، فكيف يصح له أن يعتمد على بيعتهم ويطلب الاِمارة؟! والكوفة وإن انجبت أبطالاً شهاماً كتبوا على جبين الدهر بطولاتهم وصدق مواقفهم في ميادين الحرب، ولكن كانت الكوفة تحتضن موالي أتوا من هنا وهناك وتوطّنوا فيها، وكان العرب المتوطِّنون فيها وافدين من نقاط شتّى وقبائل مختلفة لا تجمعهم فكرة واحدة وثقافة فريدة، وقد مصّرت الكوفة أيام عمر بن الخطاب ولم تكن قبل ذلك حاضرة، وهي بخلاف الشام فقد ضربت فيها حضارة عريقة بجرانها قبل قرون، وكانت تسوسهم الوحدة الحضارية والعنصرية والتربية المدنية والدينية قبل الاِسلام، فاستغلال هذه المنطقة بمالها من المواصفات أسهل من استغلال هوَلاء الذين لا يربطهم سوى شيء واحد وهو التوطّن في أرض الكوفة وما والاها.

وإن كنت في شكّ ممّا ذكرنا من هوَلاء فقارن عدد المبايعين لزيد وعدد الحاضرين في ساحة المعركة، فقد أقام زيد بالكوفة خمسة أشهر وبالبصرة شهرين، فأخذ الناس يبايعونه من الشيعة والمحكِّمة وبلغ ديوانه خمسة وعشرين ألفاً أو أزيد كما سيوافيك، ولكن لم يحضر منهم في ميدان القتال إلاّ مائتان وثمانية عشر رجلاً، ولمّا وقف زيد على قلّة المجيبين، قال: سبحانه اللّه أين الناس؟ فقيل: إنّهم محصورون في المسجد، فقال زيد: سبحان اللّه ما هذا عذر لمن بايعنا.

كل ذلك يدلنا على أنّ زيداً قام بالاَمر وهو موطن نفسه على الشهادة وإراقة


(1) نهج البلاغة: الخطبة: 97.

(287)

دمه في طريق هدفه، ألا وهو إيقاظ الاَُمّة وتوجيههم نحو واجبهم.

3 ـ إنّ زيداً الشهيد كان يواجه دولة كبيرة أُموية ضربت بجرانها أقطار الاَرض شرقها وغربها وبيدها مفاتيح الخير والشر وهو لا يملك من العدة إلاّ شيئاً قليلاً، أفيصح أن يرمى مثل زيد بأنّه خرج لطلب السلطة والاِمامة لا للشهادة والفداء؟!

حول الاَحداث الجزئية الدافعة إلى الخروج :

قد تعرفت على الدافع الواقعي لثورته غير أنّ الموَرخين ذكروا أسباباً أُخرى لخروجه لو صحت فإنّما يعتبر كونها معدات للثورة، وأسباباً لتفجّرها وتقدّمها لا أنّها كوّنت فكرة الثورة في نفسه، وفي غضون ما نذكره من الاَسباب دلالة واضحة على أنّ الفكرة تكوّنت قبل وقوع هذه الاَسباب وإليك بيانها:

1 ـ اتهامه بأخذ الجائزة من خالد القسري :

كان خالد بن عبد اللّه القسري عامل هشام على العراق فعزله ونصب يوسف بن عمر مكانه، وتتبع الوالي الثاني مزالق أقدام خالد، العامل الاَوّل وكتب إلى هشام:

إنّ خالداً ابتاع من زيد، أرضاً بالمدينة بعشرة آلاف دينار، ثم ردّ الاَرض عليه، فكتب هشام إلى عامل المدينة أن يسيّرهم إليه، ففعل، فسألهم هشام عن ذلك فأقرّوا بالجائزة وأنكروا ما سوى ذلك وحلفوا، فصدّقهم وأمرهم بالمسير إلى العراق ليقابلوا خالداً، فساروا على كره وقابلوا خالداً، فصدّقهم، فعادوا نحو المدينة. فلمّا نزلوا القادسية راسل أهل الكوفة زيداً فعاد إليهم.

وقيل: بل ادّعى خالد بن عبد اللّه القسري أنّه أودع زيداً وداود بن علي ونفراً من قريش مالاً، فكتب يوسف بذلك إلى هشام، فأحضرهم هشام من


(288)

المدينة وسيّرهم إلى يوسف ليجمع بينهم وبين خالد فقدموا عليه، فقال يوسف لزيد: إنّ خالداً زعم أنّه أودعك مالاً. قال: كيف يودعني وهو يشتم آبائي على منبره؟! فأرسل إلى خالد فأحضره في عباءة، فقال: هذا زيد قد أنكر أنّك قد أودعته شيئاً. فنظر خالد إليه وإلى داود بن علي وقال ليوسف: أتريد أن تجمع مع إثمك فيّ إثماً في هذا؟ كيف أودعه وأنا أشتمه وأشتم آباءه على المنبر! فقالوا لخالد: ما دعاك إلى ما صنعت؟ قال: شدّدَ عليّ العذاب فادّعيت ذلك وأمَّلت أن يأتي اللّه بفرج قبل قدومكم. فرجعوا وأقام زيد وداود بالكوفة.

وقيل: إنّ يزيد بن خالد القسري هو الذي ادّعى المال وديعة عند زيد.

فلمّا أمرهم هشام بالمسير إلى العراق إلى يوسف استقالوه خوفاً من شر يوسف وظلمه، فقال: أنا أكتب إليه بالكفّ عنكم، وألزمه بذلك، فساروا على كره.

وجمع يوسف بينهم وبين يزيد، فقال يزيد: [ما] لي عندهم قليل ولا كثير. قال يوسف: أبيَ تهزأ أم بأمير الموَمنين؟ فعذبه يومئذ عذاباً كاد يهلكه، ثم أمر بالفرّاشين فضُـربوا وترك زيداً. ثم استحلفهم وأطلقهم، فلحقوا بالمدينة، وأقام زيد بالكوفة، وكان زيد قد قال لهشام لما أمره بالمسير إلى يوسف: ما آمن إن بعثتني إليه أن لا نجتمع أنا وأنت حيّين أبداً. قال: لابد من المسير إليه، فساروا إليه(1).

لا شك أنّ هذا الحديث مهما كان صحيحاً، لا يكون مبرراً للثورة، لو لم يكن هناك عنصر قوي دفعه إليها. وأظن أنّ الوالي المتتبع لعثرات الوالي الاَوّل اتّهمه بأنّه ابتاع من زيد أرضاً بالمدينة بعشرة آلاف دينار ثم ردّ الاَرض عليه ولم يكن هناك أي بيع وشراء، خصوصاً، البائع يقطن المدينة والمشتري والى العراق، والاَرض المشتراة في المدينة، ومن أين لزيد مثل هذه الاَرض بهذه القيمة العالية؟


(1) ابن الاَثير الجزري: 5|229 ـ 230.

(289)

وأمّا ما نقل عن خالد، من أنّه اعترف على زيد بأنّه أودع عنده، فلعله ذكره ليرفع العذاب عن نفسه ولم يكن عنده ولا عند غيره شيء فلذلك لما جمعهم يوسف ابن عمر تكلم بالحقيقة، وقال: كيف أودعه وأنا أشتمه وأشتم آبائه؟! وعلى كل تقدير فهذا الحدث وإن كان ثقيلاً على مثل زيد لكن لا يكوّن الثورة في نفسه بل يعرب عن تكوّنه قبل هذا الحدث ولاَجل ذلك قال لهشام: ما آمن إن بعثتني إليه أن لا نجتمع أنا وأنت حيين أبداً.

2 ـ التخاصم في الاَوقاف :

كان للنبي الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وفاطمة وعلي ـ عليهما السلام ـ أوقافاً يتوّلاها بنو الحسن وبنو الحسين وربما جرت بينهما مشاجرات وقد نقله غير واحد من الموَرخين نأتي بنص الجزري حيث قال:

كان السبب في ذلك أنّ زيداً كان يخاصم ابن عمه جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي في [ولايةج وقوف علي _ عليه السلام _، [وكان] زيد يخاصم عن بني الحسين _ عليه السلام _، وجعفر يخاصم عن بني الحسن _ عليه السلام _، فكانا يتبالغان [بين يدي الوالي إلىج كل غاية ويقومان فلا يعيدان مما كان بينهما حرفاً.

فلمّا مات جعفر نازعه عبد اللّه بن الحسن بن الحسن، فتنازعا يوماً بين يدي خالد بن عبد الملك بن الحارث بالمدينة، فأغلظ عبد اللّه لزيد وقال: يابن السندية! فضحك زيد وقال: قد كان إسماعيل لاَمة ومع ذلك فقد صبرت بعد وفاة سيدها إذ لم يصبر غيرها، يعني فاطمة ابنة الحسين أُم عبد اللّه، فإنّها تزوجت بعد أبيه الحسن بن الحسن، ثم ندم زيد واستحيا من فاطمة، وهي عمته، فلم يدخل عليها زماناً، فأرسلت إليه: يابن أخي إنّي لاَعلم أنّ أُمّك عندك كأُمّ عبد اللّه عنده. وقالت لعبد اللّه: بئس ما قلت لاَُم زيد ! أما واللّه لنعم دخيلة القوم كانت! قال: فذكر أنّ خالداً قال لهما: أُغدوا علينا غداً فلست لعبد الملك إن لم أفصل


(290)

بينكما. فباتت المدينة تغلي كالمرجل، يقول قائل: قال زيد كذا، ويقول قائل: قال عبد اللّه كذا.

فلما كان الغد جلس خالد في المسجد واجتمع الناس فمن بين شامت ومهموم، فدعا بهما خالد وهو يحب أن يتشاتما، فذهب عبد اللّه يتكلم، فقال زيد: لاتعجل يا أبا محمد، أعْتَقَ زَيد ما يملك إن خاصمك إلى خالد أبداً. ثم أقبل على خالد فقال: جمعت ذرية رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لاَمرٍ ما كان يجمعهم عليه أبو بكر ولا عمر! فقال خالد: أما لهذا السفيه أحد؟ فتكلم رجل من الاَنصار من آل عمرو بن حزم فقال: يا ابن أبي تراب وابن حسين السفيه! أما ترى للوالي عليك حقاً ولا طاعة؟ فقال زيد: اسكت أيّها القحطاني فإنّا لا نجيب مثلك. قال: ولِـمَ ترغب عني؟ فو اللّه إنّي لخير منك، وأبي خير من أبيك، وأُمي خير من أُمّك. فتضاحك زيد وقال: يامعشر قريش هذا الدين قد ذهب فذهبت الاَحساب، فواللّه ليذهب دين القوم وما تذهب أحسابهم. فتكلم عبد اللّه بن واقد بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب، فقال: كذبت واللّه أيّها القحطاني! فواللّه لهو خير منك نفساً وأُماً وأباً ومحتداً. وتناوله بكلام كثير، وأخذ كفاً من حصباء وضرب بها الاَرض ثم قال: إنّه واللّه ما لنا على هذا من صبر.

وشخص (1) زيد إلى هشام بن عبد الملك، فجعل هشام لا يأذن له ، فيرفع إليه القصص، فكلّما رفع قصة يكتب هشام في أسفلها: أرجع إلى أميرك، فيقول زيد: واللّه لا أرجع إلى خالد أبداً. ثم أذن له يوماً بعد طول حبس ورَقِيَ (2)عليّة طويلة، وأمر خادماً أن يتبعه بحيث لا يراه زيد ويسمع ما يقول، فصعد زيد، وكان


(1) سياق العبارة: أنّ شخوصه إلى هشام كان لحل عقدة تولية الاَوقاف: ولكنه غير صحيح لما سيوافيك في تعليقنا للقصة.
(2) أي هشام بن عبد الملك.

(291)

بديناً، فوقف في بعض الدرجة، فسمعه يقول: واللّه لا يحب الدنيا أحد إلاّ ذلّ. ثم صعد إلى هشام فحلف له على شيء، فقال: لا أُصدقك، فقال: يا أمير الموَمنين إنّ اللّه لم يرفع أحداً عن أن يرضى باللّه، ولم يضع أحداً عن ألاّ يرضى بذلك منه. فقال هشام: لقد بلغني يازيد أنّك تذكر الخلافة وتتمناها ولست هنالك وأنت ابن أمة. قال زيد: إنّ لك جواباً. قال: فتكلم. قال: إنّه ليس أحد أولى باللّه ولا أرفع درجة عنده من نبي ابتعثه، وقد كان إسماعيل ابن أمة وأخوه ابن صريحة فاختاره اللّه عليه وأخرج منه خير البشر، وما على أحد من ذلك إذ كان جده رسول اللّه وأبوه علي بن أبي طالب ما كانت أُمّه. قال له هشام: أُخرج. قال: أخرجُ ثم لا أكون إلاّ بحيث تكره. فقال له سالم: يا أبا الحسين لاتظهرن هذا منك.

فخرج من عنده وسار إلى الكوفة، فقال له محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب: أُذكّرك اللّه يازيد لما لحقت بأهلك ولا تأت أهل الكوفة، فإنّهم لا يفون لك، فلم يقبل. فقال له: خرج بنا أُسراء على غير ذنب من الحجاز إلى الشام ثم إلى الجزيرة ثم إلى العراق إلى قيس ثقيف يلعب بنا، وقال:

بَكُرَت تخوّفني الحُتوف كأنّني * أصبحت عن عرض الحياة بمعزل (1)

إلفات نظر :

يظهر من الجزري أنّ زيداً دخل الشام مرتين وقابل فيهما هشاماً، أحدهما: لاَجل تحضير هشام إيّاه من المدينة وتسييره إلى يوسف بن عمر في قضية خالد بن عبد اللّه القسـري، وأُخرى: بعد النزاع في تولية الاَوقاف، وسياق كلام الجزري هو أنّ الرحلة الثانية كانت عقيب ذلك الحدث وذلك لاَنّه بعد ما فرغ من الكلام في النزاع في المدينة، قال:


(1) ابن الاَثير الجزري: 5|230 ـ 233.

(292)

«وشخص زيد إلى هشام بن عبد الملك فجعل هشام لا يأذن له فيرفع إليه القصص...»

مومياً إلى أنّ الرحلة الثانية كانت لاَجل فصل الخصومة عند هشام ولكن السياق متروك قطعاً ولو صحت الرحلة الثانية فإنّما كان لاَجل شكايات وقصص مختلفة وصلت إليه وأراد رفعها إلى هشام لا لاَجل فصل الخصومة بينه وبين بني الحسن في تولية الاَوقاف، ويدل على ذلك أمران:

1 ـ أنّه صاح على والي المدينة خالد بن عبد الملك عندما جمعه وعبد اللّه بن الحسن في المسجد لرفع الخصومة وقال: جمعت ذرية رسول اللّه لاَمر ما كان يجمعهم عليه أبو بكر ولا عمر، أفيصح بعد هذا أن يرفع الشكاية في ذلك الموضوع إلى هشام بن عبد الملك؟

2 ـ قال الجزري عند بيان الرحلة الثانية: «فيرفع إليه القصص فكلّما رفع قصة يكتب هشام في أسفلها: ارجع إلى أميرك ...» فظاهر العبارة أنّه كانت هناك شكايات وقصص عديدة أراد أن يلفت نظر هشام إلى تلك الجرائم.

وأظن أنّ ما ذكره المسعودي في مروجه وشيخنا المفيد في إرشاده ليس قضية أُخرى، بل هو نفس ما جاء به الجزري بتفصيل غير أنّ المسعودي اختزله. وإليك نصهما:

دخل زيد على هشام بالرصافة فلمّـا مثل بين يديه لم ير موضعاً يجلس فيه فجلس حيث انتهى به مجلسه وقال: يا أمير الموَمنين ليس أحد يكبر عن تقوى اللّه ولا يصغر دون تقوى اللّه، فقال هشام: أُسكت لا أُمّ لك، أنت الذي تنازعك نفسك في الخلافة، وأنت ابن أمة، قال: يا أمير الموَمنين إنّ لك جواباً إن أحببت أجبتك به وإن أحببت أسكت عنه، فقال: بل أجب. قال: إنّ الاَُمهات لا يقعدن بالرجال عن الغايات، وقد كانت أُم إسماعيل أمة لاَُمّ إسحاق _ صلى الله عليهما _


(293)

فلم يمنعه ذلك أن بعثه اللّه نبياً، وجعله للعرب أباً فأخرج من صلبه خير البشر محمداً _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فتقول لي هذا وأنا ابن فاطمة وابن علي، وقام وهو يقول:

شـرده الخـوف وأزرى بـه * كذاك من يكره حرّ الجلاد (1)
فمضى عليه إلى الكوفة وخرج عنها ومعه القراء والاَشراف فحاربه يوسف ابن عمر الثقفي (2)

ونقل الشيخ المفيد وأكمله بقوله:

«فوثب هشام عن مجلسه (بعد ما أجابه زيد) وقال: لايبيتنّ هذا في عسكري الليلة، فخرج زيد وهو يقول: إنّه لم يكره قط قوم حدّ السيوف إلاّ ذلّوا فلمّا وصل إلى الكوفة اجتمع إليه أهلها فلم يزالوا به حتى بايعوه على الحرب ثم نقضوا بيعته وأسلموه، فقتل وصلب بينهم أربع سنين لا ينكر أحد منهم ولا يعينوه بيد ولا لسان(3).

3 ـ ردّ زيد على تجرّوَ هشام:

دخل زيد على هشام وقد احتشد المجلس بأهل الشام فقال: ما يصنع أخوك البقرة؟ فغضب زيد حتى كاد يخرج من إهابه وقال: سمّاه رسول اللّه الباقر، وأنت تسمّيه البقرة، لشد ما اختلفتما، لتخالفه في الآخرة كما خالفته في الدنيا فيرد الجنّة وترد النار، فانقطع هشام عن الجواب وبان عليه العجز، ولم يستطع دون أن صاح لغلمانه: أخرجوا هذا الاَحمق المالق، فأخذ الغلمان بيده فأقاموه (4)


(1) مضت الاَبيات: ص 98، فراجع.
(2) مروج الذهب: 3|206 ـ 207.
(3) المفيد: الاِرشاد: 268 ـ 269 وابن مهنا: عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب: 255 ـ 256.
(4) ابن قتيبة: عيون الاَخبار: 1|212، وابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة: 3|286، الطبرسي: أعلام الورى: 257.

(294)

وقال الصفدي: وفد على هشام بن عبد الملك فرأى منه جفوة، فكان ذلك سبب خروجه وطلبه للخلافة (1)

لو أنّ الصفدي ومن لفَّ لفَّه عرف نفسيات زيد، وروحياته الطاهرة، لوقف على أنّ هذا الحدث وما أشبهه، لم يكن سبباً للقيام، فإنّه كان مختمراً في النهضة أيام إقامته في المدينة قبل أن يفد إلى هشام حتى أنّ الصفدي يروي نفسه ويقول: «دخل زيد بن علي مسجد رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في يوم حارّ من باب السوق فرأى سعد ابن إبراهيم في جماعة من القرشيين قد حان قيامهم، فقاموا، فأشار إليهم فقال: يا قوم أنتم أضعف من أهل الحرة! قالوا: لا، قال: وأنا أشهد أنّ يزيد ليس شراً من هشام فما لكم؟ فقال سعد لاَصحابه: مدة هذا قصيرة، فلم ينشب أن خرج وقتل (2)

زيد الثائر في الكوفة :

دخل زيد الكوفة في النصف الثاني من عام مائة وعشرين وأقام بها وذلك بعدما أمر به هشام بن عبد الملك من المسير إلى العراق حتى يحاكمه يوسف بن عمر فيما كان يدعيه خالد بن عبد اللّه القسري أو ابنه يزيد بن خالد من توديع أموال عنده وعند داود بن علي بن عبد اللّه بن العباس. فلما تبيّنت براءته عما يدّعى عليه لم يرحل إلى الحجاز بل أقام بها ظاهراً ومعه داود بن علي، وأقبلت الشيعة تختلف إلى زيد وتأمره بالخروج ويقولون: إنّا لنرجو أن تكون أنت المنصور، وان هذا الزمان هو الذي تهلك فيه بنو أُمية وفي خلال المدّة التي كان هو في الكوفة، يرسل يوسف بن عمر إليه رسولاً بعد رسول ليغادر الكوفة، ولكنه في كل مرّة يعتذر بعذر حتى أتى القادسية، وقيل: الثعلبية، فتبعه أهل الكوفة وقالوا:


(1) الصفدي: الوافي بالوفيات: 15|33.
(2) المصدر نفسه: 15|36.

