welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الملل والنحل /ج6 (تاريخ الشيعة)*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الملل والنحل /ج6 (تاريخ الشيعة)

بحوث
في الملل والنحل

تأليف

جعفر السبحاني

الجزء السادس

مؤسسة النشر الاسلامي
التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة


(2)


(3)

بحوث

في الملل والنحل

دراسة موضوعيةٌ مقارنةٌ للمداهب الاسلامية

الجزء السادس

يتناول تاريخ الشيعة

نشأتهم، عقائدهم، فرقهم وشخصيّاتهم

تأليف

جعفر السبحاني

1413 هـ . ق


(4)

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبيه وآله

وعلى رواة سنته وحملة أحاديثه وحفظة كلمه


(5)

الحمد للّه الّذي علا بحوله، ودنى بطوله، والصلاة والسلام على سيّد رُسله وخاتم أنبيائه، الّذي بعثه لإنجاز عدته، وإتمام نبوّته، وعلى آله الّذين هم موضع سرّه، وملجأ أمره، وعيبة علمه، وموئل حكمه، صلاة دائمة مادام الفرقدان، وكرّ الجديدان .

أمّا بعد: فهذا هو الجزء السادس من موسوعتنا في دراسة تاريخ المذاهب الإسلامية وقد درسنا الفِرَق المشهورة، ولم تبق إلاّ الشيعة بفرقها الثلاث المنتشرة في العالم: الإمامية، والزيدية، والإسماعيلية.

نسأل اللّه سبحانه أن يوقّفنا في دراسة مذهب الشيعة، الّذين جنى عليهم كثير من المؤرخين و كُتّاب المقالات و الفرق، و كتبوا عنهم أشياءً كثيرة هم برآء منها. ولم يرجعوا عند البحث عن عقائد هذه الفرقة إلى مؤلّفاتهم وكتبهم وآثارهم، وإنّما اعتمدوا على أفواه الرجال ونقلة الأخبار، فصاروا كحاطب ليل يجمع في حزمته كلّ رطب ويابس، والحقّ كما يقول بعض الأساتذة: «إنّه تطوّر كلّ شيء إلاّ الكتابة عن الشيعة، ولكلّ بداية نهاية إلاّ الافتراء على الشيعة، ولكلّ حكم مصدره ودليله إلاّ الأحكام على الشيعة»(1) .


1 . عبداللّه بن سبأ 1 / 9 (مقدمة الطبعة الثالثة بقلم الاُستاذ المغفور له محمّد جواد مغنية) .

(6)

ونشكر القرّاء الكرام الذين شجّعونا برسائلهم على مواصلة بحث ودراسة هذه المواضيع الهامّة في تاريخ اُمّتنا المجيدة، ونتقدّم بالشكر إلى العلماء الذين يقدّمون لنا النقد البنّاء، فإنّ العصمة للّه ولمن عصمه.

قم ـ جعفر السبحاني

28 شعبان المعظم 1412 هـ


(7)

الشيعة لغةً و اصطلاحاً

الشيعة لغة هم الجماعة المتعاونون على أمر واحد في قضاياهم، يقال تشايع القوم إذا تعاونوا، وربّما يطلق على مطلق التابع، قال سبحانه: (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِى مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِى مِنْ عَدُوِّهِ)(1) وقال تعالى: (وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإبْراهيمَ * إذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْب سَلِيم)(2) فالشيعة هم الجماعة التابعة لرئيس لهم .

وأمّا اصطلاحاً فلها إطلاقات عديدة بملاكات مختلفة:

1- الشيعة: من أحبّ عليّاً وأولاده باعتبارهم أهل بيت النبىّ الذين فرض اللّه سبحانه مودّتهم قال عزّوجلّ: (قُلْ لا أسْئَلُكُم عَلَيْهِ أَجْرَاً إلاّ المَوَدَّةَ فِى القُربَى)(3) والشيعة بهذا المعنى تعمّ كلّ المسلمين إلاّ النواصب، بشهادة أنّهم يصلّون على نبيّهم وآله في صلواتهم وأدعيتهم ويتلون الآيات النازلة في حقّهم صباحاً ومساءً، وهذا هو الإمام الشافعي يصفهم بقوله:


1 . القصص / 15 .
2 . الصافّات / 83 ـ 84 .
3 . الشورى / 23 .


(8)

يا أهلَ بيتِ رسولَ اللّهَ حبُّكُمُ * فَرضٌ من اللّهِ في القرآن أنْزلهُ
كَفاكُمُ من عَظيم الشّأن أنّكمُ * من لم يُصلِّ عليكم لا صلاة لَهُ(1)

وأمّا النواصب فهم الذين نصبوا لعلي وأهل بيته العداء وتلقّوه فريضة دينية وأعانهم على ذلك مرتزقة أصحاب البلاط، وترجع جذور هذه الفكرة إلى معاوية حيث سنّ سبّ علىّ على المنابر وتبعه أولاده وعشيرته إلى أواخر الدولة الأموية، وكتب ابن أبي سفيان إلى عمّاله في جميع الآفاق: «اُنظروا إلى من اُقيمت عليه البيّنة أنّه يحبّ عليّاً وأهل بيته، فامحوه من الديوان وأسقطوا عطاءه ورزقه» ثمّ كتب نسخة اُخرى إلى عمّاله وشدّد الأمر فيها وقال: «من اتّهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكّلوا به و اهدموا داره» .

وعلى هذا المنشور قام الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يَلعَنون عليّاً ويبرأون منه و يقعون فيه وفي أهل بيته...(2) .

2- من يفضّل عليّاً على عثمان أو على الخلفاء عامّة مع اعتقاده بأنّه رابع الخلفاء وإنّما يقدّم لاستفاضة مناقبه وفضائله عن الرسول الأعظم، والّتي دوّنها أصحاب الحديث في صحاحهم ومسانيدهم وهي تُلزم الإنسان الاعتقاد بأنّه أفضل الصحابة، وعلى ذلك معتزلة بغداد وقليل من أهل الحديث، وعلى ذلك الاصطلاح جرى أكثر من كتب في الرجال والتراجم والمقالات حيث يصفون قليلاً من الصحابة وكثير أمن التابعين بأنّه يتشيّع أو أنّه شيعي، وربّما يعدّونه من أسباب الجرح وكأنّ حبّ أهل البيت عمل اجرامي أو أنّ تقدّم الخلفاء على عليّ أصل من اُصول الدين لا يجوز تجاوزه، مع أنّ الإمامة من الفروع عند أهل السنّة فكيف درجات الخلفاء ورتبهم .

