welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الملل والنحل /ج6 (تاريخ الشيعة)*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الملل والنحل /ج6 (تاريخ الشيعة)
نسخة مصححة و منقحة تم اضافتها في تاريخ 2018/02/14 م

صفحه 1
    بحوث في الملل والنحل / ج 6
   
بحوث
فـي
في الملل والنحل
دراسة موضوعيةٌ مقارنةٌ للمذاهب الإسلامية
الجزء السادس
يتناول تاريخ الشيعة
نشأتهم، عقائدهم، فرقهم وشخصيّاتهم
تأليف
جعفر السبحاني

صفحه 2
فهرستنويسى پيش از انتشار توسط : موسسه تعليماتى وتحقيقاتى امام صادق (عليه السلام)
السبحاني التبريزي ، جعفر : 1347 هـ . ق ـ
      بحوث في الملل والنحل / تاليف جعفر السبحانى . - قم : موسسه الامام الصادق عليه السلام ، 1423 ق . = 1381
ج .
كتابنامه به صورت زيرنويس .
چاپ دوم ; فهرستنويسى بر اساس جلد ششم .
ISBN : 964 - 357 - 066 - 5
1 . اسلام ـ ـ فرقه ها. الف. موسسه الامام الصادق عليه السلام. ب . عنوان .
3 ب2 س/ 236BP    5 / 297
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم ; سـاحة الشهداء
?7745457 ـ 2925152
: info@imamsadeq.orgالبريد الإلكتروني
: http://www.imamsadeq.org/ (,net ,com)العنوان في شبكة المعلومات
اسم الكتاب:   بحوث في الملل والنحل
الجزء:    السادس
المؤلــف:   آية الله جعفر السبحاني
الطبعــة:   الثانية
التاريخ:    1433 هـ
المطبعـة:   مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)ـ قم
الكمّيّـة:   1500 نسخة
الناشــر:   مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)
الإخراج الفني:   مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة

صفحه 3
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبيه وآله وعلى رواة سنّته وحملة أحاديثه وحفظة كلمه.

صفحه 4

صفحه 5
الحمد للّه الّذي علا بحوله، ودنا بطوله، والصلاة والسلام على سيّد رُسله وخاتم أنبيائه، الّذي بعثه لإنجاز عدته، وإتمام نبوّته، وعلى آله الّذين هم موضع سرّه، وملجأ أمره، وعيبة علمه، وموئل حكمه، صلاة دائمة مادام الفرقدان، وكرّ الجديدان .
أمّا بعد: فهذا هو الجزء السادس من موسوعتنا في دراسة تاريخ المذاهب الإسلامية وقد درسنا الفِرَق المشهورة، ولم تبق إلاّ الشيعة بفرقها الثلاث المنتشرة في العالم: الإمامية، والزيدية، والإسماعيلية.
نسأل اللّه سبحانه أن يوفّقنا في دراسة مذهب الشيعة، الّذين جنى عليهم كثير من المؤرّخين و كُتّاب المقالات و الفرق، و كتبوا عنهم أشياءً كثيرة هم برآء منها. ولم يرجعوا عند البحث عن عقائد هذه الفرقة إلى مؤلّفاتهم وكتبهم وآثارهم، وإنّما اعتمدوا على أفواه الرجال ونقلة الأخبار، فصاروا كحاطب ليل يجمع في حزمته كلّ رطب ويابس، والحقّ كما يقول بعض الأساتذة: إنّه تطوّر كلّ شيء إلاّ الكتابة عن الشيعة، ولكلّ بداية نهاية إلاّ الافتراء على الشيعة، ولكلّ حكم مصدره ودليله إلاّ الأحكام على الشيعة.(1)

1 . عبداللّه بن سبأ: 1 / 9 (مقدّمة الطبعة الثالثة بقلم الأُستاذ المغفور له محمّد جواد مغنية) .

صفحه 6
ونشكر القرّاء الكرام الذين شجّعونا برسائلهم على مواصلة بحث ودراسة هذه المواضيع الهامّة في تاريخ أُمّتنا المجيدة، ونتقدّم بالشكر إلى العلماء الذين يقدّمون لنا النقد البنّاء، فإنّ العصمة للّه ولمن عصمه.
جعفر السبحاني
قم المقدّسة
28 شعبان المعظم 1412 هـ

صفحه 7
الشيعة لغةً و اصطلاحاً   

الشيعة لغةً و اصطلاحاً

الشيعة لغة هم الجماعة المتعاونون على أمر واحد في قضاياهم، يقال تشايع القوم إذا تعاونوا، وربّما يطلق على مطلق التابع، قال سبحانه: (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِى مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِى مِنْ عَدُوِّهِ)(1) وقال تعالى: (وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإبْراهيمَ * إذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْب سَلِيم)(2)، فالشيعة هم الجماعة التابعة لرئيس لهم .
وأمّا اصطلاحاً فلها إطلاقات عديدة بملاكات مختلفة:
1- الشيعة: مَن أحبّ عليّاً وأولاده باعتبارهم أهل بيت النبىّ الذين فرض اللّه سبحانه مودّتهم قال عزّوجلّ: (قُلْ لا أسْئَلُكُم عَلَيْهِ أَجْرَاً إلاّ المَوَدَّةَ فِى القُربَى)(2)، والشيعة بهذا المعنى تعمّ كلّ المسلمين إلاّ النواصب، بشهادة أنّهم يصلّون على نبيّهم وآله في صلواتهم وأدعيتهم ويتلون الآيات النازلة في حقّهم صباحاً ومساءً، وهذا هو الإمام الشافعي يصفهم بقوله:
يا أهلَ بيتِ رسول اللّه حبُّكُمُ *** فَرضٌ من اللّهِ في القرآن أنْزلهُ
كَفاكُمُ من عَظيم الشّأن أنّكمُ *** من لم يُصلِّ عليكم لا صلاة لَهُ(4)
وأمّا النواصب فهم الذين نصبوا لعلي وأهل بيته العداء وتلقّوه فريضة دينية وأعانهم على ذلك مرتزقة أصحاب البلاط، وترجع جذور هذه الفكرة إلى

1 . القصص : 15 .            2 . الصافّات : 83 ـ 84 .
2 . الشورى : 23 .            4 . الصواعق المحرقة: 148 .

صفحه 8
معاوية حيث سنّ سبّ علىّ على المنابر وتبعه أولاده وعشيرته إلى أواخر الدولة الأموية، وكتب ابن أبي سفيان إلى عمّاله في جميع الآفاق: انظروا إلى من أُقيمت عليه البيّنة أنّه يحبّ عليّاً وأهل بيته، فامحوه من الديوان وأسقطوا عطاءه ورزقه».
ثمّ كتب نسخة أُخرى إلى عمّاله وشدّد الأمر فيها وقال: من اتّهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكّلوا به و اهدموا داره .
وعلى هذا المنشور قام الخطباء في كلّ كورة وعلى كلّ منبر يَلعَنون عليّاً ويبرأون منه و يقعون فيه وفي أهل بيته....(1)
2 ـ الشيعة: مّن يفضّل عليّاً على عثمان أو على الخلفاء عامّة مع اعتقاده بأنّه رابع الخلفاء، وإنّما يقدّم لاستفاضة مناقبه وفضائله عن الرسول الأعظم، والّتي دوّنها أصحاب الحديث في صحاحهم ومسانيدهم، وهي تُلزم الإنسان الاعتقاد بأنّه أفضل الصحابة، وعلى ذلك معتزلة بغداد وقليل من أهل
الحديث، وعلى ذلك الاصطلاح جرى أكثراً من كتب في الرجال والتراجم والمقالات حيث يصفون قليلاً من الصحابة وكثيراً من التابعين بأنّه يتشيّع، أو
أنّه شيعي، وربّما يعدّونه من أسباب الجرح، وكأنّ حبّ أهل البيت
عمل إجرامي، أو أنّ تقدّم الخلفاء على عليّ أصل من أُصول الدين لا
يجوز تجاوزه، مع أنّ الإمامة من الفروع عند أهل السنّة فكيف درجات
الخلفاء ورتبهم؟!
وربّما يختلط الأمر على من ليس له إلمام بالاصطلاح، فلا يفرّق بينهما،

1 . وسيوافيك مصدره وبيان عداء ابن أبي سفيان للإمام وعترته وشيعته .

صفحه 9
وأكثر من يستعمل هذا الاصطلاح هو الذهبي في «ميزان الاعتدال» و «سير أعلام النبلاء» فيصف بعض التابعين و المحدّثين بالتشيّع ملمّحاً
بذلك إلى ضعفهم، وقد رُمي أبو عبداللّه الحاكم النيسابوري بالتشيّع
كمعتزلة بغداد، والمقصود تفضيلهم عليّاً على سائر الخلفاء لا أنّه الإمام المنصوص بالخلافة .
3 ـ الشيعة: مَن يشايع عليّاً وأولاده باعتبار أنّهم خلفاء الرسول و أئمّة الناس بعده، نصبهم لهذا المقام بأمر من اللّه سبحانه، وذكر أسماءهم وخصوصيّاتهم، والشيعة بهذا المعنى هو المبحوث عنها في المقام، وقد اشتهر بأنّ عليّاً هو الوصي حتّى صار من ألقابه، وذكره الشعراء بهذا العنوان في قصائدهم(1) وهو يقول في بعض خطبه:
«لا يقاس بآل محمّد من هذه الأُمّة أحد، ولا يسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً. هم أساس الدين، وعماد اليقين، إليهم يفيء الغالي، وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حق الولاية، وفيهم الوصيّة والوراثة...».(2)
ومجمل القول: إنّ هذا اللفظ يشمل كل من قال: إنّ قيادة الأُمّة لعليّ بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)وأنّه يقوم مقامه في كل ما يمت إليه سوى النبوة ونزول الوحي عليه. كل ذلك بتنصيص من الرسول، وعلى ذلك فالمقوّم للتشيّع وركنه الركين

1 . خطب الإمام أبو محمّد: الحسن السبط حين قتل أميرالمؤمنين خطبته الغرّاء فقال: «أنا ابن النبي وأنا ابن الوصي». أخرجه الحاكم في مستدركه: 1 / 172; وقد ذكر ابن أبي الحديد أشعاراً وأراجيز تتضمّن توصيف الإمام بالوصاية عن الصحابة والتابعين، لاحظ شرح النهج: 1 / 143 ـ 150 باب ما ورد في وصاية علىّ من الشعر .
2 . نهج البلاغة: الخطبة الثانية .

صفحه 10
هو القول بالوصاية والقيادة بجميع شؤونها للإمام(عليه السلام)، فالتشيّع هو الاعتقاد بذلك، وأمّا ما سوى ذلك فليس مقوّماً لمفهوم التشيّع ولا يدور عليه إطلاق الشيعة .
لا شك أنّ للشيعة عقائد وآراء في مجالي الأُصول والفروع،
وربّما يشاركون غيرهم فيها وربّما يخالفونهم، ولكنّها ليست من سماتهم وأعرافهم وإنّما هي أُصول وأحكام دعاهم الدليل إلى تبنّيها من الكتاب
والسنّة والعقل .
مثلا إنّ الشيعة تقول باتّحاد الصفات الذاتية للّه سبحانه معها، وكونه سبحانه غير مرئي في الدارين، وأنّ كلامه مخلوق له، و أنّه لا يكلّف ما لا يطاق، وأنّ حقيقة الأمر في أفعال العباد لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين، وأنّ الأنبياء معصومون، إلى غير ذلك من الآراء، ولكنّها آراء كلامية للشيعة لا أنّها المقوّم للتشيّع بحيث لو خالف فيها رجل منهم، ولكنّه قال بالوصاية لعلي وبالقدوة لعترته، لخرج عن إطار التشيّع وأُصوله.
إنّ التشيّع بهذا المعنى عبارة عن الاعتقاد باستمرار القيادة الإسلامية
في قالب الوصاية لعلي وعترته، والشيعة تدّعي أنّ هذه الفكرة غرست بيد
النبي في أيّام حياته، وتبنّاها لفيف من المهاجرين في عصره، وبقوا عليها
بعد حياته واقتدى بهم لفيف من التابعين لهم بإحسان وتواصل الاعتقاد به
من تلك العصور إلى زماننا الحاضر، وهذا هو الّذي تدّعيه الشيعة وعليه
بُني صرح التشيّع، ونحن في غنى عن الإتيان بنصوص أعلامهم وأكابرهم
في المقام الّتي تدلّ على أنّ الوصاية للإمام بعد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فالأولى

صفحه 11
طرح الموضوع على بساط البحث وعرضه على المرتكزات العقلية، ولأجل تسليط الضوء على المسائل المهمة نبحث عن الجهات التالية وكل واحدة منها في فصل خاص بها:
1- في تبيين متطلّبات الظروف في عصر النبي، فهل كانت تقتضي أن تكون صيغة الحكم هي التنصيص أو كانت تقتضي تفويض الأمر إلى اختيار الأُمّة لتنتخب الحاكم والقائد عليها؟
2- ما هو المرتكز في الأذهان في عصر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وبعده في
أمر القيادة؟
3- ما هو مقتضى الكتاب والسنّة في القيادة بعد الرسول؟
4- ما هو السر في مخالفة الجمهور لنصّ الرسول وتصريحه؟
5- مبدأ التشيّع وتاريـخه ورواد التشيّع في عصر الرسول
والصحابة والتابعين.
6- افتراضات وهميّة حول تاريخ الشيعة .
7- صيغة الحكومة الإسلامية عند أهل السنّة .
8- نصوص الخلافة والركون إلى الأمر الواقع .
9- الشيعة في عصر الدولتين الأموية والعبّاسية.
10- عقائد الشيعة الإمامية الاثنا عشرية .
11- أئمّة الشيعة الاثنا عشر ونبذة عن حياتهم .
12- دور الشيعة في بناء الحضارة الإسلامية وتطوير العلوم .

صفحه 12
13- دول الشيعة وبلدانهم عبر التاريخ .
14- مصادر علوم الشيعة .
فالذي نعتقد أنّ تحليل هذه الجهات يكشف الواقع للمحقّق، ولا يُبقي له شكاً في أصالة التشيّع وأنّه استمرار للإسلام عبر الحقب والأعوام .

صفحه 13
بيان متطلّبات الظروف في عصر الرسول في مجال القيادة الإسلامية    

الفصل الأوّل:

بيان متطلّبات الظروف في عصر الرسول

في مجال القيادة الإسلامية

لاشك أنّ الدين الإسلامي دين عالمي، وشريعة خاتمة، وقد كانت قيادة الأُمّة من شؤون النبي الأكرم مادام على قيد الحياة، ثمّ إنّه وقع الاختلاف بين أصحاب المقالات والفرق في صيغتها بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، فهل كانت متبلورة في صيغة النص أو في انتخاب الأُمّة ؟
الشيعة ترى أنّ القيادة منصب تنصيصي، والّذي ينصّ على خليفة الرسول هو اللّه سبحانه عن طريقه(صلى الله عليه وآله وسلم)، بينما يرى أهل السنّة غير ذلك، ولكلّ من الاتّجاهين دلائل وبراهين، و المقصود هنا دراسة متطلّبات الظروف وتقييمها في عصر الرسالة، فهل كانت المصالح تكمن في تعيين القائد، أو كانت تكمن في خلافه؟ فدراستها تُسلّط الضوء على البحث الثالث و هو وجود النص من الرسول وعدمه، وإليك بيان ذلك:
إنّ الظروف السياسية الّتي كانت سائدة في المنطقة كانت توجب على الرسول أن يعيّن القائد، وكانت المصلحة الإسلامية تقتضي ذلك، لأنّ المجتمع الإسلامي كان مهدّداً على الدوام بالخطر الثُّلاثي: الروم، الفرس،

صفحه 14
المنافقين، وخطرهم يتمثّل بشنّ هجوم مفاجئ كاسح أو إلقاء بذور الفساد والاختلاف بين المسلمين .
فمصالح الأُمّة كانت توجب توحيد صفوف المسلمين في مواجهة الخطر الخارجي والداخلي، وذلك بتعيين قائد سياسي من بعده، وبذلك يسد الطريق على نفوذ العدو في جسم الأُمّة الإسلامية والسيطرة عليها، وعلى مصيرها، وبذلك يخسر الذين كانوا يتآمرون على ضرب الإسلام بعد وفاة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) .
أمّا العدوّ الأوّل فقد كان الامبراطورية الرومانية الّتي كانت تشكّل إحدى أضلاع المثلّث الخطر الّذي كان يحيط بالكيان الإسلامي ويهدّده من الخارج .
وكانت هذه القوّة الرهيبة تتمركز في شمال الجزيرة العربية، وكانت تشغل بال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)على الدوام، حتّى أنّ التفكير في أمر الروم لم يغادر ذهنه وفكره حتّى لحظة الوفاة، والالتحاق بالرفيق الأعلى .
وكانت أوّل مواجهة عسكرية بين المسلمين والجيش المسيحي الرومي في السنة الثامنة من الهجرة في أرض فلسطين، وقد أدّت هذه المواجهة إلى مقتل القادة العسكريين البارزين الثلاثة وهم: «جعفر الطيار» و «زيد بن حارثة» و «عبداللّه بن رواحة» .
ولقد أدّى انسحاب الجيش الإسلامي بعد مقتل القادة المذكورين إلى تزايد جرأة الجيش القيصري المسيحي، فكان يخشى بصورة متزايدة أن تتعرّض عاصمة الإسلام للهجوم الكاسح من قبل هذا الجيش .
من هنا خرج رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) في السنة التاسعة للهجرة (غزوة تبوك) على رأس جيش كبير جدّاً إلى حدود الشام ليقود بنفسه المواجهة العسكرية،

صفحه 15
وقد استطاع الجيش في هذه الرحلة الصعبة المضنية أن يستعيد للأُمّة الإسلامية هيبتها من جديد .
غير أنّ هذا الانتصار المحدود لم يُقنع رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، فأعدّ قبيل ارتحاله جيشاً كبيراً من المسلمين. وأمّر عليهم «أُسامة بن زيد» وكلّفهم بالتوجّه إلى حدود الشام والحضور في تلك الجبهة.
أمّا الضلع الثاني من المثلث الخطير الّذي كان يهدّد الكيان الإسلامي، فكان الامبراطورية الإيرانية (الفارسية) وقد بلغ غضب هذه الامبراطورية على رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ومعاداتها لدعوته، أن أقدم امبراطور إيران: «خسرو پرويز» على تمزيق رسالة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وتوجيه الإهانة إلى سفيره بإخراجه من بلاطه، والكتابة إلى واليه وعميله في اليمن بأن يوجّه إلى المدينة من يقبض على رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)أو يقتله إن امتنع.
و«خسرو» هذا و إن قتل زمن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ أنّ استقلال اليمن ـ الّتي رزحت تحت استعمار الامبراطورية الإيرانية ردحاً طويلا من الزمن ـ لم يغب عن نظر ملوك إيران آنذاك، وكان غرور أُولئك الملوك وتجبّرهم وكبرياؤهم لا يسمح بتحمّل منافسة القوّة الجديدة (القوّة الإسلامية) لهم .
والخطر الثالث وهو الأعظم (لأنّ القلعة الحصينة لا تهزم إلاّ من داخلها) كان هو خطر حزب النفاق الّذي كان يعمل بين صفوف المسلمين كالطابور الخامس، على تقويض دعائم الكيان الإسلامي من الداخل، إلى درجة أنّهم قصدوا اغتيال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) في طريق العودة من تبوك إلى المدينة.
فقد كان بعض عناصر هذا الحزب الخَطِر يقول في نفسه: إنّ

صفحه 16
الحركة الاسلامية سينتهي أمرها بموت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ورحيله، وبذلك يستريح الجميع(1) .
ولقد قام أبو سفيان بن حرب بعد وفاة رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) بمكيدة مشؤومة لتوجيه ضربة إلى الأُمّة الإسلامية من الداخل، وذلك عندما أتى عليّاً(عليه السلام) وعرض عليه أن يبايعه ضدّ مَن عُيِّن في السقيفة، ليستطيع بذلك شطر الأُمّة الإسلامية الواحدة إلى شطرين متحاربين متقاتلين، فيتمكّن حينها من الصيد في الماء العكر .
ولكنّ الإمام عليّاً(عليه السلام) أدرك بذكائه نوايا أبي سفيان الخبيثة، فرفض مطلبه وقال له كاشفاً عن دوافعه ونواياه الشرّيرة:
«واللّه ما أردت بهذا إلاّ الفتنة، وإنّك واللّه طالما بغيت للإسلام شرّاً. لاحاجه لنا في نصيحتك» ومع أنّ الإمام ردّه خائباً، لكنّه استمرّ في فتنته لشقّ عصا الأُمّة فأخذ يتردّد في أزقّة المدينة منادياً:
بني هاشم لا تطمعوا الناس فيكم *** ولا سيما تيم بن مرّة أو عدي
فما الأمر إلاّ فيكم وإليكم *** وليس لها إلاّ أبو حسن علي(2)
ولقد بلغ دور المنافقين الهدّام من الشدة بحيث تعرّض القرآن الكريم لذكرهم في سور عديدة هي: سورة آل عمران، والنساء، والمائدة، والأنفال، والتوبة، والعنكبوت، والأحزاب، ومحمّد، والفتح، والمجادلة، والحديد، والمنافقون، والحشر .

1 . لاحظ الطور : 30 .
2 . الكامل في التاريخ: 2 / 325 ; العقد الفريد: 2 / 249 .

صفحه 17
فهل مع وجود مثل هؤلاء الأعداء الأقوياء الذين كانوا يتربّصون بالإسلام الدوائر، ويتحيّنون الفرص للقضاء عليه، يصحّ أن يترك رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أُمّته الحديثة العهد بالإسلام، الجديدة التأسيس من دون أن يعيّن لهم قائداً دينياً سياسياً؟
إنّ المعطيات الاجتماعية توحي بأنّه كان من الواجب أن يدفع رسول الإسلام ـ بتعيين قائد للأُمّة ـ ظهور أىّ اختلاف وانشقاق فيها من بعده، ويضمّن بذلك استمرار وبقاء الأُمّة الإسلامية وإيجاد حصن قوي وسياج دفاعي متين حولها.
إنّ تحصين الأُمّة وصيانتها من الحوادث المشؤومة والحيلولة دون مطالبة كل فريق الزعامة لنفسه دون غيره وبالتالي التنازع على مسألة الخلافة والزعامة، لم يكن متحقّقاً إلاّ بتعيين قائد للأُمّة وعدم ترك الأُمور للأقدار .
إنّ هذه المحاسبة الاجتماعية تهدينا إلى صحّة نظرية «التنصيص على القائد بعد الرسول» ولعلّ لهذه الجهة ولجهات أُخرى طرح الرسول مسألة الخلافة في بدء الدعوة واستمر بذلك إلى آخر ساعة من عمره الشريف كما ستوافيك نصوصها.
***
ثمّ إنّي بعدما حرّرت ذلك في سالف الأيّام وأوردته في بعض محاضراتي الكلامية(1) وقفت على تقرير للمحقّق الشهيد السيد محمد باقر الصدر المغفور له فقد بيّن متطلّبات الظروف في تقديمه لكتاب «تاريخ الشيعة» للدكتور عبداللّه

1 . الإلهيات: 2 / 554 ـ 584، لولدنا الروحي الفاضل الشيخ حسن مكّي العاملي ـ حفظه اللّه ـ .

صفحه 18
فياض بنحو آخر، وهو تقرير رصين نقتطف منه ما يلي:
كان النبي الأكرم يدرك منذ فترة أنّ أجله قد دنا، وأعلن ذلك بوضوح في حجّة الوداع ولم يفاجئه الموت مفاجأة، وهذا يعني أنّه كان يملك فرصة كافية للتفكير في مستقبل الدعوة، وفي هذا الضوء يمكننا أن نلاحظ أنّه كانت أمام النبي ثلاثة طرق بالإمكان انتهاجها تجاه مستقبل الدعوة:
الطريق الأوّل: أن يقف من مستقبل الدعوة موقفاً سلبياً ويكتفي بممارسة دوره في قيادة الأُمّة وتوجيهها فترة حياته ويترك مستقبلها للظروف والصدف، وهذه السلبية لا يمكن افتراضها في النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، لأنّها انّما تنشأ من أحد أمرين كلاهما لا ينطبقان عليه :
1- «الاعتقاد بأنّ هذه السلبية والإهمال لا تؤثّر على مستقبل الدعوة، وأنّ الأُمّة قادرة على التصرّف بالشكل الّذي يحمي الدعوة، ويضمن عدم الانحراف».
وهذا الاعتقاد لا مبرّر له من الواقع إطلاقاً، لأنّ الدعوة الإسلامية بما أنّها كانت تغييراً انقلابياً في بدايته، تستهدف بناء أُمّة، واستئصال كل جذور الجاهلية منها، تتعرّض لأكبر الأخطار إذا خلت الساحة من قائدها، وتركها دون أي تخطيط. فهناك الأخطار تنبع عن طبيعة مواجهة الفراغ دون أي تخطيط سابق، فإنّ الرسول إذا ترك الساحة دون تخطيط لمصير الدعوة، فسوف تواجه الأُمّة لأوّل مرّة، مسؤولية التصرّف بدون قائدها، تجاه مشاكل الدعوة، وهي لا تملك أي مفهوم مسبق بهذا الصدد. وسوف يتطلّب منها الموقف تصرّفاً سريعاً آنيّاً بالرغم من خطورة المشكلة، لأنّ الفراغ لا يمكن أن يستمر .

صفحه 19
فلم تكن إذن خطورة الموقف بعد وفاة النبي شيئاً يمكن أن يخفى على أي قائد مُمارس للعمل العقائدي فضلا عن خاتم الأنبياء .
2- الّذي يمكن أن يفسّر سلبية القائد تجاه مستقبل الدعوة ومسيرها بعد وفاته، أنّه بالرغم من شعوره بخطر هذه السلبية لا يحاول تحصين الدعوة ضدّ ذلك الخطر، لأنّه ينظر إلى الدعوة نظرة مصلحيّة، فلا يهمّه إلاّ أن يحافظ عليها مادام حيّاً ليستفيد منها ويستمتع بمكاسبها ولا يعني بحماية مستقبلها بعد وفاته.
وهذا التفسير لا يمكن أن يصدق على النبي حتّى لولم نلاحظه بوصفه نبيّاً ومرتبطاً باللّه سبحانه وتعالى في كل ما يرتبط بالرسالة، وافترضناه قائداً رسالياً كقادة الرسالات الأُخرى، لأنّ تاريخ القادة الرساليّين لا يملك نظيراً للقائد الرسول، في إخلاصه لدعوته، وتفانيه فيها، وتضحيته من أجلها إلى آخر لحظة من حياته، وكلّ تاريخه يبرهن على ذلك.
الطريق الثاني: أن يخطّط الرسول القائد لمستقبل الدعوة بعد وفاته ويتّخذ موقفاً إيجابياً فيجعل القيمومة على الدعوة ممثّلة على أساس نظام الشورى الّذي يضم مجموع المهاجرين والأنصار، فهذا الجيل الممثّل للأُمّة هو الّذي سيكون قاعدة للحكم ومحوراً لقيادة الدعوة في خط نُمُوّها. وفيما يلي ما يرد تلك الفكرة:
1- لو كان النبي قد اتّخذ من مستقبل الدعوة بعده موقفاً إيجابياً يستهدف وضع نظام الشورى موضع التطبيق بعد وفاته مباشرة، وإسناد زعامة الدعوة إلى القيادة التي تنبثق عن هذا النظام، لكان من أبده الأشياء الّتي يتطلّبها هذا الموقف الإيجابي، أن يقوم الرسول القائد بعملية توعية للأُمّة والدعاة، على نظام

صفحه 20
الشورى وحدوده وتفاصيله وإعطائه طابعاً دينياً مقدّساً، وإعداد المجتمع الإسلامي إعداداً فكريّاً وروحيّاً لتقبّل هذا النظام، وهو مجتمع نشأ من مجموعة من العشائر لم تكن قد عاشت قبل الإسلام وضعاً سياسياً على أساس الشورى وانّما كانت تعيش في الغالب وضع زعامات قبليّة وعشائريّة تتحكّم فيها القوّة والثروة وعامل الوراثة إلى حدّ كبير.
فإنّ الإسلام إذا كان أرسى نظام الحكم على أساس الشورى وجعله طريقاً لتعيين الحاكم بحيث تكون هي مبدأ الولاية والحاكمية; فإنّ من الطبيعي بل والضروري ان يقوم الإسلام بتوعية الأُمّة، وإيقافها ـ بصورة واسعة ـ على حدود الشورى وتفاصيلها وخطوطها العريضة حتّى لا تتحيّر الأُمّة وتختلف في أمرها، ولكنّنا رغم هذه الأهمية القصوى لا نجد لهذه التوعية الضرورية أي أثر في الكتاب والسنّة في مجال انتخاب الحاكم.
ثمّ إنّه ((رحمه الله)) استشهد بفعل الخليفة الأوّل حيث لم يمارس نظام الشورى في حال حياته وقام بتنصيب عمر مكانه، كما فعل ذلك أيضاً الخليفة الثاني في نطاق خاص فجعله محصوراً في ستّة أشخاص، وسيوافيك تفصيل ذلك في الفصل الثاني .
الطريق الثالث: وهو الطريق الوحيد الّذي بقى منسجماً مع طبيعة الأشياء ومعقولا على ضوء ظروف الدعوة والدعاة وسلوك النبىّ. وهو أن يقف النبي
من مستقبل الدعوة بعد وفاته موقفاً إيجابياً، فيختار بأمر من اللّه سبحانه
وتعالى شخصاً يرشّحه عمق وجوده في كيان الدعوة، فيعدّه إعداداً رسالياً وقيادياً خاصّاً تتمثّل فيه المرجعية الفكرية والزعامة السياسية، وليواصل
بعده (بمساندة القاعدة الشعبية الواعية من المهاجرين والأنصار)، قيادة الأُمّة

صفحه 21
وبناءها عقائدياً وتقريبها باستمرار نحو المستوى الّذي يؤهّلها لتحمّل المسؤوليات القيادية .
وهكذا نجد أنّ هذا هو الطريق الوحيد الّذي كان بالإمكان أن يضمن سلامة مستقبل الدعوة وصيانة الحكم من الانحراف في خط نموّها وهكذا كان.(1)
وعلى ذلك فالقول بالتشيّع عبارة عن القول بوجود ضمان لاستمرار الدعوة بتعيين الوصىّ من جانب الرسول بأمر من اللّه، وقد عرفت أنّ طبيعة الظروف في عصر الرسول كانت تقتضي ذلك على الوجه الكلّي، أي كان يتطلّب تعيين القائد وأن لا يترك الأمر إلى الأُمّة، وعدم إهماله وتركه للصدف، وستعرف في الفصل الثالث أنّه قد صدّق الخبرُ الخبرَ، وأنّ الرسول قد قام بتلك الوظيفة الّتي تضمن استمرار الدعوة وسلك هذا الطريق سلوكاً واضحاً .
* * *
وهناك بيان ثالث يعطي نفس ما أعطاه الوجهان، وهو دراسة طبيعة الحكم من زاوية طروء الفراغ الهائل بعد رحلة الرسول فيما يمت إلى صلب الدين وهداية الأُمّة إلى الحق والحقيقة:
لقد درسنا متطلّبات الظروف ومقتضيات عصر النبي في مجال القيادة وإدارة دفّة الحكم ووصلنا إلى أنّ مصالح المسلمين كانت تكمن في تعيين القائد دفعاً للأخطار المحدقة بالإسلام والمسلمين بوفاة النبىّ، ومفاجأة الأُمّة بفراغ مكانه القيادي.

1 . مقدّمة تاريخ الإمامية: 5 ـ 16 بتلخيص .

صفحه 22
ويمكن لنا دراسة طبيعة الحكم من زاوية أُخرى وهي ملاحظة الفراغات الهائلة الحاصلة بعد رحلة القائد، لا من جهة القيادة السياسية والاجتماعية، بل في جانب حاجة الأُمّة إلى قائد رسالي يسد تلك الفراغات المعنوية فيما يمت إلى صلب الدين وأمر هداية الأُمّة في مجال تفسير الكتاب وشرح مقاصده أوّلا، وتبيين ما لم يبيّنه الرسول في مجال الأحكام ثانياً، وصيانة الدين الحنيف من محاولات التحريف ثالثاً فالأُمّة تواجه وتفاجئ هذه الفراغات الثلاثة، فمن الّذي يسدّها، فهل الأُمّة جميعاً، أو المهاجرون والأنصار، أو أهل الحل والعقد؟ والجواب: لا، لأنّ المفروض ـ كما سيأتي ـ قصورهم عن ملء الفراغ، فما هو الحل لهذا المشكل؟ وهذا هو الّذي يستهدفه هذا البحث. فنقول:
إنّ الرسول الأكرم لم تقتصر مسؤولياته على تلقّي الوحي الإلهي وإبلاغ الآيات النازلة عليه، بل كانت تتجاوز عن ذلك كثيراً، فقد كانت وظائف ثلاث تقع على عاتقه بالإضافة إلى ما يقوم به من سائر الوظائف:
1- كان النبي الأكرم يفسّر الكتاب العزيز ويشرح مقاصده ويبيّن أهدافه ويكشف رموزه وأسراره.
2- وكان يبيّن أحكام الحوادث الجديدة الطارئة على المجتمع الإسلامىّ عن طريق القرآن الكريم وسنَّته.
3- وكان يصون الدين من التحريف والدس، فكان وجوده مدار الحق وتميزه عن الباطل، وكانت حياته ضماناً لعدم تطرّق الدس والتحريف إلى دينه.
ولا شك أنّ موت النبىّ وفقدانه سيوجدان فراغات هائلة في المجالات الثلاثة فيجب إعداد قائد له القابلية والصلاحية في سد تلك الفراغات، ولا

صفحه 23
يقوم به إلاّ من كان يتمتّع بما كان يتمتّع به الرسول عدا خصيصة النبوّة وتلقّي الوحي، فيكون وعاء علم النبي ومخزن أسراره، ومودع حكمه، حتّى يقوم بتلك الوظيفة العظيمة.
ومن الواضح أنّ هذه الكفاءات والمؤهّلات المعنوية لاتحصل لشخص بطريق عادي ولا بالتربية البشرية المتعارفة، بل لابدّ من إعداد إلهي خاص وتربية إلهية خاصّة هذا من جانب، ومن جانب آخر لا يمكن للأُمّة أن تتعرّف بنفسها على هذا الشخص وتكتشف من تتوفّر فيه تلك المؤهّلات والكفاءات بالطرق العادية.
كلّ ذلك يثبت نظرية التنصيص وأنّه لا محيص عن تعيين القائد بتنصيص الرسول بأمر من اللّه سبحانه، أي تنصيب من يتّصف بتلك الكفاءات الّتي لا يكتسبها إلاّ من تربّى في حضن الرسالة والرسول. وإليك تفاصيل هذه الفراغات، ونكتفي في كلّ مورد بموجز القول:

1- القرآن الكريم والابهامات الطارئة:

إنّ اللّه سبحانه يصف القرآن بأنّه نزل إلى النبىّ ليبيّن للناس ما نزل إليهم فيقول: (وَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ للنّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِمْ)(1) وقال: (وَ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ إِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِى اخْتَلَفُوا فِيهِ)(2) فقد وصف النبي في هاتين الآيتين بأنّه مبيّن لما في الكتاب لا قارئ فقط، فكم فرق بين أن يقول: «لتقرأ للناس» وبين: (لتبيّن لهم) .

1 . النحل : 44 .
2 . النحل : 64 .

صفحه 24
إنّ هذه الآيات تكشف لنا عن أنّ القرآن رغم وضوحه من حيث اللفظ والمعنى ورغم أنّه منزّه عن مشابهة كتب الألغاز والطلاسم، يحتاج إلى مبيّن ومفسّر لسببين:
1- وجود المجملات في أحكام العبادات والمعاملات الواردة في آياته .
2- غياب القرائن الحالية الّتي كانت الآيات محفوفة بها حين النزول، وكانت معلومة للمخاطبين في ذلك الوقت .
وقد كان النبىّ بنفسه يقوم بتفسير القرآن الكريم وتبيين مجمله وتقييد مطلقه وما أشبه ذلك. وكانت القرائن الحالية معلومة وواضحة لدى الأصحاب. ولمّا ارتحل النبىّ الأكرم إلى الرفيق الأعلى وحصل الفصل الطويل بينه وبين أُمّته، حدث هناك فراغ هائل في تفسير القرآن فلاترى آية من الآيات إلاّ وفي تفسيرها آراء متضاربة إلى حدّ اختلفوا في تفسير الآيات الّتي تتعلّق بأعمالهم اليومية:
1- قال سبحانه في آية الوضوء: (فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلى المَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكَعْبِيْنِ)(1) وقد تضاربت الآراء في فهم هذه الآية وصارت الأُمّة إلى قولين: فمن عاطف لفظ «أَرجلكم» على الرؤوس فيحكم على الأرجل بالمسح، ومن عاطف له على الأيدي فيحكم على الأرجل بالغسل .
ومن المعلوم أنّ إعراب القرآن الكريم إنّما حدث بعد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فأىّ الرأيين هو الصحيح؟

1 . المائدة : 6 .

صفحه 25
2- لقد حكم اللّه تعالى على السارق والسارقة بقطع الأيدي حيث قال: (وَالسَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)(1)، وقد اختلفت الأُمّة في مقدار القطع وموضعه: فمن قائل إنّ القطع من أُصول الأصابع دون الكف وترك الإبهام كما عليه الإمامية، وجماعة من السلف; ومن قائل إنّ القطع من الكوع، وهو المفصل بين الكف والذراع، كما عليه أبو حنيفة ومالك والشافعي; ومن قائل إنّ القطع من المنكب كما عليه الخوارج.(2)
3- سئل أبوبكر عن الكلالة في قوله تعالى: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِى الكَلالَةِ إنِ امْرُؤٌاْ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ)(3) فقال: إنّي سأقول فيها برأيي، فإن يكن صواباً فمن اللّه، وإن يكن خطأً فمنّي ومن الشيطان، واللّه ورسوله بريئان، أراه ما خلا الولد والوالد. فلمّا استخلف عمر قال: إنّي لأستحيي اللّهَ أن أردّ شيئاً قاله أبوبكر.
4- أمر اللّه سبحانه الورثة بإعطاء السدس للكلالة في قوله سبحانه:
(وَ إنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِد
مِنْهُمَا السُّدُسُ
)(4) وفي الوقت نفسه يحكم سبحانه بإعطاء الكلالة النصف أو الثلثين كما قال:(إِنِ امْرُؤٌا هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا

1 . المائدة : 38 .
2 . راجع الخلاف للطوسي (كتاب السرقة) 184. ونقل الجصاص في أحكام القرآن: 421: عن أبي هريرة انّ رسول اللّه قطع يد سارق من الكوع. ونقل ابن قدامة الخلاف إذا سرق ثانياً: فعن عطاء وربيعة وداود أنّه تقطع يده اليسرى، وعن الآخرين: تقطع رجله اليسرى. المغني: 10 / 264 ـ 265 .
3 . النساء : 176 .
4 . النساء : 12 .

صفحه 26
إِن لَمْ يَكُن لَهَا وَلَدٌ فَإنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمّا تَرَكَ)(1) .
فما هو الحل وكيف الجمع بين هاتين الآيتين؟ لا شك انّه لم يكن ثمّة إبهام في مورد هاتين الآيتين، بل حدث الإبهام في ذلك فيما بعد .
ألا يدلّ هذا على ضرورة من يخلف النبي حتّى يرفع الستار عن وجه الحقّ بما عنده من علوم مستودعة .

2- الرسالة الإسلامية والحوادث المستجدّة:

إنّ اتّساع رقعة الدولة الإسلامية ومخالطة المسلمين للشعوب والأقوام المختلفة جعلهم أمام موضوعات مستجدّة ومسائل مستحدثة، لم تكن معهودة ولا معروفة في عهد النبي الأكرم الّذي لم تكن فيه الدولة الإسلامية قد توسّعت كما توسّعت بعد وفاته، والتحاقه بالرفيق الأعلى .
وكان من الأمر المشكل أن يتحدّث النبي عن أحكام موضوعات لم يعرف المسلمون شيئاً من ماهياتها وتفصيلاتها، ولم يشاهدوا لها نظيراً في حياتهم، ولأجل ذلك كانوا يجهلون أحكام الموضوعات المستجدّة من دون أن يجدوا لها حلولا وأجوبة، هذا من جانب .
ومن جانب آخر أنّ الأحاديث الّتي رواها الصحابة والتابعون عن
النبي الأكرم في مجال الأحكام لاتتجاوز عن خمسمائة حديث.(2) حتّى قال الإمام الرازي: إنّ المنصوص حكمه من الموضوعات قليل جدّاً.(2) ولنذكر للموضوع نماذج:

1 . النساء : 176 .            2 . الوحي المحمدي: 212 .
2 . تفسير المنار: 5 / 189 .

صفحه 27
1. شغلت مسألة العول بال الصحابة فترة من الزمن وكانت من المسائل المستجدّة بعد الرسول الّتي واجهها جهاز الحكم، ويعني منه قصور التركة عن سهام ذوي الفروض. مثال ذلك: إذا ترك الميّت زوجة وأبوين وبنتين، ولمّا كان سهم الزوجة ـ حسب نص القرآن ـ الثمن وفرض الأبوين الثلث، وفرض البنتين الثلثين، والتركة لا تسع للثمن والثلث والثلثين، فلمّا عرضت المسألة على عمر ابن الخطاب قال: واللّه ما أدري أيّكم قدّم اللّه وأيّكم أخّر، ما أجد شيئاً هو أوسع لي من أن أُقسّم المال عليكم بالحصص، وأدخل على كلّ ذي حقّ ما أدخل عليه من عول الفريضة.(1)
2. رجل طلّق امرأته قبل الإسلام مرّتين وفي الإسلام مرّة فهل تحرم عليه أو لا؟ فقال عمر بن الخطاب للسائل: لا آمرك ولا أنهاك، وقال عبدالرحمن بن عمر: ولكنّي آمرك ليس طلاقك قبل الإسلام بشيء.(2)
3. إنّ الجيل المعاصر للرسول لم يكن يملك تصوّرات واضحة محدّدة حتّى في مجال القضايا الدينية الّتي كان يمارسها النبي مئات المرّات وعلى مرأى ومسمع من الصحابة، ونذكر على سبيل المثال لذلك، الصلاة على الميّت، فإنّها عبادة، كان النبي قد مارسها عادة مئات المرّات وأدّاها في مشهد عام من المشيّعين والمصلّين، وبالرغم من ذلك يبدو أنّ الصحابة كانوا لا يجدون ضرورة لضبط صورة هذه العبادة مادام النبي يؤدّيها وماداموا يتابعون فيها النبي فصلا بعد فصل، ولهذا وقع الاختلاف بينهم بعد وفاة النبي في عدد التكبيرات في صلاة الميّت، فقد أخرج الطحاوي عن إبراهيم قال: قبض رسول اللّه والناس

1 . أحكام القرآن : 2 / 109; مستدرك الحاكم: 4 / 340 .
2 . كنز العمال: 5 / 161 .

صفحه 28
مختلفون في التكبير على الجنازة لا تشاء أن تسمع رجلا يقول: سمعت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) يكبّر سبعاً، وآخر يقول: سمعت رسول اللّه يكبّر خمساً، وآخر يقول: سمعت رسول اللّه يكبّر أربعاً، فاختلفوا في ذلك حتّى قبض أبوبكر، فلمّا ولّي عمر ورأى اختلاف الناس في ذلك شقّ عليه جدّاً، فأرسل إلى رجال من أصحاب رسول اللّه، فقال: إنّكم معاشر أصحاب رسول اللّه متى تختلفون على الناس يختلفون من بعدكم، ومتى تجتمعون على أمر يجتمع الناس عليه فانظروا أمراً تجتمعون عليه، فكأنّما أيقظهم، فقالوا: نعم ما رأيت يا أميرالمؤمنين الخ.(1)
ولأجل هذا القصورترى أنّ الخلفاء ومن بعدهم تمسّكوا بمقاييس لا تمت إلى الكتاب والسنّة، فروى ميمون بن مهران انّه: إذا ورد الخصم على أبي بكر نظر في كتاب الله فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به، فإن أعياه سأل المسلمين، فإن أعياه أن يجد فيه سنّة عن رسول الله، جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم، وإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به (2)
فقد لمس الخليفة أنّ الكتاب والسنّة النبوية غير وافيين بالحاجات الفقهية، ولهذا كان يعمد إلى الأخذ بالرأي والمقاييس المصطنعة لاستنباط حكم الموضوع.
فهذه تكشف بوضوح عن أنّ الصحابة يواجهون وقائع وحوادث جديدة لا يجدون لها حلولا في الكتاب والسنّة أو فيما تلقّوه من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ولذلك كانوا يحاولون استنباط قواعد ومقاييس لاتستند على أىّ دليل، فهل يصحّ هذا؟ مع

1 . عمدة القارئ: 4 / 129; ولاحظ مقدّمة السيد الشهيد محمد باقر الصدر على كتاب «تاريخ الإمامية»، للدكتور عبداللّه فيّاض .
2 . دائرة المعارف لفريد وجدي: 3 / 212 (مادة جهد) .

صفحه 29
أنّه سبحانه يصرّح بأنّه أكمل دينه، وأتمّ نعمته فكيف يجتمع هذا الفراغ الفقهي في المسائل المستجدّة مع الإكمال؟

3- المسلمون وصيانة الدين من التحريف:

إنّ أبرز ما كان يتمتّع به المسلمون في عصر الرسول هو صيانة الدين من الدسّ والتحريف، وهو الخطر الّذي تعرّضت له جميع الشرائع السالفة، قال سبحانه: (مِنَ الَّذِيَنَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَواضِعِه)(1) .
إنّ الأُمّة الإسلامية قد وصلت عند رحلة الرسول بفضل جهود صاحب الدعوة إلى درجة مرموقة من الوعي حفظت كتابها عن محاولات الزيادة
والنقصـان، نـرى أنّ الصحابي الجليل أُبي بن كعب له موقف عظيم من عثمان في كيفيّة كتابة آية الكنز ـ أعني قوله: (وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الفِضَّةَ وَ لاَ يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذاب أَليم)(2) ـ فإنّ عثمان أراد إثبات الآية في المصحف بلا واو فقال أُبي: «لتلحقنّها أو لأضعنّ سيفي على عاتقي»، فألحقوها.(2)
ومع هذه المقدرة لم تستطع حفظ مفاهيمه وصيانة دينها عن الدس والتحريف، فتفرّقت إلى مشبّهة تتخيّل أنّ لربّها أعضاءً كأعضاء الإنسان، إلى جبري يرى الإنسان مسيّراً لامخيّراً، ويصوّر بعث الأنبياء أمراً لاجدوى فيه، إلى مرجئة لا ترى للعمل قيمة وتعطي للإيمان تمام القيمة، إلى ناصبىّ ينصب العداء

1 . النساء : 46 .            2 . التوبة : 34 .
2 . الدر المنثور: 3 / 232 .

صفحه 30
للعترة الطاهرة، إلى إلى...، حتّى تفرّقت أُمّة النبي الأكرم كتفرّق الأُمم السالفة،
وهذا دليل واضح على أنّ الأُمّة الإسلامية ما بلغت يومذاك في الكفاءة والمقدرة العلمية إلى المستوى الّذي يؤهّلها لحفظ الإسلام أصله ولبّه، وقد مرّ في الجزء الأوّل من هذه الموسوعة أنّ الوضّاعين والدجّالين من الأحبار والرهبان، والمغترّين بهم دسّوا بين المسلمين أحاديث موضوعة وإسرائيليات ومسيحيات ومجوسيات كثيرة، ولقد عرفت الموضوعات الهائلة في عصر البخاري وشيوخه وتلاميذه، حتّى أنّه أخرج صحيحه من ستمائة ألف حديث .(1)
جاء في مسند أحمد ثلاثون ألف حديث وقد انتخبها من سبعمائة وخمسين ألف حديث، وكان يحفظ ألف ألف حديث.(2)
نحن نفترض أنّ متوسّط عدد الكلمات في الحديث عشرون كلمة فيكون مجموع ما صدر عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عشرين مليون كلمة في هذه الفترة القصيرة أي العشرة أعوام بالإضافة إلى ما كان لديه من أعمال ووظائف، وحروب وغزوات، واتفاقيات مع شيوخ القبائل، وارتياد إلى الأرياف، وتسيير دفّة الحكم، فهل كان بإمكانه أن يتكلّم بهذا العدد من الكلمات، سبحان اللّه، ما أجرأهم على البهتان! ولو رجعت أنت إلى قائمة الموضوعات والمقلوبات الّتي عرضناها لك في الجزء الأوّل(3)، لجزمت بعدم كفاءة الأُمّة لصيانة الدين من الدس والتحريف.
هذه هي الفراغات الحاصلة بعد وفاة النبي الأكرم، فمقتضى الحكمة

1 . الهدى الساري، مقدّمة فتح الباري: 54 .
2 . طبقات الذهبي: 9 / 17 .
3 . الجزء الأوّل من هذه الموسوعة : 74 .

صفحه 31
وتجسيد إكمال الدين الّذي جاء به الكتاب الكريم في قوله: (اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُم نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً)(1) أن تعالج هذه المشاكل أي تفسير الكتاب العزيز برفع الستار والإبهامات الطارئة على مفاهيمه، والإجابة على المسائل المستجدّة، والدفاع عن حمى الشريعة ولاتحل عقدة المشكلة ولا تسدّ تلك الفراغات إلاّ بإمام تمتّع بتربية إلهية، وإعداد غيبي، ولا تصل إليه الأُمّة إلاّ بتعيين الرسول أو بتعيين من عيّنه كما في الأئمة الباقين، فعندئذ يتجسّد قوله سبحانه: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمِتى ورضيت لكم الإسلام ديناً) وإلاّ لبقيت تلك الفراغات الهائلة وجرّت على الأُمّة الويل والويلات كما جرّتها ـ وللأسف ـ لأجل إعراض الأُمّة عن الإمام المنصوب .
هذا هو الّذي نفهمه من معنى الإمام وهو ميزان الحق والباطل وأنّه يرجع إليه في التعرّف على الصحيح والزائف.
وأمّا إذا كان الرجل على حدّ يقول: ولّيتكم ولست بخيركم فإن استقمت فأعينوني وإن زِغْت فقوّموني، فلا يصلح أن يكون إماماً بل يكون مأموماً، فتصبح الرعية إماماً، والإمام مأموماً، ونعم ما يقول الشاعر الشيعي ابن حماد العبدي:
وقالوا رسول اللّه ما اختار بعده *** إماماً ولكنّا لأنفسنا اخترنا
أقمنا إماماً إن أقام على الهدى *** أطعنا وإن ضلّ الهداية قوَّمنا
فقلنا إذا أنتم إمام إمامكم *** بحمد من الرحمن تُهْتم وما تُهْنا

1 . المائدة : 3 .

صفحه 32
ولكنّنا اخترنا الّذي اختار ربّنا *** لنا يوم خم ما اعتدينا ولا جُرنا
وهناك كلمة قيّمة للفيلسوف ابن سينا تشير إلى فائدة تنصيب الإمام فيقول: «ثمّ إنّ هذا الشخص الّذي هو النبي ليس ممّا يتكرّر وجود مثله في كل وقت، فإنّ المادّة الّتي تقبل كمال مثله يقع في قليل من الأمزجة، فيجب لا محالة أن يكون النبي قد دبّر لبقاء ما يسنّه ويشرّعه في أُمور المصالح الإنسانية تدبيراً عظيماً(1) ـ إلى أن قال: ـ والاستخلاف بالنص أصوب، فإنّ ذلك لا يؤدّي إلى التشعّب(2) والتشاغب والاختلاف»(3) .
إلى هنا خرجنا بهذه النتيجة: انّ مصالح الإسلام والمسلمين كانت تكمن في تعيين الإمام، لا تفويض الأمر إلى الأُمّة، وترك الأمر للظروف والصدف لترسيه على أي شاطئ تختاره .

1 . إشارة إلى سدّ الفراغات الحاصلة بعد وفاته .
2 . إشارة إلى أنّ مصالح الإسلام تكمن في النص .
3 . الشفاء: 2 / 558 ـ 564 (الفن الثالث عشر من الإلهيات، الفصل الثالث والخامس) .

صفحه 33
ماهو المرتكز في امر القيادة في ذهن الرسول والاُمّة؟   

الفصل الثاني :

ماهو المرتكز في أمر القيادة في

ذهن الرسول والأُمّة؟

قد عرفت أنّ مقتضيات الظروف ومتطلّباتها كانت تستدعي تعيين الإمام من جانب الرسول، كما أنّ كمال الدين في أبعاده الثلاثة المختلفة المذكورة آنفاً تستدعي ذلك أيضاً، فهلمّ معي ندخل في الموضوع الثاني الّذي ألمحنا إليه في بداية البحث ضمن الأُمور الّتي لا مناص للمحقّق إلاّ دراستها، وهو تبيين المرتكز في الأذهان في أمر الزعامة يوم بعث الرسول وبعده.
إنّ النصوص التاريخية تشهد بأنّ الرسول الأكرم خيّب آمال الطامحين في تولّي الخلافة من بعده وقال بأنّه بيداللّه، يعني لابيدي ولا بيد الناس، ويكفي في ذلك ما نتلوه:
1- لمّا عرض الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه على بني عامر في موسم الحج ودعاهم إلى الإسلام قال له كبيرهم: «أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثمّ أظهرك اللّه على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟» فقال النبي: «الأمر إلى اللّه يضعه حيث يشاء».(1)

1 . السيرة النبوية : 2 / 424 فلو كان الأمر ملقىً على عاتق الأُمّة فما معنى كون الأمر إلى اللّه؟

صفحه 34
ولم يكن ذلك الأمر مختصّاً بالنبي الأكرم، بل الإمعان في تاريخ أصحابه والخلفاء الذين تعاقبوا على مسند الحكومة بعد النبي يدلّ على أنّهم انتهجوا أيضاً نهج تنصيب الخليفة، لا تفويض أمره إلى الأُمّة. فلو أغمضنا النظر عن خلافة أبي بكر وما جرى حولها من لغط وشغب، وضرب وشتم وإرعاب وإرهاب وغير ذلك من الأُمور الّتي تجعلها بعيدة كل البعد عن الشورى والانتخاب النزيه، فلنا في انتخاب الخليفتين الآخرين دليل واضح على أنّ المتصوّر من الخلافة عندهم هو تعيين الخليفة شخصاً لا تفويض أمر انتخابه للظروف والأُمّة .
2- قال ابن قتيبة: دعا أبوبكر عثمان بن عفّان فقال: اكتب عهدي، فكتب عثمان وأملى عليه: بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا ما عهد به أبوبكر بن أبي قحافة آخر عهده بالدنيا نازحاً عنها و أوّل عهده بالآخر داخلا فيها، انّي أستخلف علكيم عمر بن الخطاب....(1)
ويظهر من ابن الأثير في كامله أنّه غشي على الخليفة أثناء الإملاء وانّما أكمله عثمان وكتب فيه استخلاف عمر من عند نفسه، ثم أفاق أبوبكر فقال: اقرأ علىّ، فقرأ عليه فكبّر أبوبكر وقال: أراك خفت أن يختلف الناس إن متّ في غشيتي.(2)
فهل يمكن للخليفة أن يلتفت إلى الخطر الكامن في ترك الأُمّة دون خليفة، ولا يلتفت إليه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ؟!!
3- وأمّا استخلاف عثمان، فقد اتّفقت كلمة المؤرّخين على أنّ عمر طلب

1 . الإمامة والسياسة : 1 / 18 .
2 . الكامل في التاريخ : 2 / 292، الطبقات الكبرى: 3 / 200 .

صفحه 35
ستة أشخاص من أصحاب النبي وهم: علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيداللّه، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقّاص، وعبدالرحمن بن عوف، وكان طلحة غائباً.
فقال: يا معشر المهاجرين الأوّلين، انّي نظرت في أمر الناس فلم أجد فيهم شقاقاً ولا نفاقاً، فإن يكن بعدي شقاق ونفاق فهو فيكم، فتشاوروا ثلاثة أيّام فإن جاءكم طلحة إلى ذلك، وإلاّ فأعزم عليكم باللّه أن لا تتفرّقوا في اليوم الثالث حتّى تستخلفوا.(1) حتّى قال لصهيب: صلّ بالناس ثلاثة أيّام وأدخل هؤلاء الرهط بيتاً وقم على رؤوسهم فإن اجتمع خمسة وأبى واحد فاشدخ رأسه بالسيف، وإن اتّفق أربعة وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما... وإن رضى ثلاثة رجلا وثلاثة رجلا، فحكّموا عبداللّه بن عمر فإن لم يرضوا بحكم عبداللّه بن عمر، فكونوا مع الذين فيهم عبدالرحمن بن عوف، واقتلوا الباقين إن رغبوا عمّا اجتمع فيه الناس».(2)
وهناك كلمات صدرت من الصحابة في ثنايا خلافة الخلفاء وبعدهم تعرب عن أنّ الرأي السائد والمرتكز في أذهانهم هو تعيين الخليفة، وانّ مسألة نظام الشورى شعار رفعه معاوية مقابل علي(عليه السلام)على الرغم من أنّه استخلف عندما مات، ولم يعتدّ بمنطقه وإنّما جرّده سلاحاً على علىّ، وإن كنت في ريب من هذا الأمر نتلو عليك كلماتهم الّتي صدرت عفواً وارتجالا عند موت الخليفة وارتحاله:
4- نقل أنّ عمر بن الخطاب لمّا أحسّ بالموت قال لابنه عبداللّه: اذهب إلى عائشة وأقرأها منّي السلام، واستأذن منها أن أُقبر في بيتها مع رسول اللّه ومع

1 . الإمامة و السياسة: 1 / 23 .            2 . الكامل في التاريخ: 3 / 35 .

صفحه 36
أبي بكر، فأتاها عبداللّه بن عمر فأعلمها... فقالت: نعم وكرامة. ثمّ قالت: يا بنىّ أبلغ عمر سلامي فقل له: لا تدع أُمّة محمّد بلا راع، استخلف عليهم، ولا تدعهم بعدك هملا، فإنّي أخشى عليهم الفتنة(1)، فأتى عبداللّه (إلى أبيه) فأعلمه.(2)
5- نقل الحافظ أبو نعيم الاصفهاني المتوفّى عام 430 هـ أنّ عبداللّه بن عمر دخل على أبيه قبيل وفاته فقال: إنّي سمعت الناس يقولون مقالة، فآليت أن أقولها لك، وزعموا أنّك غير مستخلف، وأنّه لو كان لك راعي إبل ـ أو راعي غنم ـ ثم جاءك وتركها لرأيت أن قد ضيع، فرعاية الناس أشد.(3)
6- قدم معاوية المدينة ليأخذ من أهل المدينة البيعة ليزيد، فاجتمع مع عدّة من الصحابة إلى أن أرسل إلى ابن عمر فأتاه و خلا به فكلّمه بكلام وقال: إنّي كرهت أن أدع أُمّة محمّد بعدي كالضأن لاراعي لها.(4)
هذه النصوص تدلّ بجلاء على أنّ ادّعاء انتخاب الخليفة عن طريق الاستفتاء الشعبي أو بمراجعة أهل الحلّ والعقد، أو اتّفاق الأنصار والمهاجرين لم يكن له أصل ولا ذكر في دراسات المتقدّمين من أعلام التاريخ و كتّاب السيرة وعلماء المسلمين، وسيوافيك الكلام في استخلاف الصحابة بعضهم لبعض.
ولو دلّ هذا الأمر على شيء فإنّما يدلّ على أنّ الأصل الّذي كان يعتقد
به جميع الصحابة والخلفاء في مسألة الخلافة والقيادة كان هو التنصيص والتعيين وعدم ترك الأمر إلى نظر الأُمّة وانتخابها.

1 . وهل يمكن أن تلتفت أُمّ المؤمنين إلى هذه النكتة ولا يلتفت إليها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)؟!!
2 . الإمامة و السياسة : 1 / 32 .
3 . حلية الأولياء: 1 / 44 .
4 . الإمامة والسياسة: 1 / 168 .

صفحه 37
ماهو مقتضى الكتاب والسنّة في صيغة الخلافة بعد الرسول؟   

الفصل الثالث :

ماهو مقتضى الكتاب والسنّة

في صيغة الخلافة بعد الرسول؟

إنّ مقتضى الكتاب والسنّة في صيغة القيادة بعد الرسول هو التنصيص لا التفويض إلى الأُمّة ولا ترك الأمر إلى الظروف والصدف، فنقدّم الكلام في السنّة فإنّها صريحة في التعيين وأمّا الكتاب فسيأتي البحث عنه.
فنقول: إنّ سيرة النبي الأكرم ونصوصه في مواقف مختلفة تثبت بوضوح أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) غرس النواة الأُولى في أمر القيادة منذ أن أصحر بالدعوة وتعاهدها إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة.
وهذه النصوص من الكثرة والوفرة بحيث إنّه لا يمكن استيعابها ولا ذكر كثير منها، ويكفينا مؤونة ذلك، الموسوعات الحديثية في المناقب والفضائل والمؤلّفات الكلامية في أمر الولاية، ونحن نكتفي بالقليل من الكثير .

1- التنصيص على الخليفة في حديث بدء الدعوة:

بُعث الرسول الأكرم لهداية الناس وإخراجهم من الوثنية إلى التوحيد، ومن الشرّ إلى الخير، ومن الشقاء إلى السعادة، و كانت الظروف المحدقة به قاسية جدّاً، لأنّه بعث في أُمّة عريقة في الوثنية، ويخاطبهم سبحانه: (لِتُنْذِرَ قَوْماً

صفحه 38
ما أُنذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ)(1)، فأخذ بالدعوة سرّاً ونشر دينه خفاءً سنوات
عديدة إلى أن نزل قوله سبحانه: (وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)(2)، فعند ذلك أمر الرسول علي بن أبي طالب وهو شاب يافع يتراوح عمره بين (13 إلى 15 سنة) أمره رسول اللّه أن يعد طعاماً ولبناً ثم دعا (45) رجلا من سُراة بني هاشم ووجوههم، وبعد أن فرغوا من الطعام قال رسول اللّه: «إنّ الرائد لا يكذب
أهله، واللّه الّذي لا إله إلاّ هو إنّي رسول اللّه إليكم خاصّة وإلى الناس عامّة، واللّه لتموتنّ كما تنامون، و لتبعثنّ كما تستيقظون، ولتحاسبنّ بما تعملون، وانّها الجنّة أبداً والنار أبداً ـ ثم قال: - يا بني عبدالمطلب إنّي واللّه ما أعلم شابّاً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا و الآخرة، وقد أمرني اللّه عزّوجل أن أدعوكم إليه، فأيّكم يؤمن بي ويؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي و وصيّي وخليفتي فيكم» .
ولمّا بلغ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى هذا الموضع وقد أمسك القوم وسكتوا عن آخرهم، قام علي(عليه السلام)فجأة وقال: «أنا يا رسول اللّه أكون وزيرك على ما بعثك اللّه»، فقال له رسول اللّه: اجلس، ثم كرّر دعوته ثانية وثالثة، ففي كلّ مرّة يحجم القوم عن تلبية دعوته ويقوم علي ويعلن استعداده لمؤازرة النبي ويأمره رسول اللّه بالجلوس، حتّى إذا كان في المرّة الثالثة، أخذ رسول اللّه بيده والتفت إلى الحاضرين من عشيرته الأقربين وقال: «إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا».(2)

1 . يس : 6 .            2 . الشعراء : 214 .
2 . مسند أحمد: 1 / 111، تاريخ الطبري: 2 / 62 ـ 63، تاريخ الكامل: 2 / 40 ـ 41، إلى غير ذلك من المصادر المتوفّرة يقف عليها من سبر كتب السيرة ـ عند سرد حوادث بدء الدعوة ـ وكتب التفسير في تفسير الآية الآنفة في سورة الشعراء .

صفحه 39
نحن لا نُريد أن نحوم حول الرواية ونعرض عن الإشارة إلى ما جنى عليها بعض المؤرّخين والكتّاب الجدد(1) ولكن نذكر نكتة أنّ النبي أعلن وزيره وخليفته ووصيّه يوم أعلن رسالته وكأنّهما فرقدان في سماء الوحي لا يفترقان، وما القيادة بعد النبي إلاّ استمراراً لوظائف النبوّة، وإن كانت النبوّة مختومة ولكن الوظائف والمسؤوليات كانتا مستمرّتين.

2- حديث المنزلة:

روى أصحاب السير والحديث أنّ رسول اللّه خرج إلى غزوة تبوك وخرج الناس معه، فقال له علي: «أخرج معك»؟ فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا»، فبكى علي، فقال له رسول اللّه: «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبىّ بعدي، انّه لا ينبغي أن أذهب إلاّ وأنت خليفتي». أخرجه البخاري في صحيحه.(2) والاستثناء يدلّ على ثبوت ما لهارون من المناصب لعلي سوى النبوّة وسيأتي توضيحه.
وروى مسلم في صحيحه أنّ إمام الفئة الباغية قال لسعد بن أبي وقاص: ما منعك أن تسب أبا تراب؟ فقال: امّا ما ذكرت ثلاثاً قالهنّ له رسول اللّه فلن أسبّه، لأن تكون لي واحدة منها أحبّ إلىّ من حمر النعم، سمعت رسول اللّه يقول له وقد خلّفه في بعض مغازيه بعد ما شكا إليه علي بقوله: «يا رسول اللّه خلّفتني مع النساء والصبيان»: «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبوّة بعدي» .

1 . كالدكتور محمد حسين هيكل في حياة النبي، لاحظ محاضراتنا في سيرة النبي، وقد طبعت باسم «سيّد المرسلين»: 1 / 394 ـ 397 .
2 . صحيح البخاري: 5 / 24، باب فضائل أصحاب النبي، باب مناقب علي .

صفحه 40
حديث الغدير   
وسمعته يقول يوم خيبر: «لأُعطينّ الراية رجلا يحبّ اللّه ورسوله، ويحبّه اللّه ورسوله» قال: فتطاولنا لها، فقال: «ادعوا لي عليّاً»، فأُتي به أرمد العين، فبصق في عينه ودفع الراية إليه ففتح عليه.
ولمّا نزلت هذه الآية: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وَ أبْناءَكُمْ) دعا رسول اللّه عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً، فقال: «اللّهمّ هؤلاء أهلي».(1)

3- حديث الغدير:

إنّ حديث الغدير من الأحاديث المتواترة رواه الصحابة والتابعون والعلماء في كل عصر وجيل، ولسنا بصدد إثبات تواتره وذكر مصادره فقد قام غير واحد من المحقّقين بهذه المهمّة، وانّما الهدف إيقاف القارئ على نصوص الخلافة في حقّ علي حتّى يقف على أنّ النبي الأعظم هو الباذر الأوّل لبذرة التشيّع والدعوة إلى علي بالإمامة والوصاية، وعلى أنّ مسألة التشيّع قد نشأت قبل رحلته، ونذكر في المقام ما ذكره ابن حجر وقد اعترف بصحّة سنده، يقول: إنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) خطب بغدير خم تحت شجرات، فقال: «أيّها الناس أنّه قد نبّأني اللطيف الخبير أنّه لم يعمّر نبي إلاّ نصف عمر الّذي يليه من قبله، وانّي لأظن أنّي يوشك أن أُدعى فأُجيب، وانّي مسؤول وانّكم مسؤولون، فماذا أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنّك قد بلّغت وجهدت ونصحت فجزاك اللّه خيراً، فقال: «أليس تشهدون أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّداً عبده ورسوله، وأنّ جنّته حق، وأنّ ناره حقّ، وأنّ الموت حق، وأنّ البعث حق بعد الموت، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنّ اللّه يبعث من في القبور؟» قالوا: بلى نشهد بذلك، قال: «اللّهمّ اشهد» ثمّ قال: «يا أيّها

1 . صحيح مسلم: 6 / 120 ـ 121، باب فضائل علي .

صفحه 41
الناس إنّ اللّه مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فهذا ـ يعني عليّاً ـ مولاه، اللّهمّ والِ من والاه وعاد من عاداه» ثمّ قال: «يا أيّها الناس إنّي فرطكم وانّكم واردون علىّ الحوض، حوض أعرض ممّا بين بصرى إلى صنعاء فيه عدد النجوم قدحان من فضّة، وانّي سائلكم حين تردون علىّ عن الثقلين، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما، الثقل الأكبر كتاب اللّه عزّوجلّ سبب طرفه بيد اللّه وطرفه بأيديكم فاستمسكوا به لا تضلّوا ولا تبدّلوا، وعترتي أهل بيتي، فإنّه نبّأني اللطيف الخبير أنّهما لن ينقضيا حتّى يردا علىّ الحوض».(1)
وأخرجه غير واحد من أئمة الحديث، منهم الإمام أحمد من حديث زيد بن أرقم قال: نزلنا مع رسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بواد يقال له وادي خم، فأمر بالصلاة فصلاّها بهجير، قال: «فخطبنا وظُلِّل لرسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)بثوب على شجرة سمرة من الشمس، فقال: «ألستم تعلمون، أو لستم تشهدون، أنّي أولى بكل مؤمن من نفسه؟» قالوا: بلى، قال: «فمن كنت مولاه فعلي مولاه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه».(2)
وأخرجه الحاكم في مناقب علي من مستدركه عن طريق زيد بن أرقم من طريقين صحّحها على شرط الشيخين، قال: لمّا رجع رسول اللّه من حجّة الوداع ونزل غدير خم، أمر بدوحات فقممن، فقال: «إنّي دعيت فأجبت، قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب اللّه وعترتي، فانظروا كيف

1 . الصواعق: 43 ـ 44، وأخرجه من طريق الطبراني وغيره، وحكم بصحّته.
2 . مسند أحمد: 4 / 372، وأخرجه أحمد أيضاً في مسنده من حديث البراء بن عازب من طريقين، لاحظ الجزء الرابع الصفحة 281 .

صفحه 42
تخلّفوني فيهما، فانّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ـ ثمّ قال: ـ إنّ اللّه عزّوجلّ مولاي وأنا مولى كل مؤمن ـ ثمّ أخذ بيد علي فقال: ـ من كنت مولاه فهذا وليّه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه...».(1)
وأخرجه النسائي في خصائصه عن زيد بن أرقم قال: لمّا رجع النبي من حجة الوداع ونزل غدير خم، أمر بدوحات فقممن، ثمّ قال: «كأنّي دعيت فأجبت، وإنّي تارك فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب اللّه وأهل بيتي، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما، فانّهما لن يفترقا حتّى يردا علىّ الحوض ـ ثمّ قال: ـ إنّ اللّه مولاي وأنا ولي كل مؤمن ـ ثمّ أخذ بيد علي فقال: ـ من كنت وليّه فهذا وليّه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه» قال أبو الطفيل: فقلت لزيد: سمعته من رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ فقال: وإنّه ما كان في الدوحات أحد إلاّ رآه بعينه وسمعه بأُذنه.(2)
إنّ سؤال أبي الطفيل يعرب عن حقيقة مرّة، وهو أنّه يرى التنافي بين مضمون الحديث وعمل الأُمّة، فإنّ الحديث نصٌّ على ولايته وخلافته والأُمّة صرفتها عن علي، فلأجل ذاك عاد يتعجّب ويسأل، وليس التعجّب مختصّاً به، فهذا هو الكميت يصرّح به في هاشمياته ويقول:
ويوم الدوح دوح غدير خم *** أبان له الخلافة لو أُطيعا
ولكن الرجال تبايعوها *** فلم أر مثلها خطراً مبيعا

1 . المستدرك: 3 / 109، مع أنّ الذهبي في تعليقته على المستدرك يعلّق على مواضع من تصحيحات الحاكم صرّح في هذا المقام بصحّة الحديث .
2 . الخصائص العلوية: 21 .

صفحه 43
ولم أر مثل ذاك اليوم يوماً *** ولم أر مثله حقّاً أُضيعا(1)
ولو أردنا استقصاء مصادر الحديث ومسانيده ورواته من الصحابة والتابعين والعلماء لأحوجنا ذلك إلى تأليف مفرد، وقد قام بحمداللّه أعلام العصر ومحقّقوه بذلك المجهود.(2)
والمهم هو دلالة الحديث على الولاية العامّة والخلافة الكبرى لعلي بعد الرسول، ويكفي في ذلك التدبّر في الأُمور التالية:
1- إنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال في خطبته: «أنا أولى بهم من أنفسهم ـ ثمّ قال: ـ فمن كنت مولاه» وهذا قرينة لفظية على أنّ المراد من المولى هو الأولى، فالمعنى أنّ اللّه أولى بي من نفسي، وأنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ومن كنت أولى به من نفسه، فعلي أولى به من نفسه. وهذا هو معنى الولاية الكبرى للإمام.
2- ذيل الحديث وهو قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه» وفي بعض الطرق: «وانصر من نصره واخذل من خذله» فإنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا نصّبه إماماً على الأُمّة بعده، كان يعلم أنّ تطبيق هذا الأمر رهن توفّر الجنود والأعوان وطاعة أصحاب الولايات والعمّال، مع علمه بأنّ في الملأ من يحسده، وفيهم من يحقد عليه، وفي زمرة المنافقين من يضمر له العداء، فعاد يدعو لمن والاه ونصره، وعلى من عاداه وخذله، ليتمّ أمر الخلافة، ولِيُعْلم الناس أنّ موالاته موالاة للّه وأنّ عداءه عداؤه.

1 . الهاشميات طبعت غير مرّة، وشرحها غير واحد من أُدباء العصر، كالرافعي المصريّ، والأُستاذ محمد شاكر الخياط، وقد دبَّ إليها الدس والتحريف. لاحظ الغدير: 2 / 181 .
2 . العبقات للسيد مير حامد حسين (المتوفّى 1306 هـ)، والغدير للعلاّمة الفذ عبدالحسين الأميني (المتوفّى 1390 هـ)، وكلاهما من حسنات الدهر .

صفحه 44
والحاصل: أنّ هذا الدعاء لا يناسب إلاّ من نصب زعيماً للإمامة والخلافة.
3- إنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أصدر كلامه بأخذ الشهادة من الحضّار بأن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّداً رسول اللّه، ثمّ قال: إنّ اللّه مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم، فقال: «فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه» .
4- إنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ذكر قبل بيان الولاية قوله: «كأنّي دعيت فأجبت» أو ما يقرب من ذلك، وهو يعرب أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يبق من عمره إلاّ قليل يحاذر أن يدركه الأجل، فأراد سد الفراغ الحاصل بموته ورحلته بتنصيب علىّ إماماً وقائداً من بعده .
هذه القرائن وغيرها الموجودة في كلامه، توجب اليقين بأنّ الهدف من هذا النبأ في ذلك المحتشد العظيم ليس إلاّ إكمال الدين وإتمام النعمة من خلال ما أعلن عنه(صلى الله عليه وآله وسلم)انّ علياً قائد وإمام الأُمّة، ومن أراد التوسّع في الاطّلاع على هذه القرائن فليرجع إلى الأثر القيّم «الغدير».(1)
إنّ مَن درس مضمون حديث الغدير وما حوله من القرائن يقف على أنّ المراد منه هو نصب علي للإمامة والخلافة، وهذا هو الّذي فهمه الحضّار من المهاجرين والأنصار في ذلك المحفل كما فهمه من بلغه النبأ بعد حين ممّن يُحتجّ بقوله في اللغة، وتتابع هذا الفهم فيمن بعدهم من الشعراء ورجال الأدب إلى العصر الحاضر، وهذا هو حسّان بن ثابت الحاضر مشهد الغدير وقد استأذن رسول اللّه أن ينظم الحديث في أبيات منها قوله:
وقال له قم يا علي فانّني *** رضيتك من بعدي إماماً وهاديا(2)

1 . الغدير: 1 / 370، وقد ذكر هناك ما يقرب من عشرين قرينة على ما هو المراد من الحديث .
2 . رواه غير واحد من حفّاظ الفريقين، لاحظ الغدير: 2 / 35 ـ 37 .

صفحه 45
حتّى أنّ عمرو بن العاص الّذي لا يخفى عداؤه لعلي على أحد يقول في قصيدته الّتي أرسلها إلى معاوية شاكياً إيّاه:
وكم قد سمعنا من المصطفى *** وصايا مخصّصة في علي
وفي يوم خم رقى منبراً *** وبلّغ والصحب لم ترحل
فأمنحه إمرة المؤمنين *** من اللّه مستخلف المنحل
وفي كفّه كفّه معلناً *** ينادي بأمر العزيز العلي
وقال: فمن كنت مولى له *** علي له اليوم نعم الولي(1)

شبهتان واهيتان:

وقد توالى فهم الأُدباء والعلماء على ذلك في طيّات القرون عبر النظم والنثر.
غير أنّ هناك لفيفاً من الناس ممّن يعاند الحقيقة ولا يرضى بقبولها، أبدى شبهتين ضعيفتين نذكرهما على وجه الإجمال:

الشبهة الأُولى:

إنّ المولى يراد به معان مختلفة فمنها،المحبّ والناصر، فمن أين علم أنّ المراد بها المتولّي والمالك للأمر والأولى بالتصرّف؟
يلاحظ عليه: أنّ لفظ المولى ليس له إلاّ معنى واحد وهو: الأولى. قال

1 . والقصيدة تربو على 66 بيتاً، نقل قسماً منها ابن أبي الحديد في شرحه: 10 / 56 ـ 57، ونقلها برمّتها الأميني في الغدير: 2 / 115 ـ 117 .

صفحه 46
سبحانه: (فَالْيَوْمَ لا يُؤخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَ لاَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُم النَّارُ هِي مَوْلاكُمْ
وَبِئسَ المَصير
)(1)، وقد فسّره غير واحد من المفسّرين بأنّ المراد أنّ النار أولى بكم، غير أنّ الّذي يجب التركيز عليه هو أنّ الأُولى هو المعنى الوحيد للمولى، وانّ كلّما ذكر من المعاني المختلفة له إنّما هي من موارد استعماله ومتعلّقاته، فقد ذكروا له من المعاني سبعة وعشرين معنى، خلطوا فيها المتعلّق بالمعنى، ومورد الاستعمال بالموضوع له، فقد قيل إنّ من معانيه الرب، والعم، والمعتق، والعبد، والمالك، والتابع، والمحب، والناصر وكلّها متعلّقات للمعنى، وليس له إلاّ معنى واحد وهو الجامع لهاتيك المعاني جمعاء، ومأخوذ في كل منها بنوع من العناية، ولم يطلق لفظ المولى على شيء منها إلاّ بمناسبة.
1- فالربّ سبحانه هو أولى بخلقه من أي قاهر عليهم، خلق العالمين كما شاءت حكمته يتصرّف فيه بمشيئته.
2- والعم أولى الناس بكلاءة ابن أخيه والعطف عليه وهو القائم مقام والده الّذي كان أولى به.
3- و«المعتِق» أولى بالتفضّل على من أعتقه، كما أنّ المعتق أولى بأن يعرف جميل من أعتقه عليه .
4- والمالك أولى بالتصرّف في ماله وكلاءة مماليكه .
5- والتابع أولى بمناصرة متبوعه ممّن لا يتبعه .
6- والمحب والناصر أولى بالدفاع عمّن أحبّه أو التزم بنصرته.

1 . الحديد : 15 .