(295)

نحن أربعون ألفاً لم يختلف عنك أحد نضرب عنك بأسيافنا وليس هيهنا من أهل الشام إلاّ عدّة يسيرة، بعض قبائلنا يكفيكهم بإذن اللّه وحلفوا له بالاَيمان المغلظة(1).

وهناك من يقول: إنّ زيداً لما قضى وطره في الشام ورأى عند هشام من التجبّر والاَنانية غادر الشام إلى الكوفة فأقام بها مستخفياً فينتقل في المنازل، وأقبلت الشيعة تختلف إليه فبايعه وجوه أهل الكوفة وكانت بيعته: إنا ندعوكم إلى كتاب اللّه، وسنّة نبيه وجهاد الظالمين، والدفع عن المستضعفين، واعطاء المحرومين، وقسم هذا الفيء بين أهله بالسواء ورد المظالم ونصر أهل البيت أتبايعون على ذلك؟ فإذا قالوا نعم وضع يده على أيديهم ويقول: عليك عهد اللّه وميثاقه وذمته وذمّة رسوله لتفين ببيعتي ولتقاتلنّ عدوي ولتنصحنَّ لي في السر والعلانيّة، فإذا قال نعم، مسح يده على يده، ثم قال: اللهم اشهد، فبايعه خمسة عشر ألفاً وقيل أربعون ألفاً فأمر أصحابه بالاستعداد، فأقبل من يريد أن يفي له، ويخرج معه ويستعد ويتهيّأ وشاع أمره في الناس (2)

وبما أنّه من البعيد أن تكون لمثل زيد حليف القرآن والعبادة رحلات أو رحلتان إلى الشام فالظاهر هو الوجه الاَوّل، وأنّه بعدما سيّره هشام بن عبد الملك إلى الكوفة لاَجل المحاكمة فأقام بها متهيّئاً للثورة، وهذا هو الظاهر أيضاً من أبي الفرج الاَصفهاني وبما أنّه زيدي له عناية خاصة بتحقيق مواقف زيد فاقتصر بالوجه الاَوّل، وقال: «فأقام زيد بعد خروجه من عند «يوسف» بالكوفة أياماً، وجعل يوسف يستحثه بالخروج فيعتل عليه بالشغل، وبأشياء يبتاعها فألحّ عليه حتى خرج فأتى القادسية، ثم إنّ الشيعة لقوا زيداً فقالوا له: «أين تخرج عنّا رحمك اللّه، ومعك مائة ألف سيف من أهل الكوفة والبصرة وخراسان يضربون بني أُمية بها دونك، وليس قِبَلِنا من أهل الشام إلاّ عدّة يسيرة فأبى عليهم فما زالوا يناشدونه


(1) الجزري: الكامل: 5|234.
(2) المصدر نفسه: 5|233.

(296)

حتى رجع بعد أن أعطوه العهود والمواثيق... وأقبلت الشيعة وغيرهم يختلفون إليه ويبايعونه حتى أحصى ديوانه خمسة عشر ألف رجل من أهل الكوفة خاصة سوى أهل المدائن والبصرة وواسط والموصل وخراسان وجرجان وأقام بالكوفة بضعة عشر شهراً وأرسل دعاته إلى الآفاق والكور يدعو الناس إلى بيعته فلما دنا خروجه، أمر أصحابه بالاستعداد والتهيّوَ، فجعل من يريد أن يفي له يستعد (1)

من بايع زيداً من المحدثين والفقهاء :

قد عرفت أنّه بايعه وجوه أهل الكوفة كما بايعه أهل المدائن والبصرة وواسط والموصل وخراسان والري وجرجان (2)ولكن نركز على أسماء أهل العلم ونقلة الآثار الذين أتى بأسمائهم أبو الفرج الاَصفهاني في كتاب «مقاتل الطالبيين» فإنّ في التعرف عليهم تأثيراً للتعرّف على مكانة زيد في قلوب الفقهاء والمحدثين وأهل العلم في ذلك الزمان، وأنّ الرجل ما لم تكن فيه مكانة كبرى في قلوب الناس لما بايعه نظراء أبي حنيفة والاَعمش وابن أبي ليلى وغيرهم.

1 ـ منصور بن المعتمر :

عدّه الرجاليون من أصحاب الاِمام الباقر والصادق _ عليهما السلام _ (3)كان يدعو إلى الخروج مع زيد بن علي، أبطأ منصور عن زيد لما بعثه يدعو إليه، فقتل زيد ومنصور غائب عنه، فصام سنة يرجو أن يكفر ذلك عن تأخره، ثم خرج بعد ذلك مع عبد اللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر (4)


(1) أبو الفرج الاَصفهاني: مقاتل الطالبيين: 91 ـ 92.
(2) ابن مهنا: عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب: 256، وقد عرفت كلام أبي الفرج في مقاتل الطالبيين.
(3) تنقيح المقال: 3|250، نقله عن الشيخ الطوسي.
(4) ذكر خروجه (عبد اللّه بن معاوية) أبو الفرج في مقاتل الطالبيين111 ـ 116.

(297)

2 ـ نعمان بن ثابت (أبو حنيفة) :

روى أبو الفرج عن الفضل بن الزبير، قال: قال أبو حنيفة من يأتي زيداً في هذا الشأن من فقهاء الناس؟ قال: قلت: سلمة بن كهيل، ويزيد بن أبي زياد، وهارون بن سعد، وهشام بن البريد وأبو هاشم الرماني، والحجاج بن دينار وغيرهم، فقال لي: قل لزيد: لك عندي معونة وقوة على جهاد عدوك فاستعن بها أنت وأصحابك في الكراع والسلاح، ثم بعث ذلك معي إلى زيد فأخذه زيد.

3 ـ سليمان بن مهران (الاَعمش) :

أحد أعلام الشيعة بالكوفة، وقد جاء عثمان بن عمير أبو اليقظان الفقيه فجلس إلى الاَعمش فقال: أخلنا فإنّ لنا إليك حاجة، فقال: وماخطبكم؟ هذا شريك وهذا عمرو بن سعيد، أذكر حاجتك فقال: أرسلني إليك زيد بن علي أدعوك إلى نصرته والجهاد معه وهو من عرفت. قال: أجل ما أعرفني بفضله إقرياه مني السلام وقولا له: يقول لك الاَعمش: لست أثق لك ـ جعلت فداك ـ بالناس ولو أنّا وجدنا لك ثلاثمائة رجل أثق بهم، لغيّرنا لك جوانبها.

4 ـ محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الاَنصاري :

كان من أصحاب الرأي تولى قضاء الكوفة وأقام حاكماً ثلاث وثلاثين سنة ولي لبني أُمية، ثم لبني العباس ومات على القضاء في سنة 148 هـ وله 74 سنة، نقل أبو الفرج عن أحمد بن محمد بن عمران بن أبي ليلى، قال: حدثني أبي، قال: كان محمد بن أبي ليلى ومنصور بن المعتمر بايعا زيد بن علي. قال: وبعث يوسف ابن عمر إلى الناس فأخذ عليهم أبواب المسجد فحال بينه وبينهم.


(298)

5 ـ هلال بن حباب:

كان عالماً فاضلاً راوياً تولى قضاء المدائن ومات بها. قال أبو الفرج: كتب زيد بن علي إلى هلال بن حباب وهو يومئذ قاضي المدائن فأجابه وبايع له.

6 ـ زبيد بن الحارث اليامي:

ينتهي نسبه إلى يام، بطن من همدان، كان من الشيعة المحدثين في الكوفة ومن التابعين، روى أبو الفرج عن سالم بن أبي الحديد، قال: أرسلني زيد بن علي إلى زبيد اليامي أدعوه إلى الجهاد معه.

7 ـ يزيد بن أبي زياد القرشي الهاشمي :

كان هاشمياً ولاءً لا نسباً، أحد أعلام الشيعة بالكوفة مات سنة مائة وسبع وثلاثين، روى أبو الفرج عن عبدة بن كثير السراج الجرمي، قال: قدم يزيد بن أبي زياد مولى بنى هاشم صاحب عبد الرحمن بن أبي ليلى الرقّة يدعو الناس إلى بيعة زيد بن علي، وكان من دعاة زيد بن علي، وأجابه الناس من أهل الرقّة، وكنت فيمن أجابه.

8 ـ قيس بن ربيع الاَسدي :

كان من فقهاء الكوفة ولكثرة أحاديثه وسماعه الحديث قيل له الحوال، قال أبو الوليد: كتبت عن قيس ستة آلاف حديث توفى بالكوفة سنة مائة وثمان وستين. روى أبو الفرج أنّ أبا حصين قال لقيس بن الربيع: ياقيس، قال: لبيك. قال: لا لبيك ولا سعديك، لتبايعن رجلاً من ولد رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ثم تخذله، وذلك أنّه بلغه بايع زيد بن علي رضوان اللّه عليه.


(299)

9 ـ سلمة بن كهيل :

عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب علي بن الحسين والباقر والصادق ـ عليهم السلام ـ ويظهر من الروايات انحرافه عن الاِمام الباقر، روى الكليني عن الاِمام الباقر _ عليه السلام _ أنّه قال لسلمة بن كهيل والحكم بن عتيبة: «شرّقا وغرّبا فلا تجدان علماً صحيحاً إلاّ شيئاً خرج من عندنا» (1)

روى الكشي أنّه دخل سلمة بن كهيل ومعه جماعة على أبي جعفر وعنده أخوه زيد فقالوا لاَبي جعفر _ عليه السلام _: نتولّـى علياً وحسناً وحسيناً ونتبّرأ من أعدائهم؟ قال: نعم، قالوا: فنتولى أبا بكر وعمر ونتبرّأ من أعدائهم؟فالتفت إليهم زيد بن علي وقال لهم: أتتبرّوَن من فاطمة، بترتم أمرنا بتركم اللّه. فيومئذ سمّوا البترية (2).

10 ـ هارون بن سعد العجلي :

ويقال له الجعفي الفقيه كان من حملة الآثار في الكوفة وقد عدّه أبو الفرج من المبايعين كما عرفت.

11 ـ أبو هاشم الرماني :

اسمه يحيى بن دينار من الفقهاء التابعين.

12 ـ الحجاج بن دينار :

كثير الرواية كان من فقهاء التابعين.


(1) الكليني: الكافي: 1|392.
(2) الكشي: الرجال: 236.

(300)

13 ـ سفيان الثوري:

نسبه إلى ثور بن عبد مناة سمّي بذلك لاَنّه نزل جبل ثور الذي به الغار، كان من أعيان فقهاء الكوفة ورواة الحديث استقضاه المهدي على الكوفة فامتنع وتولاه شريك بن عبد اللّه النخعي فقال الشاعر:

تحـرز سفيان وفاز بدينه * وأمسى شريك مرصداً للدراهم

مات في البصرة عام 161 هـ وله 66 سنة وكان مختفياً من السلطان بايع زيداً على الخروج ولما بلغه قتل زيد. قال: لقد بذل مهجته لربّه وقام بالحقّ لخالقه ولحق بالشهداء المرزوقين.

14 ـ مسعر بن كدام الفدكي :

يعد من مشاهير رواة الحديث في الكوفة من بني صعصعة يبسط له في المسجد الاَعظم ليجلس عليه ويحدث، طلبه المنصور للقضاء فأبى ومات سنة 152 هـ ولم يتول شيئاً من ذلك.

هوَلاء هم الذين ذكرهم أبو الفرج في مقاتل الطالبيين إلا الاَخير (1)وهناك شخصيات أُخرى بايعوه ولم يذكرهم بل جاءت في مصادر أُخرى، فمن أراد التفصيل فليرجع إليها. (2)


(1) أبو الفرج الاَصفهاني: مقاتل الطالبيين: 98 ـ 101، ط النجف.
(2) لاحظ الروض النضير: ج1|111؛ حميد بن أحمد المحلي: الحدائق الوردية في مناقب أئمة الزيدية: 1|144، السيد عبد الرزاق الموسوي المقرم: زيد الشهيد: 120 ـ 123.


(301)

دعاته :

إنّ لمكانة دعاة الثورة ومنزلتهم بين الناس، تأثيراً بالغاً في اجتذاب الناس وعطفهم إليها، فإذا كان الداعي عالماً بارعاً، أو فقيهاً ورعاً، يأخذ بمجامع القلوب، ويوَثر في الشعوب وقد تعرفت على أسماء بعض دعاته عند الكلام في المبايعين لزيد من الفقهاء ونقلة الآثار نظراء:

1 ـ منصور بن المعتمر

2 ـ يزيد بن أبي زياد مولى بني هاشم

3 ـ سالم بن أبي الحديد ـ كما في مقاتل الطالبيين ـ ويحتمل كونه مصحف سالم بن أبي حفصة، الذي عنونه الكشي مع فريق ممن بايعوا زيداً كسلمة بن كهيل، والحكم بن عتيبة وغيرهما (1)

4 ـ الفضيل بن الزبير الذي دعا أبا حنيفة إلى بيعة زيد

5 ـ عبدة بن كثير الجرمي

6 ـ الحسن بن سعد الفقيه

قال أبو الفرج كان رسول زيد إلى خراسان عبدة بن كثير الجرمي، والحسن بن سعد الفقيه.

7 ـ عثمان بن عمير أبو اليقظان الفقيه رسول زيد إلى الاَعمش

وذكر السياغي أنّ من دعاته:

8 ـ نصر بن معاوية بن شداد العبسي

9 ـ معمر بن خثيم العامري.


(1) الكشي: الرجال: 200 ـ 202.

(302)

10 ـ معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الاَنصاري (1)

أنّ بث الدعاة في مختلف الاَقطار ينم عن علو همة زيد، وسعة دعوته وأنّه كان بصدد تشكيل حكومة إسلامية عادلة، غير أنّ الظروف القاسية وتساهل المبايعين، حالت بينه وبين أُمنيته.

تحذيره عن القيام :

قد حذره عن القيام غير واحد من أقاربه وأصدقائه، حذروه عن الخروج معتضداً بالكوفيين وأنّهم أُناس لايوفون بمواثيقهم وعهودهم، ويشهد بذلك، حياتهم منذ عهد الاِمام إلى يومهم هذا نذكر كلمات بعض المحذّرين:

1 ـ روى الصدوق عن معمر بن سعيد قال: كنت جالساً عند الصادق ـ عليه السلام ـ فجاء زيد بن علي فأخذ بعضادتي الباب فقال: له الصادق _ عليه السلام _: «ياعم أُعيذك باللّه أن تكون المصلوب بالكناسة...» (2)

2 ـ قال محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب: أُذكّرك يازيد لما لحقت بأهلك ولا تأت أهل الكوفة فإنّهم لا يفون لك، فلم يقبل(3)

3 ـ قال داود بن علي بن عبد اللّه بن عباس: يابن عم إنّ هوَلاء ليغرّونك من نفسك أليس قد خذلوا من كان أعز عليهم منك: جدّك علي بن أبي طالب حتى قُتل، والحسن من بعده بايعوه ثم وثبوا عليه فانتزعوا رداءه وجرحوه، أوليس أخرجوا جدّك الحسين وحلفوا له وخذلوه وأسلموه ولم يرضوا بذلك حتى قتلوه؟ (4).


(1) السياغي: الروض النضير: 1|130.
(2) الصدوق: عيون أخبار الرضا _ عليه السلام _: 1|249، الباب 25.
(3) الجزري: الكامل: 5|232.
(4) الطبري: التاريخ: 5| 488، الجزري: الكامل: 5|234.

(303)

4 ـ قال سلمة بن كهيل: ننشدك اللّه كم بايعك؟ قال: أربعون ألفاً، قال: فكم بايع جدك؟ قال: ثمانون ألفاً، قال: فكم حصل معه، قال ثلاثمائة، قال: نشدتك اللّه، أنت خير أم جدك؟ قال: جدي.

قال: فهذا القرن خير أم ذلك القرن؟ قال: ذلك القرن. قال: أفتطمع أن يفي لك هوَلاء، وقد غدر هوَلاء بجدك. قال: قد بايعوني ووجبت البيعة في عنقي وأعناقهم، قال: أفتأذن لي أن أخرج من هذا البلد؟ فلا آمن أن يحدث حدث فلا أملك نفسي، فأذن له فخرج إلى اليمامة (1)

5 ـ كتب عبد اللّه بن الحسن بن الحسن إلى زيد: أمّا بعد فإنّ أهل الكوفة نفخ العلانية، خوَر السريرة، هرج في الرخاء، جزع في اللقاء، تقدّمهم ألسنتهم، ولاتشايعهم قلوبهم. ولقد تواترت إليّ كتبهم بدعوتهم فصممتُ عن ندائهم، وألبست قلبي غشاءً عن ذكرهم، يأساً منهم واطِّراحاً لهم، ومالهم مثل إلاّ ما قال علي بن أبي طالب: «إن أُهملتم، خضتم، وإن حوربتم خرتم، وإن اجتمع الناس على إمام طعنتم، وإن أجبتم إلى مشاقة نكصتم» (2)

أعذاره تجاه الناصحين :

هذه النصائح لم تكن رادعة لزيد عن أُمنيته وجهاده، لاَنّه كان واقفاً على ما تنطوي عليه سرائر أهل الكوفة من التساهل في مجال العمل بالمواثيق والعهود، ولكنه _ عليه السلام _ لم يصغ إلى شيء منها، لاَنّه كان موطّناً نفسه على القتل والشهادة سواء أنال بغيته الظاهرة أي الحكومة والسلطة أم لا، وذلك لاَنّ من أهدافه العالية إنهاض المسلمين إلى الثورة ولو باستشهاده وقتله في سبيل اللّه


(1) الطبري: التاريخ: 5| 489، الجزري: الكامل: 5|235.
(2) الطبري: التاريخ: 5| 489، الجزري: الكامل: 5|235.

(304)

حتى يقضوا على عروش بني أُمية، ومن حسن الحظ أنّ زيداً وصل إلى تلك الاَُمنية، فقد تواترت الثورات بعد زيد هنا وهناك ضد النظام فأُزيلت عروشهم بعد استشهاده بمدّة لاتزيد على عشر سنوات، فصارت جثث بني أُمية طعمة للكلاب والوحوش، فاستوَصلوا من الاَراضي الاِسلامية ولم يبق منهم إلا حثالات فرّوا إلى الاَندلس أو كانوا فيها وما أجاب به زيد، سلمة بن كهيل من كون بيعة الكوفيين على عنقه ولابد له من الوفاء بها فإنّما كان جواباً ظاهرياً لاقناع سلمة، وإلاّ فللعمل بالميثاق شروط أوضحها كون الظروف هادئة والعدو غافلاً، أو ضعيفاً والمبايعين صامدين في طريق بيعتهم ولم يكن واحد منها موجوداً.

الموَامرة على زيد من الداخل :

ولما استتب الاَمر لزيد وكانت الثورة تستفحل يوماً بعد يوم ويرجع الناس إلى زيد زرافات ووحداناً.

اجتمعت إليه جماعة من المبايعين، فقالوا: رحمك اللّه ما قولك في أبي بكر وعمر؟ فقال: رحمهما اللّه وغفر لهما ما سمعت أحداً من أهل بيتي يتبرّأ منهما ولا يقول فيهما إلاّ خيراً، قالوا: فلم تطلب إذاً بدم أهل هذا البيت؟ إلاّ أن وثبا على سلطانكم فنزعاه من أيديكم، فقال لهم زيد: إنّ أشد ما أقول فيما ذكرتم إنّا كنّا أحقّ بسلطان رسول اللّه من الناس أجمعين وإنّ القوم استأثروا علينا ودفعونا عنه ولم يبلغ ذلك عندنا بهم كفراً، قد ولّوا فعدلوا في الناس وعملوا بالكتاب والسنّة. قالوا: فلم يظلمك هوَلاء إذا كان أُولئك لم يظلموك؟ فلمَ تدعو إلى قتال قوم ليسوا لك بظالمين؟ فقال: إنّ هوَلاء ليسوا كأُولئك، إنّ هوَلاء ظالمون لي ولكم ولاَنفسهم، ففارقوه ونكثوا بيعته وقالوا: سبق الاِمام وكانوا يزعمون أنّ أبا جعفر محمد بن علي أخا زيد بن علي هو الاِمام وكان قد هلك يومئذ، وكان ابنه جعفر بن محمد حياً.