وربّما يختلط الأمر على من ليس له إلمام بالاصطلاح، فلا يفرّق بينهما،


1 . الصواعق 148 ط 1385 الطبعة الثانية .
2 . وسيوافيك مصدره وبيان عداء ابن أبي سفيان للإمام وعترته وشيعته .


(9)

وأكثر من يستعمل هذا الاصطلاح هو الذهبي في «ميزان الاعتدال» و «سير أعلام النبلاء» فيصف بعض التابعين و المحدّثين بالتشيّع ملمّحاً بذلك إلى ضعفهم، وقد رُمي أبو عبداللّه الحاكم النيسابوري بالتشيّع كمعتزلة بغداد، والمقصود تفضيلهم عليّاً على سائر الخلفاء لا أنّه الإمام المنصوص بالخلافة .

3- الشيعة: من يشايع عليّاً وأولاده باعتبار أنّهم خلفاء الرسول و أئمّة الناس بعده، نصبهم لهذاالمقام بأمر من اللّه سبحانه، وذكر أسماءهم وخصوصيّاتهم، والشيعة بهذا المعنى هو المبحوث عنها في المقام، وقد اشتهر بأنّ عليّاً هو الوصي حتّى صار من ألقابه، وذكره الشعراء بهذا العنوان في قصائدهم(1) وهو يقول في بعض خطبه:

«لا يقاس بآل محمّد من هذه الاُمّة أحد ولا يسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً. هم أساس الدين، وعماد اليقين، إليهم يفيء الغالي، وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حق الولاية، وفيهم الوصيّة والوراثة...»(2) .

ومجمل القول: إنّ هذا اللفظ يشمل كل من قال: انّ قيادة الاُمة لعلي بعد الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأنّه يقوم مقامه في كل ما يمت إليه سوى النبوة ونزول الوحي عليه. كل ذلك بتنصيص من الرسول، وعلى ذلك فالمقوّم للتشيّع وركنه الركين هو القول بالوصاية والقيادة بجميع شؤونها للإمام ـ عليه السلام ـ فالتشيّع هو الاعتقاد بذلك، وأمّا ما سوى ذلك فليس مقوّماً لمفهوم التشيّع ولا يدور عليه اطلاق الشيعة .


1 . خطب الإمام أبو محمّد: الحسن السبط حين قتل أميرالمؤمنين خطبته الغرّاء فقال: أنا ابن النبي وأنا ابن الوصي أخرجه الحاكم في مستدركه 1 / 172، وقد ذكر ابن أبي الحديد أشعاراً وأراجيز تضمّن توصيف الإمام بالوصاية عن الصحابة والتابعين، لاحظ شرح النهج 1 / 143 ـ 150 باب ما ورد في وصاية علىّ من الشعر .
2 . نهج البلاغة، الخطبة الثانية .


(10)

لا شك أنّ للشيعة عقائد وآراء في مجاري الأصول والفروع وربّما يشاركون غيرهم فيها وربّما يخالفونهم، ولكنّها ليست من سماتهم وأعرافهم وإنّما هي اُصول وأحكام دعاهم الدليل إلى تبنّيها من الكتاب والسنّة والعقل .

مثلا إنّ الشيعة تقول باتّحاد الصفات الذاتية للّه سبحانه معها، وكونه سبحانه غير مرئي في الدارين، وأنّ كلامه مخلوق له، و أنّه لا يكلّف ما لا يطاق، وأنّ حقيقة الأمر في أفعال العباد لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين، وأنّ الأنبياء معصومون إلى غير ذلك من الآراء، ولكنّها آراء كلامية للشيعة لا أنّها المقوّم للتشيّع بحيث لو خالف فيها رجل منهم، ولكنّه قال بالوصاية لعلي وبالقدرة لعترته، لخرج عن اطار التشيّع واُصوله.

إنّ التشيّع بهذا المعنى عبارة عن الاعتقاد باستمرار القيادة الإسلامية في قالب الوصاية لعلي وعترته، والشيعة تدّعي أنّ هذه الفكرة غرست بيد النبي في أيّام حياته، وتبنّاها لفيف من المهاجرين في عصره، وبقوا عليها بعد حياته واقتدى بهم لفيف من التابعين لهم بإحسان وتواصل الاعتقاد به من تلك العصور إلى زماننا الحاضر، وهذا هو الّذي تدّعيه الشيعة وعليه بُني صرح التشيّع ونحن في غنى عن الاتيان بنصوص أعلامهم وأكابرهم في المقام الّتي تدل على أنّ الوصاية للإمام بعد النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فالأولى طرح الموضوع على بساط البحث وعرضه على المرتكزات العقلية، ولأجل تسليط الضوء على المسائل المهمة نبحث عن الجهات التالية وكل واحدة منها في فصل خاص بها:

1- في تبيين متطلّبات الظروف في عصر النبي، فهل كانت تقتضي أن تكون صيغة الحكم هي التنصيص أو كانت تقتضي تفويض الأمر إلى اختيار الاُمّة لتنتخب الحاكم والقائد عليها؟

2- ما هو المرتكز في الأذهان في عصر الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وبعده في أمر القيادة؟


(11)

3- ما هو مقتضى الكتاب والسنّة في القيادة بعد الرسول؟

4- ما هو السر في مخالفة الجمهور لنصّ الرسول وتصريحه؟

5- مبدأ التشيّع وتاريخه ورواد التشيّع في عصر الرسول والصحابة والتابعين.

6- افتراضات وهميّة حول تاريخ الشيعة .

7- صيغة الحكومة الإسلامية عند أهل السنّة .

8- نصوص الخلافة والركون إلى الأمر الواقع .

9- الشيعة في عصر الدولتين الأموية والعبّاسية.

10- عقائد الشيعة الامامية الاثنا عشرية .

11- أئمّة الشيعة الاثنا عشر ونبذة عن حياتهم .

12- دور الشيعة في بناء الحضارة الإسلامية وتطوير العلوم .

13- دول الشيعة وبلدانهم عبر التاريخ .

14- مصادر علوم الشيعة .

فالذي نعتقد أنّ تحليل هذه الجهات يكشف الواقع للمحقّق ولا يُبقي له شكاً في أصالة التشيّع وأنّه استمرار للإسلام عبر الحقب والأعوام .