صفحه 47
فإذن ليس للمولى إلاّ معنى واحد، وتختلف هذه الأولوية بحسب الاستعمال في الموارد المختلفة .

الشبهة الثانية:

المراد أنّه أولى بالإمامة مآلا وإلاّ كان هو الإمام مع وجود النبي ولا تعرض فيه لوقت المآل، فكان المراد حين يوجد عقد البيعة له، فلا ينافي حينئذ تقديم الأئمة الثلاثة عليه.(1)
وهذه الشبهة من الوهن بمكان، وذلك لأنّه لا يجتمع مع حكمة المتكلّم وبلاغته ولا مع شيء من أفعاله العظيمة وأقواله الجسيمة، وهو يستلزم أن لا تعم ولايته جميع الناس والحضّار، فيخرج عن ولايته الخلفاء الثلاثة، مع أنّ الشيخين ـ حينما سمعا قول رسول اللّه ـ قالا له: بخ بخ لك يا علي، أمسيت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة.(2)

حصيلة البحث:

إنّ من سبر غضون السير والتواريخ يقف على أنّ النبي الأكرم لم يبرح يدعو الناس إلى علي بالتصريح تارة، والاشارة أُخرى من بدء الدعوة إلى ختامها. فتارة يعرّفة بأنّه خليفته ووصيّه ووزيره، وأُخرى بأنّ منزلته منه منزلة هارون من موسى، وأنّ له كل المناصب الثابتة لهارون إلاّ منصب واحد وهو النبوّة، والدليل على ذلك هو الاستثناء «إلاّ أنّه لا نبي بعدي»، وقد كان هارون وزيراً لموسى

1 . الصواعق المحرقة: 44 .
2 . مسند أحمد: 4 / 281 .

صفحه 48
وشريكاً له في النبوّة، قال سبحانه: (وَ أَخِى هَارُونُ هُوَ أفْصَحُ مِنِّى لِساناً فَأَرْسِلْهُ
مَعِىَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِى إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ * قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآياتِنا أَنتُما وَ مَنِ اتَّبَعَكُمَا الغَالِبُونَ
)(1)، وقال سبحانه حاكياً عن موسى: (وَاجْعَل لِى وَزيراً مِنْ أَهْلِى * هَارُونَ أَخِى * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِى * وَأَشْرِكْهُ فِى أَمْرِى * كَىْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً * إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصيراً * قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى)(2).
وثالثة ينصبه قائداً وإماماً في هواء حار وأرض جافة في محتشد عظيم مبتدئاً كلامه بما يرجع إلى أُصول الدين من أخذ الشهادة من الناس على ولاية اللّه و ولاية الرسول ثم يأخذ بيد علي وهو على المنبر محرّكاً شعور الحاضرين وليشد القلوب نحو علي ويقول: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه» .
ودلالة هذه الأحاديث على خلافة من عيّنه الرسول على وجه لا ينكره إلاّ مكابر ولا يردّه إلاّ معاند، وكفانا في الموضوع ما ألّفه أصحابنا حول هذه الأحاديث الثلاثة .
* * *

مرجعية أهل البيت الفكرية بعد الرسول:

حديث الثقلين   
دلّت الأحاديث السابقة على أنّ الزعامة السياسية والخلافة بعد الرسول تتمثّل في علي وعترته، وهناك أحاديث متوفّرة تسوقنا إلى مرجعيتهم الفكرية وأنّهم الأئمة والأوصياء بعد الرسول وأنّه لابدّ للمسلم أن يرجع إليهم في دينه،

1 . القصص : 34 ـ 35 .            2 . طه : 29 ـ 36 .

صفحه 49
ويأخذ عنهم أُصوله وفروعه، وأنّ النبي الأكرم جعلهم المفزع بعده، والعترة والكتاب توأمان لايفترقان، وإليك بعض ما ورد عن الرسول في المقام:

4- حديث الثقلين:

إنّ النبي الأكرم أيقظ الغافلين وبيّن مرجع الأُمّة بعد رحلته بهتافه المدوي وقال: «يا أيّها الناس إنّي تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا: كتاب اللّه، وعترتي أهل بيتي».(1)
وقال: «إنّي تركت ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي: كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتّى يردا علىّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما».(2)
وقال: «إنّي تارك فيكم خليفتين: كتاب اللّه حبل ممدود ما بين السماء والأرض، وعترتي أهل بيتي، وانّهما لن يفترقا حتّى يردا علىّ الحوض».(3)
وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه، وأهل بيتي، وأنّهما لن يفترقا حتّى يردا علىّ الحوض».(4)
وقال: «إنّي أُوشك أن أُدعى فأُجيب، وإنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب
اللّه عزّوجلّ، وعترتي. كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض،
وعترتي أهل بيتي، وأنّ اللطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يفترقا حتّى يردا

1 . كنز العمال: 1 / 44، أخرجه الترمذي والنسائي عن جابر.
2 . كنز العمال: 1 / 44، أخرجه الترمذي عن زيد بن أرقم .
3 . مسند أحمد: 5 / 182، 189 .
4 . المستدرك للحاكم: 3 / 148 .

صفحه 50
عـلىّ الحـوض، فانظـروا كيـف تخلفـوني فيهمـا».(1)
وقال في منصرفه من حجّة الوداع ونزوله غدير خم: «كأنّي
دعيت فاجبت، انّي قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر: كتاب
اللّه وعترتي، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما، فانّهما لن يفترقا حتّى يردا
علىّ الحوض».(2)
حديث السفينة   

5- حديث السفينة:

إنّ النبي الأكرم يشبّه أهل بيته بسفينة نوح ويقول: «ألا إنّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق».(3)
وفي حديث آخر يقول: «إنّما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق ; وإنّما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسرائيل من دخله غفر له».(4)
وفي حديث ثالث: «النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمان لأُمّتي من الاختلاف، فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس».(5)

1 . مسند أحمد: 3 / 17 و 26، أخرجه من حديث أبي سعيد الخدري .
2 . المستدرك للحاكم :3 / 109، أخرجه من حديث زيد بن أرقم .
3 . مستدرك الحاكم : 3 / 151 بسنده إلى أبي ذر.
4 . الأربعون حديثاً للنبهاني: 216، نقله عن الطبراني في الأوسط .
5 . مستدرك الحاكم: 3 / 149 بسنده إلى ابن عباس .

صفحه 51
ومن المعلوم أنّ المراد ليس جميع أهل بيته على سبيل الاستغراق، لأنّ هذه المنزلة ليست إلاّ لحجج اللّه ولفيف من أهل بيته، وقد فهمه ابن حجر وقال: يحتمل أنّ المراد بأهل البيت الذين هم أمان، علماؤهم، لأنّهم الذين يهتدى بهم كالنجوم، والذين إذا فقدوا جاء أهل الأرض من الآيات ما يوعدون.
وقال في مقام آخر: إنّه قيل لرسول اللّه: ما بقاء الناس بعدهم؟ قال: «بقاء الحمار إذا كسر صلبه».(1)
والمراد من تشبيههم(عليهم السلام) بسفينة نوح: أنّ من لجأ إليهم في الدين فأخذ فروعه وأُصوله عن أئمّتهم الميامين نجا من عذاب اللّه، ومن تخلّف عنهم كمن أوى يوم الطوفان إلى جبل ليعصمه من أمر اللّه غير أنّ ذاك غرق في الماء، وهذا غرق في الحميم.
والوجه في تشبيههم بباب حطة هو أنّ اللّه تعالى جعل ذلك الباب مظهراً من مظاهر التواضع لجلاله، والبخوع لحكمه، وبهذا كان سبباً للمغفرة، وقد جعل انقياد هذه الأُمّة لأهل بيت نبيّها وأتباعهم، مظهراً من مظاهر التواضع لجلاله والبخوع لحكمه، وبهذا كان سبباً للمغفرة.
ثمّ إنّ ابن حجر قد أوضح حقيقة التشبيه في كلامه وقال: ووجه تشبيههم بالسفينة أنّ من أحبّهم وعظّمهم شكراً لنعمة مشرّفهم، وأخذ بهدي علمائهم نجا من ظلمة المخالفات، ومن تخلّف عن ذلك غرق في بحر كفر النعيم، وهلك في مفاوز الطغيان ـ إلى أن قال: ـ وبباب حطة ـ يعني ووجه تشبيههم بباب حطة ـ انّ اللّه جعل دخول ذلك الباب الّذي هو باب أريحا أو بيت المقدس مع

1 . الصواعق المحرقة : 91، 142 (الباب الحادي عشر).

صفحه 52
التواضع والاستغفار سبباً للمغفرة، وجعل لهذه الأُمّة مودّة أهل البيت سبباً لها».(1)
وفي هذه الأحاديث الخمسة غنى وكفاية لطلاّب الحق .
* * *
يستفاد من حديث الثقلين أُمور مهمة لو اهتمّت بها الأُمّة لاجتمعت على مائدة أهل البيت واستغنت عن غيرهم، وهاهي:
1- إنّ اقتران العترة الطاهرة بالقرآن الكريم إشارة إلى أنّ عندهم علم القرآن وفهمه علماً لائقاً بشأنه .
2- إنّ التمسّك بالكتاب والعترة يعصم من الضلالة ولا يغني أحدهما
عن الآخر .
مقتضى الكتاب في صيغة القيادة بعد الرسول   
3- يحرم التقدّم على العترة كما يحرم الابتعاد عنهم .
4- إنّ العترة لا تفارق الكتاب، وانّهما مستمرّان إلى يوم القيامة .
أفيصحّ بعد هذه التصريحات والإشارات ترك العترة والأخذ
بقول غيرهم؟!

1 . لاحظ الصواعق : 91 (الباب الحادى عشر). وقد علّق سيّدنا الإمام شرف الدين على كلام ابن حجر وقال: قل لي لماذا لم يأخذ بهدي أئمّتهم في شيء من فروع الدين و عقائده، ولا شيء من أُصول الفقه وقواعده، ولا شيء من علوم السنّة والكتاب، ولا في شيء من الأخلاق والسلوك والآداب، فلماذا تخلّف عنهم فأغرق نفسه في بحار كفر النعم، وأهلكها في مفاوز الطغيان؟! (المراجعات: 25) .

صفحه 53
 
مقتضى الكتاب في صيغة القيادة بعد الرسول:
قد تعرّفت على مقتضى السنّة النبوية في مجال القيادة بعد الرسول، وكلّها تدلّ على أنّ الرسول قام بتعيين الوصي بعده، وعيّن خليفة المسلمين تعييناً شخصياً، وقد كرّر وأكّد ذلك في مواقف متعدّدة ـ حتّى لا يبقى شكّ ـ وحاول تأكيد الأمر في آخر ساعة من حياته الشريفة عن طريق الكتابة، ولكن حال بعضهم دون تحقّق أُمنية الرسول، فلم يكتب شيئاً، وأمرهم بالخروج عن مجلسه، ونردف ذلك البحث بما وعدناه سابقاً من تبيين مقتضى الكتاب في مسألة الخلافة، وقد نزلت آيات أوضحها آية الولاية في سورة المائدة، فنحن
نأتي بها مع ما يتقدّمها حتّى تتّضح دلالتها: (يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَ النَّصارى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُم أَولِيَاءُ بَعْض وَ مَن يَتَوَلَّهُم مَنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِى القَوْمَ الظَّالِمينَ* فَتَرَى الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأَتِىَ بِالْفَتْحِ أوْ أَمْر مِنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِى أَنفُسِهِمْ نَادِمينَ * وَ يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أهَؤلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِى اللّهُ بِقَوْم يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّة عَلَى المُؤمِنيِنَ أَعِزَّة عَلى الكَافِرينَ يُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللّهِ وَ لا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِم ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشآءُ وَ اللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلوةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُم راكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ

صفحه 54
حِزْبَ اللّهِ هُمُ الغَالِبُونَ )(1). وموضع الاستدلال هو الآيتان الأخيرتان.
وقبل الاستدلال بالآية نذكر شأن نزولها:
روى المفسّرون عن أنس بن مالك وغيره أنّ سائلا أتى المسجد وهو يقول: من يقرض الملىّ الوفي، وعلي راكع يشير بيده للسائل: اخلع الخاتم من يدي. فما خرج أحد من المسجد حتّى نزل جبرئيل بـ (إنَّما وليّكم اللّه ورسوله والّذين آمنوا الذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكاة وهم راكعون)فأنشأ حسّان بن ثابت يقول:
أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي *** وكل بطيء في الهدى ومسارع
أيذهب مدحي والمحبين ضايعا *** وما المدح في ذات الإله بضايع
فأنت الّذي أعطيت إذ أنت راكع *** فدتك نفوس القوم يا خير راكع
بخاتمك الميمون يا خير سيّد *** ويا خير شار ثم يا خير بايع
فأنزل فيك اللّه خير ولاية *** وبيّنها في محكمات الشرايع(2)
وإليك تفصيل الآية حرفياً:
1- الولي والمولى والأولى بمعنى واحد.
قال رسول اللّه: «أيّما امرأة نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل...».(3)

1 . المائدة : 51 ـ 56 .
2 . رواه الطبري في تفسيره: 6 / 186، والجصاص في أحكام القرآن: 2 / 446 ، والسيوطي في الدر المنثور: 2 / 293، وغيرهم .
3 . مسند أحمد: 6 / 66، روتها عائشة عن النبي الأكرم .

صفحه 55
وقال: «يا علي أنت ولي كل مؤمن من بعدي».(1) ولو أُطلق على الناصر والمحب فهو كإطلاق المولى عليهما، وقد عرفت أنّه ليس للمولى إلاّ معنى واحد وهو الأولى، فلو أُطلق على الناصر والمحب فلأجل أنّ المحب أولى بالدفاع عن محبوبه والتزامه بنصرته، والصديق أولى بحماية صديقه، فتفسير الولي بالمحب والناصر والصديق من باب خلط المصداق بالمفهوم .
2- لو كان المراد من الولي هو الناصر وما أشبهه يلزم الاكتفاء بقوله: (إنّما وليّكم اللّه ورسوله والّذين آمنوا) من دون حاجة إلى التقييد بإيتاء الزكاة حال الركوع .
3- لو كان الولي بمعنى الناصر أو المحب يلزم وحدة الولي والمولّى عليه في قوله: (والّذين آمنوا)وما هذا إلاّ لأنّ كل مؤمن ناصر لأخيه المؤمن ومحبّ له(2). مع أنّ ظاهر الآية أنّ هناك أولياء ثلاثة: 1- اللّه، 2- رسوله، 3- المؤمنون بالشروط الثلاثة، وأنّ هناك مولى عليه، وهو غير الثلاثة ولا يتحقّق ذلك المعنى إلاّ بتفسير الولي بالزعيم والمتصرّف في شؤون المولّى عليه، فهؤلاء الثلاثة أولياء وغيرهم مولّى عليهم .
4- فإذا كانت الحال كذلك فلماذا أفرد الولي ولم يجمعه؟ والجواب عنه واضح، وهو أنّه أفرده لإفادة أنّ الولاية للّه على طريق الأصالة وللرسول والمؤمنين على سبيل التبع، ولو قيل إنّما أولياؤكم اللّه ورسوله والذين آمنوا لم يكن في الكلام أصل وتبع.

1 . مسند أحمد: 4 / 437; مستدرك الحاكم: 3 / 111 .
2 . اللّهمّ إلاّ أن يقول القائل إنّ المؤمنين الموصوفين بالأوصاف الثلاثة أولياء المؤمنين غير الموصوفين بها، وهو كماترى تفسير ساقط .

صفحه 56
5- إنّ قوله: (الّذين يقيمون) بدل من (الذين آمنوا) كما أنّ الواو في قوله: (وهم راكعون)للحال، وهو حال من قوله: (يؤتون الزكاة) معنى ذلك انّهم يؤتونها حال ركوعهم في الصلاة .
6- إذا كان المراد من قوله: (الّذين آمنوا) هو الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام)فلماذا جيء بلفظ الجماعة؟ والجواب: جيء بها ليرغّب الناس في مثل فعله لينالوا مثل ثوابه، ولينبّه على أنّ سجيّة المؤمنين يجب أن تكون على هذه الغاية من الحرص على البر والإحسان وتفقّد الفقراء حتّى إن لزمهم أمر لا يقبل التأخير وهم في الصلاة لم يؤخّروا إلى الفراغ منها.(1)
وهناك وجه آخر، وهو أنّه أتى بلفظ الجمع دون المفرد لأجل أنّ شانئي علي وأعداء بني هاشم، وسائر المنافقين من أهل الحسد والحقد، لا يطيقون أن يسمعوها بصيغة المفرد، إذ لا يبقى لهم حينئذ مطمع في تمويه، ولا ملتمس في التضليل، فيكون منهم ـ بسبب يأسهم ـ حينئذ ما تُخشى عواقبه على الإسلام، فجاءت الآية بصيغة الجمع مع كونها للمفرد اتّقاء من معرّتهم، ثمّ كانت النصوص بعدها تترى بعبارات مختلفة ومقامات متعدّدة وبثّ فيهم أمر الولاية تدريجاً تدريجاً حتّى أكمل اللّه الدين وأتمّ النعمة، جرياً منه(صلى الله عليه وآله وسلم) على عادة الحكماء في تبليغ الناس ما يشق عليهم.(2)
وهناك وجه ثالث أشار إليه الشيخ الطبرسي في تفسير الآية، وهو أنّ النكتة في إطلاق لفظ الجمع على أمير المؤمنين، تفخيمه و تعظيمه، وذلك أنّ أهل

1 . الكشاف: 1 / 468 .
2 . المراجعات: 146 .

صفحه 57
اللغة يعبّرون بلفظ الجمع عن الواحد على سبيل التعظيم، وذلك أشهر في كلامهم من أن يحتاج إلى الاستدلال عليه. (1)
7- إنّما ذكر من صفات الولي من الذين آمنوا إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، لأنّهما ركنان عظيمان للإسلام ووظيفتان رئيسيتان للقائد، وهو أن يقيم الصلاة (لا أن يصلّي وحده) ويؤتي الزكاة .
وعلى كل تقدير فتقييد الولي من المؤمنين بالأوصاف الثلاثة، وتقييد إيتاء الزكاة بحال الركوع يجعل الكلّي مخصّصاً في فرد واحد، وهو مثل قولك: «رأيت رجلا سلّم علىّ أمس قبل كل أحد» وهو وإن كان كلّياً قابلاً للانطباق على كثيرين قبل التطبيق، لكنّه بعده ينحصر في فرد .
ثمّ إنّ إمام المشكّكين فخر الدين الرازي استشكل على الاستدلال بالآية بوجوه رديئة ساقطة نذكر بعضها ونترك الباقي صيانة للوقت عن الضياع، ولعلّه لأجل هذه التشكيكات لمّا دنا أجله أملى على تلميذه إبراهيم بن أبي بكر الاصفهاني وصيّة في الحادي والعشرين من محرّم سنة 606 هـ ، وجاء في الوصيّة قوله: فاعلموا أنّي كنت رجلا محبّاً للعلم، فكنت أكتب في كل شيء شيئاً لا أقف على كمّيته وكيفيته، سواء أكان حقّاً أو باطلا أو غثّاً أو سميناً....(2)
ألف ـ إنّ المراد من الولي في الآية ليس هو المتصرّف، بل المراد الناصر والمحب، بشهادة ما قبلها وما بعدها، أمّا ما قبل هذه الآية فلأنّه تعالى قال: (يا أيّها الذين آمنوا لا تَتَّخذوا اليهود والنصارى أولياء) وليس المراد لاتتّخذوا

1 . مجمع البيان: 2 / 211 .
2 . دائرة المعارف لفريد وجدي: 4 / 148 .

صفحه 58
اليهود والنصارى أئمة متصرّفين في أرواحكم وأموالكم، لأنّ بطلان هذا كالمعلوم. بل المراد لا تتّخذوا اليهود والنصارى أحباباً وأنصاراً ولا تخالطوهم ولا تعاضدوهم، ثمّ لمّا بالغ في النهي عن ذلك قال: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا)وأمّا ما بعد هذه الآية فلقوله : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذوُا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَ الكُفَّارَ أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللّهَ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ)(1).(2)
حاصل التشكيك هو أنّ الولي في الآية المتقدّمة والمتأخّرة بمعنى المحب والناصر فلو فسّرت في الآية بالمتصرّف يلزم التفكيك .
والجواب أنّ الولي في الآية المتقدّمة عليها والمتأخّرة عنها، وفي نفسها بمعنى واحد ليس له في جميع المقامات إلاّ معنى واحد وهو الأولى، غير أنّه يختلف متعلّق الولاية جوهراً أوّلا وسعة وضيقاً ثانياً، حسب اختلاف موصوفها ومن قامت به الولاية. فلو كان الولي هو اللّه والرسول فيكون متعلّق الولاية هو النفس والنفيس، فهم أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فكيف بأموالهم، فهما أولى بالتصرّف في كل مايمت إلى المؤمنين .
ولو كان الولي من الأب والجد، يكون المتعلّق شؤون الصغير ومصالحه، من حفظ نفسه وعرضه وماله. فيكون أولى بالتصرّف من الصغير في أمواله وشؤونه، ومنها تزويجه بالغير .
ولو كان الموصوف رئيس القبيلة، حيث كان الرائج في عهد الجاهلية،

1 . المائدة: 57 .
2 . مفاتيح الغيب: 12 / 28 .

صفحه 59
عقد ولاء الدفاع بين القبيلتين، فيكون هو أولى بالدفاع عن المنتمي في النوائب والنوازل، إلى غير ذلك من الموارد المختلفة حسب الموصوف.
وبذلك يظهر أنّ المراد من الأولياء في قوله: (لا تتّخذوا اليهود والنصارى أولياء)هو الأولى لما ستعرف من أنّها نزلت في حق عبادة بن الصامت وعبداللّه بن أُبىّ واليهود، وكان بينهما وبين اليهود عقد ولاء الدفاع، فكان كل من الطرفين وليّاً للآخر، أي أولى بالدفاع والذب عن المولى عليه من غيره. قال المفسّرون: نزلت في حق عبادة بن الصامت وعبداللّه بن أُبي بعد غزوة بدر، حيث لمّا انهزم أهل بدر قال المسلمون لأوليائهم من اليهود: آمنوا قبل أن يُصيبكم اللّه بيوم مثل يوم بدر، فقال مالك بن ضيف (اليهودي): أغرّكم أن أصبتم رهطاً من قريش لاعلم لهم بالقتال، أما لو أمرونا العزيمة أن نستجمع عليكم، لم يكن لكم يدان لقتالنا، فجاء عبادة بن الصامت الخزرجي إلى رسول اللّه فقال: يا رسول اللّه إنّ لي أولياء من اليهود، كثير عددهم قويّة أنفسهم، شديدة شوكتهم، وانّي أبرأ إلى اللّه ورسوله من ولايتهم، ولا مولى لي إلاّ اللّه ورسوله. فقال عبداللّه بن أُبي: لكنّي لا أبرأ من ولاية اليهود، لأنّي أخاف الدوائر فلابد لي منهم. فقال رسول اللّه: «يا أبا الحباب ما نفست به من ولاية اليهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه» قال: اذن اقبل، وأنزل اللّه الآية.(1)
فقد اتّخذ الرجلان اليهود أولياء ليتفرّع عليه النصرة والذبّ كما أنّه سبحانه جعل الأب والجد أولياء ليتفرّع عليه حفظ شؤون المولى عليه، وعلى ضوء ذلك فالولي في جميع المقامات بمعنى واحد، والاختلاف انّما هو فيما

1 . مجمع البيان: 2 / 206 وغيره .

صفحه 60
يتفرّع على الولاية، لا أنّه تارة بمعنى الأولى وثانياً بمعنى الناصر وثالثاً بمعنى المحب .
ب ـ والّذي يرشدك على أنّ الولي في قوله سبحانه: (يا أيّها الّذين آمنوا لا تتَّخذوا اليهود والنصارى أولياء)ليس بمعنى الحب والمحبّة كما احتمله الرازي، انّه ورد نظير هذا النص في قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلَى الإيمَانِ وَ مَن يَتَوَلَّهُم مِنكُمْ فَاُوْلئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)(1) وليس الولي بمعنى المحبوب. وذلك لأنّ حب الآباء والإخوان أمر فطري، فطر الناس عليه من غير فرق بين الكافر والمسلم، ولو كان المراد من التولّي هو الحب يلزم النهي عن أمر جبلّيّ، ولأجل ذلك لا محيص عن تفسيره باتخاذهم أولياء على غرار اتخاذ الرسول والإمام أولياء، بأن تكون ولايتهم على أعناق المؤمنين، كما أنّه ليس أيضاً بمعنى النصرة لجواز طلب النصرة من الكافر، وهذا هو القرآن يجعل شيئاً من الزكاة للمؤلّفة قلوبهم .
ج - إنّ قوله: (ومن يتولّهم منكم فإنّه منهم) يحكي عن أنّ التولّي على وجه يلحق المتولّي باليهود والنصارى، وهو لا ينطبق على مجرّد الحب وطلب النصرة والحبّ لا لأجل كونهم كافرين، بل لأسباب أُخرى من حسن الجوار وغيره .
د ـ إنّه سبحانه يندّد ببعض المؤمنين بقوله: (يا أيّها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه...)وهذا يعرب عن أنّ التولّي كان على وجه ينتهي إلى ارتداد المتولّي .

1 . التوبة : 23 .

صفحه 61
أفبعد هذه القرائن يصحّ للرازي أن يفسّر التولّي في هذه الآيات بالحب والنصرة. على أنّ تفسير ولاية اللّه والرسول بالحبّ والنصرة تفسير بأمر واضح لا يحتاج إلى زيادة تأكيد .
هذه هي الشبهة المهمّة في كلامه، وأمّا باقي الشبهات، فليس بشيء
ذي بال.
مثلا يقول: لو نزلت الآية في حق علي، يجب أن يكون نافذ التصرّف حال حياة الرسول، والآية تقتضي كون هؤلاء المؤمنين موصوفين بالولاية
في الحال.(1)
والجواب: انّ هذا المقام كان ثابتاً لعلي كثبوته للّه سبحانه والرسول، غير أنّه لا يقوم بتطبيقه على صعيد الحياة إلاّ عند الحاجة، وهو عند ارتحال الرسول ومفارقته الأُمّة، وهذا هو المفهوم من تعيين ولي العهد عند الأُمم .
وأنت إذا قارنت الآية وما ورد حولها من شأن النزول، وما نزل في حق علي من الآيات التي تعرّف طهارته من الذنب(2)، وكون حبّهم ومودّتهم أجراً للرسالة(3)، وانّه نفس النبي الأكرم(4)، وانّ بيته من أفضل البيوت الّتي قال في

1 . مفاتيح الغيب: 12 / 28 .
2 . إشارة إلى قوله سبحانه: (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)في حق علي وأهل بيته ـ الأحزاب: 33 ـ .
3 . إشارة إلى قوله سبحانه: (قل لا أسئلكم عليه أجراً إلاّ المودّة فى القربى) ـ الشورى : 23 ـ .
4 . إشارة إلى قوله سبحانه في أمر المباهلة مع نصارى نجران: (فقل تعالوا ندع أبناءَنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم) ـ آل عمران : 61 ـ .

صفحه 62
حقّها سبحانه: (فِي بُيُوت أِذِنَ اللّهُ أَن تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ) (1) لوقفت على أنّ الذكر الحكيم يواكب السنّة في تعيين مصير الأُمّة الإسلامية في مجال القيادة والخلافة وأنّه سبحانه ألقى مقاليد الزعامة إلى الإمام أميرالمؤمنين، وبذلك أخرج الأُمّة من التنازع والاحتكاك بعد الرسول الأعظم .
ونحن نكتفي من البرهنة على خلافة الإمام بهذه الآية، وهناك آيات استدلّ بها الأصحاب على ولاية الإمام، ونفي ولاية الغير، أوضحنا مداليلها في مؤلفاتنا الكلامية، فمن أراد فليرجع إليها. (2)

1 . إشارة إلى ما رواه السيوطي في الدر المنثور: 5 / 50 من قول أبي بكر للنبىّ بعد نزول الآية: قال يا رسول اللّه أهذا البيت منها ـ أي بيت علي وفاطمة ـ؟ قال: «هو من أفاضلها». والآية 36 من سورة النور.
2 . الإلهيات: 2 / 618 ـ 632 .

صفحه 63
ما هو السرّ في مخالفة الجمهور نص الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)؟   

الفصل الرابع:

ما هو السرّ

في مخالفة الجمهور نص الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)؟

لقد ظهرت الحقيقة بأجلى صورها وثبت أنّ الرسول لم يرحل عن أُمّته
إلاّ بعد أن نصّب علياً للخلافة والقيادة، ولكن هناك سؤال يطرح نفسه، وهو
أنّه لو كان الحق كما نطقت به النصوص كتاباً وسنّة، فلماذا أعرض الجمهور
عن ما أُمروا أن يتمسّكوا به؟ وهذه هي الشبهة المهمّة في الباب، وهذا
هو السؤال الّذي ترك العقول متحيرة تبحث عن جواب مقنع، وقد اعتمد
على ذلك بعض المنصفين من أهل السنّة في ردّه لمذهب أهل البيت(عليهم السلام)،
فقال: أُنظر إلى جمهور أهل القبلة والسواد الأعظم من ممثّلي هذه الملّة فإذا
هم مع أهل البيت على خلاف ما توجبه ظواهر تلك الأدلّة، فانا أُؤامر
منّي نفسين، نفساً تنزع إلى متابعة الأدلّة وأُخرى تفزع إلى الأكثرية من
أهل القبلة.(1)
والإجابة عن الشبهة سهلة لمن راجع التاريخ وسيرة الصحابة في
عصر الرسول وبعده. فإنّ القرآن الكريم رغم أمره باتّباع الرسول وعدم التقدّم

1 . من كلام شيخ الأزهر الشيخ سيلم البشري في رسالته إلى السيد شرف الدين، لاحظ المراجعات ص 25، رقم المراجعة 11 .

صفحه 64
عليه(1)، ورغم أمره بالتسليم له وأنّ الإيمان رهنه(2)، ورغم أنّه يندّد
ببعض المسلمين الذين كانوا يتمنّون طاعة الرسول لهم في بعض المواقف وقال: (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللّهِ لَوْ يُطيعُكُم فِى كَثِير مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ)(3).
رغم كل ذلك نشاهد رجالا يقفون أمام النبي في غير واحد من المواقف ويخالفونه بعنف وقوّة ويقدّمون الاجتهاد والمصالح الشخصية على
أوامر الرسول في مواطن كثيرة، وإليك نزراً يسيراً منها وبالإلمام بها تسهل
عليك الإجابة عن السرّ في مخالفة عدّة من الأصحاب لأمر النبي في مسألة الوصاية والقيادة:

1- اختلافهم مع النبي في الأنفال والأُسرى:

انتصر المسلمون في غزوة بدر وجمع غير واحد من المسلمين ما في معسكر العدو، فاختلف المسلمون فيه، فقال من جمعه: هو لنا ،وقال الذين يقاتلون العدوّ ويطلبونه: واللّه لولا نحن ما أصبتموه، لنحن شغلنا عنكم القوم حتّى أصبتم ما أصبتم، وقال الذين يحرسون رسول اللّه: ما أنتم بأحقّ به منّا واللّه لقد رأينا أن نقتل العدوّ إن منحنا اللّه أكتافهم، وقد رأينا أن نأخذ المتاع حين لم يكن دونه من يمنعه فخفنا على رسول الله كرّة العدوّ فقمنا دونه، فما أنتم بأحق به منّا. فنزل قوله سبحانه: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ للّهِ و الرَّسُولِ فَاتَّقُوا

1 . (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاتُقَدِّمُوا بَيْن يَدَىِ اللّهِ وَ رَسُولِهِ وَ اتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ـ الحجرات : 1 ـ .
2 . (فَلاَ وَرَبِّكَ لا يُؤمِنونَ حتّى يُحَكِّمُوكَ فِيَما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوْا فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) ـ النساء : 65 ـ .
3 . الحجرات : 7 .

صفحه 65
اللّهَ وَ أَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَ أَطِيعُوا اللّهَ وَ رَسُولَهُ إِن كُنتُم مُؤمِنينَ)(1). (2)
وأمّا اختلافهم في الأسرى فيكفي في ذلك قوله سبحانه: (مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِى الأرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا واللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ واللّهُ عِزِيزٌ حَكِيمٌ * لولا كِتابٌ مِنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظيمٌ)(3). نحن نضرب الصفح عمّا ذكره المفسّرون حول الآية من القصص غير أنّ
قوله سبحانه (لولا كتاب...)يعرب عن أنّهم اختلفوا إلى حدّ كانوا مستحقّين لنزول العذاب لولا سبق كتاب من اللّه، ومن الجرأة ما يظهر عن بعض المفسّرين(4) من أنّ العتاب يعمّ النبي أيضاً مع أنّ نبىّ العظمة أجلّ من أن يشاركهم في العتاب فضلا عن العقاب، وحاشا ساحة الحق أن يهدّد نبيّه بعذاب عظيم وقد عصمه من المعاصي، والعذاب العظيم لا ينزل إلاّ على عمل إجرامي كبير، ونحن لا نفسّر الآية ولا نريد أن نخوض في خصوصيّات القصة ويكفينا أنّها تكشف عن تباعد المؤمنين عن النبىّ في مسألة الأسرى إلى حدّ استحقّوا هذا التنديد .

2- مخالفتهم لأمر الرسول في أُحد:

ورد رسول اللّه أُحد حين بلغه أنّ أباسفيان يريد شنّ هجوم على المدينة، واستقبل الرسول المدينة وجعل جبل عينين عن يساره، ونصب خمسين رجلا

1 . الأنفال: 1 .
2 . السيرة النبوية لابن هشام: 1 / 641 ـ 662 .
3 . الأنفال : 67 ـ 68 .
4 . لاحظ الأقوال في الميزان: 9 / 137 .

صفحه 66
نبّالا على جبل عينين وأمَّر عليهم عبداللّه بن جبير وقال له: «انضح الخيل عنّا بالنبل، لا يأتوننا من خلفنا إن كانت لنا أو علينا، فاثبت مكانك لا تؤتين من قبلك».
ولمّا صار الانتصار حليف المسلمين وأخذ العدو بالانسحاب عن ساحة القتال مولّياً نحو مكّة، خالف الرماة أمر الرسول وأخلوا مكانهم طمعاً في الغنائم، فكلّما نصحهم أميرهم بالبقاء وعدم ترك الجبل خالفوه .
ولمّا رأى العدو المنهزم أنّ جبل عينين قد أضحى خالياً من الرماة، وكان جبل عينين يقع على ضفتين يتخلّلهما معبر، فاستغل العدو الفرصة فأدار خالد بن الوليد من معه من وراء المسلمين، فورد المعسكر من هذا المعبر على حين غفلة منهم، فوضع السيوف فيهم، فقتل منهم لفيفاً إلى أن تحوّل النصر إلى هزيمة، وكان ذلك نتيجة مخالفة المسلمين لوصيّة الرسول، وتقديماً للاجتهاد على النص، والرأي الخاطئ على الدليل، وكم له من نظير في حياة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وبعد وفاته .

3- مخالفتهم في صلح الحديبية:

دخلت السنة السادسة للهجرة واشتاق النبي إلى زيارة بيت اللّه فأعدّ
العدّة للعمرة ومعه جمع من أصحابه، وليس معهم من السلاح إلاّ سلاح المسافر، فلمّا وصلوا إلى أرض الحديبية، منعوا من مواصلة السير، فبعد تبادل الرسل بينه وبين رؤساء قريش اصطلحوا على وثيقة ذكرها أصحاب السيرة في كتبهم. فكانت نتيجة تلك الوثيقة رجوع النبي إلى المدينة ومجيئه في العام القابل للزيارة، وقد ذكر فيها شروط للصلح أثارت حفيظة بعض المسلمين، حتّى

صفحه 67
أنّ عمر بن الخطاب وثب فأتى أبابكر فقال: أليس برسول اللّه؟ قال: بلى، قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنيّة في ديننا.(1)
فقد زعم الرجل أنّ البنود الواردة في صلح النبي تعني إعطاء الدنية في الدين، حتّى أنّ النبي أخبرهم حين الشخوص من المدينة أنّ اللّه سبحانه أراه في المنام أنّ المسلمين دخلوا المسجد الحرام، فلمّا انصرفوا ولم يدخلوا مكّة، قالوا: ما حلقنا ولا قصّرنا ولا دخلنا المسجد الحرام، فأنزل اللّه سبحانه قوله: (لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الَحَرَامَ إِنَّ شَاءَ اللّهُ آمِنين)(2) .
ولو أراد المتتبّع أن يتعمّق في السيرو التفاسير يجد أنّ مخالفة القوم للرسول لم تكن مختصّة بموضوع دون موضوع، فكان تقديم الاجتهاد على النص شيئاً رائجاً عندهم، ولنكتف في المقام بالمخالفتين الأخيرتين أيّام مرض وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم).

4- مخالفتهم في تجهيز جيش أُسامة:

اتّفق المؤرّخون على أنّ النبي الأكرم أمر بتجهيز جيش أُسامة فقال: «جهّزوا جيش أُسامة، لعن اللّه من تخلّف عنه» فقال قوم: «يجب علينا امتثال أمره» وأُسامة قد برز من المدينة، وقال قوم: «قد اشتدّ مرض النبي فلا تسع قلوبنا مفارقته والحال هذه، فنصبر حتّى ننظر أي شيء يكون من أمره.(3)

1 . السيرة النبوية لابن هشام: 2 / 316 ـ 317 .
2 . الفتح : 27 .
3 . الملل والنحل للشهرستاني: 1 / 29 ـ 30 (تحقيق محمّد بن فتح اللّه بدران) .

صفحه 68
هذا ما يذكره الشهرستاني ملخّصاً، وذكره المؤرّخون على وجه التفصيل، فقال الطبري في أحداث سنة إحدى عشرة: «وضرب على الناس بعثاً وأمّر عليهم أُسامة بن زيد، وأمره أن يوطئ من آبل الزيت من مشارف الشام الأرض بالأردن، فقال المنافقون في ذلك، وردّ عليهم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّه لخليق لها ـ أي حقيق بالإمارة ـ وإن قلتم فيه لقد قلتم في أبيه من قبل، وإن كان لخليقاً لها» فطار الأخبار بتحلل السير بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم). (1)
ويقول أيضاً: «لقد ضرب بعث أُسامة، فلم يستتبّ لوجع رسول اللّه، وقد أكثر المنافقون في تأمير أُسامة حتّى بلغه، فخرج النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) على الناس عاصباً رأسه من الصداع لذلك، وقال: «وقد بلغني أنّ أقواماً يقولون في إمارة أُسامة، ولعمري لئن قالوا في إمارته لقد قالوا في إمارة أبيه من قبله، وإن كان أبوه لخليقاً للإمارة وأنّه لخليق لها فأنفذا بعد أُسامة» وقال: «لعن اللّه الذين يتّخذون قبور أنبيائهم مساجد»(2)، فخرج أُسامة فضرب بالجرف وأنشأ الناس في العسكر، ونجم طليحة وتمهّل الناس وثقل رسول اللّه فلم يستتم الأمر ينظرون أوّلهم آخرهم حتّى توفّى اللّه نبيّه».(3)
وقد ذكر القصة ابن سعد في طبقاته(4)، والحلبي في سيرته(5)، ومن أراد التوسّع فليرجع إليهما.

1 . تاريخ الطبري: 2 / 429 .
2 . لا يخفى أنّه لاصلة لهذه الجملة لما قبل القصة وما بعدها، ولعلّه تحريف لما نقلناه عن الشهرستاني من أنه لعن المتخلّفين فبدّله الراوي بهذا .
3 . تاريخ الطبري: 2 / 430 .
4 . الطبقات: 2 / 189 ـ 190 .
5 . السيرة الحلبية: 3 / 227 ـ 228 .

صفحه 69
 
5- مخالفتهم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في إحضار القلم والدواة:
عن ابن عباس قال: «لمّا اشتدّ بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وجعه، قال: «ائتوني بدواة أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده» قال عمر: إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) غلبه الوجع وعندنا كتاب اللّه حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغط، قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «قوموا عنّي ولا ينبغي عندي التنازع» فخرج ابن عباس يقول: إنّ الرزيّة كل الرزيّة ما حال بين رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وبين كتابه.(1)
إنّ الراوي نقل الرواية بالمعنى كي يخفف من شدة الصدمة التي تحصل فيما لو نقل الرواية بألفاظها والشاهد على ما نقول أنّ البخاري نفسه روى الرواية بشكل آخر أيضاً، فروى عن ابن عباس إنه كان يقول: يوم الخميس وما يوم الخميس ثمّ بكى حتّى بلّ دمعه الحصى قلت: يابن عباس ما يوم الخميس؟ قال: اشتدّ برسول اللّه وجعه فقال: «ائتوني بكتف اكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده أبداً» فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: ما له، أهجر؟ استفهموه، فقال: «ذروني فالذي أنا فيه خير ممّا تدعونني إليه» فأمرهم بثلاث قال: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم» و الثالثة خير إمّا أن سكت عنها وإمّا أن قالها فنسيتها.(2)
ولعلّ الثالثة الّتي نسيها الراوي هو الّذي كان أراد النبي أن يكتبه حفظاً لهم

1 . صحيح البخاري: 1 / 30 باب كتابة العلم; الطبقات الكبرى: 2 / 242، وجاء فيه: فقال بعض من كان عنده انّ نبي اللّه ليهجر .
2 . صحيح البخاري: 4 / 99 باب إخراج اليهود من جزيرة العرب .

صفحه 70
من الضلال ولكن ذكره شفاهاً عوض كتابته، لكن السياسة اضطرّت المحدّثين إلى ادّعاء نسيانه .
ولعلّ النبي أراد أن يكتب في مرضه تفصيل ما أوجبه عليهم في حديث الثقلين وتشهد بذلك وحدة لفظهما، حيث جاء في الثاني: «إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا: كتاب اللّه وعترتي».
وقد فهم الخليفة ما يريده رسول الإسلام وحدّث به بعد مدة من الزمن لابن عباس فقال له يوماً: يا عبداللّه إنّ عليك دماء البدن إن كتمتها، هل بقي في نفس علي شيء من الخلافة؟ قال ابن عباس: قلت: نعم، قال: أو يزعم أنّ رسول اللّه نصّ عليه؟ قلت: نعم، فقال عمر: لقد كان من رسول اللّه في أمره ذروة من قول لا تثبت حجّة، ولا تقطع عذراً ولقد كان يربع في أمره وقتاً ما، ولقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه فمنعت من ذلك إشفاقاً وحيطة على الإسلام، فعلم رسول اللّه انّي علمت ما في نفسه فأمسك.(1)
والعجب أنّ أحمد أمين مع ما يكن للشيعة من عداء وقسوه يعترف بما ذكرنا بصراحة :
أراد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) في مرضه الّذي مات فيه أن يعيّن من يلي الأمر بعده ففي الصحيحين: البخاري ومسلم أنّ رسول اللّه لمّا اصفرّ قال: هلمّوا أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده، وكان في البيت رجال منهم عمر بن الخطاب فقال عمر: إنّ رسول اللّه قد غلب عليه الوجع(2) وعندكم القرآن. حسبنا كتاب اللّه فاختلف

1 . شرح نهج البلاغة: 3 / 17، وكأنَّ الرجل كان أشفق على الإسلام من رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)!!.
2 . وفي موضع آخر في صحيح البخاري: أنّه قال «إنّ الرجل ليهجر» .

صفحه 71
القوم واختصموا، فمنهم من قال: قرّبوا إليه يكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده، ومنهم من قال القول ما قاله عمر، فلمّا أكثروا اللغو(1) والاختلاف عنده(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: قوموا، فقاموا. وترك الأمر مفتوحاً لمن شاء، جعل المسلمين طوال عصرهم يختلفون على الخلافة حتّى عصرنا هذا بين السعوديين والهاشميين.(2)
هذه نماذج من مخالفة القوم لصريح النصوص الصادرة عن النبي الأكرم، وكل ذلك يعرب عن فقدانهم روح التسليم للنبي ولأحكامه، فلم يكونوا ملتزمين بما لا يوافق أهواءهم وأغراضهم من النصوص، نعم، ربّما يوجد بينهم من كان أطوع للنبي من الظل لذي الظل، ولكن المتنفّذين لم يكونوا متعبّدين بالنصوص فضلا عن تعبّدهم بالإشارات والرموز، وربّما كانوا يقابلون النبي بكلمات عنيفة لا يقابل بها من هو أقل منه شأناً.
وياليت انّهم اكتفوا في مجال المخالفة للنصوص أثناء حياته، ولكنّهم خالفوها بعد وفاته أكثر ممّا خالفوها أيّام حياته، يقف على ذلك من سبر التاريخ وسيرة الخلفاء في غير واحد من المجالات .
ولقد حاول الشهرستاني في ملله ونحله(3)، والسيد الشريف في شرح المواقف(4) تحديد بدء الخلاف بين المسلمين بأيّام مرض النبي عندما كان طريح فراشه. ولكن ذلك التحديد من حسن ظنّهما بالصحابة وأنّهم كلّهم عدول، غير أنّك عرفت أنّ تاريخ الخلاف يرجع إلى بدايات الهجرة، وقد اكتفينا

1 . والصحيح: اللغط .
2 . يوم الإسلام: 41 .
3 . الملل و النحل: 1 / 29. ولاحظ التبصير في الدين للاسفرائيني: 19 .
4 . شرح المواقف: 8 / 372 .

صفحه 72
بموارد خمسة وضربنا الصفح عن ذكر موارد أُخرى .
هذا كلّه يرجع إلى مخالفتهم الرسول فيما يأمر وينهى أيّام حياته، وأمّا مخالفتهم لنصوص الرسول بعد رحلته فحدّث عنها ولا حرج .

1- التصرّف في أذان الفجر:

أخرج الإمام مالك في موطّئه: انّ المؤذّن جاء إلى عمر بن الخطاب يؤذنه بصلاة الصبح، فوجده نائماً فقال: الصلاة خير من النوم. فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح .
وقال الزرقاني في تعليقته على هذه الكلمة من شرحه للموطأ ما هذا لفظه: هذا البلاغ أخرجه الدارقطني في السنن من طريق وكيع في مصنّفه عن العمري عن نافع عن ابن عمر عن عمر أنّه قال لمؤذّنه: إذا بلغت حىّ على الفلاح في الفجر فقل: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم.(1)

2- الحيلولة بين فاطمة وميراثها:

استفاضت الآيات بإطلاقاتها تارة ونصوصها تارة أُخرى على أنّ أولاد الأنبياء يرثون آباءهم كسائر الناس .
أمّا الاطلاقات فيكفي في ذلك قوله سبحانه: (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِى أوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ)(2) .

1 . الموطأ: 78، باب ما جاء من النداء في الصلاة الحديث 8 ، والموطأ مع شرح الزرقاني: 1 / 150 طبع مصر .
2 . النساء : 11 .

صفحه 73
وأمّا النصوص فيكفي في ذلك قوله سبحانه: (وَوَرِثَ سُلَيْمانُ دَاوُدَ)(1)وقال سبحانه ناقلا عن زكريا: (فَهَبْ لِى مِن لَدُنكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِى وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً)(2) .
إنّ طلب زكريا من اللّه سبحانه أن يهبه ولداً وأن يجعله رضيّاً لأوضح دليل على أنّ المراد من الوراثة، الوراثة في المال لا النبوّة، لبداهة أنّ الإنسان لا يكون نبيّاً إلاّ أن يكون رضيّاً، على أنّ لفظ الوراثة وما يشتق منه ظاهر في الوراثة في المال ولا يستعمل في غيره إلاّ توسّعاً ومجازاً، ومع ذلك فقد خالفت القيادة بعد رسول اللّه هذا النص وحرمت فاطمة من ميراث أبيها بحجّة أنّه سمع من النبي قوله: نحن الأنبياء لا نورّث، مع أنّه لو صحّ هذا الحديث لكان على النبي أن يذكره لورّاثه حتّى لا يقعوا في الخطأ ولا يطلبوا شيئاً ليس لهم، فهل أنّ النبي أهمل هذا البيان اللازم وذكره لغير وارثه؟!
روى البخاري عن عائشة: أنّ فاطمة(عليها السلام) بنت النبي أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول اللّه ممّا أفاء اللّه عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر، فقال أبوبكر: إنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «لا نورّث ما تركنا صدقة، إنّما يأكل آل محمّد من هذا المال»، وإنّي واللّه لا أُغيّر شيئاً من صدقة رسول اللّه عن حالها الّتي كان عليها في عهد رسول اللّه، ولأعملنّ فيها بما عمل به رسول اللّه.
فأبى أبوبكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر، فهجرته، فلم تكلّمه حتّى توفّيت، وعاشت بعد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ستّة أشهر، فلمّا

1 . النمل : 16 .
2 . مريم : 5 ـ 6 .

صفحه 74
توفّيت دفنها زوجها علي ليلا، فلم يؤذِن بها أبابكر، وصلّى عليها.(1)
وقال ابن قتيبة: قال عمر لأبي بكر (رضى اللّه عنهما): انطلق بنا إلى فاطمة فإنّا قد أغضبناها، فانطلقا جميعاً فاستأذنا على فاطمة، فلم تأذن لهما، فأتيا عليّاً فكلّماه، فأدخلهما عليها، فلمّا قعدا عندها حوَّلت وجهها إلى الحائط، فسلّما عليها فلم ترد السلام، فتكلّم أبوبكر وقال: يا حبيبة رسول اللّه، واللّه إنّ قرابة رسول اللّه أحبّ إلىّ من قرابتي، وانّك لأحبّ إلىّ من عائشة ابنتي، ولوددت يوم مات أبوك أنّي متّ ولا أبقى بعده، أفتراني أعرفك وأعرف فضلك وشرفك وأمنَعْك حقّك وميراثك من رسول ] الله [، إلاّ أنّي سمعت أباك رسول اللّه يقول: «لا نورث ما تركنا فهو صدقة».(2)
يلاحظ عليه أوّلا: أنّ الرسول الأعظم وكذا كل من يتولّى الحكومة الإسلامية تكون له ملكيّتان: ملكية شخصية تتعلّق بنفسه ويتصرّف فيها بما أنّها ماله الشخصي، وملكية تتعلّق بمقام الرسالة ويتصرّف فيها بما أنّه رسول وممثّل الدولة الإلهية، والقسم الثاني من الملكيّتين لا تورث بل تنتقل إلى من يمارس المسؤولية بعده. ونحن نربأ بفاطمة أن تطالب أبابكر بالأموال الّتي تعد من شؤون الدولة الإسلامية وانّما جاءت لتطلب ما كان ملكاً خاصّاً لأبيها، بما أنّه أحد الناس والمسلمين، يملك ما شاء بإحدى الطرق الشرعية ويرثه أولاده بعده.
ثانياً: أنّ ما يرويه البخاري عن الخليفة أنّه قال: «وإنّي واللّه لا أُغيّر
شيئاً من صدقة رسول اللّه عن حالها الّتي كان عليها» واقع في غير محلّه،

1 . صحيح البخاري: 5 / 139 باب غزوة خيبر .
2 . الإمامة والسياسة : 1 / 13 .

صفحه 75
لأنّ حبيبة رسول اللّه لم تطلب منه صدقات أبيها حتّى تجاب بأنّ الصدقة
لا تتغيّر ولا تتبدّل و إنّما سألته أن يدفع لها ما ملكه رسول اللّه ونحله لبنته ـ أعني: فدكاً ـ أيّام حياته عندما نزل قوله سبحانه: (وَ آتِ ذَا القُرْبى حَقَّهُ وَ المِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ)(1).
نحن نفترض أنّ الرسول قال: لا نورث ما تركناه صدقة، ولكن من المحتمل جدّاً، أنّ الفعل «لا نورث» فعل معلوم لا مجهول، ومعناه نحن معاشر الأنبياء لا نورث الأشياء الّتي تركناها صدقة، فيكون لفظة ما مفعولا للفعل المبني على الفاعل وعند ذلك لاصلة للحديث بكل ما يتركه النبي حتّى أمواله الشخصية والمقصود النهائي هو أنّ الصدقة لا تورث كالزكاة وأمثالها.

3- النهي عن متعة الحج:

قال سبحانه: (فَمَنْ تَمَتَّع بِالعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْىِ(2) فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيّام فِى الحَجِّ وَ سَبْعَة إذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى المَسْجِدِ الحَرَامِ)(3) .
إنّ صفة التمتّع بالعمرة إلى الحج عبارة عن الإحرام في أشهر الحج من إحدى المواقيت، ثم الدخول إلى مكّة للطواف بالبيت والصلاة بعده، والسعي

1 . الاسراء : 26 .
2 . أي فعليه ما يتيسّر له من الهدي، ومن لم يجد الهدي ولا ثمنه فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج، وهي يوم السابع من ذي الحجّة وتنتهي بيوم عرفة، والتمتّع بالعمرة إلى الحج ليس لأهل مكّة ومن يجري مجراهم في القرب إليها.
3 . البقرة : 196 .

صفحه 76
بين الصفا والمروة ثم التقصير، وعندئذ يحلّ له كلّ ما كان محرماً عليه، فيقيم على هذه الحالة حتّى ينشأ في تلك السنة إحراماً آخر للحج ويخرج إلى عرفات ثمّ يفيض إلى المشعر الحرام، إلى آخر الأعمال، هذا هو التمتّع بالعمرة إلى الحج، وانّما أُضيف الحج بهذه الكيفية إلى التمتع وقال سبحانه: (فَمَن تَمَتَّعَ بالعمرة إلى الحجّ)لما فيه من المتعة واللذّة بإباحة محرمات الإحرام في المدّة المتخلّلة بين الإحرامين من غير فرق بين محرَّم وآخرَ حتّى مسِّ النساء .
هذا هو الّذي شرّعه القرآن وخالفه بعض أصحاب السلطة، روى مالك عن سعد بن أبي وقّاص والضّحّاك بن قيس: عام حجّ معاوية بن أبي سفيان وهما يذكران التمتّع بالعمرة إلى الحج فقال الضحاك بن قيس: لا يفعل ذلك
إلاّ من جهل أمر اللّه عزّوجلّ، فقال سعد: بئس ما قلت يا ابن أخي، فقال الضحاك: فإنّ عمر قد نهى عن ذلك ،فقال سعد: قد صنعها رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)وصنعناها معه.(1)
روى أحمد بن حنبل عن أبي موسى: أنّه كان يفتي بالمتعة، فقال له رجل: رويدك ببعض فتياك فإنّك لا تدري ما أحدث أميرالمؤمنين في النسك بعدك، حتّى لقيه بعد فسأله، فقال عمر(رضي الله عنه): قد علمت أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قد فعله وأصحابه ولكن كرهت أن يظلّوا بهن معرسين في الاراك ثمّ يروحون بالحج تقطر رؤوسهم.(2) .
وروى أيضاً عن طريق آخر عنه: انّ عمر(رضي الله عنه) قال: هي سنّة رسول اللّه

1 . موطأ مالك: 235، باب ما جاء في التمتّع برقم 767 .
2 و 3 . مسند أحمد: 1 / 49 - 50 .

صفحه 77
ـ يعني المتعة ـ ولكن أخشى أن يعرسوا بهنّ تحت الاراك، ثمّ يروحوا بهنّ حجّاجاً(3) .
وقد استفاض القول عن الخليفة انّه قال: متعتان كانتا على عهد رسول اللّه وأنا أنهى عنهما وأُعاقب عليهما.(1)
قال القرطبي: لا خلاف بين العلماء في أنّ التمتّع جائز وأنّ الإفراد جائز، وأنّ القِران جائز، لأنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) رضي كلاّ ولم ينكره في حجّته على أحد من أصحابه، بل أجازه لهم ورضيه منهم... احتجّ من فضّل التمتّع بما رواه مسلم عن عمران بن حصين، قال: نزلت آية المتعة في كتاب اللّه ـ يعني متعة الحج ـ وأمرنا بها رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ثم لم تنزل آية تنسخ آية متعة الحج، ولم ينه عنها رسول اللّه حتّى مات، قال رجل برأيه بعد ما شاء.(2)

4- إسقاط سهم ذوي القربى من الخمس بعد وفاة الرسول :

ورد النص في الذكر الحكيم على أنّ لذي القربى سهم من الخمس قال سبحانه: (وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُم مِن شَىْء فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَ للرَّسُولِ وَ لِذِى القُرْبَى وَ اليَتَامَى وَ المَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُم آمَنْتُم بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ)(3). وقد أجمع أهل القبلة

1 . تفسير الرازي: 5 / 167، وفسّر الآية بالتمتّع بمحظورات الإحرام; وشرح التجريد للمحقّق القوشجي (وهو من أئمة الأشاعرة): وقد عدّه من اجتهاد الخليفة. نعم هو من اجتهاده مقابل النص!!
2 . الجامع لأحكام القرآن: 2 / 388 .
3 . الأنفال : 41 .

صفحه 78
على أنّ الرسول كان يختصّ بسهم من الخمس ويخصّ أقاربه بسهم آخر. وأنّه لم يعهد تغيير ذلك حتّى دعاه اللّه إليه. غير أنّ أصحاب السلطة بعد الرسول أسقطوا سهم بني هاشم من الخمس، وجعلوهم كغيرهم من يتامى النساء و مساكينهم وأبناء السبيل منهم، وقد عرفت في المخالفة الثالثة أنّ فاطمة(عليها السلام)طلبت من أبي بكر ما بقى من خمس خيبر .
ويشهد بذلك ما أخرجه الإمام أحمد من حديث ابن عباس أنّه كتب إليه نجدة يسأله عن سهم ذي القربى؟ وعن اليتيم متى ينقضي يتمه؟ وعن المرأة والعبد يشهدان الغنيمة؟ وعن قتل أطفال المشركين؟ فكتب إليه ابن عباس: انّك كتبت إلىّ تسأل عن سهم ذي القربى لمن هو؟ وانّا كنّا نراها لقرابة رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، فأبى ذلك علينا قومنا; وعن اليتيم متى ينقضي يتمه؟ قال: إذا احتلم....(1)
هذا وقد نقل القرطبي أقوالا في كيفيّة تقسيم الخمس، وهي بين من يأخذ بنص الآية ويجعل سهماً لذي القربى ومن يجتهد أمام النص. ونقلها صاحب المنار في تفسيره.(2)

5- قطع سهم المؤلّفة قلوبهم:

قال سبحانه: (إِنَّما الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرآءِ وَ المَسَاكِينِ و العَامِلينَ عَلَيْهَا والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِى الرِّقَابِ وَ الغَارِمينَ وَ فِى سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ

1 . مسند أحمد: 1 / 248 .
2 . تفسير القرطبي: 8 / 10; تفسير المنار: 10 / 17 ـ 18 .

صفحه 79
اللّهِ وَ اللّهُ عَلَيمٌ حَكِيمٌ)(1)، الآية صريحة في أنّ لكلّ واحد من الأصناف المذكورة سهم ودلّت كتب السيرة والفقه على أنّ الرسول يعطي سهم المؤلّفة قلوبهم، فيؤلّف بذلك قلوبهم، وهذه سيرته المستمرّة معهم، لكن لمّا ولّي أبو بكر جاء المؤلّفة قلوبهم لاستيفاء سهمهم جرياً على عادتهم مع رسول اللّه فكتب أبوبكر لهم بذلك، فذهبوا بكتابه إلى عمر ليأخذوا خطّه عليه فمزّقه وقال: لا حاجة لنا بكم، فقد أعزّ الله الإسلام وأغنى عنكم، فإن أسلمتم وإلاّ فالسيف بيننا وبينكم، فرجعوا إلى أبي بكر فقالوا له: أنت الخليفة أم هو؟ فقال: بل هو إن شاء اللّه تعالى، وأمضى ما فعله عمر.(2)
فاستمرّ الأمر على ذلك بعدهم، وأقصى ما عند المحقّقين من تبرير عمل الخليفة ما ذكره الدواليبي في كتابه «أُصول الفقه» وقال: ولعلّ اجتهاد عمر(رضي الله عنه)في قطع العطاء الّذي جعله القرآن الكريم للمؤلّفة قلوبهم كان في مقدّمة الأحكام الّتي قال بها عمر تبعاً لتغيير المصلحة بتغير الأزمان رغم أنّ النص القرآني لا يزال ثابتاً غير منسوخ.(3)
وما ذكره الأُستاذ يعارض ذيله صدره، فما معنى أنّ النص القرآني لا يزال ثابتاً غيرمنسوخ؟ فإذا كان غير منسوخ فما معنى الاجتهاد في مقابل النص؟ لأنّ معنى ذلك إبطال القرآن في فترة خاصة، ولو صحّ لأصحاب السلطة هذا النمط من العمل لما بقي من الإسلام أثر، فالنص لا يتغيّر ولا يتبدّل ولا تتقيّد إطلاقاته ولا عموماته بالمصالح المرسلة .

1 . التوبة : 60 .
2 . الجوهرة النيرة: 1 / 164 وهي في الفقه الحنفي ونقله في المنار: 10 / 576 .
3 . أُصول الفقه : 239 .

صفحه 80
نعم يجوز على القول بعدم لزوم الاستيعاب في تقسيم الزكاة، دفعها إلى صنف دون صنف، لكنّه إنّما يجوز مؤقّتاً لا دائماً، غير أنّ الخليفة قام بقطع سهم المؤلّفة قلوبهم من رأس، وهذا هو الّذي فهمه أبو حنيفة، والشافعي(1) بحجّة أنّ اللّه أعزّ الإسلام وهو اجتهاد من عمر بأنّه ليس من المصلحة استمرار هذا الأمر. ولا نريد من الاجتهاد في مقابل النص إلاّ هذا .
هذه نماذج خمسة من مخالفتهم للنصوص والعمل وفق اجتهادات ذوقية، غير أنّ أصحاب السلطة قدّموها على النصوص بقوة وحماس، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ النصوص كانت أداة طيّعة للتغيير حسب الأهواء والميول الشخصية، سواء أكانوا مقصّرين في هذا التأويل أم قاصرين .
والهدف إيقاف القارئ على أن مخالفة النصوص لأصحاب النفوذ لم يكن أمراً عسيراً أو شيئاً نادراً .
وبذلك تبيّن أنّ إعراضهم عن أدلّة تنصيب الإمام للخلافة، لم يكن أمراً عجيباً، وذلك لجريان سيرة الصحابة على تقديم المصالح المزعومة على النصوص وبذلك يقطع العذر على من زعم أنّه لو كان في مسألة الخلافة وإمامة الإمام أميرالمؤمنين، نصّ، لما خالفه الصحابة العدول وتلقّوه بالقبول. فيقال: أوما أمرهم النبىّ، بإحضار القلم والدواة، فحالوا بينه وبين منيته؟! أو ما حثهم على تجهيز جيش أُسامة ولعن المتخلّفين عنه، ولكنّهم اثّاقلوا إلى الأرض؟! أو ما.. أوما...
وهناك كلمة لابن أبي الحديد، وهو يقارن بين سياستي علي وعمر و سياستي علي ومعاوية، وإليك نصّها :

1 . تفسير المنار: 10 / 576 .

صفحه 81
اعلم أنّ السائس لا يتمكّن من السياسة البالغة إلاّ إذا كان يعمل برأيه، وبما يرى فيه صلاح ملكه وتمهيد أمره وتوطيد قاعدته، سواء أوافق الشريعة أم لم يوافقها، ومتى لم يعمل في السياسة والتدبير بموجب ما قلناه، وإلاّ فبعيد أن ينتظم أمره أو يستوثق حاله .
وأميرالمؤمنين(عليه السلام) كان مقيّداً بقيود الشريعة، مدفوعاً إلى اتّباعها، ورفض ما يصلح اعتماده من آراء الحرب والكيد والتدبير، إذا لم يكن للشرع موافقاً، فلم تكن قاعدته في خلافته، قاعدة غيره ممّن لم يلتزم بذلك، ولسنا بهذا القول ضارّين على عمر بن الخطاب ولا ناسبين إليه ما هو منزّه عنه، ولكنّه كان مجتهداً يعمل بالقياس والاستحسان، والمصالح المرسلة، ويرى تخصيص عمومات النص بالآراء وبالاستنباط، من أُصول تقتضي خلاف ما يقتضيه عموم النص، ويكيد خصمه، ويأمر أُمراءه بالكيد والحيلة، ويؤدّب بالدرّة والسوط من يغلب على ظنّه أنّه يستوجب ذلك، ويصفح عن آخرين قد اجترموا ما يستحقّون به التأديب. كلّ ذلك بقوّة اجتهاده وما يؤدّيه إليه نظره. ولم يكن أميرالمؤمنين (عليه السلام)يرى ذلك، وكان يقف مع النصوص والظواهر ولا يتعدّاها إلى الاجتهاد والأقيسة، ويطبّق أُمور الدنيا على الدين ويسوق الكلّ مساقاً واحداً، فاختلفت طريقتاهما في الخلافة والسياسة.(1)
وقال الجاحظ: وربّما رأيت بعض من يظن بنفسه العقل والتحسين والفهم والتمييز، وهو من العامة وهو يظن أنّه من الخاصة يزعم أنّ معاوية كان أبعد غوراً، وأصحّ فكراً، وأجود روية، وأبعد غاية، وأدق مسلكاً، وليس الأمر

1 . شرح نهج البلاغة: 10 / 572 .

صفحه 82
كذلك، وسأومي إليك بجملة تعرف بها موضع غلطه، والمكان الّذي دخل عليه الخطأ من قبله .
كان علي(عليه السلام) لا يستعمل في حربه، إلاّ ما وافق الكتاب والسنّة، وكان معاوية يستعمل خلاف الكتاب والسنّة، كما يستعمل الكتاب والسنّة.(1)
وفي حياة الخليفة عشرات الشواهد على اجتهاده تجاه النص، وأي اجتهاد تجاهه أظهر وأولى من منع تدوين الحديث وكتابته الّذي هو المصدر الثاني الرئيسي للمسلمين بعد الذكر الحكيم، وقد بلغت السنّة من الكمال مكانة حتّى صار لفظ السنّي شعاراً لجمهور المسلمين .
ولعلّ في قوله سبحانه: (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بِيْنَ يَدَىِ اللّهِ وَ رَسُولِهِ واتَّقُوا اللّهَ إنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم)(2). إشارة إلى بعض هذه الأُمور،
ومعنى الآية: لا تقولوا حتّى يقول، ولا تأمروا حتّى يأمر، ولا تفتوا حتّى يفتي، ولا تقطعوا أمراً حتّى يقطع، بالتالي: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنّة فانّه تقدُّم على اللّه و رسوله.
فإذا كان هذا حال الخليفة وعمله طيلة حياته، فلا عجب أن يجتهد أمام نصوص الولاية والخلافة ويسدل عليها الستار، ولا يلتفت إليها ويندفع إلى تتبع مظان المصالح المزعومة في مجال الخلافة بعد عصر الرسول، وفي ما ذكرنا من مظان الاجتهاد أمام النص كفاية لطالب الحق .

1 . شرح نهج البلاغة: 10 / 578، نقلاً عن أبي عثمان الجاحظ .
2 . الحجرات : 1 .

صفحه 83
مبدأ التشيُّع وتاريخ نشاته   

الفصل الخامس:

مبدأ التشيُّع وتاريخ نشأته

زعم غير واحد من الكتّاب القدامى والجدد : أنّ التشيّع كسائر المذاهب الإسلامية من إفرازات الصراعات السياسية ، في حين يذهب البعض الآخر إلى القول بأنّه نتاج الجدال الكلامي والصراع الفكري . فأخذوا يبحثون عن تاريخ نشوئه وظهوره في الساحة الإسلامية ، وكأنّهم يتلقّون التشيّع بوصفه ظاهرة جديدة وافدة على المجتمع الإسلامي ، ويعتقدون بأنّ القطاع الشيعي وإن كان من جسم الأُمّة الإسلامية إلاّ أنّه تكوّن على مرّ الزمن نتيجة لأحداث وتطوّرات سياسية أو اجتماعية فكرية أدّت إلى تكوين هذا المذهب كجزء من ذلك الجسم الكبير ، ومن ثمّ اتّسع ذلك الجزء بالتدريج .
ولعلّ هذا التصور الخاطئ لمفهوم التشيّع هو ما دفع أصحاب هذه الأُطروحات إلى التخبّط والتعثّر في فهمهم لحقيقة نشوء هذا المذهب ، ومحاولاتهم الرامية لتقديم التفسير الأصوب ، ولو أنّ أُولئك الدارسين شرعوا في دراستهم لتأريخ هذه النشأة من خلال الأُطروحات العقائدية والفكرية التي ابتني عليها التشيّع لأدركوا بوضوح ودون لبس أنّ هذا المذهب لا يؤلّف في جوهر تكوينه وقواعد أركانه إلاّ الامتداد الحقيقي للفكر العقائدي للدين الإسلامي والذي قام عليه كيانه .
وإذا كان البعض يذهب إلى الاعتقاد بأنّ التشيّع يظـهر بأوضح صوره

صفحه 84
من خلال الالتفاف والمشايعة للوصي الذي اختاره رسول الله(صلى الله عليه وآله) خليفة له بأمر الله تعالى ليكون قائداً وإماماً للناس ـ كما كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) ـ ففي ذلك أوضح المصاديق على حقيقة هذا النشوء الذي اقترن بنشوء وتبلور الفكر الإسلامي الكبير ، والذي لابدّ له من الاستمرار والتواصل والتكامل حتّى بعد رحيل صاحب الرسالة(صلى الله عليه وآله) ، والذي ينبغي له أن يكون الاستمرار الحقيقي لتلك العقيدة السماوية وحامل أعباء تركتها .
فإذا اعتبرنا بأنّ التشيّع يرتكز أساساً في استمرار القيادة بالوصي ، فلا نجد له تأريخاً سوى تأريخ الإسلام ، والنصوص الواردة عن رسوله(صلى الله عليه وآله) .
قد عرفت في الصفحات السابقة نصوصاً متوفرة في وصاية الإمام أمير المؤمنين ، وإذا كانت تلك النصوص من القوّة والحجّية التي لا يرقى إليها الشكّ ، وتعدّ وبدون تردّد ركائز عقائدية أراد أن يثبت أُسسها رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، فهي بلا شك تدلّ وبوضوح على أنّ هذه الاستجابة اللاحقة استمرار حقيقي لما سبقها في عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، وإذا كان كذلك فإنّ جميع من استجابوا لرسول الله(صلى الله عليه وآله) ، وانقادوا له انقياداً حقيقياً ، يعدّون بلا شكّ روّاد التشيع الأوائل وحاملي بذوره ، فالشيعة هم المسلمون من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان في الأجيال اللاحقة ، من الذين بقوا على ما كانوا عليه في عصر الرسول في أمر القيادة ، ولم يغيِّروه ، ولم يتعدوا عنه إلى غيره ، ولم يأخذوا بالمصالح المزعومة في مقابل النصوص ، وصاروا بذلك المصداق الأبرز لقوله سبحانه : (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدّمُوا بَينَ يَدَيِ الله ورَسُولِهِ واتَّقُوا الله إنَّ الله سَميعٌ عَليمٌ)(1)

1 . الحجرات : 1 .

صفحه 85
ففزعوا في الأُصول والفروع إلى عليّ وعترته الطاهرة ، وانحازوا عن الطائفة الأُخرى مِنَ الذين لم يتعبّدوا بنصوص الخلافة والولاية وزعامة العترة ، حيث تركوا النصوص ، وأخذوا بالمصالح .
إنّ الآثار المرويّة في حقّ شيعة الإمام عن لسان النبيّ الأكرم ـ والذين هم بالتالي شيعة لرسول الله(صلى الله عليه وآله) ـ ترفع اللثام عن وجه الحقيقة ، وتعرب عن التفاف قسم من المهاجرين حول الوصي ، فكانوا معروفين بشيعة عليّ في عصر الرسالة ، وإنّ النبيّ الأكرم وصفهم في كلماته بأنّهم هم الفائزون ، وإن كنت في شكّ من هذا فسنتلو عليك بعض ما ورد من النصوص في المقام :
1 ـ أخرج ابن مردويه عن عائشة ، قالت : قلت : يا رسول الله من أكرم الخلق على الله؟ قال : «يا عائشة أما تقرئين : (إنَّ الَّذِين آمنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيرُ البَرِيَّة)».(1)
2 ـ أخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال : كنّا عند النبيّ(صلى الله عليه وآله) فأقبل عليّ فقال النبيّ : «والذي نفسي بيده إنّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة» ، ونزلت : (إنَّ الَّذِين آمنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيرُ البَريَّة) فكان أصحاب النبيّ إذا أقبل عليّ قالوا : جاء خير البريّة.(2)
3 ـ أخرج ابن عدي وابن عساكر عن أبي سعيد مرفوعاً : «عليّ خير البريّة».(3)

1 . الدر المنثور : 6 / 589، والآية هي السابعة من سورة البيّنة .
2 . الدر المنثور : 6 / 589 .
3 . نفس المصدر .

صفحه 86
4 ـ وأخرج ابن عدي عن ابن عبّاس قال : لمّا نزلت : (إنَّ الَّذِين آمنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولئِك هُمْ خَيرُ البَريَّة) قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) لعليّ : «هو أنت وشيعتك يومالقيامة راضين مرضيّين» .
5 ـ أخرج ابن مردويه عن عليّ قال : قال لي رسول الله(صلى الله عليه وآله) : «ألم
تسمع قول الله :
(إنَّ الَّذِين آمنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولئِك هُمْ خَيرُ البَريَّة)أنت وشيعتك ، موعدي وموعدكم الحوض إذا جاءت الأُمم للحساب تدعون غرّاً محجّلين».(1)
6 ـ روى ابن حجر في صواعقه عن أُمّ سلمة قالت: كانت ليلتي ، وكان النبيّ(صلى الله عليه وآله)عندي فأتته فاطمة فتبعها عليّ ـ رضي الله عنهما ـ فقال النبيّ : «يا عليّ أنت وأصحابك في الجنّة ، أنت وشيعتك في الجنّة».(2)
7 ـ روى ابن الأثير في نهايته : قال النبيّ مخاطباً عليّاً : «يا عليّ ، إنّك ستقدم على الله أنت وشيعتك راضين مرضيّين ، ويقدم عليه عدوُّك غضاباً مقمحين» ثمّ جمع يده إلى عنقه يريهم كيف الإقماح . قال ابن الأثير : الإقماح : رفع الرأس وغض البصر.(3)
8 ـ روى الزمخشري في ربيعه : أنّ رسول الله قال : «يا عليّ ، إذا كان يوم القيامة أخذت بحجزة الله تعالى ، وأخذت أنت بحجزتي ، وأخذ ولدك

1 . نفس المصدر .
2 . الصواعق المحرقة: 161 .
3 . النهاية : 4 / 106. ورواه ابن حجر في الصواعق : 154 .

صفحه 87
بحجزتك ، وأخذ شيعة ولدك بحجزهم ، فترى أين يؤمر بنا؟».(1)
9 ـ روى أحمد في المناقب : أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعليّ : «أما ترضى أنّك معي في الجنّة ، والحسن والحسين وذرّيتنا خلف ظهورنا ، وأزواجنا خلف ذرّيتنا ، وشيعتنا عن أيماننا وشمائلنا».(2)
10 ـ روى الطبراني : أنّه(صلى الله عليه وآله) قال لعليّ : «أوّل أربعة يدخلون الجنّة : أنا وأنت والحسن والحسين ، وذرّيتنا خلف ظهورنا ، وأزواجنا خلف ذرّياتنا ، وشيعتنا عن أيماننا وشمائلنا».(2)
11 ـ أخرج الديلمي : «يا علي ، إنّ الله قد غفر لك ولذرّيّتك ولولدك ولأهلك ولشيعتك ، فأبشر فإنّك الأنزع البطين».(4)
12 ـ أخرج الديلمي عن النبيّ أنّه قال : «أنت وشيعتك تردون الحوض رواء مرويّين ، مبيضّة وجوهكم ، وإنّ عدوّك يردون على الحوض ظماء مقمحين».(3)
13 ـ روى المغازلي بسنده عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله : «يدخلون من أُمّتي الجنّة سبعون ألفاً لا حساب عليهم ـ ثمّ التفت إلى عليّ فقال : ـ هم شيعتك وأنت إمامهم».(6)
14 ـ روى المغازلي عن كثير بن زيد قال : دخل الأعمش على المنصور ،

1 . ربيع الأبرار: 1 / 808 .            2 . الصواعق : 161 .
2 . نفس المصدر .                  4 . نفس المصدر .
3 . الصواعق : 161 .                  6 . مناقب المغازلي : 293 .

صفحه 88
فلمّـا بصر به قال له : يا سليمان تصدَّر ، قال : أنا صدر حيث جلست ـ إلى أن قال في حديثه : ـ حدّثني رسول الله قال : «أتاني جبرئيل(عليه السلام) آنفاً فقال : تختّموا بالعقيق ، فإنّه أوّل حجر شهد لله بالوحدانيّة ، ولي بالنبوّة ، ولعليّ بالوصيّة ، ولولده بالإمامة ، ولشيعته بالجنّة».(1)
15 ـ روى ابن حجر : أنّه مرّ عليّ على جمع فأسرعوا إليه قياماً ،
فقال : «من القوم؟» فقالوا : من شيعتك يا أمير المؤمنين ، فقال لهم خيراً ، ثمّ
قال : «يا هؤلاء مالي لا أرى فيكم سمة شيعتنا وحلية أحبَّتنا؟» فأمسكوا
حياءً ، فقال له من معه : نسألك بالذي أكرمكم أهل البيت وخصّكم وحباكم ،
لما أنبأتنا بصفة شيعتكم فقال : «شيعتنا هم العارفون بالله ، العاملون بأمر
الله»
.(2)
16 ـ روى الصدوق (306 ـ 381هـ ) : أنّ ابن عباس قال : سمعت رسول الله يقول : «إذا كان يوم القيامة ورأى الكافر ما أعدّ الله تبارك وتعالى لشيعة عليّ من الثواب والزلفى والكرامة . . .».(3)
الشيعة في كلمات المؤرّخين وأصحاب الفرق   
17 ـ وروى أيضاً بسنده إلى سلمان الفارسي عن النبي(صلى الله عليه وآله) قال : «يا علي تختّم باليمين تكن من المقرّبين ، قال : يا رسول الله ومن المقرّبون؟ قال : جبرئيل

1 . مناقب المغازلي : 281 ، ورواه السيد البحراني في غاية المرام عنه ، وأنت إذا تدبّرت في الآيات الدالّة على سريان العلم والشعور في عامّة الموجودات مثل قوله : (وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَـهْبِطُ مِنْ خَشْـيَةِ الله) ـ البقرة : 74 ـ تستطيع أن تُصَدّقَ ما جاء في الحديث من شهادة العقيق بوحدانية الله .
2 . الصواعق : 154 .
3 . علل الشرائع : 156 .

