welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الملل والنحل /ج6 (تاريخ الشيعة)*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الملل والنحل /ج6 (تاريخ الشيعة)

بحوث
في الملل والنحل

تأليف

جعفر السبحاني

الجزء السادس

مؤسسة النشر الاسلامي
التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة


(2)


(3)

بحوث

في الملل والنحل

دراسة موضوعيةٌ مقارنةٌ للمداهب الاسلامية

الجزء السادس

يتناول تاريخ الشيعة

نشأتهم، عقائدهم، فرقهم وشخصيّاتهم

تأليف

جعفر السبحاني

1413 هـ . ق


(4)

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبيه وآله

وعلى رواة سنته وحملة أحاديثه وحفظة كلمه


(5)

الحمد للّه الّذي علا بحوله، ودنى بطوله، والصلاة والسلام على سيّد رُسله وخاتم أنبيائه، الّذي بعثه لإنجاز عدته، وإتمام نبوّته، وعلى آله الّذين هم موضع سرّه، وملجأ أمره، وعيبة علمه، وموئل حكمه، صلاة دائمة مادام الفرقدان، وكرّ الجديدان .

أمّا بعد: فهذا هو الجزء السادس من موسوعتنا في دراسة تاريخ المذاهب الإسلامية وقد درسنا الفِرَق المشهورة، ولم تبق إلاّ الشيعة بفرقها الثلاث المنتشرة في العالم: الإمامية، والزيدية، والإسماعيلية.

نسأل اللّه سبحانه أن يوقّفنا في دراسة مذهب الشيعة، الّذين جنى عليهم كثير من المؤرخين و كُتّاب المقالات و الفرق، و كتبوا عنهم أشياءً كثيرة هم برآء منها. ولم يرجعوا عند البحث عن عقائد هذه الفرقة إلى مؤلّفاتهم وكتبهم وآثارهم، وإنّما اعتمدوا على أفواه الرجال ونقلة الأخبار، فصاروا كحاطب ليل يجمع في حزمته كلّ رطب ويابس، والحقّ كما يقول بعض الأساتذة: «إنّه تطوّر كلّ شيء إلاّ الكتابة عن الشيعة، ولكلّ بداية نهاية إلاّ الافتراء على الشيعة، ولكلّ حكم مصدره ودليله إلاّ الأحكام على الشيعة»(1) .


1 . عبداللّه بن سبأ 1 / 9 (مقدمة الطبعة الثالثة بقلم الاُستاذ المغفور له محمّد جواد مغنية) .

(6)

ونشكر القرّاء الكرام الذين شجّعونا برسائلهم على مواصلة بحث ودراسة هذه المواضيع الهامّة في تاريخ اُمّتنا المجيدة، ونتقدّم بالشكر إلى العلماء الذين يقدّمون لنا النقد البنّاء، فإنّ العصمة للّه ولمن عصمه.

قم ـ جعفر السبحاني

28 شعبان المعظم 1412 هـ


(7)

الشيعة لغةً و اصطلاحاً

الشيعة لغة هم الجماعة المتعاونون على أمر واحد في قضاياهم، يقال تشايع القوم إذا تعاونوا، وربّما يطلق على مطلق التابع، قال سبحانه: (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِى مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِى مِنْ عَدُوِّهِ)(1) وقال تعالى: (وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإبْراهيمَ * إذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْب سَلِيم)(2) فالشيعة هم الجماعة التابعة لرئيس لهم .

وأمّا اصطلاحاً فلها إطلاقات عديدة بملاكات مختلفة:

1- الشيعة: من أحبّ عليّاً وأولاده باعتبارهم أهل بيت النبىّ الذين فرض اللّه سبحانه مودّتهم قال عزّوجلّ: (قُلْ لا أسْئَلُكُم عَلَيْهِ أَجْرَاً إلاّ المَوَدَّةَ فِى القُربَى)(3) والشيعة بهذا المعنى تعمّ كلّ المسلمين إلاّ النواصب، بشهادة أنّهم يصلّون على نبيّهم وآله في صلواتهم وأدعيتهم ويتلون الآيات النازلة في حقّهم صباحاً ومساءً، وهذا هو الإمام الشافعي يصفهم بقوله:


1 . القصص / 15 .
2 . الصافّات / 83 ـ 84 .
3 . الشورى / 23 .


(8)

يا أهلَ بيتِ رسولَ اللّهَ حبُّكُمُ * فَرضٌ من اللّهِ في القرآن أنْزلهُ
كَفاكُمُ من عَظيم الشّأن أنّكمُ * من لم يُصلِّ عليكم لا صلاة لَهُ(1)

وأمّا النواصب فهم الذين نصبوا لعلي وأهل بيته العداء وتلقّوه فريضة دينية وأعانهم على ذلك مرتزقة أصحاب البلاط، وترجع جذور هذه الفكرة إلى معاوية حيث سنّ سبّ علىّ على المنابر وتبعه أولاده وعشيرته إلى أواخر الدولة الأموية، وكتب ابن أبي سفيان إلى عمّاله في جميع الآفاق: «اُنظروا إلى من اُقيمت عليه البيّنة أنّه يحبّ عليّاً وأهل بيته، فامحوه من الديوان وأسقطوا عطاءه ورزقه» ثمّ كتب نسخة اُخرى إلى عمّاله وشدّد الأمر فيها وقال: «من اتّهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكّلوا به و اهدموا داره» .

وعلى هذا المنشور قام الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يَلعَنون عليّاً ويبرأون منه و يقعون فيه وفي أهل بيته...(2) .

2- من يفضّل عليّاً على عثمان أو على الخلفاء عامّة مع اعتقاده بأنّه رابع الخلفاء وإنّما يقدّم لاستفاضة مناقبه وفضائله عن الرسول الأعظم، والّتي دوّنها أصحاب الحديث في صحاحهم ومسانيدهم وهي تُلزم الإنسان الاعتقاد بأنّه أفضل الصحابة، وعلى ذلك معتزلة بغداد وقليل من أهل الحديث، وعلى ذلك الاصطلاح جرى أكثر من كتب في الرجال والتراجم والمقالات حيث يصفون قليلاً من الصحابة وكثير أمن التابعين بأنّه يتشيّع أو أنّه شيعي، وربّما يعدّونه من أسباب الجرح وكأنّ حبّ أهل البيت عمل اجرامي أو أنّ تقدّم الخلفاء على عليّ أصل من اُصول الدين لا يجوز تجاوزه، مع أنّ الإمامة من الفروع عند أهل السنّة فكيف درجات الخلفاء ورتبهم .

وربّما يختلط الأمر على من ليس له إلمام بالاصطلاح، فلا يفرّق بينهما،


1 . الصواعق 148 ط 1385 الطبعة الثانية .
2 . وسيوافيك مصدره وبيان عداء ابن أبي سفيان للإمام وعترته وشيعته .


(9)

وأكثر من يستعمل هذا الاصطلاح هو الذهبي في «ميزان الاعتدال» و «سير أعلام النبلاء» فيصف بعض التابعين و المحدّثين بالتشيّع ملمّحاً بذلك إلى ضعفهم، وقد رُمي أبو عبداللّه الحاكم النيسابوري بالتشيّع كمعتزلة بغداد، والمقصود تفضيلهم عليّاً على سائر الخلفاء لا أنّه الإمام المنصوص بالخلافة .

3- الشيعة: من يشايع عليّاً وأولاده باعتبار أنّهم خلفاء الرسول و أئمّة الناس بعده، نصبهم لهذاالمقام بأمر من اللّه سبحانه، وذكر أسماءهم وخصوصيّاتهم، والشيعة بهذا المعنى هو المبحوث عنها في المقام، وقد اشتهر بأنّ عليّاً هو الوصي حتّى صار من ألقابه، وذكره الشعراء بهذا العنوان في قصائدهم(1) وهو يقول في بعض خطبه:

«لا يقاس بآل محمّد من هذه الاُمّة أحد ولا يسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً. هم أساس الدين، وعماد اليقين، إليهم يفيء الغالي، وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حق الولاية، وفيهم الوصيّة والوراثة...»(2) .

ومجمل القول: إنّ هذا اللفظ يشمل كل من قال: انّ قيادة الاُمة لعلي بعد الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأنّه يقوم مقامه في كل ما يمت إليه سوى النبوة ونزول الوحي عليه. كل ذلك بتنصيص من الرسول، وعلى ذلك فالمقوّم للتشيّع وركنه الركين هو القول بالوصاية والقيادة بجميع شؤونها للإمام ـ عليه السلام ـ فالتشيّع هو الاعتقاد بذلك، وأمّا ما سوى ذلك فليس مقوّماً لمفهوم التشيّع ولا يدور عليه اطلاق الشيعة .


1 . خطب الإمام أبو محمّد: الحسن السبط حين قتل أميرالمؤمنين خطبته الغرّاء فقال: أنا ابن النبي وأنا ابن الوصي أخرجه الحاكم في مستدركه 1 / 172، وقد ذكر ابن أبي الحديد أشعاراً وأراجيز تضمّن توصيف الإمام بالوصاية عن الصحابة والتابعين، لاحظ شرح النهج 1 / 143 ـ 150 باب ما ورد في وصاية علىّ من الشعر .
2 . نهج البلاغة، الخطبة الثانية .


(10)

لا شك أنّ للشيعة عقائد وآراء في مجاري الأصول والفروع وربّما يشاركون غيرهم فيها وربّما يخالفونهم، ولكنّها ليست من سماتهم وأعرافهم وإنّما هي اُصول وأحكام دعاهم الدليل إلى تبنّيها من الكتاب والسنّة والعقل .

مثلا إنّ الشيعة تقول باتّحاد الصفات الذاتية للّه سبحانه معها، وكونه سبحانه غير مرئي في الدارين، وأنّ كلامه مخلوق له، و أنّه لا يكلّف ما لا يطاق، وأنّ حقيقة الأمر في أفعال العباد لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين، وأنّ الأنبياء معصومون إلى غير ذلك من الآراء، ولكنّها آراء كلامية للشيعة لا أنّها المقوّم للتشيّع بحيث لو خالف فيها رجل منهم، ولكنّه قال بالوصاية لعلي وبالقدرة لعترته، لخرج عن اطار التشيّع واُصوله.

إنّ التشيّع بهذا المعنى عبارة عن الاعتقاد باستمرار القيادة الإسلامية في قالب الوصاية لعلي وعترته، والشيعة تدّعي أنّ هذه الفكرة غرست بيد النبي في أيّام حياته، وتبنّاها لفيف من المهاجرين في عصره، وبقوا عليها بعد حياته واقتدى بهم لفيف من التابعين لهم بإحسان وتواصل الاعتقاد به من تلك العصور إلى زماننا الحاضر، وهذا هو الّذي تدّعيه الشيعة وعليه بُني صرح التشيّع ونحن في غنى عن الاتيان بنصوص أعلامهم وأكابرهم في المقام الّتي تدل على أنّ الوصاية للإمام بعد النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فالأولى طرح الموضوع على بساط البحث وعرضه على المرتكزات العقلية، ولأجل تسليط الضوء على المسائل المهمة نبحث عن الجهات التالية وكل واحدة منها في فصل خاص بها:

1- في تبيين متطلّبات الظروف في عصر النبي، فهل كانت تقتضي أن تكون صيغة الحكم هي التنصيص أو كانت تقتضي تفويض الأمر إلى اختيار الاُمّة لتنتخب الحاكم والقائد عليها؟

2- ما هو المرتكز في الأذهان في عصر الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وبعده في أمر القيادة؟


(11)

3- ما هو مقتضى الكتاب والسنّة في القيادة بعد الرسول؟

4- ما هو السر في مخالفة الجمهور لنصّ الرسول وتصريحه؟

5- مبدأ التشيّع وتاريخه ورواد التشيّع في عصر الرسول والصحابة والتابعين.

6- افتراضات وهميّة حول تاريخ الشيعة .

7- صيغة الحكومة الإسلامية عند أهل السنّة .

8- نصوص الخلافة والركون إلى الأمر الواقع .

9- الشيعة في عصر الدولتين الأموية والعبّاسية.

10- عقائد الشيعة الامامية الاثنا عشرية .

11- أئمّة الشيعة الاثنا عشر ونبذة عن حياتهم .

12- دور الشيعة في بناء الحضارة الإسلامية وتطوير العلوم .

13- دول الشيعة وبلدانهم عبر التاريخ .

14- مصادر علوم الشيعة .

فالذي نعتقد أنّ تحليل هذه الجهات يكشف الواقع للمحقّق ولا يُبقي له شكاً في أصالة التشيّع وأنّه استمرار للإسلام عبر الحقب والأعوام .


(12)


(13)

الفصل الأول

بيان متطلبات الظروف في عصر الرسول

في مجال القيادة الإسلامية


(14)


(15)

لاشك أنّ الدين الإسلامي دين عالمي، وشريعة خاتمة، وقد كانت قيادة الاُمّة من شؤون النبي الأكرم مادام على قيد الحياة، ثمّ إنّه وقع الاختلاف بين أصحاب المقالات والفرق في صيغتها بعد الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فهل كانت متبلورة في صيغة النص أو في انتخاب الاُمّة .

الشيعة ترى أنّ القيادة منصب تنصيصي والّذي ينصّ على خليفة الرسول هو اللّه سبحانه عن طريقه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، بينما يرى أهل السنّة غير ذلك ولكل من الاتّجاهين دلائل وبراهين، و المقصود هنا دراسة متطلّبات الظروف وتقييمها في عصر الرسالة، فهل كانت المصالح تكمن في تعيين القائد أو كانت تكمن في خلافه؟ فدراستها تُسلّط الضوء على البحث الثالث و هو وجود النص من الرسول وعدمه، وإليك بيان ذلك:

إنّ الظروف السياسية الّتي كانت سائدة في المنطقة كانت توجب على الرسول أن يعيّن القائد، وكانت المصلحة الإسلامية تقتضي ذلك، لأنّ المجتمع الإسلامي كان مهدّداً على الدوام بالخطر الثُلاثي، الروم، الفرس، المنافقين، وخطرهم يتمثّل بشنّ هجوم مفاجىء كاسح أو إلقاء بذور الفساد والاختلاف بين المسلمين .

فمصالح الاُمّة كانت توجب توحيد صفوف المسلمين في مواجهة الخطر


(16)

الخارجي والداخلي، وذلك بتعيين قائد سياسي من بعده، وبذلك يسد الطريق على نفوذ العدو في جسم الاُمّة الإسلامية والسيطرة عليها، وعلى مصيرها، وبذلك يخسر الذين كانوا يتآمرون على ضرب الإسلام بعد وفاة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

أمّا العدوّ الأوّل فقد كان الامبراطورية الرومانية الّتي كانت تشكّل إحدى أضلاع الخطر المثلّث الّذي كان يحيط بالكيان الإسلامي ويهدّده من الخارج .

وكانت هذه القوّة الرهيبة تتمركز في شمال الجزيرة العربية، وكانت تشغل بال النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ على الدوام، حتّى انّ التفكير في أمر الروم لم يغادر ذهنه وفكره حتّى لحظة الوفاة، والالتحاق بالرفيق الأعلى .

وكانت أوّل مواجهة عسكرية بين المسلمين والجيش المسيحي الرومي في السنة الثامنة من الهجرة في أرض فلسطين، وقد أدّت هذه المواجهة إلى مقتل القادة العسكريين البارزين الثلاثة وهم «جعفر الطيار» و «زيد بن حارثة» و «عبداللّه بن رواحة» .

ولقد أدّى انسحاب الجيش الإسلامي بعد مقتل القادة المذكورين إلى تزايد جرأة الجيش القيصري المسيحي، فكان يخشى بصورة متزايدة أن تتعرّض عاصمة الإسلام للهجوم الكاسح من قبل هذا الجيش .

من هنا خرج رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في السنة التاسعة للهجرة (غزوة تبوك) على رأس جيش كبير جدّاً إلى حدود الشام ليقود بنفسه المواجهة العسكرية، وقد استطاع الجيش في هذه الرحلة الصعبة المضنية أن يستعيد للاُمّة الإسلامية هيبتها من جديد .

غير أنّ هذا الانتصار المحدود لم يُقنع رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، فأعدّ قبيل ارتحاله جيشاً كبيراً من المسلمين. وأمّر عليهم «اُسامة بن زيد» وكلّفهم بالتوجّه إلى حدود الشام والحضور في تلك الجبهة.


(17)

أمّا الضلع الثاني من المثلث الخطير الّذي كان يهدّد الكيان الإسلامي، فكان الامبراطورية الايرانية (الفارسية) وقد بلغ غضب هذه الامبراطورية على رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ومعاداتها لدعوته، أن أقدم امبراطور إيران، «خسرو پرويز» على تمزيق رسالة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وتوجيه الاهانة إلى سفيره باخراجه من بلاطه، والكتابة إلى واليه وعميله في اليمن بأن يوجّه إلى المدينة من يقبض على رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أو يقتله إن امتنع.

و«خسرو» هذا و إن قتل زمن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلاّ أنّ استقلال اليمن ـ الّتي رزحت تحت استعمار الامبراطورية الايرانية ردحاً طويلا من الزمن ـ لم يغب عن نظر ملوك إيران آنذاك، وكان غرور اُولئك الملوك وتجبّرهم وكبرياؤهم لا يسمح بتحمّل منافسة القوّة الجديدة (القوّة الإسلامية) لهم .

والخطر الثالث وهو الأعظم (لأنّ القلعة الحصينة لا تهزم إلاّ من داخلها) كان هو خطر حزب النفاق الّذي كان يعمل بين صفوف المسلمين كالطابور الخامس، على تقويض دعائم الكيان الاسلامي من الداخل، إلى درجة أنّهم قصدوا اغتيال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في طريق العودة من تبوك إلى المدينة.

فقد كان بعض عناصر هذا الحزب الخَطِر يقول في نفسه: إنّ الحركة الاسلامية سينتهي أمرها بموت رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ورحيله، وبذلك يستريح الجميع(1) .

ولقد قام أبو سفيان بن حرب بعد وفاة رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بمكيدة مشؤومة لتوجيه ضربة إلى الأمّة الإسلامية من الداخل، وذلك عندما أتى عليّاً ـ عليه السلام ـ وعرض عليه أن يبايعه ضدّ عُيِّن في السقيفة، ليستطيع بذلك


1 . الطور / 30 .

(18)

شطر الاُمّة الإسلامية الواحدة إلى شطرين متحاربين متقاتلين، فيتمكّن حينها من الصيد في الماء العكر .

ولكنّ الإمام عليّاً ـ عليه السلام ـ أدرك بذكائه المفرط نوايا أبي سفيان الخبيثة فرفض مطلبه وقال له كاشفاً عن دوافعه ونواياه الشريرة:

«واللّه ما أردت بهذا إلاّ الفتنة، وإنّك واللّه طالما بغيت للإسلام شرّاً. لاحاجه لنا في نصيحتك» ومع أنّ الإمام ردّه خائباً لكنّه استمرّ في فتنته لشقّ عصا الاُمّة فأخذ يتردّد في أزقّة المدينة منادياً:

بني هاشم لا تطمعوا الناس فيكم ولا سيما تيم بن مرّة أو عدي

فما الأمر إلاّ فيكم وإليكم وليس لها إلاّ أبو حسن علي(1)

ولقد بلغ دور المنافقين الهدّام في الشدة بحيث تعرّض القرآن الكريم لذكرهم في سور عديدة هي: سورة آل عمران، والنساء، والمائدة، والأنفال، والتوبة، والعنكبوت، والأحزاب، ومحمّد، والفتح، والمجادلة، والحديد، والمنافقون، والحشر .

فهل مع وجود مثل هؤلاء الأعداء الأقوياء الذين كانوا يتربّصون بالإسلام الدوائر، ويتحيّنون الفرص للقضاء عليه، يصحّ أن يترك رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ اُمّته الحديثة العهد بالإسلام، الجديدة التأسيس من دون أن يعيّن لهم قائداً دينياً سياسياً؟

إنّ المعطيات الاجتماعية توحي بأنّه كان من الواجب أن يدفع رسول الإسلام ـ بتعيين قائد للاُمّة ـ ظهور أىّ اختلاف وانشقاق فيها من بعده، ويضمّن بذلك استمرار وبقاء الاُمّة الإسلامية وإيجاد حصن قوي وسياج دفاعي متين حولها.


1 . الكامل 2 / 325، العقد الفريد 2 / 249 .

(19)

إنّ تحصين الاُمّة وصيانتها من الحوادث المشؤومة والحيلولة دون مطالبة كل فريق الزعامة لنفسه دون غيره وبالتالي التنازع على مسألة الخلافة والزعامة، لم يكن متحقّقاً إلاّ بتعيين قائد للاُمّة وعدم ترك الاُمور للأقدار .

إنّ هذه المحاسبة الاجتماعية تهدينا إلى صحّة نظرية «التنصيص على القائد بعد الرسول» ولعلّ لهذه الجهة ولجهات اُخرى طرح الرسول مسألة الخلافة في بدء الدعوة واستمر بذلك إلى آخر ساعة من عمره الشريف كما ستوافيك نصوصها.

***

ثمّ إنّي بعد ما حرّرت ذلك في سالف الأيّام وأوردته في بعض محاضراتي الكلامية(1) وقفت على تقرير للمحقّق الشهيد السيد الصدر المغفور له فقد بيّن متطلّبات الظروف في تقديمه على كتاب تاريخ الشيعة للدكتور عبداللّه فياض بنحو آخر وهو تقرير رصين نقتطف منه ما يلي:

كان النبي الأكرم يدرك منذ فترة أنّ أجله قد دنى وأعلن ذلك بوضوح في حجّة الوداع ولم يفاجئه الموت مفاجأة، وهذا يعني أنّه كان يملك فرصة كافية للتفكير في مستقبل الدعوة، وفي هذا الضوء يمكننا أن نلاحظ أنّه كانت أمام النبي ثلاثة طرق بالإمكان انتهاجها تجاه مستقبل الدعوة.

الطريق الأوّل: أن يقف من مستقبل الدعوة موقفاً سلبياً ويكتفي بممارسة دوره في قيادة الاُمّة وتوجيهها فترة حياته ويترك مستقبلها للظروف والصدف، وهذه السلبية لا يمكن افتراضها في النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لأنّها انّما تنشأ من أحد أمرين كلاهما لا ينطبقان عليه .


1 . الإلهيات 2 / 554 ـ 584، لولدنا الفاضل الروحاني الشيخ حسن مكّي العاملي ـ حفظه اللّه ـ .

(20)

1- «الاعتقاد بأنّ هذه السلبية والاهمال لا تؤثّر على مستقبل الدعوة، وأنّ الاُمّة قادرة على التصرّف بالشكل الّذي يحمي الدعوة، ويضمن عدم الانحراف».

وهذا الاعتقاد لا مبرّر له من الواقع اطلاقاً، لأنّ الدعوة الإسلامية بما أنّها كانت تغييراً انقلابياً في بدايته، تستهدف بناء اُمّة، واستئصال كل جذور الجاهلية منها، تتعرّض لأكبر الأخطار إذا خلت الساحة من قائدها، وتركها دون أي تخطيط. فهناك الأخطار تنبع عن طبيعة مواجهة الفراغ دون أي تخطيط سابق، فإنّ الرسول إذا ترك الساحة دون تخطيط لمصير الدعوة، فسوف تواجه الاُمّة لأوّل مرّة، مسؤولية التصرّف بدون قائدها، تجاه مشاكل الدعوة وهي لا تملك أي مفهوم مسبق بهذا الصدد. وسوف يتطلّب منها الموقف تصرّفاً سريعاً آنيّاً بالرغم من خطورة المشكلة، لأنّ الفراغ لا يمكن أن يستمر .

فلم تكن إذن خطورة الموقف بعد وفاة النبي شيئاً يمكن أن يخفى على أي قائد مُمارس للعمل العقائدي فضلا عن خاتم الأنبياء .

2- الّذي يمكن أن يفسّر سلبية القائد تجاه مستقبل الدعوة ومسيرها بعد وفاته، أنّه بالرغم من شعوره بخطر هذه السلبية لا يحاول تحصين الدعوة ضدّ ذلك الخطر، لأنّه ينظر إلى الدعوة نظرة مصلحيّة فلا يهمّه إلاّ أن يحافظ عليها مادام حيّاً ليستفيد منها ويستمتع بمكاسبها ولا يعني بحماية مستقبلها بعد وفاته.

وهذا التفسير لا يمكن أن يصدق على النبي حتّى لولم نلاحظه بوصفه نبيّاً ومرتبطاً باللّه سبحانه وتعالى في كل ما يرتبط بالرسالة، وافترضناه قائداً للقائد الرسول، في اخلاصه لدعوته، وتفانيه فيها، وتضحيته من أجلها إلى آخر لحظة من حياته، وكل تاريخه يبرهن على ذلك.

الطريق الثاني: أن يخطّط الرسول القائد لمستقبل الدعوة بعد وفاته ويتّخذ


(21)

موقفاً إيجابياً فيجعل القيمومة على الدعوة ممثّلة على أساس نظام الشورى الّذي يضم مجموع المهاجرين والأنصار، فهذا الجيل الممثّل للأُمّة هو الّذي سيكون قاعدة للحكم ومحوراً لقيادة الدعوة في خط نُمُوّها. وفيما يلي ما يرد تلك الفكرة:

1- لو كان النبي قد اتّخذ من مستقبل الدعوة بعده موقفاً ايجابياً يستهدف وضع نظام الشورى موضع التطبيق بعد وفاته مباشرة، واسناد زعامة الدعوة إلى القيادة التي تنبثق عن هذا النظام، لكان من أبده الأشياء الّتي يتطلّبها هذا الموقف الايجابي، أن يقوم الرسول القائد بعملية توعية للاُمّة والدعاة، على نظام الشورى وحدوده وتفاصيله واعطائه طابعاً دينياً مقدّساً، واعداد المجتمع الإسلامي اعداداً فكريّاً وروحيّاً لتقبّل هذا النظام، وهو مجتمع نشأ من مجموعة من العشائر لم تكن قد عاشت قبل الإسلام وضعاً سياسياً على أساس الشورى وانّما كانت تعيش في الغالب وضع زعامات قبليّة وعشائريّة تتحكّم فيها القوّة والثروة وعامل الوراثة إلى حدّ كبير.

ونستطيع بسهولة أن نُدرك أنّ النبيّ لم يمارس عمليّة التوعية على نظام الشورى وتفاصيله التشريعية أو مفاهيمه الفكرية لأنّ هذه العملية لو كانت قد اُنجزت لكان من الطبيعي أن تنعكس وتتجسّد في الأحاديث المأثورة عن النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وفي ذهنية الاُمّة وعلى أقل تقدير في ذهنية الجيل الطبيعي منها، الّذي يضمّ المهاجرين والأنصار بوصفه، وهو المكلّف بتطبيق نظام الشورى، مع أنّنا لانجد في الأحاديث المأثورة عن النبي أىّ صورة تشريعية محدّدة عن نظام الشورى، وأمّا ذهنية الاُمّة أو ذهنية الجيل الطبيعي منها فلا نجد فيها أي ملامح أو انعكاسات محدّدة لتوعية من ذلك القبيل .

ثمّ إنّه ( ـ رحمه الله ـ ) استشهد بفعل الخليفة الأوّل حيث لم يمارس نظام الشورى في حال حياته وقام بتنصيب عمر مكانه، كما فعل ذلك أيضاً الخليفة الثاني في نطاق


(22)

خاص فجعله محصوراً في ستّة أشخاص، وسيوافيك تفصيل ذلك في الفصل الثاني .

الطريق الثالث: وهو الطريق الوحيد الّذي بقى منسجماً مع طبيعة الأشياء ومعقولا على ضوء ظروف الدعوة والدعاة وسلوك النبىّ. وهو أن يقف النبي من مستقبل الدعوة بعد وفاته موقفاً ايجابياً فيختار بأمر من اللّه سبحانه وتعالى شخصاً يرشّحه عمق وجوده في كيان الدعوة، فيعدّه اعداداً رسالياً وقيادياً خاصّاً تتمثّل فيه المرجعية الفكرية والزعامة السياسية، وليواصل بعده (بمساندة القاعدة الشعبية الواعية من المهاجرين والأنصار)، قيادة الاُمّة وبناءها عقائدياً وتقريبها باستمرار نحو المستوى الّذي يؤهّلها لتحمّل المسؤوليات القيادية .

وهكذا نجد أنّ هذا هو الطريق الوحيد الّذي كان بالامكان أن يضمن سلامة مستقبل الدعوة وصيانة الحكم من الانحراف في خط نموّها وهكذا كان(1) .

وعلى ذلك فالقول بالتشيّع عبارة عن القول بوجود ضمان لاستمرار الدعوة بتعيين الوصىّ من جانب الرسول بأمر من اللّه، وقد عرفت أنّ طبيعة الظروف في عصر الرسول كانت تقتضي ذلك على الوجه الكلّي، أي كان يتطلّب تعيين القائد وأن لا يترك الأمر إلى الاُمّة، وعدم اهماله وتركه للصدف، وستعرف في الفصل الثالث أنّه قد صدّق الخبرُ الخبرَ، وأنّ الرسول قد قام بتلك الوظيفة الّتي تضمن استمرار الدعوة وسلك هذا الطريق سلوكاً واضحاً .

* * *

وهناك بيان ثالث يعطي نفس ما أعطاه الوجهان وهو دراسة طبيعة الحكم من زاوية طروء الفراغ الهائل بعد رحلة الرسول فيما يمت إلى صلب الدين وهداية الاُمّة إلى الحق والحقيقة:


1 . مقدّمة تاريخ الامامية 5 / 16 بتلخيص .

(23)

لقد درسنا متطلّبات الظروف ومقتضيات عصر النبي في مجال القيادة وإدارة دفّة الحكم ووصلنا إلى أنّ مصالح المسلمين كانت تكمن في تعيين القائد دفعاً للأخطار المحدقة بالإسلام والمسلمين بوفاة النبىّ، ومفاجأة الاُمّة بفراغ مكانه القيادي.

ويمكن لنا دراسة طبيعة الحكم من زاوية اُخرى وهي ملاحظة الفراغات الهائلة الحاصلة بعد رحلة القائد، لا من جهة القيادة السياسية والاجتماعية، بل في جانب حاجة الاُمّة إلى قائد رسالي يسد تلك الفراغات المعنوية فيما يمت إلى صلب الدين وأمر هداية الاُمّة في مجال تفسير الكتاب وشرح مقاصده أوّلا، وتبيين ما لم يبيّنه الرسول في مجال الأحكام ثانياً، وصيانة الدين الحنيف من محاولات التحريف ثالثاً فالاُمّة تواجه وتفاجىء هذه الفراغات الثلاثة، فمن الّذي يسدّها، فهل الاُمّة جميعاً أو المهاجرون والأنصار أو أهل الحل والعقد؟ والجواب: لا، لأن المفروض ـ كما سيأتي ـ قصورهم عن ملء الفراغ، فما هو الحل لهذا المشكل؟ وهذا هو الّذي يستهدفه هذا البحث. فنقول:

إنّ الرسول الأكرم لم تقتصر مسؤولياته على تلقّي الوحي الإلهي وابلاغ الآيات النازلة عليه بل كانت تتجاوز عن ذلك كثيراً فقد كانت وظائف ثلاث تقع على عاتقه بالاضافة إلى ما يقوم به من سائر الوظائف:

1- كان النبي الأكرم يفسّر الكتاب العزيز ويشرح مقاصده ويبيّن أهدافه ويكشف رموزه وأسراره.

2- وكان يبيّن أحكام الحوادث الجديدة الطارئة على المجتمع الاسلامىّ عن طريق القرآن الكريم وسنَّته.

3- وكان يصون الدين من التحريف والدس، فكان وجوده مدار الحق وتميزه عن الباطل، وكانت حياته ضماناً لعدم تطرّق الدس والترحيف إلى دينه.


(24)

ولا شك أنّ موت النبىّ وفقدانه سيوجدان فراغات هائلة في المجالات الثلاثة فيجب اعداد قائد له القابلية والصلاحية في سد تلك الفراغات، ولا يقوم به إلاّ من كان يتمتّع بما كان يتمتّع به الرسول عدا خصيصة النبوّة وتلقّي الوحي، فيكون وعاء علم النبي ومخزن أسراره، ومودع حكمته، حتّى يقوم بتلك الوظيفة العظيمة.

ومن الواضح أنّ هذه الكفاءات والمؤهّلات المعنوية لاتحصل لشخص بطريق عادي ولا بالتربية البشرية المتعارفة، بل لابدّ من إعداد إلهي خاص وتربية إلهية خاصّة هذا من جانب، ومن جانب آخر لا يمكن للاُمّة أن تتعرّف بنفسها على هذا الشخص وتكتشف من تتوفّر فيه تلك المؤهّلات والكفاءات بالطرق العادية.

كل ذلك يثبت نظرية التنصيص وأنّه لا محيص عن تعيين القائد بتنصيص الرسول بأمر من اللّه سبحانه، أي تنصيب من يتّصف بتلك الكفاءات الّتي لا يكتسبها إلاّ من تربّى في حضن الرسالة والرسول. وإليك تفاصيل هذه المفراغات، ونكتفي في كل مورد بموجز القول:

1- القرآن الكريم والابهامات الطارئة:

إنّ اللّه سبحانه يصف القرآن بأنّه نزل إلى النبىّ ليبيّن للناس ما نزل إليهم فيقول: (وَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِنّاسَ مَا نُزِّلَ إِلَيهِمْ)(1) وقال: (وَ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ إِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِى اخْتَلَفُوا )فِيهِ)(2) فقد وصف النبي في هاتين الآيتين بأنّه مبيّن بما في الكتاب لا قارئ فقط، فكم فرق بين أن يقول: «لتقرأ


1 . النحل / 44 .
2 . النحل / 64 .


(25)

للناس» وبين: (لتبيّن لهم) .

إنّ هذه الآيات تكشف لنا عن أنّ القرآن رغم وضوحه من حيث اللفظ والمعنى ورغم أنّه منزّه عن مشابهة كتب الألغاز والطلاسم، يحتاج إلى مبيّن ومفسّر بسببين:

1- وجود المجملات في أحكام العبادات والمعاملات الواردة في آياته .

2- غياب القرائن الحالية الّتي كانت الآيات محفوفة بها حين النزول، وكانت معلومة للمخاطبين في ذلك الوقت .

وقد كان النبىّ بنفسه يقوم بتفسير القرآن الكريم وتبيين مجمله وتقييد مطلقه وما أشبه ذلك. وكانت القرائن الحالية معلومة وواضحة لدى الأصحاب. ولمّا ارتحل النبىّ الأكرم إلى الرفيق الأعلى وحصل الفصل الطويل بينه وبين أمّته، حدث هناك فراغ هائل في تفسير القرآن فلاترى آية من الآيات إلاّ وفي تفسيرها آراء متضاربة إلى حدّ اختلفوا في تفسير الآيات الّتي تتعلّق بأعمالهم اليومية:

1- قال سبحانه في آية الوضوء: (فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ اَيْدِيَكُمْ إِلى المَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُسِكُمْ وَاَرْجُلَكُمْ إِلَى الكَعْبِيْنِ)(1) وقد تضاربت الآراء في فهم هذه الآية وصارت الاُمّة إلى قولين: فمن عاطف لفظ «أَرجلكم)» على الرؤوس فيحكم على الأرجل بالمسح، ومن عاطف له على الأيدي فيحكم على الأرجل بالغسل .

ومن المعلوم أنّ إعراب القرآن الكريم إنّما حدث بعد النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فأىّ الرأيين هو الصحيح؟

2- لقد حكم اللّه تعالى على السارق والسارقة بقطع الأيدي حيث قال:


1 . المائدة / 6 .

(26)

(وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)(1) وقد اختلفت الاُمّة في مقدار القطع وموضعه: فمن قائل إنّ القطع من اُصول الأصابع دون الكف وترك الابهام كما عليه الإمامية، وجماعة من السلف. ومن قائل إنّ القطع من الكوع، وهو المفصل بين الكف والذراع كما عليه أبو حنيفة ومالك والشافعي. ومن قائل إنّ القطع من المنكب كما عليه الخوارج(2) .

3- سئل أبوبكر عن الكلالة في قوله تعالى: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِى الكَلالَةِ إنَ امْرُؤاٌْ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ)(3) فقال: إنّي سأقول فيها برأيي فإن يكن صواباً فمن اللّه وإن يكن خطأً فمنّي ومن الشيطان، واللّه ورسوله بريئان، أراه ما خلا الولد والوالد. فلمّا استخلف عمر قال: إنّي لأستحيي اللّهَ أن أردّ شيئاً قاله أبوبكر.

4- أمر اللّه سبحانه الورثة باعطاء السدس للكلالة في قوله سبحانه: (وَ إنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِد مِنْهُمَا السُّدُسُ)(4) وفي الوقت نفسه يحكم سبحانه باعطاء الكلالة النصف أو الثلثين كما قال:(إِنِ امْرُؤٌا هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَمْ)


1 . المائدة / 38 .
2 . راجع الخلاف للطوسي (كتاب السرقة) 184. أحكام القرآن للجصاص 421: روي عن أبي هريرة انّ رسول اللّه قطع يد سارق من الكوع. ونقل ابن قدامة الخلاف إذا سرق ثانياً: فعن عطاء وربيعة وداود أنّه تقطع يده اليسرى، وعن الآخرين: تقطع رجله اليسرى. المغني 10 / 264 ـ 265 .
3 . النساء / 176 .
4 . النساء / 12 .


(27)

يَكُن لَهَا وَلَدٌ فَإنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمّا تَرَكَ))(1) .

فما هو الحل وكيف الجمع بين هاتين الآيتين؟ لا شك انّه لم يكن ثمّة ابهام في مورد هاتين الآيتين، بل حدث الابهام في ذلك فيما بعد .

ألا يدل هذا على ضرورة من يخلف النبي حتّى يرفع الستار عن وجه الحقّ بما عنده من علوم مستودعة .

2- الرسالة الإسلامية والحوادث المستجدّة:

إنّ اتّساع رقعة الدولة الإسلامية ومخالطة المسلمين للشعوب والأقوام المختلفة جعلهم أمام موضوعات مستجدّة ومسائل مستحدثة، لم تكن معهودة ولا معروفة في عهد النبي الأكرم الّذي لم تكن فيه الدولة الإسلامية قد توسّعت كما توسّعت بعد وفاته، والتحاقه بالرفيق الأعلى .

وكان من الأمر المشكل أن يتحدّث النبي عن أحكام موضوعات لم يعرف المسلمون شيئاً من ماهياتها وتفصيلاتها، ولم يشاهدوا لها نظيراً في حياتهم، ولأجل ذلك كانوا يجهلون أحكام الموضوعات المستجدّة من دون أن يجدوا لها حلولا وأجوبة، هذا من جانب .

ومن جانب آخر أنّ الأحاديث الّتي رواها الصحابة والتابعون عن النبي الأكرم في مجال الأحكام لاتتجاوز عن خمسمائة حديث(2) حتّى قال الإمام الرازي: إنّ المنصوص حكمه من الموضوعات قليل جدّاً(3) ولنذكر للموضوع نماذج:


1 . النساء / 176 .
2 . الوحي المحمدي 212 الطبعة السادسة .
3 . المنار 5 / 189 .


(28)

1- شغلت مسألة العول بال الصحابة فترة من الزمن وكانت من المسائل المستجدّة بعد الرسول الّتي واجهها جهاز الحكم، ويعني منه قصور التركة عن سهام ذوي الفروض. مثال ذلك: إذا ترك الميّت زوجة وأبوين وبنتين، ولمّا كان سهم الزوجة ـ حسب نص القرآن ـ الثمن وفرض الأبوين الثلث، وفرض البنتين الثلثين، والتركة لا تسع للثمن والثلث والثلثين، فلمّا عرضت المسألة على عمر ابن الخطاب قال: واللّه ما أدري أيّكم قدّم اللّه وأيّكم أخّر ما أجد شيئاً هو أوسع لي من أن اُقسّم المال عليكم بالحصص، وأدخل على كلّ ذي حقّ ما أدخل عليه من عول الفريضة(1) .

رجل طلّق امرأته قبل الإسلام مرّتين وفي الإسلام مرّة فهل تحرم عليه أو لا؟ فقال عمر بن الخطاب للسائل: لا آمرك ولا أنهاك، وقال عبدالرحمان بن عمر: ولكنّي آمرك ليس طلاقك قبل الإسلام بشيء(2) .

2- إنّ الجيل المعاصر للرسول لم يكن يملك تصوّرات واضحة محدّدة حتّى في مجال القضايا الدينية الّتي كان يمارسها النبي مئات المرّات وعلى مرأى ومسمع من الصحابة ونذكر على سبيل المثال لذلك، الصلاة على الميّت، فإنّها عبادة، كان النبي قد مارسها عادة مئات المرّات وأدّاها في مشهد عام من المشيّعين والمصلّين وبالرغم من ذلك يبدو أنّ الصحابة كانوا لا يجدون ضرورة لضبط صورة هذه العبادة مادام النبي يؤدّيها وماداموا يتابعون فيها النبي فصلا بعد فصل، ولهذا وقع الاختلاف بينهم بعد وفاة النبي في عدد التكبيرات في صلاة الميّت، فقد أخرج الطحاوي عن إبراهيم قال: قبض رسول اللّه والناس مختلفون في التكبير على الجنازة لا تشاء أن تسمع رجلا يقول: سمعت رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ


1 . أحكام القرآن للجصاص 2 / 109، مستدرك الحاكم 4 / 340 .
2 . كنز العمال 5 / 161 .


(29)

يكبّر سبعاً، وآخر يقول: سمعت رسول اللّه يكبّر خمساً، وآخر يقول: سمعت رسول اللّه يكبّر أربعاً، فاختلفوا في ذلك حتّى قبض أبوبكر، فلمّا ولّى عمر ورأى اختلاف الناس في ذلك شقّ عليه جدّاً فأرسل إلى رجال من أصحاب رسول اللّه، فقال: إنّكم معاشر أصحاب رسول اللّه متى تختلفون على الناس يختلفون من بعدكم ومتى تجتمعون على أمر يجتمع الناس عليه فانظروا أمراً تجتمعون عليه، فكأنّما أيقظهم، فقالوا: نعم ما رأيت يا أميرالمؤمنين الخ(1).

فقد لمس الخليفة أنّ الكتاب والسنّة النبوية غير وافيين بالحاجات الفقهية ولهذا كان يعمد إلى الأخذ بالرأي والمقاييس المصطنعة لاستنباط حكم الموضوع.

فهذه تكشف بوضوح عن أنّ الصحابة يواجهون وقائع وحوادث جديدة لا يجدون لها حلولا في الكتاب والسنّة أو فيما تلقّوه من النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ولذلك كانوا يحاولون استنباط قواعد ومقاييس لاتستند على أىّ دليل، فهل يصحّ هذا؟ مع أنّه سبحانه يصرّح بأنه أكمل دينه، وأتمّ نعمته فكيف يجتمع هذا الفراغ الفقهي في المسائل المستجدّة مع الإكمال؟


1 . عمدة القارىء 4 / 129، ولاحظ مقدمة السيد الصدر على كتاب تاريخ الإمامية، للدكتور عبداللّه فيّاض .

(30)

3- المسلمون وصيانة الدين من التحريف:

إنّ أبرز ما كان يتمتّع به المسلمون في عصر الرسول هو صيانة الدين من الدسّ والتحريف وهو الخطر الّذي تعرّضت له جميع المذاهب السالفة، قال سبحانه: (مِنَ الَّذِيَنَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الكِلِمَ عَن مَواضِعِه)(1) .

إنّ الاُمّة الإسلامية قد وصلت عند رحلة الرسول بفضل جهود صاحب الدعوة إلى درجة مرموقة من الوعي حفظت كتابها عن محاولات الزيادة والنقصان، نرى أنّ الصحابي الجليل أُبي بن كعب له موقف عظيم من عثمان في كيفيّة كتابة آية الكنز أعني قوله: (وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الفِضَّةَ وَ لاَ يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذاب أَليم)(2) فإنّ عثمان اراد اثبات الآية في المصحف بلا واو فقال أُبي: «لتلحقنّها أو لأضعنّ سيفي على عاتقي»، فألحقوها(3) .

ومع هذه المقدرة لم تستطع حفظ مفاهيمه وصيانة دينها عن الدس والتحريف فتفرّقت إلى مشبّهة، تتخيّل أنّ لربّها أعضاءً كأعضاء الإنسان، إلى جبري يرى الإنسان مسيّراً لامخيّراً، ويصوّر بعث الأنبياء أمراً لاجدوى فيه، إلى مرجئة لا ترى للعمل قيمة وتعطي للإيمان تمام القيمة، إلى ناصبىّ ينصب العداء للعترة الطاهرة، إلى إلى...، حتّى تفرّقت اُمّة النبي الأكرم كتفرّق الاُمم السالفة، وهذا دليل واضح على أنّ الاُمّة الإسلامية ما بلغت يومذاك في الكفاءة والمقدرة العلمية إلى المستوى الّذي يؤهّلها لحفظ الإسلام أصله ولبّه، وقد مرّ في الجزء الأوّل من هذه الموسوعة أنّ الوضّاعين والدجّالين من الأحبار والرهبان، والمغترّين بهم


1 . النساء / 46 .
2 . التوبة / 34 .
3 . الدر المنثور 3 / 232 .


(31)

دسّوا بين المسلمين أحاديث موضوعة واسرائيليات ومسيحيات ومجوسيات كثيرة، ولقد عرفت الموضوعات الهائلة في عصر البخاري وشيوخه وتلاميذه، حتّى أنّه أخرج صحيحه من ستمائة ألف حديث (1).

جاء في مسند أحمد ثلاثون ألف حديث وقد انتخبها من سبعمائة وخمسين ألف حديث وكان يحفظ ألف ألف حديث.(2) .

نحن نفترض أنّ متوسّط عدد الكلمات في الحديث عشرون كلمة فيكون مجموع ما صدر عن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عشرين مليون كلمة في هذه الفترة القصيرة أي العشرة أعوام بالاضافة إلى ما كان لديه من أعمال ووظائف، وحروب وغزوات، واتفاقيات مع شيوخ القبائل، وارتياد إلى الأرياف، وتسيير دفّة الحكم، فهل كان بإمكانه أن يتكلّم بهذا العدد من الكلمات، سبحان اللّه، ما أجرأهم على البهتان! ولو رجعت أنت إلى قائمة الموضوعات والمقلوبات الّتي عرضناها لك في الجزء الأوّل(3)لجزمت بعدم كفاءة الاُمّة لصيانة الدين من الدس والتحريف.

هذه هي الفراغات الحاصلة بعد وفاة النبي الأكرم، فمقتضى الحكمة وتجسيد اكمال الدين الّذي جاء به الكتاب الكريم في قوله: (اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُم نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً)(4) أن تعالج هذه المشاكل أي تفسير الكتاب العزيز برفع الستار والابهامات الطارئة على مفاهيمه، والإجابة على المسائل المستجدّة، والدفاع عن حمى الشريعة ولاتحل عقدة المشكلة ولا


1 . الهدى الساري، مقدمة فتح الباري 54 .
2 . طبقات الذهبي 9 / 17 .
3 . الجزء الأوّل من هذه الموسوعة / 74 .
4 . المائدة / 3 .


(32)

تسدّ تلك الفراغات إلاّ بإمام تمتّع بتربية إلهية، وإعداد غيبي، ولا تصل إليه الاُمة إلاّ بتعيين الرسول أو بتعيين من عيّنه كما في الأئمة الباقين، فعندئذ يتجسّد قوله سبحانه (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام ديناً) وإلاّ لبقيت تلك الفراغات الهائلة وجرّت على الاُمّة الويل والويلات كما جرّتها ـ وللأسف ـ لأجل اعراض الاُمّة عن الإمام المنصوب .

هذا هو الّذي نفهمه من معنى الإمام وهو ميزان الحق والباطل وأنّه يرجع إليه في التعرّف على الصحيح والزائف.

وأمّا إذا كان الرجل على حدّ يقول: ولّيتكم ولست بخيركم فإن استقمت فأعينوني وإن زِغْت فقوّموني فلا يصلح أن يكون إماماً بل يكون مأموماً فتصبح الرعية إماماً، والامام ماموما، ونعم ما يقول الشاعر الشيعي ابن حماد العبدي:

وقالوا رسول اللّه ما اختار بعده إماماً ولكنّا لأنفسنا اخترنا

أقمنا إماماً إن أقام على الهدى أطعنا وإن ضلّ الهداية قوَّمنا

فقلنا إذا أنتم إمام إمامكم بحمد من الرحمن تُهْتم وما تُهْنا

ولكنّنا اخترنا الّذي اختار ربّنا لنا يوم خم ما اعتدينا ولا جُرنا

وهناك كلمة قيّمة للفيلسوف ابن سينا تشير إلى فائدة تنصيب الإمام فيقول: «ثمّ إنّ هذا الشخص الّذي هو النبي ليس ممّا يتكرّر وجود مثله في كل وقت، فإنّ المادّة الّتي تقبل كمال مثله يقع في قليل من الأمزجة، فيجب لا محالة أن يكون النبي قد دبّر لبقاء ما يسنّه ويشرّعه في اُمور المصالح الإنسانية تدبيراً عظيماً(1) ـ إلى أن قال ـ والاستخلاف بالنص أصوب، فإنّ ذلك لا يؤدّي إلى التشعّب(2)والتشاغب


1 . اشارة إلى سدّ الفراغات الحاصلة بعد وفاته .
2 . اشارة إلى أنّ مصالح الإسلام تكمن في النص .


(33)

والاختلاف»(1) .

إلى هنا خرجنا بهذه النتيجة: انّ مصالح الإسلام والمسلمين كانت تكمن في تعيين الإمام، لا تفويض الأمر إلى الأمّة، وترك الأمر للظروف والصدف لترسيه على أي شاطىء تختاره .


1 . الشفاء 2 (الفن الثالث عشر من الالهيات الفصل الثالث والخامس) 558 ـ 564 طبع ايران .

(34)


(35)

الفصل الثاني

ماهو المرتكز في أمر القيادة في

ذهن الرسول والاُمّة


(36)


(37)

قد عرفت أنّ مقتضيات الظروف ومتطلّباتها كانت تستدعي تعيين الإمام من جانب الرسول، كما أنّ كمال الدين في أبعاده الثلاثة المختلفة المذكورة آنفاً تستدعي ذلك أيضاً، فهلمّ معي ندخل في الموضوع الثاني الّذي ألمحنا إليه في بداية البحث ضمن الاُمور الّتي لا مناص للمحقّق إلاّ دراستها، وهو تبيين المرتكز في الأذهان في أمر الزعامة يوم بعث الرسول وبعده.

إنّ النصوص التاريخية تشهد بأنّ الرسول الأكرم خيّب آمال الطامحين في تولّي الخلافة من بعده وقال بأنّه بيداللّه، يعني لابيدي ولا بيد الناس، ويكفي في ذلك ما نتلوه:

1- لمّا عرض الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نفسه على بني عامر في موسم الحج ودعاهم إلى الإسلام قال له كبيرهم: «أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثمّ أظهرك اللّه على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟» فقال النبي: «الأمر إلى اللّه يضعه حيث يشاء»(1) .


1 . السيرة النبوية لابن هشام 2 / 424 فلو كان الأمر ملقىً على عاتق الاُمّة فما معنى كون الأمر إلى اللّه؟

(38)

ولم يكن ذلك الأمر مختصّاً بالنبي الأكرم، بل الامعان في تاريخ أصحابه والخلفاء الذين تعاقبوا على مسند الحكومة بعد النبي يدلّ على أنّهم انتهجوا أيضاً نهج تنصيب الخليفة، لا تفويض أمره إلى الاُمّة. فلو أغمضنا النظر عن خلافة أبي بكر وما جرى حولها من لغط وشغب، وضرب وشتم وارعاب وارهاب وغير ذلك من الاُمور الّتي تجعلها بعيدة كل البعد عن الشورى والانتخاب النزيه، فلنا في انتخاب الخليفتين الآخرين دليل واضح على أنّ المتصوّر من الخلافة عندهم هو تعيين الخليفة شخصاً لا تفويض أمر انتخابه للظروف والاُمّة .

2- قال ابن قتيبة: دعا أبوبكر عثمان بن عفّان فقال: اكتب عهدي، فكتب عثمان وأملى عليه: بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا ما عهد به أبوبكر بن أبي قحافة آخر عهده بالدنيا نازحاً عنها و أوّل عهده بالآخر داخلا فيها، انّي أستخلف علكيم عمر بن الخطاب...(1) .

ويظهر من ابن الأثير في كامله أنّه غشي على الخليفة أثناء الاملاء وانّما أكمله عثمان وكتب فيه استخلاف عمر من عند نفسه، ثم أفاق أبوبكر فقال: اقرأ علىّ، فقرأ عليه فكبّر أبوبكر وقال: أراك خفت أن يختلف الناس إن متّ في غشيتي(2).

فهل يمكن للخليفة أن يلتفت إلى الخطر الكامن في ترك الاُمّة دون خليفة، ولا يلتفت إليه النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

3- وأمّا استخلاف عثمان، فقد اتّفقت كلمة المؤرّخين على أنّ عمر طلب ستة أشخاص من أصحاب النبي وهم: علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيداللّه، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقّاص،


1 . الامامة والسياسة لابن قتيبة 1 / 18 طبع مصر .
2 . الكامل في التاريخ لابن الأثير 2 / 292، الطبقات الكبرى 3 / 200 طبع بيروت .


(39)

وعبدالرحمان بن عوف، وكان طلحة غائباً.

فقال: يا معشر المهاجرين الأوّلين، انّي نظرت في أمر الناس فلم أجد فيهم شقاقاً ولا نفاقاً، فإن يكن بعدي شقاق ونفاق فهو فيكم، فتشاوروا ثلاثة أيّام فإن جاءكم طلحة إلى ذلك، وإلاّ فأعزم عليكم باللّه أن لا تتفرّقوا في اليوم الثالث حتّى تستخلفوا(1). حتّى قال لصهيب: «صلّ بالناس ثلاثة أيّام وأدخل هؤلاء الرهط بيتاً وقم على رؤوسهم فإن اجتمع خمسة وأبى واحد فاشدخ رأسه بالسيف، وإن اتّفق أربعة وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما... وإن رضى ثلاثة رجلا وثلاثة رجلا، فحكّموا عبداللّه بن عمر فإن لم يرضوا بحكم عبداللّه بن عمر، فكونوا مع الذين فيهم عبدالرحمان بن عوف، واقتلوا الباقين إن رغبوا عمّا اجتمع فيه الناس»(2) .

وهناك كلمات صدرت من الصحابة في ثنايا خلافة الخلفاء وبعدهم تعرب عن أنّ الرأي السائد والمرتكز في أذهانهم هو تعيين الخليفة وانّ مسألة نظام الشورى شعار رفعه معاوية مقابل علي ـ عليه السلام ـ على الرغم من أنّه استخلف عندما مات، ولم يعتدّ بمنطقه وإنّما جرّده سلاحاً على علىّ، وإن كنت في ريب من هذا الأمر نتلو عليك كلماتهم الّتي صدرت عفواً وارتجالا عند موت الخليفة وارتحاله:

4- نقل أنّ عمر بن الخطاب لمّا أحسّ بالموت قال لابنه عبداللّه: اذهب إلى عائشة وأقرأها منّي السلام، واستأذن منها أن اُقبر في بيتها مع رسول اللّه ومع أبي بكر، فأتاها عبداللّه بن عمر فأعلمها... فقالت: نعم وكرامة. ثمّ قالت: يا بنىّ أبلغ عمر سلامي فقل له: لا تدع اُمّة محمّد بلا راع، استخلف عليهم، ولا تدعهم


1 . الامامة و السياسة 1 / 23 .
2 . الكامل لابن الأثير 3 / 35 .


(40)

بعدك هملا، فإنّي أخشى عليهم الفتنة(1) فأتى عبداللّه (إلى أبيه) فأعلمه(2) .

5- نقل الحافظ أبو نعيم الاصفهاني المتوفّى عام 430 انّ عبداللّه بن عمر دخل على أبيه قبيل وفاته فقال: إنّي سمعت الناس يقولون مقالة، فآليت أن أقولها لك، وزعموا أنّك غير مستخلف، وأنّه لو كان لك راعي إبل ـ أو راعي غنم ـ ثم جاءك وتركها لرأيت أن قد ضيع، فرعاية الناس أشد(3) .

6- قدم معاوية المدينة ليأخذ من أهل المدينة البيعة ليزيد، فاجتمع مع عدّة من الصحابة إلى أن أرسل إلى ابن عمر فأتاه و خلا به فكلّمه بكلام وقال: إنّي كرهت أن أدع اُمّة محمّد بعدي كالضأن لاراعي لها(4) .

هذه النصوص تدل بجلاء على أنّ ادّعاء انتخاب الخليفة عن طريق الاستفتاء الشعبي أو بمراجعة أهل الحلّ والعقد، أو اتّفاق الأنصار والمهاجرين لم يكن له أصل ولا ذكر في دراسات المتقدّمين من أعلام التاريخ و كتّاب السيرة وعلماء المسلمين، وسيوافيك الكلام في استخلاف الصحابة بعضهم لبعض.

ولو دلّ هذا الأمر على شيء فإنّما يدلّ على أنّ الأصل الّذي كان يعتقد به جميع الصحابة والخلفاء في مسألة الخلافة والقيادة كان هو التنصيص والتعيين وعدم ترك الأمر إلى نظر الاُمّة وانتخابها.


1 . وهل يمكن أن تلتفت اُمّ المؤمنين إلى هذه النكتة ولا يلتفت إليها النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ !
2 . الامامة و السياسة للدينوري 1 / 32 .
3 . حلية الأولياء 1 / 44 .
4 . الامامة والسياسة 1 / 168 طبع مصر.


(41)

الفصل الثالث

ماهو مقتضى الكتاب والسنّة

في صيغة الخلافة بعد الرسول


(42)


(43)

إنّ مقتضى الكتاب والسنّة في صيغة القيادة بعد الرسول هو التنصيص لا التفويض إلى الاُمّة ولا ترك الأمر إلى الظروف والصدف، فنقدّم الكلام في السنّة فإنّها صريحة في التعيين وأمّا الكتاب فسيأتي البحث عنه.

فنقول: إنّ سيرة النبي الأكرم ونصوصه في مواقف مختلفة تثبت بوضوح أنّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ غرس النواة الاُولى في أمر القيادة منذ أن أصحر بالدعوة وتعاهدها إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة.

وهذه النصوص من الكثرة والوفرة بحيث إنّه لا يمكن استيعابها ولا ذكر كثير منها، ويكفينا مؤونة ذلك، الموسوعات الحديثية في المناقب والفضائل والمؤلّفات الكلامية في أمر الولاية، ونحن نكتفي بالقليل من الكثير .

1- التنصيص على الخليفة في حديث بدء الدعوة:

بُعث الرسول الأكرم لهداية الناس وإخراجهم من الوثنية إلى التوحيد، ومن الشرّ إلى الخير، ومن الشقاء إلى السعادة، و كانت الظروف المحدقة به قاسية جدّاً، لأنّه بعث في اُمّة عريقة في الوثنية، ويخاطبهم سبحانه: (لِتُنْذِرَ قَوْماً)


(44)

ما أُنذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ))(1)، فأخذ بالدعوة سرّاً ونشر دينه خفاءً سنوات عديدة إلى أن نزل قوله سبحانه: (وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)(2) فعند ذلك أمر الرسول علي بن أبي طالب وهو شاب يافع يتراوح عمره بين (13 سنة إلى 15) أمره رسول اللّه أن يعد طعاماً ولبناً ثم دعا (45) رجلا من سُراة بني هاشم ووجوههم، وبعد أن فرغوا من الطعام قال رسول اللّه: «إنّ الرائد لا يكذب أهله، واللّه الّذي لا إله إلاّ هو إنّي رسول اللّه إليكم خاصّة وإلى الناس عامّة، واللّه لتموتنّ كما تنامون، و لتبعثنّ كما تستيقظون، ولتحاسبنّ بما تعملون، وانّها الجنّة أبداً والنار أبداً ـ ثم قال: - يا بني عبدالمطلب إنّي واللّه ما أعلم شابّاً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به، انّي قد جئتكم بخير الدنيا و الآخرة، وقد أمرني اللّه عزّوجل أن أدعوكم إليه، فأيّكم يؤمن بي ويؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي و وصيّي وخليفتي فيكم» .

ولمّا بلغ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى هذا الموضع وقد أمسك القوم وسكتوا عن آخرهم، قام علي ـ عليه السلام ـ فجأة وقال: أنا يا رسول اللّه أكون وزيرك على ما بعثك اللّه، فقال له رسول اللّه: اجلس، ثم كرّر دعوته ثانية وثالثة، ففي كلّ مرّة يحجم القوم عن تلبية دعوته ويقوم علي ويعلن استعداده لمؤازرة النبي ويأمره رسول اللّه بالجلوس حتّى إذا كان في المرّة الثالثة، أخذ رسول اللّه بيده والتفت إلى الحاضرين من عشيرته الأقربين وقال: «إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا»(3) .


1 . يس / 6 .
2 . الشعراء / 214 .
3 . مسند أحمد 1 / 111، تاريخ الطبري 2 / 62 ـ 63، تاريخ الكامل 2 / 40 ـ 41، إلى غير ذلك من المصادر المتوفّرة يقف عليها من سبر كتب السيرة ـ عند سرد حوادث بدء الدعوة ـ وكتب التفسير في تفسير الآية الآنفة في سورة الشعراء .


(45)

نحن لا نُريد أن نحوم حول الرواية ونعرض عن الإشارة إلى ماجنى عليها بعض المؤرّخين والكتّاب الجدد(1) ولكن نذكر نكتة أنّ النبي أعلن وزيره وخليفته ووصيّه يوم أعلن رسالته وكأنّهما فرقدان في سماء الوحي لا يفترقان، وما القيادة بعد النبي إلاّ استمرار لوظائف النبوّة، وإن كانت النبوّة مختومة ولكن الوظائف والمسؤوليات كانتا مستمرّتين.

2- حديث المنزلة:

روى أصحاب السير والحديث أنّ رسول اللّه خرج إلى غزوة تبوك وخرج الناس معه فقال له علي: «أخرج معك»؟ فقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «لا»، فبكى علي فقال له رسول اللّه: «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبىّ بعدي، انّه لا ينبغي أن أذهب إلاّ وأنت خليفتي»، أخرجه البخاري في صحيحه(2) والاستثناء يدل على ثبوت ما لهارون من المناصب لعلي سوى النبوّة سيأتي توضيحه.

وروى مسلم في صحيحه انّ إمام الفئة الباغية قال لسعد بن أبي وقاص: ما منعك أن تسب أبا تراب فقال: امّا ما ذكرت ثلاثاً قالهنّ له رسول اللّه فلن أسبّه لأن تكون لي واحدة منها أحبّ إلىّ من حمر النعم، سمعت رسول اللّه يقول له وقد خلّفه في بعض مغازيه بعد ما شكى إليه علي بقوله: «يا رسول اللّه خلّفتني مع النساء والصبيان»: «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه


1 . كالدكتور محمد حسين هيكل في حياة النبي، لاحظ محاضراتنا في سيرة النبي وقد طبعت باسم (سيّد المرسلين 1 / 394 ـ 397) .
2 . صحيح البخاري 5 باب فضائل أصحاب النبي باب مناقب علي 24 وغيره .


(46)

لا نبوّة بعدي» .

وسمعته يقول يوم خيبر: «لاُعطينّ الراية رجلا يحبّ اللّه ورسوله، ويحبّه اللّه ورسوله» قال: فتطاولنا لها، فقال: «ادعوا لي عليّاً، فاُتي به أرمد العين، فبصق في عينه ودفع الراية إليه ففتح عليه.

ولمّا نزلت هذه الآية: (فَقُلْ تَعَالَوْ نَدْعُ أبْناءَنا وَ أبْناءَكُمْ) دعا رسول اللّه عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً، فقال: «اللّهمّ هؤلاء أهلي»(1) .

3- حديث الغدير:

إنّ حديث الغدير من الأحاديث المتواترة رواه الصحابة والتابعون والعلماء في كل عصر وجيل، ولسنا بصدد اثبات تواتره وذكر مصادره فقد قام غير واحد من المحقّقين بهذه المهمّة، وانّما الهدف ايقاف القارىء على نصوص الخلافة في حقّ علي حتّى يقف على أنّ النبي الأعظم هو الباذر الأوّل لبذرة التشيّع والدعوة إلى علي بالامامة والوصاية، وعلى أنّ مسألة التشيّع قد نشأت قبل رحلته، ونذكر في المقام ما ذكره ابن حجر وقد اعترف بصحّة سنده، يقول: إنّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ خطب بغدير خم تحت شجرات، فقال: «أيّها الناس أنّه قد نبّأني اللطيف الخبير أنّه لم يعمّر نبي إلاّ نصف عمر الّذي يليه من قبله، وانّي لأظن أنّي يوشك أن اُدعى فاُجيب وانّي مسؤول وانّكم مسؤولون فماذا أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنّك قد بلّغت وجهدت ونصحت فجزاك اللّه خيراً، فقال: «أليس تشهدون أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّداً عبده ورسوله وأنّ جنّته حق وأنّ ناره حقّ وأنّ الموت حق وأنّ البعث حق بعد الموت وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها وأنّ


1 . صحيح مسلم 6 باب فضائل علي 120 ـ 121 طبعة محمّد عليّ صبيح .

(47)

اللّه يبعث من في القبور؟» قالوا: بلى نشهد بذلك، قال: «اللّهمّ اشهد» ثمّ قال: «يا أيّها الناس إنّ اللّه مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فهذا ـ يعني عليّاً ـ مولاه اللّهمّ والِ من والاه وعاد من عاداه» ثمّ قال: «يا أيّها الناس انّي فرطكم وانّكم واردون علىّ الحوض، حوض أعرض ممّا بين بصري إلى صنعاء فيه عدد النجوم قدحان من فضّة وانّي سائلكم حين تردون علىّ عن الثقلين، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما الثقل الأكبر كتاب اللّه عزّوجلّ سبب طرفه بيد اللّه وطرفه بأيديكم فاستمسكوا به لا تضلّوا ولا تبدلوا، وعترتي أهل بيتي، فإنّه نبّأني اللطيف الخبير أنّهما لن ينقضيا حتّى يردا علىّ الحوض»(1).

وأخرجه غير واحد من أئمة الحديث منهم الإمام أحمد من حديث زيد بن أرقم قال: نزلنا مع رسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بواد يقال له وادي خم، فأمر بالصلاة فصلاّها بهجير، قال: «فخطبنا وظُلِّل لرسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بثوب على شجرة سمرة من الشمس، فقال: «ألستم تعلمون، أو لستم تشهدون، أنّي أولى بكل مؤمن من نفسه؟» قالوا: بلى، قال: «فمن كنت مولاه فعلي مولاه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه»(2) .

وأخرجه الحاكم في مناقب علي من مستدركه عن طريق زيد بن أرقم من طريقين صحّحها على شرط الشيخين قال: لمّا رجع رسول اللّه من حجّة الوداع ونزل غدير خم، أمر بدوحات فقممن، فقال: «إنّي دعيت فأجبت، قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب اللّه وعترتي، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما،


1 . الصواعق 43 ـ 44، وأخرجه من طريق الطبراني وغيره، وحكم بصحّته.
2 . مسند الامام أحمد 4 / 372، وأخرجه الامام أيضاً في مسنده من حديث البراء بن عازب من طريقين، لاحظ الجزء الرابع الصفحة 281 .


(48)

فانّهما لن يفترقا حتّى يردا علىّ الحوض ـ ثمّ قال: ـ إنّ اللّه عزّوجلّ مولاي وأنا مولى كل مؤمن ـ ثمّ أخذ بيد علي فقال: ـ من كنت مولاه فهذا وليّه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه...»(1) .

وأخرجه النسائي في خصائصه عن زيد بن أرقم قال: لمّا رجع النبي من حجة الوداع ونزل غدير خم أمر بدوحات فقممن ثمّ قال: «كأنّي دعيت فأجبت، وانّي تارك فيكم الثقلين: أحدهما أكبر من الآخر، كتاب اللّه وأهل بيتي، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما، فانّهما لن يفترقا حتّى يردا علىّ الحوض ـ ثمّ قال: ـ إنّ اللّه مولاي وأنا ولي كل مؤمن ـ ثمّ أخذ بيد علي فقال: ـ من كنت وليّه فهذا وليّه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه» قال أبو الطفيل: فقلت لزيد: سمعته من رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ؟ فقال: وإنّه ما كان في الدوحات أحد إلاّ رآه بعينه وسمعه باُذنه(2) .

إنّ سؤال أبي الطفيل يعرب عن حقيقة مرّة، وهو أنّه يرى التنافي بين مضمون الحديث وعمل الاُمّة، فإنّ الحديث نصٌّ على ولايته وخلافته والاُمّة صرفتها عن علي، فلأجل ذاك عاد يتعجّب ويسأل، وليس التعجّب مختصّاً به، فهذا هو الكميت يصرّح به في هاشمياته ويقول:

ويوم الدوح دوح غدير خم أبان له الخلافة لو اُطيعا

ولكن الرجال تبايعوها فلم أر مثلها خطراً مبيعا

ولم أر مثل ذاك اليوم يوماً ولم أر مثله حقّاً اُضيعا(3)


1 . المستدرك 3 / 109، مع أنّ الذهبي في تعليقته على المستدرك يعلّق على مواضع من تصحيحات الحاكم صرّح في هذا المقام بصحّة الحديث .
2 . الخصائص العلوية 21 .
3 . الهاشميات طبعت غير مرّة وشرحها غير واحد من اُدباء العصر كالرافعي المصريّ، والأستاذ محمد شاكر الخياط وقد دبَّ إليها الدس والتحريف، لاحظ الغدير 2 / 181 .


(49)

ولو أردنا استقصاء مصادر الحديث ومسانيده ورواته من الصحابة والتابعين والعلماء لأحوجنا ذلك إلى تأليف مفرد، وقد قام بحمداللّه أعلام العصر ومحقّقوه بذلك المجهود(1) .

والمهم هو دلالة الحديث على الولاية العامّة والخلافة الكبرى لعلي بعد الرسول، ويكفي في ذلك التدبّر في الاُمور التالية:

1- إنّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال في خطبته: «أنا أولى بهم من أنفسهم ـ ثمّ قال: ـ فمن كنت مولاه» وهذا قرينة لفظية على أنّ المراد من المولى هو الأولى، فالمعنى أنّ اللّه أولى بي من نفسي، وأنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ومن كنت أولى به من نفسه، فعلي أولى به من نفسه. وهذا هو معنى الولاية الكبرى للإمام.

2- ذيل الحديث وهو قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه» وفي بعض الطرق «وانصر من نصره واخذل من خذله» فإنّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لمّا نصّبه إماماً على الاُمّة بعده، كان يعلم أنّ تطبيق هذا الأمر رهن توفّر الجنود والأعوان وطاعة أصحاب الولايات والعمّال، مع علمه بأنّ في الملأ من يحسده وفيهم من يحقد عليه، وفي زمرة المنافقين من يضمر له العداء، فعاد يدعو لمن والاه ونصره، وعلى من عاداه وخذله، ليتمّ أمر الخلافة، ولِيُعْلم الناس أنّ موالاته موالاة للّه وأنّ عداءه عداؤه، والحاصل أنّ هذا الدعاء لا يناسب إلاّ من نصب زعيماً للإمامة والخلافة.

3- إنّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أصدر كلامه بأخذ الشهادة من الحضّار بأن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّداً رسول اللّه، ثمّ قال: إنّ اللّه مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا


1 . العبقات للسيد مير حامد حسين (ت 1306)، والغدير للعلامة الفذ عبدالحسين الأميني (ت 1390)، وكلاهما من حسنات الدهر .

(50)

أولى بهم من أنفسهم، فقال: «فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه» .

4- إنّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ذكر قبل بيان الولاية قوله: «كأنّي دعيت فأجبت» أو ما يقرب من ذلك، وهو يعرب أنّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لم يبق من عمره إلاّ قليل يحاذر أن يدركه الأجل، فأراد سد الفراغ الحاصل بموته ورحلته بتنصيب علىّ إماماً وقائداً من بعده .

هذه القرائن وغيرها الموجودة في كلامه، توجب اليقين بأنّ الهدف من هذا النبأ في ذلك المحتشد العظيم ليس إلاّ إكمال الدين واتمام النعمة من خلال ما أعلن عنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ انّ علياً قائد وإمام الاُمّة، ومن أراد التوسع في الاطلاع على هذه القرائن فليرجع إلى الأثر القيّم الغدير(1).

لا يشك من درس مضمون حديث الغدير وما حوله من القرائن يقف على أنّ المراد منه هو نصب علي للامامة والخلافة وهذا هو الّذي فهمه الحضّار من المهاجرين والأنصار في ذلك المحفل كما فهمه من بلغه النبأ بعد حين ممّن يُحتجّ بقوله في اللغة، وتتابع هذا الفهم فيمن بعدهم من الشعراء ورجال الأدب إلى العصر الحاضر، وهذا هو حسّان بن ثابت الحاضر مشهد الغدير وقد استأذن رسول اللّه أن ينظم الحديث في أبيات منها قوله:

وقال له قم يا علي فانّني رضيتك من بعدي إماماً وهاديا(2)

حتّى انّ عمرو بن العاص الّذي لا يخفى عداؤه لعلي على أحد يقول في قصيدته الّتي أرسلها إلى معاوية شاكياً إيّاه:

وكم قد سمعنا من المصطفى وصايا مخصّصة في علي


1 . الغدير 1 / 370، وقد ذكر هناك ما يقرب من عشرين قرينة على ما هو المراد من الحديث .
2 . رواة غير واحد من حفاظ الفريقين لاحظ الغدير 2 / 35 ـ 37 .


(51)

وفي يوم خم رقى منبراً * وبلّغ والصحب لم ترحل

فأمنحه إمرة المؤمنين * من اللّه مستخلف المنحل

وفي كفّه كفّه معلناً * ينادي بأمر العزيز العلي

وقال: فمن كنت مولى له * علي له اليوم نعم الولي(1)

شبهتان واهيتان:

وقد توالى فهم الاُدباء والعلماء على ذلك في طيّات القرون عبر النظم والنثر.

غير أنّ هناك لفيفاً من الناس ممّن يعاند الحقيقة ولا يرضى بقبولها، أبدى شبهتين ضعيفتين نذكرهما على وجه الإجمال:

الشبهة الاُولى:

إنّ المولى يراد به معان مختلفة فمنها،المحبّ والناصر، فمن أين علم أنّ المراد بها المتولّي والمالك للأمر والأولى بالتصرّف؟

يلاحظ عليه: أنّ لفظ المولى ليس له إلاّ معنى واحد وهو: الأولى. قال سبحانه: (فَالْيَوْمَ لا يُؤخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَ لاَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُم النَّارُ هِي مَوْلاكُمْ وَبِئسَ المَصير)(2) وقد فسّره غير واحد من المفسّرين بأنّ المراد أنّ النار أولى بكم، غير أنّ الّذي يجب التركيز عليه هو أنّ الاُولى هو المعنى الوحيد للمولى


1 . والقصيدة تربو على 66 بيتا، نقل قسماً منها ابن أبي الحديد في شرحه 10 / 56 ـ 57 ونقلها برمتها الأميني في الغدير 2 / 115 ـ 117 .
2 . الحديد / 15 .


(52)

وانّ كلّما ذكر من المعاني المختلفة له إنّما هي من موارد استعماله ومتعلّقاته، فقد ذكروا له من المعاني سبعة وعشرين معنى، خلطوا فيها المتعلّق بالمعنى، ومورد الاستعمال بالموضوع له، فقد قيل إنّ من معانيه الرب، والعم، والمعتق، والعبد، والمالك، والتابع، والمحب، والناصر وكلّها متعلّقات للمعنى، وليس له إلاّ معنى واحد وهو الجامع لهاتيك المعاني جمعاء، ومأخوذ في كل منها بنوع من العناية، ولم يطلق لفظ المولى على شيء منها إلاّ بمناسبة.

1- فالربّ سبحانه هو أولى بخلقه من أي قاهر عليهم، خلق العالمين كما شاءت حكمته يتصرّف فيه بمشيئته.

2- والعم أولى الناس بكلاءة ابن أخيه والعطف عليه وهو القائم مقام والده الّذي كان أولى به.

3- و«المعتِق» أولى بالتفضّل على من أعتقه، كما أنّ المعتق أولى بأن يعرف جميل من أعتقه عليه .

4- والمالك أولى بالتصرّف في ماله وكلاءة مماليكه .

5- والتابع أولى بمناصرة متبوعه ممّن لا يتبعه .

6- والمحب والناصر أولى بالدفاع عمّن أحبّه أو التزم بنصرته.

فإذن ليس للمولى إلاّ معنى واحد، وتختلف هذه الأولوية بحسب الاستعمال في الموارد المختلفة .

الشبهة الثانية:

المراد أنّه أولى بالإمامة مآلا وإلاّ كان هو الإمام مع وجود النبي ولا تعرض فيه لوقت المآل، فكان المراد حين يوجد عقد البيعة له، فلا ينافي حينئذ تقديم الأئمة


(53)

الثلاثة عليه(1).

وهذه الشبهة من الوهن بمكان، وذلك لأنّه لا يجتمع مع حكمة المتكلّم وبلاغته ولا مع شيء من أفعاله العظيمة وأقواله الجسيمة، وهو يستلزم أن لا تعم ولايته جميع الناس والحضّار، فيخرج عن ولايته الخلفاء الثلاثة، مع أنّ الشيخين ـ حينما سمعا قول رسول اللّه ـ قالا له: بخ بخ لك يا علي، أمسيت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة(2) .

حصيلة البحث:

إنّ من سبر غضون السير والتواريخ يقف على أنّ النبي الأكرم لم يبرح يدعو الناس إلى علي بالتصريح تارة، والاشارة اُخرى من بدء الدعوة إلى ختامها. فتارة يعرّفة بأنّه خليفته ووصيّه ووزيره، واُخرى بأنّ منزلته منه منزلة هارون من موسى، وأنّ له كل المناصب الثابتة لهارون إلاّ منصب واحد وهو النبوّة، والدليل على ذلك هو الاستثناء «إلاّ أنّه لا نبي بعدي» وقد كان هارون وزيراً لموسى وشريكاً له في النبوّة قال سبحانه: (وَ أَخِى هَارُونُ هُوَ أفْصَحُ مِنِّى لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِى إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ * قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآياتِنا أَنتَُما وَ مَنِ اتَّبَعَكُمَا الغَالِبُونَ)(3) وقال سبحانه حاكياً عن موسى: (وَاجْعَل لِى وَزيراً مِنْ أَهْلِى * هَارُونَ )أَخِى * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِى * وَأَشْرِكْهُ فِى أَمْرِى * كَىْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً * إِنَّكَ كُنْتَ


1 . الصواعق المحرقة 44 .
2 . مسند أحمد 4 / 281 .
3 . القصص / 34 ـ 35 .


(54)

بِنا بَصيراً * قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى))(1).

وثالثة ينصبه قائداً وإماماً في هواء حار وارض جافة في محتشد عظيم مبتدئاً كلامه بما يرجع إلى اُصول الدين من أخذ الشهادة من الناس على ولاية اللّه و ولاية الرسول ثم يأخذ بيد علي وهو على المنبر محرّكاً شعور الحاضرين وليشد القلوب نحو علي ويقول: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه» .

ودلالة هذه الأحاديث على خلافة من عيّنه الرسول على وجه لا ينكره إلاّ مكابر ولا يردّه إلاّ معاند، وكفانا في الموضوع ما ألّفه أصحابنا حول هذه الأحاديث الثلاثة .

* * *

مرجعية أهل البيت الفكرية بعد الرسول:

دلّت الأحاديث السابقة على أنّ الزعامة السياسية والخلافة بعد الرسول تتمثّل في علي وعترته، وهناك أحاديث متوفّرة تسوقنا إلى مرجعيتهم الفكرية وأنّهم الأئمة والأوصياء بعد الرسول وأنّه لابدّ للمسلم أن يرجع إليهم في دينه، ويأخذ عنهم اُصوله وفروعه، وأنّ النبي الأكرم جعلهم المغزع بعده، والعترة والكتاب توأمان لايفترقان، وإليك بعض ما ورد عن الرسول في المقام:

4- حديث الثقلين:

إنّ النبي الأكرم أيقظ الغافلين وبيّن مرجع الاُمّة بعد رحلته بهتافه الدوي وقال: «يا أيّها الناس إنّي تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا: كتاب اللّه وعترتي


1 . طه / 29 ـ 36 .

(55)

أهل بيتي»(1) .

وقال: «إنّي تركت ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي: كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الارض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتّى يردا علىّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما»(2) .

وقال: «إنّي تارك فيكم خليفتين: كتاب اللّه حبل ممدود ما بين السماء والأرض وعترتي أهل بيتي وانّهما لن يفترقا حتّى يردا علىّ الحوض»(3) .

وقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه وأهل بيتي وأنّهما لن يفترقا حتّى يردا علىّ الحوض»(4) .

وقال: «إنّي اُوشك أن اُدعى فاُجيب، وإنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه عزّوجلّ وعترتي، كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وأنّ اللطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يفترقا حتّى يردا علىّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما»(5) .

وقال في منصرفه من حجّة الوداع ونزوله غدير خم: «كأنّي دعيت فاجبت، انّي قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر، كتاب اللّه وعترتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما فانّهما لن يفترقا حتّى يردا علىّ الحوض»(6) .


1 . كنز العمال 1 / 44، أخرجه الترمذي والنسائي عن جابر.
2 . كنز العمال 1 / 44، أخرجه الترمذي عن زيد بن أرقم .
3 . مسند أحمد 5 / 182، 189 .
4 . المستدرك للحاكم 3 / 148 .
5 . مسند أحمد 3 / 17 ـ 26، أخرجه من حديث أبي سعيد الخدري .
6 . المستدرك للحاكم 3 / 109، أخرجه من حديث زيد بن أرقم .


(56)

5- حديث السفينة:

إنّ النبي الأكرم يشبّه أهل بيته بسفينة نوح ويقول: «ألا انّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجى ومن تخلّف عنها غرق»(1). وفي حديث آخر يقول: «إنّما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسرائيل من دخله غفر له»(2) وفي حديث ثالث: «النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق وأهل بيتي أمان لاُمّتي من الاختلاف، فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب ابليس»(3) .

ومن المعلوم أنّ المراد ليس جميع أهل بيته على سبيل الاستغراق لأنّ هذه المنزلة ليست إلاّ لحجج اللّه ولفيف من أهل بيته، وقد فهمه ابن حجر وقال: يحتمل أنّ المراد بأهل البيت الذين هم أمان، علماؤهم، لأنّهم الذين يهتدى بهم كالنجوم، والذين إذا فقدوا جاء أهل الأرض من الآيات ما يوعدون، ـ وقال في مقام آخر ـ انّه قيل لرسول اللّه: «ما بقاء الناس بعدهم؟» قال: «بقاء الحمار إذا كسر صلبه»(4).

والمراد من تشبيههم ـ عليهم السلام ـ بسفينة نوح: أنّ من لجأ إليهم في الدين فأخذ فروعه واُصوله عن أئمّتهم الميامين نجا من عذاب اللّه، ومن تخلّف عنهم كمن أوى يوم الطوفان إلى جبل ليعصمه من أمر اللّه غير أنّ ذاك غرق في الماء، وهذا غرق في الحميم.

والوجه في تشبيههم بباب حطة هو أنّ اللّه تعالى جعل ذلك الباب مظهراً من مظاهر التواضع لجلاله، والبخوع لحكمه، وبهذا كان سبباً للمغفرة، وقد جعل انقياد


1 . مستدرك الحاكم بسنده إلى أبي ذر 3 / 151 .
2 . الأربعون حديثاً للنبهاني 216، نقله عن الطبراني في الأوسط .
3 . مستدرك الحاكم بسنده إلى ابن عباس 3 / 149 .
4 . الصواعق لابن حجر (الباب الحادي عشر): 91، 142 .


(57)

هذه الاُمّة لأهل بيت نبيّها وأتباعهم، مظهراً من مظاهر التواضع لجلاله والبخوع لحكمه، وبهذا كان سبباً للمغفرة.

ثمّ إنّ ابن حجر قد أوضح حقيقة التشبيه في كلامه وقال: «ووجه تشبيههم بالسفينة أنّ من أحبّهم وعظّمهم شكراً لنعمة مشرّفهم، وأخذ بهدي علمائهم نجا من ظلمة المخالفات، ومن تخلّف عن ذلك غرق في بحر كفر النعيم، وهلك في مفاوز الطغيان ـ إلى أن قال: ـ وبباب حطة ـ يعني ووجه تشبيههم بباب حطة ـ انّ اللّه جعل دخول ذلك الباب الّذي هو باب أريحا أو بيت المقدس مع التواضع والاستغفار سبباً للمغفرة، وجعل لهذه الاُمّة مودّة أهل البيت سبباً لها»(1) .

وفي هذه الأحاديث الخمسة غنى وكفاية لطلاّب الحق .

***

الائمّة الاثنا عشر في حديث الرسول:

إنّ هناك روايات تحدّد وتعيّن عدد الأئمّة بعد الرسول، وإن لم تذكر أسماءهم، ولكنّها تذكر سماتهم وهذه هي أحاديث الأئمة الاثني عشر رواها أصحاب الصحاح والمسانيد نذكرها إكمالا للبحث، وهي على وجه لا ينطبق إلاّ على من عيّنهم الرسول ووصفهم بالخلافة والزعامة، ولذلك نذكرها في عداد أدلّة التنصيص على الخلافة. والإمعان فيها يرشد القارىء إلى الحق، ويأخذ بيده حتّى يرسي مركبه على شاطىء الأمان والحقيقة.


1 . لاحظ الصواعق (الباب الحادى عشر): 91، وقد علّق سيّدنا الإمام شرف الدين على كلام ابن حجر وقال: قل لي لماذا لم يأخذ بهدي أئمّتهم في شيء من فروع الدين و عقائده، ولا شيء من اُصول الفقه وقواعده، ولا شيء من علوم السنّة والكتاب، ولا في شيء من الأخلاق والسلوك والآداب فلماذا تخلّف عنهم فأغرق نفسه في بحار كفر النعم، وأهلكها في مفاوز الطغيان (المراجعات 25) .