(12)


(13)

الفصل الأول

بيان متطلبات الظروف في عصر الرسول

في مجال القيادة الإسلامية


(14)


(15)

لاشك أنّ الدين الإسلامي دين عالمي، وشريعة خاتمة، وقد كانت قيادة الاُمّة من شؤون النبي الأكرم مادام على قيد الحياة، ثمّ إنّه وقع الاختلاف بين أصحاب المقالات والفرق في صيغتها بعد الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فهل كانت متبلورة في صيغة النص أو في انتخاب الاُمّة .

الشيعة ترى أنّ القيادة منصب تنصيصي والّذي ينصّ على خليفة الرسول هو اللّه سبحانه عن طريقه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، بينما يرى أهل السنّة غير ذلك ولكل من الاتّجاهين دلائل وبراهين، و المقصود هنا دراسة متطلّبات الظروف وتقييمها في عصر الرسالة، فهل كانت المصالح تكمن في تعيين القائد أو كانت تكمن في خلافه؟ فدراستها تُسلّط الضوء على البحث الثالث و هو وجود النص من الرسول وعدمه، وإليك بيان ذلك:

إنّ الظروف السياسية الّتي كانت سائدة في المنطقة كانت توجب على الرسول أن يعيّن القائد، وكانت المصلحة الإسلامية تقتضي ذلك، لأنّ المجتمع الإسلامي كان مهدّداً على الدوام بالخطر الثُلاثي، الروم، الفرس، المنافقين، وخطرهم يتمثّل بشنّ هجوم مفاجىء كاسح أو إلقاء بذور الفساد والاختلاف بين المسلمين .

فمصالح الاُمّة كانت توجب توحيد صفوف المسلمين في مواجهة الخطر


(16)

الخارجي والداخلي، وذلك بتعيين قائد سياسي من بعده، وبذلك يسد الطريق على نفوذ العدو في جسم الاُمّة الإسلامية والسيطرة عليها، وعلى مصيرها، وبذلك يخسر الذين كانوا يتآمرون على ضرب الإسلام بعد وفاة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

أمّا العدوّ الأوّل فقد كان الامبراطورية الرومانية الّتي كانت تشكّل إحدى أضلاع الخطر المثلّث الّذي كان يحيط بالكيان الإسلامي ويهدّده من الخارج .

وكانت هذه القوّة الرهيبة تتمركز في شمال الجزيرة العربية، وكانت تشغل بال النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ على الدوام، حتّى انّ التفكير في أمر الروم لم يغادر ذهنه وفكره حتّى لحظة الوفاة، والالتحاق بالرفيق الأعلى .

وكانت أوّل مواجهة عسكرية بين المسلمين والجيش المسيحي الرومي في السنة الثامنة من الهجرة في أرض فلسطين، وقد أدّت هذه المواجهة إلى مقتل القادة العسكريين البارزين الثلاثة وهم «جعفر الطيار» و «زيد بن حارثة» و «عبداللّه بن رواحة» .

ولقد أدّى انسحاب الجيش الإسلامي بعد مقتل القادة المذكورين إلى تزايد جرأة الجيش القيصري المسيحي، فكان يخشى بصورة متزايدة أن تتعرّض عاصمة الإسلام للهجوم الكاسح من قبل هذا الجيش .

من هنا خرج رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في السنة التاسعة للهجرة (غزوة تبوك) على رأس جيش كبير جدّاً إلى حدود الشام ليقود بنفسه المواجهة العسكرية، وقد استطاع الجيش في هذه الرحلة الصعبة المضنية أن يستعيد للاُمّة الإسلامية هيبتها من جديد .

غير أنّ هذا الانتصار المحدود لم يُقنع رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، فأعدّ قبيل ارتحاله جيشاً كبيراً من المسلمين. وأمّر عليهم «اُسامة بن زيد» وكلّفهم بالتوجّه إلى حدود الشام والحضور في تلك الجبهة.


(17)

أمّا الضلع الثاني من المثلث الخطير الّذي كان يهدّد الكيان الإسلامي، فكان الامبراطورية الايرانية (الفارسية) وقد بلغ غضب هذه الامبراطورية على رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ومعاداتها لدعوته، أن أقدم امبراطور إيران، «خسرو پرويز» على تمزيق رسالة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وتوجيه الاهانة إلى سفيره باخراجه من بلاطه، والكتابة إلى واليه وعميله في اليمن بأن يوجّه إلى المدينة من يقبض على رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أو يقتله إن امتنع.

و«خسرو» هذا و إن قتل زمن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلاّ أنّ استقلال اليمن ـ الّتي رزحت تحت استعمار الامبراطورية الايرانية ردحاً طويلا من الزمن ـ لم يغب عن نظر ملوك إيران آنذاك، وكان غرور اُولئك الملوك وتجبّرهم وكبرياؤهم لا يسمح بتحمّل منافسة القوّة الجديدة (القوّة الإسلامية) لهم .

والخطر الثالث وهو الأعظم (لأنّ القلعة الحصينة لا تهزم إلاّ من داخلها) كان هو خطر حزب النفاق الّذي كان يعمل بين صفوف المسلمين كالطابور الخامس، على تقويض دعائم الكيان الاسلامي من الداخل، إلى درجة أنّهم قصدوا اغتيال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في طريق العودة من تبوك إلى المدينة.

فقد كان بعض عناصر هذا الحزب الخَطِر يقول في نفسه: إنّ الحركة الاسلامية سينتهي أمرها بموت رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ورحيله، وبذلك يستريح الجميع(1) .

ولقد قام أبو سفيان بن حرب بعد وفاة رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بمكيدة مشؤومة لتوجيه ضربة إلى الأمّة الإسلامية من الداخل، وذلك عندما أتى عليّاً ـ عليه السلام ـ وعرض عليه أن يبايعه ضدّ عُيِّن في السقيفة، ليستطيع بذلك


1 . الطور / 30 .

(18)

شطر الاُمّة الإسلامية الواحدة إلى شطرين متحاربين متقاتلين، فيتمكّن حينها من الصيد في الماء العكر .