صفحه 89
وميكائيل ، قال : فبما أتختّم يا رسول الله؟ قال : بالعقيق الأحمر; فإنّه جبل أقرّ لله
بالوحدانيّة ، ولي بالنبوّة ، ولك يا عليّ بالوصيّة ، ولولدك بالإمامة ، ولمحبّيك بالجنّة ، ولشيعتك وشيعة ولدك بالفردوس»
.(1)
وهذه النصوص المتضافرة الغنيّة عن ملاحظة أسنادها ، تعرب عن كون عليّ(عليه السلام) متميزاً بين أصحاب النبيّ بأنّ له شيعة وأتباعاً ، ولهم مواصفات وسمات كانوا مشهورين بها ، في حياة النبيّ وبعدها ، وكان(صلى الله عليه وآله) يشيد بهم ويبشّر بفوزهم ، وهم ـ بلا ريب ـ ليسوا بخارجين قيد أُنملة عن الخط النبوي المبارك للفكر الإسلامي العظيم ، والذي يؤكّد على حقيقة التشيّع ومبدئه الذي لا يفترق عن نشوء الدين واستقراره .
فبعد هذه النصوص لا يصحّ لباحث أن يلتجئ إلى فروض ظنّية أو وهمية في تحديد تكوّن الشيعة وظهورها .

الشيعة في كلمات المؤرّخين وأصحاب الفرق

قد غلب استعمال لفظ الشيعة بعد عصر الرسول تبعاً له فيمن يوالي عليّاً وأهل بيته ويعتقد بإمامته ووصايته ، ويظهر ذلك من خلال كلمات المؤرّخين وأصحاب المقالات والتي نشير إلى بعضها :
1 ـ روى المسعودي في حوادث وفاة النبي : أنّ الإمام عليّاً أقام ومن معه من شيعته في منزله بعد أن تمّت البيعة لأبي بكر.(2)

1 . علل الشرائع : 158 .
2 . الوصية : 121 .

صفحه 90
2 ـ قال أبو مخنف : اجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد
فذكروا هلاك معاوية فحمدنا الله عليه فقال : إنّ معاوية قد هلك ، وأنّ حسيناً
قد تقبّض على القوم ببيعته ، وقد خرج إلى مكّة وأنتم شيعته وشيعة
أبيه.(1)
3 ـ وقال محمّد بن أحمد بن خالد البرقي (المتوفّى 274هـ ) : إنّ أصحاب عليّ ينقسمون إلى الأصحاب ، ثمّ الأصفياء ، ثمّ الأولياء ، ثمّ شرطة الخميس . . . ومن الأصفياء: سلمان الفارسي ، والمقداد ، وأبو ذر ، وعمّـار ، وأبو ليلى ، وشبير ، وأبو سنان ، وأبو عمرة ، وأبو سعيد الخدري ، وأبو برزة ، وجابر بن عبد الله ، والبراء بن عازب ، وطرفة الأزدي.(2)
4 ـ وقال النوبختي (المتوفّى 313هـ ) : إنّ أوّل فرق الشيعة ، وهم فرقة عليّ بن أبي طالب ، المسمّون شيعة عليّ في زمان النبيّ وبعده ، معروفون بانقطاعهم إليه والقول بإمامته.(3)
5 ـ وقال أبو الحسن الأشعري : وإنّما قيل لهم الشيعة; لأنّهم شايعوا عليّاً ، ويقدّمونه على سائر أصحاب رسول الله.(4)
6 ـ وقال الشهرستاني : الشيعة هم الذين شايعوا عليّاً على الخصوص ، وقالوا بإمامته وخلافته نصّاً ووصيّةً.(5)

1 . مقتل الإمام الحسين لأبي مخنف : 15 ولاحظ ص 16 .
2 . الرجال للبرقي: 3 ، ولاحظ فهرست ابن النديم: 263 ، وعبارته قريبة من عبارة البرقي.
3 . فرق الشيعة : 15 .
4 . مقالات الإسلاميين: 1 / 65 .
5 . الملل والنحل: 1 / 131 .

صفحه 91
7 ـ وقال ابن حزم : ومن وافق الشيعة في أنّ عليّاً أفضل الناس بعد رسول الله وأحقّهم بالإمامة ، وولده من بعده ، فهو شيعيّ ، وإن خالفهم فيما عدا ذلك ممّا اختلف فيه المسلمون ، فإن خالفهم فيما ذكرنا فليس شيعيّاً.(1)
هذا غيض من فيض وقليل من كثير ممّا جاء في كلمات المؤرّخين وأصحاب المقالات ، تعرب عن أنّ لفيفاً من الأُمّة في حياة الرسول وبعده إلى عصر الخلفاء وبعدهم كانوا مشهورين بالتشيّع لعليّ ، و أنّ لفظة الشيعة ممّا نطق بها الرسول وتبعته الأُمّة في ذلك .
وإنّ الإمام علياً وإن تسامح وتساهل في أخذ حقّه ـ تبعاً لمصالح
عظيمة مكنونة في مثل هذا التصرّف الحكيم ـ إلاّ أنّ حقيقة استخلاف النبيّ
له أمست فكرة عقائدية ثابتة في النفوس والقلوب ، وتضاعف عدد المؤمنين
بها و المتشيّعين له على مرور الأيام ، ورجع الكثير من المسلمين إلى
الماضي القريب ، واحتشدت في أذهانهم صور عن مواقف النبيّ(صلى الله عليه وآله) ،
تلك المواقف التي كان يصرّح فيها باستخلاف عليّ من بعده تارة ، ويلمّح
فيها أُخرى ، فالتفّوا حول عليّ(عليه السلام) وأصبحوا من الدعاة الأوفياء له في جميع المراحل التي مرّ بها ، وما زال التشيّع ينمو وينتشر بين المسلمين في الأقطار المختلفة ، يدخلها مع الإسلام جنباً إلى جنب ، بل أنّ حقيقته استحكمت من خلال التطبيق العملي لهذا الاستخلاف عبر السنوات القصيرة التي تولّى فيها الإمام عليّ منصب الخلافة بعد مقتل عثمان بن عفّان ، فشاعت بين المسلمين أحاديث استخلافه ، ووجد الناس من سيرته وزهده وحكمته ما أكّد لهم صحّة

1 . الفصل في الملل والنحل: 2 / 113 .

صفحه 92
تلك المرويّات ، وأنّه هو المختار لقيادة الأُمّة وحماية القرآن ونشر تعاليمه ومبادئه.(1)
وإذا كان العنصر المقوّم لإطلاق عبارة الشيعة هو مشايعة عليّ بعد
النبيّ الأكرم في الزعامة والوصاية أوّلا ، وفي الفعل والترك ثانياً ; فإنّه من
غير المنطقي محاولة افتراض علّة اجتماعية أو سياسية أو كلامية لتكوّن
هذه الفرقة .
روّاد التشيّع في عصر النبيّ(صلى الله عليه وآله)   
ومن أجل أن ترتسم في الأذهان الصورة واضحة عن مجسّدي
هذه التسمية في تلك الحقبة البعيدة في التأريخ والملاصقة لعصر الرسالة
الأوّل ، نستعرض جملة من رواد هذا الميدان المقدّس والذين يعدّون
بحقّ أوائل حملة هذه التسمية المباركة على وجه الإجمال . ومن أراد
التفصيل فليرجع إلى ما كتب حولهم من المؤلّفات ، وسنأتي بأسماء تلك الكتب في آخر البحث :

روّاد التشيّع في عصر النبيّ(صلى الله عليه وآله)

إنّ الإحالة للتعرّف على روّاد التشيّع إلى الكتب المؤلّفة في ذلك المضمار لا تخلو من عسر وغموض ، قد تدفع بالأمر إلى جملة من المناقشات ، إلاّ أنّنا سنقتصر في حديثنا على إيراد جملة من أُولئك الصحابة الذين اشتهروا بالتشيّع ونسبوا له :
1 ـ عبد الله بن عبّاس .

1 . الشيعة بين الأشاعرة والمعتزلة : 28 ـ 29 .

صفحه 93
2 ـ الفضل بن العبّاس .
3 ـ عبيد الله بن العبّاس .
4 ـ قثم بن العبّاس .
5 ـ عبد الرحمن بن العبّاس .
6 ـ تمام بن العبّاس .
7 ـ عقيل بن أبي طالب .
8 ـ أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب .
9 ـ نوفل بن الحرث .
10 ـ عبد الله بن جعفر بن أبي طالب .
11 ـ عون بن جعفر .
12 ـ محمّد بن جعفر .
13 ـ ربيعة بن الحرث بن عبد المطّلب .
14 ـ الطفيل بن الحرث .
15 ـ المغيرة بن نوفل بن الحارث .
16 ـ عبدالله بن الحرث بن نوفل .
17 ـ عبدالله بن أبي سفيان بن الحرث .
18 ـ العبّاس بن ربيعة بن الحرث .
19 ـ العبّاس بن عتبة بن أبي لهب .

صفحه 94
20 ـ عبدالمطّلب بن ربيعة بن الحرث .
21 ـ جعفر بن أبي سفيان بن الحرث .
هؤلاء من مشاهير بني هاشم ، وأمّا غيرهم فإليك أسماء طائفة منهم :
22 ـ سلمان الفارسي المحمّدي .
23 ـ المقداد بن الأسود الكندي .
24 ـ أبو ذرّ الغفاري .
25 ـ عمّـار بن ياسر .
26 ـ حذيفة بن اليمان .
27 ـ خزيمة بن ثابت .
28 ـ أبو أيوب الأنصاري ، مضيّف النبيّ(صلى الله عليه وآله) .
29 ـ أبو الهيثم مالك بن التيهان .
30 ـ أُبيّ بن كعب .
31 ـ سعد بن عبادة .
32 ـ قيس بن سعد بن عبادة .
33 ـ عديّ بن حاتم .
34 ـ عبادة بن الصامت .
35 ـ بلال بن رباح الحبشي .
36 ـ أبو رافع مولى رسول الله .

صفحه 95
37 ـ هاشم بن عتبة .
38 ـ عثمان بن حنيف .
39 ـ سهل بن حنيف .
40 ـ حكيم بن جبلة العبدي .
41 ـ خالد بن سعيد بن العاص .
42 ـ ابن الحصيب الأسلمي .
43 ـ هند بن أبي هالة التميمي .
44 ـ جعدة بن هبيرة .
45 ـ حجر بن عديّ الكندي .
46 ـ عمرو بن الحمق الخزاعي .
47 ـ جابر بن عبد الله الأنصاري .
48 ـ محمّد بن أبي بكر .
49 ـ أبان بن سعيد بن العاص .
50 ـ زيد بن صوحان العبدي .
هؤلاء خمسون صحابياً من الطبقة الأُولى للشيعة ، فمن أراد التفصيل والوقوف على حياتهم وتشيّعهم فليرجع إلى الكتب المؤلّفة في الرجال ، ولكن بعين مفتوحة وبصيرة نافذة .
في الختام نورد ما ذكره محمّد كرد عليّ في كتابه «خطط الشام»

صفحه 96
قال : عرف جماعة من كبار الصحابة بموالاة عليّ في عصر رسول الله(صلى الله عليه وآله)مثل سلمان الفارسي القائل : بايعنا رسول الله على النصح للمسلمين والائتمام بعليّ بن أبي طالب والموالاة له .
ومثل أبي سعيد الخدري الذي يقول : أُمر الناس بخمس فعملوا بأربع وتركوا واحدة ، ولمّا سئل عن الأربع ، قال : الصلاة ، والزكاة ، وصوم شهر رمضان ، والحجّ .
قيل : فما الواحدة التي تركوها؟
قال : ولاية عليّ بن أبي طالب .
قيل له : وإنّها لمفروضة معهنّ؟
قال : نعم هي مفروضة معهنّ .
ومثل أبي ذر الغفاري ، وعمّـار بن ياسر ، وحذيفة بن اليمان ، وذي الشهادتين خزيمة بن ثابت ، وأبي أيّوب الأنصاري ، وخالد بن سعيد ، وقيس بن سعد بن عبادة.(1)
الكتب المؤلّفة حول روّاد التشيّع   

الكتب المؤلّفة حول روّاد التشيّع :

إنّ لفيفاً من علماء الإمامية ومفكّريها قاموا بإفراد العديد من المؤلّفات القيّمة والتي تناولت في متونها بالشرح والتفصيل ما يتعلّق بروّاد التشيع الأوائل ودورهم في تثبيت الأركان العقائدية للفكر الإسلامي الناصع ، نذكر في هذا المقام ما وقفنا عليه :

1 . خطط الشام: 5 / 251 .

صفحه 97
1 ـ صدر الدين السيّد عليّ المدني الحسيني الشيرازي ، صاحب كتاب سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر ، وأنوار الربيع في علم البديع ، وطراز اللغة ، توفّي عام (1120هـ ) أفرد تأليفاً في ذلك المجال أسماه بـ «الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة الإمامية» خصَّ الطبقة الأُولى بالصحابة الشيعة ، وخصَّص الباب الأوّل لبني هاشم من الصحابة ، والباب الثاني في غيرهم منهم . وقام في الباب الأوّل بترجمة (23) صحابيّاً من بني هاشم لم يفارقوا عليّاً قط ، كما قام في الباب الثاني بترجمة (46) صحابيّاً.(1)
2 ـ ذكر الشيخ محمّد حسين آل كاشف الغطاء في كتابه «أصل الشيعة وأُصولها» أسماء جماعة من الصحابة الذين كانوا يشايعون عليّاً في حلّه وترحاله وقال ـ معلقاً على قول أحمد أمين الكاتب المصري : «والحقّ أنّ التشيع كان مأوى يرجع إليه كل من أراد هدم الإسلام» ـ :
ونحن لولا محافظتنا على مياه الصفاء أن لا تتعكّر ، ونيران البغضاء أن لا تتسعّر ، وأن تنطبق علينا حكمة القائل : «لا تنه عن خلق وتأتي مثله» لعرّفناه مَن الذي يريد هدم قواعد الإسلام بمعاول الإلحاد والزندقة ، ومن الذي يسعى لتمزيق وحدة المسلمين بعوامل التقطيع والتفرقة ، ولكنّا نريد أن نسأل ذلك الكاتب : أيّ طبقة من طبقات الشيعة أرادت هدم الإسلام؟ هل الطبقة الأُولى وهم أعيان صحابة النبيّ وأبرارهم كسلمان المحمّدي أو الفارسي ، وأبي ذر ، والمقداد ، وعمّـار ، وخزيمة ذي الشهادتين ، وابن التيهان ، وحذيفة بن اليمان ، والزبير ، والفضل بن العبّاس ، وأخيه الحبر عبد الله ، وهاشم بن عتبة المرقال ،

1 . الدرجات الرفيعة : 79 ـ 452 .

صفحه 98
وأبي أيّوب الأنصاري ، وأبان وأخيه خالد بن سعيد بن العاص ، وأُبيّ بن كعب سيد القرّاء ، وأنس بن الحرث بن نبيه ، الذي سمع النبيّ يقول : «إنّ ابني الحسين يقتل في أرض يقال لها كربلاء ، فمن شهد ذلك منكم فلينصره» فخرج أنس وقتل مع الحسين، راجع الإصابة والاستيعاب وهما من أوثق ما ألّف علماءُ السنّة في تراجم الصحابة ، ولو أردت أن أعدّ عليك الشيعة من الصحابة وإثبات تشيّعهم من نفس كتب السنّة لأحوجني ذلك إلى إفراد كتاب ضخم.(1)
3 ـ كما أنّ الإمام السيّد عبد الحسين شرف الدين (1290 ـ 1377هـ ) قام بجمع أسماء الشيعة من الصحابة حسب حروف الهجاء ، وقال : وإليك ـ إكمالا للبحث  ـ بعض ما يحضرني من أسماء الشيعة من أصحاب رسول الله لتعلم أنّ بهم اقتدينا ، وبهديهم اهتدينا ، وسأُفرد لهم ـ إن وفّق الله ـ كتاباً يوضّح للناس تشيّعهم ، ويحتوي على تفاصيل شؤونهم ، ولعلّ بعض أهل النشاط من حملة العلم وسدنة الحقيقة يسبقني إلى تأليف ذلك الكتاب ، فيكون لي الشرف إذ خدمته بذكر أسماء بعضهم في هذا الباب وهي على ترتيب حروف الهجاء .
ثمّ ابتدأ بأبي رافع القبطي مولى رسول الله ، وختمهم بيزيد بن حوثرة الأنصاري ، ولم يشر إلى شيء من حياتهم ، وإنّما ألقى ذلك على الأمل أو على من يسبقه من بعض أهل النشاط .
إلاّ أنّه رحمه الله ذكر ما يربو على المائتين من أسمائهم.(2)
4 ـ قام الخطيب المصقع الدكتور الشيخ أحمد الوائلي «حفظه الله» بذكر

1 . أصل الشيعة وأُصولها : 53 ـ 54 .
2 . الفصول المهمّة في تأليف الأُمّة : 179 ـ 190 .

صفحه 99
أسماء روّاد التشيّع في عصر الرسول في كتابه «هويّة التشيّع» فجاء بأسماء مائة وثلاثين من خُلَّص أصحاب الإمام من الصحابة الكرام ، وقال بعد ذكره لتنويه النبيّ باستخلاف عليّ في غير واحد من المواقف :
ولا يمكن أن تمرّ هذه المواقف والكثير الكثير من أمثالها من دون أن تشد الناس لعليّ ، ودون أن تدفعهم للتعرف على هذا الإنسان الذي هو وصيّ النبيّ ، ثمّ لابدّ للمسلمين من إطاعة الأوامر التي وردت في النصوص ، والالتفاف حول من وردت فيه . ذلك معنى التشيّع الذي نقول إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) هو الذي بذر بذرته ، وقد أينعت في حياته ، وعرف جماعة بالتشيّع لعليّ والالتفاف حوله ، وللتدليل على ذلك سأذكر لك أسماء الرعيل الأوّل من الصحابة الذين عرفوا بتشيّعهم للإمام عليّ.(1)
5 ـ آخرهم وليس أخيرهم كاتب هذه السطور حيث قام مجيباً دعوة السيّد شرف الدين فألّف كتاباً باسم «الشخصيات الإسلامية» في ذلك المجال في عدّة أجزاء ، طُبع منه جزءان ، وانتهينا في الجزء الثاني إلى ترجمة أبي ذر (جندب بن جنادة) ذلك الصحابي العظيم ، والكتاب باللغة الفارسية ، ونقله إلى العربية الشيخ المحقّق البارع جعفر الهادي وطبع ونشر .
وأخيراً فإنّ من أراد أن يقف بشكل جليّ على روّاد التشيّع في كتب الرجال لأهل السنّة فإنّ هذا الأمر ليس بمتعسّر ولا بممتنع ، والتي يمكننا الإشارة إلى البعض منها أمثال :
1 ـ الاستيعاب لابن عبد البرّ (المتوفّى 456 هـ ) .

1 . هويّة التشيّع : 34 .

صفحه 100
2 ـ أُسد الغابة للجزري (المتوفّى 606 هـ ) .
3 ـ الإصابة لابن حجر (المتوفّى 852 هـ ) .
وغير ذلك من أُمّهات كتب الرجال المعروفة .

صفحه 101

الفصل السادس:

فرضيّات وهميّة لمبدأ التشيّع

لقد تقدّم الحديث منّا في الصفحات السابقة حول ما يمكن تسميته بنشأة التشيّع ، والتي تبّين لنا بوضوح أنّه لا فصل هنا بين النشأتين ، نشأة الإسلام ، ونشأة التشيّع ، وأنّهما وجهان لعملة واحدة ، إلاّ أنّ هناك جماعة من المؤرّخين وكتّاب المقالات ممّن قادهم الوهم وسوء الفهم إلى اعتبار التشيّع أمراً حادثاً وطارئ على المجتمع الإسلامي ، فأخذوا يفتّشون عن مبدئه ومصدره ، وأشدّ تلك الظنون عدوانية فيه ما تلوكه أشداق بعض المتقدّمين والمتأخّرين ، هو كونه وليد عبد الله بن سبأ ذلك الرجل اليهودي ، الذي ـ بزعمهم ـ طاف الشرق والغرب ، وأفسد الأُمور على الخلفاء والمسلمين ، وألّب الصحابة والتابعين على عثمان فقتل في عقر داره ، ثمّ دعا إلى عليّ بالإمامة والوصاية ، وإلى النبيّ بالرجعة ، وكوَّن مذهباً باسم الشيعة، فهو كما يتصوّر هؤلاء وصوّروه لغيرهم صنيع ذلك الرجل اليهودي المتظاهر بالإسلام . وبما أنّ لهذا الموضوع أهمية خاصة لما احتلّه من المساحة الواسعة في أذهان العديد من السذج والسطحيّين ، فإنّا لا نكتفي ببيان توهّم واحد بل نأتي على ذكر كلّ تلك الادّعاءات واحدة بعد الأُخرى ، مع رعاية التسلسل الزمني .

صفحه 102
الشيعة ويوم السقيفة   

الفرضيّة الأُولى :

الشيعة ويوم السقيفة

ليس بخاف على أحد مدى الانعطافة الخطيرة التي حدثت في تأريخ الإسلام عقب انتهاء مؤتمر سقيفة بني ساعدة ، وما ترتّب عليه من نتائج وقرارات خطيرة .
والحقّ يقال إنّ هذا المؤتمر الذي ضمّ بين صفوفه ثلّة كبيرة من وجوه الصحابة  ـ من المهاجرين والأنصار ـ قد أغفل عند انعقاده الواجب الأعظم في إكرام رسول الله(صلى الله عليه وآله) صاحب الفضل الأكبر فيما وصل إليه الجميع ـ عندما تُرك مُسجّى بين يدي أهل بيته وانشغلوا بما كان من غير الإنصاف أن ينسب إليه(صلى الله عليه وآله)من قصور لا عذر فيه في ترك الأُمّة حائرة به بعد موته .
أقول : ونتيجة لانشغالهم ذاك فقد حرموا من واجب إكرام الرسول(صلى الله عليه وآله)جلّه ، ففاتهم أعظمه ، وقصروا في تأديته ، وكان لأهل بيته وحدهم ذلك الدور كلّه ، فأوفوه ، ولم يألوا في ذلك جهداً .
وإذا كان المؤتمرون في السقيفة قد خرجوا إلى الملأ بقرار كان
ثمرة مخاض عسير واعتراك صعب ; فإنّه أوضح وبلا أدنى ريب تبعثر
الآراء واختلافها ، بل وظروف خطرة كان من الممكن أن تودي بالجهد
العظيم الذي بذله رسول الله(صلى الله عليه وآله) ومن معه من المؤمنين في إرساء دعائم هذا

صفحه 103
الدين وتثبيت أركانه ، وأوضحت ـ وذاك لا خفاء عليه ـ أنّ من غير
المنطقي لرسول الله(صلى الله عليه وآله) أن يرحل ـ مع أنّه لم يفاجئه الموت ـ دون أن يدرك
هذه الحقيقة التي ليس هو ببعيد عنها ، ولا يمكن أن يتغاضى عنها ، وهو الذي
ما خرج في أمر جسيم إلاّ وخلّف عنه من ينوبه في إدارة شؤون الأُمّة في
فترة غيابه التي لا يلبث أن يعود منها بعد أيّام معدودات ، فكيف
بالرحيل الأبدي؟!
نعم إنّ هذا الأمر لابدّ وإن يستوقف كلّ ذي لب وعقل مستنير .
كما أنّ الاستقراء المتأنّي لأحداث السقيفة قد أوضح وبقوّة في أثناء المؤتمر وبعده وجود تيار قوي ومتماسك تبنّته جملة من وجوه الصحابة ومتقدّميها ، وعمدت إلى التذكير بوجوده والإجهار به ، ولو قادهم هذا الأمر إلى الإقتتال دون تنفيذه ، وذاك الأمر هو الإصرار على إيكال أمر الخلافة إلى عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) دون غيره ، رغم ابتعاده (عليه السلام) عن ساحة الاعتراك وميدان التنازع في تلك السقيفة .
ولعلّ تمسّك هذه الثلّة من الصحابة بموقفها من بيعة الإمام دون غيره هو ما دفع بعض المؤرّخين إلى الذهاب بأنّ التشيّع كان وليد هذا المؤتمر ونتاج مخاضه ، وأن يليهم آخرون يتعبّدون بهذا الرأي ويرتّبون من خلاله تصوّراتهم وأفكارهم ، فيتشعّب ذلك إلى جملة واسعة من المتبنّيات غير الواقعية والقائمة على أرض واسعة من الأوهام والاسترسال غير المنطقي .
ولعلّ هذه التصوّرات تعتمد في فهمها أساساً لمبدأ نشأة التشيّع على
ما رواه الطبري وغيره عن مجريات هذا المؤتمر وما ترتّب عليه من

صفحه 104
نتائج ، دون أن تمد بصرها إلى أبعد من هذه النقطة اللامعة والتأمل في
أبعادها .
قال الطبري : اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة ليبايعوا سعد بن عبادة ، فبلغ ذلك أبا بكر فأتاهم ومعه عمر وأبو عبيدة بن الجراح ، فقال : ما هذا؟ فقالوا : منّا أمير ومنكم أمير ، فقال أبو بكر : منّا الأُمراء ومنكم الوزراء ـ إلى أن قال : ـ فبايعه عمر وبايعه الناس ، فقالت الأنصار ـ أو بعض الأنصارـ : لانبايع إلاّ عليّاً .
ثمّ قال (أي الطبري) : أتى عمر بن الخطّاب منزل عليّ وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين ، فقال : والله لأحرّقنّ عليكم أو لتخرجنّ إلى البيعة .
فخرج عليه الزبير مصلتاً بالسيف فعثر ، فسقط السيف من يده ، فوثبوا عليه فأخذوه .
وقال أيضاً : وتخلّف عليّ والزبير ، واخترط الزبير سيفه وقال : لا أغمده حتى يبايع عليّ . فبلغ ذلك أبا بكر وعمر فقالا : خذوا سيف الزبير.(1)
وقال اليعقوبي في تأريخه : ومالوا مع عليّ بن أبي طالب ، منهم : العبّاس بن عبد المطّلب ، والفضل بن العبّاس ، والزبير بن العوّام ، وخالد بن سعيد بن العاص ، والمقداد بن عمرو ، وسلمان الفارسي ، وأبو ذر الغفاري ، وعمّار بن ياسر ، والبراء بن عازب ، وأُبيّ بن كعب.(2)

1 . تاريخ الطبري: 2 / 443 ـ 444 .
2 . تاريخ اليعقوبي: 2 / 103 .

صفحه 105
وروى الزبير بن بكار في الموفّقيات : انّ عامّة المهاجرين وجلّ الأنصار كانوا لا يشكّون أنّ عليّاً هو صاحب الأمر .
وروى الجوهري في كتاب السقيفة : أنّ سلمان والزبير وبعض الأنصار كان هواهم أن يبايعوا علياً .
وروى أيضاً : أنّه لما بويع أبوبكر واستقر أمره ، ندم قوم كثير من
الأنصار على بيعته ، ولام بعضهم بعضاً ، وهتفوا باسم الإمام عليّ ، ولكنّه
لم يوافقهم.(1)
وروى ابن قتيبة في «الإمامة والسياسة» : كان أبو ذر وقت أخذ البيعة غائباً عن هذه الأحداث ، فلمّا جاء قال : أصبتم قناعة ، وتركتم قرابة ، لو جعلتم الأمر في أهل بيت نبيّكم لما اختلف عليكم الاثنان .
وقال سلمان : أصبتم ذا السن ، وأخطأتم المعدن ، أمّا لو جعلتموه فيهم ما اختلف منكم اثنان ، ولأكلتموها رغداً .
وهكذا فمن خلال هذه النصوص المتقدّمة وغيرها اعتقد ذاك البعض ـ الذي أشرنا إليه سابقاً ـ أنّ مبتدأ التشيّع ونشأته كان في تلك اللحظات الحرجة في تأريخ الإسلام ، متناسين أنّ ما اعتمدوه في بناء تصوّراتهم هو ما ينقضها ويثبت بطلانها ، فإنّ المتأمل في هذه النصوص يظهر له وبوضوح أنّ فكرة التشيّع لعليّ ليست وليدة هذا الظرف المعقّد ، وثمرة اعتلاجه ، ونقيض تصوّره ، بقدر ما تؤكّد على أنّ هذه الفكرة كانت مختمرة في أذهانهم ومركوزة في عقولهم ولسنين طوال ، فلمّا رأت هذه الجماعة انصراف الأمر إلى جهة لم تكن

1 . انظر شرح نهج البلاغة: 6 / 43 ـ 44 .

صفحه 106
في حساباتهم ولا في حدود تصوّراتهم ، وانحساره عمّا كان معهوداً به إليهم ، عمدوا إلى التمسّك به بالاجتماع في بيت عليّ والإعلان صراحة عن موقفهم ومعتقدهم .
نعم إنّ من غير المتوقع والمعهود أن يجتمع رأي هذه الجماعة ـ التي تؤلف خلاصة غنيّة من متقدّمي الصحابة ـ على هذا الأمر في تلك اللحظات المضطربة والمليئة بالمفاجآت ، وأن يترتّب عليه موقف موحّد ثابت ، فهذا الأمر يدلّ بوضوح على أنّه ما كان وليد يومه ونتاج مخاضه .
وممّا يؤكد ذلك ويقوي أركانه ما نقلته جميع مصادر الحديث المختلفة من نداءات رسول الله(صلى الله عليه وآله) وتوصياته بحقّ عليّ وعترته وشيعته في أكثر من مناسبة ومكان ، وما كان يشير إليه(صلى الله عليه وآله) من فضل شيعة عليّ ومكانتهم ، والتأكيد على وجوب ملازمتهم ، وفي هذا دلالة لا تقبل النقض على أنّ التشيّع ما كان وليد السقيفة أو ردّة رافضة آنية لمجريات أحداثها ، بل إنّ هذا الوجود يمتد عمقاً مع نشأة الإسلام واشتداد عوده في زمن النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله) وحياته المباركة المقدّسة .

صفحه 107
التشيّع صنيع عبد الله بن سبا   

الفرضيّة الثانية :

التشيّع صنيع عبد الله بن سبأ

لنقرأ ما كتبه الطبري حول هذا الوهم المصطنع :
قال : «إنّ يهودياً باسم عبد الله بن سبأ المكنّى بابن السوداء في صنعاء أظهر الإسلام في عصر عثمان ، واندسّ بين المسلمين ، وأخذ يتنقّل في حواضرهم وعواصم بلادهم : الشام ، والكوفة ، والبصرة ، ومصر ، مبشّراً بأنّ للنبيّ الأكرم رجعة كما أنّ لعيسى بن مريم رجعة ، وأنّ عليّاً هو وصي محمّد(صلى الله عليه وآله)كما كان لكل نبيّ وصي ، وأنّ عليّاً خاتم الأوصياء كما أنّ محمّداً خاتم الأنبياء ، وأنّ عثمان غاصب حقّ هذا الوصيّ وظالمه ، فيجب مناهضته لإرجاع الحقّ إلى أهله» .
«إنّ عبد الله بن سبأ بثّ في البلاد الإسلامية دعاته ، وأشار عليهم
أن يظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والطعن في الأُمراء ، فمال إليه وتبعه على ذلك جماعات من المسلمين ، فيهم الصحابي الكبير والتابعي الصالح من أمثال أبي ذر ، وعمّـار بن ياسر ، ومحمّد بن حذيفة ، وعبد الرحمن بن عديس ، ومحمّد بن أبي بكر ، وصعصعة بن صوحان العبدي ، ومالك الأشتر ، إلى غيرهم من أبرار المسلمين وأخيارهم ، فكانت السبئية تثير الناس على ولاتهم ، تنفيذاً لخطّة زعيمها ، وتضع كتباً في عيوب الأُمراء وترسل إلى غير مصرهم من الأمصار . فنتج عن ذلك قيام جماعات من المسلمين ـ

صفحه 108
بتحريض السبئيين ـ وقدومهم إلى المدينة وحصرهم عثمان في داره ، حتّى قتل فيها ، كلّ ذلك كان بقيادة السبئيّين ومباشرتهم» .
«إنّ المسلمين بعد ما بايعوا عليّاً ، ونكث طلحة والزبير بيعته وخرجا إلى البصرة ، رأى السبئيّون أنّ رؤساء الجيشين أخذوا يتفاهمون ، وأنّه إنّ تمّ ذلك سيؤخذون بدم عثمان ، فاجتمعوا ليلا وقرّروا أنّ يندسّوا بين الجيشين ويثيروا الحرب بكرة دون علم غيرهم ، وأنّهم استطاعوا أنّ ينفّذوا هذا القرار الخطير في غلس الليل قبل أن ينتبه الجيشان المتقاتلان ، فناوش المندسّون من السياسيين في جيش عليّ من كان بأزائهم من جيش البصرة ، ففزع الجيشان وفزع رؤساؤهما ، وظنّ كلّ بخصمه شرّاً ، ثمّ إنّ حرب البصرة وقعت بهذا الطريق ، دون أن يكون لرؤساء الجيشين رأي أو علم» .
روى الطبري عن هذا الوهم في موضع آخر من كتابه :
«فيما كتب به إليّ السريّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن عطيّة ، عن يزيد الفقعسي ، قال : كان عبد الله بن سبأ يهوديّاً من أهل صنعاء أُمّه سوداء ، فأسلم زمان عثمان ، ثمّ تنقّل في بلدان المسلمين يحاول إضلالهم ، فبدأ بالحجاز ، ثمّ البصرة ، ثمّ الكوفة ، ثمّ الشام ، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام ، فأخرجوه حتّى أتى مصر فاعتمر فيهم ، فقال لهم فيما يقول : العجب فيمن يزعم أنّ عيسى يرجع ويكذب بأنّ محمداً يرجع ، وقد قال الله عزّ وجلّ : (إنّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْك القُرآنَ لرَادُّك إلى مَعاد)(1) ، فمحمّد أحقّ بالرجوع من عيسى . قال : فَقُبِل ذلك عنه ، ووضع لهم الرجعة فتكلّموا فيها ، ثمّ قال لهم بعد ذلك : إنّه كان

1 . القصص : 85 .

صفحه 109
ألف نبيّ ، ولكلّ نبيّ وصيّ ، وكان عليّ وصي محمّد . ثمّ قال : محمّد خاتم الأنبياء وعليّ خاتم الأوصياء . ثمّ قال بعد ذلك : من أظلم ممّن لم يجز وصية رسول الله(صلى الله عليه وآله) ووثب على وصيّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) وتناول أمر الأُمّة . ثمّ قال لهم بعد ذلك : إنّ عثمان أخذها بغير حق وهذا وصيّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) فانهضوا في هذا الأمر فحرّكوه ، وابدأوا بالطعن على أُمرائكم ، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس ، وادعوهم إلى هذا الأمر . فبثّ دعاته ، وكاتب من كان استفسد في الأمصار وكاتبوه ، ودعوا في السرّ إلى ما عليه رأيهم ، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وجعلوا يكتبون إلى الأمصار بكتب يضعونها في عيوب ولاتهم ، ويكاتبهم إخوانهم بمثل ذلك ، ويكتب أهل كل مصر منهم إلى مصر آخر بما يصنعون ، فيقرأه أُولئك في أمصارهم ، وهؤلاء في أمصارهم ، حتّى تناولوا بذلك المدينة وأوسعوا الأرض إذاعة ، وهم يريدون غير ما يظهرون ، ويسرّون غير ما يبدون . . .» إلى آخر ما يذكره الطبري في المقام، حتّى يتوقّف عن إيراد هذه الأحداث بعد حرب الجمل ولا يأتي بعد ذلك بشيء عن السبئية.(1)
وهكذا فقد تبيّن لك ممّا أوردناه عن الطبري إنّ جلّة من فضلاء الصحابة قد عُدّوا من كبار السبئية وقادتها ، وهم الذين كانوا يعرفون بالزهد والتقى والصدق والصفاء :
فأمّا عبد الرحمن بن عديس البلوي فهو ممّن بايع النبي تحت الشجرة وشهد فتح مصر ، وكان رئيساً على من سار إلى عثمان من مصر.(2)

1 . تاريخ الطبري: 3 / 378 .
2 . أُسد الغابة: 3 / 309 قال : وشهد بيعة الرضوان وبايع فيها وكان أمير الجيش القادم من مصر لحصر عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ لمّا قتلوه ، روى عنه جماعة من التابعين بمصر . . . .

صفحه 110
وأمّا محمّد بن أبي بكر : فأُمّه أسماء بنت عميس الخثعمية ، تزوّجها أبو بكر بعد استشهاد جعفر بن أبي طالب ، فولدت له محمّداً في حجّة الوداع بطريق مكّة ، ثم نشأ في حجر عليّ بعد أبيه ، وشهد معه حرب الجمل ، كما شهد صفّين ، ثمّ ولي مصر عن عليّ إلى أن قتل فيها بهجوم عمرو بن العاص عليها.(1)
وأمّا صعصعة بن صوحان العبدي : فقد أسلم على عهد رسول الله وكان خطيباً مفوّهاً ، شهد صفّين مع علي . ولما استشهد عليّ واستولى معاوية على العراق نفاه إلى البحرين ومات فيها.(2)
وأمّا الأشتر : فهو مالك بن الحرث النخعي ، وهو من ثقات التابعين ، شهد وقعة اليرموك ، وصحب عليّاً في الجمل وصفّين ، ولاّه على مصر سنة (38هـ ) ولمّا وصل إلى القلزم دسّ إليه معاوية السمّ بواسطة أحد عملائه فتوفّي مسموماً.(3)
هذا هو الذي ذكره الطبري ، وقد أخذه من جاء بعده من المؤرّخين وكتّاب المقالات حقيقة راهنة ، وبنوا عليه ما بنوا من الأفكار والآراء ، فصارت الشيعة وليدة السبئية في زعم هؤلاء عبر القرون والأجيال .

1 . كان أحد من توثّب على عثمان حتّى قتل ثمّ انضمّ إلى عليّ . أُسد الغابة: 4 / 324 ، الاستيعاب: 3 / 328 ، الجرح والتعديل: 7 / 301 .
2 . أُسد الغابة: 3 / 320 قال : تقدّم نسبه في أخيه زيد ، وكان صعصعة مسلماً على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) ولم يره ، وصغر عن ذلك، وكان سيّداً من سادات قومه عبد القيس، وكان فصيحاً بليغاً لسناً ديّناً فاضلا يعد في أصحاب علي ـ رضي الله عنه ـ وشهد معه حروبه .
3 . ملك العرب، أحد الأشراف والأبطال. الطبقات الكبرى: 6 / 213، الإصابة: 3 / 459، سيرأعلام النبلاء: 4 / 34.

صفحه 111
ومن الذين وقعوا في هذا الخطأ الفاحش دون فحص وتأمل في حقائق الأُمور :
1 ـ ابن الأثير (المتوفّى 630هـ ) ، فقد أورد القصّة منبثّة بين حوادث (30 ـ 36هـ ) وهو وإن لم يذكر المصدر في المقام ، لكنّه يصدر عن تاريخ الطبري في حوادث القرون الثلاثة الأُول.(1)
2 ـ ابن كثير الشامي (المتوفّى 774هـ ) فقد ذكر القصّة في تأريخه «البداية والنهاية» وأسندها عندما انتهى من سرد واقعة الجمل إلى تاريخ الطبري ، وقال : هذا ملخّص ما ذكره أبو جعفر بن جرير.(2)
3 ـ ابن خلدون (المتوفّى 808هـ ) ، في تأريخه «المبتدأ والخبر» أورد القصّة في حادثة الدار والجمل وقال : هذا أمر الجمل ملخّصاً من كتاب أبي جعفر الطبرى.(3)

1 . لاحظ مقدّمة تاريخ الكامل يقول فيه : فابتدأت بالتاريخ الكبير الذي صنّفه الإمام أبو جعفر الطبري; إذ هو الكتاب المعوّل عند الكافّة عليه ، والمرجوع عند الاختلاف إليه فأخذت ما فيه جميع تراجمه ، لم أخل بترجمة واحدة منها . لاحظ: 1 / 3 ط دار صادر .
2 . البداية والنهاية: 7 / 246 .
3 . تاريخ ابن خلدون يقول : «و بعث (عثمان) إلى الأمصار من يأتيه بصحيح الخبر : محمد بن مسلمة إلى الكوفة ، وأُسامة بن زيد إلى البصرة ، وعبد الله بن عمر إلى الشام، وعمار بن ياسر إلى مصر، وغيرهم إلى سوى هذه ، فرجعوا إليه فقالوا : ما أنكرنا شيئاً ولا أنكره أعيان المسلمين ولا عوامّهم إلاّ عماراً فإنّه استماله قوم من الأشرار وانقطعوا إليه ، منهم عبد الله بن سبأ ويعرف بابن السوداء كان يهوديّاً وهاجر أيّام عثمان فلم يحسن إسلامه وأُخرج من البصرة . . . تاريخ ابن خلدون أو كتاب العبر: 2 / 139 ، وقال : 166 : هذا أمر الجمل ملخّص من كتاب أبي جعفر الطبري اعتمدناه للوثوق به ولسلامته من الأهواء .

صفحه 112
وأمّا من جاء بعد أُولئك المؤرّخين وأخذوا ما أورده السابقون مأخذ التسليم فنذكر منهم :
4 ـ محمّد رشيد رضا ، مؤسس مجلة المنار (المتوفّى 1354هـ ) ، ذكره في كتابه «السنّة والشيعة» وقال : وكان مبتدع أُصوله (أي التشيّع) يهودي اسمه عبد الله بن سبأ ، أظهر الإسلام خداعاً ، ودعا إلى الغلو في عليّ كرم الله وجهه ، لأجل تفريق هذه الأُمّة ، وإفساد دينها ودنياها عليها ، ثمّ سرد القصّة وقال : ومن راجع أخبار واقعة الجمل في تاريخ ابن الأثير مثلا يرى مبلغ تأثير إفساد السبئيّين دون ما كاد يقع من الصلح.(1)
5 ـ أحمد أمين (المتوفّى 1372هـ ) ، وهو الذي استبطل عبد الله بن سبأ في كتابه «فجر الإسلام» وقال : إنّ ابن السوداء كان يهوديّاً من صنعاء ، أظهر الإسلام في عهد عثمان ، وحاول أن يفسد على المسلمين دينهم ، وبثّ في البلاد عقائد كثيرة ضارّة ، وقد طاف في بلاد كثيرة ، في الحجاز ، والبصرة ، والكوفة ، والشام ، ومصر . ثمّ ذكر أنّ أبا ذر تلقّى فكرة الاشتراكية من ذلك اليهودي ، وهو تلقّى هذه الفكرة من مزدكيّي العراق أو اليمن .
وقد كان لكتاب «فجر الإسلام» عام انتشاره (1952 م) دويّ واسع النطاق في الأوساط الإسلامية ; فإنّه أوّل من ألقى الحجر في المياه الراكدة بشكل واسع ، وقد ردّ عليه أعلام العصر بأنواع الردود ، فألّف الشيخ المصلح كاشف الغطاء «أصل الشيعة وأُصولها» ردّاً عليه ، كما ردّ عليه العلامة الشيخ عبد الله السبيتي بكتاب أسماه «تحت راية الحق» .

1 . السنّة والشيعة : 4 ، 6 ، 45 ، 49 و 103 .

صفحه 113
6 ـ فريد وجدي مؤلّف دائرة المعارف (المتوفّى 1370هـ ) فقد أشار إلى ذلك في كتابه عند ذكره لحرب الجمل ضمن ترجمة الإمام عليّ بن أبي طالب.(1)
7 ـ حسن إبراهيم حسن ، وذكره في كتابه «تاريخ الإسلام السياسي» في أُخريات خلافة عثمان بقوله : «فكان هذا الجوّ ملائماً تمام الملاءمة ومهيّأً لقبول دعوة (عبد الله بن سبأ) ومن لفّ لفّه والتأثّر بها إلى أبعد حدّ ـ وأضاف ـ وقد أذكى نيران هذه الثورة صحابي قديم اشتهر بالورع والتقوى ـ وكان من كبار أئمّة الحديث ـ وهو أبو ذر الغفاري الذي تحدّى سياسة عثمان ومعاوية واليه على الشام بتحريض رجل من أهل صنعاء وهو عبد الله بن سبأ ، وكان يهوديّاً فأسلم ، ثمّ أخذ ينتقل في البلاد الإسلامية ، فبدأ بالحجاز ، ثمّ البصرة فالكوفة والشام ومصر . . .. (2)
هذا حال من كتب عن الشيعة من المسلمين ، وأمّا المستشرقون المتطفّلون على موائد المسلمين فحدّث عنهم ولا حرج ، فقد ابتغوا تلك
الفكرة الخاطئة في كتبهم الاستشراقية التي تؤلّف لغايات خاصّة ، فمن
أراد الوقوف على كلماتهم فليرجع إلى ما ألّفه الباحث الكبير السيّد
مرتضى العسكري في ذلك المجال ، فإنّه ـ دام ظلّه ـ حقّق المقال ولم يبق في القوس منزعاً.(3)

1 . دائرة معارف القرن العشرين: 6 / 637 .
2 . تاريخ الإسلام السياسي : 347 .
3 . عبد الله بن سبأ: 1 / 46 ـ 50 .

صفحه 114
 
نظر المحقّقين في الموضوع :
1 ـ إنّ ما جاء في تاريخ الطبري من القصّة ، على وجه لا يصحّ نسبته
إلاّ إلى عفاريت الأساطير ومردة الجنّ; إذ كيف يصحّ لإنسان أن يصدّق
أنّ يهوديّاً جاء من صنعاء وأسلم في عصر عثمان ، واستطاع أن يغري كبار الصحابة والتابعين ويخدعهم ، ويطوف بين البلاد ناشراً دعواه ، بل واستطاع
أن يكوّن خلايا ضدّ عثمان ويستقدمهم على المدينة ، ويؤلّبهم على الخلافة الإسلامية ، فيهاجموا داره ويقتلوه ، بمرأى ومسمع من الصحابة العدول
ومن تبعهم بإحسان ، هذا شيء لا  يحتمله العقل وإن وطّن على قبول
العجائب والغرائب .
بل إنّ هذه القصّة تمسّ كرامة المسلمين والصحابة والتابعين وتصوّرهم أُمّة ساذجة يغترّون بفكر يهودي ، وفيهم السادة والقادة والعلماء والمفكّرون .
2 ـ إنّ القراءة الموضوعية للسيرة والتاريخ توقفنا على سيرة عثمان بن عفان ومعاوية بن أبي سفيان ; فإنّهما كانا يعاقبان المعارضين لهما ،
وينفون المخالفين ويضربونهم ، فهذا أبو ذر الغفاري ـ رحمه الله ـ نفاه
عثمان من المدينة إلى الربذة لاعتراضه عليه في تقسيم الفيء وبيت المال
بين أبناء بيته ، كما أنّه ضرب الصحابي الجليل عمّـار بن ياسر حتى انفتق له
فتق في بطنه وكسروا ضلعاً من أضلاعه(1) ، إلى غير ذلك من مواقفهم
من مخالفيهم ومعارضيهم التي يقف عليها المتتبّع ، ومع ذلك نرى في الأوهام

1 . الاستيعاب: 2 / 422 .

صفحه 115
التي عرضناها مسبقاً أنّ رجال الخلافة وعمالها يغضّون الطرف عمّن يؤلِّب الصحابة والتابعين على إخماد حكمهم ، وقتل خليفتهم في عقر داره ، ويجرّ الويل والويلات على كيانهم!! وهذا شيء لا يقبله من له أدنى إلمام بتاريخ الخلافة وسيرة معاوية .
يقول العلاّمة الأميني : لو كان ابن سبأ بلغ هذا المبلغ من إلقاح الفتن ، وشقّ عصا المسلمين ، وقد علم به وبعبثه أُمراء الأُمّة وساستها في البلاد ،
وانتهى أمره إلى خليفة الوقت ، فلماذا لم يقع عليه الطلب؟ ولم يبلغه
القبض عليه ، والأخذ بتلكم الجنايات الخطرة والتأديب بالضرب والإهانة ، والزجّ إلى أعماق السجون؟ ولا آل أمره إلى الإعدام المريح للأُمّة من
شرّه وفساده كما وقع ذلك كلّه على الصلحاء الأبرار الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر؟ وهتاف القرآن الكريم يرنُّ في مسامع الملأ الديني : (إِنَّما جَزَاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ في الأرضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا
أو تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاف أَوْ يُنفَوا مِنَ الأرضِ ذَلِك لَهُمْ خِزْيٌ في
الدُّنْيَا وَلَهُمْ في الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ
)(1) فهلاّ اجتاح الخليفة جرثومة تلك القلاقل بقتله؟ وهل كان تجهّمه وغلظته قصراً على الأبرار من أُمّة محمّد(صلى الله عليه وآله)ففعل بهم
ما فعل(2)؟!!
وهناك لفيف من الكتّاب ممّن حضر أو غبر ، بدل أن يفتحوا عيونهم على الواقع المرير ، ليقفوا على الأسباب المؤدّية إلى قتل الخليفة ، حاولوا التخلّص من أوزار الحقيقة بالبحث عن فروض وهميّة سبّبت قتل الخليفة وأودت به .

1 . المائدة : 33 .            2 . الغدير: 9 / 219 ـ 220 .

صفحه 116
وفي حقّ هؤلاء يقول أحد الكتّاب المعاصرين :
«وفي الشرق كتَّابٌ لا يعنيهم من التاريخ واقعٌ ولا من الحياة حالٌ أو ظرف ، فإذا بهم يعلّلون ثورة المظلومين على عثمان ، ويحصرون أحداث عصر، بل عصور، بإرادة فرد يطوف في الأمصار والأقطار ويؤلّب الناس على خليفة ودولة!!
إنّ النتيجة العملية لمثل هذا الزعم وهذا الافتراء هي أنّ الدولة في عهد عثمان ووزيره مروان إنَّما كانت دولة مثاليّة ، وأنّ الأمويين والولاة والأرستقراطيين إنَّما كانوا رُسُل العدالة الاجتماعية والإخاء البشري في أرض العرب . غير أنّ رجلا فرداً هو عبد الله بن سبأ أفسد على الأمويين والولاة والأرستقراطيين صلاحهم وبرّهم; إذ جعل يطوف الأمصار والأقطار مؤلّباً على عثمان وأُمرائه وولاته الصالحين المُصلحين ، ولولا هذا الرجل الفرد وطوافه في الأمصار والأقطار لعاش الناس في نعيم مروان وعدل الوليد وحلم معاوية عيشاً هو الرغادة وهو الرخاء .
في مثل هذا الزعم افتراءٌ على الواقع ، واعتداء على الخلق ،
ومسايرة ضئيلة الشأن لبعض الآراء ، يغلّف ذلك جميعاً منطق ساذج وحجّة مصطنعة واهية . وفيه ما هو أخطر من ذلك; فيه تضليل عن حقائق أساسية في بناء التاريخ; إذ يحاول صاحب هذا المسعى الفاشل أن يحصر أحداث عصر بكامله ، بل عصور كثيرة ، بإرادة فرد يطوف في الأمصار ويؤلّب الناس على دولة فيثور هؤلاء الناس على هذه الدولة لا لشيء إلاّ لأنّ هذا الفرد طاف
بهم وأثارهم!!

صفحه 117
أمّا طبيعة الحكم ، وسياسة الحاكم ، وفساد النظام الاقتصادي والمالي والعمراني ، وطغيان الأثرة على ذوي السلطان ، واستبداد الولاة بالأرزاق ، وحمل بني أُميّة على الأعناق ، والميل عن السياسة الشعبية الديمقراطية إلى سياسة عائلية أرستقراطية رأسمالية ، وإذلال من يضمر لهم الشعبُ التقدير والاحترام الكثيرين أمثال أبي ذرّ وعمّار بن ياسر وغيرهما ، أمّا هذه الأُمور وما إليها جميعاً من ظروف الحياة الاجتماعية ، فليست بذات شأن في تحريك الأمصار وإثارتها على الأُسرة الأمويّة الحاكمة ومن هم في ركابها ، بل الشأن كلّ الشأن في الثورة على عثمان لعبد الله بن سبأ الذي يلفت الناس عن طاعة الأئمّة ويلقي بينهم الشرّ .
أليس من الخطر على التفكير أن ينشأ في الشرق من يعلّلون الحوادث العامّة الكبرى المتّصلة اتّصالا وثيقاً بطبيعة الجماعة وأُسس الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية بإرادة فرد من عامّة الناس يطوف في البلاد باذراً للضلالات والفساد في هذا المجتمع السليم .
أليس من الخطر على التفكير أن نعلّل الثورات الإصلاحية في التاريخ تعليلا صبيانياً نستند فيه إلى رغبات أفراد في التاريخ شاءوا أن يحدثوا شغباً فطافوا الأمصار وأحدثوه».(1)
3 ـ إنّ رواية الطبري نقلت عن أشخاص لا يصحّ الاحتجاج بهم :
أ ـ السري : إنّ السري الذي يروي عنه الطبري ، إنّما هو أحد رجلين :

1 . الإمام علي صوت العدالة الإنسانية: 4 / 894 ـ 896 ، وللكلام صلة من أراد فليرجع إليه .

صفحه 118
1 ـ السري بن إسماعيل الهمداني الذي كذّبه يحيي بن سعيد ، وضعّفه غير واحد من الحفّاظ.(1)
2 ـ السري بن عاصم بن سهل الهمداني نزيل بغداد المتوفّى عام (258هـ )، وقد أدرك ابن جرير الطبري شطراً من حياته يربو على ثلاثين سنة ، كذّبه ابن خراش ، ووهّاه ابن عدي ، وقال : يسرق الحديث ، و زاد ابن حبّان : ويرفع الموقوفات ، لا يحلّ الاحتجاج به ، وقال النقاش في حديث: وضعه السري(2) .
فالاسم مشترك بين كذّابين لا يهمّنا تعيين أحدهما .
وأمّا احتمال كونه السري بن يحيى الثقة غير صحيح ، لأنّه توفّي عام (167هـ) مع أنّ الطبري من مواليد عام (234هـ ) فالفرق بينهما (57) عاماً ، فلا مناص أن يكون السري ، أحد الرجلين الكذابين .
ب ـ شعيب : والمراد منه شعيب بن إبراهيم الكوفي المجهول ، قال
ابن عدي : ليس بالمعروف ، وقال الذهبي : راوية ، كتب سيف عنه : فيه
جهالة.(3)
ج ـ سيف بن عمر : قال ابن حبّان : كان سيف بن عمر يروي الموضوعات عن الأثبات ، وقال : قالوا : إنّه كان يضع الحديث واتّهم بالزندقة . وقال الحاكم :

1 . قال يحيى القطّان : استبان لي كذبه في مجلس واحد ، وقال النسائي : متروك ، وقال غيره : ليس بشيء ، وقال أحمد : ترك الناس حديثه . لاحظ ميزان الاعتدال: 2 / 117 .
2 . تاريخ الخطيب : 993 ; ميزان الاعتدال: 2 / 117 ; لسان الميزان: 3 / 12 .
3 . ميزان الاعتدال: 2 / 275 ; لسان الميزان: 3 / 145 .

صفحه 119
اتّهم بالزندقة وهو في الرواية ساقط ، وقال ابن عدي : بعض أحاديثه مشهورة ، وعامّتها منكرة لم يتابع عليها . وقال ابن عدي : عامّة حديثه منكر . وقال البرقاني  ـ عن الدارقطني ـ : متروك . وقال ابن معين : ضعيف الحديث فليس خير منه . وقال أبو حاتم : متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي . وقال أبو داود : ليس بشيء . وقال النسائي : ضعيف ، وقال السيوطي : وضّاع ، وذكر حديثاً من طريق السري بن يحيى عن شعيب بن إبراهيم عن سيف فقال : موضوع ، فيه ضعفاء أشدّهم سيف.(1)
د ـ فإذا كان هذا حال السند ، فكيف نعتمد في تحليل نشوء طائفة كبيرة من طوائف المسلمين تؤلّف خمسهم أو ربعهم على تلك الرواية ، مع أنّ هذا هو حال سندها ومتنها ، فالاعتماد عليها خداع وضلال لا يرتضيه العقل .

عبد الله بن سبأ أُسطورة تاريخية :

إنّ القرائن والشواهد والاختلاف الموجود في حقّ الرجل ومولده ، وزمن إسلامه ، ومحتوى دعوته يشرف المحقّق على القول بأنّ مثل عبد الله بن سبأ مثل مجنون بني عامر وبني هلال ، وأمثال هؤلاء الرجال والأبطال كلّها أحاديث خرافة وضعها القصّاصون وأرباب السمر والمجون; فإنّ الترف والنعيم قد بلغ أقصاه في أواسط الدولتين : الأُمويّة والعباسيّة ، وكلّما اتّسع العيش وتوفّرت دواعي اللهو اتّسع المجال للوضع وراج سوق الخيال ، وجعلت القصص والأمثال كي تأنس بها ربّات الحجال ، وأبناء الترف والنعمة.(2)

1 . ميزان الاعتدال:1 / 438 ; تهذيب التهذيب:4 / 295 ; اللآلي المصنوعة:1/ 157 ، 199 و 429 .
2 . أصل الشيعة وأُصولها : 73 .

صفحه 120
هذا هو الذي ذكره المصلح الكبير كاشف الغطاء ، ولعلّ ذلك أورث
فكرة التحقيق بين أعلام العصر ، فذهبوا إلى أنّ عبد الله بن سبأ أقرب ما
يكون إلى الأُسطورة منه إلى الواقع . وفي المقام كلام للكاتب المصري
الدكتور طه حسين ، يدعم كون الرجل أُسطورة تاريخية عمد أعداء الشيعة
إلى تضخيمها وتهويلها لاستغفال الناس نكاية بالشيعة ومحاولة خبيثة لإلقاء التفرقة والتباغض بين عموم المسلمين ، ولا بأس بالوقوف على كلامه
حيث قال :
وأكبر الظنّ أنّ عبد الله بن سبأ هذا ـ إن كان كل ما يروى عنه صحيحاً ـ إنّما قال ودعا إلى ما دعا إليه بعد أن كانت الفتنة ، وعظم الخلاف ، فهو قد استغلّ الفتنة ، ولم يثرها .
إنّ خصوم الشيعة أيّام الأُمويين والعباسيين قد بالغوا في أمر عبد الله بن سبأ هذا ليشكّكوا في بعض ما نسب من الأحداث إلى عثمان وولاته من ناحية ، وليشنّعوا على عليّ وشيعته من ناحية أُخرى ، فيردّوا بعض أُمور الشيعة إلى يهودي أسلم كيداً للمسلمين ، وما أكثر ما شنّع خصوم الشيعة على الشيعة .
فلنقف من هذا كلّه موقف التحفّظ والتحرّج والاحتياط ، ولنكبر المسلمين في صدر الإسلام عن أن يعبث بدينهم وسياستهم وعقولهم ودولتهم رجل أقبل من صنعاء ، وكان أبوه يهودياً وكانت أُمّه سوداء ، وكان هو يهوديّاً ثمّ أسلم ، لا رغباً ولا رهباً ولكن مكراً وكيداً وخداعاً ، ثمّ أُتيح له من النجح ما كان يبتغي ، فحرَّض المسلمين على خليفتهم حتى قتلوه ، وفرّقهم بعد ذلك أو قبله شيعاً وأحزاباً .

صفحه 121
هذه كلّها أُمور لا تستقيم للعقل ، ولا تثبت للنقد ، ولا ينبغي أن تقام
عليها أُمور التاريخ ، وإنّما الشيء الواضح الذي ليس فيه شكّ هو أنّ
ظروف الحياة الإسلامية في ذلك الوقت كانت بطبعها تدفع إلى اختلاف الرأي ، وافتراق الأهواء ، ونشأة المذاهب السياسيّة المتباينة ، فالمستمسكون بنصوص القرآن وسنّة النبيّ وسيرة صاحبيه كانوا يرون أُموراً تطرأ ، ينكرونها
ولا يعرفونها ، ويريدون أن تواجه كما كان عمر يواجهها في حزم وشدة
وضبط للنفس وضبط للرعية ، والشباب الناشئون في قريش وغير قريش
من أحياء العرب كانوا يستقبلون هذه الأُمور الجديدة بنفوس جديدة ، فيها الطمع ، وفيها الطموح ، وفيها الأثرة ، وفيها الأمل البعيد ، وفيها الهَمّ الذي لا يعرف حدّاً يقف عنده ، وفيها من أجل هذا كلّه التنافس والتزاحم لا على المناصب وحدها بل عليها وعلى كل شيء من حولها ، وهذه الأُمور الجديدة نفسها كانت خليقة أن تدفع الشيوخ والشباب إلى ما دفعوا إليه ، فهذه أقطار واسعة من الأرض تفتح عليهم ، وهذه الأموال لا تحصى تجبى لهم من هذه الأقطار ، فأيّ غرابة في أن يتنافسوا في إدارة هذه الأقطار المفتوحة ، والانتفاع بهذه الأموال المجموعة؟ وهذه بلاد أُخرى لم تفتح ، وكلّ شيء يدعوهم إلى أن يفتحوها كما فتحوا غيرها ، فما لهم لا يستبقون إلى الفتح؟ وما لهم لا يتنافسون فيما يكسبه الفاتحون من المجد والغنيمة إن كانوا من طلاّب الدنيا ، ومن الأجر والمثوبة إن كانوا من طلاّب الآخرة؟ ثمّ ما لهم جميعاً لا يختلفون في سياسة هذا المُلك الضخم وهذا الثراء العريض؟ وأيّ غرابة في أن يندفع الطامحون الطامعون من شباب قريش من خلال هذه الأبواب التي فتحت لهم ليلجوا
منها إلى المجد والسلطان والثراء؟ وأيّ غرابة في أن يهمّ بمنافستهم في

صفحه 122
ذلك شباب الأنصار وشباب الأحياء الأُخرى من العرب؟ وفي أن تمتلئ قلوبهم موجدة وحفيظة وغيظاً إذا رأوا الخليفة يحول بينهم وبين هذه المنافسة ، ويؤثر قريشاً بعظائم الأُمور ، ويؤثر بني أُميّة بأعظم هذه العظائم من الأُمور خطراً وأجلّها شأناً؟
والشيء الذي ليس فيه شكّ هو أنّ عثمان قد ولّى الوليد و سعيداً
على الكوفة بعد أن عزل سعداً ، وولّى عبد الله بن عامر على البصرة بعد أن
عزل أبا موسى ، وجمع الشام كلّها لمعاوية ، وبسط سلطانه عليها إلى أبعد
حدّ ممكن بعد أن كانت الشام ولايات تشارك في إدارتها قريش وغيرها من أحياء العرب ، وولّى عبد الله بن أبي سرح مصر بعد أن عزل عنها عمرو بن العاص ، وكلّ هؤلاء الولاة من ذوي قرابة عثمان ، منهم أخوه لأُمّه ، ومنهم أخوه في الرضاعة ، ومنهم خاله ، ومنهم من يجتمع معه في نسبه الأدنى إلى أُميّة بن عبد شمس .
كلّ هذه حقائق لا سبيل إلى إنكارها ، وما نعلم أنّ ابن سبأ قد أغرى عثمان بتولية من ولّى وعزل من عزل ، وقد أنكر الناس في جميع العصور على الملوك والقياصرة والولاة والأُمراء إيثار ذوي قرابتهم بشؤون الحكم ، وليس المسلمون الذين كانوا رعية لعثمان بدعاً من الناس ، فهم قد أنكروا وعرفوا ما ينكر الناس ويعرفون في جميع العصور.(1)
هكذا نرى أنّ الموارد التي يستنتج منها كون ابن سبأ شخصية وهميّة خلقها خصوم الشيعة ترجع إلى الأُمور التالية :

1 . الفتنة الكبرى : 134 ; ولاحظ أيضاً الغدير : 9 / 220 ـ 221 .

صفحه 123
1 ـ إنّ المؤرّخين الثقات لم يشيروا في مؤلّفاتهم إلى قصّة عبد الله بن سبأ ، كابن سعد في طبقاته ، والبلاذري في فتوحاته .
2 ـ إنّ المصدر الوحيد عنه هو سيف بن عمر وهو رجل معلوم الكذب ، ومقطوع بأنّه وضّاع .
3 ـ إنّ الأُمور التي نسبت إلى عبد الله بن سبأ ، تستلزم معجزات خارقة لا  تتأتّى لبشر ، كما تستلزم أن يكون المسلمون الذين خدعهم عبد الله بن سبأ ، وسخّرهم لمآربه ـ وهم ينفّذون أهدافه بدون اعتراض ـ في منتهى البلاهة والسخف .
4 ـ عدم وجود تفسير مقنع لسكوت عثمان وعمّـاله عنه ، مع
ضربهم لغيره من المعارضين كمحمّد بن أبي حذيفة ، ومحمّد بن أبي
بكر ، وغيرهم .
5 ـ قصّة إحراق عليّ إيّاه وتعيين السنة التي عرض فيها ابن سبأ للإحراق تخلو منها كتب التاريخ الصحيحة ،ولا يوجد لها في هذه الكتب أثر .
6 ـ عدم وجود أثر لابن سبأ وجماعته في وقعة صفّين وفي حرب النهروان .
وقد انتهى الدكتور بهذه الأُمور إلى القول : بأنّه شخص ادّخره خصوم الشيعة للشيعة ولا وجود له في الخارج.(1)

1 . الفتنة الكبرى : فصل ابن سبأ ، وقد لخّص ما ذكرنا من الأُمور من ذلك الفصل الدكتور الشيخ أحمد الوائلي في كتابه هوية التشيّع : 146 .

صفحه 124
وقد تبعه غير واحد من المستشرقين ، وقد نقل آراءهم الدكتور أحمد محمود صبحي في نظرية الإمامة(1) .
إلى أن وصل الدور إلى المحقّق البارع السيّد مرتضى العسكري ـ دام ظلّه ـ فألّف كتابه «عبد الله بن سبأ» ودرس الموضوع دراسة عميقة ، وهو الكتاب الذي يحلّل التاريخ على أساس العلم ، وقد أدّى المؤلّف كما ذكر الشيخ محمّد جواد مغنية : إلى الدين والعلم وبخاصّة إلى مبدأ التشيّع خدمة لا يعادلها أيّ عمل في هذا العصر الذي كثرت فيه التهجّمات والافتراءات على الشيعة والتشيّع ، وأقفل الباب في وجوه السماسرة والدسّاسين الذين يتشبّثون بالطحلب لتمزيق وحدة المسلمين وإضعاف قوّتهم.(2)
ونحن وإن افترضنا أنّ لهذا الرجل وجوداً حقيقياً على أرض الواقع إلاّ أنّ ذلك لا يعني الاقتناع بما نُقل وروي عنه ، لأنّه لا يعدو كونه سوى سراب ووهم وخداع لا ينطلي على أحد . يقول الدكتور أحمد محمود صبحي : وليس ما يمنع أن يستغل يهودي الأحداث التي جرت في عهد عثمان ليحدث فتنة وليزيدها اشتعالا ، وليؤلّب الناس على عثمان ، بل أن ينادي بأفكار غريبة ، ولكن السابق لأوانه أن يكون لابن سبأ هذا الأثر الفكري العميق ، فيحدث هذا الانشقاق العقائدي بين طائفة كبيرة من المسلمين.(3)
وهكذا ، فإن ما يبدو واضحاً للعيان بطلان ما ذهب إليه بعض المنحرفين

1 . نظرية الإمامة : 37 .
2 . عبد الله بن سبأ: 1 / 11 ، والكتاب يقع في جزأين وصل فيهما إلى النتيجة التي تقدّمت ، وقد استفدنا من هذا الكتاب في هذا الفصل .
3 . نظرية الإمامة : 37 .

صفحه 125
والمنخدعين من اعتبار أنّ نشأة التشيع عن هذا الطريق ، بل ويزيد الحقّ وضوحاً أنّنا إذا راجعنا كتب الشيعة نرى أنّ أئمّتهم وعلماءهم يتبرّأون منه
أشدّ التبرّؤ .
1 ـ قال الكشّي ، وهو من علماء القرن الرابع : عبد الله بن سبأ كان يدّعي النبوّة وأنّ عليّاً هو الله!! فاستتابه ثلاثة أيّام فلم يرجع ، فأحرقه بالنار في جملة سبعين رجلا.(1)
2 ـ قال الشيخ الطوسي (385 ـ 460هـ ) في رجاله في باب أصحاب أمير المؤمنين : عبد الله بن سبأ الذي رجع إلى الكفر وأظهر الغلوّ.(2)
3 ـ وقال العلاّمة الحلّي (648 ـ 726هـ ) : غال ملعون ، حرقه أمير المؤمنين بالنار ، كان يزعم أنّ عليّاً إله وأنّه نبيّ ، لعنه الله.(3)
4 ـ وقال ابن داود (647 ـ 707هـ ) : عبد الله بن سبأ رجع إلى الكفر وأظهر الغلوّ.(4)
5 ـ وذكر الشيخ حسن بن زين الدين (المتوفّى 1011هـ ) في التحرير الطاووسي : غال ملعون حرقه أمير المؤمنين(عليه السلام) بالنار.(5)
ومن أراد أن يقف على كلمات أئمّة الشيعة في حقّ الرجل ، فعليه أن يرجع إلى رجال الكشّي ، فقد روى في حقّه روايات كلّها ترجع إلى غلوّه في

1 . رجال الكشي : 98 برقم 48 .
2 . رجال الطوسي : باب أصحاب علي : 51 برقم 76 .
3 . الخلاصة : 236  القسم الثاني الباب الثاني : عبد الله .
4 . رجال ابن داود : 254 برقم 278 القسم الثاني .
5 . التحرير الطاووسي : 173 برقم 234 .

صفحه 126
حقّ عليّ ، وأمّا ما نقله عنه سيف بن عمر فليس منه أثر في تلك الروايات ، فأدنى ما يمكن التصديق به أنّ الرجل ظهر غالياً فقتل أو أُحرق ، والقول بذلك لا يضرّ بشيء ، وأمّا ما ذكره الطبري عن الطريق المتقدّم فلا يليق أن يؤمن ويعتقد به من يملك أدنى إلمام بالتاريخ والسير .
وأخيراً فقد تبيّن وبدون شك بطلان وفساد هذه النظرية المختلقة حول نشأة التشيّع ، والتي لم تصمد أمام النقد والتمحيص ، بل وتحمل بذور سقوطها في ذاتها ، وفي ذلك الدليل البيّن على أصالة مذهب التشيع والذي أسلفنا القول بأصالة نشأته ، وأنّه وليد العقيدة الإسلامية الأصيلة وامتدادها الحقيقي ، وأمّا ما قام به ابن سبأ ـ على فرض صحّةوقوعه ـ فإنّه يعبّرعن موقف فرديوتصرّف شخصي خارج عن إطار المذهب ، ومن تبعه فقد أدخل نفسه دار البوار ، وأين هذا الأفّاك وزمرته من أُولئك الذين لا يخالفون الله ورسوله وأُولي الأمر ولا يتخلّفون عن أوامرهم قيد أُنملة ، كالمقداد وسلمان وحجر بن عدي ورشيد الهجري ومالك الأشتر وصعصعة وأخيه وعمرو بن الحمق ، ممّن يُستدرّ بهم الغمام وتنزل بهم البركات .
إلى هنا تمّ تحليل النظرية الثانية في تكوّن الشيعة فلننـتقل إلى مناقشة النظرية الثالثة .

صفحه 127
التشيّع فارسيّ المبدأ أو الصبغة   

الفرضيّة الثالثة :

التشيّع فارسيّ المبدأ أو الصبغة

وهناك فرضية ثالثة اخترعها المستشرقون لتكوّن مذهب الشيعة في المجتمع الإسلامي ، وهذه الفرضية كسابقتيها تعتمد اعتبار حداثة هذا المذهب قصداً أم جهلا ، فقادها هذا التصوّر الخاطئ إلى اعتماد نظرية تقول بفارسيّة المبدأ أو الصبغة لمذهب التشيّع ، وهذا الترديد بين الأمرين مرجعه رأيان لأصحاب هذه النظرية في المقام :
1 ـ إنّ التشيع من مخترعات الفرس; اخترعوه لأغراض سياسية ولم يعتنقه أحد من العرب قبل الفرس ، ولكنّهم لما أسلموا اخترعوا تلك الفكرة لغاية خاصّة .
2 ـ إنّ التشيّع عربي المبدأ ، وإنّ لفيفاً من العرب اعتنقوه قبل أن يدخل الفرس في الإسلام ، ولمّا أسلموا اعتنقوه وصبغوه بصبغة فارسية لم تكن من قبل .
وهذان الرأيان هما اللّذان عبّرنا عنهما في العنوان بما عرفت ، وإليك تفصيل أمرهما :
أمّا النظرية الأُولى : فقد اخترعها المستشرق دوزي ، وملخّصها : أنّ للمذهب الشيعي نزعة فارسية; لأنّ العرب كانت تدين بالحرّيّة ، والفرس

صفحه 128
تدين بالملك والوراثة ، ولا يعرفون معنى الانتخاب ، ولمّا انتقل النبيّ إلى دار البقاء ولم يترك ولداً ، قالوا : علي أولى بالخلافة من بعده .
وحاصله : أنّ الانسجام الفكري بين الفرس والشيعة ـ أعني : كون الخلافة أمراً وراثياً ـ دليل على أنّ التشيّع وليد الفرس .
وهذا التصوّر مردود لجملة واسعة من البديهيات ، منها :
أنّ التشيّع حسبما عرفت ظهر في عصر النبيّ الأكرم ، وهو الذي سمّى أتباع عليّ بالشيعة ، وكانوا موجودين في عصر النبيّ وبعده ، إلى زمن لم يدخل أحد من الفرس ـ سوى سلمان ـ في الإسلام .
بلى ، فإنّ روّاد التشيّع في عصر الرسول والوصي كانوا كلّهم عرباً ولم يكن بينهم أيّ فارسيّ سوى سلمان المحمّدي ، وكلّهم كانوا يتبنّون فكرة التشيّع .
وكان لأبي الحسن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) أيام خلافته ثلاثة حروب : حرب الجمل ، وصفّين ، والنهروان . وكان جيشه كلّه عرباً ينتمون إلى أُصول وقبائل عربية مشهورة بين عدنانية وقحطانية ، فقد انضمّ إلى جيشه زرافات من قريش والأوس والخزرج ، ومن قبائل مذحج ، وهمدان ، و طي ، وكندة ، وتميم ، ومضر ، بل كان زعماء جيشه من رؤوس هذه القبائل كعمّار بن ياسر ، وهاشم المرقال ، ومالك الأشتر ، وصعصعة بن صوحان وأخوه زيد ، وقيس بن سعد بن عبادة ، وعبد الله بن عباس ، ومحمّد بن أبي بكر ، وحجر بن عدي ، وعدي بن حاتم ، وأضرابهم . وبهذا الجند وبأُولئك الزعماء فتح أمير المؤمنين البصرة ، وحارب القاسطين ـ معاوية وجنوده ـ يوم صفّين ، وبهم قضى على المارقين .

صفحه 129
فأين الفرس في ذلك الجيش وأُولئك القادة كي نحتمل أنّهم كانوا الحجر الأساس للتشيّع؟ ثمّ إنّ الفرس لم يكونوا الوحيدين ممّن اعتنقوا هذا المذهب دون غيرهم ، بل اعتنقه الأتراك والهنود وغيرهم من غير العرب .

شهادة المستشرقين وغيرهم على أنّ التشيّع عربي المبدأ :

إنّ عدداً من المستشرقين وغيرهم صرّحوا بأنّ العرب اعتنقت التشيّع قبل الفرس وإليك نصوصهم :
1 ـ قال الدكتور أحمد أمين : الذي أرى ـ كما يدلّنا التاريخ ـ أنّ
التشيّع لعليّ بدأ قبل دخول الفرس إلى الإسلام ولكن بمعنى ساذج ، ولكن
هذا التشيّع أخذ صبغة جديدة بدخول العناصر الأُخرى في الإسلام ، وحيث
إنّ أكبر عنصر دخل في الإسلام الفرس فلهم أكبر الأثر في التشيّع.(1) وسيوافيك الكلام على ما في ذيل كلامه من أنّ التشيّع أخذ صبغة جديدة بعد فترة
من حدوثه .
2 ـ وقال المستشرق فلهوزن : كان جميع سكان العراق ـ في عهد معاوية ـ خصوصاً أهل الكوفة، شيعة على تفاوت بينهم، ولم يقتصر هذا على الأفراد ، بل شمل القبائل ورؤساء القبائل .(2)
3 ـ وقال المستشرق جولد تسيهر : إنّ من الخطأ القول بأنّ التشيّع في نشأته ومراحل نموه يمثّل الأثر التعديلي الذي أحدثته أفكار الأُمم الإيرانية في الإسلام بعد أن اعتنقته ، أو خضعت لسلطانه عن طريق الفتح والدعاية ، وهذا

1 . فجر الإسلام : 176 .
2 . الخوارج والشيعة : 113 .

صفحه 130
الوهم الشائع مبني على سوء فهم الحوادث التاريخية ، فالحركة العلوية نشأت في أرض عربية بحتة.(1)
4 ـ وأمّا المستشرق آدم متز فإنّه قال : إنّ مذهب الشيعة ليس كما يعتقد البعض ردّ فعل من جانب الروح الإيرانية يخالف الإسلام ، فقد كانت جزيرة العرب شيعة كلّها عدا المدن الكبرى مثل مكّة وتهامة وصنعاء ، وكان للشيعة غلبة في بعض المدن أيضاً مثل عمان ، وهجر ، وصعدة ، أمّا إيران فكانت كلّها سنّة ، ما عدا قم ، وكان أهل إصفهان يغالون في معاوية حتى اعتقد بعض أهلها أنّه نبي مرسل.(2)
ولعلّ المتأمّل في كلمات هؤلاء يجد بوضوح أنّهم يقطعون بفساد الرأي الذاهب إلى فارسيّة التشيّع ، وأنّهم لم يجدوا له تبريراً معقولا ، بالرغم من عدم تعاطفهم أصلا مع التشيّع ، فتأمل .
5 ـ يقول الشيخ أبو زهرة : إنّ الفرس تشيّعوا على أيدي العرب
وليس التشيّع مخلوقاً لهم ، ويضيف : وأمّا فارس وخراسان وما وراءهما
من بلدان الإسلام ، فقد هاجر إليها كثيرون من علماء الإسلام الذين كانوا يتشيّعون فراراً بعقيدتهم من الأُمويين أوّلا ، ثمّ العباسيين ثانياً ، وأنّ التشيّع كان منتشراً في هذه البلاد انتشاراً عظيماً قبل سقوط الدولة الأُموية بفرار أتباع زيد ومن قبله إليها(3) .

1 . العقيدة والشريعة : 204 .
2 . الحضارة الإسلامية : 102 .
3 . الإمام جعفر الصادق : 545 .