(58)

ويطيب لي أن أذكر مجموع هذه النصوص فإنّها تؤكّد بعضها بعضاً وإليك البيان:

الائمة الاثنا عشر:

1- روى البخاري عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول اللّه يقول: «يكون اثنا عشر أميرا» فقال كلمة لم اسمعها، فقال أبي: أنّه قال: «كلّهم من قريش»(1) .

2- روى مسلم عنه أيضاً قال: دخلت مع أبي على النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فسمعته يقول: «إنّ هذا الأمر لا ينقضي حتّى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة» قال ثمّ تكلّم بكلام خفي علىّ، قال فقلت لأبي: ما قال؟ قال: «كلّهم من قريش» .

3- و روى مسلم عنه أيضاً قال: سمعت النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يقول: «لا يزال أمر الناس ماضياً ماوليهم اثنا عشر رجلا» ثمّ تكلّم النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بكلمة خفيت علىّ فسألت أبي: ماذا قال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ؟فقال: «كلّهم من قريش» .

4- وروى عنه أيضاً نفس الحديث إلاّ أنّه لم يذكر: «لا يزال أمر الناس ماضياً».

5- و روى مسلم عنه أيضاً يقول: سمعت رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يقول: «لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة» ثمّ قال كلمة لم أفهمها فقلت لأبي: ما قال؟ فقال: «كلّهم من قريش»(2) .


1 . صحيح البخاري 9 / 101، كتاب الأحكام، الباب 51 (باب الاستخلاف) .
2 . صحيح مسلم 6 / 3 .


(59)

6- وروى مسلم عنه ايضاً قال: انطلقت إلى رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ومعي أبي فسمعته يقول: «لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة» فقال كلمة صمَّنيها الناس، فقلت لأبي: ما قال؟، قال: «كلّهم من قريش» .

7- وروى مسلم عنه أيضاً قال: سمعت رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يوم جمعة عشية رجم الأسلمي يقول: «لا يزال الدين قائماً حتّى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش»(1) .

8- روى أبو داود عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول اللّه يقول: «لا يزال هذا الدين عزيزاً إلى اثني عشر» فكبّر الناس وضجّوا، ثمّ قال كلمة، خفيت، قلت لأبي: يا أبه ما قال؟ قال: «كلّهم من قريش»(2).

9- روى الترمذي عن جابر بن سمرة قال: قال رسول اللّه: «يكون من بعدي اثنا عشر أميراً» ثمّ تكلّم بشيء لم أفهمه فسألت الّذي يليني، فقال: قال: «كلّهم من قريش» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وقد روي من غير وجه عن جابر، ثمّ ذكر طريقاً آخر إلى جابر(3) .

10- روى أحمد في مسنده عن جابر بن سمرة قال: سمعت النبي يقول: «يكون لهذه الاُمّة اثنا عشر خليفة» ورواه عن 34 طريقاً(4) .

11- روى الحاكم في المستدرك على الصحيحين في كتاب معرفة الصحابة عن عون بن جحيفة عن أبيه قال: كنت مع عمّي عند النبي فقال: «لا يزال أمر اُمّتي


1 . صحيح مسلم 6 / 3 ـ 4 .
2 . صحيح أبي داود 2، كتاب المهدي 207 (طبع مصر) وروى أيضاً نحوه بطريقين آخرين .
3 . صحيح الترمذي 2 / 45 (طبع عام 1342) .
4 . مسند أحمد 5 / 86 ـ 108 .


(60)

صالحاً حتّى يمضي اثنا عشر خليفة» ثم قال كلمة وخفض بها صوته، فقلت لعمّي ـ وكان أمامي ـ : ما قال يا عم؟ قال: قال: «كلّهم من قريش»(1) .

ونحن نكتفي في حديث «الأئمة الاثنا عشر» بالأحاديث الاثنا عشر ولا نتجاوز عنها تيمّناً وتبرّكاً، ورواه كثير من أعلام الاُمّة في مجامعهم الحديثية والتاريخية.

1- رواه أحمد بسنده عن مسروق قال: كنّا جلوساً عند عبداللّه بن مسعود وهو يقرئنا القرآن، فقال له رجل: يا أبا عبدالرحمان هم سألتم رسول اللّه كم يملك هذه الاُمّة من خليفة؟ فقال عبداللّه بن مسعود: ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك، ثمّ قال: نعم، ولقد سألنا رسول اللّه فقال: «اثنا عشر كعدة نقباء بني اسرائيل(2) .

3- وقال المتّقي الهندي في منتخب كنز العمّال: يملك هذه الاُمّة اثنا عشر خليفة كعدد نقباء بني إسرائيل، وأخرجه عن أحمد والطبراني في المعجم الكبير، والحاكم في المستدرك(3) .


1 . المستدرك على الصحيحين (كتاب معرفة الصحابة) 3 / 617 ـ 618 (طبع الهند) .
2 مسند أحمد 1 / 398 .
3 . منتخب كنز العمّال بهامش مسند أحمد 5 / 312 .


(61)

4- قال السيوطي في تاريخ الخلفاء: وعند أحمد والبزار بسند حسن عن ابن مسعود، انّه سئل كم يملك هذه الاُمّة من خليفة؟ فقال: سألنا عنها رسول اللّه فقال: «اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل»(1) .

5- قال ابن حجر في الصواعق: أخرج الطبراني عن جابر بن سمرة انّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال: «يكون بعدي اثنا عشر أميراً كلّهم من قريش»(2) .

إلى غير ذلك من الأحاديث الدالّة على أنّ الأئمة بعد النبي الأكرم اثنا عشر، وقد جاء فيها سماتهم وصفاتهم وعددهم، غير أنّ المهم هو تعيين مصاديقها والاشارة إلى أعيانها وأشخاصها، ولا تعلم إلاّ بوجود السمات الواردة في هذه الأحاديث فيهم، وأمّا السمات الواردة فيها فإليك مختصرها:

1- لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة .

2- لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً .

3- لا يزال الدين قائماً .

4- لا يزال أمر اُمّتي صالحاً .

5- لا يزال أمر هذه الاُمّة ظاهراً .

6- حتّى يمضي فيهم اثنا عشر .

7- ما وليهم اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش .

8- عددهم كعدد نقباء بني إسرائيل .

وهذه السمات والخصوصيات لا توجد مجتمعة إلاّ في الأئمّة الاثني عشر المعروفين عند الفريقين، وتلك الأحاديث من أنباء الغيب ومعجزات النبي الأكرم


1 . تاريخ الخلفاء 10 .
2 . الصواعق 189 ط تخريج عبدالوهاب وعبد اللطيف .


(62)

خصوصاً إذا ضُمّت إليها أحاديث الثقلين والسفينة وكون أهل بيت النبي أماناً لأهل الأرض كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء، وسيوافيك تفصيل هذه الأحاديث الثلاثة .

فالأئمّة الاثنا عشر المعروفون بين المسلمين، أوّلهم علي أميرالمؤمنين، وآخرهم المهدي تنطبق عليهم تلك العلائم، ومن وقف على حياتهم العلمية والاجتماعية والسياسية يقف على أنّهم هم المثل العليا في سماء الاخلاق وفي القمّة والذروة في العلم والاحاطة بالقرآن والسنّة، وانّه سبحانه بهم حفظ دينه عن التحريف وبهم اعتزّ الدين .

وأمّا ما ورد في بعض هذه الطرق: «كلّهم تجتمع عليهم الاُمّة» على فرض الصّحة، فالمراد تجتمع على الاقرار بإمامتهم جميعاً وقت ظهور آخرهم، و ـ على فرض الابهام ـ لا تمنع عن الأخذ بمضامين الحديث .

هلمّ معي نقرأ ماذا يقول غير الشيعة في حق هذه الأحاديث، فكيف يفسّرها بالخلفاء القائمين بالأمر بعد النبي الأكرم؟ وإليك نقل كلامهم:

1- إنّ قوله اثنا عشر اشارة إلى عدد خلفاء بني اُميّة وأوّل بني اُميّة يزيد بن معاوية وآخرهم مروان الحمار وعدتهم اثنا عشر ولا يعد عثمان ومعاوية ولا ابن الزبير لكونهم صحابة، ولا مروان بن الحكم لكونه صحابياً أو لأنّه كان متغلبا بعد أن اجتمع الناس على عبداللّه بن الزبير، وليس على المدح بل على استقامة السلطنة وهم يزيد بن معاوية وابنه معاوية ثم عبدالملك ثم الوليد ثم سليمان ثم عمر بن عبدالعزيز ثم يزيد بن عبدالملك ثم هشام بن عبدالملك ثم الوليد بن يزيد ثم يزيد بن الوليد، ثم إبراهيم بن الوليد ثم مروان بن محمّد(1) .


1 . فتح الباري في شرح صحيح البخاري 13 / 212 ط دار المعرفة. وفي المصدر: عدتهم ثلاثة عشر .

(63)

يلاحظ عليه: إذا كان الرسول أراد هذا ولم يكن في مقام مدحهم فأي فائدة في الأخبار بذلك. ثمّ كيف يقول انّها صدرت على غير سبيل المدح مع ما عرفت من السمات الواردة الصريحة في المدح فيقول: «لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً قائماً»، أو «أمر اُمّتي صالحاً» والعجب انّه جعل أوّل الخلفاء يزيد بن معاوية بحجّة أنّه استقامت له السلطنة مع أنّه كيف استتبّت له السلطنة وقد ثار عليه العراق في السنة الاُولى وثار عليه أهل المدينة في السنة الثانية وكان مجموع أيّامه مؤلّفة من حروب دامية بين قتل ونهب وتدمير.

2- «إنّ المراد أنّه يملك اثنا عشر خليفة بهذه السمات بعد وفاة المهدي» وهذا من أغرب التفاسير لأنّها ظاهرة في اتصال خلافتهم بعصر النبي الأكرم ولأجل تبادر ذلك سأل الناس عبداللّه بن مسعود عن عدد من يملك أمر هذه الاُمّة(1) .

3- ما نقله ابن حجر في فتح الباري عن القاضي عياض انّ المراد الخلفاء الذين اجتمع عليهم الناس وهم أبوبكر، وعثمان، وعلي، ومعاوية، ويزيد، وعبدالملك، وأولاده الأربعة: الوليد ثم سليمان ثم يزيد ثم هشام، وعمر بن عبدالعزيز بين سليمان ويزيد، فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الراشدين والثاني عشر هو الوليد بن يزيد بن عبدالملك(2) .

ولا يكاد ينقضي تعجّبي من القاضي عياض وابن حجر كيف يعرّفان هؤلاء بمن عزّ بهم الإسلام والدين وصار منيعاً وفيهم يزيد بن معاوية ذلك السكير المستهتر الّذي كان يشرب الخمر ويدع الصلاة، ولم يكتف بذلك بل ضرب الكعبة بالمنجنيق


1 . فتح الباري في شرح صحيح البخاري 13 / 213 ومثله ما نقله أيضاً: اثنا عشر خليفة في جميع مدة الإسلام إلى يوم القيامة .
2 . المصدر نفسه ولاحظ تاريخ الخلفاء 11 .


(64)

وأباح المدينة ثلاثة أيّام بأعراضها وأموالها وأنفسها.

وهل اعتزّ الإسلام بعبد الملك وكفى في مساويه تنصيبه الحجاج على العراق فقتل من الصحابة والتابعين ما لا يخفى(1) .

كيف اعتزّ الدين بالوليد بن يزيد بن عبدالملك المنتهك لحرمات اللّه الّذي حاول أن يشرب الخمر فوق ظهر الكعبة ففتح المصحف فخرج (فَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلّ جَبّار عَنِيد) فألقاه ورماه بالسهام وقال:

تهددني بجبّار عنيد * فها أنا ذاك جبّار عنيد

إذا ماجئت ربّك يوم حشر * فقل يا رب مزّفتي الوليد

ومن أراد أن يقف على جنايات الرجل وأقربائه وأجداده فليقرأ التاريخ الّذي اسودّت صفحاته بسبب أفعالهم الشنيعة.

إنّ للكاتب القدير السيد محمّد تقي الحكيم كلاماً في هذه الأحاديث يطيب لي نقله. قال: والّذي يستفاد من هذه الروايات:

1- أنّ عدد الأمراء أو الخلفاء لا يتجاوز الاثني عشر وكلّهم من قريش .

2- أنّ هؤلاء الاُمراء معيّنون بالنص كما هو مقتضى تشبيههم بنقباء بني إسرائيل لقوله تعالى: (وَ لَقَد أَخَذَ اللّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وَ بَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَىْ عَشَرَ نَقِيباً)(2) .

3- أنّ هذه الروايات افترضت لهم البقاء ما بقي الدين الاسلامي أو حتّى تقوم الساعة كما هو مقتضى رواية مسلم «انّ هذا الأمر لا ينقضي حتّى يمضى فيهم اثنا عشر خليفة» وأصرح من ذلك روايته الاُخرى في نفس الباب: «لا يزال هذا الأمر في قريش


1 . تاريخ الخلفاء 250 و غيره.
2 . المائدة / 12 .


(65)

ما بقى من الناس اثنان».

إذا صحّت هذه الاستفاده فهي لا تلتئم إلاّ مع مبنى الإمامية في عدد الأئمة وبقائهم وكونهم من المنصوص عليهم من قبله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهي منسجمة جدّاً مع حديث الثقلين وبقاؤهما حتّى يردا عليه الحوض .

وصحّة هذه الاستفادة موقوفة على أن يكون المراد من بقاء الأمر فيهم بقاء الإمامة والخلافة ـ بالاستحقاق ـ لا بالسلطة الظاهرية لأنّ الخليفة الشرعي خليفة يستمد سلطته من اللّه، وهي في حدود السلطة التشريعية لا التكوينية، لأنّ هذا النوع من السلطة هو الّذي تقتضيه وظيفته كمشرع، ولا ينافي ذلك ذهاب السلطة منهم في واقعها الخارجي وتسلّط الآخرين عليهم، على أنّ الروايات تبقى بلا تفسير لو تخلّينا عن حملها على هذا المعنى لبداهة أنّ السلطة الظاهرية قد تولاّها من قريش أضعاف أضعاف هذا العدد، فضلا عن انقراض دولهم وعدم النص على أحد منهم ـ أمويين وعباسيين ـ باتّفاق المسلمين .

ومن الجدير بالذكر أنّ هذه الروايات كانت مأثورة في بعض الصحاح والمسانيد قبل أن يكتمل عدد الأئمة فلا يحتمل أن يكون من الموضوعات بعد اكتمال العدد المذكور، على أنّ جميع رواتها من أهل السنّة ومن الموثوقين لديهم ولعلّ حيرة كثير من العلماء في توجيه هذه الأحاديث وملاءمتها للواقع التأريخي كان منشؤها عدم تمكّنهم من تكذيبها، ومن هنا تضاربت الأقوال في توجيهها وبيان المراد منها .

والسيوطي ـ بعد أن أورد ما قاله العلماء في هذه الأحاديث المشكلة ـ خرج برأي غريب وهو: وعلى هذا فقد وجد من الاثني عشر الخلفاء الأربعة والحسن ومعاوية وابن الزبير وعمر بن عبدالعزيز في بني اُمية وكذلك الظاهر لما اوتيه من العدل، وبقي الاثنان منتظران، أحدهما المهدي لأنّه من أهل بيت محمّد ولم يُبيّن


(66)

المنتظر الثاني، ورحم اللّه من قال في السيوطي: انّه حاطب ليل» .

* * *

يستفاد من حديث الثقلين اُمور مهمة لو اهتمّت بها الاُمّة لاجتمعت على مائدة أهل البيت واستغنت عن غيرهم، وهاهي:

1- إنّ اقتران العترة الطاهرة بالقرآن الكريم إشارة إلى أنّ عندهم علم القرآن وفهمه علماً لائقاً بشأنه .

2- إنّ التمسّك بالكتاب والعترة يعصم من الضلالة ولا يغني أحدهما عن الآخر .

3- يحرم التقدّم على العترة كما يحرم الابتعاد عنهم .

4- إنّ العترة لا تفارق الكتاب، وانّهما مستمرّان إلى يوم القيامة .

أفيصحّ بعد هذه التصريحات والاشارات ترك العترة والأخذ بقول غيرهم؟

مقتضى الكتاب في صيغة القيادة بعد الرسول:

قد تعرّفت على مقتضى السنّة النبوية في مجال القيادة بعد الرسول، وكلّها تدل على أنّ الرسول قام بتعيين الوصي بعده، وعيّن خليفة المسلمين تعييناً شخصياً، وقد كرّر وأكّد ذلك في مواقف متعدّدة ـ حتّى لا يبقى شكّ ـ وحاول تأكيد الأمر في آخر ساعة من حياته الشريفة عن طريق الكتابة، ولكن حال بعضهم دون تحقق اُمنية الرسول، فلم يكتب شيئاً، وأمرهم بالخروج عن مجلسه، ونردف ذلك البحث بما وعدناه سابقاً من تبيين مقتضى الكتاب في مسألة الخلافة، وقد نزلت آيات أوضحها آية الولاية في سورة المائدة، فنحن نأتي بها مع ما يتقدّمها حتّى تتّضح دلالتها: (يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَ النَّصارى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُم أَولِيَاءُ بَعْض وَ مَن يَتَوَلَّهُم مَنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِى القَوْمَ الظَّالِمينَ* )


(67)

فَتَرَى الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأَتِىَ بِالْفَتْحِ أوْ أَمْر مِنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِى أَنفُسِهِمْ نَادِمينَ * وَ يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أهَؤلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِى اللّهُ بِقَوْم يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّة عَلَى المُؤمِنيِنَ أَعِزَّة عَلى الكَافِرينَ يُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللّهِ وَ لا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِم ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشآءُ وَ اللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُم راكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الغَالِبُونَ ))(1)، وموضع الاستدلال هو الآيتان الأخيرتان.

وقبل الاستدلال بالآية نذكر شأن نزولها:

روى المفسّرون عن أنس بن مالك وغيره أنّ سائلا أتى المسجد وهو يقول: من يقرض الملىّ الوفي، وعلي راكع يشير بيده للسائل: اخلع الخاتم من يدي. فما خرج أحد من المسجد حتّى نزل جبرئيل بـ (إنَّما وليّكم اللّه ورسوله والّذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون)فأنشأ حسّان بن ثابت يقول:

أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي * وكل بطيء في الهدى ومسارع

أيذهب مدحي والمحبين ضايعا * وما المدح في ذات الإله بضايع

فأنت الّذي أعطيت إذ أنت راكع * فدتك نفوس القوم يا خير راكع

بخاتمك الميمون يا خير سيّد * ويا خير شار ثم يا خير بايع


1 . المائدة / 51 ـ 56 .

(68)

فأنزل فيك اللّه خير ولاية * وبيّنها في محكمات الشرايع(1)

وإليك تفصيل الآية حرفياً:

1- الولي والمولى والأولى بمعنى واحد، قال رسول اللّه: «أيّما امرأة نكحت بغير اذن وليّها فنكاحها باطل...»(2) وقال: «يا علي أنت ولي كل مؤمن من بعدي»(3) ولو اُطلق على الناصر والمحب فهو كاطلاق المولى عليهما، وقد عرفت أنّه ليس للمولى إلاّ معنى واحد وهو الأولى، فلو أُطلق على الناصر والمحب فلأجل أنّ المحب أولى بالدفاع عن محبوبه والتزامه بنصرته، والصديق أولى بحماية صديقه، فتفسير الولي بالمحب والناصر والصديق من باب خلط المتعلّق بالمفهوم .

2- لو كان المراد من الولي هو الناصر وما أشبهه يلزم الاكتفاء بقوله (إنّما وليّكم اللّه ورسوله والّذين آمنوا)) من دون حاجة إلى التقييد بإيتاء الزكاة حال الركوع .

3- لو كان الولي بمعنى الناصر أو المحب يلزم وحدة الولي والمولّى عليه في قوله: (والّذين آمنوا)) وما هذا إلاّ لأنّ كل مؤمن ناصر لأخيه المؤمن ومحبّ له(4). مع أنّ ظاهر الآية أنّ هناك أولياء ثلاثة: 1- اللّه، 2- رسوله، 3- المؤمنون بالشروط الثلاثة، وأنّ هناك مولى عليه، وهو غير الثلاثة ولا يتحقّق


1 . رواه الطبري في تفسيره 6 / 186 والجصاص في أحكام القرآن 2 / 446 والسيوطي في الدر المنثور 2 / 293 وغيرهم .
2 . مسند أحمد 6 / 66 روتها عائشة عن النبي الأكرم .
3 . مسند أحمد 4 / 437، مستدرك الحاكم 3 / 111 .
4 . اللّهمّ إلاّ أن يقول القائل انّ المؤمنين الموصوفين بالأوصاف الثلاثة أولياء المؤمنين غير الموصوفين بها وهو كماترى تفسير ساقط .


(69)

ذلك المعنى إلاّ بتفسير الولي بالزعيم والمتصرّف في شؤون المولّى عليه، فهؤلاء الثلاثة أولياء وغيرهم مولّى عليهم .

4- فإذا كانت الحال كذلك فلماذا أفرد الولي ولم يجمعه؟ والجواب عنه واضح، وهو أنّه أفرده لإفادة أنّ الولاية للّه على طريق الأصالة وللرسول والمؤمنين على سبيل التبع، ولو قيل إنّما أولياؤكم اللّه ورسوله والذين آمنوا لم يكن في الكلام أصل وتبع.

5- إنّ قوله (الّذين يقيمون)) بدل من (الذين آمنوا)) كما أنّ الواو في قوله (وهم راكعون))للحال، وهو حال من قوله (يؤتون الزكاة)) معنى ذلك انّهم يؤتونها حال ركوعهم في الصلاة .

6- إذا كان المراد من قوله: (الّذين آمنوا)) هو الإمام علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ فلماذا جيىء بلفظ الجماعة؟ والجواب: جيىء بها ليرغّب الناس في مثل فعله لينالوا مثل ثوابه، ولينبّه على أنّ سجيّة المؤمنين يجب أن تكون على هذه الغاية من الحرص على البر والإحسان وتفقّد الفقراء حتّى إن لزمهم أمر لا يقبل التأخير وهم في الصلاة لم يؤخّروا إلى الفراغ منها(1) .

وهناك وجه آخر، وهو أنّه أتى بلفظ الجمع دون المفرد لأجل أنّ شانئي علي وأعداء بني هاشم، وسائر المنافقين من أهل الحسد والحقد، لا يطيقون أن يسمعوها بصيغة المفرد، إذ لا يبقى لهم حينئذ مطمع في تمويه، ولا ملتمس في التضليل، فيكون منهم ـ بسبب يأسهم ـ حينئذ ما تُخشى عواقبه على الإسلام، فجاءت الآية بصيغة الجمع مع كونها للمفرد اتّقاء من معرّتهم، ثمّ كانت النصوص بعدها تترى بعبارات مختلفة ومقامات متعدّدة وبثّ فيهم أمر الولاية تدريجاً تدريجاً


1 . الكشاف 1 / 648 طبع مصر الحلبي .

(70)

حتّى أكمل اللّه الدين وأتمّ النعمة، جرياً منه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ على عادة الحكماء في تبليغ الناس ما يشق عليهم(1) .

وهناك وجه ثالث أشار إليه الشيخ الطبرسي في تفسير الآية، وهو أنّ النكتة في اطلاق لفظ الجمع على أمير المؤمنين، تفخيمه و تعظيمه، وذلك أنّ أهل اللغة يعبّرون بلفظ الجمع عن الواحد على سبيل التعظيم، وذلك أشهر في كلامهم من أن يحتاج إلى الاستدلال عليه (2) .

7- إنّما ذكر من صفات الولي من الذين آمنوا إقامة الصلاة، وايتاء الزكاة، لأنّهما ركنان عظيمان للإسلام ووظيفتان رئيسيتان للقائد، وهو أن يقيم الصلاة (لا أن يصلّي وحده) ويؤتي الزكاة .

وعلى كل تقدير فتقييد الولي من المؤمنين بالاُوصاف الثلاثة، وتقييد إيتاء الزكاة بحال الركوع يجعل الكلّي مخصّصاً في فرد واحد، وهو مثل قولك: «رأيت رجلا سلّم علىّ أمس قبل كل أحد» وهو وإن كان كلّياً قابلاً للانطباق على كثيرين قبل التطبيق، لكنّه بعده ينحصر في فرد .

ثمّ إنّ إمام المشكّكين فخر الدين الرازي استشكل على الاستدلال بالآية بوجوه رديئة ساقطة نذكر بعضها ونترك الباقي صيانة للوقت عن الضياع، ولعلّه لأجل هذه التشكيكات لمّا دنا أجله أملى على تلميذه إبراهيم بن أبي بكر الاصفهاني وصيّة في الحادي والعشرين من محرّم سنة 606، وجاء في الوصيّة قوله: فاعلموا أنّي كنت رجلا محبّاً للعلم، فكنت أكتب في كل شيء شيئاً لا أقف على كمّيته وكيفيته،


1 . المراجعات 146 .
2 . مجمع البيان 2 / 211 .


(71)

سواء أكان حقّاً أو باطلا أو غثّاً أو سميناً...(1).

ألف ـ إنّ المراد من الولي في الآية ليس هو المتصرّف، بل المراد الناصر والمحب، بشهادة ما قبلها وما بعدها، أمّا ما قبل هذه الآية فلأنّه تعالى قال: (يا أيّها الذين آمنوا لا تَتَّخذوا اليهود والنصارى أولياء)) وليس المراد لاتتّخذوا اليهود والنصارى أئمة متصرّفين في أرواحكم وأموالكم، لأنّ بطلان هذا كالمعلوم. بل المراد لا تتّخذوا اليهود والنصارى أحباباً وأنصاراً ولا تخالطوهم ولا تعاضدوهم، ثمّ لمّا بالغ في النهي عن ذلك قال: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذوُا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَ الكُفَّارَ أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللّهَ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ))ـ المائدة/57ـ(2).

حاصل التشكيك هو أنّ الولي في الآية المتقدّمة والمتأخّرة بمعنى المحب والناصر فلو فسّرت في الآية بالمتصرّف يلزم التفكيك .

والجواب أنّ الولي في الآية المتقدّمة عليها والمتأخّرة عنها، وفي نفسها بمعنى واحد ليس له في جميع المقامات إلاّ معنى واحد وهو الأولى، غير أنّه يختلف متعلّق الولاية جوهراً أوّلا وسعة وضيقاً ثانياً، حسب اختلاف موصوفها ومن قامت به الولاية. فلو كان الولي هو اللّه والرسول فيكون متعلّق الولاية هو النفس والنفيس، فهم أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فكيف بأموالهم، فهما أولى بالتصرّف في كل مايمت إلى المؤمنين .

ولو كان الولي من الأب والجد، يكون المتعلّق شؤون الصغير ومصالحه ،


1 . دائرة المعارف لفريد وجدي 4 / 148 .
2 . مفاتيح الغيب 12 / 28 .


(72)

من حفظ نفسه وعرضه وماله. فيكون أولى بالتصرّف من الصغير في أمواله وشؤونه، ومنها تزويجه بالغير .

ولو كان الموصوف رئيس القبيلة، حيث كان الرائج في عهد الجاهلية، عقد ولاء الدفاع بين القبيلتين، فيكون هو أولى بالدفاع عن المنتمي في النوائب والنوازل، إلى غير ذلك من الموارد المختلفة حسب الموصوف.

وبذلك يظهر أنّ المراد من الأولياء في قوله (لا تتّخذوا اليهود والنصارى أولياء)) هو الأولى لما ستعرف من أنّها نزلت في حق (عبادة بن الصامت وعبداللّه بن اُبىّ) واليهود، وكان بينهما وبين اليهود عقد ولاء الدفاع فكان كل من الطرفين وليّاً للآخر، أي أولى بالدفاع والذب عن المولى عليه من غيره. قال المفسّرون: نزلت في حق عبادة بن الصامت وعبداللّه بن اُبي بعد غزوة بدر، حيث لمّا انهزم أهل بدر قال المسلمون لأوليائهم من اليهود: آمنوا قبل أن يُصيبكم اللّه بيوم مثل يوم بدر، فقال مالك بن ضيف (اليهودي): أغرّكم أن اصبتم رهطاً من قريش لاعلم لهم بالقتال، أما لو أمرونا العزيمة أن نستجمع عليكم، لم يكن لكم يدان لقتالنا، فجاء عبادة بن الصامت الخزرجي إلى رسول اللّه فقال: يا رسول اللّه إنّ لي أولياء من اليهود، كثير عددهم قويّة أنفسهم، شديدة شوكتهم، وانّي أبرأ إلى اللّه ورسوله من ولايتهم، ولا مولى لي إلاّ اللّه ورسوله. فقال عبداللّه بن اُبي: لكنّي لا أبرأ من ولاية اليهود، لأنّي أخاف الدوائر فلابد لي منهم. فقال رسول اللّه: «يا أبا الحباب ما نفست به من ولاية اليهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه» قال: اذن اقبل، وأنزل اللّه الآية(1) .

فقد اتّخذ الرجلان اليهود أولياء ليتفرّع عليه النصرة والذبّ كما أنّه سبحانه


1 . مجمع البيان 2 / 206 وغيره .

(73)

جعل الأب والجد أولياء ليتفرّع عليه حفظ شؤون المولى عليه، وعلى ضوء ذلك فالولي في جميع المقامات بمعنى واحد، والاختلاف انّما هو فيما يتفرّع على الولاية، لا أنّه تارة بمعنى الأولى وثانياً بمعنى الناصر وثالثاً بمعنى المحب .

ب ـ والّذي يرشدك على أنّ الولي في قوله سبحانه: (يا أيّها الّذين آمنوا لا تتَّخذوا اليهود والنصارى أولياء)) ليس بمعنى الحب والمحبّة كما احتمله الرازي، انّه ورد نظير هذا النص في قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَ إِخْوَانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلَى الإيمَانِ وَ مَن يَتَوَلَّهُم مِنكُمْ فَاُوْلئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ))(1) وليس الولي بمعنى المحبوب. وذلك لأنّ حب الآباء والاخوان أمر فطري، فطرالناس عليه من غير فرق بين الكافر والمسلم، ولو كان المراد من التولّي هو الحب يلزم النهي عن أمر جبلّيّ ولأجل ذلك لا محيص عن تفسيره باتخاذهم أولياء على غرار اتخاذ الرسول والإمام أولياء، بأن تكون ولايتهم على أعناق المؤمنين، كما أنّه ليس أيضاً بمعنى النصرة لجواز طلب النصرة من الكافر وهذا هو القرآن يجعل شيئاً من الزكاة للمؤلّفة قلوبهم .

ج - إنّ قوله (ومن يتولّهم منكم فإنّه منهم)) يحكي عن أنّ التولّي على وجه يلحق المتولّي باليهود والنصارى، وهو لا ينطبق على مجرّد الحب وطلب النصرة والحبّ لا لأجل كونهم كافرين، بل لأسباب اُخرى من حسن الجوار وغيره .

د ـ إنّه سبحانه يندّد ببعض المؤمنين بقوله: (يا أيّها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه...)وهذا يعرب عن أنّ التولّي كان على وجه ينتهي إلى ارتداد المتولّي .


1 . التوبة / 23 .

(74)

أفبعد هذه القرائن يصحّ للرازي أن يفسّر التولّي في هذه الآيات بالحب والنصرة. على أنّ تفسير ولاية اللّه والرسول بالحبّ والنصرة تفسير بأمر واضح لا يحتاج إلى زيادة تأكيد .

هذه هي الشبهة المهمّة في كلامه، وأمّا باقي الشبهات، فليس بشيء ذي بال.

مثلا يقول: لو نزلت الآية في حق علي، يجب أن يكون نافذ التصرّف حال حياة الرسول، والآية تقتضي كون هؤلاء المؤمنين موصوفين بالولاية في الحال(1) .

والجواب: انّ هذا المقام كان ثابتاً لعلي كثبوته للّه سبحانه والرسول، غير أنّه لا يقوم بتطبيقه على صعيد الحياة إلاّ عند الحاجة، وهو عند ارتحال الرسول ومفارقته الاُمّة، وهذا هو المفهوم من تعيين ولي العهد عند الاُمم .

وأنت إذا قارنت الآية وما ورد حولها من شأن النزول، وما نزل في حق علي من الآيات التي تعرّف طهارته من الذنب(2)، وكون حبّهم ومودّتهم أجراً للرسالة(3)، وانّه نفس النبي الأكرم(4)، انّ بيته من أفضل البيوت الّتي قال في حقّها سبحانه: (فِي بُيُوت أِذِنَ اللّهُ أَن تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ) ـ النور / 36 ـ (5) لوقفت على أنّ الذكر الحكيم يواكب السنّة في تعيين مصير الاُمّة الإسلامية في مجال القيادة


1 . مفاتيح الغيب 12 / 28 .
2 . اشارة إلى نزول قوله سبحانه: (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) في حق علي وأهل بيته ـ الأحزاب / 33 ـ .
3 . اشارة إلى قوله سبحانه: (قل لا أسئلكم عليه أجراً إلاّ المودّة فى القربى) ـ الشورى / 23 ـ .
4 . إشارة إلى قوله سبحانه في أمر المباهلة مع نصارى نجران: (فقل تعالوا ندع أبناءَنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم) ـ آل عمران / 61 ـ .
5 . إشارة إلى ما رواه السيوطي في الدر المنثور من قول أبي بكر للنبىّ بعد نزول الآية: قال يا رسول اللّه أهذا البيت منها ـ أي بيت علي وفاطمة ـ؟ قال: هم من أفاضلها 5 / 50 .


(75)

والخلافة وأنّه سبحانه ألقى مقاليد الزعامة إلى الإمام أميرالمؤمنين، وبذلك أخرج الاُمّة من التنازع والاحتكاك بعد الرسول الأعظم .

ونحن نكتفي من البرهنة على خلافة الإمام بهذه الآية، وهناك آيات استدلّ بها الأصحاب على ولاية الإمام، ونفي ولاية الغير، أوضحنا مداليلها في مؤلفاتنا الكلامية، فمن أراد فليرجع(1) .


1 . الإلهيات 2 / 618 ـ 632 .

(76)

(77)

الفصل الرابع

ما هو السرّ

في مخالفة الجمهور نص الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ


(78)


(79)

لقد ظهرت الحقيقة بأجلى صورها وثبت أنّ الرسول لم يرحل عن أُمّته إلاّ بعد أن نصّب علياً للخلافة والقيادة، ولكن هناك سؤال يطرح نفسه وهو أنّه لو كان الحق كما نطقت به النصوص كتاباً وسنّة، فلماذا أعرض الجمهور عن ما اُمروا أن يتمسّكوا به؟ وهذه هي الشبهة المهمّة في الباب وهذا هو السؤال الّذي ترك العقول متحيرة تبحث عن جواب مقنع، وقد اعتمد على ذلك بعض المنصفين من أهل السنّة في ردّه لمذهب أهل البيت ـ عليهم السلام ـ ، فقال: اُنظر إلى جمهور أهل القبلة والسواد الأعظم من ممثّلي هذه الملّة فإذا هم مع أهل البيت على خلاف ما توجبه ظواهر تلك الأدلّة، فانا اُؤامر منّي نفسين، نفساً تنزع إلى متابعة الأدلّة واُخرى تفزع إلى الأكثرية من أهل القبلة(1) .

والاجابة عن الشبهة سهلة لمن راجع التاريخ وسيرة الصحابة في عصر الرسول وبعده. فإنّ القرآن الكريم رغم أمره باتباع الرسول وعدم التقدّم عليه(2)، ورغم أمره


1 . من كلام شيخ الأزهر الشيخ سيلم البشري في رسالته إلى السيد شرف الدين، لاحظ المراجعات ص 25، رقم المراجعة 11 .
2 . (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاتُقَدِّمُوا بَيْنؤ يَدَىِ اللّهِ وَ رَسُولِهِ وَ اتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ـ الحجرات / 1 ـ .


(80)

بالتسليم له وأنّ الايمان رهنه(1)، ورغم أنّه يندّد ببعض المسلمين الذين كانوا يتمنّون طاعة الرسول لهم في بعض المواقف وقال: (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللّهِ لَوْ يُطيعُكُم فِى كَثِير مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ))(2). رغم كل ذلك نشاهد رجالا يقفون أمام النبي في غير واحد من المواقف ويخالفونه بعنف وقوّة ويقدّمون الاجتهاد والمصالح الشخصية على أوامر الرسول في مواطن كثيرة، وإليك نزراً يسيراً منها وبالالمام بها تسهل عليك الاجابة عن السرّ في مخالفة عدّة من الأصحاب لأمر النبي في مسألة الوصاية والقيادة:

1- اختلافهم مع النبي في الأنفاق والاُسرى:

انتصر المسلمون في غزوة بدر وجمع غير واحد من المسلمين ما في معسكر العدو فاختلف المسلمون فيه، فقال من جمعه: هو لنا ،وقال الذين يقاتلون العدوّ ويطلبونه: واللّه لولا نحن ما أصبتموه، لنحن شغلنا عنكم القوم حتّى اصبتم ما أصبتم، وقال الذين يحرسون رسول اللّه: ما أنتم بأحقّ به منّا واللّه لقد رأينا أن نقتل العدوّ إن منحنا اللّه كرّة العدوّ فقمنا دونه، فما أنتم بأحق به منّا. فنزل قوله سبحانه: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ للّهِ و الرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللّهَ وَ أَصْلِحُوا ذَاتِ بَيْنِكُمْ وَ أَطِيعُوا اللّهَ وَ رَسُولَهُ إِن كُنتُم مُؤمِنينَ) ـ الأنفال / 1 ـ (3) .

وأمّا اختلافهم في الأسرى فيكفي في ذلك قوله سبحانه: (مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أنْ)


1 . (فَلاَ وَرَبِّكَ لا يُؤمِنونَ حتّى يُحَكِّمُوكَ فِيَما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوْا فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) ـ النساء / 65 ـ .
2 . الحجرات / 7 .
3 . السيرة النبوية لابن هشام 1 / 641 ـ 662 .


(81)

يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِى الأرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا واللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ واللّهُ عِزِيزٌ حَكِيمٌ * لولا كِتابٌ مِنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظيمٌ))(1). نحن نضرب الصفح عمّا ذكره المفسّرون حول الآية من القصص غير أنّ قوله سبحانه (لولا كتاب...)) يعرب عن أنّهم اختلفوا إلى حدّ كانوا مستحقّين لنزول العذاب لولا سبق كتاب من اللّه، ومن الجرأة ما يظهر عن بعض المفسّرين(2) من أنّ العتاب يعم النبي أيضاً مع أنّ نبىّ العظمة أجلّ من أن يشاركهم في العتاب فضلا عن العقاب وحاشا ساحة الحق أن يهدّد نبيّه بعذاب عظيم وقد عصمه من المعاصي، والعذاب العظيم لا ينزل إلاّ على عمل اجرامي كبير، ونحن لا نفسّر الآية ولا نريد أن نخوض في خصوصيّات القصة ويكفينا أنّها تكشف عن تباعد المؤمنين على النبىّ في مسألة الأسرى إلى حدّ استحقّوا هذا التنديد .

2- مخالفتهم الأمر الرسول في اُحد:

ورد رسول اللّه اُحد حين بلغه أنّ أباسفيان يريد شنّ هجوم على المدينة، واستقبل الرسول المدينة وجعل جبل عينين عن يساره، ونصب خمسين رجلا نبّالا على جبل عينين وأمَّر عليهم عبداللّه بن جبير وقال له: «انضح الخيل عنّا بالنبل، لا يأتوننا من خلفنا إن كانت لنا أو علينا، فاثبت مكانك لا تؤتين من قبلك».

ولمّا صار الانتصار حليف المسلمين وأخذ العدو بالانسحاب عن ساحة القتال مولّياً نحو مكّة، خالف الرماة أمر الرسول وأخلوا مكانهم طمعاً في الغنائم، فكلّما نصحهم أميرهم بالبقاء وعدم ترك العينين خالفوه .


1 . الأنفال / 67 ـ 68 .
2 . لاحظ الأقوال في الميزان 9 / 137 .


(82)

ولمّا رأى العدو المنهزم أنّ جبل العينين قد أضحى خالياً من الرماة، وكان جبل العينين يقع على ضفتين يتخلّلهما معبر، فاستغل العدو الفرصة فأدار خالد بن الوليد من معه من وراء المسلمين، فورد المعسكر من هذا المعبر على حين غفلة منهم، فوضع السيوف فيهم فقتل منهم لفيفاً إلى أن تحوّل النصر إلى هزيمة، وكان ذلك نتيجة مخالفة المسلمين لوصيّة الرسول، وتقديماً للاجتهاد على النص، والرأي الخاطئ على الدليل، وكم له من نظير في حياة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وبعد وفاته .

3- مخالفتهم في صلح الحديبية:

دخلت السنة الثالثة للهجزة واشتاق النبي إلى زيارة بيت اللّه فأعدّ العدّة للعمرة ومعه جمع من أصحابه وليس معهم من السلاح إلاّ سلاح المسافر فلمّا وصلوا إلى أرض الحديبية، منعوا من مواصلة السير، فبعد تبادل الرسل بينه وبين رؤساء قريش اصطلحوا على وثيقة ذكرها أصحاب السيرة في كتبهم. فكانت نتيجة تلك الوثيقة رجوع النبي إلى المدينة ومجيئه في العام القابل للزيارة، وقد ذكر فيها شروط للصلح اثارت حفيظة بعض المسلمين، حتّى أنّ عمر بن الخطاب وثب فأتى أبابكر فقال: «أليس برسول اللّه؟ قال: بلى، قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلان نعطى الدنيّة في ديننا»(1) .

فقد زعم الرجل أنّ البنود الواردة في صلح النبي تعني اعطاء الدنية في الدين، حتّى أنّ النبي أخبرهم حين الشخوص من المدينة أنّ اللّه سبحانه أراه في المنام أنّ المسلمين دخلوا المسجد الحرام، فلمّا انصرفوا ولم يدخلوا مكّة، قالوا: ما حلقنا ولا


1 . السيرة النبوية لابن هشام 2 / 316 ـ 317 .

(83)

قصّرنا ولا دخلنا المسجد الحرام، فأنزل اللّه سبحانه قوله: (لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الَحَرَامَ إِنَّ شَاءَ اللّهُ آمِنين)(1) .

ولو أراد المتتبّع أن يتعمّق في السيرو التفاسير يجد أنّ مخالفة القوم للرسول لم تكن مختصّة بموضوع دون موضوع، فكان تقديم الاجتهاد على النص شيئاً رائجاً عندهم ولنكتف في المقام بالمخالفتين الأخيرتين أيّام مرض وفاته.

4- مخالفتهم في تجهيز جيش اُسامة:

اتّفق المؤرّخون على أنّ النبي الأكرم أمر بتجهيز جيش اُسامة فقال: «جهّزوا جيش اُسامة، لعن اللّه من تخلّف عنه» فقال قوم: «يجب علينا امتثال أمره» واُسامة قد برز من المدينة، وقال قوم: «قد اشتدّ مرض النبي فلا تسع قلوبنا مفارقته والحال هذه، فنصبر حتّى ننظر أي شيء يكون من أمره»(2) .

هذا ما يذكره الشهرستاني ملخّصاً، وذكره المؤرّخون على وجه التفصيل، فقال الطبري في أحداث سنة إحدى عشرة: «وضرب على الناس بعثاً وأمّر عليهم اُسامة بن زيد، وأمره أن يوطىء من آبل الزيت من مشارف الشام الأرض بالأردن، فقال المنافقون في ذلك، وردّ عليهم النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «إنّه لخليق لها أي حقيق بالامارة وإن قلتم فيه لقد قلتم في أبيه من قبل، وإن كان لخليقاً لها» فطار الأخبار بتحلل السير بالنبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ (3) .

ويقول أيضاً: «لقد ضرب بعث اُسامة، فلم يستتبّ لوجع رسول اللّه وقد أكثر


1 . الفتح / 27 .
2 . الملل والنحل للشهرستاني 1 / 29 ـ 30 (تحقيق محمّد بن فتح اللّه بدران) .
3 . تاريخ الطبري 2 / 429 .


(84)

المنافقون في تأمير اُسامة، فخرج النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ على الناس عاصباً رأسه من الصداع لذلك وقال: «وقد بلغني أنّ أقواماً يقولون في أمارة أُسامة، ولعمري لئن قالوا في أمارته لقد قالوا في أمارة أبيه من قبله، وإن كان أبوه لخليقاً للامارة وأنّه لخليق لها بعد اُسامة» وقال: «لعن اللّه الذين يتّخذون قبور أنبيائهم مساجد»(1) فضرب بالجرف وأنشأ الناس في العسكر، ونجم طليحة وتمهّل الناس وثقل رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فلم يستتم الأمر ينظرون أوّلهم آخرهم حتّى توفّى اللّه نبيّه»(2) .

وقد ذكر القصة ابن سعد في طبقاته(3)، والحلبي في سيرته(4)، ومن أراد التوسّع فليرجع إليهما.

5- مخالفتهم النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ

في احضار القلم والدواة:

عن ابن عباس قال: «لمّا اشتدّ بالنبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وجعه، قال: «ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده» قال عمر: إنّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ غلبه الوجع وعندنا كتاب اللّه حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغط، قال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ «قوموا عنّي ولا ينبغي عندي التنازع» فخرج ابن عباس يقول: إنّ الرزيّة كل الرزيّة ما حال بين رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وبين كتابه(5) .


1 . لا يخفى أنّه لاصلة لهذه الجملة لما قبل القصة وما بعده ولعلّه تحريف لما نقلناه عن الشهرستاني من أنه لعن المتخلّفين فبدّله الراوي بهذا .
2 . تاريخ الطبري 2 / 430 .
3 . الطبقات 2 / 189 ـ 190 .
4 . السيرة 3 / 227 ـ 228 .
5 . صحيح البخاري 1 باب كتابة العلم 30، الطبقات الكبرى 2 / 242 وجاء فيه: فقال بعض من كان عنده انّ نبي اللّه ليهجر .


(85)

إنّ الراوي نقل الرواية بالمعنى كي يخفف من شدة الصدمة التي تحصل فيما لو نقل الرواية بألفاظها والشاهد على ما نقول أنّ البخاري نفسه روى الرواية بشكل آخر أيضاً، فروى عن ابن عباس إنه كان يقول: يوم الخميس وما يوم الخميس ثمّ بكى حتّى بلّ دمعه الحصى قلت: ياابن عباس ما يوم الخميس؟ قال: اشتدّ برسول اللّه وجعه فقال: «ائتوني بكتف اكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده أبداً» فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: ما له؟ أهجر، استفهموه، فقال: «ذروني فالذي أنا فيه خير ممّا تدعونني إليه» فأمرهم بثلاث قال: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم» و الثالثة خير إمّا أن سكت عنها وإمّا أن قالها فنسيتها»(1) .

ولعلّ الثالثة الّتي نسيها الراوي هو الّذي كان أراد النبي أن يكتبه حفظاً لهم من الضلال ولكن ذكره شفاهاً عوض كتابته، لكن السياسة اضطرّت المحدّثين إلى ادّعاء نسيانه .

ولعلّ النبي أراد أن يكتب في مرضه تفصيل ما أوجبه عليهم في حديث الثقلين وتشهد بذلك وحدة لفظهما، حيث جاء في الثاني: «إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا كتاب اللّه وعترتي».

وقد فهم الخليفة ما يريده رسول الإسلام وحدّث به بعد مدة من الزمن لابن عباس فقال له يوماً: يا عبداللّه إنّ عليك دماء البدن إن كتمتها، هل بقي في نفس علي شيء من الخلافة؟ قال ابن عباس: قلت: نعم، قال: أو يزعم أنّ رسول اللّه نصّ عليه؟ قلت: نعم، فقال عمر: لقد كان من رسول اللّه في أمره ذروة من قول لا تثبت حجّة، ولا تقطع عذراً ولقد كان يربع في أمره وقتاً ما، ولقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه


1 . صحيح البخاري 4 باب اخراج اليهود من جزيرة العرب 99 .

(86)

فمنعت من ذلك اشفاقاً وحيطة على الإسلام، فعلم رسول اللّه انّي علمت ما في نفسه فأمسك(1) .

والعجب أنّ أحمد أمين مع ما يكن على الشيعة من عداء وقسوه يعترف بما ذكرنا بصراحة .

أراد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في مرضه الّذي مات فيه أن يعيّن من يلي الأمر بعده ففي الصححين: البخاري ومسلم أنّ رسول اللّه لمّا اصفرّ قال: هلمّوا أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده، وكان في البيت رجال منهم عمر بن الخطاب فقال عمر: إنّ رسول اللّه قد غلب عليه الوجع(2) وعندكم القرآن. حسبنا كتاب اللّه فاختلف القوم واختصموا فمنهم من قال: قرّبوا إليه يكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده ومنهم من قال القول ما قاله عمر فلمّا أكثروا اللغو(3) والاختلاف عنده ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال: قوموا فقاموا. وترك الأمر خصوصاً لمن جعل المسلمين طوال عصرهم يختلفون على الخلافة حتّى عصرنا هذا بين السعوديين والهاشميين(4) .

هذه نماذج من مخالفة القوم لصريح النصوص الصادرة عن النبي الأكرم، وكل ذلك يعرب عن فقدانهم روح التسليم للنبي ولأحكامه، فلم يكونوا ملتزمين بما لا يوافق أهواءهم وأغراضهم من النصوص، نعم، ربّما يوجد بينهم من كان أطوع


1 . شرح نهج البلاغة 3 / 17، وكأنَّ الرجل كان أشفق على الإسلام من رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .
2 . وفي موضع آخر في صحيح البخاري: أنّه قال «إنّ الرجل ليهجر» .
3 . والصحيح: اللغط .
4 . أحمد أمين يوم الإسلام: 41 .


(87)

للنبي من الظل لذي الظل، ولكن المتنفّذين لم يكونوا متعبّدين بالنصوص فضلا عن تعبّدهم بالاشارات والرموز، وربّما كانوا يقابلون النبي بكلمات عنيفة يقابل بها من هو أقل منه شأناً.

وياليت انّهم اكتفوا في مجال المخالفة للنصوص أثناء حياته، ولكنّهم خالفوها بعد وفاته أكثر ممّا خالفوها أيّام حياته، يقف على ذلك من سبر التاريخ وسيرة الخلفاء في غير واحد من المجالات .

ولقد حاول الشهرستاني في ملله ونحله(1)، والسيد الشريف في شرح المواقف(2) تحديد بدء الخلاف بين المسلمين بأيّام مرض النبي عندما كان طريح فراشه. ولكن ذلك التحديد من حسن ظنّهما بالصحابة وأنّهم كلّهم عدول، غير أنّك عرفت أنّ تاريخ الخلاف يرجع إلى بدايات الهجرة، وقد اكتفينا بموارد خمسة وضربنا الصفح عن ذكر موارد اُخرى .

هذا كلّه يرجع إلى مخالفتهم الرسول فيما يامر وينهى أيّام حياته، وأمّا مخالفتهم لنصوص الرسول بعد رحلته فحدّث عنها ولا حرج .

1- التصرّف في أذان الفجر:

أخرج الإمام مالك في موطئه: انّ المؤذّن جاء إلى عمر بن الخطاب يؤذنه بصلاة الصبح، فوجده نائماً فقال: الصلاة خير من النوم. فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح .

وقال الزرقاني في تعليقته على هذه الكلمة من شرحه للموطأ ما هذا لفظه: هذا


1 . الملل و النحل 1 / 29، ولاحظ التبصير في الدين للاسفرائيني 19 .
2 . شرح المواقف 8 / 372 .


(88)

البلاغ أخرجه الدارقطني في السنن من طريق وكيع في مصنّفه عن العمري عن نافع عن ابن عمر عن عمر أنّه قال لمؤذّنه: إذا بلغت حىّ على الفلاح في الفجر فقل: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم(1) .

2- الحيلولة بين فاطمة وميراثها:

استفاضت الآيات باطلاقاتها تارة ونصوصها تارة اُخرى على أنّ أولاد الأنبياء يرثون آباءهم كسائر الناس أمّا الاطلاقات فيكفي في ذلك قوله سبحانه: (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِى أوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الاُنثَيَيْنِ)(2) وأمّا النصوص فيكفي في ذلك قوله سبحانه: (وَوَرِثَ سُلَيَْمانُ دَاوُدَ)(3) وقال سبحانه ناقلا عن زكريا: (فَهَبْ لِى مِن لَدُنكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِى وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً)(4) .

إنّ طلب زكريا من اللّه سبحانه أن يهبه ولداً وأن يجعله رضيّاً لأوضح دليل على أنّ المراد من الوراثة، والوراثة في المال لا النبوّة، لبداهة أنّ الإنسان لا يكون نبيّاً إلاّ أن يكون رضيّاً، على أنّ لفظ الوراثة وما يشتق منه ظاهر في الوراثة في المال ولا يستعمل في غيره إلاّ توسّعاً ومجازاً ومع ذلك فقد خالفت القيادة بعد رسول اللّه هذا النص وحرّمت فاطمة من ميراث أبيها بحجّة أنّه سمع من النبي قوله: نحن الأنبياء لا نورث، مع أنّه لو صحّ هذا الحديث لكان على النبي أن يذكره لورّاثه حتّى لا يقعوا في الخطأ ولا يطلبوا شيئاً ليس لهم، فهل أنّ النبي أهمل هذا البيان اللازم وذكره لغير


1 . الموطأ باب ما جاء من النداء في الصلاة الحديث 8، والموطأ مع شرح الزرقاني 1 / 150 طبع مصر .
2 . النساء / 11 .
3 . النمل / 16 .
4 . مريم / 5 ـ 6 .


(89)

وارثه؟

روى البخاري عن عائشة: انّ فاطمة ـ عليها السلام ـ بنت النبي أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول اللّه ممّا أفاء اللّه عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر، فقال أبوبكر: «إنّ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال: «لا نورث ما تركنا صدقة، إنّما يأكل آل محمّد من هذا المال»، وإنّي واللّه لا اُغيّر شيئاً من صدقة رسول اللّه عن حالها الّتي كان عليها في عهد رسول اللّه، ولأعملنّ فيها بما عمل به رسول اللّه» فأبى أبوبكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر، فهجرته، فلم تكلّمه حتّى توفّيت، وعاشت بعد النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ستّة أشهر، فلمّا توفّيت دفنها زوجها علي ليلا، فلم يؤذِن بها أبابكر، وصلّى عليها(1) .

وقال ابن قتيبة: قال عمر لأبي بكر (رضى اللّه عنهما): انطلق بنا إلى فاطمة فإنّا قد أغضبناها فانطلقاجميعاً فاستأذنا على فاطمة، فلم تأذن لهما، فأتيا عليّاً فكلّماه، فأدخلهما عليها، فلمّا قعدا عندها حوَّلت وجهها إلى الحائط، فسلّما عليها فلم ترد السلام، فتكلّم أبوبكر وقال: يا حبيبة رسول اللّه، واللّه إنّ قرابة رسول اللّه أحبّ إلىّ من قرابتي، وانّك لأحبّ إلىّ من عائشة ابنتي، ولوددت يوم مات أبوك أنّي متّ ولا ابقى بعده، أفتراني أعرفك وأعرف فضلك وشرفك وأمنَعْك حقّك وميراثك من رسول، إلاّ أنّي سمعت أباك رسول اللّه يقول: «لا نورث ما تركنا فهو صدقة»(2) .

يلاحظ عليه أوّلا: أنّ الرسول الأعظم وكذا كل من يتولّى الحكومة الإسلامية تكون له ملكيتين: ملكية شخصية تتعلّق بنفسه ويتصرّف فيها بما أنّها ماله الشخصي، وملكية تتعلّق بمقام الرسالة ويتصرّف فيها بما أنّه رسول وممثّل


1 . صحيح البخاري 5 باب غزوة خيبر 139 .
2 . الإمامة والسياسة لابن قتيبة 1 / 13 .


(90)

الدولة الإلهية، والقسم الثاني من الملكيتين لا تورث بل تنتقل إلى من يمارس المسؤولية بعده. ونحن نربأ بفاطمة أن تطالب أبابكر بالأموال الّتي تعد من شؤون الدولة الإسلامية وانّما جاءت لتطلب ما كان ملكاً خاصّاً لأبيها، بما أنّه أحد الناس والمسلمين، يملك ما شاء باحدى الطرق الشرعية ويرثه أولاده بعده .

ثانياً: أنّ ما يرويه البخاري عن الخليفة أنّه قال: «وإنّي واللّه لا اُغيّر شيئاً من صدقة رسول اللّه عن حالها الّتي كان عليها» واقع في غير محلّه لأن حبيبة رسول اللّه لم تطلب منه صدقات أبيها حتّى تجاب بأنّ الصدقة لا تغيّر ولا تتبدّل و إنّما سألته أن يدفع لها ما ملكه رسول اللّه ونحله لبنته أعني فدك أيّام حياته عندما نزل قوله سبحانه: (وَ آتِ ذَالقُرْبى حَقَّهُ وَ المِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ)(1) .

نحن نفترض أنّ الرسول قال: لا نورث ما تركناه صدقة، ولكن من المحتمل جدّاً، أنّ الفعل «لا نورث» فعل معلوم لا مجهول ومعناه نحن معاشر الأنبياء لا نورث الأشياء الّتي تركناها صدقة، فيكون لفظة ما مفعولا للفعل المبني على الفاعل وعند ذلك لاصلة للحديث بكل ما يتركه النبي حتّى أمواله الشخصية والمقصود النهائي هو أنّ الصدقة لا تورث كالزكاة وأمثالها.

3- النهي عن متعة الحج:

قال سبحانه: (فَمَنْ تَمَتَّع بِالعُمْرَةِ اِلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْىِ)(2) فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيّام فِى الحَجِّ وَ سَبْعَة إذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ


1 . الاسراء / 26 .
2 . أي فعليه ما يتسيّر من الهدي، ومن لم يجد الهدي ولا ثمنه فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج، وهي يوم السابع من ذي الحجّة وتنتهي بيوم عرفة، والتمتّع بالعمرة إلى الحج ليس لأهل مكّة ومن يجري مجراهم في القرب إليها.


(91)

لِمَن لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى المَسْجِدِ الحَرَامِ))(1) .

إنّ صفة التمتّع بالعمرة إلى الحج عبارة عن الاحرام في أشهر الحج من احدى المواقيت، ثم الدخول إلى مكّة للطواف بالبيت والصلاة بعده، والسعي بين الصفا والمروة ثم التقصير وعندئذ يحلّ له كل ما كان محرماً عليه، فيقيم على هذه الحالة حتّى ينشأ في تلك السنة احراماً آخر للحج ويخرج إلى عرفات ثمّ يفيض إلى المشعر الحرام، إلى آخر الأعمال، هذا هو التمتّع بالعمرة إلى الحج، وانّما اُضيف الحج بهذه الكيفية إلى التمتع وقال سبحانه: (فَمَن تَمَتَّعَ بالعمرة إلى الحجّ))لما فيه من المتعة واللذّة باباحة محرمات الاحرام في المدّة المتخلّلة بين الاحرامين من غير فرق بين محرَّم وآخرَ حتّى مسِّ النساء .

هذا هو الّذي شرّعه القرآن وخالفه بعض أصحاب السلطة، روى مالك عن سعد بن أبي وقّاص والضّحّاك بن قيس: لا يفعل ذلك إلاّ من جهل أمر اللّه عزّوجلّ، فقال سعد: بئس ما قلت يا ابن أخي، فقال الضحاك: فإنّ عمر قد نهى عن ذلك ،فقال سعد: قد صنعها رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وصنعناها معه(2) .

روى أحمد بن حنبل عن أبي موسى: انّه كان يفتي بالمتعة، فقال له رجل: رويدك ببعض فتياك فإنّك لا تدري ما أحدث أميرالمؤمنين في النسك بعدك، حتّى لقيه بعد فسأله، فقال عمر ـ رضي الله عنه ـ : قد علمت أنّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قد فعله وأصحابه ولكن كرهت أن يظلّوا بهن معرسين في الاراك ثمّ يروحون بالحج


1 . البقرة / 196 .
2 . موطأ مالك 235 باب ما جاء في التمتّع برقم 767 .


(92)

تقطر رؤوسهم(1) .

وروى أيضاً عن طريق آخر عنه: انّ عمر ـ رضي الله عنه ـ قال: هي سنّة رسول اللّه ـ يعني المتعة ـ ولكن أخشى أن يعرسوا بهنّ تحت الاراك، ثمّ يروحوا بهنّ حجّاجاً(2) .

وقد استفاض القول عن الخليفة انّه قال: متعتان كانتا على عهد رسول اللّه وأنا أنهى عنهما واُعاقب عليهما(3) .

قال القرطبي: لا خلاف بين العلماء في أنّ التمتّع جائز وأنّ الإفراد جائز، وأنّ القِران جائز لأنّ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ رضي كلاّ ولم ينكره في حجّته على أحد من أصحابه، بل أجازه لهم ورضيه منهم... احتجّ من فضّل التمتّع بما رواه مسلم عن عمران بن حصين، قال: نزلت آية المتعة في كتاب اللّه ـ يعني متعة الحج ـ وأمرنا بها رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ثم لم تنزل آية تنسخ آية متعة الحج، ولم ينه عنها رسول اللّه حتّى مات، قال رجل برأيه بعد ما شاء(4) .

4- اسقاط سهم ذوي القربى من الخمس بعد وفاة الرسول :

ورد النص في الذكر الحكيم على أنّ لذي القربى سهم من الخمس قال سبحانه: (وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُم مِن شَىْء فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَ للرَّسُولِ وَ لِذِى)


1 . مسند أحمد 1 / 49 - 50 .
2 . مسند أحمد 1 / 49 ـ 50 .
3 . تفسير الامام الرازي 5 / 167 وفسّر الآية بالتمتّع بمحظورات الاحرام، وشرح التجريد للمحقّق القوشجي (وهو من أئمة الأشاعرة): وقد عدّه من اجتهاد الخليفة. نعم هو من اجتهاده مقابل النص .
4 . الجامع لأحكام القرآن 2 / 388 .


(93)

القُرْبَى وَ اليَتَامَى وَ المَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُم آمَنْتُم بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ))(1). وقد أجمع أهل القبلة على أنّ الرسول كان يختصّ بسهم من الخمس ويخصّ أقاربه بسهم آخر. وأنّه لم يعهد تغيير ذلك حتّى دعاه اللّه إليه. غير أنّ أصحاب السلطة بعد الرسول أسقطوا سهم بني هاشم من الخمس، وجعلوهم كغيرهم من يتامى النساء و مساكينهم وأبناء السبيل منهم، وقد عرفت في المخالفة الثالثة أنّ فاطمة ـ عليها السلام ـ طلبت من أبي بكر ما بقى من خمس خيبر .

ويشهد بذلك ما أخرجه الإمام أحمد من حديث ابن عباس أنّه كتب إليه نجدة يسأله عن سهم ذي القربى، وعن اليتيم متى ينقضي يتمه، وعن المرأة والعبد يشهدان الغنيمة، وعن قتل أطفال المشركين، فكتب إليه ابن عباس: انّك كتبت إلىّ تسأل عن سهم ذي القربى لمن هو؟ وانّا كنّا نراها لقرابة رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فأبى ذلك علينا قومنا. وعن اليتيم متى ينقضي يتمه؟ قال: إذا احتلم...(2) .

هذا وقد نقل القرطبي أقوالا في كيفيّة تقسيم الخمس، وهي بين من يأخذ بنص الآية ويجعل سهماً لذي القربى ومن يجتهد أمام النص. ونقلها صاحب المنار في تفسيره(3) .

5- قطع سهم المؤلّفة قلوبهم:

قال سبحانه: (إِنَّما الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرآءِ وَ المَسَاكِينِ و العَامِلينَ عَلَيْهَا)


1 . الأنفال / 41 .
2 . مسند أحمد 1 / 248 .
3 . تفسير القرطبي 8 / 10، المنار 10 / 17 ـ 18 .


(94)

والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِى الرِّقَابِ وَ الغَارِمينَ وَ فِى سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللّهِ وَ اللّهُ عَلَيمٌ حَكِيمٌ))(1)، الآية صريحة في أنّ لكلّ واحد من الأصناف المذكورة سهم ودلّت كتب السيرة والفقه على أنّ الرسول يعطي سهم المؤلّفة قلوبهم، فيؤلّف بذلك قلوبهم، وهذه سيرته المستمرّة معهم، لكن لمّا ولّي ابوبكر جاء المؤلّفة قلوبهم لاستيفاء سهمهم جرياً على عادتهم مع رسول اللّه فكتب أبوبكر لهم بذلك، فذهبوا بكتابه إلى عمر ليأخذوا خطّه عليه فمزّقه وقال: لا حاجة لنا بكم، فقد أعزّ الله الإسلام وأغنى عنكم، فإن أسلمتم وإلاّ فالسيف بيننا وبينكم، فرجعوا إلى أبي بكر فقالوا له: أنت الخليفة أم هو؟ فقال: بل هو إن شاء اللّه تعالى، وأمضى ما فعله عمر(2) .

فاستمرّ الأمر على ذلك بعدهم، وأقصى ما عند المحقّقين من تبرير عمل الخليفة ما ذكره الدواليبي في كتابه اُصول الفقه وقال: ولعلّ اجتهاد عمر ـ رضي الله عنه ـ في قطع العطاء الّذي جعله القرآن الكريم للمؤلّفة قلوبهم كان في مقدّمة الأحكام الّتي قال بها عمر تبعاً لتغيير المصلحة بتغير الأزمان رغم أنّ النص القرآني لا يزال ثابتاً غير منسوخ(3) .

وما ذكره الاُستاذ يعارض ذيله صدره، فما معنى أنّ النص القرآني لا يزال ثابتاً غيرمنسوخ، فإذا كان غير منسوخ فما معنى الاجتهاد في مقابل النص، لأنّ معنى ذلك ابطال القرآن في فترة خاصة، ولو صحّ لأصحاب السلطة هذا النمط من العمل لما بقي من الإسلام أثر، فالنص لا يتغيّر ولا يتبدّل ولا تتقيّد اطلاقاته ولا عموماته بالمصالح المرسلة .


1 . التوبة / 60 .
2 . الجوهرة النيرة 1 / 164 وهي في الفقه الحنفي ونقله في المنار 10 / 576 .
3 . اُصول الفقه للدواليبي: 239 .


(95)

نعم يجوز على القول بعدم لزوم الاستيعاب في تقسيم الزكاة، دفعها إلى صنف دون صنف، لكنّه إنّما يجوز مؤقّتاً لا دائماً، غير أنّ الخليفة قام بقطع سهم المؤلّفة قلوبهم من رأس، وهذا هو الّذي فهمه أبو حنيفة، والشافعي(1) بحجّة أنّ اللّه أعزّ الإسلام وهو اجتهاد من عمر بأنّه ليس من المصلحة استمرار هذا الأمر. ولا نريد من الاجتهاد في مقابل النص إلاّ هذا .

هذه نماذج خمسة من مخالفتهم للنصوص والعمل وفق اجتهادات ذوقية، غير أنّ أصحاب السلطة قدّموها على النصوص بقوة وحماس، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ النصوص كانت أداة طيّعة للتغيير حسب الأهواء والميول الشخصية سواء أكانوا مقصّرين في هذا التأويل أم قاصرين .

والهدف ايقاف القارىء على أن مخالفة النصوص لأصحاب النفوذ لم يكن أمراً عسيراً أو شيئاً نادراً .

وبذلك تبيّن أنّ إعراضهم عن أدلّة تنصيب الإمام للخلافة، لم يكن أمراً عجيباً، وذلك لجريان سيرة الصحابة على تقديم المصالح المزعومة على النصوص وبذلك يقطع العذر على من زعم أنّه لو كان في مسألة الخلافة وامامة الامام أميرالمؤمنين، نصّ، لما خالفه الصحابة العدول وتلقّوه بالقبول. فيقال أوما أمرهم النبىّ، بإحضار القلم والدواة، فحالوا بينه وبين منيته، أو ماحثهم على تجهيز جيش اُسامة ولعن المتخلّفين عنه، ولكنّهم اثّاقلوا إلى الأرض أو ما.. أوما...

وهناك كلمة لابن ابي الحديد، وهو يقارن بين سياستي علي وعمر و سياستي علي ومعاوية وإليك نصّه .

اعلم انّ السائس لا يتمكّن من السياسة البالغة إلاّ إذا كان يعمل برأيه، وبما يرى


1 . المنار 10 / 576 .

(96)

فيه صلاح ملكه وتمهيد أمره وتوطيد قاعدته، سواء أوافق الشريعة أم لم يوافقها، ومتى لم يعمل في السياسة والتدبير بموجب ما قلناه، وإلاّ فبعيد أن ينتظم أمره أو يستوثق حاله .

وأميرالمؤمنين ـ عليه السلام ـ كان مقيّداً بقيود الشريعة، مدفوعاً إلى اتّباعها، ورفض ما يصلح اعتماده من آراء الحرب والكيد والتدبير، إذا لم يكن للشرع موافقا، فلم تكن قاعدته في خلافته، قاعدة غيره ممّن لم يلتزم بذلك ولسنا بهذا القول ضارّين على عمر بن الخطاب ولا ناسبين إليه ما هو منزّه عنه، ولكنّه كان مجتهداً يعمل بالقياس والاستحسان، والمصالح المرسلة، ويرى تخصيص عمومات النص بالآراء وبالاستنباط، من اُصول، تقتضي خلاف ما يقتضيه عموم النص، ويكيد خصمه، ويأمر اُمراءه بالكيد والحيلة، ويؤدّب بالدرّة والسوط من يغلب على ظنّه أنّه يستوجب ذلك، ويصفح عن آخرين قد اجترموا ما يستحقّون به التأديب. كل ذلك بقوّة اجتهاده وما يؤدّيه إليه نظره. ولم يكن أميرالمؤمنين ـ عليه السلام ـ يرى ذلك، وكان يقف مع النصوص والظواهر ولا يتعدّاها إلى الاجتهاد والأقيسة، ويطبّق اُمور الدنيا على الدين ويسوق الكل مساقاً واحداً، فاختلفت طريقتاهما في الخلافة والسياسة(1) .

وقال الجاحظ: وربّما رايت بعض من يظن بنفسه العقل والتحسين والفهم والتمييز، وهو من العامة وهو يظن أنّه من الخاصة يزعم أنّ معاوية كان أبعد غوراً، وأصحّ فكراً، وأجود رؤية وأبعد غاية، وأدق مسلكاً، وليس الأمر كذلك، وسأومي إليك بجملة تعرف بها موضع غلطه، والمكان الّذي دخل عليه الخطأ من قبله .


1 . شرح نهج البلاغة 10 / 572 .

(97)

كان علي ـ عليه السلام ـ لا يستعمل في حربه، إلاّ ما وافق الكتاب والسنّة، وكان معاوية يستعمل خلاف الكتاب والسنّة، كما يستعمل الكتاب والسنّة(1) .

وفي حياة الخليفة عشرات الشواهد على اجتهاده تجاه النص، وأي اجتهاد تجاهه أظهر وأولى من منع تدوين الحديث وكتابته الّذي هو المصدر الثاني الرئيسي للمسلمين بعد الذكر الحكيم، وقد بلغت السنّة من الكمال مكانة حتّى صار لفظ السنّي شعاراً لجمهور المسلمين .

ولعلّ في قوله سبحانه: (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بِيْنَ يَدَىِ اللّهِ وَ رَسُولِهِ واتَّقُوا اللّهَ إنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم))(2). إشارة إلى بعض هذه الاُمور، ومعنى الآية: لا تقولوا حتّى يقول، ولا تأمروا حتّى يأمر، ولا تفتوا حتّى يفتي، ولا تقطعوا أمراً حتّى يقطع، بالتالي: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنّة فانّه تقدُّم على اللّه و رسوله.

فإذا كان هذا حال الخليفة وعمله طيلة حياته، فلا عجب أن يجتهد أمام نصوص الولاية والخلافة ويسدل عليها الستار، ولا يلتفت إليها ويندفع إلى تتبع مظان المصالح المزعومة في مجال الخلافة بعد عصر الرسول، وفي ما ذكرنا من مظان الاجتهاد أمام النص كفاية لطالب الحق .


1 . شرح نهج البلاغة 10 / 578، نقلا عن أبي عثمان الجاحظ .
2 . الحجرات / 1 .


(98)


(99)

الفصل الخامس

مبدأ التشيّع و تاريخ تكوّنه


(100)


(101)

زعم غير واحد من الكُتّاب القدامى والجُدد، أنّ التشيّع كسائر المذاهب الإسلامية، من إفرازات الصراعات السياسية وذهب بعض آخر إلى القول انّه نتيجة الجدال الكلامي والصراع الفكري، فأخذوا يبحثون عن تاريخ نشوئه وظهوره في الساحة الإسلامية وكأنّهم يتلقّون التشيّع كظاهرة طارئة على المجتمع الاسلامي، ويظنّون أنّ القطاع الشيعي من جسم الاُمّة الإسلامية باعتباره قطاعاً تكوَّن على مرّ الزمن لأحداث وتطوّرات سياسية أو اجتماعية فكرية أدّت إلى تكوين ذلك المذهب كجزء من ذلك الجسم الكبير ثمّ اتّسع ذلك الجزء بالتدريج .

وبعد أن افترض هؤلاء أنّه أمر طارىء، أخذوا بالفحص والتفتيش عن علّته أو علله، فذهبوا في تعيين المبدأ إلى كونه ردّة فعل سياسية أو فكرية كما سيوافيك، ولكنّهم لو كانوا عارفين أنّ التشيّع ولد منذ عهد النبىّ الأكرم لما تسرّعوا في ابداء الرأي في ذلك المجال، ولعلموا أنّ التشيّع والإسلام وجهان لعملة واحدة، وليس للتشيّع تاريخ ولا مبدأ، سوى تاريخ الإسلام و مبدئه. وأنّ النبىّ الأكرم هو الغارس لبذرة التشيّع في صميم الإسلام من أوّل يوم اُمر بالصدع واظهار الحقيقة، إلى ان لبّى دعوة ربّه .

فالتشيّع ليس إلاّ عبارة عن استمرار قيادة النبىّ بعد وفاته عن طريق من نصبه


(102)

إماماً للناس، وقائداً للاُمّة حتّى يرشدها إلى النهج الصحيح والهدف المنشود، وكان هذا المبدأ أمراً ركّز عليه النبىّ في غير واحد من المواقف الحاسمة، فإذا كان التشيّع متبلوراً في استمرار القيادة بالوصي، فلا نجد له تاريخاً سوى تاريخ الإسلام والنصوص الواردة عن رسوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

وقد عرفت في الفصل الثالث نصوصاً متوفرة في وصاية الامام أميرالمؤمنين، فتاريخ صدورها عن النبىّ هو نفس تاريخ التشيّع، والشيعة هم المسلمون المهاجرين والأنصار ومن تبعهم باحسان في الأجيال اللاحقة، هم الذين بقوا على ما كانوا عليه في عصر الرسول في أمر القيادة ولم يُغيِّروه ولم يتعدّوا عنه إلى غيره، ولم يأخذوا بالمصالح المزعومة في مقابل النصوص، وصاروا بذلك المصداق الأبرز لقوله سبحانه: (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَينَ يَدَىِ اللّهِ وَ رَسُولِهِ وَ اتَّقُوا اللّهَ إنَّ اللّهَ سَميعٌ عَليمٌ)(1) ففزعوا في الاُصول والفروع إلى علي وعترته الطاهرة، وانحازوا عن الطائفة الاُخرى الذين لم يتعبّدوا بنصوص الخلافة والولاية وزعامة العترة حيث تركوا النصوص، وأخذوا بالمصالح .

إنّ الآثار المرويّة في حقّ شيعة الامام عن لسان النبىّ الأكرم ترفع اللثام عن وجه الحقيقة وتعرب عن التفاف قسم من المهاجرين حول الوصي، فكانوا معروفين بشيعة علي في عصر الرسالة، وانّ النبىّ الأكرم وصفهم في كلماته بأنّهم هم الفائزون، وإن كنت في شكّ من هذا الأمر فسأتلوا عليك بعض ما ورد من النصوص في المقام .

1- أخرج ابن مردويه عن عائشة، قالت: قلت يا رسول اللّه من أكرم الخلق على اللّه؟ قال: «يا عائشة، أما تقرأين (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ)


1 . الحجرات / 1 .

(103)

اُوْلئِكَ هُمْ خَيْرُ البريَّة)) ـ البيّنة / 7 ـ »(1) .

2- أخرج ابن عساكر عن جابر بن عبداللّه قال: كنّا عند النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فأقبل علي فقال النبي: «والّذي نفسي بيده إنّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة،ونزلت (إنّ الّذين آمنوا وعملوا الصالحات اُولئك هم خير البريّة)) فكان أصحاب النبي إذا أقبل علي قالوا: جاء خير البريّة(2) .

3- أخرج ابن عدي وابن عساكر عن أبي سعيد مرفوعاً: علىّ خير البريّة(3) .

4- وأخرج ابن عدي عن ابن عباس قال: لمّا نزلت (إنّ الّذين آمنوا وعملوا الصالحات اُولئك هم خير البريّة)) قال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لعلي: «هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيّين» .

5- أخرج ابن مردويه عن علي قال: قال لي رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «ألم تسمع قول اللّه: (إنّ الّذين آمنوا وعلموا الصالحات اُولئك هم خير البريّة)) أنت وشيعتك وموعدي وموعدكم الحوض إذا جاءت الاُمم للحساب تدعون غرّاً محجّلين»(4) .

6- روى ابن حجر في صواعقه عن اُمّ سلمة: كانت ليلتي، وكان النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عندي فأتته فاطمة فتبعها علي(رحمهما الله) فقال النبي: يا علي أنت وأصحابك في الجنّة، أنت وشيعتك في الجنّة (5).

7- روى ابن الأثير في نهايته: قال النبي مخاطباً عليّاً: يا علي إنّك ستقدم على


1 . الدر المنثور للسيوطي 6 / 589 .
2 . الدر المنثور للسيوطي 6 / 589 .
3 . الدر المنثور للسيوطي 6 / 589 . 4 . الدر المنثور للسيوطي 6 / 589 .
5 . الصواعق: 161 طبع مكتبة القاهرة .


(104)

اللّه أنت وشيعتك راضين مرضيّين، ويقدم عليه عدوُّك غضابا مقمحين، ثم جمع يده إلى عنقه يريهم كيف الإقماح. قال ابن الأثير: الإقماح: رفع الرأس وغض البصر(1) .

8- روى الزمخشري في ربيعه: انّ رسول اللّه قال: «يا علي إذا كان يوم القيامة أخذت بحجزة اللّه تعالى، وأخذت أنت بحجزتي، وأخذ ولدك بحجزتك، وأخذ شيعة ولدك بحجزهم، فترى أين يؤمر بنا»(2) .

9- روى أحمد في المناقب: انّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال لعلي: «أما ترضى أنّك معي في الجنّة والحسن والحسين وذرّيتنا خلف ظهورنا، وأزواجنا خلف ذرّيتنا، وشيعتنا عن أيماننا وشمائلنا»(3).

10- روى الطبراني: انّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال لعلي: «أوّل أربعة يدخلون الجنّة أنا وأنت والحسن والحسين وذرّيتنا خلف ظهورنا، وأزواجنا خلف ذرّياتنا، وشيعتنا عن أيماننا وشمائلنا»(4).

11- أخرج الديلمي: «يا علي إنّ اللّه قد غفر لك ولذرّيتك ولولدك ولأهلك ولشيعتك، فابشر انّك الأنزع البطين»(5) .

12- أخرج الديلمي عن النبي انّه قال: «أنت وشيعتك تردون الحوض روّاء مرويين، بيضة وجوهكم وانّ عدوّك يردون الحوض ظماء مقمحين»(6) .

13- روى المغازلي بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه:


1 . النهاية مادة قمح 4 / 106، ورواه ابن حجر في الصواعق 154 .
2 . ربيع الأبرار .
3 . الصواعق 161 .
4 . الصواعق 161 .
5 . الصواعق 161 .
6 . الصواعق 161 .


(105)

«يدخلون من اُمّتي الجنّة سبعون ألفاً لا حساب عليهم ـ ثمّ التفت إلى علي فقال: ـ هم شيعتك وأنت إمامهم»(1) .

14- روى المغازلي عن كثير بن زيد قال: دخل الأعمش على المنصور فلمّا بصر به، قال له: يا سليمان تصدَّر، قال: أنا صدر حيث جلست ـ إلى أن قال في حديثه: ـ حدّثني رسول اللّه قال: «أتاني جبرئيل ـ عليه السلام ـ آنفاً فقال: تختّموا بالعقيق، فإنّه أوّل حجر شهد للّه بالوحدانيّة، ولي بالنبوّة، ولعلي بالوصيّة، ولولده بالامامة، ولشيعته بالجنّة»(2) .

15- وروى أيضاً بسنده إلى سلمان الفارسي عن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال: «يا علي تختّم باليمين تكن من المقرّبين، قال: يا رسول اللّه ومن المقرّبون؟ قال: جبرئيل وميكائيل، قال: فبما أتختّم يا رسول اللّه؟ قال: بالعقيق الأحمر، فإنّه جبل أقرّ للّه بالوحدانية، ولي بالنبوّة،ولك بالوصية، ولولدك بالإمامة، ولمحبّيك بالجنّة، ولشيعتك وشيعة ولدك بالفردوس»(3) .

16- روى ابن حجر: انّه مرّ علي على جمع فأسرعوا إليه قياماً، فقال: هؤلاء ما لي لا ارى فيكم سمة شيعتنا وحلية أحبَّتنا» فأمسكوا حياءً، فقال له من معه: نسألك بالذي أكرمكم أهل البيت وخصّكم وحباكم، لما أنبأتنا بصفة شيعتكم


1 . مناقب المغازلي 293 .
2 . مناقب المغازلي 281، ورواه السيد البحراني في غاية المرام عنه، وأنت إذا تدبّرت في الآيات الدالّة على سريان العلم والشعور في عامّة الموجودات مثل قوله: (وَ إنّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ) ـ البقرة / 74 ـ تستطيع أن تُصَدِّقَ ما جاء في الحديث من شهادة العقيق بوحدانية اللّه .
3 . علل الشرائع 158 طبع النجف .


(106)

فقال: «شيعتنا هم العارفون باللّه، العاملون بأمر اللّه»(1) .

17- روى الصدوق (306 ـ 381 هـ): انّ ابن عباس قال: سمعت رسول اللّه يقول: «إذا كان يوم القيامة ورأى الكافر ما أعدّ اللّه تبارك وتعالى لشيعة علي من الثواب والزلفى والكرامة...»(2) .

وهذه النصوص المتضافرة الغنيّة عن ملاحظة...، تعرب عن كون علي ـ عليه السلام ـ متميّزاً بين أصحاب النبي بأن له شيعة وأتباعاً، ولهم مواصفات وسمات كانوا مشهورين بها، في حياة النبي وبعدها.

فبعد هذه النصوص لا يصحّ لباحث أن يلتجىء إلى فروض ظنّية أو وهمية في تحديد تكوّن الشيعة وظهورها.

الشيعة في كلمات المؤرّخين وأصحاب الفرق:

قد غلب استعمال الشيعة بعد عصر الرسول تبعاً له فيمن يوالي عليّاً وأهل بيته ويعتقد بإمامته ووصايته ويظهر ذلك من خلال كلمات المؤرّخين وأصحاب المقالات نشير إلى بعضها.

1- روى المسعودي في حوادث وفاة النبي: انّ الإمام عليّاً أقام ومن معه من شيعته في منزله بعد أن تمّت البيعة لأبي بكر(3) .

2- قال الامام عند تنديده بأعمال طلحة والزبير: «إنّ أتباع طلحة والزبير في البصرة قتلوا شيعتي وعمّالي»(4) .


1 . الصواعق 154 .
2 . علل الشرايع 156 طبع النجف .
3 . الوصية للمسعودي 121 طبع النجف .
4 . وقعة صفين 7 طبع مصر .


(107)

3- روى أبو مخنف عن الحجاج: اجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد فذكرونا هلاك معاوية فحمدنا اللّه عليه فقال: إنّ معاوية قد هلك وانّ حسيناً قد تقبّض على القوم ببيعته وقد خرج إلى مكة وأنتم شيعته وشيعة أبيه(1) .

4- وقال محمّد بن أحمد بن خالد البرقي (ت 274 هـ): إنّ أصحاب علي ينقسمون إلى الأصحاب ثمّ الأصفياء ثمّ الأولياء، ثم شرطة الخميس... ومن الأصفياء سلمان الفارسي، والمقداد، وأبوذر، وعمّار، وأبو ليلى، و شبير، و أبو سنان، و أبو عمرة، وأبو سعيد الخدري، وأبو برزة، و جابر بن عبداللّه، والبراء بن عازب، وطرفة الأزدي(2) .

5- وقال النوبختي (ت 313 هـ): إنّ أوّل الفرق الشيعة، وهم فرقة علي بن أبي طالب، المسمّون شيعة علي في زمان النبي وبعده، معروفون بانقطاعهم إليه والقول بإمامته(3) .

6- وقال أبو الحسن الأشعري: وانّما قيل لهم الشيعة، لأنّهم شايعوا عليّاً، ويقدّمونه على سائر أصحاب رسول اللّه(4) .

7- ويقول الشهرستاني: الشيعة هم الذين شايعوا عليّاً على الخصوص، وقالوا بإمامته وخلافته نصّاً ووصيّة(5) .

8- وقال ابن حزم: ومن وافق الشيعة في أنّ عليّاً أفضل الناس بعد رسول اللّه


1 . مقتل الامام الحسين لأبي مخنف: تحقيق حسن الغفاري 15 ولاحظ 16 .
2 . الرجال للبرقي: (طبع طهران) / 3، ولاحظ فهرست ابن النديم 263 (طبع القاهرة) وعبارته قريبة من عبارة البرقي.
3 . فرق الشيعة 15 .
4 . مقالات الاسلاميين 1 / 65 طبع مصر .
5 . الملل والنحل 1 / 131 .


(108)

وأحقّهم بالإمامة وولده من بعده، فهو شيعىّ، وإن خالفهم في ماعدا ذلك ممّا اختلف فيه المسلمون. فإن خالفهم فيما ذكرنا فليس شيعيّا(1) .