ولكنّ الإمام عليّاً ـ عليه السلام ـ أدرك بذكائه المفرط نوايا أبي سفيان الخبيثة فرفض مطلبه وقال له كاشفاً عن دوافعه ونواياه الشريرة:

«واللّه ما أردت بهذا إلاّ الفتنة، وإنّك واللّه طالما بغيت للإسلام شرّاً. لاحاجه لنا في نصيحتك» ومع أنّ الإمام ردّه خائباً لكنّه استمرّ في فتنته لشقّ عصا الاُمّة فأخذ يتردّد في أزقّة المدينة منادياً:

بني هاشم لا تطمعوا الناس فيكم ولا سيما تيم بن مرّة أو عدي

فما الأمر إلاّ فيكم وإليكم وليس لها إلاّ أبو حسن علي(1)

ولقد بلغ دور المنافقين الهدّام في الشدة بحيث تعرّض القرآن الكريم لذكرهم في سور عديدة هي: سورة آل عمران، والنساء، والمائدة، والأنفال، والتوبة، والعنكبوت، والأحزاب، ومحمّد، والفتح، والمجادلة، والحديد، والمنافقون، والحشر .

فهل مع وجود مثل هؤلاء الأعداء الأقوياء الذين كانوا يتربّصون بالإسلام الدوائر، ويتحيّنون الفرص للقضاء عليه، يصحّ أن يترك رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ اُمّته الحديثة العهد بالإسلام، الجديدة التأسيس من دون أن يعيّن لهم قائداً دينياً سياسياً؟

إنّ المعطيات الاجتماعية توحي بأنّه كان من الواجب أن يدفع رسول الإسلام ـ بتعيين قائد للاُمّة ـ ظهور أىّ اختلاف وانشقاق فيها من بعده، ويضمّن بذلك استمرار وبقاء الاُمّة الإسلامية وإيجاد حصن قوي وسياج دفاعي متين حولها.


1 . الكامل 2 / 325، العقد الفريد 2 / 249 .

(19)

إنّ تحصين الاُمّة وصيانتها من الحوادث المشؤومة والحيلولة دون مطالبة كل فريق الزعامة لنفسه دون غيره وبالتالي التنازع على مسألة الخلافة والزعامة، لم يكن متحقّقاً إلاّ بتعيين قائد للاُمّة وعدم ترك الاُمور للأقدار .

إنّ هذه المحاسبة الاجتماعية تهدينا إلى صحّة نظرية «التنصيص على القائد بعد الرسول» ولعلّ لهذه الجهة ولجهات اُخرى طرح الرسول مسألة الخلافة في بدء الدعوة واستمر بذلك إلى آخر ساعة من عمره الشريف كما ستوافيك نصوصها.

***

ثمّ إنّي بعد ما حرّرت ذلك في سالف الأيّام وأوردته في بعض محاضراتي الكلامية(1) وقفت على تقرير للمحقّق الشهيد السيد الصدر المغفور له فقد بيّن متطلّبات الظروف في تقديمه على كتاب تاريخ الشيعة للدكتور عبداللّه فياض بنحو آخر وهو تقرير رصين نقتطف منه ما يلي:

كان النبي الأكرم يدرك منذ فترة أنّ أجله قد دنى وأعلن ذلك بوضوح في حجّة الوداع ولم يفاجئه الموت مفاجأة، وهذا يعني أنّه كان يملك فرصة كافية للتفكير في مستقبل الدعوة، وفي هذا الضوء يمكننا أن نلاحظ أنّه كانت أمام النبي ثلاثة طرق بالإمكان انتهاجها تجاه مستقبل الدعوة.

الطريق الأوّل: أن يقف من مستقبل الدعوة موقفاً سلبياً ويكتفي بممارسة دوره في قيادة الاُمّة وتوجيهها فترة حياته ويترك مستقبلها للظروف والصدف، وهذه السلبية لا يمكن افتراضها في النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لأنّها انّما تنشأ من أحد أمرين كلاهما لا ينطبقان عليه .


1 . الإلهيات 2 / 554 ـ 584، لولدنا الفاضل الروحاني الشيخ حسن مكّي العاملي ـ حفظه اللّه ـ .

(20)

1- «الاعتقاد بأنّ هذه السلبية والاهمال لا تؤثّر على مستقبل الدعوة، وأنّ الاُمّة قادرة على التصرّف بالشكل الّذي يحمي الدعوة، ويضمن عدم الانحراف».

وهذا الاعتقاد لا مبرّر له من الواقع اطلاقاً، لأنّ الدعوة الإسلامية بما أنّها كانت تغييراً انقلابياً في بدايته، تستهدف بناء اُمّة، واستئصال كل جذور الجاهلية منها، تتعرّض لأكبر الأخطار إذا خلت الساحة من قائدها، وتركها دون أي تخطيط. فهناك الأخطار تنبع عن طبيعة مواجهة الفراغ دون أي تخطيط سابق، فإنّ الرسول إذا ترك الساحة دون تخطيط لمصير الدعوة، فسوف تواجه الاُمّة لأوّل مرّة، مسؤولية التصرّف بدون قائدها، تجاه مشاكل الدعوة وهي لا تملك أي مفهوم مسبق بهذا الصدد. وسوف يتطلّب منها الموقف تصرّفاً سريعاً آنيّاً بالرغم من خطورة المشكلة، لأنّ الفراغ لا يمكن أن يستمر .

فلم تكن إذن خطورة الموقف بعد وفاة النبي شيئاً يمكن أن يخفى على أي قائد مُمارس للعمل العقائدي فضلا عن خاتم الأنبياء .

2- الّذي يمكن أن يفسّر سلبية القائد تجاه مستقبل الدعوة ومسيرها بعد وفاته، أنّه بالرغم من شعوره بخطر هذه السلبية لا يحاول تحصين الدعوة ضدّ ذلك الخطر، لأنّه ينظر إلى الدعوة نظرة مصلحيّة فلا يهمّه إلاّ أن يحافظ عليها مادام حيّاً ليستفيد منها ويستمتع بمكاسبها ولا يعني بحماية مستقبلها بعد وفاته.

وهذا التفسير لا يمكن أن يصدق على النبي حتّى لولم نلاحظه بوصفه نبيّاً ومرتبطاً باللّه سبحانه وتعالى في كل ما يرتبط بالرسالة، وافترضناه قائداً للقائد الرسول، في اخلاصه لدعوته، وتفانيه فيها، وتضحيته من أجلها إلى آخر لحظة من حياته، وكل تاريخه يبرهن على ذلك.