صفحه 131
6 ـ وقال السيّد الأمين : إنّ الفرس الذين دخلوا الإسلام لم يكونوا شيعة في أوّل الأمر إلاّ القليل ، وجلّ علماء السنّة وأجلاّئهم من الفرس ، كالبخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم النيسابوري والبيهقي ، وهكذا غيرهم ممّن أتوا في الطبقة التالية.(1)
وأما النظرية الثانية فإنّ التاريخ يدلّنا على أنّ الفرس دخلوا في الإسلام يوم دخلوا بالصبغة السنّية ، وهذا هو البلاذري يحدّثنا في كتابه عن ذلك بقوله :
كان ابرويز وجّه إلى الديلم فأتى بأربعة آلاف ، وكانوا خدمه وخاصّته ، ثمّ كانوا على تلك المنزلة بعده ، وشهدوا القادسية مع رستم ، ولمّا قتل وانهزم المجوس اعتزلوا ، قالوا : ما نحن كهؤلاء ولا لنا ملجأ ، وأثرنا عندهم غير جميل ، والرأي لنا أن ندخل معهم في دينهم ، فاعتزلوا . فقال سعد : ما لهؤلاء؟ فأتاهم المغيرة بن شعبة فسألهم عن أمرهم ، فأخبروا بخبرهم ، وقالوا : ندخل في دينكم ، فرجع إلى سعد فأخبره فآمنهم ، فأسلموا وشهدوا فتح المدائن مع سعد ، وشهدوا فتح جلولاء ، ثمّ تحوّلوا فنزلوا الكوفة مع المسلمين(2) .
لم يكن إسلامهم ـ يوم ذاك ـ إلاّ كإسلام سائر الشعوب ، فهل يمكن أن يقال : إنّ إسلامهم يوم ذاك كان إسلاماً شيعياً؟
وأمّا النظرية الثالثة : فإنّ الإسلام كان ينتشر بين الفرس بالمعنى الذي كان ينتشر به في سائر الشعوب ، ولم يكن بلد من بلاد إيران معروفاً بالتشيّع إلى أن انتقل قسم من الأشعريين الشيعة إلى قم وكاشان ، فبذروا بذرة التشيّع ، وكان

1 . أعيان الشيعة: 1 / 50 ـ 51 القسم الأول ط 2 ـ دمشق سنة 1363هـ  .
2 . فتوح البلدان : 279 .

صفحه 132
ذلك في أواخر القرن الأوّل ، مع أنّ الفرس دخلوا في الإسلام في عهد الخليفة الثاني ; أي ابتداء من عام (17هـ ) ، وهذا يعني أنّه قد انقضت أعوام كثيرة قبل أن يدركوا ويعلموا معنى ومفهوم التشيّع ، فأين هذا من ذاك . وهذا هو ياقوت الحموي يحدّثنا في «معجم البلدان» بقوله :
قم ، مدينة تذكر مع قاشان ، وهي مدينة مستحدثة إسلامية لا أثر للأعاجم فيها ، وأوّل من مصّـرها طلحة بن الأحوص الأشعري ، وكان بدو تمصيرها في أيام الحجّاج بن يوسف سنة (83هـ ) ، وذلك أنّ عبد الرحمن بن محمّد بن الأشعث بن قيس ، كان أمير سجستان من جهة الحجّاج ، ثمّ خرج عليه ، وكان في عسكره سبعة عشر نفساً من علماء التابعين من العراقيين ، فلمّا انهزم ابن الأشعث ورجع إلى كابل منهزماً كان في جملة إخوة يقال لهم : عبد الله ، والأحوص ، وعبد الرحمن ، وإسحاق ، ونعيم ، وهم بنو سعد بن مالك بن عامر الأشعري ، وقعوا في ناحية قم ، وكان هناك سبع قرى اسم احداها «كمندان» فنزل هؤلاء الأُخوة على هذه القرى حتّى افتتحوها واستولوا عليها ، وانتقلوا إليها واستوطنوها ، واجتمع عليهم بنو عمّهم وصارت السبع قرى سبع محالّ بها ، وسمّيت باسم إحداها «كمندان» ، فأسقطوا بعض حروفها فسميت بتعريبهم قماً ، وكان متقدّم هؤلاء الأُخوة عبد الله بن سعد ، وكان له ولد قد ربّي بالكوفة ، فانتقل منها إلى قم ، وكان إمامياً ، وهو الذي نقل التشيّع إلى أهلها ، فلا يوجد بها سنّيّ قط.(1)
إذن فهذا كلّه راجع إلى تحليل النظـرية من منظار التاريخ ، وأمّا دليله فهو

1 . معجم البلدان: 4 / 397 ، مادة قم ، ويقول في «مراصد الاطلاع» بأنّ أهل قم ، وكاشان كلّهم شيعة إمامية . ولاحظ رجال النجاشي ، ترجمة الرواة الأشعريين فيه .

صفحه 133
أوهن من بيت العنكبوت ، فإذا كان الفرس لايعرفون معنى الانتخاب والحرية ، فإنّ العرب أيضاً مثلهم ، فالعربي الذي كان يعيش بالبادية عيشة فردية كان يحبّ الحرية ويمارسها ، وأمّا العربي الذي يعيش عيشة قبلية ، فقد كان شيخ القبيلة يملك زمام أُمورهم وشؤونهم وعند موته يقوم أبناؤه وأولاده مكانه واحداً بعد الآخر ، فما معنى الحرية بعد هذا؟!

تحليل النظرية :

إنّ هذه النظرية وإن كانت تعترف بأنّ التشيّع عربي المولد والمنشأ ، ولكنّها تدّعي أنّه اصطبغ بصبغة فارسية بعد دخول الفرس في الإسلام ، وهذا هو الذي اختاره الدكتور أحمد أمين كما عرفت ولفيف من المستشرقين كـ «فلهوزن» فيما ذهبوا إليه في تفسير نشأة التشيّع .
يقول الثاني : إنّ آراء الشيعة كانت تلائم الإيرانيين ، أمّا كون هذه الآراء قد انبثقت من الإيرانيين فليست تلك الملاءمة دليلا عليه ، بل الروايات التاريخية تقول بعكس ذلك ; إذ تقول إنّ التشيّع الواضح الصريح كان قائماً أوّلا في الأوساط العربية ، ثمّ انتقل بعد ذلك منها إلى الموالي ، وجمع بين هؤلاء وبين تلك الأوساط .
ولكن لمّا ارتبطت الشيعة العربية بالعناصر المضطهدة تخلّت عن تربية القومية العربية ، وكانت حلقة الارتباط هي الإسلام ، ولكنّه لم يكن ذلك الإسلام القديم ، بل نوعاً جديداً من الدين.(1)

1 . الخوارج والشيعة : 169 .

صفحه 134
أقول : إنّ مراده أنّ التشيّع كان في عصر الرسول وبعده بمعنى
الحبّ والولاء لعليّ لكنّه انتقل بيد الفرس إلى معنى آخر وهو كون الخلافة
أمراً وراثياً في بيت عليّ(عليه السلام) وهو الذي يصرّح به الدكتور أحمد أمين في قوله : إنّ الفكر الفارسي استولى على التشيّع ، والمقصود من الاستيلاء هو
جعل الخلافة أمراً وراثياً كما كان الأمر كذلك بين الفرس في عهد ملوك بني ساسان وغيرهم .
إلاّ أنّه يلاحظ عليه : أنّ كون الحكم والملك أمراً وراثياً لم يكن
من خصائص الفرس ، بل إنّ مبدأ وراثية الحكم كان سائداً في جميع المجتمعات ، فالنظام السائد بين ملوك الحيرة وغسّان وحمير في العراق والشام واليمن كان هو الوراثة ، والحكم في الحياة القبلية في الجزيرة العربية كان وراثياً ، والمناصب المعروفة لدى قريش من السقاية والرفادة وعمارة المسجد الحرام والسدانة كانت أُموراً وراثية ، حتّى أنّ النبيّ الأكرم لم يغيّرها بل إنّه أمضاها
كما في قضيّة دفعه لمفاتيح البيت إلى بني شيبة وإقرارهم على منصبهم هذا
إلى الأبد .
فإلصاق مسألة الوراثة بالفرس دون غيرهم أمر عجيب لا يقرّه العقلاء ، فعلى ذلك يجب أن نقول : إنّ التشيّع اصطبغ بصبغة فارسية وغسّانية وحميرية وأخيراً عربية ، وإلاّ فما معنى تخصيص فكرة الوصاية بالفرس مع كونها آنذاك فكرة عامّة عالمية؟!
إنّ النبوّة والوصاية من الأُمور الوراثية في الشرائع السماوية ، لا بمعنى أنّ الوراثة هي الملاك المعيّـن بل بمعنى أنّه سبحانه جعل نور النبوّة والإمامة في بيوتات خاصّة ، فكان يتوارث نبيّ نبيّاً ، ووصيّ وصيّاً ، يقول سبحانه :

صفحه 135
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وإِبرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِـى ذُريَّتِهما النُّبُوَّةَ والكِتابَ)(1) .
(وإذِ ابْتَلَـى إِبرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنّى جَاعِلُك لِلنّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرّيَّتِى قَالَ لا يَنالُ عَهْدِى الظّالِمِينَ)(2) .
(أمْ يَحْسُدُون النّاسَ عَلَـى مَا آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبراهِيمَ الكِتَابَ والحِكْمَةَ وآتَـيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً)(2) .
لماذا لا يكون سبب تشيّع الفرس مفاد هذه الآيات والروايات التي تصرّح بأنّ الوصاية بين الأنبياء كانت أمراً وراثياً؟ وإنّ هذه سنّة الله في الأُمم كما هو ظاهر قوله سبحانه : «لا ينال عهدِي الظالمين» فسمّى الإمامة عهد الله لا عهد الناس .
ثمّ إنّ من زعم أنّ التشيّع من صنع الفرس مبدأ وصبغة فهو جاهل بتاريخ الفرس ، وذلك لأنّ التسنّن كان هو السائد فيهم إلى أوائل القرن العاشر حتّى غلب عليهم التشيّع في عصر الصفويين ، نعم كانت مدن ري وقم وكاشان معقل التشيّع ومع ذلك يقول أبو زهرة : إنّ أكثر أهل فارس إلى الآن من الشيعة ، وإنّ الشيعة الأوّلين كانوا من فارس.(3)
أمّا غلبة التشيّع عليهم في الأوان الأخير فلا ينكره أحد ، إنّما الكلام في كونهم كذلك في بداية دخولهم إلى الإسلام ، فالذي يظهر أنّ الرجل جاهل بتاريخ بلاد إيران وليس له معرفة حقيقية بتفاصيل التركيبة المذهبية المختلفة

1 . الحديد : 26 .            2 . البقرة : 124 .
2 . النساء : 54 .
3 . تاريخ المذاهب الإسلامية : 35 .

صفحه 136
التي كانت واضحة في أطراف المجتمع الإيراني وبيّنة فيه .
وإليك ما ذكره شمس الدين محمد بن أحمد المقدسي، وهو أحد الكتّاب القدامى في كتابه «أحسن التقاسيم» لتقف على أنّ المذهب السائد في ذلك القرن ، هل كان هو التشيّع أم التسنّن؟ يقول :
إقليم خراسان للمعتزلة والشيعة ، والغلبة لأصحاب أبي حنيفة، إلاّ في كورة الشاش; فانّهم شوافع، وفيهم قوم على مذهب عبد الله السرخسي ; وإقليم الرحاب مذاهبهم مستقيمة، إلاّ أنّ أهل الحديث حنابلة، والغالب بدبيل ـ لعلّه يريد أردبيل ـ مذهب أبي حنيفة وبالجبال ; أمّا بالريّ فمذاهبهم مختلفة ، والغلبة فيهم للحنفية ، وبالري حنابلة كثيرة ، وأهل قم شيعة ، والدينور غلبه مذهب سفيان الثوري ، وإقليم خوزستان مذاهبهم مختلفة ، أكثر أهل الأهواز ورامهرمز والدورق حنابلة ، ونصف أهل الأهواز شيعة ، وبه أصحاب أبي حنيفة كثير ، وبالأهواز مالكيّون . . . إقليم فارس العمل فيه على أصحاب الحديث وأصحاب أبي حنيفة . . . إقليم كرمان المذاهب الغالبة للشافعي . . . إقليم السند مذاهبهم أكثرها أصحاب حديث ، وأهل الملتان شيعة يهوعلون في الأذان ـ أي يقولون: حيّ على خير العمل  ـ ويثنّون في الإقامة ـ أي يقولون الله أكبر مرّتين ، وأشهد أن لا إله إلاّ الله مرّتين أيضاً وهكذا  ـ ولا تخلو القصبات من فقهاء على مذهب أبي حنيفة.(1)
وأمّا ابن بطوطة في رحلته فيقول : كان ملك العراق السلطان محمد خدابنده قد صحبه في حال كفره فقيه من الروافض الإمامية يسمّى جمال الدين

1 . أحسن التقاسيم : 119 (ألّفه عام 375هـ ) .

صفحه 137
بن مطهّر ـ  يعني العلاّمة الحلي (648 ـ 726هـ ) ـ فلمّا أسلم السلطان المذكور وأسلمت بإسلامه التتر زاد في تعظيم هذا الفقيه ، فزيّن له مذهب الروافض وفضّله على غيره . . . فأمر السلطان بحمل الناس على الرفض ، وكتب بذلك إلى العراقين وفارس وآذربايجان وإصفهان وكرمان وخراسان ، وبعث الرسل إلى البلاد ، فكان أوّل بلاد وصل إليها الأمر بغداد وشيراز وإصفهان ، فأمّا أهل بغداد فخرج منهم أهل باب الأزج يقولون : لا سمعاً ولا طاعة ، وجاءوا للجامع وهدّدوا الخطيب بالقتل إن غيّـر الخطبة ، وهكذا فعل أهل شيراز وأهل إصفهان(1) .
وقال القاضي عيّاض في مقدّمة «ترتيب المدارك» وهو يحكي انتشار مذهب مالك : وأمّا خراسان وما وراء العراق من بلاد المشرق فدخلها هذا المذهب أوّلا بيحيى بن يحيى التميمي ، وعبد الله بن المبارك ، وقتيبة بن سعيد ، فكان له هناك أئمّة على مرّ الأزمان ، وتفشّى بقزوين وما والاها من بلاد الجبل . وكان آخر من درس منه بنيسابور أبوإسحاق بن القطّان، وغلب على تلك البلاد مذهبا أبي حنيفة والشافعي.(2)
قال «بروكلمان» : إنّ شاه إسماعيل الصفوي بعد انتصاره على «الوند» توجّه نحو تبريز فأعلمه علماء الشيعة التبريزيون أنّ ثلثي سكان المدينة ـ الذين يبلغ عددهم ثلاثمائة ألف ـ من السنّة.(3)
إذن فالنصوص المتقدّمة تدلّ دلالة واضحة على أنّ مذهب التسنّن كان

1 . رحلة ابن بطوطة : 219 ـ 220 .
2 . ترتيب المدارك: 1 / 53 .
3 . تاريخ المذاهب الإسلامية: 1 / 140 .

صفحه 138
هو المذهب السائد إلى القرن العاشر بين الفرس ، فكيف يمكن أن يقال : إنّ بلاد فارس كانت هي الموطن الأصلي للتشيّع؟
وممّا يؤكّد ذلك أيضاً ما رواه ابن الأثير في تأريخه في ضمن حوادث سنة 431 هـ من أنّ أهل طوس كانوا سنّة إلى عصر محمود بن سبكتكين ، قال : إنّ محمود بن سبكتكين جدّد عمارة المشهد بطوس الذي فيه قبر عليّ بن موسى الرضا وأحسن عمارته ، وكان أبوه سبكتكين أخربه ، وكان أهل طوس يؤذون من يزوره ، فمنعهم ابنه عن ذلك ، وكان سبب فعله ذلك أنّه رأى في المنام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وهو يقول : إلى متى هذا؟ فعلم أنّه يريد أمر المشهد ، فأمر بعمارته.(1)
ويؤيّد ذلك ما رواه البيهقي : أنّ المأمون العباسي همَّ بأن يكتب كتاباً في الطعن على معاوية ، فقال له يحيى بن أكثم : يا أمير المؤمنين ، العامّة لا تتحمّل هذا ولا سيما أهل خراسان ، ولا تأمن أن يكون لهم نفرة(2) .
إلاّ أنّ المتوكل عمد وبصلافة وتهتّك إلى هدم قبر الحسين(عليه السلام) وفي ذلك قال الشاعر المعروف بالبسّامي :
تالله إن كانت أميّة قد أتت *** قتل ابن بنت نبيّها مظلوما
فلقد أتاه بنو أبيه بمثله *** هذا لعمرك قبره مهدوما
أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا *** في قتله فتتبّعوه رميما(3)

1 . الكامل في التاريخ: 5 / 139 .
2 . المحاسن والمساوئ: 1 / 108 .
3 . تاريخ أبي الفداء: 2 / 68 .

صفحه 139
فقد بان ممّا ذكر أمران :
1 ـ إنّ التشيّع ليس فارسيّ المبدأ ، وإنّما هو حجازي المولد والمنشأ ، اعتنقه العرب فترة طويلة لم يدخل فيها أحد من الفرس ـ سوى سلمان المحمّدي ـ وإنّ الإسلام دخل بين الفرس مثل دخوله بين سائر الشعوب ، وأنّهم اعتنقوا الإسلام بمذاهبه المختلفة مثل اعتناق سائر الأُمم له ، وبقوا على ذلك طويلا إلى أن اشتد عود التشيّع وكثر معتنقوه في عهد بعض ملوك المغول أو عهد الصفوية (905هـ ) .
2 ـ إنّ كون الإمامة منحصرة في عليّ وأولاده ليس صبغة عارضة على التشيّع ، بل هو جوهر التشيّع وحقيقته ، ولولاه فقد التشيّع روحه وجوهره ، فجعل الولاء لآل محمّد أو تفضيل عليّ على سائر الخلفاء أصله وجوهره ، واعتبار هذا الأمر ـ كما يعتقده البعض ـ أمراً عرضياً دخيلا على مذهب التشيع ، تصوّر لا دليل له إلاّ التخرص والاختلاق .
قال المفيد ـ رحمه الله ـ : الشيعي من دان بوجوب الإمامة ووجودها في كل زمان وأوجب النصّ الجليّ والعصمة والكمال لكلّ إمام ، ثمّ حصر الإمامة في ولد الحسين بن عليّ(عليهما السلام) وساقها إلى الرضا عليّ بن موسى(عليهما السلام) .

صفحه 140
الشيعة ويوم الجمل   

الفرضيّة الرابعة :

الشيعة ويوم الجمل

وأمّا الافتراض الخاطئ الرابع فيذهب إلى أنّ الشيعة تكوّنت يوم
الجمل ، حيث ذكر ابن النديم في الفهرست : أنّ عليّاً قصد طلحة
والزبير ليقاتلهما حتّى يفيئا إلى أمر الله ـ جلّ اسمه ـ وتسمّى من اتّبعه على ذلك الشيعة ، وكان يقول : شيعتي ، وسمّـاهم(عليه السلام) : الأصفياء ، الأولياء ، شرطة الخميس ، الأصحاب.(1)
وعلى ذلك جرى المستشرق «فلهوزن» حيث يقول : بمقتل عثمان انقسم الإسلام إلى فئتين : حزب عليّ ، وحزب معاوية ، والحزب يطلق عليه في العربية اسم «الشيعة» فكانت شيعة عليّ في مقابل شيعة معاوية ، لكن لمّا تولّى معاوية الملك في دولة الإسلام كلّها . . . أصبح استعمال لفظة «شيعة» مقصوراً على أتباع عليّ.(2)
الملفت للنظر أن ما ذكره ابن النديم من تقسيمه لشيعة عليّ(عليه السلام) إلى الأصفياء والأولياء و . . . هو عين التقسيم الذي أورده البرقي(3) لأصحاب أمير المؤمنين(عليه السلام) حيث قال :

1 . فهرست ابن النديم: 263 .
2 . الخوارج والشيعة : 146 .
3 . توفّي البرقي عام (274) أو (280) وألّف ابن النديم كتابه عام (377) وتوفّي عام (378) .

صفحه 141
 
أصحاب أمير المؤمنين :
من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله) : الأصحاب ، ثمّ الأصفياء ، ثمّ الأولياء ، ثمّ شرطة الخميس :
من الأصفياء من أصحاب أمير المؤمنين(عليه السلام) : سلمان الفارسي ،
المقداد ، أبو ذر ، عمّار ، أبو ليلى ، شبير ، أبو سنان ، أبو عمرة ، أبو سعيد
الخدري (عربي أنصاري)، أبو برزة ، جابر بن عبد الله ، البراء بن
عازب (أنصاري) ، عرفة الأزدي ، وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله) دعا له فقال : «اللّهمّ بارك له في صفقته» .
وأصحاب أمير المؤمنين ، الذين كانوا شرطة الخميس كانوا ستّة
آلاف رجل ، وقال عليّ بن الحكم : (أصحاب) أمير المؤمنين الذين قال لهم : «تشرّطوا إنّما أُشارطكم على الجنّة ، ولست أُشارطكم على ذهب أو فضّة ،
إنّ نبيّنا
(عليه السلام) قال لأصحابه فيما مضى : تشرّطوا فانّي لست أُشارطكم ، إلاّ
على الجنّة»
.(1)
وممّا تقدّم يظهر أنّ من عدّه ابن النديم من أصحاب الإمام رجالا
ماتوا قبل أيام خلافته كسلمان و أبو ذر والمقداد ، وكلّهم كانوا شيعة للإمام ، فكيف يكون التشيّع وليد يوم الجمل؟ والظاهر وجود التحريف في عبارة
ابن النديم .
على كل تقدير فما تلونا عليك من النصوص الدالّة على وجود التشيّع في

1 . رجال البرقي : 3 .

صفحه 142
عصر الرسول وظهوره بشكل جليّ بعد وفاته(صلى الله عليه وآله) وهذا قبل أن تشبّ نار الحرب في البصرة ، دليل على وهن هذا الرأي ـ على تسليم دلالة كلام ابن النديم ـ فإنّ الإمام وشيعته بعد خروج الحقّ عن محوره ، واستتباب الأمر لأبي بكر ، رأوا أنّ مصالح الإسلام والمسلمين تكمن في السكوت ومماشاة القوم ، بينما كان نداء التشيّع يعلو بين آن وآخر من جانب المجاهرين بالحقيقة ، كأبي ذر الغفاري وغيره ، ولكن كانت القاعدة الغالبة هي المحافظة قدر الإمكان على بقاء الإسلام وعدم جرّ المسلمين إلى صدام كبير ونار متأجّجة لا تبقي ولا تذر ، والعمل قدر الإمكان لدعم الواجهة السياسية للخلافة الإسلامية ورفدها بالجهد المخلص والنصح المتواصل .
إلاّ أنّ الأمر عندما آل إلى الإمام عليّ وجدت شيعته متنفساً واسعاً
للتعبير عن وجودها والإفصاح عن حقيقتها ، فظهرت بأوضح وأجلى
صورها ، فمن هنا وقع أصحاب هذه الفرضية وغيرها في هذه الاشتباهات الواضحة البطلان .

صفحه 143

الفرضيّة الخامسة :

الشيعة ويوم صفّين

زعم بعض المستشرقين(1) أنّ الشيعة تكوّنت يوم افترق جيش عليّ
في مسألة التحكيم إلى فرقتين ، فلمّا دخل عليّ الكوفة وفارقته الحرورية ، وثبت إليه الشيعة ، فقالوا : في أعناقنا بيعة ثانية ، نحن أولياء من واليت وأعداء
من عاديت .
وهذا الفهم الخاطئ لهذه الواقعة ، وامتطاء هذه العبارة المذكورة لتحديد نشأة التشيّع يعتمد بالأساس على افتراض أنّ لتكوّن الشيعة تاريخاً مفصولا عن تاريخ الإسلام ، فأخذ يتمسّك بهذه العبارة ، مع أنّ تعبير الطبري ـ أعني قوله : وثبت إليه الشيعة(2) ـ دليل على سبق وجودهم على ذلك .
نعم كان للشيعة بعد تولّي الإمام الخلافة وجود واضح حيث ارتفع
الضغط فالتفّ حوله موالوه من الصحابة والتابعين ، إلاّ أنّ الأمر الثابت هو أنّ ليس جميع من كان في جيشه من شيعته بالمعنى المفروض والواقعي للتشيّع ، بل أغلب من انخرط في ذلك الجيش كانوا تابعين له لأنّه خليفة لهم ، وقد بايعوه على ذلك .

1 . تاريخ الإمامية : 37 .
2 . تاريخ الطبري: 4 / 46 .

صفحه 144
الشيعة والبويهيّون   

الفرضيّة السادسة :

الشيعة والبويهيّون

تقلّد آل بويه مقاليد الحكم والسلطة من عام (320) إلى (447هـ ) ، فكانت لهم السلطة في العراق وبعض بلاد إيران كفارس وكرمان وبلاد الجبل وهمدان وإصفهان والري ، وقد أُقصوا عن الحكم في الأخير بهجوم الغزاونة عليهم عام (420هـ ) . وقد ذكر المؤرّخون ـ خصوصاً ابن الأثير في الكامل وابن الجوزي في المنتظم ـ شيئاً كثيراً من أحوالهم ، وخدماتهم ، وإفساحهم المجال لجميع العلماء من دون أن يفرقوا بينهم بمختلف طوائفهم ، وقد ألّف المستشرق «استانلي لين بول» كتاباً في حياتهم ترجم باسم : طبقات سلاطين الإسلام .
يقول ابن الأثير في حوادث عام (372هـ ) في حديثه عن أحد الملوك البويهيّين ، وهو عضد الدولة : وكان عاقلا ، فاضلا ، حسن السياسة ، كثير الإصابة ، شديد الهيبة ، بعيد الهمّة ، ثاقب الرأي ، محبّاً للفضائل وأهلها ، باذلا في مواضع العطاء . . . إلى أن قال : وكان محبّاً للعلوم وأهلها ، مقرّباً للعلماء ، محسناً إليهم ، وكان يجلس معهم يعارضهم في المسائل ، فقصده العلماء من كلّ بلد ، وصنّفوا له الكتب ، ومنها الإيضاح في النحو ، والحجّة في القراءات ، والملكي في الطبّ ، والتاجي في التاريخ إلى غير ذلك.(1)

1 . الكامل في التاريخ: 9 / 19 ـ 21 .

صفحه 145
وهذا يدل على أنّهم كانوا محبّين للعلم ومروّجين له ولهم أياد مشكورة في نشر العلم ومساندة العلماء .
وبالرغم من أنّ في عصرهم كان يغلب على أكثر البلاد مذهب التسنّن إلاّ أنّ البويهيّين لم يقفوا موقف المعادي لهم على الرغم مما وقفه غيرهم من الملوك الآخرين من غير الشيعة من معاداة التشيّع ومحاربته .
ولعلّ التأريخ قد سجّل في صفحاته أحداثاً مؤلمة بعد سقوط البويهيين ودخول طغرل بك مدينة السلام (بغداد) عام (447هـ ) ، عندما أُحرقت مكتبة الشيخ الطوسي وكرسيّه الذي كان يجلس عليه للتدريس.(1)
نعم راج مذهب الشيعة في عصرهم واستنشق رجالاته نسيم الحرية بعد أن تحملوا الظلم والاضطهاد طيلة حكم العباسيين خصوصاً في عهد المتوكّل ومن بعده ، غير أنّ تكوّن مذهب الشيعة في أيّامهم شيءٌ وكونهم مروّجين ومعاضدين له شيءٌ آخر ، ومن السذاجة بمكان الخلط بين الحالين وعدم التمييز بينهما .

1 . المنتظم: 16 / 108 .

صفحه 146
فرضيّات وهميّة لمبدأ التشيّع   

الفرضيّة السابعة :

الشيعة والصفويّون

والكلام عن هذه الأُسرة هو عين الكلام عن البويهيين .
إنّ الصفويين هم أُسرة الشيخ صفيّ الدين العارف المشهور في
أردبيل المتوفّى عام (735هـ ) . فعندما انقرضت دولة المغول ، انقسمت
البلاد التي كانت تحت نفوذهم إلى دويلات صغيرة شيعية وغير شيعية ، إلى
أن قام أحد أحفاد صفيّ الدين ، الشاه إسماعيل عام (905هـ ) بتسلّم مقاليد الحكم والسيطرة على بلاد فارس وإقامة حكومة خاصّة به استطاع أن يمدّ نفوذها ويبسط سلطتها ، واستمرّ في الحكم إلى عام (930هـ ) ، ثمّ ورثه أولاده إلى أن أُقصوا عن الحكم بسيطرة الأفاغنة على إيران عام (1135هـ )
فكان الصفويون خير الملوك ; لقلّة شرورهم وكثرة بركاتهم ، وقد راج العلم والأدب والفنون المعمارية أثناء حكمهم ، ولهم آثار خالدة إلى الآن في إيران والعراق ، ومن وقف على أحوالهم ووقف على تاريخ الشيعة يقف على أنّ عصرهم كان عصر ازدهار التشيّع لا تكوّنه ، وهو أمر لا مراء فيه ، ولا يقتنع به إلاّ السذّج والجهلاء .
نعم إنّ هذه الآراء الساقطة في تحليل تاريخ الشيعة ومبدأ تكوّنهم ، كلّها كانت أُموراً افتراضية بنوها على أساس خاطئ، وهو أنّ الشيعة ظاهرة

صفحه 147
طارئة على المجتمع الإسلامي بعد عهد النبيّ ، سامح الله الذين لم يتعمّدوا التزييف وغفر الله لنا ولهم .

زلّة لا تستقال :

إنّ الدكتور عبد الله فياض زعم أنّ التشيّع بمعنى الموالاة لعليّ(عليه السلام) نضج في مراحل ثلاث :
1 ـ التشيّع الروحي ، يقول : إنّ التشيّع لعليّ بمعناه الروحي زرعت بذرته في عهد النبيّ وتمّت قبل تولّيه الخلافة . ثمّ ساق الأدلّة على ذلك وجاء بأحاديث يوم الدار أو بدء الدعوة وأحاديث الغدير وما قال النبيّ في حقّ عليّ من التسليم على عليّ بإمرة المؤمنين .
2 ـ التشيّع السياسي ، ويريد من التشيّع السياسي : كون عليّ أحق بالإمامة لا   لأجل النص بل لأجل مناقبه وفضائله ، ويقول : إنّ التشيّع السياسي ظهرت بوادره ـ دون الالتزام بقضية الاعتراف بإمامته الدينية (يريد النصّ) ـ في سقيفة بني ساعدة ، حين أسند حقّ عليّ بالخلافة عدد من المسلمين أمثال الزبير والعبّاس وغيرهما ، وبلغ التشيّع السياسي أقصى مداه حين بويع عليّ بالخلافة بعد مقتل عثمان .
3 ـ ظهوره بصورة فرقة ، فإنّما كان ذلك بعد فاجعة كربلاء سنة (61هـ ) ولم يظهر التشيّع قبل ذلك بصورة فرقة دينية تعرف بالشيعة . ثمّ استشهد بكلام المقدسي حيث قال : إنّ أصل مذاهب المسلمين كلّها منشعبة من أربع :

صفحه 148
الشيعة ، والخوارج ، والمرجئة ، والمعتزلة . وأصل افتراقهم قتل عثمان ، ثمّ تشعّبوا.(1)
وأيّد نظريته بما ذكره المستشرق «فلهوزن» من قوله : تمكّن الشيعة أوّلا في العراق ولم يكونوا في الأصل فرقة دينية ، بل تعبيراً عن الرأي السياسي في هذا الإقليم كلّه ، فكان جميع سكان العراق خصوصاً أهل الكوفة شيعة عليّ على تفاوت بينهم.(2)
وهذا التصوّر المذكور يمكن تثبيت جملة من الملاحظات عليه :
أوّلا : انّ التفكيك بين المرحلتين الأوليين ، وإنّ الأُولى منهما كانت في عصر النبيّ ، وظهرت بوادر المرحلة الثانية بعد رحلة النبيّ ، قد نقضه نفس الكاتب في كلامه حيث قال : كان روّاد التشيّع الروحي يلتزمون بآراء عليّ الفقهية إلى جانب الالتزام بإسناده سياسياً.(3)
وثانياً : إنّ ما ذكره من النصوص في مجال التشيّع الروحي كما يدلّ
على أنّ عليّاً هو القائد الروحي، فإنّه يدلّ بوضوح على أنّه القائد السياسي،
وقد نقل الكاتب جلّ النصوص الواردة في هذا المبنى، فمعنى التفكيك
بينهما هوأنّ الصحابة الواعين أخذوا ببعض مضامينها وتركوا بعضها ، ولو
صحّ إسناد ذلك إلى بعض الصحابة فلا يصح إسناده إلى سلمان ، وأبي

1 . أحسن التقاسيم : 38 .
2 . تاريخ الإمامية : 38 ـ 47 .
3 . تاريخ الإمامية : 45 .

صفحه 149
ذر ، وعمّـار ، الذين لا يتركون الحق وإن بلغ الأمر ما بلغ .
وبما أنّ النبيّ كان هو القائد المحنَّك للمسلمين ، فإنّه لم تكن هناك
حاجة لظهور التشيّع السياسي في حياته ، بل كان المجال واسعاً لظهور
التشيّع الروحي ورجوع الناس إلى عليّ في القضايا والأحكام الفقهية ،
وهذا لا يعني عدم كونه قائداً سياسياً وإنّ وصايا النبيّ لم تكن هادفة إلى
ذلك الجانب .
وثالثاً : إنّ التشيّع السياسي ظهر في أيّام السقيفة في ظل الاعتراف بإمامته الروحية; فإنّ الطبري وغيره وإن لم يذكروا مصدر رجوع الزبير والعباس إلى عليّ ، ولكن هناك نصوص عن طرق الشيعة وردت في احتجاج جماعة من الصحابة على أبي بكر مستندين إلى النصوص الدينية .
فقد روى الصدوق عن زيد بن وهب أنّه قال : كان الذين أنكروا على أبي بكر تقدّمه على عليّ بن أبي طالب اثني عشر رجلا من المهاجرين والأنصار ; فمن المهاجرين : خالد بن سعيد بن العاص ، والمقداد بن الأسود ، وأُبيّ بن كعب ، وعمّـار بن ياسر ، وأبو ذر الغفاري ، وسلمان الفارسي ، وعبد الله بن مسعود ، وبريدة الأسلمي .
ومن الأنصار : زيد بن ثابت ، وذو الشهادتين ، وابن حنيف ، وأبو أيّوب الأنصاري ، وأبو الهيثم بن التيهان .
وبعدما صعد أبو بكر على المنبر قال خالد بن سعيد : يا أبا بكر اتقّ

صفحه 150
الله . . . ثمّ استدل على تقدم عليّ بما ذكره النبيّ فقال : «معاشر المهاجرين والأنصار ، أُوصيكم بوصيّة فاحفظوها ، وانّي مؤدّ إليكم أمراً فاقبلوه : ألا إنّ
علياً أميركم من بعدي وخليفتي فيكم»
ـ إلى آخر ما ذكره ـ ثمّ قام أبو ذر وقال :
يا معاشر المهاجرين والأنصار . . . طرحتم قول نبيّكم وتناسيتم ما أوعز إليكم .
ثمّ ذكر مناشدة كل منهم مستندين في احتجاجهم على أبي بكر بالأحاديث
التي سمعوها من النبيّ الأكرم.(1) وهذا يعرب عن أنّ التشيّع السياسي ـ
الذي كان ظرف ظهوره حسب طبع الحال بعد الرحلة ـ كان مستفاداً من
نصوص النبيّ(صلى الله عليه وآله) .
رابعاً : ماذا يريد من الفرقة وأنّ الشيعة تكوّنت بصورة فرقة بعد مقتل الإمام الحسين؟ فهل يريد الفرقة الكلامية التي تبتني على آراء في العقائد تخالف فيها الفرق الأُخرى؟ فهذا الأمر لم يعلم له أيّ وجود يذكر إلى أواسط العقد الثالث من الهجرة ، ولم تكن يومذاك أيّة مسألة كلامية مطروحة حتّى تأخذ شيعة عليّ بجانب والآخرون بجانب آخر ، بل كان المسلمون متسالمين في العقائد والأحكام حسب ما بلغ إليهم من الرسول ، ولم يكن آنذاك أيّ اختلاف عقائدي إلاّ في مسألة القيادة ، فالفرقة بهذا المعنى لم تكن موجودة في أوساط المسلمين .
وإن أراد من الفرقة الجماعة المتبنّية ولاية عليّ روحيّاً وسياسياً وأنّه

1 . الخصال : 461 ، لاحظ المناشدة إلى آخرها ترى فيها دلائل كافية لإثبات الخلافة للإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) .

صفحه 151
أحقّ بالقيادة على جميع الموازين ، فإنّها كانت موجودة في يوم
السقيفة وبعدها .
نعم إنّ توسّع الرقعة الجغرافية للدولة الإسلامية وما رافق ذلك من احتكاك مباشر بكثير من الفرق والجماعات صاحبة الأفكار العقائدية المختلفة ، وتأثّر بعض الفرق الإسلامية ومفكّريها بجملة من تلك الآراء والتصوّرات ، ساعد بشكل كبير في إيجاد مدارس كلامية متعدّدة في كيان المجتمع الإسلامي ، ولمّا كان الشيعة أشد تمسّكاً بحديث الثقلين المشهور ، فقد رجعوا إلى أئمّة أهل البيت فصاروا فرقة كلامية متشعّبة الأفنان ، ضاربة جذورها في الكتاب والسنّة والعقل .
وهكذا فلا مرية من القول بخطأ كلّ الافتراضات السابقة وعدم
حجّيتها في محاولة تثبيت كون التشيّع ظاهرة طارئة على الإسلام ، وإنّما
هو نفس الإسلام في إطار ثبوت القيادة لعليّ بعد رحلة النبيّ بتنصيصه ،
وتبنّاه منذ بعثة النبيّ الأكرم جملة من الصحابة والتابعين وامتدّ ذلك
حسب الأجيال والقرون ، بل وظهر بفضل التمسّك بالثقلين علماء
مجاهدون ، وشعراء مجاهرون ، وعباقرة في الحديث ، والفقه ،
والتفسير ، والفلسفة ، والكلام ، واللغة ، والأدب ، وشاركوا جميع المسلمين
في بناء الحضارة الإسلامية بجوانبها المختلفة ، يتّفقون مع جميع الفرق
في أكثر الأُصول والفروع وإن اختلفوا معهم في بعضها كاختلاف بعض
الفرق مع بعضها الآخر . وسيوافيك تفصيل عقائدهم في مبحث خاصّ
بإذن الله .

صفحه 152
كما يظهر لك أيضاً وهن ما ذهب إليه الدكتور عبد العزيز الدوري من أنّ التشيّع باعتباره عقيدة روحية ظهر في عصر النبيّ وباعتباره حزباً سياسياً قد حدث بعد قتل عليّ.(1)

1 . لاحظ الصلة بين التصوّف والتشيّع : 18 .

صفحه 153
صيغة الحكومة عند أهل السنّة   

الفصل السابع:

صيغة الحكومة عند أهل السنّة

قد تعرّفت على صيغة الحكومة عند الشيعة، وحان البحث عن صيغتها لدى أهل السنّة، وأنّهم يختلفون عن الشيعة في شكل الحكومة بعد رسول اللّه، في أمرين:
الأوّل: فيما يتعلّق بجوهرها وصلبها وأساسها، فانّ الخلافة عند الشيعة إمرة إلهية، واستمرار لوظائف النبوّة كلّها، سوى تلقّي الوحي الإلهي، والامام نفس الرسول في الصلاحيات والوظائف غير أنّه ليس بنبيّ ، لأنّ النبوّة أُوصدت وختمت بالرسول... فلا نبي ولا رسول بعده، ولكن الوظائف كلّها مستمرّة، فلأجل ذلك يجب أن يكون الإمام قائماً بوظائفه(صلى الله عليه وآله وسلم)المعنوية والمادية والعلمية والاجتماعية، ويسد الفراغات الحاصلة بوفاته، وقد عرفت قسماً منها، وكان الإمام علي وعترته الطاهرة على هذا الوصف فكانوا خلفاءً إلهيّين عيّنهم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، لكن لم تسمح الظروف للقيام بجميع وظائفهم إلاّ لعلي بعد حرمانه من حقّه سنين متمادية، فلمّا استتبّت له الأُمور قام بنفس وظائف النبىّ، من غير فرق بين الاجتماعية منها والعلمية، وسد الفراغات الهائلة.
ولكن الخلافة عند أهل السنّة رئاسة دينية لتنظيم أُمور الأُمّة من

صفحه 154
تدبير الجيوش، وسد الثغور، وردع الظالم، والأخذ للمظلوم، وقسمة الفيء بين المسلمين، وقيادتهم في حجّهم وغزوهم.(1)
ولأجل اختصاص وظائف الإمام بهذه الأُمور السياسية لا تشترط فيه العصمة، ولا الإحاطة بالشرع أُصوله وفروعه، بل يكفي فيه المقدرة لتدبير الأُمور، وقطع كيد الأعداء، وتسهيل الحياة للأُمّة فعلى ذلك، فلا تتجاوز وظائفه عن الوظائف المخوّلة للحكومات الحاضرة، غير أنّه يجب أن يكون مؤمناً باللّه ورسوله وقائماً بالوظائف الفردية، ولا يعزل عن مقامه بالخروج عن الطاعة واقتراف المعصية حسب ما ذكروه في محلّه.(2)
وهذا الاختلاف بين الفريقين يرجع إلى تفسير جوهر الإمامة وحقيقتها، ويتفرّع على ذلك خلاف آخر، وهذا هو الّذي نذكره في الأمر التالي .
الثاني: انّ الإمام عند الشيعة يعيّن من جانب اللّه سبحانه ويبلّغ بواسطة الرسول، وأمّا الإمام عند أهل السنّة، فقد فوّض أمر انتخابه إلى الأُمّة على وجه الإجمال ولم تذكر خصوصياته على وجه التفصيل، والّذي يظهر من مجموع كلامهم، انّ الإمامة تنعقد عن طريق الشورى، واختيار أهل الحل والعقد أوّلا، وبتعيين الإمام السابق ثانياً، وبالغلبة ثالثاً.(3)
قال الماوردي: الإمامة تنعقد بوجهين:
أحدهما: باختيار أهل الحل والعقد .

1 . قد لخّص الماوردي مسؤوليات الإمام في عشرة، لاحظ الأحكام السلطانية: 15 ـ 16 .
2 . التمهيد للباقلاني : 181 .
3 . الأحكام السلطانية: 6 و شرح مقاصد الطالبيين في علم أُصول عقائد الدين: 272 .

صفحه 155
والثاني: بعهد الإمام من قبل.(1)
وقال العضدي: إنّها تثبت بالنص من الرسول، وفي الإمام السابق بالإجماع، وتثبت ببيعة أهل العقد والحل.(2)
ثمّ إنّهم اختلفوا في عدد من تنعقد بهم الإمامة على مذاهب شتّى، فقالت طائفة: لا تنعقد الإمامة إلاّ بجمهور أهل العقد والحل من كل بلد، ليكون الرضا به عامّاً.
وقالت طائفة: أقلّ ما تنعقد به منهم خمسة، بشهادة أنّ بيعة أبي بكر انعقدت بخمسة وهم: عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة الجرّاح، واسيد بن حضير، وبشر بن سعد، وسالم مولى أبي حذيفة .
وقال آخرون: تنعقد بثلاثة، يتولاّها أحدهم برضا الاثنين، ليكونوا حاكماً وشاهدين، كما يصحّ عقد النكاح بولي وشاهدين .
وقالت طائفة أُخرى: تنعقد بواحد، لأنّ العباس قال لعلي: امدد يدك أُبايعك، فيقول الناس عم رسول اللّه بايع ابن عمّه فلا يختلف عليك اثنان، ولأنّه حكم وحكم الواحد نافذ.(3)
إنّ هذا الاختلاف الهائل فيما تنعقد به الإمامة، ناجم عن القول بأنّ أمر الخلافة مفوّض إلى الأُمّة مع عدم النص على أصل التفويض ولا على خصوصياته. وهذا من عجيب الأمر، حيث إنّ النبىّ يفوّض ذلك الأمر الحيوي

1 . الأحكام السلطانية: 4 .
2 . شرح المواقف: 3 / 265 .
3 . الأحكام السلطانية: 4 .

صفحه 156
إلى الأُمّة، ولا يتكلّم بأصل التفويض ولا خصوصياته، فيترك الأُمّة في حيرة.
وقد وقف على ذلك، الكاتب المصري الخضري، قال: لم يرد في الكتاب أمر صريح بشكل انتخاب خليفة لرسول اللّه، اللّهمّ إلاّ تلك الأوامر العامة
الّتي تتأول الخلافة وغيرها، مثل وصف المسلمين بقوله تعالى: (وَأمْرُهُمْ
شورى بَينَهُمْ
)(1) .
وكذلك لم يرد في السنّة بيان نظام لانتخاب الخليفة، إلاّ بعض نصائح تبعد عن الاختلاف والتفرّق، كأنَّ الشريعة أرادت أن تكل هذا الأمر للمسلمين حتّى يحلّوه بأنفسهم، ولو لم يكن الأمر كذلك لمهّدت قواعده وأُوضحت سبله، كما أُوضحت سبل الصلاة والصيام.(2)
إنّ ما ذكره الخضري لا يسمن ولا يغني من جوع، لأنّ الحكومة بعد النبي الأكرم كانت من عظائم الأُمور، فلا يخطر ببال أحد أن يكتفي الرسول بجميع تفاصيلها وخصوصياتها الّتي لم تمارسها الأُمّة ولا ذاقتها طوال حياته بآية الشورى، وهذا أشبه بالاكتفاء في إقامة الصلاة بالمجملات الواردة في نص الكتاب.
«كيف يخطر ببال أحد أن يهمل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) القيادة السياسية للدولة الإسلامية الّتي أسّسها، وثبّت عناصرها، ومرتكزاتها، فلم يضع قاعدة معيّنة للخلافة كما زعموا، مع العلم بأنّ القيادة بالنسبة للدولة كالرأس من الجسد، وكالقلب من سائر الأعضاء والجوارح. أيهمل القيادة والرئاسة للدولة، ولا يتكلّم

1 . الشورى : 38 .
2 . محاضرات في تاريخ الأُمم الإسلامية: 2 / 161 .

صفحه 157
عنها بنفي أو إثبات؟ أيهملها ويتركها نهباً لأصحاب المطامع، والمطامح، والأهواء، ولشهوات أصحاب القوّة والفساد في الأرض؟ فتعود بذلك بعد موته، الجاهلية، وعبادة الطواغيت، بعد أن عانى وأصحابه ما عانوا من متاعب، ومشقّات، وما قدّموه من تضحيات غالية وعزيزة للخلاص من أوبائها وتحرير العباد من فحشائها؟ أيتركها لتكون سبباً لإراقة الدماء وإزهاق الأرواح؟ وهو المرسل رحمة لا نقمة للعالمين، ونوراً وهدىً للحائرين والضالّين .
حاشاه حاشاه لقد وضع لأُمّته وبوحي من ربّه العليم الخبير كل قواعد وأُسس الحياة الإنسانية بمجالاتها الواسعة، ولم يهمل حتّى آداب الأكل والشرب ولبس النعال وحتّى آداب التبوّل والتبرّز، ووضّح لأُمّته معالم الحياة الرفعية الراقية وفي مقدّمتها الحياة السياسية، ورأسها المفكر وقلبها النابض، هو القيادة المعروفة في لغة القرآن والسنّة باسم ـ الإمامة و الخلافة - والملك والسلطان - وبذلك نزلت البشرى من عالم الغيب والشهادة بإكمال الدين، وإتمام النعمة، والرضى بالإسلام قال تعالى: (اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ و أتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً)(1)». (2)
لو كانت صيغة الحكومة قائمة على أساس الشورى، وكانت هي طريقاً لتعيين الحاكم، كان من الضروري أن يقوم النبي بتوعية الأُمّة، وإيقافها بصورة واسعة على حدود الشورى وتفاصيلها وخطوطها العريضة، حتّى لاتتحيّر الأُمّة ولا تختلف في أمرها، ولكنّا رغم هذه الأهمية القصوى، لا نجد لهذه التوعية الضرورية أي أثر في الكتاب والسنّة في مجال انتخاب الحاكم. أجل إنّ مقتضى

1 . المائدة: 3 .
2 . الزيدية نظرية وتطبيق : 102 ـ 103 .

صفحه 158
كون الدين الإسلامي ديناً خاتماً هو التعرّض لصلب الموضوع مُوكِلا شكله إلى نظر الأُمّة، حتّى يتماشى مع جميع العصور. ولا نعني من هذا أنّه يجب على الشارع إعطاء كل التفاصيل والخصوصيات الراجعة إلى الشورى، غير أنّ هناك أُموراً ترجع إلى جوهر الشورى وصميمها، فلا يصحّ للشارع أن يترك بيانها، إذاً هناك أسئلة تطرح نفسها في المقام لا يمكن الوقوف على أجوبتها، إلاّ عن طريق الشرع، وهي:
1- من هم المشاركون في الشورى، فهل العلماء وحدهم، أو السياسيون وحدهم، أو الضبّاط والعساكر وحدهم، أو المختلط منهم؟
2- من هم الذين يختارون أهل الشورى؟
3- لو اختلف أهل الشورى في شخص أو أمر، ما هو الملاك لتقديم رأي على آخر؟ إلى غير ذلك من الأسئلة المطروحة الّتي ترتبط بنظام الشورى المجمل، ولا يستطيع أحد أن يجيب عنها إلاّ رجماً بالغيب .
ثم إنّ القوم ربّما يعبّرون عن صيغة الحكومة باتّفاق أهل الحل والعقد، وهذه الكلمة أشد غموضاً من السابقة، إذ لا يعرف الإنسان من هم أهل الحل والعقد، وماذا يُحلِّون وماذا يعقِدون؟ أهم أصحاب الفقه والرأي الذين يرجع إليهم الناس فيما ينوبهم من حوادث؟ وهل هناك درجة معيّنة من الفقه والعلم إذا بلغها الإنسان صار من أهل الحل والعقد؟ ما هي تلك الدرجة؟ وبأي ميزان توزن؟ ولأجل هذه الإبهامات حول نظام الشورى أوّلا، وأهل الحل والعقد ثانياً، تنبّه بعض دكاترة العصر إلى وهن هذه النظرية .
قال الدكتور طه حسين: لو كان للمسلمين هذا النظام المكتوب ـ أي

صفحه 159
نظام الشورى ـ لعرف المسلمون في أيام عثمان ما يأتون من ذلك، وما يدعون، دون أن تكون بينهم فرقة أو اختلاف .
وقال الخطيب: إنّ كلمة أهل العقد والحل لأغمض غموضاً من كلمة الأفراد المسؤولين.(1)
كل ذلك يعرب عن أنّ مسألة نظام الشورى انّما اخترعها المتقمّصون للخلافة في أيام الأمويين .

آيتان حول الشورى:

إنّ القائلين بكون صيغة الحكم بعد رحلة الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) هو الشورى، استدلّوا بأمرين:
1- الآيتان الواردتان حول الشورى .
2- انّ خلافة الخلفاء تمّت بالشورى .
ونحن نبحث عن كلا الموضوعين بوجه موجز، ونحيل التفصيل إلى الموسوعات الكلامية، وإليك الآية الأُولى وتحليلها:
1- (فَبِما رَحْمَة مِنَ اللّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ واستَغْفِرْ لَهُمْ وشاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إنَّ اللّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ).(2)
إنّ الاستدلال بها سببه الغفلة عن موردها ومضمونها، فإنّ الخطاب فيها

1 . الخلافة والإمامة : 271 .
2 . آل عمران : 159 .

صفحه 160
موجّه إلى الحاكم الّذي فرضه سبحانه حاكماً على الأُمّة، فيأمره أن يشاور أفراد الأُمّة، فلا صلة للآية بالمدعى. فإنّ أقصى ما تفيده الآية هو أن لا يكون الحاكم الإسلامي الّذي تمّت سلطته، مستبدّاً في أعماله، وأمّا أنّ الإمام، يتعيّن عن طريق الشورى فالآية لا تدلّ عليه، والّذي يؤكّد ما قلناه إنّه يأمر النبىّ بعد المشاورة، بالتوكّل عند العزم، وأنّ له الرأي النهائي والأخير .
والحاصل: انّ الآية خطاب للحاكم الإسلامي وأنّ عليه المشورة أوّلا وأخذ التصميم النهائي ثانياً، وأمّا أنّ الحاكم الإسلامي يتعيّن من جانب الشورى، فالآية أجنبية عنه فانّ الخطاب في الآية للحاكم لا لغيره .
خلافة الخلفاء ومسالة الشورى   
وأمّا الآية الثانية: أعني قوله سبحانه في صفات المؤمنين: (وأمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ)(1) فهي تحثّ المؤمنين على المشورة في جميع الأُمور المرتبطة بهم، وأمّا أنّ أمر الخلافة والولاية، من الأُمور المرتبطة بهم فلا تظهر من الآية. والتمسّك بها في مثل هذا المقام المردّد بين كونه من أُمور المؤمنين أو ممّا يرجع إلى اللّه ونبيّه تمسّك بالعام عند الشبهة المصداقية.
وبعبارة أُخرى: انّ الإمامة لو كانت أمراً إلهيّاً، متوقّفاً على ولاية مفاضة من اللّه سبحانه إلى الولي يكون من الأُمور المربوطة باللّه ورسوله، وأمّا لو كانت إمرة عرفية وولاية شعبية تكون من الأُمور المتعلّقة بالمؤمنين، وفي مثله حيث الأمر مردّد لا يمكن التمسّك بالعموم وإثبات انّ الولاية من شؤون المؤمنين .
أضف إلى ذلك أنّه لو كان أساس الحكم في الإسلام هو الشورى لوجب

1 . الشورى : 38 .

صفحه 161
على الرسول الأكرم بيان تفاصيلها وخصوصياتها وخطوطها العريضة. على ما عرفت تفصيلا .
ولأجل عدم وجود أىّ إيضاح من قبل النبىّ حول النظام المذكور، التجأ الكاتب المصري إلى رفض أن يكون ذلك أساساً للحكم وانّما كانت تجربة من المسلمين بعد رحلة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) .
يقول الخطيب : «ينظر بعضهم إليه على أنّه (أي تعيين الإمام بالشورى) نواة صالحة لأوّل تجربة، وانّ الأيام كفيلة بأن تنميها وتستكمل ما يبدو فيها من نقص، فلم تكن الأحوال الّتي تمّت فيها هذه التجربة تسمح بأكثر ممّا حدث، إذ لم يكن من المستطاع ـ حينذاك الوقوف على رأي الأُمّة كلّها، فرداً فرداً ـ في من يخلف النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وينظر بعض آخر إلى هذا الاسلوب بأنّه أُسلوب بدائي عالج أهم مشكلة في الحياة، وقد كان لهذا الاسلوب أثر في تعطيل القوى المفكّرة للبحث عن اسلوب آخر من أساليب الحكم الّتي جربتها الأُمم».(1)
ومعنى ذلك أنّ الرسالة العالمية الخاتمة لجميع الرسالات قد أهملت هذا الجانب المصيري في حياة الأُمّة، وانّه اهتمّ بكلّ صغير وكبير سوى هذا الأمر الخطير الّذي به يناط بقاء الإسلام واستمراره. علماً أنّ الظروف كانت مساعدة لوصول ذلك ولا مانع يعترض الطريق .

خلافة الخلفاء ومسألة الشورى:

هذا كلّه حول الدليل الأوّل وأمّا الدليل الثاني، وهو انّ خلافة الخلفاء تمّت

1 . الخلافة والإمامة: 272 .

صفحه 162
عن هذا الطريق، فهو أوهن وأضعف من الأوّل، فمن قرأ تاريخ السقيفة وانتخاب الخلفاء الثلاثة يقف على أنّه لم يكن هناك أي مشورة ولا استشارة، وانّما تمّت خلافة الأوّل في جوّ إرهابي وفي محفل ساد فيه، السب والشتم والضرب، إلى غير ذلك من الأفعال الشنيعة الّتي لا تليق بمجلس كهذا .
كما أنّ خلافة الثاني تمّت بتنصيص من الخليفة الأوّل وانّه استبدّ بالأمر ولم يدع مجالا للأُمّة .
وأمّا خلافة الثالث فهي وإن كانت مصبوغة بصبغة الشورى، ولكن الخليفة هو الّذي عيّن أعضاء الشورى واستبدّ بالأمر وعيّن المرشحين للخلافة، بل كان ما قام به يؤدي إلى تعيّن الخليفة. ومثل ذلك لا ينطبق عليه شروط الشورى وانّما كان استبداداً في لباس الحرية .
وإن كنت في شك ممّا تلوناه عليك فلندرس تاريخ انتخاب الخلفاء عن كثب.

1- السقيفة وخلافة أبي بكر:

توفّي رسول اللّه وكان أبوبكر خارج المدينة فقام عمر بن الخطاب فقال: إنّ رجالا من المنافقين يزعمون أنّ رسول اللّه قد توفّي، وانّ رسول الله ما مات، ولكن ذهب إلى ربّه كما ذهب موسى بن عمران فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل أنّه قد مات فو اللّه ليرجعنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) كما رجع موسى وليقطعنّ أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) مات، فما زال عمر يتكلّم حتّى أزبد شدقاه. فقال العباس: إنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) يأسن كما يأسن البشر، وانّ رسول اللّه قد مات فادفنوا صاحبكم أيميت أحدكم إماتة

صفحه 163
ويُميته إماتتين؟! هو أكرم على اللّه من ذلك، فإن كان كما تقولون فليس على اللّه بعزيز أن يبحث عنه التراب فيخرجه إن شاء اللّه .
وما زال الجدال مستمرّاً بين عمر والعباس وشاركهم سائر المسلمين إلى أن نزل أبوبكر من السُّنح، فسمع مقالة عمر، فدخل البيت فكشف عن وجه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فقبّله وقال: بأبي أنت وأُمّي طبت حيّاً وميّتاً والّذي نفسي بيده لا يذيقك اللّه الموتتين أبداً(1). ثم خرج فقال: على رسْلِك يا عمر. فجلس عمر. فحمداللّه أبوبكر وأثنى عليه ثم قال: ألا من كان يعبد محمّداً فإنّ محمّداً قد مات، ومن كان يعبد اللّه فانّ اللّه حىّ لا يَمُوت وقال: (إنّكَ مَيِّتٌ وإنَّهُمْ مَيِّتُونَ)وقال: (وما مُحَمَّدٌ إلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبلِهِ الرُّسُلُ أفَإِنْ ماتَ أوْ قْتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً و سَيَجْزِي اللّهُ الشّاكرِينَ). فقال عمر: واللّه ما هو إلاّ أن سمعت أبابكر تلاها فدهشت. حتّى وقعت إلى الأرض، وعرفت أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قد مات.(2)

نقاش مع الخليفة:

هناك تساؤلات تطرح نفسها ولعلّه كان عند الخليفة أجوبة لها أو أنّ القارئ، يتفطّن للإجابة عنها وهي:
1- انّ موت النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن فُجائيّاً، بل كان بعد مرض ألمّ به عدّة أيام، فكانت القرائن والشواهد تدلّ على أنّه قد دنا فراقه للأُمّة، وقد صرّح

1 . أين الوهابيون من موقف الخليفة هذا، حيث أخذ يخاطب النبي وهو ميّت، ويقبّله ويتبرّك به، ويقول له: بأبي أنت وأُمّي .
2 . السيرة النبوية: 2 / 655; الطبقات الكبرى: 2 / 268 ـ 269 .

صفحه 164
بذلك لغير واحد من أصحابه، آخرها طلبه للقلم والدواة وكتابة الصحيفة والوصية للأُمّة حتّى لا تضلّ الأُمّة من بعده، وقد حال الخليفة الثاني بين النبي وأُمنيته وقال ما قال.(1)
وعندئذ فكيف أذعن بأنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ما مات وإنّما غاب كغيبة موسى، وقد أصرّ على ذلك حتّى أزبد شدقاه ولم يكن بين الصحابة من يدافع عن تلك العقيدة، سوى نفسه؟!
فهل كان الخليفة موقناً بذلك جدّاً، أو أنّه كان له في تبنّي هذه الفكرة (لساناً لا قلباً) هدف سياسيّ يخبّئ فيه مصالحه أو مصالح الأُمّة؟
2- هل كانت الغيبة سنّة رائجة بين جميع الأنبياء أو كانت من مختصّات بعض الأنبياء كالكليم ونحوه. ولو صحّ الثاني كما هو الحق فما هو الوجه في إلحاقه بالنادر؟
ماساة السقيفة   
3- نرى أنّ عم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) العباس، واجهه بما واجهه أبوبكر، وهو أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أكرم من أن يُميته سبحانه موتتين، مع أنّه لم يقتنع بكلامه، بل اقتنع بما ذكره أبوبكر!!
4- انّه كان مصرّاً على الغيبة مادام أبو بكر غائباً عن المدينة، فلمّا نزل من السُّنح وأدلى بمقاله سرعان ما تراجع عن موقفه، وأىّ سرّ كان في هذا الرجوع السريع عن فكرة كان يستميت في الدفاع عنها؟!
5- كيف يقتنع القارئ بأنّ الخليفة لم يكن ذاكراً قوله سبحانه: (إنَّك ميّت

1 . صحيح البخاري: 1 / 22 كتاب العلم، و ج 2 / 14 .

صفحه 165
وإنّهم ميّتون)، وقوله سبحانه: (وما محمّد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل)وغيرهما؟!
هذه الأسئلة لم نجد لها أجوبة شافية، ومن المحتمل جداً أن يكون
وراء الكواليس شيئاً ما. وأن تكون أُطروحة الغيبة مناورة سياسية، الغاية منها
منع المسلمين من اتّخاذ أىّ موقف في المسائل المصيرية للأُمّة حتّى
يجيء أبوبكر من السُّنح ويجتمعا على رأي واحد. ولأجل ذلك تنازل
عن موقفه بعد ما جاء أبوبكر من خارج البلد. فاتّخذوا موقفاً واحداً، تجاه المسائل المصيرية .

مأساة السقيفة:

كان علي بن أبي طالب وجمهور المهاجرين منهمكين فى تجهيز النبي فوقف الخليفتان على اجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعدة للتداول في مسألة الخلافة. فقال عمر لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار ما هم عليه فدخلا ومعهما بعض المهاجرين كأبي عبيدة بن الجراح وكان خطيب الأنصار ونقيبهم سعد بن عبادة يخطب ويحث الأنصار على الأخذ بمقاليد الخلافة بحجّة أنّهم آووا النبي الأكرم عندما أخرجه قومه. وضحّوا في سبيل دعوته بكل غال ورخيص .
فلمّا أتمّ كلامه ابتدأ أبوبكر بالبحث والكلام فاستند إلى أنّ اللائق بالخلافة هو قوم النبي وقبيلته بحجّة أنّهم أوسط العرب داراً وأحسنهم أحساباً،
ولم يكتف بذلك حتّى أخذ بيد عمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح ورشحهما للبيعة .

صفحه 166
ترى أنّ الطائفتين اتّخذوا في حل مشكلة الخلافة قواعد كانت سائدة في عصر الجاهلية، فالأنصارترى نفسها أحق بالخلافة لحمايتها النبي الأكرم وتقديم المأوى له، وأمّا هؤلاء الحاضرون من المهاجرين فاحتجّوا بمثل ما احتجّت به الأنصار وهو أنّ قريشاً أوسط داراً وأحسن نسباً .
ولم يكن هناك من يذكّرهم ويوقفهم على أنّ الإسلام عصف بهذه الأساليب من الاحتجاجات وحطّم أحكام الجاهلية(1) فلو كان هناك مشورة إسلامية كان عليهم أن يتفحّصوا عن أعلم القوم بالكتاب والسنّة وأكثرهم دراية بهما. وأسوسهم وأخشنهم في ذات الله وأسبقهم إلى الإيمان والإسلام. كما هوالوارد عن الكتاب والسنّة قال سبحانه: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكَاةَ وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَ للهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ)(2).
وقال النبي الأكرم لا تصلح الإمامة إلاّ لرجل فيه خصال ثلاث:
1- ورع يحجزه عن معاصي اللّه .
2- وحلم يملك به غضبه .
3- وحسن الولاية على من يلي حتّى يكون كالأب الرحيم.(3)
وقال الإمام علي (عليه السلام): «أيّها الناس إنّ أحق الناس بهذا الأمر أقواهم عليه، وأعلمهم بأمر اللّه فإن شغب شاغب استعتب فإن أبى قوتل».(4)

1 . لاحظ: في الوقوف على احتجاج الطائفتين: السيرة النبوية لابن هشام: 2 / 659، والطبقات الكبرى لابن سعد: 2 / 269، وتاريخ الطبري: 2 / 442 ـ 446 .
2 . الحج: 41 .
3 . الكافي : 1 / 407 .
4 . نهج البلاغة: قسم الخطب برقم 173 .

صفحه 167
وقال ـ صلوات اللّه عليه ـ أيضاً عندما قال قائل : «إنّك على هذا الأمر
يابن أبي طالب لحريص، فقلت: بل أنتم واللّه لأحرص وأبعد، وأنا
أخصّ وأقرب، وانّما طلبت حقاً لي وأنتم تحولون بيني وبينه وتضربون وجـهـي »  . (1)
وقال الإمام السبط الطاهر الحسين بن علي(عليهما السلام): «فما الإمام إلاّ الحاكم بالكتاب، الدائن بدين الحق، القائم بالقسط، الحابس نفسه على ذات اللّه».(2)
وأين هذه الملاكات والضوابط ممّا جاء في احتجاجات المهاجرين والأنصار، وكأنّهم لم يسمعوا قول اللّه سبحانه: (أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُون)(3) .
ما سمعت من الكلمات، كانت احتجاجاتهم وشعاراتهم في نادي السقيفة، وأمّا ما قاموا به من الأعمال المخزية أو ما صدر منهم من الضرب والسباب، فحدّث عنه ولا حرج. وبذلك تقف على أنّه لم تكن هنا أي مشورة، ولا تلاقح فكري وانّما كان أشبه بملعب يتسابق فيه الجميع لأخذ كرة الخلافة بأىّ طريق حصل، وإن كنت في شك منها فاستمع لما نتلوه عليك من المصادر الموثقة .
هذا الحباب بن المنذر الصحابي البدري الأنصاري قد انتضى سيفه على أبي بكر وكان داعياً إلى قيادة الأنصار وقال: «واللّه لا يرد عليَّ أحد ما أقول إلاّ حطّمت أنفه بالسيف، أنا جُذيلها المحكّك (أصل الشجرة) وعُذيقها المرجَّب

1 . نهج البلاغة: قسم الخطب برقم 172 .
2 . روضة الواعظين: 206 .
3 . الأنبياء : 105 .

صفحه 168
(النخلة المشتملة بالتمر) أنا أبو شبل في عرِّيسة الأسد، والله إن شئتم لنُعيدنَّها جَذعة.(1)
وهو بكلامه هذا يتهدّد كل من يحاول إخراج القيادة من الأنصار وإقرارها لغيرهم .
وها هو آخر (وهو سعد بن عبادة) يخالف مبايعة أبي بكر وينادي: «أنا أرميكم بكل سهم في كنانتي من نبل، وأخضب منكم سناني ورمحي، وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي وأُقاتلكم مع من معي من أهلي وعشيرتي».(2)
وها هو ثالث يتذمّر من تلك البيعة ويشب نار الحرب بقوله: «إنّي لأرى عجاجة لا يطفئها إلاّ الدم».(3)
وهذا هو سعد بن عبادة أمير الخزرج الّذي طلب أن تكون الخلافة في الأنصار يداس بالأقدام، وينزى عليه وينادى عليه بغضب: «اقتلوا سعداً قتله اللّه إنّه منافق أو صاحب فتنة»، وقد قام عمر على رأسه وهو يقول: لقد هممت أن أطأك حتّى تندر عضوك أو تندر عيونك.(4)
فإذا بقيس بن سعد يأخذ بلحية عمر ويقول: والله لو حصصت منه شعرة ما رجعت وفي فيك واضحة! أو: لو خفضت منه شعرة ما رجعت وفي فيك جارحة.(5)

1 . شرح ابن أبي الحديد: 2 / 38 ـ 39 .
2 . الغدير: 7 / 76 .
3 . الإمامة والسياسة: 1 / 11 ; تاريخ الطبري: 3 / 210 .
4 . مسند أحمد: 1 / 56 ; تاريخ الطبري: 3 / 210، وغيرهما .
5 . تاريخ الطبري: 3 / 210 ; السيرة الحلبية: 3 / 387 .

صفحه 169
وهذا نفس عمر بن الخطاب يصف تلك المشاجرة بقوله: كثر اللغط وارتفعت الأصوات حتّى تخوّفت الاختلاف، فقلت: ابسط يديك يا أبابكر، فبسط يده، فبايعته، ثم بايعه المهاجرون، ونزونا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة، فقلت: قتل اللّه سعد بن عبادة.(1)
إنّ الشورى الإسلامية حسب ما توحي كلمتها السامية، لا تنعقد إلاّ بدراسة الموضوع دراسة موضوعية واقعية، وأن تكون هناك حرّية في الرأي والنظر، ونزاهة في الكلام، ويقوم مندوب كل جماعة بإدلاء رأيه بدليل وبرهان، وربّما تتطلّب دراسة مثل ذلك الموضوع الحيوي عقد مجالس متعدّدة حتّى يصل من خلالها المسلمون إلى الأمثل فالأمثل في موضوع القيادة، وأمّا المجلس الّذي تسلّ فيه السيوف على المخالف، ويداس المقابل بالأقدام، فهذا أشبه، بميدان الحرب والقتال لا المفاهمة والمشاورة، بل أشبه...
هذا حال السقيفة وأمّا ما جرى بعد السقيفة فحدّث عنه ولا حرج، فقد خرج الخليفة من السقيفة مع من بايعوه، فلم يلاقوا أحداً في الطريق إلاّ وضعوا يده على يد الخليفة بيعة له .
ثمّ إنّ علياً وجماعة معه كانوا متخلّفين عن البيعة، ولمّا كان تخلّفه
ومن معه من أصحابه إخلالا بالبيعة، بعث أبوبكر عمر بن الخطاب إلى بيت
علي وفاطمة، ليتهدّدوا اللائذين به، الممتنعين عن مبايعته، وقال له: إن
أبوا فقاتلهم، وأتى عمر إلى بيت فاطمة وهو يقول: واللّه لنحرقنّ عليكم
أو لتخرجنّ إلى البيعة، فقالت فاطمة لمّا سمعت ذلك صائحة منادية: «يا أبت

1 . السيرة النبوية : 2 / 660 .

صفحه 170
يا رسول اللّه ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة».(1)
ثمّ بعد هنّ وهنات أُخرج الإمام من بيته، وقادوه إلى البيعة كما يقاد البعير المخشوش، وسيق سوقاً عنيفاً، وقالوا له: بايع، فيقول: «إن أنا لم أفعل فمه؟»
فيقال: واللّه الّذي لا إله إلاّ هو نضرب عنقك، فقال علي: «إذن تقتلون عبداللّه وأخا رسول اللّه».(2)
ولم يكن الضغط منحصراً في علي، بل لمّا سمع الزبير ما جرى في السقيفة سلّ سيفه وقال: لا أغمده حتّى يبايع علي، فيقول عمر: عليكم الكلب، فيؤخذ سيفه من يده، ويضرب به الحجر فيكسر.(3)
هذه صورة إجمالية وضعناها أمام القارئ ليقف على مدى صحّة الشورى الّتي بنيت عليها خلافة الخليفة الأوّل، ثمّ هو عقد الخلافة بنفسه لعمر من دون أي مشاورة للمسلمين(4) كما فوّض الثاني أمر الخلافة إلى ستّة وقد استبدّ في تعيينهم من دون مشورة، وليس هذا شيئاً ينكر أو يشك فيه(5) .
الخلفاء وتناسي الشورى   
وقد بلغت فضاحة الأمر في السقيفة إلى حدّ يصفه عمر بقوله: كانت بيعة أبي بكر فلتة كفلتة الجاهلية وقى اللّه المسلمين شرّها. أو قال: كانت بيعة أبي بكر فلتة فتمّت، وأنّها قد كانت كذلك إلاّ أنّ اللّه قد وقى شرّها، فمن بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين، فانّه لا بيعة له.(5)

1 . تاريخ الطبري: 3 / 210; الإمامة و السياسة : 1 / 13 .
2 . الإمامة والسياسة: 1 / 13 .
3 . تاريخ الطبري: 3 / 199; الإمامة والسياسة: 1 / 11 .
4 . سيأتي مصدره .            5 . سيأتي مصدره .
5 . السيرة النبوية: 2 / 658; تاريخ الطبري: 2 / 446 .

صفحه 171
 
الخلفاء وتناسي الشورى:
قد درسنا كيفية انعقاد الإمامة لأوّل الخلفاء هلمّ معي ندرس خلافة غيره، فسوف ترى أنّه لم يكن هناك أىّ مشورة ولا أىّ استفتاء شعبي، ولا أىّ ديمقراطية كما يدّعيها بعض الكتّاب المعاصرين .
روى المؤرّخون: انّه دعا أبوبكر عثمان بن عفان، فقال: اكتب عهدي، فكتب عثمان وأملى عليه: بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا ما عهد به أبوبكر بن أبي قحافة آخر عهده بالدنيا، نازحاً عنها، وأوّل عهده بالآخرة داخلا فيها، إنّي أستخلف عليكم عمر بن الخطاب...(1) .
والإنسان عندما يقرأ هذه الصفحة من التاريخ، يقف على قيمة ما ذكره الإمام، عندما رفعوا السيف على رأسه ليبايع أبابكر، فقال: «احلب يا عمر حلباً لك شطره، أُشدد له اليوم أمره، ليردّه عليك غداً، ألا واللّه لا أقبل قولك ولا أُبايع»(2) فواللّه، لقد تحقّق قول الإمام حيث ردّ عليه الأمر من بعد، كما عرفت .
وهذا عمر بن الخطّاب، فبعدما جرح ودنا أجله قال: سأستخلف النفر الذين توفّي رسول اللّه وهو عنهم راض، فأرسل إليهم فجمعهم وهم: علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفّان، وطلحة، والزبير بن العوّام، وسعد بن أبي وقّاص، وعبدالرحمن بن عوف، وكان طلحة غائباً .
فقال: يا معشر المهاجرين الأوّلين، إنّي نظرت في أمر الناس فلم أجد

1 . الإمامة والسياسة : 18; الكامل في التاريخ: 2 / 425 .
2 . الإمامة والسياسة: 23; الكامل: 3 / 35 .

صفحه 172
فيهم شقاقاً ولا نفاقاً فإن يكن بعدي شقاق ونفاق فهو فيكم، فتشاوروا ثلاثة أيّام، فإن جاءكم طلحة إلى ذلك وإلاّ فأعزم عليكم أن لا تتفرّقوا من اليوم الثالث حتّى تستخلفوا أحدكم.
ثم قال لصهيب: صلّ بالناس ثلاثة أيّام وأدخل هؤلاء الرهط بيتاً وقم على رؤوسهم، فإن اجتمع خمسة وأبى واحد فاشدخ رأسه بالسيف...وإن اتّفق أربعة وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما... فان رضى ثلاثة رجلاً منهم وثلاثة رجلاً منهم، فحكّموا عبداللّه بن عمر، فإن لم يرضوا بحكم عبداللّه بن عمر، فكونوا مع الذين فيهم عبدالرحمن بن عوف واقتلوا الباقين إن رغبوا عمّا اجتمع عليه الناس.(1)
فلما دفن عمر جمعهم أبو طلحة ووقف على باب البيت بالسيف في خمسين من الأنصار، حاملي سيوفهم ثم تكلّم القوم وتنازعوا، فأوّل ما عمل طلحة أنّه أشهدهم على نفسه أنّه قد وهب حقّه من الشورى لعثمان، وذلك لعلمه أنّ الناس لا يعدلون به عليّاً وعثمان، وانّ الخلافة لا تخلص له وهذان موجودان فأراد تقوية أمر عثمان وإضعاف جانب علي(عليه السلام) بهبة أمر لا انتفاع له به ولا تمكّن له منه.
ولمّا رأى الزبير أنّ علياً قد ضعف، وانخذل بهبة طلحة حقّه لعثمان، دخلته حميّة النسب فوهب حقّه من الشورى لعلي. لأنّه ابن عمّته. وهي صفية بنت عبدالمطلب وأبو طالب خاله .
وقال سعد بن أبي وقاص: أنا قد وهبت حقّي من الشورى لابن عمي

1 . تاريخ الطبري: 3 / 294 .

صفحه 173
عبدالرحمن، وذلك لأنّهما من بني زهرة ولعلمه أنّ الأمر لا يتم له .
فلمّا لم يبق إلاّ الثلاثة. علي وعثمان وعبدالرحمن ولكل واحد صوتان وبما أنّ عمر بن الخطاب قال في وصيته لأبي طلحة الأنصاري: بأنّه إذا تساوت الآراء فرجّح الفئة الّتي فيها عبدالرحمن بن عوف. ومن المعلوم أنّ عبدالرحمن ما كان يميل إلى علي ويترك نفسه أو صهره عثمان، ولأجل ذلك قام بلعبة أُخرى يريد بها حرمان علي.
فقال عبدالرحمن لعلي وعثمان: أيّكما يخرج نفسه من الخلافة ويكون إليه الاختيار في الاثنين الباقيين؟ فلم يتكلّم منهما أحد، فقال عبدالرحمن: أُشهدكم انّني قد أخرجت نفسي من الخلافة على أن أختار أحدكما، فأمسكا، فبدأ بعلي(عليه السلام) وقال له: أُبايُعك على كتاب اللّه وسنّة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)وسيرة الشيخين: أبي بكر وعمر، فقال: بل على كتاب اللّه وسنّة رسوله واجتهاد رأيي، فعدل عنه إلى عثمان فعرض عليه ذلك، فقال: نعم، فعاد إلى علي(عليه السلام) فأعاد قوله، فعل ذلك عبدالرحمن ثلاثاً، فلمّا رأى أنّ علياً غير راجع عمّا قاله وأنّ عثمان يَنْعم له بالإجابة، صفق على يد عثمان، وقال: السلام عليك يا أميرالمؤمنين، فيقال: إنّ عليّاً(عليه السلام) قال له: واللّه ما فعلتها إلاّ لأنّك رجوت منه ما رجاه صاحبكما من صاحبه، دقَّ اللّه بينكما عطر «منشم» .
قيل: ففسد بعد ذلك بين عثمان وعبدالرحمن، فلم يكلّم أحدهما صاحبه حتّى مات عبدالرحمن.(1)

1 . شرح ابن أبي الحديد: 1 / 188، الطبري: التاريخ 3، الجزري: الكامل 3 و «منشم» اسم امرأة عطّارة بمكة وكانت خزاعة وجرهم إذا أرادوا القتال تطيّبوا بطيبها، وكانوا إذا فعلوا ذلك كثرت القتلى، فكان يقال: أشأم من عطر منشم. لاحظ الصحاح للجوهري .

صفحه 174
شورى سداسية أو لعبة سياسية؟   
 
شورى سداسية أو لعبة سياسية؟:
إذا ألقيت نظرة على كيفية تشكيل الشورى وأعضائها أدركت أنّها كانت لعبة سياسية وكان الهدف منها تسليم الخلافة إلى عثمان ولكن بصبغة شرعية وقانونية. إذ لم تكن الظروف تسمح بتنصيبه أو الإيصاء به صريحاً. فدقَّ الخليفة باب الشورى حتّى يسدّ به أفواه المعترضين بالقدر الميسور. وكانت الغاية واضحة لدى المطّلعين على خبايا الأُمور. منهم أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) حيث قال لعمّه العباس: «عُدل بالأمر عنّي يا عم» قال: وما عيبك؟! قال: «قرن بي عثمان، وقال عمر: كونوا مع الأكثر فإن رضي رجلان رجلا، ورجلان رجلا، فكونوا مع الذين فيهم عبدالرحمن بن عوف، فسعد لا يخالف ابن عمه (عبدالرحمن بن عوف) وعبدالرحمن صهر عثمان لا يختلفان».(1)
وقال ابن عباس: الرجل يريد أن يكون الأمر في عثمان.(2)
وقد نال الخليفة بغيته من خلال الأُمور التالية:
1- إنّ الشخصيات المشاركة في الشورى فرضت من جانب الخليفة،
وقد احتكر ذلك الحقّ لنفسه وسلبه عن الأُمّة ـ ولو كان الانتخاب بيد الأُمّة ربّما كان المصير على خلاف ما أراده .فأدخل في الشورى رجالا يسيرون على الخط الّذي رسمه الخليفة في نفسه .
وبرّر الخليفة حصر أعضاء الشورى فيهم بأنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مات وهو راض

1 . شرح النهج: 1 / 191 .
2 . شرح النهج: 1 / 189 .