(305)

فقالوا: جعفر إمامنا اليوم بعد أبيه وهو أحقّ بالاَمر بعد أبيه، ولانتبع زيد بن علي فليس بإمام فسماهم زيد الرافضة، فهم اليوم يزعمون أنّ الذي سمّاهم رافضة المغيرة حيث فارقوه (1)

ما ذكره الطبري في ذلك الموضع نقله أكثر الموَرّخين وأصحاب المقالات حتى اللغويين، قال ابن منظور: الروافض قوم من الشيعة سمّوا بذلك لاَنّهم تركوا زيد بن علي. قال الاَصمعي: كانوا قد بايعوا زيد بن علي، ثم قالوا له: إبرأ من الشيخين نقاتل معك فأبى. فقال: كانا وزيري جدي فلا أبرأ منهما فرفضوه وأرفضوا عنه فسمّوا رافضة (2)

يقول البغدادي: وكان زيد بن علي قد بايعه خمسة عشر ألف رجل من أهل الكوفة، وخرج بهم على والي العراق وهو يوسف بن عمر الثقفي. قالوا له: إنّا ننصرك على أعدائك بعد أن تخبرنا برأيك في أبي بكر وعمر بعد أن ظلما جدك علي ابن أبي طالب، فقال زيد بن علي: لا أقول فيهم إلاّ خيراً وما سمعت من أبي فيهم إلاّ خيراً، وإنّما خرجت على بني أُمية الذين قتلوا جدي الحسين وأغاروا على المدينة يوم وقعة الحرة ثم رموا بيت اللّه بالمنجنيق والنار ففارقوه عند ذلك حتى قال لهم: رفضتموني ومن يومئذ سمّوا رافضة (3)

قال البزدوي: وإنّما سمّوا روافض لاَنّهم وقعوا في أبي بكر وعمر فزجرهم زيد فرفضوه فسمّوا روافض (4)

قال نشوان في شرح رسالة الحور العين: وسميت الرافضة من الشيعة،


(1) الطبري: التاريخ: 5| 498.
(2) لسان العرب: 7|457، مادة رفض.
(3) الفرق بين الفرق: 35، ولاحظ الروض النضير: 1|130.
(4) البزدوي، أُصول الدين: 248.

(306)

رافضة لرفضهم زيد بن علي بن الحسين وتركهم الخروج معه حين سألوه البراءة من أبي بكر وعمر فلم يجيبهم إلى ذلك...(1)

نظرنا في الموضوع :

إنّ هذا الموضوع نقله الموَرخون وأرسله أصحاب المقالات وكتاب العقائد والمذاهب، إرسال المسلّم، ولكن لنا فيه ملاحظات نشير إليها:

1 ـ إنّ تسمية الشيعة بالرافضة لا تفارق التنابز بالاَلقاب المحرّم بنص الذكر الحكيم (2) ولايصدر من إمام فقيه ورع مثل زيد خصوصاً أوان الثورة الذي هو أحوج في هذا الظرف، إلى التآلف وتوحيد الكلمة، وأظن أنّ القصة من أوهام حشوية المشارقة، أو من صنايع نواصب المغاربة الذين كان لهم دور في عصر تدويـن التأريخ وتأليف الحديث(أيام المنصور 138ـ 158هـ) وبعدها فاختلقوها لتشويه سمعة الشيعة ونسبوها إلى أحد علماء أهل البيت _ عليهم السلام _ ليقع موقع القبول من الناس، حتى أنّ المسكين «نشوان الحميري» لم يقتصر على ما ذكر وأردفه بأمر آخر وهو أنّ زيداً لمّا أحسّ أنّ السائلين بصدد نقض البيعة قال حدثني أبي عن جدي أنّه قال لعلي: «إنّه سيكون قوم يدعون حبّنا لهم نبز (3) يعرفون به فإذا لقيتموهم فاقتلوهم فإنّهم مشركون» اذهبوا فأنتم الرافضة، ففارقوا زيداً _ عليه السلام _ فسمّاهم الرافضة فجرى عليهم الاسم (4)

يلاحظ عليه: أنّه كيف اعتمد على ذلك الحديث ويلوح عليه أثر الوضع إذ أيّ صلة بين نقض البيعة أو عدم المشاركة في جهاد زيد ونضاله، وبين كونهم


(1) شرح رسالة الحور العين: 184.
(2) الحجرات: الآية 11.
(3) النبز: اللقب.
(4) السياغي: الروض النضير: 1|131.

(307)

مشركين. هب أنّهم يكونون بذلك فاسقين لامشركين.

2 ـ إنّ النبي الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لم يكن إنساناً فارغاً عن كل عملٍ حتى يتحدث عن هوَلاء الذين لم يكن لهم دور في الاَوساط الاِسلامية إلاّ لمحاً وأياماً قلائل فهذا الحديث وزان سائر الاَحاديث التي حشاها الحشوية في كتبهم حول الفرق والمذاهب كالقدرية والمعتزلة والمرجئة وغيرهم، بل كسائر الاَحاديث الموضوعة حول محاسن أو مساوىَ الاَئمة الاَربعة الفقهية التي استدل بها الموافق والمخالف لصالح إمامه أو لضد إمام الغير، أعاذنا اللّه وإياكم من دسائس الدجالين.

3 ـ إنّ السوَال عن الشيخين في ذلك الوقت العصيب مع كون المبايعين بين محبّ وغير محبّ، بين من يراهما خليفتي رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ومن يراهما غير مستحقي هذا المقام، سوَالُ من يريد تشتيت الاَمر، وإيجاد الفرقة بين المجاهدين في ساحة الحرب خصوصاً أنّ السوَال طرح عندما رأى أصحاب زيد بن علي أنّ يوسف بن عمر قد بلغه أمر زيد وأنّه يدس إليه ويبحث في أمره(1).

فاللائق بقائد محنّك مثل زيد هو التعتيم والكف عن الاِجابة، ولو اضطر إليها لكان له أن يأتي بجمل متشابهة لا تخدش العواطف كما فعله جده الاِمام أمير الموَمنين _ عليهم السلام _ في حرب صفين عند تقارع السيوف واشتباك الاَسنّة، ففوجىء بمثل هذا السوَال، حيث قام أحد أصحابه سائلاً ـ والمجاهدون فيها بين شيعة يرى الاِمام هو الاِنسان المنصوص عليه بالخلافة، ومن يراه الخليفة الذي بايعه الناس ـ: كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحق به؟ فقال ـ عليه السلام ـ :

يا أخا بني أسد، إنّك لقلقُ الوضين، ترسلُ في غير سدَد، ولك بعدُ ذمامة الصهر وحقّ المسألة، وقد استعلمت فاعلم.

أمّا الاستبداد علينا بهذا المقام، ونحن الاَعلون نسباً، والاَشدّون بالرسول


(1) الطبري: التاريخ: 5|499.

(308)

_ صلى الله عليه وآله وسلم _ نوطاً، فإنّها كانت أثَرة شُحَّت عليها نفوس قومٍ، وسخت عنها نفوس آخرين، والحكم للّه والمعود (1)إليه يوم القيامة.

ودع عنك نهباً صيح في حجراته * ولكن حديثاً ما حديث الرواحل

وهلمّ الخطب في ابن أبي سفيان، فلقد أضحكني الدهر بعد إبكائه، ولا غرو واللّه، فياله خطباً يستفرغ العجب، ويكثر الاَود.

حاول القوم إطفاء نور اللّه من مصباحه، وسد فوّاره من ينبوعه، وجدحوا بيني وبينهم شرباً وبيئاً، فإن ترتفع عنّا وعنهم محن البلوي، أحملهم من الحقّ على محضه، وإن تكن الاَُخرى، "فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُون") (2)(3).

ترى أنّ الاِمام أوجز في الجواب وعطف نظر السائل إلى خطورة الموقف ولزوم الحرب مع ابن أبي سفيان، قال ابن أبي الحديد: ولو أخذ الاِمام يصرح له بالنص ويعرفه تفاصيل باطن الاَمر، لنفر عنه، واتّهمه ولم يقبل قوله ولم ينجذب إلى تصديقه، فكان أولى الاَُمور في حكم السياسية وتدبير الناس أن يجيب بما لا نفرة منه ولا مطعن عليه فيه (4)

وأين هو من الجواب المبسوط الذي أتى به زيد بن علي كأنّه يريد أن يدرس العقائد في ساحة الحرب. ونحن نجل قائدنا المحنك من الكلام الخارج عن طور البلاغة.


(1) المعود ـ بسكون العين وفتح الواو ـ كذا ضبطت في اللسان. وفي النهاية لابن الاَثير: هكذا جاء «المعود» على الاَصل، وهو «مفعل» من عاد يعود، ومن حقّ أمثاله أن تقلب واوه ألفاً، كالمقام والمراح، ولكنه استعمله على الاَصل.
(2) فاطر: 8.
(3) نهج البلاغة: الخطبة 163.
(4) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة: 9|251، الخطبة: 163.

(309)

4 ـ أنّ عليـاً وأهل بيته مقتفون أثر فاطمة بنت النبي الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في حقّ الخلفاء ولا يصح لمن ينتمي إلى ذلك البيت أن يبوح بخلاف ما عليه أُمّهم وجدهم، هذا الاَمام البخاري يذكر موقف فاطمة من الخلفاء ويقول: أبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها (فدك وميراثها من النبي) شيئاً فوجدت (1)فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت، وعاشت بعد النبي ستة أشهر، فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلاً ولم يوَذن بها أبا بكر وصلّى عليها (2)

هذا من جانب، ومن جانب آخر، روى الاِمام البخاري عن المسور بن مخرمة أنّ رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال: فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني (3)

أفبعد هذين الحديثين هل يصحّ أن يترنّم ولد فاطمة بما نسب إليه؟!.

على أنّ المروي عن طريقنا عن سدير ما لا يلائم ذلك، قال: دخلت على أبي جعفر، ومعى سلَمة بن كهيل وأبو المقدام ثابت الحدّادوسالم بن أبي حفصة وكثير النوّاء، وجماعة معه، وعند أبي جعفر أخوه زيد بن علي فقالوا لاَبي جعفر: نتولى علياً وحسناً وحسيناً ونتبرّأ من أعدائهم؟ قال: نعم، قالوا: نتوّلى أبا بكر وعمر ونتبرّأ من أعدائهم؟ فالتفت إليهم زيد بن علي وقال: أتتبرّأون من فاطمة بتركم اللّه؟ بترتم أمرنا، فيومئذ سموا البترية (4)

وقد مضت أشعاره في ذلك في الفصل الثالث الخاص بخطبه وشعره.

5 ـ أنّ ظاهر ما نقل عن زيد في هذا الموضع أنّه هو الذي ابتكر ذلك المصطلح وأطلقه على لفيف من الشيعة الذين رفضوه وتركوه في ساحة الحرب


(1) فوجدت: غضبت.
(2) البخاري: الصحيح: 5|177.
(3) المصدر نفسه: 5|36، باب فضائل أصحاب النبي، باب مناقب فاطمة.
(4) الكشي: الرجال: برقم 110 في ترجمة مسلمة بن كهيل.

(310)

أو أنّه مما حدّث به النبي الاَكرم علياً وهو حدّث أبناءه مع أنّ التاريخ يشهد بخلاف ذلك وأنّ كلمة (الرافضة) كانت كلمة سياسية تطلق على مخالف الدولة والحكومات الحاضرة من غير فرق بين علوي أو عثماني حتى أنّ معاوية بن أبي سفيان سمّى مخالفي علي _ عليه السلام _ رفضة، وقد جاءت الكلمة في كلمات أبي جعفر الباقر قبل أن تكون لزيد فكرة الثورة أو نفسها وقد أتينا بماجاء حول الكلمة في الجزء الاَوّل من هذا المشروع فلا نعيدها، فلاحظ (1)

6 ـ أنّ المنقول مسنداً عن طرقنا أنّه لم يذكرهما بخير في ذلك الموقف الرهيب (2).

الكوفة في مخاض الثورة :

كان يوسف بن عمر عامل هشام في العراق، وكان يسكن بالحيرة وهي بلدة بين الكوفة والنجف، وخليفته في الكوفة هو الحكم بن الصلت ورئيس شرطه عمرو بن عبد الرحمن، ومع ما كان لهم عيون وجواسيس لم يطلعوا على ما كان يجري في الكوفة وما والاها من العشائر، وهذا يدل على حنكة الثائر حيث صانها من الفشل والتسرب إلى الخارج، وقد كان التخطيط معجباً جداً، حيث كان الناس يبايعون زيداً ولا يعرفون مكانه، وذلك لاَنّ معمر بن خثيم وفضيل بن الزبير يُدخلان الناس عليه وعليهم براقع لا يعرفون موضع زيد، فيأتيان بهم من مكان لايبصرون شيئاً حتى يدخلوا عليه فيبايعون (3)

كانت الثورة تستفحل إلى أن وافت رسالة هشام إلى عامله أطلعه على الاَمر


(1) بحوث في الملل والنحل: 1|125ـ 126.
(2) الخزاز القمي: كفاية الاَثر: 307، المجلسي: البحار: 46|201 ح 75.
(3) السياغي: الروض النضير: 1|130.

(311)

وشتمه وسفّهه فيها بقوله: إنّك لغافل، وجاء فيها أنّ رجلاً من بني أُمية كتب في ما ذكر إلى هشام يذكر له أمر زيد فكتب هشام إلى يوسف يشتمه ويجّهله ويقول: انّك لغافل وزيد عاوز ذنبه بالكوفة يبايع له فألجج في طلبه (1)

فكتب يوسف إلى الحكم بن الصلت وهو خليفته على الكوفة بطلبه، فطلبه، فخفي عليه موضعه، فدس يوسف مملوكاً له خراسانياً ألكن، وأعطاه خمسة آلاف درهم، وأمره أن يلطف لبعض الشيعة فيخبره أنّه قد قدم من خراسان حباً لاَهل البيت وأنّ معه مالاً يريد أن يقويهم به، فلم يزل المملوك يلقى الشيعة ويخبرهم عن المال الذي معه حتى أدخلوه على زيد، فخرج، ودلّ يوسف على موضعه (2).

وفي رواية أُخرى أنّه انطلق سليمان بن سراقة إلى يوسف بن عمر فأخبره خبره، وأعلمه أنّه يختلف إلى رجل منهم يقال له عامر، وإلى رجل من بني تميم يقال له طعمة ابن أُخت لبارق، وهو نازل فيهم، فبعث يوسف يطلب زيداً في منزلهما، فلم يوجد عندهما، وأخذ الرجلان فأُتي بهما فلما كلّمهما استبان له أمر زيد وأصحابه وتخوف زيد بن علي أن يوَخذ فتعجل قبل الاَجل الذي جعله بينه وبين أهل الكوفة (3)

ظلت الحكومة تفحص عن موضع زيد فلم تحصّله، ولكن وقف على زمان تفجر الثورة وأنّه واعد أصحابه ليلة الاَربعاء أوّل ليلة من صفر سنة 122هـ.

الحيلولة بين الناس وزيد :

لما بلغ يوسف أنّ زيداً قد أزمع على الخروج في زمان محدود، أراد فصل


(1) الطبري: التاريخ: 5|504.
(2) الطبري: التاريخ: 5| 505.
(3) الطبري: التاريخ: 5|498.

(312)

الناس عن زيد، والحيلولة بين القائد والمقود.

قال الطبري: بعث يوسف بن عمر إلى الحكم بن الصلت فأمره أن يجمع أهل الكوفة في المسجد الاَعظم يحصرهم فيه، فبعث الحكم إلى العرفاء والشرط والمناكب والمقاتلة، فأدخلهم المسجد، ونادى مناديه: ألا إنّ الاَمير يقول: من أدركناه في رحله فقد برئت منه الذمة ادخلوا المسجد الاَعظم، فأتى الناس المسجد يوم الثلاثاء قبل خروج زيد بيوم. وطلبوا زيداً في دار معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الاَنصاري، فخرج ليلاً وذلك ليلة الاَربعاء في ليلة شديدة البرد من دار معاوية بن إسحاق (1)

وقف زيد على أنّ العدو قد اطّلع على سره فظل يبحث موضعه، وأنّه لو تأخر وأمهل في الخروج ربما كشف عن مخبأه، فاستعد للقتال، بإلقاء خطب تحث الاَفراد، للقيام، وقد عرفت بعضها ونورد في المقام ما لم نذكره هناك:

خطبه في حث المبايعين على القتال :

قد نقل عن الاِمام الثائر خطب بليغة عند اشتعال الحرب.

1 ـ روي أنّه لمّا خفقت الرايات على رأسه قال: الحمد للّه الذي أكمل لي ديني بعد أن كنت أستحيي من رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أن أرد عليه ولم آمر أُمّته بمعروف ولم أنه عن منكر(2)

2 ـ روى صاحب كتاب: «التقية والتقى» بإسناد إلى خالد بن صفوان، قال: سمعت زيد بن علي يقول: أيّها الناس عليكم بالجهاد، فإنّه قوام الدين


(1) الطبري: التاريخ: 5|499.
(2) السياغي: الروض النضير: 1|102.

(313)

وعمود الاِسلام ومنار الاِيمان، واعلموا أنّه ما ترك قوم الجهاد قطّ إلاّ حقروا وذلوا... ثم قرأ الفاتحة إلى قوله: "الصراط المستقيم") : وقال: الصراط المستقيم هو دين اللّه وسنامه وقوامه الجهاد، ثم ذكر ما نزل من القرآن في فضل الجهاد من أول القرآن إلى آخره (1)

3 ـ روى الاِمام المهدي في «المنهاج» والاِمام أبو طالب في «الاَمالي» والسيد أبو العباس في «المصابيح» عن سعيد بن خثيم، قال: إنّ زيداً _ عليه السلام _ كتَّب كتائبه فلمّا خفقت راياته رفع يديه إلى السماء، فقال: الحمد للّه الذي أكمل لي ديني، واللّه مايسرّني إنّي لقيت محمداً _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ولم آمر في أُمّته بالمعروف ولم أنههم عن المنكر، واللّه ما أُبالي إذا أقمت كتاب اللّه وسنّة رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أن أُجّجت لي نار ثم قُذِفْتُ فيها، ثم صرتُ بعد ذلك إلى رحمة اللّه تعالى، واللّه لا ينصرني أحد إلاّ كان في الرفيق الاَعلى مع محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين _ عليهم السلام _.

ويحكم أما ترون هذا القرآن بين أظهركم، جاء به محمد _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ونحن بنوه؟ يا معاشر الفقهاء ويا أهل الحجا أنا حجّة اللّه عليكم، هذه يدي مع أيديكم على أن نقيم حدود اللّه ونعمل بكتاب اللّه ونقسم فيئكم بينكم بالسوية، فسلوني عن معالم دينكم فإن لم أُنبئكم عما سألتم فولّوا من شئتم ممن علمتم أنّه أعلم مني، واللّه لقد علمت علم أبي علي بن الحسين وعلم جدي الحسين وعلم علي بن أبي طالب وصي رسول اللّه وعيبة علمه، وإنّي لاَعلم أهل بيتي، واللّه ما كذبت كذبة منذ عرفت يميني من شمالي، ولا انتهكت محرماً للّه عزّ وجلّ منذ عرفت أنّ اللّه يوَاخذني (2)

ومضى من طرقنا ما لا يجامع بعض ما ورد في هذه الخطبة فقد كان زيد


(1) السياغي: الروض النضير: 1|106.
(2) المصدر نفسه: 1|128.

(314)

معترفاً بأعلمية الاِمام الصادق _ عليه السلام _ فانتظر.