الطريق الثاني: أن يخطّط الرسول القائد لمستقبل الدعوة بعد وفاته ويتّخذ


(21)

موقفاً إيجابياً فيجعل القيمومة على الدعوة ممثّلة على أساس نظام الشورى الّذي يضم مجموع المهاجرين والأنصار، فهذا الجيل الممثّل للأُمّة هو الّذي سيكون قاعدة للحكم ومحوراً لقيادة الدعوة في خط نُمُوّها. وفيما يلي ما يرد تلك الفكرة:

1- لو كان النبي قد اتّخذ من مستقبل الدعوة بعده موقفاً ايجابياً يستهدف وضع نظام الشورى موضع التطبيق بعد وفاته مباشرة، واسناد زعامة الدعوة إلى القيادة التي تنبثق عن هذا النظام، لكان من أبده الأشياء الّتي يتطلّبها هذا الموقف الايجابي، أن يقوم الرسول القائد بعملية توعية للاُمّة والدعاة، على نظام الشورى وحدوده وتفاصيله واعطائه طابعاً دينياً مقدّساً، واعداد المجتمع الإسلامي اعداداً فكريّاً وروحيّاً لتقبّل هذا النظام، وهو مجتمع نشأ من مجموعة من العشائر لم تكن قد عاشت قبل الإسلام وضعاً سياسياً على أساس الشورى وانّما كانت تعيش في الغالب وضع زعامات قبليّة وعشائريّة تتحكّم فيها القوّة والثروة وعامل الوراثة إلى حدّ كبير.

ونستطيع بسهولة أن نُدرك أنّ النبيّ لم يمارس عمليّة التوعية على نظام الشورى وتفاصيله التشريعية أو مفاهيمه الفكرية لأنّ هذه العملية لو كانت قد اُنجزت لكان من الطبيعي أن تنعكس وتتجسّد في الأحاديث المأثورة عن النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وفي ذهنية الاُمّة وعلى أقل تقدير في ذهنية الجيل الطبيعي منها، الّذي يضمّ المهاجرين والأنصار بوصفه، وهو المكلّف بتطبيق نظام الشورى، مع أنّنا لانجد في الأحاديث المأثورة عن النبي أىّ صورة تشريعية محدّدة عن نظام الشورى، وأمّا ذهنية الاُمّة أو ذهنية الجيل الطبيعي منها فلا نجد فيها أي ملامح أو انعكاسات محدّدة لتوعية من ذلك القبيل .

ثمّ إنّه ( ـ رحمه الله ـ ) استشهد بفعل الخليفة الأوّل حيث لم يمارس نظام الشورى في حال حياته وقام بتنصيب عمر مكانه، كما فعل ذلك أيضاً الخليفة الثاني في نطاق


(22)

خاص فجعله محصوراً في ستّة أشخاص، وسيوافيك تفصيل ذلك في الفصل الثاني .

الطريق الثالث: وهو الطريق الوحيد الّذي بقى منسجماً مع طبيعة الأشياء ومعقولا على ضوء ظروف الدعوة والدعاة وسلوك النبىّ. وهو أن يقف النبي من مستقبل الدعوة بعد وفاته موقفاً ايجابياً فيختار بأمر من اللّه سبحانه وتعالى شخصاً يرشّحه عمق وجوده في كيان الدعوة، فيعدّه اعداداً رسالياً وقيادياً خاصّاً تتمثّل فيه المرجعية الفكرية والزعامة السياسية، وليواصل بعده (بمساندة القاعدة الشعبية الواعية من المهاجرين والأنصار)، قيادة الاُمّة وبناءها عقائدياً وتقريبها باستمرار نحو المستوى الّذي يؤهّلها لتحمّل المسؤوليات القيادية .

وهكذا نجد أنّ هذا هو الطريق الوحيد الّذي كان بالامكان أن يضمن سلامة مستقبل الدعوة وصيانة الحكم من الانحراف في خط نموّها وهكذا كان(1) .

وعلى ذلك فالقول بالتشيّع عبارة عن القول بوجود ضمان لاستمرار الدعوة بتعيين الوصىّ من جانب الرسول بأمر من اللّه، وقد عرفت أنّ طبيعة الظروف في عصر الرسول كانت تقتضي ذلك على الوجه الكلّي، أي كان يتطلّب تعيين القائد وأن لا يترك الأمر إلى الاُمّة، وعدم اهماله وتركه للصدف، وستعرف في الفصل الثالث أنّه قد صدّق الخبرُ الخبرَ، وأنّ الرسول قد قام بتلك الوظيفة الّتي تضمن استمرار الدعوة وسلك هذا الطريق سلوكاً واضحاً .

* * *

وهناك بيان ثالث يعطي نفس ما أعطاه الوجهان وهو دراسة طبيعة الحكم من زاوية طروء الفراغ الهائل بعد رحلة الرسول فيما يمت إلى صلب الدين وهداية الاُمّة إلى الحق والحقيقة:


1 . مقدّمة تاريخ الامامية 5 / 16 بتلخيص .

(23)

لقد درسنا متطلّبات الظروف ومقتضيات عصر النبي في مجال القيادة وإدارة دفّة الحكم ووصلنا إلى أنّ مصالح المسلمين كانت تكمن في تعيين القائد دفعاً للأخطار المحدقة بالإسلام والمسلمين بوفاة النبىّ، ومفاجأة الاُمّة بفراغ مكانه القيادي.

ويمكن لنا دراسة طبيعة الحكم من زاوية اُخرى وهي ملاحظة الفراغات الهائلة الحاصلة بعد رحلة القائد، لا من جهة القيادة السياسية والاجتماعية، بل في جانب حاجة الاُمّة إلى قائد رسالي يسد تلك الفراغات المعنوية فيما يمت إلى صلب الدين وأمر هداية الاُمّة في مجال تفسير الكتاب وشرح مقاصده أوّلا، وتبيين ما لم يبيّنه الرسول في مجال الأحكام ثانياً، وصيانة الدين الحنيف من محاولات التحريف ثالثاً فالاُمّة تواجه وتفاجىء هذه الفراغات الثلاثة، فمن الّذي يسدّها، فهل الاُمّة جميعاً أو المهاجرون والأنصار أو أهل الحل والعقد؟ والجواب: لا، لأن المفروض ـ كما سيأتي ـ قصورهم عن ملء الفراغ، فما هو الحل لهذا المشكل؟ وهذا هو الّذي يستهدفه هذا البحث. فنقول:

إنّ الرسول الأكرم لم تقتصر مسؤولياته على تلقّي الوحي الإلهي وابلاغ الآيات النازلة عليه بل كانت تتجاوز عن ذلك كثيراً فقد كانت وظائف ثلاث تقع على عاتقه بالاضافة إلى ما يقوم به من سائر الوظائف:

1- كان النبي الأكرم يفسّر الكتاب العزيز ويشرح مقاصده ويبيّن أهدافه ويكشف رموزه وأسراره.