صفحه 175
عنهم، وهو تبرير تافه، فانّ النبي مات وهو راض عن غير هؤلاء أيضاً ولقد أثنى على عدّة من أصحابه، كأبي ذر الغفاري وعمّار بن ياسر وجابر بن عبداللّه الأنصاري، وأبي أيوب مضيّفه(صلى الله عليه وآله وسلم) وغيرهم، بيد أنّ هؤلاء لمّا كانوا لا يحقّقون مطامع الخليفة أعرض عنهم وأدلى بأسماء هؤلاء الذين يتجاوبون مع ما يريد .
2- انتخب رجالا لعضوية الشورى كانوا مختلفي النزعة والهوى ولكن الجامع بين أغلبهم هو الانحراف عن علي(عليه السلام) وإضمار العداء له. فعند ذلك أصبح إقصاء علىّ أمراً محتوماً إن لم نقل انّ تعيين عثمان أضحى أمراً مفروضاً، وذلك لأنّ طلحة بن عبيداللّه كان معروفاً بعدائه لعلي وانحرافه عنه. فلأجل ذلك وهب حقّه لعثمان تضعيفاً لجانب علي .
إنّ سعد بن أبي وقاص كان ابن عم عبدالرحمن بن عوف وكلاهما من بني زهرة، فلا يميل إلى علي وفي الشورى واحد من عشيرته .
وعبدالرحمن بن عوف كان صهر عثمان. لأنّ أُمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط كانت زوجته وهي أُخت عثمان من أُمّه .
على هذا كانت القرائن تشهد على أنّ الخليفة كان يضمر حرمان علي من الخلافة. ولم يكن في الشورى منافس لعلي سوى عثمان، فطبيعة الحال كان يوحي بأنّ عثمان هو الّذي سيأخذ بمقاليد الحكم، إذ لم يكن لسائر الأعضاء الأربعة مكانة اجتماعية مثل علي وعثمان، بل لم يكن لهم إربة في الخلافة وإنّما أطمعهم فيها الخليفة للتوصّل إلى مأربه .
3- انّه لمّا كان من المحتمل أن تتساوى الأصوات بين علي وعثمان جعل الرجحان والتقديم للفئة الّتي فيها عبدالرحمن بن عوف، فكأنّه جعل

صفحه 176
صوته صوتين. وأمّا عبدالرحمن بن عوف (وهو ذلك الرجل الثري الذي ترك كمية هائلة من الذهب والفضة وقد كُسرت بالفؤوس عند تقسيمها) فهل يترك عثمان ويميل إلى علي وانّ الطيور على أشكالها تقع؟!
وبالتالي لم يفسد الخليفة على علي في هذه الواقعة فحسب، بل أفسده على علي بعد رحيل عثمان، حيث إنّ إدخال هؤلاء في الشورى أطمعهم في الخلافة وجعلهم يعتقدون في أنفسهم بأنّهم مؤهّلين لها، وأنّهم أعدال علي وأقرانه. ولأجل ذلك قاموا في وجه الإمام علي يدّعون الخلافة لأنفسهم تحت غطاء أخذ الثار لعثمان .
إنّ الامام أميرالمؤمنين(عليه السلام) قد أفصح بما يكنّه ضميره حول وصية الشورى، فقال في بعض خطبه:
«فياللّه وللشورى، متى اعترض الريب فيّ مع الأوّل منهم حتّى صرت أُقرن إلى هذه النظائر! لكنّي أسففت إذ أسفّوا، وطرت إذ طاروا; فصغا رجل منهم لضغنه، ومال الآخر لصهره مع هن وهن».(1)
إجابة عن سؤال حول معنى الشورى في رسالة الإمام علي (عليه السلام)إلى معاوية   
هذا كلام علي في أواخر أيامه، فقد اعترض هو أيضاً في أيام الشورى وكذلك فعل أصحابه، فروى الطبري أنّ عبدالرحمن قال: أيّها الناس أشيروا علىّ في هذين الرجلين؟ فقال عمّار بن ياسر: إن أردت أن لا يختلف الناس فبايع علياً; فقال المقداد: صدق عمّار، وإن بايعت علياً سمعنا وأطعنا.
فقال عبداللّه بن أبي سرح: إن أردت أن لا تختلف قريش فبايع عثمان; وقال عبداللّه بن أبي ربيعة المخزومي: صدق، إن بايعت عثمان سمعنا وأطعنا.

1 . نهج البلاغة: قسم الخطب ، الخطبة 3 .

صفحه 177
فشتم عمّارُ ابنَ أبي سرح وقال له: متى كنت تنصح الإسلام؟!
فتكلّم بنو هاشم وبنو أُميّة وقام عمّار وقال: أيّها الناس إنّ اللّه أكرمكم بنبيّه وأعزّكم بدينه، فإلى متى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيّكم؟!
فقال رجل من بني مخزوم: لقد عدوت طورك يابن سمية وما أنت وتأمير قريش لأنفسها.
فقال سعد: يا عبدالرحمن أفرغ من أمرك قبل أن يفتتن الناس، فحينئذ عرض عبدالرحمن على علي(عليه السلام) العمل بسيرة الشيخين .
فقال: «بل أجتهد برأيي» فبايع عثمان بعد أن عرض عليه فقال: نعم، فقال علي(عليه السلام): «ليس هذا بأوّل يوم تظاهرتم فيه علينا، فصبر جميل واللّه المستعان على ما تصفون، واللّه ما ولّيته الأمر إلاّ ليردّه إليك واللّه كل يوم في شأن».(1)
وبهذا تبيّن أنّ الشورى كانت نظرية بدون تطبيق، وكانت اسماً بلا مسمّى.

إجابة عن سؤال:

إذا لم تكن الشورى مبدأ للحكم في الإسلام ، فماذا يعني الإمام علي من قوله في رسالته إلى معاوية حيث يقول: «إنّه بايعني القوم الذين بايعوا أبابكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يردّ، إنّما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسمّوه إماماً كان ذلك للّه رضاً».(2)

1 . شرح النهج: 1 / 193 ـ 194 .
2 . الإمامة والسياسة: 23; ونهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 45 .

صفحه 178
نقول: إنّ ابن أبي الحديد أوّل من احتجّ بهذه الخطبة، على أنّ نظام الحكومة بعد وفاة النبىّ هو نظام الشورى، وتبعه البعض غفلة عن حقيقة المراد، وذلك لأنّ ملاحظة اسلوب الكلام، وما صدَّر به الإمام رسالته، أعني قوله: «إنّه بايعني الذين بايعوا أبابكر وعمر وعثمان» تدلّ بوضوح على أنّ الإمام كان في مقام الاحتجاج بمسلَّم الخصم ـ أعني: معاوية ـ على قاعدة: «ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم»، فإنّه خرج عن طاعة الإمام مع اعتناقه إمامة من تقدّم، فالإمام يحتجّ عليه بأنّه بايعني الذين بايعوا الثلاثة فما وجه البغي علىّ والطاعة لهم؟! ولو لم يكن في مقام الجدل وإفحام الخصم، لما كان لذكر خلافة الخلفاء في صدر الرسالة وجه، مع أنّ للإمام كلمات في تخطئة الشورى الّتي تمّت بها، أو بادّعائها خلافة الخلفاء، ومن تصفّح «نهج البلاغة» يقف عليها .
والعجب أنّ أحداً من المهاجرين والأنصار لم يستند في مأساة السقيفة، إلى نظام الشورى، بل استند كل من اللفيفين بأُمور لا تمت إلى هذا الأصل، فادّعى أبوبكر أنّ المهاجرين من أقوام النبىّ وعشيرته، واحتجّ الأنصار بأنّهم هم الذين آووا الرسول، وضحّوا بأنفسهم ونفائسهم لحراسته وحفظه، فانظر ماذا ترى! قاتل اللّه الأنانية، وحيّا اللّه الحقيقة وحماتها.

صفحه 179
نصوص الخلافة والركون إلى الامر الواقع    

الفصل الثامن:

نصوص الخلافة والركون إلى الأمر الواقع

دلّت نصوص الخلافة الماضية، بوضوح على أنّ الإمام علياً كان هو الخليفة الشرعي والقائم بالأمر بعد الرسول، وانّه كان من واجب المسلمين الرجوع إليه فيما يمت إلى حياتهم السياسية والاجتماعية والدينية، غير أنّ رجالا بعد النبىّ تناسوا النصّ بعد تلبية النبىّ نداء ربّه، وانثالوا على أبي بكر، وبعده على عمر وعثمان، إلى أن عاد الحق إلى نصابه، ودار الأمر على مداره. وهناك سؤال يطرحه كلّ من يؤمن بتواتر النصوص ووضوح دلالتها، لما يشاهد المعارضة بينها وبين الأمر الواقع في السقيفة وما بعدها، وانثيال كثير من المهاجرين والأنصار إلى غير علي، فيقع في حيرة وتعجّب!! فيقول: لو كانت النصوص النبويّة على هذا المستوى، فلماذا أعرض عنها المسلمون؟ ولماذا لم يطلب الإمام حقّه الشرعي؟ ولماذا رضي بالأمر الواقع، ولم ينبس فيه ببنت شفة؟ وهذا هو الّذي نجيب عنه في المقام، فنقول:
إنّ المهم هو بيان السرّ الّذي دفع الإمام إلى ترك المطالبة بحقّه بالقوة والعنف، وأمّا إعراض المهاجرين والأنصار، أو في الحقيقة ـ إعراض الرؤوس منهم عن النص، وانثيال غيرهم إليهم، فليس هذا أمراً عجيباً، فقد أعرضوا

صفحه 180
عن كثير من النصوص، واجتهدوا اتجاهها كما تقدّم البحث عن موارده ـ . وإليك تشريح ما هو المهم:
إنّ الامام لم يسكت طول حياته عن بيان حقّه وإرشاد الناس إليه، بل أظهر عدم رضاه بالأمر الواقع وأنّه تعبير آخر عن غصب حقّه، يقف عليه كلّ من قرأ مأساة السقيفة في كتب التاريخ، فلا يفوتنّك قراءة طبقات ابن سعد، وتاريخ الطبري، والسيرة النبوّية لابن هشام، ولا العقد الفريد، ولا الإمامة والسياسة لابن قتيبة، فكلّها مفعمة بشكوى الإمام وعدم قبوله بالأمر الواقع، غير أنّ التكليف حسب القدرة، ـ وبعدها ـ في ظلّ المصالح العامّة، فلم يكن للإمام قدرة على المطالبة بحقّه، وعلى فرض وجودها كانت المصلحة تكمن يومذاك في إدلاء الأمر إلى متقمّصيها وعدم المطالبة بها بالقهر والقوّة، وإليك ما يدل على ذينك الأمرين من خلال دراسة التاريخ :
1- هذا ابن قتيبة يسرد تاريخ السقيفة، وما فيه من مآسي، يقول: إنّ علياً كرّم اللّه وجهه أُتي به إلى أبي بكر وهو يقول: «أنا عبداللّه وأخو رسول اللّه» فقيل له: بايع، فقال: «أنا أحقّ بهذا الأمر منكم، وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار، واحتججتم عليهم بالقرابة من النبىّ، وتأخذوه منّا أهل البيت غصبا! ألستم زعمتم للأنصار أنّكم أولى بهذا الأمر منهم لما كان محمد فيكم فسلّموا إليكم الإمارة، فإذن أحتجُّ عليكم بمثل ما احتججتم على الأنصار. نحن أولى برسول اللّه حيّاً وميتاً، فأنصفوا إن كنتم تؤمنون، وإلاّ فبوؤا بالظلم وأنتم تعلمون». فقال له عمر: إنّك لست متروكاً حتّى تبايع، فقال له علي: «احلب حلباً لك شطره، وشُدَّ له اليوم، يردده عليك غداً ـ ثمّ قال: ـ واللّه يا عمر لا أقبل قولك ولا أُبايعه» فقال أبوبكر: فإن لم تبايع فلا أُكرهك، فقال أبو عبيدة بن الجرّاح

صفحه 181
لعلي كرم اللّه وجهه: ياابن عم إنّك حديث السن وهؤلاء مشيخة قومك، ليس
لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأُمور، ولا أرى أبابكر إلاّ أقوى على هذا الأمر منك وأشدّ احتمالا واستطلاعا، فسلِّم لأبي بكر فإنّك إن تعش ويطل لك بقاء، فأنت لهذا الأمر خليق وحقيق في فضلك ودينك وعلمك وفهمك وسابقتك ونسبك وصهرك. فقال علي كرم اللّه وجهه: «اللّه اللّه يا معشر المهاجرين لا تُخرجوا سلطان محمّد في العرب من داره، وقعر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم، وتدفعون أهله عن مقامه في الناس، وحقّه، فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أحقّ الناس به لأنّا أهل البيت، ونحن أحقّ بهذا الأمر منكم، ما كان فينا القارئ لكتاب اللّه، الفقيه في دين اللّه، العالم بسنن رسول اللّه، المتطّلع لأمر الرعيّة، الدافع عنهم الأُمور السيّئة، القاسم بينهم بالسويّة، واللّه إنّه لفينا فلا تتّبعوا الهوى فتضلّوا عن سبيل اللّه فتزدادوا من الحقّ بعدا».(1)
فأىّ بيان أروع من هذا البيان، وأىّ بلاغ أصرح منه، فقد فنَّد خلافة المتقمّص ببيان فقده مؤهّلاتها وهي الأُمور التالية: «1- ما كان فينا القارئ لكتاب اللّه، 2- الفقيه في دين اللّه، 3- العالم بسنن رسول اللّه، 4- المتطلّع لأمر الرعيّة، 5- الدافع عنهم الأُمور السيّئة، 6- القاسم بينهم بالسويّة» ومعنى ذلك انّ المتقمّص ومؤيديه فاقدون لهذه الصلاحيات .
2- لمّا انتهت إلى أميرالمؤمنين أنباء السقيفة قال(عليه السلام): «ما قالت الأنصار؟» قالوا: قالت منّا أمير ومنكم أمير، فقال: «فهلاّ احتججتم عليهم بأنّ رسول اللّه وصّى بأن يُحسن إلى محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم؟» قالوا: وما في هذا من

1 . الإمامة والسياسة: 1 / 11 ـ 12 .

صفحه 182
الحجّة عليهم؟! فقال(عليه السلام): «لو كانت الإمامة فيهم، لم تكن الوصيّة بهم ـ ثم قال: ـ فماذا قالت قريش؟» قالوا: احتجّت بأنّها شجرة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال(عليه السلام): «احتجّوا بالشجرة وأضاعوا الثمرّة».(1)
وروى الرضي في المقام شعراً للإمام:
فإن كنت بالشورى ملكت أُمورهم *** فكيف بهذا والمشيرون غيّب
وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم *** فغيرك أولى بالنبي وأقرب(2)
3- الإمام لم يكتف بهذه الجمل في بادئ الأمر، بل استمرّ على بيان الحق بأساليب مختلفة منها إحتجاجه بحديث الغدير في يوم الشورى سنة 23، قال عمرو بن واثلة: كنت على الباب يوم الشورى وعلي(عليه السلام) في البيت، فسمعته يقول: «لأحتجنَّ عليكم بما لا يستطيع عربيّكم ولا أعجميّكم تغيير ذلك - ثمّ قال: ـ أُنشدكم اللّه، أفيكم من وحّد اللّه قبلي؟» قالوا: لا... ـ إلى أن قال: ـ «فأُنشدكم باللّه، هل فيكم أحد قال له رسول اللّه: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره، ليبلّغ الشاهد الغائب غيري؟» قالوا: اللّهمّ لا.(3)
4- كما ناشد يوم الرحبة سنة 35، روى الأصبغ قال: نشد علي الناس في

1 . نهج البلاغة: الخطبة 67 .
2 . نهج البلاغة: قسم الحكم، برقم 190 .
3 . الصواعق المحرقة: 75 ; المناقب للخوارزمي: 135 برقم 152 .

صفحه 183
الرحبة: «من سمع النبي يوم غدير خم ما قال، إلاّ قام، ولا يقوم إلاّ من سمع
رسول اللّه» يقول: فقام بضعة عشر رجلا، فيهم: أبو أيّوب الأنصاري، وسهل بن حنيف، وخزيمة بن ثابت، وعبداللّه بن ثابت الأنصاري... فقالوا: نشهد أنّا سمعنا رسول اللّه يقول: «ألا من كنت مولاه فعلي مولاه اللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه، وأحبّ من أحبّه، وابغض من أبغضه، وأعن من أعانه».(1)
ولم تكن المناشدة، منحصرة بهذين الموردين، بل ناشد الإمام في غير واحد من المواقف الأُخرى كما ناشدت زوجته الصدّيقة الطاهرة بحديث الغدير، وبعده الحسنان السبطان، وعبداللّه بن جعفر وعمّار بن ياسر، حتّى ناشد به عدوّه عمرو بن العاص عند احتجاجه على معاوية.(2)
وهذه شواهد باهرة على عدم سكوته ولا رضاه بالأمر الواقع، بل استمرّ على هذا إلى أُخريات حياته، ويتّضح هذا بالرجوع إلى خطبته المعروفة الشقشقية الّتي ألقاها في آخر خلافته .
وأمّا عدم القيام بأخذ الحقّ بالقوة، فلأجل أنّ القيام فرع القدرة، ولم يكن يومذاك أىّ منعة وقدرة للإمام، ويكفي في ذلك كلامه في خطبته الأخيرة: «فسدلت دونها ثوباً، وطويت عنها كشحاً، وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذّاء، أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتّى يلقى ربّه».(3)

1 . أُسد الغابة: 3 / 307 و 5 / 205.
2 . راجع للوقوف على هذه المناشدات كتاب الغدير: 1 / 159 ـ 213 .
3 . نهج البلاغة: الخطبة 3 .

صفحه 184
ولو افترضنا وجود القدرة، لكن مصالح الإسلام كانت تكمن في المسالمة وإدلاء الأمر إليهم، يشير إليه الإمام تارة بالكناية وأُخرى بالتصريح، أمّا الأوّل فيقول: «أيّها الناس شقّوا أمواج الفتن بسفن النجاة، وعرِّجوا عن طريق المنافرة، وضعوا تيجان المفاخرة، أفلح من نهض بجناح، أو استسلم فأراح. هذا
ماء آجن، ولقمة يغصّ بها آكلها، ومجتني الثمرة لغير وقت إيناعها كالزارع
بغير أرضه .
فإن أقل، يقولوا: حرص على الملك، وإن أسكت، يقولوا: جزع من الموت، هيهات بعد اللّتيَّا والّتي واللّه لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أُمّه، بل اندمجت على مكنون علم لو بُحْتُ به، لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوىِّ البعيدة».(1)
وقد خطب بها الإمام لمّا قبض رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وخاطبه العباس
وأبو سفيان بن حرب في أن يبايعا له بالخلافة. وذلك بعد أن تمّت البيعة لأبي بكر في السقيفة، فيشير الإمام إلى ما لديه من العلم المكنون، وهو إشارة إلى الوصيّة الّتي خصّ بها(عليه السلام) وأنّه كان من جملتها الأمر بترك النزاع في مبدأ الاختلاف عليه.(2)
وقد أوضح ما ذكره مجملا في هذه الخطبة الّتي ألقاها بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)بخطبته الّتي ألقاها بعد رجوع الناس إليه وصرّح بأنّ لمسالمته الخلفاء لأجل أخطار كانت تحدق بالمسلمين بعد موت النبىّ، فقال(عليه السلام): «إنّ اللّه

1 . نهج البلاغة: الخطبة 5 .
2 . شرح نهج البلاغة: 1 / 215 .

صفحه 185
سبحانه بعث محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم)نذيراً للعالمين، ومهيمناً على المرسلين، فلمّا مضى(عليه السلام)، تنازع المسلمون الأمر من بعده، فواللّه ما كان يلقى في روعي، ولا يخطر ببالي، أنّ العرب تزعج هذا الأمر من بعده(صلى الله عليه وآله وسلم) عن أهل بيته، ولا أنّهم مُنحّوه عنّي من بعده! فما راعني إلاّ انثيال الناس على فلان يبايعونه، فأمسكت يدي حتّى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام، يدعون إلى محق دين محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً، تكون المصيبة به علىّ أعظم من فوت ولايتكم الّتي إنّما هي متاع أيّام قلائل، يزول منها ما كان، كما يزول السراب، أو كما يتقشّع السحاب، فنهضت في تلك الأحداث حتّى زاح الباطل وزهق، واطمأن الدين وتنهنه».(1)
ورواه أبـو الحسـن علـي بن محمّد المدائني عن عبداللّه بن جنادة،
قال: قدمت من الحجاز أُريد العراق في أوّل إمارة علي(عليه السلام)، فمررت
بمكّة فاعتمرت، ثم قدمت المدينة فدخلت مسجد رسول اللّه، إذ نودي:
الصلاة جامعة; فاجتمع الناس وخرج علي(عليه السلام)متقلّداً سيفه، فشخصت الأبصار نحوه، فحمداللّه وصلّى على رسوله، ثم قال: أمّا بعد، فلمّا قبض اللّه نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم)قلنا: نحن أهله وورثته، وعترته، وأولياؤه دون الناس، لا ينازعنا سلطانه أحد، ولا يطمع في حقّنا طامع، إذ انبرى لنا قومنا، فغصبونا سلطان نبينا، فصارت الإمرة لغيرنا ـ إلى أن قال: ـ وأيم اللّه، لولا مخافة الفرقة بين المسلمين، وأن
يعود الكفر ويبور الدين، لكنّا على غير ما كنّا لهم عليه، فوليَ الأمر ولاة لم يألوا الناس خيراً».(2)

1 . نهج البلاغة: قسم الكتب برقم 62 .
2 . شرح نهج البلاغة: 1 / 307، والكلمتان متقاربتان .

صفحه 186
كان الإمام(عليه السلام) يرى أنّ الدعوة إلى نفسه تؤدّي إلى تعرّض الإسلام إلى الأخطار المهلكة .
روى الزبير بن بكار، قال: روى محمد بن إسحاق أنّ أبابكر لمّا بويع افتخرت تيم بن مرة، قال: وكان عامة المهاجرين وجلّ الأنصار لا يشكون انّ عليّاً هو صاحب الأمر بعد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)وقال بعض بني هاشم شعراً مدح فيه الإمام وعاب المتقمّصين وقال:
ما كنت أحسِب أنّ الأمر منصرف *** عن هاشم ثمّ منها عن أبي حسن
أليس أوّل من صلّى لقبلتكم *** وأعلم الناس بالقرآن والسنن؟
وأقرب الناس عهداً بالنبىّ ومَن *** جبريل عون له في الغسل والكفن
ما فيه ما فيهم لا يمترون به *** وليس في القوم ما فيه من الحسن
ماذا الّذي ردّهم عنه فنعلمه؟ *** ها إنّ ذا غبننا من أعظم الغبن!
قال الزبير: فبعث إليه علي فنهاه، أمراً لا يعود وقال: لسلامة الدين أحبُّ إلينا من غيره .
تسنّم الإمام مقاليد الحكم بعد ربع قرن   
فهذه الكلم والخطب عن عليٍّ تعرب عن إخلاصه للدين وحبّه لحفظ الوئام والسلام بين المسلمين، وانّه لولا خوف محق الدين لما ترك الأمر إلى الغير، ولقام بالسلاح والكراع على أخذ حقّه .
«ولولا مراعاة علىّ للأوضاع والظروف الّتي أحاطت بالإسلام في تلك الفترة من تاريخه، لحدثت تطوّرات في تاريخ الإسلام لانستطيع أن نقدّر مدى أثرها السيّئ على جهود الرسول والوصي والمخلصين من الصحابة،

صفحه 187
ولكنّه أدرك ذلك، وأحصى ما سيجرّه تصلّبه في موقفه من الغنائم على المرتدّين والمنافقين الذين أضمروا الدمار للإسلام».(1)
كان الإمام ينظر إلى أنّ طوائف من العرب على عتبة الارتداد عن الإسلام، وانّ بين المسلمين في المدينة طابوراً خامساً يتحيّن الفرص للقضاء على الإسلام وإحياء الجاهلية، فلم ير بدّاً من التسليم للأمر الواقع ومماشاة الخلفاء، ورفع مشاكل المسلمين في المسائل المستجدّة والمستعصية والإجابة على أسئلة الوافدين إلى المدينة، وتعليم القرآن للفيف من المهاجرين والأنصار وأبنائهم، والإدلاء بالرأي الحق عند المشاورة، إلى غير ذلك من الأُمور الّتي استغرقت قرابة خمس وعشرين سنة من حياته، إلى عام 35 الّذي قتل فيه عثمان بمرأى ومسمع من المهاجرين والأنصار. وقد أحدث في الإسلام أُموراً أدَّت إلى الفتك به، وكان الخليفة الثاني متنبّئاً به، فقال له: لئن وليتها (الخلافة) لتحملنّ بني أبي معيط على رقاب الناس، فحمل بني أبيه على رقابهم، يخضمون مال اللّه خضم الإبل نبتة الربيع، فأدّى ذلك وغيره إلى قتله في عقر داره .

تسنّم الإمام مقاليد الحكم بعد ربع قرن:

كان الإمام قرابة ربع قرن جليس بيته، يشتغل ببعض الأُمور لما فيه صلاح الإسلام والمسلمين، إلى أن قُتِل عثمان و انثال الناس على الإمام من كل جانب هاتفين: لا يصلح للخلافة إلاّ علي. فقال لهم: «دعوني والتمسوا غيري» .
روى الطبري نقلا عن محمّد بن الحنفية: كنت مع أبي، حين قتل عثمان

1 . الشيعة بين الأشاعرة والمعتزلة: 28 .

صفحه 188
فدخل منزله، فأتاه أصحاب رسول اللّه، فقالوا: إنّ هذا الرجل قد قتل، ولابدّ للناس من إمام، ولا نجد اليوم أحداً أحقّ بهذا الأمر منك، ولا أقدم سابقة، ولا أقرب من رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: «لا تفعلوا فانّي أكون وزيراً خير من أن أكون أميرا» فقالوا: واللّه ما نحن فاعلين حتّى نبايعك، فقال: «ففي المسجد، فإنّ بيعتي لا تكون خفياً، ولا تكون إلاّ عن رضا المسلمين»، قال سالم بن أبي الجعد: فقال عبداللّه بن عباس: فلقد كرهت أن يأتي المسجد مخافة أن يشغب عليه، وأبى هو إلاّ المسجد. فلمّا دخل، دخل المهاجرون والأنصار، فبايعوه، ثم بايعه الناس.(1)
وفي رواية أُخرى: غشى الناس عليّاً، فقالوا: نبايعك، فقدترى ما نزل بالإسلام وما ابتلينا به من ذوي القربى، فقال علي: «دعوني والتمسوا غيري، فإنّا مستقبلون أمراً له وجوه، وله ألوان، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول» فقالوا: ننشدك اللّه، ألا ترى ما نرى، ألا ترى الإسلام ، ألا ترى الفتنة، ألا تخاف اللّه، فقال: «قد أجبتكم لما أرى، واعلموا إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، وإن تركتموني، فانّما أنا كأحدكم، إلاّ أنّي أسمعكم وأطوعكم لمن ولّيتموه أمركم».(2)
هذا ما يذكره الطبري، وأمّا الامام فهو يصف كيفية هجوم الناس على بيته لمبايعته فيقول: «فتداكّوا علىَّ، تداكّ الإبل الهيم يوم وِرْدِها، وقد أرسلها راعيها، وخُلعت مثانيها، حتّى ظننت أنّهم قاتلي، أو بعضهم قاتل بعض لديَّ».(3)

1 . تاريخ الطبري: 3 / 450 .
2 . تاريخ الطبري: 3 / 456 .
3 . نهج البلاغة: الخطبة 54، تداكوا: ازدحموا، والهيم: العطاش، يوم وردها: يوم شربها، والمثاني: الحبال.

صفحه 189
وفي خطبة أُخرى: «فما راعني إلاّ والناس كعرف الضبع إِلىَّ، ينثالون علىّ من كل جانب حتّى لقد وطئ الحسنان، وشقّ عطفاي، مجتمعين حولي كربيضة الغنم».(1)
ولم تشهد ساحة الخلافة احتشاداً جماهيرياً إلى يومنا هذا، مثلما شهدته في ذلك الزمان، فقد اتّفق المهاجرون والأنصار، والتابعون لهم بإحسان على المبايعة، ولم يتخلّف إلاّ قليل من الناس لا يتجاوز عدد الأنامل. وقد جاء الطبري بأسمائهم يقول: بايعت الأنصار علياً إلاّ نفراً يسيراً، منهم: حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، ومسلمة بن مخلد، وأبو سعيد الخدري، ومحمّد بن مسلمة، والنعمان بن بشير، وزيد بن ثابت، ورافع بن خُديج، وفضالة بن عبيد، وكعب بن عجرة وكانوا عثمانية. فقال رجل لعبداللّه بن حسن: كيف أبى هؤلاء بيعة علي وكانوا عثمانية، فقال: أمّا حسّان، فكان شاعراً لايبالي ما يصنع، وأمّا زيد بن ثابت فولاّه عثمان الديوان وبيت المال، فلمّا حصر عثمان قال: يا معشر الأنصار، كونوا أنصار اللّه - مرتين ـ فقال أبو أيوب: ما تنصره إلاّ إنّه كثر لك من العضدان(2)، فأمّا كعب بن مالك فاستعمله على صدقة «مُزِينة» وترك ما أخذ منهم له.(3)
قام الإمام بواجبه، وهمَّ بالإصلاح، وحوله حُسّاد حاقدون، وأعداء يترقّبون الفرص، وعمّال للخليفة يسألونه البقاء على مناصبهم، فعند ذلك حاقت به الأزمات والشدائد، وهو يصف ذلك بقوله: «فلمّا نهضت بالأمر نكثت طائفة،

1 . نهج البلاغة: الخطبة 3، عُرْف الضبع: ما كثر على عنقها من الشعر، يضرب به المثل في الكثرة، ينثالون: يتتابعون، شقّ عطفاي: خدش جانباه من الاصطكاك .
2 . العضاد: كل ما يحيط بالعضد من حلي وغيرها .
3 . تاريخ الطبري: 3 / 452 .

صفحه 190
ومرقت أُخرى، وقسط آخرون، كأنّهم لم يسمعوا كلام اللّه سبحانه يقول: (تِلْكَ
الدَّارُ الآخِرَةُ نَجعَلُها لِلَّذِينَ لا يُريدُونَ عُلُوّاً فِي الأرْضِ وَ لا فَسَاداً وَ العَاقِبَةُ لِلمُتَّقِينَ
)(1) بلى! واللّه لقد سمعوها ووعوها، ولكنّهم حَلِيَتْ الدنيا في أعينهم، وراقهم زِبْرجها. أما و الّذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، لولا حضور الحاضر، وقيام الحجّة بوجود الناصر، وما أخذ اللّه على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة(2) ظالم، ولا سغب(3) مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أوّلها، ولألفيتم دنيا كم هذه أزهد عندي من عفطة عَنْز»(4) .
فقد أشار الإمام بكلامه هذا إلى حروبه الثلاثة مع طوائف ثلاث، فالناكثون هم أصحاب الجمل، الذين لم يجدوا عند الإمام إلاّ الحقّ، فطلبوا منه من المناصب ما كان فوق شأنهم وأمانتهم فاجتمعوا في مكّة تحت غطاء المطالبة بدم عثمان مع أنّهم هم المحرّضون على قتله، وموَّلهم جماعة من بني أُميّة، ولم يكتفوا بذلك، وإنّما غرّوا وحرّضوا أُمّ المؤمنين عائشة، وأركبوها على الجمل يقطعون بها الفيافي والقفار، حتّى نزلوا البصرة، فقتلوا من شيعة علي ومحبّيه ما استطاعوا. فلمّا لاقوا عليّاً بجيوشهم أبوا إلاّ الحرب، فدارت الدوائر على الناكثين، فقتل رؤوس الفتنة، وأُرسلت أُمّ المؤمنين إلى المدينة بتكريم واحترام.
ولكن لم يقف الأمر على هذا الحد، فقام ابن آكلة الأكباد، الطليق ابن الطليق الّذي خَذَلَ عثمان، ولم ينصره، ثم انتحل دمه وطلب ثأره، فجمع حوله

1 . القصص : 83 .
2 . الكظّة: البِطْنَة (ما يعتري الآكل عند امتلائه بالطعام) والمراد: استئثار الظالم بالحقوق .
3 . السغب: شدة الجوع .
4 . نهج البلاغة: الخطبة 3 .

صفحه 191
الهمج والرعاع، وتحالف مع عمرو بن العاص الّذي عزله عثمان عن ولاية مصر، فألّب عليه كل راع رآه في البادية، وساومه معاوية على ولاية مصر، فقابلهم الإمام في أرض صفين، وقد كادت الحرب تنتهي لصالح الحق والمسلمين لولا أنّهم رفعوا المصاحف على الرماح، وانطلت الحيلة على عسكر الإمام، وقالوا له: أجب القوم، فحذّرهم الإمام بأنّه مكر وخداع، والقوم ليسوا أهل قرآن وسنّة، فطلب منهم المهلة فما أجابوه، بل هدّدوا بإراقة دمه وقتاله إن لم يُوقف الحرب، ولم يسترجع قائده من ساحة القتال، حتّى أنّ الأشتر قائد القوات طلب منهم المهلة ولو بقدر فواق ناقة أو عدوة فرس، فما وافقوه، فاضطرّ الإمام إلى إيقاف الحرب، وإدلاء الأمر إلى الحكمين بشرط أن لا يخرجوا عن حكم الكتاب والسنّة، وكانت نهاية الأمر، عزل مندوب الإمام (أبو موسى الأشعري) خليفة المسلمين، ونصب عمرو بن العاص معاوية للخلافة، كل ذلك بمكر وخداع واحتيال على أبي موسى، فقام الحكمان ومن حولهما يشتتمان ويتسابّان .
ثمّ أُولئك الذين فرضوا قبول التحكيم على علي، ندموا على ذلك، وطفقوا يطالبونه بنقض الميثاق قبل حكم الحكمين، فخرجوا عن طاعة علي، وعن جيشه، فنزلوا حروراء ولم يرجعوا إلى الطاعة حتّى بعد ما دعاهم الإمام لإعادة الحرب على معاوية، لما ظهر لهم كون قول حكم الحكمين على خلاف الكتاب والسنّة، بل أصبحوا يطالبون عليّاً أن يتوب من كفره، كما هم تابوا من كفرهم، لأجل تحكيمه الرجال في أمر الدين، ولم يكتفوا بذلك، فصاروا كقطّاع الطريق يقتلون البريء، ويسفكون الدماء، فأوجدوا دهشة ورعباً في قلوب المسلمين، فلم يجد الإمام بدّاً من قتالهم، وإن كان قتالهم أمراً عظيماً، لأنّهم كانوا أصحاب الجباه السود، يصومون النهار ويقومون الليل، وفي الوقت نفسه

صفحه 192
هم المارقون، المعاندون للّه ورسوله، وفي حقّهم يقول الإمام:
«إنّي فقأت عين الفتنة، ولم يكن ليجترئ عليها أحد غيري، بعد أن ماج غيهبها(1)، واشتدّ كلبها(2)»(3) .
هذه حياة الإمام على وجه الإجمال، حياة من ولد في الكعبة ولم يسجد لصنم ورافق النبىّ منذ صباه في موطنه ومهجره، ولم يتخلّف عنه في غزوة من غزواته إلاّ غزوة تبوك، حيث خلّفه في المدينة لإدارة شؤونها في غيابه .
ومع الأزمات الّتي خلّفها عثمان وعمّاله، وسوّدوا بها وجه التاريخ، وقطعوا عرى الوحدة بين الخلافة والناس «استطاع أن يجعل من نظامه السياسي المثل الكامل للنظام السياسي للدولة الّتي أسّسها ورفع كيانها رسول اللّه، وأن يجعل من أعماله وأقواله في السلم والحرب، التجسيد الكامل للشريعة الإسلامية وأن يجعل من سلوكه وأخلاقه الصورة الكاملة لأخلاق الرسول وسلوكه، وبذلك ربط كل مسيرة عهده بمسيرة العهد النبوي الشريف، وثبّت للإسلام دعائمه، وأعاد إلى النفوس المؤمنة أمنها ويقينها بالرسالة الإسلامية الخالدة».(4)
إغارة معاوية على البلاد الامنة   
قام الإمام بالخلافة، وتقلّدها بعد مقتل عثمان، وقد ترك ولاة يمتصّون دماء الناس، ولم يكن الإمام ممّن يساوم ويداهن ويترك الحق جانباً، وأوّل ما قام

1 . الغيهب: الظلمة، وموجها: شمولها وامتدادها .
2 . الكلب ـ محركة ـ داء معروف يصيب الكلاب، فكل من عظه أُصيب به فجنّ ومات إن لم يبادر بالدواء .
3 . نهج البلاغة: الخطبة 93 .
4 . الزيدية نظرية وتطبيق: 19 .

صفحه 193
به، هو أنّه أزال الظلم عن الناس بإزالة العمّال والولاة الظالمين، الذين اكتنزوا الذهب والفضّة، وملكوا العقارات والمواشي، فعند ذلك قامت قيامة هؤلاء فهم بين ناكث، وقاسط، وضمّ إليهم أعداء يترقّبون الفرص للوثوب، والانتقام، لأنّه قتل آباءهم واستأصل شأفتهم في الحروب والغزوات، كلّ ذلك صار سبباً لانشغال الإمام بالحروب الداخلية. ولو كان الامام آخذاً مقاليد الخلافة بعد الرسول، بل حتّى بعد خلافة الشيخين لما وجد الانحراف عن الدين وتعاليمه في الحياة مجالا، ولكنّه ـ ياللأسف ـ أخذ بها والمجتمع مثقّل بالأزمات والانحرافات .

إغارة معاوية على البلاد الآمنة:

هذا ابن أبي سفيان، لمّا رأى أنّ الأمصار الإسلامية ما عدا الشام في طاعة الإمام، جمع حوله الأشقياء والبغاة، يغيرون على البلاد الآمنة، وينشرون الفوضى والفساد واحداً بعد واحد .
1- فأرسل سفيان بن عوف الغامدي، وقال: إنّي موجّهك في
جيش كثيف، ذي أداة وجلادة فالزم لي جانب الفرات، حتّى تمر
بهيت(1) فتقطعها، فإن وجدت بها جنداً فأغر عليها، وامض، حتّى تغير
على الأنبار فإن لم تجد بها جنداً، فامض حتّى توغل المدائن، فكأنّك
غرت على الكوفة، إنّ هذه الغارة يا سفيان على أهل العراق ترعب قلوبهم، وتفرح كلّ من له فينا هوى منهم، وتدعو إلينا كلّ من خاف الدوائر، فاقتل من لقيته ممّن ليس على مثل رأيك، وأخرب كل ما مررت به من القرى، واحرب

1 . هيت: بلد على الفرات فوق الأنبار .

صفحه 194
الأموال فإنّ حرب الأموال ـ أي سلبها ـ شبيهة بالقتل، وهو أوجع للقلب».(1)
ولمّا بلغ عليّاً جنايات الرجل، خطب خطبته المعروفة وقال:
«فإنّ الجهاد باب من أبواب الجنّة فتحه اللّه لخاصّة أوليائه، وهو لباس التقوى، ودرع اللّه الحصينة، وجنّته الوثيقة ـ إلى أن قال: ـ وهذا أخو غامد، وقد وردت خيله الأنبار وقد قتل حسّان بن حسّان البكري، وأزال خيلكم
عن مسالحها، ولقد بلغني أنّ الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والأُخرى المعاهدة، فينتزع حجلها وقلبها وقلائدها ورُعُثها، ما تمتنع منه إلاّ بالاسترجاع والاسترحام، ثمّ انصرفوا وافرين ما نال رجلا منهم كلم، ولا أُريق لهم دم، فلو أنّ امرأً مسلماً مات من بعد هذا أسفاً، ما كان به ملوماً، بل كان
به عندي جديرا».(2)
2- هذا بسر بن أرطاة، بعثه معاوية إلى اليمن في جيش كثيف وأمره أن يقتل كل من كان في طاعة علي(عليه السلام)، فقتل خلقاً كثيراً، وقتل فيمن قتل ابني عبيداللّه بن العباس بن عبدالمطلب، وكانا غلامين صغيرين، فقالت أُمّهما ترثيهما:
يا من أحسّ بابنىّ اللذين هما *** كالدرّتين تشظّى عنهما الصدف(3)
وقد خطب الإمام بعد ما بلغه النبأ بقوله: «أُنبئتُ بُسراً قد اطّلعَ اليمنَ، وانّي

1 . شرح نهج البلاغة: 2 / 85 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة 27 .
3 . شرح نهج البلاغة: 1 / 340. تشظّا: تفرّق شظايا. راجع للوقوف على بقية الأبيات الكامل للمبرد، وقد ذكره ابن أبي الحديد في شرحه: 2 / 13 .

صفحه 195
واللّه لأظنّ أنّ هؤلاء القوم سيدالون منكم باجتماعهم على باطلهم، وتفرّقكم عن حقّكم، وبمعصيتكم إمامكم بالحق، وطاعتهم إمامهم بالباطل، وبأَدائهم الأمانة إلى صاحبهم، وخيانتكم، وبصلاحهم في بلادهم، وفسادكم، فلو ائتمنت أحدكم على قعب، لخشيت أن يذهب بعلاقته»(1).
3- دعا معاوية الضحاك بن قيس الفهري، وقال له: سر حتّى تمر بناحية الكوفة، وترتفع عنها ما استطعت فمن وجدته من الأعراب في طاعة علي، فأغر عليه، وإن وجدت له مسلحة أو خيلاً، فأغر عليها، وإذا أصبحت في بلد فامس في أُخرى، ولا تقيمن لخيل بلغك أنّها قد سرحت إليك لتلقاها فتقاتلها، ثم جهّزه بثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف .
فاقبل الضحاك، فنهب الأموال، وقتل من لقي من الأعراب، حتّى مرّ بالثعلبية(2)، فأغار على الحاج، فأخذ أمتعتهم، ثم أقبل فلقي عمرو بن عميس بن مسعود الذهلي، وهو ابن أخي عبداللّه بن مسعود، صاحب رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)فقتله في طريق الحاج عند القطقطانة(3)، وقتل معه ناساً من أصحابه.(4)
4- ولم يكتف معاوية بهذه الهجمات العنيفة على البلاد الآمنة، بل جهّز بسر بن أرطاة مرّة ثانية، لإراقة الدماء في حرم الرسول. ويقول ابن أبي الحديد: كان بسر بن أرطاة قاسي القلب فظّاً سفّا كاً للدماء لا رأفة عنده ولا رحمة، وقد جهّزه معاوية في ثلاثة آلاف، وقال له: سر حتّى تمرّ بالمدينة، فاطرد الناس،

1 . نهج البلاغة: الخطبة 25 .
2 . الثعلبية: من منازل طريق مكّة إلى الكوفة .
3 . بالضم ثم السكون: موضع قرب الكوفة من جهة البرية بالطف .
4 . شرح نهج البلاغة: 2 / 116 ـ 117 .

صفحه 196
وأخف من مررت به، وانهب أموال كل من أحصيت له مالاً، ممّن لم يكن دخل في طاعتنا، فإذا دخلت المدينة فأرهم أنّك تريد أنفسهم، واخبرهم أنّه لا براءة لهم عندك ولا عذر. ووصل بسر إلى المدينة المنوّرة، فشتم أهلها وتهدّدهم وتوعّدهم وأحرق دوراً كثيرة، منها دار زرارة بن حرون، ودار عمرو بن عوف، ودار رفاعة بن رافع الرزقي، ودار أبي أيّوب الأنصاري صاحب منزل رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)(1) .
وقال المسعودي: قتل بسر بالمدينة وبين المسجدين خلقاً كثيراً من خزاعة وغيرهم، وكذلك بالجرف قتل بها خلقاً كثيراً من رجال همدان، وقتل بصنعاء خلقاً كثيراً. ولمّا بلغ الخبر عليّاً أنفذ حارثة بن قدامة السعدي في ألفين، ووهب بن مسعود في ألفين، وحين علم بسر بخبر حارثة فرّ هاربا.(2)
وكانت هذه العصابات الإجرامية، تأتي إلى العراق فتقتل وتحرق وتدمّر، إلى آخر حياة الإمام، الّذي قضى نحبه في الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة 40 هـ . وأصبحت شيعته كغنم غاب عنها راعيها، يفترسهم أعداؤهم عندما استتبّ الأمر لآل أبي سفيان وآل مروان، وهذا هو الّذي نطرحه في الفصل التالي:

1 . شرح نهج البلاغة: 2 / 10، وما ذكرناه ملخّص ما ذكره مفصّلا.
2 . مروج الذهب: 3 / 21 ـ 22 بتصرف .

صفحه 197

الفصل التاسع :

الشيعة في العصرين الأموي والعباسي

لا نأتي بجديد إذا ذهبنا إلى القول بأنّ الهجمة الشرسة التي كانت تستهدف استئصال الشيعة والقضاء عليهم قد أخذت أبعاداً خطيرة ودامية أبان الحكمين الأُموي و العباسي ، فما أن لبّى الإمام دعوة ربّه في ليلة الحادي والعشرين من رمضان على يد أشقى الأوّلين و الآخرين ، شقيق عاقر ناقة ثمود ، وهو يصلّـي في محراب عبادته ، حتّى شرع أعداء الإمام وخصوم التشيّع إلى التعرّض الصريح بالقتل و التشريد لأنصار هذا المذهب و المنتسبين إليه ، وإذا كان استشهاد الإمام علي يؤلّف في حدّ ذاته ضربة قاصمة في هيكلية البناء الإسلامي ، إلاّ أنّ هذا لم يمنع البعض ممّن وقفوا موقفاً باطلا ومنحرفاً من الإمام عليّ في حياته من التعبير عن سرورهم من هذا الأمر الجلل ، كما نقل ذلك ابن الأثير عن عائشة زوجة رسول الله(صلى الله عليه وآله) حيث قالت عندما وصلها النبأ :
فألقت عصاها واستقرّ بها النوى *** كما قرّ عيناً بالإيـاب المسافـرُ
ثمّ قالت : من قتله ، فقيل : رجل من مراد ، فقالت :
فإن يك نائياً فلقد نعاهُ *** نعيُّ ليس في فيه الترابُ
فقالت زينب بنت أبي سلمة : أتقولين هذا لعليّ؟ فقالت : إنّي أنسى ، فإذا نسيت فذكّروني . . .!!(1) .

1 . الكامل في التاريخ: 3 / 394 .

صفحه 198
الشيعة في العصر الاُموي   
 
الشيعة في العصر الأُموي
وأمّا معاوية فلا مناص من القول بأنّه أكثر المستبشرين بهذا الأمر ، حيث
إنّه قال لمّا بلغه : إنّ الأسد الذي كان يفترش ذراعيه في الحرب قد قضى نحبه .
ثمّ أنشد :
قل للأرانب ترعى أينما سرّحت *** وللظباء بلا خوف و لا وجلِ(1)
في الجانب الآخر نرى أنّ الإمام الحسن الابن الأكبر للإمام عليّ ووارثه ينعى أباه بقوله في مسجد الكوفة : «ألا أنّه قد مضي في هذه الليلة ، رجل لم يدركه الأوّلون ، ولن يري مثله الآخرون . من كان يقاتل وجبرئيل عن يمينه وميكائيل عن شماله . والله لقد توفّي في هذه الليلة التي قبض فيها موسى بن عمران ، ورفع فيها عيسى بن مريم ، وأُنزل القرآن . ألا وإنّه ما خلّف صفراء ولا بيضاء إلاّ سبعمائة درهم فضلت من عطائه ، أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله».(2)
ثمّ بويع الحسن في نهاية خطبته ، وكان أوّل من بايعه قيس بن سعد الأنصاري ، ثم تتابع الناس على بيعته ، وكان أمير المؤمنين قد بايعه أربعون ألفاً من عسكره على الموت . فبينما هو يتجهّز للمسير قُتل(عليه السلام) . فبايع هؤلاء ولده الحسن ، فلمّا بلغهم مسير معاوية في أهل الشام إليه ، تجهّز هو و الجيش الذين كانوا قد بايعوا عليّاً . وسار عن الكوفة إلى لقاء معاوية(3) .

1 . ناسخ التواريخ: 692 القسم المختص بحياة الإمام.
2 . تاريخ اليعقوبي: 2 / 213 .
3 . الكامل: 3 / 404 .

صفحه 199
بيد إنّ الأُمور لم تستقم للإمام الحسن لجملة من الأسباب المعروفة ، أهمّها تخاذل أهل العراق أوّلا ; وكون الشيوخ الذين بايعوا عليّاً و التفّوا
حوله كانوا من عبدة الغنائم و المناصب ، ولم يكن لهؤلاء نصيب في
خلافة الحسن إلاّ ما كان لهم عند أبيه من قبل ثانياً ; وإنّ عدداً غير قليل ممّن
بايع الحسن كانوا من المنافقين ، يراسلون معاوية بالسمع والطاعة ثالثاً . كما
أنّ قسماً من جيشه كانوا من الخوارج أو أبنائهم رابعاً . إلى غير ذلك من الأسباب التي دفعت الإمام إلى قبول الصلح مع معاوية تحت شروط خاصّة تضمن لشيعة عليّ الأمن والأمان ، إلاّ أنّ معاوية وبعد أن وقّع على صلحه مع الإمام الحسن
لم يتردد من الإعلان عن سريرته بكل صراحة ووضوح على منبر الكوفة :
إنّي والله ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتصوموا ، ولا لتحجّوا ولا لتزكّوا ـ وإنّكم لتفعلون ذلك ـ ولكن قاتلتكم لأتأمّر عليكم ، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم له كارهون ،
ألا وإنّي قد كنت منَّيتُ الحسن أشياء ، وجميعها تحت قدمي لا أفي بشيء
منها له.(1)
وكان ذلك التصريح الخطير ، والمنافي لأبسط مبادئ الشريعة الإسلامية ، يمثل الإعلان الرسمي لبدء الحملة الشرسة والمعلنة لاستئصال شيعة علي وأنصاره تحت كلّ حجر ومدر . وتوالت المجازر تترى بعد معاوية إلى آخر عهد الدولة الأُمويّة ، فلم يكن للشيعة في تلك الأيّام نصيب سوى القتل والنفي والحرمان . وهذا هو الذي نستعرضه في هذا الفصل على وجه الإجمال ، حتّى يقف القارئ على أنّ بقاء التشيّع في هذه العصور المظلمة كان معجزة من معاجز

1 . الإرشاد للشيخ المفيد : 191 .

صفحه 200
الله سبحانه ، كما يتوضّح له مدى الدور الخطير الذي لعبه الشيعة في الصمود والكفاح والردّ على الظلمة وأعوانهم منذ عصر الإمام إلى يومنا هذا . وإليك بعض الوثائق من جرائم معاوية .

1 ـ رسالة الإمام الحسين إلى معاوية :

«أمّا بعد فقد جاءني كتابك تذكر فيه أنّه انتهت إليك عنّي أُمور لم تكن تظنّني بها رغبة بي عنها ، وأنّ الحسنات لا يهدي لها ولا يسدّد إليها إلاّ الله تعالى ، وأمّا ما ذكرت أنّه رقى إليك عنّي ، فإنّما رقّاه الملاّقون المشّاؤون بالنميمة ، المفرّقون بين الجمع ، وكذب الغاوون المارقون ، ما أُريد لك حرباً ولا خلافاً ، وإنّي لأخشى الله في ترك ذلك منك ومن حزبك القاسطين حزب الظلمة وأعوان الشيطان الرجيم . ألست قاتل حجر وأصحابه العابدين المخبتين الذين كانوا يستفظعون البدع، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فقتلتَهم ظلماً وعدواناً من بعدما أعطيتهم المواثيق الغليظة والعهود المؤكّدة جرأة على اللّه واستخفافاً بعهده. أولست بقاتل عمرو بن الحمق الّذي أخلقت وأبلت وجهه العبادة؟ فقتلته من بعد ما أعطيته من العهود ما لو فهمته الصم لنزلت من سقف الجبل .
أو لست المدعي زياداً في الإسلام فزعمت أنّه ابن أبي سفيان، وقد قضى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) انّ الولد للفراش وللعاهر الحجر، ثم سلّطته على أهل الإسلام يقتلهم ويقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ويصلبهم على جذوع النخل؟

صفحه 201
سبحان اللّه يا معاوية! لكأنّك لست من هذه الأُمّة، وليسوا منك، أوَلستَ قاتل الحضرمي الذي كتب إليك في زياد أنّه على دين عليّ كرّم الله وجهه ، ودين عليّ هو دين ابن عمّه(صلى الله عليه وآله) الذي أجلسك مجلسك الذي أنت فيه ، ولولا ذلك كان أفضل شرفك وشرف آبائك تجشّم الرحلتين : رحلة الشتاء والصيف ، فوضعها الله عنكم بنا منّة عليكم ، وقلت فيما قلت : لا ترد هذه الأُمّة في فتنة، وإنّي لا أعلم لها فتنة أعظم من إمارتك عليها ، وقلت فيما قلت : انظر لنفسك ولدينك ولأُمّة محمّد . وإنّي والله ما أعرف أفضل من جهادك ، فإن أفعل فإنّه قربة إلى ربّي ، وإن لم أفعله فأستغفر الله لديني . وأسأله التوفيق لما يحب ويرضى ، وقلت فيما قلت : متى تكدني أكدك ، فكدني يا معاوية ما بدا لك ، فلعمري لقديماً يكاد الصالحون وإنّي لأرجو أن لا تضرّ إلاّ نفسك ولا تمحق إلاّ عملك فكدني ما بدا لك ، واتّق الله يا معاوية ، واعلم أنّ لله كتاباً لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها ، واعلم أنّ الله ليس بناس لك قتلك بالظنّة ، وأخذك بالتهمة ، وإمارتك صبيّاً يشرب الشراب ويلعب بالكلاب ، ما أراك إلاّ قد أوبقت نفسك ، وأهلكت دينك ، وأضعت الرعيّة و السلام».(1)
ولعلّ المتأمل في جوانب هذه الرسالة والمتدبّر لمفرداتها يدرك وبوضوح مدى الدور المنحرف الذي وقفه الأُمويّون وعلى رأسهم معاوية في

1 . الإمامة والسياسة :1 / 164 ; جمهرة الرسائل: 2 / 67 . ورواه الكشي في رجاله: 48 ـ 51 والمجلسي في البحار: 44 / 212ـ214 .

صفحه 202
محاربة أنصار مذهب التشيّع وروّاده ، كما تتوضح له الصورة عن حجم المحنة التي مرّ بها الشيعة إبّان تلك الحقبة الزمنية .
ولكي تتوضّح الصورة في ذهن القارئ الكريم ندعوه إلى قراءة رسالة الإمام محمّد بن عليّ الباقر(عليه السلام) لأحد أصحابه ، حيث قال :
«إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قبض وقد أخبر أنّا أولى الناس بالناس ، فتمالأت علينا قريش حتّى أخرجت الأمر عن معدنه، واحتجّت على الأنصار بحقّنا وحجّتنا . ثمّ تداولتها قريش ، واحد بعد واحد ، حتّى رجعت إلينا ، فنكثت بيعتنا ونصبت الحرب لنا ، ولم يزل صاحب الأمر
في صعود كؤود حتّى قتل ، فبويع الحسن ابنه وعُوهد ثمّ غدر
به وأُسلم، ووثب عليه أهل العراق حتّى طعن بخنجر في جنبه ، ونهبت عسكره ، وعولجت خلاخيل أُمّهات أولاده ، فوادع معاوية وحقن دمه ودماء أهل بيته ، وهم قليلُ حقٍّ قليل .
ثم بايع الحسين من أهل العراق عشرون ألفاً ، ثمّ غدروا به ، وخرجوا عليه ، وبيعته في أعناقهم وقتلوه .
ثمّ لم نزل ـ أهل البيت ـ نستذلّ ونستضام ، ونقصى ونمتهن ، ونحرم ونقتل ، ونخاف ولا نأمن على دمائنا ودماء أوليائنا ، ووجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعاً يتقرّبون به إلى أوليائهم وقضاة السوء وعمّال السوء في كل بلدة ، فحدّثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة ، ورووا عنّا ما لم نقله ولم نفعله ، ليبغّضونا إلى الناس ، وكان عظم ذلك وكبره زمن معاوية بعد موت الحسن(عليه السلام) ، فقتلت شيعتنا بكلّ بلدة ، وقطعت الأيدي والأرجل على الظنّة ، وكان من يذكر بحبّنا

صفحه 203
والانقطاع إلينا سجن أو نهب ماله ، أو هدمت داره ، ثمّ لم يزل البلاء يشتدّ ويزداد إلى زمان عبيدالله بن زياد قاتل الحسين(عليه السلام)، ثمّ جاء الحجّاج فقتلهم كلّ قتلة ، وأخذهم بكل ظنّة وتهمة ، حتّى أنّ الرجل ليقال له : زنديق أو كافر ، أحبّ إليه من أن يقال : شيعة عليّ ، وحتّى صار الرجل الذي يذكر بالخير ـ ولعلّه يكون ورعاً صدوقاً ـ يحدّث بأحاديث عظيمة عجيبة ، من تفضيل بعض من قد سلف من الولاة ولم يخلق الله تعالى شيئاً منها ، ولا كانت ولا وقعت وهو يحسب أنّها حقّ لكثرة من قد رواها ممّن لم يعرف بكذب ولا بقلّة ورع»(1) .
بل وإليك ما أورده ابن أبي الحديد المعتزلي في شرحه لنهج البلاغة :
كان سعيد بن سرح مولى حبيب بن عبد شمس من شيعة عليّ بن أبي طالب ، فلمّا قدم زياد الكوفة ـ والياً عليها ـ أخافه فطلبه زياد ، فأتى الحسن بن عليّ (عليه السلام) ، فوثب زياد على أخيه وولده وامرأته ، فحبسهم وأخذ ماله وهدم داره . فكتب الحسن (عليه السلام)إلى زياد : «من الحسن بن عليّ إلى زياد ، أمّا بعد : فإنّك عمدت إلى رجل من المسلمين له ما لهم ، وعليه ما عليهم ، فهدمت داره وأخذت ماله، وحبست أهله وعياله، فإذا أتاك كتابي هذا ، فابن له داره ، واردد عليه عياله وماله ، وشفّعني فيه فقد أجرته والسلام» .
فكتب إليه زياد : من زياد بن أبي سفيان إلى الحسن بن فاطمة ، أمّا بعد : فقد أتاني كتابك تبدأ فيه بنفسك قبلي وأنت طالب حاجة ، وأنا سلطان وأنت سوقة ، وتأمرني فيه بأمر المطاع المسلّط على رعيّته، كتبت إليّ في فاسق آويتَه

1 . شرح نهج البلاغة: 11 / 43 ـ 44 .

صفحه 204
إقامة منك على سوء الرأي و رضاً منك بذلك ، وأيم الله لا تسبقني به ولو كان بين جلدك ولحمك ، وإن نلت بعضك فغير رفيق بك ولا مرع عليك ، فإنّ أحبّ لحم عليّ أن آكله اللّحم الذي أنت منه ، فسلّمه بجريرته إلى من هو أولى به منك ، فإن عفوت عنه لم أكن شفّعتك فيه ، وإن قتلته لم أقتله إلاّ لحبّه أباك الفاسق ، والسلام».(1)
«كان زياد جمع الناس بالكوفة بباب قصره يحرّضهم على لعن عليّ أو البراءة منه ، فملأ منهم المسجد والرحبة ، فمن أبى ذلك عرضه على السيف»(2) .
وعن المنتظم لابن الجوزي : أنّ زياداً لمّا حصبه أهل الكوفة وهو يخطب على المنبر قطع أيدي ثمانين منهم ، وهمّ أن يخرب دورهم ويحرق نخلهم ، فجمعهم حتّى ملأ بهم المسجد والرحبة يعرضهم على البراءة من عليّ ، وعلم أنّهم سيمتنعون ، فيحتجّ بذلك على استئصالهم وإخراب بلدهم.(3)

بيان معاوية إلى عماله :

روى أبو الحسن عليّ بن محمّد بن أبي سيف المدائني في كتاب «الأحداث» قال : كتب معاوية نسخة واحدة إلى عمّاله بعد عام الجماعة!! : «أن برأت الذمة ممّن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته» فقامت الخطباء في كلّ كورة ، وعلى كلّ منبر ، يلعنون عليّاً ويبرأون منه ، ويقعون فيه وفي أهل بيته ، وكان أشدّ الناس بلاءً حينئذ أهل الكوفة ، لكثرة من بها من شيعة عليّ(عليه السلام)

1 . شرح بن أبي الحديد: 16 / 194 .
2 . مروج الذهب: 3 / 26 .
3 . المنتظم: 5 / 263 .

صفحه 205
فاستعمل عليها زياد بن سميّة ، وضمّ إليه البصرة ، فكان يتبع الشيعة وهو بهم عارف ، لأنّه كان منهم أيّام عليّ(عليه السلام) ، فقتلهم تحت كلّ حجر ومدر ، وأخافهم ، وقطع الأيدي والأرجل ، وسمل العيون ، وصلبهم على جذوع النخل ، وطردهم وشرّدهم عن العراق ، فلم يبق بها معروف منهم .
وكتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق : ألاّ يجيزوا لأحد من شيعة عليّ وأهل بيته شهادة . وكتب إليهم : أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبّيه وأهل ولايته ، والذين يروون فضائله ومناقبه فادنوا مجالسهم وقرّبوهم وأكرموهم ، واكتبوا لي بكلّ ما يروي كلّ رجل منهم ، واسمه واسم أبيه وعشيرته .
ففعلوا ذلك ، حتّى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه ، لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات والكساء و الحباء و القطائع ، ويفيضه في العرب منهم والموالي ، فكثر ذلك في كلّ مصر ، وتنافسوا في المنازل و الدنيا ، فليس يجيء أحد مردود من الناس عاملا من عمّال معاوية ، فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلاّ كتب اسمه وقرّبه وشفّعه . فلبثوا بذلك حيناً .
ثمّ كتب إلى عمّاله : إنّ الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كلّ مصر وفي كلّ وجه وناحية ، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأوّلين ، ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلاّ وتأتوني بمناقض له في الصحابة; فإنّ هذا أحبّ إلىّ وأقرّ لعيني ، وأدحض لحجّة أبي تراب و شيعته ، وأشدّ إليهم من مناقب عثمان وفضله!!
فقرأت كتبه على الناس ، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة

صفحه 206
مفتعلة لاحقيقة لها ، وجدّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتّى أشادوا بذكر ذلك على المنابر ، وأُلقي إلى معلّمي الكتاتيب ، فعلّموا صبيانهم و غلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتّى رووه وتعلّموه كما يتعلّمون القرآن ، وحتّى علّموه بناتهم و نساءهم وخدمهم وحشمهم ، فلبثوا بذلك ما شاء الله .
ثمّ كتب إلى عمّاله نسخة واحدة إلى جميع البلدان : انظروا من قامت عليه البيّنة أنّه يحبّ عليّاً وأهل بيته ، فامحوه من الديوان ، وأسقطوا عطاءه ورزقه . وشفع ذلك بنسخة أُخرى : من اتّهمتموه بموالاة هؤلاء القوم ، فنكّلوا به ، واهدموا داره .
فلم يكن بلدٌ أشدّ بلاءً من العراق ، ولا سيّما الكوفة ، حتّى أنّ الرجل من شيعة عليّ(عليه السلام) ليأتيه من يثق به ، فيدخل بيته فيلقي إليه سرّه ، ويخاف من خادمه ومملوكه ، ولا يحدّثه حتّى يأخذ عليه الأيمان الغليظة ليكتمنّ عليه . فظهر حديث كثير موضوع ، وبهتان منتشر ، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة ، وكان أعظم الناس في ذلك بليّة القرّاء والمراؤون والمستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ، ويتقرّبوا من مجالسهم ، ويصيبوا الأموال والضياع والمنازل ، حتّى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديّانين الذين لا يستحلّون الكذب والبهتان ، فقبلوها ورووها ، وهم يظنّون أنّها حقّ ، ولو علموا أنّها باطلة لما رووها ، ولا تديّنوا بها .
وقال ابن أبي الحديد : فلم يزل الأمر كذلك حتّى مات الحسن بن عليّ(عليه السلام)فازداد البلاء والفتنة ، فلم يبق أحد من هذا القبيل إلاّ وهو خائف على دمه ، أو طريد في الأرض .

صفحه 207
ثمّ تفاقم الأمر بعد قتل الحسين(عليه السلام) وولّـي عبد الملك بن مروان ، فاشتدّ على الشيعة ، وولّي عليهم الحجّاج بن يوسف ، فتقرّب إليه أهل النسك والصلاح والدين ببغض عليّ وموالاة أعدائه ، وموالاة من يدّعي من الناس
أنّهم أيضاً أعداؤه ، فأكثروا في الرواية في فضلهم وسوابقهم ومناقبهم ،
وأكثروا من الغضّ من عليّ(عليه السلام) وعيبه ، والطعن فيه ، والشنآن له ، حتى أنّ إنساناً وقف للحجّاج  ـ ويقال إنّه جدّ الأصمعي عبد الملك بن قريب ـ فصاح به :
أيّها الأمير انّ أهلي عقّوني فسمّوني علياً ، وانّي فقير بائس ، وأنا إلى صلة
الأمير محتاج . فتضاحك له الحجّاج ، وقال : للطف ما توسّلت به ، قد ولّيتك موضع كذا .
وقد روى ابن عرفة المعروف بنفطويه ـ وهو من أكابر المحدّثين وأعلامهم ـ في تأريخه ما يناسب هذا الخبر ، قال : إنّ أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيّام بني أُميّة تقرّباً إليهم بما يظنّون أنّهم يرغمون به أُنوف بني هاشم.(1)

ضحايا الغدر الأُموي:

لعلّ المرء يصاب بالذهول وهو يتأمّل أسماء الصحابة والتابعين
ذوي المنازل الرفيعة والمكانة السامية و الدور الجليل في خدمة الإسلام
وأهله ، كيف سقطوا صرعى بسيف الأُمويّين لا لشيء إلاّ لأنّهم شيعة عليّ(عليه السلام) ، ومن هؤلاء :

1 . شرح نهج البلاغة: 11 / 46 .

صفحه 208
1 ـ حجر بن عديّ : الذي قبض عليه زياد بعد هلاك المغيرة سنة (51هـ ) وبعثه مع أصحابه إلى الشام بشهادة مزوّرة ، وفرية ظالمة ، كان يراد منها قتله وتوجيه ضربة قوية لشيعة عليّ وتصفيتهم .
يقول المسعودي :
«في سنة ثلاث وخمسين قتل معاوية حجر بن عديّ الكندي ـ وهو أوّل من قتل صبراً في الإسلام ـ وحمله زياد من الكوفة ومعه تسعة نفر من أصحابه من أهل الكوفة وأربعة من غيرها ، فلمّـا صار على أميال من الكوفة يراد به دمشق أنشأت ابنته تقول ـ ولا عقب له من غيرها ـ :
ترفّع أيّها القمر المنير *** لعلّك أن ترى حجراً يسير
يسير إلى معاوية بن حرب *** ليقتله ، كذا زعم الأمير
ويصلبه على بابي دمشق *** وتأكل من محاسنه النسور
فقتله مع أصحابه في مرج عذراء(1) بصورة بشعة يندى لها الجبين ، وهي مذكورة في جميع كتب التأريخ ، فراجع .
2 ـ عمرو بن الحمق : ذلك الصحابي العظيم الذي وصفه الإمام
الحسين سيّد الشهداء بأنّه : «أبلت وجهه العبادة» . قتله معاوية بعدما
أعطاه الأمان.(2)
3 ـ مالك الأشتر : ملك العرب ، وأحد أشرف رجالاتها وأبطالها ، كان

1 . مروج الذهب: 3 / 3ـ4 ; سير أعلام النبلاء: 3 / 462ـ466 برقم 95 .
2 . سير أعلام النبلاء: 4 / 34ـ35 برقم 6 .

صفحه 209
شهماً مطاعاً وكان قائد القوات العلوية . قتله معاوية بالسمّ في مسيره إلى مصر بيد أحد عمـّاله.(1)
4 ـ رشيد الهجري : كان من تلاميذ الإمام وخواصّه ، عرض عليه زياد البراءة واللعن فأبى ، فقطع يديه ورجليه ولسانه ، وصلبه خنقاً في عنقه.(2)
5 ـ جويرية بن مسهر العبديّ : أخذه زياد وقطع يديه ورجليه وصلبه على جذع نخلة.(3)
6 ـ قنبر مولى أمير المؤمنين : روي أن الحجّاج قال لبعض جلاوزته : أُحبّ أن أُصيب رجلا من أصحاب أبي تراب فقالوا : ما نعلم أحداً كان أطول صحبة له من مولاه قنبر . فبعث في طلبه ، فقال له : أنت قنبر؟ قال : نعم ، قال له : ابرأ من دين عليّ ، فقال له : هل تدلّني على دين أفضل من دينه؟ قال : إنّي قاتلك فاختر أيّ قتلة أحبّ إليك ، قال : أخبرني أمير المؤمنين : أنّ ميتتي تكون ذبحاً بغير حقّ . فأمر به فذبح كما تذبح الشاة.(4)
7 ـ كميل بن زياد : وهو من خيار الشيعة وخاصّة أمير المؤمنين ، طلبه الحجّاج فهرب منه ، فحرم قومه عطاءهم ، فلمّـا رأى كميل ذلك قال : أنا شيخ كبير وقد نفد عمري ولا ينبغي أن أكون سبباً في حرمان قومي . فاستسلم للحجّاج ، فلمّـا رآه قال له : كنت أحبُّ أن أجد عليك سبيلا ، فقال له كميل : لا تبرق ولا ترعد ، فوالله ما بقي من عمري إلاّ مثل الغبار ، فاقض فإنّ الموعد الله عزّ

1 . شذرات الذهب: 1 / 91 .
2 . شرح نهج البلاغة: 2 / 294 ـ 295 .
3 . شرح نهج البلاغة: 2 / 290 ـ 291 .
4 . رجال الكشي : 68ـ69 / 21 ; الشيعة والحاكمون : 95 .

صفحه 210
وجلّ ، وبعد القتل الحساب . وقد أخبرني أمير المؤمنين أنّك قاتلي ، فقال الحجّاج : الحجّة عليك إذن ، فقال : ذلك إن كان القضاء لك ، قال : بلى ، اضربوا عنقه.(1)
8 ـ سعيد بن جبير : التابعي المعروف بالعفّة والزهد والعبادة ، وكان يصلّـي خلف الإمام زين العابدين ، فلمّـا رآه الحجّاج قال له : أنت شقي ابن كسير ، فقال : أُمّي أعرف باسمي منك . ثم بعد أخذ وردّ أمر الحجاج بقتله ، فقال سعيد :(وجّهتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السمّواتِ وَالأرضَ حنيفاً ـ مسلماً ـ وما أنا مِنَ المشركين)(2) . فقال الحجّاج : شدّوه إلى غير القبلة ، فقال : (أينما تولّوا فثمَّ وَجهُ الله)(3) ، فقال : كبّوه على وجهه ، قال : (مِنْها خَلَقناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُم وَمِنْها
نُخْرِجُكُم تارَة أُخرى
)(3) . ثم ضربت عنقه.(4)
وسيوافيك ما جرى على زيد بن عليّ من الصلب أيّام خلافة هشام بن عبدالملك عام (122هـ ) عند الكلام عن فرقة الزيدية إن شاء الله تعالى .
الشيعة في العصر العباسيّ   
هذا غيض من فيض وقليل من كثير ممّا جناه الأُمويّون في حقّ الشيعة طوال فترة حكمهم وتولّيهم لدفّة الأُمور وزمام الحكم ، وتالله إنّ المرء ليصاب بالغثيان وهو يتأمّل هذه الصفحات السوداء التي لا تمحى من ذاكرة التاريخ وكيف لطّخت بالدماء الطاهرة المقدسة والتي أُريقت ظلماً وعدواناً وتجنّياً على الحقّ وأهله .

1 . شرح نهج البلاغة: 17 / 149 ; الشيعة والحاكمون : 96 .
2 . الأنعام : 79 .            3 . البقرة : 115 .
3 . طه : 55 .
4 . سير أعلام النبلاء: 4 / 321ـ328 ; الجرح والتعديل: 4 / 9 برقم 29 .

صفحه 211
 
الشيعة في العصر العباسيّ:
دار الزمان على بني أُميّة ، وقامت ثورات عنيفة ضدّهم أثناء خلافتهم ، إلى أن قضت على آخر ملوكهم (مروان الحمار) : (فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالحَمْدُ لله رَبّ العالَمِينَ)(1) وامتطى ناصية الخلافة بعدهم العباسيون ، والذين تسربلوا بشعار مظلومية أهل البيت للوصول إلى سدّة الخلافة وإزاحة خصومهم الأُمويين عنها ، بيد أنّهم ما أن استقر بهم المقام وثبتت لهم أركانه حتّى انقلبوا كالوحوش الكاسرة في محاربتهم للشيعة وتشريدهم وتقتيلهم ، فكانوا أسوأ من أسلافهم الأُمويين وأشدّ إجراماً ، ولله درّ الشاعر حين قال :
والله مـا فعلـت أُميّـة فيهـم *** معشار ما فعلت بنو العباسِ
1 ـ كان أوّل من تولّى منهم أبو العباس السفّاح ، بويع سنة (132هـ ) ومات سنة (136هـ ) ، قضى وقته في تتبّع الأُمويّين والقضاء عليهم ، وهو وإن لم يتعرّض للعلوّيين ، لكنّه تنكّر لهم و لشيعتهم ، بل وأوعز إلى الشعراء أن يتعرّضوا لأولاد عليّ وأهل بيته في محاولة مدروسة للنيل من منزلتهم وتسفيه الدعوة المطالبة بإيكال أمر الخلافة الإسلامية إليهم . هذا محمّد أحمد براق يقول في كتابه «أبو العباس السفاح» : «إنّ أصل الدعوة كان لآل عليّ ; لأنّ أهل خراسان كان هواهم في آل عليّ لا آل العباس ، لذلك كان السفّاح ومن جاء بعده مفتّحة عينوهم لأهل خراسان حتّى لا يتفشّى فيهم التشيّع لآل عليّ . . . وكانوا يستجلبون الشعراء ليمدحوهم ، فيقدّمون لهم الجوائز ، وكان الشعراء يعرّضون

1 . الأنعام : 45 .

صفحه 212
بأبناء عليّ وينفون عنهم حقّ الخلافة ; لأنّهم ينتسبون إلى النبيّ عن طريق ابنته فاطمة ، أمّا بنو العباس فإنّهم أبناء عمومة».(1)
2 ـ ثمّ جاء بعده أبو جعفر المنصور ، وبالرغم ممّا أُثير حوله من منزلة ومكانة وذكاء ، إلاّ أنّ في ذلك مجافاة عظيمة للحقّ وابتعاداً كبيراً عن جادّة الصواب ، نعم حقّاً إنّ هذا الرجل قد ثبّت أركان دولته وأقام لها أُسساً قوية صلبة ، إلاّ أنّه أسرف كثيراً في الظلم والقسوة والإجرام بشكل ملفت للأنظار ، ويكفي للإلمام بجرائمه وقسوته ما كتبه ابن عبد ربّه في العقد الفريد عن ذلك حيث قال :
إنّ المنصور كان يجلس ويُجلس إلى جانبه واعظاً ، ثمّ تأتي الجلاوزة في أيديهم السيوف يضربون أعناق الناس ، فإذا جرت الدماء حتّى تصل إلى ثيابه ، يلتفت إلى الواعظ ويقول : عظني فإذا ذكّره الواعظ بالله ، أطرق المنصور كالمنكسر ثمّ يعود الجلاوزة إلى ضرب الأعناق ، فإذا ما أصابت الدماء ثياب المنصور ثانياً قال لواعظه : عظني!!(2) .
فماذا يا ترى يريد المنصور من قوله للواعظ : عظني ، وماذا يعني بإطراقه بعد ذلك وسكوته ، هل يريد الاستهزاء بالدين الذي نهى عن قتل النفس وسفك الدماء ، أو يريد شيئاً آخر؟! وليت شعري أين كان المؤرّخون وأصحاب الكلمات الصادقة المنصفة من هذه المواقف المخزية التي تقشعر لها الأبدان ، وهم يتحدّثون عن هذا الرجل الذي ما آلوا يشيدون بذكره ويمجّدون بأعماله ،

1 . أبو العباس السفّاح : 48 ، كما في الشيعة والحاكمون : 139 .
2 . العقد الفريد: 1 / 41 .

صفحه 213
وهلاّ تأمّل القرّاء في سيرة هذا الرجل ليدركوا ذلك الخطأ الكبير .
بلى إنّ هذا الرجل أسرف في القتل كثيراً ، وكان للعلويين النصيب الأكبر ، وحصّة الأسد من هذا الظلم الكبير .
يقول المسعودي : جمع المنصور أبناء الحسن ، وأمر بجعل القيود والسلاسل في أرجلهم وأعناقهم ، وحملهم في محامل مكشوفة وبغير وطاء ، تماماً كما فعل يزيد بن معاوية بعيال الحسين . ثمّ أودعهم مكاناً تحت الأرض لا يعرفون فيه الليل من النهار ، وأُشكلت أوقات الصلاة عليهم ، فجزَّأوا القرآن خمسة أجزاء ، فكانوا يصلّون على فراغ كلّ واحد من حزبه ، وكانوا يقضون الحاجة الضرورية في مواضعهم ، فاشتدّت عليهم الرائحة ، وتورّمت أجسادهم ، ولا يزال الورم يصعد من القدم حتّى يبلغ الفؤاد ، فيموت صاحبه مرضاً وعطشاً وجوعاً.(1)
وقال ابن الأثير : دعا المنصور محمّد بن عبد الله العثماني ، وكان أخاً لأبناء الحسن من أُمّهم ، فأمر بشقّ ثيابه حتّى بانت عورته ، ثمّ ضرب مائة وخمسون سوطاً ، فأصاب سوط منها وجهه فقال : ويحك اكفف عن وجهي ، فقال المنصور للجلاّد : الرأس الرأس ، فضربه على رأسه ثلاثين سوطاً ، وأصاب إحدى عينيه فسالت على وجهه ، ثمّ قتله ـ ثمّ ذكر ـ : وأحضر المنصور محمّد بن إبراهيم بن الحسن ، وكان أحس الناس صورة ، فقال له : أنت الديباج الأصفر ، لأقتلنّك قتلة لم أقتلها أحداً ، ثمّ أمر به ، فبني عليه أُسطوانة وهو حيّ ،
فمات فيها(2) .

1 . مروج الذهب: 3 / 310 ط سنة 1948 م .
2 . الكامل: 4 / 375 .