روى الاِمام المهدي في «المنهاج»، وصاحب «المحيط» في كتابه، والاِمام المرشد باللّه في«أماليه» عن محمد بن فرات، قال: وقف زيد _ عليه السلام _ على باب الجسر وجاء إلى أهل الشام، فقال لاَصحابه: انصروني على أهل الشام فواللّه لا ينصرني رجل عليهم إلاّ أخذت بيده أُدخله الجنّة، ثم قال: واللّه لو عملت عملاً هو أرضى للّه من قتال أهل الشام لاَفعلنّه، وقد كنت نهيتكم أن لاتتبعوا مدبراً، ولاتجهزوا على جريح، أو تفتحوا باباً مغلقاً، فإن سمعتموهم يسبّون علي بن أبي طالب فاقتلوهم من كل وجه (1)

4 ـ روى الاِمام المهدي والسيد أبو العباس الحسني وأبو طالب في «الاَمالي» بالاِسناد إلى سهل بن سليمان الرازي عن أبيه، قال: شهدت زيد بن علي ـ عليه السلام ـ يوم خرج لمحاربة القوم بالكوفة، فلم أر يوماً قط كان أبهى، ولا رجالاً كانوا أكثر قرّاء، ولا فقهاء ولا أوفر سلاحاً من أصحاب زيد بن علي، فخرج على بغلة شهباء وعليه عمامة سوداء، بين يدي قربوس سرجه مصحف. قال: أيها الناس أعينوني على أنباط الشام، فواللّه لا يعينني عليهم منكم أحد إلاّ رجوت أن يأتيني يوم القيامة آمناً، حتى يجوز على الصراط ويدخل الجنّة، واللّه ما وقفت هذا الموقف حتى علمت التأويل والتنزيل، والمحكم والمتشابه، والحلال والحرام بين الدفتين (2).

إنّ هذه الخطب تحكي عن روح ثورية وبطولة باهرة، وتفانٍ في سبيل الحقّ، غير أنّ بعض المغالين في حقّه أدخل في خطبه ما لا يدّعيه زيد، ولا يصدقه أهل بيته. ومن المكذوب المنسوب إليه ما روي عن أبي الجارود أنّ زيداً قال:


(1) السياغي: الروض النضير: 1| 127.
(2) المصدر نفسه: 1|127 ـ 128.

(315)

سلوني قبل أن تفقدوني، سلوني فإنّكم لن تسألوا مثلي، واللّه لا تسألوني عن آية من كتاب اللّه إلاّ أنبأتكم بها، ولاتسألوني عن حرف من سنّة رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ إلاّ أنبأتكم به، ولكنكم زدتم ونقصتم، وقدّمتم وأخرّتم، فاشتبهت عليكم الاَخبار (1)

إلفات نظر :

كيف يصدق ذلك الكلام وقد روى ابن عبد البر بإسناده إلى سعيد بن المسيب، قال: ما كان أحد من الناس يقول سلوني، غير علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ (2) قال العلامة المجلسي: أجمع الناس كلّ الصحابة ولا أحد من العلماء هذا الكلام (3)

روى الاَصبغ بن نباته قال: لما جلس علي _ عليه السلام _ في الخلافة وبايعه الناس خرج إلى المسجد متعمماً بعمامة رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لابساً بردة رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _، متنَعِلاً نعل رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _، متقلداً سيف رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _، فصعد المنبر فجلس عليه متمكناً ثم شبّك بين أصابعه فوضعها أسفل بطنه ثم قال: «يامعاشر الناس سلوني قبل أن تفقدوني، هذا سفط العلم، هذا لعاب رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _، هذا مازقّني رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ زقّاً زقاً، سلوني فإنّ عندي علم الاَوّلين والآخرين، أما واللّه لوثنيت لي وسادة فجلست عليها، لاَفتيت أهل التوراة بتوراتهم حتى تنطق التوراة فتقول: صدق عليّ ما كذب، لقد أفتاكم بما أنزل اللّه فيّ، وأفتيت أهل الاِنجيل بإنجيلهم حتى ينطق الاِنجيل فيقول: صدق عليّ ما كذب، لقد أفتاكم بما أنزل اللّه فيّ، وأفتيت أهل القرآن بقرآنهم حتى ينطق القرآن فيقول: صدق علي ما كذب، لقد أفتاكم بما أنزل اللّه فيّ. وأنتم تتلون القرآن ليلاً ونهاراً، فهل فيكم أحد يعلم ما نزل فيه؟ ولولا آية


(1) السياغي: الروض النضير: 1| 128.
(2) الاستيعاب: 3|39.
(3) المجلسي: البحار: 10|128.

(316)

في كتاب اللّه عزّ وجلّ لاَخبرتكم بما كان وبما يكون وبما هو كائن إلى يوم القيامة، وهي هذه الآية: "يَمْحُوا اللّهُ مَا يَشَاءُ ويُثْبِتُ وعِندَهُ أُمُّ الكِتاب") .

ثم قال: سلوني قبل أن تفقدوني، فوالذي فلق الحبّة وبرأ النسمة لوسألتموني عن أيّة آية في ليل أُنزلت أو في نهار أُنزلت، مكيّها ومدنيّها، سفريّها وحضريّها، ناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها، وتأويلها وتنزيلها لاَخبرتكم» (1).

* * *

ونزيد بياناً: كيف يصحّ لزيد ومن هو في درجته ومنزلته، أن يدّعي أنّ عنده علم الكتاب والسنّة، ولايشذّ عنه جواب سوَالٍ، مع أنّه لم يدرس إلاّ عند أبيه الاِمام زين العابدين _ عليه السلام _ وكان له من العمر عندما توفي والده (94 أو 95هـ) ما لا يتجاوز العشرين، ولو أكمل دراسته عند أخيه الاِمام الباقر _ عليه السلام _ فليس هو بأرفع من أُستاذه الكبير الذي أطبق العلماء على أنّه كان يبقر العلم بقراً.

إنّ هذه الكلمة إنّما هي لمن كانت له تربية إلهية، وتوعية غيبية، تربى في أحضان الوحي، فصار موضع سرّ النبي، وعيبة علمه إلى أن بلغ شأواً يرى ما رآه النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ويسمع ما سمعه وليس هو إلاّ الاِمام أمير الموَمنين وسيد الوصيين علي ابن أبي طالب، وهو يصف نفسه بقوله: «يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علماً ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء فأراه، ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الاِسلام غير رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وخديجة وأنا ثالثهما. أرى نور الوحي والرسالة، وأشم ريح النبوة.

ولقد سمعت رنّة الشيطان، حين نزل الوحي عليه _ صلى الله عليه وآله وسلم _


(1) المجلسي: البحار: 10|117 ح1، والآية 39 من سورة الرعد.

(317)

فقلت: يارسول اللّه ما هذه الرنّة؟ فقال: هذا الشيطان قد آيس من عبادته إنّك تسمع ما أسمع، وترى ما أرى إلاّ أنّك لست نبي ولكنك وزير وإنّك لعلى خير»(1).

ولم يكن زيد، إلاّ محدِّثاً واعياً، وفقيهاً بارعاً وله من العلم والفضل، ما للطبقة العليا من تلاميذ أبيه وأخيه غير أنّ الذي رفعه، وأخلد ذكره، إنّما هو جهاده ونضاله، وتفانيه في سبيل اللّه: "فضَّلَ اللّهُ المُجاهِدِينَ على القاعِدِينَ أجراً عَظِيماً") (2) ، ولا صلة له بعلمه وفضله، ولو قيس الحديث والفقه، إلى ما روى عن الصادقين من العلوم والمعارف لعلم أنّ الاَولى أن ينسب ذلك الكلام إلى الاِمامين لا إلى زيد، ولكنّهما لم يبوحا بذلك أبداً.

تكتيب الكتائب والهجوم على الكوفة والحيرة :


غادر زيد ليلة الاَربعاء، دار معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الاَنصاري، واستقر خارج الكوفة فأمر برفع الهرادي (3)فيها فكلما أكل النار هردياً، رفعوا آخر فما زالو كذلك حتى طلع الفجر فلما أصبح، أمر بعض أصحابه النداء وبالشعار لغاية تقاطر المبايعين إلى النقطة التي استقر فيها لاِرسال الكتائب منها إلى الكوفة والحيرة ولفتح البلدين، ومحاربة المانعين من أبناء البيت الاَموي وأنصارهم، فكان التخطيط تخطيطاً عسكرياً بارعاً لولا أن القضاء سبق التدبير، وتسرب أسرار الثورة إلى الخارج، وحالت العامل وخليفته، بينه وبين وثوب الناس واجتماعهم لديه.

أصبح زيد وتعجب من قلة الحاضرين (4)وقال: أين الناس، فقيل له: هم


(1) الرضي: نهج البلاغة، الخطبة القاصعة: برقم 192.
(2) النساء: 95.
(3) القصب.
(4) الحاضرون: حسب ما نقله الطبري كانوا مائتين وثمانية عشر رجلاً: التاريخ: 5|500.

(318)

في المسجد الاَعظم محصورون، فقال: لا واللّه ما هذا لمن بايعنا بعذر، ولم يجد بداً من القتال بمن معه، موطناً نفسه على الاستشهاد وقد ذكر الموَرخون كيفية قتاله وقتال أصحابه الموفين بعهدهم وبيعتهم، وهم بين موجز في القول ومسهب في النقل، ونحن نكتفي بنصوص ثلاثة:

1 ـ قال المسعودي: «مضى زيد إلى الكوفة وخرج عنها ومعه القرّاء والاَشراف، فحاربه يوسف بن عمر الثقفي فلما قامت الحرب، انهزم أصحاب زيد، وبقي في جماعة يسيرة، فقاتلهم أشد قتال وهو يقول متمثلاً:

أذل الحياة وعزّ الممات * وكلاً أراه طعاماً وبيلا

فإن كان لابد من واحد * فسيري إلى الموت سيراً جميلا

وحال المساء بين الفريقين فراح زيد مثخناً بالجراح وقد أصابه سهم في جبهته فطلبوا من ينزع النصل، فأتى بحجام من بعض القرى فاستكتموه أمره فاستخرج النصل فمات من ساعته، فدفنوه في ساقية ماء وجعلوا على قبره التراب والحشيش، وأُجري الماء على ذلك، وحضر الحجام مواراته، فعرف الموضع فلما أصبح مضى إلى يوسف متنصحاً، فدلّه على موضع قبره، فاستخرجه يوسف، وبعث برأسه إلى هشام، فكتب إليه هشام: أن أصلبه عرياناً، فصلبه يوسف كذلك، ففي ذلك يقول بعض شعراء بني أُمية يخاطب آل أبي طالب وشيعتهم من أبيات:

صلبنا لكم زيداً على جذع نخلة * ولم أر مهدياً على الجذع يصلب

وبنى تحت خشبته عموداً، ثم كتب هشام إلى يوسف يأمره بإحراقه وذروه في الرياح (1).


(1) المسعودي: مروج الذهب: 3|207.

(319)

هذا ما يذكره المسعودي الذي يذكر الاَحداث على وجه الاِيجاز.

2 ـ أنّ الطبري يذكر القصة ببسط وتفصيل ويذكر لزيد بطولات باهرة وأنّه دامت الحرب يومين (الاَربعاء والخميس) وأنّه وصل بأصحابه إلى باب الفيل، فجعل أصحابه يدخلون راياتهم من فوق الاَبواب ويقولون: يا أهل المسجد اخرجوا، وجعل نصر بن خزيمة يناديهم، ويقول: يا أهل الكوفة اخرجوا من الذل إلى العز، اخرجوا إلى الدين والدنيا فإنّكم لستم في دين ولا دنيا، فأشرف عليهم أهل الشام فجعلوا يرمونهم بالحجارة من فوق المسجد... (1)

ولو صحّ ما ذكره الطبري وتبعه الجزري لزم أن يكون المتواجدون في معسكره أزيد مما ذكره.

3 ـ وممّن لخّص الحادثة ولم تفته الاِشارة إلى دقائقها: الاِمام المنصور باللّه عبد اللّه بن حمزة في «الشافي» قال: «وكان ديوانه قد انطوى على خمسة عشر ألف مقاتل خارجاً عمن بايع من جميع أهل الاَمصار وسائر البلدان، ثم قال: ولمّا خرج _ عليه السلام _ خرج معه القرّاء والفقهاء وأهل البصائر قدر خمسة آلاف رجل في زيّ لم ير الناس مثله، وتخلّف باقي الناس عنه، فقال: أين الناس؟ قال: أُحتبسوا في المسجد، فقال: لا يسعنا عند اللّه خذلانهم، فسار حتى وصل إليهم وأمرهم بالخروج فلم يفعلوا. فقال نصر بن خزيمة:

يا أهل الكوفة اخرجوا من الذل إلى العز إلى خير الدنيا والآخرة، وأدخلوا عليهم الرايات من طاقات المسجد فلم ينجح ذلك فيهم شيئاً.

وأقبلت جنود الشام من تلقاء الحيرة، فحمل عليهم _ عليه السلام _ كأنّه الليث المغضب، فقتل منهم أكثر من ألفي قتيل بين الحيرة والكوفة وأقام بين


(1) الطبري: التاريخ: 5|501.

(320)

الحيرة والكوفة، ودخلت جيوش الشام الكوفة ففرق أصحابه فرقتين، فرقة بأزاء أهل الكوفة وفرقة بأزاء أهل الحيرة، ولم يزل أهل الكوفة يخرج الواحد منهم إلى أخيه والمرأة إلى زوجها، والبنت إلى أبيها والصديق إلى صديقه، فيبكي عليه حتى يرده فأمسى _ عليه السلام _ وقد رقّ عسكره وخذله كثير ممن كان معه، وأهل الشام في اثني عشر ألفاً وحاربهم _ عليه السلام _ يوم الاَربعاء ويوم الخميس وحمل عليهم عشية الخميس، فقتل من فرسانهم زيادة على مائتي فارس، وأُصيب _ عليه السلام _ آخر يوم الجمعة بنشابة في جبينه، فحمل إلى دور «أرحب» و «شاكر» وجيء بطبيب نزع النصل، بعد أن عهد إلى ولده يحيى بجهاد الظالمين، ثم مات من ساعته ودفن في مجرى ماء وأُجري عليه الماء، فأبصرهم غلام سنديّ، فلما ظهر قتله وصاح صائح يوسف بن عمر بطلبه دلّ عليه، فصلبوه في الكناسة وحرقوه بعد ذلك، وخبطوه بالشماريخ والعثاكيل حتى صار رماداً، وسفّوه في البر والبحر وذروه في الرياح، فحرق اللّه هشاماً في الدنيا وله في الآخرة عذاب النار(1).

وقد بسط أبو الفرج الكلام في قتاله ونضاله وقال في آخر كلامه:

قال: وجعلت خيل أهل الشام لاتثبت لخيل زيد بن علي. فبعث العباس ابن سعد إلى يوسف بن عمر يعلمه ما يلقى من الزيدية وسأله أن يبعث إليه الناشبة فبعث إليه سليمان بن كيسان في القيقانية وهم نجارية وكانوا رماة فجعلوا يرمون أصحاب زيد. وقاتل معاوية بن إسحاق الاَنصاري يومئذ قتالاً شديداً فقتل بين يدي زيد. وثبت زيد في أصحابه حتى إذا كان عند جنح الليل رُمي زيد بسهم فأصاب جانب جبهته اليسرى فنزل السهم في الدماغ، فرجع ورجع أصحابه ولايظن أهل الشام أنّهم رجعوا إلاّ للمساء والليل.

قال أبو مخنف: فحدثني سلمة بن ثابت وكان من أصحاب زيد وكان آخر


(1) السياغي: الروض النضير: 1|133.

(321)

من انصرف عنه هو وغلام لمعاوية بن إسحاق، قال: أقبلت أنا وأصحابي نقتفي أثر زيد فنجده قد دخل بيت «حران بن أبي كريمة» في سكة البريد في دور «أرحب» و «شاكر» فدخلت عليه فقلت له: جعلني اللّه فداك أبا الحسين، وانطلق ناس من أصحابه فجاءوا بطبيب يقال له سفيان مولى لبني دواس. فقال له: إنّك إن نزعته من رأسك مت، قال: الموت أيسر علي مما أنا فيه.

قال: فأخذ الكبتين فانتزعه فساعة انتزاعه مات صلوات اللّه عليه.

قال القوم: أين ندفنه؟ أين نواريه؟ فقال بعضهم: نلبسه درعين ثم نلقيه في الماء. وقال بعضهم: لا بل نحتز رأسه ثم نلقيه بين القتلى.

قال: فقال يحيى بن زيد: لا واللّه لا يأكل لحم أبي السباع. وقال بعضهم نحمله إلى العباسية فندفنه فيها. فقبلوا رأيه.

قال: فانطلقنا فحفرنا له حفرتين وفيها يومئذ ماء كثير حتى إذا نحن مكنّا له، دفناه ثم أجرينا عليه الماء ومعنا عبد سنديّ. قال سعيد بن خثيم في حديثه: عبد حبشي كان مولى لعبد الحميد الرواسي وكان معمر بن خثيم قد أخذ صفته لزيد وقال يحيى بن صالح: هو مملوك لزيد سنديّ وكان حضرهم.

قال أبو مخنف عن كهمس قال: كان نبطيّ يسقي زرعاً له حين وجبت الشمس فرآهم حيث دفنوه، فلما أصبح أتى الحكم بن الصلت فدلّهم على موضع قبره، فسرح إليه يوسف بن عمر، العباس بن سعيد المري. قال أبو مخنف: بعث الحجاج بن القاسم فاستخرجوه ـ وحملوه ـ على بعير.

قال هشام: فحدثني نصر بن قابوس قال: فنظرت واللّه إليه حين أقبل به على جمل قد شدّ بالحبال وعليه قميص أصفر هروي، فأُلقي من البعير على باب القصر فخرّ كأنّه جبل. فأمر به فصلب بالكناسة، وصلب معه معاوية بن إسحاق،


(322)

وزياد الهندي ونصر بن خزيمة العبسي (1)وعن ابن عساكر: «وأمر بحراستهم وبعث بالرأس إلى الشام فصلب على باب مدينة دمشق ثم أرسل إلى المدينة» (2)

«وقال الوليد بن محمد: كنّا على باب الزهري إذ سمع جلبة، فقال: ما هذا ياوليد؟ فنظرت، فإذا رأس زيد بن علي يطاف به بيد اللعانين، فأخبرته فبكى، ثم قال: أهلك أهل هذا البيت العجلة! قلت: ويملكون؟ قال: نعم، وكانوا قد صلبوه بالكناسة سنة احدى أو اثنتين أو ثلاث وعشرين ومائة، وله اثنتان أو أربع وأربعون سنة، ثم أحرقوه بالنار فسمّي زيد النار. ولم يزل مصلوباً إلى سنة ست وعشرين، ثم أُنزل بعد أربع سنين من صلبه. وقيل: كان يوجه وجهه ناحية الفرات فيصيح، وقد دارت خشبته ناحية القبلة مراراً، ونسجت العنكبوت على عورته، وكان قد صلب عرياناً. وقال الموكل بخشبته: رأيت النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في النوم وقد وقف على الخشبة وقال: «هكذا تصنعون بولدي من بعدي! يابنيّ يازيد ! قتلوك قتلهم اللّه ! صلبوك صلبهم اللّه !» فخرج هذا في الناس. فكتب يوسف بن عمر إلى هشام أن عجل إلى العراق فقد فتنتهم ! فكتب إليه: أحرقه بالنار !، وقال: جرير ابن حازم: رأيت النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ مسنداً ظهره إلى خشبة زيد بن علي وهو يبكي ويقول: «هكذا تفعلون بولدي»، ذكر ذلك كله الحافظ ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (3)

وفي معجم البلدان: «وعلى باب الكورتين مشهد زيد، فيه مدفن زيد بن علي بن أبي طالب الذي قتل بالكوفة وأحرق وحمل رأسه فطيف به الشام، ثم حمل إلى مصر فدفن هناك (4)


(1) أبو الفرج: مقاتل الطالبيين: 96؛ ونقل الطبري في تاريخه خطبة يوسف بن عمر بعد قتل زيد لاحظ: 5|507.
(2) السيد الاَمين: زيد الشهيد: 77.
(3) صلاح الدين الصفدي: الوافي بالوفيات: 15|34.
(4) ياقوت: معجم البلدان: 8|77، مادة مصر.