2- وكان يبيّن أحكام الحوادث الجديدة الطارئة على المجتمع الاسلامىّ عن طريق القرآن الكريم وسنَّته.

3- وكان يصون الدين من التحريف والدس، فكان وجوده مدار الحق وتميزه عن الباطل، وكانت حياته ضماناً لعدم تطرّق الدس والترحيف إلى دينه.


(24)

ولا شك أنّ موت النبىّ وفقدانه سيوجدان فراغات هائلة في المجالات الثلاثة فيجب اعداد قائد له القابلية والصلاحية في سد تلك الفراغات، ولا يقوم به إلاّ من كان يتمتّع بما كان يتمتّع به الرسول عدا خصيصة النبوّة وتلقّي الوحي، فيكون وعاء علم النبي ومخزن أسراره، ومودع حكمته، حتّى يقوم بتلك الوظيفة العظيمة.

ومن الواضح أنّ هذه الكفاءات والمؤهّلات المعنوية لاتحصل لشخص بطريق عادي ولا بالتربية البشرية المتعارفة، بل لابدّ من إعداد إلهي خاص وتربية إلهية خاصّة هذا من جانب، ومن جانب آخر لا يمكن للاُمّة أن تتعرّف بنفسها على هذا الشخص وتكتشف من تتوفّر فيه تلك المؤهّلات والكفاءات بالطرق العادية.

كل ذلك يثبت نظرية التنصيص وأنّه لا محيص عن تعيين القائد بتنصيص الرسول بأمر من اللّه سبحانه، أي تنصيب من يتّصف بتلك الكفاءات الّتي لا يكتسبها إلاّ من تربّى في حضن الرسالة والرسول. وإليك تفاصيل هذه المفراغات، ونكتفي في كل مورد بموجز القول:

1- القرآن الكريم والابهامات الطارئة:

إنّ اللّه سبحانه يصف القرآن بأنّه نزل إلى النبىّ ليبيّن للناس ما نزل إليهم فيقول: (وَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِنّاسَ مَا نُزِّلَ إِلَيهِمْ)(1) وقال: (وَ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ إِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِى اخْتَلَفُوا )فِيهِ)(2) فقد وصف النبي في هاتين الآيتين بأنّه مبيّن بما في الكتاب لا قارئ فقط، فكم فرق بين أن يقول: «لتقرأ


1 . النحل / 44 .
2 . النحل / 64 .


(25)

للناس» وبين: (لتبيّن لهم) .

إنّ هذه الآيات تكشف لنا عن أنّ القرآن رغم وضوحه من حيث اللفظ والمعنى ورغم أنّه منزّه عن مشابهة كتب الألغاز والطلاسم، يحتاج إلى مبيّن ومفسّر بسببين:

1- وجود المجملات في أحكام العبادات والمعاملات الواردة في آياته .

2- غياب القرائن الحالية الّتي كانت الآيات محفوفة بها حين النزول، وكانت معلومة للمخاطبين في ذلك الوقت .

وقد كان النبىّ بنفسه يقوم بتفسير القرآن الكريم وتبيين مجمله وتقييد مطلقه وما أشبه ذلك. وكانت القرائن الحالية معلومة وواضحة لدى الأصحاب. ولمّا ارتحل النبىّ الأكرم إلى الرفيق الأعلى وحصل الفصل الطويل بينه وبين أمّته، حدث هناك فراغ هائل في تفسير القرآن فلاترى آية من الآيات إلاّ وفي تفسيرها آراء متضاربة إلى حدّ اختلفوا في تفسير الآيات الّتي تتعلّق بأعمالهم اليومية:

1- قال سبحانه في آية الوضوء: (فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ اَيْدِيَكُمْ إِلى المَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُسِكُمْ وَاَرْجُلَكُمْ إِلَى الكَعْبِيْنِ)(1) وقد تضاربت الآراء في فهم هذه الآية وصارت الاُمّة إلى قولين: فمن عاطف لفظ «أَرجلكم)» على الرؤوس فيحكم على الأرجل بالمسح، ومن عاطف له على الأيدي فيحكم على الأرجل بالغسل .

ومن المعلوم أنّ إعراب القرآن الكريم إنّما حدث بعد النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فأىّ الرأيين هو الصحيح؟

2- لقد حكم اللّه تعالى على السارق والسارقة بقطع الأيدي حيث قال:


1 . المائدة / 6 .

(26)

(وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)(1) وقد اختلفت الاُمّة في مقدار القطع وموضعه: فمن قائل إنّ القطع من اُصول الأصابع دون الكف وترك الابهام كما عليه الإمامية، وجماعة من السلف. ومن قائل إنّ القطع من الكوع، وهو المفصل بين الكف والذراع كما عليه أبو حنيفة ومالك والشافعي. ومن قائل إنّ القطع من المنكب كما عليه الخوارج(2) .

3- سئل أبوبكر عن الكلالة في قوله تعالى: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِى الكَلالَةِ إنَ امْرُؤاٌْ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ)(3) فقال: إنّي سأقول فيها برأيي فإن يكن صواباً فمن اللّه وإن يكن خطأً فمنّي ومن الشيطان، واللّه ورسوله بريئان، أراه ما خلا الولد والوالد. فلمّا استخلف عمر قال: إنّي لأستحيي اللّهَ أن أردّ شيئاً قاله أبوبكر.

4- أمر اللّه سبحانه الورثة باعطاء السدس للكلالة في قوله سبحانه: (وَ إنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِد مِنْهُمَا السُّدُسُ)(4) وفي الوقت نفسه يحكم سبحانه باعطاء الكلالة النصف أو الثلثين كما قال:(إِنِ امْرُؤٌا هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَمْ)


1 . المائدة / 38 .
2 . راجع الخلاف للطوسي (كتاب السرقة) 184. أحكام القرآن للجصاص 421: روي عن أبي هريرة انّ رسول اللّه قطع يد سارق من الكوع. ونقل ابن قدامة الخلاف إذا سرق ثانياً: فعن عطاء وربيعة وداود أنّه تقطع يده اليسرى، وعن الآخرين: تقطع رجله اليسرى. المغني 10 / 264 ـ 265 .
3 . النساء / 176 .
4 . النساء / 12 .


(27)

يَكُن لَهَا وَلَدٌ فَإنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمّا تَرَكَ))(1) .