هذا غيض من فيض وقليل من كثير ممّا جاء في كلمات المؤرّخين وأصحاب المقالات، تعرب عن أنّ لفيفاً من الاُمّة في حياة الرسول وبعده إلى عصر الخلفاء وبعدهم، كانوا مشهورين بالتشيّع لعلي وأنّ لفظة الشيعة ممّا نطق بها الرسول وتبعته الاُمّة عليه .

«إنّ الامام وإن تسامح وتساهل في أخذ حقّه تبعاً لمصالح عظيمة مكنونة في مثل هذا التصرّف الحكيم، لكن أخذت فكرة استخلاف النبي علياً طريقها في النفوس والقلوب، وتضاعف عدد المتشيعين له على مرور الأيام، ورجع الكثير من المسلمين إلى الماضي القريب، واحتشدت في أذهانهم صور عن مواقف النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ تلك المواقف الّتي كان يصرح فيها باستخلاف علي من بعده تارة، ويلمّح فيها اُخرى، فالتفّوا حول علي ـ عليه السلام ـ وأصبحوا من الدعاة الأوفياء له في جميع المراحل الّتي مرّبها، وما زال التشيّع ينمو وينتشر بين المسلمين في الأقطار المختلفة، يدخلها مع الإسلام جنباً إلى جنب، واستحكم أمره في السنين الّتي استولى فيها علىّ الحكم، فشاعت بين المسلمين أحاديث استخلافه، ووجد الناس من سيرته وزهده وحكمته ما أكدّ لهم صحّة تلك المرويات، وأنّه هو المختار لقيادة الاُمّة وحماية القرآن ونشر تعاليمه ومبادئه»(2) .

والعنصر المقوّم لإطلاق عبارة الشيعة هو مشايعة علي بعد النبي الأكرم في الزعامة والوصاية أوّلا، وفي الفعل والترك ثانياً، ومع هذا لا يصحّ لأي كاتب


1 . الفصل في الملل والنحل 2 / 113 طبع بغداد .
2 . الشيعة بين الأشاعرة والمعتزلة 28 ـ 29 .


(109)

افتراض علّة اجتماعية أو سياسية أو كلامية لتكوّن هذه الفرقة .

ولأجل أن نتعرّف على شيعة علي من الصحابة نأتي باسماء رُوّاد الشيعة على وجه الاجمال ومن أراد التفصيل فليرجع إلى ما كتب حولهم من المؤلّفات، وسنأتي بأسماء تلك الكتب في آخر البحث:

روّاد التشيّع في عصر النبي:

إنّ الاحالة للتعرّف على روّاد التشيّع إلى الكتب المؤلّفة في ذلك المضمار لا تخلو من عسر وغموض، فلأجل ذلك نأتي باسماء لفيف من الصحابة الشيعة المعروفين بالتشيّع:

1- عبداللّه بن عباس، 2- الفضل بن العباس، 3- عبيداللّه بن العباس، 4- قثم بن العباس، 5- عبدالرحمان بن العباس، 6- تمام بن العباس، 7- عقيل بن ابي طالب، 8- أبوسفيان بن الحرث بن عبدالمطلب، 9- نوفل بن الحرث، 10- عبداللّه بن جعفر بن أبي طالب، 11- عون بن جعفر، 12- محمد بن جعفر، 13- ربيعة بن الحرث بن عبدالمطلب، 14- الطفيل بن الحرث، 15- المغيرة بن نوفل بن الحارث، 16- عبداللّه بن الحرث بن نوفل، 17- عبداللّه بن أبي سفيان بن الحرث، 18- العباس بن ربيعة بن الحرث، 19- العباس بن عتبة بن ابي لهب، 20- عبدالمطلب بن ربيعة بن الحرث، 21- جعفر بن أبي سفيان بن الحرث .

هؤلاء من مشاهير بني هاشم، وأمّا غيرهم فإليك أسماء لفيف منهم:

22- سلمان المحمّدي، 23- المقداد بن الأسود الكندي، 24- أبوذر الغفاري، 25- عمّار بن ياسر، 26- حذيفة بن اليمان، 27- خزيمة بن ثابت، 28- أبو أيوب الأنصاري مضيّف النبي، 29- أبو الهيثم مالك بن التيهان،


(110)

30- اُبي بن كعب(1)، 31- سعد بن عبادة، 32- قيس بن سعد بن عبادة، 33- عدي بن حاتم، 34- عبادة بن الصامت، 35- بلال بن رباح الحبشيّ، 36- أبو رافع مولى رسول اللّه، 37- هاشم بن عتبة، 38- عثمان بن حنيف، 39- سهل بن حنيف، 40- حكيم بن جبلة العبدي، 41- خالد بن سعيد بن العاص، 42- ابن الحصيب الأسلمي، 43- هند بن أبي هالة التيميمي، 44- جعدة بن هبيرة، 45- حجر بن عدي الكندي، 46- عمرو بن الحمق الخزاعي، 47- جابر ابن عبداللّه الأنصاري، 48- محمّد بن الخليفة أبي بكر، 49- أبان بن سعيد بن العاصي، 50- زيد بن صوحان الزيدي.

هؤلاء خمسمون صحابيّاً من الطبقة العليا للشيعة، فمن أراد التفصيل والوقوف على حياتهم وتشيّعهم فليرجع إلى الكتب المؤلّفة في الرجال ولكن بعين مفتوحة وبصيرة نافذة.

وفي الختام نذكر ما ذكره محمّد كرد علي في كتابة «خطط الشام» قال: عرف جماعة من كبار الصحابة بموالاة علي في عصر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مثل سلمان الفارسي القائل: بايعنا رسول اللّه على النصح للمسلمين والائتمام بعلي بن ابي طالب والموالاة له، ومثل أبي سعيد الخدري الّذي يقول: اُمر الناس بخمس فعملوا بأربع وتركوا واحدة، ولمّا سئل عن الأربع، قال: الصلاة، والزكاة، وصوم شهر رمضان، والحج، قيل: فما الواحدة الّتي تركوها؟ قال: ولاية علي بن أبي طالب، قيل له: وانّها لمفروضة معهن؟ قال: نعم هي مفروضة معهن، ومثل أبي ذر الغفاري، وعمّار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان،


1 . نقل سيّدنا شرف الدين عن تاريخ ابن شحنة انّه ممّن تخلّف عن بيعة السقيفة مع علي ـ عليه السلام ـ .

(111)

وذو الشهادتين خزيمة بن ثابت، وأبي أيّوب الأنصاري، وخالد بن سعيد، وقيس ابن سعد بن عبادة(1) .

الكتب المؤلّفة حول روّاد التشيّع:

إنّ لفيفاً من أصحابنا الإمامية قاموا بافراد كتاب أو رسالة حول روّاد التشيّع ونذكر في المقام ما وقفنا عليه .

1- صدر الدين السيّد علي المدني الحسيني الشيرازي، صاحب كتاب سلافة العصر في أعيان أهل العصر، وأنوار الربيع في علم البديع، وطراز اللغة. توفّي عام (1120)، أفرد تاليفاً في ذلك المجال أسماه بـ «الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة الإمامية»، فخصَّ الطبقة الاُولى بالصحابة الشيعة، وخصَّص الباب الأوّل لبني هاشم من الصحابة، والباب الثاني في غيرهم منهم. وجاء في الباب الأوّل بترجمة (23) صحابيّاً من بني هاشم لم يفارقوا عليّاً قط، كما جاء في الباب الثاني بترجمة (46) صحابيّاً(2) .

2- ذكر الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء في كتابه «أصل الشيعة واُصولها» أسماء جماعة من الصحابة الذين كانوا يشايعون عليّاً في حلِّه وترحاله وقال معلّقاً على قول أحمد أمين الكاتب المصري «والحق إنّ التشيّع كان مأوى يرجع إليه كل من أراد هدم الإسلام»: ونحن لولا محافظتنا على مياه الصفا أن لا تتعكّر، ونيران البغضاء أن لا تتسعّر، وأن تنطبق علينا حكمة القائل: «لا تنه عن خلق وتأتي مثله» لعرّفناه من الّذي يريد هدم قواعد الإسلام بمعاول الالحاد والزندقة،


1 . خطط الشام 5 / 251 .
2 . الدرجات الرفيعة 79 ـ 452 طبع النجف .


(112)

ومن الّذي يسعى لتمزيق وحدة المسلمين بعوامل التقطيع والتفرقة، ولكنّا نريد أن نسال ذلك الكاتب أىّ طبقة من طبقات الشيعة أرادت هدم الإسلام؟ هل الطبقة الاُولى وهم أعيان صحابة النبي وأبرارهم كسلمان المحمّدي أو الفارسي، وأبي ذر، والمقداد، وعمّار، وخزيمة ذى الشهادتين، وابن التيهان، وحذيفة بن اليمان والزبير، والفضل بن العباس وأخيه الحبر عبداللّه، وهاشم بن عتبة المرقال، وأبي أيّوب الأنصاري وأبان وأخيه خالد بن سعيد بن العاص، واُبي بن كعب سيد القرّاء، وأنس بن الحرث بن نبيه، الّذي سمع النبي يقول: «إنّ ابني الحسين ـ عليه السلام ـ يقتل في ارض يقال لها كربلاء فمن شهد ذلك منكم فلينصره» فخرج أنس وقتل مع الحسين. راجع الاصابة والاستيعاب وهما من أوثق ما ألّف علماء السنّة في تراجم الصحابة، ولو أردت أن أعدّ عليك الشيعة من الصحابة واثبات تشيّعهم من نفس كتب السنّة لأحوجني ذلك إلى افراد كتاب ضخم(1) .

3- قام الإمام السيّد عبدالحسين شرف الدين (1290 - 1377) بجمع أسماء الشيعة في الصحابة حسب حروف الهجاء، وقال: وإليك اكمالا للبحث بعض ما يحضرني من أسماء الشيعة من أصحاب رسول اللّه لتعلم أنّ بهم اقتدينا وبهديهم اهتدينا، وسأفرد لهم إن وفق اللّه كتاباً يوضح للناس تشيّعهم ويحتوي على تفاصيل شؤونهم، ولعلّ بعض أهل النشاط من حملة العلم وسدنة الحقيقة يسبقني إلى تأليف ذلك الكتاب فيكون لي الشرف إذ خدمته بذكر أسماء بعضهم في هذا الباب وهي على ترتيب حروف الهجاء، ثم ابتدأ بأبي رافع القبطي مولى رسول اللّه، وختمهم بيزيد بن حوثرة الأنصاري ولم يشير من حياتهم إلى شىء، وإنّما ألقى ذلك على الأمل أو على من يسبقه من بعض أهل النشاط .


1 . أصل الشيعة واُصولها 53 ـ 54 مطبعة العرفان .

(113)

وقد ذكر السيد شرف الدين من أسمائهم مايربو على مائتين(1) .

4- قام الخطيب المصقع الدكتور الشيخ أحمد الوائلي «حفظه اللّه» بذكر أسماء روّاد التشيّع في عصر الرسول في كتابه المطبوع «هويّة التشيّع» فجاء باسم مائة وثلاثين من خُلِّص أصحاب الإمام من الصحابة الكرام، يقول بعد ما يذكر تنويه النبي باستخلاف علي في غير واحد من المواقف: ولا يمكن أن تمر هذه المواقف والكثير الكثير من أمثالها من دون أن تشد الناس لعلي، ودون أن تدفعهم للتعرّف على هذا الإنسان الّذي هو وصي النبي، ثمّ لابدّ للمسلمين من اطاعة الأوامر الّتي وردت في النصوص، والالتفات حول من وردت فيه، ذلك معنى التشيّع الّذي نقول انّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هو الّذي بذر بذرته، وقد أينعت في حياته وعرف جماعة بالتشيّع لعلي والالتفات حوله، وللتدليل على ذلك سأذكر لك أسماء الرعيل الأوّل من الصحابة الذين عرفوا بتشيّعهم للإمام علي(2) .

5- آخرهم وليس أخيرهم كاتب هذه السطور حيث قام مجيباً دعوة السيد شرف الدين فألّف كتاباً في ذلك المجال في عدّة أجزاء، نشر منه جزءان، وانتهينا في الجزء الثاني من ترجمة أبي ذر (جندب بن جناده) ذلك الصحابي العظيم، والكتاب باللغة الفارسية ونقله إلى العربية الشيخ المحقّق البارع جعفر الهادي وطبع ونشر .

ومن أراد أن يقف على روّاد التشيّع في كتب الرجال لأهل السنّة فعليه أن يرجع إلى الكتب التالية:


1 . الفصول المهمّة في تأليف الاُمّة 179 ـ 190 .
2 . هوية التشيّع 34 .


(114)

1- الاستيعاب لأبي عمرو (ت 456).

2- اُسد الغابة للجزري (606) .

3- الاصابة لابن حجر (852) .

إلى غير ذلك من اُمّهات كتب الرجال .


(115)

الفصل السادس

افتراضات وهمية حول تاريخ الشيعة


(116)


(117)

قد تعرّفت على تاريخ التشيّع، وأنّه ليس وليد الجدال الكلامي، ولا إنتاج السياسات الزمنية وانّما هو وجه آخر للاسلام وهما وجهان لعملة واحدة; إلاّ أنّ هناك جماعة من المؤرخين وكُتّاب المقالات ظنّوا أنّ التشيّع أمر حادث وطارىء على المجتمع الاسلامي، فأخذوا يُفتّشون عن مبدئه ومصدره، وأشد تلك الظنون عدوانية ما تلوكه أشداق بعض المتقدمين والمتأخرين، هو كونه وليد عبداللّه بن سبأ ذلك الرجل اليهودي، الذي ـ بزعمهم ـ طاف الشرق والغرب، وأفسد الاُمور على الخلفاء والمسلمين وألّب الصحابة والتابعين على عثمان، فقتل في عقر داره، ثم دعا إلى علي بالإمامة والوصاية، وإلى النبي بالرجعة، وكوَّن مذهباً بإسم الشيعة، فهو صنيع ذلك الرجل اليهودي المتظاهر بالاسلام وبما أنّ للموضوع أهمية خاصة لا نكتفي ببيان توهم واحد بل نأتي على ذكر كل تلك الإدعاءات واحدة بعد الاُخرى، مع رعاية التسلسل الزمني .


(118)


(119)

   

الافتراض الأول:

الشيعة ويوم السقيفة

إنّ مأساة السقيفة جديرة بالقراءة والتحليل، وسوف نتطرّق إليها في فصل خاص عند البحث عمّا تنعقد به الامامة لدى السنّة والشيعة، ولكن نذكر هنا موجز ما ذكره الطبري وغيره الّذي صار سنداً لمن تخيّل أنّ الشيّع تكوّن في ذلك اليوم .

قال الطبري: اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة ليبايعوا سعد بن عبادة، فبلغ ذلك أبابكر فاتاهم ومعه عمر وأبو عبيدة بن الجراح، فقال: ما هذا؟ فقالوا: منّا أمير ومنكم أمير، فقال أبوبكر: منّا الأمراء ومنكم الوزراء ـ إلى أن قال ـ فبايعه عمر، وبايعه الناس، فقالت الأنصار أو بعض الأنصار: لا نبايع إلاّ عليّا. ثم قال: أتى عمر بن الخطاب منزل علي وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين، فقال: واللّه لأحرقنّ عليكم أو لتخرجنّ إلى البيعة، فخرج عليه الزبير مسلّطاً بالسيف فعثر، فسقط السيف من يده، فوثبوا عليه فأخذوه، وقال ايضاً: وتخلّف علي والزبير واخترط الزبير سيفه وقال: لا أغمده حتّى يبايَع علي، فبلغ ذلك أبابكر وعمر فقالا: خذوا سيف الزبير...(1) .


1 . تاريخ الطبري 2 / 443 ـ 444 .

(120)

وقال اليعقوبي: ومالوا مع علي بن أبي طالب منهم، العباس بن عبدالمطلب، والفضل بن العباس، والزبير بن العوام بن العاص، وخالد بن سعيد، والمقداد بن عمرو، وسلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري، وعمار بن ياسر، والبراء بن عازب، وأبي بن كعب...(1) .

يلاحظ على تلك النظرية: انّ هذه النصوص تدل على أنّ فكرة التشيّع لعلىّ كانت مختمرة في أذهانهم منذ عهد الرسول إلى وفاته، فلمّا رأت الجماعة أنّ الحق خرج عن محوره، عمدوا إلى التمسّك بالحق بالاجتماع في بيت علي الّذي أوصاهم النبي به طيلة حياته، إذ من البعيد جداً أن يجتمع رأيهم على علي في يوم واحد في ذلك اليوم العصيب. فالمعارضة كانت استمراراً لما كانوا يلتزمون به في حياة النبي، ولم تكن فكرة خلقتها الظروف والأحداث .

كان أبوذر وقت أخذ البيعة غائباً ولمّا جاء قال: أصبتم قناعة، وتركتم قرابة، لو جعلتم الأمر في أهل بيت نبيّكم لما اختلف عليكم الاثنان(2) وقال سلمان: أصبتم ذا السن، وأخطأتم المعدن، أما لو جعلتموه فيهم ما اختلف منكم اثنان ولأكلتموها رغدا .

وروى الزبير بن بكار في الموفقيات: انّ عامة المهاجرين وجلّ الأنصار كانوا لا يشكّون أنّ علياً هو صاحب الأمر .

وروى الجوهري في كتاب السقيفة: انّ سلمان والزبير وبعض الأنصار كان هواهم أن يبايعوا عليّاً.

وروى أيضاً: انّه لمّا بويع أبوبكر واستقرّ أمره، ندم قوم كثير من الأنصار


1 . تاريخ اليعقوبي 2 / 103 طبع النجف .
2 . ابن قتيبة: الامامة والسياسة 12 .


(121)

على بيعته ولام بعضهم بعضاً، وهتفوا باسم الامام علي ولكنّه لم يوافقهم(1).

ومن المستحيل عادةً اختمار تلك الفكرة بين هؤلاء في يوم واحد، بل يعرب ذلك عن وجود جذور لها، قبل رحلة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ويؤكد ذلك نداءاته الّتي ذكرها في حق علىّ وعترته في مواقف متعدّدة، فامتناع الصحابة عن بيعة الخليفة ومطالبتهم بتسليم الأمر إلى علي انّما هو لأجل مشايعتهم لعلي زمن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وما هذا إلاّ اخلاص ووفاء منهم للنبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أو أين هو من تكوّن التشيّع يوم السقيفة .

ويؤيد ذلك ما رواه الصدوق: انّه بعد ما استتبّ الأمر لأبي بكر اعترض عليه (لفيف) من الصحابة في مسجد النبي وكلّ يذكر وصايا النبي في حق علي بالوصاية من بعده، وسيوافيك نصوصهم في فصل مأساة السقيفة على وجه موجز .


1 . ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 6 / 43 ـ 44 .

(122)


(123)

الافتراض الثاني:

التشيّع صنيع عبداللّه بن سبأ

«إنّ يهودياً باسم عبداللّه بن سبأ المكنّى بابن الأمة السوداء في ـ صنعاء ـ أظهر الإسلام في عصر عثمان و اندّس بين المسلمين، وأخذ ينتقل في حواضرهم وعواصم بلادهم: الشام، والكوفة، والبصرة، ومصر، مبشّراً بأنّ للنبي الأكرم رجعة كما أنّ لعيسى بن مريم رجعة، وأنّ عليّاً هو وصي محمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كما كان لكل نبي وصي، وأنّ عليّاً خاتم الأوصياء كما كان محمّداً خاتم الأنبياء، وأنّ عثمان غاصب حق هذا الوصي وظالمه، فيجب مناهضته لارجاع الحق إلى أهله» .

«إنّ عبداللّه بن سبأ بثّ في البلاد الإسلامية دعاته، وأشار عليهم أن يظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والطعن في الاُمراء، فمال إليه وتبعه على ذلك جماعات من المسلمين، فيهم الصحابي الكبير والتابعي الصالح من أمثال أبي ذر، وعمار بن ياسر، و محمد بن حذيفة، و عبدالرحمان بن عديس، و محمّد بن أبي بكر، وصعصعة بن صوحان العبدي، ومالك الأشتر، إلى غيرهم من أبرار المسلمين وأخيارهم فكانت السبأية تثير الناس على ولاتهم، تنفيذاً لخطة زعيمها، وتضع كتباً في عيوب الاُمراء وترسل إلى غير مصرهم من الأمصار، فنتج عن ذلك قيام جماعات


(124)

من المسلمين بتحريض السبأيين، وقدومهم إلى المدينة وحصرهم عثمان في داره، حتّى قتل فيها، كل ذلك كان بقيادة السبأيين ومباشرتهم».

إنّ المسلمين بعدما بايعوا عليّاً، ونكث طلحة والزبير بيعته، وخرجا إلى البصرة رأى السبأيون أنّ رؤَساء الجيشين أخذوا يتفاهمون، وأنّه إن تمّ ذلك سيؤخذون بدم عثمان، فاجتمعوا ليلا وقرّروا أن يندسّوا بين الجيشين ويثيروا الحرب بكرة دون علم غيرهم، وانّهم استطاعوا أن ينفّذوا هذا القرار الخطير في غلس الليل قبل أن ينتبه الجيشان المتقاتلان، فناوش المندسّون من السبأيين في جيش علي من كان بازائهم من جيش البصرة ففزع الجيشان وفزع رؤسائهما، وظنّ كلّ بخصمه شرّاً، ثمّ إنّ حرب البصرة وقعت بهذا الطريق، دون أن يكون لرؤساء الجيشين رأي أو علم.

إلى هنا انتهت قصة السبأية، ولا يذكر منهم شيء بعد ذلك في التواريخ هذا هو الّذي يذكره الطبري في تاريخه، ويقول:

فيما كتب به إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عطية، عن يزيد الفقعسي قال: كان عبداللّه بن سبأ يهوديّاً من أهل صنعاء اُمّه سوداء، فأسلم زمان عثمان، ثمّ تنقّل في بلدان المسلمين يحاول اضلالهم فبدأ بالحجاز، ثمّ البصرة، ثمّ الكوفة، ثمّ الشام، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام، فأخرجوه حتّى أتى مصر فاعتمر فيهم، فقال لهم فيما يقول: لعجب فمن يزعم أنّ عيسى يرجع ويكذب بأنّ محمّداً يرجع، وقد قال اللّه عزّوجلّ: (إنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ القُرآنَ لَرَادُّكَ اِلى مَعاد)(1)، فمحمد أحق بالرجوع من عيسى قال: فَقُبِل ذلك عنه، ووضع لهم الرجعة فتكلّموا فيها، ثمّ قال لهم بعد ذلك: إنّه كان ألف نبي ولكل نبي وصي،


1 . القصص / 85 .

(125)

وكان علي وصي محمّد. ثم قال: محمّد خاتم الأنبياء وعلي خاتم الأوصياء. ثمّ قال بعد ذلك: من أظلم ممّن لم يجز وصية رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ووثب على وصي رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وتناول أمر الاُمّة ثمّ قال لهم بعد ذلك: إنّ عثمان أخذها بغير حق وهذا وصي رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فانهضوا في هذا الأمر فحرّكوه، وابدأوا باللعن على اُمرائكم وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس، وادعوهم إلى هذا الأمر. فبثّ دعاته وكاتب من كان استفسد في الأمصار وكاتبوه ودعوا في السرّ إلى ما عليه رأيهم، واظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجعلوا يكتبون إلى الأمصار بكتب يضعونها في عيوب ولاتهم، ويكاتبهم اخوانهم بمثل ذلك، ويكتب أهل كل مصر منهم إلى مصر آخر بما يصنعون فيقرأه اُولئك في أمصارهم، وهؤلاء في أمصارهم، حتّى تناولوا بذلك المدينة وأوسعوا الأرض إذاعة، وهم يريدون غير ما يظهرون، ويسرّون غير ما يبدون... إلى آخر ما يذكره الطبري في المقام، وفي أحداث السنوات التالية إلى سنة 36 الّتي وقعت فيها حرب الجمل. ولا يأتي بعد بشيء عن السبأية(1) .

ثمّ إنّك قد تعرّفت على كبار السبأية وأنّهم كانوا من أكابر الصحابة والتابعين، كأبي ذرّ الغفاري وعمّار بن ياسر، ومحمّد بن أبي حذيفة، الذين عرفهم المسلمون بالزهد والتقى والصدق والصفا، وأمّا عبدالرحمان بن عديس البلوي فهو ممّن بايع النبي تحت الشجرة وشهد فتح مصر، وكان رئيساً على من سار إلى عثمان من مصر(2) .


1 . الطبري 3 / 378 .
2 . اُسد الغابة 3 / 309 قال: وشهد بيعة الرضوان وبايع فيها وكان أمير الجيش القادمين من مصر لحصر عثمان بن عفان ـ رضى اللّه عنه ـ لمّا قتلوه روى عنه جماعة من التابعين بمصر...


(126)

وأمّا محمّد بن أبي بكر، فاُمّه أسماء بنت عميس الخثعمية تزوّجها أبوبكر بعد استشهاد جعفر بن أبي طالب فولدت له محمّداً في حجّة الوداع بطريق مكّة، ثم نشأ في حجر علي بعد أبيه، وشهد معه حرب الجمل، كما شهد صفّين، ثم ولي مصر عن علي، إلى أن قتل فيها بهجوم عمرو بن العاص عليها(1) .

وأمّا صعصعة بن صوحان العبدي، أسلم على عهد رسول اللّه، كان خطيباً فصيحاً شهد صفّين مع علي. ولمّا استشهد علي، واستولى معاوية على العراق، نفاه إلى البحرين ومات فيها(2) .

وأمّا الأشتر، فهو مالك بن الحرث النخعي، وهو من ثقات التابعين، شهد وقعة اليرموك، صحب عليّاً في الجمل وصفّين، ولاّه على مصر سنة (38) ثم وصل إلى القلزم، دسّ إليه معاوية عميلا له، فتوفّي بالسم(3) .

هذا هو الّذي يذكره الطبري وقد أخذه من جاء بعده من المؤرّخين وكتّاب المقالات حقيقة راهنة، وبنوا عليه مابنوا من الأفكار والآراء فصارت الشيعة وليدة السبأية في زعم هؤلاء عبر القرون والأجيال، وإليك من ذكرها مغمض العينين:


1 . كان أحد من توثّب على عثمان حتّى قتل ثم انضمّ إلى علي: اُسد الغابة 4 / 324، والاستيعاب 3 / 328، والجرح والتعديل 7 / 301 .
2 . اُسد الغابة 3 / 320 قال: تقدم نسبه في أخيه زيد وكان صعصعة مسلماً على عهد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ولم يره وصغر عن ذلك وكان سيّداً من سادات قومه عبد القيس وكان فصيحاً بليغاً لسناً ديّناً فاضلا يعد في أصحاب علي ـ رضي اللّه عنه ـ وشهد معه حروبه .
3 . ملك العرب، أحد الأشراف والأبطال: الطبقات الكبرى 6 / 213، الاصابة 3 / 459، سير أعلام النبلاء 4 / 34 .


(127)

1- ابن الأثير (ت 630)، فقد أورد القصّة منبثة بين حوادث (30 ـ 36) وهو وإن لم يذكر المصدر في المقام، لكنّه يصدر عن تاريخ الطبري في حوادث القرون الثلاثة الأول(1) .

2- ابن كثير الشامي (ت 774) فقد ذكر القصّة في تاريخه «البداية والنهاية» وأسندها عند ما انتهى من سرد واقعة الجمل، إلى تاريخ الطبري، وقال: هذا ملخّص ما ذكر أبو جعفر بن جرير(2) .

3- ابن خلدون (ت 808)، في تاريخه «المبتدأ والخبر» أورد القصّة في حادثة الدار والجمل وقال: هذا أمر الجمل ملخّصاً من كتاب أبي جعفر الطبري(3) .

وأمّا المتأخّرون، وأخصّ الكتّاب الجدد فإنّهم يذكرون القصّة، فنذكر منهم مايلي:

4- محمّد رشيد رضا، منشىء مجلة المنار (ت 1354)، ذكره في كتابه


1 . لاحظ مقدمة تاريخ الكامل يقول فيه: فابتدأت بالتاريخ الكبير الّذي صنّفه الامام أبو جعفر الطبري إذ هو الكتاب المعوّل عند الكافة عليه والمرجوع عند الاختلاف إليه فأخذت ما فيه جميع تراجمه، لم أخل بترجمة واحدة منها لاحظ 1 / 3 طبع دار صادر .
2 . البداية والنهاية 7 / 246 طبع دار الفكر بيروت .
3 . تاريخ ابن خلدون يقول: «وبعث (عثمان) إلى الأمصار من يأتيه بصحيح الخبر: محمد بن مسلمة إلى الكوفة، واُسامة بن زيد إلى البصرة، وعبداللّه بن عمر إلى الشام و عمار بن ياسر إلى مصر وغيرهم إلى سوى هذه، فرجعوا إليه فقالوا: ما أنكرنا شيئاً ولا أنكره أعيان المسلمين ولا عوامّهم إلاّ عماراً فانّه استماله قوم من الأشرار انقطعوا إليه، منهم عبداللّه بن سبأ ويعرف بابن السوداء كان يهوديّاً وهاجر أيّام عثمان فلم يحسن اسلامه واُخرج من البصرة... تاريخ ابن خلدون أو كتاب العبر 2 / 139، وقال 166: هذا أمر الجمل ملخّص من كتاب أبي جعفر الطبري اعتمدناه للوثوق به ولسلامته من الأهواء .


(128)

«السنّة والشيعة» وقال: وكان مبتدع اُصوله (التشيّع) يهودي اسمه عبداللّه بن سبأ، أظهر الإسلام خداعا، ودعا إلى الغلوّ في علي كرم اللّه وجهه، لأجل تفريق هذه الاُمّة، وافساد دينها ودنياها عليها، ثمّ سرد القصّة وقال: ومن راجع أخبار واقعة الجمل في تاريخ ابن الأثير مثلا يرى مبلغ تأثير افساد السبأيين دون ما كاد يقع من الصلح(1) .

5- أحمد أمين (ت 1372)، وهو الّذي استبطل عبداللّه بن سبأ في كتابه «فجر الإسلام وقال: إنّ ابن السوداء كان يهوديّاً من صنعاء أظهر الإسلام في عهد عثمان، وحاول أن يُفسد على المسلمين دينهم وبثّ في البلاد عقائد كثيرة ضارّة، وقد طاف في بلاد كثيرة، في الحجاز، والبصرة، والكوفة، والشام، ومصر، ثمّ ذكر أنّ أباذر تلقّى فكرة الاشتراكية من ذلك اليهودي، وهو تلقّى هذه الفكرة من مزدكيّي العراق أو اليمن. وقد كان لكتاب «فجر الإسلام» عام انتشاره (1952 م) دويّ واسع النطاق في الأوساط الإسلامية، فإنّه أوّل من ألقى الحجر في المياه الراكدة بشكل واسع، وقد ردّ عليه أعلام العصر بأنواع الردود، فألّف الشيخ المصلح كاشف الغطاء «أصل الشيعة واُصولها» ردّاً عليه، كما ردّ عليه العلاّمة الشيخ عبداللّه السبيتي بكتاب أسماه «تحت راية الحق» .

6- فريد وجدي مؤلّف دائرة المعارف (ت 1370) فقد أشار إلى ذلك في كتابه عند ذكره لحرب الجمل ضمن ترجمة الإمام علي بن ابي طالب(2) .

7- حسن إبراهيم حسن، وذكره في كتابه (تاريخ الإسلام السياسي) وقد ذكر في اُخريات خلافة عثمان قوله: «فكان هذا الجوّ ملائماً تمام الملائمة ومهيّئاً لقبول دعوة (عبداللّه بن سبأ) ومن لفّ لفّه والتأثّر بها إلى أبعد حد «وقد أذكى نيران هذه


1 . السنّة والشيعة 4 ـ 6 ـ 45 ـ 49 ـ 103 .
2 . دائرة المعارف 6 / 637 .


(129)

الثورة صحابي قديم اشتهر بالورع والتقوى ـ وكان من كبار أئمّة الحديث ـ وهو أبوذر الغفاري الّذي تحدّى سياسة عثمان ومعاوية واليه على الشام بتحريض رجل من أهل صنعاء وهو عبداللّه بن سبأ، وكان يهديّاً فأسلم، ثمّ أخذ ينتقل في البلاد الإسلامية، فبدأ بالحجاز، ثمّ البصرة فالكوفة والشام ومصر... الخ(1) .

هذا حال من كتب عن الشيعة من المسلمين، وأمّا المستشرقون المتطفّلون على موائد المسلمين فحدّث عنهم ولا حرج، فقد اتبعوا تلك الفكرة الخاطئة في كتبهم الاستشراقية الّتي تؤلّف لغايات خاصّة، فم أراد الوقوف على كلماتهم فليرجع إلى ما ألّفه الباحث الكبير السيد مرتضى العسكري في ذلك المجال، فإنّه ـ دام ظلّه ـ حقّق المقال ولم يبق في القوس منزعاً(2) .

نظر المحقّق في الموضوع

1- إنّ ما جاء في تاريخ الطبري من القصّة، على وجه لا يصحّ نسبته إلاّ إلى عفاريت الأساطير ومردة الجن، إذ كيف يصحّ لإنسان أن يصدّق أنّ يهوديّاً جاء من صنعاء وأسلم في عصر عثمان، و استطاع أن يُغري كبار الصحابة والتابعين، ويخدعهم ويطوف بين البلاد واستطاع أن يكوّن خلايا ضدّ عثمان ويستقدمهم على المدينة ويؤلِّبهم على الخلافة الإسلامية، فيهاجموا داره ويقتلوه، بمرأى ومسمع من الصحابة العدول ومن تبعهم باحسان، هذا شيء لا يحتمله العقل وإن وطّن على قبول العجائب والغرائب .

إنّ هذه القصّة تمس كرامة المسلمين والصحابة والتابعين، وتصوّرهم اُمّة


1 . تاريخ الإسلام السياسي 347 .
2 . عبداللّه بن سبأ1 / 46 ـ 50، وكتابه هذا من أنفس الكتب وحسنات الزمان .


(130)

ساذجة يغترّون بفكر يهودي وفيهم السادة والقادة والعلماء والمفكّرون .

2- إنّ القراءة الموضوعية للسيرة والتاريخ توقفنا على سيرة عثمان بن عفان ومعاوية بن أبي سفيان، فإنّهما كانا يعاقبان المعارضين لهم، وينفون المخالفين ويضربونهم، فهذا أبوذر الغفاري نفاه عثمان من المدينة إلى الربذة لاعتراضه عليه في تقسيم الفيء وبيت المال بين أبناء بيته، كما أنّ غلمانه ضربوا عمّار بن ياسر حتّى انفتق له فتق في بطنه وكسروا ضلعاً من أضلاعه(1). إلى غير ذلك من مواقفهم من مخالفيهم ومعارضيهم التي يقف عليها المتتبّع، ومع ذلك نرى أنّ رجال الخلافة وعمّالها يغضّون الطرف عمّن يُؤلِّب الصحابة والتابعين على اخماد حكمهم، وقتل خليفتهم في عقر داره، ويجر الويلات على كيانهم. وهذا شيء لا يقبله من له أدنى إلمام بتاريخ الخلافة وسيرة معاوية .

يقول العلاّمة الأميني: لو كان ابن سبأ بلغ هذا المبلغ من إلقاح الفتن، وشقّ عصا المسلمين وقد علم به وبعيثه اُمراء الاُمّة وساستها في البلاد، وانتهى أمره إلى خليفة الوقت، فلماذا لم يقع عليه الطلب؟ ولم يبلغه القبض عليه، والأخذ بتلكم الجنايات الخطرة والتأديب بالضرب والاهانة، والزج إلى أعماق السجون؟ ولا آل أمره إلى الاعدام المريح للاُمّة من شرّه وفساده كما وقع ذلك كلّه على الصلحاء الأبرار الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر؟ وهتاف القرآن الكريم يرنُّ في مسامع الملأ الديني: (إِنَّما جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتِّلُوا أَوْ يُصَلِّبُواْ أو تُقَطِّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِن خِلاف أوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْىٌ فِى الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِى الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)(2)


1 . الاستيعاب 2 / 422 .
2 . المائدة / 33 .


(131)

فهّلا اجتاح الخليفة جرثومة تلكم القلاقل بقتله؟ وهل كان تجهّمه وغلظته قصراً على الأبرار من اُمّة محمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ففعل بهم ما فعل(1) .

وهناك لفيف من الكتّاب ممّن حضر أو غبر، بدل أن يفتحوا عيونهم على الواقع المرير، ليقفوا على الأسباب المؤدّية إلّى قتل الخليفة حاولوا التخلّص من أوزار الحقيقة، فنحتوا فروضاً وهمّية سببت قتل الخليفة وأودت به .

وفي حق هؤلاء يقول الكاتب المعاصر:

«وفي الشرق كتَّابٌ لا يعنيهم من التاريخ واقعٌ ولا من الحياة حال أو ظرف، فإذا بهم يعلّلون ثورة المظلومين على أيام عثمان، ويحصرون أحداث عصر بل عصور، بإرادةِ فرد يطوّفُ في الأمصار والأقطار ويؤلّبُ الناس على خليفة ودولة!

إنّ النتيجة العملية لمثل هذا الزعم وهذا الافتراء هي أنّ الدولة في عهد عثمان ووزيره مروان إنّما كانت دولةً مثاليَّة، وأنَّ الأمويّين والولاة والأرستقراطيين إنَّما كانوا رُسُلَ العدالة الاجتماعية والإخاء البشري في أرض العرب. غير أنّ رجلا فرداً هو عبداللّه بن سبأ أفسدَ على الأمويين والولاة والأرستقراطيين صلاحَهم وبرّهم إذ جعل يطوف الأمصارَ والأقطارَ مؤلِّبا على عثمان واُمرائه وولاته الصالحين المُصلحين. ولولا هذا الرجل الفرد وطوافُه في الأمصار والأقطار لعاش الناس في نعيم مروان وعدل الوليد وحلم معاوية عيشاً هو الرغادة وهو الرخاء .

وفي مثل هذا الزعم افتراءٌ على الواقع واعتداءٌ على الخَلق ومسايرةٌ ضئيلة الشأن لبعض الآراء، يلفّ ذلك جميعاً منطقٌ ساذج وحجَّةٌ مصطنعة واهية. وفيه ما هو أخطر من ذلك: فيه تضليلٌ عن حقائق اساسية في بناء التاريخ، إذ يحاول صاحب هذا المسعى الفاشل أنْ يحصر أحداثَ عصر بكامله، بل عصور كثيرة، بإرادة فرد يطوف


1 . الغدير 9 / 219 ـ 220 .

(132)

في الأمصار ويؤلِّب الناسَ على دولة فيثور هؤلاء الناس على هذه الدولة لا لشيء إلاّ لأنّ هذا الفرد طاف بهم وأثارهم!

أمّا طبيعة الحكم وسياسة الحاكم وفساد النظام الاقتصادي والمالي والعمراني، وطغيان الأثرة على ذوي السلطان، واستبداد الولاة بالأرزاق، وحمل بني اُميَّة على الأعناق، والميل عن السياسة الشعبية الديمقراطية إلى سياسة عائلية أرستقراطية رأسمالية، وإذلال من يضمر لهم الشعبُ التقدير والاحترام الكثيرين أمثال أبي ذرّ وعمّار بن ياسر وغيرهما، أمّا هذه الاُمور وما إليها جميعاً من ظروف الحياة الاجتماعية، فليست بذات شأن في تحريك الأمصار وإثارتها على الاُسرة الاُمويّة الحاكمة ومن هم في ركابها، في نظر هؤلاء! بل الشأن كلّ الشأن في الثورة على عثمان لعبداللّه بن سبأ الّذي يلفت الناس عن طاعة الأئمة ويلقي بينهم الشر.

أليس من الخطر على التفكير أن ينشأ في الشرق، من يعلّلون الحوادث العامة الكبرى، المتصلة اتّصالا وثيقاً بطبيعة الجماعة واُسس الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية، بارادة فرد من عامة الناس يطوف في البلاد باذراً للضلالات والنساء في هذا المجتمع السليم .

أليس من الخطر على التفكير أن نعلّل الثورات الاصلاحية في التاريخ تعليلا صبيانياً نستند فيه إلى رغبات أفراد في التاريخ شاءوا أن يحدثوا شغباً فطافوا الأمصار وأحدثوه(1) .

3- إنّ رواية الطبري نقلت عن أشخاص لا يصحّ الاحتجاج بهم:

أ: السري: إنّ السري الّذي يروي عنه الطبري، إنّما هو أحد رجلين:


1 . الإمام علي صوت العدالة الإنسانية 4 / 894 ـ 896 وللكلام صلة من أراد فليرجع إليه .

(133)

1- السرىّ بن إسماعيل الهمداني الّذي كذّبه يحيى بن سعيد، وضعّفه غير واحد من الحفّاظ(1) .

2- السرىّ بن عاصم بن سهل الهمداني نزيل بغداد المتوفّى عام (258) وقد أدرك ابن جرير الطبري شطراً من حياته يربو على ثلاثين سنة، كذّبه ابن خراش، ووهاه ابن عدي، وقال: يسرق الحديث، وزاد ابن حبان: ويرفع الموقوفات، لا يحل الاحتجاج به، وقال النقاش في حديث وضعه السري(2) فالاسم مشترك بين كذّابين لايهمّنا تعيين أحدهما. واحتمال كونه السري بن يحيى الثقة غير صحيح، لأنّه توفّي عام (167) مع أنّ الطبري من مواليد عام (234) فالفرق بينهما (57) عاماً، فلا مناص أن يكون السري، أحد الرجلين الكذابين .

ب ـ شعيب، والمراد منه شعيب بن إبراهيم الكوفي المجهول، قال ابن عدي: ليس بالمعروف، وقال الذهبي: راوية، كتب سيف عنه: فيه جهالة(3) .

ت ـ سيف بن عمر، قال ابن حبان: كان سيف بن عمر يروي الموضوعات عن الاثبات، وقال: قالوا: إنّه كان يضع الحديث واتّهم بالزندقة. وقال الحاكم: اتّهم بالزندقة وهو في الرواية ساقط، وقال ابن عدي: بعض أحاديثه مشهورة، وعامتها منكرة لم يتابع عليها. وقال ابن عدي: عامّة حديثه منكر. وقال البرقاني عن الدار قطني: متروك. وقال ابن معين: ضعيف الحديث فليس خير منه. وقال أبو حاتم: متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي. وقال أبو داود: ليس بشيء. وقال النسائي: ضعيف، وقال السيوطي: وضّاع، وذكر حديثاً من طريق السري بن


1 . قال يحيى القطان: استبان لي كذبه في مجلس واحد، وقال النسائي: متروك، وقال غيره: ليس بشيء، وقال أحمد: ترك الناس حديثه لاحظ ميزان الاعتدال 2 / 117 .
2 . تاريخ الخطيب 993، ميزان الاعتدال 2 / 117، لسان الميزان 3 / 12 .
3 . ميزان الاعتدال 2 / 275، لسان الميزان 3 / 145 .


(134)

يحيى عن شعيب بن إبراهيم عن سيف فقال: موضوع، فيه ضعفاء أشدّهم سيف(1) .

ج ـ فإذا كان هذا حال السند، فكيف نعتمد في تحليل تكوّن طائفة كبيرة من طوائف المسلمين تشكّل خمسهم أو ربعهم على تلك الرواية مع أنّ هذا هو حال سندها ومتنها، فالاعتماد عليها خداع وضلال .

4- عبداللّه بن سبأ، اُسطورة تاريخية:

إنّ القرائن والشواهد والاختلاف الموجود في حق الرجل ومولده، وزمن إسلامه ومحتوى دعوته يشرف المحقّق على القول، بأنّ مثل عبداللّه بن سبأ مثل مجنون بني عامر وبني هلال وأمثال هؤلاء الرجال والأبطال كلّها أحاديث خرافة وضعها القصاصون وأرباب السمر والمجون، فإنّ الترف والنعيم قد بلغ أقصاه في أواسط الدولتين: الأموية والعباسية، وكلّما اتّسع العيش وتوفّرت دواعي اللهو، اتسع المجال للوضع وراج سوق الخيال وجعلت القصص والأمثال كي تأنس بها ربات الحجال، وأبناء الترف والنعمة(2) .

هذا هو الّذي ذكره المصلح الكبير كاشف الغطاء، ولعلّ ذلك أورث فكرة التحقيق بين أعلام العصر، فذهبوا إلى أنّ عبداللّه بن سبأ أقرب ما يكون إلى الاُسطورة منه إلى الواقع. وفي المقام كلام للكاتب المصري الدكتور طه حسين، يدعم كون الرجل اُسطورة تاريخية استبطلها أعداء الشيعة نكاية بالشيعة، ولا بأس في الوقوف على كلامه حيث قال:


1 . ميزان الاعتدال 1 / 438، تهذيب التهذيب 4 / 295، اللئالي المصنوعة 1 / 157 - 199 ـ 429 .
2 . أصل الشيعة واُصولها 73 .


(135)

وأكبر الظن أنّ عبداللّه بن سبأ هذا ـ إن كان كل ما يروى عنه صحيحاً ـ إنّما قال ودعا إلى ما دعا إليه بعد أن كانت الفتنة، وعظم الخلاف، فهو قد استغلّ الفتنة ولم يثرها.

إنّ خصوم الشيعة أيّام الأمويين والعبّاسيين قد بالغوا في أمر عبداللّه بن سبأ هذا، ليشكّكوا في بعض ما نسب من الأحداث إلى عثمان، وولاته من ناحية، وليشنّعوا على علي وشيعته من ناحية اُخرى، فيردّوا بعض اُمور الشيعة إلى يهودي اسلم كيداً للمسلمين، وما أكثر ما شنع خصوم الشيعة على الشيعة؟ وما أكثر ما شنع الشيعة على خصومهم في أمر عثمان وفي غير أمر عثمان؟

فلنقف من هذا كلّه موقف التحفّظ والتحرّج والاحتياط، ولنكبر المسلمين في صدر الإسلام عن أن يعبث بدينهم وسياستهم وعقولهم ودولتهم رجل أقبل من صنعاء وكان أبوه يهودياً وكانت اُمّه سوداء، وكان هو يهوديّاً ثمّ أسلم لا رغباً ولا رهباً ولكن مكراً وكيداً وخداعاً، ثمّ اُتيح له من النجح ما كان يبتغي، فحرَّض المسلمين على خليفتهم حيث قتلوه، وفرّقهم بعد ذلك أو قبل ذلك شيعاً وأحزاباً.

هذه كلّها اُمور لاتستقيم للعقل، ولا تثبت للنقد، ولا ينبغي أن تقام عليها اُمور التاريخ، وإنما الشيء الواضح الّذي ليس فيه شك هو أنّ ظروف الحياة الإسلامية في ذلك الوقت كانت بطبعها تدفع إلى اختلاف الراي، وافتراق الأهواء ونشأة المذاهب السياسيّة المتباينة، فالمستمسكون بنصوص القرآن وسنّة النبي وسيرة صاحبيه كانوا يروون اُموراً تطرأ، ينكرونها ولا يعرفونها، ويريدون أن تواجه كما كان عمر يواجهها في حزم وشدة وضبط للنفس وضبط للرعية، والشباب الناشئون في قريش وغير قريش من أحياء العرب كانوا يستقبلون هذه الاُمور الجديدة بنفوس جديدة، فيها الطمع، وفيها الطموح، وفيها الاثرة، وفيها الأمل البعيد، وفيها الهمّ الّذي لا يعرب حدّاً يقف عنده، وفيها من أجل هذا كلّه التنافس والتزاحم لا على


(136)

المناصب وحدها بل عليها وعلى كل شيء من حولها. وهذا الأُمور الجديدة نفسها كانت خليقة أن تدفع الشيوخ والشباب إلى ما دفعوا إليه، فهذه أقطار واسعة من الأرض تفتح عليهم، وهذه أموال لا تحصى تجبى لهم من هذه الأقطار فأي غرابة في أن يتنافسوا في إدارة هذه الأقطار المفتوحة، والانتفاع بهذه الأموال المجموعة؟ وهذه بلاد اُخرى لم تفتح، وكل شيء يدعوهم إلى أن يفتحوها كما فتحوا غيرها، فمالهم لا يستبقون إلى الفتح؟ ومالهم لا يتنافسون فيما يكسبه الفاتحون من المجد والغنيمة إن كانوا من طلاّب الدنيا، ومن الأجر والمثوبة إن كانوا من طلاّب الآخرة. ثمّ ما لهم جميعاً لا يختلفون في سياسة هذا المُلك الضخم وهذا الثراء العريض؟ واي غرابة في أن يندفع الطامعون الطامحون من شباب قريش هذه الأبواب التي فتحت لهم ليلجوا منها إلى المجد والسلطان والثراء؟ واي غرابة في أن يهم بمنافستهم في ذلك شباب الأنصار وشباب الأحياء الاُخرى من العرب؟ وفي أن تمتلىء قلوبهم موجدة وحفيظة وغيظاً إذا رأوا الخليفة يحول بينهم وبين هذه المنافسة، ويؤثر قريشاً بعظائم الاُمور، ويؤثر بني اُميّة بأعظم هذه العظائم من الاُمور خطراً وأجلّها شأناً.

والشيء الّذي ليس فيه شك هو أنّ عثمان قد ولّى الوليد وسعيداً على الكوفة بعد أن عزل سعداً، وولّى عبداللّه بن عامر على البصرة بعد أن عزل أبا موسى. وجمع الشام كلّها لمعاوية وبسط سلطانه عليها إلى أبعد حد ممكن بعد أن كانت الشام ولايات تشارك في ادارتها قريش وغيرها من أحياء العرب، وولّى عبداللّه بن أبي سرح مصر، بعد أن عزل عنها عمرو بن العاص، وكل هؤلاء الولاة من ذوي قرابة عثمان، منهم أخوه لاُمّه، ومنهم أخوه في الرضاعة، ومنهم خاله، ومنهم من يجتمع معه في نسبه الأدنى إلى اُميّة بن عبد شمس .

كل هذه حقائق لا سبيل إلى انكارها، وما نعلم أن ابن سبأ قد أغرى عثمان


(137)

بتولية من ولّى وعزل من عزل، وقد أنكر الناس في جميع العصور على الملوك والقياصرة والولاة والاُمراء إيثار ذوي قرابتهم بشؤون الحكم وليس المسلمون الذين كانوا رعية لعثمان بدعاً من الناس، فهم قد أنكروا وعرفوا ما ينكر الناس ويعرفون في جميع العصور (1) .

إنّ الجهات الّتي استنتج منها كون ابن سبأ شخصية وهمية خلقها خصوم الشيعة ترجع إلى الاُمور التالية:

1- إنّ كل المؤرّخين الثقات لم يشيروا إلى قصّة عبداللّه بن سبأ، كابن سعد في طبقاته، والبلاذري في فتوحاته.

2- إنّ المصدر الوحيد عنه هو سيف بن عمر، وهو رجل معلوم الكذب، ومقطوع بأنّه وضّاع .

3- إنّ الاُمور التي اُسندت إلى عبداللّه بن سبأ، تسلتزم معجزات خارقة لفرد عادي كما تستلزم أن يكون المسلمون الذين خدعهم عبداللّه بن سبأ، وسخّرهم لمآربه، وهم ينفّذون أهدافه بدون اعتراض، في منتهى البلاهة والسخف .

4- عدم وجود تفسير مقنع لسكوت عثمان وعمّاله عنه، مع ضربهم لغيره من المعارضين كمحمد بن أبي حذيفة، ومحمّد بن أبي بكر، وغيرهم .

5- قصة الاحراق، إحراق علي إيّاه وتعيين السنة التي عرض فيها ابن سبأ للاحراق تخلو منها كتب التاريخ الصحيحة، ولا يوجد لها في هذه الكتب أثر.

6- عدم وجود أثر لابن سبأ وجماعته في واقعة صفّين وفي حرب النهروان .


1 . الفتنة الكبرى 134 لاحظ الغدير أيضاً 9 / 220 ـ 221 .

(138)

وقد انتهى الدكتور بهذه الاُمور إلى القول: بأنّه شخص ادّخره خصوم الشيعة للشيعة ولا وجود له في الخارج(1) .

وقد تبعه غير واحد من المستشرقين، وقد نقل آراءهم الدكتور أحمد محمود صبحي في نظرية الإمامة(2) .

إلى أن وصل الدور إلى المحقّق البارع السيد مرتضى العسكري ـ دام ظلّه ـ فألّف كتابه «عبداللّه بن سبأ» ودرس الموضوع دراسة عميقة، وهو الكتاب الّذي يحلّل التاريخ على أساس العلم، وقد أدى المؤلّف كما ذكر الشيخ محمّد جواد مغنيه: «إلى الدين والعلم وبخاصّة إلى مبدأ التشيّع خدمة لا يعادلها أي عمل في هذا العصر، الّذي كثرت فيه التهجّمات والافتراءات على الشيعة والتشيّع، وأقفل الباب في وجوه السماسرة والدسّاسين الذين يتشبّثون بالطحلب لتمزيق وحدة المسلمين واضعاف قوّتهم»(3) .

ولنفترض أنّ للرجل حقيقة وليس اُسطورة تاريخية لكن لا شك أنّ ما نقل عنه في ذلك المجال سراب وخداع، يقول الدكتور أحمد محمود صبحي: وليس ما يمنع أن يستغل يهودي الأحداث الّتي جرت في عهد عثمان، ليحدت فتنة وليزيدها اشتعالا، وليؤلّب الناس على عثمان، بل أن ينادي بأفكار غريبة، ولكن السابق لأوانه أن يكون لابن سبأ هذا الأثر الفكري العميق، فيحدث هذا الانشقاق العقائدي بين


1 . طه حسين: الفتنة الكبرى: فصل ابن سبأ، وقد لخّص ما ذكرنا من الاُمور من ذلك الفصل الدكتور الشيخ أحمد الوائلي في كتابه «هوية التشيّع» 146 .
2 . نظرية الإمامة لأحمد محمود صبحي 37 .
3 . عبداللّه بن سبأ 1 / 11، والكتاب يقع في جزأين وصل فيهما إلى النتيجة الّتي تقدّمت، وقد استفدنا من هذا الكتاب في هذا الفصل .


(139)

طائفة كبيرة من المسلمين(1) .

إلى هنا تبيّن أنّ تحليل تكوّن الشيعة عن هذا الطريق تحليل خيالي خادع، وسراب لا ماء ويتّضح الحق إنّا إذا راجعنا كتب الشيعة نرى أنّ أئمّتهم وعلمائهم يتبرّأون منه أشدّ التبرّؤ .

1- قال الكشي، وهو من علماء القرن الرابع: عبداللّه بن سبأ كان يدّعي النبوّة وانّ عليّاً هو اللّه فاستتابه ثلاثة أيّام فلم يرجع، فأحرقه بالنار في جملة سبعين رجلا(2) .

2- قال الشيخ الطوسي (385 ـ 460) في رجاله في باب أصحاب أميرالمؤمنين: عبداللّه بن سبأ الّذي رجع إلى الكفر وأظهر الغلو(3) .

3- وقال العلاّمة الحلّي (648 ـ 726): غال ملعون، حرقه أميرالمؤمنين بالنار، كان يزعم أنّ عليّاً إله وأنّه نبي، لعنه اللّه(4) .

4- وقال ابن داود (647 ـ 707): عبداللّه بن سبأ رجع إلى الكفر وأظهر الغلو(5) .

5- وذكر الشيخ حسن (ت 1011) في التحرير الطاووسي: غال ملعون حرقه أميرالمؤمنين ـ عليه السلام ـ بالنار(6) .

ومن أراد أن يقف على كلمات أئمّة الشيعة في حق الرجل، فعليه أن يرجع


1 . نظرية الامامة 37 .
2 . رجال الكشي 98 برقم 48 .
3 . رجال الطوسي: باب أصحاب علي برقم 76 / 51 .
4 . الخلاصة للعلاّمة: القسم الثاني الباب الثاني: عبداللّه 236 .
5 . رجال ابن داود: القسم الثاني 254 برقم 278 .
6 . التحرير الطاووسي 173 برقم 234 .


(140)

إلى رجال الكشي فقد روى في حقّه روايات كلّها ترجع إلى غلوّه في حق علي، وأمّا ما نقله عنه سيف بن عمر فليس منه أثر في تلك الروايات، فأقصى ما يمكن التصديق به أنّ الرجل ظهر غالياً فقتل أو اُحرق، والقول بذلك لا يضر بشي، وأمّا ما يذكره الطبري عن الطريق المتقدم فلا يليق أن يؤمن ويعتقد به من يملك أدنى إلمام بالتاريخ والسير .

وأخيراً فلنفترض أنّ كل ما ساقوه في القصة صحيح ولكن السؤال الّذي نطرحه هو أنّه لا ملازمة بين التصديق بها وبين أنّ ذلك الحدث هو منشأ مذهب الشيعة فإنّ التشيّع حدث في عصر النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ واعتنقته اُمّة مسلمة ورعة من الصحابة والتابعين، وأمّا ما قام به ابن سبأ على فرض صحة وقوعه فإنّه يعبّر عن موقف فردي وتصرّف شخصي خارج عن إطار المذهب ومن تبعه، فقد أدخل نفسه دار البوار، وأين هؤلاء من الذين لا يخالفون اللّه ورسوله واُولي الأمر ولا يتخلّفون عن أوامرهم قيد أنملة كالمقداد وسلمان وحجر بن عدي ورشيد الهجري ومالك الأشتر وصعصعة وأخيه وعمر بن الحمق ممّن يستدر بهم الغمام و تنزل بهم البركات .

إلى هنا تمّ تحليل النظرية الثانية في تكوّن الشيعة فلنرجع إلى تحليل النظرية الثالثة .


(141)

الافتراض الثالث:

التشيع فارسي المبدأ أو الصبغة

وهناك فرضية ثالثة اخترعها المستشرقون لتكوّن مذهب الشيعة في المجتمع الاسلامي، وهؤلاء كالباحثين السابقين اعتقدوا أنّ التشيّع ظاهرة حدثت بعد النبي الأكرم، فأخذوا يفتِّشون عن علّتها وسبب حدوثها حتّى انتهوا إلى أنّ التشيّع فارسي المبدأ أو الصبغة، والترديد بين الأمرين لأجل أنّ لهم في المقام رأيين .

1- انّ التشيع من مخترعات الفرس، اخترعوه لأغراض سياسية ولم يعتنقه أحد من العرب قبل الفرس، ولكنّهم لمّا أسلموا اخترعوا تلك الفكرة لغاية خاصة.

2- انّ التشيع عربي المبدأ، وإنّ لفيفاً من العرب اعتنقوه قبل أن يدخل الفرس في الإسلام ولمّا أسلموا اعتنقوه وصبغوه صبغه فارسية لم يكن له ذلك من قبل .

وهذان الرأيان هما اللذان عبّرنا عنهما في العنوان بما عرفت، وإليك التفصيل.

أمّا الاُولى: فقد اخترعها المستشرق دوزي وحاصله أنّ للمذهب الشيعي نزعة فارسية لأنّ العرب كانت تدين بالحرية، والفرس تدين بالملك، والوراثة،


(142)

ولا يعرفون معنى الانتخاب، ولمّا انتقل النبيّ إلى دار البقاء ولم يترك ولدا، قالوا علي أولى بالخلافة من بعده .

وحاصله: انّ الإنسجام الفكري بين الفرس والشيعة أعني كون الخلافة أمراً وراثياً، دليل على أنّ التشيّع وليد الفرس .

يلاحظ عليه:

أولا: انّ التشيّع حسب ما عرفت ظهر في عصر النبي الأكرم وهو الّذي سمّى أتباع علي بالشيعة، وكانوا متواجدين في عصر النبي وبعده، إلى زمن لم يدخل أحد من الفرس سوى سلمان، في الإسلام .

إنّ روّاد التشيّع في عصر الرسول والوصي كانوا كلّهم عرباً ولم يكن بينهم أي فارسي سوى سلمان المحمدي، وكلّهم يتبنّون فكرة التشيّع .

وكان لأبي الحسن أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ أيام خلافته ثلاثة حروب، حرب الجمل، وصفين، والنهروان. وكان جيشه كلّه عرباً أقحاحاً بين عدنانية وقحطانية، فقد انضمّ إلى جيشه زرافات من قريش والاُوس والخزرج، ومن قبائل مذحج، وهمدان، وطي، وكندة، وتميم، ومضر، وكان زعماء جيشه من رؤوس هذه القبائل كعمار بن ياسر، و هاشم المرقال، مالك الأشتر، صعصعة بن صوحان وأخوه زيد، قيس بن سعد بن عبادة، عبداللّه بن عباس، محمّد بن أبي بكر، حجر بن عدي، عدي بن حاتم، وأضرابهم، وبهذا الجند وباُولئك الزعماء فتح أميرالمؤمنين البصرة وحارب القاسطين معاوية وجنوده يوم صفين، وبهم قضى على المارقين .

فأين الفرس في ذلك الجيش واُولئك القواد كي نحتمل أنّهم كانوا الحجر الأساس للتشيّع. ثمّ لم يعتنق الفرس التشيّع دون غيرهم، بل اعتنقه الأتراك والهنود وغيرهم من غير العرب .


(143)

شهادة المستشرقين على أنّ التشيّع عربي المبدأ:

إنّ لفيفاً من المستشرقين وغيرهم صرّحوا بأنّ العرب اعتنقت التشيّع قبل الفرس وإليك نصوصهم:

1- قال الدكتور أحمد أمين: إنّ الفكر الفارسي استولى على التشيّع لقدمه على دخول الفرس في الإسلام وقال: والّذي أرى كما يدلّنا التاريخ أنّ التشيّع لعلي بدأ قبل دخول الفرس إلى الإسلام ولكن بمعنى ساذج، ولكن هذا التشيّع أخذ صبغة جديدة بدخول العناصر الاُخرى في الإسلام وحيث انّ أكبر عنصر دخل في الإسلام الفرس فلهم أكبر الأثر في التشيّع(1) وسيوافيك الكلام ما في ذيل كلامه من أنّ التشيّع أخذ صبغة جديدة بعد فترة من حدوثه .

2- قال المستشرق: «فلهوزن»: كان جميع سكان العراق في عهد معاوية خصوصاً أهل الكوفة شيعة ولم يقتصر هذا على الأفراد، بل شمل القبائل ورؤساء العرب(2) .

3- وقال المستشرق «جولد تسيهر»: «إنّ من الخطأ القول بانّ التشيّع في منشئه ومراحل نموه يمثّل الأثر التعديلي الّذي أحدثته أفكار الاُمم الإيرانية في الإسلام بعد أن اعتنقته، أو خضعت لسلطانه عن طريق الفتح والدعاية، وهذا الوهم الشائع مبني على سوء فهم الحوادث التاريخية، فالحركة العلوية نشأت في أرض عربية بحثة(3) .

4- يقول المستشرق «آدم متز»: إنّ مذهب الشيعة ليس كما يعتقد البعض رد فعل من جانب الروح الإيرانية يخالف الإسلام فقد كانت جزيرة العرب شيعة كلّها


1 . فجر الإسلام 176 .
2 . الخوارج والشيعة 113 .
3 . العقيدة والشريعة 204 .


(144)

عدا المدن الكبرى، مثل مكة وتهامة وصنعاء وكان للشيعة غلبة في بعض المدن أيضاً مثل عمان، وهجر وصعدة، أمّا إيران فكانت كلّها سنّة، ما عدا قم وكان أهل اصفهان يغالون في معاوية حتّى اعتقد بعض أهلها أنّه نبىّ مرسل(1) .

هذه الكلمات من هؤلاء الذين يفقدون الاخلاص غالباً في قضائهم، أوضح شاهد على أنّهم لم يجدوا لهذه النظرية أي مصدر صحيح .

5- يقول الشيخ أبو زهرة: إنّ الفرس تشيّعوا على أيدي العرب وليس التشيع مخلوقاً لهم، ويضيف: وأمّا فارس وخراسان وماوراءهما من بلدان الإسلام فقد هاجر إليها الكثير من علماء الإسلام الذين كانوا يتشيّعون فراراً بعقيدتهم من الأمويين أولا، ثم العباسيين ثانياً وأنّ التشيّع كان منتشراً في هذه البلاد انتشاراً عظيماً قبل سقوط الدولة الأموية بفرار أتباع زيد ومن قبله إليها(2) .

6- قال السيد الأمين: إنّ الفرس الذين دخلوا الإسلام لم يكونوا شيعة في أول الأمر إلاّ القليل وجلّ علماء السنّة وأجلاّؤهم من الفرس، كالبخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم النيسابوري والبيهقي وهكذا غيرهم ممّن أتوا في الطبقة التالية(3) .

وثانياً: انّ التاريخ يدلّنا إلى أنّ الفرس دخلوا في الإسلام يوم دخلوا، بالصبغة السنّية، وهذا هو البلاذري يحدّثنا في كتابه ويقول:

كان ابرويز وجّه إلى الديلم فأتى بأربعة آلاف، وكانوا خدمه وخاصته، ثم كانوا على تلك المنزلة بعده، وشهدوا القادسية مع رستم، ولمّا قتل وانهزم


1 . آدم متز: الحضارة الإسلامية 102 .
2 . الامام جعفر الصادق 545 .
3 . أعيان الشيعة 1 / 33 ط الخامسة .


(145)

المجوس اعتزلوا، وقالوا: ما نحن كهؤلاء ولا لنا ملجأ، وأثرنا عندهم غير جميل، والرأي لنا أن ندخل معهم في دينهم، فاعتزلوا فقال سعد: ما لهؤلاء، فأتاهم المغيرة ابن شعبة فسألهم عن أمرهم، فأخبروه بخبرهم، وقالوا: ندخل في دينكم، فرجع إلى سعد فأخبره فأمنهم، فأسلموا وشهدوا فتح المدائن مع سعد، وشهدوا فتح جلولاء، ثم تحولوا، فنزلوا الكوفة مع المسلمين(1) .

لم يكن اسلامهم يوم ذاك، إلاّ كاسلام سائر الشعوب، فهل يمكن أن يقال: انّ اسلامهم يوم ذاك كان اسلاماً شيعياً.

وثالثاً: إنّ الإسلام كان يمشي بين الفرس بالمعنى الّذي كان يمشي في سائر الشعوب ولم يكن بلد من بلاد إيران معروفاً بالتشيّع إلى أن انتقل قسم من الأشعريين الشيعة إلى قم و كاشان، فبذروا بذرة التشيّع وكان ذلك في أواخر القرن الأول مع أنّ الفرس دخلوا في الإسلام في عهد الخليفة الثاني أي من سنة 17 وهذا يعني أنّه قد انقضى عشرات الأعوام ولم يكن عندهم أثر من التشيّع. هذا هو ياقوت الحموي يحدّثنا في معجم البلدان ويقول:

«قم، مدينة تذكر مع قاشان، وهي مدينة مستحدثة اسلامية لا اثر للأعاجم فيها، وأوّل من مصرها طلحة بن الأحوص الأشعري، وكان بدو تمصيرها في أيام الحجّاج بن يوسف سنة 83، وذلك أنّ عبدالرحمان بن محمد بن الأشعث بن قيس، كان أمير سجستان من جهة الحجاج، ثم خرج عليه وكان في عسكره سبعة عشر نفساً من علماة التابعين من العراقيين، فلمّا انهزم ابن الاشعث ورجع إلى كابل منهزماً كان في جملته إخوة يقال لهم عبداللّه، والأحوص، وعبدالرحمان، وإسحاق، ونُعَيم، وهم بنو سعد بن مالك بن عامر الأشعري، وقعوا إلى ناحية قم، وكان هناك سبع قرى


1 . البلاذري: فتوح البلدان 279 .

(146)

اسم احداهما «كمندان» فنزل هؤلاء الاخوة على هذه القرى حتّى افتتحوها واستولّوا عليها، وانتقلوا إليها واستوطنوها، واجتمع عليهم بنوعمّهم وصارت السبع قرى، سبع محال بها، وسميت باسم احداها، «كمندان» فأسقطوا بعض حروفها، فسميت بتعريبهم قماً وكان متقدم هؤلاء الاخوة عبد الله بن سعد، وكان له والد قد ربى بالكوفة، فانتقل منها إلى قم، وكان إمامياً فهو الّذي نقل التشيّع إلى أهلها، فلا يوجد بها سنّي قط»(1) .

هذا كله راجع إلى تحليل النظرية من منظار التاريخ، وأمّا دليله فهو أوهن من بيت العنكبوت فانّ الفرس وإن كانوا لا يعرفون معنى الإنتخاب والحرية، ولكن كانت العرب أيضاً مثلهم، فانّ العربي الّذي كان يعيش في البادية عيشة فردية كان يحب الحرية ويمارسها، وأمّا العربي الّذي يعيش عيشة قبلية، فقد كان شيخ القبيلة يملك زمام اُمورهم وشؤونهم، فما معنى الحرية بعد هذا، وإذا مات شيخ القبيلة، يقوم أبناؤه وأولاده مكانه واحداً بعد الآخر .

تحليل النظرية الثانية:

إنّ هذه النظرية وإن كانت تتعرف بأنّ التشيّع عربي المولد والمنشأ، ولكنّها تدّعي أنّه اصطبغ بصبغة فارسية بعد دخول الفرس في الإسلام وهذا هو الّذي اختاره الدكتور أحمد أمين كما عرفت ولفيف من المستشرقين كـ «فلهاوزن»، يقول الثاني إنّ آراء الشيعة كانت تلائم الايرانيين، أمّا كون هذه الآراء قد انبثقت من الايرانيين فليست تلك الملاءمة دليلا عليه، بل الروايات التاريخية تقول


1 . معجم البلدان 4 / 396، مادة قم، ويقول في مراصد الاطلاع بأنّ أهل قم وكاشان كلهم شيعة إمامية ولاحظ رجال النجاشي ترجمة الرواة الأشعريين فيه .

(147)

بعكس ذلك، إذ تقول انّ التشيّع الواضح الصريح كان قائماً أولاًّ في الأوساط العربية، ثم انتقل بعد ذلك منها إلى الموالي، وجمع بين هؤلاء وبين تلك الأوساط.

ولكن لمّا ارتبطت الشيعة العربية بالعناصر المضطهدة تخلّت عن تربية القومية العربية، وكانت حلقة الإرتباط هي الإسلام ولكنّه لم يكن ذلك الإسلام القديم، بل نوعاً جديداً من الدين(1) .

أقول: إنّ مراده أنّ التشيّع كان في عصر الرسول وبعده بمعنى الحب والولاء لعليّ لكنّه انتقل بيد الفرس إلى معنى آخر وهو كون الخلافة أمراً وراثياً في بيت علي ـ عليه السلام ـ هذا هو الّذي يصرح به الدكتور أحمد أمين ويقول: إنّ الفكر الفارسي استولى على التشيّع، والمقصود من الاستيلاء هو جعل الخلافة أمراً وراثياً كما كان الأمر كذلك بين الفرس في عهد ملوك بني ساسان وغيرهم.

يلاحظ عليه: أنّ كون الحكم والملك أمراً وراثياً لم يكن من خصائص الفرس، بل وراثية الحكم كان سائداً في جميع المجتمعات، فالنظام السائد بين ملوك الحيرة وغسان وحمير في العراق والشام واليمن كان هو الوراثة، والحكم في الحياة القبلية في الجزيرة العربية كان وراثياً، والمناصب المعروفة لدى قريش من السقاية والرفادة وعمارة المسجد الحرام والسدانة كانت اُموراً وراثية حتّى أنّ النبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لم يغيّرها بل أنّه أمضاها ومن هنا نرى أنّه قد دفع مفاتيح البيت لبني شيبة لمّا كانت السدانة منصباً لهم أيام الجاهلية، فتخصيص الفرس بالوراثة وغمض العين عن غيرهم أمر عجيب، فعلى ذلك يجب أن نقول، انّ التشيّع اصطبغ بصبغة فارسية وغسانية وحميرية وأخيراً عربية، فما معنى تخصيص فكرة الوصاية بالفرس مع كونها آنذاك فكرة عامة عالمية؟!


1 . الخوارج والشيعة 169 .

(148)

إنّ النبوة والوصاية من الاُمور الوراثية في الشرائع السماوية، لا بمعنى أنّ الوراثة هي الملاك المعيّن بل بمعنى أنّه سبحانه جعل نور النبوة والامامة في بيوتات خاصة، فكان يتوارث نبي نبيّاً، ووصي وصيّاً، يقول سبحانه:

(وَلَقَدْ أَرْسَلنَا نُوحاً وإبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِما النُّبُوَّةَ والكِتابَ)(1).

(وإِذِ ابْتَلَى إِبراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمات فَأتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً قَالَ وَ مِن ذُرِّيَّتِى قَالَ لا يَنالُ عَهْدِى الظّالِمينَ)(2) .

(أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبراهيمَ الكِتَابَ والحِكْمَةَ وآتَيناهُم مُلْكاً عَظِيماً)(3) .

فلماذا لا يكون سبب تشيّع الفرس مفاد هذه الآيات والروايات الّتي تصرّح بأنّ الوصاية بين الأنبياء كانت أمراً وراثياً؟ وانّ هذه سنّة اللّه في الاُمم كما هو ظاهر قوله سبحانه (لا ينال عهدى الظالمين))فسمّى الامامة عهد اللّه لا عهد الناس .

ثمّ إنّ من زعم أنّ التشيّع من صنع الفرس مبدأً وصبغة فهو جاهل بتاريخ الفرس وذلك لأنّ التسنّن كان هو السائد عليهم إلى أوائل القرن العاشر حتّى غلب عليهم التشيّع في عصر الصفويين، نعم كانت الري وقم وكاشان معقل التشيّع ومع ذلك يقول أبو زهرة: إنّ أكثر أهل الفارس إلى الأن من الشيعة وأنّ الشيعة، الأولين كانوا من أهل فارس(4) .

أمّا غلبة التشيّع عليهم في الآونة الأخيرة فلا ينكره أحد، إنّما الكلام كونهم


1 . الحديد / 26 .
2 . البقرة / 124 .
3 . النساء / 54 .
4 . تاريخ المذاهب الإسلامية 1 / 41 ط دار الفكر العربي .


(149)

كذلك في بداية دخولهم إلى الإسلام، وكأنّ الرجل جاهل بتاريخ بلاد إيران، وها نحن ننقل كلام «أحسن التقاسيم» لتقف على أنّ المذهب السائد في ذلك القرن، هل كان هو التشيّع أم التسنّن يقول:

«اقليم خراسان للمعتزلة والشيعة، والغلبة لأصحاب أبي حنيفة إلاّ في كورة الشاش فانّهم شوافع وفيهم قوم على مذهب عبداللّه السرخسي، واقليم الرحاب مذاهبهم مستقيمة إلاّ أنّ أهل الحديث حنابلة والغالب بدبيل ـ لعلّه يريد أردبيل ـ مذهب أبي حنيفة وبالجبال، أمّا بالري فمذاهبهم مختلفة، والغلبة فيهم للحنفية، وبالري حنابلة كثيرة، وأهل قم شيعة والدينور غلبه مذهب سفيان الثوري، واقليم خوزستان مذاهبهم مختلفة، أكثر أهل الأهواز ورامهرمز والدورق حنابلة، ونصف أهل الأهواز شيعة، وفيه من أصحاب أبي حنيفة كثير، وبالأهواز مالكيون، اقليم فارس العمل فيه على أصحاب الحديث وأصحاب أبي حنيفة، اقليم كرمان المذاهب الغالبة للشافعي، اقليم السند مذاهبهم أكثرها أصحاب الحديث، وأهل الملتان شيعة يهيعلون في الأذان ـ أي يقولون: حي على خير العمل ـ ويثنون في الاقامة ـ أي يقولون: اللّه أكبر مرتين، وأشهد أن لا إله إلاّ اللّه مرتين أيضاً وهكذا ـ ولا تخلو القصبات من فقهاء على مذهب أبي حنيفة(1) .

ذكر ابن بطوطة «كان ملك العراق السلطان محمد خدابنده قد صحبه في حال كفره فقيه من الروافض الامامية يسمّى جمال الدين بن مطهر ـ يعني العلامة الحلي (648 ـ 726) ـ فلمّا أسلم السلطان المذكور وأسلمت باسلامه التتر زاد في تعظيم هذا الفقيه فزيّن له مذاهب الروافض وفضله على غيره... فأمر السلطان بحمل الناس على الرفض وكتب بذلك إلى العراقين وفارس وآذربايجان واصفهان وكرمان


1 . أحسن التقاسيم لشمس الدين محمّد بن أحمد المقدسي / 119 (ألفه عام 375) .

(150)

وخراسان وبعث الرسل إلى البلاد، فكان أوّل بلاد وصل إليها الأمر بغداد وشيراز واصفهان، فأمّا أهل بغداد فخرج منهم أهل باب الازج يقولون لاسمعاً ولا طاعة، وجاءوا للجامع وهدّدوا الخطيب بالقتل إن غيّر الخطبة وهكذا فعل أهل شيراز وأهل اصفهان(1) .

وقال القاضي عياض في مقدمة ـ ترتيب المدارك ـ وهو يحكي انتشار مذهب مالك: وأمّا خراسان وما وراء العراق من بلاد المشرق فدخلها هذا المذهب أولا بيحيى بن يحيى التميمي، وعبداللّه بن المبارك، وقتيبة بن سعيد، فكان له هناك أئمة على مر الأزمان، وتفشّى بقزوين وماولاها من بلاد الجبل. وكان آخر من درس منه بنيسابور أبو إسحاق بن القطان وغلب على تلك البلاد مذهبا أبي حنيفة والشافعي(2) .

قال «بروكلمان»: إنّ شاه إسماعيل الصفوي بعد انتصاره على «الوند» توجّه نحو تبريز فأعلمه علماء الشيعة التبريزيون أنّ ثلثي سكان المدينة الذين يبلغ عددهم ثلاثمائة ألف، من السنّة(3) .

هذه النصوص تعطينا أنّ السنّة كانت هي المذهب السائد إلى القرن العاشر بين الفرس، فكيف يمكن أن يقال: إنّ بلاد فارس كانت هي الموطن الأصلي للتشيّع.

هذا هو ابن الأثير يؤكّد على أنْ أهل طوس كانوا سنَّة إلى عصر محمود بن سبكتكين، قال: إنّ محمود بن سبكتكين جدّد عمارة المشهد بطوس الّذي فيه قبر


1 . رحلة ابن بطوطة 219 ـ 220 .
2 . ترتيب المدارك 1 / 53 .
3 . تاريخ المذاهب الإسلامية 1 / 140 .


(151)

علي بن موسى الرضا وأحسن عمارته، وكان أبوه سبكتكين أخربه، وكان أهل طوس يؤذون من يزوره فمنعهم ابنه عن ذلك، وكان سبب فعله ذلك أنّه رأي في المنام أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب وهو يقول: إلى متى هذا؟ فعلم أنّه يريد أمر المشهد يأمر بعمارته(1) .

ويؤيّد ذلك ما رواه البيهقي: انّ المأمون العباسي همَّ بأن يكتب كتاباً في الطعن على معاوية، فقال له يحيى بن أكثم: يا أميرالمؤمنين! العامة لا تتحمّل هذا ولا سيما أهل خراسان ولا تأمن أن يكون لهم نفرة(2).

فقد بان ممّا ذكر أمران:

1- انّ التشيع ليس فارسي المبدأ، وانّما هو حجازي المولد، والمنشأ اعتنقه العرب فترة طويلة لم يدخل فيها أحد من الفرس ـ سوى سلمان المحمدي ـ وانّ الإسلام دخل بين الفرس مثل دخوله بين سائر الشعوب وانّهم اعتنقوا الإسلام ـ لا التشيّع ـ مثل اعتناق سائر الاُمم وبقوا عليه قروناً وكان التشيّع بينهم قليلا ـ إلى أن ظهر بينهم، في عهد بعض ملوك المغول أو عهد الصفوية عام 905.

2- انّ كون الامامة منحصرة في علي وأولاده، ليس صبغة عارضة على التشيّع، بل هو جوهر التشيّع وحقيقته ولولاه، فقد التشيّع روحه وجوهره، فجعل الولاء لآل البيت أو تفضيل علي، على سائر الخلفاء أصله وجوهره، وجعل الامامة في علي ونسله أمراً عرضياً فكر خاطئ ليس له دليل .

قال المفيد: الشيعة من دان بوجوب الامامة ووجودها في كل زمان وأوجب


1 . ابن الأثير: الكامل في التاريخ 5 / 139 .
2 . البيهقي: المحاسن والمساوئ 1 / 108 .


(152)

النص الجلي والعصمة والكمال لكلّ امام ثم حصر الامامة في ولد الحسين بن علي ـ عليهما السلام ـ وساقها إلى الرضا علي بن موسى ـ عليهما السلام ـ .(1)


1 . اوائل المقالات / 7 .

(153)

الافتراض الرابع:

الشيعة ويوم الجمل

إنّ الشيعة تكوّنت يوم الجمل لما ذكر ابن النديم: انّ عليّاً قصد طلحة والزبير ليقاتلهما حتّى يفيئا إلى أمر اللّه جلّ اسمه وتسمّى من اتّبعه على ذلك الشيعة. وكان يقول: شيعتي وسمّاهم ـ عليه السلام ـ الأصفياء، الأولياء، شرطة الخميس، الأصحاب(1) .

وعلى ذلك جرى المستشرق «فلهوزن» حيث يقول: بمقتل عثمان انقسم الإسلام إلى فئتين: حزب علي، وحزب معاوية، والحزب يطلق عليه في العربية اسم «الشيعة» فكانت شيعة علىّ في مقابل شيعة معاوية، لكن لمّا تولّى معاوية الملك في دولة الاسلام كلّها... أصبح استعمال لفظ «شيعة» مقصوراً على أتباع علي(2) .

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره ابن النديم نفس ما ذكره البرقي قبله بقول(3) في رجاله وإليك نصّه .


1 . ابن النديم: الفهرست 263 طبع القاهرة .
2 . الخوارج والشيعة 146 (ترجمة عبدالرحمان بدوي، طبع القاهرة) .
3 . توفّي البرقي عام (274) أو (280) وألّف ابن النديم كتابه عام (377) وتوفّي عام (378) .


(154)

أصحاب أميرالمؤمنين:

من أصحاب رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الأصحاب، ثم الأصفياء، ثم الأولياء، ثم شرطة الخميس:

من الأصفياء من أصحاب أميرالمؤمنين ـ عليه السلام ـ : سلمان الفارسي، المقداد، أبوذر، عمار، أبوليلى، شبير، أبو سنان، أبو عمرة، ـ أبو سعيد الخدري (عربي أنصاري) ـ أبو برزة، جابر بن عبداللّه، البراء بن عازب (أنصاري)، عرفة الأزدي، وكان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ دعا له فقال: اللّهمّ بارك (له) في صفقته .

وأصحاب أميرالمؤمنين، الذين كانوا شرطة الخميس كانوا ستّة آلاف رجل، وقال علي بن الحكم (أصحاب) أميرالمؤمنين الذين قال لهم: تشرّطوا انّما اُشارطكم على الجنّة ولست اُشارطكم على ذهب وفضّة انّ نبيّنا ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال لأصحابه فيما مضى: تشرّطوا فانّي لست اُشارطكم، إلاّ على الجنّة(1) .

ترى أنّه عدّ من أصحاب الامام رجالا ماتوا، قبل أيام خلافته كسلمان، وأبوذر والمقداد، وكلّهم كانوا شيعة الامام، فكيف يكون التشيّع وليد يوم الجمل والظاهر وجود التحريف في عبارة ابن النديم .

وعلى كل تقدير فما تلونا عليك من النصوص في وجود التشيّع في عصر الرسول وبعده وقبل أن تشب نار الحرب في البصرة، دليل على وهن هذا الرأي ـ على تسليم دلالة كلام ابن النديم - بل كان ذلك اليوم يوم ظهور التشيّع .

فانّ الامام وشيعته بعد خروج الحق عن محوره، واستتباب الأمر لأبي بكر، رأوا أنّ مصالح الإسلام والمسلمين تكمن في السكوت ومماشاة القوم، بينما كان نداء


1 . البرقي: الرجال 3 .

(155)

التشيّع يعلو بين آونة واُخرى من جانب المجاهرين بالحقيقة، كأبي ذر الغفاري وغيره، ولكن كانت القاعدة الغالبة هو إدلاء الأمر للمتقمّصين بالخلافة والاشتغال برفع مشاكلهم العلمية، ولكن عندما تمّ الأمر للامام علي، ورجع الحق إلى محلّه اهتزّت الشيعة فرحاً، وارتفع كابوس الضغط عنهم، واستنشقوا نسيم الحرية ـ وإن كانت أياماً قصيرة ـ ففي تلك الأحايين ظهرت المعارضة بين المتشيّعين وغيرهم .


(156)


(157)

الافتراض الخامس:

الشيعة ويوم صفين

إنّ بعض المستشرقين(1) زعم أنّ الشيعة تكوّنت يوم افترق جيش علي في مسألة التحكيم إلى فرقتين فلمّا دخل علي الكوفة وفارقته الحرورية وثبت إليه الشيعة، فقالوا: في أعناقنا بيعة ثانية، نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت .

إنّ رمي الشيعة بالتكوّن يوم صفين اعتماداً على هذه العبارة باطل وانّما ذهب إليه ذلك المستشرق لأنّه افترض لتكوّن الشيعة، تاريخاً مفصولا عن تاريخ الإسلام فأخذ يتمسّك بهذه العبارة، مع أنّ تعبير الطبري، أعني قوله: وثبت إليه الشيعة(2) دليل على سبق وجودهم على ذلك .

نعم كانت للشيعة بعد تولّي الإمام الخلافة الحرية حيث ارتفع الضغط فالتفّ حوله مواليه من الصحابة والتابعين، نعم لم يكن كل من في جيشه من الشيعة بالمعنى المصطلح، وإنّما كانوا يقتدون به لأجل مبايعته .


1 . تاريخ الامامية للدكتور عبداللّه فياض 37 .
2 . تاريخ الطبري 4 / 46 طبع مصر .


(158)


(159)

الافتراض السادس:

الشيعة والبويهيون

تلقّى آل بويه مقاليد الحكم والسلطة من عام 320 ـ 447، فكانت لهم السلطة في العراق وبعض بلاد إيران كفارس وكرمان وبلاد الجبل وهمدان وإصفهان والري، وقد اُقصوا عن الحكم في الأخير بهجوم الغزاونة عليه عام 420 وقد ذكر المؤرّخون خصوصاً ابن الأثير في الكامل وابن الجوزي في المنتظم شيئاً كثيراً من أحوالهم، وخدماتهم، وافساحهم المجال للعلماء من غير فرق بين طائفة واُخرى. وقد أفرد المستشرق «استانلي لين بول» كتاباً في حياتهم ترجم باسم طبقات سلاطين الإسلام .