(323)

وقال ابن مهنا: «قال الناصر الكبير الطبرستاني لما قتل زيد بعثوا برأسه إلى المدينة ونصب عند قبر النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يوماً وليلة» (1)

وقال السيد الاَمين: كأنّهم يريدون أن يقولوا: يامحمد هذا برأس ولدك الذي قتلناه بمن قُتِل منّا يوم بدر نصبناه عند قبرك (2)

قيل لاَبي نعيم الفضل دكين: كان زهير بن معاوية يحرس خشبة زيد بن علي؟

قال: نعم، وكان فيه شر من ذلك، وكان جده الرحيل فيمن قتل الحسين ـ صلوات اللّه عليه ـ (3)

الرأي العام في استشهاد زيد :

إنّ وعاظ السلاطين وشعراء البلاط الاَموي كانوا ينقمون منه وينظمون القريض في ذمّه، ولمّا صلب أقبل شاعر منهم وقال:

ألا يا ناقض الميثا * ق أبشر بالذي ساكا

نقضت العهد والميثا * ق قدماً كان قدما كا

فقيل له: ويلك أتقول هذا لمثل زيد، فقال: إنّ الاَمير غضبان فأردت أن أرضيه، فرد عليه بعض الشعراء المخلصين وقال:


(1) ابن مهنا: عمدة الطالب: 258، ط النجف.
(2) الاَمين: زيد الشهيد: 80.
(3) المفيد: الاختصاص: 128؛ المجلسي: بحار الاَنوار: 46|181.

(324)

ألا يا شاعر السوء * لقد أصبحت أفّاكا

أتشتم ابن رسول اللـ * ـه وتُرضي من تولاكا

ويوم الحشر لاشك * فإنّ النار مثواكا (1)

هذا ولما قتل زيد لبست الشيعة السواد، ورثوه بقصائد نذكر بعضها:

1 ـ ما رثى به فضل بن العباس بن عبد الرحمان بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب (ت 129هـ) مصلوب على عمود بالكناسة.

الا ياعين لاترق وجودى * بدمعك ليس ذا حين الجمود

غداة ابن النبي أبو حسين * صليب بالكناسة فوق عود

يظل على عمودهم ويُمسي * بنفسي أعظم فوق العمود

تعدى الكافر الجبار فيه * فأخرجه من القبر اللحيد

فظلّوا ينبشون أبا حسين * خضيباً بينهم بدم جسيد (2)

وقال أبو ثميلة الآبار يرثي زيداً:

أبا الحسين أعار فقدك لوعةً * من يلقَ ما لقيت منها يكمد

كنت الموَمل للعظائم والنهى * ترجى لاَمر الاَُمة المتأود

فقتلت حين رضيت كل مناضل * وصعدت في العلياء كل مصعد

والقتل في ذات الاِله سجية * منكم وأحرى بالفعال الاَمجد

والناس قد آمنوا وآل محمّد * من بين مقتول وبين مشرد (3)


(1) الطبري: التاريخ: 5|506.
(2) أبو الفرج: مقاتل الطالبيين: 101 ـ 102.
(3) أبو الفرج: مقاتل الطالبيين: 101 ـ 102.

(325)

وقد رثي الاِمام الثائر بقصائد كثيرة لوجمعت لكانت كتاباً مفرداً ونكتفي في المقام بما جادت به قريحة سيدنا العلامة الاَمين نقتطف منه ما يلي:

لقد لامني فيك الوشاة وأطنبوا * وراموا الذي لم يدركوه فخُيّبوا

أرقتَ وقد نام الخلي ولم أزل * كأنّي على جمر الغضى أتقلّب

عجبت وفي الاَيام كم من عجائب * ولكما فيها عجيب وأعجب

تفاخَرنا قوم لنا الفخر دونها * على كل مخلوق يجيء ويذهب

وما ساءني إلاّ مقالة قائل * إلى آل مروان يضاف وينسب

(صلبنا لكم زيداً على جذع نخلة * ولم أر مهدياً على الجذع يصلب)

فإن تصلبوا زيداً عناداً لجده * فقد قتُلت رسل الاِله وصلّبوا

وإنّا نعد القتل أعظم فخرنا * بيوم به شمس النهار تحجب

فما لكم والفخر بالحرب إنّها * إذا ماانتمت تنمى إلينا وتنسب

هداة الورى في ظلمة الجهل والعمى * إذا غاب منهم كوكب بان كوكب

كفاهم فخاراً أنّ أحمد منهم * وغيرهم أن يدَّعوا الفخر كذبوا (1)


(1) زيد الشهيد: 78.


(326)



(327)

القسم الثاني:

وإليك مجمل ما فيه من فصول:

الفصل الاَوّل: عرض إجمالي للثائرين بعد الاِمام زيد وهم بين داع وإمام.

الفصل الثاني: أصحاب الانتفاضة.

الفصل الثالث: أئمة الزيدية ودولتهم في اليمن.

الفصل الرابع: أئمة الزيدية ودولتهم في طبرستان.

الفصل الخامـس: الدولة الزيدية في المغرب.

الفصل السادس: الاَعلام المجتهدون من الزيدية.

الفصل السابع: شخصيات زيدية ذات اتجاهات خاصة.

الفصل الثامن: فرق الزيدية في كتب تاريخ العقائد.

الفصل التاسع: في عقائد الزيدية.

الفصل العاشــر: في أُمور متفرقة.


(328)



(329)

الفصل الاَوّل

عرض إجمالي للثائرين بعد الاِمام زيد

وهم بين داع وإمام

إنّ ثورة زيد بن علي كانت ثورة عارمة بوجه الظالمين هزّت وضعضعت أركان الدولة الاَموية وساعدت على إزالتهم عن أديم الاَرض، وقد استغلّها العباسيون في تنظيم حركتهم لاِقامة دولتهم وقد تركت ثورته في القلوب محبّة للثائر ومن حبا حبوه بشكل قلّ نظيره، حتى أنّ يحيى بن زيد لما أُطلق سراحه اتّخذ الخراسانيون من قيد قدميه فصوصاً لخواتيمهم، يتبركون بها، وهذا يدلّ على عمق تأثير ثورة زيد في قلوب المسلمين. ولاِيقاف القارىَ على الاَحداث التي وقعت بعد ثورته، نذكر الذين نهجوا منهجه وساروا على دربه، أخذوا بزمام الثورة وقادوها، واحداً بعد الآخر، وإليك أسماءهم أوّلاً، ثم الاِدلاء بحياتهم وثورتهم، ثانياً:

1 ـ يحيى بن زيد، الذي اشترك مع أبيه في الثورة وبقي بعد مقتل أبيه.

2 ـ محمد بن عبد اللّه بن الحسن المعروف بالنفس الزكية المستشهد عام 145 هـ، خرج بالمدينة مطالباً بإرجاع الحقوق إلى أصحابها الشرعيين، وكان


(330)

محمد قد شارك في ثورة زيد بن علي ولما فشلت عاد إلى المدينة، وسيوافيك أنّ يحيى بن زيد قد فوّض الاَمر إلى النفس الزكية.

3 ـ لما قتل محمد بن عبد اللّه قام أخوه إبراهيم بن عبد اللّه في نفس العام في البصرة، التحق به أنصار زيد بن علي، لمواصلة القتال من جديد. إلى أن قضى عليه أبو جعفر المنصور في نفس العام.

4 ـ ولما قتل محمد بن عبد اللّه، مضى أخوه إدريس بن عبد اللّه إلى المغرب فأجابه خلق من الناس وبعث المنصور من اغتاله بالسم وقام ولده إدريس بن إدريس بن عبد اللّه بن الحسن مقامه، وأسّس دولة الاَدارسة في المغرب. ذكر تفصيله المسعودي في مروج الذهب (1)وسيوافيك الكلام فيه في محلّه.

5 ـ عيسى بن زيد بن علي، أخو يحيى بن زيد، وقد توارى بعد ثورة أخيه فمات متوارياً عام 166هـ.

6 ـ محمد بن إبراهيم (طباطبا)، فقد خرج في خلافة المأمون ودعا إلى الرضا من آل محمد وكانت له أتباع وغلب على بلاد العراق وهزمت جيوش المأمون التي أُرسلت للقضاء عليه، وصلت سيطرة ابن طباطبا إلى الحجاز حتى أنّ الحسين بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي المعروف بـ «الاَفطس» دعا له بالمدينة، وتوفي عام 199هـ.

7 ـ محمد بن محمد بن زيد بن علي، وكان أبو السرايا قائداً عاماً لجيشه وكان قبل ذلك داعية لابن طباطبا.

لما توفي محمد بن إبراهيم (طباطبا) هرب أخوه القاسم بن إبراهيم


(1) المسعودي مروج الذهب: 3|296، قال: وقد أتينا على خبرهم عند ذكرنا بخبر عبيد اللّه صاحب المغرب، وبنائه المدينة المعروف بالمدينة.

(331)

(طباطبا) إلى الهند وتوفي هناك عام 254 هـ فعاد ابنه الحسين بن القاسم إلى اليمن، وعند ذلك تواصلت قيادة الثورة بابنه الآخر أعني:

8 ـ محمد بن القاسم بن علي بن عمر الاَشرف بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب، فقد ظهر في الطالقان عام 219 هـ ودعا إلى الرضا من آل محمد، ولكن أُلقي القبض عليه فجيء به إلى المعتصم فسجن.

9 ـ يحيـى بن عمر بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، خرج بالكوفه عام 250هـ غير أنّ ثورته فشلت.

10 ـ يحيى بن الحسين بن القاسم، المعروف بالزاهد وقد دعا لنفسه بصعده وبويع للاِمامة عام 288 هـ.

ثم إنّ الاِمام يحيى بن الحسين أسس دولة زيدية باليمن وقامت بالاِمامة واحد بعد الآخر وكلّهم من أبناء القاسم إلى أن أُقصيت الزيدية عن الحكم في اليمن بحلول الجمهورية، وذلك في شهر ربيع الاَوّل من سنة 1382هـ، وسيوافيك أسماء أئمتهم إلى المنصور باللّه محمد البدر بن أحمد بن يحيى حميد الدين. في محلّه.

11 ـ قامت دولة زيدية أُخرى في طبرستان بين 250 ـ 360هـ.

وفي عام 250هـ ظهر الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن زيد بن الحسين بن الحسن بن علي بن أبي طالب في طبرستان أيام المستعين، واستطاع السيطرة على طبرستان وجرجان بعد قتال مرير ضد محمد بن طاهر أمير خراسان وتوفي عام 270هـ.

12 ـ قـام مقامه أخوه محمد بن زيد ودخل بلاد الديلم عام 277 هـ وامتلكها وتمت بيعة رافع له.


(332)

وفي عام 287 هـ سار محمد بن زيد نحو خراسان للاستيلاء عليها، فاصطدم بإسماعيل الساماني المتوفى عام 295 هـ ومات متأثراً بجراحه.

13 ـ ثم ملك طبرستان بعد ذلك الناصر للحق الحسن بن علي المعروف بـ «الاَطروش» وقد كان يدعو الناس إلى الاِسلام على مذهب زيد بن علي، وكانوا على دين المجوسية فاستجابوا له واستطاع عام 301، أن يستولي على طبرستان والديلم إلى أن وافته المنية عام 304 هـ.

14 ـ وجاء بعده الحسن بن القاسم (الملقب بالداعي) بن الحسن بن علي ابن عبد الرحمن بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن السبط.

15 ـ وقام مقامه محمد بن الحسن بن القاسم بن علي بن عبد الرحمن بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن السبط المتوفى سنة 360هـ.

هذه جدولة موجزة وضعتها أمام القارىء للثائرين المشهورين، وإلاّ الثوار الداعون إلى منهج الاِمام زيد أكثر من ذلك، وقد ذكر الاِمام الاَشعري منهم اثنين وعشرين نفراً كلّهم من العلويين، حيث ضرجوا بدمائهم، أو أُقصوا من ديارهم، لاِرجاع العدالة والدين إلى الساحة الاِسلامية، ولعلّ بين قرّاء الكتاب من له رغبة في الوقوف على أسماء الجميع، ـ ولذلك ـ نذكر نصّ الشيخ الاَشعري بتلخيص.

قائمة الثائرين بعد زيد الشهيد :

قال الاَشعري: هذا ذكر من خرج من آل النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فذكر أوّلاً خروج أبي الشهداء الحسين بن علي _ عليهما السلام _، ثم خروج زيد بن علي على وجه التفصيل، وأوجز الكلام فيما يأتي، أعني بهم:


(333)

1 ـ يحيى بن زيد...

2 ـ محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن، ذو النفس الزكية.

3 ـ إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن، أخو محمد.

4 ـ الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن، قتيل فخ.

5 ـ يحيى بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي، صار إلى الديلم.

6 ـ محمد بن جعفر بن يحيى بن عبد اللّه بن الحسن المثنى خرج بـ «تاهرت».

7 ـ محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي.

8 ـ محمد بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.

9 ـ إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ـ قدّس سرّه ـ خرج مرة باليمن وبالعراق أُخرى.

10 ـ محمد بن القاسم من ولد الحسين بن علي، بخراسان، خرج ببلدة يقال لها طالقان.

11 ـ محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي الملقب بـ «الديباج» لحسن وجهه، خرج داعية لمحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم، فلما مات محمد بن إبراهيم دعا لنفسه.

12 ـ الاَفطس خرج بالمدينة داعياً لمحمد بن إبراهيم بن إسماعيل، فلما مات محمد بن إبراهيم دعا إلى نفسه.

13 ـ علـي بن محمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين، خرج في خلافة المعتصم.

14 ـ الحسن بن زيد بن الحسن بن علي أبي طالب، خرج بطبرستان في سنة 250هـ.


(334)

15 ـ وخرج بقزوين، الكوكبي وهو من ولد الاَرقط، واسمه: الحسن بن أحمد بن إسماعيل، من ولد الحسين بن علي بن أبي طالب.

16 ـ وخرج بالكوفة أيام المستعين، أبو الحسين يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.

17 ـ وخرج في أيامه أيضاً، الحسين بن محمد بن حمزة بن عبد اللّه من ولد الحسين بن علي.

18 ـ خرج بسواد الكوفة أيام فتنة المستعين، ابن الاَفطس.

19 ـ وخرج بسواد المدينة سنة 250هـ ، إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم من ولد الحسن بن علي فغلب عليها وتوفي عام 252هـ.

20 ـ خلف أخوه محمد بن يوسف وجاء به أبو الساج، وقتل كثيراً من أصحابه وهرب محمد فمات في هربه.

21 ـ خرج بالكوفة في آخر أيام بني أُمية، عبد اللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب، وحاربه عبد اللّه بن عمر فغادر الكوفة عازماً إلى فارس، فمات فيها.

22 ـ وخرج صاحب البصرة وكان يدّعى أنّه علي بن محمد بن علي بن عيسى ابن زيد بن علي وأنصاره الزنج وغلب على البصرة سنة 257 هـ وقتل سنة 270هـ.

23 ـ وخرج بأرض الشام المقتول على الدّكة، فظفر به المكتفي باللّه بعد حروب ووقايع كانت (1)

والنسبة بين ما ذكرناه وما ذكره الاَشعري عموم وخصوص من وجه، وهو


(1) الاَشعري: مقالات الاِسلاميين: 75 ـ 85.

(335)

بعد لم يذكر الثائر الطائر الصيت يحيى بن الحسين الذي أقام الدولة في اليمن، كما ترك بعض الثائرين الموَسسين للدولة في طبرستان.

والجدير بالدراسة، هو البحث عن الحافز أو الحوافز التي كانت تدفع هوَلاء الاَماثل الاَشراف نحو القتال في الساحة، فكانوا يرون بأُم أعينهم، أنّه لا يقوم واحد منهم إلاّ ويقتل أو يسجن ويعذّب بألوان العذاب، ومع ذلك كانوا يبادلون هدوء الحياة وملاذّها بالشهادة في المعارك، والصلب على المشانق، وقتل الاَولاد والاَصحاب، ونهب الاَموال.

وهذه هي النقطة الحساسة في حياة العلويين التي تحتاج إلى دراسة معمقة بحياد ورحابة صدر وبما أنّ موسوعتنا، موسوعة تاريخ العقائد، لا تاريخ الشخصيات والحوادث، نرجىء البحث عنها إلى آونة أُخرى، وفي نهاية المطاف نقول: يُقسّم الثائرون بعد زيد الشهيد إلى أصناف أربعة:

1 ـ أصحاب الانتفاضة: الذين قاموا بوجه الظلم، بعد استشهاد زيد في أقطار مختلفة وعلموا أنّ أعواد المشانق نصب أعينهم وكان نصيبهم من القيام هو الشهادة، وإيقاظ الاَُمّة وأداء الواجب من دون أن يوَسّسوا دولة في قطر من الاَقطار، وإنّما كانت أعمالهم أشبه بما يعبر عنها اليوم بالانتفاضة.

الذين ساروا على درب الاِمام زيد وصار التوفيق نصيبهم، فأسّسوا دولة في قطر من الاَقطار امتدت قرناً أو قروناً، وهوَلاء عبارة عن:

2 ـ أئمة الزيدية في اليمن: ابتداءً بالاِمام يحيى بن الحسين الذي قام بالاَمر عام 284 هـ وتوفي عام 298 هـ، وانتهاءً بحياة المنصور باللّه محمد البدر الذي أُزيل عن الحكم بقيام الجمهورية عام 1382هـ.

3 ـ أئمة الزيدية في طبرستان: ابتداءً من الحسن بن زيد بن محمد بن


(336)

إسماعيل الذي قام بالحكم وأسّس الدولة سنة 250 هـ وانتهاءً بمحمد بن الحسن ابن القاسم الذي توفي سنة 360هـ.

4 ـ دعاة الزيدية في المغرب: ابتداءً بإدريس بن عبد اللّه المحض وانتهاء بأحد احفاده، وسيوافيك تفصيله.

فنذكرهم على وجه التفصيل في فصول:



(337)

الفصل الثاني

أصحاب الانتفاضة

استشهد زيد بن علي ـ رضي اللّه عنه ـ وهو في طريق دعوته إلى كسح الظلم ونشر العدل، وأشعل فتيل الثورة وبقيت نارها بعد استشهاده متأجّجـة بين أولاده وأصحابه، بيد كابر بعد كابر. وإليك مَن نهج منهاجه:

1

يحيى بن زيد بن علي

(107 ـ 125 هـ)

هو يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب _ عليه السلام _ وأُمّه «ريطة» بنت أبي هاشم عبد اللّه بن محمد بن الحنفية، وإيّاها عنى أبو ثميلة الآبار بقوله:

فلعل راحم أُمّ موسى والذي * نجّاه من لجج خضمّ مزبد

سيسرُ «ريطة» بعد حزن فوَادها * يحيى، ويحيى في الكتائب يرتدي

وأُمّ «ريطة» هي بنت الحرث بن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب، أُمّها ابنة المطلب بن أبي وادعة السهمي.

شرف تتابع كابر عن كابر * كالرمح انبوب على انبوب


(338)

وقد ذكر أبو الفرج الاَصفهاني ثورته واستشهاده على وجه مبسط، وجاء الجزري باختصاره في الكامل ونذكر نصّ الثاني:

لمّا قتل زيد بن علي ودفنه يحيى ابنه، سار بعد قتل أبيه، إلى خراسان، فأتى «بلخ» فأقام بها عند الحريش بن عمرو بن داود حتى هلك هشام، وولي الوليد بن يزيد. فكتب يوسف بن عمر إلى «نصر» بمسير يحيى بن زيد وبمنزله عند الحريش، وقال له: خذه أشد الاَخذ، فأخذ «نصر» الحريش، فطالبه بيحيى، فقال: لا علم لي به. فأمر به فجلد ستمائة سوط. فقال الحريش: واللّه لو أنّه تحت قدمي ما رفعتهما عنه. فلما رأى ذلك قريش بن الحريش قال: لا تقتل أبي وأنا أدلّك على يحيى، فدلّه عليه، فأخذه «نصر» وكتب إلى الوليد يُخبره، فكتب الوليد يأمره أن يوَمِّنه ويخلّي سبيله وسبيل أصحابه. فأطلقه «نصر» وأمره أن يلحق بالوليد وأمر له بألفي درهم، فسار إلى «سرخس» فأقام بها، فكتب «نصر» إلى عبد اللّه بن قيس بن عباد يأمره أن يسيّره عنها، فسيّره عنها، فسار حتى انتهى إلى «بيهق»، وخاف أن يغتاله يوسف بن عمر فعاد إلى نيسابور، وبها عمرو بن زرارة، وكان مع يحيى سبعون رجلاً، فرأى «يحيى» تجاراً، فأخذ هو وأصحابه دوابهم وقالوا: علينا أثمانها، فكتب عمرو بن زرارة إلى «نصر» يخبره، فكتب «نصر» يأمره بمحاربته، فقاتله عمرو، وهو في عشرة آلاف ويحيى في سبعين رجلاً، فهزمهم يحيى وقتل عمراً وأصاب دواب كثيرة وسار حتى مرّ بهرات فلم يعرض لمن بها وسار عنها.