صفحه 214
3 ـ ثمّ ولي بعده المهدي ولد المنصور ، وبقي في الحكم من سنة (158هـ ) إلى سنة (169هـ ) وكفى في الإشارة إلى ظلمه للعلويّين ، أنّه أخذ علي بن العبّاس بن الحسن ابن عليّ بن أبي طالب ، فسجنه فدّس إليه السمّ فتفسّخ لحمه وتباينت أعضاؤه .
4 ـ ولمّا هلك المهدي بويع ولده الهادي ، وكانت خلافته سنة
وثلاثة أشهر ، سار فيها على سيرة من سبقه في ظلم العلويين والتضييق
عليهم ، وكفى في الإشارة إلى ذلك ما ذكره أبو الفرج الإصبهاني في مقاتل الطالبيين حيث قال :
إنّ أُمّ الحسين صاحب فخ هي زينب بنت عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، قتل المنصور أباها وإخوتها وعمومتها وزوجها عليّ بن الحسن ، ثمّ قتل الهادي حفيد المنصور ابنها الحسين ، وكانت تلبس المسوح على جسدها ، لا تجعل بينها وبينه شيئاً حتّى لحقت بالله عزّ وجلّ.(1)
5 ـ ثمّ تولّى بعده الرشيد سنة (170هـ ) ومات (193هـ ) وكان له سجّل أسود في تعامله مع الشيعة تبلورت أوضح صوره فيما لاقاه منه الإمام موسى بن جعفر الكاظم(عليه السلام) ، وهو ما سنذكره لاحقاً إن شاء الله تعالى ، وإليك واحدة من تلك الأفعال الدامية التي سجّلها له التأريخ ورواها الإصبهاني عن إبراهيم بن رباح ، قال : إنّ الرشيد حين ظفر بيحيى بن عبد الله بن الحسن ، بنى عليه أُسطوانة وهو حيّ ، وكان هذا العمل الإجرامي موروثاً من جدّه المنصور(2)،

1 . مقاتل الطالبيين : 285 .
2 . مقاتل الطالبيين : 320 ، وروي في مقتله أمر آخر .

صفحه 215
وأما ما جرى منه في حق الإمام الكاظم (عليه السلام)فنذكره في الفصل الحادي عشر عند ذكر أئمّة الشيعة.
6 ـ ثمّ جاء بعده ابنه الأمين ، فتولّى الحكم أربع سنين وأشهراً ، يقول أبوالفرج : كانت سيرة الأمين في أمر آل أبي طالب خلاف من تقدّم لتشاغله بما كان فيه من اللهو ثمّ الحرب بينه وبين المأمون ، حتّى قتل فلم يحدث على أحد منهم في أيّامه حدث .
7 ـ وتولّى الحكم بعده المأمون ، و كان من أقوى الحكّام العباسيّين
بعد أبيه الرشيد . فلمّا رأى المأمون إقبال الناس على العلويّين وعلى
رأسهم الإمام الرضا ، ألقى عليه القبض بحيلة الدعوة إلى بلاطه ، ثمّ دسّ إليه السمّ فقتله .
8 ـ مات المأمون سنة (210هـ  ) وجاء إلى الحكم ابنه المعتصم فسجن محمّد بن القاسم بن عليّ بن عمر بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب إلاّ أنّه استطاع الفرار من سجنه .
9 ـ ثمّ تولى الحكم بعده الواثق الذي قام بسجن الإمام محمّد بن
عليّ الجواد(عليه السلام) ودسّ له السمّ بيد زوجته الأثيمة أُمّ الفضل بنت المأمون .
10 ـ وولي الحكم بعد الواثق المتوكّل ، وإليك نموذجاً من حقده على آل البيت وهو ما ذكره أبو الفرج قال : كان المتوكّل شديد الوطأة على آل أبي طالب ، غليظاً في جماعتهم ، شديد الغيظ والحقد عليهم ، وسوء الظنّ والتهمة لهم . واتّفق له أنّ عبيد الله بن يحيى بن خاقان وزيره يسيء الرأي فيهم ، فحسَّن له القبيح في معاملتهم ، فبلغ فيهم ما لم يبلغه أحد من خلفاء بني العباس قبله ،

صفحه 216
وكان من ذلك أن كرب(1) قبر الحسين وعفّى آثاره ، ووضع على سائر الطرق مسالح له لا يجدون أحداً زاره إلاّ أتوه به وقتله أو أنهكه عقوبة .
وقال : بعث برجل من أصحابه (يقال له الديزج وكان يهودياً فأسلم) إلى قبر الحسين وأمره بكرب قبره ومحوه وإخراب ما حوله ، فمضي ذلك فخرّب ما حوله ، وهدم البناء وكرب ما حوله مائتي جريب ، فلمّـا بلغ إلى قبره لم يتقدّم إليه أحد ، فأحضر قوماً من اليهود فكربوه ، وأجرى الماء حوله ، ووكل به مسالحَ ، بين كلّ مسلحتين ميل ، لا يزوره زائر إلاّ أخذوه ووجّهوا به إليه .
وقال أيضاً : حدّثني محمّد بن الحسين الأشناني : بَعُدَ عهدي بالزيارة في تلك الأيّام ، ثمّ عملت على المخاطرة بنفسي فيها ، وساعدني رجل من العطّارين على ذلك ، فخرجنا زائرين نكمن النهار ونسير الليل ، حتى أتينا نواحي الغاضريّة ، وخرجنا نصف الليل ، فصرنا بين مسلحتين ، وقد ناموا ، حتى أتينا القبر فخفي علينا ، فجعلنا نشمّه (نتسمه خ ل) ونتحرّى جهته حتّى أتيناه ، وقد قلع الصندوق الذي كان حواليه ، وأُحرق وأُجري الماء عليه ، فانخسف موضع اللبن وصار كالخندق ، فزرناه وأكببنا عليه ـ إلى أن قال : ـ فودّعناه وجعلنا حول القبر علامات في عدّة مواضع ، فلمّـا قتل المتوكّل اجتمعنا مع جماعة من الطالبيين والشيعة حتّى صرنا إلى القبر فأخرجنا تلك العلامات وأعدناه إلى ما كان عليه .
وقال أيضاً : واستعمل على المدينة ومكّة عمر بن الفرج ، فمنع آل أبي طالب من التعرّض لمسألة الناس ومنع الناس من البرّ بهم ، وكان لا يبلغه أنّ أحداً

1 الكرب : إثارة الأرض للزرع .

صفحه 217
أبرّ أحداً منهم بشيء وإن قلّ إلاّ أنهكه عقوبة ، وأثقله غرماً ، حتّى كان القميص يكون بين جماعة من العلويات يصلّين فيه واحدة بعد واحدة ، ثمّ يرقعنه ويجلسن على مغازلهن عواري حواسر ، إلى أن قتل المتوكّل فعطف المنتصر عليهم وأحسن إليهم بمال فرّقه بينهم ، وكان يؤثر مخالفة أبيه في جميع أحواله ومضادّة مذهبه.(1)
11 ـ وولّي بعده المنتصر ابنه ، وظهر منه الميل إلى أهل البيت وخالف
أباه ـ كما عرفت ـ فلم يجر منه على أحد منهم قتل أو حبس أو مكروه
فيما بلغنا .
وأوّل ما أحدثه انّه لمّا ولّـي الخلافة عزل صالح بن عليّ عن المدينة ، وبعث عليّ بن الحسين مكانه فقال له ـ عند الموادعة ـ : يا عليّ إنّي أُوجّهك إلى لحمي ودمي فانظر كيف تكون للقوم ، وكيف تعاملهم ـ يعني آل أبي طالب ـ فقلت : أرجو أن أمتـثل رأي أمير المؤمنين ـ أيّده الله ـ فيهم ، إن شاء الله . قال : إذاً تسعد بذلك عندي.(2)
12 ـ وقام بعده المستعين بالأمر ، فنقض كلّما غزله المنتصر من البرّ والإحسان ، ومن جرائمه أنّه قتل يحيى بن عمر بن الحسين ، قال أبو الفرج :
وكان ـ رضي الله عنه ـ رجلا فارساً شجاعاً ، شديد البدن ، مجتمع
القلب ، بعيداً من رهق الشباب وما يعاب به مثله ، ولمّا أُدخل رأسه إلى
بغداد جعل أهلها يصيحون من ذلك إنكاراً له ، ودخل أبو هاشم على محمّد بن

1 . مقاتل الطالبيين : 595 ـ 599 .
2 . مقاتل الطالبيين : 639 .

صفحه 218
عبد الله بن طاهر ، فقال : أيّها الأمير ، قد جئتك مهنّئاً بما لو كان رسول الله حيّاً يُعزّى به .
وأُدخل الأُسارى من أصحاب يحيى إلى بغداد ولم يكن فيما رؤي قبل ذلك من الأُسارى أحد لحقه ما لحقهم من العسف وسوء الحال ، وكانوا يساقون وهم حفاة سوقاً عنيفاً ، فمن تأخّر ضربت عنقه .
قال أبوالفرج : وما بلغني أنّ أحداً ممّن قتل في الدولة العباسيّة من آل أبي طالب رثي بأكثر ممّا رثي به يحيى ، ولا قيل فيه الشعر بأكثر ممّا قيل فيه .
أقول : إنّ العباسيين قد أتوا من الجرائم التي يندى لها الجبين وتقشعرّ منها الجلود في حقّ الشيعة بحيث تغصّ بذكرها المجلّدات الكبيرة الواسعة ، بل وفاقوا بأفعالهم المنكرة ما فعله الأُمويّون من قبل ، ولله درّ الشاعر حيث قال :
تالله إن كانت أُميّة قد أتت *** قتل ابن بنت نبيّها مظلوما
فلقد أتاه بنو أبيه بمثلها *** هذا لعمرك قبره مهدوما
أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا *** في قتله فتتبّعوه رميما
ومن أراد أن يقف على سجلّ جرائم الدولتين (الأُموية والعباسية) وملفّ مظالمهم فعليه قراءة القصائد الثلاث التي نظمها رجال مؤمنون مخلصون ، عرّضوا أنفسهم للمخاوف والأخطار طلباً لرضى الحقّ :
1 ـ تائية دعبل الخزاعي الشهيد عام (246هـ ) ، فإنّها وثيقة تأريخية خالدة تعرب عن سياسة الدولتين تجاه أهل البيت: ، وقد أنشدها الشاعر للإمام الرضا ، فبكى وبكت معه النسوة .

صفحه 219
أخرج الحموي عن أحمد بن زياد عن دعبل الخزاعي قال : أنشدت قصيدة لمولاي عليّ الرضا (عليه السلام):
مدارس آيات خلت من تلاوة *** ومنزل وحي مقفر العرصاتِ
قال دعبل : ثمّ قرأت باقي القصيدة ، فلمّا انتهيت إلى قولي :
خروج إمام لا محالة واقع *** يقوم على اسم الله والبركاتِ
فبكى الرضا بكاءً شديداً . ومن هذه القصيدة قوله :
هُمُ نقضوا عهد الكتاب وفرضه *** ومحكمه بالزور والشبهاتِ
تراث بلا قربى ، وملك بلا هدى *** وحكم بلا شورى ، بغير هداةِ
وفيها أيضاً قوله :
لآل رسول الله بالخيف من منى *** وبالبيت والتعريف والجمراتِ
ديار عليّ والحسين وجعفر *** وحمزة والسجّاد ذي الثفناتِ
ديار عفاها جور كلّ منابذ *** ولم تعف للأيّام والسنواتِ
منازل كانت للصلاة وللتقى *** وللصوم والتطهير والحسناتِ

صفحه 220
منازل وحي الله معدن علمه *** سبيل رشاد واضح الطرقاتِ
منازل وحي الله ينزل حولها *** على أحمد الروحاتِ والغدواتِ
إلى أن قال :
ديار رسول الله أصبحن بلقعا *** ودار زياد أصبحت عمراتِ
وآل رسول الله غُلَّتْ رقابهم *** وآل زياد غُلّظُ القصراتِ
وآل رسول الله تُدْمى نحورهم *** وآل زياد زيّنوا الحجلاتِ
وفيها أيضاً :
أفاطم لو خلت الحسين مجدّلا *** وقد مات عطشاناً بشطّ فراتِ
إذاً للطمتِ الخدّ فاطم عنده *** وأجريت دمع العين في الوجناتِ
أفاطم قومي يا ابنة الخير واندبي *** نجوم سماوات بأرض فلاتِ(1)
2 ـ ميميّة الأمير أبي فراس الحمداني (320 ـ 357هـ ) ، و هذه القصيدة

1 . لاحظ للوقوف على هذه القصيدة : المناقب لابن شهر آشوب: 2 / 394 ، وروضة الواعظين للفتّال النيسابوري : 194 ، وكشف الغمّة للإربليّ: 3 / 112 ـ 117 ، بحار الأنوار: 49 / 244 ـ 251 وقد ذكرها أكثر المؤرّخين .

صفحه 221
تعرف بالشافية ، وهي من القصائد الخالدة ، وعليها مسحة البلاغة ، ورونق الجزالة ، وجودة السرد ، وقوّة الحجّة ، وفخامة المعنى ، أنشدها ناظمها لمّا وقف على قصيدة ابن سكرة العبّاسي التي مستهلّها :
بني عليّ دعوا مقالتكم *** لا يُنقص الدُّرَّ وضع من وضعه
فقال الأمير في جوابه ميميّته المعروفة وهي :
الحقّ مهتضمٌ والدين مخترم *** وفيء آل رسول الله مقتسمُ
إلى أن قال :
يا للرجال أما لله منتصرٌ *** من الطغاة؟ أما لله منتقمُ؟
بنو علي رعايا في ديارهم *** والأمر تملكه النسوان والخدم!(1)
3 ـ جيميّة ابن الرومي التي رثى بها يحيى بن عمر بن الحسين بن
زيد ، وهي :
أمامك فانظر أيّ نهجيك تنهج *** طريقان شتّى مستقيم وأعوج
ألا أي هذا الناس طال ضريركم *** بآل رسول الله فاخشوا أو ارتَجُوا
أكلّ أوان للنبيّ محمّد *** قتيل زكيّ بالدماء مضرّج(2)
وكم من الانصاف فيما كتبه الأصبهاني عن مدى العبء الذي تحمله
أهل البيت وشيعتهم من أجل كلمة الحق ، وموقف الصدق ، وما ترتّب على
ذلك من تكالب لا يعرف الرحمة من قبل الحكومات الجائرة المتلاحقة

1 . نقلها في الغدير برمتها وأخرج مصادرها ، لاحظ الغدير: 3 / 399 ـ 402 .
2 . مقاتل الطالبيين : 639 ـ 646 .

صفحه 222
للقضاء على هذا الوجود المقدّس واجتثاثه من أصله ، حيث ذكر :
«ولا يعرف التأريخ أُسرة كأُسرة أبي طالب بلغت الغاية من شرف
الأرومة ، وطيب النجار ، ضلّ عنها حقّها ، وجاهدت في سبيل الله حقّ الجهاد
من الأعصار ، ثمّ لم تظفر من جهادها المرير إلاّ بالحسرات ، ولم تعقب
من جهادها إلاّ العبرات ، على ما فقدت من أبطال أسالوا نفوسهم في ساحة الوغى ، راضية قلوبهم مطمئنة ضمائرهم ، وصافحوا الموت في بسالة فائقة ، وتلقّوه في صبر جميل يثير في النفس الإعجاب والإكبار ، ويشيع فيها ألوان التقدير والإعظام .
وقد أسرف خصوم هذه الأُسرة الطاهرة في محاربتها ، وأذاقوها ضروب النكال ، وصبّوا عليها صنوف العذاب ، ولم يرقبوا فيها إلاّ ولا ذمّةً ، ولم يرعوا لها
حقّاً ولا حرمة ، وأفرغوا بأسهم الشديد على النساء والأطفال ، والرجال جميعاً ، في عنف لا يشوبه لين ، وقسوة لا تمازجها رحمة ، حتّى غدت مصائب أهل البيت مضرب الأمثال ، في فـظاعة النكال ، وقد فجّرت هذه القسوة البالغة ينابيع الرحمة والمودّة في قلوب الناس ، وأشاعت الأسف الممض في ضمائرهم ، وملأت عليهم أقطار نفوسهم شجناً ، وصارت مصارع هؤلاء الشهداء حديثاً يروى ، وخبراً يتناقل ، وقصصاً تقص ، يجد فيها الناس إرضاء عواطفهم وإرواء مشاعرهم ، فتطلّبوه وحرصوا عليه»(1) .
نعم ، لقد اقترن تأريخ الشيعة بأنواع الظلم والنكال ، والقتل
والتشريد ، بحيث لم تشهده أيّ طائفة أُخرى من طوائف المسلمين . بلى ، لم ير

1 . مقدّمة مقاتل الطالبيين ، بقلم السيد أحمد صقر : الصفحة ي ـ ك ، طبع دار المعرفة .

صفحه 223
الأُمويّون ولا العباسيّون ولا الملوك الغزانوة ولا السلاجقة ولا من أتى بعدهم أيّ حرمة لنفوسهم وأعراضهم وعلومهم ومكتباتهم ، فحين كان اليهود والنصارى يسرحون ويمرحون في أرض الإسلام والمسلمين ، وقد كفل لهم الحكّام حرّيّاتهم باسم الرحمة الإسلامية ، كان الشيعة يأخذون تحت كلّ حجر ومدر ، ويقتلون بالشبهة والظنّة ، وتشرّد أُسرهم ، وتصادر أموالهم ، ولا يجدون بدّاً من أن يخفوا كثيراً من عقائدهم خوف النكال والقتل ، وبأيدي وقلوب نزعت منها الرحمة .
فلا تثريب إذن على الشيعي أمام هذه الوحشية المسرفة من أن يتعامل مع أخيه المسلم بالتقية ، وأن يظهر خلاف ما يعتقده ، بل اللوم أجمعه يقع على من حمله على ذلك ، بعد أن أباح دمه وعرضه وماله .
هذا هو طغرل بيك أوّل ملك من ملوك السلاجقة ورد بغداد سنة 447هـ ، وشنّ على الشيعة حملة شعواء ، وأمر بإحراق مكتبة الشيعة التي أنشأها أبو نصر سابور بن أردشير ، وزير بهاء الدولة البويهي ، وكانت من دور العلم المهمّة في بغداد بناها هذا الوزير الجليل في محلّة بين السورين في الكرخ سنة 381هـ  على مثال بيت الحكمة الذي بناه هارون الرشيد ، وكانت من الأهمية العلمية بمكان; حيث جمع فيها هذا الوزير ما تفرّق من كتب فارس والعراق ، واستكتب تآليف أهل الهند والصين والروم ، كما قاله محمد كرد علي ، ونافت كتبها على عشرة آلاف من جلائل الآثار ومهام الأسفار ، وأكثرها نسخ الأصل بخطوط المؤلّفين.(1)

1 . خطط الشام: 3 / 185 .

صفحه 224
قال ياقوت الحموي : وبها كانت خزانة الكتب التي أوقفها الوزير أبو
نصر سابور بن أردشير وزير بهاء الدولة بن عضد الدولة ، ولم يكن في
الدنيا أحسن كتباً منها ، كانت كلّها بخطوط الأئمّة المعتبرة وأُصولهم
المحرّرة . (1)
وكان من جملتها مصاحف بخطّ ابن مقلة على ما ذكره ابن الأثير.(2)
ولمّا كان الوزير سابور من أهل الفضل والأدب ، فقد أخذ العلماء يهدون إليه مصنّفاتهم المختلفة ، فأصبحت مكتبته من أغني دور الكتب ببغداد ، وقد أُحرقت هذه المكتبة العظيمة في جملة ما أُحرق من محال الكرخ عند مجيء طغرل بيك ، وتوسّعت الفتنة حتّى اتّجهت إلى شيخ الطائفة وأصحابه فأحرقوا كتبه وكرسيه الذي كان يجلس عليه للكلام .
قال ابن الجوزي في حوادث سنة (448هـ ) : وهرب أبو جعفر الطوسي ونهبت داره ، ثمّ قال في حوادث سنة (449هـ ) : وفي صفر هذه السنة كبست
دار أبي جعفر الطوسي متكلّم الشيعة في الكرخ ، وأُخذ ما وجد من دفاتره وكرسي يجلس عليه للكلام ، وأُخرج إلى الكرخ وأُضيف إليه ثلاث مجانيق بيض كان الزوّار من أهل الكرخ قديماً يحملونها معهم إن قصدوا زيارة الكوفة ، فأُحرق الجميع.(3)

1 . معجم البلدان: 2 / 342 .
2 الكامل في التاريخ: 10 / 3 .
3 . المنتظم: 8 / 173 ـ 179 ، نقلنا ما يتعلّق بمكتبة أبي نصر سابور والشيخ الطوسي عن مقدّمة شيخنا الطهراني على التبيان، وذكرنا المصادر التي أومأ هو إليها في الهامش ، لاحظ الصفحة (هـ ـ و) من المقدّمة .

صفحه 225
وأخيراً فلعلّ القارئ الكريم إذا تأمّل بتدبرّ وتأنّ إلى جملة ما كتب
وأُلّف من المراجع التاريخية ـ وحتّى تلك التي كتبت في تلك العصور
التي شهدت هذه المجازر المتلاحقة ، والتي بلا أدنى شكّ كان أغلبها يجاري أهواء الأُسر الحاكمة آنذاك ـ فإنّه سيجد بوضوح أنّ بقاء الشيعة حتّى هذه الأزمنة من المعاجز والكرامات وخوارق العادات ، كيف وإنّ تاريخهم كان سلسلة من عمليات الذبح ، والقتل ، والقمع ، والاستئصال ، والسحق ، والإبادة ، قد تظافرت قوى الكفر والفسق على إهلاكهم وقطع جذورهم ، ومع ذلك فقد كانت لهم دول و دويلات ، ومعاهد وكلّيّات ، وبلدان وحضارات ، وأعلام ومفاخر ، وعباقرة وفلاسفة ، وفقهاء ، ومحدّثون ، ووزراء وسياسيّون ، ويؤلّفون اليوم خمس المسلمين أو ربعهم .
نعم إنّ ذلك من فضله سبحانه لتعلّق مشيئته على إبقاء الحقّ وإزهاق الباطل في ظلّ قيام الشيعة طيلة القرون بواجبها وهو الصمود أمام الظلم ، والتضحية والتفدية للمبدأ والمذهب وقد قال سبحانه : (إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشرونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مائَتَينِ وإنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَروا بِأِنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ)(1) .
ولا يفوتنّك أخي القارئ الكريم أنّ ثوراتهم المتعاقبة على الحكومات الظالمة الفاسدة الخارجة عن حدود الشريعة الإسلامية العظيمة هي التي أدّت إلى تشريدهم وقتلهم والفتك بهم ، ولو أنّهم ساوموا السلطة الأُموية والعباسية ،

1 . الأنفال : 65 .

صفحه 226
لكانوا في أعلى المناصب والمدارج ، لكنّ ثوراتهم لم تكن عنصرية أو قوميّة أو طلباً للرئاسة ، بل كانت لإزهاق الباطل ورفع الظلم عن المجتمع ، والدعوة إلى إعلاء كلمة الله وغير ذلك ممّا هو من وظائف العلماء العارفين .

صفحه 227

الفصل العاشر:

مع الشيعة الإماميّة في عقائدهم

رسائل موجزة حول عقائد الشيعة

إنّ المناهج الكلامية التي فرّقت المسلمين إلى مذاهب حدثت في أواخر القرن الأوّل الهجري ، واستمرّت في القرون التالية ، فنجمت عنها فرق إسلامية مختلفة كالمرجئة ، والجهمية ، والمعتزلة ، والحشوية ، والأشعرية ، والكرّامية بفرقهم المتشعّبة . وهذه الفرق بمجموعها تكون نتاجاً حقيقياً لمخاض البحث والمذاكرة ، وكنتيجة منطقية للتوسع الأُفقي في الرقعة الإسلامية التي شملت العديد من الأُمم والقوميات المختلفة ، وما يؤلّفه ذلك من احتكاك وجدل فكري وتأثّر وتأثير في تلك التيّارات الفكرية وتداخل غير محسوس في أحيان كثيرة أُوجد ودون وعي من الكثيرين ، ركائز وجود هذه التصوّرات التي تبلورت فيما بعد فيما يسمّى بالفرق الإسلامية .
ومن هنا فإنّ المرء لا يجد لها تاريخاً متّصلا بزمن النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله) ، ويقف على صدق ما ذكرنا من سبر أجزاء كتابنا هذا .
فالخوارج مثلا كانوا فرقة سياسية نشأت في عام (37هـ ) أثناء حرب صفّين ، ثمّ تبدّلت إلى فرقة دينيّة في أواخر القرن الأوّل وأوائل القرن الثاني .

صفحه 228
ما كتبه الإمام الرضا(عليه السلام) للمامون عن محض الإسلام   
والمرجئة ظهرت في الأوساط الإسلاميّة عند اختلاف الناس في الخليفة عثمان والإمام عليّ ، ثمّ تطورت إلى معنى آخر ، وكان من حصيلة التطوّر هو تقديم الإيمان وتأخير العمل .
والجهمية نتيجة أفكار «جهم بن صفوان» المتوفّى سنة (128هـ ) .
والمعتزلة تستمدّ أُصولها من واصل بن عطاء تلميذ الحسن البصري المتوفّى عام (131هـ ) ، وهكذا القدريّة والكرّاميّة والظاهريّة والأشعريّة فجميعها فرق نتجت عن البحث الكلامي وصقلها الجدل عبر القرون ، فلا تجد لهذه الفرق سنداً متّصلا بالنبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله) .
وأمّا عقائد الشيعة الإمامية فعلى النقيض من ذلك ، ولا صلة في نشأتها بينها وبين تلك الفرق ، لأنّها أُخذت أساساً من مصادر التشريع الحقيقية للإسلام ، وهي : الذكر الحكيم أوّلا ، والسنّة النبويّة ثانياً ، وخطب الإمام عليّ وكلمات العترة الطاهرة الصادرة من النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله) ثالثاً . فلأجل ذلك يحدّد تاريخ عقائدهم بتاريخ الإسلام وحياة أئمّتهم الطاهرين .
وهذا لا يعني أنّ الشيعة تتعبّد بالنصوص في أُصولها المذكورة من دون تحليل وتفكير ، بل إنّ أُصول العقائد الواردة في المصادر المذكورة أخذها علماؤهم منها وحرّروها بأوضح الوجوه ، ودعموها بالبراهين الواضحة ، كما أنّهم لا يعتدّون في بناء معتقداتهم ومتبنّياتهم برواية الآحاد، بل يشترطون فيها أن تكون متواترة ، أو محفوفة بالقرائن المفيدة للعلم واليقين; إذ ليس المطلوب في باب الاعتقاد مجرّد العمل ، بل المطلوب هو الإذعان والإيمان ، وهذا لا يحصل برواية الآحاد .

صفحه 229
إلاّ أنّ الأمر الجدير بالذكر هو أنّ المرتكز الأساسي لبناء العقيدة الخاصّة بالشيعة الإمامية هو الاعتقاد بأنّ الإمام عليّاً منصوص عليه بالوصاية على لسان النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله) ، وأنّه وعترته الطاهرة هم المرجع الأعلى بعد الذكر الحكيم . وهذا هو العنصر المقوّم للتشيّع ، وأمّا سائر الأُصول فإنّها عقائد إسلامية لا تختصّ بالشيعة الإمامية وحدها .
وسنحاول أن نستعرض في الصفحات اللاحقة بعضاً من جوانب عقائد الشيعة الإمامية ، الواردة في أحاديث أئمّتهم تارة ، وكلمات علمائهم الأقدمين ثانياً ، حتّى يقف القارئ على جذور تلك العقائد وتتوضّح له الصورة الحقيقية عن ركائز هذه المعتقدات ، والتي تستمدّ كيانها من الأخبار والروايات الواردة من أئمّتهم الطاهرين والتي تكوّن كلمات الإمام عليّ(عليه السلام) وخطبه البعد الأكبر فيها ، أو من الآراء الكلامية لعلمائهم ، والتي تتفق كثيراً مع جمهور المسلمين في أبعادها المختلفة .

1 ـ ما كتبه الإمام الرضا(عليه السلام) للمأمون عن محض الإسلام

روى الصدوق بسنده عن الفضل بن شاذان قال : سأل المأمون عليّ بن موسى الرضا أن يكتب له محض الإسلام على سبيل الإيجاز والاختصار ، فكتب(عليه السلام) له :
«إنّ محض الإسلام شهادة أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، إلهاً واحداً ، أحداً ، فرداً ، صمداً ، قيّوماً ، سميعاً ، بصيراً ، قديراً ، قديماً ، قائماً ، باقياً ، عالماً لايجهل ، قادراً لا يعجز ، غنيّاً لا يحتاج ، عدلا لا يجور ، وأنّه خالق كلّ شيء ، ليس كمثله شيء ، لا شبه له ، ولا ضدّ له ،

صفحه 230
ولا ندّ له ، ولا كفو له ، وأنّه المقصود بالعبادة والدعاء والرغبة والرهبة .
وأنّ محمّداً عبده ورسوله وأمينه وصفيّه وصفوته من خلقه ، وسيّد المرسلين وخاتم النبيين وأفضل العالمين ، لا نبيّ بعده ولا تبديل لملّته ولا تغيير لشريعته ، وأنّ جميع ما جاء به محمّد بن عبد الله هو الحقّ المبين ، والتصديق به وبجميع من مضى قبله من رسل الله ، وأنبيائه ، وحججه ، والتصديق بكتابه الصادق العزيز الذي : (لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكيم حَميد)(1) وأنّه المهيمن على الكتب كلّها ، وأنّه حقّ من فاتحته إلى خاتمته ، نؤمن بمحكمه ومتشابهه ، وخاصّه وعامّه ، ووعده ووعيده ، وناسخه ومنسوخه ، وقصصه وأخباره ، لا يقدر أحد من المخلوقين أن يأتي بمثله .
عرض السيّد عبد العظيم الحسني عقائده على الإمام الهادي(عليه السلام)   
وأنّ الدليل بعده والحجّة على المؤمنين والقائم بأمر المسلمين ، والناطق عن القرآن ، والعالم بأحكامه : أخوه وخليفته ووصيّه ووليّه ، والذي كان منه بمنزلة هارون من موسى : عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) أمير المؤمنين ، وإمام المتّقين ، وقائد الغرّ المحجّلين ، وأفضل الوصيّين ، ووارث علم النبيّين ، والمرسلين ، وبعده الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة ، ثمّ عليّ بن الحسين زين العابدين ، ثمّ محمّد بن عليّ باقر علم النبيّين ، ثمّ جعفر بن محمّد الصادق وارث علم الوصيّين ، ثمّ موسى بن جعفر الكاظم ، ثمّ عليّ بن موسى الرضا ، ثمّ محمّد بن عليّ ،

1 . فصّلت : 42 .

صفحه 231
ثمّ عليّ بن محمّد ، ثمّ الحسن بن عليّ ، ثمّ الحجّة القائم المنتظر ـ صلوات الله عليهم أجمعين ـ .
أشهد لهم بالوصية والإمامة ، وأنّ الأرض لا تخلو من حجّة لله تعالى على خلقه في كلّ عصر وأوان ، وأنّهم العروة الوثقى ، وأئمّة الهدى ، والحجّة على أهل الدنيا ، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، وأنّ كل من خالفهم ضالّ مضلّ باطل ، تارك للحقّ والهدى ، وأنّهم المعبّرون عن القرآن ، والناطقون عن الرسول(صلى الله عليه وآله) بالبيان ، ومن مات ولم يعرفهم مات ميتة جاهلية ، وأنّ من دينهم الورع والفقه والصدق والصلاة والاستقامة والاجتهاد ، وأداء الأمانة إلى البرّ والفاجر ، وطول السجود ، وصيام النهار وقيام الليل ، واجتناب المحارم ، وانتظار الفرج بالصبر ، وحسن العزاء وكرم الصحبة.(1)
ثمّ ذكر الإمام فروعاً شتّى من مختلف أبواب الفقه وأشار إلى بعض الفوارق بين مذهب أهل البيت وغيرهم لا يهمّنا في المقام ذكرها، ومن أراد الوقوف عليها فليرجع إلى المصدر .

2 ـ عرض السيّد عبد العظيم الحسني عقائده على الإمام الهادي(عليه السلام)

روى الصدوق عن عبد العظيم الحسني(2) قال : دخلت على سيّدي عليّ

1 . عيون أخبار الرضا: 2 / 121ـ122 .
2 . عبد العظيم بن عبد الله بن عليّ بن الحسن بن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام) من أصحاب الإمام الهادي ، قال النجاشي : له كتاب خطب أمير المؤمنين ، ورد الري هارباً من السلطان وسكن سُرَباً (حفيراً تحت الأرض) في دار رجل من الشيعة في سكّة الموالي فكان يعبد الله في ذلك السرب ويصوم نهاره ويقوم ليله ، وكان يخرج مستتراً ، فيزور القبر المقابل قبره وبينهما الطريق ويقول : هو قبر رجل من ولد موسى بن جعفر(عليه السلام) . فلم يزل يأوي إلى ذلك السرب ويقع خبره إلى الواحد بعد الواحد من شيعة آل محمّد (عليهم السلام) حتّى عرفه أكثرهم . رجال النجاشي (2 / 65ـ66) ، ومات عبد العظيم بالري وقبره مزار يزوره الناس . وذكره الشيخ الطوسي في رجاله في أصحاب الإمام الهادي والعسكري تحت رقم (1و20) ، وذكره أيضاً صاحب عمدة الطالب : 94 .

صفحه 232
بن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب(عليهم السلام) فلمّا بَصُرَ بي ، قال لي : «مرحباً بك يا أبا القاسم أنت وليّنا حقّا» قال : فقلت له : يا ابن رسول الله إنّي أُريد أن أعرض عليك ديني ، فإن كان مرضيّاً أثبت عليه حتّى ألقى الله عزّوجلّ . فقال : «هاتها أبا القاسم» .
فقلت : إنّي أقول : إنّ الله تبارك وتعالى واحد ليس كمثله شيء ، خارج من الحدّين; حدّ الإبطال ، وحدّ التشبيه ، وأنّه ليس بجسم ولا صورة ولا عرض ولا جوهر ، بل هو مجسِّم الأجسام ومصوِّر الصور ، وخالق الأعراض والجواهر ، وربُّ كلّ شيء ومالكه وجاعله ومحدثه ، وإنّ محمّداً عبده ورسوله ، خاتم النبيّين فلا نبيّ بعده إلى يوم القيامة ، وأقول : إنّ الإمام والخليفة ووليّ الأمر بعده أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ، ثمّ الحسن ، ثمّ الحسين ، ثمّ عليّ بن الحسين ، ثمّ محمّد بن عليّ ، ثمّ جعفر بن محمّد ، ثمّ موسى بن جعفر ، ثمّ عليّ بن موسى ، ثمّ محمّد بن عليّ ، ثمّ أنت يا مولاي .
فقال(عليه السلام) : «ومن بعدي الحسن ابني ، فكيف للناس بالخلف من
بعده؟»
قال : فقلت : وكيف ذاك يا مولاي؟ قال : «لأنّه لا يرى شخصه ولا
يحل ذكره باسمه حتّى يخرج فيملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت

رسالة الصدوق في عقائد الإمامية   
ظلماً وجوراً» .

صفحه 233
قال : فقلت : أقررت وأقول : إنّ وليّهم وليّ الله ، وعدوّهم عدوّ الله ، وطاعتهم طاعة الله ومعصيتهم معصية الله ، وأقول : إنّ المعراج حقّ والمساءلة في القبر حقّ ، وإنّ الجنّة حقّ ، والنار حقّ ، والميزان حقّ ، وإنّ الساعة آتية لا ريب فيها وإنّ الله يبعث من في القبور ، وأقول : إنّ الفرائض الواجبة بعد الولاية : الصلاة والزكاة ، والصوم ، والحجّ ، والجهاد ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
فقال عليّ بن محمّد(عليه السلام) : «يا أبا القاسم ، هذا واللهِ دين الله الذي ارتضاه لعباده ، فاثبت عليه ثبّتك الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة».(1)
وقد اكتفينا بهذين النصّين من الإمامين الطاهرين ، أحدهما قولي ، والآخر إمضائي ، وقد أخذوا عقائدهم عن آبائهم الطاهرين .

3 ـ رسالة الصدوق في عقائد الإمامية

إنّ لمشايخنا الإمامية مؤلّفات شهيرة في بيان عقائد الشيعة ومعارفهم ، نختار في المقام رسائل موجزة من المتقدّمين منهم :
صنّف الشيخ الصدوق (306 ـ 381هـ ) رسالة موجزة في عقائد الإمامية ، قال : اعلم أنّ اعتقادنا في التوحيد : أنّ الله تعالى واحد أحد ، ليس كمثله شيء ، قديم ، لم يزل ، ولا يزال سميعاً بصيراً ، عليماً ، حكيماً ، حيّاً ، قيّوماً ، عزيزاً ، قدّوساً ، عالماً ، قادراً ، غنيّاً ، لا يوصف بجوهر ولا جسم ولا صورة ولا عرض ـ إلى أن قال : ـ وأنّه تعالى متعال عن جميع صفات خلقه ، خارج عن الحدّين :

1 . التوحيد : 81 برقم 37، باب التوحيد والتشبيه .

صفحه 234
حدّ الإبطال ، وحدّ التشبيه ، وأنّه تعالى شيء لا كالأشياء ، أحد صمد لم يلد فيورث ، ولم يولد فيشارك ، ولم يكن له كفواً أحد ، ولا ندّ ولا ضدّ ، ولا شبه ولا صاحبة ، ولا مثل ولا نظير ، ولا شريك له ، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ولا الأوهام ، وهو يدركها ، لا تأخذه سنة ولا نوم ، وهو اللطيف الخبير ، خالق كلّ شيء لا إله إلاّ هو ، له الخلق والأمر تبارك الله ربّ العالمين .
ومن قال بالتشبيه فهو مشرك ، ومن نسب إلى الإمامية غير ما وصف في التوحيد فهو كاذب ، وكلّ خبر يخالف ما ذكرت في التوحيد فهو موضوع مخترع ، وكلّ حديث لا يوافق كتاب الله فهو باطل ، وإن وجد في كتب علمائنا فهو مدلّس . . . ثمّ إنّه ـ قدّس الله سرّه ـ ذكر الصفات الخبرية في الكتاب العزيز وفسّـرها ، وبيّن حدّاً خاصّاً لصفات الذات وصفات الأفعال ، وما هو معتقد الإماميّة في أفعال العباد ، وأنّه بين الجبر والتفويض ، كما ذكر عقائدهم في القضاء والقدر ، والفطرة ، والاستطاعة ، إلى غير ذلك من المباحث المهمّة التي تشكّل العمود الفقري للمعارف الإلهية ، إلى أن قال :
ما أملاه الصدوق على جماعة في وصف دين الإمامية   
اعتقادنا أنّ القرآن الذي أنزله الله تعالى على نبيّه محمّد هو ما بين الدفّتين ، وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك ، ومبلغ سوره عند الناس (114) سورة ، وعندنا أنّ الضحى والانشراح سورة واحدة ، كما أنّ الإيلاف والفيل سورة واحدة . ومن نسب إلينا أنّا نقول إنّه أكثر من ذلك فهو كاذب . . . إلى آخر الرسالة.(1)

1 . لاحظ رسالة الصدوق في الاعتقادات ، وقد طبعت غير مرّة ، وعليها شروح وتعاليق العلماء منهم العلاّمة المجلسي .

صفحه 235
ثمّ إنّ الشيخ المفيد (336 ـ 413هـ ) قد شرح تلك الرسالة بكتاب أسماه شرح عقائد الصدوق ، أو تصحيح الاعتقاد ، ناقش فيها أُستاذه الصدوق في بعض المواضع التي استند فيها الصدوق على روايات غير جامعة للشرائط في باب العقائد(1) .

4 ـ أمالي الصدوق(رحمه الله)

وهو ما أملاه الصدوق أيضاً على جماعة في المجلس الثالث والتسعين ، يوم الجمعة الثاني عشر من شعبان من سنة 368 وجاء فيه : واجتمع في هذا اليوم إلى الشيخ الفقيه أبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه أهل مجلسه والمشايخ ، فسألوه أن يملي عليهم وصف دين الإماميّة على الإيجاز والاختصار ، فقال : دين الإماميّة هو الإقرار بتوحيد الله تعالى ذكره ، ونفي التشبيه عنه ، وتنزيهه عمّا لا يليق ، والإقرار بأنبياء الله ورسله وحججه وملائكته وكتبه ، والإقرار بأنّ محمّداً هو سيّد الأنبياء والمرسلين ، وأنّه أفضل منهم ومن جميع الملائكة المقرّبين ، وأنّه خاتم النبيّين; فلا نبيّ بعده . . . إلى آخر ما  ذكر.(2)

5 ـ جمل العلم والعمل للسيّد الشريف المرتضى

ألّف السيّد الشريف المرتضى رسالة موجزة في العقائد أسماها جمل العلم والعمل . أورد فيها ـ رحمه الله ـ عقائد الشيعة على وجه الإيجاز ، نذكر منها

1 . طبع الكتاب مع كتاب أوائل المقالات للشيخ المفيد في تبريز عام (1371هـ ) . وطبع أخيراً في الجزء الخامس من كتب المؤتمر العالمي للشيخ المفيد ـ 1413هـ .
2 . الأمالي للشيخ الصدوق: 509، المجلس الثالث والتسعون وانظر الحديث المتقدم في آخر كتاب المقنع والهداية نشر مؤسسة المطبوعات الدينية والمكتبة الإسلامية ـ 1377 هـ .

صفحه 236
ما يرتبط بالتوحيد ، وندعو القارئ الكريم إلى مطالعة الرسالة لما فيها من العرض الدقيق لهذه الجوانب :

بيان ما يجب اعتقاده في أبواب التوحيد :

الأجسام محدثَة لأنّها لم تسبق الحوادث ، فلها حكمها في الحدوث ، ولابدّ لها من محدِث; لحاجة كلّ محدَث في حدوثه إلى محدِث كالصناعة والكتابة .

ولابدّ من كونه (تعالى) قادراً لتعذّر الفعل على من لم يكن قادراً ، وتيسّره على من كان كذلك .

ولابدّ من كون محدِثها عالماً; لأنّ الإحكام ظاهر في كثير من العالم ، والمحكَم لا يقع إلاّ من عالم .

ولابدّ من كونه موجوداً; لأنّ له تعلّقاً من حيث كان قادراً عالماً ، وهذا الضرب من التعلّق لا يصحّ إلاّ مع الوجود .

ويجب كونه قديماً; لانتهاء الحوادث إليه .

ويجب كونه حيّاً ، وإلاّ لم يصحّ كونه قادراً ، عالماً ، فضلا عن وجوبه .

ويجب أن يكون مدركاً إذا وجدت المدركات ، لاقتضاء كونه حيّاً .

ووجب كونه سميعاً بصيراً; لأنّه ممّن يجب أن يدرك المدركات إذا وجدت ، وهذه فائدة قولنا : سميع بصير .

ومن صفاته ـ وإن كانتا عن علّة ـ كونه تعالى مريداً وكارهاً; لأنّه تعالى قد أمر وأخبر ونهى ، ولايكون الأمر والخبر أمراً ولا خبراً إلاّ بالإرادة . والنهي لا يكون نهياً إلاّ بالكراهة .

جمل العلم والعمل للسيّد الشريف المرتضى   

ولا يجوز أن يستحقّ هاتين الصفتين لنفسه; لوجوب كونه مريداً كارهاً للشيء الواحد ، على الوجه الواحد .


صفحه 237

ولا لعلّة قديمة ، لما سنبطل به الصفات القديمة .

لا لعلّة محدثة في غير حيّ لافتقار الإرادة إلى تنبيه . ولا لعلّة موجودة في حيّ ; لوجوب رجوع حكمها إلى ذلك الحيّ . فلم يبق إلاّ أن توجد لا في محلّ .

ولا يجوز أن يكون له في نفسه صفة زائدة على ما ذكرناه; لأنّه لا حكم لها معقول .

وإثبات ما لا حكم له معقول من الصفات ، يفضي إلى الجهالات .

ويجب أن يكون قادراً فيما لم يزل; لأنّه لو تجدّد له ذلك لم يكن إلاّ لقدرة محدثة ، ولا يمكن إسناد إحداثها إلاّ إليه ، فيؤدّي إلى تعلّق كونه قادراً بكونه محدثاً ، وكونه محدثاً بكونه قادراً . وثبوت كونه قادراً فيما لم يزل يقتضي أن يكون فيما لم يزل حيّاً موجوداً .

ويجب أن يكون عالماً فيما لم يزل ; لأنّ تجدّد كونه عالماً يقتضي أن يكون بحدوث علم ، والعلم لا يقع إلاّ ممّن هو عالم .

ووجوب هذه الصفات لم تدلّ على أنّها نفسيّة ، وادّعاء وجوبها لمعان قديمة تبطل صفات النفس ، ولأنّ الاشتراك في القدم يوجب التماثل والمشاركة في سائر الصفات ولا يجوز خروجه تعالى عن هذه الصفات لاسنادها إلى النفس .

ويجب كونه تعالى غنيّاً غير محتاج; لأنّ الحاجة تقتضي أن يكون ممّن ينتفع ويستضرّ ، وتؤدّي إلى كونه جسماً .

لايجوز كونه تعالى متّصفاً بصفة الجواهر والأجسام والأعراض لقدمه وحدوث هذه أجمع ، ولأنّه فاعل الأجسام ، والجسم يتعذّر عليه فعل الجسم .

ولا يجوز عليه تعالى الرؤية; لأنّه كان يجب مع ارتفاع الموانع وصحّة أبصارنا أن نراه .


صفحه 238
ولمثل ذلك يعلم أنّه لا يُدرك بسائر الحواس .
ويجب أن يكون تعالى واحداً لا ثاني له في القدم ; لأنّ إثبات ثان يؤدّي إلى إثبات ذاتين لا حكم لهما يزيد على حكم الذات الواحدة ، ويؤدّي أيضاً إلى تعذّر الفعل على القادر من غير جهة منع معقول ، وإذا بطل قديم ثان بطل قول الثنوية والنصارى والمجوس . . . إلى آخرها.(1)
البيان عن جمل اعتقاد أهل الإيمان للكراجكي   

6 ـ البيان عن جمل اعتقاد أهل الإيمان للكراجكي

كتب الإمام الشيخ أبو الفتح محمّد بن عليّ الكراجكي الطرابلسي رسالة موجزة في عقائد الإمامية وسمّـاها : «البيان عن جمل اعتقاد أهل الإيمان» وممّا جاء فيها :
قال : سألت يا أخي ـ أسعدك الله بألطافه ، وأيّدك بإحسانه وإسعافه ـ أن أُثبت لك جملا من اعتقادات الشيعة المؤمنين ، وفصولا في المذهب يكون عليها بناء المسترشدين ، لتذاكر نفسك بها ، وتجعلها عدّة لطالبها ، وأنا أختصر لك القول وأُجمله ، وأُقرّب الذكر وأُسهّله وأورده على سنن الفتيا في المقالة ، من غير حجّة ولا دلالة ، وما توفيقي إلاّ بالله :

في توحيده سبحانه :

اعلم أنّ الواجب على المكلّف : أن يعتقد حدوث العالم بأسره ، وأنّه لم

1 . جمل العلم والعمل قسم العقائد ، الطبعة الثانية تحقيق رشيد الصفّار ، طبعة النجف طالع الرسالة بأجمعها . نعم; رأيه في إعجاز القرآن من القول بالصرف رأي شخصي له ولا يمثل رأي جمهور الإمامية .

صفحه 239
يكن شيئاً قبل وجوده ، ويعتقد أنّ الله تعالى هو محدِث جميعه ، من أجسامه ، وأعراضه ، إلاّ أفعال العباد الواقعة منهم ; فإنّهم محدثوها دونه سبحانه .
ويعتقد أنّ الله قديم وحده ، لا قديم سواه ، وأنّه موجود لم يزل ، وباق لا يزال ، وأنّه شيء لا كالأشياء . لا شبيه الموجودات ، ولا يجوز عليه ما يجوز على المحدثات ، وأنّ له صفات يستحقّها لنفسه لا لمعان غيره ، وهي كونه حيّاً ، عالماً ، قديماً ، باقياً ، لا يجوز خروجه عن هذه الصفات إلى ضدّها ، يعلم الكائنات قبل كونها ، ولا يخفى عليه شيء منها .

في عدله سبحانه :

وأنّ له صفات أفعال ، لا يصحّ إضافتها إليه في الحقيقة إلاّ بعد فعله ، وهي ما وصف به نفسه من أنّه خالق، ورازق، ومعط، وراحم، ومالك ، ومتكلّم ، ونحو ذلك.
وأنّ له صفات مجازات وهي ما وصف به نفسه ، من أنّه يريد ويكره ، ويرضى ويغضب .
فإرادته لفعل هي الفعل المراد بعينه ، وإرادته لفعل غيره هي الأمر بذلك الفعل ، وليس تسميتها بالإرادة حقيقة ، وإنّما هو على مجاز اللغة ، وغضبه هو وجود عقابه ، ورضاه هو وجود ثوابه ، وأنّه لا يفتقر إلى مكان ، ولا يدرك بشيء من  الحواسّ .
وأنّه منزّه من القبائح ، لا يظلم الناس وإن كان قادراً على الظلم; لأنّه عالم بقبحه ، غنيّ عن فعله ، قوله صدق ، ووعده حقّ ، لا يكلّف خلقه على ما لا

صفحه 240
يستطاع ، ولا يحرمهم صلاحاً لهم فيه الانتفاع ، ولا يأمر بما لا يريد ، ولا ينهى عمّا يريد . وأنّه خلق الخلق لمصلحتهم ، وكلّفهم لأجل منازل منفعتهم ، وأزاح في التكليف عللهم ، وفعل أصلح الأشياء بهم . وأنّه أقدرهم قبل التكليف ، وأوجد لهم العقل والتمييز .
وأنّ القدرة تصلح أن يفعل بها وضدّه بدلا منه . وأنّ الحق الذي تجب معرفته ، يدرك بشيئين ، وهما العقل والسمع ، وأنّ التكليف العقلي لا ينفكّ عن التكليف السمعي . وأنّ الله تعالى قد أوجد (للناس) في كلّ زمان مسمعاً (لهم) من أنبيائه وحججه بينه وبين الخلق ، ينبّههم على طريق الاستدلال في العقليات ، ويفقّههم على ما لا يعلمونه إلاّ به من السمعيات . وأنّ جميع حجج الله تعالى محيطون علماً بجميع ما يفتقر إليهم فيه العباد . وإنّهم معصومون من الخطأ والزلل عصمة اختيار . وأنّ الله فضّلهم على خلقه ، وجعلهم خلفاءه القائمين بحقّه . وأنّه أظهر على أيديهم المعجزات ، تصديقاً لهم فيما ادّعوه من الأنباء والأخبار . وأنّهم ـ مع ذلك ـ بأجمعهم عباد مخلوقون ، بشر مكلّفون يأكلون ويشربون ، ويتناسلون ، ويحيون بإحيائه ، ويموتون بإماتته ، تجوز عليهم الآلام المعترضات ، فمنهم من قتل ، ومنهم من مات ، لا يقدرون على خلق ، ولا رزق ، ولا يعلمون الغيب إلاّ ما أعلمهم إله الخلق . وأنّ أقوالهم صدق ، وجميع ما أتوا به حق .

في النبوّة العامّة والخاصّة :

وأنّ أفضل الأنبياء أُولو العزم ، وهم خمسة : نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، ومحمّد(صلى الله عليه وآله) وعليهم ، وأنّ محمّد بن عبد الله(صلى الله عليه وآله) أفضل الأنبياء

صفحه 241
أجمعين ، وخير الأوّلين والآخرين . وأنّه خاتم النبيين ، وأنّ آباءه من آدم(عليه السلام) إلى عبد الله بن عبد المطّلب ـ رضوان الله عليهم ـ كانوا جميعاً مؤمنين ، وموحّدين لله تعالى عارفين ، وكذلك أبوطالب ـ رضوان الله عليه ـ .
ويعتقد أنّ الله سبحانه شرّف نبيّنا(صلى الله عليه وآله) بباهر الآيات ، وقاهر المعجزات ، فسبّح في كفّه الحصى ، ونبع من بين أصابعه الماء ، وغير ذلك ممّا قد تضمّنته الأنباء ، وأجمع على صحّته العلماء ، وأتى بالقرآن المبين ، الذي بهر به السامعين! وعجز من الإتيان بمثله سائر الملحدين .
وأنّ القرآن كلام ربّ العالمين ، وأنّه محدَث ليس بقديم . ويجب أن يعتقد أنّ جميع ما فيه من الآيات الذي يتضمّن ظاهرها تشبيه الله تعالى بخلقه ، وأنّه يجبرهم على طاعته أو معصيته ، أو يضلّ بعضهم عن طريق هدايته ، فإنّ ذلك كلّه لا يجوز حمله على ظاهرها ، وأنّ له تأويلا يلائم ما تشهد به العقول ممّا قدّمنا ذكره في صفات الله تعالى ، وصفات أنبيائه .
فإن عرف المكلّف تأويل هذه الآيات فحسن ، وإلاّ أجزأ أن يعتقد في الجملة أنّها متشابهات ، وأنّ لها تأويلا ملائماً ، يشهد بما تشهد به العقول والآيات المحكمات ، وفي القرآن المحكم والمتشابه ، والحقيقة والمجاز ، والناسخ والمنسوخ ، والخاص والعامّ .
ويجب عليه أن يقرّ بملائكة الله أجمعين ، وأنّ منهم جبرئيل وميكائيل ، وأنّهما من الملائكة الكرام ، كالأنبياء بين الأنام ، وأنّ جبرئيل هو الروح الأمين الذي نزل بالقرآن على قلب محمّد خاتم النبيّين ، وهو الذي كان يأتيه بالوحي من ربّ العالمين .

صفحه 242
ويجب الإقرار بأنّ شريعة الإسلام التي أتى بها محمّد(صلى الله عليه وآله) ناسخة لما خالفها من شرائع الأنبياء المتقدّمين .
وإنّه يجب التمسّك بها والعمل بما تضمّنته من فرائضها ، وأنّ ذلك
دين الله الثابت الباقي إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، لا حلال إلاّ ما
أحلّت ولا حرام إلاّ ما حرّمت ، ولا فرض إلاّ ما فرضت ، ولا عبادة إلاّ
ما أوجبت .
وإنّ من انصرف عن الإسلام ، وتمسّك بغيره ، كافر ضالّ ، مخلّد في النار ، ولو بذل من الاجتهاد في العبادة غاية المستطاع .
وإنّ من أظهر الإقرار بالشهادتين كان مسلماً ، ومن صدّق بقلبه ولم يشكّ في فرض أتى به محمّد(صلى الله عليه وآله) كان مؤمناً .
ومن الشرائط الواجبة للإيمان ، العمل بالفرائض اللازمة ، فكلّ مؤمن مسلم ، وليس كلّ مسلم مؤمناً .
وقوله تعالى : (إنّ الدّينَ عِنْدَ الله الإسْلام)(1) إنّما أراد به الإسلام الصحيح التام ، الذي يكون المسلم فيه عارفاً ، مؤمناً ، عالماً بالواجبات ، طائعاً .

في الإمامة والخلافة :

ويجب أن يعتقد أنّ حجج الله تعالى بعد رسوله الذين هم خلفاؤه ، وحفظة شرعه، وأئمّة أُمّته، اثناعشر أهل بيته ، أوّلهم أخوه وابن عمّه ،
وصهره ، بعل فاطمة الزهراء ابنته ، ووصيّه على أُمّته ، عليّ بن أبي طالب

1 . آل عمران : 19 .

صفحه 243
أمير المؤمنين ، ثمّ الحسن بن عليّ الزكي ، ثمّ الحسين بن عليّ الشهيد ،
ثمّ عليّ بن الحسين زين العابدين ، ثمّ محمّد بن عليّ باقر العلوم ، ثمّ
جعفر بن محمّد الصادق ، ثمّ موسى بن جعفر الكاظم ، ثمّ عليّ بن موسى
الرضا ، ثمّ محمّد بن عليّ التقي ، ثمّ عليّ بن محمّد المنتجب ، ثمّ الحسن بن عليّ الهادي ، ثمّ الخلف الصالح بن الحسن المهدي ـ صلوات الله
عليهم أجمعين ـ .
لا إمامة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) إلاّ لهم(عليهم السلام) ولا يجوز الاقتداء في الدين إلاّ بهم ، ولا أخذ معالم الدين إلاّ عنهم .
وأنّهم في كمال العلم والعصمة من الآثام نظير الأنبياء (عليهم السلام) .
وأنّهم أفضل الخلق بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) .
وأنّ إمامتهم منصوص عليها من قبل الله على اليقين والبيان .
وأنّه سبحانه أظهر على أيديهم الآيات ، وأعلمهم كثيراً من الغائبات ، والأُمور المستقبلات ، ولم يعطهم من ذلك إلاّ ما قارن وجهاً يعلمه من اللطف والصلاح .
وليسوا عارفين بجميع الضمائر والغائبات على الدوام ، ولا يحيطون بالعلم بكلّ ما علمه الله تعالى .
والآيات التي تظهر على أيديهم هي فعل الله دونهم ، أكرمهم بها ، ولا صنع لهم فيها .
وأنّهم بشر محدَثون ، وعباد مصنوعون ، لا يخلُقون ، ولا يرزُقون ، ويـأكلـون ويشربـون ، وتـكون لـهم الأزواج ، وتنـالـهـم الآلام

صفحه 244
والأعلال ، ويستضامون ، ويَخافون فيتّقون ، وأنّ منهم من قتل ، ومنهم
من قبض .
وأنّ إمام هذا الزمان هو المهدي ابن الحسن الهادي ، وأنّه الحجّة على العالمين ، وخاتم الأئمّة الطاهرين ، لا إمامة لأحد بعد إمامته ، ولا دولة بعد دولته ، وأنّه غائب عن رعيته ، غيبة اضطرار وخوف من أهل الضلال ، وللمعلوم عند الله تعالى في ذلك الصلاح .
ويجوز أن يعرّف نفسه في زمن الغيبة لبعض الناس ، وأنّ الله عزّ وجلّ سيظهره وقت مشيئته ، ويجعل له الأعوان والأصحاب ، فيمهّد الدين به ، ويطهّر الأرض على يديه ، ويهلك أهل الضلال ، ويقيم عمود الإسلام ، ويصير الدين كلّه لله .
وأنّ الله عزّ وجلّ يظهر على يديه عند ظهوره الأعلام ، وتأتيه المعجزات بخرق العادات ، ويحيي له بعض الأموات ، فإذا قام في الناس المدّة
المعلومة عند الله سبحانه قبضه إليه ، ثمّ لا يمتدّ بعده الزمان ، ولا تتّصل
الأيام حتّى تكون شرائط الساعة ، وإماتة من بقي من الناس ، ثمّ يكون المعاد
بعد ذلك .
ويعتقد أنّ أفضل الأئمّة (عليهم السلام) أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ، وأنّه لا يجوز أن يسمّى بأمير المؤمنين أحد سواه .
وأنّ بقيّة الأئمّة ـ صلوات الله عليهم ـ يقال لهم : الأئمّة ، والخلفـاء ، والأوصياء ، والحجج ، وإن كانوا في الحقيقة أُمراء المؤمنين; فإنّهم لم يمنعوا

صفحه 245
من هذا الاسم لأجل معناه ، لأنّه حاصل لهم على الاستحقاق ، وإنّما منعوا من لفظه حشمة لأمير المؤمنين(عليه السلام) .
وأنّ أفضل الأئمّة بعد أمير المؤمنين ، ولده الحسن ، ثمّ الحسين ، وأفضل الباقين بعد الحسين ، إمام الزمان المهدي ـ صلوات الله عليه ـ ثمّ بقية الأئمّة بعده على ما جاء به الأثر وثبت في النظر .
وأنّ المهدي(عليه السلام) هو الذي قال فيه رسول الله(صلى الله عليه وآله) :
«لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد ، لطوّل الله تعالى ذلك اليوم حتّى يظهر فيه رجل من ولدي يواطئ اسمه اسمي ، يملأها عدلا وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً»(1) .
فاسمه يواطئ اسم رسول الله(صلى الله عليه وآله) وكنيته تواطئ كنيته ، غير أنّ النهي قد ورد عن اللفظ ، فلا يجوز أن يتجاوز في القول أنّه المهدي ، والمنتظر ، والقائم بالحق ، والخلف الصالح ، وإمام الزمان ، وحجّة الله على الخلق .
ويجب أن يعتقد أنّ الله فرض معرفة الأئمّة (عليهم السلام) بأجمعهم ، وطاعتهم ، وموالاتهم ، والاقتداء بهم ، والبراءة من أعدائهم وظالميهم . . . وأنّه لا يتم الإيمان إلاّ بموالاة أولياء الله ، ومعاداة أعدائه .

1 . روى هذا الحديث وأمثاله ابن خلدون في المقدّمة في الفصل الثاني والخمسين عن الترمذي وأبي داود باختلاف بعض ألفاظه ، وروى نحو اثنين وثلاثين حديثاً ، وقال في ص 311 من المقدّمة :
«إنّ جماعة من الأئمّة خرّجوا أحاديث المهدي ، منهم : الترمذي ، وأبو داود ، والبزّار ، وابن ماجة ، والحاكم ، والطبراني ، وأبو يعلى الموصلي ، وأسندوها إلى جماعة من الصحابة مثل علي ، وابن عبّاس ، وابن عمر ، وطلحة ، وابن مسعود ، وأبي هريرة ، وأنس ، وأبي سعيد الخدري ، وأُمّ حبيبة ، وأُمّ سلمة ، وثوبان ، وقرّة بن إياس ، وعليّ الهلالي» .

صفحه 246
 
في التوبة والحشر والنشر :
ويعتقد أنّ الله يزيد وينقص إذا شاء في الأرزاق والآجال .
وأنّه لم يرزق العبد إلاّ ما كان حلالا طيّباً .
ويعتقد أنّ باب التوبة مفتوح لمن طلبها ، وهي الندم على ما مضى من المعصية ، والعزم على ترك المعاودة إلى مثلها .
وأنّ التوبة ماحية لما قبلها من المعصية التي تاب العبد منها .
وتجوز التوبة من زلّة إذا كان التائب منها مقيماً على زلّة غيرها لا تشبهها ، ويكون له الأجر على التوبة ، وعليه وزر ما هو مقيم عليه من الزلّة .
وأنّ الله يقبل التوبة بفضله وكرمه ، وليس ذلك لوجوب قبولها في العقل قبل الوعد ، وإنّما علم بالسمع دون غيره .
ويجب أن يعتقد أنّ الله سبحانه ، يميت العباد ويحييهم بعد الممات ليوم المعاد .
وأنّ المحاسبة حقّ والقصاص ، وكذلك الجنّة والنار والعقاب .
وأنّ مرتكبي المعاصي من العارفين بالله ورسوله ، والأئمّة الطاهرين ، المعتقدين لتحريمها مع ارتكابها ، المسوّفين التوبة منها ، عصاة فسّاق ، وأنّ ذلك لا يسلبهم اسم الإيمان كما لم يسلبهم اسم الإسلام(1) .

1 . صرّح بهذا الشيخ المفيد ـ أُستاذ الشيخ الكراجكي ـ في كتابه أوائل المقالات (ص 48) ونسبه إلى اتّفاق الإمامية ، أمّا الخوارج فتسمّي مرتكب الكبيرة مشركاً وكافراً ، والحسن البصري ـ أُستاذ واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد ـ سمّـاهم منافقين ، وأمّا واصل بن عطاء فوضعهم في منزلة بين منزلتين ، وقال : إنّهم فسّاق ليسوا بمؤمنين ، ولا كفّار ، ولا منافقين .

صفحه 247
وأنّهم يستحقّون العقاب على معاصيهم ، والثواب على معرفتهم بالله تعالى ، ورسوله ، والأئمّة من بعده(صلى الله عليه وآله) ، وما بعد ذلك من طاعتهم ، وأمرهم مردود إلى خالقهم ، وإن عفا عنهم فبفضله ورحمته ، وإن عاقبهم فبعدله وحكمته ، قال الله سبحانه : (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأمْرِ الله إمّا يُعَذِّبَـهُمْ وَإمّا يَتُوب عَلَيْهِمْ)(1) وأنّ عقوبة هؤلاء العصاة إذا شاءها الله تعالى لا تكون مؤبّدة ، ولها آخر ، يكون بعده دخولهم الجنّة ، وليس من جملة من توجّه إليهم الوعيد بالتخليد ، والعفو من الله تعالى يرجى للعصاة المؤمنين .
وقد غلطت المعتزلة فسمّت من يرجو العفو مرجئاً ، وانّما يجب أن يسمّى راجياً ، ولا طريق إلى القطع على العفو ، وإنّما هو الرجاء فقط .
ويعتقد أنّ لرسول الله(صلى الله عليه وآله) والأئمّة من بعده (عليهم السلام) شفاعة مقبولة يوم القيامة ، ترجى للمؤمنين من مرتكبي الآثام .
ولا يجوز أن يقطع الإنسان على أنّه مشفوع فيه على كلّ حال ، ولا سبيل له إلى العلم بحقيقة هذه الحال ، وإنّما يجب أن يكون المؤمن واقفاً بين الخوف والرجاء .
ويعتقد أنّ المؤمنين الذين مضوا من الدنيا وهم غير عاصين ، يؤمر بهم يوم القيامة إلى الجنّة بغير حساب .

1 . التوبة : 106 .

صفحه 248
وأنّ جميع الكفّار والمشركين ، ومن لم تصحّ له الأُصول من المؤمنين يؤمر بهم يوم القيامة إلى الجحيم بغير حساب ، وإنّما يحاسب من خلط عملا صالحاً وآخر سيّئاً ، وهم العارفون العصاة .
وأنّ أنبياء الله تعالى وحججه (عليهم السلام) هم في القيامة المسؤولون للحساب بإذن الله تعالى ، وأنّ حجّة أهل كلّ زمان يتولّى أمر رعيّته الذين كانوا في وقته .
وأنّ سيّدنا رسول الله(صلى الله عليه وآله) والأئمّة الاثني عشر من بعده(عليهم السلام) هم أصحاب الأعراف الذين لا يدخل الجنّة إلاّ من عرفهم وعرفوه ، ولا يدخل النار إلاّ من أنكرهم وأنكروه .
وأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) يحاسب أهل وقته وعصره ، وكذلك كل إمام بعده .
وأنّ المهدي(عليه السلام) هو المواقِف لأهل زمانه ، والمسائل للذين في وقته .
وأنّ الموازين (التي) توضع في القيامة ، هي إقامة العدل في الحساب ، والإنصاف في الحكم والمجازاة ، وليست في الحقيقة موازين بكفّات وخيوط كما يظنّ العوامّ .
وأنّ الصراط المستقيم في الدنيا دين محمّد وآل محمّد ـ عليه وعليهم السّلام ـ وهو في الآخرة طريق الجنان .
وأنّ الأطفال والمجانين والبله من الناس ، يتفضّل عليهم في القيامة بأن تكمل عقولهم ، ويدخلون الجنان .
وأنّ نعيم أهل الجنّة متّصل أبداً بغير نفاد ، وأنّ عذاب المشركين والكفّار متّصل في النار بغير نفاد .

صفحه 249
ويجب أن تؤخذ معالم الدين في الغَيبة من أدلّة العقل ، وكتاب الله عزّ وجلّ ، والأخبار المتواترة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) وعن الأئمّة (عليهم السلام)(1) وما أجمعت عليه الطائفة الإمامية ، وإجماعها حجّة .
فأمّا عند ظهور الإمام(عليه السلام) فإنّه المفزع عند المشكلات ، وهو المنبّه على العقليات ، والمعرّف بالسمعيات ، كما كان النبيّ(صلى الله عليه وآله) .
ولا يجوز استخراج الأحكام في السمعيات بقياس ولا اجتهاد(2) .
أمّا العقليات فيدخلها القياس والاجتهاد ، ويجب على العاقل مع هذا
كلّه ألاّ يقنع بالتقليد في الاعتقاد ، وأن يسلك طريق التأمّل والاعتبار ، ولا
يكون نظره لنفسه في دينه أقلّ من نظره لنفسه في دنياه; فإنّه في أُمور الدنيا يحتاط ويحترز ، ويفكّر ويتأمّل ، ويعتبر بذهنه ، ويستدلّ بعقله ، فيجب أن يكون في أمر دينه على أضعاف هذه الحال ، فالغرر في أمر الدين أعظم من الغرر في أمر الدنيا .

1 . ما ذكره هو رأي جماعة من علماء الإمامية ، كالشريف المرتضى ، وابن زهرة ، وابن البرّاج ، والطبرسي ، وابن إدريس وغيرهم ، فقد ذهب هؤلاء إلى عدم اعتبار الخبر الواحد إذا لم يكن مقطوع الصدور عن المعصوم ، وخصّوا اعتباره بما إذا كان قطعي الصدور ، سواء أكان محتفّاً بقرينة عقلية أو نقلية أُخرى ، فالمهم لدى هؤلاء في اعتبار الخبر أن يفضي إلى العلم ، ولو كان ذلك لإجماع أو شاهد عقلي ، بل صرّح المفيد في «أوائل المقالات» بأنّه لا يجب العمل بخبر الواحد .
أمّا المشهور بين الإمامية بل المجمع عليه بين المتأخّرين منهم فاعتبار الخبر الواحد لقيام الدليل على حجّيته ، ولكلّ من الفريقين أدلّة على دعواه مذكورة في كتب الأُصول .
2 . المراد بالاجتهاد هنا ليس هو استنباط الأحكام الشرعية من أدلّتها التفصيلية ، وإنّما المراد به الاعتماد على الرأي والاستحسان والقياس ، من دون الرجوع إلى القواعد والأُصول التي ثبتت حجّيتها شرعاً .

صفحه 250
فيجب أن لا يعتقد في العقليات إلاّ ما صحّ عنده حقّه ، ولا يسلّم في السمعيات إلاّ لمن ثبت له صدقه .
نسأل الله حسن التوفيق برحمته ، وألاّ يحرمنا ثواب المجتهدين في طاعته .
قد أثبتُّ لك يا أخي ـ أيّدك الله ـ ما سألت ، اقتصرت وما أطلت .
والذي ذكرت أصل لما تركت ، والحمد لله وصلواته على سيّدنا محمّد وآله وسلّم.(1)
العقائد الجعفريّة للشيخ الطوسي(رحمه الله)   

7 ـ العقائد الجعفريّة للشيخ الطوسي (رحمه الله)

الشيخ الطوسي(رحمه الله) غنيّ عن التعريف ، فهو شيخ الطائفة على الإطلاق وكان قد أخذ على يد المفيد والمرتضى ، وقد ورد بغداد عام (408هـ ) وحضر في أندية دروس أُستاذه المفيد ، فلمّا لبّى الأُستاذ دعوة ربّه حضر لدى المرتضى إلى أن اشتغل بالتدريس والإفتاء في عصره وبعده ، وله رسائل وكتب كلامية قيّمة مفعمة بالتحقيق ، ونحن نورد هنا جانباً مختصراً عمّا دوّنه في عقائد الشيعة في المسائل الآتية :
«المسألة 1»: معرفة الله واجبة على كلّ مكلّف ، بدليل أنّه منعم فيجب معرفته .
«المسألة 2»: الله تعالى موجود ، بدليل أنّه صنع العالم ، وأعطاه الوجود ، وكلّ من كان كذلك فهو موجود .

1 . أدرج المصنّف الرسالة في كتابه القيّم : كنز الفوائد فلاحظ ص240 ـ 252 .

صفحه 251
«المسألة 3»: الله تعالى واجب الوجود لذاته ، بمعنى أنّه لا يفتقر في وجوده إلى غيره ، ولا يجوز عليه العدم ، بدليل أنّه لو كان ممكناً لافتقر إلى صانع ، كافتقار هذا العالم ، وذلك محال على المنعم المعبود .
«المسألة 4»: الله تعالى قديم أزلي ، بمعنى أنّ وجوده لم يسبقه العدم . باق أبديّ ، بمعنى أنّ وجوده لن يلحقه العدم .
«المسألة 5»: الله تعالى قادر مختار ، بمعنى أنّه إن شاء أن يفعل فعل ، وإن شاء أن يترك ترك ، بدليل أنّه صنع العالم في وقت دون آخر .
«المسألة 6»: الله تعالى قادر على كلّ مقدور ، وعالم بكلّ معلوم ، بدليل أنّ نسبة جميع المقدورات والمعلومات إلى ذاته المقدّسة المنزّهة على السويّة ، فاختصاص قدرته تعالى وعلمه ببعض دون بعض ترجيح بلا مرجّح ، وهو محال .
«المسألة 7»: الله تعالى عالم ، بمعنى أنّ الأشياء منكشفة واضحة له ، حاضرة عنده غير غائبة عنه ، بدليل أنّه تعالى فعل الأفعال المحكمة المتقنة ، وكلّ من فعل ذلك فهو عالم بالضرورة .
«المسألة 8»: الله تعالى يدرك لا بجارحة ، بل بمعنى أنّه يعلم ما يُدرَك بالحواسّ ، لأنّه منزّه عن الجسم ولوازمه ، بدليل قوله تعالى : (لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وَهُوَ يُدْرِك الأبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبيرُ)(1) فمعنى قوله تعالى : (إنَّهُ هُوَ السَّميعُ البَصيرُ)(2) أنّه عالم بالمسموعات لا بإذن ، وبالمبصرات لا بعين .

1 . الأنعام : 103 .
2 . الإسراء : 1 ، غافر : 56 .

صفحه 252
«المسألة 9»: الله تعالى حيّ ، بمعنى أنّه يصحّ منه أن يقدر ويعلم ، بدليل أنّه ثبتت له القدرة والعلم، وكلّ من ثبت له ذلك فهو حيّ بالضرورة .
«المسألة 10»: الله تعالى متكلّم لا بجارحة ، بل بمعنى أنّه أوجد الكلام في جرم من الأجرام ، أو جسم من الأجسام ، لإيصال عظمته إلى الخلق ، بدليل قوله تعالى : (وَكَلَّمَ الله مُوسى تَكْلِيماً)(1)، ولأنّه قادر ، فالكلام ممكن .
«المسألة 11»: الله تعالى صادق ، بمعنى أنّه لا يقول إلاّ الحقّ الواقع ، بدليل أنّ كلّ كذب قبيح ، والله تعالى منزّه عن القبيح .
«المسألة 12»: الله تعالى مريد ، بمعنى أنّه رجح الفعل إذا علم المصلحة (يعني أنّه غير مضطر وأنّ إرادته غير واقعة تحت إرادة أُخرى ، بل هي الإرادة العليا التي إن رأى صلاحاً فعل ، وإن رأى فساداً لم يفعل ، باختيار منه تعالى) بدليل أنّه ترك إيجاد بعض الموجودات في وقت دون وقت ، مع علمه وقدرته ـ على كلّ حال ـ بالسويّة . ولأنّه نهى ، وهو يدلّ على الكراهة .
«المسألة 13»: أنّه تعالى واحد ، بمعنى أنّه لا شريك له في الأُلوهية ، بدليل قوله : (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ)(2) ولأنّه لو كان له شريك لوقع التمانع ، ففسد النظام ، كما قال : (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلاّ الله لَفَسَدَتَا)(2) .
«المسألة 14»: الله تعالى غير مركَّب من شيء ، بدليل أنّه لو كان مركّباً لكان مفتقراً إلى الأجزاء ، والمفتقر ممكن .
«المسألة 15»: الله تعالى ليس بجسم ، ولا عرض ، ولا جوهر ، بدليل أنّه لو

1 . النساء : 164 .            2 . الإخلاص : 1 .
2 . الأنبياء : 22 .

صفحه 253
كان أحد هذه الأشياء لكان ممكناً مفتقراً إلى صانع ، وهو محال .
«المسألة 16»: الله تعالى ليس بمرئي بحاسّة البصر في الدنيا والآخرة ، بدليل أنّه تعالى مجرّد ، ولأنّ كلّ مرئي لابدّ أن يكون له الجسم والجهة ، والله تعالى منزّه عنهما، ولأنّه تعالى قال : (لَنْ تَرَانِي)(1) وقال : (لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ)(2) .
«المسألة 17»: الله تعالى ليس محلاّ للحوادث ، وإلاّ لكان حادثاً ، وحدوثه محال .
«المسألة 18»: الله تعالى لا يتّصف بالحلول ، بدليل أنّه يلزم قيام الواجب بالممكن ، وذلك محال .
«المسألة 19»: الله تعالى لا يتّحد بغيره ; لأنّ الاتّحاد صيرورة الشيء واحداً من غير زيادة ونقصان ، وذلك محال ، والله لا يتّصف بالمحال .
«المسألة 20»: الله تعالى منفيّ عنه المعاني والصفات الزائدة ، بمعنى أنّه ليس عالماً بالعلم ، ولا قادراً بالقدرة (بل علم كلّه ، وقدرة كلّها) ، بدليل أنّه لو كان كذلك لزم كونه محلاّ للحوادث لو كانت حادثة ، وتعدّد القدماء لو كانت قديمة ، وهما محالان ، وأيضاً لزم افتقار الواجب إلى صفاته المغايرة له ، فيصير ممكناً ، وهو ممتنع .
«المسألة 21»: الله تعالى غنيّ ، بمعنى أنّه غير محتاج إلى ما عداه ، والدليل عليه أنّه واجب الوجود لذاته ، فلا يكون مفتقراً .

1 . الأعراف : 143 .
2 . الأنعام : 103 .

صفحه 254
«المسألة 22»: الله تعالى ليس في جهة ، ولا مكان ، بدليل أنّ كلّ ما في الجهة والمكان مفتقر إليهما ، وأيضاً قد ثبت أنّه تعالى ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ، فلا يكون في المكان والجهة .
«المسألة 23»: الله تعالى ليس له ولد ولا صاحبة ، بدليل أنّه قد ثبت عدم افتقاره إلى غيره ، ولأنّ كلّ ما سواه تعالى ممكن ، فكيف يصير الممكن واجباً بالذات ، ولقوله تعالى : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ)(1) و : (مَثَلَ عِيسى عِندَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَاب)(2) .
«المسألة 24»: الله تعالى عدل حكيم ، بمعنى أنّه لا يفعل قبيحاً ، ولا يخلّ بالواجب بدليل أنّ فعل القبيح ، والإخلال بالواجب نقص عليه ، فالله تعالى منزّه عن كلّ قبيح وإخلال بالواجب .
«المسألة 25»: الرضا بالقضاء والقدر واجب ، وكلّ ما كان أو يكون فهو بالقضاء والقدر ولا يلزم بهما الجبر والظلم; لأنّ القدر والقضاء هاهنا بمعنى العلم والبيان ، والمعنى أنّه تعالى يعلم كلّ ما هو (كائن أو يكون)(2) .
«المسألة 26»: كلّ ما فعله الله تعالى فهو أصلح ، وإلاّ لزم العبث ، وليس تعالى بعابث; لقوله : (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّـما خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً)(3) .
«المسألة 27»: اللّطف على الله واجب ; لأنّه خَلَق الخلق ، وجَعَل فيهم الشهوة ، فلو لم يفعل اللطف لزم الإغراء ، وذلك قبيح ، (والله لا يفعل القبيح)

1 . الشورى : 11 .            2 . آل عمران : 59 .
2 . الاضافة منّا لإكمال العبارة .
3 . المؤمنون : 115 .