فما هو الحل وكيف الجمع بين هاتين الآيتين؟ لا شك انّه لم يكن ثمّة ابهام في مورد هاتين الآيتين، بل حدث الابهام في ذلك فيما بعد .

ألا يدل هذا على ضرورة من يخلف النبي حتّى يرفع الستار عن وجه الحقّ بما عنده من علوم مستودعة .

2- الرسالة الإسلامية والحوادث المستجدّة:

إنّ اتّساع رقعة الدولة الإسلامية ومخالطة المسلمين للشعوب والأقوام المختلفة جعلهم أمام موضوعات مستجدّة ومسائل مستحدثة، لم تكن معهودة ولا معروفة في عهد النبي الأكرم الّذي لم تكن فيه الدولة الإسلامية قد توسّعت كما توسّعت بعد وفاته، والتحاقه بالرفيق الأعلى .

وكان من الأمر المشكل أن يتحدّث النبي عن أحكام موضوعات لم يعرف المسلمون شيئاً من ماهياتها وتفصيلاتها، ولم يشاهدوا لها نظيراً في حياتهم، ولأجل ذلك كانوا يجهلون أحكام الموضوعات المستجدّة من دون أن يجدوا لها حلولا وأجوبة، هذا من جانب .

ومن جانب آخر أنّ الأحاديث الّتي رواها الصحابة والتابعون عن النبي الأكرم في مجال الأحكام لاتتجاوز عن خمسمائة حديث(2) حتّى قال الإمام الرازي: إنّ المنصوص حكمه من الموضوعات قليل جدّاً(3) ولنذكر للموضوع نماذج:


1 . النساء / 176 .
2 . الوحي المحمدي 212 الطبعة السادسة .
3 . المنار 5 / 189 .


(28)

1- شغلت مسألة العول بال الصحابة فترة من الزمن وكانت من المسائل المستجدّة بعد الرسول الّتي واجهها جهاز الحكم، ويعني منه قصور التركة عن سهام ذوي الفروض. مثال ذلك: إذا ترك الميّت زوجة وأبوين وبنتين، ولمّا كان سهم الزوجة ـ حسب نص القرآن ـ الثمن وفرض الأبوين الثلث، وفرض البنتين الثلثين، والتركة لا تسع للثمن والثلث والثلثين، فلمّا عرضت المسألة على عمر ابن الخطاب قال: واللّه ما أدري أيّكم قدّم اللّه وأيّكم أخّر ما أجد شيئاً هو أوسع لي من أن اُقسّم المال عليكم بالحصص، وأدخل على كلّ ذي حقّ ما أدخل عليه من عول الفريضة(1) .

رجل طلّق امرأته قبل الإسلام مرّتين وفي الإسلام مرّة فهل تحرم عليه أو لا؟ فقال عمر بن الخطاب للسائل: لا آمرك ولا أنهاك، وقال عبدالرحمان بن عمر: ولكنّي آمرك ليس طلاقك قبل الإسلام بشيء(2) .

2- إنّ الجيل المعاصر للرسول لم يكن يملك تصوّرات واضحة محدّدة حتّى في مجال القضايا الدينية الّتي كان يمارسها النبي مئات المرّات وعلى مرأى ومسمع من الصحابة ونذكر على سبيل المثال لذلك، الصلاة على الميّت، فإنّها عبادة، كان النبي قد مارسها عادة مئات المرّات وأدّاها في مشهد عام من المشيّعين والمصلّين وبالرغم من ذلك يبدو أنّ الصحابة كانوا لا يجدون ضرورة لضبط صورة هذه العبادة مادام النبي يؤدّيها وماداموا يتابعون فيها النبي فصلا بعد فصل، ولهذا وقع الاختلاف بينهم بعد وفاة النبي في عدد التكبيرات في صلاة الميّت، فقد أخرج الطحاوي عن إبراهيم قال: قبض رسول اللّه والناس مختلفون في التكبير على الجنازة لا تشاء أن تسمع رجلا يقول: سمعت رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ


1 . أحكام القرآن للجصاص 2 / 109، مستدرك الحاكم 4 / 340 .
2 . كنز العمال 5 / 161 .


(29)

يكبّر سبعاً، وآخر يقول: سمعت رسول اللّه يكبّر خمساً، وآخر يقول: سمعت رسول اللّه يكبّر أربعاً، فاختلفوا في ذلك حتّى قبض أبوبكر، فلمّا ولّى عمر ورأى اختلاف الناس في ذلك شقّ عليه جدّاً فأرسل إلى رجال من أصحاب رسول اللّه، فقال: إنّكم معاشر أصحاب رسول اللّه متى تختلفون على الناس يختلفون من بعدكم ومتى تجتمعون على أمر يجتمع الناس عليه فانظروا أمراً تجتمعون عليه، فكأنّما أيقظهم، فقالوا: نعم ما رأيت يا أميرالمؤمنين الخ(1).

فقد لمس الخليفة أنّ الكتاب والسنّة النبوية غير وافيين بالحاجات الفقهية ولهذا كان يعمد إلى الأخذ بالرأي والمقاييس المصطنعة لاستنباط حكم الموضوع.

فهذه تكشف بوضوح عن أنّ الصحابة يواجهون وقائع وحوادث جديدة لا يجدون لها حلولا في الكتاب والسنّة أو فيما تلقّوه من النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ولذلك كانوا يحاولون استنباط قواعد ومقاييس لاتستند على أىّ دليل، فهل يصحّ هذا؟ مع أنّه سبحانه يصرّح بأنه أكمل دينه، وأتمّ نعمته فكيف يجتمع هذا الفراغ الفقهي في المسائل المستجدّة مع الإكمال؟


1 . عمدة القارىء 4 / 129، ولاحظ مقدمة السيد الصدر على كتاب تاريخ الإمامية، للدكتور عبداللّه فيّاض .

(30)

3- المسلمون وصيانة الدين من التحريف:

إنّ أبرز ما كان يتمتّع به المسلمون في عصر الرسول هو صيانة الدين من الدسّ والتحريف وهو الخطر الّذي تعرّضت له جميع المذاهب السالفة، قال سبحانه: (مِنَ الَّذِيَنَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الكِلِمَ عَن مَواضِعِه)(1) .