وسرّح «نصر بن سيار» سالم بن أحْوز في طلب يحيى، فلحقه بالجوزجان فقاتله قتالاً شديداً، فرُمي يحيى بسهم فأصاب جبهته، رماه رجل من عَنَزة يقال له عيسى، فقُتل أصحاب يحيى من عند آخرهم وأخذوا رأس يحيى وسلبوه قميصه.

فلمّـا بلغ الوليد قتل يحيى، كتب إلى يوسف بن عمر: خذ عُجَيْل أهل العراق فأنزله من جذعه، ـ يعني زيداً ـ ، وأحرقه بالنار ثم انسفه باليمّ نسفاً. فأمر


(339)

يوسف به فأُحرق، ثم رضّه وحمله في سفينة ثم ذرّاه في الفرات.

وأمّا يحيى فإنّه لما قتل صلب بالجوزجان، فلم يزل مصلوباً حتى ظهر أبو مسلم الخراساني واستولى على خراسان، فأنزله وصلّى عليه ودفنه وأمر بالنياحة عليه في خراسان، وأخذ أبو مسلم ديوان بني أُمية وعرف منه أسماء من حضر قتل يحيى، فمن كان حياً قتله، ومن كان ميتاً خلفه في أهله بسوء (1)

وقال السيد المدني في شرح الصحيفة:

«لما قتل أبوه زيد بن علي، خرج يحيى حتى نزل بالمدائن، فبعث يوسف بن عمر في طلبه، فخرج إلى الريّ ثم إلى نيسابور من خراسان، فسألوه المقام بها فقال: بلدة لم تُرفع فيها لعلي وآله راية لا حاجة لي في المقام بها، ثم خرج إلى «سرخس» وأقام بها عند يزيد بن عمر التميمي ستة أشهر، حتى مضى هشام بن عبد الملك لسبيله، وولى بعده الوليد بن يزيد فكتب إلى «نصر بن سيار» في طلبه فأخذه ببلخ وقيّده وحبسه، فقال عبد اللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب رضي اللّه عنه، لما بلغه ذلك:

أليس بعين اللّه ما تفعلونه * عشية يحيى موثق بالسلاسل

كلاب عوت لا قدّس اللّه سرها * فجئن بصيد لايحـل لآكل

وكتب نصر بن سيار إلى يوسف بن عمر، يخبره بحبسه وكتب يوسف إلى الوليد، فكتب الوليد إليه بأن يحذره الفتنة ويخلّى سبيله فخلّى سبيله وأعطاه ألفي درهم وبغلين، فخرج حتى نزل الجوزجان (2)فلحق به قوم من أهلها ومن الطالقان، زهاء خمسمائة رجل، فبعث إليه «نصر بن سيار»، سالم بن أحور فاقتتلوا


(1) أبو الفرج الاَصفهاني: مقاتل الطالبيين: 103 ـ 108، والجزري: الكامل: 5|271 ـ 272.
(2) الجوزجان: بزاي بين الجيمين المفتوحتين: كورة واسعة من كور بلخ بخراسان.

(340)

أشد قتال ثلاثة أيام حتى قتل جميع أصحاب يحيى وبقي وحده فقتل عصر يوم الجمعة سنة خمس وعشرين ومائة، وله ثماني عشرة سنة، وبعث برأسه إلى الوليد، فبعث به الوليد إلى المدينة، فوضع في حجر أُمه «ريطة» فنظرت إليه، وقالت: شردتموه عنّي طويلاً، وأهديتموه إليّ قتيلاً، صلوات اللّه عليه وعلى آبائه بكرة وأصيلاً.

فلمّا قتل عبد اللّه بن علي بن عبد اللّه بن العباس، مروان بن محمد بن مروان، بعث برأسه حتى وضع في حجر أُمّه فارتاعت. فقال: هذا بيحيى بن زيد، وكان الذي احتز رأس يحيى بن زيد، سورة بن أبحر، وأخذ العنبري سلبه، وهذان أخذهما أبو مسلم المروزي فقطع أيديهما وأرجلهما وصلبهما. ولاعقب ليحيى بن زيد (1).

هذا ما يذكره الموَرّخون وقد كان ليحيى عند الاِمام الصادق _ عليه السلام _ مكانة عالية، وقد استشهد ولم يكمل العقد الثاني من عمره الشريف حيث تولد عام 107هـ واستشهد في عام 125هـ ولما سمع الاِمام الصادق شهادته وصلبه حزن حزناً عظيماً ومن كلامه في حقّ يحيى فيما بعد قال: «إنّ آل أبي سفيان قتلوا الحسين ابن علي صلوات اللّه عليه فنزع اللّه ملكهم، وقتل هشام، زيد بن علي فنزع اللّه ملكه، وقتل الوليد، يحيى بن زيد رحمه اللّه فنزع اللّه ملكه» (2)

أمّا أعلام الاِمامية فقد عدّه الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب الاِمام الصادق _ عليه السلام _ وقال: يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المدني، ومن غرائب الكلام عدّه من أصحاب الكاظم _ عليه السلام _ مع أنّه ولد عام 128هـ بعد ثلاثة سنين من استشهاد يحيى بن زيد.


(1) السيد علي خان المدني: رياض السالكين: 1|69 ـ 70.
(2) المجلسي: البحار: 46|182 ح 46.

(341)

يحيى بن زيد والصحيفة السجادية :

إنّ الصحيفة السجادية نسخة من علوم أئمة أهل البيت، وهي أدعية للاِمام السجاد تهز كل إنسان إذا قرأها بدقة وإمعان، وقد أودع فيها الاِمام كنوزاً من المعارف، وعلّم الاِنسان كيفية الدعاء والابتهال إلى اللّه سبحانه، انشأها سيد الساجدين في عصر الظلم والقتل والتشريد وقد كانت نسخة منها عند زيد الثائر، وقد أوصى بها إلى ولده يحيى، وهو أيضاً أوصى إلى: محمد وإبراهيم ابني عبد اللّه بن الحسن بن علي بن أبي طالب وذكر تفصيله عمير بن المتوكل الثقفي البلخي عن أبيه متوكل بن هارون قال:

لقيت يحيى بن زيد بن علي _ عليه السلام _ وهو متوجه إلى خراسان فسلّمت عليه، فقال لي: من أين أقبلت؟ قلتُ: من الحجّ، فسألني عن أهله وبني عمّه بالمدينة وأحفى السوَال عن جعفر بن محمد فأخبرته بخبره وخبرهم وحزنهم على أبيه زيد بن علي _ عليه السلام _ فقال لي: قد كان عمي محمد بن علي _ عليه السلام _ أشار إلى أبي بترك الخروج وعرّفه أنّه إن هو خرج وفارق المدينة ما يكون إليه مصير أمره، فهل لقيت ابن عمي جعفر بن محمد ـ عليه السلام ـ ؟ قلت: نعم، قال: فهل سمعته يذكر شيئاً من أمري؟ قلتُ: نعم، قال: بم ذكرني؟ قلتُ: جعلتُ فداك ما أُحبّ أن أستقبلك بما سمعته منه، فقال: أبالموت تخوفني؟ هات ما سمعته، فقلت سمعته يقول:

إنّك تقتل وتصلب كما قتل أبوك وصلب، فتغير وجهه وقال: "يَمحُوا اللّهُ ما يَشَاءُ ويُثْبِتُ وعِندَه أُمُّ الكِتاب") يا متوكل إنّ اللّه عزّ وجلّ أيّد هذا الاَمر بنا، وجعل لنا العلم والسيف، فجمعا لنا وخصّ بنو عمنا بالعلم وحده، فقلت: جعلت فداك إنّي رأيت الناس إلى ابن عمك جعفر _ عليه السلام _ أميل منهم إليك وإلى أبيك، فقال: إنّ عمي محمد بن علي وابنه جعفر _ عليهما السلام _ دعوا الناس إلى الحياة ونحن دعوناهم إلى الموت، فقلت: يابن رسول اللّه أهم أعلم أم أنتم؟


(342)

فأطرق إلى الاَرض مليّاً ثم رفع رأسه وقال: كلّنا له علم غير أنّهم يعلمون كلّ ما نعلم ولا نعلم كلّ ما يعلمون.

ثم قال لي: أكتبت من ابن عمي شيئاً ؟ قلت: نعم، قال: أرينه، فأخرجت إليه وجوهاً من العلم وأخرجت له دعاء أملاه عليّ أبو عبد اللّه _ عليه السلام _ وحدثني أنّ أباه محمد بن علي _ عليهما السلام _ أملاه عليه، وأخبره أنّه من دعاء أبيه علي بن الحسين _ عليهما السلام _ من دعاء الصحيفة الكاملة، فنظر فيه يحيى حتى أتى على آخره وقال لي: أتأذن في نسخه فقلت: يابن رسول اللّه أتستأذن فيما هو عنكم، فقال: أما أنّي لاَخرجن إليك صحيفة من الدعاء الكامل ممّا حفظه أبي عن أبيه، وانّ أبي أوصاني بصونها ومنعها غير أهلها، قال عمير: قال أبي: فقمت إليه فقبلت رأسه، وقلت له: واللّه يابن رسول اللّه إنّي لاَدين اللّه بحبكم وطاعتكم وأنّي لاَرجو أن يسعدني في حياتي ومماتي بولايتكم. فرمى صحيفتي التي دفعتها إليه إلى غلام كان معه وقال: أُكتب هذا الدعاء بخط بيّن وحسن وأعرضه عليّ لعلّي أحفظه، فإنّي كنت أطلبه من جعفر حفظه اللّه فيمنعنيه قال المتوكل: فندمت على ما فعلت ولم أدر ما أصنع ولم يكن أبو عبد اللّه _ عليه السلام _ تقدم إليّ ألاّ أدفعه إلى أحد.

ثم دعا بعيبة فاستخرج منها صحيفة مقفلة مختومة فنظر إلى الخاتم وقبّله وبكى ثم فضّه وفتح القفل، ثم نشر الصحيفة ووضعها على عينيه وأمرّها على وجهه، وقال: واللّه يامتوكل لولا ما ذكرت من قول ابن عمي إنّني أُقتل وأُصلب لما دفعتها إليك ولكنت بها ضنيناً ولكني أعلم أنّ قوله حقّ أخذه عن آبائه وأنّه سيصح، فخفت أن يقع مثل هذا العلم إلى بني أُمية فيكتموه ويدّخروه في خزائنهم لاَنفسهم، فاقبضها واكفينها وتربص بها، فإذا قضى اللّه من أمري وأمر هوَلاء القوم ما هو قاض، فهي أمانة لي عندك حتى توصلها إلى ابني عمي: محمد وإبراهيم ابني عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي _ عليهما السلام _ فإنّهما القائمان في


(343)

هذا الاَمر بعدي.

قال المتوكل: فقبضت الصحيفة، فلما قتل يحيى بن زيد صرت إلى المدينة فلقيت أبا عبد اللّه _ عليه السلام _: فحدّثته الحديث عن يحيى فبكى واشتد وجده به، وقال: «رحم اللّه ابن عمي وألحقه بآبائه وأجداده، واللّه يا متوكل مامنعني من دفع الدعاء إليه إلاّ الذي خافه على صحيفة أبيه، وأين الصحيفة؟» فقلت: ها هي، ففتحها، أو قال: «هذا واللّه خط عمي زيد ودعاء جدي علي بن الحسين ـ عليهما السلام ـ » ثم قال لابنه: «قم يا إسماعيل فأتني بالدعاء الذي أمرتك بحفظه وصونه» فقام إسماعيل فأخرج صحيفة كأنّها الصحيفة التي دفعها إليّ يحيى بن زيد فقبّلها أبو عبد اللّه ووضعها على عينه وقال: « هذا خط أبي وإملاء جدي ـ عليهما السلام ـ بمشهد مني» فقلت: يابن رسول اللّه إن رأيت أن أعرضها مع صحيفة زيد ويحيى، فأذن لي، وقال: «قد رأيتك لذلك أهلاً» فنظرتُ وإذا هما أمر واحد ولم أجد حرفاً منها يخالف ما في الصحيفة الاَُخرى، ثم استأذنت أبا عبد اللّه ـ عليه السلام ـ في دفع الصحيفة إلى ابني عبد اللّه بن الحسن، فقال: «إنّ اللّه يأمركم أن توَدوا الاَمانات إلى أهلها، نعم فأدفعها إليهما» فلما نهضت للقائهما قال لي: «مكانك» ثم وجّه إلى محمد وإبراهيم فجاءا، فقال: هذا ميراث ابن عمكما يحيى من أبيه قد خصّكما به دون إخوته ونحن مشترطون عليكما فيه شرطاً، فقالا: رحمك اللّه قل فقولك المقبول، فقال: «لا تخرجا بهذه الصحيفة من المدينة» قالا: ولم ذاك؟ قال: «إنّ ابن عمكما خاف عليهما أمراً أخافه أنا عليكما» قالا: إنّما خاف عليها حين علم أنّه يقتل، فقال: أبو عبد اللّه _ عليه السلام _: «وأنتما فلاتأمنا فواللّه إنّي لاَعلم أنّكما ستخرجان كما خرج وستقتلان كما قتل» فقاما وهما يقولان: لا حول ولا قوة إلاّ باللّه العلي العظيم.

فلمّا خرجا قال لي أبو عبد اللّه _ عليه السلام _: «يامتوكل كيف قال لك يحيى إنّ عمي محمد بن علي وابنه جعفراً دعوا الناس إلى الحياة ودعوناهم إلى


(344)

الموت» قلت: نعم أصلحك اللّه قد قال لي ابن عمك يحيى ذلك، فقال: «يرحم اللّه يحيى انّ أبي حدثني عن أبيه عن جده عن علي _ عليه السلام _ إنّ رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أخذته نعسة وهو على منبره، فرأى في منامه رجالاً ينزون على منبره نزو القردة، يردّون الناس على أعقابهم القهقرى، فاستوى رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ جالساً والحزن يُعرف في وجهه، فأتاه جبريل ـ عليه السلام ـ بهذه الآية: "وما جَعَلْنا الرُّوَيا الّتي أرَيْنَاكَ إلاّ فِتنَةً لِلنَّاسِ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ فِي القُرآنِ ونُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إلاّ طُغياناً كَبيراً") (1)يعني بني أُمية قال: ياجبريل أعلى عهدي يكونون وفي زمني، قال: لا ولكن تدور رحى الاِسلام من مهاجرك فتلبث بذلك عشراً، ثم تدور رحى الاِسلام على رأس خمسة وثلاثين من مهاجرك فتلبث بذلك خمساً ثم لابد من رحى ضلالة هي قائمة على قطبها ثم ملك الفراعنة قال وأنزل اللّه تعالى في ذلك: "إنّا أنزلناهُ فِي ليلة القَدْرِ * وما أدراكَ ما ليلةُ القَدْرِ * ليلةُ القَدْرِ خيرٌ من ألفِ شَهْر") (2)يملكها بنو أُمية ليس فيها ليلة القدر، قال: فأطلع اللّه عزّ وجلّ نبيه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أنّ بني أُمية تملك سلطان هذه الاَُمّة وملكها طول هذه المدّة فلو طاولتهم الجبال لطالوا عليها حتى يأذن اللّه تعالى بزوال ملكهم، وهم في ذلك يستشعرون عداوتنا أهل البيت وبغضنا، أخبر اللّه نبيه بما يلقى أهل بيت محمد وأهل مودتهم وشيعتهم منهم في أيامهم وملكهم قال وأنزل اللّه تعالى فيهم: "ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللّهِ كُفْراً وأحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ البَوارَ* جَهنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئسَ القَرَار") (3)ونعمة اللّه محمد وأهل بيته، حبهم إيمان يدخل الجنة وبغضهم كفر ونفاق يدخل النار، فأسر رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ذلك إلى علي وأهل بيته» (4)


(1) الاِسراء: 60.
(2) القدر: 1 ـ 3.
(3) إبراهيم: 28.
(4) الصحيفة السجادية: قسم المقدمة، لاحظ رياض السالكين: 1|69 ـ 187 قسم المتن.

(345)

وسيوافيك خبر أخيه: عيسى بن زيد بعد أخبار محمد وإبراهيم ابني عبد اللّه بن الحسن بن الحسن المثنى وذلك حفظاً للتسلسل الزمني، فسلام اللّه عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حياً.

وقد رثى يحيى بن زيد لفيف من الشعراء منهم دعبل الخزاعي بتائيته المعروفة المشهورة التي تبلغ مائة وعشرين بيتاً رائعاً وفيها من مناقب أهل البيت ومصائبهم الجم الغفير ومطلعها قوله:

تجاوبن بالاَرنان والزفرات * نوائح عجم اللفظ والنطقات

يخبرن بالاَنفاس عن سر أنفس * أُسارى هوىً ماضٍ وآخر آت

إلى أن انتقل عن كل ما يوشح به أوائل القصائد إلى قوله:

فكيف ومن أنى بطالب زلفة * إلى اللّه بعد الصوم والصلوات

سوى حبّ أبناء النبي ورهطه * وبغض بني الزرقاء والعبلات

وهند وما أدّت سمية وابنها * أُولو الكفر في الاِسلام والفجرات

هم نقضوا عهد الكتاب وفرضه * ومحكمه بالزور والشبهات

ثم إلى أن جدد المطلع بقوله:

بكيت لرسم الدار من عرفات * وأجريت دمع العين بالعبرات

وبانَ عرى صبري وهاجت صبابتي * رسوم ديار قد عفت وعرات

مدارس آيات خلت من تلاوة * ومنزل وحي مقفر العرصات

لآل رسول اللّه بالخيف من منى * وبالبيت والتعريف والجمرات


(346)

ثم إلى أن قال عطر اللّه مرقده وفاه:

أفاطم لو خلت الحسين مجدلاً * وقد مات عطشاناً بشط فرات

إذاً للطمت الخد فاطم عنده * وأجريت دمع العين في الوجنات

أفاطم قومي يا ابنة الخير فاندبي * نجوم سماوات بأرض فلاة

قبور بكوفان وأُخرى بطيبة * وأُخرى بفخ نالها صلواتي

وأُخرى بأرض الجوزجان محلها * وقبر بباخمرى لدى الغربات

وقبر ببغداد لنفس زكية * تضمنها الرحمن في الغرفات

قبور ببطن النهر من جنب كربلا * معرسهم منها بشط فرات

توفوا عطاشا بالفرات فليتني * توفيت فيهم قبل حين وفاتي (1)

* * *



(1) ذكرها غير واحد من الاَُدباء والموَرخين، ومن أراد أن يقف على جميعها فليرجع إلى: روضات الجنات: 3|302 ـ 304 والغدير: 2|349.

(347)

أصحاب الانتفاضة

2

عبد اللّه بن الحسن

ابن الحسن بن علي بن أبي طالب

(70 ـ 145 هـ)


إنّ عبد اللّه بن الحسن والد محمد النفس الزكية وإبراهيم اللّذين استشهدا في عصر المنصور بطيبة والبصرة.

فلابد من الاِشارة إلى حياة الوالد قبل الولدين.