يقول ابن الأثير وكان عضد الدولة عاقلا، فاضلا، حسن السياسة، كثير الإصابة، شديد الهيبة، بعيد الهمة، ثاقب الرأي، محبّاً للفضائل وأهلها، باذلا في مواضع العطاء... إلى أن قال: وكان محبّاً للعلوم وأهلها، مقرّباً للعلماء، محسناً إليهم، وكان يجلس معهم يعارضهم في المسائل. فقصده العلماء من كل بلد وصنّفوا له الكتب ومنها الايضاح في النحو، والحجّة في القراءات، والمكلى في


(160)

الطب، والتاجي في التاريخ إلى غير ذلك(1). وهذا يدل أنّهم كانوا محبّين للعلم ومروّجين له من غير فرق بين كون العالم من الشيعة أو السنّة. وكان في عصرهم يغلب التسنّن على أكثر البلاد ومع ذلك لم يحاربوا التسنّن خلافاً لملوك السنّة، فكلّما كانت لهم السلطة والقوّة استأثرت الشيعة، ولو وقعت في أيّامهم حوادث بين الشيعة والسنّة في الطرق كان التحرّش فيها من طرف السنّة، ومن الحوادث المؤلمة في نهاية حكمهم بعد دخول طغرل بك مدينة دار السلام (بغداد) عام 447، إحراق مكتبة الشيخ الطوسي وكرسيّه الّذي كان يجلس عليه للتدريس(2). نعم راج مذهب الشيعة في عصرهم واستنشقوا نسيم الحرية بعد أن تحمّلوا الظلم والاضطهاد طيلة حكم العباسيين خصوصاً في عهد المتوكّل ومن بعده. غير أنّ تكوّن مذهب الشيعة في أيّامهم شيئاً وكونهم مروّجين ومعاضدين له شيء آخر، والمسكين لم يفرّق بينهما .


1 . الكامل في التاريخ 9 / 19 ـ 21 طبع دار صادر .
2 . لاحظ المنتظم: لابن الجوزي 16 / 108 الطبعة الحديثة بيروت .


(161)

الافتراض السابع:

الشيعة والمغول

لمّا اُقصي آل بويه عن الحكم في العراق وإيران، لم تقم للشيعة دولة قويّة ذات حول وطول بعدهم، وعاد الضغط على أتباع أهل البيت إلى أن استولى «هولاكو» على ايران وقضى على الخلافة العباسيّة عام (665) فأعطى الحرية للمذاهب ومنها مذهب أهل البيت وعلى ذلك نهج أولاده، ثمّ أسلم من ملوك المغول أربعة ثالثهم محمّد خدابنده، ورابعهم سعيد بن محمد خدابنده. فأمّا الأوّل منهما فقد كان حنفياً ولمّا وفد عليه نظام الدين عبدالملك الشافعي جعله قاضي القضاة في المملكة وكان يناظر الحنفية في محضر السلطان فيفحمهم، ولمّا ظهرت له الغلبة حسن للسلطان المذهب الشافعي فعدل إليه، ولمّا كثرت المناظرات بين نظام الدين وعلماء الحنفية، وكان ينسب كل منهم إلى مذهب الآخر ما لا تستحسنه العقول، ظهر عليه الملل والضجر، وقد ورد إليه في هذا الآونة السيد تاج الاوي مع جماعة من الشيعة وقعت بينه وبين نظام الدين محاضرات بمحضره، ثم بعد آونة حضر عنده العلاّمة الحلّي الحسن بن يوسف بمناسبة خاصّة يذكرها التاريخ، فأمر قاضي القضاة بمناظرته، وأعدّ لهم مجلساً حافلا للعلماء وأهل الفضل، فوقعت المناظرة بينهم في المسائل العقائدية والفقهية، فظهرت غلبة العالم الشيعي، فأظهر السلطان


(162)

التشيّع من حينه، وصارت تلك المناظرة سبباً لانتشار التشيّع(1) وقد استنشقت الشيعة في عصر المغوليين على وجه الاطلاق عطر الحرية ونسيمها، فازدحمت المراكز العلمية بعلمائهم ومفكّريهم، كنصير الدين الطوسي والمحقّق الحلّي.

وازدهرت بيوتات الشيعة كبيت آل طاووس وآل سعيد وغيرهما. وقد كان للشيعة كيان ونشاط في عصرهم أعادوا مجدهم في عصر البويهيين .


1 . لاحظ منتخب التواريخ لمعين الدين النطزي المؤلف عام 816 ـ 817 طبع عام 1336 .

(163)

الافتراض الثامن:

الشيعة والصفوية

والكلام في هذه الأسرة هو الكلام في البويهيين والمغوليين .

إنّ الصفويين اُسرة الشيخ صفي الدين العارف المشهور في أردبيل المتوفّى عام (735) ولمّا انقرضت دولة المغول، انقسمت البلاد إلى دويلات صغيرة شيعية وغير شيعية إلى أن قام أحد أحفاد صفي الدين، الشاه إسماعيل عام (905) واستلم مقاليد الحكم وسيطر على بلاد فارس والطرق، واستمرّ في الحكم إلى عام (930)، ثمّ ورثه اولاده إلى أن اُقصوا عن الحكم بسيطرة الأفاغنة على ايران عام (1135) فكان الصفويون خير الملوك لقلّة شرورهم وكثرة بركاتهم، وقد راج العلم والأدب والفنون المعمارية أثناء حكمهم، ولهم آثار خالدة إلى الآن في ايران والعراق، ومن وقف على أحوالهم ووقف على تاريخ الشيعة يقف على أنّ عصرهم كان عصر ازدهار التشيّع لاتكوّنه .

هذه هي الآراء الساقطة في تحليل تاريخ الشيعة ومبدأ تكوّنهم، وكلّها كانت اُموراً افتراضية بنوها على أساس خاطىء وهو أنّ الشيعة ظاهرة طارئة على المجتمع الاسلامي بعد عهد النبي، سامحهم اللّه وغفر اللّه لنا ولهم .


(164)

زلّة لاتستقال:

إنّ الدكتور عبداللّه فياض زعم أنّ التشيّع بمعنى مولاة علي نضج في مراحل ثلاث:

1- التشيّع الروحي، يقول: إنّ التشيع لعلي بمعناه الروحي زرعت بذرته في عهد النبي وتمّت قبل تولّيه الخلافة، ثم ساق الأدلّة على ذلك وجاء بأحاديث يوم الدار أوبدء الدعوة وأحاديث الغدير وما قال النبي في حق علي من التسليم على علي بإمرة المؤمنين.

2- التشيّع السياسي، ويريد من التشيّع السياسي، كون علي أحق بالإمامة لا لأجل النص بل لأجل مناقبه وفضائله، ويقول: إنّ التشيّع السياسي ظهرت بوادره ـ دون الالتزام بقضية الاعتراف بإمامته الدينية (يريد النص) ـ في سقيفة بني ساعدة، حين أسنَدَ حقَ علي بالخلافة عدد من المسلمين أمثال الزبير، والعباس، وغيرهما، وبلغ التشيّع السياسي أقصى مداه حين بويع علي بالخلافة بعد مقتل عثمان .

3- ظهوره بصورة فرقة، فإنّما كان ذلك بعد فاجعة كربلاء سنة (61) ولم يظهر التشيّع قبل ذلك بصورة فرقة دينية تعرف بالشيعة. ثمّ استشهد بكلام المقدسي حيث قال: إنّ أصل مذاهب المسلمين كلّها منشعبة من أربع: الشيعة، والخوارج، والمرجئة، والمعتزلة. وأصل افتراقهم قتل عثمان، ثمّ تشعّبوا(1) وأيّد نظريته بما ذكره المستشرق «فلهوزن» قال: تمكّن الشيعة أوّلا في العراق ولم يكونوا في الأصل فرقة دينية، بل تعبيراً عن الرأي السياسي في هذا الاقليم كلّه، فكان جميع سكان العراق خصوصاً أهل الكوفة شيعة علي على تفاوت بينهم(2) .


1 . أحسن التقاسيم 38 طبع ليدن 1906 .
2 . تاريخ الإمامية 38 ـ 47 .


(165)

يلاحظ عليه، أوّلا: انّ التفكيك بين المرحلتين الأوليتين وانّ الاُولى منهما كانت في عصر النبي وظهرت بوادر المرحلة الثانية بعد رحلة النبي قد نقضه نفس الكاتب في كلامه حيث قال: كان روّاد التشيّع الروحي يلتزمون بآراء علي الفقهية إلى جانب الالتزام باسناده سياسياً(1) .

وثانياً: إنّ ماذكره من النصوص في مجال التشيّع الروحي كمايدلّ على أنّ عليّاً القائد الروحي، يدل بوضوح على أنّه القائد السياسي، وقد نقل الكاتب جل النصوص، فمعنى التفكيك بينهما هو أنّ الصحابة الواعين أخذوا ببعض مضامينها وتركوا بعضها، ولو صحّ اسناد ذلك إلى بعض الصحابة فلا يصحّ اسناده إلى سلمان، وأبي ذر، وعمّار، الذين لا يتركون الحق وإن بلغ الأمر ما بلغ .

وبما أنّ النبي كان هو القائد المحنَّك للمسلمين لم تك هناك حاجة لظهور التشيّع السياسي في حياته، بل كان المجال واسعاً لظهور التشيّع الروحي ورجوع الناس إلى علي في القضايا والأحكام الفقهية، وهذا لا يعني عدم كونه قائداً سياسياً وانّ وصايا النبي لم تكن هادفة إلى ذلك الجانب .

وثالثاً: إنّ التشيّع السياسي ظهر في أيّام السقيفة في ظل الاعتراف بإمامته الروحية، فانّ الطبري وغيره وإن لم يذكروا مصدر رجوع الزبير والعباس إلى علي،ولكن هناك نصوص عن طرق الشيعة وردت في احتجاج جماعة من الصحابة على أبي بكر مستندين إلى النصوص الدينية.

روى الصدوق عن زيد بن وهب انّه قال: كان الذين أنكروا على أبي بكر في تقدّمه على علي بن أبي طالب اثنا عشر رجلا من المهاجرين والأنصار، فمن المهاجرين خالد بن سعيد بن العاص، والمقداد بن الأسود، واُبىّ بن كعب،


1 . تاريخ الإمامية 45 .

(166)

وعمّار بن ياسر، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وعبداللّه بن مسعود، وبريدة الأسلمي، ومن الأنصار زيد بن ثابت، وذو الشهادتين، وابن حنيف وأبو أيّوب الأنصاري، وأبو الهيثم بن التيهان. وبعدما صعد أبو بكر على المنبر قال خالد ابن سعيد: يا أبابكر اتّق اللّه... ثم استدلّ على تقدم علي بما ذكره النبي فقال: معاشر المهاجرين والأنصار، اُوصيكم بوصية فاحفظوها، وانّي مؤدّ إليكم أمراً فاقبلوه على أنّ عليّاً أميركم من بعدي وخليفتي فيكم ـ إلى آخر ما ذكره ـ ثمّ قام أبو ذر وقال: يا معاشر المهاجرين والأنصار... طرحتم قول نبيكم وتناسيتم ما أوعز إليكم، ثمّ ذكر مناشدة كل منهم مستندين في حجاجهم على أبي بكر بالأحاديث الّتي سمعوها من النبي الأكرم(1) وهذا يعرب أنّ التشيّع السياسي ـ الّذي كان ظرف ظهوره حسب طبع الحال ـ بعد الرحلة، كان مستفاداً من نصوص النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

رابعاً: ماذا يريد من الفرقة وانّ الشيعة تكوّنت بصورة فرقة بعد مقتل الامام الحسين فهل يريد الفرقة الكلامية الّتي تبتنى على آراء في العقائد تخالف فيها الفرق الاُخرى، فهذا لم يكن منه أثراً إلى أواسط العقد الثالث من الهجرة، ولم يكن يومذاك أيّة مسألة كلامية مطروحة حتّى تأخذ شيعة علي بجانب والآخرون بجانب آخر، بل كان المسلمون متسالمين في العقائد والأحكام حسب ما بلغ إليهم من الرسول، ولم يكن يومذاك أىّ اختلاف إلاّ مسألة القيادة، فالفرقة بهذا المعنى لم تكن موجودة في أوساط المسلمين .

وإن أراد من الفرقة الجماعة المتبنّية ولاية علي روحيّاً وسياسياً وانّه أحق بالقيادة على جميع الموازين، فكانت موجودة في يوم السقيفة وبعدها .


1 . الخصال 461 طبع مكتبة الصدوق لاحظ المناشدة إلى آخرها ترى فيها دلائل كافية لاثبات الخلافة للامام أميرالمؤمنين ـ عليه السلام ـ .

(167)

نعم إنّ احتكاك المسلمين مع الأجانب واستيراد آرائهم وعقائدهم في المسائل الكلامية والدينية أوجد فروعاً كلامية، وبما أنّ الشيعة حسب حديث الثقلين رجعوا إلى أئمّة أهل البيت فصاروا فرقة كلامية متشعّبة الأفنان، ضاربة جذورها في الكتاب والسنّة والعقل .

الآن حصحص الحق وأسفر الصبح لذي عينين فليس التشيّع ظاهرة طارئة على الإسلام، وإنّما هو نفس الإسلام في إطار ثبوت القيادة لعلي بعد رحلة النبي بتنصيصه. وتبنّاه منذ بعثة النبي الأكرم لفائف من الصحابة والتابعين وامتدّ ذلك حسب الأجيال والقرون وظهر بفضل التمسّك بالثقلين علماء مجاهدون، وشعراء مجاهرون، وعباقرة في الحديث، والفقه والتفسير والفلسفة والكلام واللغة والأدب، وشاركوا جميع المسلمين في بناء الحضارة الإسلامية بجوانبها المختلفة، يتّفقون مع جميع الفرق في أكثر الاُصول والفروع وإن اختلفوا معهم في بعضها كاختلاف بعض الفرق مع بعضها الآخر. وسيوافيك تفصيل عقائدهم في الفصل العاشر باذن اللّه .

وبذلك يظهر وهن ما ذهب إليه الدكتور عبدالعزيز الدوري من أنّ التشيّع باعتباره عقيدة روحية ظهر في عصر النبي وباعتباره حزباً سياسياً قد حدث بعد قتل علىّ(1) .

هذه الفروض الوهمية تبتنى على أساس باطل وهو أنّ التشيّع بجميع أو بعض أبعاده أمر طارىء على الإسلام والاُمّة، فراحوا يتبنّون الفروض الذهنيّة .


1 . لاحظ الصلة بين التصوّف والتشيّع 18 .

(168)


(169)

الفصل السابع

صيغة الحكومة عند أهل السنّة


(170)


(171)

قد تعرّفت على صيغة الحكومة عند الشيعة، وحان البحث عن صيغتها لدى أهل السنّة، وأنّهم يختلفون عن الشيعة في شكل الحكومة بعد رسول اللّه، في أمرين:

الأوّل: فيما يتعلّق بجوهرها وصلبها وأساسها، فانّ الخلافة عند الشيعة إمرة إلهية، واستمرار لوظائف النبوّة كلّها، سوى تلقّي الوحي الإلهي، والامام نفس الرسول في الصلاحيات والوظائف غير أنّه ليس بنبىّ لأنّ النبوّة اُوصدت وختمت بالرسول... فلا نبيّ ولا رسول بعده، ولكن الوظائف كلّها مستمرّة فلأجل ذلك يجب أن يكون الامام قائماً بوظائفه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ المعنوية والمادية والعلمية والاجتماعية، ويسد الفراغات الحاصلة بوفاته، وقد عرفت قسماً منها، وكان الامام علي وعترته الطاهرة على هذا الوصف فكانوا خلفاءً إلهيّين عيّنهم الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لكن لم تسمح الظروف للقيام بجميع وظائفهم إلاّ لعلي بعد حرمانه من حقّه سنين متمادية، فلمّا استتبّت له الاُمور قام بنفس وظائف النبىّ، من غير فرق بين الاجتماعية منها والعلمية، وسد الفراغات الهائلة.

ولكن الخلافة عند أهل السنّة رئاسة دينية لتنظيم اُمور الاُمّة من تدبير الجيوش، وسد الثغور، وردع الظالم، والأخذ للمظلوم، وقسمة الفيء بين


(172)

المسلمين، وقيادتهم في حجّهم وغزوهم(1) .

ولأجل اختصاص وظائف الامام بهذه الاُمور السياسية لا تشترط فيه العصمة، ولا الاحاطة بالشرع اُصوله وفروعه، بل يكفي فيه المقدرة لتدبير الاُمور، وقطع كيد الاُعداء، وتسهيل الحياة للاُمّة فعلى ذلك، فلا تتجاوز وظائفه عن الوظائف المخوّلة للحكومات الحاضرة، غير أنّه يجب أن يكون مؤمناً باللّه ورسوله وقائماً بالوظائف الفردية، ولا يعزل عن مقامه بالخروج عن الطاعة واقتراف المعصية حسب ما ذكروه في محلّه(2) .

وهذا الاختلاف بين الفريقين يرجع إلى تفسير جوهر الامامة وحقيقتها ويتفرّع على ذلك خلاف آخر وهذا هو الّذي نذكره في الأمر التالي .

الثاني: انّ الامام عند الشيعة يعيّن من جانب اللّه سبحانه ويبلّغ بواسطة الرسول، وأمّا الامام عند أهل السنّة، فقد فوّض أمر انتخابه إلى الاُمّة على وجه الاجمال ولم تذكر خصوصياته على وجه التفصيل، والّذي يظهر من مجموع كلامهم، انّ الامامة تنعقد عن طريق الشورى، واختيار أهل الحل والعقد أوّلا، وبتعيين الامام السابق ثانياً، وبالغلبة ثالثاً(3) .

قال الماوردي: الامامة تنعقد بوجهين:

أحدهما: باختيار أهل الحل والعقد .

والثاني: بعهد الامام من قبل(4) .


1 . قد لخّص الماوردي مسؤوليات الامام في عشرة، لاحظ الأحكام السلطانية 15 ـ 16 .
2 . التمهيد للباقلاني (ت 403 هـ) 181 .
3 . الماوردي: الأحكام السلطانية 6 والتفتازاني: شرح مقاصد الطالبين في علم اُصول عقائد الدين 272 طبع مصر .
4 . الأحكام السلطانية 4 .


(173)

وقال العضدي: إنّها تثبت بالنص من الرسول، وفي الامام السابق بالاجماع، وتثبت ببيعة أهل العقد والحل(1) .

ثمّ إنّهم اختلفوا في عدد من تنعقد بهم الامامة على مذاهب شتّى، فقالت طائفة: لا تنعقد الامامة إلاّ بجمهور أهل العقد والحل من كل بلد ليكون الرضا به عامّاً.

وقالت طائفة: اقل ما تنعقد به منهم خمسة، بشهادة أنّ بيعة أبي بكر انعقدت بخمسة وهم عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة الجرّاح، واسيد بن حضير، وبشر بن سعد، وسالم مولى أبي حذيفة .

وقال آخرون: تنعقد بثلاثة، يتولاّها أحدهم برضا الاثنين، ليكونوا حاكماً وشاهدين، كما يصحّ عقد النكاح بولي وشاهدين .

وقالت طائفة اُخرى: تنعقد بواحد، لأنّ العباس قال لعلي: امدد يدك اُبايعك، فيقول الناس عم رسول اللّه بايع ابن عمّه فلا يختلف عليك اثنان، ولأنّه حكم وحكم الواحد نافذ(2) .

إنّ هذا الاختلاف الهائل فيما تنعقد به الامامة، ناجم عن القول بأنّ أمر الخلافة مفوّض إلى الاُمّة مع عدم النص على أصل التفويض ولا على خصوصياته. وهذا من عجيب الأمر، حيث إنّ النبىّ يفوّض ذلك الأمر الحيوي إلى الاُمّة، ولا يتكلّم بأصل التفويض ولا خصوصياته، فيترك الاُمّة في حيرة.

وقد وقف على ذلك، الكاتب المصري الخضري، قال: لم يرد في الكتاب أمر صريح بشكل انتخاب خليفة لرسول اللّه، اللّهمّ تلك الأوامر العامة الّتي تتناول


1 . شرح المواقف 3 / 265 .
2 . الأحكام السلطانية 4 .


(174)

الخلافة وغيرها، مثل وصف المسلمين بقوله تعالى: (وَأمْرُهُمْ شورى بَينَهُمْ)(1) .

وكذلك لم يرد في السنّة بيان نظام لانتخاب الخليفة، إلاّ بعض نصائح تبعد عن الاختلاف والتفرّق، كأنَّ الشريعة أرادت أن تكل هذا الأمر للمسلمين حتّى يحلّوه بأنفسهم، ولو لم يكن الأمر كذلك لمهّدت قواعده واُوضحت سبله، كما اُوضحت سبل الصلاة والصيام(2) .

إنّ ما ذكره الخضري لا يسمن ولا يغني من جوع، لأنّ الحكومة بعد النبي الأكرم كانت من عظائم الاُمور فلا يخطر ببال أحد أن يكتفي الرسول بجميع تفاصيلها وخصوصياتها الّتي لم تمارسها الاُمّة ولا ذاقتها طوال حياته بآية الشورى وهذا أشبه بالاكتفاء في اقامة الصلاة بالمجملات الواردة في نص الكتاب.

«كيف يخطر ببال أحد أن يهمل الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ القيادة السياسية للدولة الإسلامية الّتي أسّسها، وثبّت عناصرها، ومرتكزاتها، فلم يضع قاعدة معيّنة للخلافة كما زعموا، مع العلم بأنّ القيادة بالنسبة للدولة كالرأس من الجسد، وكالقلب من سائر الأعضاء والجوارح. أيهمل القيادة والرئاسة للدولة، ولا يتكلّم عنها بنفي أو اثبات؟ أيهملها ويتركها نهباً لأصحاب المطامع، والمطامح، والأهواء، ولشهوات أصحاب القوّة والفساد في الأرض؟ فتعود بذلك بعد موته، الجاهلية، وعبادة الطواغيت، بعد أن عان وأصحابه ما عانوا من متاعب، ومشقّات، وما قدّموه من تضحيات غالية وعزيزة للخلاص من أوبائها وتحرير العباد من فحشائها؟ أيتركها لتكون سبباً لإراقة الدماء وازهاق الأرواح؟ وهو المرسل رحمة لا نقمة للعالمين، ونوراً وهدىً للحائرين والضالّين .


1 . الشورى / 38 .
2 . محاضرات في تاريخ الاُمم الإسلامية 2 / 161 .


(175)

حاشاه حاشاه لقد وضع لاُمّته وبوحي من ربّه العليم الخبير كل قواعد واُسس الحياة الإنسانية بمجالاتها الواسعة، ولم يهمل حتّى آداب الأكل والشرب ولبس النعال وحتّى آداب التبوّل والتبرّز، ووضّح لاُمّته معالم الحياة الرفيعة الراقية وفي مقدّمتها الحياة السياسية، ورأسها المفكر وقلبها النابض، هو القيادة المعروفة في لغة القرآن والسنّة باسم ـ الامامة و الخلافة - والملك والسلطان - وبذلك نزلت البشرى من عالم الغيب والشهادة باكمال الدين، واتمام النعمة، والرضى بالاسلام قال تعالى: (اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ و أتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً) ـ المائدة / 3 ـ (1) .

لو كانت صيغة الحكومة قائمة على أساس الشورى، وكانت هي طريقاً لتعيين الحاكم، كان من الضروري أن يقوم النبي بتوعية الاُمّة، وايقافها بصورة واسعة على حدود الشورى وتفاصيلها وخطوطها العريضة، حتّى لاتتحيّر الاُمّة ولا تختلف في أمرها، ولكنّا رغم هذه الأهمية القصوى، لا نجد لهذه التوعية الضرورية أي اثر في الكتاب والسنّة في مجال انتخاب الحاكم. أجل إنّ مقتضى كون الدين الاسلامي ديناً خاتماً هو التعرّض لصلب الموضوع مُوكِلا شكله إلى نظر الاُمّة، حتّى يتماشى مع جميع العصور. ولا نعني من هذا أنّه يجب على الشارع اعطاء كل التفاصيل والخصوصيات الراجعة إلى الشورى، غير أنّ هناك اُموراً ترجع إلى جوهر الشورى وصميمها، فلا يصحّ للشارع أن يترك بيانها، إذاً هناك أسئلة تطرح نفسها في المقام لا يمكن الوقوف على أجوبتها، إلاّ عن طريق الشرع، وهي:

1- من هم المشاركون في الشورى، فهل العلماء وحدهم أو السياسيون وحدهم أو الضبّاط والعساكر وحدهم، أو المختلط منهم؟


1 . الزيدية نظرية وتطبيق تأليف علي بن عبدالكريم 102 ـ 103 طبع عمان 1405 .

(176)

2- من هم الذين يختارون أهل الشورى؟

3- لو اختلف أهل الشورى في شخص أو أمر، ما هو الملاك لتقديم رأي على آخر؟ إلى غير ذلك من الأسئلة المطروحة الّتي ترتبط بنظام الشورى المجمل، ولا يستطيع أحد أن يجيب عنها إلاّ رجماً بالغيب .

ثم إنّ القوم ربّما يعبّرون عن صيغة الحكومة باتّفاق أهل الحل والعقد، وهذه الكلمة أشد غموضاً من السابقة إذ لا يعرف الإنسان من هم أهل الحل والعقد، وماذا يُحلِّون وماذا يعقِدون؟ أهم أصحاب الفقه والرأي الذين يرجع إليهم الناس فيما ينوبهم من حوادث؟ وهل هناك درجة معيّنة من الفقه والعلم إذا بلغها الإنسان صار من أهل الحل والعقد؟ ما هي تلك الدرجة؟ وبأي ميزان توزن؟ ولأجل هذه الابهامات حول نظام الشورى أوّلا، وأهل الحل والعقد ثانياً، تنبّه بعض دكاترة العصر إلى وهن هذه النظرية .

قال الدكتور طه حسين: لو كان للمسلمين هذا النظام المكتوب أي نظام الشورى، لعرف المسلمون في أيام عثمان ما يأتون من ذلك، وما يدعون، دون أن تكون بينهم فرقة أو اختلاف .

وقال الخطيب: إنّ كلمة أهل العقد والحل لأغمض غموضاً من كلمة الأفراد المسؤولين(1) .

كل ذلك يعرب عن أنّ مسألة نظام الشورى انّما اخترعها المتقمّصون للخلافة في أيام الأمويين .


1 . الخلافة والامامة للخطيب عبدالكريم 271 .

(177)

آيتان حول الشورى:

إنّ القائلين بكون صيغة الحكم بعد رحلة الرسول الأعظم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هو الشورى، استدلّوا بأمرين:

1- الآيتان الواردتان حول الشورى .

2- انّ خلافة الخلفاء تمّت بالشورى .

ونحن نبحث عن كلا الموضوعين بوجه موجز، ونحيل التفصيل إلى الموسوعات الكلامية، وإليك الآية الاُولى وتحليلها:

1- (فَبِما رَحْمَة مِنَ اللّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ واستَغْفِرْ لَهُمْ وشاوِرْهُمْ فِى الأمْرِ فإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إنَّ اللّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ)(1) .

إنّ الاستدلال بها سببه الغفلة عن موردها ومضمونها فإنّ الخطاب فيها موجّه إلى الحاكم الّذي فرضه سبحانه حاكماً على الاُمة، فيأمره أن يشاور أفراد الاُمّة فلا صلة للآية بالمدعى. فإنّ أقصى ما تفيده الآية هو أن لا يكون الحاكم الاسلامي الّذي تمّت سلطته، مستبدّاً في أعماله، وأمّا أنّ الامام، يتعيّن عن طريق الشورى فالآية لا تدل عليه، والّذي يؤكّد ما قلناه انّه يأمر النبىّ بعد المشاورة. بالتوكّل عند العزم. وأنّ له الرأي النهائي والأخير .

والحاصل: انّ الآية خطاب للحاكم الاسلامي وأنّ عليه المشورة أوّلا وأخذ التصميم النهائي ثانياً، وأمّا أنّ الحاكم الاسلامي يتعيّن من جانب الشورى، فالآية أجنبية عنه فانّ الخطاب في الآية للحاكم لا لغيره .

وأمّا الآية الثانية: أعني قوله سبحانه في صفات المؤمنين: (وأمْرُهُمْ)


1 . آل عمران / 159 .

(178)

شُورى بَيْنَهُمْ))(1) فهي تحثّ المؤمنين إلى المشورة في جميع الاُمور المرتبطة بهم وأمّا أنّ أمر الخلافة والولاية، من الاُمور المرتبطة بهم فلا تظهر من الآية. والتمسّك بها في مثل هذا المقام المردّد بين كونه من اُمور المؤمنين أو ممّا يرجع إلى اللّه ونبيّه تمسّك بالعام عند الشبهة المصداقية.

وبعبارة اُخرى: انّ الامامة لو كانت أمراً إلهيّاً. متوقّفاً على ولاية مفاضة من اللّه سبحانه إلى الولي يكون من الأمور المربوطة باللّه ورسوله، وأمّا لو كانت امرة عرفية وولاية شعبية تكون من الاُمور المتعلّقة بالمؤمنين وفي مثله حيث الأمر مردّد لا يمكن التمسّك بالعموم واثبات انّ الولاية من شؤون المؤمنين .

أضف إلى ذلك أنّه لو كان أساس الحكم في الإسلام هو الشورى لوجب على الرسول الأكرم بيان تفاصيلها وخصوصياتها وخطوطها العريضة. على ما عرفت تفصيلا .

ولأجل عدم وجود أىّ ايضاح من قبل النبىّ حول النظام المذكور، التجأ الكاتب المصري إلى رفض أن يكون ذلك أساساً للحكم وانّما كانت تجربة من المسلمين بعد رحلة الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

يقول: «ينظر بعضهم إليه على انّه (أي تعيين الامام بالشورى) نواة صالحة لأوّل تجربة، وانّ الأيام كفيلة بأن تنميها وتستكمل ما يبدو فيها من نقص فلم تكن الأحوال الّتي تمّت فيها هذه التجربة تسمح بأكثر ممّا حدث، إذ لم يكن من المستطاع ـ حينذاك الوقوف على رأي الاُمّة كلّها، فرداً فرداً ـ فيمن يخلف النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وينظر بعض آخر إلى هذا الاسلوب بأنّه اُسلوب بدائي عالج أهم مشكلة في الحياة وقد كان لهذا الاسلوب أثر في تعطيل القوى المفكرّة


1 . الشورى / 38 .

(179)

للبحث عن اسلوب آخر من أساليب الحكم الّتي جربتها الاُمم»(1) .

ومعنى ذلك أنّ الرسالة العالمية الخاتمة لجميع الرسالات قد أهملت هذا الجانب المصيري في حياة الاُمّة، وانّه اهتمّ بكل صغير وكبير سوى هذا الأمر الخطير الّذي به يناط بقاء الإسلام واستمراره. علماً انّ الظروف كانت مساعدة لوصول ذلك ولا مانع يعترض الطريق .

خلافة الخلفاء ومسألة الشورى:

هذا كلّه حول الدليل الأول وأمّا الدليل الثاني. وهو انّ خلافة الخلفاء تمّت عن هذا الطريق فهو أوهن وأضعف من الأوّل فمن قرأ تاريخ السقيفة وانتخاب الخلفاء الثلاثة يقف على أنّه لم يكن هناك اي مشورة ولا استشارة وانّما تمّت خلافة الأول في جوّ إرهابي وفي محفل ساد فيه، السب والشتم والضرب. إلى غير ذلك من الأفعال الشنيعة الّتي لا تليق بمجلس كهذا .

كما أنّ خلافة الثاني تمّت بتنصيص من الخليفة الأول وانّه استبدّ بالأمر ولم يدع مجالا للاُمّة .

وأمّا خلافة الثالث فهي وإن كانت مصبوغة بصبغة الشورى ولكن الخليفة هو الّذي عيّن اعضاء الشورى واستبدّ بالأمر وعيّن المرشحين للخلافة بل كان ما قام به يؤدي إلى تعيّن الخليفة. ومثل ذلك لا ينطبق عليه شروط الشورى وانّما كان استبداداً في لباس الحرية .

وإن كنت في شك ممّا تلوناه عليك فلندرس تاريخ انتخاب الخلفاء عن كثب.


1 . الخلافة والامامة: عبدالكريم الخطيب 272 .

(180)

1- السقيفة وخلافة أبي بكر:

توفّي رسول اللّه وكان أبوبكر خارج المدينة فقام عمر بن الخطاب فقال: إنّ رجالا من المنافقين يزعمون أنّ رسول اللّه قد توفّي، وانّ رسول الله ما مات، ولكن ذهب إلى ربّه كما ذهب موسى بن عمران فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل أنّه قد مات فواللّه ليرجعنّ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عمّا رجع موسى وليقطعنّ أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنّ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مات فما زال عمر يتكلّم حتّى أزبد شدقاه. فقال العباس: إنّ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يأسن كما يأسن البشر. وانّ رسول اللّه قد مات فادفنوا صاحبكم أيميت أحدكم إماتة ويُميته إماتتين؟ هو أكرم على اللّه من ذلك فان كان كما تقولون فليس على اللّه بعزيز أن يبحث عنه التراب فيخرجه إن شاء اللّه .

وما زال الجدال مستمرّاً بين عمر والعباس وشاركهم سائر المسلمين إلى أن نزل أبوبكر من السُنح فسمع مقالة عمر فدخل البيت فكشف عن وجه النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقبّله وقال: بأبي أنت واُمّي طبت حيّاً وميّتاً والّذي نفسي بيده لا يذيقك اللّه الموتتين أبداً(1). ثم خرج فقال: على رِسْلِك يا عمر. فجلس عمر. فحمداللّه أبوبكر وأثنى عليه ثم قال: ألا من كان يعبد محمّداً فإنّ محمّداً قد مات، ومن كان يعبد اللّه فانّ اللّه حىّ لا يَمُوت وقال: (إنّكَ مَيِّتٌ وإنَّهُمْ مَيِّتُونَ))وقال: (وما مُحَمَّدٌ إلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبلِهِ الرُّسُلُ أفَاِنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً و سَيَجْزِى اللّهُ الشّاكرِينَ)) فتشنّج الناس. فقال عمر: واللّه ما هو إلاّ أن


1 . أين الوهابيون من موقف الخليفة هذا، حيث أخذ يخاطب النبي وهو ميّت، ويقبّله ويتبرّك به، ويقول بأبيه واُمّه له .

(181)

سمعت أبابكر تلاها فدهشت حتّى وقعت إلى الأرض، وعرفت أنّ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قد مات(1) .

نقاش مع الخليفة:

هناك تساؤلات تطرح نفسها ولعلّه كان عند الخليفة أجوبة لها أو أنّ القارئ، يتفطّن للاجابة عنها وهي:

1- انّ موت النبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لم يكن فُجائيّاً بل كان بعد مرض ألمّ به عدّة أيام فكانت القرائن والشواهد تدل على أنّه قد دنى فراقه للاُمّة وقد صرّح بذلك في غير واحد من أصحابه، آخرها طلبه للقلم والدواة وكتابة الصحيفة والوصية للاُمّة حتّى لا تضلّ الاُمّة من بعده وقد حال الخليفة الثاني بين النبي واُمنيته وقال ما قال(2) .

وعندئذ فكيف أذعن بأنّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ما مات وإنّما غاب كغيبة موسى وقد أصرّ على ذلك حتّى ازبد شدقاه ولم يكن بين الصحابة من يدافع عن تلك العقيدة. سوى نفسه .

فهل كان الخليفة موقناً بذلك جدّاً أو أنّه كان له في تبنّي هذه الفكرة (لساناً لا قلباً) هدفاً سياسيّاً يخبّىء فيه مصالحه أو مصالح الاُمّة؟

2- هل كانت الغيبة سنّة رائجة بين جميع الأنبياء أو كانت من مختصّات بعض الأنبياء كالكليم ونحوه. ولو صحّ الثاني كما هو الحق فما هو الوجه في الحاقه بالنادر؟


1 . السيرة النبوية: ابن هشام 655، الطبقات الكبرى 2 / 268 ـ 269 .
2 . البخاري: الصحيح، كتاب العلم 1 / 22 و ح 2 / 14 .


(182)

3- نرى أنّ عم النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ العباس، واجهه بما واجه به أبوبكر وهو أنّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أكرم من أن يُميته سبحانه موتتين. مع أنّه لم يقتنع بكلامه بل اقتنع بما ذكره أبوبكر .

4- انّه مصرّاً على الغيبة مادام ابو بكر غائباً عن المدينة، فلمّا نزل من السُنح وأدلى بمقاله سرعان ما تراجع عن موقفه، وأىّ سرّ كان في هذا الرجوع السريع عن فكرة كان يستميت في الدفاع عنها؟

5- كيف يقتنع القارئ بأنّ الخليفة لم يكن ذاكراً قوله سبحانه (إنَّك ميّت وإنّهم ميّتون)) وقوله سبحانه: (وما محمّد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل))وغيرهما؟

هذه الأسئلة لم نجد لها أجوبة شافية ومن المحتمل جداً أن يكون وراء الكواليس شيئاً ما. وأن تكون اطروحة الغيبة مناورة سياسية، الغاية منها منع المسلمين من اتّخاذ أىّ موقف في المسائل المصيرية للاُمّة حتّى يجيء أبوبكر من السُنح ويجتمعا على رأي واحد. ولأجل ذلك تنازل عن موقفه بعد ما جاء أبوبكر من خارج البلد. فاتّخذا موقفاً واحداً، تجاه المسائل المصيرية .

مأساة السقيفة:

كان علي بن أبي طالب وجمهور المهاجرين منهمكين في تجهيز النبي فوقف الخليفتان على اجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعدة للتداول في مسألة الخلافة. فقال عمر لأبي بكر: انطلق بنا إلى اخواننا هؤلاء من الأنصار ما هم عليه فدخلا ومعهما بعض المهاجرين كأبي عبيدة بن الجراح وكان خطيب الأنصار ونقيبهم سعد بن عبادة يخطب ويحث الأنصار على الأخذ بمقاليد الخلافة بحجّة أنّهم آووا النبي الأكرم عندما أخرجه قومه. وضحّوا في سبيل دعوته بكل غال ورخيص .


(183)

فلمّا أتمّ كلامه ابتدأ أبوبكر بالبحث والكلام فاستند إلى أنّ اللائق بالخلافة هو قوم النبي وقبيلته بحجّة أنّهم أوسط العرب داراً وأحسنهم احساباً ولم يكتف بذلك حتّى أخذ بيد عمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح ورشحهما للبيعة .

ترى أنّ الطائفتين اتّخذوا في حل مشكلة الخلافة قواعداً كانت سائدة في عصر الجاهلية فالأنصارترى نفسها أحق بالخلافة لحمايتها النبي الأكرم وتقديم المأوى له، وأمّا هؤلاء الحاضرون من المهاجرين فاحتجّوا بمثل ما احتجّت به الأنصار وهو أنّ قريش أوسط داراً وأحسن نسباً .

ولم يكن هناك من يذكّر ويوقفهم على أنّ الإسلام عصف بهذه الأساليب من الاحتجاجات وحطّم أحكام الجاهلية(1)

فلو كان هناك مشورة اسلامية كان عليهم أن يتفحّصوا عن أعلم القوم بالكتاب والسنّة وأكثرهم دراية بهما. وأسوسهم وأخشنهم في ذات الله وأسبقهم إلى الايمان والإسلام. كما هو الوارد عن الكتاب والسنّة قال سبحانه: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الاَْرضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وآتَوُاْ الزَّكَاةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ ونَهَوْاْ عَنِ المُنكَرِ وللهِ عَاقِبةُ الاُمُورِ)(2).

وقال النبي الأكرم لا تصلح الإمامة إلاّ لرجل فيه خصال ثلاث:

1- ورع يحجزه عن معاصي اللّه .

2- وحلم يملك به غضبه .

3- وحسن الولاية على من يلي حتّى يكون كالأب الرحيم(3) .


1 . لاحظ: في الوقوف على احتجاج الطائفتين، السيرة النبوية لابن هشام 2 / 659، والطبقات الكبرى لابن سعد 2 / 269 وتاريخ الطبري 2 / 442 ـ 446 .
2 . الحج / 41 .
3 . الكافي للكليني 1 / 407 .


(184)

وقال الامام علي: «أيّها الناس إنّ أحق الناس بهذا الأمر أقواهم عليه، وأعلمهم بأمر اللّه فإن شغب شاغب استعتب فإن أبي قوتل»(1) .

وقال ـ صلوات اللّه عليه ـ أيضاً عندما قال قائل كلام «إنّك على هذا الأمر يابن أبي طالب لحريص، فقلت: بل أنتم واللّه لأحرص وأبعد، وأنا أخصّ وأقرب، وانّما طلبت حقاً لي وأنتم تحولون بيني وبينه وتضربون وجهي(2) .

وقال الامام السبط الطاهر الحسين بن علي ـ عليهما السلام ـ فما الامام إلاّ الحاكم بالكتاب، الدائن بدين الحق، القائم بالقسط، الحابس نفسه على ذات اللّه(3) .

وأين هذه الملاكات والضوابط ممّا جاء في احتجاجات المهاجرين والأنصار وكأنّهم لم يسمعوا قول اللّه سبحانه: (أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصَّالِحُون)(4) .

ما سمعت من الكلمات، كانت احتجاجاتهم وشعاراتهم في نادي السقيفة وأمّا ما قاموا به من الأعمال المخزية أو ما صدر منهم من الضرب والسباب، فحدّث عنه ولا حرج. وبذلك تقف على أنّه لم تكن هنا أي مشورة، ولا تلاقح فكري وانّما كان أشبه بملعب يتسابق فيه الجميع لأخذ كرة الخلافة بأىّ طريق حص وإن كنت في شك منها فاستمع لما نتلوه عليك من المصادر الموثقة .

هذا الحباب بن المنذر الصحابي البدري الأنصاري قد انتضى سيفه على أبي بكر وكان داعياً إلى قيادة الأنصار وقال: «واللّه لا يرد عليَّ أحد ما أقول إلاّ


1 . نهج البلاغة، قسم الخطب برقم 173 .
2 . نهج البلاغة، قسم الخطب برقم 172 .
3 . روضة الواعظين 206 .
4 . الأنبياء / 105 .


(185)

حطّمت أنفه بالسف، أنا جُذيلها المحكّك (أصل الشجرة) وعُذيقها المرجَّب (النخلة المشتملة بالتمر) أنا أبو شبل في عرينة الأسد، يعزى إلىّ الأسد»(1) .

وهو بكلامه هذا يتهدّد كل من يحاول اخراج القيادة من الأنصار واقرارها لغيرهم .

وها هو آخر (وهو سعد بن عبادة) يخالف مبايعة أبي بكر وينادي: «أنا أرميكم بكل سهم في كنانتي من نبل، وأخضب منكم سناني ورمحي، وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي واُقاتلكم مع من معي من أهلي وعشيرتي»(2) .

وها هو ثالث يتذمّر من تلك البيعة ويشب نار الحرب بقوله: «إنّي لأرى عجاجة لا يطفئها إلاّ الدم»(3) .

وهذا هو سعد بن عبادة أمير الخزرج الّذي طلب أن تكون الخلافة في الأنصار يداس بالأقدام، وينزى عليه وينادى عليه بغضب: «اقتلوا سعداً قتله اللّه إنّه منافق أو صاحب فتنة» وقد قام عمر على رأسه ويقول: «لقد هممت أن أطأك حتّى تندر عضوك أو تندر عيونك»(4) .

فإذا بقيس بن سعد يأخذ بلحية عمر ويقول: «واللّه لو حصصت منه شعرة ما رجعت وفي فيك واضحة! أو لخفضت منه شعرة ما رجعت وفي فيك جارحة»(5) .

وهذا نفس عمر بن الخطاب يصف تلك المشاجرة بقوله: «كثر اللغط


1 . شرح ابن أبي الحديد 2 / 16 .
2 . الغدير 7 / 76 .
3 . الامامة والسياسة 1 / 11، تاريخ الطبري 3 / 210 .
4 . مسند أحمد 1 / 56، تاريخ الطبري 3 / 210، وغيرهما .
5 . تاريخ الطبري 3 / 210، السيرة الحلبية 3 / 387 .


(186)

وارتفعت الأصوات حتّى تخوّفت الاختلاف، فقلت: ابسط يديك يا أبابكر، فبسط يده، فبايعته، ثم بايعه المهاجرون، ونزونا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة، فقلت: قتل اللّه سعد بن عبادة»(1) .

إنّ الشورى الإسلامية حسب ما توحي كلمتها السامية، لا تنعقد إلاّ بدارسة الموضوع دراسة موضوعية واقعية، وأن تكون هناك حرّية في الرأي والنظر، ونزاهة في الكلام، ويقوم مندوب كل جماعة بإدلاء رأيه بدليل وبرهان، وربّما تتطلّب دراسة مثل ذلك الموضوع الحيوي عقد مجالس متعدّدة حتّى يصل من خلالها المسلمون إلى الأمثل فالأمثل في موضوع القيادة، وأمّا المجلس الّذي تسل فيه السيوف على المخالف، ويداس المقابل بالأقدام، فهذا أشبه بميدان الحرب والقتال لا المفاهمة والمشاورة، بل أشبه...

هذا حال السقيفة وأمّا ما جرى بعد السقيفة فحدّث عنه ولا حرج، فقد خرج الخليفة من السقيفة مع من بايعوه فلم يلاقوا أحداً في الطريق إلاّ وضعوا يده على يد الخليفة بيعة له .

ثمّ إنّ علياً وجماعة معه كانوا متخلّفين عن البيعة، ولمّا كان تخلّفه ومن معه من أصحابه اخلالا بالبيعة، بعث أبوبكر عمر بن الخطاب إلى بيت علي وفاطمة، ليتهدّدوا اللائذين به، الممتنعين عن مبايعته، وقال له: إن أبوا فقاتلهم، وأتى عمر إلى بيت فاطمة وهو يقول: واللّه لنحرقنّ عليكم أو لتخرجنّ إلى البيعة، فقالت فاطمة لمّا سمعت ذلك صائحة منادية: «يا أبت يا رسول اللّه ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة»(2) .


1 . السيرة النبوية لابن هشام 2 / 660 .
2 . تاريخ الطبري 3 / 210، الامامة و السياسة لابن قتيبة 1 / 13 .


(187)

ثمّ بعد هنّ وهنات اُخرج الامام من بيته، وقادوه إلى البيعة كما يقاد البعير المخشوش، وسيق سوقاً عنيفاً، وقالوا له: بايع، فيقول: «إن أنا لم أفعل فمه؟»

فيقال: واللّه الّذي لا إله إلاّ هو نضرب عنقك، فقال علي: «إذن تقتلون عبداللّه وأخا رسول اللّه»(1).

ولم يكن الضغط منحصراً في علي، بل لمّا سمع الزبير ما جرى في السقيفّة سلّ سيفه وقال: لا أغمده حتّى يبايع علي، فيقول عمر: عليكم الكلب، فيؤخذ سيفه من يده، ويضرب به الحجر فيكسر(2) .

هذه صورة اجمالية وضعناها أمام القارئ ليقف على مدى صحّة الشورى الّتي بنيت عليها خلافة الخليفة الأوّل، ثمّ هو عقد الخلافة بنفسه لعمر من دون أي مشاورة للمسلمين(3) كما فوّض الثاني أمر الخلافة إلى ستّة وقد استبدّ في تعيينهم من دون مشورة، وليس هذا شيئاً ينكر أو يشك فيه(4) .

وقد بلغت فضاحة الأمر في السقيفة إلى حدّ يصفه عمر بقوله: كانت بيعة أبي بكر فلتة كفلتة الجاهلية وقى اللّه المسلمين شرّها. أو قال: كانت بيعة أبي بكر فلتة فتمّت، وأنّها قد كانت كذلك إلاّ أنّ اللّه قد وقى شرّها، فمن بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين، فانّه لا بيعة له(5) .


1 . الامامة والسياسة 1 / 13 .
2 . تاريخ الطبري 3 / 199، الامامة والسياسة 1 / 11 .
3 . سيأتي مصدره .
4 . سيأتي مصدره .
5 . السيرة النبوية 2 / 658، تاريخ الطبري 2 / 446 .


(188)

الخلفاء وتناسي الشورى:

قد درسنا كيفية انعقاد الامامة لأوّل الخلفاء هلمّ معي ندرس خلافة غيره، فسوف ترى أنّه لم يكن هناك أىّ مشورة ولا أىّ استفتاء شعبي، ولا أىّ ديمقراطية كما يدّعيها بعض الكتّاب المعاصرين .

روى المؤرّخون: انّه دعا أبوبكر عثمان بن عفان، فقال: اكتب عهدي، فكتب عثمان وأملى عليه: بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا ما عهد به أبوبكر بن أبي قحافة آخر عهده بالدنيا، نازحاً عنها، وأوّل عهده بالآخرة داخلا فيها، إنّي أستخلف عليكم عمر بن الخطاب...(1) .

والإنسان عندما يقرأ هذه الصفحة من التاريخ، يقف على قيمة ما ذكره الامام، عندما رفعوا السيف على رأسه ليبايع أبابكر، فقال: «احلب يا عمر حلباً لك شطره، اُشدد له اليوم أمره، ليردّه عليك غداً، ألا واللّه لا أقبل قولك ولا اُبايع»(2) فواللّه، لقد تحقّق قول الامام حيث ردّ عليه الأمر من بعد، كما عرفت .

وهذا عمر بن الخطّاب، فبعدما جرح ودنا أجله قال: سأستخلف النفر الذين توفّي رسول اللّه وهو عنهم راض، فأرسل إليهم فجمعهم وهم: علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفّان، وطلحة، والزبير بن العوّام، وسعد بن أبي وقّاص، وعبدالرحمان ابن عوف، وكان طلحة غائباً .

فقال: يا معشر المهاجرين الأوّلين، إنّي نظرت في أمر الناس فلم أجد فيهم شقاقاً ولا نفاقاً فإن يكن بعدي شقاق ونفاق فهو فيكم فتشاوروا ثلاثة أيّام، فإن جاءكم طلحة إلى ذلك وإلاّ فأعزم عليكم أن لا تتفرّقوا من اليوم الثالث حتى


1 . الامامة والسياسية لابن قتيبة 18، الكامل في التاريخ 2 / 425 .
2 . الامامة والسياسة 23، الكامل 3 / 35 .


(189)

تستخلفوا أحدكم.

ثم قال لصهيب: «صلّ بالناس ثلاثة أيّام وأدخل هؤلاء الرهط بيتاً وقم على رؤوسهم فإن اجتمع خمسة وأبى واحد فاشدخ رأسه بالسف...وإن اتّفق أربعة وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما... فان رضى ثلاثة رجلا وثلاثة رجلا، فحكّموا عبداللّه بن عمر فإن لم يرضوا بحكم عبداللّه بن عمر، فكونوا مع الذين فيهم عبدالرحمان بن عوف واقتلوا الباقين إن رغبوا عمّا اجتمع عليه الناس»(1) .

«فلما دفن عمر جمعهم أبو طلحة ووقف على باب البيت بالسيف في خمسين من الأنصار، حاملي سيوفهم ثم تكلّم القوم وتنازعوا فأوّل ما عمل طلحة أنّه أشهدهم على نفسه أنّه قد وهب حقّه من الشورى لعثمان، وذلك لعلمه أنّ الناس لا يعدلون به عليّاً وعثماناً، وانّ الخلافة لا تخلص له وهما موجودان فأراد تقوية أمر عثمان وإضعاف جانب علي ـ عليه السلام ـ بهبة أمر لا انتفاع له به ولا تمكّن له منه.

ولمّا رأى الزبير أنّ علياً قد ضعف، وانخذل بهبة طلحة حقه لعثمان دخلته حميّة النسب فوهب حقه من الشورى لعلي. لأنّه ابن عمّته، وهي صفية بنت عبدالمطلب وأبو طالب خاله .

وقال سعد بن أبي وقاص: أنا قد وهبت حقي من الشورى لابن عمي عبدالرحمان وذلك لأنّهما من بني زهرة ولعلمه أنّ الأمر لا يتم له .

فلما لم يبق إلاّ الثلاثة: علي وعثمان وعبدالرحمان ولكل واحد صوتان وبما أنّ عمر بن الخطاب قال في وصيته لأبي طلحة الأنصاري: بأنّه إذا تساوت الآراء فرجّح الفئة الّتي فيها عبدالرحمان بن عوف. ومن المعلوم أنّ عبدالرحمان ما كان يميل إلى علي ويترك نفسه أو صهره عثمان، ولأجل ذلك قام بلعبة اُخرى يريد بها


1 . تاريخ الطبري 3 / 294 .

(190)

حرمان علي.

فقال عبدالرحمان لعلي وعثمان: أيّكما يخرج نفسه من الخلافة ويكون إليه الاختيار في الاثنين الباقيين؟ فلم يتكلّم منهما أحد، فقال عبدالرحمان: اشهدكم انّني قد أخرجت نفسي من الخلافة على أن أختار أحدكما، فامسكا فبدأ بعلي ـ عليه السلام ـ وقال له: اُبايُعك على كتاب اللّه وسنّة الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وسيرة الشيخين: أبي بكر وعمر، فقال: بل على كتاب اللّه وسنّة الرسول واجتهاد رأيي، فعدل عنه إلى عثمان فعرض عليه ذلك، فقال: نعم فعاد إلى علي ـ عليه السلام ـ فأعاد قوله، وفعل ذلك عبدالرحمان ثلاثاً، فلمّا راى أنّ علياً غير راجع عمّا قاله وأنّ عثمان يَنْعم له بالاجابة صفّق على يد عثمان، وقال: السلام عليك يا أميرالمؤمنين، فيقال: إنّ عليّاً ـ عليه السلام ـ قال له: واللّه ما فعلتها إلاّ لأنّك رجوت منه ما رجاه صاحبكما من صاحبه دقَّ اللّه بينكما عطر «منشم» .

قيل: ففسد ذلك بين عثمان وعبدالرحمان فلم يكلّم أحدهما صاحبه حتّى مات عبدالرحمان(1) .

شورى سداسية أو لعبة سياسية؟:

إذا ألقيت نظرة على كيفية تشكيل الشورى وأعضائها أدركت أنّها كانت لعبة سياسية وكان الهدف منها تسليم الخلافة إلى عثمان ولكن بصبغة شرعية وقانونية. إذ لم تكن الظروف تسمح بتنصيبه أو الايصاء به صريحاً. فدقَّ الخليفة باب الشورى


1 . الطبري: التاريخ 3، الجزري: الكامل 3 وشرح ابن أبي الحديد 1 / 188، و«منشم» اسم امرأة عطّارة بمكة وكانت خزاعة وجرهم إذا أرادا القتال تطيّبوا بطيبها وكانوا إذا فعلوا ذلك كثرت القتلى فكان يقال أشأم من عطر منشم، لاحظ الصحاح للجوهري .

(191)

حتّى يسّد به أفواه المعترضين بالقدر الميسور. وكانت الغاية واضحة لدى المطّلعين على خبايا الاُمور. منهم أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ حيث قال لعمّه العباس: عُدل بالأمر عنّي يا عم قال: وما عيبك، قال: قرن بي عثمان، وقال عمر: كونوا مع الأكثر فان رضى رجلان رجلا، ورجلان رجلا، فكونوا مع عبدالرحمان بن عوف، فسعد لا يخالف ابن عمه (عبدالرحمان بن عوف) وعبدالرحمان صهر عثمان لا يختلفان (1) .

وقال ابن عباس: الرجل يريد أن يكون الأمر في عثمان(2) .

وقد نال الخليفة بغيته من خلال الاُمور التالية:

1- إنّ الشخصيات المشاركة في الشورى فرضت من جانب الخليفة وقد احتكر ذلك الحق لنفسه وسلبه عن الاُمة، ولو كان الانتخاب بيد الاُمة ربّما كان المصير على خلاف ما أراده .فأدخل في الشورى رجالا يسيرون على الخط الّذي رسمه الخليفة في نفسه .

وبرّر الخليفة حصر أعضاء الشورى فيهم بأنّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مات وهو راض عنهم وهو تبرير تافه، فانّ النبي مات وهو راض عن غير هؤلاء أيضاً ولقد أثنى على عدّة من أصحابه كأبي ذر الغفاري وعمّار بن ياسر وجابر بن عبداللّه الأنصاري، وأبي أيوب مضيّفه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وغيرهم بيد أنّ هؤلاء لمّا كانوا لا يحققون مطامع الخليفة أعرض عنهم وأدلى بأسماء هؤلاء الذين يتجاوبون مع ما يريد .

2- انتخب رجالا لعضوية الشورى كانوا مختلفي النزعة والهوى ولكن


1 . شرح النهج 1 / 191 .
2 . شرح النهج 1 / 189 .


(192)

الجامع بين أغلبهم هو الانحراف عن علي ـ عليه السلام ـ واضمار العداء له. فعند ذلك أصبح اقصاء علىّ أمراً محتوماً إن لم نقل انّ تعيين عثمان أضحى أمراً مفروضاً وذلك لأنّ طلحة بن عبيداللّه كان معروفاً بعدائه لعلي وانحرافه عنه. فلأجل ذلك وهب حقّه لعثمان تضعيفاً لجانب علي .

إنّ سعد بن أبي وقاص كان ابن عم عبدالرحمان بن عوف وكلاهما من بني زهرة فلا يميل إلى علي وفي الشورى واحد من عشيرته .

وعبدالرحمان بن عوف كان صهر عثمان. لأنّ اُمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط كانت زوجته وهي اُخت عثمان من اُمّه .

على هذا كانت تشهد القرائن على أنّ الخليفة كان يضمر حرمان علي من الخلافة. ولم يكن في الشورى منافس لعلي سوى عثمان، فطبع الحال كان يوحي بأنّ عثمان هو الّذي سيأخذ بمقاليد الحكم. إذ لم يكن لسائر الأعضاء الأربعة مكانة اجتماعية مثل علي وعثمان بل لم يكن لهم إربة في الخلافة وإنّما أطمعهم فيها الخليفة للتوصّل إلى مأربه .

3- انّه لما كان من المحتمل أن تتساوى الأصوات بين علي وعثمان جعل الرجحان والتقديم للفئة الّتي فيها عبدالرحمان بن عوف فكأنّه جعل صوته صوتين. وأمّا عبدالرحمان بن عوف (وهو ذلك الرجل الثري الذي ترك كمية هائلة من الذهب والفضة وقد كُسرت بالفؤوس عند تقسيمها) فهل يترك عثمان ويميل إلى علي وانّ الطيور على أشكالها تقع .

وبالتالي لم يفسد الخليفة على علي في هذه الواقعة فحسب بل أفسده على علي بعد رحيل عثمان حيث إنّ ادخال هؤلاء في الشورى أطمعهم في الخلافة وجعلهم يعتقدون في أنفسهم بانّهم مؤهلّين لها وأنّهم أعدال علي وأقرانه. ولأجل ذلك قاموا في وجه الامام علي يدّعون الخلافة لأنفسهم تحت غطاء أخذ الثأر لعثمان .


(193)

إنّ الامام أميرالمؤمنين ـ عليه السلام ـ قد أفصح بما يكنّه ضميره حول وصية الشورى، فقال في بعض خطبه:

«فياللّه والشورى، متى اعتراض الريب فيّ مع الأوّل حتّى صرت اُقرن إلى هذه النظائر، لكنّي أسففت إذ أسفّوا. وطرت إذ طاروا. فصغا رجل منهم لضغنه، ومال الآخر لصهره مع هن وهن»(1) .

هذا كلام علي في أواخر أيامه .فقد اعترض هو ايضاً في أيام الشورى وكذلك فعل أصحابه فروى الطبري أنّ عبدالرحمان قال: أيّها الناس أشيروا علىّ في هذين الرجلين؟ فقال عمّار بن ياسر: إنّ أردت أن لا يختلف الناس فبايع علياً. فقال المقداد: صدق عمّار، وإن بايعت علياً سمعنا وأطعنا، فقال عبداللّه بن أبي سرح: إن اردت أن لا تختلف قريش فبايع عثمان، وقال عبداللّه بن أبي ربيعة المخزومي: صدق، إن بايعت عثمان سمعنا وأطعنا، فشتم عمّار بن أبي سرح وقال له: متى كنت تنصح الإسلام؟!

فتكلّم بنو هاشم وبنو اُميّة وقام عمّار وقال: أيّها الناس إنّ اللّه أكرمكم بنبيّه وأعزّكم بدينه فإلى متى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيّكم. فقال رجل من بني مخزوم: لقد عدوت طورك يابن سمية وما أنت وتأمير قريش لأنفسها. فقال سعد: يا عبدالرحمان أفرغ من أمرك قبل أن يفتتن الناس فحينئذ عرض عبدالرحمان على علي ـ عليه السلام ـ العمل بسيرة الشيخين .

فقال: بل أجتهد برأيي فبايع عثمان بعد أن عرض عليه فقال: نعم، فقال علي ـ عليه السلام ـ ليس هذا بأوّل يوم تظاهرتم فيه علينا فصبر جميل واللّه المستعان على ما


1 . نهج البلاغة، قسم الخطب / الخطبة 3 .

(194)

تصفون واللّه ما ولّيته الأمر إلاّ ليردّه إليك واللّه كل يوم في شأن(1) .

وبهذا تبين أنّ الشورى كانت نظرية بدون تطبيق وكانت اسماً بلا مسمى.

إجابة عن سؤال:

إذا لم تكن الشورى مبدأ للحكم في الإسلام فماذا يعني الامام علي من قوله في رسالته إلى معاوية حيث يقول: إنّه بايعني القوم الذين بايعوا أبابكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يردّ، إنّما الشورى للمهاجرين والأنصار فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك للّه رضاً(2) .

نقول: إنّ ابن أبي الحديد أوّل من احتجّ بهذه الخطبة، على أنّ نظام الحكومة بعد وفاة النبىّ هو نظام الشورى، وتبعه البعض غفلة عن حقيقة المراد، وذلك لأنّ ملاحظة اسلوب الكلام، وما صدَّر به الامام رسالته، أعني قوله: «انّه بايعني الذين بايعوا أبابكر وعمر وعثمان» تدل بوضوح على أنّ الامام كان في مقام الاحتجاج بمسلَّم الخصم ـ أعني معاوية ـ، على قاعدة «ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم»، فإنّه خرج عن طاعة الامام مع اعتناقه إمامة من تقدّم، فالامام يحتجّ عليه بأنّه بايعني الذين بايعوا الثلاثة فما وجه البغي علىّ والطاعة لهم، ولو لم يكن في مقام الجدل وافحام الخصم، لما كان لذكر خلافة الخلفاء في صدر الرسالة وجه، مع أنّ للامام كلمات في تخطئة الشورى الّتي تمّت بها، أو بادّعائها خلافة الخلفاء، ومن تصفّح نهج البلاغة يقف عليها .


1 . شرح النهج: لابن أبي الحديد 1 / 193 ـ 194 .
2 . الامامة والسياسة 23، ونهج البلاغة قسم الرسائل، برقم 45 .


(195)

والعجب أنّ أحداً من المهاجرين والأنصار لم يستند في مأساة السقيفة، إلى نظام الشورى بل استند كل من اللفيفين باُمور لا تمت إلى هذا الأصل، فادّعى أبوبكر أنّ المهاجرين من أقوام النبىّ وعشيرته، واحتجّ الأنصار بأنّهم هم الذين آووا الرسول، وضحّوا بأنفسهم ونفايسهم لحراسته وحفظه، فانظر ماذاترى قاتل اللّه الأنانية، وحيّا اللّه الحقيقة وحماتها.


(196)


(197)

الفصل الثامن

نصوص الخلافة والركون إلى الأمر الواقع


(198)


(199)

دلّت نصوص الخلافة الماضية، بوضوح على أنّ الامام علياً كان هو الخليفة الشرعي والقائم بالأمر بعد الرسول وانّه كان من واجب للمسلمين الرجوع إليه فيما يمت إلى حياتهم السياسية والاجتماعية والدينية، غير أنّ رجالا بعد النبىّ تناسوا النصّ بعد تلبية النبىّ نداء ربّه، وانثالوا على أبي بكر، وبعده على عمر وعثمان، إلى أن عاد الحق إلى نصابه، ودار الأمر على مداره. وهناك سؤال يطرحه كل من يؤمن بتواتر النصوص ووضوح دلالتها، لما يشاهد المعارضة بينها وبين الأمر الواقع في السقيفة وما بعدها، وانثيال كثير من المهاجرين والأنصار إلى غير علي، فيقع في الحيرة والتعجّب، فيقول: لو كانت النصوص النبويّة على هذا المستوى، فلماذا أعرض عنها المسلمون؟ ولماذا لم يطلب الامام حقّه الشرعي؟ ولماذا رضي بالأمر الواقع، ولم ينبس فيه ببنت شفة؟ وهذا هو الّذي نجيب عنه في المقام، فنقول:

إنّ المهم هو بيان السرّ الّذي دفع الامام إلى ترك المطالبة بحقّه بالقدرة والعنف، وأمّا إعراض المهاجرين والأنصار، أو في الحقيقة ـ إعراض الرؤوس منهم عن النص، وانثيال غيرهم إليهم، فليس هذا أمراً عجبا، فقد أعرضوا عن كثير من النصوص، واجتهدوا تجهاها كما تقدّم البحث عن موارده ـ . وإليك تشريح ما هو المهم:


(200)

إنّ الامام لم يسكت طول حياته عن بيان حقّه وارشاد الناس إليه، بل أظهر عدم رضاه بالأمر الواقع وأنّه تعبير آخر عن غصب حقّه، يقف عليه كل من قرأ مأساة السقيفة في كتب التاريخ، فلا يفوتنّك قراءة طبقات ابن سعد، وتاريخ الطبري، والسيرة النبوّية لابن هشام، ولا العقد الفريد، ولا الامامة والسياسة لابن قتيبة، فكلّها مفعمة بشكوى الامام وعدم قبوله بالأمر الواقع، غير انّ التكليف حسب القدرة، ـ وبعدها ـ في ظلّ المصالح العامّة، فلم يكن للامام قدرة على المطالبة بحقّه، وعلى فرض وجودها كانت المصلحة تكمن يومذاك في ادلاء الأمر إلى متقمّصيها وعدم المطالبة بها بالقهر والقوّة، وإليك ما يدل على ذينك الأمرين من خلال دراسة التاريخ .

1- هذا ابن قتيبة يسرد تاريخ السقيفة، وما فيه من مآسي، يقول: إنّ علياً كرّم اللّه وجهه اُتي به إلى أبي بكر وهو يقول: «أنا عبداللّه وأخو رسول اللّه» فقيل له: بايع، فقال: «أنا أحقّ بهذا الأمر منكم، وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار، واحتججتم عليهم بالقرابة من النبىّ، وتأخذوه من أهل البيت غصبا! ألستم زعمتم للأنصار أنّكم أولى بهذا الأمر منهم لمّا كان محمد فيكم فسلّموا إليكم الإمارة، فإذن أحتجُّ عليكم بمثل ما احتججتم على الأنصار. نحن أولى برسول اللّه حيّاً وميتاً، فأنصفوا إن كنتم تؤمنون، وإلاّ فبوءوا بالظلم وأنتم تعلمون. فقال له عمر: إنّك لست متروكاً حتّى تبايع، فقال له علي: «احلب حلباً لك شطره، وشُدَّ له اليوم، يردده عليك غداً ـ ثمّ قال: ـ واللّه يا عمر لا أقبل قولك ولا اُبايعه» فقال أبوبكر: فإن لم تبايع فلا اُكرهك، فقال أبو عبيدة بن الجرّاح لعلي كرم اللّه وجهه: ياابن عم إنّك حديث السن وهؤلاء مشيخة قومك، ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالاُمور ولا أرى أبابكر إلاّ أقوى على هذا الأمر منك وأشد احتمالا واستطلاعا، فسلِّم لأبي بكر فإنّك إن تعش ويطل لك بقاء،


(201)

فأنت لهذا الأمر خليق وحقيق في فضلك ودينك وعلمك وفهمك وسابقتك ونسبك وصهرك. فقال علي كرم اللّه وجهه: «اللّه اللّه يا معشر المهاجرين لا تُخرجوا سلطان محمّد في العرب من داره، وقعر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم، وتدفعون أهله عن مقامه في الناس، وحقّه، فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أحقّ الناس به لأنّا أهل البيت، ونحن أحقّ بهذا الأمر منكم، ما كان فينا القارىء لكتاب اللّه، الفقيه في دين اللّه، العالم بسنن رسول اللّه، المتطّلع لأمر الرعيّة، الدافع عنهم الاُمور السيّئة، القاسم بينهم بالسويّة، واللّه إنّه لفينا فلا تتّبعوا الهوى فتضلّوا عن سبيل اللّه فتزدادوا من الحقّ بعدا»(1) .

فأىّ بيان أروع من هذا البيان، وأىّ بلاغ أصرح منه، فقد فنَّد خلافة المتقمّص ببيان فقده مؤهّلاتها وهي الاُمور التالية: «1- ما كان فينا القارىء لكتاب اللّه، 2- الفقيه في دين اللّه، 3- العالم بسنن رسول اللّه، 4- المتطلّع لأمر الرعيّة، 5- الدافع عنهم الاُمور السيّئة، 6- القاسم بينهم بالسويّة» ومعنى ذلك انّ المتقمّص ومؤيديه فاقدون لهذه الصلاحيات .

2- لمّا انتهت إلى أميرالمؤمنين انباء السقيفة قال ـ عليه السلام ـ : «ما قالت الأنصار؟» قالوا: قالت منّا أمير ومنكم أمير، فقال: «فهلاّ احتججتم عليهم بأنّ رسول اللّه وصّى بأن يُحسن إلى محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم؟» قالوا: وما في هذا من الحجّة عليهم؟! فقال ـ عليه السلام ـ : «لو كانت الامامة فيهم، لم تكن الوصيّة بهم ـ ثم قال: ـ فماذا قالت قريش؟» قالوا: احتجّت بأنّها شجرة الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، فقال ـ عليه السلام ـ : «احتجّوا بالشجرة وأضاعوا الثمرّة»(2).


1 . الامامة والسياسة 1 / 11 ـ 12 .
2 . نهج البلاغة، الخطبة 67 .


(202)

وروى الرضي في المقام شعراً للإمام:

فإن كنت بالشورى ملكت اُمورهم * فكيف بهذا والمشيرون غيّب

وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم * فغيرك أولى بالنبي وأقرب(1)

3- الامام لم يكتف بهذه الجمل في بادئ الأمر، بل استمرّ على بيان الحق باساليب مختلفة منها إحتجاجه بحديث الغدير في يوم الشورى سنة 23، قال عمر بن واثلة: كنت على الباب يوم الشورى مع علي ـ عليه السلام ـ في البيت، فسمعته يقول: «لأحتنّ عليكم بما لا يستطيع عربيّكم ولا أعجميّكم تغيير ذلك - ثمّ قال: ـ أنشدكم اللّه، أفيكم من وحّد اللّه قبلي؟» قالوا: لا... ـ إلى أن قال: ـ «فأنشدكم باللّه، هل فيكم أحد قال له رسول اللّه: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره، ليبلّغ الشاهد الغائب غيري؟» قالوا: اللّهمّ لا(2) .

4- كما ناشد يوم الرحبة سنة 35، روى الأصبغ قال: نشد علي الناس في الرحبة: «من سمع النبي يوم غدير خم ما قال، إلاّ قام ولا يقوم إلاّ من سمع رسول اللّه» يقول: فقام بضعة عشر رجلا، فيهم أبو أيّوب الأنصاري، وسهل بن حنيف، وخزيمة بن ثابت، وعبداللّه بن ثابت الأنصاري... فقالوا: نشهد أنّا سمعنا رسول اللّه يقول: «ألا من كنت مولاه فعلي مولاه اللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه، وأحبّ من أحبّه، وابغض من أبغضه، وأعن من أعانه»(3) .

ولم تكن المناشدة، منحصرة بهذين الموردين، بل ناشد الامام في غير واحد من المواقف الاُخرى كما ناشدت زوجته الصدّيقة الطاهرة بحديث الغدير، وبعده


1 . نهج البلاغة (قسم الحكم) برقم 190 .
2 . الصواعق لابن حجر 75، المناقب للخوارزمي 135 برقم 152 طبع النشر الاسلامي .
3 . اُسد الغابة 3 / 307 و 5 / 205.


(203)

الحسنان السبطان، وعبداللّه بن جعفر وعمّار بن ياسر، حتّى ناشد به عدوّه عمرو بن العاص عند احتجاجه على معاوية(1) .

وهذه شواهد باهرة على عدم سكوته ولا رضاه، بالأمر الواقع بل استمرّ على هذا إلى اُخريات حياته، ويتّح هذا بالرجوع إلى خطبته المعروفة الشقشقية الّتي ألقاها في آخر خلافته .

وأمّا عدم القيام بأخذ الحقّ بالقوة، فلأجل أنّ القيام فرع القدرة، ولم يكن يومذاك أىّ منعة وقدرة للإمام، ويكفي في ذلك كلامه في خطبته الأخيرة: «فسدلت دونها ثوباً، وطويت عنها كشحاً، وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذّاء، أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتّى يلقى ربّه»(2) .

ولو افترضنا وجود القدرة، لكن مصالح الإسلام كانت تكمن في المسالمة وادلاء الأمر إليهم، يشير إليه الامام تارة بالكناية واُخرى بالتصريح، أمّا الأوّل فيقول: «أيّها الناس شقّوا أمواج الفتن بسفن النجاة، وعرِّجوا عن طريق المنافرة، وضعوا تيجان المفاخرة، أفلح من نهض بجناح، أو استسلم فأراح. هذا ماء آجن، ولقمة يغصّ بها آكلها، ومجتني الثمرة لغير وقت إيناعها كالزراع بغير أرضه .

فإن أقل، يقولوا: حرص على الملك، وإن أسكت، يقولوا: جزع من الموت، هيهات بعد اللّتيَّا والّتي واللّه لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي اُمّه، بل اندمجت على مكنون علم لو بُحْتُ به، لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوىِّ


1 . راجع للوقوف على هذه المناشدات كتاب الغدير 1 / 159 ـ 213 .
2 . نهج البلاغة، الخطبة 3 .


(204)

البعيدة»(1) .

وقد خطب بها الامام لمّا قبض رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وخاطبه العباس وأبو سفيان بن حرب في أن يبايعا له بالخلافة. وذلك بعد أن تمّت البيعة لأبي بكر في السقيفة، فيشير الامام إلى ما لديه من العلم المكنون، وهو إشارة إلى الوصيّة الّتي خصّ بها ـ عليه السلام ـ وأنّه كان من جملتها الأمر بترك النزاع في مبدأ الاختلاف عليه (2) .

وقد أوضح ما ذكره مجملا في هذه الخطبة الّتي ألقاها بعد وفاة الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بخطبته الّتي ألقاها بعد رجوع الناس إليه وصرّح بأنّ لمسالمته الخلفاء لأجل أخطار كانت تحدق بالمسلمين بعد موت النبىّ، فقال ـ عليه السلام ـ : «إنّ اللّه سبحانه بعث محمّداً ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نذيراً للعالمين، ومهيمناً على المرسلين، فلمّا مضى ـ عليه السلام ـ ، تنازع المسلمون الأمر من بعده، فواللّه ما كان يلقى في روعي، ولا يخطر ببالي، أنّ العرب تزعج هذا الأمر من بعده ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن أهل بيته، ولا أنّهم مُنحّوه عنّي من بعده! فما راعني إلاّ انثيال الناس على فلان يبايعونه، فأمسكت يدي حتّى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام، يدعون إلى محق دين محمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً، تكون المصيبة به علىّ أعظم من فوت ولايتكم الّتي إنّما هي متاع أيّام قلائل، يزول منها ما كان، كما يزول السراب، أو كما يتقشّع السحاب، فنهضت في تلك الأحداث حتّى زاح الباطل


1 . نهج البلاغة، الخطبة 5 .
2 . شرح نهج البلاغة 1 / 215 .


(205)

وزهق، واطمأن الدين وتنهنه»(1) .

ورواه أبو الحسن علي بن محمّد المدائني عن عبداللّه بن جنادة، قال: قدمت من الحجاز اُريد الطرق في أوّل إمارة علي ـ عليه السلام ـ فمررت بمكّة فاعتمرت، ثم قدمت المدينة فدخلت مسجد رسول اللّه، إذ نودي: الصلاة جامعة; فاجتمع الناس وخرج علي ـ عليه السلام ـ متقلّداً سيفه، فشخصت الأبصار نحوه، فحمداللّه وصلّى على رسوله، ثم قال: أمّا بعد، فلمّا قبض اللّه نبيّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قلنا: نحن أهله وورثته، وعترته، وأولياؤه دون الناس، لا ينازعنا سلطانه أحد، ولا يطمع في حقّنا طامع، إذ انبرى لنا قومنا، فغصبونا سلطان نبينا، فصارت الإمرة لغيرنا ـ إلى أن قال: ـ وأيم اللّه، لولا مخافة الفرقة بين المسلمين، وأن يعود الكفر ويبور الدين، لكنّا على غير ما كنّا لهم عليه فوليَ الأمر ولاة لم يألوا الناس خيراً»(2) .

كان الامام ـ عليه السلام ـ يرى أنّ الدعوة إلى نفسه تؤدّي إلى تعرّض الإسلام إلى الأخطار المهلكة .

روى الزبير بن بكار، قال: روى محمد بن إسحاق أنّ أبابكر لمّا بويع افتخرت تيم بن مرة، قال: وكان عامة المهاجرين وجلّ الأنصار لا يشكون انّ عليّاً هو صاحب الأمر بعد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وقال بعض بني هاشم شعراً مدح فيه الامام وعاب المتقمّصين وقال:

ما كنت أحِسب أنّ الأمر منصرف * عن هاشم ثمّ منها عن أبي حسن

أليس أوّل من صلّى لقبلتكم * وأعلم الناس بالقرآن والسنن؟

وأقرب الناس عهداً بالنبىّ وَ من * جبريل عون له في الغسل والكفن


1 . نهج البلاغة، قسم الكتب 62 .
2 . شرح نهج البلاغة 1 / 307، والكلمتان متقاربتان .


(206)

ما فيه ما فيهم لا يمترون به * وليس في القوم ما فيه من الحسن

ماذا الّذي ردّهم عنه فنعلمه؟ * ها إنّ ذا غبننا من أعظم الغبن!

قال الزبير: فبعث إليه علي فنهاه، أمراً لا يعود وقال: لسلامة الدين أحبُّ إلينا من غيره .

فهذه الكلم والخطب عن عليٍّ تعرب عن إخلاصه للدين وحبّه لحفظ الوئام والسلام بين المسلمين وانّه لولا خوف محق الدين لما ترك الأمر إلى الغير، ولقام بالسلاح والكراع على أخذ حقّه .

«ولو لا مراعاة علىّ للأوضاع والظروف الّتي احاطت بالاسلام في تلك الفترة من تاريخه، لحدثت تطوّرات في تاريخ الإسلام لانستطيع أن نقدّر مدى أثرها السيّئ على جهود الرسول والوصي والمخلصين من الصحابة، ولكنّه أدرك ذلك، وأحصى ما سيجرّه تصلّبه في موقفه من الغنائم على المرتدّين والمنافقين الذين أضمروا الدمار للاسلام»(1) .

كان الامام ينظر إلى أنّ طوائف من العرب على عتبة الارتداد عن الإسلام، وانّ بين المسلمين في المدينة طابور خامس يتحيّن الفرص للقضاء على الإسلام وإحياء الجاهلية، فلم ير بدّأ من التسليم للأمر الواقع ومماشاة الخلفاء، ورفع مشاكل المسلمين في المسائل المستجدّة والمستعصية والاجابة على أسئلة الوافدين إلى المدينة، وتعليم القرآن للفيف من المهاجرين والأنصار وأبنائهم، والادلاء بالرأي الحق عند المشاورة، إلى غير ذلك من الاُمور الّتي استغرقت قرابة خمس وعشرين سنة من حياته، إلى عام 35 الّذي قتل فيه عثمان بمرأى ومسمع من المهاجرين والأنصار. وقد أحدث في الإسلام اُموراً أدَّت إلى الفتك به، وكان


1 . الشيعة بين الأشاعرة والمعتزلة 28 .

(207)

الخليفة الثاني متنبّئاً به، فقال له: لئن وليتها (الخلافة) لتحملن بني أبي معيط على رقاب الناس فحمل بني أبيه على رقابهم، يخضمون مال اللّه خضم الابل نبتة الربيع، فأدّى ذلك وغيره إلى قتله في عقر داره .

تسنّم الامام مقاليد الحكم بعد ربع قرن:

كان الامام قرابة ربع قرن جليس بيته، يشتغل ببعض الاُمور لما فيه صلاح الإسلام والمسلمين، إلى أن قُتِل عثمان و انثال الناس على الامام من كل جانب هاتفين: لا يصلح للخلافة إلاّ علي. فقال لهم: «دعوني والتمسوا غيري» .

روى الطبري نقلا عن محمّد بن الحنفية: كنت مع أبي، حين قتل عثمان فدخل منزله، فأتاه أصحاب رسول اللّه، فقالوا: إنّ هذا الرجل قد قتل، ولابدّ للناس من إمام، ولا نجد اليوم أحداً أحقّ بهذا الأمر منك، ولا أقدم سابقة، ولا أقرب من رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقال: «لا تفعلوا فانّي أكون وزيراً خير من أن أكون أميرا» فقالوا: «واللّه ما نحن فاعلين حتّى نبايعك» فقال: «ففي المسجد، فإنّ بيعتي لا تكون خفياً، ولا تكون إلاّ عن رضا المسلمين»، قال سالم بن أبي الجعد: فقال عبداللّه بن عباس: فلقد كرهت أن يأتي المسجد مخافة أن يشغب عليه، وأبى هو إلاّ المسجد. فلمّا دخل، دخل المهاجرون والأنصار، فبايعوه، ثم بايعه الناس(1) .

وفي رواية اُخرى: غشى الناس عليّاً، فقالوا: نبايعك، فقدترى ما نزل بالاسلام وما ابتلينا به من ذوي القربى، فقال علي: «دعوني والتمسوا غيري، فإنّا مستقبلون أمراً له وجوه، وله ألوان، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول» فقالوا: ننشدك اللّه، ألا ترى ما نرى، ألا ترى الإسلام ، ألا ترى الفتنة، ألا تخاف اللّه،


1 . تاريخ الطبري 3 / 450 .

(208)

فقال: «قد أجبتكم لما أرى، واعلموا إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، وإن تركتموني، فانّما أنا كأحدكم، إلاّ أنّي أسمعكم وأطوعكم لمن ولّيتموه أمركم»(1) .

هذا ما يذكره الطبري، وأمّا الامام فهو يصف كيفية هجوم الناس على بيته لمبايعته فيقول: «فتداكّوا علىَّ، تداكّ الإبل الهيم يوم وِرْدِها، وقد أرسلها راعيها، وخُلعت مثانيها، حتّى ظننت أنّهم قاتلي، أو بعضهم قاتل بعض ولديَّ»(2) .

وفي خطبة اُخرى: «فما راعني إلاّ والناس كعرف الضبع إِلىَّ، ينثالون علىّ من كل جانب حتّى لقد وطئ الحسنان، وشقّ عطفاي، مجتمعين حولي كربيضة الغنم»(3) .

ولم تشهد ساحة الخلافة احتشاداً جماهيرياً إلى يومنا هذا، مثلما شهدته في ذلك الزمان، فقد اتّفق المهاجرون والأنصار، والتابعون لهم بإحسان على المبايعة، ولم يتخلّف إلاّ قليل من الناس لا يتجاوز عدد الأنامل. وقد جاء الطبري بأسمائهم يقول: بايعت الأنصار علياً إلاّ نفراً يسيراً، منهم حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، ومسلمة بن مخلد، وأبو سعيد الخدري، ومحمّد بن مسلمة، والنعمان بن بشير، وزيد بن ثابت ورافع بن خُديج، وفضالة بن عبيد، وكعب بن عجرة وكانوا عثمانية. فقال رجل لعبداللّه بن حسن: كيف أبى هؤلاء بيعة علي وكانوا عثمانية، فقال: أمّا حسّان، فكان شاعراً لايبالي ما يصنع، وأمّا زيد بن


1 . تاريخ الطبري 3 / 456 .
2 . نهج البلاغة، الخطبة 53، تداكوا: ازدحموا، والهيم: العطاش، يوم وردها: يوم شربها، والمثاني: الحبال.
3 . نهج البلاغة، الخطبة 3، عُرْف الضبع: ما كثر على عنقها من الشعر، يضرب به المثل الكثرة، ينثالون: يتتابعون، شقّ عطفاي: خدش جانباه من الاصطكاك .


(209)

ثابت فولاّه عثمان الديوان وبيت المال، فلمّا حصر عثمان قال: يا معشر الأنصار، كونوا أنصار اللّه - مرتين ـ فقال أبو أيوب: ما تنصره إلاّ إنّه كثر لك من العضدان(1) فأمّا كعب بن مالك فاستعمله على صدقة «مُزِينة» وترك ما أخذ منهم له (2) .

قام الامام بواجبه، وهمَّ بالاصلاح، وحوله حُسّاد حاقدون، وأعداء يترقّبون الفرص، وعمّال للخليفة يسألونه البقاء على مناصبهم، فعند ذلك حاقت به الأزمات والشدائد، وهو يصف ذلك بقوله: «فلمّا نهضت بالأمر نكثت طائفة، ومرقت اُخرى، وقسط آخرون، كأنّهم لم يسمعوا كلام اللّه سبحانه يقول: (تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجعَلُها لِلَّذِينَ لا يُريدُونَ عُلُوّاً فِي الأرْضِ وَ لا فَسَاداً وَ العَاقِبَةُ لِلمُتَّقِينَ))(3)بلى! واللّه لقد سمعوها ووعوها، ولكنّهم حَلِيَتْ الدنيا في أعينهم، وراقهم زِبْرجها. أما و الّذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، لولا حضور الحاضر، وقيام الحجّة بوجود الناصر، وما أخذ اللّه على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة(4) ظالم، ولا سغب(5) مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أوّلها، ولألفيتم دنيا كم هذه أزهد عندي من عفطة عَنْز»(6) .