صفحه 255
فاللطف هو نصب الأدلّة ، وإكمال العقل ، وإرسال الرسل في زمانهم ، وبعد انقطاعهم إبقاء الإمام; لئلاّ ينقطع خيط غرضه .
«المسألة 28»: نبيّنا محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب بن هاشم بن
عبد مناف ، رسول الله(صلى الله عليه وآله) حقّاً صدقاً ، بدليل أنّه ادّعى النبوّة وأظهر
المعجزات على يده ، فثبت أنّه رسول حقّاً ، وأكبر المعجزات القرآن الحميد والفرقان المجيد ، الفارق بين الحقّ والباطل ، باق إلى يوم القيامة ، حجّة على
كافّة النسمة .
ووجه كونه معجزاً : فرط فصاحته وبلاغته ، بحيث ما تمكّن أحد من أهل الفصاحة والبلاغة حيث تُحُدّوا به ، أن يأتوا ولو بسورة مصغّرة ، أو آية تامّة مثله .
«المسألة 29»: كان نبياً على نفسه قبل البعثة ، وبعده رسولا إلى كافة النسمة، لأنّه قال : «كنت نبيّاً وآدم بين الماء والطين» وإلاّ لزم تفضيل المفضول ، وهو قبيح .
«المسألة 30»: جميع الأنبياء كانوا معصومين ، مطهّرين عن العيوب والذنوب كلّها ، وعن السهو والنسيان في الأفعال والأقوال ، من أوّل الأعمار إلى اللحد ، بدليل أنّهم لو فعلوا المعصية أو يطرأ عليهم السهو لسقط محلُّهم من القلوب ، فارتفع الوثوق والاعتماد على أقوالهم وأفعالهم ، فتبطل فائدة النبوّة ، فما ورد في الكتاب (القرآن) فيهم فهو واجب التأويل .
«المسألة 31»: يجب أن يكون الأنبياء أعلم وأفضل أهل زمانهم ; لأنّ تفضيل المفضول قبيح .
«المسألة 32»: نبيّنا خاتم النبيين والمرسلين ، بمعنى أنّه لا نبيّ بعده

صفحه 256
إلى يوم القيامة ، يقول تعالى : (ما كَانَ مُحَمَّد أَبَا أَحَد مِن رِجَالِكُمْ وَلَـكِن رَسُولَ الله وَخَاتَمَ النَّبِيّينَ)(1) .
«المسألة 33»: نبيّنا أشرف الأنبياء والمرسلين; لأنّه ثبتت نبوّته ، وأخبر بأفضليته فهو أفضل ، لمّا قال لفاطمة(عليها السلام) : «أبوك خير الأنبياء ، وبعلك خير الأوصياء ، وأنت سيدة نساء العالمين ، وولدك الحسن والحسين(عليهما السلام) سيّدا شباب أهل الجنّة ، وأبوهما خير منهما».(2)
«المسألة 34»: معراج الرسول بالجسم العنصري علانية ، غير منام ، حقّ ، والأخبار عليه بالتواتر ناطقة ، صريحة ، فمنكره خارج عن الإسلام ، وأنّه مرّ بالأفلاك من أبوابها من دون حاجة إلى الخرق والالتيام ، وهذه الشبهة الواهية مدفوعة مسطورة بمحالّها .
«المسألة 35»: دين نبيّنا ناسخ للأديان السابقة; لأنّ المصالح تتبدّل حسب الزمان والأشخاص كما تتبدّل المعالجات لمريض بحسب تبدّل المزاج والمرض .
«المسألة 36»: الإمام بعد نبيّنا عليُّ بن أبي طالب(عليه السلام) بدليل قوله(صلى الله عليه وآله) : «يا علي أنت أخي ووارث علمي وأنت الخليفة من بعدي ، وأنت قاضي ديني ، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي»(3) ، وقوله : «سلّموا على

1 . الأحزاب : 40 .
2 . راجع ينابيع المودّة : 434ـ436 .
3 . راجع صحيح مسلم: 7 / 120ـ121 ، باب فضائل عليّ(عليه السلام) ; صحيح البخاري: 5 / 19، باب مناقب عليّ(عليه السلام) و6 : 3 باب غزوة تبوك ; مسند أحمد: 1 / 174 ـ 177 و ج 3 / 32 وج 6 / 369 .

صفحه 257
عليّ بإمرة المؤمنين ، واسمعوا له وأطيعوا له ، وتَعَلّموا منه ولا تُعَلّموه»(1) ، وقوله : «من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه»(2) .
«المسألة 37»: الأئمّة بعد عليّ(عليه السلام) أحد عشر من ذرّيته : الأوّل منهم ولده الحسن ، ثمّ الحسين ، ثمّ عليّ بن الحسين ، ثمّ محمّد بن عليّ ، ثمّ جعفر بن محمّد الصادق ، ثمّ موسى بن جعفر ، ثمّ عليّ بن موسى ، ثمّ محمّد بن عليّ ، ثمّ عليّ بن محمّد ، ثمّ الحسن بن عليّ ، ثمّ الخلف الحجّة القائم المهدي الهادي ابن الحسن صاحب الزمان ، فكلّهم أئمّة الناس واحد بعد واحد ، حقّاً ، بدليل أنّ كل إمام منهم نصّ على من بعده نصّاً متواتراً بالخلافة ، وقوله : «الحسين إمام ، ابن إمام ، أخو إمام ، أبو الأئمّة التسعة ، تاسعهم قائمهم ، يملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت ظلماً وجوراً» .
«المسألة 38»: يجب أن يكون الأئمّة معصومين مطهّرين من الذنوب كلّها ، صغيرة وكبيرة عمداً وسهواً ، ومن السهو في الأفعال والأقوال ، بدليل أنّه لو فعلوا المعصية لسقط محلّهم من القلوب ، وارتفع الوثوق ، وكيف يهدون بالضالّين المضلّين ، ولا معصوم غير الأئمّة الاثني عشر إجماعاً ، فثبت إمامتهم .
«المسألة 39»: يجب أن يكون الأئمّة أفضل وأعلم ، ولو لم يكونوا كذلك للزم تفضيل المفضول ، أو الترجيح بلا مرجّح ، ولا يحصل الانقياد به ، وذلك قبيح عقلا ونقلا ، وفضل أئمّتنا وعلمهم مشهور ، بل أفضليتهم أظهر من الشمس وأبين من الأمس .

1 . راجع البحار: 37 / 290 ـ 340 .
2 . راجع مسند أحمد: 1 / 84 ـ 152 وج 4 / 281 و 370 و372 وج 5 / 366 ـ 419; سنن الترمذي: 5 / 633 .

صفحه 258
«المسألة 40»: يجب أن نعتقد أنّ آباء نبيّنا وأئمّتنا مسلمون أبداً ، بل أكثرهم كانوا أوصياء ، فالأخبار عند أهل البيت على إسلام أبي طالب مقطوعة ، وسيرته تدل عليه ، ومثله مثل مؤمن آل فرعون .
«المسألة 41»: الإمام المهدي المنتظر محمّد بن الحسن قد تولّد في زمان أبيه ، وهو غائب حيّ باق إلى بقاء الدنيا; لأنّ كلّ زمان لابدّ فيه من إمام معصوم لما انعقد عليه إجماع الأُمّة على أنّه لا يخلو زمان من حجّة ظاهرة مشهورة أو خافية مستورة ، ولأنّ اللطف في كلّ زمان واجب ، والإمام لطف ، فوجوده واجب .
«المسألة 42»: لا استبعاد في طول عمره ; لأنّ غيره من الأُمم السابقة قد عاش ثلاثة آلاف سنة فصاعداً ، كشعيب ونوح ولقمان والخضر وعيسى(عليهم السلام)وإبليس والدجّال ، ولأنّ الأمر ممكن ، والله قادر على جميع الممكنات .
«المسألة 43»: غيبة المهدي لا تكون من قبل نفسه; لأنّه معصوم ، فلا يخلّ بواجب ، ولا من قبل الله تعالى ، لأنّه عدل حكيم ، فلا يفعل القبيح ; لأنّ الإخفاء عن الأنظار وحرمان العباد عن الإفادات قبيحان . فغيبته لكثرة العدوّ والكافر ، ولقلّة الناصر .
«المسألة 44»: لابدّ من ظهور المهدي ، بدليل قول النبي(صلى الله عليه وآله) : «لو لم يبق من الدنيا إلاّ ساعة واحدة لطوّل الله تلك الساعة حتّى يخرج رجل من ذرّيتي ، اسمه اسمي وكنيته كنيتي يملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت ظلماً وجوراً»(1) .
ويجب على كلّ مخلوق متابعته .

1 . راجع سنن أبي داود: 4 / 106 ـ 107 ; كنز العمال: 14 / 264 ـ 267 .

صفحه 259
«المسألة 45»: في غيبة الإمام فائدة ، كما تنير الشمس تحت السحاب ، والمشكاة من وراء الحجاب .
«المسألة 46»: يرجع نبيّنا وأئمّتنا المعصومون في زمان المهدي مع جماعة من الأُمم السابقة واللاحقة، لاظهار دولتهم وحقهم، وبه قطعت المتواترات من الروايات والآيات لقوله تعالى: (وَ يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّة فَوْجاً)(1) فالاعتقاد به واجب .
«المسألة 47»: إنّ الله يعيد الأجسام الفانية كما هي في الدنيا ، ليوصل كلّ حق إلى المستحقين ، وذلك أمر ممكن ، والأنبياء أخبروا به ، لا سيّما القرآن المجيد مشحون به ولا مجال للتأويل ، فالاعتقاد بالمعاد الجسماني واجب .
«المسألة 48»: كلّ ما أخبر به النبيّ أو الإمام فاعتقاده واجب ، كإخبارهم عن نبوّة الأنبياء السابقين ، والكتب المنزلة ، ووجود الملائكة ، وأحوال القبر وعذابه وثوابه ، وسؤال منكر ونكير ، والإحياء فيه ، وأحوال القيامة وأهوالها ، والنشور ، والحساب والميزان ، والصراط ، وإنطاق الجوارح ، ووجود الجنّة والنار ، والحوض الذي يسقي منه أمير المؤمنين العطاشى يوم القيامة ، وشفاعة النبي والأئمّة لأهل الكبائر من محبّيه ، إلى غير ذلك ، بدليل أنّه أخبر بذلك المعصومون .
«المسألة 49»: التوبة ـ وهي الندم على القبيح في الماضي ، والترك في الحال ، والعزم على عدم المعاودة إليه في الاستقبال ـ واجبة ، لدلالة السمع على وجوبها ، ولأنّ دفع الضرر واجب عقلا .

1 . النمل: 83 . أصل الرجعة اجماعيّ والكيفية الواردة في المتن ليست كذلك .

صفحه 260
«المسألة 50»: الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر واجبان ، بشرط تجويز التأثير والأمن من الضرر.(1)

ما هو الهدف من نقل هذه الرسائل؟

1 ـ إنّ هذه الرسائل تدلّ بوضوح لا يقبل الشكّ أنّ جلّ عقائد الشيعة تمتد جذورها الحقيقية في كتاب الله المنزل وسنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله) وما جاء عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) وأنّ صورة هذه العقائد كانت تبدو واضحة المعالم ومستوعبة لجميع الجوانب المرتبطة بالمعارف الإلهية .
2 ـ تنبثّ في ثنايا هذه الرسائل آراء خاصّة لمؤلّفيها ، ربّما يقع فيها
النقاش والجدال والخلاف مع غيرهم من علماء الشيعة ، فليس كلّ ما جاء
فيها عقيدة لجميع علماء الشيعة ومؤلّفيهم ، إلاّ أنّ ما يهمّنا من الإشارة إليه هو أنّ هذه الرسائل تمثّل عقائد الشيعة في مجال صفات الله سبحانه وأفعاله ، وما يرجع إلى النبوّة والإمامة ، والحياة الأُخروية ، خصوصاً فيما يرجع إلى الاعتقاد بمقامات الأئمّة وصفاتهم . فمن يريد أن يتعرّف بوضوح على عقائد الشيعة فليرجع إليها .
الفرق بين الشيعة الإمامية والمعتزلة   
3 ـ إنّ الإمعان في الأُصول التي جاءت في هذه الكتب والرسائل يعرب عن اتّفاق الشيعة في أكثر مسائلهم العقائدية مع عموم عقائد المسلمين . وإن كانوا يختلفون عنهم في أُصول تختصّ بمجال الإمامة والقيادة بعد الرسول .

1 . طبعت الرسالة من قبل مؤسسة النشر الإسلامي في قم عام (1412هـ ) مع جواهر الفقه للقاضي ابن البرّاج وفي ضمن الرسائل العشر للشيخ الطوسي(قدس سره) .

صفحه 261
وسنحاول في الصفحات اللاحقة أن نستعرض أهمّ الفوارق الجوهرية بين الشيعة وغيرهم من الفرق الإسلامية ، والتي لا يمكن أن تكون حدّاً فاصلا دون التقارب بين هذه المذاهب ونبذ الاختلاف بينها ، والذي لن يفيد إلاّ أعداء هذا الدين والمتربّصين به ، وسنشرع في أوّل بحثنا المقتضب هذا في تحديد الاختلافات التي أشرنا إليها بين الشيعة والمعتزلة ، وبين الشيعة والأشاعرة ، وذلك لما كانت تؤلّفه هاتان الفرقتان من جبهة واسعة من جمهور المسلمين إبّان تلك العصور السالفة .

الفرق بين الشيعة الإمامية والمعتزلة

إنّ المتأمّل في مجمل عقائد هاتين الفرقتين يمكنه أن يتبيّن بوضوح جوانب الاتفاق والاختلاف فيما بينهما ، وهو ما سنحاول أن نشير إليه اختصاراً في نقاط محدّدة واضحة ، وإذا كان البعض قد اعتقد جهلا بأنّ الشيعة قد أخذت عقائدها عن المعتزلة فإنّه يردّ بأكثر من دليل ، نحن في غنى عن إيرادها الآن ، إلاّ أنّه لا ينفى أنّ بين هاتين الطائفتين أُصولاً مشتركة نذكرها في حينها ، وهو ما قد يتّفق مع غير ذلك من فرق المسلمين المختلفة :
1 ـ الشفاعة : أجمع المسلمون كافّة على ثبوت أصل الشفاعة وأنّها تقبل من الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) ، إلاّ أنّهم اختلفوا في تعيين المشفَّع ، فقالت الإمامية والأشاعرة : إنّ النبيّ يشفع لأهل الكبائر بإسقاط العقاب عنهم أو بإخراجهم من النار ، وقالت المعتزلة : لا يشفع إلاّ للمطيعين ، المستحقّين للثواب ، وتكون نتيجة الشفاعة ترفيع الدرجة .

صفحه 262
2 ـ مرتكب الكبيرة : هو عند الإمامية والأشاعرة مؤمن فاسق ، وقالت المعتزلة : بل منزلته بين المنزلتين ; أي بين الكفر والإيمان .
3 ـ الجنّة والنار : قالت الإمامية والأشاعرة : إنّهما مخلوقتان الآن بدلالة الشرع على ذلك ، وأكثر المعتزلة يذهب إلى أنّهما غير موجودتين .
4 ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : اتّفق المسلمون على وجوبهما ، فقالت الإمامية والأشاعرة : يجبان سمعاً ، ولولا النص لم يكن دليل على الوجوب ، خلافاً للمعتزلة الذين قالوا : بوجوبهما عقلا .
5 ـ الإحباط : اتّفقت الإمامية والأشاعرة على بطلان الإحباط ، وقالوا : لكلّ عمل حسابه الخاصّ ، ولا ترتبط الطاعات بالمعاصي ولا المعاصي بالطاعات ، والإحباط يختصّ بذنوب خاصة كالشرك وما يتلوه ، بخلاف المعتزلة حيث قالوا : إنّ المعصية المتأخّرة تسقط الثواب المتقدم ، فمن عَبَدَ الله طول عمره ثمّ كذب فهو كمن لم يعبد الله أبداً .
6 ـ الشرع والعقل : تشدّدت المعتزلة في تمسّكهم بالعقل ، وتشدّد
أهل الظاهر في تمسكهم بظاهر النصّ ، وخالفهما الإمامية والأشاعرة ،
فأعطوا للعقل سهماً فيما له مجال القضاء ، نعم أعطت الإمامية للعقل مجالا أوسع ممّا أعطته الأشاعرة . وسيوافيك تفصيله عند ذكر اختلاف الإمامية مع الأشاعرة .
الفرق بين الشيعة الإمامية والاشاعرة   
7 ـ اتفقت الإمامية والأشاعرة على أنّ قبول التوبة بفضل من الله ولا يجب عقلا إسقاطها للعقاب ، وقالت المعتزلة : إنّ التوبة مسقطة للعقاب على
وجه الوجوب .

صفحه 263
8 ـ اتفقت الإمامية على أنّ الأنبياء أفضل من الملائكة ، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك .
9 ـ اتفقت الإمامية على أنّ الانسان غير مسيّر ولا مفوّض إليه ، بل هو في ذلك المجال بين أمرين ، بين الجبر والتفويض ، وأجمعت المعتزلة على التفويض .
10 ـ اتفقت الإمامية والأشاعرة على أنّه لابدّ في أوّل التكليف وابتدائه من رسول ، وخالفت المعتزلة وزعموا أنّ العقول تعمل بمجردها عن السمع .
هذه هي الأُصول التي خالفت الإمامية فيها المعتزلة ووافقت في أكثرها الأشاعرة ، وهناك أُصول أُخرى تجد فيها موافقة الإمامية للمعتزلة ومخالفتها للأشاعرة ، وإليك بعضها :

الفرق بين الشيعة الإمامية والأشاعرة

هناك أُصول خالفت الإمامية فيها الأشاعرة ، مخالفة بالدليل والبرهان وتبعاً لأئمّتهم ، ونذكر المهم منها :
1 ـ اتّحاد الصفات الذاتية مع الذات : إنّ لله سبحانه صفات ذاتية كالعلم والقدرة ، فهي عند الأشاعرة صفات قديمة مغايرة للذات زائدة عليها ، وهي عند الإمامية والمعتزلة متّحدة مع الذات .
2 ـ الصفات الخبرية الواردة في الكتاب والسنّة ، كالوجه والأيدي والاستواء وأمثالها ، فالشيعة الإمامية يؤوّلونها تأويلا مقبولا لا تأويلا مرفوضاً ; أي أنّها تأخذ بالمفهوم التصديقي للجملة لا بالمفهوم التصوّري

صفحه 264
للمفردات ، فيقولون : إنّ معنى : (بَل يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاء)(1) معناه : أنّه بريء من البخل ، بل هو باذل وسخيّ ، وقادر على البذل . وأمّا الأشاعرة فهم يفسّـرونها بالمفهوم التصوّري ويقولون : إنّ لله سبحانه يدين ، إلاّ أنّهم يتهرّبون عن التجسيم والتشبيه بقولهم : بلا كيف .
3 ـ أفعال العباد عند الإمامية صادرة من نفس العباد ، صدوراً حقيقياً بلا مجاز أو توسّع ، فالإنسان هو الضارب ، هو الآكل ، هو القاتل ، هو المصلّي ، هو القارئ وهكذا ، وقد قلنا : إنّ استعمال كلمة «الخلق» في أفعال الإنسان استعمال غير صحيح ، فلا يقال : خلقت الأكل والضرب والصوم والصلاة ، وإنّما يقال : فعلتها ، فالصحيح أن يقال : إنّ الإنسان هو الفاعل لأفعاله بقدرة مكتسبة من الله ، وإنّ قدرته المكتسبة هي المؤثّرة بإذن من الله سبحانه .
وأمّا الأشاعرة فذهبوا إلى أنّ أفعال العباد مخلوقة لله سبحانه ، فليس للإنسان فيها صنع ولا دور ، وليس لقدرته أيّ تأثير في تحقّق الفعل ، وأقصى ما عندهم أنّ إرادة الإنسان للعقل تقارن إيجاد الله سبحانه فعله في عالم التكوين والوجود .
إلاّ أنّهم وتحاشياً من الذهاب إلى الجبر في تلك الأفعال وبالتالي إقصاء الإنسان عن أفعاله ، ومن ثمّ براءته من مسؤوليتها عمدوا إلى ابتداع نظرية الكسب المعقدة فقالوا : إنّ الله هو الخالق والإنسان هو الكاسب ، إلاّ أنّها نظرية غريبة غير مفهومة ، ومليئة بالألغاز التي عجز عن فهمها وإيضاحها حتّى مبتدعوها أنفسهم .

1 . المائدة : 64 .

صفحه 265
4 ـ إنّ الاستطاعة في الإنسان على فعل من الأفعال تقارنه تارة ، وتتقدّم عليه أُخرى; فلو أُريد من القدرة العلّة التامّة فهي مقارنة ، ولو أُريد العلّة الناقصة فهي متقدّمة ، خلافاً للأشاعرة فقد قالوا بالتقارن مطلقاً .
5 ـ رؤية الله بالأبصار في الآخرة : فهي مستحيلة عند الإمامية والمعتزلة ، ممكنة عند الأشاعرة .
6 ـ كلامه سبحانه عند الإمامية هو فعله ، فهو حادث لا قديم ، وهذا خلافاً للأشاعرة : فكلامه عبارة عن الكلام النفسي القائم بذاته ، فهو قديم كقدم الذات .
7 ـ التحسين والتقبيح العقليان : ذهبت الإمامية إلى أنّ العقل يدرك حسن بعض الأفعال أو قبحها ، بمعنى أنّ نفس الفعل من أي فاعل صدر ، سواء أكان الفاعل قديماً أو حادثاً ، واجباً أو ممكناً ، يتّصف بأحدهما ، فيرى مقابلة الإحسان بالإحسان أمراً حسناً ، ومقابلته بالإساءة أمراً قبيحاً ، ويتلقّاه حكماً مطلقاً سائداً على مرّ الحقب ، والأزمان ، لا يغيّره شيء ، وهذا خلافاً للأشاعرة; فقد عزلوا العقل عن إدراك الحسن والقبيح ، وبذلك خالفوا الإمامية والمعتزلة في الفروع المترتّبة عليه .
هذه هي الأُصول التي تخالف فيها الإمامية الأشاعرة ، وربّما توافقهم المعتزلة في جميعها أو أكثرها ، كلّ ذلك يثبت أنّ للشيعة الإمامية منهجاً كلامياً خاصّاً نابعاً من الكتاب والسنّة ، وكلمات العترة الطاهرة والعقل فيما له مجال القضاء ، وليست الشيعة متطفّلة في منهجها الكلامي على أيّة من الطائفتين . وأنت إذا وقفت على الكتب الكلامية المؤلّفة في العصور المتقدّمة من عصر فضل بن شاذان (المتوفّى 260هـ ) إلى عصر شيخنا الطوسي (385 ـ 460هـ )

صفحه 266
ومن بعده بقليل ، تجد منهجاً كلامياً مبرهناً متّزناً واضحاً لا تعقيد فيه ولا غموض ، وعلى تلك الأُصول وذلك المنهج درج علماؤهم المتأخّرون في الأجيال التالية ، فألّف الشيخ الحلبي (374 ـ 447هـ ) «تقريب المعارف» والشيخ سديد الدين الحمصي (المتوفّى 600هـ ) كتابه «المنقذ من التقليد» ، وتوالى بعدهم التأليف على يد الفيلسوف الكبير نصير الدين الطوسي (597 ـ 672هـ ) وابن ميثم البحراني (المتوفّى 589هـ ) في «تقريب المعارف» ، وتلميذه العلاّمة الحلّي (648 ـ 726هـ ) في جملة من المؤلّفات القيّمة . وهكذا . . . فإنّ كلّ ذلك يكشف عن أنّ الأئمّة طرحوا أُصول العقائد ، وغذّوا أصحابهم وتلاميذهم بمعارف سامية ، اعتبر الحجر الأساس للمنهج الكلامي الشيعي ، وتكامل المنهج من خلال الجدل الكلامي والنقاش العلمي في الظروف المتأخّرة فوصل إلى الذروة والقمّة .
فالناظر في الكتب الكلامية للسيّد الشريف المرتضى كـ «الشافي»(1)و«الذخيرة»(2) يجد منبعاً غنيّاً بالبحوث الكلامية ، كما أنّ الناظر في كتب العلاّمة الحلّي المختلفة كـ «كشف المراد»(3) و«نهاية المرام»(4) وغيرهما يقف على أفكار سامية أنضجها البحث والنقاش عبر القرون ، فبلغت غايتها القصوى .
الفرق بين الشيعة الإمامية وسائر الفرق   
وقد توالى التأليف في عقائد الشيعة وأُصولهم من العصور الأُولى إلى يومنا هذا ، بشكل واسع لا يحصيه إلاّ محصي قطرات المطر وحبّات الرمال .

1 . المطبوع في بيروت في أربعة أجزاء .
2 . المطبوع في إيران في جزأين .
3 . الكتاب الدراسي في الجامعات الشيعية .
4 . حقّقته مؤخراً مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ونشر في ثلاثة مجلّدات.

صفحه 267
هذا وإنّ الشيعة وإن خالفوا في هذه الأُصول طائفة من الطوائف الإسلامية ووافقوا طوائف أُخرى ، ولكن هناك أُصول اتّفق الجميع فيها دون استثناء ، وهو ظاهر لمن قرأ ما أثبتناه من الرسائل والكتيبات .
أفما آن للمسلمين أن يتّحدوا في ظلّ هذه الأُصول المؤلّفة لقلوبهم ، ويستظلّوا بظلالها ، ويتمسّكوا بالعروة الوثقى ، ويكون شعارهم : (إنّما المؤمنون إخوة فأَصلِحوا بينَ أخويكم) ولا يصغوا إلى النعرات المفرّقة ، المفترية على الشيعة وأئمّتهم ، وليكن شعارنا في التأليف : التحقيق والتأكّد من عقائد الآخرين ، ثمّ التدوين .

الفرق بين الشيعة الإمامية وسائر الفرق

إذا تعرّفت على الفوارق الموجودة بين الشيعة وبعض طوائف المسلمين ، فهلمّ معي إلى الفوارق الجوهرية بينهم وبين سائر الطوائف التي صيّرتهم إلى فرقتين متمايزتين ، وأكثرها يرجع إلى مسألة القيادة والخلافة بعد الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) ، فنأخذ بالبحث عنها على وجه الإجمال .

صفحه 268
المسالة الاُولى: وجوب تنصيب الإمام على الله سبحانه   

المسألة الأُولى:

وجوب تنصيب الإمام على الله سبحانه

تتّفق جميع الفرق الإسلامية على وجوب نصب الإمام ، سوى العجاردة من الخوارج ، ومنهم حاتم الأصمّ أحد شيوخ المعتزلة (المتوفّى 237 هـ)(1) قد شذّوا عن ذلك ، واعتقاد المسلمين بذلك يفترق إلى مذهبين اثنين في ماهيّة هذا الوجوب ، فالشيعة يذهبون إلى وجوبه على الله تعالى ، وباقي الفرق على الأُمّة; فوجوب نصب الإمام لا خلاف فيه بين المسلمين ، وإنّما الكلام في تعيين من يجب عليه ذلك .
وليس المراد من وجوبه على الله سبحانه ، هو إصدار الحكم من العباد على الله سبحانه ، حتّى يقال : (إنِ الحُكْمُ إلاّ لله)(2) بل المراد كما ذكرنا غير مرّة : أنّ العقل ـ حسب التعرّف على صفاته سبحانه ، من كونه حكيماً غير عابث ـ يكشف عن كون مقتضى الحكمة هو لزوم النصب أو عدمه ، وإلاّ فالعباد أقصر من أن يكونوا حاكمين على الله سبحانه .

1 . ادّعت العجاردة بأنّ الواجب على الأُمّة التعاون والتعاضد لإحياء الحقّ وإماتة الباطل ، ومع قيام الأُمّة بهذا الواجب لا يبقى للإمام فائدة تستدعي تسلّطه على العباد ، أمّا إذا اختلفت الأُمّة ولم تتعاون على نشر العدل وإحقاق الحقّ فيجب عليها تعيين من يقوم بهذه المهمات ، وعلى ذلك فالإمامة لا تجب بالشرع ولا بالعقل ، وإنّما تجب للمصلحة أحياناً .
2 . يوسف : 40 .

صفحه 269
ثمّ إنّ اختلاف المسلمين في كون النصب فرضاً على الله أو على الأُمّة ينجم عن اختلافهم في حقيقة الخلافة والإمامة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) . فمن ينظر إلى الإمام بوصفه رئيس دولة ليس له وظيفة إلاّ تأمين الطرق والسبل ، وتوفير الأرزاق ، وإجراء الحدود ، والجهاد في سبيل الله ، إلى غير ذلك ممّا يقوم به رؤساء الدول بأشكالها المختلفة ، فقد قال بوجوب نصبه على الأُمّة; إذ لا يشترط فيه من المواصفات إلاّ الكفاءة والمقدرة على تدبير الأُمور ، وهذا ما يمكن أن تقوم به الأُمّة الإسلامية .
وأمّا على القول بأنّ الإمامة استمرار لوظائف الرسالة (لا لنفس الرسالة
فإنّ الرسالة والنبوّة مختومتان بالتحاق النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله) بالرفيق الأعلى)
فمن المتّفق عليه أنّ تعهّد هذا الأمر يتوقّف على توفّر صلاحيات عالية لا ينالها الفرد إلاّ إذا حظي بعناية إلهية خاصّة ، فيخلف النبيّ في علمه بالأُصول والفروع ، وفي سدّ جميع الفراغات الحاصلة بموته ، ومن المعلوم أنّ هذا الأمر لا تتعرّف عليه الأُمّة إلاّ عن طريق الرسول ، ولا يتوفّر وجوده إلاّ بتربية غيبيَّة وعناية سماوية خاصّة .
وهكذا فلا يخفى أنّ كون القيادة الإسلامية بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله) بيد الله أو بيد الأُمّة ، أو أنّ التعيين هل هو واجب عليه سبحانه أو عليهم؟ ، ينجم عن الاختلاف في تفسير ماهية الخلافة .
فمن جعلها سياسة زمنية وقتية يشغلها فرد من الأُمّة بأحد الطرق ، قال في حقّه : لا ينخلع الإمام بفسقه وظلمه بغصب الأموال وضرب الأبشار ، وتناول النفوس المحرمة ، وتضييع الحقوق ، وتعطيل الحدود ، ولا يجب الخروج

صفحه 270
عليه ، بل يجب وعظه وتخويفه ، وترك طاعته في شيء ممّا يدعو إليه من معاصي الله.(1)
ومن قال : بأنّ الإمام بعد الرسول أشبه برئيس الدولة أو أحد الحكام ، وتنتخبه الأُمّة الإسلامية ، قال في حقّه : ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أُمورنا وإن جاروا ، ولا ندعو عليهم ، ولا ننزع يداً من طاعتهم ، ونرى طاعتهم من طاعة الله فريضة ما لم يأمروا بمعصية ، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة . والحجّ والجهاد ماضيان مع أُولي الأمر من المسلمين ، برّهم وفاجرهم ، إلى قيام الساعة ، ولا يبطلهما شيء ، ولا ينقضهما.(2)
وقد درج على هذه الفكرة متكلّمو السنّة ومحدّثوهم ، حتّى قال التفتازاني : ولا ينعزل الإمام بالفسق ، أو بالخروج عن طاعة الله تعالى ، والجور (الظلم على عباد الله) لأنّه قد ظهر الفسق وانتشر الجور من الأئمّة والأُمراء بعد الخلفاء الراشدين ، والسلف كانوا ينقادون لهم ، ويقيمون الجمع والأعياد بإذنهم ، ولا يرون الخروج عليهم ، ونقل عن كتب الشافعية : أنّ القاضي ينعزل بالفسق بخلاف الإمام ، والفرق أنّ في انعزاله ووجوب نصب غيره إثارة الفتنة; لما له من الشوكة; بخلاف القاضي.(3)
أمّا من فسّـر الإمامة بأنّها عبارة عن إمرة إلهية واستمرار لوظائف النبوّة

1 . التمهيد : 181 .
2 . العقيدة الطحاوية : 379 ـ 387 .
3 . شرح العقائد النسفية لأبي حفص عمرو بن محمّد النسفي (المتوفّى 573هـ ) والشرح لسعد الدين التفتازاني (المتوفّى 791هـ ) : 185 ـ 186 . ولاحظ في هذا المجال مقالات الإسلاميين للأشعري : 323 ، وأُصول الدين لمحمّد بن عبد الكريم البزدوي إمام الماتريدية : 190 .

صفحه 271
كلّها سوى تحمّل الوحي الإلهي ، فلا مناص له عن القول بوجوب نصبه على الله سبحانه .
وقد استدلّت الإمامية على وجوب نصب الإمام على الله سبحانه : بأنّ وجود الإمام الذي اختاره الله سبحانه ، مقرّب من الطاعات ، ومبعد عن المعاصي ، وقد أوضحوه في كتبهم الكلامية . والمراد من اللطف المقرّب هنا ما عرفت من أنّ رحلة النبي الأكرم تترك فراغات هائلة بين الأُمّة في مجالي العقيدة والشريعة ، كما تترك جدالا ونزاعاً عنيفاً بين الأُمّة في تعيين الإمام . فالواجب على الله سبحانه من باب اللطف هو سدّ هذه الفراغات بنصب من هو صنو النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله) في علمه بالعقيدة والشريعة ، وفي العدالة والعصمة ، والتدبير والحنكة ، وحسم مادة النزاع المشتعل برحلة الرسول(صلى الله عليه وآله) ، ولمّ شعث الأُمّة ، وجمعهم على خطّ واحد .
والغريب أنّ المعتزلة الذين يذهبون إلى وجوب اللطف والأصلح على
الله سبحانه ، يشذّون في هذا المقام عن معتقدهم هذا ، مع العلم بأنّ هذا
المورد من جزئياته ، والذي منعهم عن الالتزام بالقاعدة في المقام بأنّهم لو
قالوا بها في هذه المسألة لزمهم أن يقولوا بعدم صحّة خلافة الخلفاء المتقدّمين على عليّ; لأنّ قاعدة اللطف تقتضي أن يكون الخليفة منصوصاً عليه من
الله سبحانه .
ثمّ إنّك قد تعرّفت على أنّ الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) ـ و بوحي من الله سبحانه ـ قام بتطبيق القاعدة ، ونصب إماماً للأُمّة; ليقود أمرهم ويسدّ جميع الفراغات الحاصلة بلحوقه بالرفيق الأعلى ، وبذلك حسم مادة النزاع ، وقطع الطريق

صفحه 272
على المشاغبين ، ولكن ـ وللأسف ـ تناست الأُمّة وصيّة الرسول(صلى الله عليه وآله) وأمره ، فانقسموا إلى طوائف وأحزاب ، وقامت بينهم المعارك والحروب التي أُريقت فيها الدماء ، واستبيحت بسببها الأعراض ، وتبدّلت نتيجة لذلك المفاهيم ، واختلفت القيم ، واستثمر أعداء الدين هذه الاختلافات بين المسلمين فعمدوا إلى زيادة الهوّة بينهم وكرّسوا لذلك أقصى جهودهم حتّى أصبح التقريب
فضلا عن الوحدة أمراً متعسّراً على المفكّرين ، نسأل الله سبحانه أن يسدّ تلك الفجوة العميقة بإيقاظ شعور علماء الأُمّة ومصلحيهم في المستقبل القريب إن شاء الله تعالى .

صفحه 273
المسالة الثانية : عصمة الإمام   

المسألة الثانية :

عصمة الإمام

تفرّدت الإمامية من بين الفرق الإسلامية بإيجابها عصمة الإمام من الذنب والخطأ ، مع اتّفاق غيرهم على عدمها .
قال الشيخ المفيد : إنّ الأئمّة معصومون كعصمة الأنبياء ، ولا تجوز عليهم صغيرة إلاّ ما قدّم ذكر جوازه على الأنبياء ، ولا ينسون شيئاً من الأحكام ، ولا يدخل في مفهوم العصمة سلب القدرة عن المعاصي ، ولا كون المعصوم مضطرّاً إلى فعل الطاعات; فإنّ ذلك يستدعي بطلان الثواب والعقاب .
هذه هي عقيدة الإمامية في الإمامة، وقداستدلّواعليهابوجوه من العقل والسمع. أمّا العقل فقالوا : إنّ الإمام منفّذ لما جاء به الرسول ، وحافظ للشرع ، وقائم بمهام الرّسول كلّها ، فلو جاز عليه الخطأ والكذب ، لا يحصل الغرض
من إمامته .

حقيقة العصمة

العصمة قوّة تمنع صاحبها من الوقوع في المعصية والخطأ ، حيث لا يترك واجباً ، ولا يفعل محرّماً ، مع قدرته على الترك والفعل ، وإلاّ لم يستحقّ مدحاً
ولا ثواباً .

صفحه 274
وإن شئت قلت : إنّ المعصوم قد بلغ من التقوى حدّاً لا تتغلّب عليه الشهوات والأهواء ، وبلغ من العلم في الشريعة وأحكامها مرتبة لا يخطأ معها أبداً .
وليست العصمة فكرة ابتدعتها الشيعة ، وإنّما دلّهم عليها في حقّ العترة الطاهرة كتاب الله وسنّة رسوله ، قال سبحانه : (إنَّما يُريدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرّجْسَ أهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)(1) وليس المراد من الرجس إلاّ الرجس المعنوي ، وأظهره هو الفسق .
وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : «علي مع الحقّ والحقّ مع عليّ يدور معه كيفما دار»(2) ومن دار معه الحقّ كيفما دار محال أن يعصي أو أن يخطأ.
وقوله(صلى الله عليه وآله) في حقّ العترة : «إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا أبداً»(3) فإذا كانت العترة عدل القرآن والقرآن هو كلام الله تعالى ، فمن المنطقي أن تكون معصومة كالكتاب ، لا يخالف أحدهما الآخر .
وإذا توضّحت الصورة الحقيقية لتبلور عقيدة العصمة عند الشيعة ، وإنّ منشأها هو الكتاب والسنّة ، فإنّ هذا الوضوح لم يتحسّسه البعض ، بل ولم يكلّف نفسه عناء التثبّت من حقيقة مدّعياته وتصوّراته ، حيث يقول :
«إنّ عقيدة العصمة تسرّبت إلى الشيعة من الفرس الذين نشأوا على

1 . الأحزاب : 33 .
2 . حديث مستفيض ، رواه الخطيب في تاريخه: 14 / 321 والهيثمي في مجمعه: 7 / 236 وغيرهما .
3 . حديث متواتر، أخرجه مسلم في صحيحه، والدارمي في فضائل القرآن،وأحمد في مسنده: 2 / 114 وغيرهم.

صفحه 275
تقديس الحاكم ، لهذا أطلق عليها العرب النزعة الكسروية ، ولا أعرف أحداً من العرب قال ذلك في حدود اطّلاعي ، ولعلّ غالبية الشيعة كانت ترمي من وراء هذه الفكرة إلى تنزيه عليّ من الخطأ حتّى يتضح للملأ عدوان بني أُمية في اغتصاب الخلافة . هذا وفي اليهودية كثير من المذاهب التي تسرَّبت
إلى الشيعة»(1) .
هكذا ودون أيّ دليل وبيّنة متناسياً أنّ جميع المسلمين يذهبون إلى عصمة النبيّ(صلى الله عليه وآله) ولا يختلف في ذلك أحد ، فهل إنّ هذه الفكرة تسرّبت إلى أهل السنّة من اليهود؟! أو أنّ المسلمين أرادوا بذلك إيضاح عداوة قريش للنبيّ(صلى الله عليه وآله)؟ أو غير ذلك من التخرصات الباطلة؟!!
لا والله إنّها عقيدة إسلامية واقتبسها القوم من الكتاب والسنّة من دون أخذ من اليهود والفرس ، فما ذكره الكاتب تخرُّص بالغيب ، بل فرية واضحة .
إنّ الاختلاف في لزوم توصيف الإمام وعدمه ، ينشأ من الاختلاف في تفسير الإمامة بعد الرسول وماهيتها وحقيقتها كما أشرنا إلى ذلك سابقاً ، فمن تلقّى الإمامة  ـ بعد الرسول ـ بأنّها مقام عرفي لتأمين السبل ، وتعمير البلاد ، وإجراء الحدود ، فشأنه شأن سائر الحكّام العرفيّين . وأمّا من رأى الإمامة بأنّها استمرار لتحقيق وظيفة الرسالة ، وأنّ الإمام ليس نبيّاً ولا يوحى إليه ، لكنّه مكلّف بملء الفراغات الحاصلة برحلة النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، فلا محيص له عن الالتزام بها; لأنّ الغاية المنشودة لا تحصل بلا تسديد إلهي كما سيوافيك ، نعم إنّ أهل السنّة يتحرَّجون من توصيف الإمام بالعصمة ، ويتصوّرون أنّ ذلك يلازم النبوّة ، وما

1 . مظاهر الشعوبية في الأدب العربي للدكتور نبيه حجاب : 492 ، كما في هوية التشيّع : 166 .

صفحه 276
هذا إلاّ أنّهم لا يفرّقون بين الإمامتين ، وأنّ لكلٍّ معطياته . والتفصيل موكول
إلى محلّه .

الدليل على لزوم عصمة الإمام بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله)

يمكن الاستدلال على لزوم العصمة في الإمام بوجوه متعدّدة نورد أهمها :
الأوّل : إنّ الإمامة إذا كانت استمراراً لوظيفة النبوّة والرسالة ، وكان
الإمام يملأ جميع الفراغات الحاصلة جرّاء رحلة النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله) ، فلا مناص
من لزوم عصمته ، وذلك لأنّ تجويز المعصية يتنافى مع الغاية التي لأجلها نصبه الله سبحانه إماماً للأُمّة ; فإنّ الغاية هي هداية الأُمّة إلى الطريق المهيع ، ولا يحصل ذلك إلاّ بالوثوق بقوله ، والاطمئنان بصحّة كلامه ، فإذا جاز على الإمام الخطأ والنسيان ، والمعصية والخلاف ، لم يحصل الوثوق بأفعاله وأقواله ، وضعفت ثقة الناس به ، فتنتفي الغاية من نصبه ، وهذا نفس الدليل الذي استدلّ به المتكلّمون على عصمة الأنبياء ، والإمام وإن لم يكن رسولا ولا نبيّاً ولكنّه قائم بوظائفهما .
نعم لو كانت وظيفة الإمام مقتصرة على تأمين السبل وغزو العدو والانتصاف للمظلوم وما أشبه ذلك ، لكفى فيه كونه رجلا عادلا قائماً بالوظائف الدينية ، وأمّا إذا كانت وظيفته أوسع من ذلك ـ كما هو الحال في مورد النبيّ(صلى الله عليه وآله) ـ فكون الإمام عادلا قائماً بالوظائف الدينية ، غير كاف في تحقيق الهدف المنشود من نصب الإمام .

صفحه 277
فقد كان النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) يفسّر القرآن الكريم ويشرح مقاصده وأهدافه ويبيّن أسراره ، كما كان يجيب على الأسئلة في مجال الموضوعات المستحدثة ، وكان يردّ على الشبهات والتشكيكات التي كان يلقيها أعداء الإسلام ، وكان يصون الدين من محاولات التحريف والتغيير ، وكان يربّي المسلمين ويهذّبهم ويدفعهم نحو التكامل .
فالفراغات الحاصلة من رحلة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) لا تسدّ إلاّ بوجود إنسان مثالي يقوم بتلك الواجبات ، وهو فرع كونه معصوماً عن الخطأ والعصيان.(1)
الثاني : قوله سبحانه : (أطِيعُوا الله وأطيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ»)(2) .
والاستدلال مبني على دعامتين :
1 ـ إنّ الله سبحانه أمر بطاعة أُولي الأمر على وجه الإطلاق ; أي في جميع الأزمنة والأمكنة ، وفي جميع الحالات والخصوصيات ، ولم يقيّد وجوب امتثال أوامرهم ونواهيهم بشيء كما هو مقتضى الآية .
2 ـ إنّ من الأمر البديهي كونه سبحانه لا يرضى لعباده الكفر والعصيان : (ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْر)(3) من غير فرق بين أن يقوم به العباد ابتداءً من
دون تدخّل أمر آمر أو نهي ناه ، أو يقومون به بعد صدور أمر ونهي من
أُولي الأمر .

1 . هذا إجمال ما أوضحناه في بحوثنا الكلامية ، فلاحظ الإلهيات: 2 / 528 ـ 539 .
2 . النساء : 59 .
3 . الزمر : 7 .

صفحه 278
فمقتضى الجمع بين هذين الأمرين (وجوب إطاعة أُولي الأمر على وجه الإطلاق ، وحرمة طاعتهم إذا أمروا بالعصيان) أن يتّصف أُولو الأمر الذين وجبت إطاعتهم على وجه الإطلاق ، بخصوصية ذاتية وعناية إلهية ربّانية ، تصدّهم عن الأمر بالمعصية والنهي عن الطاعة . وليس هذا إلاّ عبارة أُخرى عن كونهم معصومين ، وإلاّ فلو كانوا غير واقعين تحت تلك العناية ، لما صحّ الأمر بإطاعتهم على وجه الإطلاق بدون قيد أو شرط . فنستكشف من إطلاق الأمر بالطاعة اشتمال المتعلّق على خصوصية تصدّه عن الأمر بغير الطاعة .
وممّن صرّح بدلالة الآية على العصمة الإمام الرازي في تفسيره ، ويطيب لي أن أذكر نصّه حتّى يمعن فيه أبناء جلدته وأتباع طريقته ، قال :
إنّ الله تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية ،
ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لابدّ وأن يكون معصوماً
عن الخطأ; إذ لو لم يكن معصوماً عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ
يكون قد أمر الله بمتابعته ، فيكون ذلك أمراً بفعل ذلك الخطأ ، والخطأ
لكونه خطأ منهيّ عنه ، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد ، وأنّه محال ، فثبت أنّ الله تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر على سبيل الجزم ، وثبت أنّ كلّ من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوماً عن الخطأ ، فثبت قطعاً أنّ أُولي الأمر المذكور في هذه الآية لابدّ وأن يكون معصوماً.(1)
بيد أنّ الرازي ، وبعد أن قادته استدلالاته المنطقية إلى هذه الفكرة الثابتة

1 . مفاتيح الغيب: 10 / 144 .

صفحه 279
المؤكّدة لوجوب العصمة بدأ يتهرّب من تبعة هذا الأمر ، ولم يستثمر نتائج أفكاره ، لا لسبب إلاّ لأنّها لا توافق مذهبه في تحديد الإمامة ، فأخذ يؤوّل الآية ويحملها على غير ما ابتدأه وعمد إلى إثباته ، حيث استدرك قائلا بأنّا عاجزون عن معرفة الإمام المعصوم ، عاجزون عن الوصول إليه ، عاجزون عن استفادة الدين والعلم منه ، فإذا كان الأمر كذلك ، فالمراد ليس بعضاً من أبعاض الأُمّة ، بل المراد هو أهل الحلّ والعقد من الأُمّة .
إلاّ أنّ ادّعاءه هذا لا يصمد أمام الحقيقة القويّة التي لا خفاء عليها ، وفي دفعه ذلك الأمر مغالطة لا يمكن أن يرتضيها هو نفسه ، فإنّه إذا دلّت الآية على عصمة أُولي الأمر فيجب علينا التعرّف عليهم ، وادّعاء العجز هروب من الحقيقة ، فهل العجز يختص بزمانه أو كان يشمل زمان نزول الآية؟ لا أظنّ أن يقول الرازي بالثاني . فعليه أن يتعرّف على المعصوم في زمان النبيّ(صلى الله عليه وآله) وعصر نزول الآية ، وبالتعرّف عليه يعرف معصوم زمانه ، حلقة بعد أُخرى ، ولا يعقل أن يأمر الوحي الإلهي بإطاعة المعصوم ثمّ لا يقوم بتعريفه حين النزول ، فلو آمن الرازي بدلالة الآية على عصمة أُولي الأمر فإنّه من المنطقي والمعقول له أن يؤمن بقيام الوحي الإلهي بتعريفهم بواسطة النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله); إذ لا معنى أن يأمر الله سبحانه بإطاعة المعصوم ، ولا يقوم بتعريفه .
ثمّ إنّ تفسير ( أُولي الأمر) بأهل الحلّ والعقد ، تفسير للغامض ـ حسب نظر الرازي ـ بما هو أشد غموضاً; إذ هو ليس بأوضح من الأوّل ، فهل المراد منهم : العساكر والضبّاط ، أو العلماء والمحدّثون ، أو الحكام والسياسيون ، أو الكلّ؟ وهل اتّفق إجماعهم على شيء ، ولم يخالفهم لفيف من المسلمين؟
إذا كانت العصمة ثابتة للأُمة عند الرازي كما علمت ، فهناك من يرى

صفحه 280
العصمة لجماعة من الأُمّة كالقرّاء والفقهاء والمحدّثين ، هذا هو ابن تيمية يقول في ردّه على الشيعة عند قولهم : إنّ وجود الإمام المعصوم لا بدّ منه بعد موت النبيّ يكون حافظاً للشريعة ومبيّناً أحكامها خصوصاً أحكام الموضوعات المتجدّدة ، حيث يقول : إنّ أهل السنّة لا يسلّمون أن يكون الإمام حافظاً للشرع بعد انقطاع الوحي ، وذلك لأنّه حاصل للمجموع ، والشرع إذا نقله أهل التواتر كان ذلك خيراً من نقل الواحد ، فالقرّاء معصومون في حفظ القرآن وتبليغه ، والمحدّثون معصومون في حفظ الأحاديث وتبليغها ، والفقهاء معصومون في الكلام والاستدلال.(1)
وهذا الرأي أغرب من سابقه وأضعف حجّة! فكيف يدّعي العصمة لهذه الطوائف مع أنّهم غارقون في الاختلاف في القراءة والتفسير ، والحديث والأثر ، والحكم والفتوى ، والعقيدة والنظر؟ ولو أغمضنا عن ذلك ، فما الدليل على عصمة تلكم الطوائف ، خصوصاً على قول البعض بأنّ القول بالعصمة تسرّب من اليهود إلى الأوساط الإسلامية؟
الثالث : قوله سبحانه : (وَإِذِ ابْتَلى إِبراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهدِي الظّالِمِينَ»(2) .
والاستدلال بالآية على عصمة الإمام يتوقّف على تحديد مفهوم الإمامة الواردة في الآية وأنّ المقصود منها غير النبوّة وغير الرسالة ، فأمّا الأوّل فهو عبارة عن منصب تحمّل الوحي ، وأمّا الثاني فهو عبارة عن منصب إبلاغه إلى الناس .

1 . منهاج السنّة، كما في نظرية الإمامة : 120 .
2 . البقرة : 124 .

صفحه 281
والإمامة المعطاة للخليل في أُخريات عمره غير هذه وتلك; لأنّه كان نبيّاً ورسولا وقائماً بوظائفهما طيلة سنين حتّى خوطب بهذه الآية ، فالمراد من الإمامة في المقام هو منصب القيادة ، وتنفيذ الشريعة في المجتمع بقوّة وقدرة ، ويعرب عن كون المراد من الإمامة في المقام هو المعنى الثالث قوله سبحانه : (أمْ يَحسُدُونَ النَّاسَ عَلى مَا آتاهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظيماً)(1).
فالإمامة التي أنعم بها الله سبحانه على الخليل وبعض ذرّيته هي الملك العظيم الوارد في هذه الآية . وعلينا الفحص عن المراد بالملك العظيم; إذ عند ذلك يتّضح أنّ مقام الإمامة يلي النبوّة والرسالة ، لأنَّها قيادة حكيمة ، وحكومة إلهيّة ، يبلغ المجتمع بها إلى السعادة ، والله سبحانه يوضّح حقيقة هذا الملك في الآيات التالية :
1 ـ يقول سبحانه ـ حاكياً قول يوسف(عليه السلام) ـ : (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأويلِ الأحاديثِ)(2) ومن المعلوم أنّ الملك الذي منّ به سبحانه على عبده يوسف ليس هو النبوّة، بل الحاكمية; حيث صار أميناً مكيناً في الأرض; لقوله: (وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأويلِ الأحاديثِ) إشارة إلى نبوّته ، والملك إشارة إلى سلطته وقدرته .
2 ـ ويقول سبحانه في داود(عليه السلام) : (وَآتاهُ الله المُلْكَ وَالحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ)(3)، ويقول سبحانه : (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الحِكْمَةَ وَ فَصْلَ الخِطَابِ)(4) .

1 . النساء : 54 .
2 . يوسف : 101 .
3 . البقرة : 251 .
4 . ص : 20 .

صفحه 282
3 ـ ويحكي الله تعالى عن سليمان(عليه السلام) أنّه قال : (وَهَبْ لِي مُلْكَاً لا يَنْبَغِي لأِحَد مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أنْتَ الوَهَّابُ)(1) .
والتأمّل في هذه الآيات الكريمة يفسّر لنا حقيقة الإمامة باعتبار الملاحظات التالية :
أ ـ إنّ إبراهيم طلب الإمامة لذرّيته، وقد أجاب سبحانه دعوته في بعضهم .
ب ـ إنّ مجموعة من ذرّيته ، كيوسف وداود وسليمان ، نالوا ـ وراء النبوّة والرسالة ـ منصب الحكومة والقيادة .
ج ـ إنّه سبحانه أعطى آل إبراهيم الكتاب ، والحكمة ، والملك العظيم .
فمن ضمّ هذه الأُمور بعضها إلى بعض ، يخرج بهذه النتيجة : أنّ ملاك الإمامة في ذرّية إبراهيم هو قيادتهم وحكمهم في المجتمع ، وهذه هي حقيقة الإمامة ، غير أنّها ربّما تجتمع مع المقامين الآخرين ، كما في الخليل ، ويوسف ، وداود ، وسليمان ، وغيرهم ، وربّما تنفصل عنهما كما في قوله سبحانه : (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أحَقُ بِالمُلكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المَالِ قَالَ إنَّ الله اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسَطَةً فِي العِلْمِ والجسم وَالله يُؤْتي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَالله واسِعٌ عَليمٌ)(2) .
والإمامة التي يتبنّاها المسلمون بعد رحلة النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله) تتّحد واقعيتها مع هذه الإمامة .

1 . ص : 35 .
2 . البقرة : 247 .

صفحه 283
 
ما هو المراد من الظالم؟
قد تعرّفت على المقصود من جعل إبراهيم(عليه السلام) إماماً للناس ، وأنّ المراد هو القيادة الإلهية وسوق الناس إلى السعادة بقوّة وقدرة ومنعة . بقي الكلام في تفسير الظالم الذي ليس له من الإمامة سهم ، فنقول :
لمّا خلع سبحانه ثوب الإمامة على خليله ، ونصبه إماماً للناس ، ودعا إبراهيمُ أن يجعل من ذرّيته إماماً ، أُجيب بأنّ الإمامة منصب إلهيّ لا يناله الظالمون; لأنّ الإمام هو المطاع بين الناس ، المتصرّف في الأموال والنفوس ، فيجب أن يكون على الصراط السويّ والظالم المتجاوز عن الحدّ لا يصلح لهذا المنصب .
كما أنّ الظالم الناكث لعهد الله ، والناقض لقوانينه وحدوده ، على شفا جرف هار ، لا يؤتمن عليه ولا تلقى إليه مقاليد الخلافة; لأنّه على مقربة من الخيانة والتعدّي ، وعلى استعداد لأن يقع أداة للجائرين ، فكيف يصحّ في منطق العقل أن يكون إماماً مطاعاً ، نافذ القول ، مشروع التصرّف ؟! وعلى ذلك; فكلّ من ارتكب ظلماً ، وتجاوز حدّاً في يوم من أيّام عمره ، أو عبد صنماً ، أو لاذ إلى وثن ـ وبالجملة ارتكب ما هو حرام فضلا عمّا هو شرك وكفر ـ ينادى من فوق العرش في حقّه : (لا يَنالُ عَهدِي الظّالِمِينَ) من غير فرق بين صلاح حالهم بعد تلك الفترة ، أو البقاء على ما كانوا عليه .
نعم اعترض «الجصّاص» على هذا الاستدلال وقال : «إنّ الآية إنّما

صفحه 284
تشمل من كان مقيماً على الظلم وأمّا التائب منه فلا يتعلّق به الحكم; لأنّ الحكم إذا كان معلّقاً على صفة ، وزالت تلك الصفة ، زال الحكم . ألا ترى أنّ قوله : (وَلا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا)(1) إنّما ينهى عن الركون إليهم ما أقاموا على الظلم ، فقوله تعالى : ( لا يَنالُ عَهدِي الظّالِمِينَ) لم ينف به العهد عمّن تاب عن ظلمه; لأنّه في هذه الحالة لا يسمّى ظالماً ، كما لا يسمّى من تاب من الكفر كافراً»(2) .
إلاّ أنّه يلاحظ عليه : أنّ قوله : «الحكم يدور مدار وجود الموضوع» ليس ضابطاً كلّياً ، بل الأحكام على قسمين : قسم كذلك ، وآخر يكفي فيه اتّصاف الموضوع بالوصف والعنوان آناً ما ، ولحظة خاصّة ، وإن انتفى بعد الاتّصاف ، فقوله : «الخمر حرام» ، أو «في سائمة الغنم زكاة» من قبيل القسم الأوّل ، وأمّا قوله : «الزاني يحدّ» ، و «السارق يقطع» فالمراد منه أنّ الانسان المتلبّس بالزنا أو السرقة يكون محكوماً بهما وإن زال العنوان وتاب السارق والزاني ، ومثله : «المستطيع يجب عليه الحجّ» فالحكم ثابت ، وإن زالت عنه الاستطاعة عن تقصير لا عن قصور .
وعلى ذلك فالمدّعى أنّ : (الظّالمين) في الآية المباركة كالسارق والسارقة والزاني والزانية وغيرها من الموارد المشابهة لها .
نعم المهمّ في المقام إثبات أنّ الموضوع في الآية من قبيل الثاني ، وأنّ التلبّس بالظلم ـ ولو آناً مّا ـ يسلب عن الإنسان صلاحية الإمامة ، وإن تاب من ذنبه ، فإنّ الناس بالنسبة إلى الظلم على أقسام أربعة :

1 . هود : 113 .
2 . تفسير آيات الأحكام: 1 / 72 .

صفحه 285
1 ـ من كان طيلة عمره ظالماً .
2 ـ من كان طاهراً ونقياً في جميع فترات عمره .
3 ـ من كان ظالماً في بداية عمره ، وتائباً في آخره .
4 ـ من كان طاهراً في بداية عمره ، وظالماً في آخره .
عند ذلك يجب أن نقف على أنّ إبراهيم(عليه السلام) ، الذي سأل الإمامة لبعض ذرّيته ، أيَّ قسم منها أراد؟
إنّ من غير المعقول والبديهي أن يسأل خليل الله تعالى الإمامة لأصحاب القسمين الأوّل والرابع من ذرّيته ، لوضوح أنّ الغارق في الظلم من بداية عمره إلى آخره ، أو المتّصف به أيام تصدّيه للإمامة ، لا يصلح لأن يؤتمن عليها .
ولمّا كان الله تعالى قد نفى امتلاك الإمامة من قبل الظالم وهو ما سبق أن وقع في تسميته أصحاب القسم الثالث ، في حين يقابله في القسم الثاني من هو بريء عن الظلم مطلقاً طيلة عمره ، وتتمثّل فيه جميع الصفات المطلوبة والمحدّدة في الآية الكريمة ، فلا مناص من الجزم بتعلّقها بالقسم الثاني وحده دون باقي الأقسام .

العصمة في القول والرأي

إنّ الأئمّة معصومون عن العصيان والمخالفة أوّلا ، وعن الخطأ والزلّة في القول ثانياً ، وما ذلك إلاّ لأنّ كل إمام من الأوّل إلى الثاني عشر ، قد أحاط إحاطة شاملة كاملة بكلّ ما في هذين الأصلين ، بحيث لا يشذّ عن علمهم معنى آية

صفحه 286
من آي الذكر الحكيم تنزيلا وتأويلا ، ولا شيء من سنّة رسول الله قولا وفعلا وتقريراً ، وكفى بمن أحاط بعلوم الكتاب والسنّة فضلا وعلماً ، ومن هنا كانوا قدوة الناس جميعاً بعد جدّهم الرسول(صلى الله عليه وآله) باتّفاق الجميع المطلق دليلا واضحاً على أنّهم هم الأئمّة المعصومون وقادة المسلمين بعد غياب رسول الله(صلى الله عليه وآله)وحتّى قيام يوم الدين .
وقد أخذ أهل البيت علوم الكتاب والسنّة وفهموها عن رسول الله(صلى الله عليه وآله)تماماً(1) كما أخذها ووعاها رسول الله(صلى الله عليه وآله) عن جبرئيل ، وكما وعاها جبرئيل عن الله ، ولا فرق أبداً في شيء إلاّ بالواسطة .
نعم أخذ عليّ عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، وأخذ الحسن عن أبيه ، وهكذا كلّ إمام يأخذ عن أبيه ، علم يتناقل ضمن هذه السلسلة الطاهرة المعروفة ، لم يأخذ أحد منهم(عليهم السلام)عن صحابي ولا تابعي أبداً ، بل أخذ الجميع عنهم ، ومنهم انتقلت العلوم إلى الآخرين كما تلقّاها رسول الله(صلى الله عليه وآله) من لدن حكيم خبير .
قال الإمام الباقر(عليه السلام) : «لو كنّا نحدّث الناس برأينا وهوانا لهلكنا ، ولكن نحدّثهم بأحاديث نكنزها عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضّتهم».(2)

1 . أو إلهاماً غيبياً لأنّـهم محدَّثون، كما أنّ مريم كانت محدَّثة، وفي صحيح البخاري: عن أبي هريرة قال: قال النبيّ(صلى الله عليه وآله): «لقد كان فيمن قبلكم من بني إسرائيل رجال يُكلّمون من غير أن يكونوا أنبياء فإن كان من أُمّتي منهم أحد فعمر».
صحيح البخاري: 2 / 194، باب مناقب عمر بن الخطّاب.
2 . الشيعة والتشيّع: 44 .

صفحه 287
المسالة الثالثة : الإمام المنتظر   

المسألة الثالثة :

الإمام المنتظر

إنّ الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظر عقيدة مشتركة بين جميع المسلمين، إلاّ من أصمّه اللّه، فكل من كان له إلمام بالحديث يقف على تواتر البشارة عن النبي وآله وأصحابه، بظهور المهدي في آخر الزمان لإزالة الجهل والظلم، ونشر أعلام العلم والعدل، وإعلاء كلمة الحقّ، وإظهار الدين كلّه، ولو كره المشركون، وهو بإذن الله ينجي العالم من ذُلِّ العبودية لغير اللّه، ويبطل القوانين الكافرة التي سنّتها الأهواء، ويقطع أواصر التعصّبات القومية والعنصرية، ويميت أسباب العداء والبغضاء التي صارت سبباً لاختلاف الأُمّة واضطراب الكلمة، ومصدراً خطيراً لإيقاد نيران الفتن والمنازعات، ويحقق اللّه بظهوره وعده الذي وعد به المؤمنين بقوله:
( وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضْى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنَاً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُوْلئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ»(1).

1 . النور: 55.

صفحه 288
قال سبحانه: «وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبادِيَ الصَّالِحُونَ»(1).
هذا ما اتّفق عليه المسلمون في الصدر الأوّل والأزمنة اللاحقة، وقد تضافر مضمون قول الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله): «لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد، لطوّل اللّه ذلك اليوم حتى يخرج رجل من ولدي، فيملأها عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً».
بلى إنّ جميع المسلمين يتّفقون أساساً على فكرة قيام المهدي وما سيعم الأرض في عهده من العدل والأمن والخير العميم، وإن كان هناك من اختلاف يذكر في مضمون هذا الأمر العظيم، والحلم المنشود، فإنّه قد لا يتجاوز في أهم نقاطه الحدود الأساسية المرتكز عليها، والتي تتمحور أهمها في تحديد ولادته(عليه السلام)، فانّ الأكثرية من أهل السنّة يقولون بأنّه سيولد في آخر الزمان، وأمّا الشيعة ولاستنادهم على جملة واسعة من الروايات والأدلّة الصحيحة يذهبون إلى أنّه(عليه السلام)ولد في «سرّ من رأى» عام 255 هـ ، وغاب بأمر الله سبحانه سنة وفاة والده الإمام الحسن بن علي العسكري(عليه السلام)، عام 260 هـ ، وهو يحيا حياة طبيعية كسائر الناس، غير أنّ الناس يرونه ولا يعرفونه، وسوف يظهره اللّه سبحانه ليحقّق عدله.
هذا المقدار من الاختلاف لا يجعل العقيدة بالمهدي عقيدة خلافية، ومن أراد أن يقف على عقيدة السنّة والشيعة في مسألة المهدي فعليه أن يرجع إلى الكتب التالية لمحقّقي السنّة ومحدّثيهم:

1 . الأنبياء: 105 .

صفحه 289
ـ «صفة المهدي» للحافظ أبي نعيم الإصفهاني.
ـ «البيان في أخبار صاحب الزمان» للكنجي الشافعي.
ـ «البرهان في علامات مهدي آخر الزمان» لملاّ علي المتقي.
ـ «العرف الوردي في أخبار المهدي» للحافظ السيوطي.
ـ «القول المختصر في علامات المهدي المنتظر» لابن حجر.
ـ «عقد الدرر في أخبار الإمام المنتظر» للشيخ جمال الدين الدمشقي.
من أراد التفصيل فليرجع إلى «منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر» للعلاّمة الصافي ـ دام ظلّه ـ ، وإلى كتاب «المهدي عند أهل السنّة» صدر في مجلّدين وطبع في بيروت.
لعلّ الروايات والأخبار المستفيضة المؤكدة على قضية الإمام المهدي من الوفرة وقوّة الحجية بحيث لا يرقى إليها الشك والنقاش سواء في متونها أو في أسانيدها، وعلى ذلك دأب الماضون وتبعهم اللاحقون، إلاّ ما أورده ابن خلدون في مقدّمته من تضعيفه لهذه الأخبار والتشكيك في صحّتها، وفي مدى حجيتها، وقد فنّد مقالته محمّد صديق برسالة أسماها «إبراز الوهم المكنون من كلام
ابن خلدون».
قد كتب أخيراً الدكتور عبد الباقي كتاباً قيّماً في الموضوع أسماه «بين يدي الساعة» يشير فيه إلى تضافر الأخبار الواردة في حق المهدي بقوله:
إنّ المشكلة ليست في حديث أو حديثين أو راو أو راويين، إنّها مجموعة من الأحاديث والأخبار تبلغ الثمانين تقريباً، اجتمع على تناقلها مئات الرواة، وأكثر من صاحب كتاب صحيح.

صفحه 290
لماذا نردّ كل هذه الكمّية؟ أكلّها فاسدة؟ لو صحّ هذا الحكم لانهار الدين ـ والعياذ بالله ـ نتيجة تطرّق الشك والظن الفاسد إلى ما عداها من سنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله).
ثمّ إنّي لا أجد خلافاً حول ظهور المهدي، أو حول حاجة العالم إليه، وإنّما الخلاف حول من هو، حسني أو حسيني؟ سيكون في آخر الزمان، أو موجود الآن؟ خفي وسيظهر؟ ظهر أو سيظهر ؟ولا عبرة بالمدّعين الكاذبين، فليس
لهم اعتبار.
ثمّ إنّي لا أجد مناقشة موضوعية في متن الأحاديث، والذي أجده إنّما هو مناقشة وخلاف حول السند، واتّصاله وعدم اتّصاله، ودرجة رواته، ومن خرّجوه، ومن قالوا فيه.
إذا نظرنا إلى ظهور المهدي نظرة مجرّدة فإنّنا لا نجد حرجاً من قبولها وتصديقها، أو على الأقل عدم رفضها. فإذا ما تؤيّد ذلك بالأدلّة الكثيرة، والأحاديث المتعددة، ورواتها مسلمون مؤتمنون، والكتب التي نقلتها إلينا كتب قيمة، والترمذي من رجال التخريج والحكم، بالإضافة إلى أنّ أحاديث المهدي لها ما يصح أن يكون سنداً لها في البخاري ومسلم، كحديث جابر في مسلم الذي فيه: «فيقول أميرهم (أي لعيسى): تعال صلّ بنا»(1)، وحديث أبي هريرة في البخاري، وفيه: «كيف بكم إذا نزل فيكم المسيح بن مريم وإمامكم منكم»(2)، فلا مانع من أن يكون هذا الأمير، وهذا الإمام هو المهدي.

1 . صحيح مسلم: 1 / 59، باب نزول عيسى .
2 . صحيح البخاري، بشرح الكرماني: 14 / 88 .

صفحه 291
يضاف إلى هذا انّ كثيراً من السلف ـ رضي الله عنهم ـ لم يعارضوا
هذا القول، بل جاءت شروحهم وتقريراتهم موافقة لإثبات هذه العقيدة
عند المسلمين.(1)

1 . بين يدي الساعة للدكتور عبدالباقي : 123 ـ 125 .

صفحه 292
المسالة الرابعة : التقية   

المسألة الرابعة :

التقية

(مفهومها ، غايتها ، دليلها ، حدّها في ضوء الكتاب والسنّة)

التقية من المفاهيم القرآنية التي وردت في أكثر من موضع في القرآن الكريم ، وفي تلك الآيات إشارات واضحة إلى الموارد التي يلجأ فيها المؤمن إلى استخدام هذا المسلك الشرعي خلال حياته أثناء الظروف العصيبة ، ليصون بها نفسه أو من يمتّ إليه بصلة وعرضه وماله ، كما استعملها مؤمن آل فرعون لصيانة الكليم عن القتل والتنكيل(1)، ولاذ بها عمّـار عندما أُخذ وأُسِر و هُدِّد بالقتل(2)، إلى غير ذلك من الموارد الواردة في الكتاب والسنّة ، فمن المحتّم علينا أن نتعرّف عليها ، مفهوماً وغايةً ودليلا وحدّاً ، حتّى نتجنَّب الإفراط والتفريط في مقام القضاء والتطبيق .
إنّ التقية ، اسم لـ «اتّقى يتّقي»(3) والتـاء بدل من الواو ، وأصله من الوقاية ، ومن ذلك إطلاق التقوى على إطاعة الله ; لأنّ المطيع يتّخذها وقاية من

1 . القصص : 20 .
2 . النحل : 106 .
3 . قال ابن الأثير في النهاية: 5 / 217 ، وأصل اتّقى : اوتقى فقلبت الواو ياء لكسرة قبلها ثمّ أُبدلت تاء وأُدغمت . ومنه حديث علي(عليه السلام) : «كنّا إذا احمرّ البأس اتقينا برسول الله(صلى الله عليه وآله)» ، أي جعلناه وقاية من العدوّ . ولاحظ لسان العرب مادة «وقى» .

صفحه 293
النار والعذاب . والمراد هو التحفّظ عن ضرر الغير بموافقته في قول أو فعل مخالف للحقّ .

مفهومها

إذا كانت التقيّة هي اتّخاذ الوقاية من الشرّ ، فمفهومها في الكتاب والسنّة هو : إظهار الكفر وإبطان الإيمان ، أو التظاهر بالباطل وإخفاء الحقّ . وإذا كان هذا مفهومها ، فهي تُقابل النفاق ، تَقابُل الإيمان والكفر ، فإنّ النفاق ضدّها وخلافها ، فهو عبارة عن إظهار الإيمان وإبطان الكفر ، والتظاهر بالحقّ وإخفاء الباطل ، ومع وجود هذا التباين بينهما فلا يصحّ عدّها من فروع النفاق . نعم من فسر النفاق بمطلق مخالفة الظاهر للباطن ، وبه صوَّر التقية ـ الواردة في الكتاب والسنّة ـ من فروعه ، فقد فسّره بمفهوم أوسع ممّا هو عليه في القرآن ; فإنّه يُعرِّف المنافقين المتظاهرين بالإيمان والمبطنين للكفر بقوله تعالى : (إذَا جَاءَكَ المنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله وَالله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ المنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)(1)، فإذا كان هذا حدُّ المنافق فكيف يعمُّ من يستعمل التقية تجاه الكفّار والعصاة; فيخفي إيمانه ويظهر الموافقة لغاية صيانة النفس والنفيس ، والعرض والمال
من التعرّض؟!
ويظهر صدق ذلك إذا وقفنا على ورودها في التشريع الإسلامي ، ولو كانت من قسم النفاق ، لكان ذلك أمراً بالقبح ويستحيل على الحكيم أن يأمر به : (قُـلْ إِنَّ الله لا يَـأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ)(2) .

1 . المنافقون  : 1 .
2 . الأعراف : 28 .

صفحه 294
 
غايتها
الغاية من التقيّة : هي صيانة النفس والعرض والمال ، وذلك في ظروف قاهرة لا يستطيع فيها المؤمن أن يعلن عن موقفه الحقّ صريحاً خوفاً من أن يترتّب على ذلك مضارّ وتهلكة من قوى ظالمة غاشمة كلجوء الحكومات الظالمة إلى الإرهاب ، والتشريد والنفي ، والقتل والتنكيل ، ومصادرة الأموال ، وسلب الحقوق الحقّة ، فلا يكون لصاحب العقيدة الذي يرى نفسه محقّاً محيص عن إبطانها ، والتظاهر بما يوافق هوى الحاكم وتوجّهاته حتّى يسلم من الاضطهاد والتنكيل والقتل ، إلى أن يُحدِث الله أمراً .
إنّ التقيّة سلاح الضعيف في مقابل القويّ الغاشم ، سلاح من يبتلى بمن
لا يحترم دمه وعرضه وماله ، لا لشيء إلاّ لأنّه لا يتّفق معه في بعض
المبادئ والأفكار .
إنّما يمارس التقية من يعيش في بيئة صودرت فيها الحرية في القول والعمل ، والرأي والعقيدة فلا ينجو المخالف إلاّ بالصمت والسكوت مرغماً أو بالتظاهر بما يوافق هوى السلطة وأفكارها ، أو قد يلجأ إليها البعض كوسيلة لابدّ منها من أجل إغاثة الملهوف المضطهد والمستضعف الذي لا حول له ولا قوّة ، فيتظاهر بالعمل إلى جانب الحكومة الظالمة وصولا إلى ذلك كما كان عليه مؤمن آل فرعون الذي حكاه سبحانه في الذكر الحكيم .
إنّ أكثر من يَعيبُ التقيّة على مستعملها ، يتصوّر أو يصوّر أنّ الغاية منها هو تأليف جماعات سرية هدفها الهدم والتخريب ، كما هو المعروف من الباطنيين والأحزاب الإلحادية السرّية ، وهو تصوّر خاطئ ذهب إليه أُولئك جهلا أو

صفحه 295
عمداً دون أن يرتكزوا في رأيهم هذا على دليل مّا أو حجة مقنعة ، فأين ما ذكرناه من هذا الذي يذكره؟ ولو لم تُلجئ الظروف القاهرة والأحكام المتعسّفة هذه الجموع المستضعفة من المؤمنين لما كانوا عمدوا إلى التقية ، ولما تحمّلوا عبء إخفاء معتقداتهم ولدعوا الناس إليها علناً ودون تردّد ، إلاّ أنّ السيف والنطع سلاح لا تتردّد كلّ الحكومات الفاسدة من التلويح به أمام من يخالفها في معتقداتها وعقائدها .
أين العمل الدفاعي من الأعمال البدائية التي يرتكبها أصحاب الجماعات السرّية للإطاحة بالسلطة وامتطاء ناصية الحكم ، فأعمالهم كلّها تخطيطات مدبّرة لغايات ساقطة .
وهؤلاء هم الذين يحملون شعار «الغايات تبرّر الوسائل» فكلّ قبيح عقلي أو ممنوع شرعي يستباح عندهم لغاية الوصول إلى المقاصد المشؤومة .
إنّ القول بالتشابه بين هؤلاء وبين من يتّخذ التقية غطاءً ، وسلاحاً دفاعياً ليسلم من شرّ الغير ، حتّى لا يُقْتَل ولا يُستأصل ، ولا تُنهب داره وماله ، إلى أن يُحدث الله أمراً ، من قبيل عطف المباين على مثله .
إنّ المسلمين القاطنين في الاتّحاد السوفيتي السابق قد لاقوا من المصائب والمحن ما لا يمكن للعقول أن تحتملها ولا أن تتصوّرها ; فإنّ الشيوعيّين وطيلة تسلّطهم على المناطق الإسلامية قلبوا لهم ظهر الِمجَنّ ، فصادروا أموالهم وأراضيهم ، ومساكنهم ، ومساجدهم ، ومدارسهم ، وأحرقوا مكتباتهم ، وقتلوا كثيراً منهم قتلا ذريعاً ووحشياً ، فلم ينج منهم إلاّ من اتّقاهم بشيء من

صفحه 296
التظاهر بالمرونة ، وإخفاء المراسم الدينية ، والعمل على إقامة الصلاة في البيوت إلى أن نجّاهم الله سبحانه بانحلال تلك القوّة الكافرة ، فبرز المسلمون إلى الساحة من جديد ، فملكوا أرضهم وديارهم ، وأخذوا يستعيدون مجدهم وكرامتهم شيئاً فشيئاً ، وما هذا إلاّ ثمرة من ثمار التقية المشروعة التي أباحها الله تعالى لعباده بفضله وكرمه سبحانه على المستضعفين .
فإذا كان هذا معنى التقية ومفهومها ، وكانت هذه غايتها وهدفها ، فهو أمر فطري يسوق الإنسان إليه قبل كلّ شيء عقلُه ولبُّه ، وتدعوه إليه فطرته ، ولأجل ذلك يستعملها كلّ من ابتُلي بالملوك والساسة الذين لا يحترمون شيئاً سوى رأيهم وفكرتهم ومطامعهم وسلطتهم ولا يتردّدون عن التنكيل بكلّ من يعارضهم في ذلك ، من غير فرق بين المسلم ـ شيعياً كان أم سنيّاً ـ وغيره ، ومن هنا تظهر جدوى التقية وعمق فائدتها .
ولأجل دعم هذا الأصل الحيويّ ندرس دليله من القرآن والسنّة .

دليلها في القرآن والسنّة 

شرّعت التقية بنصّ القرآن الكريم حيث وردت جملة من الآيات الكريمة(1) سنحاول استعراضها في الصفحات التالية :

الآية الأُولى :

قال سبحانه : (مَنْ كَفَرَ بِالله مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ

1 . غافر : 28 و 45، القصص : 20 وستوافيك نصوص الآيات في ثنايا البحث.

صفحه 297
بِالإيمَـانِ وَلَـكِن مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرَاً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)(1).
ترى أنّه سبحانه يجوّز إظهار الكفر كرهاً ومجاراةً للكافرين خوفاً
منهم ، بشرط أن يكون القلب مطمئناً بالإيمان ، وصرّح بذلك لفيف
من المفسّرين القدامى والجدد ، سنحاول أن نستعرض كلمات البعض
منهم تجنّباً عن الإطالة والإسهاب ، ولمن يبتغي المزيد فعليه بمراجعة كتب التفسير المختلفة :
1 ـ قال الطبرسي : قد نزلت الآية في جماعة أُكرهوا على الكفر ، وهم عمّـار وأبوه ياسر وأُمّه سميّة ، وقُتلَ الأبوان لأنّهما لم يظهرا الكفر ولم ينالا من النبيّ ، وأعطاهم عمّـار ما أرادوا منه ، فأطلقوه ، ثمّ أخبر عمّـار بذلك رسول الله ، وانتشر خبره بين المسلمين ، فقال قوم : كفر عمّـار ، فقال الرسول : «كلاّ إنّ عمّـاراً مُلئ إيماناً من قرنه إلى قدمه ، واختلط الإيمان بلحمه ودمه» .
وفي ذلك نزلت الآية السابقة ، وكان عمّار يبكي ، فجعل رسول الله يمسح عينيه ويقول : «إن عادوا لك فعد لهم بما قلت».(2)
2 ـ وقال الزمخشري : روي أنّ أُناساً من أهل مكة فُتِنُوا فارتدوا عن
الإسلام بعد دخولهم فيه ، وكان فيهم من أُكره وأجرى كلمة الكفر على لسانه وهو معتقد للإيمان ، منهم عمّـار بن ياسر وأبواه : ياسر وسميّة ، وصهيب
وبلال وخباب .