يطلق عليه عبد اللّه المحض، لاَنّ أباه هو الحسن بن الحسن السبط، وأُمّه فاطمة بنت الحسين السبط، فهو منسوب إلى رسول اللّه، من كلا الطرفين وكان قوي النفس شجاعاً، ولما قدم أبو العباس السفاح وأهله سرّاً على أبي سلمة الخلاّل الكوفة ستر أمرهم، وعزم أن يجعل الخلافة شورى بين ولد علي والعباس حتى يختاروا من أرادوا، فكتب إلى ثلاثة نفر منهم: جعفر بن محمد ـ عليهما السلام ـ وعمر بن علي بن الحسين، وعبد اللّه بن الحسن، ووجّه بالكتب مع رجل من مواليهم من ساكني الكوفة فبدأ بجعفر بن محمد _ عليهما السلام _ ولقيه ليلاً وأعلمه أنّه رسول أبي سلمة وأنّ معه كتاباً إليه منه، فقال: «ما أنا وأبو سلمة وهو شيعة لغيري» فقال الرسول: تقرأ الكتاب وتجيب عليه بما رأيت، فقال جعفر لخادمه: «قدّم مني السراج» فقدّمه فوضع عليه كتاب أبي سلمة فأحرقه فقال: ألا تجيبه؟ فقال: « قد رأيت الجواب» (1)


(1) ذكر الشهرستاني أنّ الاِمام الصادق _ عليه السلام _: قال له: «ماأنت من رجالي، ولا الزمان زماني» الملل والنحل: 1|154، ط 1402.

(348)

فخرج من عنده وأتى عبد اللّه بن الحسن بن الحسن فقبّل كتابه وركب إلى جعفر بن محمد، فقال: هذا كتاب أبي سلمة يدعوني لاَمر، ويراني أحقّ الناس به وقد جاءته شيعتنا، من خراسان فقال له جعفر الصادق _ عليه السلام _: «ومتى صاروا شيعتك؟ أنت وجهت أبا سلمة إلى خراسان؟ وأمرته بلبس السواد؟ هل تعرف أحداً منهم باسمه ونسبه؟ كيف يكونون من شيعتك وأنت لاتعرفهم إلاّ يعرفونك؟ فإن هذه الدولة ستتم إلى هوَلاء القوم ولاتتم لاَحد من آل أبي طالب وقد جاءني مثل ماجاءك» فانصرف غير راض بما قاله.

وأمّا عمر بن علي بن الحسين فردّ الكتاب وقال: ما أعرف كاتبه فأُجيبه.

ومات عبد اللّه المحض في حبس أبي جعفر الدوانيقي مخنوقاً وهو ابن خمس وسبعين سنة.

وقد ذكر المسعودي كيفية القبض عليه وقال: وكان المنصور قبض على عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي _ عليه السلام _ وكثير من أهل بيته وذلك في سنة أربع وأربعين ومائة في منصرفه من الحجّ، فحملوا من المدينة إلى الربذة من جادة العراق وكان ممّن حمله مع عبد اللّه بن الحسن: إبراهيم بن الحسن بن الحسن، وأبو بكر بن الحسن بن الحسن، وعلي الخير، وأخوه العباس، وعبد اللّه بن الحسن بن الحسن، والحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن، ومعهم محمد بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان بن عفان أخو عبد اللّه بن الحسن بن الحسن لاَُمّه فاطمة ابنة الحسين بن علي، وجدتهما فاطمة بنت رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _.

فجرد المنصور بالربذة محمد بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان فضربه ألف سوط، وسأله عن ابني أخيه محمد وإبراهيم فأنكر أن يعرف مكانهما، فسألت جدته العثماني في ذلك الوقت، وارتحل المنصور عن الربذة وهو في قبة، وأوهن القوم بالجهد، فحملوا على المحامل المكشوفة، فمر بهم المنصور في قبته على الجمازة، فصاح به عبد اللّه بن الحسن يا أبا جعفر ما هكذا فعلنا بكم يوم بدر،


(349)

فصيرهم إلى الكوفة، وحبسوا في سرداب تحت الاَرض لا يفرّقون بين ضياء النهار وسواد الليل، وخلّـى منهم: سليمان وعبد اللّه ابني داود بن الحسن بن الحسن، وموسى بن عبد اللّه بن الحسن، والحسن بن جعفر، وحبس الآخرين ممن ذكرنا حتى ماتوا وذلك على شاطىء الفرات من قنطرة الكوفة، ومواضعهم بالكوفة تزار في هذا الوقت وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، وكان قد هدم عليهم الموضع، وكانوا يتوضّوَن في مواضعهم فاشتدت عليهم الرائحة، فاحتال بعض مواليهم حتى أدخل عليهم شيئاً من الغالية، فكانوا يدفعون بشمها تلك الروائح المنتنة، وكان الورم في أقدامهم، فلا يزال يرتفع حتى يبلغ الفوَاد فيموت صاحبه.

وذكر أنّهم لمّا حبسوا في هذا الموضع أشكل عليهم أوقات الصلاة، فجزّأوا القرآن خمسة أجزاء، فكانوا يصلّون الصلاة على فراغ كل واحد منهم من جزئه وكان عدد من بقي منهم خمسة، فمات اسماعيل بن الحسن فترك عندهم فجيف، فصعق داود بن الحسن فمات، وأتى برأس إبراهيم بن عبد اللّه فوجه به المنصور مع الربيع إليهم فوضع الرأس بين أيديهم وعبد اللّه يصلي، فقال له إدريس أخوه: اسرع في صلاتك يا أبا محمد، فالتفت إليه وأخذ الرأس فوضعه في حجره، وقال له: أهلاً وسهلاً يا أبا القاسم، واللّه لقد كنت من الذين قال اللّه عزّ وجلّ فيهم:

"الّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ ولا يَنقُضُونَ المِيثاقَ * والّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللّهُ بِهِ أن يُوصَل") إلى آخر الآية، فقال له الربيع: كيف أبو القاسم في نفسه؟ قال: كما قال الشاعر:

فتى كان يحميه من الذلّ سيفه * ويكفيه أن يأتي الذنوب اجتنابها

ثم التفت إلى الربيع: فقال: قل لصاحبك قد مضى من بوَسنا أيّام ومن نعيمك أيّام؟ والملتقى، القيامة. قال الربيع: فما رأيت المنصور قطّ أشدّ انكساراً منه


(350)

في الوقت الذي بلغته الرسالة... (1)

وكان يتولى صدقات أمير الموَمنين علي _ عليه السلام _ بعد أبيه الحسن، ونازعه في ذلك زيد بن علي بن الحسين، وأعقب عبد اللّه المحض من ستة رجال:

1 ـ محمد ذي النفس الزكية، المقتول بقرب المدينة.

2 ـ إبراهيم قتيل باخمرى، قريب الكوفة.

3 ـ موسى الجون.

4 ـ يحيى بن عبد اللّه صاحب الديلم.

5 ـ سليمان بن عبد اللّه.

6 ـ إدريس بن عبد اللّه (2)



(1) المسعودي: مروج الذهب: 3|298. والآيتان 20 و 21 من سورة الرعد.
(2) النسابة ابن عنبة: عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب: 101 ـ 103.

(351)

أصحاب الانتفاضة

3

محمد بن عبد اللّه بن الحسن

ابن الحسن بن علي بن أبي طالب

النفس الزكية

(100 ـ 145 هـ)


محمد بن عبد اللّه المعروف بالنفس الزكية المقتول عام 145هـ في أيّام أبي جعفر المنصور ، هو الثائر الثاني، وقد ذكر الشهرستاني أنّ يحيى بن زيد أوصى إليه، ولذلك يعد إماماً ثانياً بعده.

وتقدّم أنّ أباه عبد اللّه من أكابر بني هاشم وكان الجميع يكِّن له الاحترام، وكان أكبر سناً من الاِمام الصادق _ عليه السلام _ كما تقدم ـ ومع ذلك كان يدعو الناس لبيعة ولده محمد، وهذا وما سبق من قبول دعوة أبي سلمة الخلال يكشفان عن روح ثوريّة أوّلاً، وسذاجة في الاَُمور السياسية ثانياً.

ولما قتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك إثر خلاعته ومجانته عام 126 هـ تهيّأت الظروف المناسبة للدعوة إلى بني هاشم، ففي هذا الظرف الهادىء جمع عبد اللّه بن الحسن، بني هاشم وألقى فيهم خطبة نقلها أبو الفرج الاَصفهاني في كتابه وقال: إنّكم أهل البيت قد فضّلكم اللّه بالرسالة واختاركم لها وأكثركم بركة ياذرية محمد بن عبد اللّه بنو عمه وعترته، وأولى الناس بالفزع في أمر اللّه، من


(352)

وضعه اللّه موضعكم من نبيّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وقد ترون كتاب اللّه معطلاً، وسنّة نبيه متروكة، والباطل حياً، والحقّ ميتاً، قاتلوا للّه في الطلب لرضاه بما هو أهله قبل أن ينزع منكم اسمكم وتهونوا عليه كما هانت بنو إسرائيل وكانوا أحب خلقه إليه، وقد علمتهم أنّا لم نزل نسمع أنّ هوَلاء القوم إذا قتل بعضهم بعضاً خرج الاَمر من أيديهم، فقد قتلوا صاحبهم ـ يعني الوليد بن يزيد ـ ، فهلم نبايع محمداً، فقد علمتم أنّه المهدي.

فقالوا: لم يجتمع أصحابنا بعد، ولو اجتمعوا فعلنا، ولسنا نرى أبا عبد اللّه جعفر بن محمد.

وبعد محاولات حضر الاِمام الصادق _ عليه السلام _ مجلس القوم فاطلع على أمر القوم وأنّهم يريدون بيعة محمد بن إبراهيم، فقالوا: قد علمت ماصنعوا بنا بنو أُمية وقد رأينا أنّ نبايع لهذا الفتى.

فقال: لاتفعلوا فإنّ الاَمر لم يأت بعد، فغضب عبد اللّه وقال: لقد علمت خلاف ما تقول، ولكنه يحملك على ذلك الحسد لابني، فقال: لا واللّه، ما ذاك يحملني، ولكن هذا وإخوته وأبناوَهم دونكم و ضرب يده على ظهر أبي العباس (السفاح) ثم نهض واتبعه عبد الصمد وأبو جعفر المنصور فقالا : يا أبا عبد اللّه أتقول ذلك؟ قال: «نعم واللّه أقوله وأعلمه».

وفي رواية قال لعبد اللّه بن الحسن: «إنّها واللّه ما هي إليك ولا إلى ابنيك ولكنّها لهوَلاء وإنّ ابنيك لمقتولان» فتفرق أهل المجلس ولم يجتمعوا بعدها.

وقال عبد اللّه بن جعفر بن المسوّر، فخرج جعفر بن محمد يتوكأ على يدي فقال لي: « أرأيت صاحب الرداء الاَصفر؟» يعني أبا جعفر المنصور، قلت: نعم، قال: «فإنّا واللّه نجده يقتل محمداً»، قلت: أو يقتل محمداً ؟! قال: «نعم» فقلت في نفسي: حسده وربّ الكعبة. ثم ما خرجت واللّه من الدنيا حتى رأيته قتله (1)


(1) أبو الفرج الاَصفهاني: مقاتل الطالبيين: 171 ـ 172.

(353)

حكى ابن عنبة أنّ محمد بن عبد اللّه بن الحسن ولد سنة 100هـ بلا خلاف، وقيل مات سنة 145هـ في رمضان، وقيل في الخامس والعشرين من رجب، وقال البخاري: وهو ابن خمس وأربعين سنة وأشهراً، وكان المنصور قد بايع له ولاَخيه إبراهيم مع جماعة من بني هاشم، فلمّا بويع لبني العباس اختفى محمد وإبراهيم مدّة خلافة السفاح فلما ملك المنصـور (136 هـ) وعلـم أنّهما على عزم الخروج جدّ في طلبهما وقبض على أبيهما وجماعة من أهلهما فيحكى أنّهما أتيا أباهما وهو في السجن وقالا له: يقتل رجلان من آل محمد خير من أن يقتل ثمانية، فقال لهما: إن منعكما أبو جعفر أن تعيشا كريمين فلا يمنعكما أن تموتا كريمين.

ولما عزم «محمد» على الخروج واعد أخاه إبراهيم على الظهور في يوم واحد، وذهب محمد إلى المدينة وإبراهيم إلى البصرة، فاتفق أنّ إبراهيم مرض فخرج أخوه بالمدينة وهو مريض بالبصرة، ولما خلص من مرضه وظهر أتاه خبر أخيه أنّه قتل وهو على المنبر يخطب.

ومن عجيب ما يروى عن محمد بن عبد اللّه أنّه لما أحس بالخذلان دخل داره وأمر بالتنور فسجّر ثم عمد إلى الدفتر الذي أثبت فيه أسماء الذين بايعوه فألقاه في التنور فاحترق، ثم خرج فقاتل حتى قتل بأحجار الزيت، قريباً من المدينة.

وكان مالك بن أنس الفقيه قد أفتى بالخروج مع محمد وبايعه ولذلك تغير المنصور عليه فقال: إنّه خلع أكتافه (1)

وقد ذكر الموَرخون دعوته وشهادته بين موجز في القول ومعتدل في البيان ومفصل في القصة وبما أنّ في كلامهم ما يلقي الضوء على حياة القائد، نذكر بعض نصوصهم.


(1) النسابة ابن عنبة: عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب: 104 ـ 105.

(354)

وممّن أوجز فيه الكلام أبو حنيفة الدينوري (ت 282هـ) في «الاَخبار الطوال» قال: وفي ذلك العام (145هـ) خرج على المنصور، محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب _ عليه السلام _ الملقب بالنفس الزكية فوجّه إليه أبو جعفر ـ المنصور ـ عيسى بن موسى بن علي في خيل فقتل رحمه اللّه، وخرج أخوه إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن فقتل رضوان اللّه عليه(1).

وقال اليعقوبي: «وظهر محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بالمدينة مستهل رجب سنة 145هـ، فاجتمع معه خلق عظيم وأتته كتب أهل البلدان ووفودهم، فأخذ رياح بن عثمان بن حيّان المري عامل أبي جعفر، فأوثقه بالحديد وحبسه، وتوجه (أخوه) إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن إلى البصرة وقد اجتمع جماعة فأقام مستتراً، وهو يكاتب الناس ويدعوهم إلى طاعته، فلما بلغ أبا جعفر أراد الخروج إلى المدينة ثم خاف أن يدع العراق مع ما بلغه من أمر إبراهيم، فوجّه عيسى بن موسى الهاشمي، ومعه حميد بن قحطبة الطائي في جيش عظيم فصار إلى المدينة، وخرج محمد إليه في أصحابه فقاتلهم في شهر رمضان ومضى أصحابه إلى الحبس فقتل رياح بن عثمان وكانت أسماء ابنة عبد اللّه بن عبيد اللّه بن العباس بالمدينة وكانت معادية لمحمد بن عبد اللّه، فوجهت بخمار أسود قد جعلته مع مولى لها حتى نصبه على مأذنة المسجد، ووجّهت بمولى لها يقال له: مجيب العامري إلى عسكر محمد، صاح: الهزيمة الهزيمة قد دخل المسوّدة المدينة، فلمّا رأى الناس العلم الاَسود انهزموا وأقام محمد يقاتل حتى قتل، فلمّا قتل محمد بن عبد اللّه بن الحسن، وجه عيسى بن موسى، كثير بن الحصين العبدي إلى المدينة فدخلها، فتتبع أصحاب محمد فقتلهم وانصرف إلى العراق(2)


(1) الدينوري الاَخبار الطوال: 385، طبع مصر، الحلبي، وممّن أوجز الكلام فيه النسابة العلوي العمري صاحب المجدي: 37.
(2) ابن واضح الاِخباري: تاريخ اليعقوبي: 2|376.

(355)

وقال المسعودي: وفي سنة خمس وأربعين ومائة كان ظهور محمد بن عبد اللّه ابن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهم بالمدينة، وكان قد بُويع له من كثير من الاَنصار وكان يدعى بالنفس الزكية لزهده ونسكه، وكان مستخفياً من المنصور ولم يظهر حتى قبض المنصور على أبيه عبد اللّه بن الحسن وعمومته، وكثير من أهله وعدتهم، ولما ظهر محمد بن عبد اللّه بالمدينة، استشار إسحاق بن مسلم العقيلي وكان شيخاً ذا رأي وتجربة فأشار إلى ما لم يستحسنه أبو جعفر وبينما كان يتفكر في كيفية المقابلة مع محمد بن إبراهيم بلغه أنّ إبراهيم أخا محمد خرج بالبصرة يدعو إلى أخيه، فبعث عيسى بن موسى في أربعة آلاف فارس وألفي راجل وأتبعه محمد بن قحطبة في جيش كثيف فقاتلوا محمداً بالمدينة حتى قتل وهو ابن خمس وأربعين سنة ولما اتصل بإبراهيم قتل أخيه، محمد بن عبد اللّه وهو بالبصرة صعد المنبر فنعاه وتمثّل:

أبالمنازل ياخير الفوارس من * يفجع بمثلك في الدنيا فقد فجعا

اللّه يعلم أنّي لو خشيتُهم * وأوجس القلب من خوف لهم فزعا

لم يقتلوه ولم أسلم أخيَّ لهم * حتى نموت جميعاً أو نعيش معا

تفرّق إخوة محمد في البلاد :

وقد كان تفرّق أخوة محمد وولده في البلدان يدعون إلى إمامته فكان فيمن توجه ابنه، علي بن محمد إلى مصر فقتل بها، وسار ابنه عبد اللّه إلى خراسان فهرب لما طُلب، إلى السند فقتل هناك، وسار ابنه الحسن إلى اليمن فحبس فمات في الحبس، وسار أخوه موسى إلى الجزيرة، ومضى أخوه يحيى إلى الري، ثم إلى طبرستان، ومضى أخوه إدريس بن عبد اللّه إلى المغرب فأجابه خلق من الناس


(356)

فبعث المنصور من اغتاله بالسم وقام ولده إدريس بن إدريس بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن مقامه (1)

هوَلاء من الموَرخين قد أوجزوا الكلام في دعوته وشهادته، وقد فصّل أبو الفرج الاَصفهاني (2)في المقامين وابن الاثير في الكامل وقد ذكر كتاب المنصور إلى محمد بن إبراهيم، كما ذكر جوابه إليه (3)

* * *



(1) المسعودي: مروج الذهب: 3|294 ـ 296، وسيوافيك ذيل هذا النص في البحث عن تأسيس دولة زيدية في المغرب باسم الاَدارسة.
(2) راجع: مقاتل الطالبيين: 176 ـ 200.
(3) ابن الاَثير: الكامل: 5|522 ـ 554، وفيه لما قتل محمد صادر عيسى أموال بني الحسن وحتى أموال الاِمام الصادق، لاحظ ص 553.


(357)

أصحاب الانتفاضة

4


إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن

(103 ـ 145 هـ)

إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن أخو محمد ذو النفس الزكية الثائر الثالث بعد يحيى بن زيد والنفس الزكية، وقد تقدم اتفاق الاَخوين على الثورة في يوم واحد في قطرين مختلفين، وقد عرفت تأخّر إبراهيم عن أخيه في الخروج.

قال المسعودي: مضى إبراهيم أخوه إلى البصرة وظهر بها، فأجابه أهل فارس والاَهواز وغيرهما من الاَمصار وسار من البصرة في عساكر كثيرة من الزيدية وجماعة ممن يذهب إلى قول البغداديين من المعتزلة وغيرهم، ومعه عيسى بن زيد بن علي ابن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فسيّر إليه المنصور عيسى بن موسى وسعيد بن سلم في العساكر، فحارب حتى قتل في الموضع المعروف بـ«باخمرى» وذلك على ستة عشر فرسخاً من الكوفة من أرض الطف، وهو الموضع الذي ذكرته الشعراء ممن رثى إبراهيم. فممّن ذكر ذلك:

دعبل بن علي الخزاعي، في قصيدته الرائعة التائية التي نقل قسم منها عند ذكر شهادة أخيه محمد النفس الزكية وفيها قوله:

قبور بكوفان وأُخرى بطيبة * وأُخرى بفخّ نالها صلوات

وأُخرى بأرض الجوزجان محلها * وقبر بباخمرى لدى الغربات


(358)

وقتل معه من الزيدية من شيعته أربعمائة رجل، وقيل: خمسمائة رجل (1)

وقال صاحب المجدي: وكان إبراهيم يكنى أبا الحسن، قتل بأرض «باخمرى» وهي قرية تقارب الكوفة وظَهَر ليلة الاِثنين غرة شهر رمضان سنة 145هـ وذلك بالبصرة وكان مقتله بعد مقتل أخيه محمد (رضي اللّه عنهما) في ذي الحجّة من السنة المذكورة.