فقد أشار الامام بكلامه هذا إلى حروبه الثلاثة مع طوائف ثلاث، فالناكثون هم أصحاب الجمل، الذين لم يجدوا عند الامام إلاّ الحقّ، فطلبوا منه من المناصب ما كان فوق شأنهم وأمانتهم فاجتمعوا في مكّة تحت غطاء المطالبة بدم عثمان مع


1 . العضاد: كل ما يحيط بالعضد من حلي وغيرها .
2 . تاريخ الطبري 3 / 452 .
3 . القصص / 83 .
4 . الكظّة: البِطْنَة (ما يعتري الآكل عند امتلائه بالطعام) والمراد: استئثار الظالم بالحقوق .
5 . السغب: شدة الجوع .
6 . نهج البلاغة، الخطبة 3 .


(210)

أنّهم هم المحرّضون على قتله، وموَّلهم جماعة من بني اُميّة ولم يكتفوا بذلك، وإنّما غرّوا باُمّ المؤمنين عائشة، وأركبوها على الجمل يقطعون بها الفيافي والقفار، حتّى نزلوا البصرة، فقتلوا من شيعة علي ومحبّيه ما استطاعوا. فلمّا لاقوا عليّاً بجيوشهم أبوا إلاّ الحرب فدارت الدوائر على الناكثين، فقتل رؤوس الفتنة، واُرسلت اُمّ المومنين إلى المدينة بتكريم واحترام.

ولكن لم يقف الأمر على هذا الحد، فقام ابن آكلة الأكباد، الطليق ابن الطليق الّذي خَذَلَ عثمان، ولم ينصره، ثم انتحل دمه وطلب ثأره، فجمع حوله الهمج والرعاع، وتحالف مع عمرو بن العاص الّذي عزله عثمان عن ولاية مصر، فألّب عليه كل راع رآه في البادية، وساومه معاوية على ولاية مصر، فقابلهم الامام في أرض صفين، وقد كادت الحرب تنتهي لصالح الحق والمسلمين لولا أنّهم رفعوا المصاحف على الرماح، وانطلت الحيلة على عسكر الامام، وقالوا له: أجب القوم، فحذّرهم الامام بأنّه مكر وخداع، والقوم ليسوا أهل قرآن وسنّة، فطلب منهم المهلة فما أجابوه، قل هدّدوا بإراقة دمه وقتاله إن لم يُوقف الحرب، ولم يسترجع قائده من ساحة القتال حتّى أنّ الأشتر قائد القوات طلب منهم المهلة ولو بقدر فواق ناقة أو عدوة فرس، فما وافقوه، فاضطرّ الامام إلى إيقاف الحرب، وادلاء الأمر إلى الحكمين بشرط أن لا يخرجوا عن حكم الكتاب والسنّة، وكانت نهاية الأمر، عزل مندوب الامام (أبو موسى الأشعري) خليفة المسلمين، ونصب عمرو ابن العاص معاوية للخلافة، كل ذلك بمكر وخداع واحتيال على أبي موسى، فقام الحكمان ومن حولهما يشتتمان ويتسابّان .

ثمّ اُولئك الذين فرضوا قبول التحكيم على علي، ندموا على ذلك، وطفقوا يطالبونه بنقض الميثاق قبل حكم الحكمين، فخرجوا عن طاعة علي، وعن جيشه، فنزلوا حروراء ولم يرجعوا إلى الطاعة حتّى بعد ما دعاهم الامام لا عادة الحرب على


(211)

معاوية، لما ظهر لهم كون قول حكم الحكمين على خلاف الكتاب والسنّة، بل أصبحوا يطالبون عليّاً أن يتوب من كفره، كما هم تابوا من كفرهم، لأجل تحكيمه الرجال في أمر الدين، ولم يكتفوا بذلك، فصاروا كقطّاع الطريق يقتلون البريء، ويسفكون الدماء فأوجدوا دهشة ورعباً في قلوب المسلمين، فلم يجد الامام بدّا من قتالهم، وإن كان قتالهم أمراً عظيماً، لأنّهم كانوا أصحاب الجباه السود، يصومون النهار ويقومون الليل، وفي الوقت نفسه هم المارقون، المعاندون للّه ورسوله، وفي حقّهم يقول الامام:

«إنّي فقأت عين الفتنة، ولم يكن ليجترىء عليها أحد غيري، بعد أن ماج غيهبها(1)، واشتدّ كلبها(2)»(3) .

هذه حياة الامام على وجه الاجمال، حياة من ولد في الكعبة ولم يسجد لصنم ورافق النبىّ منذ صباه في موطنه ومهجره، ولم يتخلّف عنه في غزوة من غزواته إلاّ غزوة تبوك، حيث خلّفه في المدينة لإدارة شؤونها في غيابه .

ومع الأزمات الّتي خلفت عثمان وعمّاله، وسوّدوا وجه التاريخ وقطعوا عرى الوحدة بين الخلافة والناس «استطاع أن يجعل من نظامه السياسي المثل الكامل للنظام السياسي للدولة الّتي أسّسها ورفع كيانها رسول اللّه، وأن يجعل من أعماله وأقواله في السلم والحرب، التجسيد الكامل للشريعة الإسلامية وأن يجعل من سلوكه وأخلاقه الصورة الكاملة لأخلاق الرسول وسلوكه، وبذلك ربط كل مسيرة عهده بمسيرة العهد النبوي الشريف، وثبّت للاسلام دعائمه، وأعاد إلى النفوس


1 . الغيهب: الظلمة، وموجها: شمولها وامتدادها .
2 . الكلب ـ محركة ـ داء معروف يصيب الكلاب، فكل من عظه اُصيب به فجنّ ومات إن لم يبادر بالدواء .
3 . نهج البلاغة، الخطبة 93 .


(212)

المؤمنة أمنها ويقينها بالرسالة الإسلامية الخالدة»(1) .

قام الامام بالخلافة، وتقلّدها بعد مقتل عثمان، وقد ترك ولاة يمتصّون دماء الناس، ولم يكن الامام ممّن يساوم ويداهن ويترك الحق جانباً، وأوّل ما قام به، هو أنّه أزال الظلم عن الناس بازالة العمّال والولاة الظالمين، الذين اكتنزوا الذهب والفضّة، وملكوا العقارات والمواشي، فعند ذلك قامت قيامة هؤلاء فهم بين ناكث، وقاسط، وضمّ إليهم أعداء يترقّبون الفرص للوثوب، والانتقام، لأنّه قتل آباءهم واستأصل شأفتهم في الحروب والغزوات، كل ذلك صار سبباً لانشغال الامام بالحروب الداخلية. ولو كان الامام آخذاً مقاليد الخلافة بعد الرسول، بل حتّى بعد خلافة الشيخين لما وجد الانحراف عن الدين وتعاليمه في الحياة مجالا ولكنّه ـ ياللأسف ـ أخذ بها والمجتمع مثقّل بالأزمات والانحرافات .

إغارة معاوية على البلاد الآمنة:

هذا ابن أبي سفيان، لمّا رأى انّ الأمصار الإسلامية ما عدا الشام في طاعة الامام، جمع حوله الأشقياء والبغاة، يغيرون على البلاد الآمنة، وينشرون الفوضى والفساد واحداً بعد واحد .

1- فأرسل سفيان بن عوف الغامدي، وقال: إنّي موجّهك في جيش كثيف، ذي أداة وجلادة فالزم لي جانب الفرات، حتّى تمر بهيت(2) فتقطعها، فإن وجدت بها جنداً فأغر عليها، وامض، حتّى تغير على الأنبار فإن لم تجد بها جنداً، فامض حتّى توغل المدائن، فكأنّك غرت على الكوفة، إنّ هذه الغارة يا سفيان على أهل العراق


1 . الزيدية نظرية وتطبيق 19 .
2 . هيت: بلد على الفرات فوق الأنبار .


(213)

ترعب قلوبهم، وتفرح كل من له فينا هوى منهم، وتدعو إلينا كل من خاف الدوائر، فاقتل من لقيته ممّن ليس على مثل رأيك، وأخرب كل ما مررت به من القرى، واحرب الأموال فإنّ حرب الأموال ـ أي سلبها ـ شبيهة بالقتل، وهو أوجع للقلب»(1) .

ولمّا بلغ عليّاً جنايات الرجل، خطب خطبته المعروفة وقال:

«فإنّ الجهاد باب من أبواب الجنّة فتحه اللّه لخاصّة أوليائه، وهو لباس التقوى، ودرع اللّه الحصينة، وجنّته الوثيقة ـ إلى أن قال: ـ وهذا أخو غامد، وقد وردت خيله الأنبار وقد قتل حسّان بن حسّان البكري، وأزال خيلكم عن مسالحها، ولقد بلغني أنّ الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والاُخرى المعاهدة، فينتزع حجلها وقلبها وقلائدها ورُعُثها، ما تمتنع منه إلاّ بالاسترجاع والاسترحام، ثمّ انصرفوا وافرين ما نال رجلا منهم كلم، ولا اُريق لهم دم، فلو أنّ امرأً مسلماً مات من بعد هذا أسفا، ما كان به ملوما، بل كان به عندي جديرا»(2) .

2- هذا بسر بن أرطاة، بعثه معاوية إلى اليمن في جيش كثيف وأمره أن يقتل كل من كان في طاعة علي ـ عليه السلام ـ ، فقتل خلقاً كثيراً، وقتل فيمن قتل ابني عبيداللّه بن العباس بن عبدالمطلب، وكانا غلامين صغيرين، فقالت اُمّهما ترثيهما:

يا من أحسّ بابنىّ اللذين هما كالدرّتين تشظّى عنهما الصدف(3)

وقد خطب الامام بعد ما بلغه النبأ بقوله: «اُنبئتُ بسراً قد اطّلع اليمن، وانّي واللّه لأظنّ أنّ هؤلاء القوم سيدالون منكم باجتماعهم على باطلهم، وتفرّقكم


1 . شرح نهج البلاغة 2 / 85 .
2 . نهج البلاغة، الخطبة 27 .
3 . شرح نهج البلاغة 1 / 340، تشظّا: تفرّق شظايا، راجع للوقوف على بقية الأبيات الكامل للمبرد وقد ذكره ابن أبي الحديد في شرحه 2 / 13 .


(214)

عن حقّكم، وبمعصيتكم إمامكم بالحق، وطاعتهم إمامهم بالباطل، وبأَدائهم الأمانة إلى صاحبهم، وخيانتكم، وبصلاحهم في بلادهم، وفسادكم، فلو ائتمنت أحدكم على قعب، لخشيت أن يذهب بعلاقته»(1).

3- دعا معاوية الضحاك بن قيس الفهري، وقال له: سر حتّى تمر بناحية الكوفة، وترتفع عنها ما استطعت فمن وجدته من الأعراب في طاعة علي، فأغر عليه، وإن وجدت له مسلحة أو خيلا، فأغر عليها، وإذا أصبحت في بلد فامس في اُخرى، ولا تقيمن لخيل بلغك أنّها قد سرحت إليك لتلقاها فتقاتلها، ثم جهّزه بثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف .

فاقبل الضحاك، فنهب الأموال، وقتل من لقي من الأعراب، حتّى مرّ بالثعلبية(2)، فأغار على الحاج، فأخذ أمتعتهم، ثم أقبل فلقي عمرو بن مسعود الهذلي، وهو ابن أخي عبداللّه بن مسعود، صاحب رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقتله في طريقه الحاج عند القطقطانة(3) .وقتل معه ناساً من أصحابه(4) .

4- ولم يكتف معاوية بهذه الهجمات العنيفة على البلاد الآمنة، بل جهّز بسر بن أرطاة مرّة ثانية، لإراقة الدماء في حرم الرسول. ويقول ابن أبي الحديد: كان بسر بن أرطاة قاسي القلب فظّاً سفّا كاً للدماء لا رأفة عنده ولا رحمة، وقد جهّزه معاوية في ثلاثة آلاف، وقال له: سر حتّى تمرّ بالمدينة، فاطرد الناس، وأخف من مررت به، وانهب أموال كل من أحصيت له مالا، فمن لم يكن دخل في طاعتنا، فإذا دخلت المدينة فأرهم أنّك تريد أنفسهم، واخبرهم أنّه لا براءة لهم عندك


1 . نهج البلاغة، الخطبة 25 .
2 . الثعلبية: من منازل طريق مكّة إلى الكوفة .
3 . بالضم ثم السكون: موضع قرب الكوفة من جهة البرية بالطف .
4 . شرح نهج البلاغة 2 / 116 ـ 117 .


(215)

ولا عذر. ووصل بسر إلى المدينة المنوّرة، فشتم أهلها وتهدّهم وتوعّدهم وأحرق دوراً كثيرة، منها دار زرارة بن حرون، ودار عمرو بن عوف، ودار رفاعة بن رافع الرزقي ودار أبي أيّوب الأنصاري صاحب منزل رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ (1) .

وقال المسعودي: قتل بسر بالمدينة وبين المسجدين خلقاً كثيراً من خزاعة وغيرها، وكذلك بالجرف قتل خلقاً كثيراً من رجال همدان، وقتل بصنعاء خلقاً كثيراً. ولمّا بلغ الخبر عليّاً أنفذ جارية بن قدامة في ألفين، ووهب بن مسعود في ألفين، وحين علم بسر بخبر حارثة فرّ هاربا(2) .

وكانت هذه العصابات الاجرامية، تأتي إلى العراق فقتل وتحرق وتدمّر، إلى آخر حياة الامام، الّذي قضى نحبه في الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة 40. وأصبحت شيعته كغنم غاب عنها راعيها، يفترسهم أعداؤهم عندما استتبّ الأمر لآل أبي سفيان وآل مروان وهذا هو الّذي نطرحه في الفصل التالي:


1 . شرح نهج البلاغة 2 / 10، وما ذكرناه ملخّص ما ذكره مفصّلا.
2 . مروج الذهب 3 / 31 طبعة 1948 .


(216)


(217)

الفصل التاسع

الشيعة في العصرين الأموي والعباسي


(218)


(219)

لبّى الامام دعوة ربّه في ليلة الحادي والعشرين من رمضان على يد أشقى الأوّلين والآخرين، شقيق عاقر ناقة ثمود، وهو يصلّي في محراب عبادته، فلمّا بلغ عائشة قتل علي، فرحت وقالت:

فألقت عصاها واستقرّ بها النوى كما قرّ عيناً بالاباب المسافر

ثم قالت: من قتله؟ فقيل: رجلٌ من مراد، فقالت :

فان يك نائيا فلقد نعاه نعي ليس في فيه التراب

فقالت زينب بنت أبي سلمة: أتقولين هذا لعلي؟ فقالت: إنّي أنسى، فإذا نسيت فذكّروني...!!(1) .

ولمّا بلغ خبر قتله إلى معاوية قال: إنّ الأسد الّذي كان يفترش ذراعيه في الحرب قد قضى نحبه. ثمّ أنشد:

قل للأرانب ترعى أينما سرحت وللظبأ بلا خوف ولا وجل(2)

فلمّا مات الامام، خطب الحسن في مسجد الكوفة، وقال: «ألا انّه قد مضى، في هذه الليلة، رجل لم يدركه الأوّلون، ولن ير مثله الآخرون. من كان يقاتل


1 . الكامل لابن الاثير 3 / 394 طبع دار صادر .
2 . ناسخ التواريخ، القسم المختص بحياة الامام 692 .


(220)

وجبرئيل عن يمينه وميكائيل عن شماله. واللّه لقد توفي في هذه الليلة الّتي قبض فيها موسى بن عمران، ورفع فيها عيسى بن مريم واُنزل القرآن. الا وانّه ما خلّف صفراء ولا بيضاء إلاّ سبعمائة درهم فضلت من عطائه، أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله»(1) .

ثمّ بويع الحسن في نهاية خطبته، وأوّل من بايعه قيس بن سعد الأنصاري، ثمّ تتابع الناس على بيعته وكان أميرالمؤمنين بايعه أربعون ألفاً من عسكره على الموت. فبينما هو يتجهّز للمسير قُتل ـ عليه السلام ـ . وبايع هؤلاء ولده الحسن، فلمّا بلغهم مسير معاوية في أهل الشام إليه، تجهّز هو والجيش الذين كانوا قد بايعوا عليّاً. وسار عن الكوفة إلى لقاء معاوية(2) .

وهل وفى هؤلاء للحسن ـ عليه السلام ـ وكانوا صادقين في بيعتهم؟ كلاّ بل خانوه كما خانوا أباه فلم ير الامام بدّاً عن التصالح، لأجل تخاذل أهل العراق أولا وكون الشيوخ الذين بايعوا عليّاً والتفّوا حوله كانوا من عبدة الغنائم والمناصب، ولم يكن لهؤلاء نصيب في خلافة الحسن إلاّ ما كان لهم عند أبيه من قبل ثانياً. وانّ عدداً غير قليل ممّن بايع الحسن كانوا من المنافقين، يراسلون معاوية بالسمع والطاعة ثالثاً، وانّ لفيفاً من جيشه كانوا من الخوارج أو أبنائهم رابعاً، إلى غير ذلك من الأسباب الّتي دفعت الامام إلى قبول الصلح مع معاوية، تحت شروط خاصة تضمن لشيعة علىّ الأمن والأمان ولكنّه بعد ما وافق معاوية على الصلح ووقّع عليه، قام وخطب: إنّي واللّه ما قاتلتكم لنصّلوا ولا لتصوموا، ولا لتحجّوا ولا لتزكّوا، وانّكم لتفعلون ذلك ولكن قاتلتكم لأتأمّر عليكم، وقد أعطاني اللّه ذلك وأنتم له كارهون ألا وأنّي قد كنت منيت الحسن أشياء، وجميعها تحت قدمي لا أفي بشيء


1 . تاريخ اليعقوبي 2 / 213 .
2 . الكامل 3 / 404 طبع دار صادر .


(221)

منها له(1) .

فعند ذلك فسح المجال لمعاوية في قتل الشيعة واستئصالهم، تحت كل حجر ومدر. وجاءت المجازر تترى بعد معاوية إلى آخر عهد الدولة الأموية، فلم يكن للشيعة في تلك الأيام نصيب سوى القتل والنفي والحرمان. وهذا هو الّذي نستعرضه في هذا الفصل على وجه الاجمال، حتّى يقف القارئ على أنّ بقاء التشيّع في هذه العصور المظلمة، كان معجزة من معاجز اللّه سبحانه كما يقف على أنّ الصمود والكفاح والرد على الظلمة وأعوانهم، كان شعار الشيعة منذ عصر الامام إلى يومنا هذا. وإليك بعض الوثائق من جرائم معاوية :

1- رسالة الامام الحسين إلى معاوية:

«أمّا بعد فقد جاءني كتابك تذكر فيه أنّه انتهت إليك عنّي اُمور لم تكن تظنّني بها رغبة بي عنها، وأنّ الحسنات لا يهدي لها ولا يسدّد إليها إلاّ اللّه تعالى، وأمّا ما ذكرت أنّه رمي إليك عنّي، فإنّما رقّاه الملاّقون المشّاؤون بالنميمة، المفرّقون بين الجمع، وكذب الغاوون المارقون، ما أردن حرباً ولا خلافاً وانّي لأخشى اللّه في ترك ذلك منك ومن حزبك القاسطين المحلّين حزب الظالم وأعوان الشيطان الرجيم. ألست قاتل حجر وأصحابه العابدين المخبتين الذين كانوا يستفظعون البدع، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فقتلتهم ظلماً وعدواناً من بعدما أعطيتهم المواثيق الغليظة والعهود المؤكّدة جرأة على اللّه واستخفافاً بعهده. أولست بقاتل عمرو بن الحمق الّذي اخلقت وأبلت وجهه العبادة؟ فقتلته من بعد ما أعطيته من العهود ما لو فهمته العصم لنزلت من سقف الجبل .


1 . الارشاد للشيخ المفيد 191 .

(222)

أو لست المدعي زياداً في الإسلام فزعمت أنّه ابن أبي سفيان، وقد قضى رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ انّ الولد للفراش وللعاهر الحجر، ثم سلّطته على أهل الإسلام يقتلهم ويقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ويصلبهم على جذوع النخل؟

سبحان اللّه يا معاوية! لكأنّك لست من هذه الاُمّة، وليسوا منك، أو لست قاتل الحضرمي الّذي كتب إليك في حقه زياد أنّه على دين علي كرم اللّه وجهه، ودين علي هو دين ابن عمّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الّذي أجلسك مجلسك الّذي أنت فيه، ولو لا ذلك كان أفضل شرفك وشرف آبائك تجشّم الرحلتين: رحلة الشتاء والصيف، فوضعها اللّه عنكم بنا منَّةً عليكم، وقلت فيما قلت: لا تردن هذه الاُمّة في فتنة وانّي لا أعلم لها فتنة أعظم من امارتك عليها، وقلت فيما قلت: انظر لنفسك ولدينك ولاُمّة محمّد. وانّي واللّه ما أعرف فضلا من جهادك، فإن أفعل فإنّه قربة إلى ربّي، وإن لم أفعله فأستغفر اللّه لديني. وأسأله التوفيق لما يحب ويرضى، وقلت فيما قلت: متى فكدني أكدك، تكدني يا معاوية ما بدا لك، فلعمري لقديماً يكاد الصالحون وانّي لأرجو أنّ لا تضر إلاّ نفسك ولا تمحق إلاّ عملك فكدني ما بدالك، واتّق اللّه يا معاوية! واعلم انّ للّه كتاباً لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها، واعلم أنّ اللّه ليس بناس لك قتلك بالظنّة، وأخذك بالتهمة، وإمارتك صبيّاً يشرب الشرب ويلعب بالكلاب، ما أراك إلاّ قد أوبقت نفسك، وأهلكت دينك، وأضعت الرعية، والسلام»(1) .

هذه رسالة أبي الشهداء، الحسين بن علي ـ عليهما السلام ـ ، وتكفيك بياناً


1 . الامامة والسياسة 1 / 164، جمهرة الرسائل 2 / 67 ورواه الكشي في رجاله 48 ـ 51، والمجلسي في البحار 44 / 212 ـ 214 .

(223)

وبلاغاً لما جنت به يدا معاوية وعماله على شيعة أبيه، من فتك وقتل ذريع، للأبرياء وصحابة النبي الأكرم ونردفها بكلام حفيده الامام محمّد الباقر ـ عليه السلام ـ ، قال لبعض أصحابه:

إنّ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قبض وقد أخبر أنّا أولى الناس بالناس فتمالأت علينا قريش حتّى أخرجت الأمر عن معدنه واحتجّت على الأنصار بحقّنا وحجّتنا. ثمّ تداولتها قريش، واحد بعد واحد، حتّى رجعت إلينا، فنكثت بيعتنا ونصبت الحرب لنا، ولم يزل صاحب الأمر في صعود كئود، حتّى قتل، فبويع الحسن ابنه وعوهد ثم غدر به وأسلم ووثب عليه أهل العراق حتّى طعن بخنجر في جنبه، ونهب عسكره، وعولجت خلاخيل اُمّهات أولاده فوادع معاوية وحقن دمه ودماء أهل بيته، وهم قليل حق قليل. ثمّ بايع الحسين من أهل العراق عشرون ألفاً، ثمّ غدروا به، وخرجوا عليه، وبيعته في أعناقهم وقتلوه .

ثمّ لم نزل ـ أهل البيت ـ نُستذل ونستضام، ونقصى ونمتهن، ونحرم ونقتل، ونخاف ولا نأمن على دمائنا ودماء أوليائنا ووجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعاً يتقرّبون به إلى أوليائهم وقضاة السوء وعمال السوء في كل بلدة، فحدّثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة، ورووا عنّا ما لم نقله ولم نفعله، ليبغّضونا إلى الناس، وكان عُظم ذلك وكُبره زمن معاوية بعد موت الحسن ـ عليه السلام ـ ، فقتلت شيعتنا بكل بلدة، وقطعت الأيدي والأرجل على الظنّة، وكان من يذكر بحبنا والانقطاع إلينا سجن أو نهب ماله، أو هدمت داره، ثمّ لم يزل البلاء يشتد و يزداد إلى زمان عبيداللّه بن زياد قاتل الحسين ـ عليه السلام ـ ثمّ جاء الحجّاج فقتلهم كل قتلة، وأخذهم بكل ظنّة وتهمة، حتّى أنّ الرجل ليقال له: زنديق أو كافر، أحبّ إليه من أن يقال: شيعة علي، وحتّى صار الرجل الّذي يذكر بالخير ـ ولعلّه يكون ورعاً صدوقاً ـ يحدّث بأحاديث عظيمة عجيبة، من تفضيل


(224)

بعض من قد سلف من الولاة ولم يخلق اللّه تعالى شيئاً منها، ولا كانت ولا وقعت وهو يحسب أنّها حقّ لكثرة من قد رواها ممّن لم يعرف بكذب ولا بقلّة ورع(1) .

ولعلّ في رسالة الامام أبي الشهداء، وما قاله حفيده الامام الباقر ـ عليه السلام ـ غنى وكفاية لمن اراد أن يعرف الأمر عن كثب ويقف على مظالم الامويين في حق شيعة الامام، غير أنّه ايضاحاً لحقيقة نؤكّد ذلك بكلام غيرهما لتتم الحجّة على الجميع .

كان سعيد بن سرح مولى حبيب بن عبد شمس من شيعة علي بن أبي طالب، فلمّا قدم زياد الكوفة والياً عليها، طلبه وأخافه، فأتى الحسن بن علي مستجيراً به، فوثب زياد عى أخيه وولده وامرأته، فحبسهم وأخذ ماله وهدم داره، فكتب الحسن إلى زياد: «من الحسن بن علي إلى زياد، أمّا بعد: فإنّك عمدت إلى رجل من المسلمين له ما لهم، وعليه ما عليهم، فهدمت داره وأخذت ماله، وحبست أهله وعياله، فإذا أتاك كتابي هذا، فابن له داره، واردد عليه عياله وماله، وشفّعني فيه فقد أجرته» فكتب إليه زياد: من زياد بن أبي سفيان إلى الحسن بن فاطمة، أمّا بعد: فقد أتاني كتابك تبدأ فيه بنفسك قبلي وأنت طالب حاجة وأنا سلطان وأنت سوقة، كتبت إلىّ في فاسق آويتَه إقامة منك على سوء الرأي ورضاً منك بذلك، وأيم اللّه لا تسبقني به، ولو كان بين جلدك ولحمك، وإن نلت بعضك فغير رفيق بك ولا مرع عليك، فإنّ أحبَّ لحم إلىَّ أن آكل منه، اللحم الّذي أنت منه، فسلّمه بجريرته إلى من هو أولى به منك، فإن عفوت عنه لم أكن شفّعتك فيه، وإن قتلته لم


1 . شرح نهج البلاغة 11 / 43 ـ 44 .

(225)

أقتله إلاّ لحبّه أباك الفاسق، والسلام(1) .

«كان زياد جمع الناس بالكوفة بباب قصر يحرّضهم على لعن علىّ أو البراءة منه، فملأ منهم المسجد والرحبة، فمن أبي ذلك عرضه على السيف»(2)، وفي المنتظم لابن الجوزي: إنّ زياداً لمّا حصبه أهل الكوفة وهو يخطب على المنبر قطع أيدي ثمانين منهم، وهمّ أن يخرب دورهم ويحرق نخلهم، فجمعهم حتّى ملأ بهم المسجد والرحبة يعرضهم على البراءة من علي، وعلم أنّهم سيمتنعون، فيحتج بذلك على استئصالهم وإخراب بلدهم(3) .

بيان معاوية إلى عماله:

روى أبو الحسن علي بن محمّد بن أبي سيف المدايني في كتاب «الأحداث» قال: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة: أن برئت الذمة ممّن روى شيئاً من فضل ابي تراب وأهل بيته، فقام الخطباء، في كل كورة، وعلى كل منبر، يلعنون عليّاً ويبرأون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته، وكان أشدّ الناس بلاءً حينئذ أهل الكوفة، لكثرة من بها من شيعة علي ـ عليه السلام ـ فاستعمل عليها زياد بن سميّة، وضمّ إليه البصرة، فكان يتبع الشيعة وهو بهم عارف، لأنّه كان منهم أيّام علي ـ عليه السلام ـ ، فقتلهم تحت كل حجر ومدر، وأخافهم، وقطع الأيدي والأرجل، وسمل العيون، وصلبهم على جذوع النخل، وطردهم وشرّدهم عن العراق، فلم يبق بها معروف منهم، وكتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق:


1 . شرح ابن أبي الحديد 16 / 194 .
2 . مروج الذهب 3 / 26 .
3 . المنتظم 5 / 263 طبع بيروت .


(226)

ألا يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة. وكتب إليهم: أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان و محبّيه وأهل ولايته، والذين يروون فضائله ومناقبه فادنوا مجالسهم وقرّبوهم وأكرموهم، واكتبوا لي بكل ما يروي كل رجل منهم، واسمه واسم أبيه وعشيرته .

ففعلوا ذلك، حتّى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه، لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء القطائع، ويفيضه في العرب منهم والموالي، فكثر ذلك في كل مصر، وتنافسوا في المنازل والدنيا، فليس يجيىء أحد مردود من الناس عاملا من عمال معاوية، فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلاّ كتب اسمه وقرّبه وشفعه. فلبثوا بذلك حينا .

ثمّ كتب إلى عماله: أن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر وفي كل وجه وناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأوّلين، ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلاّ وتأتوني بمناقض له في الصحابة، فإنّ هذا أحبّ إلىّ وأقرّ لعيني، وأدحض لحجّة أبي تراب وشيعته، وأشدّ إليهم من مناقب عثمان وفضله .

فقرئت كتبه على الناس، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها، وجدّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتّى أشادوا بذكر ذلك على المنابر، واُلقي إلى معلّمي الكتاتيب، فعلّموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتّى رووه وتعلّموه كما يتعلّمون القرآن، وحتّى علّموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم، فلبثوا بذلك ما شاء اللّه .

ثمّ كتب إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان: انظروا من قامت عليه البيّنة انّه يحبّ عليّاً وأهل بيته، فامحوه من الديوان، وأسقطوا عطاءه ورزقه وشفع ذلك بنسخة اُخرى: من اتّهمتموه بموالاة هؤلاء القوم، فنكّلوا به، واهدموا داره .


(227)

فلم يكن البلاء أشدّ ولا أكثر منه بالعراق، ولا سيما بالكوفة، حتّى انّ الرجل من شيعة علي ـ عليه السلام ـ ليأتيه من يثق به، فيدخل بيته، فيلقي إليه سرّه، ويخاف من خادمه ومملوكه، ولا يحدّثه حتّى يأخذ عليه الأيمان الغليظة، ليكتمن عليه، فظهر حديث كثير موضوع، وبهتان منتشر، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة وكان أعظم الناس في ذلك بليّة القرّاء والمراؤون، والمستضعفون، الذين يظهرون الخشوع والنسك فيتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم، ويقربوا مجالسهم، ويصيبوا الأموال والضياع والمنازل، حتّى انتقلت تلك الاخبار والأحاديث إلى أيدي الديانين الذين لا يستحلّون الكذب والبهتان فقبلوها ورووها، وهم يظنون أنّها حقّ، ولو علموا أنّها باطلة لما رووها، ولا تديّنوا بها .

وذكر ابن أبي الحديد: فلم يزل الأمر كذلك حتّى مات الحسن بن علي ـ عليه السلام ـ فازداد البلاء والفتنة، فلم يبق أحد من هذا القبيل إلاّ وهو خائف على دمه، أو طريد في الأرض .

ثم تفاقم الأمر بعد قتل الحسين ـ عليه السلام ـ ، وولّي عبدالملك بن مروان، فاشتدّ على الشيعة، وولّى عليهم الحجّاج بن يوسف، فتقرّب إليه أهل النسك والصلاح والدين ببغض علي وموالاة أعدائه، وموالاة من يدّعي من الناس أنّهم أيضاً أعداؤه، فأكثروا في الرواية في فضلهم وسوابقهم ومناقبهم، وأكثروا من البغض من علي ـ عليه السلام ـ وعيبه، والطعن فيه، والشنان له حتّى أنّ انساناً وقف للحجّاج ـ ويقال أنّه جدّ الأصمعي عبدالملك بن قريب ـ فصاح به: أيّها الأمير أنّ أهلي عقّوني فسمّوني عليّاً، وانّي فقير بائس، وأنا إلى صلة الأمير محتاج .

فتضاحك له الحجّاج، وقال: للطف ما توسّلت به، قد ولّيتك موضع كذا.

وقد روى ابن عرفة المعروف بنفطويه ـ وهو من أكابر المحدّثين وأعلامهم ـ في تاريخه ما يناسب هذا الخبر، وقال: إنّ أكثر الأحاديث الموضوعة في


(228)

فضائل الصحابة افتعلت في أيّام بني اُميّة تقرّباً إليهم بما يظنّون أنّهم يرغمون به اُنوف بني هاشم(1) .

فمن أراد أن يقف على الضغط الشديد الّذي تعرض له الشيعة في عصر الامويّين فليقرأ حياة الصحابة والتابعين الذين قُتلوا بسيف عمّال معاوية وآل مروان، وهؤلاء الأبطال:

1- حجر بن عدي الّذي قبض عليه زياد بعد هلاك المغيرة سنة (51) وبعثه مع أصحابه إلى الشام بشهادة مزوّرة، وانّه يجتمع عليه شيعة علي ويظهرون لعن معاوية والبراءة منه .

يقول المسعودي:

«في سنة ثلاث وخمسين قتل معاوية حجر بن عدي الكندي ـ وهو أول من قتل صبراً في الإسلام ـ وحمله زياد من الكوفة ومعه تسعة نفر من أصحابه من أهل الكوفة وأربعة من غيرها فلمّا صار على أميال من الكوفة يراد به دمشق أنشأت ابنته تقول ـ ولا عقب له من غيرها ـ :

ترفَّع أيّها القمر المنير * لعلّك ان ترى حجراً يسير

يسير إلى معاوية بن حرب * ليقتله كذا زعم الأمير

ويصلبه على بابي دمشق * وتأكل من محاسنه النسور

فقتله مع أصحابه في مرج العذراء(2) .

2- عمرو بن الحمق ذلك الصحابي العظيم الّذي وصفه الامام الحسين سيّد


1 . شرح نهج البلاغة 11 / 44 ـ 46 .
2 . مروج الذهب 3 / 3 ـ 4، سير أعلام النبلاء 3 / 462 ـ 466 برقم 95 .


(229)

الشهداء بأنّه: أبلت وجهه العبادة. قتله بعد ما أعطاه الأمان(1) .

3- مالك الأشتر ملك العرب، أحد الأشراف والأبطال كان شهماً مطاعاً وكان قائد القوات العلوية قتله بالسم في مسيره إلى مصر بيد أحد عمّاله(2) .

4- رشيد الهجري كان من تلاميذ الامام وخواصّه عرض عليه زياد البراءة واللعن فأبى، فقطع يديه ورجليه ولسانه، وصلبه خنقاً في عنقه(3) .

5- جويرية بن مهر العبدي أخذه زياد وقطع يديه ورجليه وصلبه على جذع نخلة(4) .

6- قنبر مولى أميرالمؤمنين إذ قال الحجّاج لبعض جلاوزته: اُحبّ أن اُصيب رجلا من أصحاب أبي تراب، فقالوا: ما نعلم أحداً كان أطول صحبة له من مولاه قنبر، فبعث في طلبه، فقال له: أنت قنبر؟ قال: نعم، قال له: إبرأ من دين علي، فقال له: هل تدلّني على دين أفضل من دينه؟

قال: إنّي قاتلك فاختر أىّ قتلة أحبّ إليك، قال: أخبرني أميرالمؤمنين: انّ ميتتي تكون ذبحاً بغير حقّ. فأمر به فذبح كما تذبح الشاة(5) .

7- كميل وهو من خيار الشيعة وخاصّة أميرالمؤمنين طلبه الحجّاج فهرب منه، فحرم قومه عطاءهم فلمّا رأى كميل ذلك قال: أنا شيخ كبير وقد نفد عمري ولا ينبغي أن أكون سبباً في حرمان قومي، فاستسلم للحجّاج، فلمّا رآه قال له: كنت اُحبُّ أن أجد عليك سبيلا، فقال له كميل: لا تبرق ولا ترعد، فواللّه ما بقي من عمري


1 . سير أعلام النبلاء 4 / 34 ـ 35 برقم 6 .
2 . شذرات الذهب 1 / 91 .
3 . شرح نهج البلاغة 2 / 294 ـ 295 .
4 . شرح نهج البلاغة 2 / 290 ـ 291 .
5 . رجال الكشي 68 ـ 69 برقم 21، الشيعة والحاكمون 95 .


(230)

إلاّ مثل الغبار، فاقض فإنّ الموعد اللّه عزّوجلّ، وبعد القتل الحساب. وقد أخبرني أميرالمؤمنين انّك قاتلي، فقال الحجّاج: الحجّة عليك إذن، فقال: ذلك إن كان القضاء لك، قال: بلى، اضربوا عنقه(1) .

8- سعيد بن جبير التابعي المعروف بالعفّة والزهد والعبادة وكان يصلّي خلف الامام زين العابدين فلمّا رآه الحجّاج قال له: أنت شقي بن كسير، فقال: اُمّي أعرف بإسمي منك، ثم بعد رد وبدل أمر الحجّاج بقتله، فقال سعيد: وجّهت وجهي للّذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين. فقال الحجاج: شدّوه إلى غير القبلة، فقال: أينما تولّوا فثمّ وجه اللّه، فقال: كبوه على وجهه، قال: منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة اُخرى، ثم ضربت عنقه(2) .

وسيوافيك ما جرى على زيد بن علي من الصلب أيّام خلافة هشام بن عبدالملك عام (122) عند الكلام عن فرق الزيدية فتربّص حتّى حين .

هذه صورة مصغّرة من جنايات البيت الأموي وقد جئنا بها كنموذج يوقفك على كثير وذكرناه لتقف على انّ بقاء التشيّع مع هذه المجازر أشبه بالمعجزة .

الشيعة في خلافة العباسيّين :

دار الزمان على بني اُميّة، وقامت ثورات عنيفة ضدّهم، أثناء خلافتهم إلى أن قضت على آخر ملوكهم (مروان الحمار) (فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالحَمْدُللّهِ رَبِّ العالَمِينَ))(3) وولي الأمر العباسيون، وكان الأمر في القتل


1 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 17 / 149، الشيعة والحاكمون 96 .
2 . سير أعلام النبلاء 4 / 321 - 328، الجرح والتعديل 4 / 9 برقم 29 .
3 . الأنعام / 45 .


(231)

والتشريد والسفك والحبس في عهدهم نفس ما كان في عهد الامويين بل أسوأ بكثير. قال الشاعر:

واللّه ما فعلت اُميّة فيهم * معشار ما فعلت بنو العباس

1- وأوّل من تولّى منهم أبو العباس السفّاح بويع سنة (132) ومات سنة (136)، قضى وقته في تتبّع الامويّين والقضاء عليهم، وهو وإن لم يتعرّض للعلوّيين، لكنّه تنكّر لهم وشيعتهم ويوعز إلى الشعراء أن يتعرّضوا لأولاد علي ويمحوا عنهم حقّ الخلافة. هذا محمّد أحمد براق يقول في كتابه «أبو العباس السفاح»: «إنّ أصل الدعوة كان لآل علي، لأنّ أهل خراسان كان هواهم في آل علي لا آل العباس، لذلك كان السفّاح، ومن جاء بعده مفتّحة عيونهم لأهل خراسان حتّى لا يتفشّى فيهم التشيّع لآل علي: ... وكانوا يستجلبون الشعراء ليمدحوهم، فيقدّمون لهم الجوائز، وكان الشعراء يعرضون بأبناء علي و ينفون عنهم حقّ الخلافة، لأنّهم ينتسبون إلى النبىّ عن طريق ابنته فاطمة، أمّا بنو العباس فإنّهم أبناء عمومة»(1) .

2- ثمّ جاء بعده أبو جعفر المنصور، وقد شيّد مجد الاُسرة العباسيّة، وكانت خلافته مزيجاً من الخير والشرّ وصار في اُخريات أيّامه شرّاً كلّه، ويكفي للإلمام بجرائمه وقسوته ما كتبه ابن عبد ربّه في العقد الفريد قال: إنّ المنصور كان يجلس ويجلس إلى جانبه واعظاً، ثمّ تأتي الجلاوزة في أيديهم السيوف يضربون أعناق الناس، فإذا جرت الدماء حتّى تصل إلى ثيابه، يلتفت إلى الواعظ ويقول: عظني! فإذا ذكّره الواعظ باللّه، أطرق المنصور كالمنكسر، ثمّ يعود الجلاوزة إلى ضرب الأعناق، فإذا ما أصابت الدماء ثياب المنصور ثانياً، قال لواعظه:


1 . أبو العباس السفاح 48، كما في الشيعة والحاكمون 139 .

(232)

عظني!!(1) .

فماذا يريد المنصور من قوله للواعظ، وهل يريد الاستهزاء بالدين الّذي نهى عن قتل النفس وسفك الدماء أو يريد شيئاً آخر واللّه العالم.

وأمّا ما جرى منه على العلويّين، فنذكر ما يلي حتّى يكون كنموذج لأعماله: يقول المسعودي: جمع المنصور أبناء الحسن، وأمر بجعل القيود والسلاسل في أرجلهم وأعناقهم، وحملهم في محامل مشكوفة وبغير وطاء تماماً كما فعل يزيد بن معاوية بعيال الحسين، ثمّ أودعهم مكاناً تحت الأرض لا يعرفون فيه الليل من النهار واُشكلت أوقات الصلاة عليهم، فجزَّأوا القرآن خسمة أجزاء، فكانوا يصلّون على فراغ كل واحد من حزبه، وكانوا يقضون الحاجة الضرورية في مواضعهم، فاشتدّت عليهم الرائحة، وتورّمت أجسادهم ولا يزال الورم يصعد من القدم حتّى يبلغ الفؤاد، فيموت صاحبه مرضاً وعطشاً وجوعا(2) .

وقال ابن الأثير: دعا المنصور محمّد بن عبداللّه العثماني، وكان أخاً لأبناء الحسن من اُمّهم، فأمر بشقّ ثيابه، حتّى بانت عورته، ثم ضرب مائة وخسمون سوطاً، فأصاب سوط منها وجهه فقال: ويحك اكفف عن وجهي، فقال المنصور للجلاّد: الرأس الرأس، فضربه على رأسه ثلاثين سوطاً، وأصاب إحدى عينيه فسالت على وجهه، ثم قتله ـ ثم ذكر ـ وأحضر المنصور محمّد بن إبراهيم بن الحسن، وكان أحسن الناس صورة، فقال له: أنت الديباج الأصفر، لاُقتلنّك قتلة لم أقتلها أحداً، ثمّ أمر به، فبنى عليه اسطوانة، وهو حي، فمات فيها(3) .


1 . العقد الفريد 1 / 41 .
2 . مروج الذهب 3 / 310 طبع 1948 .
3 . الكامل 4 / 375 .


(233)

3- ثمّ ولي بعده المهدي ولد المنصور، وبقى في الحكم من سنة (158) إلى سنة (169) وكفى في ظلمه للعلويّين، انّه أخذ علي بن العباس بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فسجنه فدسّ إليه السّم فتفسّخ لحمه وتباينت أعضاؤه .

4- ولمّا توفّي المهدي بويع ولده الهادي، وكانت خلافته سنة وثلاثة أشهر، وكفى في ظلمه - بالرغم من قصر أيّامه ـ ما يذكره أبو الفرج الأصفهاني: انّ اُمّ الحسين صاحب فخ هي زينب بنت عبداللّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، قتل المنصور اباها واخوتها وعمومتها وزوجها علي بن الحسن، ثم قتل الهادي حفيد المنصور، ابنها الحسين، وكانت تلبس المسوح على جسدها، لا تجعل بينها وبينه شيئاً حتّى لحقت باللّه عزّوجلّ(1) .

5- ثم تولّى بعده الرشيد سنة (170) ومات (193) ونذكر من جرائمه شيئاً واحداً، ما نقله صاحب مقاتل الطالبيين عن إبراهيم بن رباح، قال: إنّ الرشيد حين ظفر بيحيى بن عبداللّه بن الحسن، بنى عليه اسطوانة وهو حي، وكان هذا العمل الاجرامي موروثاً من جدّه المنصور (2) الكاظم فنذكره في الفصل الحادي عشر عند ذكر أئمّة الشيعة .

6- ثمّ جاء بعده ابنه الأمين، فكان على الحكم أربع سنين وأشهرا، يقول أبو الفرج: كانت سيرة الأمين في أمر آل أبي طالب خلاف من تقدّم لتشاغله بما كان فيه من اللهو ثمّ الحرب بينه وبين المأمون، حتّى قتل فلم يحدث على أحد منهم في أيّامه حدث .

7- وتولّى الحكم بعده المأمون، فقد كان من أقوى الحكّام العباسيّين بعد


1 . مقاتل الطالبيين 285 طبع النجف .
2 . مقاتل الطالبيين 320 طبع النجف، وروى في مقتله أمراً آخر .


(234)

أبيه الرشيد. فلمّا رأى المأمون إقبال الناس على العلويّين وعلى رأسهم الإمام الرضا، ألقى عليه القبض بحيلة الدعوة إلى بلاطه، ثم دسّ السم للإمام الرضا، وسيوافيك تفصيله .

8- مات المأمون سنة (218) وجاء إلى الحكم ابنه المعتصم فسجن محمّد ابن القاسم بن علي بن عمر بن علي بن أبي طالب فتغلّب عليه وسجنه ثمّ فرّمن السجن .

9- ولى الحكم بعده الواثق وقد سجن الإمام الجواد بن الإمام الرضا ـ عليه السلام ـ ، ودسّ له السم بيد زوجته الأثيمة اُمّ الفضل بنت المأمون .

10- وولى الحكم بعد الواثق، المتوكّل وإليك نموذجاً من حقده على آل البيت وهو ما ذكره أبو الفرج قال: كان المتوكّل شديد الوطأة على آل أبي طالب غليظاً في جماعتهم، شديد الغيظ والحقد عليهم، وسوء الظن والتهمة لهم، واتّفق له أنّ عبيد اللّه بن يحيى بن خاقان وزيره يسيىء الرأي فيهم، فحسن له القبيح في معاملتهم، فبلغ فيهم ما لم يبلغه أحد من خلفاء بني العباس قبله، وكان من ذلك أن كرب(1) قبر الحسين وعفّى آثاره، ووضع على سائر الطرق، مسالح له لا يجدون أحداً زاره إلاّ أتوه به وقتله أو أنهكه عقوبة .

وقال: بعث برجل من أصحابه (يقال له «الديزج» وكان يهودياً فأسلم) إلى قبر الحسين وأمره بكرب قبره ومحوه وإخراب ما حوله، فمضى ذلك، فخرّب ما حوله وهدم البناء وكرب ما حوله نحو مأتي جريب، فلمّا بلغ إلى قبره لم يتقدّم إليه أحد فأحضر قوماً من اليهود فكربوه، وأجرى الماء حوله، ووكل به مسالح، بين كل مسلحتين ميل، لا يزوره زائر إلاّ أخذوه ووجّهوا به إليه .

وقال: حدثني محمّد بن الحسين الأشناني: بعد عهدي بالزيارة في تلك


1 . الكرب: إثارة الأرض للزرع .

(235)

الأيّام خوفاً، ثمّ عملت على المخاطرة بنفسي فيها، وساعدني رجل من العطّارين على ذلك، فخرجنا زائرين، نكمن النهار ونسير الليل حتّى أتينا نواحي الغاضريّة، وخرجنا نصف الليل فصرنا بين مسلحتين، وقد ناموا، حتّى أتينا القبر فخفى علينا فجعلننا نشمّه (نتسمه) ونتحرّى جهته حتّى أتيناه، وقد قلع الصندوق الّذي كان حواليه واُحرق واُجري الماء عليه، فانخسف موضع اللبن وصار كالخندق، فزرناه وأكببنا عليه... فودّعناه وجعلنا حول القبر علامات في عدّة مواضع، فلمّا قتل المتوكّل اجتمعنا مع جماعة من الطالبيين والشيعة حتّى صرنا القبر فأخرجنا تلك العلامات وأعدناه إلى ما كان عليه .

وقال: واستعمل على المدينة ومكّة عمر بن الفرج فمنع آل أبي طالب من التعرّض لمسألة الناس ومنع الناس من البرّ بهم، وكان لا يبلغه أنّ أحداً أبرّ أحداً منهم بشيء، وإنّ قلّ إلاّ أنهكه عقوبة، وأثقله غرماً، حتّى كان القميص يكون بين جماعة من العلويات يصلّين فيه واحدة بعد واحدة، ثمّ يرقعنه ويجلسن على مغازلهن عواري حواسر إلى أن قتل المتوكّل فعطف المنتصر عليهم وأحسن إليهم بمال فرّقه بينهم، وكان يؤثر مخالفة أبيه في جميع أحواله ومضادّة مذهبه(1) .

وولى بعده المنتصر ابنه وظهر منه الميل إلى أهل البيت وخالف أباه ـ كما عرفت ـ فلم يجر منه على أحد منهم قتل أو حبس أو مكروه فيما بلغنا .

وأوّل ما أحدثه أنّه لمّا ولى الخلافة عزل صالح بن علي عن المدينة، وبعث علي بن الحسين مكانه فقال له ـ عند الموادعة ـ : يا علي: إنّي اُوجّهك إلى لحمي ودمي فانظر كيف تكون للقوم وكيف تعاملهم ـ يعني آل أبي طالب ـ، فقلت: أرجو أن أمتثل رأي أميرالمؤمنين ـ أيّده اللّه ـ فيهم، إن شاء اللّه. قال: إذاً تسعد


1 . مقاتل الطالبيين 395 ـ 396 .

(236)

بذلك عندي (1) .

وقام بعده المستعين بالأمر، فنقص كلّما غزله المنتصر من البرّ والإحسان، ومن جرائمه انّه قتل يحيى بن عمر بن الحسين، قال أبو الفرج: وكان ـ رضي الله عنه ـ رجلا فارساً شجاعاً شديد البدن، مجتمع القلب، بعيداً من رهق الشباب وما يعاب به مثله، ولمّا اُدخل رأسه إلى بغداد جعل أهلها يصيحون من ذلك إنكاراً له، ودخل أبو هاشم على محمّد بن عبداللّه بن طاهر، فقال: أيّها الأمير، قد جئتك مهنّا بما لو كان رسول اللّه حيّاً يعزّى به .

واُدخل الاُسارى من أصحاب يحيى إلى بغداد ولم يكن روي قبل ذلك من الاُسارى لحقه ما لحقهم من العسف وسوء الحال، وكانوا يساقون وهم حفاة سوقاً عنيفاً، فمن تأخّر ضربت عنقه .

قال أبو الفرج: وما بلغني أنّ أحداً ممّن قتل في الدولة العباسيّة من آل أبي طالب رثي بأكثر مما رثي به يحيى، ولا قيل فيه الشعر بأكثر ممّا قيل فيه .

هذا قليل من كثير من المجازر الدامية، الّتي قام بها بنو العباس وأتو بجرائهم لم يسبقهم أحد من الامويين ولا من جاء بعدهم إليها وهم كما قال الشاعر:

تاللّه إن كانت بنو اُميّة قد أتت * قتل ابن بنت نبيّها مظلوما

فلقد أتاه بنو أبيه بمثلها * هذا لعمرك قبره مهدوما

أسفوا على أن لا يكونوا شايعوا * في قتله فتتّبعوه رميما

ومن أراد أن يقف على سجلّ جرائم الدولتين (الاموية والعباسية) وملف مظالمهم فعليه قراءة القصائد الثلاث الّتي نظمها رجال مؤمنون مخلصون، عرضوا أنفسهم للمخاوف والأخطار طلباً لرضى الحقّ:


1 . مقاتل الطالبيين 636 .

(237)

1- تائية دعبل الخزاعي الشهيد عام 246 هـ ، فإنّها وثيقة تأريخية خالدة تعرب عن سياسة الدولتين تجاه أهل البيت ـ عليهم السلام ـ ، وقد أنشدها الشاعر للإمام الرضا، فبكى وبكت معه النسوة.

أخرج الحموي عن أحمد بن زياد عن دعبل الخزاعي قال: أنشدت قصيدة لمولاي علي الرضا ـ رضي الله عنه ـ :

مدارس آيات خلت من تلاوة * ومنزل وحي مقفر العرصات

قال دعبل: ثمّ قرأت باقي القصيدة، فلمّا انتهيت إلى قولي:

خروج إمام لا محالة واقع * يقوم على اسم اللّه والبركات

بكى الرضا بكاءً شديداً. ومن هذه القصيدة قوله:

هم نقضوا عهد الكتاب وفرضه * ما حكمه بالزور والشبهات

تراث بلا قربى وملك بلا هدى * وحكم بلا شورى بغير هدات

وفيه أيضاً قوله:

لآل الرسول بالخيف من منى * وبالبيت والتعريف والجمرات

ديار علي والحسين وجعفر * وحمزة والسجّاد ذي الثفنات

ديار عفاها جور كل منابذ * ولم تعف للايّام والسنوات

ودار لعبداللّه والفضل صنوه * سليل رسول اللّه ذي الدعوات

منازل كانت للصلاة وللتقى * وللصوم والتطهير والحسنات

منازل وحي اللّه معدن علمه * سبيل رشاد واضح الطرقات

منازل وحي اللّه ينزل حولها * على أحمد الروحات والغدوات

إلى أن قال:

ديار رسول اللّه أصبحن بلقعا * ودار زياد أصبحت عمرات


(238)

وآل رسول اللّه غُلَّتْ رقابهم * وآل زياد غُلّظِ القصرات

وآل رسول اللّه تُدْمى نحورهم * وآل زياد زيّنوا الحجلات

وفيها أيضاً:

أفاطم لو خلت الحسين مجدّلا * وقد مات عطشاناً بشطّ فرات

إذاً للطمت الخد فاطم عنده * وأجريت دمع العين في الوجنات

أفاطم قومي يا ابنة الخير واندبي * نجوم سماوات بأرض فلات(1)

2- ميميّة الأمير أبي فراس الحمداني (320 ـ 357 هـ)، هذه القصيدة تعرف بالشافية وهي من القصائد الخالدة، وعليها مسحة البلاغة، ورونق الجزالة، وجودة السرد، وقوّة الحجّة، وفخامة المعنى، أنشدها ناظمها لمّأ وقف على قصيدة ابن سكره العباسي الّتي مستهلّها:

بني علي دعوا مقالتكم * لا ينقض الدر وضع من وضعه

فقال الأمير في جوابه ميميّته المعروفة وهي:

الحق مهتضم والدين مخترم * وفيء آل رسول اللّه مقتسم

إلى أن قال:

يا للرجال أما للّه منتصر * من الطغاة؟ أما للّه منتقم؟

بنو علي رعايا في ديارهم * والأمر تملكه النسوان والخدم!(2)

3- جيميّة ابن الرومي الّتي رثى بها يحيى بن عمر بن الحسين بن زيد، وهي:


1 . لاحظ للوقوف على هذه القصيدة: المناقب لابن شهر آشوب 2 / 394، وروضة الواعظين للفتال النيسابوري 194، وكشف الغمة للاربلي 3 / 112 ـ 117، وقد ذكرها أكثر المؤرخين .
2 . نقلها في الغدير برمتها وأخرج مصادرها، لاحظ 3 / 399 ـ 402 .


(239)

أمامك فانظر أىّ نهجيك تنهج * طريقان شتّى مستقيم وأعوج

ألا أىّ هذا الناس طال ضريركم * بآل رسول اللّه فاخشوا أو ارتجوا

أكلّ أوان للنبي محمّد * قتيل زكىّ بالدماء مضرّج(1)

«واللّه لا يعرف التاريخ اُسرة كاُسرة أبي طالب بلغت الغاية من شرف الأرومة، وطيب النجار، ضلّ عنها حقّها، وجاهدت في سبيل اللّه حقَّ الجهاد من الاعصار، ثم لم تظفر من جهادها المرير إلاّ بالحسرات ولم تعقب من جهادها إلاّ العبرات، على ما فقدت من أبطال أسالوا نفوسهم في ساحة الوغى، راضية قلوبهم مطمئنة ضمائرهم، وصافحوا الموت في بسالة فائقة وتلقّوه في صبر جميل يثير في النفس الاعجاب والاكبار ويشيع فيها ألوان التقدير والاعظام .

وقد أسرف خصوم هذه الاُسرة الطاهرة في محاربتها وأذاقوها ضروب النكال، وصبّوا عليها صنوف العذاب، ولم يرقبوا فيها إلاّ ولا ذمّة ولم يرعوا لها حقّاً ولا حرمة وأفرغوا بأسهم الشديد على النساء والأطفال، والرجال جميعاً في عنف لا يشوبه لين، وقسوة لا تمازجها رحمة، حتّى غدت مصائب أهل البيت مضرب الأمثال، في فظاعة النكال، وقد فجرت هذه القسوة البالغة ينابيع الرحمة والمودّة في قلوب الناس وأشاعت الأسف الممض في ضمائرهم، وملأت عليهم أقطار نفوسهم شجنا، وصارت مصارع هؤلاء الشهداء حديثاً يروى وخبراً يتناقل، وقصصاً يقص، يجد فيه الناس إرضاء عواطفهم وإرواء مشاعرهم فتطلبوه وحرصوا عليه»(2) .

كانت الشيعة حليف الضغط والكبت، لم ير الامويّون والعباسيّون ولا الملوك


1 . مقاتل الطالبيين 639 ـ 646 .
2 . مقدمة مقاتل الطالبيين، بقلم السيد أحمد صفر: الصفحة ى ـ ك، طبع دار المعرفة .


(240)

الغزانوة ولا السلاجقة ولا من أتى بعدهم أي حرمة لنفوسهم واعراضهم وعلومهم ومكتباتهم، وكانت اليهود والنصارى أحراراً في الرقعة الإسلامية وكانت الشيعة تعيش في التقيّة ولا يتوجّه أي ذنب على الشيعة في أن يتقي أخاه المسلم، ويظهر له خلاف ما يعتقده. إنّما التقصير على من حملهم على التقيّة، وأباح دمهم وعرضهم وأموالهم فلم ير بدّا، لصيانة نفسه ونفيسه من التقيّة .

هذا هو طغرل بيك أوّل ملك من السلاجقة ورد بغداد سنة 447 وشنّ على الشيعة حملة شعواء وأمر بإحراق مكتبة الشيعة الّتي أنشأها أبو نصر سابور بن اردشير، وزير بهاء الدولة البويهي وكانت من دور العلم المهمّة في بغداد بناها هذا الوزير الجليل في محلّة بين السورين في الكرخ سنة 381 على مثال بيت الحكمة الّذي بناه هارون الرشيد، وكانت مهمّة للغاية وقد جمع فيه هذا الوزير ما تفرّق من كتب فارس والعراق واستكتب تآليف اهل الهند والصين والروم، كما قاله محمد كرد علي، ونافت كتبها على عشرة آلاف من جلائل الآثار ومهام الأسفار، وأكثرها نسخ الأصل بخطوط المؤلّفين(1) .

قال ياقوت الحموي: وبها كانت خزانة الكتب الّتي أوقفها الوزير أبونصر سابور بن اردشير وزير بهاء الدولة بن عضد الدولة، ولم يكن في الدنيا أحسن كتباً منها، كانت كلّها بخطوط الأئمّة المعتبرة واُصولهم المحرّرة(2) .

وكان من جملتها مصاحف بخطّ ابن مقلة على ما ذكره ابن الأثير(3) .

وحيث كان الوزير سابور من أهل الفضل والأدب، أخذ العلماء يهدون إليه


1 . خطط الشام 3 / 185 .
2 . معجم البلدان 2 / 342 .
3 . الكامل في التاريخ 10 / 3 .


(241)

مؤلّفاتهم، فأصبحت مكتبته من أغنى دور الكتب ببغداد، وقد احترقت هذه المكتبة العظيمة فيما احترق من محال كرخ عند مجيىء طغرل بيك وتوسّعت الفتنة حتّى اتّجهت إلى شيخ الطائفة وأصحابه فأحرقوا كتبه وكرسيه الّذي كان يجلس عليه للكلام .

وقال ابن الجوزي في حوادث سنة 448:

وهرب أبو جعفر الطوسي ونهبت داره ثمّ قال في حوادث سنة 449: وفي صفر هذه السنة كبست دار أبي جعفر الطوسي متكلّم الشيعة في الكرخ، واُخذ ما وجد من دفاتره وكرسي يجلس إليه للكلام، واُخرج إلى الكرخ واُضيف إليه ثلاث سناجيق بيض كان الزوّار من أهل الكرخ قديماً يحملونها معهم إن قصدوا زيارة الكوفة، فاُحرق الجميع(1) .

وأنت إذا سبرت غضون التأريخ المؤلّف في عصور الاموييّن والعباسيّين ومن بعدهم ـ مع أنّه قد لعبت به الهوى ودسّ فيها أشياء وأشياء ـ تقف على أنّ بقاء الشيعة إلى العصر الحاضر من المعاجز والكرامات وخوارق العادات، وكيف وانّ تاريخهم هو الذبح، والقتل، والقمع، والاستئصال، والسحق، وإلابادة، قد تضافرت قوى الكفر والفسق على إهلاكهم وقطع جذورهم ومع ذلك فقد كانت لهم دول ودويلات، ومعاهد وكلّيّات، وبلدان وحضارات، وأعلام ومفاخر وعباقرة وفلاسفة، وفقهاء ومحدّثون ووزراء وسياسيّون، ويشكلون اليوم خمس المسلمين أو ربعهم، إنّ ذلك من فضله سبحانه لتعلّق مشيئته على إبقاء الحقّ


1 . المنتظم 8 / 173 ـ 179، نقلنا ما يتعلّق بمكتبة أبي نصر سابور والشيخ الطوسي عن مقدّمة شيخنا الطهراني على التبيان وذكرنا المصادر الّتي أومأ هو إليها في الهامش، لاحظ الصفحة هـ ـ و ومن المقدمة .

(242)

و إزهاق الباطل في ظل قيام الشيعة طيلة القرون بواجبها وهو الصمود أمام الظلم، والتضحية والتفدية للمبدأ والمذهب وقد قال سبحانه: (إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشرونَ صابِرونَ يَغْلِبُوا مائَتَينِ وإنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مَائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفروا بَأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ)(1) .

ولا يفوتنّك انّ ثوراتهم المتعاقبة أدّت إلى تشريدهم وقتلهم والفتك بهم، ولو أنّهم ساوموا السلطة الأموية والعباسية، لكانوا في أعلى المناصب والمدارج، لكن ثوراتهم لم تكن عنصريّة أو قوميّة أو طلباً للرئاسة، بل كانت لإزهاق الباطل ورفع الظلم عن المجتمع، والدعوة إلى اعلاء كلمة اللّه وغير ذلك ممّا هو من وظائف العلماء العارفين .


1 . الأنفال / 65 .

(243)

الفصل العاشر

في عقائد الشيعة الإمامية


(244)


(245)

إنّ المناهج الكلامية الّتي فرّقت المسلمين إلى مذاهب حدثت في أواخر القرن الأوّل الهجري، واستمرّت في القرون التالية، نجمت عنها فرق اسلامية كالمرجئة، والجهمية، والمعتزلة، والحشوية، والأشعرية، والكرامية بفرقهم المتشعّبة، فأكثر الفرق الإسلامية أو جميعها نتاج البحث والمذاكرة بالاضافة إلى الإحتكاك الفكري بين المسلمين والاُمم الاُخرى الّتي حملت إليهم مسائل وموضوعات جديدة، فلا تجد لأكثرها أو جميعها تأريخاً متّصلا بزمن النبىّ الأكرم، ويقف على صدق ما ذكرنا من سبر أجزاء كتابنا هذا .

مثلا الخوارج ـ مضافاً إلى أنّها كانت فرقة سياسيّة نجمت عام 37 من الهجرة أثناء حرب صفين ـ تبدّلت إلى فرقة دينيّة في أواخر القرن الأوّل وأوائل القرن الثاني .

والمرجئة ظهرت على الأوساط الإسلاميّة عند اختلاف الناس في الخليفتين عثمان وعلي، ثمّ تطوّرت إلى معنى آخر وكانت حصيلة التطوّر هو تقديم الإيمان و تأخير العمل .

والجهمية نتيجة أفكار «جهم بن صفوان» المتوفّى سنة 128، والمعتزلة تستمد من واصل بن عطاء تلميذ الحسن البصري المتوفّى عام 130، وهكذا القدريّة


(246)

والكراميّة والظاهريّة والأشعريّة كلّها فرق نتجت عن البحث الكلامي وصقلها الجدل عبر القرون، فلا تجد لهذه الفرق سنداً متّصلا بالنبىّ الأكرم .

وأمّا عقائد الشيعة الإماميّة، فليست حصيلة الاحتكاك بالثقافات الأجنبيّة ولا ما أنتجبته البحوث الكلاميّة طوال القرون، وإنّما هي عقائد مأخوذة من الذكر الحكيم أوّلا، والسنّة النبويّة ثانياً، وخطب الامام علي وكلمات العترة الطاهرة المأخوذة من النبىّ الأكرم ثالثاً. فلأجل ذلك يحدّد تاريخ عقائدهم بتاريخ الإسلام وحياة أئمّتهم الطاهرين .

وهذا لا يعني أنّ الشيعة تتعبّد بالنصوص في اُوصلها من دون تحليل وتفكير، بل يعني أنّ اُصول العقائد الواردة في المصادر المذكورة، أخذها علماؤهم منها، وحرّروها بأوضح الوجوه، ودعموها بالبرهنة، نعم لا يعتمدون في مجال العقيدة على آحاد الروايات بل يشترط فيها أن تكون متواترة، أو محفوفة بالقرائن المفيدة للعلم واليقين، إذ ليس المطلوب في باب الاعتقاد مجرّد العمل، بل المطلوب هو الاذعان والإيمان ولا يحصل بآحاد الروايات .

وهنا نكتة جديرة بالتنبية، وهي أنّ قوام التشيّع عبارة عن الاعتقاد بأنّ الإمام عليّاً منصوص عليه بالوصاية على لسان النبىّ الأكرم، وأنّه وعترته الطاهرة هم المرجع الوحيد بعد الذكر الحكيم. هذا هو العنصر المقوّم للتشيّع وأمّا سائر الاُصول فإنّها عقائد اسلامية لا تتّصل بالتشيّع دون غيرهم .

وها نحن نذكر قصاصات من عقائد الشيعة الامامية، الواردة في أحاديث أئمّتهم تارة، وكلمات علمائهم الأقدمين ثانياً، حتّى يقف القارئ على جذور تلك العقائد وأنّها مأخوذة عن أئمّتهم الطاهرين، وفي مقدّمتهم خطب الامام علي ـ عليه السلام ـ .


(247)

1- ما كتبه الامام الرضا ـ عليه السلام ـ

للمأمون في محض الإسلام:

روى الصدوق بسنده عن الفضل بن شاذان قال: سأل المأمون علي بن موسى الرضا أن يكتب له محض الإسلام على سبيل الإيجاز والاختصار، فكتب ـ عليه السلام ـ له: «إنّ محض الإسلام شهادة أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له إلهاً واحداً أحداً فرداً صمداً قيّوماً، سميعاً، بصيراً، قديراً، قديماً، قائماً، باقياً، عالماً لا يجهل، قادراً لا يعجز، غنيّاً لا يحتاج، عدلا لا يجور، وانّه خالق كلّ شيء، ليس كمثله شيء، لا شبه له ولا ضدّ له ولا ندّ له ولا كفو له، وانّه المقصود بالعبادة والدعاء والرغبة والرهبة.

وانّ محمّداً عبده و رسوله وأمينه وصفيّه وصفوته من خلقه، وسيّد المرسلين وخاتم النبيين وأفضل العالمين، لا نبىّ بعده ولا تبديل لملّته ولا تغيير لشريعته، وانّ جميع ما جاء به محمّد بن عبداللّه هو الحقّ المبين، والتصديق به وبجميع من مضى قبله من رسل اللّه، وأنبيائه، وحججه، والتصديق بكتابه، الصادق العزيز الّذي (لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكيم حَميد))(1) وانّه المهيمن على الكتب كلّها، وانّه حقّ من فاتحته إلى خاتمته، نؤمن بمحكمه ومتشابهه، وخاصّه وعامّه، ووعده ووعيده، وناسخه ومنسوخه، وقصصه واخباره، لا يقدر أحد من المخلوقين أن يأتي بمثله .

وانّ الدليل بعده والحجّة على المؤمنين والقائم بأمر المسلمين، والناطق عن القرآن، والعالم بأحكامه، أخوه وخليفته ووصيّه ووليّه، والّذي كان منه بمنزلة هارون من موسى: علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ أميرالمؤمنين، وإمام


1 . فصّلت / 42 .

(248)

المتّقين، وقائد الغرّ المحجّلين، وأفضل الوصيّين ووارث علم النبيّين والمرسلين، وبعده الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة، ثمّ علي بن الحسين زين العابدين، ثمّ محمّد بن علي باقر علم النبيّين، ثمّ جعفر بن محمّد الصادق وارث علم الوصيّين، ثمّ موسى بن جعفر الكاظم، ثمّ علي بن موسى الرضا، ثمّ محمّد بن علي، ثمّ علي بن محمّد، ثمّ الحسن بن علي، ثمّ الحجّة القائم المنتظر ـ صلوات اللّه عليهم أجمعين ـ .

أشهد لهم بالوصيّة والإمامة، وأنّ الأرض لا تخلو من حجّة للّه تعالى على خلقه في كلّ عصر وأوان، وانّهم العروة الوثقى، وأئمّة الهدى، والحجّة على أهل الدنيا، إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها، وانّ كل من خالفهم ضال، مضل، باطل، تارك للحقّ والهدى، وانّهم المعبّرون عن القرآن، والناطقون عن الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بالبيان، ومن مات ولم يعرفهم مات ميتة جاهلية، وانّ من دينهم الورع، والفقه، والصدق والصلاة والاستقامة والاجتهاد، واداء الأمانة إلى البر والفاجر، وطول السجود وصيام النهار وقيام الليل واجتناب المحارم، وانتظار الفرج بالصبر، وحسن العزاء وكرم الصحبة(1) .

ثمّ ذكر الامام فروعاً شتّى من مختلف أبواب الفقه وأشار إلى بعض الفوارق بين مذهب أهل البيت وغيرهم لا يهمّنا في المقام ذكرها ومن أراد الوقوف عليها فليرجع إلى المصدر .

* * *

2- عرض السيّد عبدالعظيم الحسني عقائده على الإمام الهادي:

روى الصدوق عن عبدالعظيم الحسني(2) قال: دخلت على سيدي علي بن

محمّد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ـ عليهم السلام ـ فلمّأ بَصُرَبي، قال لي: «مرحباً بك يا أباالقاسم أنت وليّنا حقّا» قال: فقلت له: ياابن رسول اللّه إنّي اُريد أن أعرض عليك ديني، فإن كان مرضيّاً ثبتّ عليه حتّى ألقى اللّه عزّوجلّ. فقال: «هاتها أبا القاسم» .

فقلت: إنّي أقول: إنّ اللّه تبارك وتعالى واحد ليس كمثله شيء، خارج من الحدّين: حدّ الابطال، وحدّ التشبيه، وانّه ليس بجسم ولا صورة ولا عرض ولا جوهر، بل هو مجسّم الأجسام ومصوّر الصور، وخالق الاعراض والجواهر، وربِّ كل شيء ومالكه وجاعله ومحدثه، وانّ محمّداً عبده


1 . عيون أخبار الرضا 2 / 121 ـ 122 .
2 . عبدالعظيم بن عبداللّه بن علي بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب ـ عليهم السلام ـ من أصحاب الإمام الهادي، قال النجاشي: له كتاب خطب أميرالمؤمنين ورد الري هارباً من السلطان وسكن سربا في دار رجل من الشيعة في سكة الموالي، فكان يعبداللّه في ذلك السرب ويصوم نهاره ويقوم ليله، فكان يخرج مستتراً، فيزور القبر المقابل قبره وبينهما الطريق ويقول هو قبر رجل من ولد موسى بن جعفر ـ عليه السلام ـ فلم يزل يأوى إلى ذلك السرب ويقع خبره إلى الواحد بعد الواحد من شيعة آل محمّد ـ عليهم السلام ـ حتّى عرفه اكثرهم رجال النجاشي 2 / 65 ـ 66، ومات عبدالعظيم بالري وقبره مزار. يزوره الناس. وذكره الشيخ الطوسي في رجاله في أصحاب الإمام الهادي والعسكري تحت رقم 1 و 20. وذكره أيضاً عمدة الطالب 94 .


(249)

ورسوله خاتم النبيّين، فلا نبىّ بعده إلى يوم القيامة، وأقول: إنّ الامام والخليفة وولىّ الأمر بعده أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب، ثمّ الحسن، ثمّ الحسين، ثمّ علي بن الحسين، ثمّ محمّد بن علي، ثمّ جعفر بن محمّد، ثمّ موسى بن جعفر، ثمّ علي بن موسى، ثمّ محمّد بن علي، ثمّ أنت يا مولاي .

فقال ـ عليه السلام ـ : «ومن بعدي الحسن ابني، فكيف للناس بالخلف من بعده؟ قال: فقلت: وكيف ذلك يا مولاي؟ قال: لأنّه لا يرى شخصه ولا يحل


(250)

ذكره باسمه حتّى يخرج فيملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت ظلماً وجورا.

قال: فقلت: أقررت وأقول: إنّ وليّهم ولىّ اللّه، وعدوّهم عدوّ اللّه، وطاعتهم طاعة اللّه، ومعصيتهم معصية اللّه، وأقول: إنّ المعاد حقّ، والمساءلة في القبر حقّ، وانّ الجنّة حقّ، والنار حقّ، والميزان حقّ، وانّ الساعة آتية لا ريب فيها وانّ اللّه يبعث من في القبور، وأقول: إنّ الفرائض الواجبة بعد الولاية الصلاة والزكاة، والصوم، والحج، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

فقال علي بن محمّد ـ عليه السلام ـ : يا أبا القاسم: «هذا واللّه دين اللّه الّذي ارتضاه لعباده، فاثبت عليه ثبّتك اللّه بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة»(1) .

وقد اكتفينا بهذين النصّين من الإمامين الطاهرين، أحدهما قولي، والآخر امضائي، وقد أخذوا عقائدهم عن آبائهم الطاهرين .

* * *

3- رسالة الصدوق «306 ـ 381» في عقائد الإمامية:

إنّ لمشايخنا الإمامية قصاصات في بيان عقائد الشيعة ومعارفهم، ونختار في المقام رسائل موجزة، من المتقدّمين :

صنّف الشيخ الصدوق (306 ـ 381) رسالة موجزة في عقائد الإمامية، قال: اعلم انّ اعتقادنا في التوحيد، أنّ اللّه تعالى واحد، أحد، ليس كمثله شيء، قديم لم يزل ولا يزال، سميعاً بصيراً، عليماً حكيماً، حيّاً قيّوماً، عزيزاً قدّوساً، عالماً قادراً، غنيّاً، لا يوصف بجوهر ولا جسم ولا صورة ولا عرض ـ إلى أن قال: ـ وأنّه تعالى متعال عن جميع صفات خلقه، خارج عن الحدّين، حدّ الإبطال، وحدّ التشبيه،


1 . التوحيد: باب التوحيد والتشبيه 81 رقم الحديث 37 .

(251)

وأنّه تعالى شىء لا كالأشياء، أحد صمد لم يلد فيورث، ولم يولد فيشارك، ولم يكن له كفواً أحد، ولا ند ولا ضد، ولا شبه ولا صاحبة، ولا مثل ولا نظير ولا شريك له، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، ولا الأوهام وهو يدركها، لا تأخذه سنة ولا نوم وهو اللطيف الخبير، خالق كل شيء لا إله إلاّ هو، له الخلق والأمر تبارك اللّه ربّ العالمين .

ومن قال بالتشبيه فهو مشرك، ومن نسب إلى الإمامية غير ما وصف في التوحيد فهو كاذب، وكل خبر يخالف ما ذكرت في التوحيد فهو موضوع مخترع، وكل حديث لا يوافق كتاب اللّه فهو باطل، وإن وجد في كتب علمائنا فهو مدلس... ثمّ إنّه قدّس اللّه سرّه ذكر الصفات الخبرية في الكتاب العزيز وفسّرها، وبيّن حدّاً خاصّاً لصفات الذات وصفات الأفعال، وما هو معتقد الإماميّة في أفعال العباد، وانّه بين الجبر والتفويض، كما ذكر عقائدهم في القضاء والقدر، والفطرة والاستطاعة إلى غير ذلك من المباحث الهامّة، الّتي تشكّل العمود الفقري للمعارف الإلهية. حتّى انّه قال:

اعتقادنا أنّ القرآن الّذي أنزله اللّه تعالى على نبيّه محمّد هو ما بين الدفّتين، وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك، ومبلغ سوره عند الناس 114 سورة، وعندنا أنّ الضحى والانشراح سورة واحدة، كما أنّ الإيلاف والفيل سورة واحدة. ومن نسب إلينا أنّا نقول إنّه أكثر من ذلك فهو كاذب... إلى آخر الرسالة(1) .

ثمّ إنّ الشيخ المفيد (336 ـ 413) قد شرح تلك الرسالة بكتاب أسماه شرح عقائد الصدوق، أو تصحيح الاعتقاد ناقش فيها اُستاذه الصدوق في بعض المواضع التي


1 . لاحظ رسالة الصدوق في الاعتقادات، وقد طبعت غير مرّة، وعليها شروح وتعاليق العلماء منهم العلاّمة المجلسي .

(252)

استند فيها الصدوق على روايات غير جامعة للشرائط في باب العقائد(1) .

4ـ ما أملاه هو أيضاً على جماعة في المجلس الثالث والتسعون، وجاء فيه: واجتمع في هذا اليوم إلى الشيخ الفقيه أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه أهل مجلسه والمشايخ، فسألوه أن يملي عليهم وصف دين الإماميّة على الإيجاز والاختصار، فقال: دين الإماميّة هو الإقرار بتوحيد اللّه تعالى ذكره ونفي التشبيه عنه، وتنزيهه عمّا لا يليق، والإقرار بأنبياء اللّه ورسله وحججه وملائكته وكتبه، والإقرار بأنّ محمّداً هو سيّد الأنبياء والمرسلين، وانّه أفضل منهم ومن جميع الملائكة المقرّبين، وأنّه خاتم النبيّين فلا نبىّ بعده... إلى آخر ما ذكر(2) .

* * *

5- جمل العلم والعمل للسيّد الشريف المرتضى «355 ـ 436»:

ألّف السيّد الشريف المرتضى رسالة موجزة في العقائد أسماها جمل العلم والعمل. وفيه عقائد الشيعة على وجه الإيجاز نذكر خصوص ما يرجع إلى التوحيد فعلى القارئ الكريم مطالعة نفس الرسالة ونقتطف ما يلي:

بيان ما يجب اعتقاده في أبواب التوحيد:

الأجسام محدَثة لأنّها لم تسبق الحوادث، فلها حكمها في الحدوث، ولابدّلها من محدث، لحاجة كل محدَث في حدوثه إلى محدِث كالصناعة والكتابة.

ولابدّ من كونه (تعالى) قادراً لتعذّر الفعل على من لم يكن قادراً وتيسّره على


1 . طبع الكتاب مع كتاب أوائل المقالات للشيخ المفيد في تبريز عام 1371 .
2 . الأمالي للشيخ الصدوق ـ أملاه يوم الجمعة الثاني عشر من شعبان سنة 368 ـ لاحظ 509 طبع بيروت .


(253)

من كان كذلك .

ولابدّ من كون محدثها عالماً لأنّ الإحكام ظاهر في كثير من العالم، والمحكم لا يقع إلاّ من عالم .

ولابدّ من كونه موجوداً، لأنّ له تعلّقاً من حيث كان قادراً عالماً، وهذا الضرب من التعلّق لا يصحّ إلاّ مع الوجود .

ويجب كونه قديماً، لانتهاء الحوادث إليه .

ويجب كونه حيّاً، وإلاّ لم يصحّ كونه قادراً، عالماً، فضلا عن وجوبه.

ويجب أن يكون مدرِكاً إذا وجدت المدرَكات، لاقتضاء كونه حيّاً.

ذلك، وواجب كونه سميعاً بصيراً، لأنّه ممّن يجب أن يدرك المدركات إذا وجدت، وهذه فائدة قولنا سميع بصير .

ومن صفاته ـ وإن كانتا عن علّة ـ كونه تعالى مريداً وكارهاً لأنّه تعالى، قد أمر وأخبر ونهى، ولا يكون الأمر والخبر، أمراً ولا خبراً إلاّ بالإرادة. والنهي لا يكون نهياً إلاّ بالكراهة .

ولا يجوز أن يستحق هاتين الصفتين لنفسه، لوجوب كونه مريداً، كارهاً للشيء الواحد، على الوجه الواحد .

ولا لعلّة قديمة، لما سنبطل به الصفات القديمة .

ولا لعلّة محدثة في غير حي لافتقار الإرادة إلى تنبيه. ولا لعلّة موجودة في حي، لوجوب رجوع حكمها إلى ذلك الحي. فلم يبق إلاّ أن توجد لا في محل .

ولا يجوز أن يكون له في نفسه صفة زائدة على ما ذكرناه لأنّه لا حكم لها معقول .

وإثبات ما لا حكم له معقول من الصفات، يفضي إلى الجهالات .

ويجب أن يكون قادراً فيما لم يزل، لأنّه لو تجدّد له ذلك لم يكن إلاّ لقدرة


(254)

محدثة، ولا يمكن اسناد احداثها إلاّ إليه، فيؤدّي إلى تعلّق كونه قادراً بكونه محدثاً، وكونه محدثاً بكونه قادراً. وثبوت كونه قادراً فيما لم يزل، يقتضي أن يكون فيما لم يزل حيّاً موجوداً.

ويجب أن يكون عالماً فيما لم يزل لأنّ تجدّد كونه عالماً، يقتضي أن يكون بحدوث علم، والعلم لا يقع إلاّ ممّن هو عالم .

ووجوب هذه الصفات، لم تدل على أنّها نفسيّة، وادّعاء وجوبها لمعان قديمة، تبطل صفات النفس. ولأنّ الاشتراك في القدم، يوجب التماثل والمشاركة في سائر الصفات. ولا يجوز خروجه تعالى عن هذه الصفات لإسنادها إلى النفس .

ويجب كونه تعالى غنيّاً غير محتاج، لأنّ الحاجة تقتضي أن يكون ممّن ينتفع ويستضر وتؤدّي إلى كونه جسماً .

لا يجوز كونه تعالى (متّصفاً)(1) بصفة الجواهر والأجسام والاعراض لقدمه وحدوث هذه أجمع، ولأنّه فاعل الأجسام. والجسم يتعذّر عليه فعل الجسم.

ولا يجوز عليه تعالى الرؤية لأنّه كان يجب مع ارتفاع الموانع وصحّة أبصارنا أن تراه .

ولمثل ذلك يعلم أنّه لا يدرك بسائر الحواس .

ويجب أن يكون تعالى واحداً لا ثاني له في القدم، لأنّ إثبات ثان يؤدّي إلى إثبات ذاتين لاحكم لهما يزيد على حكم الذات الواحدة ويؤدّي أيضاً إلى تعذّر الفعل على القادر من غير جهة منع معقول. وإذا بطل قديم ثان بطل قول الثنوية


1 . أضفناها من عندنا لاقتضاء السياق .

(255)

والنصارى والمجوس... إلى آخرها(1) .

6- البيان عن جمل اعتقاد أهل الإيمان للكراجكي «ت 449»:

كتب الإمام أبو الفتح الشيخ محمّد بن علي الكراجكي الطرابلسي رسالة موجزة في عقائد الإمامية وأسماها «البيان عن جمل اعتقاد أهل الايمان» .

قال: سألت يا أخي أسعدك اللّه بألطافه، وأيّدك باحسانه واسعافه، أن اثبت لك جملا من اعتقادات الشيعة المؤمنين، وفصولا في المذهب يكون عليها بناء المسترشدين لتذاكر نفسك بها، وتجعلها عدّة لطالبها، وأنا أختصر لك القول واُجمله، واُقرّب الذكر واُسهّله وأورده على سنن الفتيا في المقالة، من غير حجّة ولا دلالة، وما توفيقي إلاّ باللّه .

في توحيده سبحانه:

إعلم أنّ الواجب على المكلّف: أن يعتقد حدوث العالم بأسره، وانّه لم يكن شيئاً قبل وجوده، ويعتقد أنّ اللّه تعالى هو محدِث جميعه، من أجسامه، واعراضه، إلاّ أفعال العباد الواقعة منهم، فانّهم محدثوها دونه سبحانه .

ويعتقد أنّ اللّه قديم وحده، لا قديم سواه، وأنّه موجود لم يزل، وباق لا يزال، وانّه شيء لا كالأشياء. لا شبيه الموجودات، ولا يجوز عليه ما يجوز على المحدثات وانّ له صفات يستحقّها لنفسه لا لمعان غيره، وهي كونه حيّاً، عالماً،


1 . جمل العلم والعمل قسم العقائد، الطبعة الثانية تحقيق رشيد الصفار، طبعة النجف طالع الرسالة بأجمعها، نعم رأيه في اعجاز القرآن من القول بالصرف رأي شخصي له ولا يمثّل رأي جمهور الامامية وفيها وراء النصوص، آراء كلامية .

(256)

قديماً، باقياً، لا يجوز خروجه عن هذه الصفات إلى ضدّها، يعلم الكائنات قبل كونها، ولا يخفى عليه شيء منها .

في عدله سبحانه:

وانّ له صفات أفعال، لا يصحّ اضافتها إليه في الحقيقة، إلاّ بعد فعله، وهي ما وصف به نفسه من أنّه خالق، ورازق، ومعط، وراحم، ومالك، ومتكلّم، ونحو ذلك. وانّ له صفات مجازات وهي ما وصف به نفسه، من أنّه يريد، ويكره، ويرضى، ويغضب. فارادته لفعل هي الفعل المراد بعينه، وارادته لفعل غيره هي الأمر بذلك الفعل، وليس تسميتها بالارادة حقيقة، وانّما هو على مجاز اللغة، وغضبه هو وجود عقابه، ورضاه هو وجود ثوابه، وانّه لا يفتقر إلى مكان، ولا يدرك بشيء من الحواس .