إنّ الاُمّة الإسلامية قد وصلت عند رحلة الرسول بفضل جهود صاحب الدعوة إلى درجة مرموقة من الوعي حفظت كتابها عن محاولات الزيادة والنقصان، نرى أنّ الصحابي الجليل أُبي بن كعب له موقف عظيم من عثمان في كيفيّة كتابة آية الكنز أعني قوله: (وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الفِضَّةَ وَ لاَ يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذاب أَليم)(2) فإنّ عثمان اراد اثبات الآية في المصحف بلا واو فقال أُبي: «لتلحقنّها أو لأضعنّ سيفي على عاتقي»، فألحقوها(3) .

ومع هذه المقدرة لم تستطع حفظ مفاهيمه وصيانة دينها عن الدس والتحريف فتفرّقت إلى مشبّهة، تتخيّل أنّ لربّها أعضاءً كأعضاء الإنسان، إلى جبري يرى الإنسان مسيّراً لامخيّراً، ويصوّر بعث الأنبياء أمراً لاجدوى فيه، إلى مرجئة لا ترى للعمل قيمة وتعطي للإيمان تمام القيمة، إلى ناصبىّ ينصب العداء للعترة الطاهرة، إلى إلى...، حتّى تفرّقت اُمّة النبي الأكرم كتفرّق الاُمم السالفة، وهذا دليل واضح على أنّ الاُمّة الإسلامية ما بلغت يومذاك في الكفاءة والمقدرة العلمية إلى المستوى الّذي يؤهّلها لحفظ الإسلام أصله ولبّه، وقد مرّ في الجزء الأوّل من هذه الموسوعة أنّ الوضّاعين والدجّالين من الأحبار والرهبان، والمغترّين بهم


1 . النساء / 46 .
2 . التوبة / 34 .
3 . الدر المنثور 3 / 232 .


(31)

دسّوا بين المسلمين أحاديث موضوعة واسرائيليات ومسيحيات ومجوسيات كثيرة، ولقد عرفت الموضوعات الهائلة في عصر البخاري وشيوخه وتلاميذه، حتّى أنّه أخرج صحيحه من ستمائة ألف حديث (1).

جاء في مسند أحمد ثلاثون ألف حديث وقد انتخبها من سبعمائة وخمسين ألف حديث وكان يحفظ ألف ألف حديث.(2) .

نحن نفترض أنّ متوسّط عدد الكلمات في الحديث عشرون كلمة فيكون مجموع ما صدر عن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عشرين مليون كلمة في هذه الفترة القصيرة أي العشرة أعوام بالاضافة إلى ما كان لديه من أعمال ووظائف، وحروب وغزوات، واتفاقيات مع شيوخ القبائل، وارتياد إلى الأرياف، وتسيير دفّة الحكم، فهل كان بإمكانه أن يتكلّم بهذا العدد من الكلمات، سبحان اللّه، ما أجرأهم على البهتان! ولو رجعت أنت إلى قائمة الموضوعات والمقلوبات الّتي عرضناها لك في الجزء الأوّل(3)لجزمت بعدم كفاءة الاُمّة لصيانة الدين من الدس والتحريف.

هذه هي الفراغات الحاصلة بعد وفاة النبي الأكرم، فمقتضى الحكمة وتجسيد اكمال الدين الّذي جاء به الكتاب الكريم في قوله: (اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُم نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً)(4) أن تعالج هذه المشاكل أي تفسير الكتاب العزيز برفع الستار والابهامات الطارئة على مفاهيمه، والإجابة على المسائل المستجدّة، والدفاع عن حمى الشريعة ولاتحل عقدة المشكلة ولا


1 . الهدى الساري، مقدمة فتح الباري 54 .
2 . طبقات الذهبي 9 / 17 .
3 . الجزء الأوّل من هذه الموسوعة / 74 .
4 . المائدة / 3 .


(32)

تسدّ تلك الفراغات إلاّ بإمام تمتّع بتربية إلهية، وإعداد غيبي، ولا تصل إليه الاُمة إلاّ بتعيين الرسول أو بتعيين من عيّنه كما في الأئمة الباقين، فعندئذ يتجسّد قوله سبحانه (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام ديناً) وإلاّ لبقيت تلك الفراغات الهائلة وجرّت على الاُمّة الويل والويلات كما جرّتها ـ وللأسف ـ لأجل اعراض الاُمّة عن الإمام المنصوب .

هذا هو الّذي نفهمه من معنى الإمام وهو ميزان الحق والباطل وأنّه يرجع إليه في التعرّف على الصحيح والزائف.

وأمّا إذا كان الرجل على حدّ يقول: ولّيتكم ولست بخيركم فإن استقمت فأعينوني وإن زِغْت فقوّموني فلا يصلح أن يكون إماماً بل يكون مأموماً فتصبح الرعية إماماً، والامام ماموما، ونعم ما يقول الشاعر الشيعي ابن حماد العبدي:

وقالوا رسول اللّه ما اختار بعده إماماً ولكنّا لأنفسنا اخترنا

أقمنا إماماً إن أقام على الهدى أطعنا وإن ضلّ الهداية قوَّمنا

فقلنا إذا أنتم إمام إمامكم بحمد من الرحمن تُهْتم وما تُهْنا

ولكنّنا اخترنا الّذي اختار ربّنا لنا يوم خم ما اعتدينا ولا جُرنا

وهناك كلمة قيّمة للفيلسوف ابن سينا تشير إلى فائدة تنصيب الإمام فيقول: «ثمّ إنّ هذا الشخص الّذي هو النبي ليس ممّا يتكرّر وجود مثله في كل وقت، فإنّ المادّة الّتي تقبل كمال مثله يقع في قليل من الأمزجة، فيجب لا محالة أن يكون النبي قد دبّر لبقاء ما يسنّه ويشرّعه في اُمور المصالح الإنسانية تدبيراً عظيماً(1) ـ إلى أن قال ـ والاستخلاف بالنص أصوب، فإنّ ذلك لا يؤدّي إلى التشعّب(2)والتشاغب


1 . اشارة إلى سدّ الفراغات الحاصلة بعد وفاته .
2 . اشارة إلى أنّ مصالح الإسلام تكمن في النص .


(33)

والاختلاف»(1) .

إلى هنا خرجنا بهذه النتيجة: انّ مصالح الإسلام والمسلمين كانت تكمن في تعيين الإمام، لا تفويض الأمر إلى الأمّة، وترك الأمر للظروف والصدف لترسيه على أي شاطىء تختاره .


1 . الشفاء 2 (الفن الثالث عشر من الالهيات الفصل الثالث والخامس) 558 ـ 564 طبع ايران .
Website Security Test