وبايع إبراهيم وجوه المسلمين منهم بشير الرحال، وأبو حنيفة الفقيه، والاَعمش، وعباد بن المنصور القاضي صاحب مسجد عباد بالبصرة، والمفضل بن محمد وشعبة الحافظ إلى نظائرهم (2)

وقال النسابة ابن عنبة: كان إبرهيم من كبار العلماء في فنون كثيرة، يقال إنّه كان أيام اختفائه في البصرة قد اختفى عند المفضل بن محمد الضبي، فطلب منه دواوين العرب ليطالعها فأتاه بما قدر عليه فأعلم إبراهيم على ثمانين قصيدة. فلمّا قتل إبراهيم استخرجها المفضل وسماها بـ (المفضليات) وقرئت بعده على الاَصمعي فزاد بها، وظهر إبراهيم ليلة الاِثنين غرة شهر رمضان سنة خمس وأربعين ومائة بالبصرة وبايعه وجوه الناس ـ إلى أن قال: ـ ويقال: إنّ أبا حنيفة الفقيه بايعه أيضاً وكان قد أفتى الناس بالخروج معه، فيحكى أنّ امرأة أتته فقالت: إنّك أفتيت ابني بالخروج مع إبراهيم فخرج فقتل. فقال لها: ليتني كنتُ مكانَ ابنك. وكتب إليه أبو حنيفة: أما بعد: فإنّي قد جهزت إليك أربعة آلاف درهم ولم يكن عندي غيرها، ولولا أمانات الناس عندي للحقت بك، فإذا لقيت القوم وظفرت بهم فافعل كما فعل أبوك في أهل صفين، أُقتل مدبرهم وأجهز على جريحهم، ولا تفعل كما فعل أبوك في أهل الجمل فإنّ القوم لهم فئة. ويقال: إنّ


(1) المسعودي: مروج الذهب: 3|296 ـ 297.
(2) النسابة العلوي العمري: المجدي في أنساب الطالبيين: 42.

(359)

هذا الكتاب وقع إلى الدوانيقي وكان سبب تغيّره على أبي حنيفة ـ إلى أن قال: ـ وجيء برأس إبراهيم فوضعه في طشت بين يديه والحسن بن زيد بن الحسن بن علي واقف على رأسه عليه السواد فخنقته العبرة والتفت إليه المنصور وقال: أتعرف رأس من هذا؟ فقال: نعم:

فتى كان تحميه من الضيم نفسه * وينجيــه من دار الهـوان اجتنابها

فقال المنصور: صدقت ولكن أراد رأسي فكان رأسه أهون عليَّ ولوددت أنّه فاء إلى طاعتي، ويقول أيضاً: وحمل ابن أبي الكلام الجعفري رأسه إلى مصر(1).

* * *


(1) ابن المهنا: عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب: 109ـ 110، ولعله دفنه في المحل المعروف برأس الحسين _ عليه السلام _.

(360)

أصحاب الانتفاضة

5

عيسى بن زيد الثائر

(... ـ 168 هـ)


أحد أولاد زيد الثائر المعروف بـ «موتم الاَشبال»، وكان وصي إبراهيم ـ قتيل باخمرى ـ بن عبد اللّه المحض وحامل رايته، فلمّا قتل إبراهيم اختفى عيسى إلى أن مات، وكان أبو جعفر المنصور قد بذل له الاَمان وأكده وكان شديد الخوف منه لم يأمن وثوبه عليه، فقيل لعيسى في ذلك فقال: واللّه لئن يبيتنَّ ليلة واحدة خائفاً منّي أحبّ إليّ مما طلعت عليه الشمس. وإنّما يسمّى موتم الاَشبال لاَنّه قتل أسداً له أشبال فسمّي موتم الاَشبال. فخرج عيسى مع محمد بن عبد اللّه النفس الزكية ثم مع أخيه إبراهيم، وكان إبراهيم قد جعل له الاَمر بعده وكان حامل رايته فلمّا قتل إبراهيم استتر ولم يتم له الخروج فبقي مستتراً أيام المنصور وأيّام المهدي وأيام الهادي وصلّى عليه الحسن بن صالح سراً ودفنه.

وقد ذكر النسابة ابن عنبة من حياته شيئاً كثيراً يوَجّج الفوَاد ومما ذكره أنّه كان في أيّام اختفائه يستقي الماء على جمل، وقال: حكى لي الشيخ النقيب تاج الدين بإسناده عن محمد بن زيد الشهيد: قال محمد بن محمد: قلت لاَبي محمد بن زيد: أُريد أن أرى عمي عيسى، فقال: اذهب إلى الكوفة فإذا وصلتها اذهب إلى الشارع الفلاني واجلس هناك فإنّه سيمر عليك رجل آدم طويل، له سجادة بين عينيه، يسوق جملاً عليه مزادتان، كلّما خطا خطوة كبّر اللّه سبحانه، وسبّحه وهلّله


(361)

وقدّسه، فذلك عمك عيسى فقم إليه فسلّم عليه، قال محمد بن محمد بن زيد فذهبت إلى الكوفة فلمّا وصلتها جلستُ حيث أمرني أبي فلم ألبث أن جاء الرجل الذي وصفه لي أبي وبين يديه جمل عليه راوية فقمت إليه وأكببت على يديه أُقبّلهما فذعر مني فقلت: أنا محمد بن زيد (1)فسكن ثم أناخ جمله وجلس إليَّ في ظل حائط هناك وحدثني ساعة، وسألني عن أهلي وأصحابه ثم ودّعني وقال لي: يابني لاتعد إليّ بعد هذا فإنّي أخشى الشهرة (2)

وقال صاحب المجدي: وكان من أصحاب محمد بن عبد اللّه قتيل «أحجار الزيت» فاختفى عيسى من يد المهدي ومات في الاستتار على أيام الرشيد وكان شيخنا أبو الحسن يقول: كان ابن دينار يزعم أنّه قتل زيد ولابنه الحسين أربع سنين ولابنه عيسى سنة ولابنه محمد أربعون يوماً (3)وعلى ذلك فقد توفي عيسى حوالي عام 167 للهجرة.

* * *


(1) كذا في النسخة المطبوعة والصحيح محمد بن محمد بن زيد ولعل الحذف للسهولة.
(2) ابن عنبة: عمدة الطالب، في أنساب آل أبي طالب: 286 ـ 287.
(3) أبو الحسن العلوي العمري: المجدي في أنساب الطالبيين: 186 ـ 187.

(362)

أصحاب الانتفاضة

6

الحسين بن علي الفخيّ

( ... ـ 169 هـ)


هو الحسين بن علي بن الحسن المثلث أي الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب _ عليه السلام _ قال صاحب المجدي: ومن ولد علي زين العابدين الحسن المثلث، الحسين بن علي وهو الشهيد صاحب فخ، خرج ومعه جماعة من العلويين زمن الهادي موسى بن المهدي بن المنصور بمكة، وجاء موسى بن عيسى ابن على ومحمد بن سليمان بن المنصور فقتلاهم بفخ يوم التروية سنة تسع وستين ومائة. وقيل: سنة سبعين، وحملا رأسه إلى الهادي، فأنكر الهادي فعلهما وأمضاءهما حكم السيف فيهم دون رأيه، ونقل أبو نصر البخاري عن محمد الجواد ابن علي الرضا _ عليهما السلام _ أنّه قال: لم يكن لنا بعد الطف مصرع أعظم من فخ (1)

* * *


(1) النسابة ابن عنبة: عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب: 182 ـ 183.

(363)

أصحاب الانتفاضة

7

محمد بن إبراهيم طباطبا

(173 ـ 199 هـ)


هو محمد بن إبراهيم (طباطبا) بن إسماعيل بن علي الغمر بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (1)

قال صاحب المجدي: أمّا إبراهيم بن إسماعيل بن الغمر فهو طباطبا ولقب بذلك لاَنّه أراد أن يقول قبا فقال طبا، لردّة في لسانه، وكان له خطر وتقدم وأبرزَ صفحتَه ودعا إلى الرضا من آل محمد. فولد إبراهيم بن إسماعيل بن الغمر ثلاثة عشر ولداً، منهم: بنتان وهما: لبابة وفاطمة، والذكور: جعفر، وإبراهيم، وإسماعيل، وموسى، وهارون، وعلي، وعبداللّه، ومحمد.

هذا هو الوالد وأمّا الولد أي محمد، يقول في حقّه: «إنّه صاحب أبي السرايا يكنّى أبا عبد اللّه، خرج بالكوفة فجأة وانقرض ولده غير انّ رجلاً منهم يقال له محمد بن الحسين بن جعفر بن محمد هذا، صاحب أبي السرايا خرج إلى بلاد الحبشة فما نعرف له خبراً (2)


(1) سيوافيك في الفصل القادم أنّ الاِمام يحيى موَسس الدولة الزيدية في اليمن عام 284 من أحفاد إبراهيم إذ نسبه: يحيى بن الحسين، بن القاسم بن إبراهيم طبا طبا.
(2) النسابة العلوي العمري: المجدي: 72.

(364)

وقال ابن عنبة: ومن ولد إبراهيم طباطبا أيضاً محمد بن إبراهيم ويكنى أبا عبد اللّه أحد أئمة الزيدية، خرج بالكوفة داعياً إلى الرضا من آل محمد، وخرج معه أبو السرايا (السري بن منصور) الشيباني في أيام المنصور، فغلب على الكوفة ودعا بالآفاق ولقّب بأمير الموَمنين وعظم أمره ثم مات فجأة، وانقرض عقبه، وكان من ولده محمد بن الحسين بن جعفر بن محمد هذا، خرج إلى الحبشة فما يعرف له خبر. وفي بعض النسخ مات 199هـ وقيل: سمّاه أبو السرايا سماً ومات منه واللّه أعلم (1).

وقال الطبري في حوادث سنة 199هـ: وفيها خرج بالكوفة محمد بن إبراهيم ابن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب يوم الخميس لعشر خلون من جمادي الآخرة يدعو إلى الرضا من آل محمد والعمل بالكتاب والسنّة وهو الذي يقال له ابن طباطبا وكان القيم بأمره في الحرب وتدبيرها وقيادة جيوشه أبا السرايا واسمه السري بن منصور (2)

وبما أنّ أبا السرايا جاء اسمه في ذكر لفيف من الثائرين، نذكر عنه شيئاً.

يقول خير الدين الزركليّ: السري بن منصور الشيباني ثائر شجاع من الاَُمراء العصاميين فجمع عصابة كان يقطع بها الطريق، ثم لحق بيزيد بن مزيد الشيباني بأرمينيا ومعه ثلاثون فارساً فجعله في القواد فاشتهرت شجاعته، ولما نشبت فتنة الاَمين والمأمون انتقل إلى عسكر هرثمة بن أعين وسار معه نحو ألفي مقاتل وخوطب بالاَمير، ولما قتل الاَمين نقص هرثمة من أرزاقه وأرزاق أصحابه فخرج في نحو مائتي فارس فحصر عامل عين التمر وأخذ ما معه من المال ففرّقه في أصحابه، ثم استولى على الاَنبار وذهب إلى الرقة وقد كثر جمعه فلقيه بهما ابن


(1) ابن عنبة: عمدة الطالب: 172.
(2) الطبري: التاريخ: 7|117.

(365)

طباطبا العلوي (محمد بن إبراهيم) وكان قد خرج على بني العباس، فبايعه أبو السرايا وتولّـى قيادة جنده، واستوليا على الكوفة، فضرب بها أبو السرايا الدرهم، وسيّر الجيوش إلى البصرة ونواحيها، وعمل على ضبط بغداد، وامتلك المدائن وواسطاً، واستفحل أمره، وأرسل العمال والاَُمراء إلى اليمن والحجاز وواسط والاَهواز، وتوالت عليه جيوش العباسيين فلم تضعضعه إلى أن قتله الحسن بن سهل وبعث برأسه إلى المأمون ونصبت جثته على جسر بغداد (1)

وقد فصل أبو الفرج الكلام حول خروج أبو السرايا ولقائه مع محمد بن إبراهيم يرجع ملخصه إلى ما ذكره خير الدين، ولذلك اقتصرنا عليه (2)

و ليعلم أنّ القاسم الرسّي الذي يعتبر الاِمام الثاني للزيدية من فريق الاَئمة المجتهدين هو أخو محمد بن إبراهيم، كما أنّ الاِمام الهادي الذي أسس دولة فيها هو حفيد القاسم الرسّي، فالكل من أغصان الشجرة الطيبة العلوية.

* * *


(1) خير الدين الزركلــي: الاَعلام: 3|82 نقلاً عن البداية والنهاية: 10|244 ومقاتل الطالبيين: 338، والطبري: التاريخ: 10|227.
(2) انظر: أبو الفرج الاَصفهاني، مقاتل الطالبيين: 518 ـ 536.تحقيق سيد أحمد صقر.

(366)

أصحاب الانتفاضة

8

محمد بن محمد بن زيد بن علي

(182 ـ 202 هـ)

يحدّث صاحب المجدي عن أبيه فيقول: محمد بن زيد الشهيد بن علي بن الحسين _ عليه السلام _ وكان بليغاً، وله أحد عشر ولداً، منهم: محمداً الاَكبر وكان على عهد المأمون وهو صاحب أبي السرايا بعد ابن طباطبا قبره بمرو، وكان سقي سماً (1).

وقال ابن عنبة: وكان لمحمد بن زيد الشهيد عدّة بنين، منهم محمد بن محمد ابن زيد. ولما خرج أبو السرايا وأخذ البيعة لمحمد بن إبراهيم بن إسماعيل (المذكور آنفاً) وتوفي «محمد» فجأة نصب أبو السرايا مكانه محمد بن محمد بن زيد هذا، ولقبه «الموَيد» فندب الحسن بن سهل إليه هرثمة بن أعين، فحاربه وأسره وحمله إلى الحسن بن سهل فحمله الحسن إلى المأمون، فتعجب المأمون من صغر سنه وقال: كيف رأيت اللّه في الصنع بابن عمك؟ فقال محمد بن محمد بن زيد:

رأيت أمين اللّه في العفو والحلم * وكان يسيراً عنده أعظم الجرم

فأعرض عن جهلي وداوي سقامه * بعفو جرى عن جلده هبوه السقم

وتوفي محمد بن محمد بن زيد بمرو وسقاه المأمون السم 202 هـ وهو ابن عشرين سنة، فيقال: إنّه كان ينظر كبده يخرج من حلقه قطعاً فيلقيه في طشت ويقلبه بخلال في يده (2)


(1) النسابة العلوي العمري: المجدي: 184.
(2) ابن عنبة: عمدة الطالب: 300، لاحظ أيضاً مقاتل الطالبيين: 343 و 517 من الطبعة الاَُخرى.

(367)

أصحاب الانتفاضة

9

محمد بن القاسم بن علي بن عمر

ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب

( ... ـ بعد 319 هـ)

قال صاحب المجدي: أمّا الوالد أي القاسم بن علي بن عمر فهو يكنى بـ «أبي علي» وكان شاعراً وقد اختفى ببغداد، وأمّا الولد فقد أشخصه الرشيد من الحجاز وحبسه وأفلت من الحبس (1)

وقال ابو الفرج: محمد بن القاسم يكنى أبا جعفر، وكانت العامة تلقّبه الصوفي، لاِنّه كان يُدْمِن لبس ثياب من الصوف الاَبيض، وكان من أهل العلم والفقه والدين والزهد وحسن المذهب، وكان يذهب إلى القول بالعدل والتوحيد ويرى رأي الزيدية الجارودية، خرج في أيام المعتصم بالطالقان، فأخذه عبد اللّه بن طاهر ووجّه به الى المعتصم (2)

يقول المسعودي: وفي هذه السنة أي 219 هـ أخاف المعتصم، محمد بن القاسم بن علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رحمهم اللّه، وكان بالكوفة من العبادة والزهد والورع في نهاية الوصف، فلمّا خاف على نفسه هرب فصار إلى خراسان، فتنقل في مواضع كثيرة من كورها كمرو، وسرخس والطالقان ونسا، فكانت له هناك حروب وكوائن وانقاد إليه وإلى إمامته خلق كثير


(1) النسابة العلوي: المجدي: 149.
(2) أبو الفرج الاَصفهاني: مقاتل الطالبيين: 382.

(368)

من الناس، ثم حمله عبد اللّه بن طاهر إلى المعتصم، فحبسه في أزج اتخذه في بستان بسر من رأى. وقد تنوزع في محمد بن القاسم، فمن قائل يقول: إنّه قتل بالسم، ومنهم من يقول: إنّ ناساً من شيعته من الطالقان أتوا ذلك البستان فتأتوا للخدمة فيه من غرس وزراعة، واتخذوا سلالم من الجبال واللبود والطالقانية ونقبوا الاَزج وأخرجوه، فذهبوا به فلم يعرف له خبر إلى اليوم، وقد انقاد إلى إمامته خلق كثير من الزيدية إلى هذا الوقت وهو سنة 333هـ (1)


(1) المسعودي: مروج الذهب: 3|464 ـ 465.

(369)

الفصل الثالث

أئمة الزيدية ودولتهم في اليمن

قد تعرفت على أسماء وحياة الثائرين بعد زيد الشهيد إجمالاً، وهوَلاء الاَماثل قاموا في وجه الظلم في مناطق مختلفة، بصورة انتفاضات ناجحة وغير ناجحة.

ويأتي الآن دور الثائرين الاَفاضل، الموَسسين دولاً في قطر كبير من الاَقطار الثلاثة وهوَلاء عبارة عن:

أئمة الزيدية وتأسيس الدولة في اليمن.

أئمة الزيدية وتأسيس الدولة في طبرستان.

أئمة الزيدية وتأسيس الدولة في المغرب.

وإليك البيان ابتداء من أئمتهم في اليمن وأوّل ثائرهم وفي الحقيقة موَسس دولتهم هو:

1

يحيى بن الحسين بن القاسم الرسي بن إبراهيم طباطبا

قال صاحب المجدي في حقّ والده: الحسين بن القاسم الرسّي كان سيداً كريماً ولد له يحيى، وهو أبو الحسين الهادي، الجليل، الفارس، الديّن، إمام الزيدية وكان مصنفاً، شاعراً، ظهر باليمن مات سنة 298هـ وكان يتولى الجهاد بنفسه


(370)

ويلبس جبة صوف وكان قشفاً رحمه اللّه (1)

وقال ابن عنبة: أمّا أبو عبد اللّه الحسين بن القاسم الرسي وكان سيداً كريماً، فأعقب من رجلين:

1 ـ أبو الحسين يحيى الهادي.

2 ـ أبو محمد عبد اللّه السيد العالم.

أمّا يحيى الهادي بن الحسين بن القاسم الرسّي يكنى أبا عبد اللّه، كان إماماً من أئمة الزيدية، جليلاً فارساً، ورعاً، مصنفاً، شاعراً، ظهر باليمن ويلقب بالهادي إلى الحقّ، وكان يتولى الجهاد بنفسه ويلبس جبة صوف، له تصانيف كبار في الفقه قريبة من مذهب أبي حنيفة، وكان ظهوره باليمن أيام المعتضد سنة 280 هـ وتوفي هناك عام 298 هـ وخُطِبَ له بمكـة سبع سنين، وأولاده أئمة الزيدية وملوك اليمن وقد ولي الحكومة بعد رحيل الهادي ولداه:

1 ـ أبو القاسم محمد المرتضى، قام بالاَمر بعد أبيه.

2 ـ أحمد الناصر قام بالاَمر بعد تنازل أخيه.

وسيوافيك ترجمة الوالد والولدين في الفصل السادس المختص ببيان أعلامهم المجتهدين، وإليك أسماء الاَئمة الذين كان لهم الحكم إلى قيام الجمهورية عام 1382هـ.

وقد توالت الاِمامة من عقب الاِمام يحيى بعد الولدين إلى قيام الجمهورية العربية في أرض اليمن إلاّ في فترات قليلة، فلاَجل إيقاف القارىَ على أسمائهم نأتي بالقائمة التالية ومن أراد التفصيل فليرجع إلى الكتب المعدّة لذلك.


(1) النسابة العلوي العمري: المجدي: 78.

(371)
<