وانّه منزّه من القبائح، لا يظلم الناس وإن كان قادراً على الظلم، لأنّه عالم بقبحه، غني عن فعله، قوله صدق، ووعده حق، لا يكلّف خلقه على ما لا يستطاع، ولا يحرمهم صلاحاً لهم فيه الانتفاع، ولا يأمر بما لا يريد، ولا ينهى عمّا يريد. وانّه خلق الخلق لمصلحتهم، وكلّفهم لأجل منازل منفعتهم، وأزاح في التكليف عللهم، وفعل أصلح الأشياء بهم. وأنّه أقدرهم قبل التكليف، وأوجد لهم العقل والتمييز .

وانّ القدرة تصلح أن يفعل بها وضده بدلا منه. وانّ الحق الّذي يجب معرفته، يدرك بشيئين، وهما العقل والسمع، وانّ التكليف العقلي لا ينفك عن التكليف السمعي. وانّ اللّه تعالى قد أوجد (للناس) في كل زمان مسمعاً (لهم) من أنبيائه، وحججه بينه وبين الخلق، ينبّههم على طريق الاستدلال في العقليات ويفقّههم على ما لا يعلمونه إلاّ به من السمعيات. وانّ جميع حجج اللّه تعالى محيطون


(257)

علماً بجميع ما يفتقر إليهم فيه العباد. وانّهم معصومون من الخطأ والزلل عصمة اختيار. وانّ اللّه فضّلهم على خلقه، وجعلهم خلفاءه القائمين بحقّه. وانّه أظهر على أيديهم المعجزات، تصديقاً لهم فيما ادّعوه من الأنباء والاخبار. وانّهم ـ مع ذلك ـ بأجمعهم عباد مخلوقون، بشر مكلّفون، يأكلون ويشربون، ويتناسلون، ويحيون بإحيائه، ويموتون بإماتته، تجوز عليهم الآلام المعترضات فمنهم من قتل، ومنهم من مات، لا يقدرون على خلق، ولا رزق، ولا يعلمون الغيب إلاّ ما أعلمهم إله الخلق. وانّ أقوالهم صدق، وجميع ما أتوا به حق .

في النبوة العامّة والخاصّة:

وانّ أفضل الأنبياء اُولوا العزم، وهم خمسة: نوح، وابراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وانّ محمّداً بن عبداللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أفضل الأنبياء أجمعين، وخير الأوّلين والآخرين. وانّه خاتم النبيين وانّ آباءه من آدم ـ عليه السلام ـ إلى عبداللّه بن عبدالمطلب ـ رضوان اللّه عليهم ـ كانوا جميعاً مؤمنين، وموحّدين للّه تعالى عارفين، وكذلك أبوطالب ـ رضوان اللّه عليه ـ .

ويعتقد أنّ اللّه سبحانه شرّف نبيّنا ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بباهر الآيات، وقاهر المعجزات، فسبّح في كفّه الحصاء، ونبع من بين أصابعه الماء، وغير ذلك ممّا قد تضمّنته الأنباء، وأجمع على صحّته العلماء، وأتى بالقرآن المبين، الّذي بهر به السامعين، وعجز من الاتيان بمثله سائر الملحدين .

وانّ القرآن كلام ربّ العالمين، وأنّه محدث ليس بقديم. ويجب أن يعتقد أنّ جميع ما فيه من الآيات الّذي يتضمّن ظاهرها تشبيه اللّه تعالى بخلقه، وأنّه يجبرهم على طاعته أو معصيته، أو يضل بعضهم عن طريق هدايته، فإنّ ذلك كلّه لا يجوز حمله على ظاهرها، وانّ له تأويلا، يلائم ما تشهد به العقول ممّا قدّمنا ذكره في


(258)

صفات اللّه تعالى، وصفات أنبيائه .

فإن عرف المكلّف تأويل هذه الآيات فحسن، وإلاّ أجزأ أن يعتقد في الجملة أنّها متشابهات، وأنّ لها تأويلا ملائماً، يشهد بما تشهد به العقول والآيات المحكمات، وفي القرآن المحكم والمتشابه، والحقيقة والمجاز، والناسخ والمنسوخ والخاص والعام .

ويجب عليه أن يقر بملائكة اللّه أجمعين، وأنّ منهم جبرئيل وميكائيل، وأنّهما من الملائكة الكرام، كالأنبياء بين الأنام، وأنّ جبرئيل هو الروح الأمين، الّذي نزل بالقرآن على قلب محمّد خاتم النبيين، وهو الّذي كان يأتيه بالوحي من ربّ العالمين .

ويجب الاقرار بأنّ شريعة الإسلام التي أتى بها محمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ناسخة لما خالفها من شرائع الأنبياء المتقدّمين .

وأنّه يجب التمسّك بها والعمل بما تضمّنته من فرائضها، وأنّ ذلك دين اللّه الثابت الباقي إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها، لا حلال إلاّ ما أحلّت، ولا حرام إلاّ ما حرّمت، ولا فرض إلاّ ما فرضت، ولا عبادة إلاّ ما أوجبت.

وانّ من انصرف عن الاسم، وتمسّك بغيره، كافر ضال، مخلّد في النار، ولو بذل من الاجتهاد في العبادة غاية المستطاع .

وانّ من أظهر الاقرار بالشهادتين كان مسلماً، ومن صدّق بقلبه، ولم يشك في فرض أتى به محمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان مؤمناً.

ومن الشرائط الواجبة للإيمان، العمل بالفرائض اللازمة، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمن .

وقوله تعالى:


(259)

(إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللّهِ الإسْلام)(1) .

إنّما أراد به الإسلام الصحيح التام، الّذي يكون المسلم فيه عارفاً، مؤمناً، عالماً بالواجبات طائعاً .

في الإمامة والخلافة:

ويجب أن يعتقد أنّ حجج اللّه تعالى بعد رسوله الذين هم خلفاؤه، وحفظة شرعه، وأئمّة اُمّته، اثنا عشر أهل بيته، أوّلهم أخوه وابن عمّه، وصهره بعل فاطمة الزهراء ابنته، ووصيّه على اُمّته: علي بن ابي طالب أميرالمؤمنين، ثمّ الحسن بن علي الزكي، ثمّ الحسين بن علي الشهيد، ثم علي بن الحسين زين العابدين، ثمّ محمّد بن علي باقر العلوم، ثمّ جعفر بن محمّد الصادق، ثمّ موسى بن جعفر الكاظم، ثمّ علي بن موسى الرضا، ثمّ محمّد بن علي التقي، ثمّ علي بن محمّد المنتجب، ثمّ الحسن بن علي الهادي، ثمّ الخلف الصالح بن الحسن المهدي ـ صلوات اللّه عليهم أجمعين ـ .

لا إمامة بعد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلاّ لهم ـ عليهم السلام ـ ولا يجوز الاقتداء في الدين إلاّ بهم، ولا أخذ معالم الدين إلاّ عنهم .

وأنّهم في كمال العلم والعصمة من الآثار نظير الأنبياء ـ عليهم السلام ـ .

وأنّهم أفضل الخلق بعد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

وأنّ إمامتهم منصوص عليها من قبل اللّه على اليقين والبيان .

وأنّه سبحانه أظهر على أيديهم الآيات، وأعلمهم كثيراً من الغائبات، والاُمور المستقبلات، ولم يعطهم من ذلك إلاّ ما قارن وجهاً يعلمه من اللطف


1 . آل عمران / 19 .

(260)

والصلاح.

وليسوا عارفين بجميع الضمائر والغائبات على الدوام، ولا يحيطون بالعلم بكل ما علمه اللّه تعالى .

والآيات الّتي تظهر على أيديهم هي فعل اللّه دونهم، أكرمهم بها، ولا صنع لهم فيها .

وأنّهم بشر محدثون، وعباد مصنوعون، لا يخلقون، ولا يرزقون، ويأكلون ويشربون، وتكون لهم الأزواج، وتنالهم الآلام والاعلال، ويستضامون، يخافون فيتقون، وأنّ منهم من قتل، ومنهم من قبض.

وأنّ إمام هذا الزمان هو المهدي ابن الحسن الهادي، وأنّه الحجّة على العالمين، وخاتم الأئمّة الطاهرين، لا إمامة لأحد بعد إمامته، ولا دولة بعد دولته، وأنّه غائب عن رعيته، غيبة اضطرار وخوف من أهل الضلال، وللمعلوم عند اللّه تعالى في ذلك الصلاح .

ويجوز أن يعرّف نفسه في زمن الغيبة لبعض الناس، وأنّ اللّه عزّوجلّ سيظهره وقت مشيئته، ويجعل له الأعوان والأصحاب، فيمهّد الدين به، (و) يطهّر الأرض على يديه، ويهلك أهل الضلال، ويقيم عمود الإسلام ويصير الدين كلّه للّه .

وأنّ اللّه عزّوجلّ يظهر على يديه عند ظهوره، الأعلام، وتأتيه المعجزات بخرق العادات، ويحيي له بعض الأموات، فإذا (أ) قام في الناس المدّة المعلومة عند اللّه سبحانه قبضه إليه، ثم لا يمتد بعده الزمان، ولا تتّصل الأيام حتّى تكون شرائط الساعة، واماتة من بقى من الناس، ثم يكون المعاد بعد ذلك .

ويعتقد أنّ أفضل الأئمّة ـ عليهم السلام ـ أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب، وأنّه لا يجوز أن يسمّى بأميرالمؤمنين أحد سواه .

وأنّ بقيّة الأئمّة ـ صلوات اللّه عليهم ـ، يقال لهم: الأئمة، والخلفاء،


(261)

والأوصياء، والحجج، وإن كانوا في الحقيقة اُمراء المؤمنين، فإنّهم لم يمنعوا من هذا الاسم لأجل معناه، لأنّه حاصل لهم على الاستحقاق، وإنّما منعوا من لفظه، حشمة لأمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ .

وأنّ أفضل الأئمّة بعد أميرالمؤمنين، ولده الحسن، ثمّ الحسين، وأفضل الباقين بعد الحسين، إمام الزمان المهدي ـ صلوات اللّه عليه ـ ثمّ بقية الأئمّة بعده على ما جاء به الأثر وثبت في النظر .

وأنّ المهدي ـ عليه السلام ـ هو الّذي قال فيه رسول اللّه:

«لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد، لطوّل اللّه تعالى ذلك اليوم، حتّى يظهر فيه رجل من ولدي يواطئ اسمه اسمي، يملأها عدلا، وقسطاً، كما ملئت ظلماً وجوراً»(1) .

فاسمه يواطئ اسم رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وكنيته تواطئ كنيته، غير أنّ النهي قد ورد عن اللفظ، فلا يجوز أن يتجاوز في القول أنّه المهدي، والمنتظر، والقائم بالحق، والخلف الصالح، وإمام الزمان، وحجة اللّه على الخلق .

ويجب أن يعتقد أنّ اللّه فرض معرفة الأئمّة ـ عليهم السلام ـ بأجمعهم، وطاعتهم، وموالاتهم والاقتداء بهم، والبراءة من أعدائهم وظالميهم... وأنّه لا يتم الايمان إلاّ بموالاة أولياء اللّه، ومعاداة أعدائه، وأنّ أعداء الأئمّة ـ عليهم السلام ـ


1 . روى هذا الحديث وأمثاله ابن خلدون في المقدّمة في الفصل الثاني والخمسين عن الترمذي، وأبي داود باختلاف بعض ألفاظه، وروى حوالي اثنين وثلاثين حديثاً، وقال في ص 311 من المقدّمة:
«إنّ جماعة من الأئمّة خرّجوا أحاديث المهدي، منهم: الترمذي، وأبوداود، والبزار، وابن ماجة، والحاكم، والطبراني، وأبو يعلى الموصلي، واسندوها إلى جماعة من الصحابة مثل علي، وابن عباس، وابن عمر، وطلحة، وابن مسعود، وأبي هريرة، وأنس، وأبي سعيد الخدري، واُمّ حبيبة، واُمّ سلمة، وثوبان، وقرّة بن اياس، وعلي الهلالي» .


(262)

كفّار ملحدون في النار، وإن أظهروا الإسلام، فمن عرف اللّه ورسوله والأئمّة الاثني عشر وتولاّهم وتبرّأ من أعدائهم فهو مؤمن، ومن أنكرهم أو تولّى أعداءهم فهو ضال هالك لا ينفعه عمل ولا اجتهاد، ولا تقبل له طاعة ولا تصحّ له حسنات...(1) .

في التوبة والحشر والنشر:

ويعتقد أنّ اللّه يزيد وينقص إذا شاء في الأرزاق والآجال .

وأنّه لم يرزق العبد إلاّ ما كان حلالا طيّباً.

ويعتقد أنّ باب التوبة مفتوح لمن طلبها، وهي الندم على ما مضى من المعصية، والعزم على ترك المعاودة إلى مثلها .

وأنّ التوبة ماحية لما قبلها من المعصية الّتي تاب العبد منها .

وتجوز التوبة من زلّة، إذا كان التائب منها مقيماً على زلّة غيرها لا تشبهها، ويكون له الأجر على التوبة، وعليه وزر ما هو مقيم عليه من الزلّة .

وأنّ اللّه يقبل التوبة بفضله وكرمه، وليس ذلك لوجوب قبولها في العقل قبل الوعد، وانّما علم بالسمع دون غيره .

ويجب أن يعتقد أنّ اللّه سبحانه، يميت العباد ويحييهم بعد الممات ليوم المعاد .

وأنّ المحاسبة حق والقصاص، وكذلك الجنّة والنار والعقاب .

وأنّ مرتكبي المعاصي من العارفين باللّه ورسوله، والأئمّة الطاهرين، المعتقدين لتحريمها مع ارتكابها، المسوّفين التوبة منها، عصاة فسّاق، وأنّ ذلك


1 . مكان النقاط كلمات غير واضحة .

(263)

لا يسلبهم اسم الايمان كما لم يسلبهم اسم الاسلام(1) .

وأنّهم يستحقّون العقاب على معاصيهم، والثواب على معرفتهم باللّه تعالى، ورسوله، والأئمّة من بعده ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

وما بعد ذلك من طاعتهم، وأمرهم مردود إلى خالقهم، وإن عفا عنهم فبفضله ورحمته، وإن عاقبهم فبعدله وحكمته، قال اللّه سبحانه:

(وَ آخَرُون مُرْجَوْنَ لأمْرِ اللّهِ إِمّا يُعَذِّبَهُمْ وَ إِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ)(2) .

وأنّ عقوبة هؤلاء العصاة إذا شاءها اللّه تعالى، لا تكون مؤبّدة، ولها آخِر، يكون بعده دخولهم الجنّة وليسوا من جملة من توجه إليهم الوعيد بالتخليد. والعفو من اللّه تعالى يرجى للعصاة المؤمنين .

وقد غلطت المعتزلة فسمّت من يرجو العفو مرجئاً، وانّما يجب أن يسمّى راجياً، ولا طريق إلى القطع على العفو، وانّما هو الرجاء فقط .

ويعتقد أنّ لرسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ والأئمّة من بعده ـ عليهم السلام ـ شفاعة مقبولة يوم القيامة، ترجى للمؤمنين من مرتكبي الآثام .

ولا يجوز أن يقطع الإنسان على أنّه مشفوع فيه على كل حال، ولا سبيل له إلى العلم بحقيقة هذه الحال، وانّما يجب أن يكون المؤمن واقفاً بين الخوف والرجاء .

ويعتقد أنّ المؤمنين الذين مضوا من الدنيا وهم غير عاصين، يؤمر بهم يوم


1 . صرّح بهذا المفيد اُستاذ المؤلّف في كتابه أوائل المقالات ص 48 ونسبه إلى اتّفاق الإمامية، أمّا الخوارج فتسمّي مرتكب الكبيرة مشركاً وكافراً، والحسن البصري اُستاذ واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، سمّاهم منافقين، وأمّا واصل بن عطاء فوضعهم في منزلة بين منزلتين، وقال إنّهم فسّاق ليسوا بمؤمنين، ولا كفّار، ولا منافقين.
2 . التوبة / 106 .


(264)

القيامة إلى الجنّة بغير حساب.

وأنّ جميع الكفار والمشركين، ومن لم تصحّ له الاُصول من المؤمنين يؤمر بهم يوم القيامة إلى الجحيم بغير حساب، وانّما يحاسب من خلط عملا صالحاً وآخر سيّئاً، وهم العارفون العصاة .

وأنّ أنبياء اللّه تعالى وحججه ـ عليهم السلام ـ هم في القيامة المسؤولون للحساب باذن اللّه تعالى، وأنّ حجّة أهل كل زمان يتولّى أمر رعيته الذين كانوا في وقته.

وأنّ سيّدنا رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ والأئمّة الاثنا عشر من بعده ـ عليهم السلام ـ هم أصحاب الأعراف وهم الذين لا يدخل الجنّة إلاّ من عرفهم وعرفوه، ويدخل النار من أنكرهم وأنكروه .

وأنّ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يحاسب أهل وقته وعصره، وكذلك كل إمام بعده .

وأنّ المهدي ـ عليه السلام ـ هو المواقف لأهل زمانه، والمسائل للذين في وقته .

وأنّ الموازين (الّتي) توضع في القيامة، هي اقامة العدل في الحساب، والانصاف في الحكم والمجازاة، وليست في الحقيقة موازين بكفات وخيوط كما يظن العوام .

وأنّ الصراط المستقيم في الدنيا دين محمّد وآل محمّد ـ عليه وعليهم السلام ـ، وهو في الآخرة طريق الجنان .

وأنّ الأطفال والمجانين والبله من الناس، يتفضّل عليهم في القيامة، بأن تكمل عقولهم، ويدخلون الجنان .

وأنّ نعيم أهل الجنّة متصل أبداً بغير نفاد، وأنّ عذاب المشركين والكفّار


(265)

متّصل في النار بغير نفاد .

ويجب أن يؤخذ معالم الدين في الغيبة من أدلّة العقل، وكتاب اللّه عزّوجلّ، والأخبار المتواترة عن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وعن الأئمّة ـ عليهم السلام ـ (1) وما أجمعت عليه الطائفة الإمامية، واجماعها حجّة .

فأمّا عند ظهور الإمام ـ عليه السلام ـ فإنّه المفزع عند المشكلات، وهو المنبّه على العقليات، والمعرّف بالسمعيات، كما كان النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

ولا يجوز استخراج الأحكام في السمعيات بقياس ولا اجتهاد(2) .

فأمّا العقليات فيدخلها القياس والاجتهاد، ويجب على العاقل مع هذا كلّه ألاّ يقنع بالتقليد في الاعتقاد وأن يسلك طر يق التأمل والاعتبار، ولا يكون نظره لنفسه في دينه أقل من نظره لنفسه في دنياه، فإنّه في اُمور الدنيا يحتاط ويحترز، ويفكّر ويتأمّل، ويعتبر بذهنه، ويستدل بعقله، فيجب أن يكون في أمر دينه على أضعاف هذه الحال، فالغرر في أمر الدين أعظم من الغرر في أمر الدنيا .


1 . ما ذكره هو رأي جماعة من علماء الإمامية، كالشريف المرتضى، وابن زهرة، وابن البراج، والطبرسي، وابن إدريس وغيرهم، فقد ذهب هؤلاء إلى عدم اعتبار الخبر الواحد إذا لم يكن مقطوع الصدور عن المعصوم وخصّوا اعتباره بما إذا كان قطعي الصدور، سواء أكان محتفّاً بقرينة عقلية أو نقلية اُخرى، فالمهم لدى هؤلاء في اعتبار الخبر أن يفضي إلى العلم، ولو كان ذلك لاجماع أو شاهد عقلي، بل صرّح المفيد في أوائل المقالات بأنّه لا يجب العمل بخبر الواحد .
أمّا المشهور بين الإمامية بل المجمع عليه بين المتأخّرين منهم فاعتبار الخبر الواحد لقيام الدليل على حجّيته، ولكل من الفريقين أدلّة على دعواه مذكورة في كتب الاُصول .
2 . المراد بالاجتهاد هنا ليس هو استنباط الأحكام الشرعية من أدلّتها التفصيلية، وانّما المراد به الاعتماد على الرأي والاستحسان والقياس، من دون الرجوع إلى القواعد والاُصول الّتي ثبتت حجّيتها شرعاً .


(266)

فيجب أن لا يعتقد في العقليات إلاّ ما صحّ عنده حقّه، ولا يسلم في السمعيات إلاّ لمن ثبت له صدقه .

نسأل اللّه حسن التوفيق برحمته، وألاّ يحرمنا ثواب المجتهدين في طاعته.

قد اثبتُّ لك يا أخي ـ أيّدك اللّه ـ ما سألت، اقتصرت وما أطلت .

والّذي ذكرت أصل لما تركت، والحمدللّه وصلواته على سيّدنا محمّد وآله وسلّم(1) .

* * *

7- العقائد الجعفرية تأليف الشيخ الطوسي «385 ـ 460»:

الشيخ الطوسي، هو شيخ الطائفة على الاطلاق تلميذ المفيد والمرتضى وقد ورد بغداد عام 408 وحضر في أندية دروس اُستاذه المفيد، فلمّا لبّى الاُستاذ دعوة ربّه حضر لدى المرتضى إلى أن اشتغل بالتدريس والافتاء في عصره وبعده، وله رسائل وكتب كلامية مفعمة بالتحقيق، نأتي في المقام بموجز ما دوّنه في عقائد الشيعة في خمسين مسألة .

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمدللّه ربّ العالمين .

والصلواة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وآله المعصومين الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وجعل كل واحد منهم على الخلق بعد الرسول أميراً .

قال الإمام شيخ الطائفة أبو جعفر محمّد الطوسي:


1 . أدرج المصنف الرسالة في كتابه القيم: كنز الفوائد لاحظ 240 - 252 .

(267)

«المسألة 1» معرفة اللّه واجبة على كل مكلّف، بدليل أنّه منعم، فيجب معرفته .

«المسألة 2» اللّه تعالى موجود، بدليل أنّه صنع العالم، وأعطاه الوجود، وكل من كان كذلك فهو موجود.

«المسألة 3» اللّه تعالى واجب الوجود لذاته، بمعنى أنّه لا يفتقر في وجوده إلى غيره، ولا يجوز عليه العدم، بدليل أنّه لوكان ممكناً لا فتقر إلى صانع، كافتقار هذا العالم، وذلك محال على المنعم المعبود.

«المسألة 4» اللّه تعالى قديم أزلي، بمعنى أنّ وجوده لم يسبقه العدم. باق أبدي، بمعنى أنّ وجوده لن يلحقه العدم .

«المسألة 5» اللّه تعالى قادر مختار، بمعنى أنّه إن شاء أن يفعل فعل، وإن شاء أن يترك ترك، بدليل أنّه صنع العالم في وقت دون آخر.

«المسألة 6» اللّه تعالى قادر على كل مقدور، وعالم بكل معلوم، بدليل أنّ نسبة جميع المقدورات والمعلومات إلى ذاته المقدّسة المنزّهة على السوية، فاختصاص قدرته تعالى وعلمه ببعض دون بعض ترجيح بلا مرجّح، وهو محال.

«المسألة 7» اللّه تعالى عالم، بمعنى أنّ الأشياء منكشفة واضحة له، حاضرة عنده غير غائبة عنه، بدليل أنّه تعالى فعل الأفعال المحكمة المتقنة، وكل من فعل ذلك فهو عالم بالضرورة .

«المسألة 8» اللّه تعالى يدرك لا بجارحة، بل معنى أنّه يعلم ما يدرك بالحواس، لأنّه منزّه عن الجسم ولوازمه، بدليل قول تعالى: (لا تُدْرِكُهُ)


(268)

الأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبيرُ))(1) فمعنى قوله تعالى: (إنَّهُ هُوَ السَّميعُ البَصير))(2) انّه عالم بالمسموعات لا باُذن، وبالمبصرات لابعين.

«المسألة 9» اللّه تعالى حي، بمعنى أنّه يصحّ منه أن يقدر ويعلم. بدليل أنّه ثبتت له القدرة والعلم وكل من ثبتت له ذلك فهو حي بالضرورة .

«المسألة 10» اللّه تعالى متكلّم لا بجارحة، بل معنى أنّه أوجد الكلام في جرم من الأجرام، أو جسم من الأجسام، لإيصال عظمته إلى الخلق، بدليل قوله تعالى: (وَكَلَّمَ اللّهُ موسى تَكْلِيماً)(3)ولأنّه قادر، فالكلام ممكن .

«المسألة 11» اللّه تعالى صادق، بمعنى انّه لا يقول إلاّ الحق الواقع، بدليل أنّ كل كذب قبيح، واللّه تعالى منزّه عن القبيح .

«المسألة 12» اللّه تعالى مريد، بمعنى أنّه رجّح الفعل إذا علم المصلحة (يعني أنّه غير مضطر وأنّ ارادته غير واقعة تحت ارادة اُخرى، بل هي الارادة العليا الّتي إن رأى صلاحاً فعل، وإن رأى فساداً لم يفعل، باختيار منه تعالى) بدليل أنّه ترك ايجاد بعض الموجودات في وقت دون وقت، مع علمه وقدرته ـ على كل حال ـ بالسوية. ولأنّه نهى وهو يدل على الكراهة .

«المسألة 13» انّه تعالى واحد، بمعنى انّه لا شريك له في الالوهية، بدليل قوله (قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَد)(4) ولأنّه لو كان له شريك لوقع التمانع، ففسد النظام، كما قال: (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلاّ اللّهُ )لَفَسَدَتَا)(5) .


1 . الأنعام / 103 .
2 . الإسراء / 1، غافر / 56 .
3 . النساء / 164 .
4 . الإخلاص / 1 .
5 . الأنبياء / 22 .


(269)

«المسألة 14» اللّه تعالى غير مركّب من شيء، بدليل أنّه لو كان مركّباً لكان مفتقراً إلى الأجزاء، والمفتقر ممكن .

«المسألة 15» اللّه تعالى ليس بجسم، ولا عرض، ولا جوهر، بدليل أنّه لو كان أحد هذه الأشياء لكان ممكناً مفتقراً إلى صانع، وهو محال.

«المسألة 16» اللّه تعالى ليس بمرئي بحاسة البصر في الدنيا والآخرة، بدليل انّه تعالى مجرّد، ولأنّ كل مرئي لابد أن يكون له الجسم والجهة، واللّه تعالى منزّه عنهما ولأنّه تعالى قال: (لَنْ تَرَانِى)(1)وقال: (لا تُدْرِكُهُ الأَبصارُ)(2) .

«المسألة 17» اللّه تعالى ليس محلاّ للحوادث، وإلاّ لكان حادثاً، وحدوثه محال.

«المسألة 18» اللّه تعالى لا يتّصف بالحلول، بدليل أنّه يلزم قيام الواجب بالممكن وذلك محال .

«المسألة 19» اللّه تعالى لا يتّحد بغيره، لأنّ الاتّحاد صيرورة الشيء واحداً من غير زياده ونقصان، وذلك محال، واللّه لا يتّصف بالمحال .

«المسألة 20» اللّه تعالى منفي عنه المعاني والصفات الزائدة، بمعنى أنّه ليس عالماً بالعلم، ولا قادراً بالقدرة (بل علم كلّه، وقدرة كلّها)، بدليل أنّه لوكان كذلك لزم كونه محلاّ للحوادث لو كانت حادثة، وتعدّد القدماء لو كانت قديمة، وهما محالان، وأيضاً لزم افتقار الواجب إلى صفاته المغايرة له، فيصير ممكناً وهو ممتنع .

«المسألة 21» اللّه تعالى غني، بمعنى أنّه غير محتاج إلى ما عداه،


1 . الأعراف / 143 .
2 . الأنعام / 103 .


(270)

والدليل عليه أنّه واجب الوجود لذاته، فلا يكون مفتقراً .

«المسألة 22» اللّه تعالى ليس في جهة، ولا مكان، بدليل أنّ كل ما في الجهة والمكان مفتقر إليهما،وأيضاً قد ثبت أنّه تعالى ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض، فلا يكون في المكان والجهة .

«المسألة 23» اللّه تعالى ليس له ولد، ولا صاحبة، بدليل أنّه قد ثبت عدم افتقاره إلى غيره، ولأنّ كل ما سواه تعالى ممكن، فكيف يصير الممكن واجباً بالذات، ولقوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ)(1) و (مَثَلَ عِيسى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَاب)(2) .

«المسألة 24» اللّه تعالى عدل حكيم، بمعنى أنّه لا يفعل قبيحاً ولا يخل بالواجب بدليل أنّ فعل القبيح قبيح، والاخلال بالواجب نقص عليه، فاللّه تعالى منزّه عن كل قبيح واخلال بالواجب .

«المسألة 25» الرضا بالقضاء والقدر واجب، وكل ما كان أو يكون فهو بالقضاء والقدر ولا يلزم بهما الجبر والظلم، لأنّ القدر والقضاء هاهنا بمعنى العلم والبيان، والمعنى أنّه تعالى يعلم كل ما هو (كائن أو يكون)(3) .

«المسألة 26» كل ما فعله اللّه تعالى فهو أصلح، وإلاّ لزم العبث، وليس تعالى بعابث، لقوله: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثَاً)(4) .

«المسألة 27» اللّطف على اللّه واجب، لأنّه خلق الخلق، وجعل فيهم الشهوة، فلو لم يفعل اللطف لزم الاغراء، وذلك قبيح، (واللّه لا يفعل القبيح)


1 . الشورى / 11 .
2 . آل عمران/ 59 .
3 . الاضافة منّا لإكمال العبارة .
4 . المؤمنون / 115 .


(271)

فاللطف هو نصب الأدلّة، واكمال العقل، وارسال الرسل في زمانهم، وبعد انقطاعهم ابقاء الإمام، لئلاّ ينقطع خيط غرضه .

«المسألة 28» نبيّنا «محمّد بن عبداللّه بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف» رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حقاً صدقاً. بدليل أنّه ادّعى النبوّة، وأظهر المعجزات على يده، فثبت أنّه رسول حقّاً، وأكبر المعجزات «القرآن الحميد» والفرقان المجيد الفارق بين الحق والباطل، باق إلى يوم القيامة، حجّة على كافّة النسمة .

ووجه كونه معجزاً: فرط فصاحته وبلاغته، بحيث ما تمكّن أحد من أهل الفصاحة والبلاغة حيث تحدّوا به، أن يأتوا ولو بسورة صغيرة، أو آية تامّة مثله.

«المسألة 29» كان نبيّنا نبياً على نفسه قبل البعثة، وبعده رسولا إلى كافّة النسمة لأنّه قال «كنت نبيّاً وآدم بين الماء والطين» وإلاّ لزم تفضيل المفضول، وهو قبيح .

«المسألة 30» جميع الأنبياء كانوامعصومين، مطهّرين عن العيوب والذنوب كلّها، وعن السهو والنسيان في الأفعال والأقوال، من أوّل الأعمار إلى اللحد، بدليل أنّهم لو فعلوا المعصية أو يطرأ عليهم السهو لسقط محلّهم من القلوب، فارتفع الوثوق والاعتماد على أقوالهم وأفعالهم، فتبطل فائدة النبوّة، فما ورد في الكتاب (القرآن) فيهم فهو واجب التأويل .

«المسألة 31» يجب أن يكون الأنبياء أعلم وأفضل أهل زمانهم، لأنّ تفضيل المفضول قبيح .

«المسألة 32» نبيّنا خاتم النبيين والمرسلين، بمعنى أنّه لانبي بعده إلى يوم القيامة، يقول تعالى: (ما كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَد مِن رِجَالِكُمْ وَلَكِن رَسُول اللّهِ )


(272)

وخَاتَمَ النَّبِيِّينَ))(1) .

«المسألة 33» نبيّنا أشرف الأنبياء والمرسلين، لأنّه ثبتت نبوّته، وأخبر بأفضليته فهو أفضل، لمّا قال لفاطمة ـ عليها السلام ـ : «أبوك خير الأنبياء، وبعلك خير الأوصياء، وأنت سيدة نساء العالمين، وولدك الحسن والحسين ـ عليهما السلام ـ سيّدا شباب أهل الجنّة، وأبوهما خير منهما»(2) .

«المسألة 34» معراج الرسول بالجسم العنصري علانية، غير منام، حق، والأخبار عليه بالتواتر ناطقة، صريحة، فمنكره خارج عن الإسلام وأنّه مر بالأفلاك من أبوابها من دون حاجة إلى الخرق والالتيام، وهذه الشبهة الواهية مدفوعة مسطورة بمحالها .

«المسألة 35» دين نبيّنا ناسخ للأديان السابقة، لأنّ المصالح تتبدل حسب الزمان والأشخاص كما تتبدّل المعاجلات لمريض بحسب تبدل المزاج والمرض .

«المسألة 36» الإمام بعد نبيّنا علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ بدليل قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «يا علي أنت أخي ووارث علمي وأنت الخليفة من بعدي، وأنت قاضي ديني، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لانبي بعدي»(3). وقوله: «سلّموا على علي بإمرة المؤمنين، واسمعوا له وأطيعوا له، وتَعَلّموا منه ولا تُعَلّموه»(4)، وقوله: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللّهمّ وال من والاه وعاد من


1 . الأحزاب / 40 .
2 . راجع ينابيع المودّة 434 ـ 436 .
3 . راجع صحيح مسلم 7 / 120 ـ 121، باب فضائل علي ـ عليه السلام ـ ، وصحيح البخاري 5 / 19 باب مناقب علي ـ عليه السلام ـ و 6/ 3 باب غزوة تبوك، ومسند أحمد 1 / 174 ـ 177 و 3 / 32، و 6 / 369 .
4 . راجع البحار 37 / 290 ـ 340 .


(273)

عاداه»(1) .

«المسألة 37» الأئمّة بعد علي ـ عليهم السلام ـ أحد عشر من ذرّيته، الأوّل منهم ولده الحسن، ثمّ الحسين، ثمّ علي بن الحسين، ثمّ محمّد بن علي، ثمّ جعفر بن محمّد الصادق، ثمّ موسى بن جعفر، ثمّ علي بن موسى، ثمّ محمّد بن علي، ثمّ علي بن محمّد، ثمّ الحسن بن علي، ثمّ الخلف الحجّة القائم المهدي الهادي بن الحسن صاحب الزمان فكلّهم أئمّة الناس واحد بعد واحد، حقّاً، بدليل أنّ كل إمام منهم نصّ على من بعده نصّاً متواتراً بالخلافة، وقوله: «الحسين إمام، ابن إمام، أخو الامام، ابو الأئمّة التسعة، تاسعهم قائمهم، يملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت ظلماً وجوراً» .

«المسألة 38» يجب أن يكون الأئمّة معصومين مطهّرين من الذنوب كلّها، صغيرة وكبيرة، عمداً وسهواً، ومن السهو في الأفعال والأقوال، بدليل أنّهم لو فعلوا المعصية لسقط محلهم من القلوب، وارتفع الوثوق، وكيف يهدون بالضالّين المضلّين، ولا معصوم غير الأئمّة الاثني عشر اجماعاً، فثبت إمامتهم .

«المسألة 39» يجب أن يكون الأئمّة أفضل وأعلم، ولو لم يكونوا كذلك للزم تفضيل المفضول، أو الترجيح بلا مرجح، ولا يحصل الانقياد به، وذلك قبيح عقلا ونقلا، وفضل أئمّتنا وعلمهم مشهور، بل أفضليتهم أظهر من الشمس وأبين من الأمس .

«المسألة 40» يجب أن نعتقد أنّ آباء نبيّنا وأئمّتنا مسلمون أبداً، بل أكثرهم كانوا أوصياء، فالأخبار عند أهل البيت على إسلام أبي طالب مقطوعة


1 . راجع مسند أحمد 1 / 84 ـ 152 و 4 / 281 و 370 و 372 و 5 / 366 ـ 419، سنن الترمذي 5 / 633 .

(274)

وسيرته أدلّة عليه، ومثله مؤمن آل فرعون .

«المسألة 41» الإمام المهدي المنتظر محمّد بن الحسن قد تولّد في زمان أبيه، وهو غائب حي باق إلى بقاء الدنيا، لأنّ كل زمان لابد فيه من إمام معصوم، لما انعقد عليه اجماع الاُمّة على أنّه لا يخلو زمان من حجّة ظاهرة مشهورة، أو خافية مستورة، ولأنّ اللطف في كل زمان واجب، والإمام لطف، فوجوده واجب .

«المسألة 42» لا استبعاد في طول عمره، لأنّ غيره من الاُمم السابقة قد عاش ثلاثة آلاف سنة فصاعداً، كشعيب ونوح ولقمان وخضر وعيسى ـ عليهم السلام ـ وابليس والدجّال، ولأنّ الأمر ممكن، واللّه قادر على جميع الممكنات .

«المسألة 43» غيبة المهدي لا تكون من قبل نفسه، لأنّه معصوم، فلا يخل بواجب، ولا من قبل اللّه تعالى، لأنّه عدل حكيم فلا يفعل القبيح، لأنّ الإخفاء عن الأنظار وحرمان العباد عن الافادات قبيحان. فغيبته لكثرة العدو والكافر، ولقلّة الناصر .

«المسألة 44» لابد من ظهور المهدي، بدليل قول النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «لو لم يبق من الدنيا إلاّ ساعة واحدة لطوّل اللّه تلك الساعة حتّى يخرج رجل من ذرّيتي، اسمه اسمي وكنيته كنيتي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً»(1). ويجب على كل مخلوق متابعته .

«المسألة 45» في غيبة الامام فائدة، كما تنير الشمس تحت السحاب، والمشكاة من وراء الحجاب .


1 . راجع سنن أبي داود 4 / 106 ـ 107، كنز العمال 14 / 264 ـ 267 .

(275)

«المسألة 46» يرجع نبيّنا وأئمّتنا المعصومون في زمان المهدي مع جماعة من الاُمم السابقة واللاحقة، لاظهار دولتهم وحقهم، وبه قطعت المتواترات من الروايات والآيات لقوله تعالى: (وَ يَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ اُمَّة فَوْجاً)(1) فالاعتقاد به واجب .

«المسألة 47» إنّ اللّه يعيد الأجسام الفانية كما هي في الدنيا، ليوصل كل حق إلى المستحقين، وذلك أمر ممكن، والأنبياء أخبروا به، لا سيّما القرآن المجيد مشحون به ولا مجال للتأويل، فالاعتقاد بالمعاد الجسماني واجب .

«المسألة 48» كل ما أخبر به النبي أو الإمام فاعتقاده واجب، كاخبارهم عن نبوّة الأنبياء السابقين، والكتب المنزلة، ووجود الملائكة، وأحوال القبر وعذابه، وثوابه وسؤال منكر ونكير، والاحياء فيه، وأحوال القيامة وأهوالها، والنشور، والحساب والميزان، والصراط، وانطاق الجوارح، ووجود الجنّة والنار والحوض الّذي يسقي منه أميرالمؤمنين العطاشى يوم القيامة، وشفاعة النبي والأئمّة لأهل الكبائر من محبيه إلى غير ذلك، بدليل أنّه أخبر بذلك المعصومون .

«المسألة 49» التوبة ـ وهي الندم على القبيح في الماضي، والترك في الحال، والعزم على عدم المعاودة إليه في الاستقبال ـ واجبة، لدلالة السمع على وجوبها، ولأنّ دفع الضرر واجب عقلا .

«المسألة 50» الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، واجبان، بشرط تجويز التأثير والأمن من الضرر(2).

* * *


1 . النمل / 83. أصل الرجعة اجماعىّ والكيفية الواردة في المتن ليست كذلك .
2 . طبعت الرسالة مع جواهر الفقه للقاضي ابن البراج وفي ضمن الرسائل العشر للشيخ الطوسي ـ قدس سره ـ .


(276)

ماهو الهدف من نقل هذه الرسائل:

1- إنّ هذه الرسائل لدليل واضح على أنّ جلّ عقائد الشيعة، مأخوذة من الكتاب والسنّة وكلمات أئمّتهم، وأنّ الشيعة كانت في أواخر القرن الثاني ذات عقائد منتظمة ومستوعبة لجميع ما يرتبط بالمعارف الإلهية فترى أنّ ما كتبه الإمام الرضا، وما عرضه السيد عبدالعظيم الحسني على الإمام الهادي، هو السائد في هذه الرسائل .

2- يوجد في ثنايا هذه الرسائل آراء خاصّة لمؤلّفيها، ربّما يقع فيها النقاش والجدال والخلاف مع غيرهم من علماء الشيعة، فليس كل ما جاء فيها عقيدة لجميع علماء الشيعة ومؤلّفيهم ولكن المجموع من حيث المجموع تمثّل عقائد الشيعة في مجال صفاته سبحانه وأفعاله، وما يرجع إلى النبوّة والإمامة، والحياة الأخروية، خصوصاً فيما يرجع إلى الاعتقاد بمقامات الأئمّة وصفاتهم. فمن يريد أن يتعرّف على عقائد الشيعة فليرجع إليها بدل الرجوع إلى الكتب المؤلّفة من قبل أعدائهم وخصمائهم .

3- إنّ الإمعان في الاُصول الّتي جاءت في هذه الكتب والرسائل يعرب عن موافقة الشيعة في أكثر المسائل العقائدية لعامّة المسلمين. وربّما يختلفون عنهم في اُصول تختص بمجال الإمامة والقيادة بعد الرسول. وبما أنّ الأشاعرة والمعتزلة كانتا تمثّلان جمهور المسلمين في العصور المتقدّمة. نذكر في المقام الفوارق الجوهرية بين الشيعة والمعتزلة أوّلا، وبين الشيعة و الأشاعرة ثانياً، ثمّ نكمل البحث عن الفوارق الموجودة بينهم وبين سائر الفرق الإسلامية .

الفوارق بين الشيعة والمعتزلة:

إنّ هناك فوارق بين الطائفتين ربّما أشبعنا الكلام فيها في الجزء الرابع من هذه


(277)

الموسوعة، وذكرنا بأنّ من يتّهم الشيعة بأنّهم أخذوا عقائدهم من المعتزلة فهو خاطىء، فنشير في المقام إلى هذه الفوارق على وجه الاجمال، وإن كانت بين الطائفتين اُصول مشتركة ربّما تقف عليها عند بيان الفوارق بين الشيعة والأشاعرة.

1- الشفاعة: أجمع المسلمون كافّة على ثبوت أصل الشفاعة وأنّها تقبل من الرسول الأكرم واختلفوا في تعيين المشفَّع، فقالت الإمامية والأشاعرة: إنّ النبي يشفع لأهل الكبائر باسقاط العقاب عنهم أو باخراجهم من النار، وقالت المعتزلة، لا يشفع إلاّ للمطيعين، المستحقّين للثواب وتكون نتيجة الشفاعة ترفيع الدرجة.

2- مرتكب الكبيرة: عند الامامية والأشاعرة مؤمن فاسق، وقالت المعتزلة: بل منزلة بين المنزلتين .

3- الجنّة والنار: قالت الإمامية والأشاعرة انّهما مخلوقتان الآن بدلالة الشرع على ذلك، وأكثر المعتزلة على أنّهما غير موجودتين .

4- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: اتّفق المسلمون على وجوبهما، فقالت الإمامية والأشاعرة: يجبان سمعاً، ولولا النص لم يكن دليل على الوجوب، خلافاً للمعتزلة الذين قالوا بوجوبهما عقلا .

5- الأحباط: اتّفقت الإمامية والأشاعرة على بطلان الاحباط، وقالوا: لكل عمل حسابه الخاص، ولا ترتبط الطاعات بالمعاصي ولا المعاصي بالطاعات، والاحباط يختص بذنوب خاصة كالشرك وما يتلوه، بخلاف المعتزلة حيث قالوا: إنّ المعصية المتأخّرة تسقط الثواب المتقدم، فمن عبَدَ اللّه طول عمره ثمّ كذب فهو كمن لم يعبد اللّه أبداً .

6- الشرع والعقل: غالت المعتزلة في تمسّكهم بالعقل وغال أهل الظاهر في جمودهم على ظاهر النص وخالفهما الإمامية والأشاعرة، فأعطوا للعقل سهماً فيما


(278)

له مجال القضاء نعم أعطت الإمامية للعقل مجالا أوسع ممّا أعطته الأشاعرة. وسيوافيك تفصيله عند ذكر اختلاف الإمامية مع الأشاعرة .

7- اتفقت الإمامية والأشاعرة على أنّ قبول التوبة بفضل من اللّه ولا يجب عقلا اسقاطها للعقاب. وقالت المعتزلة: إنّ التوبة مسقطة للعقاب على وجه الوجوب .

8- اتفقت الإمامية على أنّ الأنبياء افضل من الملائكة، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك .

9- اتفقت الإمامية على أنّ الإنسان غير مسيّر ولا مفوّض إليه، بل هو في ذلك المجال بين أمرين، بين الجبر والتفويض، وأجمعت المعتزلة على التفويض .

10- اتفقت الامامية والأشاعرة أنّه لابد في أوّل التكليف وابتدائه من رسول، وخالفت المعتزلة وزعموا أنّ العقول تعمل بمجردها عن السمع(1) .

هذه هي الاُصول الّتي خالفت الإمامية فيها المعتزلة ووافقت الأشاعرة، وهناك اُصول اُخرى تجد فيها موافقة الإمامية للمعتزلة ومخالفتها للأشاعرة، وإليك بعضها:

الفوارق بين الإمامية والأشاعرة:

هناك اُصول خالفت الإمامية فيها، الأشاعرة، مخالفة بالدليل والبرهان وتبعاً لأئمّتهم، ونذكر المهم منها:

1- اتّحاد الصفات الذاتية مع الذات: إنّ للّه سبحانه صفاتاً ذاتية كالعلم


1 . لاحظ للوقوف على هذه الاُصول الّتي خالفت الامامية والأشاعرة فيها المعتزلة الجزء الرابع من هذه الموسوعة ص 180 تجد فيه الفوارق الاُخر لم نذكرها اختصاراً .

(279)

والقدرة فهي عند الأشاعرة صفات قديمة مغايرة للذات زائدة عليها، وهي عند الإمامية والمعتزلة متّحدة مع الذات. وقد ذكرنا مضاعفات القول بالزيادة في الجزء الثاني من هذه الموسوعة .

2- الصفات الخبرية الواردة في الكتاب والسنّة، كالوجه والأيدي والاستواء وأمثالها، فالشيعة الإمامية يؤوّلونها تأويلا مقبولا، لاتأويلا مرفوضاً، أي تأخذ بالمفهوم التصديقي للجملة، لا بالمفهوم التصوّري للمفردات، فيقولون إنّ معنى (بَل يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاء))(1) معناه: أنّه بريء من البخل، بل هو باذل وسخي، وقادر على البذل. وأمّا الاشاعرة فهم يفسّرونها بالمفهوم التصوّري ويقولون إنّ للّه سبحانه يدين غير أنّهم يتهرّبون عن التجسيم والتشبيه بقولهم: بلا كيف، وقد أوضحنا مضاعفات هذا القول عند البحث عن عقائدهم في الجزء الثاني .

3- أفعال العباد عند الامامية صادرة من نفس العباد، صدوراً حقيقياً بلا مجاز أو توسّع، فالإنسان هو الضارب، هو الآكل، هو القاتل، هو المصلّي، هو القارئ وهكذا، وقد قلنا: إنّ استعمال كلمة «الخلق» في أفعال الإنسان، استعمال غير صحيح فلا يقال: خلقت الأكل والضرب والصوم والصلاوة، وإنّما يقال: فعلتها فالصحيح أن يقال: إنّ الإنسان هو الفاعل لأفعاله بقدرة مكتسبة من اللّه، وانّ قدرته المكتسبة هي المؤثّرة باذن من اللّه سبحانه .

وأمّا الأشاعرة فذهبوا إلى أنّ أفعال العباد مخلوقة للّه سبحانه، فليس للإنسان فيها صنع ولا دور، وليس لقدرته أي تأثير في تحقّق الفعل، وأقصى ما عندهم أنّ إرادة الإنسان للعقل تقارن ايجاد اللّه سبحانه فعله في عالم التكوين والوجود .


1 . المائدة / 64 .

(280)

ولمّا رأى الشيخ الأشعري وأتباعه أنّ ذلك عبارة عن نفس القول بالجبر، واقصاء الإنسان عن أفعاله، وبالتالي براءته من مسؤوليتها، ابتدعوا نظرية الكسب المعقدة فقالوا: إنّ اللّه هو الخالق والإنسان هو الكاسب، وقد ذكرنا أنّ نظرية الكسب من الألغاز الّتي لم يفهمها مخترعوها .

4- إنّ الاستطاعة في الإنسان على فعل من الأفعال تقارنه تارة، وتتقدّم عليه اُخرى. فلو اُريد من القدرة العلّة التامّة فهي مقارنة، ولو اُريد العلّة الناقصة فهي متقدّمة خلافاً للأشاعرة، فقد قالوا بالتقارن مطلقاً .

5- رؤية اللّه بالأبصار في الآخرة، فهي مستحيلة عند الإمامية والمعتزلة، ممكنة عند الاشاعرة.

6- كلامه سبحانه عند الامامية هو فعله، فهو حادث لا قديم، وهذا خلافاً للأشاعرة: فكلامه عبارة عن الكلام النفسي القائم بذاته، فهو قديم كقدم الذات .

7- التحسين والتقبيح العقليان، ذهبت الامامية إلى أنّ العقل يدرك حسن بعض الأفعال أو قبحها، بمعنى أنّ نفس الفعل من أي فاعل صدر، سواء أكان الفاعل قديماً أو حادثاً، واجباً أو ممكناً، يتّصف بأحدهما فيرى مقابلة الإحسان بالإحسان أمراً حسناً، ومقابلته بالاساءة أمراً قبيحاً، ويتلقّاه حكماً مطلقاً سائداً على مرّ الحقب والأزمان، لا يغيّره شيء، وهذا خلافاً للأشاعرة، فقد عزلوا العقل عن إدراك الحسن والقبيح وبذلك خالفوا الامامية والمعتزلة في الفروع المترتّبة عليه(1) .

هذه هي الاُصول التي تخالف الامامية فيها الأشاعرة وربّما توافقهم المعتزلة في جميعها أو أكثرها. كل ذلك يثبت أنّ للشيعة الامامية منهجاً كلامياً خاصّاً نابعاً من


1 . لاحظ للوقوف على هذه الاُصول المترتّبة على القول بالتحسين والتقبيح العقليين الجزء الثاني من هذه الموسوعة 289 ـ 292 .

(281)

الكتاب والسنّة، وكلمات العترة الطاهرة والعقل فيما له مجال القضاء وليست الشيعة متطفّلة في منهجها الكلامي على أيّة من الطائفتين. وأنت إذا وقفت على الكتب الكلامية المؤلّفة في العصور المتقدّمة من عصر الفضل بن شاذان (ت 260) إلى عصر شيخنا الطوسي (385 ـ 460) ومن بعده بقليل، تجد منهجاً كلامياً مبرهناً متزّناً واضحاً لا تعقيد فيه ولا غموض، وعلى تلك الاُصول وذلك المنهج درج علماؤهم المتأخّرون في الأجيال التالية، فألّف الشيخ الحلبي (374 ـ 447) «تقريب المعارف» والشيخ سديد الدين الحمصي (ت 600) كتابه «المنقذ من التقليد» وتوالى بعدهم التأليف على يد الفيلسوف الكبير نصير الدين الطوسي (597 ـ 672) ومعاصره ابن ميثم البحراني (ت 589) وتلميذه العلاّمة الحلّي (648 ـ 726) وهكذا... كل ذلك يكشف عن أنّ الأئمّة طرحوا اُصول العقائد، وغذّوا أصحابهم وتلاميذهم بمعارف سامية، اُعتبر الحجر الأساس للمنهج الكلامي الشيعي، وتكامل المنهج من خلال الجدل الكلامي والنقاش العلمي في الظروف المتأخّرة فوصل إلى الذروة والقمّة فالناظر في الكتب الكلامية للسيّد الشريف المرتضى كـ «الشافي»(1) و«الذخيرة»(2) يجد منبعاً غنيّاً بالبحوث الكلامية كما أنّ الناظر في كتب العلاّمة الحلّي المختلفة كـ «كشف المراد»(3) و«نهاية المرام»(4) وغيرهما يقف على أفكار سامية أنضجها البحث والنقاش عبر القرون، فبلغت غايتها القصوى .

وقد توالى التأليف في عقائد الشيعة واُصولهم من العصور الاُولى إلى يومنا هذا، ولا يحصيها إلاّ محصي قطرات المطر وذرّات الرمال .


1 . المطبوع في بيروت في أربعة أجزاء .
2 . المطبوع في ايران في جزأين .
3 . الكتاب الدراسي في الجامعات الشيعية .
4 . مخطوط نحتفظ منها بنسخة وهي في يد التحقيق .


(282)

هذا وانّ الشيعة وإن خالفوا في هذه الاُصول طائفة من الطوائف الإسلامية ووافقوا طوائف اُخرى، ولكن هناك اُصول اتّفق الجميع فيها دون استثناء، وهو ظاهر لمن قرأ ما أثبتناه من الرسائل والكتيبات .

أفما آن للمسلمين أن يتّحدوا في ظلال هذه الاُصول المؤلّفة لقلوبهم، ويتظلّلوا بظلالها، ويتمسّكوا بالعروة الوثقى، ويكون شعارهم: انّما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم، وأن لا يصغوا إلى النعرات المفرّقة، المفترية على الشيعة وأئمّتهم، وليكن شعارنا في التأليف: التحقيق والتاكّد من عقائد الآخرين، ثمّ التدوين .

الفوارق بين الشيعة وسائر الفرق:

إذا تعرّفت على الفوارق الموجودة بين الشيعة وبعض طوائف المسلمين، فهلّم معي إلى الفوارق الجوهرية بينهم وبين سائر الطوائف الّتي صيّرتهم إلى فرقتين متمايزتين، وأكثرها يرجع إلى مسألة القيادة والخلافة بعد الرسول الأكرم، فنأخذ بالبحث عنها على وجه الإجمال:


(283)

المسألة الأُولى:

وجوب تنصيب الإمام على اللّه سبحانه

اتّفقت الاُمّة الإسلامية على وجوب نصب الامام، سوى العجاردة من الخوارج، ومعهم حاتم الأصمّ أحد شيوخ المعتزلة (237)(1) فذهب المسلمون إلى وجوب نصب الإمام، إمّا على اللّه سبحانه كما عليه الشيعة، وإمّا على الاُمّة كما عليه غيرهم، فوجوب نصب الامام لا خلاف فيه بين المسلمين، وإنّما الكلام في تعيين من يجب عليه ذلك .

وليس المراد من وجوبه على اللّه سبحانه، هو إصدار الحكم من العباد على اللّه سبحانه، حتّى يقال (إنِ الحُكْمُ إلاّ لِلّهِ)(2) بل المراد كما ذكرنا غير مرّة، أنّ العقل


1 . ادّعت العجاردة بأنّ الواجب على الاُمّة التعاون والتعاضد لإحياء الحق وإماتة الباطل، ومع قيام الاُمّة بهذا الواجب لا يبقى للإمام فائدة تستدعي تسلّطه على العباد، أمّا إذا اختلفت الاُمّة ولم تتعاون على نشر العدل واحقاق الحق فيجب عليها تعيين من يقوم بهذه المهمات، وعلى ذلك فالإمامة لا تجب بالشرع ولا بالعقل، وإنّما تجب للمصلحة أحياناً، وقد تعرّفت على عقيدة الخوارج في الموضوع في الجزء الخامس من هذه الموسوعة .
2 . يوسف / 40 .


(284)

حسب التعرّف على صفاته سبحانه، من كونه حكيماً غير عابث، يكشف عن كون مقتضى الحكمة هو لزوم النصب أو عدمه، وإلاّ فالعباد أقصر من أن يكونوا حاكمين على اللّه سبحانه .

ثمّ إنّ اختلافهم في كون النصب فرضاً على اللّه أو على الاُمّة، ينجم عن اختلافهم في حقيقة الخلافة والامامة عن رسول اللّه. فمن ينظر إلى الامام كرئيس دولة ليس له وظيفة إلاّ تأمين الطرق والسبل، وتوفير الأرزاق، واجراء الحدود، والجهاد في سبيل اللّه، إلى غيرذلك ممّا يقوم به رؤساء الدول باشكالها المختلفة، فقد قال بوجوب نصبه على الاُمّة، إذ لا يشترط فيه من المواصفات إلاّ الكفاءة والمقدرة على تدبير الاُمور وهذا ما يمكن أن تقوم به الاُمّة الإسلامية، وأمّا على القول بأنّ الإمامة استمرار لوظائف الرسالة (لا لنفس الرسالة فانّ الرسالة والنبوّة مختومتان بالتحاق النبي الأكرم بالرفيق الأعلى) فمن المعلوم إنّ تقلّد هذا المقام يتوقّف على توفّر صلاحيات عالية لا ينالها الفرد إلاّ إذا حظي بعناية إلهية خاصة فيخلف النبي في علمه بالاُصول والفروع، وفي سد جميع الفراغات الحاصلة بموته، ومن المعلوم أنّه لا تتعرّف عليه الاُمّة إلاّ عن طريق الرسول، ولا يتوفّر وجوده إلاّ بتربية غيبيّة.

فقد ظهر من ذلك انّ كون القيادة الإسلامية بعد النبي بيداللّه أو بيد الاُمّة، أو انّ التعيين هل هو واجب عليه سبحانه أو عليهم، ينجم عن الاختلاف في ماهية الخلافة .

فمن جعلها سياسة زمنية وقتية يشغلها فرد من الاُمّة بأحد الطرق، قال في حقه: «لا ينخلع الامام بفسقه وظلمه بغصب الاُموال وضرب الابشار، وتناول النفوس المحرمة، وتضييع الحقوق، وتعطيل الحدود، ولا يجب الخروج عليه، بل يجب


(285)

وعظه وتخويفه، وترك طاعته في شيء ممّا يدعوا إليه من معاصي اللّه»(1) .

فمن قال: بأنّ الإمام بعد الرسول أشبه برئيس الدولة والوزراء، تنتخبه الاُمّة الإسلامية قال في حقه: «ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة اُمورنا وإن جاروا، ولا ندعوا عليهم، ولا ننزع يداً من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة اللّه فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعوا لهم بالصلاح والمعافاة. والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين، برّهم وفاجرهم، إلى قيام الساعة، ولا يبطلهما شيء ولا ينقضهما»(2).

وقد درج على هذه الفكرة متكلّمو السنّة ومحدّثوهم، حتّى قال التفتازاني: «ولا ينعزل الامام بالفسق، أو بالخروج عن طاعة اللّه تعالى، والجور (الظلم على عباد اللّه) لأنّه قد ظهر الفسق وانتشر الجور من الأئمّة والاُمراء بعد الخلفاء الراشدين، والسلف كانوا ينقادون لهم، ويقيمون الجمع والأعياد بإذنهم، ولا يرون الخروج عليهم، ونقل عن كتب الشافعية: انّ القاضي ينعزل بالفسق بخلاف الامام، والفرق انّ في انعزاله ووجوب نصب غيره اثارة الفتنة، لما له من الشوكة، بخلاف القاضي»(3).

ومن فسّر الامامة بأنّها عبارة عن إمرة إلهية واستمرار لوظائف النبوّة كلّها سوى تحمّل الوحي الإلهي، فلا مناص له عن القول: بوجوب نصبه على اللّه سبحانه .


1 . التمهيد للقاضي أبي بكر الباقلاني (ت 403): 181 .
2 . العقيدة الطحاوية 379 ـ 387 .
3 . شرح العقائد النسفية: وهي لأبي حفص عمرو بن محمّد النسفي (ت 573) والشرح لسعد الدين التفتازاني (ت 791): 185 ـ 186، ولاحظ في هذا المجال مقالات الاسلاميين للأشعري: 323، واُصول الدين لمحمّد بن عبدالكريم البزدوي إمام الماتريدية: 190 .


(286)

وقد استدلّت الامامية على وجوب نصب الامام على اللّه سبحانه: بأنّ وجود الامام الّذي اختاره اللّه سبحانه، مقرّب من الطاعات، ومبعد عن المعاصي وقد أوضحوه في كتبهم الكلامية. والمراد من اللطف المقرب هنا ما عرفت من أنّ رحلة النبي الأكرم تترك فراغات هائلة بين الاُمّة في مجالي العقيدة والشريعة، كما تترك جدالا ونزاعاً عنيفاً بين الاُمّة في تعيين الامام. فالواجب على اللّه سبحانه من باب اللطف هو سدّ هذه الفراغات بنصب من هو صنو النبي الأكرم في علمه بالعقيدة والشريعة، وفي العدالة والعصمة، والتدبير والحنكة، وحسم مادة النزاع المشتعل برحلة الرسول، ولمّ شعث الاُمّة، وجمعهم على خط واحد .

والعجب انّ المعتزلة ممّن تقول: بوجوب اللطف والأصلح على اللّه سبحانه، ولكنّهم لم يلتزموا بها في المقام، مع العلم بأنّ المورد من جزئياته، والّذي منعهم عن الالتزام بالقاعدة في المقام بأنّهم لو قالوا بها في هذه المسألة لزمهم أن يقولوا بعدم صحة خلافة الخلفاء المتقدمين على علىّ، لأنّ قاعدة اللطف تقتضي أن يكون الخليفة منصوصاً عليه من اللّه سبحانه .

ثمّ إنّك تعرّفت على أنّ الرسول الأكرم بوحي من اللّه سبحانه، قام بتطبيق القاعدة، ونصب إماماً للاُمّة، ليقود أمرهم ويسد جميع الفراغات الحاصلة بلحوقه بالرفيق الأعلى، وبذلك حسم مادة النزاع، وقطع الطريق على المشاغبين، ولكنّه ـ وللأسف ـ تناست الاُمّة وصية الرسول وأمره، فانقسموا إلى طوائف وأحزاب، وقامت بينهم المعارك والحروب الّتي اُريقت فيها الدماء واستبيحت الأعراض، وتبدّلت المفاهيم، واختلفت القيم، ومازال ولم تزل معاناة الاُمّة من هذا الانشقاق، وأصبح التقريب فضلا عن الوحدة أمراً متعسّراً على المفكرين، نسأل اللّه سبحانه أن يسد تلك الفجوة العميقة بايقاظ شعور علماء الاُمّة ومصلحيهم في المستقبل .


(287)

المسألة الثانية:

عصمة الإمام

تفرّدت الامامية من بين الفرق الإسلامية بوجوب عصمة الامام من الذنب والخطأ، مع اتّفاق غيرم على عدمه .

قال الشيخ المفيد: إنّ الأئمّة معصومون كعصمة الأنبياء، ولا تجوز عليهم صغيرة إلاّ ما قدم ذكر جوازه على الأنبياء، ولا تجوز عليهم صغيرة إلاّ ما قدم ذكر جوازه على الأنبياء، ولا ينسون شيئاً من الأحكام، ولا يدخل في مفهوم العصمة سلب القدرة عن المعاصي، ولا كون المعصوم مضطراً إلى فعل الطاعات، فإنّ ذلك يستدعي بطلان الثواب والعقاب، هذه هي عقيدة الامامية في الامامة، وقد استدلّوا عليه بوجوه من العقل والسمع. أمّا العقل فقالوا: إنّ الامام منفذ لما جاء به الرسول، وحافظ للشرع، وقائم بمهام الرسول كلّها، فلو جاز عليه الخطأ والكذب، لا يحصل الغرض من إمامته .


(288)

حقيقة العصمة:

العصمة قوة تمنع صاحبها من الوقوع في المعصية والخطأ، حيث لا يترك واجباً، ولا يفعل محرَّماً مع قدرته على الترك والفعل، وإلاّ لم يستحق مدحاً ولا ثواباً، وإن شئت قلت: إنّ المعصوم قد بلغ من التقوى حدّاً لا تتغلَّب عليه الشهوات والأهواء، وبلغ من العلم في الشريعة وأحكامها مرتبةً لا يخطأ معها أبداً.

وليست العصمة شيئاً ابتدعتها الشيعة، وإنّما دلَّهم عليهما في حق العترة الطاهرة، كتاب اللّه وسنّة رسوله. قال سبحانه: (إنَّما يُريدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرِكُمْ تَطْهِيراً))(1) وليس المراد من الرجس إلاّ الرجس المعنوي وأظهره هو الفسق. وقال الرسول: «علي مع الحق والحق مع عليٍّ يدور معه كيفما دار»(2) ومن دار معه الحق كيفما دار، محال أن يعصي أو أن يخطأ، وقول الرسول في حق العترة: «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا أبدا»(3) فاذا كانت العترة عدل القرآن تصبح معصومة كالكتاب، لا يخالف أحدهما الآخر، وليس القول بعصمة العترة بأعظم من القول بكون الصحابة كلّهم عدول .

وليس للقول بالعصمة في حق العترة منشأ سوى الكتاب والسنّة، وسيوافيك بعض دلائلهم .

نعم شذَّ من قال انّ عقيدة العصمة تسرّبت إلى الشيعة من الفرس الذين نشأوا


1 . الأحزاب / 33 .
2 . حديث مستفيض، رواه الخطيب في تاريخه 14 / 321 والهيثمي في مجمعه 7 / 236 وغيرهما.
3 . حديث متواتر أخرجه مسلم في صحيحه، والدارمي في فضائل القرآن وأحمد في مسنده 2 / 114 وغيرهم .


(289)

على تقديس الحاكم، لهذا أطلق عليها العرب النزعة الكسروية، ولا أعرف أحداً من العرب قال ذلك في حدود اطلاعي، ولعلّ غالبية الشيعة كانت ترمي من وراء هذه الفكرة إلى تنزيه علي من الخطأ حتّى يتّضح للملأ عدوان بني أمية في اغتصاب الخلافة. هذا وفي اليهودية كثير من المذاهب الّتي تسرَّبت إلى الشيعة(1) .

هب انّ عصمة الامام تسرّبت إلى الشيعة من الطريق الّذي أشار إليه الكاتب فمن أين تسرّبت عصمة النبي الّتي يقول بها أهل السنّة جميعاً في التبليغ وبيان الشريعة، فهل هذه الفكرة تسرّبت إلى أهل السنّة من اليهود .

لا واللّه إنّها عقيدة اسلامية واقتبسها القوم من الكتاب والسنّة من دون أخذ من اليهود والفرس، فما ذكره الكاتب تخرُّص على الغيب، بل فرية واضحة .

إنّ الاختلاف في لزوم توصيف الامام وعدمه، ينشأ من الاختلاف في تفسير الامامة بعد الرسول وماهيتها وحقيقتها فمن تلقّى الامامة ـ بعد الرسول ـ بأنّها مقام عرفي لتأمين السبل، وتعمير البلاد واجراء الحدود، فشأنه شأن سائر الحكّام العرفيين. وأمّا من رأى الامامة بأنّها استمرار لتحقيق وظيفة الرسالة وأنّ الامام ليس بنبىّ ولا يوحى إليه، لكنّه مكلّف بملء الفراغات الحاصلة برحلة النبي، فلا محيص له عن الالتزام بها، لأنّ الغاية المنشودة لا تحصل بلا تسديد إلهي كما سيوافيك، نعم إنّ أهل السنّة يتحرَّجون من توصيف الامام بالعصمة ويتخيِّلون أنّ ذلك يلازم النبوّة وما هذا إلاّ أنّهم لا يفرّقون بين الإمامتين ولكل معطياته والتفصيل موكول إلى محلّه .


1 . الدكتور نبيه حجاب: مظاهر الشعوبية في الأدب العربي 492، كما في هوية التشيع 166 .

(290)

الدليل على لزوم عصمة الامام بعد النبىّ:

استدل على لزوم العصمة في الامام بوجوه نأتي بها.

الأوّل: انّ الامامة إذا كانت استمراراً لوظيفة النبوة والرسالة، وكان الامام يملأ جميع الفراغات الحاصلة جرّاء رحلة النبي الأكرم، فلا مناص من لزوم عصمته، وذلك لأنّ تجويز المعصية يتنافى مع الغاية الّتي لأجلها نصبه اللّه سبحانه إماماً للاُمّة، فانّ الغاية هي هداية الاُمّة إلى الطريق المهيع، ولا يحصل ذلك إلاّ بالوثوق بقوله، والاطمئنان بصحة كلامه، فاذا جاز على الامام الخطأ والنسيان، والمعصية والخلاف، لم يحصل الوثوق بأفعاله وأقواله، وضعفت ثقة الناس به، فتنتفي الغاية من نصبه، وهذا نفس الدليل الّذي استدلّ به المتكلمون على عصمة الأنبياء، والامام وإن لم يكن رسولا ولا نبيّاً ولكنّه قائم بوظائفهما .

نعم لو كنت وظيفة الامام مقتصرة بتأمين السبل وغزو العدو و الانتصاف للمظلوم وما أشبه ذلك، لكفى فيه كونه رجلا عادلا قائماً بالوظائف الدينية، وأمّا إذا كانت وظيفته أوسع من ذلك كما هو الحال في مورد النبىّ، فكون الامام عادلا قائماً بالوظائف الدينية، غير كاف في تحقيق الهدف المنشود من نصب الامام .

فقد كان النبي الأكرم يفسّر القرآن الكريم ويشرح مقاصده وأهدافه ويبيّن أسراره .

كما كان يجيب على الأسئلة في مجال الموضوعات المستحدثة وكان يردّ على الشبهات والتشكيكات الّتي كان يلقيها أعداء الإسلام .

وكان يصون الدين من محاولات التحريف والتغيير .

وكان يربّي المسلمين ويهذّبهم ويدفعهم نحو التكامل .

فالفراغات الحاصلة برحلة النبي الأكرم لا تسدّ إلاّ بوجود انسان مثالي تقوم


(291)

بتلك الواجبات وهو فرع كونه معصوماً عن الخطأ والعصيان(1) .

الثاني: قوله سبحانه: (أطِيعُوا اللّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وَ اُولِى الأمْرِ مِنْكُمْ)(2) .

والاستدلال مبني على دعامتين:

1- إنّ اللّه سبحانه أمر بطاعة اُولي الأمر على وجه الاطلاق، إي في جميع الأزمنة والأمكنة، وفي جميع الحالات والخصوصيات، ولم يقيّد وجوب امتثال أوامرهم ونواهيهم بشيء كما هو مقتضى الآية .

2- إنّ من البديهي أنّه سبحانه لا يرضى لعباده الكفر والعصيان (ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْر)(3) من غير فرق بين أن يقوم به العباد ابتداءً من دون تدخّل أمر آمر أو نهي ناه، أو يقومون به بعد صدور أمر ونهي من اُولي الأمر .

فمقتضى الجمع بين هذين الأمرين (وجوب اطاعة اُولي الأمر على وجه الاطلاق، وحرمة طاعتهم إذا أمروا بالعصيان) أن يتّصف أولي الأمر الذين وجبت اطاعتهم على وجه الاطلاق، بخصوصية ذاتية وعناية إلهية ربّانية، تصدّهم عن الأمر بالمعصية والنهي عن الطاعة. وليس هذا إلاّ عبارة أُخرى عن كونهم معصومين، وإلاّ فلو كانوا غير واقعين تحت تلك العناية، لما صحّ الأمر باطاعتهم على وجه الاطلاق ولما صحَّ الأمر بالطاعة بلا قيد وشرط. فتستكشف من إطلاق الأمر بالطاعة، اشتمال المتعلّق على خصوصية تصدّه عن الأمر بغير الطاعة .

وممّن صرّح بدلالة الآية على العصمة الامام والرازي في تفسيره، ويطيب لي


1 . هذا اجمال ما أوضحناه في بحوثنا الكلامية فلاحظ الإلهيات 2 / 528 ـ 539 .
2 . النساء / 59 .
3 . الزمر / 7 .


(292)

أن أذكر نصَّه حتّى يمعن فيه أبناء جلدته وأتباع طريقته قال:

إنّ اللّه تعالى أمر بطاعة اُولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية، ومن أمر اللّه بطاعته على سبيل الجزم والقطع، لابد وأن يكون معصوماً عن الخطأ، إذ لو لم يكن معصوماً عن الخطأ كان بتقدير اقدامه على الخطأ يكون قد أمر اللّه بمتابعته، فيكون ذلك أمراً بفعل ذلك الخطأ، والخطأ لكونه خطأ منهى عنه، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد، وأنّه محال، فثبت أنّ اللّه تعالى أمر بطاعة اُولي الأمر على سبيل الجزم، وثبت أنّ كل من أمر اللّه بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوماً عن الخطأ، فثبت قطعاً أنّ اُولي الأمر المذكور في هذه الآية لابد وأن يكون معصوماً(1) .

ولمّا وقف الرازي على تمامية دلالة الآية على عصمة اُولي الأمر، وهي لا توافق مذهبه في الامامة حاول أن يؤول الآية بما يوافقه مع أنّ الواجب على أمثاله، أن يتعرّف على «اُولي الأمر» الّذي استظهر من الآية كونهم معصومين، ولكنّه زلّت قدمه، ولم يستغل هذه الفكرة، ولم يستثمرها، فأخذ يتهرّب من نتائج الفكرة بالقول بأنّا عاجزون عن معرفة الامام المعصوم، عاجزون عن الوصول إليه، عاجزون عن استفادة الدين والعلم منه، فاذا كان الأمر كذلك فالمراد ليس بعضاً من أبعاض الاُمّة، بل المراد هو أهل الحل والعقد من الاُمّة .

يلاحظ عليه: بأنّه إذا دلّت الآية على عصمة اُولي الأمر فيجب علينا التعرّف عليهم، وادّعاء العجز، هروب من الحقيقة فهل العجز يختص بزمانه أو كان يشمل زمان نزول الآية، لا أظن أن يقول الرازي بالثاني فعليه أن يتعرّف على المعصوم في زمان النبىّ وعصر نزول الآية، فبالتعرّف عليهم، يعرف معصوم زمانه، حلقة بعد


1 . مفاتيح الغيب 10 / 144 .

(293)

أخرى، ولا يعقل أن يأمر الوحي الإلهي باطاعة المعصوم ثم لا يقوم بتعريفه حين النزول، فلو آمن الرازي بدلالة الآية على عصمة اُولي الأمر، لكان عليه أن يؤمن بقيام الوحي الإلهي على تعريفهم بلسان النبي الأكرم .

إذ لا معنى أن يأمر اللّه سبحانه باطاعة المعصوم، ولا يقوم بتعريفه .

ثمّ إنّ تفسير «اُولي الأمر» بأهل الحل والعقد، تفسير للغامض ـ حسب نظر الرازي ـ بالأغمض إذ هو ليس بأوضح من الأول، فهل المراد منهم: العساكر والضباط، أو العلماء والمحدّثون، أو الحكام والسياسيون أو الكل. وهل اتّفق اجماعهم على شيء، ولم يخالفهم لفيف من المسلمين .

إذا كانت العصمة ثابتة للاُمّة عند الرازي كما علمت، فهناك من يرى العصمة لجماعة من الاُمّة كالقراء والفقهاء والمحدّثين، هذا هو ابن تيمية يقول في ردّه على الشيعة عند قولهم : انّ وجود الامام المعصوم لابدّ منه بعد موت النبي يكون حافظاً للشريعة ومبيّناً أحكامها خصوصاً أحكام الموضوعات المتجدّدة، يقول: إنّ أهل السنّة لا يسلمون أن يكون الامام حافظاً للشرع بعد انقطاع الوحي، وذلك لأنّ ذلك حاصل للمجموع، والشرع إذا نقله أهل التواتر كان ذلك خيراً من نقل الواحد، فالقرّاء معصومون في حفظ القرآن وتبليغه، والمحدّثون معصومون في حفظ الأحاديث وتبليغها، والفقهاء معصومون في الكلام والاستدلال(1) .

يلاحظ عليه: كيف يدّعي العصمة لهذه الطوائف مع أنّهم غارقين في الاختلاف في القراءة والتفسير، و الحديث والأثر، والحكم والفتوى، والعقيدة والنظر، ولو أغمضنا عن ذلك فما الدليل على عصمة تلكم الطوائف خصوصاً على قول القائل بأنّ القول بالعصمة تسرّب من اليهود إلى الأوساط الإسلامية .


1 . ابن تيمية: منهاج السنّة كما في نظرية الامامية 120 .

(294)

الثالث: قوله سبحانه: (وإذِ ابْتَلى إبراهيمَ رَبُّهُ بِكَلِمات فَأتَمَّهُنَّ قالَ إنِّى جاعِلُكَ لِلنّاسِ إماماً قالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتى قالَ لا يَنالُ عَهْدِى الظّالِمينَ)(1) .

والاستدلال بالآية على عصمة الامام، يتوقّف على تحديد مفهوم الامامة الواردة في الآية والمقصود منها غير النبوّة وغير الرسالة، فأمّا الأوّل فهو عبارة عن منصب تحمّل الوحي، والثاني عبارة عن منصب ابلاغه إلى الناس. والإمامة المعطاة للخليل في اُخريات عمره غير هذه وتلك، لأنّه كان نبياً ورسولا وقائماً بوظائفهما طيلة سنين حتّى خوطب بهذه الآية، فالمراد من الإمامة في المقام هو منصب القيادة، وتنفيذ الشريعة في المجتمع بقوة وقدرة. ويعرب عن كون المراد من الامامة في المقام هو المعنى الثالث، قوله سبحانه:(أمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى مَا آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ و آتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظيماً)(2) .

فالإمامة الّتي أنعم بها اللّه سبحانه على الخليل وبعض ذرّيته، هي الملك العظيم الوارد في هذه الآية. وعلينا الفحص عن المراد بالملك العظيم، إذ عند ذلك يتّضح أنّ مقام الامامة، وراء النبوّة والرسالة، وانّما هو قيادة حكيمة، وحكومة إلهية، يبلغ المجتمع بها إلى السعادة. واللّه سبحانه يوضح حقيقة هذا الملك في الآيات التالية:

1- يقول سبحانه ـ حاكياً قول يوسف ـ عليه السلام ـ : (رَبِّ قَدْ اَتَيْتَنِى مِنَ المُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِنْ تَأويلِ الأحاديثِ)(3) ومن المعلوم أنّ الملك الّذي منّ به


1 . البقرة / 124 .
2 . النساء / 54 .
3 . يوسف / 101 .


(295)

سبحانه على عبده يوسف، ليس النبوّة، بل الحاكمية حيث صار أميناً مكيناً في الأرض. فقوله: (وعلمتني من تأويل الأحاديث) اشارة إلى نبوّته، والملك اشارة إلى سلطته وقدرته .

2- ويقول سبحانه في داود ـ عليه السلام ـ : (وَ آتاهُ اللّهُ المُلْكَ وَ الحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشآءُ)(1)ويقول سبحانه: (وَ شَدَدْنَا مُلْكَهُ وآتَيْنَاهُ الحِكْمَةَ وَفَصْلَ الخِطَابِ)(2) .

3- ويحكي اللّه تعالى عن سليمان أنّه قال: (وَهَبْ لِى مُلْكاً لا يَنْبَغِى لأحَد مِنْ بَعْدِى إنَّكَ أنْتَ الوَهَّابُ)(3) .

فملاحظة هذه الآيات يفسر لنا حقيقة الامامة، وذلك بفضل الاُمور التالية:

أ ـ إنّ إبراهيم طلب المامة لذريته، وقد أجاب سبحانه دعوته في بعضهم.

ب ـ إنّ مجموعة من ذرّيته، كيوسف وداود وسليمان، نالوا ـ وراء النبوّة والرسالة ـ منصب الحكومة والقيادة .

ج ـ إنّه سبحانه أعطى آل ابراهيم الكتاب، والحكمة، والملك العظيم .

فمن ضم هذه الاُمور بعضها إلى بعض، يخرج بهذه النتيجة: انّ ملاك الإمامة في ذرّية إبراهيم، هو قيادتهم وحكمهم في المجتمع، وهذه هي حقيقة الامامة، غير أنّها ربّما تجتمع مع المقامين الاُخريين، كما في الخليل، ويوسف، وداود، وسليمان، وغيرهم، وربّما تنفصل عنهما كما في قوله سبحانه: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أحَقُّ )


1 . البقرة / 251 .
2 . ص / 20 .
3 . ص / 35 .


(296)

بِالمُلكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المَالِ قَالَ إنَّ اللّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُم وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي العِلْمِ وَ اللّهُ يُؤْتِى مُلْكَهُ مَنْ يَشآءُ وَ اللّهُ واسِعٌ عَليمٌ))(1) .

والامامة الّتي يتبنّاها المسلمون بعد رحلة النبي الأكرم، تتّحد واقعيتها مع هذه الامامة .

ما هو المراد من الظالم:

قد تعرّفت على المقصود من جعل الخليل اماماً إماماً للناس، وانّ المراد هو القيادة الإلهية، وسوق الناس إلى السعادة بقوّة وقدرة ومنعة. بقي الكلام في تفسير الظالم الّذي ليس له من الإمامة سهم، فنقول:

لمّا خلع سبحانه ثوب الامامة على خليله، ونصبه للناس، ودعا إبراهيم أن يجعل من ذرّيته إماماً، اُجيب بأنّ الامامة منصب إلهي، لا يناله الظالمون، لأنّ الإمام هو المطاع بين الناس، المتصرّف في الأموال والنفوس، فيجب أن يكون على الصراط السويّ، والظالم المتجاوز عن الحد لا يصلح لهذا المنصب .

إنّ الظالم الناكث لعهد اللّه، والناقض لقوانينه وحدوده، على شفا جرف هار، لا يؤتمن عليه ولا تلقى إليه مقاليد الخلافة، لأنّه على مقربة من الخيانة والتعدي، وعلى استعداد لأن يقع أداة للجائرين، فكيف يصحّ في منطق العقل أن يكون إماماً مطاعاً، نافذ القول، مشروع التصرّف. وعلى ذلك، فكل من ارتكب ظلماً وتجاوز حداً في يوم من أيام عمره، أو عبد صنماً، أو لاذ إلى وثن، وبالجملة ارتكب ما هو حرام فضلا عمّا هو شرك وكفر، ينادى من فوق العرش في حقه: (لا ينال عهدي الظالمين)) من غير فرق بين صلاح حالهم بعد تلك الفترة، أو البقاء على ما كانوا عليه .


1 . البقرة / 247 .

(297)

نعم اعترض «الجصاص» على هذا الاستدلال وقال: «إنّ الآية إنّما تشمل من كام مقيماً على الظلم وأمّا التائب منه فلا يتعلّق به الحكم، لأنّ الحكم إذا كان معلّقاً على صفة، وزالت تلك الصفة، زال الحكم. ألاترى أنّ قوله: (وَ لا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا))(1) إنّا ينهى عن الركون إليهم ما أقاموا على الظلم، فقوله تعالى: (وَ لا يَنال عَهدِى الظّالِمينَ)) لم ينف به العهد عمّن تاب عن ظلمه، لأنّه في هذه الحاله لا يسمّى ظالماً، كما لا يسمّى من تاب من الكفر كافراً»(2) .

يلاحظ عليه: أنّ قوله «الحكم يدور مدار وجود الموضوع» ليس ضابطاً كلياً، بل الأحكام على قسمين، قسم كذلك، وآخر يكفي فيه اتّصاف الموضوع بالوصف والعنوان آناً ما، ولحظة خاصة، وإن انتفى بعد الاتّصاف، فقوله: «الخمر حرام»، أو: «في سائمة الغنم زكاة» من قبيل القسم الأوّل، وأمّا قوله: «الزاني يحد»، و «السارق يقطع» فالمراد منه انّ الإنسان المتلبّس بالزنا أو السرقة يكون محكوماً بهما وإن زال العنوان، وتاب السارق والزاني، ومثله: «المستطيع يجب عليه الحج» فالحكم ثابت، وإن زالت عنه الاستطاعة عن تقصير لا عن قصور .

وعلى ذلك فالمدعى أنّ «الظالمين» في الآية المباركة كالسارق والسارقة والزاني والزانية والمستطيع واُمّهات نسائكم في الآيات الراجعة إليهم .

نعم المهم في المقام، اثبات أنّ الموضوع في الآية من قبيل الثاني، وأنّ التلبّس بالظلم ولو آناً ما، يسلب عن الإنسان صلاحية الامامة، وإن تاب من ذنبه، فإنّ الناس بالنسبة إلى الظلم على أقسام أربعة:

1- من كان طيلة عمره ظالماً .


1 . هود / 113 .
2 . تفسير آيات الأحكام 1 / 72 .


(298)

2- من كان طاهراً ونقياً في جميع فترات عمره.

3- من كان ظالماً في بداية عمره، وتائباً في آخره .

4- من كان طاهراً في بداية عمره، وظالماً في آخره .

عند ذلك يجب أن نقف عن أنّ إبراهيم ـ عليه السلام ـ ، الّذي سأل الإمامة لبعض ذريته أىّ قسم منها أراد؟

حاشا إبراهيم أن يسأل الإمامة للقسم الأوّل، والرابع من ذريته، لوضوح انّ الغارق في الظلم من بداية عمره إلى آخره، أو المتّصف به أيام تصدّيه للإمامة، لا يصلح لأن يؤتمن عليها .

بقي القسمان الآخران، الثاني والثالث، وقد نص سبحانه على أنّه لا ينال عهده الظالم، والظالم في هذه العبارة لا ينطبق إلاّ على القسم الثالث، أعني من كان ظالماً في بداية عمره، وكان تائباً حين التصدي .

فإذا خرج هذا القسم، بقي القسم الثاني، وهو من كان نقي الصحيفة طيلة عمره، ولم ير منه لا قبل التصدّي ولا بعده أي انحراف عن جادة الحق، ومجاوزة للصراط السوي. وهو يساوي المعصوم .

العصمة في القول والراي:

إنّ الأئمة معصومون عن العصيان والمخالفة أوّلا، وعن الخطأ والزلة في القول ثانياً وما ذلك إلاّ لأنّ كلّ إمام من الأوّل إلى الثاني عشر، قد أحاط إحاطة شاملة كاملة بكل ما في هذين الأصلين بحيث لا يشذ عن علمهم معنى آية من آي الذكر الحكيم تنزيلا وتأويلا، ولا شيء من سنّة رسول اللّه قولا وفعلا وتقريراً و كفى بمن أحاط بعلوم الكتاب والسنّة فضلا وعلماً. ومن هنا كانوا قدوة الناس جميعاً بعد جدّهم الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .


(299)

وقد أخذ أهل البيت علوم الكتاب و السنّة وفهموها عن رسول اللّه تماماً(1) كما أخذها ووعاها رسول اللّه عن جبرائيل، وكما وعاها جبرائيل عن اللّه، ولا فرق أبداً في شيء إلاّ بالواسطة، وقال الشاعر الإمامي في هذا المعنى:

إذا شئت أن تبغي لنفسك مذهبا * ينجيك يوم البعث من لهب النار

فدع عنك قول الشافعي ومالك * وأحمد والمروى عن كعب أحبار

و وال اُناساً نقلهم وحديثهم * روى جدّنا عن جبرئيل عن الباري

أخذ علىّ عن النبيّ، وأخذ الحسنان عن أبيهما، وأخذ علي بن الحسين عن أبيه، وهكذا كل إمام يأخذ العلم عن إمام، ولم ترو أصحاب السير والتواريخ أنّ أحداً من الأئمّة الإثنا عشر أخذ عن صحابي أو تابعي، فقد أخذ الناس العلم عنهم، ولم يأخذوه عن أحد، وقال الامام الباقر ـ عليه السلام ـ : لو كنّا نحدّث الناس برأينا وهوانا لهلكنا ولكن نحدّثهم بأحاديث نكنزها عن رسول اللّه كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضتهم .(2)


1 . أو الهاماً غيبياً لأنّهم محدّثون، كما أنّ مريم كانت محدّثة، وفي صحيح البخاري: عن أبي هريرة قال: قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): لقد كان فيمن قبلكم من بني إسرائيل رجال يُكلمون من غير أن يكونوا أنبياء فان كان من اُمتي منهم أحد فعمر. صحيح البخاري 2 / 194 باب مناقب عمر بن الخطاب .
2 . محمّد جواد مغنية: الشيعة والتشيّع 44 .


(300)


(301)

المسألة الثالثة:

الإمام المنتظر

إنّ الاعتقاد بالامام المهدي المنتظر عقيدة مشتركة بين جميع المسلمين، إلاّ من أصمّه اللّه، فكل من كان له إلمام بالحديث يقف على تواتر البشارة عن النبي وآله واصحابه، بظهور المهدي في آخر الزمان لا زالة الجهل والظلم، ونشر اعلام العلم والعدل، واعلاء كلمة الحق واظهار الدين كلّه، ولو كره المشركون، وهو باذن اللّه ينجي العالم من ذُلِّ العبودية لغير اللّه، ويبطل القوانين الكافرة الّتي سنّتها الأهواء، ويقطع أوامر التعصبات القومية والعنصرية، ويميت أسباب العداء والبغضاء الّتي صارت سبباً لاختلاف الاُمّة واضطراب الكلمة، واشتعال نيران الفتن والمنازعات، ويحقق اللّه بظهوره وعده الّذي وعد به المؤمنين بقوله:

(وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخلِفَنَّهُمْ فِى الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَُيمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِى ارْتَضى لَهُمْ)


(302)

وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ اَمْناً يَعْبُدُونَنِى لا يُشْرِكُونَ بِى شَيئاً وَ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَاُولئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ))(1) .

وقال سبحانه (وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِى الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادىَ الصَّالِحُونَ)) (2) هذا ما اتّفق عليه المسلمون في الصدر الأوّل والأزمنة اللاحقة، وقد تضافر مضمون قول الرسول الأكرم: «لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد، لطوّل اللّه ذلك اليوم حتّى يخرج رجل من ولدي، فيملأها عدلا وقسطاً كما ملئت ظلماً وجورا» .

ولو وجد هناك خلاف بين أكثر السنّة والشيعة، فالاختلاف في ولادته، فانّ الأكثرية من أهل السنّة يقولون بأنّه سيولد في آخر الزمان، والشيعة بفضل هذه الروايات، تذهب إلى أنّه ولد في «سرّ من رأى» عام 255، وغاب بأمر اللّه سبحانه سنة وفاة والده، عام 260، وهو يحيى حياة طبيعية كسائر الناس، غير أنّ الناس يرونه ولا يعرفونه، وسوف يظهره اللّه سبحانه ليحقق عدله .

وهذا المقدار من الاختلاف لا يجعل العقيدة بالمهدي عقيدة خلافية، ومن أراد أن يقف على عقيدة السنّة والشيعة في مسألة المهدي فعليه أن يرجع إلى الكتب التالية لمحقّقي السنّة ومحدّيثهم:

1- «صفة المهدي» للحافظ أبي نعيم الاصفهاني .

2- «البيان في أخبار صاحب الزمان» للكنجي الشافعي .

3- «البرهان في علامات مهدي آخر الزمان» لمّلا علي المتقي .

4- «العرف الوردي في أخبار المهدي» للحافظ السيوطي .


1 . النور / 55 .
2 . الأنبياء / 105 .


(303)

5- «القول المختصر في علامات المهدي المنتظر» لابن حجر .

6- «عقد الدرر في أخبار الامام المنتظر» للشيخ جمال الدين الدمشقي .

ومن أراد التفصيل فليرجع إلى «منتخب الأثر في الامام الثاني عشر» للعلاّمة الصافي ـ دام ظلّه - .

ولم ير أحد الضعف في أخبار الامام المهدي، إلاّ ابن خلدون في مقدّمته، وقد فنّد مقالته محمّد صديق برسالة أسماها «إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون» وقد كتب أخيراً الدكتور عبدالباقي كتاباً قيّماً في الموضوع أسماه «بين يدي الساعة» فيقول في تضافر الأخبار الواردة في حق المهدي:

«إنّ المشكلة ليست في حديث أو حديثين أو راوأو راويين، انّها مجموعة من الأحاديث والأخبار تبلغ الثمانين تقريباً، اجتمع على تناقلها مئات الرواة، وأكثر من صاحب كتاب صحيح .

فلماذا نرد كل هذه الكمّية؟ أكلّها فاسدة؟ لو صحّ هذا الحكم لانهار الدين ـ والعياذ باللّه ـ نتيجة تطرق الشك والظن الفاسد إلى ما عداها من سنّة رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

ثمّ إنّي لا أجد خلافاً حول ظهور المهدي، أو حول حاجة العالم إليه، وإنّما الخلاف حول من هو، حسني أو حسيني؟ سيكون في آخر الزمان، أو موجود الآن ،خفى وسيظهر؟ ظهر أو سيظهر؟ ولا عبرة بالمدّعين الكاذبين، فليس لهم اعتبار .

ثمّ إنّي لا أجد مناقشة موضوعية في متن الأحاديث، والّذي أجده، إنّما هو مناقشة وخلاف حول السند، واتّصاله وعدم اتّصاله ، ودرجة رواته، ومن خرّجوه، ومن قالوا فيه .

وإذا نظرنا إلى ظهور المهدي، نظرة مجرّدة، فإنّنا لا نجد حرجاً من قبولها


(304)

وتصديقها، أو على الأقل عدم رفضها. فإذا ما تؤيّد ذلك بالأدلّة الكثيرة، والأحاديث المتعددة، ورواتها مسلمون مؤتمنون، والكتب الّتي نقلتها إلينا كتب قيمة، والترمذي من رجال التخريج والحكم، بالاضافة إلى أنّ أحاديث المهدي لها، ما يصحّ أن يكون سنداً لها في البخاري ومسلم، كحديث جابر في مسلم الّذي فيه: «فيقول أميرهم (أي لعيسى): تعال صلّ بنا»(1)، وحديث أبي هريرة في البخاري، وفيه: «كيف بكم إذا نزل فيكم المسيح ابن مريم وإمامكم منكم»(2)، فلا مانع من أن يكون هذا الأمير، وهذا الامام هو المهدي .

يضاف إلى هذا انّ كثيراً من السلف رضي اللّه عنهم، لما يعارضوا هذا القول، بل جاءت شروحهم وتقريراتهم موافقة لا ثبات هذه العقيدة عند المسلمين»(3).


1 . صحيح مسلم 1 (باب نزول عيسى) 59 .
2 . صحيح البخاري 14 / 334 .
3 . بين يدي الساعة للدكتور عبدالباقي 123 ـ 125 .


(305)

المسألة الرابعة:

القول بالبداء

إنّ من العقائد الثابتة عند الشيعة الامامية، هو القول بالبداء، ومن الكلمات الدارجة بين علمائهم انّ النسخ والبداء صنوان، غير أنّ الأوّل في التشريع والثاني في التكوين، وقد اشتهرت بالقول به، كاشتهارها بالقول بالتقية وجواز متعة النساء وصار القول بهذه الاُمور الثلاثة من خصائصهم وقد أنكرت عليهم السنّة أشد الانكار خصوصاً في مسألة البداء ولكنّهم لو كانوا واقفين على مراد الشيعة من تجويز البداء على اللّه لتوقّفوا عن الاستنكار، ولأعلنوا الوفاق، وأقول عن جد: لو اُتيحت الفرصة لعلماء الفريقين للبحث عن النقاط الخلافية بعيداً عن التعصب والأنحياز لتجلّى الحق بأجلى مظاهره، ولا عترفوا بصحة مقالة الشيعة، غير أنّ تلك اُمنية لا تتحقق إلاّ في فترات خاصة، وقد سألني أحد علماء أهل السنّة عن حقيقة البداء، فأجبته باجمال ما أُفصّله في هذا المقام، فتعجّب عن اتقان معناه، غير أنّه زعم أنّ ما


(306)

ذكرته نظرية شخصية لا صلة لها بنظرية الامامية في البداء فطلب منّي كتاباً لقدماء علماء الشيعة، فدفعت إليه أوائل المقالات، وشرح عقائد الصدوق لشيخ الاُمّة محمّد بن النعمان المفيد (336 ـ 413) فقرأهما بدقة، وجاء بالكتاب بعد أيام وقال: لو كان معنى البداء هو الّذي يذكره صاحب الكتاب فهو من صميم عقيدة أهل السنّة ولا يخالفون الشيعة في هذا المبدأ أبداً .

ولتوضيح حقيقة البداء نأتي بمقدمات:

الأولى: اتفقت الشيعة على أنّه سبحانه عالم بالحوادث كلّها غابرها وحاضرها، ومستقبلها لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فلا يتصوّر فيه الظهور بعد الخفاء، ولا العلم بعد الجهل، بل الأشياء دقيقها وجليلها، حاضرة لديه ويدل عليه الكتاب والسنّة المروية عن طريق أئمّة أهل البيت ـ مضافاً إلى البراهين الفلسفية المقرّرة في محلها ـ أمّا الكتاب:

فقوله سبحانه: (اِنَّ اللّهَ لا يَخْفى عَلَيهِ شَىءٌ فِى الاَرْضِ وَ لا فِى السَّماءِ)(1) .

وقوله تعالى (وَ مَا يَخْفى عَلَى اللّهِ مِنْ شَىء فِى الاَرْضِ وَ لا فِى السَّماءِ)(2) .

وقوله سبحانه: (إنْ تُبْدُوا شيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَاِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىء عَلِيماً)(3) كيف وهو محيط بالعالم صغيره وكبيره، ماديّه و مجرّده، والأشياء كلها قائمة به قياماً قيّومياً كقيام المعنى الحرفي بالاسمي والرابطي بالطرفين ويكفي في ذلك قوله سبحانه:(مَا اَصابَ مِنْ مُصيبَة فِى الاَرْضِ وَ لا فِى اَنْفُسِكُمْ اِلاّ فِى كِتاب مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا اِنَّ ذلِكَ عَلَى اللّه يَسيرٌ)(4) .


1 . آل عمران / 5 .
2 . إبراهيم / 38 .
3 . الأحزاب / 54 .
4 . الحديد / 22 .


(307)

وقوله سبحانه: (وَ مَا مِنْ دَابَّة فِى الاَرْضِ اِلاّ عَلَى اللّهِ رِزْقُها وَ يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَ مُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِى كِتاب مُبين)(1) .

وأمّا الأخبار فنكتفي بالقليل منها:

قال الامام موسى الكاظم ـ عليه السلام ـ : «لم يزل اللّه عالماً بالأشياء قبل أن يخلق الأشياء كعلمه بالأشياء بعد ما خلق الأشياء»(2) .

وقال الامام علي ـ عليه السلام ـ : «كل سر عندك علانية، وكل غيب عندك شهادة»(3) .

وقال ـ عليه السلام ـ : «لا يعزب عنه عدد قطر الماء، ولا نجوم السماء، ولا سوافي الريح في الهواء، ولا دبيب النمل على الصفا، ولا مقيل الذّرّ في الليلة الظلماء، يعلم مساقط الأوراق، وخفىّ طرف الأحداق»(4) .

إلى غير ذلك من الروايات(5) الّتي تدل على احاطة علمه بكل شيء قبل خلقه وحينه وبعده، وانّه لا يخفى عليه شيء ابداً .

وقال الصادق ـ عليه السلام ـ في تفسير قوله: (يمحوا اللّهُ ما يشاءُ ويثبتُ وعندَهُ اُمّ الكتاب):

«فكل أمر يريده اللّه، فهو في علمه قبل أن يصنعه، ليس شيء يبدو له إلاّ وقد كان في علمه، إنّ اللّه لا يبدو له من جهل. وقال: من زعم أنّ اللّه عزّوجلّ يبدو له من


1 . هود / 6 .
2 . الكافي ج 1، باب صفات الذات، الحديث 4 .
3 . نهج البلاغة، الخطبة 105 .
4 . نهج البلاغة، الخطبة 173، طبعة عبده .
5 . لاحظ في العثور على الروايات حول علمه سبحانه، البحار 4 / 121 والكافي 1 / 111 .


(308)

شيء لم يعلمه أمس، فابرأ وامنه»(1) إلى غير ذلك من الروايات الّتي تدل على إحاطة علمه بكل شيء قبل خلقه وحينه وبعده وانّه لا يخفى عليه شيء أبداً .

وأمّا العقل فقد دلّ على تنزّهه من وصمة الحدوث والتغيير، وانّه تقدّست أسماؤه، أعلى من أن يقع معرضاً للحوادث والتغييرات، ولأجل ذلك ذهبوا إلى امتناع البداء عليه بمعنى الظهور بعد الخفاء والعلم بعد الجهل، لاستلزامه كون ذاته محلاّ للتغير والتدبل، والمستلزم للتركيب والحدوث، إلى غير ذلك ممّا يستحيل عليه سبحانه .

فالآيات وكذلك الأحاديث المروية عن أئمّة الشيعة ـ عليهم السلام ـ تشهد على علمه الّذي لا يشوبه جهل، وعلى سعته لكل شيء قبل الخلق وبعده، وأنّه يستحيل عليه الظهور بعد الخفاء، والعلم بعد الجهل .

وعليه فمن نسب إلى الشيعة الإمامية ما يستشم منه خلاف ما دلّت عليه الآيات والأحاديث فقد افترى كذباً ينشأ من الجهل بعقائد الشيعة، أو التزلّف إلى حكّام الوقت الحاقدين لهم أو التعصّب المقيت .

وبذلك يعلم بطلان ما قاله الرازي في تفسيره عند البحث عن آية المحو والاثبات حيث يقول: قالت الرافضة: البداء جائز على اللّه تعالى وهو أن يعتقد شيئاً ثم يظهر له أنّ الأمر بخلاف ما اعتقده، وتمسّكوا فيه بقوله (يمحوا اللّه ما يشاء ويثبت)): ثم قال: إنّ هذا باطل لأنّ علم اللّه من لوازم ذاته المخصوصة وما كان كذلك، كان دخول التغيّر والتبدّل فيه باطلا(2) .

وما حكاه الرازي عن «الرافضة» كاشف عن جهله بعقيدة الشيعة وإنّما سمعه


1 . البحار 4 / 111 باب البداء، الحديث 30، والبرهان 2 / 300 حديث 21 .
2 . تفسير الرازي 4 / 216 تفسير سورة الرعد .


(309)

عن بعض الكذّابين الأفّاكين الذين يفتعلون الكذب لغايات فاسدة، وقد قبله من دون امعان ودقّة، مع أنّ موطنه ومسقط رأسه (بلدة ري) كانت مزدحم الشيعة ومركزهم وكان الشيخ محمود بن علي بن الحسن سديد الدين الحمصي الرازي، علاّمة زمانه في الاُصولين معاصراً ومواطناً للرازي وهو مؤلّف كتاب «المنقذ من التقليد والمرشد إلى التوحيد»(1) ولو كان الفخر الرازي رجلا منصفاً لرجع إليه في تبيين عقائد الشيعة، ولما تهاجم عليهم بسباب مقذع، وربّما ينقل عنه بعض الكلمات في تفسيره .

وليس الرازي فريداً في التقوّل في هذا المجال بل سبقه البلخي (ت 319) في هذه النسبة(2)، ونقله الشيخ الأشعري (260 ـ 324) في مقالات الاسلاميين(3) ونقله أبو الحسن النوبختي في فرق الشيعة عن بعض فرق الزيدية(4) .

* * *

الثانية: كما دلّت الآيات والأحاديث(5) على أنّه سبحانه لم يفرغ من أمر الخلق والايجاد، والتدبير والتربية، دلّت على أنّ مصير العباد يتغيّر، بحسن أفعالهم وصلاح أعمالهم من الصدقة والاحسان وصلة الأرحام وبرّ الوالدين، والاستغفار والتوبة وشكر النعمة واداء حقّها إلى غير ذلك من الاُمور الّتي تغيّر المصير وتبدّل القضاء وتفرّج الهموم والغموم وتزيد في الأرزاق، والأمطار، والأعمار


1 . الطهراني آغا بزرگ: الثقات العيون في سادس القرون 295 وطبع الكتاب أخيراً .
2 . الطوسي: التبيان 1 / 13 .
3 . مقالات الاسلاميين 107 .
4 . فرق الشيعة 76 نقله عن سليمان بن جرير الّذي كفّره أهل السنّة أيضاً لتكفيره عثمان فهل يصحّ الاعتماد على قول مثله .
5 . البحار 4 / 104 الحديث 17 وغيره .


(310)

والآجال كما أنّ لمحرّم الأعمال وسيّئها من قبيل البخل والتقصير، وسوء الخلق، وقطيعة الرحم، وعقوق الوالدين، والطيش، وعدم الانابة، وكفران النعمة وماشابهها تأثيراً في تغيير مصيرهم بعكس ذلك من اكثار الهموم، والقلق، ونقصان الأرزاق، والأمطار، والأعمار، والآجال، وما شاكلها .

فليس للانسان مصير واحد، ومقدر فارد، يصيبه على وجه القطع والبت، ويناله، شاء أو لم يشأ، بل المصير أو المقدر يتغيّر ويتبدّل بالأعمال الصالحة والطالحة وشكر النعمة وكفرانها، وبالايمان والتقوى، والكفر والفسوق. وهذا ممّا لا يمكن (لمن له أدنى علاقة بالكتاب والسنّة) انكاره إلاّ من كان مؤمناً بالقلب، ومنكراً باللسان .

ونحن نأتي في المقام بقليل من كثير ممّا يدل على ذلك من الآيات والروايات. منها:

قوله سبحانه حاكياً عن شيخ الأنبياء: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ اِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً * وَ يُمْدِدْكُمْ بِاَمْوال وَ بَنينَ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّات وَ يَجْعَلْ لَكُم اَنْهاراً)(1) .

ترى أنّه ـ عليه السلام ـ ، يجعل الاستغفار، علّة مؤثرة، في نزول المطر، وكثرة الأموال والبنين، وجريان الأنهار إلى غير ذلك. وأمّا بيان كيفية تأثير عمل العبد في الكائنات الطبيعية، فيطلب عن محلّه .

وقوله سبحانه: (اِنَّ اللّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْم حَتّى يُغَيِّرُوا مَا بِأنْفُسِهِمْ)(2) .

وقوله تعالى: (ذلِكَ بِاَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أنْعَمَها عَلى قَوْم حَتّى)


1 . نوح / 10 ـ 12 .
2 . الرعد / 11 .


(311)

يُغَيِّرُوا مَا بِأنْفُسِهِم)) .(1)

وقوله سبحانه: (وَ لَوْ أَنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا وَاتَّقُوا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكات مِنَ السَّماءِ والأرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأخَذْناهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) .(2)

وقوله سبحانه: (وَمَنْ يَتَّقِ اللّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ).(3)

وقوله تعالى: (وَ إذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ).(4)

وقوله سبحانه: (وَنُوحاً إِذْ نَادى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَ أَهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظيمِ).(5)

وقال تعالى: (وَ أَيُّوبَ إذْ نَادَى رَبَّهُ أَنَّى مَسَّنِىَ الضُّرُّ وَ اَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مَن ضُرٍّ).(6)

وقال سبحانه: (وَ مَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ وَ مَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ).(6)

وقال تعالى: (فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِ اِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْنَاهُ بِالعَرَاةِ وَ هُوَ سَقِيمٌ * وَأنبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرةً مِن يَقْطِين).(7)

وقال تعالى: (فَاستَجَبْنا لَهُ وَ نَجَّيناهُ مِنَ الغَمِّ وَكذلِكَ نُنْجِى المُؤْمِنِينَ).(8)

وقال سبحانه: (فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا)


1 . الأنفال 53 .
2 . الأعراف 96 .
3 . الطلاق 2 ـ 3 .
4 . إبراهيم 7 .
5 و 6 ـ الأنبياء 76 و 83 ـ 84 .
6 . الأنفال 33 .
7 . الصافات 143 ـ 146 .
8 . الأنبياء 88 .


(312)

آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْىِ فِى الحَيوةِ الدُّنْيا وَ متَّعْناهُمْ إِلى حِين))(1) .

وهذه الآيات بالاضافة إلى كثير من الأحاديث الّتي سيوافيك بيان نزر منها تعرب على أنّ الأعمال الصالحة مؤثّرة في مصير الإنسان وانّه يقدر بعمله الصالح على تغيير القدر، وتبديل القضاء وليس هناك مقدر محتوم فيما يرجع إلى أفعاله الاختيارية حتّى يكون العبد في مقابله مكتوف الأيدي والأرجل .

وأمّا الأحاديث الّتي تدل على هذا المطلب فكثيرة جدّاً، مبعثرة في كتب الحديث تحت عناوين مختلفة من قبيل الصدقة، والاستغفار، والدعاء، وصلة الرحم، وما أشبه ذلك، وسنذكر فيما يلي نموذجاً من الأحاديث لكل من الاُمور الآنفة .

الف ـ الصدقة وأثرها في دفع البلاء:

روى الصدوق في الخصال عن أنس: قال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «أكثر من صدقة السر، فإنّها تطفىء غضب الرب جلّ جلاله» .

وروى في عيون الأخبار عن الرضا عن آبائه، قال: قال رسول اللّه: «باكروا بالصدقة فمن باكر بها لم يتخطاها البلاء» .

وروى الشيخ الطوسي في أماليه عن الباقر ـ عليه السلام ـ قال: قال أميرالمؤمنين: «أفضل ما توسّل به المتوسّلون الإيمان باللّه... وصدقة السر، فإنّها تذهب الخطيئة وتطفىء غضب الرب، وصنائع المعروف فإنّها تدفع ميتة السوء وتقي مصارع الهوان» .

وروى الصدوق في ثواب الأعمال عن الصادق ـ عليه السلام ـ : قال: «الصدقة


1 . يونس / 98، وقد استشهد الامام أمير المؤمنين ببعض هذه الآيات عند الاستسقاء، فقال: «إنّ اللّه يَبتلي عبادَهُ عند الأعمال السيّئة بنقص الثمرات...» نهج البلاغة، الخطبة 143 .

(313)

باليد تدفع ميتة السوء، وتدفع سبعين نوعاً من أنواع البلاء» .

إلى غير ذلك من الروايات الّتي جمعها العلاّمة المجلسي في كتاب الزكاة والصدقة(1) .

ب ـ أثر الاستغفار في الرزق:

روى الصدوق في الخصال عن أميرالمؤمنين قال: «الاستغفار يزيد في الرزق». وروى أيضاً فيها عن أميرالمؤمنين ـ عليه السلام ـ : «أكثروا الاستغفار، تجلبوا الرزق»(2) .

ج ـ الدعاء وآثاره :

روى الحميري في قرب الاسناد عن الصادق ـ عليه السلام ـ : «انّ الدعاء يرد القضاء وانّ المؤمن ليذنب فيحرم بذنبه الرزق» .

وروى أيضاً عنه ـ عليه السلام ـ : قال رسول اللّه: «داووا مرضاكم بالصدقة، وادفعوا أبواب البلاء بالدعاء» .

وروى الصدوق عن أميرالمؤمنين ـ عليه السلام ـ : «ادفعوا أمواج البلاء عنكم بالدعاء قبل ورود البلاء»(3) .


1 . بحارالأنوار: الجزء 93 الباب 21، الأحاديث 4 ـ 7 ـ 9 ـ 26 (وروى هناك أحاديث اُخرى) .
2 . المصدر نفسه كتاب الذكر والدعاء باب الاستغفار وفضله وأنواعه، الحديث 4 ـ 17 (وروى أحاديث حول الاستغفار من الفريقين) .
3 . البحار الجزء 93 كتاب الذكر والدعاء، أبواب الدعاء. الباب 16 ـ الحديث 2 ـ 3 ـ 5 (وروى أحاديث من الفريقين) .


(314)

وقد عقد الكليني في الكافي باباً أسماه «انّ الدعاء يرد البلاء والقضاء» ومن جملة أحاديث هذا الباب عن حماد بن عثمان قال: سمعته يقول: «انّ الدعاء يردّ القضاء ينقضه كما ينقض السلك وقد اُبرم إبراماً»(1).

وروى عن أبي الحسن موسى ـ عليه السلام ـ : «عليكم بالدعاء فإنّ الدعاء للّه والطلب إلى اللّه يرد البلاء وقد قدر وقضى ولم يبق إلاّ امضاؤه فإذا دعى اللّه عزّوجلّ وسئل، صرف البلاء صرفة»(2) .

وأخرج الحاكم عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ ، قال: لا ينفع الحذر عن القدر ولكن اللّه يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر .

قال: وأخرج ابن أبي شيبة في المصنّف وابن أبي الدنيا في الدعاء عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: ما دعا عبد بهذه الدعوات إلاّ وسع اللّه له في معيشته: «يا ذا المنّ ولا يمنّ عليه، يا ذا الجلال والاكرام يا ذا الطول، لا إله إلاّ أنت ظهر اللاجين وجار المستجيرين، ومأمن الخائفين إن كنت كتبتني عندك في اُمّ الكتاب شقياً فامح عنّي اسم الشقاء واثبتني عندك سعيداً، وإن كنت كتبتني عندك في اُمّ الكتاب محروماً مقتراً على رزقي، فامح حرماني ويسّر رزقي واثبتني عندك سعيداً موفقاً للخير فإنّك تقول في كتابك الّذي أنزلت: (يمحوا اللّه ما يشاء ويثبت وعنده اُم الكتاب)(3) .

وروى أيضاً في الدر المنثور في تفسير قوله تعالى: (يسأله من في)


1 . الكافي ج 2 باب انّ الدعاء يرد القضاء ص 469 الحديث 1 .
2 . المصدر نفسه ص 470 الحديث 8 .
3 . السيوطي، الدر المنثور 4 / 66 .


(315)

السموات)) ما يقرب من هذا، فلاحظ(1) .

د ـ أثر صلة الرحم:

روى الكليني عن أبي الحسن الرضا قال: «يكون الرجل يصل رحمه فيكون قد بقى من عمره ثلاث سنين فيصيّرها اللّه ثلاثين سنة ويفعل اللّه ما يشاء»(2) .

روى أيضاً عن أبي جعفر قال: «صلة الأرحام تزكي الأعمال ونمني الأموال وتدفع البلوى وتيسّر الحساب وتنسىء في الآجال»(3) .

وروى أهل السنة نظير هذه الروايات فنكتفي بما رواه السيوطي في الدر المنثور عن علي ـ رضي الله عنه ـ : انّه سأل رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن هذه الآية (يَمْحُوا اللّه))؟ فقال له: «لأقرّن عينيك بتفسيرها ولأقرّن عين اُمّتي بعدي بتفسيرها: الصدقة على وجهها وبرّ الوالدين، واصطناع المعروف يحوّل الشقاء سعادة، ويزيد في العمر، وتقي مصارع السوء» .

وكما أنّ للأعمال الصالحة أثراً في المصير وحسن العاقبة، وشمول الرحمة وزيادة العمر وسعة الرزق، كذلك الأعمال الطالحة والسيئات في الأفعال فإنّ لها تأثيراً ضد اثر الأعمال الحسنة .

ويدل على ذلك من الآيات قوله سبحانه:

(و ضَرَبَ اللّهُ مَثَلا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِن كُلِّ مَكَان فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَها اللّهُ لِباسَ الجُوعِ وَ الخَوْفِ بِمَا كانُوا)


1 . الدر المنثور 6 / 143 .
2 . الكافي ج 2، باب صلة الرحم، الحديث 3 .
3 . المصدر نفسه، الحديث 4 ولاحظ البحار ج 4 باب البداء، الحديث 66 .


(316)

يَصْنَعُونَ))(1) .

وقال سبحانه: (ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلَى قَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَ أَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)(2) .

وقال سبحانه: (وَ لَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنينَ وَنَقْص مِنَ الَّثمَراتِ لَعَلَّهُم يَذَّكَّرُونَ)(3) .

وأمّا الروايات في ذلك فحدّث عنها ولا حرج فنكتفي بما عن أميرالمؤمنين أنّه قال في خطبة: «أعوذ باللّه من الذنوب الّتي تعجّل الفناء» فقام إليه عبداللّه بن الكواء اليشكر ى، فقال: يا أميرالمؤمنين أو تكون ذنوب تعجّل الفناء؟ فقال: «نعم، ويلك قطيعة الرحم». وقال أيضاً: «إذا قطعوا الأرحام جعلت الأموال في أيدي الأشرار»(4) .

وقد وردت في الآثار الوضعية للأعمال، روايات يطول الكلام بنقلها. فلاحظ ما ورد في الزنا من أنّ فيها ست خصال ثلاث منها في الدنيا وثلاث منها في الآخرة أمّا الّتي في الدنيا فيذهب بالبهاء ويعجّل الفناء ويقطع الرزق(5) .

أيضاً ما ورد في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل ما روي عن أبي الحسن الرضا ـ عليه السلام ـ انّه قال: «لتأمرنّ بالمعروف ولتنهنّ عن المنكر أو لتستعملن عليكم شراركم فيدعوا خياركم فلا يستجاب لهم»(6) وعن أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ :


1 . النحل / 112 .
2 . الأنفال / 53 .
3 . الأعراف / 130 .
4 . الكافي ج 2 كتاب الايمان والكفر، باب قطيعة الرحم، الحديث 7 ـ 8 .
5 . سفينة البحار 1 / 560 مادة (زنا) .
6 . الوسائل ج 11 كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الباب 1 الحديث 4 .


(317)

«إنّهم لمّا تمادوا في المعاصي ولم ينههم الربّانيون والأحبار نزلت بهم العقوبات»(1) وورد: «لا تزال اُمّتي بخير ما أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وتعاونوا على البر، فإذا لم يفعلوا ذلك نزعت منهم البركات وسلّط بعضهم على بعض ولم يكن لهم ناصر في الأرض ولا في السماء»(2) إلى غير ذلك من درر الكلمات الّتي نقلت عن معدنها .

* * *

فقد تحصل ممّا ذكرنا:

أوّلا:إنّ علمه سبحانه يعم كل الأشياء ماضيها وحاضرها ومستقبلها .

وثانياً: إنّه سبحانه كل يوم هو في شأن .

وثالثاً: إنّ لأفعال العباد، تأثيراً في حسن العاقبة وسوئها، ونزول الرحمة والبركة، أو العقاب والنقمة .

إذا وقفت على هذه المقدّمات الثلاث فاعلم أنّه يقع الكلام في البداء في مقامين:

1- البداء في مقام الثبوت: أي تغيير المصير بالأعمال الصالحة أو الطالحة .

2- البداء في مقام الاثبات: أي الاخبار عن تحقق الشيء علماً بالمقتضى مع خفاء المانع .


1 . الوسائل ج 11 كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الباب 1 الحديث 7 .
2 . المصدر نفسه، الحديث 18 .


(318)


(319)

البداء في مقام الثبوت والاثبات

حقيقة البداء هو انّه سبحانه (على خلاف ما اعتقده اليهود والنصارى في حقّه من فراغه عن أمر الخلق والتدبير، والاحياء والاماتة، والتوسيع والتقدير في الرزق، والتعمير والتنقيص إلى غير ذلك ممّا يرجع إلى الكون والإنسان) هو القائم دائماً بالأمر، والتدبير، وهو القيوم على كل شيء، وكل يوم في شأن وليست يداه مغلولتان، بل يداه مبسوطتان (في كل شيء) يمحو ويثبت حسب مشيئته الحكيمة وارادته النافذة فهو المتجلّي في كل زمان بأسمائه الحسنى وصفاته العليا كالخالقية والرازقية والاحياء والامامة إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته سبحانه وتعالى .

ومن شعب هذا الأمر، هو أنّه سبحانه: يزيد في الرزق والعمر وينقص منهما، وينزل الرحمة والبركة، كما ينزل البلاء والنقمة، حسب مشيئته الحكيمة، النافذة، ولا تصدر عنه الاُمور جزافاً واعتباطاً بل حسب ما تقتضيها حال العباد من حسن الأفعال وقبحها وصالح الأعمال وطالحها. فربّما يكون الإنسان مكتوباً في الأشقياء ثم يُمحى فيكتب من السعداء أو على العكس بسبب ما يقوم به من أعمال .


(320)

وبالجملة: فالبداء في عالم الثبوت يضاد مزعمة اليهود والنصارى المشار إليها في قوله سبحانه: (وَ قَالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَ لَيَزِيدَنَّ كَثيراً مِنْهُم مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَ كُفْراً)(1)، وقد رد سبحانه تلك العقيدة اليهودية الباطلة في هذه الآية كما هو واضح .

ولأجل أنّ يديه سبحانه مبسوطتان، يزيد في الخلق ما يشاء، وفي العمر، وينقص منه، حسب مشيئته الحكيمة قال سبحانه: (الحَمْدُ لِلّهِ فَاطِرِ السَّماواتِ والأَرْضِ... يَزِيدُ فِي الخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلٍّ شَيء قَدِيرٌ)(2) وقال سبحانه: (وَ مَا تُحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَ لا تَضَعُ إلاّ بِعِلْمِهِ وَ مَا يُعَمِّرُ مِن مُعَمِّر وَ )لا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كِتاب إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرٌ)(3) .

وبناء على ذلك فالبداء بهذا المعنى، ممّا يشترك فيه كل المسلمين، على مذاهبهم المختلفة من دون اختصاص بالشيعة، فليس أحد من المسلمين ينكر أنّه سبحانه كل يوم هو في شأن، وانّه جلّ وعلا. يبدئ ويعيد، ويحيي ويميت، كما أنّه سبحانه يزيد في الرزق والعمر وينقص إلى غير ذلك حسب المشيئة الحكيمة والمصالح الكامنة في أفعاله .

وكما أنّه سبحانه: يداه مبسوطتان، كذلك العبد مختار، في أفعاله لا مسيّر، وحرفي تصرفاته(4) لا مجبور، له أن يغيّر مصيره ومقدّره بحسن فعله، وجودة عمله ،


1 . المائدة / 64 .
2 . فاطر / 1 .
3 . فاطر / 11 .
4 . لا يخفى أنّ المقصود من أفعال الإنسان الّتي نثبت اختياره فيها هي الأفعال الّتي تتعلق بها التكاليف لا الأفعال القهرية الّتي تصدر من جهازه الهضمي مثلا .


(321)

ويخرج اسمه من الأشقياء، ويدخله في السعداء، كما أنّ له أن يخرج اسمه من السعداء ويدخله في الأشقياء بسوء عمله .

فاللّه سبحانه كما يمحو ويثبت في التكوين، فيحيي ويميت، كذلك يمحو مصير العبد، ويغيّره حسب ما يغيّر العبد بنفسه (فعله وعمله) لقوله سبحانه: (إِنَّ اللّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْم حتّى يُغَيِّروا مَا بِأَنفُسِهِمْ))(1)، كل ذلك لأجل أنّ يديه مبسوطتان وأنّ العبد حرّ مختار، قادر على تغيير القضاء، وتبديل القدر، بحسن فعله أو سوئه، كما دلّت عليه الآيات والروايات .

وليس في ذلك أي محذور ولا مخالفة للعقل ولا الكتاب والسنّة بل تغيير القضاء بحسن الفعل وتغيير القدر بسوئه، هو أيضا من قدره وقضائه وسننه الّتي لا تبديل لها ولا تغيير، فاللّه سبحانه إذا قدّر لعبده شيئاً وقضى له بأمر، فلم يقدره ولم يقضه به على وجه القطع والبت، بحيث لا يتغيّر ولا يتبدّل، بل قضى به على وجه خاص وهو أنّ القضاء والقدر يجري عليه، ما لم يغيّر العبد حاله، فإذا غيّر حاله بحسن فعله أو سوئه، يتغيّر القضاء ويتبدّل القدر ويخلف قضاء وقدر آخر مكانهما الأوّل، وكل هذه أيضاً قضاء وقدر منه، كما لا يخفى .

وهذا (البداء في الثبوت) أولى بالتسمية بالمحو والاثبات، والتغيير والتبديل في الكون وفي مصير الإنسان غير أنّ المحو والاثبات في الكون بيد اللّه سبحانه، يتصرّف فيه حسب مشيئته، ولا دخل لارادة الإنسان ولصلاح فعله ولا فساده فيه، وأمّا التغيير في مصير الإنسان فيتوقّف تعلّق المشيئة عليه، على كيفية حال العبد وكيفية عمله من حسن أو قبح .


1 . الرعد / 11 .

(322)

البداء في الذكر الحكيم:

هذا الأصل ـ الّذي يعدّ من المعارف العليا تجاه ما عرف من اليهود، من سيادة القدر على كل شيء حتّى إرادته سبحانه ـ يستفاد بوضوح من قوله سبحانه (يَمحوا اللّه ما يشاءُ ويُثبت وعِنده اُمُّ الكِتاب))(1) وهذه الآية هي الأصل في البداء في مقام الثبوت ويكفي في إيضاح دلالتها، نقل كلمات المحققين من المفسرين، حتّى يقف القارئ على أنّ القول بالبداء بالمعنى الصحيح، مما أصفقت عليه الأُمّة.

1- روى الطبري (310 هـ ) في تفسير الآية عن لفيف من الصحابة والتابعين أنّهم كانوا يدعون اللّه سبحانه بتغيير المصير واخراجهم من الشقاء ـ إن كتب عليهم ـ إلى السعادة مثلا، كان عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يقول وهو يطوف بالكعبة: اللّهمّ إن كنت كتبتني في أهل السعادة فأثبتني فيها، وإن كنت كتبتني على الذنب [الشقاوة

] فامحني وأثبتني في أهل السعادة فإنّك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك اُمّ الكتاب .

وروى نظير هذا الكلام عن ابن مسعود، وابن عباسن وشقيق وأبي وائل(2) .

وروى عن ابن زيد أنّه قال في قوله سبحانه: (يمحوا اللّه ما يشاء)) بما يُنزِّلُ على الأنبياء، ويُثبت ما يشاء مما ينزل على الأنبياء قال: وعنده اُمّ الكتاب لا يُغيّر ولا يُبدِّل (3) .

2- قال الزمخشري (528 هـ ): (يمحوا اللّه ما يشاء)) ينسخ ما يستصوب نسخه ويثبت بدله ما يرى المصلحة في إثباته أو ينزله غير منسوخ(3) .


1 . الرعد / 39 .
2 . الطبري: التفسير (جامع البيان) الجزء 13 / 112 ـ 114 .
3 . الزمخشري: الكشاف: 2 / 169 .


(323)

3- ذكر الطبرسي (548 ـ 471 هـ ) لتفسير الآية وجوهاً متقاربة وقال: «الربع أنّه عامٌّ في كل شيء فيمحو من الرزق ويزيد فيه، ومن الأجل، ويمحو السعادة والشقاوة ويثبتهما. (روى ذلك) عن عمربن الخطاب، وابن مسعود وأبي وائل وقتادة: واُمّ الكتاب أصل الكتاب الّذي أُثبتت فيه الحادثات والكائنات .

وروى أبو قلابَة عن ابن مسعود أنّه كان يقول: «اللّهمّ إن كنت كتبتني في الأشقياء فامحني من الأشقياء...»(1) .

4- قال الرازي (608 هـ ) إنّ في هذه الآية قولين:

القول الأوّل: إنّها عامة في كل شيء كما يقتضيه ظاهر اللفظ قالوا: إنّ اللّه يمحو من الرزق ويزيد فيه، وكذا القول في الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر وهو مذهب عمر وابن مسعود، والقائلون بهذا القول كانوا يدعون ويتضرعون إلى اللّه تعالى في أن يجعلهم سعداء لا أشقياء. وهذا التأويل رواه جابر عن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

والقول الثاني: إنّ هذه الآية خاصة في بعض الأشقياء دون البعض .

ثم قال: فإن قال قائل: ألستم تزعمون أنّ المقادير سابقة قد جفَّ بها القلم وليس الأمر بأنف فكيف يستقيم مع هذا المعنى، المحو والإثبات؟

قلنا: ذلك المحو والإثبات أيضاً مما جف به القلم فلأنّه لا يمحو إلاّ ما سبق في علمه وقضائه محوه(2) .

5- قال القرطبي (671 هـ ) ـ بعد نقل القولين وإنّ المحو والإثبات هل يعمّان جميع الأشياء أو يختصّان ببعضها ـ : مثل هذا لا يدرك بالرأي والإجتهاد، وإنّما يؤخذ توقيفاً فإن صحّ فالقول به يجب أن يوقف عنده، وإلاّ فتكون الآية عامة في جميع الأشياء وهو الأظهر ـ ثم نقل دعاء عمر بن الخطاب في حال الطواف ودعاء عبداللّه


1 . الطبري مجمع البيان 6 / 398 .
2 . الرازي: 10 / 64 ـ 65 .


(324)

ابن مسعود ثم قال: روي في الصحيحين عن أبي هريرة قال: سمعت النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «مَن سرَّه أن يبسط له في رزقِه ويُنسَأ له في أثره (أجله) فليصل رحمه» .(1)

6- قال ابن كثير (774 هـ ) بعد نقل قسم من الروايات: ومعنى هذه الروايات أنّ الأقدار ينسخ اللّه ما يشاء منها ويثبت منها ما يشاء، وقد يُستأنس لهذا القول بما رواه الإمام أحمد عن ثوبان قال: قال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «إنّ الرجل ليُحْرَمُ الرزق بالذنب يصيبه ولا يرد القَدَرُ إلاّ بالدعاء، ولا يزيد في العمر إلاّ البر» ثم نقل عن ابن عباس: الكتاب كتابان، فكتاب يمحو اللّه منه ما يشاء ويثبت عنده ما يشاء، وعنده اُمّ الكتاب(2) .

7- روى السيوطي (911 هـ ) عن ابن عباس في تفسير الآية: هو الرجل يعمل الزمان بطاعة اللّه، ثم يعود لمعصية اللّه فيموت على ضلالة فهو الّذي يمحو، والّذي يثبت الرجل يعمل بمعصية اللّه تعالى وقد سبق له خير حتّى يموت وهو في طاعة اللّه سبحانه وتعالى. ثم نقل ما نقلناه من الدعاء عن لفيف من الصحابة والتابعين(3) .

8- ذكر الآلوسي (1270 هـ) عند تفسير الآية قسماً من الآثار الواردة حولها وقال: أخرج ابن مردويه وابن عساكر عن علىّ ـ كرم اللّه وجهه ـ أنّه سأل رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن قوله تعالى: (يمحوا اللّه ما يشاء...)) الآية فقال: له عليه الصلاة والسلام. لاقرّنّ عينك بتفسيرها ولا قرّنّ عين أُمّتي بعدي بتفسيرها: الصدقة على وجهها، وبر الوالدين واصطناع المعروف، محوِّل الشقاء سعادة ويزيد في العمر ويقي مصارع السوء، ثم قال: دفع الإشكال عن استلزام ذلك، بتغيّر علم اللّه سبحانه ومن شاء فليرجع(4) .

9- قال صديق حسن خان (1307 هـ ) في تفسير الآية: وظاهر النظم


1 . القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 5 / 329 .
2 . ابن كثير: التفسير 2 / 520 .
3 . السيوطي: الدر المنثور 4 / 660 لاحظ ما نقله في المقام من المأثورات كلها تحكي .
4 . الآلوسي: روح المعاني 13 / 111 .


(325)

القرآني العموم في كل شيء ممّا في الكتاب فيمحو ما يشاء محوه من شقاوة أو سعادة أو رزق أو عمر أو خير أو شرٍّ ويبدل هذا بهذا، ويجعل هذا مكان هذا .

لا يُسأل عمّا يفعل وهم يُسألون. وإلى هذا ذهب عمر بن الخطاب وابن مسعود و ابن عباس وأبو وائل وقتادة والضحاك وابن جريح وغيرهم...(1) .

10- قال القاسمي (1332 هـ ): تمسّك جماعة بظاهر قوله تعالى: (يمحوا اللّه ما يشاء ويثبت)) فقالوا: إنّها عامَّة في كل شيء كما ـ يقتضيه ظاهر اللفظ قالوا ـ يمحو اللّه من الرزق ويزيد فيه وكذا القول في الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر(2) .

11- قال المراغي في تفسير الآية: وقد أثر عن أئمة السلف أقوال لا تناقض بل هي داخلة فيما سلف ثم نقل الأقوال بإجمال(3) .

وهذه الجمل والكلم الدرية المضيئة عن الصحابة والتابعين لهم باحسان، والمفسرين تعرب عن الرأي العام بين المسلمين في مجال إمكان تغيير المصير بالأعمال الصالحة والطالحة ومنها الدعاء والسؤال وأنّه ليس كل تقدير حتمياً لا يغيّر ولا يبدّل وأنّ للّه سبحانه لوحين: لوح المحو والإثبات ولوح «اُمّ الكتاب» والّذي لا يتطرق التغيير إليه هو الثاني دون الأول، وإنّ القول بسيادة القدر، على اختيار الإنسان في مجال الطاعة والمعصية، قول بالجبر الباطل بالعقل والضرورة، ومحكمات الكتاب. ومن جنح إليه لزمه القول بلغوية إرسال الرسل وإنزال الكتب (ذلكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفروا فويلٌ لِلَّذِينَ كَفروا مِنَ النّار)(4) .


1 . صديق حسن خان: فتح البيان 5 / 171 .
2 . القاسمي: محاسن 9 / 372 .
3 . المراغي: التفسير 5 / 155 ـ 156 .
4 . سورة «ص» الآية 27 .


(326)

الأثر التربوي للاعتقاد بالبداء:

الاعتقاد بالمحو والاثبات، وانّ العبد قادر على تغيير مصيره بأفعاله وأعماله، يبعث الرجاء في قلب من يريد أن يتطهّر، وينمي نواة الخير الكامنة في نفسه، فتشريع البداء، مثل تشريع قبول التوبة، والشفاعة، وتكفير الصغائر بالاجتناب عن الكبائر. كلّها لأجل بعث الرجاء وايقاد نوره في قلوب العصاة والعتاة، حتّى لا ييأسوا من روح اللّه ولا يتولّوا بتصوّر أنّهم من الأشقياء وأهل النار تقديراً، فلا فائدة في السعي والعمل، فلو علم الإنسان أنّه سبحانه لم يجفّ قلمه في لوح المحو والاثبات، وله أن يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء، يسعد من يشاء، ويشقي من يشاء «وليست مشيئته جزافية غير تابعة لضابطة عقلية» وتاب، وعمل بالفرائض وتمسّك بالعروة الوثقى، يخرج من سلك الأشقياء، ويدخل في صنف السعداء، وبالعكس وهكذا كل ما قدر في حقّه من الموت والمرض والفقر، والشقاء يمكن تغييره بالدعاء، والصدقة وصلة الرحم، وإكرام الوالدين، وغير ذلك، فالكل لأجل بث الأمل في قلب الإنسان، وعلى هذا فالاعتقاد بذلك من ضروريات الكتاب وصريح آياته وأخبار الهداة .

وبهذا يظهر أنّ البداء من المعارف العليا الّتي اتفقت عليه كلمة المسلمين وإن غفل عن معناه الجمهور (ولو عرفوه لأذعنوا به) .

وأمّا اليهود ـ خذلهم اللّه ـ فقالوا باستحالة تعلّق المشيئة بغير ما جرى عليه القلم، ولأجل ذلك قالوا: يد الّه مغلولة عن القبض والبسط، والأخذ والاعطاء، وبعبارة اُخرى عندهم انّ للانسان مصيراً واحداً لا يمكن تغيره ولا تبديله وانّه ينال ما قدّر له من الخير والشر .

ولو صح ذلك لبطل الدعاء والتضرّع ولبطل القول بأنّ للأعمال الصالحة وغير الصالحة ممّا عددناها تأثيراً في تغيير مصير الإنسان .


(327)

وعلى ضوء هذا البيان نتمكن من فهم ما جاء في فضيلة البداء وأهميته في الروايات مثل ما روى زرارة عن أحدهما (الباقر أو الصادق ـ عليهما السلام ـ ): «ما عبداللّه عزّوجلّ بشيء مثل البداء»(1) .

وما عن هشام بن سالم عن أبي عبداللّه ـ عليه السلام ـ : «ما عظّم اللّه عزّوجلّ بمثل البداء»(2) .

إذ لولا الاقرار بالبداء بهذا المعنى ما عرف اللّه حق المعرفة، ويتجلّى سبحانه في نظر العبد (بناء على عقيدة بطلان البداء) أنّه مكتوف الأيدي، لا يقدر على تغيير ما قدره، ولا محو ما أثبته .

ومن الروايات في هذا المعنى ما روي عن الصادق ـ عليه السلام ـ أنّه قال: «لو يعلم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما فتروا من الكلام فيه»(3) .

وذلك لأنّ الاعتقاد بالبداء مثل الاعتقاد بتأثير التوبة والشفاعة يوجب رجوع العبد عن التمادي في الغي والضلالة، والانابة إلى الصلاح والهداية .

البداء في مقام الاثبات:

إذا عرفت ما ذكرنا فاعلم أنّ المراد من البداء في مقام الاثبات هو، وقوع التغير في بعض مظاهر علمه سبحانه فإنّ لعلمه سبحانه مظاهر، منها: ما لا يقبل التغيير ومنها ما يقبل ذلك .

أمّا الأوّل: فهو المعبّر عنه بـ «اللوح المحفوظ» تارة و بـ «اُمّ الكتاب» اُخرى قال سبحانه: (بَلْ هُوَ قُرآنٌ مَجِيدٌ * فِى لَوْح مَحْفُوظ)(4) وقوله تعالى:


1 . البحار 4 / 107 باب البداء، الحديث 19 ـ 20 .
2 . التوحيد للصدوق باب البداء، الحديث 2 .
3 . الكافي 1 / 115، والتوحيد للصدوق، باب البداء، الحديث 7 .
4 . البروج 21 ـ 22 .


(328)

(وَ إِنَّهُ فِى اُمِّ الكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلىٌّ حَكِيمٌ)(1) وقال سبحانه: (مَا أَصَابَ مِن مُصِيبَة فِى الاَرْضِ وَ لا فِى )أَنفُسِكُمْ إلاّ فِى كِتاب مِن قَبْلِ أن نَبْرَأَهَا إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرٌ)(2) فاللوح المحفوظ واُمّ الكتاب وذلك الكتاب الّذي كتب فيه ما يصيب الإنسان من مصائب ممّا لا يتطرق إليها المحو والاثبات قدر شعرة، ولأجل ذلك لو أمكن الإنسان أن يتّصل به، لوقف على الحوادث على ما هي عليه بلا خطأ ولا تخلّف .

وأمّا الثاني: فهو لوح المحو والاثبات الّذي أشار إليه سبحانه، بقوله (يَمْحُوا اللّهُ مَا يَشَاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الكِتَابِ)) (3) فالأحكام الثابتة فيه، أحكام معلّقة على وجود شرطها أو عدم مانعها، فالتغيّر فيها لأجل اعواز شرطها أو تحقّق مانعها وربّما يكتب فيه الموت نظراً إلى مقتضياته، ولكنّه ربّما يمحى ويكتب فيه الصّحة لفقدان شرط التقدير الأول أو طرؤ مانع من تأثير المقتضي .

فالتقدير الأوّل يفرض لأجل قياس الحادث إلى مقتضيه، كما أنّ التقدير الثاني يتصوّر بالنسبة إلى جميع أجزاء علّته، فإنّ الشيء إذا قيس إلى مقتضيه (الّذي يحتاج الصدور منه إلى وجود شرائط وعدم موانع) يمكن تقدير وجوده، ولكنّه بالنظر إلى مجموع أجزاء علّته الّتي منها الشرائط وعدم الموانع، يقدر عدمه لفرض عدم وجود شرائطه، وتحقّق موانعه .

إذا علمت ذلك، فاعلم أنّه ربّما يتصل النبي أو الولي بلوح المحو والاثبات، فيقف على المقتضى من دون أن يقف على شرطه أو مانعه، فيخبر عن وقوع شيء


1 . الزخرف / 4 .
2 . الحديد / 22 .
3 . الرعد / 39 .


(329)

ولكنّه ربّما لا يتحقّق لأجل عدم تحقّق شرطه أو عدم تحقّق وجود مانعه وذلك هو البداء في عالم الاثبات وإن شئت قلت: إنّ موارد وقوع البداء حسب الاثبات من ثمرات البداء في عالم الثبوت، ولم يرد في الأخبار من هذاالقسم من البداء إلاّ موارد لا تتجاوز عن عدد الأصابع، نشير إليه بعد الفراغ عمّا ورد في الذكر الحكيم .

تلميحات إلى البداء في الذكر الحكيم:

1- قال سبحانه: (فَبَشِّرْنَاهُ بِغُلام حَلِيم * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ يَا بُنَىَّ إِنِّى أَرَى فِى المَنَامِ أَنَّى أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أبَتِ أفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِى إنْ شَاءَ اللّهُ مِنَ الصَّابِرينَ)(1) .

أخبر إبراهيم ـ عليه السلام ـ ولده إسماعيل ـ عليه السلام ـ بأنّه رأى في المنام أنّهُ يذبحه ورؤيا الأنبياء (كما ورد في الحديث) من أقسام الوحي(2)، فكانت رؤياه صادقة حاكية عن حقيقة ثابتة، وهي أمر اللّه إبراهيم بذبح ولده، وقد تحقّق ذلك الأمر، أي أمر اللّه سبحانه به .

ولكن قوله: (اِنِّى أرى فِى المَنامِ أنِّى اَذْبحك)) يكشف عن أمرين:

الف: الأمر بذبح الولد وهو أمر تشريعي كما عرفت وقد تحقّق .

ب: الحكاية عن تحقّق ذلك في الواقع الخارجي وانّ إبراهيم سيمتثل ذلك، والحال أنّه لم يتحقق لفقدان شرطه، وهو عدم النسخ ويحكي عن كلا الأمرين قوله: (و فَدَيناهُ بِذَبح عظيم) .

وعندئذ يطرح هذا السؤال نفسه بأنه كيف أخبر خليل الرحمن بشيء من


1 . الصافات / 101 ـ 102 .
2 . السيوطي: الدر المنثور 5 / 280 .


(330)

الملاحم والمغيبات، ثمّ لم يتحقّق، وما هذا إلاّ لأجل أنّه وقف على المقتضي، فأخبر بالمقتضى، ولكنّه لم يقف على ما هو العلّة التامة، وليس لعلمه هذا مصدر سوى اتصاله بلوح المحو والاثبات .

2- أخبر يونس قومه بأنّهم إن لم يؤمنوا فسوف يصيبهم العذاب إلى ثلاثة أيام(1) ولكن العذاب لم يصبهم، فما هذا إلاّ لأنّ النبي، وقف على المقتضي ولم يقف على المانع وهو أنّ القوم سيتوبون عند رؤية العذاب توبة نصوحاً رافعة للعذاب، وإليه يشير قوله سبحانه:(فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْىِ فِى الحَياةِ الدُّنْيا وَ مَتَّعْناهُمْ إِلَى حِينِ)(2) .

3- أخبر موسى قومه بأنّه سيغيب عنهم ثلاثين ليلة، كما روي عن ابن عباس حيث قال: إنّ موسى قال لقومه: إنّ ربّي وعدني ثلاثين ليلة أن ألقاه واخلف هارون فيكم، فلمّا فصل موسى إلى ربّه زاده اللّه عشراً، فكانت فتنتهم في العشر الّتي زاده اللّه(3) .

وإليه يشير قوله سبحانه: (وَ وَاعَدْنا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَ أَتْمَمْناها بِعَشْر فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعينَ لَيْلَةً وَ قَالَ مُوسى لأَخِيهِ هَارونَ اخْلُفْنِى فِى قَوْمِى و أَصْلِحْ وَ لا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدينَ)(4) .

فلا شك أنّ موسى اطّلع على الخبر الأوّل ولم يطّلع على نسخه وانّ التوقيت سيزيد ولا مصدر لعلمه إلاّ الاتصال بلوح المحو والاثبات .


1 . الطبرسي: مجمع البيان 3 / 135 .
2 . يونس / 98 .
3 . الطبرسي: مجمع البيان 2 / 115 .
4 . الأعراف / 142 .


(331)

هذه جملة الأخبار الّتي تحدث بها الذكر الحكيم ولكنّها لم تحقق، فلا محيص لتفسيرها إلاّ القول بوقوفهم على المقتضي دون العلّة التامة، فعندما يظهر عدم التحقّق يطلق عليه البداء، والمراد أنّه بدا من اللّه لنبيّه وللناس ما خفى عليهم، على غرر قوله سبحانه: (وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتْسِبُونَ))(1) فالبداء إذا نسب إلى اللّه سبحانه فهو بداء منه، وإذا نسب إلى الناس فهو بداء لهم، وبعبارة اُخرى، البداء من اللّه هو اظهار ما خفى على الناس، والبداء من الناس بمعنى ظهور ما خفى لهم، وهذا هو الحق القراح الّذي لا يرتاب فيه أحد .

وأمّا ما ورد في الروايات، فهو بين خمسة أو أزيد بقليل:

1- إنّ المسيح ـ عليه السلام ـ مرّ بقوم مجلبين، فقال: ما لهؤلاء؟ قيل: يا روح اللّه فلانة بنت فلانة تهدى إلى فلان في ليلته هذه. فقال: يجلبون اليوم ويبكون غداً، فقال قائل منهم: ولم يا رسول اللّه؟ قال: لأنّ صاحبتهم ميّتة في ليلتها هذه... فلمّا أصبحوا وجدوها على حالها، ليس بها شيء، فقالوا: يا روح اللّه إنَّ الّتي أخبرتنا أمس انّها ميّتة لم تمت. فدخل المسيح دارها فقال: ما صنعت ليلتك هذه؟ قالت: لم أصنع شيئاً إلاّ وكنت أصنعه فيما مضى، انّه كان يعترينا سائل في كل ليلة جمعة فننيله ما يقوته إلى مثلها. فقال المسيح: تنحّ عن مجلسك فإذا تحت ثيابها أفعى مثل جذعة، عاضّ على ذنبه، فقال ـ عليه السلام ـ : بما صنعت، صرف عنك هذا(2) .

2- روى الكليني عن الامام الصادق ـ عليه السلام ـ : إنّه مرّ يهودي بالنبي فقال: السام عليك. فقال النبىّ عليك. فقال أصحابه: إنّما سلّم عليك بالموت فقال:


1 . الزمر / 47 .
2 . المجلسي: بحارالأنوار 4 / 94 .


(332)

الموت عليك. فقال النبىّ: وكذلك رددت. ثمّ قال النبىّ: إنّ هذا اليهودي يعضّه أسود في قفاه فيقتله، قال: فذهب اليهودي فاحتطب حطباً كثيراً فاحتمله، ثمّ لم يلبث أن انصرف، فقال له رسول اللّه: ضعه، فوضع الحطب فإذا أسود في جوف الحطب عاضّ على عود، فقال: يا يهودي ما عملت اليوم؟ قال: ما عملت عملا إلاّ حطبي هذا حملته فجئت ومعي كعكتان، فأكلت واحدة وتصدّقت بواحدة على مسكين، فقال رسول اللّه: بها دفع اللّه عنه، قال: إنّ الصدقة تدفع ميتة السوء عن الانسان(1) .

ولا يمكن لأحد تفسير مضامين الآيات الماضية وهذين الحديثين إلاّ عن طريق البداء بالمعنى الّذي تعرّفت عليه، وهو اتّصال النبي بلوح المحو والاثبات والوقوف على المقتضي والاخبار بمقتضاه دون الوقوف على العلّة التامة .

3- عرض اللّه عزّوجلّ على آدم أسماء الأنبياء وأعمارهم، فمرّ بآدم اسم داود النبي ـ عليه السلام ـ فإذا عمره في العالم أربعون سنة، فقال آدم: يا رب ما أقل عمر داود وما أكثر عمري يا رب إنّي أنا زدت داود من عمري ثلاثين سنة أتثبت ذلك له؟ قال اللّه: نعم يا آدم، فقال آدم: فانّي قد زدته من عمري ثلاثين سنة، فأثبت اللّه عزّوجلّ لداود في عمره ثلاثين سنة(2) .

ترى أنّه سبحانه أثبت شيئاً، ثمّ محاه بدعاء نبيه، وهذا هو المراد من قوله سبحانه: (يمحوا اللّه ما يشاء ويثبت وعنده اُمّ الكتاب)) فلو أخبر نبي اللّه عن عمر داود بأربعين سنة لم يكن كاذباً في إخباره، لأنّه وقف على الاثبات الأوّل ولم يقف على محوه .


1 . المجلسي: بحارالانوار 4 / 121 .
2 . المجلسي: بحارالأنوار 4 / 95 ـ 102 .


(333)

4- أخبر اللّه نبياً بأنّ يخبر ملكاً بأنّه تعالى متوفّيه إلى كذا وكذا، فأخبره بذلك ولمّا دعا الملك وقال: ربّ أجلّني حتّى يشب طفلي وأقضي أمري، فأوحى اللّه عزّوجلّ إلى ذلك النبي أن ائت فلاناً الملك واخبره انّي قد زدت في عمره خمس عشرة سنة(1) .

5- روى عمرو بن الحمق، قال: دخلت على أميرالمؤمنين ـ عليه السلام ـ حين ضرب على قرنه، فقال لي: يا عمرو إنّي مفارقكم، ثمّ قال: سنة السبعين فيها بلاء ـ قالها ثلاثاً ـ فقلت: فهل بعد البلاء رخاء؟ فلم يجبني واُغمي عليه، فبكت اُمّ كلثوم فأفاق... فقلت: بأبي أنت واُمّي قلت: إلى السبعين بلاء، فهل بعد السبعين رخاء؟ قال: نعم يا عمرو إنّ بعد البلاء رخاء و (يمحوا اللّه ما يشاء ويثبت وعنده اُمّ الكتاب)(2) .

هذه جملة ما ورد في البداء في مقام الاثبات وإن شئت قلت في ثمرات البداء في الثبوت ولا تجد في الأحاديث الشيعية بداء غير ما ذكرنا، ولو عثر المتتبع على مورد، فهو نظير ما سبق من الموارد، والتحليل في الجميع واحد .

إذا وقفت على ذلك تعرفت قيمة ما ذكره الرازي في ختام محصّله، وقال: إنّ أئمّة الرافضة وضعوا مقالتين لشيعتهم، لا يظهر معهما أحد عليهم .

الأوّل: القول بالبداء، فاذا قال: إنّه سيكون لهم قوّة وشوكة، ثمّ لا يكون الأمر على ما أخبروا، قالوا: بدا لله فيه(3) .


1 . المجلسي: بحارالأنوار 4 / 121 (وفي رواية اُخرى أنّ ذلك النبي هو حزقيل، البحار 4 / 112 وذكر مثله في قضية شعيا ص 113 .
2 . المجلسي: بحارالأنوار 4 / 119، برقم 60 .
3 . الرازي: نقد المحصل 421، نقله عن سليمان بن جرير الزيدي، والأمثر الثاني هو التقية كما ستعرف .


(334)

إنّ الّذي نقله أئمة الشيعة هو ما تعرّفت عليه من الروايات فليس فيها ما يدعم ذلك، فقد نقلوا قصة رسول اللّه مع اليهودي وقصة المسيح مع العروس، كما نقلوا قصة عمر داود وعمر الملك، فهل ورد فيها ما أشار إليه الرازي؟

وأمّا ما رواه عمرو بن الحمق فإنّما هو خبر واحد فإنّ الامام ذيّل كلامه بالآية قائلا: بأنّ هذا ليس خبراً قطعياً وأنّه في مظان المحو والاثبات. أفيصح لأجل مثله رمي أئمّة الشيعة «بأنّهم وضعوا قاعدتين وأنّهم كلّما يقولون سيكون لهم قوّة ثم لا يكون، قالوا بدا لله تعالى فيه»؟ .

وقد سبق الرازي في هذا الزعم، أبو القاسم البلخي المعتزلي على ما حكاه شيخنا الطوسي في تبيانه(1) ثمّ إنّ اكمال البحث يتوقّف على ذكر اُمور :

الأمر الأوّل:

إنّ البداء بالمعنى المذكور يجب أن يكون على وجه لا يستلزم تكذيب الأنبياء ووحيهم بان تدل قرائن على صحة الإخبار الأوّل كما صحّ الخبر الثاني، كما هو واضح لمن قرأ قصة يونس وإبراهيم الخليل فإنّ القوم قد شاهدوا طلائع العذاب فأذعنوا بصحة خبر يونس كما أنّ التفدية بذبح عظيم دلّت على صحة اخبار الخيل، وهكذا وجود الأفعى تحت الثياب أو في جوف حطب اليهودي يدلاّن على صحة اخبار النبي الأعظم .

كل ذلك يشهد على أنّ الخبر الأوّل كان صحيحاً ومقدّراً، غير أنّ الإنسان يمكن له أن يغيّر مصيره بعلمه الصالح أو الطالح كما في غير تلك المقامات .


1. الطوسي: التبيان 1 / 13 ـ 14، طبع النجف، وقد عرفت بعض المتشدقين بهذه الكلمة الكاذبة .

(335)

وبالجملة يجب أن يكون وقوع البداء مقروناً بما يدل على صحة اخبار النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ولا يكون البداء على وجه يعد دليلا على كذبه، ففي هذه الموارد دلّت القرائن على أنّ المخبر كان صادقاً في خبره .

الأمر الثاني:

إنّ البداء لا يتحقّق فيما يتعلّق بنظام النبوّة والولاية والخاتمية والملاحم الغيبية الّتي تعدّ شعاراً للشريعة فإذا أخبر المسيح بمجيئ نبي اسمه أحمد أو أخبر النبي بكونه خاتماً للرسل أو أنّ الخلافة بعده لوصيّه أو أنّه يخرج من ولده من يملأ الأرض قسطاً وعدلا ونظير ذلك، فلا يتحقّق فيه البداء قطعاً، لأنّ احتمال البداء فيه ناقض للحكمة، وموجب لضلال العباد، ولو كان احتمال هذا الباب مفتوحاً في تلك المسائل الاُصولية، لما وجب لأحد أن يقتفي النبي المبشر به، ولا يوالي الوصي المنصوص ولا يتلقى دين الإسلام خاتماً ولا ظهور المهدي أمراً مقضيّاً بحجة أنّه يمكن أن يقع فيها البداء، ففتح هذا الباب في المعارف والعقائد والاُصول والسنن الإسلامية مخالف للحكمة وموجب لضلالة الناس. وهذا ما يستحيل على اللّه سبحانه وانّما مصبّ البداء هو القضايا الجزئية أو الشخصيّة، كما هو الحال في الأخبار الماضية .

الأمر الثالث:

إنّ اطلاق البداء في هذه الموارد، إنّما هو بالمعنى الّذي عرفت، وانّ حقيقته بداء من اللّه للناس واظهار منه ولو قيل بدا لله، فإنّما هو من باب المشاكلة والمجاز، والقرآن مليء به، فقد نسب الذكر الحكيم إليه سبحانه المكر وقال: (وَمَكَرُوا)


(336)

وَ مَكَرَ اللّهُ وَ اللّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ)) (1) وليست المناقشة في التعبير من دأب المحقّقين، فلو كان أهل السنّة لا يروقهم التعبير عن هذا الأصل بلفظ البداء للّه. فليغيّروا التعبير ويعبّروا عن هذه الحقيقة الناصعة بتعبير يرضيهم .

ولكن الشيعة تبعت النبي الأكرم في هذا المصطلح وهو أوّل من استعمل تلك اللفظة في حقّه سبحانه، روى البخاري في كتاب النبوّة «قصة بدء الخليفة» وفيها هذه اللفظة التي يستوحش منها أهل السنّة، روى أبو هريرة:

انّه سمع رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يقول: إنّ ثلاثة في بني إسرائيل ابرص وأقرع واعمى، بدا لله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكاً فأتى الأبرص فقال: أىّ شيء أحبّ إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، قد قذّرني الناس، قال: فمسحه فذهب عنه فاُعطي لوناً حسناً وجلداً حسناً، فقال: أىّ المال أحبّ إليك؟ قال: الإبل أو قال: البقر ـ هو شك في ذلك انّ الأبرص والأقرع قال أحدهما: الإبل وقال الآخر: البقر ـ فاُعطي ناقة عشراء، فقال: يبارك اللّه لك فيها .

وأتى الأقرع فقال: أىّ شيء أحبّ إليك؟ قال: شعر حسن ويذهب عنّي هذا قذرني الناس. قال: فمسحه، فذهب، اُعطي شعراً حسناً، قال: فأيّي المال أحبّ إليك؟ قال: البقر. قال: فأعطاه بقرة حاملا، وقال: يبارك لك فيها .

وأتى الأعمى فقال: أىّ شيء أحبّ إليك؟ قال: يرد اللّه إلىّ بصري، فأبصر به الناس، قال: فمسحه فردّ اللّه إليه بصره. قال: فأىّ المال أحبّ إليك؟ قال: الغنم، فأعطاه شاة والداً فأنتج هذان وولّد هذا، فكان لهذا واد من إبل، ولهذا واد من بقر، ولهذا واد من الغنم .


1 . آل عمران / 54، وهنا آيات اُخرى يستدل بها على المشاكلة في التعبير عن الحقائق العلوية .

(337)

ثمّ إنّه أتى الأبرص في صورته وهيئته فقال: رجل مسكين تقطّعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ اليوم إلاّ باللّه ثمّ بك. أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال، بعيراً اتبلّغ عليه في سفري فقال له: إنّ الحقوق كثيرة. فقال له: كأنّي أعرفك ألم تكن أبرص يقذرك الناس. فقيراً فأعطاك اللّه؟ فأجابه: لقد ورثت لكابر عن كابر؟ فقال: إن كنت كاذباً فصيّرك اللّه إلى ما كنت.

وأتى الأقرع في صورته وهيئته فقال له مثل ما قال لهذا فرد عليه مثلما رد عليه هذا، فقال: إن كنت كاذباً فصيّرك اللّه إلى ما كنت .

وأتى الأعمى في صورته فقال: رجل مسكين وابن سبيل وتقطّعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ اليوم إلاّ باللّه، ثمّ بك. أسألك بالذي رد عليك بصرك، شاة أتبلَّغ بها في سفري فقال: قد كنت أعمى فرد اللّه بصري وفقيراً فقد أغناني فخذ ما شئت، فواللّه لا أجحدك اليوم بشيء أخذته للّه، فقال: امسك مالك فإنّما ابتليتم فقد رضي اللّه عنك وسخط على صاحبيك(1) .

* * *

هذه حقيقة البداء، وهذا هو مفهومه في الثبوت والاثبات، قد دعمه الذكر الحكيم والسنَّة النبوية فماذا بعد الحقِّ إلاّ الضلال .


1 . البخاري: الصحيح 4 / 172، باب حديث أبرص وأعمى وأقرع في بني اسرائيل .

(338)


(339)

المسألة الخامسة :

التقيّة

التقية من المفاهيم القرآنية الّتي وردت في أكثر من موضع في القرآن الكريم، وفي تلك الآيات إشارات واضحة إلى الموارد الّتي يلجأ فيها المؤمن إلى استخدام هذا المسلك الشرعي خلال حياته أثناء الظروف العصيبة، ليصون بها نفسه وعرضه وماله، أو نفس من يمتُ إليه بصلة وعرضَه ومالَه، كما استعملها مؤمن آل فرعون لصيانة الكليم عن القتل والتنكيل(1) ولاذبها عمّار عندما أُخذ وأُسِر وهُدِّد بالقتل(2) إلى غير ذلك من الموارد الواردة في الكتاب والسنّة، فمن المحتّم علينا أن نتعرف عليها، مفهوماً وغايةً ودليلا وحدّاً، حتّى نتجنَّب الافراط والتفريط في مقام القضاء والتطبيق.

إنّ التقية، إسم لـ «إتّقى يتّقي» (3) والتاء بدل من الواو وأصله من الوقاية،


1 . القصص / 20 .
2 . النحل / 106 .
3 . قال ابن الأثير في النهاية 5 / 217: وأصل اتقى: أوتقى فقلبت الواو ياء لكسرة قبلها ثمّ أُبدلت تاء وأُدغمت. ومنه حديث علي ـ عليه السلام ـ : كنّا إذا احمرّ البأس اتقينا برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، أي جعلناه وقاية من العدوّ. ولاحظ السان العرب مادة «وقى» .


(340)

ومن ذلك اطلاق التقوى على اطاعة اللّه، لأنّ المطيع يتخذها وقاية من النار والعذاب. والمراد هو التحفظ عن ضرر الغير بموافقته في قول أو فعل مخالف للحقّ .

مفهومها:

إذا كانت التقية هي اتخاذ الوقاية من الشرِّ، فمفهومها في الكتاب والسنّة هو: إظهار الكفر وإبطال الإيمان، أو التظاهر بالباطل وإخفاء الحق. وإذا كان هذا مفهومها، فهي تُقابل النفاق، تَقابُل الإيمان والكفر، فإنّ النفاق ضدها وخلافها، فهو عبارة عن إظهار الإيمان وابطان الكفر، والتظاهر بالحقّ واخفاء الباطل، ومع وجود هذا التباين بينهما فلا يصحّ عدها من فروع النفاق .

نعم: من فسر النفاق بمطلق مخالفة الظاهر للباطن، وبه صوَّر التقية ـ الواردة في الكتاب والسنّة ـ من فروعه، فقد فسره بمفهوم أوسع ممّا هو عليه في القرآن، فإنّه يُعرَّف المنافقين بالمتظاهرين بالإيمان والمبطنين للكفر بقوله تعالى: (إذَا جَاءَكَ المَنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللّهِ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اللّهُ يَشْهَدُ إِنَّ المَنافِقِينَ لَكَاذِبُونَ))(1) فإذا كان هذا حدُّ المنافق فكيف يعمُ من يستعمل التقية تجاه الكفار والعصاة فيخفي إيمانه ويظهر الموافقة لغاية صيانة النفس والنفيس، والعرض والمال من التعرض؟!

ويظهر صدق ذلك إذا وقفنا على ورودها في التشريع الإسلامي، ولو كانت من قسم النفاق، لكان ذلك أمراً بالقبح ويستحيل على الحكيم أن يأمر به: (قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)(2) .


1 . المنافقون / 1 .
2 . الأعراف / 28 .


(341)

غايتها:

الغاية من التقية: هي صيانة النفس والعرض والمال، وذلك في ظروف قاهرة لا يستطيع فيها المؤمن أن يعلن عن موقفه الحق صريحاً خوفاً من أن يترتّب على ذلك مضار وتهلكة من قوى ظالمة غاشمة كلجوء الحكومات الظالمة إلى الارهاب، والتشريد والنفي، والقتل والتنكيل، ومصادرة الأموال، وسلب الحقوق الحقة، فلا يكون لصاحب العقيدة الّذي يرى نفسه محقاً محيص عن إبطانها، والتظاهر بما يوافق هوى الحاكم وتوجهاته حتّى يسلم من الاضطهاد والتنكيل والقتل، إلى أن يُحدِث اللّه أمراً .

إنّ التقية سلاح الضعيف في مقابل القوي الغاشم، سلاح من يبتلي بمن لا يحترم دمه وعرضه وماله، لا لشيء إلاّ لأنّه لا يتفق معه في بعض المبادئ والأفكار .

إنّما يمارس التقية من يعيش في بيئة صودرت فيها الحرية في القول والعمل، والرأي والعقيدة فلا ينجو المخالف إلاّ بالصمت والسكوت مرغماً أو بالتظاهر بما يوافق هوى السلطة وأفكارها، أو قد يلجأ إليها البعض كوسيلة لابد منها من أجل اغاثة الملهوف المضطهد والمستضعف الّذي لا حول له ولا قوة، فيتظاهر بالعمل إلى جانب الحكومة الظالمة وصولا إلى ذلك كما كان عليه مؤمن آل فرعون الّذي حكاه سبحانه في الذكر الحكيم .

إنّ أكثر من يَعيبُ التقية على مستعملها، يتصور أو يصوِّر أن الغاية منها هو تشكيل جماعات سرية هدفها الهدم والتخريب، كما هو المعروف من الباطنيين والأحزاب الإلحادية السرية، وهو تصور خاطئ ذهب إليه أُولئك جهلا أو عمداً دون أن يركّزوا في رأيهم هذا على دليل ما أو حجة مقنعة، فاين ما ذكرناه من هذا الّذي يذكره، ولو لم تُلجئ الظروف القاهرة والأحكام المتعسفة هذا الجموع المستضعفة من


(342)

المؤمنين لما كانوا عمدوا إلى التقية، ولما تحمّلوا عبء اخفاء معتقداتهم ولدعوا الناس إليها علناً ودون تردّد، إلاّ أنّ السيف والنطع سالح لا تترد كل الحكومات الفاسدة من التلويح بها أمام من يخالفها في معتقداتها وعقائدها .

أين العمل الدفاعي من الأعمال البدائية الّتي يرتكبها أصحاب الجماعات السرية للإطاحة بالسلطة امتطاء ناصية الحكم، فأعمالهم كلها تخطيطات مدبرة لغايات ساقطة .

وهؤلاء هم الذين يحملون شعار «الغايات تبرر الوسائل» فكل قبيح عقلي أو ممنوع شرعي يستباح عندهم لغاية الوصول إلى المقاصد المشؤومة .

إنّ القول بالتشابه بين هؤلاء وبين من يتخذ التقية غطاءً، وسلاحاً دفاعياً ليسلم من شر الغير، حتّى لا يُقْتَل ولا يُستأصل، ولا تُنهب داره وماله، إلى أن يُحدث اللّه أمراً، من قبيل عطف المبائن على مثله .

إنّ المسلمين القاطنين في الاتحاد السوفيتي السابق قد لاقوا من المصائب والمحن ما لا يمكن للعقول أن تحتملها ولا أن تتصورها، فإنّ الشيوعيّين وطيلة تسلطهم على المناطق الإسلامية قلبوا لهم ظهر المِجَنّ، فصادروا أموالهم وأراضيهم، ومساكنهم، ومساجدهم، ومدارسهم،وأحرقوا مكتباتهم، وقتلوا كثيراً منهم قتلا ذريعاً ووحشياً، فلم ينج منهم إلاّ من اتقاهم بشىء من التظاهر بالمرونة، واخفاء المراسم الدينية، والعمل على اقامة الصلاة في البيوت إلى أن نجّاهم اللّه سبحانه بانحلال تلك القوة الكافرة، فبرز المسلمون إلى الساحة من جديد، فملكوا أرضهم وديارهم، وأخذوا يستعيدون مجدهم وكرامتهم شيئاً، وما هذا إالاّ ثمرة من ثمار التقية المشروعة الّتي أباحها اللّه تعالى لعباده بفضله وكرمه سبحانه على المستضعفين.

فإذا كان هذا معنى التقية ومفهومها، وكانت هذه غايتها وهدفها، فهو أمر


(343)

فطري يسوق الإنسان إليه قبل كل شيء عقلُه ولبُّه، وتدعوه إليه فطرته، ولأجل ذلك يستعملها كل من ابتُلي بالملوك والساسة الذين لا يحترمون شيئاً سوى رأيهم وفكرتهم ومطامعهم وسلطتهم ولا يترددون عن التنكيل بكل من يعارضهم في ذلك، من غير فرق بين المسلم ـ شيعياً كان أم سنيّاً ـ وغيره، ومن هنا تظهر جدوى التقية وعمق فائدتها.

ولأجل دعم هذا الأصل الحيويّ ندرس دليله من القرآن والسنّة .

دليلها في القرآن والسنّة:

شرّعت التقية بنص القرآن الكريم حيث وردت جملة من الآيات الكريمة(1)

سنحاول استعراضها في الصفحات التالية:

الآية الأُولى:

قال سبحانه: (مَنْ كَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إلاّ مَنْ أُكْرِهِ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ وَلَكِن مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرَاً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)(2) .

ترى أنّه سبحانه يجوّز إظهار الكفر كرهاً ومجاراةً للكافرين خوفاً منهم، بشرط أن يكون القلب مطمئناً بالإيمان، وصرّح بذلك لفيف من المفسرين القدامى والجدد، سنحاول أن نستعرض كلمات البعض منهم تجنبّاً عن الإطالة والاسهاب، ولمن يبتغي المزيد فعليه بمراجعة كتب التفسير المختلفة:

1- قال الطبرسي: قد نزلت الآية في جماعة أُكرهوا على الكفر، وهم عمّار وأبوه ياسر وأُمّه سمية، وقُتلَ الأبوان لأنّهما لم يظهرا الفكر ولم ينالا من النبىّ، وأعطاهم


1 . غافر / 28 و 45، والقصص / 20 وستوافيك نصوص الآيات في ثنايا البحث .
2 . النحل / 106) .


(344)

عمّار ما أرادوا منه، فأطلقوه، ثمّ أخبر عمّار بذلك رسول اللّه، وانتشر خبره بين المسلمين، فقال قوم: كفر عمّار، فقال الرسول: كلاّ إنّ عمّاراً مُلئ إيماناً من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه.

وفي ذلك نزلت الآية السابقة، وكان عمّار يبكي، فجعل رسول اللّه يمسح عينيه ويقول: إن عادوا لك فعد لهم بما قلت(1) .

2- وقال الزمخشري روي أنّ أُناساً من أهل مكة فُتِنُوا فارتدوا عن الإسلام بعد دخولهم فيه، وكان فيهم من أُكره وأجرى كلمة الكفر على لسانه وهو معتقد للإيمان، منهم عمّار بن يسار وأبواه: ياسر وسمية، وصهيب وبلال وخباب .

أمّا عمّار فأعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهاً...(2) .

3- وقال الحافظ ابن ماجة: «والايتاء: معناه الاعطاء أن وافقوا المشركين على ما أرادوا منهم تقية، والتقية في مثل هذه الحال جائزة لقوله تعالى: (إلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ)(3).

4- وقال القرطبي قال الحسن: التقية جائزة للانسان إلى يوم القيامة ـ ثمّ قال: ـ أجمع أهل العلم على أنّ من أُكره على الكفر حتّى خشى على نفسه القتل إنّه لا اثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان ولا تبين منه زوجته ولا يحكم عليه بالكفر، هذا قول مالك والكوفيين والشافعي(4) .

5- قال الخازن: «التقية لا تكون إلاّ مع خوف القتل مع سلامة النيّة، قال اللّه


1 . الطبرسي: مجمع البيان 3 / 388 .
2 . الزمخشري: الكشاف عن حقائق التنزيل 2 / 430 .
3 . ابن ماجة: السنن 1 / 53، شرح حديث رقم 150 .
4 . القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 4 / 57 .


(345)

تعالى: (إلاّ من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان)) ثمّ هذه التقية رخصة»(1) .

6- قال الخطيب الشربيني: «(إلاّ من أُكره)) أي على التلفّظ به (وقلبه مطمئنّ بالإيمان)) فلا شيء عليه لأنّ محل الإيمان هو القلب»(2) .

7- وقال إسماعيل حقي: «(إلاّ من أُكره)) أُجبر على ذلك اللفظ بأمر يخاف على نفسه أو عضو من أعضائه... لأنّ الكفر اعتقاد، والاكراه على القول دون الاعتقاد، والمعنى: «ولكن المكره على الكفر باللسان،، (وقلبه مطمئنّ بالإيمان)) لا تتغير عقيدته، وفيه دليل على أنّ الإيمان المنجي المعتبر عند اللّه، هو التصديق بالقلب»(3) .

الآية الثانية:

قال سبحانه: (لا يَتَّخِذِ الْمُؤمِنُونَ الْكَافِررنَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤمِنينَ وَ مَن يَفْعَل ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيءِ اِلاّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَ يُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلى اللّهِ الْمَصيرُ)(4) .

وكلمات المفسرين حول الآية تغنينا عن أي توضيح:

1- قال الطبري: (إلاّ أن تتّقوا منهم تقاة)) : قال أبو العالية: التقية باللسان، وليس بالعمل، حُدّثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ قال: أخبرنا عبيد قال: سمعت الضحاك يقول في قوله تعالى: (إلاّ أن تتّقوا منهم تقاة)) قال: التقية باللسان من حُمِلَ على أمر يتكلّم به وهو للّه معصية فتكلم مخافة نفسه (وقلبه مطمئنّ)


1 . تفسير الخازن: 1 / 277 .
2 . الخطيب الشربيني: السراج المنير .
3 . إسماعيل حقي: تفسير روح البيان 5 / 84 .
4 . آل عمران / 28 .


(346)

بالإيمان)) فلا اثم عليه، إنّما التقية باللسان(1) .

2- وقال الزمخشري في تفسير قوله تعالى: (إلاّ أن تتّقوا منهم تقاة)) : رخّص لهم في موالاتهم إذا خافوهم، والمراد بتلك الموالاة: مخالفة ومعاشرة ظاهرة، والقلب مطمئن بالعداوة والبغضاء وانتظار زوال المانع(2) .

3- قال الرازي في تفسير قوله تعالى: (إلاّ أن تتّقوا منهم تقاة)) : المسألة الرابعة: اعلم: إنّ للتقية أحكاماً كثيرة ونحن نذكر بعضها:

أ: إنّ التقية إنّما تكون إذا كان الرجل في قوم كفّار، ويخاف منهم على نفسه، وحاله، فيداريهم باللسان وذلك بأن لا يظهر العداوة باللسان، بل يجوز أيضاً أن يظهر الكلام الموهم للمحبة والموالاة، ولكن بشرط أن يضمر خلافة وأن يعرض في كل ما يقول، فإنّ للتقيّة تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلوب .

ب: التقية جائزة لصون النفس، وهل هي جائزة: لصون المال؟ يحتمل أن يحكم فيها بالجواز لقوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «حرمة مال المسلم كحرمة دمه» ولقوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «من قتل دون ماله فهو شهيد»(3) .

4- وقال النسفي: (إلاّ أن تتّقوا منهم تقاة)) إلاّ تخافوا جهتهم أمراً يجب اتقاؤه، أي الاّ يكون للكافر عليك سلطان فتخافه على نفسك ومالك فحينئذ يجوز لك اظهار الموالاة وإبطان المعاداة(4) .

5- وقال الآلوسي: وفي الآية دليل على مشروعية التقية وعرَّفوها بمحافظة


1 . الطبري: جامع البيان 3 / 153 .
2 . الزمخشري: الكشاف 1 / 422 .
3 . مفاتيح الغيب 8 / 13 .
4 . النسفي: التفسير بهامش تفسير الخازن 1 / 277 .


(347)

النفس أو العرض أو المال من شر الأعداء. والعدو قسمان:

الأوّل: من كانت عداوته مبنية على اختلاف الدين، كالكافر والمسلم .

الثاني: من كانت عداوته مبنية على أغراض دنيوية، كالمال والمتاع والملك والامارة(1) .

6- وقال جمال الدين القاسمي: ومن هذه الآية: (إلاّ أن تتّقوا منهم تقاة)) استنبط الأئمّة مشروعية التقية عند الخوف، وقد نقل الاجماع على جوازها عند ذلك الإمام مرتضى اليماني في كتابه (ايثار الحق على الخلق)(2) .

7- وفسر المراغي قوله تعالى: (إلاّ أن تتّقوا منهم تقاة)) بقوله: أي ترك موالاة المؤمنين للكافرين حتم لازم في كل حال إلاّ في حال الخوف من شيء تتّقونه منهم، فلكم حينئذ أن تتّقوهم بقدر ما يبقى ذلك الشيء، إذ القاعدة الشرعية «إنّ درء المفاسد مقدم على جلب المصالح» .

وإذا جازت موالاتهم لاتقاء الضرر فأولى أن تجوز لمنفعة المسلمين، إذاً فلا مانع من أن تحالف دولة إسلامية دولة غير مسلمة لفائدة تعود إلى الأولى إمّا بدفع ضرر أو جلب منفعة، وليس لها أن تواليها في شيء يضر المسلمين، ولا تختص هذه الموالاة بحال الضعف، بل هي جائزة في كل وقت .

وقد استنبط العلماء من هذه الآية جواز التقية بأن يقول الإنسان أو يفعل ما يخالف الحق، لأجل التوقّي من ضرر يعود من الأعداء إلى النفس، أو العرض، أو المال.

فمن نطق بكلمة الكفر مكرهاً وقاية لنفسه من الهلاك، وقلبه مطمئن بالإيمان،


1 . الآلوسي: روح المعاني 3 / 121 .
2 . جمال الدين القاسمي: محاسن التأويل 4 / 82 .


(348)

لا يكون كافراً يُعذر كما فعل عمّار بن ياسر حين أكرهته قريش على الكفر فوافقها مكرهاً وقلبه مطمئن بالإيمان وفيه نزلت الآية:

(مَنْ كَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمان)(1) .

هذه الجمل الوافية والعبارات المستفيضة لا تدع لقائل مقالا إلاّ أن يحكم بشرعية التقية بالمعنى الّذي عرفته بل قد لا يجد أحد مفسراً أو فقيهاً وقف على مفهومها وغايتها يتردد في الحكم بجوازها، كما أنّك أخي القارئ لا تجد انساناً واعياً لا يستعملها في ظروف عصيبة، ما لم تترتّب عليها مفسدة عظيمة، كما سيوافيك بيانها عند البحث عن حدودها .

وإنّما المعارض لجوازها أو المغالط في مشروعيتها، فإنّما يفسرها بالتقية الرائجة بين أصحاب التنظيمات السرية والمذاهب الهدامة كالنصيرية والدروز، والباطنية كلّهم، إلاّ أنّ المسلمين جميعاً بريئون من هذه التقية الهدامة لكل فضيلة رابية .

الآية الثالثة: قوله سبحانه:

(وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّىَ اللّهُ وَقَدْ جَآءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَبِّكُمْ وَ إِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَ إِنْ يَكُ صَادِقَاً يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِى يَعِدُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ)(2) .

وكانت عاقبة أمره أن: (فَوَقَاهُ اللّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ)(3) .

وما كان ذلك إلاّ لأنّه بتقيّته استطاع أن ينجي نبىّ اللّه من الموت: (قَالَ)


1 . تفسير المراغي 3 / 136 .
2 . غافر / 28 .
3 . غافر / 45 .


(349)

يَا مُوسَى اِنَّ الملأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَأخْرُجْ إِنِّى لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ))(1) .

وهذه الآيات تدل على جواز التقية لانقاذ المؤمن من شرّ عدوه الكافر .

اتّقاء المسلم من المسلم في ظروف خاصة:

إنّ مورد الآيات وإن كان هو اتقاء المسلم من الكافر، ولكن المورد ليس بمخصص لحكم الآية فقط، إذ ليس الغرض من تشريع التقية عند الابتلاء بالكفار إلاّ صيانة النفس والنفيس من الشر، فإذا ابتُلي المسلم بأخيه المسلم الّذي يخالفه في بعض الفروع ولا يتردد الطرف القوي عن إيذاء الطرف الآخر، كأن ينكل به أو ينهب أمواله أو يقتله، ففي تلك الظروف الحرجة يحكم العقل السليم بصيانة النفس والنفيس عن طريق كتمان العقيدة واستعمال التقية، ولو كان هناك وزر إنّما يتوجه على من يُتقى منه لا على المتقي، فلو سادت الحرية جميع الفرق الإسلامية، وتحملت كل فرقة آراء الفرقة الأُخرى بصدر رحب، وفهمت بأنّ ذلك هو قدر اجتهادها، لم يضطر أحد من المسلمين إلى استخدام التقية، ولساد الوئام مكان النزاع .

وقد فهم ذلك لفيف من العلماء وصرّحوا به، وإليك نصوص بعضهم:

1- يقول الإمام الرازي في تفسير قوله سبحانه: (إلاّ أن تتّقوا منهم تقاة)) ظاهر الآية على أنّ التقية إنّما تحل مع الكفار الغالبين، إلاّ أنّ مذهب الشافعي ـ رضي الله عنه ـ : إنّ الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والكافرين حلّت التقية محاماة عن النفس، وقال: التقية جائزة لصون النفس، وهل هي جائزة لصون المال؟ يحتمل أن يحكم فيها بالجواز لقوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «حرمة مال المسلم كحرمة دمه»، وقوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «من قتل دون ما له فهو شهيد»(2)


1 . القصص ـ 20 .
2 . الرازي: مفاتيح الغيب 8: 13 في تفسير الآية .


(350)

2- ينقل جمال الدين القاسمي عن الإمام مرتضى اليماني في كتابه «إيثار الحق على الخلق» ما هذا نصه: «وزاد الحق غموضاً وخفاءً أمران: أحدهما: خوف العارفين ـ مع قلتهم ـ من علماء السوء وسلاطين الجور وشياطين الخلق مع جواز التقية عند ذلك بنص القرآن، واجماع أهل الإسلام، وما زال الخوف مانعاً من إظهار الحق، ولا برح المحق عدوّاً لأكثر الخلق، وقد صحّ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنّه قال في ذلك العصر الأوّل: حفظت من رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وعاءين، أمّا أحدهما فبثثته في الناس وأمّا الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم(1) .

3- وقال المراغي في تفسير قوله سبحانه: (مَنْ كَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَان)) : ويدخل في التقية مداراة الكفرة والظلمة الفسقة، وإلانة الكلام لهم، والتبسم، في وجوههم وبذل المال لهم، لكف أذاهم وصيانة العرض منهم، ولا يعد هذا من الموالاة المنهي عنها، بل هو مشروع، فقد أخرج الطبراني قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «ما وَقَى المؤمن به عرضَه فهو صدقة»(2) .

إنّ الشيعة تتقي الكفار في ظروف خاصة لنفس الغاية الّتي لأجلها يتقيهم السنّي، غير أنّ الشيعي ولأسباب لا تخفى، يلجأ إلى اتقاء أخيه المسلم لالقصور في الشيعي، بل في أخيه الّذي دفعه إلى ذلك لأنّه يدرك أنّ الفتك والقتل مصيره إذا صرّح بمعتقده الّذي هو موافق لأُصول الشرع الإسلامي وعقائده، نعم كان الشيعي وإلى وقت قريب يتحاشى أن يقول: إنّ اللّه ليس له جهة، أو أنّه تعالى لا يُرى يوم القيامة، وإنّ المرجعية العلمية والسياسية لأهل البيت بعد رحلة النبي الأكرم، أو أنّ حكم المتعة غير منسوخ. إنّ الشيعي إذا صرّح بهذه الحقائق ـ الّتي استنبطت من


1 . جمال الدين القاسمي: محاسن التأويل: 4 / 82 .
2 . مصطفى المراغي: التفسير 3 / 136 .


(351)

الكتاب والسنّة ـ سوف يُعرّض نفسه ونفيسه للمهالك والمخاطر. وقد مر عليك كلام الرازي وجمال الدين القاسمي والمراغي الصريح في جواز هذا النوع من التقية، فتخصيص التقية بالتقية من الكافر فحسب جمود على ظاهر الآية وسد لباب الفهم، ورفض للملاك الّذي شُرعت لأجليه التقية، واعدام لحكم العقل القاضي بحفظ الأهم إذا عارض المهم .

والتاريخ بين أيدينا يحدثنا بوضوح عن لجوء جملة معروفة من كبار المسلمين إلى التقية في ظروف عصيبة أوشكت أن تؤدي بحياتهم وبما يملكون، وخير مثال على ذلك ما أورده الطبري في تاريخه (7 / 195 ـ 206) عن محاولة المأمون دفع وجوه القضاة والمحدّثين في زمانه إلى الإقرار بخلق القرآن قسراً حتّى وإن استلزم ذلك قتل الجميع دون رحمة، ولما أبصر أُولئك المحدثين حد السيف مشهراً عمدوا إلى مصانعة المأمون في دعواه وأسروا معتقدهم في صدورهم ،ولمّا عُوتبوا على ما ذهبوا إليه من موافقة المأمون برروا عملهم بعمل عمّار بن ياسر حين أُكره على الشرك وقلبه مطمئن بالإيمان، والقصّة شهيرة وصريحة في جواز اللجوء إلى التقية التي دأب البعض على التشنيع فيها على الشيعة وكأنّهم هم الذين ابتدعوها من بنات أفكارهم دون أن تكون لها قواعد وأُصول إسلامية ثابتة ومعلومة .

الظروف العصبية الّتي مرت بها الشيعة:

الّذي دفع بالشيعة إلى التقية بين اخوانهم وأبناء دينهم إنّما هو الخوف من السلطات الغاشمة فلو لم يكن هناك في غابر القرون ـ من عصر الأمويين ثمّ العباسيين والعثمانيين ـ أي ضغط على الشيعة، ولم تكن بلادهم وعقر دارهم مخضّبة بدمائهم والتاريخ خير شاهد على ذلك، كان من المعقول أن تنسى الشيعة كلمة التقية وأن تحذفها من ديوان حياتها، ولكن ياللأسف إنّ كثيراً من اخوانهم كانوا أداة


(352)

طيّعة بيد الأمويين والعباسيين الذين كانوا يرون في مذهب الشيعة خطراً على مناصبهم، فكانوا يؤلِّبون العامة من أهل السنّة على الشيعة يقتلونهم ويضطهدونهم وينكلون بهم، ولذا ونتيجة لتلك الظروف الصعبة لم يكن للشيعة، بل لكل من يملك شيئاً من العقل وسيلة إلاّ اللجوء إلى التقية أو رفع اليد عن المبادئ المقدسة الّتي هي أغلى عنده من نفسه وماله .

والشواهد على ذلك أكثر من أن تُحصى أو أن تعد، إلاّ أنّا سنستعرض جانباً مختصراً منها: فمن ذلك ما كتبه معاوية بن أبي سفيان باستباحة دماء الشيعة أينما كانوا كيفما كانوا، وإليك نص ما ذكرته المصادر عن هذه الواقعة لتدرك محنة الشيعة:

بيان معاوية إلى عماله:

روى أبو الحسن علي بن محمّد بن أبي سيف المدائني في كتاب «الأحداث» قال: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة: أن برئت الذمة ممن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته، فقامت الخطباء في كل كورة، وعلى كل منبر، يلعنون علياً ويبرأون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته، وكان أشد الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة، لكثرة من بها من شيعة علي ـ عليه السلام ـ فاستعمل عليها زياد بن سمية، وضم إليه البصرة، فكان يتبع الشيعة وهو بهم عارف، لأنّه كان منهم أيام علي ـ عليه السلام ـ ، فقتلهم تحت كل حجر ومدر، وأخافهم، وقطع الأيدي والأرجل، وسمل العيون، وصلبهم على جذوع النخل، وطردهم وشرَّدهم عن العراق، فلم يبق بها معروف منهم، وكتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق: ألاّ يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة .

ثمّ كتب إلى عامه نسخة واحدة إلى جميع البلدان: انظروا من قامت عليه البيّنة


(353)

أنّه يحبّ علياً وأهل بيته، فامحوه من الديوان، وأسقطوا عطاءه ورزقه، وشفع ذلك بنسخة أُخرى: من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم، فنكّلوا به، واهدموا داره. فلم يكن البلاء أشد ولا أكثر منه بالعراق، ولا سيّما بالكوفة حتّى أنّ الرجل من شيعة علي ـ عليه السلام ـ ليأتيه من يثق به، فيدخل بيته، فيُلقي إليه سره، ويخاف من خادمه ومملوكه، ويحدّثه حتّى يأخذ عليه الأيمان الغليظة، ليكتمن عليه .

وأضاف ابن أبي الحديد: فلم يزل الأمر كذلك حتّى مات الحسن بن علي  ـ عليهما السلام ـ فازداد البلاء والفتنة، فلم يبق أحد من هذا القبيل إلاّ وهو خائف على دمه، أو طريد في الأرض .

ثمّ تفاقم الأمر بعد قتل الحسين ـ عليه السلام ـ ، وولي عبدالملك بن مروان، فاشتد على الشيعة، وولى عليهم الحجاج بن يوسف، فتقرَّب إليه أهل النسك والصلاح والدين ببغض علي وموالاة أعدائه، وموالاة من يدعي من الناس أنّهم أيضاً أعداؤه، فأكثروا في الرواية في فضلهم وسوابقهم ومناقبهم، وأكثروا من البغض من علي ـ عليه السلام ـ وعيبه، والعطن فيه، والشنآن له، حتّى إنّ إنساناً وقف للحجاج ـ ويقال إنّه جد الأصعمي عبدالملك بن قريب ـ فصاح به: أيّها الأمير، إنّ أهلي عقّوني فسموني علياً، وإنّي فقير وبائس، وأنا إلى صلة الأمير محتاج، فتضاحك له الحجاج، وقال: للطف ما توسلتَ به، قد وليتك موضع كذا(1).

ونتيجة لذلك شهدت أوساط الشيعة مجازر بشعة على يد السلطات الغاشمة، فقتل الآلاف منهم، وأمّا من بقي منهم على قيد الحياة فقد تعرض إلى شتى صنوف التنكيل والارهاب والتخويف، والحق يقال إنّ من الأُمور العجيبة أن يبقي لهذه الطائفة باقية رغم كل ذلك الظلم الكبير والقتل الذريع، بل العجب العجاب أن


1 . شرح نهج البلاغة 11 / 44 ـ 46 .

(354)

تجد هذه الطائفة قد ازدادت قوة وعدة، وأقامت دولا وشيدت حضارات وبرز منها الكثير من العلماء والمفكرين .

فلو كان الأخ السنّي يرى التقية أمراً محرّماً فليعمل على رفع الضغط عن أخيه الشيعي، وأن لا يضيق عليه في الحرية الّتي سمح بها الإسلام لأبنائه، وليعذوه في عقيدته وعمله كما هو عذر أُناساً كثيراً خالفوا الكتاب والسنّة وأراقوا الدماء ونهبوا الدور فكيف بطائفة تدين بدينه وتتفق معه في كثير من معتقداته، وإذا كان معاوية وأبناء بيته والعباسيون كلّهم عنده مجتهدين في بطشهم وإراقة دماء مخالفيهم فماذا يمنعه عن إعذار الشيعة باعتبارهم مجتهدين.

وإذا كانوا يقولون ـ وذاك هو العجيب ـ أنّ الخروج على الإمام علي ـ عليه السلام ـ غير مضر بعدالة الخارجين والثائرين عليه، وفي مقدمتهم طلحة والزبير وأُمّ المؤمنين عائشة، وإنّ إثارة الفتن في صفّين ـ الّتي انتهت إلى قتل كثير من الصحابة والتابعين وإراقة دماء الآلاف من العراقيين والشاميين ـ لا تنقص شيئاً من ورع المحاربين وهم بعد ذلك مجتهدون معذورون لهم ثواب من اجتهد وأخطأ فلم لا يتعامل مع الشيعة ضمن هذا الفهم ويذهب إلى أنّهم معذورين ومثابين!!

نعم كانت التقية بين الشيعة تزداد تارة وتتضائل أُخرى، حسب قوّة الضغط وضآلته، فشتان بين عصر المأمون الّذي يجيز مادحي أهل البيت، ويكرم العلويين، وبين عصر المتوكل الّذي يقطع لسان ذاكرهم بفضيلة .

فهذا ابن السكيت أحد أعلام الأدب في زمن المتوكل، وقد اختاره معلماً لوالديه فسأله يوماً: أيّهما أحبُّ إليك ابناي هذان أم الحسن والحسين؟ قال ابن السكيت: واللّه إنّ قنبر خادم علي ـ عليه السلام ـ خير منك ومن ابنيك. فقال المتوكل: سلّوا لسانه من قفاه، ففعلوا ذلك به فمات. وذلك في ليلة الاثنين لخمس خلون من رجب سنة أربع


(355)

وأربعين ومائتين، وقيل ثلاث وأربعين، وكان عمره ثمانية وخمسين سنة. ولما مات سيَّر المتوكل لولده يوسف عشرة آلاف درهم وقال: هذه دية والدك!!(1) .

وهذا ابن الرومي الشاعر العبقري يقول في قصيدته الّتي يرثي بها يحيى بن عمر بن الحسين بن زيد بن علي:

اكلّ أوان للنبيّ محمّد * قتيل زكيّ بالدماء مضرّجُ

بني المصطفى كم يأكل الناس شلوكم * لبلواكم عمّا قليل مفرّجُ

أبعد المكنّى بالحسين شهيدكم * تضيء مصابيح السماء فتسرّجُ(2)

فإذا كان هذا هو حال أبناء الرسول، فما هو حال شيعتهم ومقتفي آثارهم؟!

قال العلاّمة الشهرستاني: إنّ التقية شعار كلّ ضعيف مسلوب الحرية. إنّ الشيعة قد اشتهرت بالتقية أكثر من غيرها لأنّها منيت باستمرار الضغط عليها أكثر من أية أُمّة أُخرى، فكانت مسلوبة الحرية في عهد الدولة الأموية كلّه، وفي عهد العباسيين على طوله، وفي أكثر أيام الدولة العثمانية، ولأجله استشعروا بشعار التقية أكثر من أي قوم، ولما كانت الشيعة، تختلف عن الطوائف المخالفة لها في قسم مهم من الاعتقادات في أُصول الدين وفي كثير من الأحكام الفقهيّة، والمخالفة تستجلب بالطبع رقابة وتصدقه التجارب، لذلك أضحت شيعة الأئمة من آل البيت مضطرة في أكثر الأحيان إلى كتمان ماتختص به من عادة أو عقيدة أو فتوى أو كتاب أو غير ذلك،


1 . ابن خلكان: وفيات الأعيان 3 / 33. الذهبي: سير أعلام النبلاء 12 / 16 .
2 . ديوان ابن الرومي 2 / 243 .


(356)

تبتغي بهذا الكتمان صيانة النفس والنفيس، والمحافظة على الوداد والاخوة مع سائر اخوانهم المسلمين، لئلا تنشق عصا الطاعة، ولكي لا يحس الكفار بوجود اختلاف ما في المجتمع الإسلامي فيوسع الخلاف بين الأُمّة المحمدية .

لهذه الغايات النزيهة كانت الشيعة تستعمل التقية وتحافظ على وفاقها في الظواهر مع الطوائف الأُخرى، متبعة في ذلك سيرة الأئمة من آل محمد وأحكامهم الصارمة حول وجوب التقية من قبيل: «التقية ديني ودين آبائي»، إذ أنّ دين اللّه يمشي على سنّة التقية لمسلوبي الحرية، دلّت على ذلك آيات من القرآن العظيم (1) .

روي عن صادق آل البيت ـ عليهم السلام ـ في الأثر الصحيح:

«التقية ديني ودين آبائي» و: «من لا تقية له لا دين له» وكذلك هي.

لقد كانت التقية شعاراً لآل البيت ـ عليهم السلام ـ دفعاً للضرر عنهم، وعن أتباعهم، وحقناً لدمائهم، واستصلاحاً لحال المسلمين، وجمعاً لكلمتهم، ولمّا لشعثهم، وما زالت سمة تُعرف بها الإمامية دون غيرها من الطوائف والأُمم. وكل انسان إذا أحسّ بالخطر على نفسه، أو ماله بسبب نشر معتقده، أو التظاهر به لا بد أن يتكتم ويتقي مواضع الخطر. وهذا أمر تقتضيه فطرة العقول .

من المعلوم أنّ الإمامية وأئمتهم لاقوا من ضروب المحن، وصنوف الضيق على حرياتهم في جميع العهود ما لم تلاقه أية طائفة، أو أُمّة أُخرى، فاضطروا في أكثر عهودهم إلى استعمال التقية في تعاملهم مع المخالفين لهم، وترك مظاهرتهم، وستر عقائدهم، وأعمالهم المختصة بهم عنهم، لما كان يعقب ذلك من الضرر في الدنيا .

ولهذا السبب امتازوا بالتقية وعرفوا بها دون سواهم .

وللتقية أحكام من حيث وجوبها وعدم وجوبها، بحسب اختلاف مواقع خوف


1 . غافر / 28، النحل / 106 .

(357)

الضرر، مذكورة في أبوابها في كتب العلماء الفقهيّة(1) .

حدّها:

قد تعرّفت على مفهوم التقية وغايتها، ودليلها، بقي الكلام في تبيين حدودها، فنقول:

عرفت الشيعة بالتقية وأنّهم يتقون في أقوالهم وأفعالهم، فصار ذلك مبدأ لوهم عالق بأذهان بعض السطحيين والمغالطين، فقالوا: بما أنّ التقية من مبادئ التشيّع فلا يصحّ الاعتماد على كلّ ما يقولون ويكتبون وينشرون، إذ من المحتمل جداً أن تكون هذه الكتب دعايات والواقع عندهم غيرها. هذا ما نسمعه منهم مرّة بعد مرّة، ويكرره الكاتب الباكستاني «إحسان إلهي ظهير» في كتبه السقيمة الّتي يتحامل بها على الشيعة .

ولكن نلفت نظر القارئ الكريم إلى أنّ مجال التقية إنّما هو في حدود القضايا الشخصية الجزئية عند وجود الخوف على النفس والنفيس، فإذا دلّت القرائن على أنّ في إظهار العقيدة أو تطبيق العمل على مذهب أهل البيت ـ يحتمل أن يدفع بالمؤمن إلى الضرر يصبح هذا المورد من مواردها، ويحكم العقل والشرع بلزوم الاتقاء حتّى يصون بذلك نفسه ونفيسه عن الخطر. وأمّا الأُمور الكلّية الخارجة عن إطار الخوف فلا تتصور فيها التقية، والكتب المنتشرة من جانب الشيعة داخلة في هذا النوع الأخير، إذ لا خوف هناك حتّى يكتب خلاف ما يعتقد، حيث ليس هناك لزوم للكتابة أصلا في هذه الحال فله أن يسكت ولا يكتب شيئاً .

فما يدعيه هؤلاء أنّ هذه الكتب دعايات لا واقعيات ناشىء عن عدم معرفتهم بحقيقة التقية عند الشيعة. والحاصل: أنّ الشيعة إنّما كانت تتقي في عصر لم تكن لهم


1 . مجلة المرشد 3 / 252، 253، ولاحظ: تعليقة أوائل المقالات ص 96 .

(358)

دولة تحميهم، ولا قدرة ولا منعة تدفع عنهم الأخطار. وأمّا هذه الأعصار فلا مسوّغ ولا مبرر للتقية إلاّ في موارد خاصة .

إنّ الشيعة وكما ذكرنا لم تلجأ إلى التقية إلاّ بعد أن اضطرّت إلى ذلك، وهو حق لا أعتقد أن يخالفها فيه أحد ينظر إلى الأُمور بلبّه لا بعواطفه، إلاّ أنّ من الثوابت الصحيحة بقاء هذه التقية ـ إلاّ في حدود ضيقة ـ تنحصر في مستوى الفتاوى ولم تترجم إلاّ قليلا على المستوى العملي، بل كانوا عملياً من أكثر الناس تضحية، وبوسع كل باحث أن يرجع إلى مواقف رجال الشيعة مع معاوية وغيره من الحكام الأمويين، والحكام العباسيين، أمثال حجر بن عدي، وميثم التمار، ورشيد الهجري، وكميل بن زياد، ومئات من غيرهم، وكمواقف العلويين على امتداد التاريخ وثوارتهم المتتالية .

التقية المحرّمة:

إنّ التقية تنقسم حسب الأحكام الخمسة، فكما أنّها تجب لحفظ النفوس والأعراض والأموال، فإنّها تحرم إذا ترتّب عليها مفسدة أعظم، كهدم الدين وخفاء الحقيقة على الأجيال الآتية، وتسلّط الأعداء على شؤون المسلمين وحرماتهم ومعابدهم، ولأجل ذلك ترى أنّ كثيراً من أكابر الشيعة رفضوا التقية في بعض الأحيان وقدّموا أنفسهم وأرواحهم أضاحي من أجل الدين، فللتقية مواضع معينة، كما أنّ للقسم المحرم منها مواضع خاصة أيضاً .

إنّ التقية في جوهرها كتم ما يحذر من إظهاره حتّى يزول الخطر، فهي أفضل السبل للخلاص من البطش، ولكن ذلك لا يعني أنّ الشيعي جبان خائر العزيمة، خائف متردد الخطوات يملأ حناياه الذل، كلاّ إنّ للتقية حدوداً لا تتعداها، فكما هي واجبة في حين، هي حرام في حين آخر، فالتقية أمام الحاكم الجائر كيزيد بن معاوية


(359)

مثلا محرّمة، إذ فيها الذل والهوان ونسيان المثل والرجوع إلى الوراء، فليست التقية في جوازها ومنعها تابعة للقوّة والضعف، وإنّما تحددها جوازاً ومنعاً مصالح الإسلام والمسلمين .

إنّ للإمام الخميني ـ قدس سره ـ كلاماً في المقام ننقله بنصه حتّى يقف القارئ على أنّ للتقية أحكاماً خاصة وربّما تحرم لمصالح عالية. قال ـ قدس سره ـ : تحرم التقية في بعض المحرمات والواجبات الّتي تمثل في نظر الشارع والمتشرعة مكانة بالغة، مثل هدم الكعبة، والمشاهد المشرفة، والرد على الإسلام والقرآن والتفسير بما يفسر المذهب ويطابق الالحاد وغيرها من عظائم المحرمات، ولا تعمها أدلة التقية ولا الاضطررار ولا الاكراه .

وتدل على ذلك معتبرة مسعدة بن صدقة وفيها: «فكل شيء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية مما لا يؤدي إلى الفساد في الدين فإنّه جائز»(1) .

ومن هذا الباب ما إذا كان المتقي ممن له شأن وأهمية في نظر الخلق، بحيث يكون ارتكابه لبعض المحرمات تقية أو تركه لبعض الواجبات كذلك مما يعد موهناً للمذهب وهاتكاً لحرمته، كما لو أُكره على شرب المسكر والزنا مثلا، فإنّ جواز التقية في مثله، تمسّكاً بحكومة دليل الرفع(2) وأدلّة التقية مشكل بل ممنوع، وأولى من ذلك كلّه في عدم جواز التقية وفيه ما لو كان أصل من أُصول الإسلام أو المذهب أو ضروري من ضروريات الدين في معرض الزوال والهدم والتغيير، كما لو أراد المنحرفون الطغاة تغيير أحكام الارث والطلاق والصلاة والحج وغيرها من أُصول الأحكام فضلا عن أُصول الدين أو المذهب، فإنّ التقية في مثلها غير جائزة، ضرورة أنّ تشريعها


1 . الوسائل كتاب الأمر بالمعروف الباب 25 الحديث رقم 6 .
2 . قال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «رفع عن أُمّتي ما اضطروا إليه وما استكرهوا عليه» .


(360)

لبقاء المذهب وحفظ الأُصول وجمع شتات المسلمين لإقامة الدين وأُصوله، فإذا بلغ الأمر إلى هدمها فلا تجوز التقية، وهو مع وضوحه يظهر من الموثقة المتقدمة(1) .

وهكذا فقد بيّنا للجميع الأبعاد الحقيقة والواقعية للتقية، وخرجنا بالنتائج التالية:

1- إنّ التقية أصل قرآني مدعم بالسنّة النبوية، وقد استعملها في عصر الرسالة من ابتلي بها من الصحابة لصيانة نفسه فلم يعارضه الرسول بل أيده بالنص القرآني كما في قضية عمّار بن ياسر، حيث أمره ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بالعودة إذا عادوا .

2- إنّ التقية بمعنى تشكيل جماعات سرية لغاية التخريب والهدم، مرفوضة عند المسلمين عامة والشيعة خاصة، وهو لا يمت للتقية المتبناة من قبل الشيعة بصلة .

3- إنّ المفسرين في كتبهم التفسيرية عندما تعرضوا لتفسير الآيات الواردة في التقية اتفقوا على ما ذهبت إليه الشيعة من إباحتها للتقية .

4- إنّ التقية لا تختص بالاتقاء من الكافر، بل تعم الاتقاء من المسلم المخالف، الّذي يريد السوء والبطش بأخيه .

5- إنّ التقية تنقسم حسب انقسام الأحكام إلى أقسام خمسة، فبينما هي واجبة في موضع فهي محرمة في موضع آخر .

6- إنّ مجال التقية لا يتجاوز القضايا الشخصية، وهي فيما إذا كان الخوف قائماً، وأمّا إذا ارتفع الخوف والضغط، فلا موضوع للتقية لغاية الصيانة .


1 . الإمام الخميني: الرسائل: 171 ـ 178 .


(361)

وفي الختام نقول:

نفترض أنّ التقية جريمة يرتكبها المتقي لصيانة دمه وعرضه وماله ولكنّها في الحقيقة ترجع إلى السبب الّذي يفرض التقيّة على الشيعي المسلم ويدفعه إلى أن يتظاهر بشيء من القول والفعل الّذي لا يعتقد به، فعلى من يعيب التقية للمسلم المضطهد، أن يسمح له الحرية في مجال الحياة ويتركه بحاله، وأقصى ما يصحّ في منطق العقل، أن يسأله عن دليل عقيدته ومصدر عمله، فإن كان على حجّة بيّنة يتبعه، وإن كان على خلافها يعذره في اجتهاده وجهاده العلمي والفكري .

نحن ندعو المسلمين للتأمل في الدواعي الّتي دفعت بالشيعة إلى التقية، وأن يعملوا قدر الإمكان على فسح المجال لاخوانهم في الدين فإنّ لكل فقيه مسلم، رأيه ونظره، وجهده وطاقته .

إنّ الشيعة يقتفون أثر الأئمة أهل البيت في العقيدة والشريعة، ويرون رأيهم، لأنّهم هم الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وأحد الثقلين اللذين أمر الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بالتمسك بهما في مجال العقيدة والشريعة، وهذه عقائدهم لا تخفى على أحد، وهي حجّة على الجميع .

نسأل اللّه سبحانه: أن يصون دماء المسلمين وأعراضهم عن تعرض أي متعرض، ويوحّد صفوفهم، ويؤلّف بين قلوبهم، ويجمع شملهم، ويجعلهم صفّاً واحداً في وجه الأعداء إنّه بذلك قدير وبالإجابة جدير .


(362)


(363)

المسألة السادسة:

الرجعة

إنّ فكرة الرجعة التي تحدّثت عنها بعض الآيات القرآنية والأحاديث المرويّة عن أهل بيت الرسالة ممّا يشنّع بها على الشيعة، فكأنّ من قال بها، رأى رأياً يوجب الخروج عن الدين، غير أنّ هؤلاء نسوا أو تناسوا انّ أوّل من أبدى نظرية الرجعة هو الخليفة عمر بن الخطاب فقد أعلن عندما شاعت رحلة النبىّ الأكرم بأنّه ما مات وليعودنّ فيقطعنّ ايدي وأرجل أقوام...

عن أبي هريرة قال: لمّا توفّي رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قام عمر بن الخطاب، فقال: إنّ رجالا من المنافقين يزعمون انّ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ توفّي، وانّ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ واللّه ما مات، ولكنّه ذهب إلى ربّه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة، ثمّ رجع إليهم بعد أن قيل قدمات، واللّه ليرجعنّ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كما رجع موسى، فليقطعنّ أيدي رجال و أرجلهم زعموا انّ


(364)

رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مات(1) .

ولا يخفى أنّ كلام الخليفة لو كان كلاماً حقيقياً لابد أن يحمل على أنّ النبي ما مات موتاً لا رجوع فيه وإنّما يرجع فيقوم بما أخبر عنه الخليفة، ولو أراد من نفي موته أنّه ما زال حياً فهو خلاف رأي جميع الصحابة الذين اتفقوا على موته، ولم يكن موت النبي أمراً يدركه جميع الناس ولا يدركه الخليفة .

إنّ الرجعة بمعنى عود جماعة قليلة إلى الحياة الدنيوية قبل يوم القيامة ثمّ موتهم وحشرهم مجدّداً يوم القيامة ليس شيئاً يضاد اُصول الإسلام، وليس فيه انكار لأىّ حكم ضروري، وليس القول برجعتهم إلى الدنيا ينفي بعثهم يوم القيامة، وكيف لا يكون كذلك وقد أخبر سبحانه عن رجوع جماعة إلى الحياة الدنيوية، نظير:

1- إحياء جماعة من بني إسرائيل(2) .

2- إحياء قتيل بني إسرائيل(3) .

3- موت اُلوف من الناس وبعثهم من جديد(4) .

4- بعث عزير بعد مائة عام من موته(5) .

5- إحياء الموتى على يد عيسى ـ عليه السلام ـ (6) .

فلو كان الاعتقاد برجوع بعض الناس إلى الدنيا قبل القيامة أمراً محالاً، فما معنى هذه الآيات الصريحة في رجوع جماعة إليها؟


1 . السيرة النبوية لابن هشام 4 / 305 .
2 . البقرة / 55 ـ 56 .
3 . البقرة / 72 ـ 73 .
4 . البقرة / 243 .
5 . البقرة / 259 .
6 . آل عمران / 49 .


(365)

ولو كان الرجوع إلى الدنيا على وجه الاطلاق تناسخاً فكيف تفسّر هذه الآيات؟

إنّ الاعتقاد بالذكر الحكيم يجرّنا إلى القول بأنّه ليس كل رجوع إلى الدنيا تناسخاً وانّما التناسخ الباطل عبارة عن رجوع الانسان إلى الدنيا عن طريق النطفة والمرور بمراحل التكوّن البشري من جديد ليصير انساناً مرّة اُخرى وأين هذا من الرجعة وعود الروح إلى البدن الكامل من جميع الجهات من دون أن يكون فيها رجوع من القوّة إلى الفعلية، أو دخول روح في بدن آخر، إنساناً كان أو حيواناً؟!

اتّفقت الشيعة على بطلان التناسخ وامتناعه وقد كتبوا فيه مقالات ورسائل يقف عليها من كان له إلمام بكتبهم وعقائدهم، وقد ذكروا أنّ للتناسخ أنواعاً وأقساماً، غير انّ الرجوع إلى الدنيا من خلال دخول الروح إلى البدن الّذي فارقه عند الموت لا يعد تناسخا، وانّما هو إحياء للموتى،الّذي كان معجزة من معاجز المسيح.

كل ذلك يدل على أنّه ليس أمام القول بالرجعة عراقيل وموانع وانّما هو أمر ممكن لو دلّ عليه الدليل القطعي نأخذ به وإلاّ فنذره في سنبله، والحال انّ بعض الآيات والروايات تدل على أنّه سيتحقّق الرجوع إلى هذه الدنيا قبل يوم القيامة لبعض الناس على وجه الاجمال، وأمّا من هم؟. وفي أي وقت يرجعون؟. ولأىّ غرض يعودون إلى الدنيا؟ فليس هنا مقام بيانها، انّما نكتفي ببيان بعض الآيات الدالّة على وقوعه قبل البعث، وإليك الآيات .

قال سبحانه:

(و إذا وَقَعَ القَولُ عَلَيهِمْ أخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنونَ * وَ يَومَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ اُمَّة فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ )


(366)

يُوزَعُونَ))(1) .

لا يشك من أمعن النظر في سياق الآيات وما ذكره المفسّرون حولها، في أنّ الآية الاُولى تتعلّق بالحوادث الّتي تقع قبل يوم القيامة، وعليه تكون الآية الثانية مكمّلة لها، وتدل على حشر فوج من كل جماعة قبل يوم القيامة، والحال أنّ الحشر في يوم القيامة يتعلّق بالجميع لا بالبعض، يقول سبحانه (وَ يَومَ نُسَيِّرُ الجِبالَ و تَرى الأرضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أحدا)(2) .

أفبعد هذا التصريح يمكن تفسير الآية السابقة بيوم البعث والقيامة؟

وهذه الآية تعرب عن الرجعة الّتي تعتقد بها الشيعة في حقّ جماعة خاصّة وأمّا خصوصياتها فلم يحدّث عنها القرآن الكريم وجاء التفصيل في السنّة .

وقد سأل المأمون العباسي الامام الرضا ـ عليه السلام ـ عن الرجعة، فأجابه بقوله: إنّها حقّ قد كانت في الاُمم السالفة ونطق بها القرآن وقد قال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : يكون في هذه الاُمّة كل ما كان في الاُمم السالفة حذو النعل بالنعل والقذّة بالقذّة(3) .

وأمّا من هم الراجعون؟ وما هو الهدف من إحيائهم؟ فيرجع فيه إلى الكتب المؤلّفة في هذا الموضوع، واجمال الجواب عن الأوّل أن الراجعين لفيف من المؤمنين ولفيف من الظالمين .

وقال المفيد ناقلا عن أئمّة أهل البيت: إنّما يرجع إلى الدنيا عند قيام القائم، من محض الإيمان محضاً أو محض الكفر محضاً، وأمّا ما سوى هذين فلا رجوع


1 . النمل / 82 ـ 83 .
2 . الكهف / 47 .
3 . بحارالأنوار 53 / 59 الحديث 45 .


(367)

لهم إلى يوم المآب(1) .

وقال أيضاً في المسائل السروية: والرجعة عندنا تختص بمن محض الإيمان، ومحض الكفر دون ما سوى هذين الفريقين(2) .

وإجمال الجواب عن الثاني ما ذكره السيّد المرتضى، قال: إنّ اللّه تعالى يعيد عند ظهور المهدي ـ عجل اللّه تعالى فرجه الشريف ـ قوماً ممّن كان تقدّم موته من شيعته ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته ومشاهدة دولته ويعيد أيضاً قوماً من أعدائه لينتقم منهم .

ذكر نكات:

1- إنّ الرجعة وإن كانت من مسلّمات عقائد الشيعة، ولكنّ التشيّع ليس منوطاً بالاعتقاد بها فمن أنكرها فقد أنكر عقيدة مسلّمة، بين أكثر الشيعة، ولكن لم ينكر ركناً من أركان التشيّع، ولأجل ذلك نرى انّ جماعة من الشيعة أوّلوا الأخبار الواردة في الرجعة إلى رجوع الدولة إلى شيعتهم وأخذهم بمجاري الاُمور دون رجوع أعيان الأشخاص، والباعث لهم على هذا التأويل هوعجزهم عن تصحيح القول بها نظراً واستدلالا، ولكن المحقّقين من الامامية، أخذوا بظواهرها وبيّنوا عدم لزوم استحالة عقلية على القول بها لعموم قدرة اللّه على كل مقدور، أجابوا عن الشبه الواردة عليها، وإلى هذا الاختلاف يشير الشيخ المفيد بقوله: واتّفقت الإمامية على رجعة كثير من الأموات إلى الدنيا قبل يوم القيامة وإن كان بينهم في معنى الرجعة اختلاف .


1 . الشيخ المفيد: تصحيح الاعتقاد 40 .
2 . الشيخ المفيد: تصحيح الاعتقاد 40 .


(368)

ويشير إلى الاختلاف، تلميذه الجليل الشريف المرتضى في المسائل الّتي وردت عليه من الرىّ ومنها حقيقة الرجعة، فأجاب بأنّ الّذي تذهب إليه الشيعة الإمامية بأنّ اللّه تعالى يعيد عند ظهور المهدي قوماً ممّن كان تقدّم موته من شيعته، وقوماً من أعدائه، وأنّ من الشيعة، تأوّلوا الرجعة على أنّ معناها رجوع الدولة والأمر والنهي إلى شيعتهم، من دون رجوع الأشخاص واحياء الأموات(1) .

2- كيف يجتمع اعادة الظالمين مع قوله سبحانه: (و حَرامٌ عَلى قَرْيَة أهْلَكْناها أنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ)(2) فإنّ هذه الآية تنفي رجوعهم بتاتاً، وحشر لفيف من الظالمين، يخالفها .

والاجابة عن السؤال واضحة، فإنّ الآية مختصّة بالظالمين الذين اُهلكوا في هذه الدنيا ورأوا جزاء عملهم فيها، فالآية تحكم بأنّهم لا يرجعون، وأمّا الظالمون الذين رحلوا عن الدنيا بلا مؤاخذة فيرجع لفيف منهم ليروا جزاء عملهم فيها ثمّ يردّون إلى أشدّ العذاب في الآخرة، فالآية تنفي رجوع لفيف من الظالمين الذين ماتوا حتف الأنف .

3- إنّ الظاهر من قوله تعالى: (حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّى أعْمَلَ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاّ إنّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلها ومِن ورائِهمْ بَرْزَخٌ اِلى يَومِ يُبْعَثُونَ)(3) هو نفي الرجوع إلى الدنيا بعد مجيئ الموت لأي أحد .

والاجابة عنها واضحة. انّ الآية كسائر السنن الإلهية الواردة في حقّ الإنسان، فهي تفيد أنّ الموت بطبعه ليس بعده رجوع وهذا لا ينافي رجوع البعض


1 . بحارالانوار 53 / 138 .
2 . الأنبياء / 95 .
3 . المؤمنون / 100 ـ 101 .


(369)

استثناءً ولمصالح عليا، كما مرّت الآيات الواردة في هذا المضمار .

أضف إلى ذلك أنّ عود بعض الظالمين إلى الدنيا ـ على القول بالرجعة ـ إنّما هو لأجل عقابهم والانتقام منهم، وأين هذا من طلب هؤلاء الكفار الرجوع لأجل تصحيح عملهم والقيام بما تركوه من الصالحات، وردّ هذا الفرع من الرجوع لا يكون دليلا على نفي النوع الأوّل منه .


(370)


(371)

المسألة السابعة:

زواج المتعة

وممّا يشنّع به على الشيعة: قولهم بجواز نكاح المتعة، ويعدّون القول بتشريعه أو بعدم نسخه مخالفاً للكتاب والسنّة. والمسألة فرعية فقهية لا يناسب البحث عنها في كتب تاريخ العقائد، غير أنّه لما كانت من شعائر فقه الشيعة، آثرنا أن نبحث عنها في اطار الكتاب والسنّة على وجه الاجمال حتّى يقف القارئ على أنّ القول باصل تشريعها وعدم نسخها، ممّا يثبته الكتاب والسنّة. وانّ القول بعدم تشريعها بتاتاً أو ادّعاء نسخها يضادّهما. وسيوافيك انّ لفيفاً من الصحابة والتابعين كانوا يفتون بجوازها وعدم نسخها وانّما منع عنها عمر بن الخطاب لحافز نفسي أو اجتهاد شخصي لا دليل عليه وليس حجّة على الآخرين .

وقد أبدى بنظيره في متعة الحج في زمن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ (1) .


1 . لاحظ الفصل الرابع من هذا الجزء، المورد الثالث من الموارد الّتي اجتهدوا فيها مقابل النص .

(372)

وأمّا زواج المتعة: وهو عبارة عن تزويج المرأة الحرّة الكاملة إذا لم يكن بينها وبين الزوج مانع من نسب أو سبب أو رضاع أو احصان أو عدّة أو غير ذلك من الموانع الشرعية، بمهر مسمّى إلى أجل مسمّى بالرضا والاتّفاق، فإذا انتهى الأجل تبين منه من غير طلاق. ويجب عليها مع الدخول بها إذا لم تكن يائسة أن تعتد عدّة الطلاق إذا كانت ممّن تحيض وإلاّ فبخمسة وأربعين يوما(1) .

وولد المتعة ذكراً كان أو اُنثى يلحق بالأب ولا يُدعى إلاّ به، وله من الارث ما أوصانا اللّه سبحانه به في كتابه العزيز. كما يرث من الاُم وتشمله جميع العمومات الواردة في الآباء والأبناء والاُمّهات وكذا المعمومات الواردة في الاخوة والأخوات والأعمام والعمّات .

وبالجملة: المتمتّع بها زوجة حقيقة وولدها ولد حقيقة ولا فرق بين الزواجين: الدائم والمنقطع إلاّ انّه لا توارث هنا ما بين الزوجين ولا قسم ولا نفقه لها. كما انّ له العزل عنها وهذه الفوارق الجزئية فوارق في الاحكام لا في الماهية والماهية واحدة غير انّ أحدهما مؤقت والآخر دائم. وانّ الأوّل ينتهي بانتهاء الوقت والآخر ينتهي بالطلاق أو الفسخ .

وقد أجمع أهل القبلة على انّه سبحانه شرّع هذا النكاح في صدر الإسلام ولا يشك أحد في أصل مشروعيّته وانّما وقع الكلام في نسخه أو بقاء مشروعيته .

والأصل في مشروعيته قوله سبحانه: (وحلائِلُ أبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أصْلابِكُمْ وأنْ تَجْمَعُوا بينَ الاُختَينِ إلاّ ما قَدْ سَلَفَ إنَّ اللّه كانَ غَفُوراً رَحيماً * والُمحصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ كِتابَ اللّهِ عَلَيكُمْ وَ اُحِلَّ لَكُمْ)


1 . لاحظ الكتب الفقهية للشيعة الامامية في ذلك المجال .

(373)

ماوَراءَ ذلِكُمْ أنْ تَبْتَغُوا بِأموالِكُمْ مُحصِنِينَ غَيرَ مُسافِحينَ فَما اسْتَمتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَاَتُوهُنَّ اُجُورَهُنَّ فريضةً ولا جُناحَ عَلَيْكُمْ فيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعدِ الفَريضَةِ إنَّ اللّهَ كانَ عَليماً حَكيماً))(1) .

والآية ناظرة إلى نكاح المتعة وذلك لوجوه:

1- الحمل على النكاح الدائم يستلزم التكرار بلا وجه:

إنّ هذه السورة ـ سورة النساء ـ تكفّلت ببيان أكثر ما يرجع إلى النساء من الأحكام والحقوق، فذكرت جميع أقسام النكاح في أوائل السورة على نظام خاص، أمّا الدائم فقد أشار إليه سبحانه بقوله: (و إنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا فِى اليَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَ ثَلاثَ و رُباعَ وإنْ خِفْتُمْ ألاّ تَعدِلُوا فَواحِدَةً...)(2) .

وأمّا أحكام المهر فقد جاءت في الآية التالية: (وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيء مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنيئاً مَريئا)(3) .

وأمّا نكاح الاماء فقد جاء في قوله سبحانه: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أنْ يَنْكِحَ الُمحْصَناتِ المُؤمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ واللّهُ أعْلَمُ بِإيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْض فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ وَ اَتُوهُنَّ اُجُورَهُنَّ بِالمَعْرُوفِ مُحْصَنات غَيْرَ مُسافِحات ولا مُتَّخِذاتِ أخْدان...)(4) .


1 . النساء / 23 ـ 24 .
2 . النساء / 3 .
3 . النساء / 4 .
4 . النساء / 25 .


(374)

فقوله سبحانه: (فمن ما ملكت أيمانكم)) إشارة إلى نكاح السيّد لأمته، الّذي جاء في قوله سبحانه أيضاً: (إلاّ عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ فَإنَّهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ...)(1) .

وقوله سبحانه: (فَانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ)) إشارة إلى الزواج من أمة الغير. فالى هنا تم بيان جميع أقسام النكاح فلم يبق إلاّ نكاح المتعة وهو الّذي جاء في الآية السابقة، وحمل قوله سبحانه: (فما استمتعتم)) على الزواج الدائم وحمل قوله: (فآتوهنّ اُجورهنّ)) على المهور والصدقات يوجب التكرار بلا وجه، وحمله على وجوب الصداق كله بالدخول، خلاف المتبادر على أنّه يجب الكل بالعقد والطلاق قبله منصِّف. فالناظر في السورة يرى انّ آياتها تكفّلت ببيان أقسام الزواج على نظام خاص ولا يتحقّق ذلك إلاّ بحمل الآية على نكاح المتعة كما هو ظاهرها أيضاً .

2- تعليق دفع الاُجرة على الاستمتاع:

إنّ تعليق دفع الاُجرة على الاستمتاع في قوله سبحانه: (فما استمتعتم به منهنّ فآتوهنّ اُجورهنَّ)) يناسب نكاح المتعة الّذي هو زواج مؤقّت لا النكاح الدائم، فإنّ المهر هنا يجب بمجرّد العقد ولا يتنجّز وجوب دفع الكل إلاّ بالمس .

3- تصريح جماعة من الصحابة على شأن نزولها:

ذكرت اُمّة كبيرة من أهل الحديث نزولها فيها وينتهي نقل هؤلاء إلى أمثال ابن عباس وأبي بن كعب وعبداللّه بن مسعود وجابر بن عبداللّه الأنصاري


1 . المؤمنون / 6 .

(375)

وحبيب بن أبي ثابت وسعيد بن جبير إلى غير ذلك من رجال الحديث الذين لا يمكن اتهامهم بالوضع والجعل .

وقد ذكر نزولها من المفسّرين والمحدّثين: امام الحنابلة في مسنده(1) وأبو جعفر الطبري في تفسيره(2) وأبوبكر الجصّاص الحنفي في أحكام القرآن(3) وأبوبكر البيهقي في السنن الكبرى(4) ومحمود بن عمر الزمخشري في الكشاف(5) وأبوبكر بن سعدون القرطبي في تفسير جامع أحكام القرآن(6) وفخر الدين الرازي في مفاتيح الغيب(7)، إلى غير ذلك من المحدّثين والمفسّرين الذين جاءوا بعد ذلك إلى عصرنا هذا ولا نطيل الكلام بذكرهم .

وليس لأحد أن يتّهم هؤلاء الأعلام بذكر ما لا يثقون به. فبملاحظة هذه القرائن لا يكاد يشكّ في ورودها في نكاح المتعة .

ونزيد بياناً بقوله سبحانه: (واُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أنْ تَبْتَغُوا بَأمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غيرَ مُسافِحين) .

إنّ قوله سبحانه: (أن تبتغوا)) مفعول له لفعل مقدّر، أي بيّن لكم ما يحلّ ممّا يحرم لأجل أن تبتغوا بأموالكم، وأمّا مفعول قوله: (تبتغوا)) فيعلم من القرينة وهو النساء أي تطلبوا النساء، أي بيّن الحلال والحرام لغاية ابتغائكم النساء


1 . مسند أحمد 4 / 436 .
2 . تفسير الطبري 5 / 9 .
3 . أحكام القرآن 2 / 178 .
4 . السنن الكبرى 7 / 205 .
5 . الكشاف 1 / 360 .
6 . جامع أحكام القرآن 5 / 13 .
7 . مفاتيح الغيب 3 / 267 .


(376)

من طريق الحلال لا الحرام.

وقوله سبحانه: (محصنين)) وهو من الاحصان بمعنى العفة وتحصين النفس من الوقوع في الحرام، وقوله سبحانه: (غير مسافحين)) هو جمع مسافح بمعنى الزاني مأخوذ من السفح بمعنى صبّ السائل، والمراد هنا هو الزاني بشهادة قوله سبحانه في الآية المتأخّرة في نكاح الإماء (وآتوهنّ اُجورهنّ بالمعروف محصنات غير مسافحات)) أي عفائف غير زانيات .

ومعنى الآية: انّ اللّه تبارك وتعالى شرّع لكم نكاح ماوراء المحرّمات لأجل أن تبتغوا بأموالكم ما يحصنكم ويصون عفّتكم ويصدّكم عن الزنا. وهذا المناط موجود في جميع الأقسام: النكاح الدائم، والمؤقت والزواج بأمة الغير، المذكورة في هذه السورة من أوّلها إلى الاّية 25 .

هذا هو الّذي يفهمه كلّ إنسان من ظواهر الآيات غير انّ من لا يروقه الأخذ بظاهر الآية (فما استمتعتم به منهنّ فآتوهنّ اُجورهنّ)) لرواسب نفسية أو بيئية حاول أن يطبّق معنى الآية على العقد الدائم وذكر في المورد شبهات نشير إليها .

الشبهة الأولى: إنّ الهدف في تشريع النكاح هو تكوين الاُسرة وإيجاد النسل وهو يختصّ بالنكاح الدائم دون المنقطع الّذي لا يترتّب عليه إلاّ إرضاء القوّة الشهوية وصبّ الماء وسفحه .

يجاب عنها بأنّه خلط بين الموضوع والفائدة المترتّبة عليه. وما ذكر انّما هو من قبيل الحكمة، وليس الحكم دائراً مدارها، ضرورة أنّ النكاح صحيح وإن لم يكن هناك ذلك الغرض. كزواج العقيم واليائسة والصغيرة. بل أغلب المتزوّجين في سن الشباب بالزواج الدائم لا يقصدون إلاّ قضاء الوطر واستيفاء الشهوة من طريقها المشروع، ولا يخطر ببالهم طلب النسل أصلا وإن حصل لهم قهراً، ولا يقدح ذلك في صحّة زواجهم .


(377)

ومن العجب حصر فائدة المتعة في قضاء الوطر مع أنّها كالدائم قد يقصد منها النسل والخدمة وتدبير المنزل وتربية الأولاد والارضاع والحضانة .

ونسأل المانعين الذين يتلقّون نكاح المتعة، مخالفاً للحكمة الّتي من أجلها شرّع النكاح، نسألهم عن الزوجين الذين يتزوّجان نكاح دوام، ولكن ينويان الفراق بالطلاق بعد شهرين فهل هذا نكاح صحيح أو لا؟ لا أظن أنّ فقيهاً من فقهاء الإسلام يمنع ذلك، وإلاّ فقد أفتى بغير دليل ولا برهان فيتعيّن الأوّل. فأي فرق يكون حينئذ بين المتعة وهذا النكاح الدائم سوى انّ المدّة مذكورة في الأول دون الثاني؟

يقول صاحب المنار: إنّ تشديد علماء السلف والخلف في منع المتعة يقتضي منع النكاح بنيّة الطلاق، وإن كان الفقهاء يقولون انّ عقد النكاح يكون صحيحاً إذا نوى الزوج التوقيت، ولم يشترطه في صيغة العقد، ولكن كتمانه إيّاه يعدّ خداعاً وغشّاً وهو أجدر بالبطلان من العقد الّذي يشترط فيه التوقيت(1) .

أقول: نحن نفترض انّ الزوجين رضيا بالتوقيت لبّاً، حتّى لا يكون هناك خداع وغشّ، فهو صحيح بلا اشكال .

الشبهة الثانية: إنّ تسويغ النكاح المؤقت ينافي ما تقرّر في القرآن كقوله عزّوجلّ في صفة المؤمنين: (والَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُون * إلاّ عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ فَإنَّهُمْ غَيرُ مَلُومين * فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَاُولئِكَ هُمُ العادُون)(2).

والمراد من الآية أن من ابتغى وراء ذلك، هم المتجاوزون ما أحلّه اللّه لهم إلى ما حرّمه عليهم، والمرأة المتمتّع بها ليست زوجة فيكون لها على الرجل مثل الذي


1 . المنار 5 / 17 .
2 . المؤمنون / 5 ـ 7 .


(378)

عليها بالمعروف .

يلاحظ عليه: انّها دعوى بلا دليل، فانّها زوجة ولها أحكام وعدم وجود النفقة وعدم وجود القسم، لا يخرجانها عن الزوجيّة فإنّ الناشزة زوجة ليست لها النفقة وحقّ القسم. ومثلها الصغيرة. والعجب أن يستدل بعدم وجود الأحكام على نفي الماهية، فإنّ الزوجيّة رابطة بين الزوجين يترتّب عليها أحكام وربّما تختص بعض الأحكام ببعض الأقسام .

الشبهة الثالثة: إنّ المتمتّع في النكاح المؤقت لا يقصد الاحصان دون المسافحة، بل يكون قصده مسافحة، فإن كان هناك نوع ما من احصان نفسه ومنعها من التنقّل في دِمَنِ الزنا، فإنّه لا يكون فيه شيء ما من احصان المرأة الّتي تؤجر نفسها كل طائفة من الزمن لرجل فتكون كما قيل:

كرة حُذِفْت بصوالجة * فتلقّفها رجل رجل(1)

يلاحظ عليه: انّه من أين وقف على انّ الاحصان في النكاح المؤقّت، يختص بالرجل دون المرأة، فإنّا إذا افترضنا كون العقد شرعياً، فكل واحد من الطرفين يُحْصن نفسه من هذا الطريق، وإلاّ فلا محيص عن التنقل في دمن الزنا. والّذي يصون الفتاة عن البغي أحد الاُمور الثلاثة:

1- النكاح الدائم .

2- النكاح المؤقّت بالشروط الماضية .

3- كبت الشهوة الجنسية .

فالأوّل ربّما يكون غير ميسور خصوصاً للطالب والطالبة الذين يعيشان بمنح ورواتب مختصرة يجريها عليهما الوالدان أو الحكومة، وكبت الشهوة الجنسية أمر


1 . المنار 5 / 13 .

(379)

شاق لا يتحمّله إلاّ الأمثل فالأمثل من الشباب والمثلى من النساء، وهم قليلون، فلم يبق إلاّ الطريق الثاني، فيحصنان نفسهما عن التنقل في بيوت الدعارة .

إنّ الدين الإسلامي هو الدين الخاتم، ونبيّه خاتم الأنبياء، وكتابه خاتم الكتب، وشريعته خاتمة الشرائع فلابد أن يضع لكل مشكلة اجتماعية، حلولا شرعية، يصون بها كرامة المؤمن والمؤمنة، وعندئذ يطرح هذا السؤال نفسه :

ماذا يفعل هؤلاء الطلبة والطالبات الذين لا يستطيعون القيام بالنكاح الدائم، وتمنع كرامتهم ودينهم عن التنقل في بيوت الدعارة والفساد، والحياة المادية بجمالها تؤجّج نار الشهوة في نفوسهم، فمن المستحيل عادة أن يصون نفسه أحد إلاّ من عصمه اللّه، فلم يبق طريق إلاّ ما ذكره الإمام علي بن أبي طالب، حيث قال: «لولا نهي عمر عن المتعة لما زنى إلاّ شقي أو شقية» .

وأمّا تشبيه المتعة بما جاء في الشعر فهو يعرب عن جهل الرجل بحقيقة نكاح المتعة وحدودها، فإنّ ما جاء فيه هي المتعة الدورية الّتي ينسبها الرجل(1) وغيره إلى الشيعة، وهم براء من هذا الإفك إذ يجب على المتمتّع بها بعد انتهاء المدّة، الاعتداد على ما ذكرنا، فكيف يمكن أن تؤجر نفسها كل طائفة من الزمن لرجل؟! سبحان اللّه ما أجرأهم على الكذب على الشيعة والفرية عليهم، وما مضمون الشعر إلاّ جسارة على الوحي والتشريع الإلهي، وقد اتّفقت كلمة المحدّثين والمفسّرين على التشريع، وانّه لو كان هناك نهي أو نسخ فانّما هو بعد التشريع والعمل .

الشبهة الرابعة: إنّ الآية منسوخة بالسنّة، واختلفوا في زمن نسخه إلى أقوال شتّى:

1- اُبيحت ثم نهي عنها عام خيبر .


1 . لاحظ كتابه: السنّة والشيعة 65 ـ 66 .

(380)

2- ما اُحلّت إلاّ في عمرة القضاء .

3- كانت مباحة ونهي عنها في عام الفتح .

4- اُبيحت عام أوطاس ثم نهي عنها(1) .

وهذه الأقوال تنفي الثقة بوقوع النسخ، على انّ نسخ القرآن بأخبار الاحاد ممنوع جدّاً، وقد صحّ عن عمران بن الحصين انّه قال: «انّ اللّه أنزل المتعة وما نسخها بآية اُخرى وأمرنا رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بالمتعة وما نهانا عنها، ثم قال رجل برأيه»، يريد به عمر بن الخطاب .

إنّ الخليفة الثاني لم يدّع النسخ وانّما أسند التحريف إلى نفسه، ولو كان هناك ناسخ من اللّه عزّوجلّ أو من رسوله، لأسند التحريم إليهما، وقد استفاض قول عمر وهو على المنبر:

متعتان كانتا على عهد رسول اللّه وأنا أنهى عنهما واُعاقب عليهما: متعة الحج ومتعة النساء، بل نقل متكلّم الأشاعرة في شرحه على شرح التجريد انّه قال: أيّها الناس ثلاث كنّ على عهد رسول الله، وأنا أنهى عنهنّ، واُحرّمهنّ، واُعاقب عليهنّ: متعة النساء ومتعة الحج وحىّ على خير العمل(2) .

وقد تقدم في الفصل الرابع بعض الكلام في ذلك أن ابن عباس قال لبعض المناظرين الذين كانوا يحتجون بنهي أبي بكر وعمر: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء. أقول: قال رسول اللّه، وتقولون: قال أبوبكر وعمر، حتّى أنّ ابن عمر لمّا سئل عنها، أفتى بالاباحة، فعارضوه بقول أبيه، فقال لهم: أمر رسول اللّه أحقّ أن


1 . لاحظ للوقوف على مصادر هذه الأقوال: مسائل فقهية 63 ـ 64، الغدير 6 / 225، أصل الشيعة واُصولها 171، والأقوال في النسخ أكثر مما جاء في المتن .
2 . مفاتيح الغيب 10 / 52 ـ 53، شرح التجريد للقوشجي 484 طبع ايران .


(381)

يتّبع أم أمر عمر؟

كلّ ذلك يعرب عن أنه لم يكن هناك نسخ ولا نهي نبوي وإنّما كان تحريماً من جانب الخليفة. لبعض المصالح المزعومة الّتي عبّر عنها في غير واحد من كلماته في المقام وفي متعة الحجّ، وقال:... ورؤوسنا تقطر ماءً(1) .

المنكرون للتحريم:

إنّ هناك لفيفاً من الصحابة والتابعين أنكروا التحريم بحماس:

1- علي أميرالمؤمنين، في ما أخرجه الطبري بالاسناد إليه انّه قال: لولا أنّ عمر نهى عن المتعة مازنى إلاّ شقىّ(2) .

2- عبداللّه بن عمر، أخرج الامام أحمد من حديث عبداللّه بن عمر، قال: قد سئل عن متعة النساء واللّه ما كنّا على عهد رسول اللّه زانين ولا مسافحين، ثم قال: واللّه لقد سمعت رسول اللّه يقول: ليكوننّ قبل يوم القيامة المسيح الدجّال وكذّابون ثلاثون وأكثر(3) .

3- عبداللّه بن مسعود، روى البخاري عن عبداللّه بن مسعود، قال: كنّا نغزو مع رسول اللّه وليس لنا شيء، فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثمّ رخّص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل معيّن، ثمّ قرأ علينا: (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ الممُعْتَدِينَ) (4)(5) .


1 . المفيد: الارشاد 93 طبع النجف .
2 . الطبري التفسير 5 / 9 .
3 . مسند أحمد 2 / 95 .
4 . صحيح البخاري، كتاب النكاح 7 / 4، الباب 8، الحديث 3 .
5 . المائدة / 87 .


(382)

4- عمران بن حصين، أخرج البخاري في صحيحه عنه، قال: نزلت آية المتعة في كتاب اللّه ففعلناها مع رسول اللّه، ولم ينزل قرآن يحرّمها ولم ينه عنها حتّى مات. قال رجل برأيه ما شاء(1) .

أخرج أحمد في مسنده عن أبي رجاءعن عمران بن حصين، قال: نزلت آية المتعة في كتاب اللّه وعملنا بها مع رسول اللّه، فلم تنزل آية تمنعها، ولم ينه عنها النبىّ حتّى مات(2) .

5- وقد عمد المأمون الخليفة العباسي، أن يعلن بتحليل المتعة، ولكنّه خوفاً من الفتنة توقّف عن الاعلان قال ابن خلّكان، نقلا عن محمّد بن منصور: قال: كنا مع المأمون في طريق الشام فأمر فنودي بتحليل المتعة، فقال يحيى بن أكثم لي ولأبي العيناء: بكّرا غداً إليه فإن رأيتما للقول وجهاً فقولا، وإلاّ فاسكتا إلى أن أدخل، قال: فدخلنا عليه وهو يستاك ويقول وهو مغتاظ: متعتان كانتا على عهد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وعلى عهد أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ وأنا أنهى عنهما، ومن أنت يا جعل حتّى تنهى عمّا فعله رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأبوبكر ـ رضي الله عنه ـ ؟! فأوما أبو العيناء إلى محمّد بن منصور وقال: رجل يقول من عمر بن الخطاب نكلّمه نحن؟ فأمسكنا، فجاء يحيى بن أكثم فجلس وجلسنا، فقال المأمون ليحيى: مالي أراك متغيّراً؟ فقال: هو غم يا أميرالمؤمنين لما حديث في الإسلام قال: وما حدث فيه؟ قال: النداء بتحليل الزنا، قال: الزنا؟ قال: نعم، المتعة زنا، قال: ومن أين قلت هذا؟ قال: من كتاب اللّه عزّوجلّ، وحديث


1 . صحيح البخاري 6 / 27، كتاب التفسير، تفسير سورة البقرة قول (فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ).
2 . مسند أحمد. لاحظ مسائل فقهية للسيد شرف الدين 70 .


(383)

رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال اللّه تعالى: (قَدْ أفْلَحَ المُؤمِنون)) إلى قوله: (و الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ * إلاّ على أزْواجِهِمْ أو ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ فَإنَّهُمْ غَيرُ مَلومين * فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ)(1).

يا أميرالمؤمنين زوجة المتعة ملك يمين؟ قال: لا، قال: فهي، الزوجة الّتي عند اللّه ترث وتورث وتلحق الولد ولها شرائطها؟ قال: لا، قال: فقد صار متجاوز هذين من العادين(2) .

عزب عن ابن أكثم ـ وهو كان ممّن يكنّ العداء لآل البيت ـ . أنّ المتعة داخلة في قوله سبحانه (إلاّ على أزواجكم)) وأمّا عدم الوراثة، فهو تخصيص في الحكم، وهو لا ينافي ثبوتها، وكم لها من نظير، فالكافرة لا ترث الزوج المسلم، وبالعكس، كما أنّ القاتلة لا ترث وهكذا العكس، وأمّا الولد، فيلحق قطعاً ونفي اللحوق ناش إمّا من الجهل بحكمها أو التجاهل به .

وما أقبح كلامه حيث فسّر المتعة بالزنا وقد أصفقت الاُمّة على تحليلها عصر الرسول والخليفة الأوّل، افحسب ابن أكثم انّ الرسول حلّل الزنا ولو مدَّة قصيرة.

كبرت كلمة تخرج من أفواهم:

وهناك روايات مأثورة عن الخليفة نفسه، تعرب عن أنّ التحريم كان صميم رأيه، من دون استناد إلى آية أو رواية .

روى مسلم في صحيحه: عن ابن أبي نضرة قال: كان ابن عباس يامر بالمتعة وكان ابن الزبير ينهى عنها فذكر ذلك لجابر، فقال: على يدي دار الحديث: تمتّعنا مع


1 . المؤمنون / 1 ـ 7.
2 . ابن خلكان: وفيات الأعيان 6 / 149 ـ 150 .


(384)

رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فلمّا قام عمر قال: إنّ اللّه كان يحلّ لرسوله ما شاء بما شاء فأتمّوا الحجّ والعمرة وابتّوا نكاح هذه النساء فلئِن اُوتي برجل نكح امرأة إلى أجل إلاّ رجمته بالحجارة(1) .

وروى الامام أحمد في مسنده عن ابي نضرة: قلت لجابر: إنّ ابن الزبير ينهى عن المتعة وانّ ابن عباس يأمر بها، فقال لي: على يدي جرى الحديث: تمتّعنا مع رسول اللّه ومع أبي بكر فلمّا ولّى عمر خطب الناس فقال: إنّ القرآن هو القرآن، وإنّ رسول اللّه هو الرسول، وإنّهما كانتا متعتان على عهد رسول اللّه إحداهما متعة الحج والاُخرى متعة النساء(2) .

وهذه المأثورات تعرب أولا: عن أنّ المتعة كانت باقية على الحل إلى عهد الخليفة ولم تكن محرّمة إلى زمان تولي عمر الأمر فنهى ومنع .

وثانياً: انّه باجتهاده قام بتحريم ما أحلّه الكتاب والسنّة، ومن المعلوم انّ اجتهاده ـ لو صحّت تسميته بالإجتهاد ـ حجّة على نفسه لا على غيره .

وفي الختام نقول:

إنّ الجهل بفقه الشيعة أدّى بكثير من الكتّاب إلى القول أنّ من أحكام المتعة عند الشيعة انّه لا نصيب للولد من ميراث أبيه، وانّ المتمتَّع بها لا عدّة لها، وانّها تستطيع أن تنتقل من رجل إلى رجل إن شاءت. ومن أجل هذا استقبحوا المتعة واستنكروها وشنعوا على من أباحها .

وقد خفي الواقع على هؤلاء، وانّ المتعة عند الشيعة كالزواج الدائم لا تتم إلاّ بالعقد الدال على قصد الزواج صراحة، وانّ المتمتَّع بها يجب أن تكون خالية من


1 . مسلم: الصحيح 4 / 130 باب نكاح المتعة الحديث 8، طبع محمد علي صبيح .
2 . أحمد: المسند 1 / 52 .


(385)

جميع الموانع، وانّ ولدها كالولد من الدائمة من وجوب التوراث، والانفاق وسائر الحقوق المادية وانّ عليها أن تعتد بعد إنتهاء الأجل مع الدخول بها، وإذا مات زوجها وهي في عصمته اعتدّت كالدائمة من غير تفاوت، إلى غير ذلك من الآثار(1) .


1 . الاثنا عشرية وأهل البيت تأليف مغنية 46 .

(386)


(387)

المسألة الثامنة:

مسح الأرجل في الوضوء

اختلف المسلمون في غسل الرجلين ومسحهما، فذهب الأئمة الأربعة إلى أنّ الواجب هو الغسل وحده، وقالت الشيعة الامامية انّه المسح، وقال داود بن علي والناصر للحق من الزيدية يجب الجمع بينهما وهو صريح الطبري في تفسيره: ونقل عن الحسن البصري انّه مخيّر بينهما(1) .

وممّا يثير العجب اختلاف المسلمين في هذه المسالة، مع أنّهم رأوا وضوء رسول اللّه كلّ يوم وليلة في موطنه ومهجره، وفي حضره وسفره ومع ذلك اختلفوا في أشدّ المسائل ابتلاءً وهذا يعرب عن أنّ الاجتهاد لعب في هذه المسألة دوراً عظيماً، فجعل أوضح المسائل أبهمها .

إنّ الذكر الحكيم تكفّل لبيان المسألة وما أبقى فيها ابهاماً واعضالا، وكان الحاضرون في عصر النزول فهموا من الآية معنىً واحداً. إمّا المسح أو الغسل ،


1 . الطبري: التفسير 6 / 86 ومفاتيح الغيب 11 / 162 والمنار 6 / 228 .

(388)

ولم يتردّدوا في حكم الرجلين أبداً. ولو خفي حكم هذه المسألة بعد رحلة الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ على الأجيال الآتية فلا غرو في أن يخفى على المسلمين حكم أكثر المسائل .

وليس فيها شيء أوثق من كتاب اللّه فعلينا دراسة ما جاء فيه، قال سبحانه: (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلوةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أيْدِيَكُمْ إلى المَرافِقِ وامْسَحُوا بَرؤوسِكُمْ وَ أرْجُلَكُمْ إلى الكَعْبَيْن))(1) وقد اختلف القرّاء في قراءة (وأرجلكم إلى الكعبين)) فمنهم من قرأ بالخفض، ومنهم من قرأ بالكسر. ومن البعيد أن تكون كلّ من القراءتين موصولة إلى النبيّ، فإنّ تجويزهما يضفي على الآية ابهاماً واعضالا، ويجعل الآية لغزاً، والقرآن كتاب الهداية والارشاد، وتلك الغاية تطلب لنفسها الوضوح وجلاء البيان، خصوصاً فيما يتعلّق بالأعمال والأحكام التي يبتلى بها عامّة المسلمين، ولا تقاس بالمعارف والعقائد الّتي يختصّ الامعان فيها بالأمثل فالأمثل. وعلى كل تقدير فممّن حقّق مفاد الآية وبيّنها الامام الرازي في تفسيره، ننقل كلامه بتلخيص:

قال: حجّة من قال بوجوب المسح مبني على القراءتين المشهورتين في قوله (وأرجلكم)) وهما:

الأوّل: قرأ ابن كثير و حمزة وأبو عمرو وعاصم ـ في رواية أبوبكر عنه ـ بالجرّ .

الثاني: قرأ نافع وابن عامر وعاصم ـ في رواية حفص عنه ـ بالنصب .

أمّا القراءة بالجرّ فهي تقتضي كون الأرجل معطوفة على الرؤوس، فكما وجب المسح في الرأس، فكذلك في الأرجل .


1 . المائدة / 6 .

(389)

فإن قيل لم لا يجوز أن يكون الجرّ على الجوار؟ كما في قوله: «جُحْرُ ضَبٍّ خَرِب» وقوله: «كَبيرُ اُناس في بِجاد مَزَمِّل» .

قيل: هذا باطل من وجوه:

1- إنّ الكسر على الجوار معدود من اللحن الّذي قد يتحمّل لأجل الضرورة في الشعر، وكلام اللّه يجب تنزيهه عنه .

2- إنّ الكسر على الجوار انّما يصار إليه حيث يحصل الأمن من الالتباس كما في قوله: «جُحرُضَبٍّ خَرِب» فإنّ «الخَرِب» لا يكون نعتاً للضبّ بل للجحر، وفي هذه الآية الأمن من الالتباس غير حاصل .

3- إنّ الكسر بالجوار انّما يكون بدون حرف العطف وأمّا مع حرف العطف فلم تتكلّم به العرب .

وأمّا القراءة بالنصب فهي أيضاً توجب المسح، وذلك لأنّ «برؤوسكم» في قوله (فامسحوا برؤوسكم)) في محل النصب(1) بامسحوا لأنّه المفعول به ولكنّها مجرورة لفظاً بالباء فإذا عطفت الأرجل على الرؤوس جاز في الأرجل النصب عطفاً على محل الرؤوس، وجاز الجر عطفاً على الظاهر .

ونزيد بياناً انّه على قراءة النصب يتعيّن العطف على محل برؤوسكم ولا يجوز العطف على ظاهر «أيديكم» لاستلزامه الفصل بين العاطف والمعطوف عليه بجملة أجنبية وهو غير جائز في المفرد، فضلا عن الجملة، هذا هو الّذي يعرفه المتدبّر في الذكر الحكيم، ولا يسوغ لمسلم أن يعدل عن القرآن إلى غيره فإذا كان هو المهيمن


1 . يقال ليس هذا بعالم ولا عاملا. قال الشاعر:
معاوي انّنا بشر فاسجح فلسنا بالجبال ولا الحديدا
لاحظ: المغني لابن هشام: الباب الرابع .


(390)

على جميع الكتب السماوية فأولى أن يكون مهيمناً على ما في أيدي الناس من الحقّ والباطل والمأثورات التي الحديث فيها ذو شجون(1) مع كونها متضاربة في المقام، فلو ورد فيها الأمر بالغسل، فقد جاء فيها الأمر بالمسح. رواه الطبري عن الصحابة والتابعين نشير إليه على وجه الاجمال:

1- ابن عباس، قال: الوضوء غسلتان ومسحتان.

2- كان أنس إذا مسح قدميه بلّهما. ولمّا خطب الحجّاج وقال: ليس شيء من ابن آدم أقرب إلى خبثه في قدميه فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقبيهما، قال أنس: صدق اللّه وكذب الحجّاج، قال اللّه (واسمحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين)) وكان أنس إذامسح قدميه بلّهما .

3- عكرمة، قال: ليس على الرجلين غسل وانّما نزل فيهما المسح .

4- الشعبي قال: نزل جبرائيل بالمسح وقال: ألاترى انّ التيمّم أن يمسح ما كان غسلا ويلغى ما كان مسحاً .

5- عامر: اُمر أن يمسح في التيمّم ما اُمر أن يغسل بالوضوء واُبطل ما اُمر أن يمسح في الوضوء : الرأس والرجلان. وقيل له: إنّ اُناسا يقولون: إنّ جبرائيل نزل بغسل الرجلين فقال: نزل جبرائيل بالمسح .

6- قتادة: في تفسير الآية: افترض اللّه غسلتين ومسحتين .

7- الأعمش: قرأ «وأرجلكم» مخفوضة اللام .

8- علقمة: قرأ «أرجلكم» مخفوضة اللام .

9- الضحاك: قرأ «وأرجلكم» بالكسر .


1 . لاحظ الجزء الأوّل من هذه الموسوعة: فصل «علل تكوّن المذاهب وأسبابه» .

(391)

10- مجاهد: مثل ما تقدّم(1) .

وهؤلاء من أعلام التابعين وفيهم الصحابيان: ابن عباس وأنس وقد أصفقوا على المسح وقراءة الجر الصريح في تقديم المسح على الغسل، وجمهور أهل السنّة يحتجّون بأقوالهم في مجالات مختلفة، ولماذا، أعرض عنهم الأئمّة الأربعة؟

أنا لا أدري .

إنّ القول بالمسح هو المنصوص عن أئمّة أهل البيت وهم يُسندون المسح إلى النبي الأكرم ويحكون وضوءه به قال أبوجعفر الباقر ـ عليه السلام ـ : ألا أحكي لكم وضوء رسول اللّه؟ ثمّ أخذ كفّاً من الماء فصبّها على وجهه... إلى أن قال: ثمّ مسح رأسه وقدميه. وفي رواية اُخرى ثمّ
مسح ببقيّة مابقى في يديه، رأسه ورجليه ولم يعدهما في الاناء(2) .

وفي ضوء هذه الروايات والمأثورات اتّفقت الشيعة الامامية على أنّ الوضوء غسلتان ومسحتان وقال السيّد بحر العلوم في منظومته الموسومة بالدرة النجفيّة:

انّ الوضوء غسلتان عندنا ومسحتان والكتاب معنا

فالغسل للوجه ولليدين والمسح للرأس وللرجلين

وبعد وضوح دلالة الآية، واجماع أئمّة أهل البيت على المسح، لا يبقى مجال للاستدلال على الغسل، وإليك ما ذكروا من وجوه باطلة .

1- انّ الأخبار الكثيرة وردت بإيجاب الغسل، والغسل مشتمل على المسح ولا ينعكس فكان الغسل أقرب إلى الاحتياط فوجب المصير إليه ويكون غسل


1 . الطبري: التفسير 6 / 82 ـ 83 .
2 . الحرّ العاملي: الوسائل 1، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث 9 و 10 .


(392)

الأرجل يقوم مقام مسحها(1) .

يلاحظ عليه: أنّ أخبار الغسل معارضة بأخبار المسح، وليس شيء أوثق من كتاب اللّه فلو دلّ على لزوم المسح، لا يبقى مجال لترجيحه على روايات الغسل، والقرآن هو المهيمن على الكتب والمأثورات، والمعارض منها للكتاب لا يقام لها وزن .

وأعجب من ذلك قوله: إنّ الغسل مشتمل على المسح، مع أنّهما حقيقتان مختلفتان، فالغسل إمرار الماء على المغسول، والمسح إمرار اليد على الممسوح(2).

وهما حقيقتان مختلفتان لغة وعرفاً وشرعاً ولو حاول الاحتياط لوجب الجمع بين المسح والغسل، لا الاكتفاء بالغسل .

2- ما روي عن علي أنّه كان يقضي بين الناس فقال «وأرجلكم» هذا من المقدّم والمؤخّر في الكلام فكأنّه سبحانه قال: «فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق واغسلوا أرجلكم وامسحوا برؤوسكم» .

يلاحظ عليه: أنّ أئمّة أهل البيت كالباقر والصادق ـ عليهما السلام ـ أدرى بما في البيت وهم اتّفقوا على المسح وهل يمكن الاتّفاق على المسح، مع اعتقاد كبيرهم بالغسل. وما روي موضوع عن لسان الامام ليثيروا الشك بين أتباعه وشيعته. ولا نعلّق على احتمال التقديم والتأخير شيئاً، سوى أنّه يجعل معنى الآية شيئاً مبهماً في المورد الّذي يطلب فيه الوضوح، إذ هي المرجع للقروي والبدوي،وللحاضر عصر النزول، والغائب عنه، فيجب أن يكون على نسق ينتقل منه إلى المراد، ثمّ إنّه


1 . الرازي: مفاتيح الغيب 11 / 162 .
2 . قال سبحانه حاكياً عن سليمان: (رُدّوها عَلَىَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ والأعْناق) ـ ص / 33 ـ أي مسح بيده على سوق الصافنات الجياد وأعناقها .


(393)

أىّ ضرورة اقتضت هذا التقديم والتأخير، مع أنّه كان من الممكن ذكر الأرجل بعد الأيدي من دون تأخير؟ ولو كان الدافع إلى التأخير هو بيان الترتيب، وانّ غسل الأرجل بعد مسح الرأس، فكان من الممكن أن يُذكر فعله ويقال «فامسحوا برؤوسكم واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين». كل ذلك يعرب عن أنّ هذه محاولات فاشلة لتصحيح الاجتهاد تجاه النص وما عليه أئمة أهل البيت من الاتّفاق على المسح .

3- ما روي عن ابن عمر في الصحيحين قال: تخلّف عنّا رسول اللّه في سفره، فأدركنا وقد أرهقنا العصر، وجعلنا نتوضّأ ونمسح على أرجلنا، قال: فنادى بأعلى صوته: «ويل للأعقاب من النار» ـ مرتين أو ثلاث ـ (1) .

يلاحظ عليه: أنّ هذه الرواية على تعيّن المسح أدلّ من دلالته على غسل الرجلين فإنّها صريحة في أنّ الصحابة كانوا يمسحون، وهذا دليل على أنّ المعروف عندهم هو المسح. وما ذكره البخاري من أنّ الانكار عليهم كان بسبب المسح لا بسبب الاقتصار على بعض الرجل، اجتهاد منه، وهو حجّة عليه لا على غيره، فكيف يمكن أن يخفى على ابن عمر حكم الرجلين حتّى يمسح رجليه عدّة سنين إلى أن ينكر عليه النبىّ المسح؟! على أنّ للرواية معنى آخر تؤيّده بعض المأثورات، فقد روي أنّ قوماً من أجلاف العرب، كانوا يبولون وهم قيام فيتشرشر البول على أعقابهم وأرجلهم فلا يغسلونها ويدخلون المسجد للصلاة، وكان ذلك سبباً لذلك الوعيد(2) ويؤيّد ذلك ما يوصف به بعض الأعراب بقولهم: بوّال على عقبيه، وعلى فرض كون المراد ما ذكره البخاري، فلا تقاوم الرواية نص الكتاب .


1 . صحيح البخاري ج 1 كتاب العلم ص 18 باب من رفع صوته، الحديث 1 .
2 . مجمع البيان 2 / 167 .


(394)

4- روى ابن ماجة القزويني عن أبي إسحاق عن أبي حية، قال: رأيت عليّاً توضّأ فغسل قدميه إلى الكعبين ثمّ قال: أردت أن اُريكم طهور نبيّكم(1) .

يلاحظ عليه: أنّ أبا حية مجهول لا يعرف، ونقله عنه أبوإسحاق الّذي شاخ ونسى واختلط وترك الناس روايته(2) أضف إليه انّه يعارض ما رواه عنه أهل بيته، وأئمّة أهل بيته، خصوصاً من لازمه في حياته وهو ابن عباس كما مرّ .

5- قال صاحب المنار: وأقوى الحجج اللفظية على الامامية جعل الكعبين غاية طهارة الرجلين وهذا لا يحصل إلاّ باستيعابهما بالماء، لأنّ الكعبين هما العظمان الناتئان في جانبي الرجل .

يلاحظ عليه: أنّا نفترض أنّ المراد من الكعبين هو ما ذكره، لكن نسأله: لماذا لا تحصل تلك الغاية إلاّ باستيعابهما بالماء؟ مع أنّه يمكن تحصيل تلك الغاية بمسحهما بالنداوة المتبقية في اليد، والاختبار سهل، فها نحن من الذين يمسحون الأرجل إلى العظمين الناتئين بنداوة اليد ولا نرى في العمل اعضالا وعسراً .

6- الامامية يمسحون ظاهر القدم إلى معقد الشراك عند المفصل بين الساق والقدم، ويقولون هو الكعب، ففي الرجل كعب واحد على رأيهم، فلو صحّ هذا لقال إلى الكعاب كما قال في اليدين إلى المرافق(3) .

يلاحظ عليه: إنّ المشهور بين الامامية هو تفسير الكعب بقبّة القدم الّتي هي معقد الشراك، وهناك من يذهب إلى أنّ المراد هو المفصل بين الساق والقدم وذهب قليل منهم إلى أنّ المراد هما العظمان الناتئان في جانبي الرجل وعلى كل تقدير، يصح


1 . سنن ابن ماجة 1 / 170 باب ما جاء في غسل القدمين الحديث الأوّل .
2 . لاحظ التعليقة لسنن ابن ماجة 170 وميزان الاعتدال للذهبي 4 / 519، برقم 10138 و ص