1 . النحل : 106 .
2 . مجمع البيان: 3 / 388 .

صفحه 298
أمّا عمّـار فأعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهاً . .. .(1)
3 ـ وقال الحافظ ابن ماجة : والإيتاء : معناه الإعطاء أن وافقوا المشركين على ما أرادوا منهم تقيّة ، والتقيّة في مثل هذه الحال جائزة; لقوله تعالى : (إلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَـانِ).(2)
4 ـ وقال القرطبي : قال الحسن : التقية جائزة للإنسان إلى يوم القيامة ـ ثمّ قال : ـ أجمع أهل العلم على أنّ من أُكره على الكفر حتّى خشى على نفسه القتل إنّه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان ولا تبين منه زوجته ولا يحكم عليه بالكفر ، هذا قول مالك والكوفيين والشافعي.(3)
5 ـ قال الخازن : التقية لا تكون إلاّ مع خوف القتل مع سلامة النيّة ، قال الله تعالى : (إلاّ من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان) ثمّ هذه التقية رخصة.(4)
6 ـ قال الخطيب الشربيني : (إلاّ من أُكره) أي على التلفّظ به (وقلبه مطمئن بالإيمان) فلا شيء عليه، لأنّ محل الإيمان هو القلب.(5)
7 ـ وقال إسماعيل حقّي : (إلاّ من أُكره) أُجبر على ذلك اللفظ بأمر يخاف على نفسه أو عضو من أعضائه . . . لأنّ الكفر اعتقاد ، والإكراه على القول دون الاعتقاد ، والمعنى : ولكن المكره على الكفر باللسان ، (وقلبه مطمئن بالإيمان)

1 . الكشاف عن حقائق التنزيل: 2 / 430 .
2 . سنن ابن ماجة: 1 / 53 ، شرح الحديث 150 .
3 . الجامع لأحكام القرآن: 4 / 57 .
4 . تفسير الخازن: 1 / 277 .
5 . السراج المنير في تفسير الآية .

صفحه 299
لا تتغيّر عقيدته ، وفيه دليل على أنّ الإيمان المنجي المعتبر عند الله ، هو التصديق بالقلب.(1)

الآية الثانية :

قال سبحانه : (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَيْء إلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ وَإِلى الله الْمصيرُ)(2) .
وكلمات المفسّرين حول الآية تغنينا عن أيّ توضيح :
1 ـ قال الطبري : (إلاّ أن تتقوا منهم تقاة) : قال أبو العالية : التقيّة باللسان ، وليس بالعمل ، حُدّثت عن الحسين قال : سمعت أبا معاذ قال : أخبرنا عبيد قال : سمعت الضحّاك يقول في قوله تعالى : (إلاّ أن تتقوا منهم تقاة) قال : التقيّة باللسان من حُمِلَ على أمر يتكلّم به وهو لله معصية فتكلّم مخافة على نفسه (وقلبه مطمئن بالإيمان) فلا إثم عليه ، إنّما التقية باللسان.(3)
2 ـ وقال الزمخشري في تفسير قوله تعالى : (إلاّ أن تتّقوا منهم تقاة) : رخّص لهم في موالاتهم إذا خافوهم ، والمراد بتلك الموالاة : مخالفة ومعاشرة ظاهرة ، والقلب مطمئنّ بالعداوة والبغضاء وانتظار زوال المانع.(4)
3 ـ قال الرازي في تفسير قوله تعالى : (إلاّ أن تتّقوا منهم تقاة) : المسألة

1 . تفسير روح البيان: 5 / 84 .
2 . آل عمران : 28 .
3 . جامع البيان: 3 / 153 .
4 . الكشّاف: 1 / 422 .

صفحه 300
الرابعة : اعلم : أنّ للتقية أحكاماً كثيرة، ونحن نذكر بعضها :
أ : إنّ التقية إنّما تكون إذا كان الرجل في قوم كفّار ، ويخاف منهم على
نفسه ، وماله ، فيداريهم باللسان ، وذلك بأن لا يظهر العداوة باللسان ، بل
يجوز أيضاً أن يظهر الكلام الموهم للمحبّة والموالاة ، ولكن بشرط أن
يضمر خلافه وأن يعرض في كلّ ما يقول ; فإنّ للتقيّة تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلوب .
ب : التقية جائزة لصون النفس ، وهل هي جائزة لصون المال؟ يحتمل أن يحكم فيها بالجواز لقوله(صلى الله عليه وآله) : «حرمة مال المسلم كحرمة دمه» ولقوله(صلى الله عليه وآله) : «من قتل دون ماله فهو شهيد».(1)
4 ـ وقال النسفي : (إلاّ أن تتّقوا منهم تقاة) إلاّ أن تخافوا جهتهم أمراً يجب اتقاؤه ، أي ألاّ يكون للكافر عليك سلطان ، فتخافه على نفسك ومالك ، فحينئذ يجوز لك إظهار الموالاة وإبطان المعاداة.(2)
5 ـ وقال الآلوسي : وفي الآية دليل على مشروعية التقية; وعرَّفوها بمحافظة النفس أو العرض أو المال من شرّ الأعداء . والعدوّ قسمان :
الأوّل : من كانت عداوته مبنيّة على اختلاف الدين ، كالكافر والمسلم .
الثاني : من كانت عداوته مبنية على أغراض دنيوية ، كالمال والمتاع والملك والإمارة.(3)

1 . مفاتيح الغيب: 8 / 13 .
2 . تفسير النفسي بهامش تفسير الخازن: 1 / 277 .
3 . روح المعاني: 3 / 121 .

صفحه 301
6 ـ وقال جمال الدين القاسمي : ومن هذه الآية : (إلاّ أن تتقوا منهم تقاة)استنبط الأئمّة مشروعية التقية عند الخوف ، وقد نقل الإجماع على جوازها عند ذلك الإمام مرتضى اليماني في كتابه «إيثار الحقّ على الخلق»(1) .
7 ـ وفسر المراغي قوله تعالى : (إلاّ أن تتقوا منهم تقاة) بقوله : أي ترك موالاة المؤمنين للكافرين حتم لازم في كل حال، إلاّ في حال الخوف من شيء تتّقونه منهم ، فلكم حينئذ أن تتّقوهم بقدر ما يبقى ذلك الشيء; إذ القاعدة الشرعية «إنّ درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح» .
وإذا جازت موالاتهم لاتّقاء الضرر فأولى أن تجوز لمنفعة المسلمين ، إذاً فلا مانع من أن تحالف دولة إسلامية دولة غير مسلمة لفائدة تعود إلى الأُولى، إمّا بدفع ضرر أو جلب منفعة ، وليس لها أن تواليها في شيء يضرّ المسلمين ، ولا تختصّ هذه الموالاة بحال الضعف ، بل هي جائزة في كلّ وقت .
وقد استنبط العلماء من هذه الآية جواز التقية بأن يقول الإنسان أو يفعل ما يخالف الحقّ ، لأجل التوقّي من ضرر يعود من الأعداء إلى النفس ، أو العرض ، أو المال .
فمن نطق بكلمة الكفر مكرهاً وقاية لنفسه من الهلاك ، وقلبه مطمئنّ بالإيمان ، لا يكون كافراً بل يُعذر كما فعل عمّـار بن ياسر حين أكرهته قريش على الكفر فوافقها مكرهاً وقلبه مطمئنّ بالإيمان وفيه نزلت الآية :
(مَنْ كَفَرَ بِالله مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمان).(2)

1 . محاسن التأويل: 4 / 82 .
2 . تفسير المراغي: 3 / 136 .

صفحه 302
هذه الجمل الوافية والعبارات المستفيضة لا تدع لقائل مقالا إلاّ أن يحكم بشرعية التقية بالمعنى الذي عرفته ، بل قد لا يجد أحد مفسّراً أو فقيهاً وقف على مفهومها وغايتها يتردّد في الحكم بجوازها ، كما أنّك أخي القارئ لا تجد إنساناً واعياً لا يستعملها في ظروف عصيبة ، ما لم تترتّب عليها مفسدة عظيمة ، كما سيوافيك بيانها عند البحث عن حدودها .
وإنّما المعارض لجوازها أو المغالط في مشروعيتها ، فإنّما يفسّرها بالتقيّة الرائجة بين أصحاب التنظيمات السرّية والمذاهب الهدّامة كالنصيرية والدروز ، والباطنية كلّهم ، إلاّ أنّ المسلمين جميعاً بريئون من هذه التقيّة الهدامة لكلّ فضيلة رابية .

الآية الثالثة :

قال تعالى : (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ الله وَقَدْ جَآءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقَاً يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ الله لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْـرِفٌ كَذَّابٌ)(1) .
وكانت عاقبة أمره أن : (وَقَاهُ الله سِيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ)(2) .
وما كان ذلك إلاّ لأنّه بتقيّته استطاع أن يُنجي نبيّ الله من الموت : (قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْملأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ)(3) .
وهذه الآيات تدلّ على جواز التقيّة لإنقاذ المؤمن من شرّ عدوّه الكافر .

1 . غافر : 28 .            2 . غافر : 45 .            3 . القصص : 20 .

صفحه 303
 
اتّقاء المسلم من المسلم في ظروف خاصّة
إنّ مورد الآيات وإن كان هو اتّقاء المسلم من الكافر ، ولكن المورد
ليس بمخصّص لحكم الآية فقط ، إذ ليس الغرض من تشريع التقيّة عند
الابتلاء بالكفّار إلاّ صيانة النفس والنفيس من الشرّ ، فإذا ابتُلي المسلم
بأخيه المسلم الذي يخالفه في بعض الفروع ولا يتردّد الطرف القوي
عن إيذاء الطرف الآخر ، كأن ينكّل به أو ينهب أمواله أو يقتله ، ففي
تلك الظروف الحرجة يحكم العقل السليم بصيانة النفس والنفيس عن
طريق كتمان العقيدة واستعمال التقية ، ولو كان هناك وزر إنّما يتوجّه على
من يُتّقى منه لا على المتّقي ، فلو سادت الحرّية جميع الفرق الإسلامية ، وتحمّلت كلّ فرقة آراء الفرقة الأُخرى بصدر رحب ، وفهمت بأنّ ذلك هو قدر اجتهادها ، لم يضطرّ أحد من المسلمين إلى استخدام التقيّة ، ولساد الوئام
مكان النزاع .
وقد فهم ذلك لفيف من العلماء وصرّحوا به ، وإليك نصوص بعضهم :
1 ـ يقول الإمام الرازي في تفسير قوله سبحانه : (إلاّ أن تتّقوا منهم تقاة)ظاهر الآية على أنّ التقية إنّما تحلّ مع الكفّار الغالبين ، إلاّ أنّ مذهب الشافعي ـ رضي الله عنه ـ : أنّ الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والكافرين حلّت التقيّة محاماة عن النفس .
وقال : التقيّة جائزة لصون النفس ، وهل هي جائزة لصون المال؟

صفحه 304
يحتمل أن يحكم فيها بالجواز لقوله(صلى الله عليه وآله) : «حرمة مال المسلم كحرمة دمه» وقوله(صلى الله عليه وآله) : «من قتل دون ماله فهو شهيد».(1)
2 ـ ينقل جمال الدين القاسمي عن الإمام مرتضى اليماني في كتابه «إيثار الحقّ على الخلق» ما هذا نصه : «وزاد الحق غموضاً وخفاءً أمران : أحدهما : خوف العارفين ـ مع قلّتهم ـ من علماء السوء وسلاطين الجور وشياطين الخلق مع جواز التقيّة عند ذلك بنصّ القرآن ، وإجماع أهل الإسلام ، وما زال الخوف مانعاً من إظهار الحقّ ، ولا برح المحقّ عدوّاً لأكثر الخلق ، وقد صحّ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنّه قال في ذلك العصر الأوّل : «حفظت من رسول الله(صلى الله عليه وآله)وعاءين ، أمّا أحدهما فبثثته في الناس ، وأمّا الآخر فلو بثثته لقطع
هذا البلعوم».(2)
3 ـ وقال المراغي في تفسير قوله سبحانه : (مَنْ كَفَرَ بِالله مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَـان) : ويدخل في التقية مداراة الكفرة والظلمة والفسقة ، وإلانة الكلام لهم ، والتبسّم في وجوههم ، وبذل المال لهم; لكفّ أذاهم وصيانة العرض منهم ، ولا يعدّ هذا من الموالاة المنهيّ عنها ، بل هو مشروع ، فقد أخرج الطبراني قوله(صلى الله عليه وآله) : «ما وَقَى المؤمن به عرضَه فهو صدقة».(3)
إنّ الشيعة تتّقي الكفّار في ظروف خاصة لنفس الغاية التي لأجلها يتّقيهم السنّيّ ، غير أنّ الشيعي ولأسباب لا تخفى ، يلجأ إلى اتّقاء أخيه المسلم لا قصور في الشيعي ، بل في أخيه الذي دفعه إلى ذلك; لأنّه يدرك أنّ الفتك والقتل مصيره إذا صرّح بمعتقده الذي هو موافق لأُصول الشرع الإسلامي وعقائده ، نعم كان

1 . مفاتيح الغيب: 8 / 13 في تفسير الآية .
2 . محاسن التأويل : 4 / 82 .            3 . تفسير المراغي: 3 / 136 .

صفحه 305
الشيعي وإلى وقت قريب يتحاشى أن يقول : إنّ الله ليس له جهة ، أو إنّه تعالى لا يُرى يوم القيامة ، وإنّ المرجعية العلمية والسياسية لأهل البيت بعد رحيل النبيّ الأكرم ، أو إنّ حكم المتعة غير منسوخ; فإنّ الشيعي إذا صرّح بهذه الحقائق ـ التي استنبطت من الكتـاب والسنّة ـ سوف يُعرّض نفسه ونفيسه للمهالك والمخاطر . وقد مرّ عليك كلام الرازي وجمال الدين القاسمي والمراغي الصريح في جواز هذا النوع من التقية ، فتخصيص التقية بالتقية من الكافر فحسب جمود على ظاهر الآية وسدّ لباب الفهم ، ورفض للملاك الذي شُرّعت لأجله التقية ، وإعدام لحكم العقل القاضي بحفظ الأهمّ إذا عارض المهمّ .
والتاريخ بين أيدينا يحدّثنا بوضوح عن لجوء جملة معروفة من كبار المسلمين إلى التقية في ظروف عصيبة أوشكت أن تودي بحياتهم وبما يملكون ، وخير مثال على ذلك ما أورده الطبري في تاريخه عن محاولة المأمون دفع وجوه القضاة والمحدّثين في زمانه إلى الإقرار بخلق القرآن قسراً حتّى وإن استلزم ذلك قتل الجميع دون رحمة ، ولمّا أبصر أُولئك المحدِّثون حد السيف مشهراً عمدوا إلى مصانعة المأمون في دعواه وأسرّوا معتقدهم في صدورهم ، ولمّا عوتبوا على ما ذهبوا إليه من موافقة المأمون ، برّروا عملهم بعمل عمّـار بن ياسر حين أُكره على الشرك وقلبه مطمئنّ بالإيمان ، والقصّة شهيرة وصريحة في جواز اللجوء إلى التقية التي دأب البعض على التشنيع فيها على الشيعة; وكأنّهم هم الذين ابتدعوها من بنات أفكارهم دون أن تكون لها قواعد وأُصول إسلامية ثابتة ومعلومة .(1)

1 . تاريخ الطبري: 7 / 195 ـ 206 .

صفحه 306
 
الظروف العصيبة التي مرّت بها الشيعة 
الذي دفع بالشيعة إلى التقية بين إخوانهم وأبناء دينهم إنّما هو الخوف من السلطات الغاشمة ، فلو لم يكن هناك في غابر القرون ـ من عصر الأُمويين ثمّ العباسيين والعثمانيين ـ أيّ ضغط على الشيعة ، ولم تكن بلادهم وعقر دارهم مخضّبة بدمائهم ـ والتاريخ خير شاهد على ذلك ـ كان من المعقول أن تنسى الشيعة كلمة التقية ، وأن تحذفها من ديوان حياتها ، ولكن ياللأسف!! فإنّ كثيراً من إخوانهم كانوا أداة طيّعة بيد الأُمويين والعباسيين الذين كانوا يرون في مذهب الشيعة خطراً على مناصبهم ، فكانوا يؤلِّبون العامّة من أهل السنّة على الشيعة يقتلونهم ويضطهدونهم وينكّلون بهم ، ولذا ونتيجة لتلك الظروف الصعبة لم يكن للشيعة ، بل لكلّ من يملك شيئاً من العقل وسيلة إلاّ اللجوء إلى التقية أو رفع اليد عن المبادئ المقدّسة التي هي أغلى عنده من نفسه وماله .
والشواهد على ذلك أكثر من أن تُحصى أو أن تعدّ ، إلاّ أنّا سنستعرض جانباً مختصراً منها : فمن ذلك ما كتبه معاوية بن أبي سفيان باستباحة دماء الشيعة أينما كانوا وكيفما كانوا .

كتاب معاوية إلى عماله

قد مرّ ذكر كتاب معاوية إلى عمّاله في الفصل التاسع: الشيعة في العصرين الأُموي والعباسي تحت عنوان بيان معاوية إلى عماله، فراجع .
ونتيجة لذلك شهدت أوساط الشيعة مجازر بشعة على يد السلطات

صفحه 307
الغاشمة ، فقتل الآلاف منهم ، وأمّا من بقي منهم على قيد الحياة فقد تعرّض إلى شتّى صنوف التنكيل والإرهاب والتخويف ، والحق يقال إنّ من الأُمور العجيبة أن يبقى لهذه الطائفة باقية رغم كلّ ذلك الظلم الكبير والقتل الذريع ، بل العجب العجاب أن تجد هذه الطائفة قد ازدادت قوّة وعدّة ، وأقامت دولا وشيّدت حضارات وبرز منها الكثير من العلماء والمفكرين .
فلو كان الأخ السنّي يرى التقية أمراً محرّماً فليعمل على رفع الضغط عن أخيه الشيعي ، وأن لا يضيق عليه في الحرّية التي سمح بها الإسلام لأبنائه ، وليعذره في عقيدته وعمله كما عذر أُناساً كثيرين خالفوا الكتاب والسنّة وأراقوا الدماء ونهبوا الدور ، فكيف بطائفة تدين بدينه وتتّفق معه في كثير من معتقداته؟ وإذا كان معاوية وأبناء بيته والعباسيون كلّهم عنده مجتهدين في بطشهم وإراقة دماء مخالفيهم ، فماذا يمنعه عن إعذار الشيعة باعتبارهم مجتهدين؟
وإذا كانوا يقولون ـ وذاك هو العجيب ـ إنّ الخروج على الإمام عليّ(عليه السلام)غير مضرّ بعدالة الخارجين والثائرين عليه ، وفي مقدّمتهم طلحة والزبير وأُمّ المؤمنين عائشة ، وإنّ إثارة الفتن في صفّين ـ التي انتهت إلى قتل كثير
من الصحابة والتابعين ، وإراقة دماء الآلاف من العراقيين والشاميين ـ لا تنقص شيئاً من ورع المحاربين ، وهم بعد ذلك مجتهدون معذورون لهم ثواب من اجتهد وأخطأ ، فلم لا يتعامل مع الشيعة ضمن هذا الفهم ، ويذهب إلى أنّهم معذورون ومثابون!!
نعم كانت التقية بين الشيعة تزداد تارة وتتضاءل أُخرى ، حسب قوّة الضغط وضآلته ، فشتّان ما بين عصر المأمون الذي يجيز مادحي أهل البيت ، ويكرم العلويين ، وبين عصر المتوكّل الذي يقطع لسان ذاكرهم بفضيلة .

صفحه 308
فهذا ابن السكّيت أحد أعلام الأدب في زمن المتوكّل ، وقد اختاره معلّماً لولديه فسأله يوماً : أيّهما أحبُّ إليك ابناي هذان أم الحسن والحسين؟ قال ابن السكّيت : والله إنّ قنبر خادم عليّ(عليه السلام) خير منك ومن ابنيك . فقال المتوكل : سلّوا لسانه من قفاه ، ففعلوا ذلك به فمات ، وذلك في ليلة الاثنين لخمس خلون من رجب سنة أربع وأربعين ومائتين ، وقيل ثلاث وأربعين ، وكان عمره ثمانياً وخمسين سنة . ولمّا مات سيَّـر المتوكل لولده يوسف عشرة آلاف درهم وقال : هذه دية والدك!!(1) .
وهذا ابن الرومي الشاعر العبقري يقول في قصيدته التي يرثي بها يحيى بن عمر بن الحسين بن زيد بن علي :
أكلّ أوان للنبيّ محمّد *** قتيل زكيّ بالدماء مضرّجُ
بني المصطفى كم يأكل الناس شلوكم *** لبلواكم عمّا قليل مفرِّجُ
أبعد المكنّى بالحسين شهيدكم *** تضيء مصابيح السماء فتسرجُ(2)
فإذا كان هذا هو حال أبناء الرسول ، فما هو حال شيعتهم ومقتفي آثارهم؟!
قال العلاّمة الشهرستاني : إنّ التقية شعار كلّ ضعيف مسلوب الحرية . إنّ الشيعة قد اشتهرت بالتقية أكثر من غيرها; لأنّها منيت باستمرار الضغط عليها أكثر من أية أُمّة أُخرى ، فكانت مسلوبة الحريّة في عهد الدولة الأُموية كلّه ، وفي عهد العباسيين على طوله ، وفي أكثر أيام الدولة العثمانية ، ولأجله استشعروا بشعار

1 . وفيات الأعيان: 3 / 33 ; سير أعلام النبلاء: 12 / 16 .
2 . ديوان ابن الرومي: 2 / 243 .

صفحه 309
التقية أكثر من أيّ قوم ، ولمّا كانت الشيعة تختلف عن الطوائف المخالفة لها في قسم مهمّ من الاعتقادات في أُصول الدين ، وفي كثير من الأحكام الفقهيّة ، والمخالفة تستجلب بالطبع رقابة ، وتصدّقه التجارب ، لذلك أضحت شيعة الأئمة من آل البيت مضطرة في أكثر الأحيان إلى كتمان ما تختصّ به من عادة أو عقيدة أو فتوى أو كتاب أو غير ذلك ، تبتغي بهذا الكتمان صيانة النفس والنفيس ، والمحافظة على الوداد والأُخوّة مع سائر إخوانهم المسلمين ، لئلا تنشق عصا الطاعة ، ولكي لا يحسّ الكفار بوجود اختلاف ما في المجتمع الإسلامي ، فيوسع الخلاف بين الأُمّة المحمّدية .
لهذه الغايات النزيهة كانت الشيعة تستعمل التقيّة وتحافظ على وفاقها في الظواهر مع الطوائف الأُخرى ، متّبعة في ذلك سيرة الأئمة من آل محمّد وأحكامهم الصارمة حول وجوب التقية من قبيل : «التقية ديني ودين آبائي» ، إذ أنّ دين الله يمشي على سنّة التقية لمسلوبي الحرية ، دلّت على ذلك آيات من القرآن العظيم(1) .
روي عن صادق آل البيت (عليهم السلام) في الأثر الصحيح : «التقية ديني ودين آبائي» و «من لا تقية له لا دين له» وكذلك هي .
لقد كانت التقية شعاراً لآل البيت (عليهم السلام) دفعاً للضرر عنهم ، وعن أتباعهم ، وحقناً لدمائهم ، واستصلاحاً لحال المسلمين ، وجمعاً لكلمتهم ، ولمّاً لشعثهم ، وما زالت سمة تُعرف بها الإمامية دون غيرها من الطوائف والأُمم . وكلّ إنسان
إذا أحسّ بالخطر على نفسه ، أو ماله بسبب نشر معتقده ، أو التظاهر به لابدّ

1 . غافر : 28 ، النحل : 106 .

صفحه 310
أن يتكتّم ويتّقي مواضع الخطر . وهذا أمر تقتضيه فطرة العقول .
ومن المعلوم أنّ الإمامية وأئمتهم لاقوا من ضروب المحن ، وصنوف الضيق على حرّياتهم في جميع العهود ما لم تلاقه أيّة طائفة ، أو أُمّة أُخرى ، فاضطرّوا في أكثر عهودهم إلى استعمال التقية في تعاملهم مع المخالفين لهم ، وترك مظاهرتهم ، وستر عقائدهم ، وأعمالهم المختصّة بهم عنهم ، لما كان يعقب ذلك من الضرر في الدنيا .
ولهذا السبب امتازوا بالتقية وعرفوا بها دون سواهم .
وللتقية أحكام من حيث وجوبها وعدم وجوبها ، بحسب اختلاف مواقع خوف الضرر ، مذكورة في أبوابها في كتب العلماء الفقهيّة.(1)

حدّ التقيّة 

قد تعرّفت على مفهوم التقية وغايتها ، ودليلها ، وبقي الكلام في تبيين حدودها ، فنقول :
عرفت الشيعة بالتقية وأنّهم يتّقون في أقوالهم وأفعالهم ، فصار ذلك مبدأ لوهم عالق بأذهان بعض السطحيين والمغالطين ، فقالوا : بما أنّ التقية من مبادئ التشيّع فلا يصحّ الاعتماد على كلّ ما يقولون ويكتبون وينشرون; إذ من المحتمل جداً أن تكون هذه الكتب دعايات والواقع عندهم غيرها . هذا ما نسمعه منهم مرّة بعد مرّة ، ويكرّره الكاتب الباكستاني «إحسان إلهي ظهير» في كتبه السقيمة التي يتحامل بها على الشيعة .
ولكن نلفت نظر القارئ الكريم إلى أنّ مجال التقية إنّما هو في حدود

1 . مجلّة المرشد: 3 / 252 ، 253 كما في تعليقة أوائل المقالات : 96 .

صفحه 311
القضايا الشخصية الجزئية عند وجود الخوف على النفس والنفيس ، فإذا دلّت القرائن على أنّ في إظهار العقيدة أو تطبيق العمل على مذهب أهل البيت يحتمل أن يدفع بالمؤمن إلى الضرر يصبح هذا المورد من مواردها ، ويحكم العقل والشرع بلزوم الاتّقاء حتّى يصون بذلك نفسه ونفيسه عن الخطر . وأمّا الأُمور الكلّية الخارجة عن إطار الخوف فلا تتصوّر فيها التقيّة ، والكتب المنتشرة من جانب الشيعة داخلة في هذا النوع الأخير; إذ لا خوف هناك حتّى يكتب خلاف ما يعتقد ، حيث لم يكن هناك لزوم للكتابة أصلا في هذه الحال ، فله أن يسكت ولا يكتب شيئاً .
فما يدّعيه هؤلاء أنّ هذه الكتب دعايات لا واقعيات ناشئ عن عدم معرفتهم بحقيقة التقيّة عند الشيعة .
والحاصل : أنّ الشيعة إنّما كانت تتّقي في عصر لم تكن لهم دولة تحميهم ، ولا قدرة ولا منعة تدفع عنهم الأخطار . وأمّا هذه الأعصار فلا مسوّغ ولا مبرر للتقيّة إلاّ في موارد خاصة .
إنّ الشيعة ـ وكما ذكرنا ـ لم تلجأ إلى التقية إلاّ بعد أن اضطرّت إلى ذلك ، وهو حقّ لا أعتقد أن يخالفها فيه أحد ينظر إلى الأُمور بلبّه لا بعواطفه ، إلاّ أنّ من الثوابت الصحيحة بقاء هذه التقيّة ـ إلاّ في حدود ضيّقة ـ تنحصر في مستوى الفتاوى ، ولم تترجم إلاّ قليلا على المستوى العملي ، بل كانوا عملياً من أكثر الناس تضحية ، وبوسع كلّ باحث أن يرجع إلى مواقف رجال الشيعة مع معاوية وغيره من الحكام الأُمويين ، والحكّام العباسيين ، أمثال حجر بن عدي ، وميثم التمار ، ورشيد الهجري ، وكميل بن زياد ، ومئات غيرهم ، وكمواقف العلويين على امتداد التاريخ وثوراتهم المتتالية .

صفحه 312
 
التقية المحرّمة 
إنّ التقية تنقسم حسب الأحكام الخمسة ، فكما أنّها تجب لحفظ النفوس والأعراض والأموال ، فإنّها تحرم إذا ترتّب عليها مفسدة أعظم ، كهدم الدين وخفاء الحقيقة على الأجيال الآتية ، وتسلّط الأعداء على شؤون المسلمين وحرماتهم ومقدّساتهم ، ولأجل ذلك ترى أنّ كثيراً من أكابر الشيعة رفضوا التقيّة في بعض الأحيان وقدّموا أنفسهم وأرواحهم أضاحي من أجل الدين ، فللتقيّة مواضع معيّنة ، كما أنّ للقسم المحرّم منها مواضع خاصّة أيضاً .
إنّ التقية في جوهرها كتم ما يحذر من إظهاره حتّى يزول الخطر ، فهي أفضل السبل للخلاص من البطش ، ولكن ذلك لا يعني أنّ الشيعي جبان خائر العزيمة ، خائف متردّد الخطوات يملأ حناياه الذلّ ، كلاّ!! إنّ للتقية حدوداً لا تتعدّاها ، فكما هي واجبة في حين ، هي حرام في حين آخر ، فالتقيّة أمام الحاكم الجائر كيزيد بن معاوية مثلا محرّمة; إذ فيها الذلّ والهوان ونسيان المثل والرجوع إلى الوراء ، فليست التقيّة في جوازها ومنعها تابعة للقوّة والضعف ، وإنّما تحدّدها جوازاً ومنعاً مصالح الإسلام والمسلمين .
إنّ للإمام الخميني ـ قدّس الله سرّه ـ كلاماً في المقام ننقله بنصّه حتّى يقف القارئ على أنّ للتقية أحكاماً خاصة وربّما تحرم لمصالح عالية . قال(قدس سره) :
تحرم التقية في بعض المحرّمات والواجبات التي تمثّل في نظر الشارع والمتشرّعة مكانة بالغة ، مثل هدم الكعبة ، والمشاهد المشرّفة ، والردّ على الإسلام والقرآن والتفسير بما يضرّ المذهب ويطابق الإلحاد وغيرها من

صفحه 313
عظائم المحرمات ، ولا تعمّها أدلّة التقية ولا الاضطرار ولا الإكراه .
وتدلّ على ذلك معتبرة مسعدة بن صدقة وفيها : «فكلّ شيء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية ممّا لا يؤدي إلى الفساد في الدين فإنّه جائز».(1)
ومن هذا الباب ما إذا كان المتّقي ممّن له شأن وأهمية في نظر الخلق ، بحيث يكون ارتكابه لبعض المحرّمات تقيّة أو تركه لبعض الواجبات كذلك ممّا يعدّ موهناً للمذهب وهاتكاً لحرمه ، كما لو أُكره على شرب المسكر والزنا مثلا; فإنّ جواز التقية في مثله متمسكاً بحكومة دليل الرفع(2) وأدلّة التقية مشكل ، بل ممنوع ، وأولى من ذلك كلّه في عدم جواز التقية فيه ما لو كان أصل من أُصول الإسلام أو المذهب أو ضروري من ضروريات الدين في معرض الزوال والهدم والتغيير ، كما لو أراد المنحرفون الطغاة تغيير أحكام الإرث والطلاق والصلاة والحجّ وغيرها من أُصول الأحكام فضلا عن أُصول الدين أو المذهب ، فإنّ التقية في مثلها غير جائزة ، ضرورة أنّ تشريعها لبقاء المذهب وحفظ الأُصول وجمع شتات المسلمين لإقامة الدين وأُصوله ، فإذا بلغ الأمر إلى هدمها فلا تجوز التقية ، وهو مع وضوحه يظهر من الموثقة المتقدّمة.(3)
وهكذا فقد بيّنا للجميع الأبعاد الحقيقية والواقعية للتقية ، وخرجنا بالنتائج التالية :
1 ـ إنّ التقية أصل قرآني مدعم بالسنّة النبوية ، وقد استعملها في

1 . الوسائل: 11، كتاب الأمر بالمعروف ، الباب 25 ح 6 .
2 . قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : «رفع عن أُمّتي ما اضطرّوا إليه وما استكرهوا عليه» .
3 . الإمام الخميني ، الرسائل : 177 ـ 178 .

صفحه 314
عصر الرسالة من ابتلي بها من الصحابة لصيانة نفسه ، فلم يعارضه الرسول ،
بل أيّده بالنصّ القرآني ، كما في قضية عمّـار بن ياسر; حيث أمره(صلى الله عليه وآله)بالعودة
إذا عادوا .
2 ـ إنّ التقية بمعنى تأليف جماعات سرّية لغاية التخريب والهدم ، مرفوضة عند المسلمين عامّة والشيعة خاصّة ، وهو لا يمتّ للتقية المتبنّاة من قبل الشيعة بصلة .
3 ـ إنّ المفسرين في كتبهم التفسيرية عندما تعرّضوا لتفسير الآيات الواردة في التقية اتفقوا على ما ذهبت إليه الشيعة من إباحتها للتقية .
4 ـ إنّ التقية لا تختصّ بالاتقاء من الكافر ، بل تعمّ الاتّقاء من المسلم المخالف ، الذي يريد السوء والبطش بأخيه .
5 ـ إنّ التقية تنقسم حسب انقسام الأحكام إلى أقسام خمسة ، فبينما هي واجبة في موضع ، فهي محرمة في موضع آخر .
6 ـ إنّ مجال التقية لا يتجاوز القضايا الشخصية ، وهي فيما إذا كان الخوف قائماً ، وأمّا إذا ارتفع الخوف والضغط ، فلا موضع للتقية لغاية الصيانة .
وفي الختام نقول :
نفترض أنّ التقية جريمة يرتكبها المتّقي لصيانة دمه وعرضه وماله ، ولكنّها في الحقيقة ترجع إلى السبب الذي يفرض التقيّة على الشيعي المسلم ويدفعه إلى أن يتظاهر بشيء من القول والفعل الذي لا يعتقد به ، فعلى من يعيب التقية للمسلم المضطهد ، أن يفسح له الحرية في مجال الحياة ويتركه بحاله ، وأقصى ما يصحّ في منطق العقل ، أن يسأله عن دليل عقيدته ومصدر عمله;

صفحه 315
فإن كان على حجّة بيّنة يتبعه ، وإن كان على خلافها يعذره في اجتهاده وجهاده العلمي والفكري .
نحن ندعو المسلمين للتأمّل في الدواعي التي دفعت بالشيعة إلى التقية ، وأن يعملوا قدر الإمكان على فسح المجال لإخوانهم في الدين; فإنّ لكلّ فقيه مسلم رأيه ونظره ، وجهده وطاقته .
إنّ الشيعة يقتفون أثر أئمة أهل البيت في العقيدة والشريعة ، ويرون رأيهم; لأنّهم هم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ، وأحد الثقلين اللّذين أمر الرسول(صلى الله عليه وآله) بالتمسّك بهما في مجال العقيدة والشريعة ، وهذه عقائدهم لا تخفى على أحد ، وهي حجّة على الجميع .
نسأل الله سبحانه أن يصون دماء المسلمين وأعراضهم عن تعرّض أيّ متعرّض ، ويوحّد صفوفهم ، ويؤلّف بين قلوبهم ، ويجمع شملهم ، ويجعلهم صفّاً واحداً في وجه الأعداء ، إنّه على ذلك قدير وبالإجابة جدير .

صفحه 316
المسالة الخامسة: البداء عند الشيعة الإمامية   

المسألة الخامسة:

البداء عند الشيعة الإمامية

إنّ من العقائد الثابتة عند الشيعة الإمامية ، هو القول بالبداء ، ومن الكلمات الدارجة بين علمائهم أنّ النسخ والبداء صنوان ، غير أنّ الأوّل في التشريع ، والثاني في التكوين ، وقد اشتهرت بالقول به كاشتهارها بالقول بالتقية وجواز متعة النساء . وصار القول بهذه الأُمور الثلاثة من خصائصهم وقد أنكرت عليهم السنّة أشد الإنكار خصوصاً في مسألة البداء ، ولكنّهم لو كانوا واقفين على مراد الشيعة من تجويز البداء على الله لتوقّفوا عن الاستنكار ، ولأعلنوا الوفاق ، وأقول عن جدّ : لو أُتيحت الفرصة لعلماء الفريقين للبحث عن النقاط الخلافية بعيداً عن التعصّب والتشنّج لتجلّى الحقّ بأجلى مظاهره ، ولأقرّوا بصحّة مقالة الشيعة ، غير أنّ تلك أُمنية لا تتحقّق إلاّ في فترات خاصة ، وقد سألني أحد علماء أهل السنّة عن حقيقة البداء فأجبته بإجمال ما أُفصّله في هذا المقام ، فتعجّب عن إتقان معناه ، غير أنّه زعم أنّ ما ذكرته نظرية شخصية لا صلة لها بنظرية الإمامية في البداء ، فطلب منّي كتاباً لقدماء علماء الشيعة ، فدفعت إليه أوائل المقالات ، وشرح عقـائد الصـدوق لشيخ الأُمّة محمّد بن النعمان المفيد (336 ـ413هـ ) فقرأهما بدقة ، وجاء بالكتاب بعد أيام وقال : لو كان معنى البداء هو الذي يذكره صاحب الكتاب فهو من صميم عقيدة أهل السنّة ولا يخالفون الشيعة في هذا المبدأ أبداً .

صفحه 317
ولتوضيح حقيقة البداء نأتي بمقدمات :
الأُولى : اتّفقت الشيعة على أنّه سبحانه عالم بالحوادث كلّها غابرها وحاضرها ، ومستقبلها ، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، فلا يتصوّر فيه الظهور بعد الخفاء ، ولا العلم بعد الجهل ، بل الأشياء دقيقها وجليلها ، حاضرة لديه ، ويدلّ عليه الكتاب والسنّة المروية عن طريق أئمّة أهل البيت ـ مضافاً إلى البراهين الفلسفية المقرّرة في محلّها ـ .
أمّا من الكتاب :
فقوله سبحانه : (إنَّ الله لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَـيْءٌ فِـي الأرْضِ وَلا فِـي السَّماءِ)(1) .
وقوله تعالى : (وَمَا يَخْفَى عَلى الله مِنْ شَيْء فِي الأرْضِ وَلا فِـي السَّماءِ)(2) .
وقوله سبحانه : (إنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ الله كَانَ بِكُلِّ شَـيء عَليماً)(3) كيف وهو محيط بالعالم صغيره وكبيره ، مادّيّه ومجرّده ، والأشياء كلّها قائمة به قياماً قيّوميّاً كقيام المعنى الحرفي بالاسمي والرابطي بالطرفين ، ويكفي في توضيح ذلك قوله سبحانه : (مَا أَصابَ مِنْ مُصيبَة في الأرْضِ وَلا فِـي أَنْفُسِكُمْ إلاّ فِي كِتاب مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْـرَأهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسيرٌ)(2) .
وقوله سبحانه : (وَمَا مِنْ دَابَّة فِي الأرْضِ إلاّ عَلَى الله رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِـي كِتاب مُبين)(5) .

1 . آل عمران : 5 .            2 . إبراهيم : 38 .            3 . الأحزاب : 54 .
2 . الحديد : 22 .            5 . هود : 6 .

صفحه 318
وأمّا الأخبار فنكتفي بالقليل منها :
قال الإمام موسى الكاظم(عليه السلام) : «لم يزل الله عالماً بالأشياء قبل أن يخلق الأشياء ، كعلمه بالأشياء بعد ما خلق الأشياء».(1)
وقال الإمام عليّ(عليه السلام) : «كلّ سرّ عندك علانية ، وكلّ غيب عندك شهادة».(2)
قال(عليه السلام) : «لا يعزب عنه عدد قطر الماء ، ولا نجوم السماء ، ولا سوافي الريح في الهواء ، ولا دبيب النمل على الصفا ، ولا مقيل الذرّ في الليلة الظلماء ، يعلم مساقط الأوراق ، وخفيّ طرف الأحداق».(3)
وقال الصادق(عليه السلام) في تفسير قوله : (يمحوا الله ما يشاءُ ويثبتُ وعندَهُ أُمُّ الكتاب)(4) : «فكل أمر يريده الله ، فهو في علمه قبل أن يصنعه ، ليس شيء يبدو له إلاّ وقد كان في علمه ، إنّ الله لا يبدو له من جهل».(5)
وقال(عليه السلام) : «من زعم أنّ الله عزّ وجلّ يبدو له من شيء لم يعلمه أمس; فابرأوا منه».(6)
إلى غير ذلك من الروايات التي تدلّ على إحاطة علمه بكلّ شيء قبل خلقه وحينه وبعده ، وأنّه لا يخفى عليه شيء أبداً.(7)

1 . الكافي: 1 / 107  ، باب صفات الذات ، الحديث 4 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة 105 ، طبعة عبده .
3 . نهج البلاغة : الخطبة 171 .
4 . الرعد : 39 .
5 . البحار: 4 / 111 باب البداء ، الحديث 30 ; البرهان: 2 / 300 .
6 . المصدر نفسه .
7 . للاطّلاع على المزيد من الروايات حول علمه تعالى أُنظر البحار: 4 / 121 .

صفحه 319
وأمّا العقل فقد دلّ على تنزّهه من وصمة الحدوث والتغيير ، وأنّه تقدّست أسماؤه أعلى من أن يقع معرضاً للحوادث والتغييرات ، ولأجل ذلك ذهبوا إلى امتناع البداء عليه ـ بمعنى الظهور بعد الخفاء والعلم بعد الجهل ـ لاستلزامه كون ذاته محلاّ للتغيّـر والتبدّل ، المستلزم للتركيب والحدوث ، إلى غير ذلك ممّا يستحيل عليه سبحانه .
فالآيات وكذلك الأحاديث المروية عن أئمّة الشيعة (عليهم السلام) تشهد على علمه الذي لا يشوبه جهل ، وعلى سعته لكلّ شيء قبل الخلق وبعده ، وأنّه يستحيل عليه الظهور بعد الخفاء ، والعلم بعد الجهل .
وعليه فمن نسب إلى الشيعة الإمامية ما يستشمّ منه خلاف ما دلّت عليه الآيات والأحاديث فقد افترى كذباً ينشأ من الجهل بعقائد الشيعة ، أو التزلّف إلى حكّام العصر الحاقدين عليهم أو التعصّب المقيت .
وبذلك يعلم بطلان ما قاله الرازي في تفسيره عند البحث عن آية المحو والإثبات ، حيث يقول : قالت الرافضة : البداء جائز على الله تعالى ، وهو أن يعتقد شيئاً ثمّ يظهر له أنّ الأمر بخلاف ما اعتقده ، وتمسّكوا فيه بقوله : (يمحوا الله ما يشاء ويثبت) ، ثمّ قال : إنّ هذا باطل; لأنّ علم الله من لوازم ذاته المخصوصة ، وما كان كذلك كان دخول التغيـّر والتبدّل فيه باطلا.(1)
وما حكاه الرازي عن «الرافضة» كاشف عن جهله بعقيدة الشيعة ، وإنّما سمعه عن بعض الكذّابين الأفّاكين الذين يفتعلون الكذب لغايات فاسدة ، وقد قبله من دون إمعان ودقّة ، مع أنّ موطنه ومسقط رأسه بلدة (ري) التي كانت

1 . تفسير الرازي: 4 / 216 تفسير سورة الرعد .

صفحه 320
آنذاك مزدحم الشيعة ومركزهم ، وكان الشيخ محمود بن عليّ بن الحسن سديد الدين الحمصي الرازي ـ علاّمة زمانه في الأُصولين ـ معاصراً ومواطناً للرازي وهو مؤلّف كتاب «المنقذ من التقليد والمرشد إلى التوحيد»(1) ، ولو كان الفخر الرازي رجلا منصفاً لرجع إليه في تبيين عقائد الشيعة ، ولما هجم عليهم بسباب مقذع ، وربّما ينقل عنه بعض الكلمات في تفسيره .
وليس الرازي فريداً في التقوُّل في هذا المجال ، بل سبقه البلخي (319هـ ) في هذه النسبة(2) ، ونقله الشيخ الأشعري (260 ـ 324هـ )(3) ونقله أبو الحسن النوبختي في فرق الشيعة عن بعض فرق الزيدية(4) .
البداء في القران الكريم   
الثانية : كما دلّت الآيات والأحاديث(5) على أنّه سبحانه لم يفرغ من
أمر الخلق والإيجاد ، والتدبير والتربية ، دلّت على أنّ مصير العباد يتغيّر ،
بحسن أفعالهم وصلاح أعمالهم ، من الصدقة والإحسان وصلة الأرحام وبرّ الوالدين ، والاستغفار والتوبة وشكر النعمة وأداء حقّها ، إلى غير ذلك من الأُمور التي تغيّـر المصير وتبدّل القضاء ، وتفرّج الهموم والغموم ، وتزيد في الأرزاق ، والأمطار ، والأعمار ، والآجال ، كما أنّ لمحرَّم الأعمال وسيّئها من قبيل البخل والتقصير ، وسوء الخلق ، وقطيعة الرحم ، وعقوق الوالدين ، والطيش ، وعدم الإنابة ، وكفران النعمة ، وما شابهها تأثيراً في تغيير مصيرهم بعكس ذلك من

1 . الثقات العيون في سادس القرون : 295 وطبع الكتاب أخيراً .
2 . التبيان: 1 / 13 .
3 . مقالات الإسلاميين : 107 .
4 . فرق الشيعة : 76، نقله عن سليمان بن جرير الذي كفّره أهل السنّة أيضاً لتكفير عثمان ، فهل يصحّ الاعتماد على قول مثله؟
5 . البحار: 4 / 104 ح17 وغيره .

صفحه 321
إكثار الهموم ، والقلق ، ونقصان الأرزاق ، والأمطار ، والأعمار ، والآجال ،
وما شاكلها .
فليس للإنسان مصير واحد ، ومقدّر فارد; يصيبه على وجه القطع والبتّ ، ويناله ، شاء أو لم يشأ ، بل المصير أو المقدر يتغيّـر ويتبدّل بالأعمال الصالحة والطالحة وشكر النعمة وكفرانها ، وبالإيمان والتقوى ، والكفر والفسوق . وهذا ممّا لا يمكن ـ لمن له أدنى علاقة بالكتاب والسنّة ـ إنكاره أو ادّعاء جهله .
ونحن نأتي في المقام بقليل من كثير ممّا يدلّ على ذلك من الآيات والروايات .

البداء في القرآن الكريم

منها : قوله سبحانه حاكياً عن شيخ الأنبياء : (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوال وَبَنْينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّات وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً)(1) .
ترى أنّه(عليه السلام) يجعل الاستغفار علّة مؤثّرة في نزول المطر ، وكثرة الأموال والبنين ، وجريان الأنهار إلى غير ذلك ، وأمّا بيان كيفيّة تأثير عمل العبد في الكائنات الطبيعية ، فيطلب من محلّه .
وقوله سبحانه : (إنَّ الله لا يُغَيّرُ مَا بِقَوْم حَتّى يُغَيّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)(2) .
وقوله تعالى : (ذَلِكَ بِأَنَّ الله لَم يَكُ مُغَيِّـراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلَى قَوْم حَتَى يُغَيّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ»(3) .

1 . نوح : 10 ـ 12 .            2 . الرعد : 11 .            3 . الأنفال : 53 .

صفحه 322
وقوله سبحانه : (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهمْ بَرَكات مِنَ السَّماءِ وَالأرْضِ وَلَـكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)(1) .
وقوله سبحانه : (وَمَنْ يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لايَحْتَسِبْ)(2) .
وقوله تعالى : (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِـي لَشَدِيدٌ)(3) .
وقوله سبحانه : (وَنُوحَاً إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ)(2) .
وقال تعالى : (وَأَيُّوبَ إذْ نَادَى رَبَّهُ أَنّي مَسَّنِيَ الضُّـرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُـرّ)(5) .
وقال سبحانه : (وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ الله مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)(6) .
البداء في الروايات   
وقال تعالى : (فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المُسَبّحِينَ * لَلَبِثَ فِـي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبذْنَاهُ بِالعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنبَتْنَا عَلَيهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِين)(3) .
وقال تعالى : (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي المُؤْمِنينَ)(8) .
وقال سبحانه : (فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنْتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا

1 . الأعراف : 96 .               2 . الطلاق : 3 .            3 . إبراهيم : 7 .
2 . الأنبياء : 76 .                  5 . الأنبياء : 83 .            6 . الأنفال : 33 .
3 . الصافات : 143ـ146 .         8 . الأنبياء : 88 .

صفحه 323
آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إلى حِين)(1) .
وهذه الآيات بالإضافة إلى كثير من الأحاديث ـ التي سيوافيك بيان نزر منها ـ تعرب عن أنّ الأعمال الصالحة مؤثّرة في مصير الإنسان ، وأنّ الإنسان بعمله يؤثّر في تحديد قدره وتبديل القضاء ، وليس هناك مقدّر محتوم
فيما يرجع إلى أفعاله الاختيارية حتّى يكون العبد في مقابله مكتوف
الأيدي والأرجل .

البداء في الروايات 

وأمّا الأحاديث التي تدلّ على هذا المطلب فكثيرة جدّاً مبعثرة في كتب الحديث تحت مواضيع مختلفة مثل الصدقة والاستغفار والدعاء وصلة الرحم ، وما أشبه ذلك ، وسنذكر فيما يلي نماذج مختلفة من الأحاديث الدالّة على
هذه المطالب :

ألف ـ الصدقة وأثرها في دفع البلاء :

روى الصدوق في «الخصال» عن أنس قال : قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : «أكثر من صدقة السرِّ; فإنّها تُطفئ غضب الربِّ جلّ جلاله» .
وروى في «عيون الأخبار» عن الرضا عن آبائه (عليهم السلام) قال : قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : «باكروا بالصدقة ، فمن باكر بها لم يتخطّاها البلاء» .

1 . يونس : 98 . وقد استشهد الإمام أمير المؤمنين ببعض هذه الآيات عند الاستسقاء ، فقال : «إنَّ الله يبتلي عبادَهُ عند الأعمال السيّئة بنقص الثمرات . . .» نهج البلاغة ، الخطبة 143 .

صفحه 324
وروى الشيخ الطوسي في أماليه عن الباقر(عليه السلام) قال: «قال أميرالمؤمنين(عليه السلام): أفضل ما توسّل به المتوسّلون الإيمان بالله ، وصدقة السرِّ; فإنّها تذهب الخطيئة ، وتطفئ غضب الرب ، وصنائعُ المعروف; فإنّها تدفع ميتة السوء ، وتقي
مصارع الهوان» .
وروى الصدوق في «ثواب الأعمال» عن الصادق(عليه السلام) : قال : «الصدقة بالليل تدفع ميتة السوء ، وتدفع سبعين نوعاً من أنواع البلاء» .
إلى غير ذلك من الروايات المتعدّدة والتي يضيق المجال
بذكرها ، وللمستزيد الرجوع إلى كتاب «بحار الأنوار» للعلاّمة المجلسي ضمن أبواب الزكاة والصدقة وغيرها.(1)

ب ـ أثر الاستغفار في الرزق :

روى الصدوق في الخصال عن أمير المؤمنين(عليه السلام) قال : «الاستغفار يزيد في الرزق» .
وروى أيضاً عن أمير المؤمنين(عليه السلام) : «أكثروا الاستغفار; تجلبوا الرزق».(2)

ج ـ الدعاء وآثاره :

روى الحميري في «قرب الإسناد» عن الصادق(عليه السلام) : «إنّ الدعاء

1 . بحار الأنوار : 93 / 176 ، 177، 181، الباب21 ، الأحاديث 4 ، 7 ، 9 ، 26 وروى هناك أحاديث أُخرى .
2 . المصدر نفسه كتاب الذكر والدعاء باب الاستغفار وفضله وأنواعه ، الحديث 4ـ17 (وروى أحاديث من الفريقين) .

صفحه 325
يـردّ القضـاء ، وإنّ المؤمن ليأتي الذنب فيحرم به الرزق».(1)
وروى أيضاً عنه(عليه السلام) : قال : قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : «داووا مرضاكم بالصدقة ، وادفعوا أبواب البلاء بالدعاء» .
وروى الصدوق عن أمير المؤمنين(عليه السلام) : «ادفعوا أمواج البلاء عنكم بالدعاء قبل ورود البلاء».(2)
وقد عقد الكليني في «الكافي» باباً أسماه «إنّ الدعاء يردّ البلاء والقضاء» ومن جملة أحاديث هذا الباب : روي عن حمّاد بن عثمان قال : سمعته يقول : «إنّ الدعاء يردّ القضاء; ينقضه كما ينقض السلك وقد أُبرم إبراماً».(3)
وروى عن أبي الحسن موسى(عليه السلام) : «عليكم بالدعاء; فإنّ الدعاء لله والطلب إلى الله يردّ البلاء وقد قدّر وقضى ولم يبق إلاّ إمضاؤه ، فإذا دعي الله عزّ وجلّ وسئل ، صرف البلاء صرفة».(4)
وأمّا من طرق العامّة فقد أخرج الحاكم عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ قال : «لا ينفع الحذر عن القدر ، ولكن الله يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر» .
قال : وأخرج ابن أبي شيبة في المصنّف ، وابن أبي الدنيا في الدعاء عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال : ما دعا عبد بهذه الدعوات إلاّ وسّع الله له في

1 . قرب الاسناد : 32 برقم 104 ط مؤسسة آل البيت ـ قم .
2 . البحار : 93 / 289 كتاب الذكر والدعاء ، أبواب الدعاء ، الباب 16 / ح 2 ، 3 ، 5 (وروى أحاديث من الفريقين) .
3 . الكافي: 2 / 469 باب إنّ الدعاء يرد القضاء، الحديث 1 .
4 . الكافي: 2 / 470 باب إنّ الدعاء يرد القضاء، الحديث 8 .

صفحه 326
معيشته : «ياذا المنّ ولا يمنّ عليه ، ياذا الجلال والإكرام ، ياذا الطول ، لا إله إلاّ أنت ظهر اللاّجين وجار المستجيرين ، ومأمن الخائفين ، إن كنت كتبتني عندك في أُمّ الكتاب شقياً فامح عنّي اسم الشقاء وأثبتني عندك سعيداً ، وإن كنت كتبتني عندك في أُمّ الكتاب محروماً ، مقتّراً على رزقي ، فامح حرماني ، ويسّر رزقي ، وأثبتني عندك سعيداً موفّقاً للخير ، فإنّك تقول في كتابك الذي أنزلت : (يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أُمّ الكتاب).(1)
وروى أيضاً في الدر المنثور في تفسير قوله تعالى : (يسألُهُ من في السمـوات) ما يقرب من هذا ، فلاحظ.(2)

د ـ أثر صلة الرحم :

روى الكليني عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام) قال : «يكون الرجل يصل رحمه فيكون قد بقي من عمره ثلاث سنين ، فيصيّرها الله ثلاثين سنة ، ويفعل الله
ما يشاء»
.(2)
وروى أيضاً عن أبي جعفر(عليه السلام) قال : «صلة الأرحام تزكّي الأعمال ، وتنمي الأموال وتدفع البلوى ، وتيسّـر الحساب ، وتنسئ في الآجال».(3)
ومن طرق العامّة وردت روايات متعدّدة في هذا المنحى ، نكتفي منها بما رواه السيوطي في «الدر المنثور» عن عليّ(رضي الله عنه) : أنّه سأل رسول الله(صلى الله عليه وآله) عن هذه

1 . الدر المنثور: 4 / 66 .            2 . المصدر نفسه: 6 / 143 .
2 . الكافي: 2 / 149  ، باب صلة الرحم ، الحديث 3 .
3 . الكافي: 2 / 150 ، باب صلة الرحم ، الحديث 4. ولاحظ البحار: 4 / 121 ، باب البداء، الحديث 66 .

صفحه 327
الآية : (يَمْحُوا الله) فقال له : «لأقرّن عينيك بتفسيرها ، ولأقرّنَّ عين أُمّتي بعدي بتفسيرها : الصدقة على وجهها ، وبرّ الوالدين ، واصطناع المعروف يحوّل الشقاء سعادة ، ويزيد في العمر ، ويقي مصارع السوء» .
وكما أنّ للأعمال الصالحة أثراً في المصير وحسن العاقبة ، وشمول الرحمة وزيادة العمر وسعة الرزق ، كذلك الأعمال الطالحة والسيّئات لها من التأثير المعاكس الذي لا يخفى على أحد في مسيرة حياة الإنسان .
ويدلّ على ذلك من الآيات قوله سبحانه :
(وضَـرَبَ اللهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِن كُلِّ مَكَان فَكَفَرتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَها الله لِباسَ الجُوعِ والخَوفِ بِمَا كانُوا يَصْنَعُونَ)(1) .
وقال سبحانه : (ذَلِكَ بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ)(2) .
وقال سبحانه : (وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْص مِنَ الَّثمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ)(3) .
أمّا الروايات في ذلك فحدّث عنها ولاحرج منها ما روي عن أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) عندما قال في خطبة له : «أعوذ بالله من الذنوب التي تعجّل الفناء» فقام إليه عبد الله بن الكوّاء اليشكري ، فقال : يا أمير المؤمنين أوَ تكون ذنوب تعجّل الفناء؟ فقال : «نعم ويلك! قطيعة الرحم» .

1 . النحل : 112 .            2 . الأنفال : 53 .            3 . الأعراف : 130 .

صفحه 328
وقال أيضاً : «إذا قطعوا الأرحام جعلت الأموال في أيدي الأشرار».(1)
وقد وردت في الآثار الوضعية للأعمال روايات يطول الكلام بنقلها . فلاحظ ما ورد في الزنا من أنّ فيه ستّ خصال ثلاث منها في الدنيا وثلاث منها في الآخرة ، أمّا التي في الدنيا فيذهب بالبهاء ويعجّل الفناء ويقطع الرزق.(2)
وأيضاً ما ورد في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، مثل ما روي عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام) من أنّه قال : «لتأمرُنّ بالمعروف ولتنهنّ عن المنكر ، أو لتستعملنّ عليكم شراركم ، فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم».(3)
وعن أمير المؤمنين(عليه السلام) قال : «إنّهم لمّا تمادوا في المعاصي ولم ينههم الربّانيون والأحبار نزلت بهم العقوبات».(4)
وورد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) : «لا تزال أُمّتي بخير ما أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وتعاونوا على البرّ ، فإذا لم يفعلوا ذلك نزعت منهم البركات ، وسلّط بعضهم على بعض ، ولم يكن لهم ناصر في الأرض ولا في السماء»(5) إلى غير ذلك من درر الكلمات التي نقلت عن معادنها .
البداء في مقام الثبوت   
فقد تحصّل ممّا ذكرنا :
أوّلا : أنّ علمه سبحانه يعمّ كلّ الأشياء; ماضيها وحاضرها ومستقبلها .

1 . الكافي: 2 / 347 ـ 348، كتاب الإيمان والكفر ، باب قطيعة الرحم ، الحديث 7 و 8 .
2 . سفينة البحار: 1 / 560 مادة (زنا) .
3 . الوسائل: 11 كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، الباب 1، الحديث 4 .
4 . المصدر نفسه ، الحديث 7 .
5 . المصدر نفسه ، الحديث 18 .

صفحه 329
وثانياً : أنّه سبحانه كلّ يوم هو في شأن .
وثالثاً : أنّ لأفعال العباد تأثيراً في حسن العاقبة وسوئها ، ونزول الرحمة والبركة ، أو العقاب والنقمة .
إذا وقفت على هذه المقدّمات الثلاث فاعلم : أنّه يقع الكلام في البداء
في مقامين :
1 ـ البداء في مقام الثبوت : أي تغييـر المصير بالأعمال الصالحة
أو الطالحة .
2 ـ البداء في مقام الإثبات : أي الإخبار عن تحقّق الشيء علماً بالمقتضي مع خفاء المانع .

البداء في مقام الثبوت

إنّ حقيقة البداء أنّه سبحانه ـ على خلاف ما اعتقده اليهود والنصارى في حقّه من فراغه عن أمر الخلق والتدبير ، والإحياء والإماتة ، والتوسيع والتقدير في الرزق ، والتعمير والتنقيص ، إلى غير ذلك ممّا يرجع إلى الكون والإنسان ـ هو القائم دائماً بالأمر والتدبير ، وهو القيّوم على كلِّ شيء ، وكلّ يوم في شأن ، وليست يداه مغلولتين ، بل يداه مبسوطتان (في كلّ شيء) يمحو ويثبت حسب مشيئته الحكيمة وإرادته النافذة ، فهو المتجلّي في كلّ زمان بأسمائه الحسنى وصفاته العليا ، كالخالقية والرازقية ، والإحياء والإماتة ، إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته سبحانه وتعالى .
ومن شعب هذا الأمر ، هو أنّه سبحانه : يزيد في الرزق والعمر

صفحه 330
وينقص منهما ، وينزل الرحمة والبركة ، كما ينزل البلاء والنقمة ، حسب مشيئته الحكيمة ، النافذة ، ولا تصدر عنه الأُمور جزافاً واعتباطاً ، بل حسب ما تقتضيها حال العباد من حسن الأفعال وقبحها ، وصالح الأعمال وطالحها . فربّما يكون الإنسان مكتوباً في الأشقياء ، ثمّ يمحى فيكتب من السعداء ، أو على العكس بسبب ما يقوم به من أعمال .
وبالجملة : فالبداء في عالم الثبوت مخالف لزعم اليهود والنصارى المشار إليه في قوله سبحانه : (وَقَالَتِ اليَهُودُ يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيِهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبّك
طُغْياناً وَكُفْراً
)(1) ، وقد ردَّ سبحانه تلك العقيدة اليهودية الباطلة في هذه الآية كما هو واضح .
ولأجل أنّ يديه سبحانه مبسوطتان ، يزيد في الخلق ما يشاء ـ وفي العمر ـ وينقص منه ، حسب مشيئته الحكيمة قال سبحانه : (الحَمْدُ للهِ فَاطِرِ السَّمـواتِ والأرْضِ . . . يَزِيدُ فِـي الخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيء قَديرٌ)(2) .
قال سبحانه : (وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلاتَضَعُ إلاَّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّر وَلا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إلاّ فِـي كِتاب إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ)(3) .
وبناء على ذلك فالبداء بهذا المعنى ممّا يشترك فيه كلّ المسلمين ، على مذاهبهم المختلفة ، من دون اختصاص بالشيعة ، فليس أحد من المسلمين ينكر أنّه سبحانه كلّ يوم هو في شأن ، وأنّه جلّ وعلا يبدئ ويعيد ، ويحيي ويميت ،

1 . المائدة : 64 .            2 . فاطر : 1 .            3 . فاطر : 11 .

صفحه 331
كما أنّه سبحانه يزيد في الرزق والعمر وينقص ، إلى غير ذلك حسب المشيئة الحكيمة والمصالح الكامنة في أفعاله .

بحث في قوله تعالى : (يمحوا الله مايشاء ويثبت وعنده أُمّ الكتاب) :

هذا الأصل ـ الذي يعدّ من المعارف العليا تجاه ما عرف من اليهود ، من سيادة القدر على كلّ شيء حتى إرادته سبحانه ـ يستفاد بوضوح من قوله سبحانه : (يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أُمّ الكتاب)(1)، وهذه الآية هي الأصل في البداء في مقام الثبوت، ويكفي في إيضاح دلالتها ، نقل كلمات المحقّقين من
المفسّرين ، حتّى يقف القارئ على أنّ القول بالبداء بالمعنى الصحيح ، ممّا أصفقت عليه الأُمّة .
1 ـ روى الطبري (المتوفّى 310هـ ) في تفسير الآية عن جمع من الصحابة والتابعين أنّهم كانوا يدعون الله سبحانه بتغيير المصير وإخراجهم من الشقاء ـ إن كتب عليهم ـ إلى السعادة ، مثلا كان عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يقول وهو يطوف بالكعبة : اللّهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة فأثبتني فيها ، وإن كنت كتبتني على الذنبِ ]الشقاوة[ فامحني وأثبتني في أهل السعادة ; فإنّك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أُمّ الكتاب .
وروى نظير هذا الكلام عن ابن مسعود ، وابن عبّاس ، وشقيق
وأبي وائل.(2)

1 . الرعد : 39 .
2 . جامع البيان : 13 / 112ـ114 .

صفحه 332
روي عن ابن زيد أنّه قال في قوله سبحانه : (يمحوا الله ما يشاء) بما يُنزِّلُ على الأنبياء ، (ويُثبت) ما يشاء ممّا ينزله إلى الأنبياء وقال : (وعنده أُمّ الكتاب)لايُغيّر ولايُبدَّل».(1)
2 ـ قال الزمخشري (المتوفّى 528هـ ) : (يمحوا الله ما يشاء) ينسخ ما يستصوب نسخه ويثبت بدله ما يرى المصلحة في إثباته أو ينزله
غير منسوخ.(2)
3 ـ ذكر الطبرسي (471 ـ 548هـ ) : لتفسير الآية وجوهاً متقاربة وقال : «الرابع أنّه عامٌّ في كلّ شيء ، فيمحو من الرزق ويزيد فيه ، ومن الأجل ،
ويمحو السعادة والشقاوة ويثبتهما .(روى ذلك) عن عمر بن الخطاب ،
وابن مسعود ، وأبيوائل ، وقتادة . وأُمّ الكتاب أصل الكتاب الذي أُثبتت فيه الحادثات والكائنات .
وروى أبو قلابَة عن ابن مسعود أنّه كان يقول : اللّهمّ إن كنت كتبتني في الأشقياء فامحني من الأشقياء . . ..(3)
4 ـ قال الرازي (المتوفّى 608هـ ) : إنّ في هذه الآية قولين :
القول الأوّل : إنّها عامة في كلّ شيء كما يقتضيه ظاهر اللفظ قالوا : إنّ الله يمحو من الرزق ويزيد فيه ، وكذا القول في الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر وهو مذهب عمر و ابن مسعود ، والقائلون بهذا القول كانوا يدعون

1 . جامع البيان: 13 / 112ـ114 .
2 . الكشاف: 2 / 169 .
3 . مجمع البيان: 6 / 398 .

صفحه 333
ويتضرّعون إلى الله تعالى في أن يجعلهم سعداء لا أشقياء . وهذا التأويل رواه جابر عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) .
والقول الثاني : إنّ هذه الآية خاصّة في بعض الأشقياء دون البعض .
ثمّ قال : فإن قال قائل : ألستم تزعمون أنّ المقادير سابقة قد جفَّ بها القلم وليس الأمر بأنف ، فكيف يستقيم مع هذا المعنى ، المحو والإثبات؟
قلنا : ذلك المحو والإثبات أيضاً مما جفّ به القلم ، فلأنّه لايمحو إلاّ ما سبق في علمه وقضائه محوه.(1)
5 ـ قال القرطبي (المتوفّى 671هـ ) ـ بعد نقل القولين وأنّ المحو والإثبات هل يعمّـان جميع الأشياء أو يختصّان ببعضـها ـ : مثل هذا لايدرك بالرأي والاجتهاد ، وإنّما يؤخذ توقيفاً ، فإن صحَّ فالقول به يجب أن يوقف عنده ، وإلاّ فتكون الآية عامّة في جميع الأشياء ، وهو الأظهر ـ ثم نقل دعاء عمر بن الخطاب في حال الطواف ودعاء عبدالله بن مسعود ثم قال : روي في الصحيحين عن أبي هريرة قال : سمعت النبي(صلى الله عليه وآله)يقول : «مَن سرَّه أن يبسط له في رزقهِ ويُنسَأ له في أثره (أجله) فليصل رحمه».(2)
6 ـ قال ابن كثير (المتوفّى 774هـ ) بعد نقل قسم من الروايات : ومعنى هذه الروايات أنّ الأقدار ينسخ الله ما يشاء منها ويثبت منها ما يشاء ،وقد يُستأنس لهذا القول بما رواه الإمام أحمد عن ثوبان قال : قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : «إن الرجل ليُحْرَمُ الرزقَ بالذنب يصيبه ولايردّ القَدَرُ إلاّ بالدعاء ، ولايزيد في العمر

1 . تفسير الرازي: 10 / 64ـ65 .
2 . الجامع لأحكام القرآن: 5 / 329 .

صفحه 334
إلاّ البر» ثم نقل عن ابن عبّاس : «الكتاب كتابان; فكتاب يمحو الله منه ما يشاء ويثبت عنده ما يشاء ، وعنده أُمّ الكتاب».(1)
7 ـ روى السيوطي (المتوفّى 911هـ ) عن ابن عبّاس في تفسير الآية : هو الرجل يعمل الزمان بطاعة الله ، ثم يعود لمعصية الله فيموت على ضلالة ، فهو الذي يمحو ، والذي يثبت : الرجل يعمل بمعصية الله تعالى وقد سبق له خير حتّى يموت وهو في طاعة الله سبحانه وتعالى . ثمّ نقل ما نقلناه من الدعاء عن جماعة من الصحابة والتابعين.(2)
8 ـ ذكر الآلوسي (المتوفّى 1270هـ ) عند تفسير الآية قسماً من الآثار
الواردة حولها وقال : أخرج ابن مردويه وابن عساكر عن عليّ ـ كرم الله وجهه ـ أنّه سأل رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) عن قوله تعالى : (يمحوا الله ما يشاء . . .) الآية فقال له عليه الصلاة والسلام : «لأقرّنّ عينك بتفسيرها ، ولأقرّنّ عين أُمّتي بعدي بتفسيرها : الصدقة على وجهها ، وبرّ الوالدين واصطناع المعروف ، محوِّل الشقاء سعادة ، ويزيد في العمر ، ويقي مصارع السوء» ثم قال : دفع الإشكال عن استلزام ذلك ، بتغيّـر علم الله سبحانه ، ومن شاء فليراجع.(3)
9 ـ قال صديق حسن خان (المتوفّى 1307هـ ) في تفسـير الآية : وظاهر النظم القرآني العموم في كلّ شيء ممّا في الكتاب ، فيمحو ما يشاء محوه من شقاوة أو سعادة أو رزق أو عمر أو خير أو شرّ ويبدّل هذا بهذا ،ويجعل هذا

1 . تفسير ابن كثير: 2 / 520 .
2 . الدر المنثور: 4 / 660. لاحظ ما نقله في المقام من المأثورات .
3 . روح المعاني: 13 / 111 .

صفحه 335
مكان هذا . لا يُسأل عمّا يفعل وهم يُسألون . وإلى هذا ذهب عمر بن الخطّاب وابن مسعود وابن عبّاس وأبو وائل وقتادة والضحّاك وابن جريج وغيرهم . . ..(1)
10 ـ قال القاسمي (المتوفّى 1332هـ ) : تمسّك جماعة بظاهر قوله تعالى : (يمحوا الله ما يشاء ويثبت) فقالوا : إنّها عامَّة في كلّ شيء كما ـ يقتضيه ظاهر اللفظ ـ قالوا يمحو الله من الرزق ويزيد فيه ، وكذا القول في الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر.(2)
11 ـ قال المراغي (المتوفّى 1371هـ ) في تفسير الآية : وقد أُثر عن أئمة السلف أقوال لاتناقض، بل هي داخلة فيما سلف. ثم نقل الأقوال بإجمال.(3)
وهذه الجمل والكلم الدرّية المضيئة عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان والمفسّرين ; تعرب عن الرأي العام بين المسلمين في مجال إمكان تغيير المصير بالأعمال الصالحة والطالحة ، ومنها الدعاء والسؤال ، وأنّه ليس كلّ تقدير حتمياً لايغيّـر ولايبدّل ، وأنّ لله سبحانه لوحين : لوح المحو والإثبات ولوح «أُمّ الكتاب» والذي لايتطرّق التغيير إليه هو الثاني دون الأوّل ، وأنّ القول بسيادة القدر على اختيار الإنسان في مجال الطاعة والمعصية; قول بالجبر الباطل بالعقل والضرورة ومحكمات الكتاب . ومن جنح إليه لزمه القول بلغوية إرسال الرسل وإنزال الكتب (ذلكَ ظَنُّ الَّذينَ كَفروا فَويلٌ لِلَّذينَ كَفروا مِنَ النّار)(4) .

1 . فتح البيان: 5 / 171 .
2 . المحاسن والتأويل: 9 / 372 .
3 . تفسير المراغي: 5 / 155 ـ 156 .            4 . ص : 27 .

صفحه 336
وكما أنّه سبحانه يداه مبسوطتان ، كذلك العبد مختار في أفعاله لا مسيّر ، وحرٌّ في تصرّفاته(1) لا مجبور ، له أن يغيّر مصيره ومقدَّره بحسن فعله وجودة عمله ، ويخرج اسمه من الأشقياء ، ويدخله في السعداء ، كما أنّ له أن يخرج اسمه من السعداء ويدخله في الأشقياء بسوء عمله .
فالله سبحانه كما يمحو ويثبت في التكوين ، فيحيي ويميت ،
كذلك يمحو مصير العبد ويغيّره حسب ما يغيّر العبد بنفسه (فعله وعمله)
لقوله سبحانه : (إنَّ الله لا يُغَيّرُ مَا بِقَوْم حَتّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ»(2) ، كل ذلك
لأجل أنّ يديه مبسوطتان ، وأنّ العبد حرٌّ مختار ، قادر على تغيير القضاء ، وتبديل القدر ، بحسن فعله أو سوئه ، كما دلّت عليه الآيات والروايات .
وليس في ذلك أيّ محذور ولا مخالفة للعقل ولا الكتاب والسنّة ، بل تغيير القضاء بحسن الفعل وتغيير القدر بسوئه ، هو أيضاً من قدره وقضائه وسننه التي لا تبديل لها ولا تغيير ، فالله سبحانه إذا قدّر لعبده شيئاً وقضى له بأمر ، فلم يقدّره ولم يقضِ به على وجه القطع والبتِّ ، بحيث لا يتغيّر ولا يتبدّل ، بل قضى به على وجه خاصّ ، وهو أنّ القضاء والقدر يجري عليه ، ما لم يغيّر العبد حاله ، فإذا غيّـر حاله بحسن فعله أو سوئه ، يتغيّـر القضاء ويتبدّل القدر ، ويخلف قضاء وقدر آخر مكانهما الأوّل ، وكلّ هذه أيضاً قضاء وقدر منه ، كما لا يخفى .
وهذا (البداء في الثبوت) أولى من التسمية بالمحو والإثبات ، والتغيير

1 . لا يخفى أنّ المقصود من أفعال الإنسان التي تثبت اختياره فيها هي الأفعال التي تتعلق بها التكاليف لا الأفعال القهرية التي تصدر من جهازه الهضمي مثلا .
2 . الرعد : 11 .

صفحه 337
والتبديل في الكون وفي مصير الإنسان ، غير أنّ المحو والإثبات في الكون بيد الله سبحانه ، يتصرّف فيه حسب مشيئته ، ولا دخل لإرادة الإنسان وفي صلاح فعله وفساده ، وأمّا التغيير في مصير الإنسان فيتوقّف تعلّق المشيئة عليه; على كيفية حال العبد وكيفية عمله من حسن أو قبح .

الأثر التربوي للاعتقاد بالبداء :

الاعتقاد بالمحو والإثبات ، وأنّ العبد قادر على تغيير مصيره بأفعاله وأعماله ، لابدّ من أن يبعث الرجاء في قلب من يريد أن يتطهّر ، وينمي نواة الخير الكامنة في نفسه . فتشريع البداء ، مثل تشريع قبول التوبة ، والشفاعة ، وتكفير الصغائر بالاجتناب عن الكبائر ، كلّها لأجل بعث الرجاء وإيقاد نوره في قلوب العصاة والعتاة ، حتّى لا ييأسوا من روح الله ، ولا يتولّوا بتصور أنّهم من الأشقياء وأهل النار قدراً ، وأنّه لافائدة من السعي والعمل ، فلعلم الإنسان أنّه سبحانه لم يجفّ قلمه في لوح المحو والإثبات ، وله أن يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء ، يسعد من يشاء ، ويشقي من يشاء «وليست مشيئته جزافية غير تابعة لضابطة عقلية» لأنّ العبد لو تاب ، وعمل بالفرائض ، وتمسّك بالعروة الوثقى ، فإنّه يخرج من سلك الأشقياء ، ويدخل في صنف السعداء ، وبالعكس . وهكذا فإنّ كلّ ما قدّر في حقّه من الموت والمرض والفقر والشقاء يمكن تغييره بالدعاء ، والصدقة ، وصلة الرحم ، وإكرام الوالدين ، وغير ذلك ، فجميع هذا من باب الرحمة الإلهية لأجل بثّ الأمل في قلب الإنسان ، وعلى هذا فالاعتقاد بذلك من ضروريات الكتاب وصريح آياته وأخبار الهداة .
وبهذا يظهر أنّ البداء من المعارف العليا التي اتّفقت عليه كلمة

صفحه 338
المسلمين ، وإن غفل عن معناه الجمهور (ولو عرفوه لأذعنوا له) .
وأمّا اليهود ـ خذلهم الله ـ فقالوا باستحالة تعلّق المشيئة بغير ما جرى عليه القلم ، ولأجل ذلك قالوا : يد الله مغلولة عن القبض والبسط ، والأخذ والإعطاء ، وبعبارة أُخرى : فإنّهم يذهبون إلى أنّ للإنسان مصيراً واحداً لايمكن تغييره ولا تبديله ، وأنّه ينال ما قدّر له من الخير والشر .
ولو صحّ ذلك لبطل الدعاء والتضرّع ، ولبطل القول بأنّ للأعمال الصالحة وغير الصالحة ممّا عددناها تأثيراً في تغيير مصير الإنسان .
على ضوء هذا البيان نتمكّن من فهم ما جاء في فضيلة البداء وأهميته في الروايات مثل ما روى زرارة، عن أحدهما (الباقر أو الصادق(عليهما السلام)) : «ما عُبد الله عزّ وجلّ بشيء مثل البداء».(1)
وما روي عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله(عليه السلام) : «ما عُظِّم الله عزّ وجلّ بمثل البداء».(2)
إذ لولا الإقرار بالبداء بهذا المعنى ما عُرف الله حقّ المعرفة ، بل ويبدو سبحانه في نظر العبد (بناء على عقيدة بطلان البداء) أنّه مكتوف الأيدي ، لا يقدر على تغيير ما قدّره ، ولا محو ما أثبته .
البداء في مقام الإثبات   
ومن الروايات في هذا المعنى ما روي عن الصادق(عليه السلام) أنّه قال :
«لو يعلم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما فتروا من الكلام فيه».(3)

1 . البحار: 4 / 107، باب البداء ، الحديث 19 ، 20 .
2 . التوحيد للصدوق : 333 ، باب البداء ، الحديث 2 .
3 . الكافي: 1 / 115 ; التوحيد للصدوق : 334 ، باب البداء ، الحديث 7 .

صفحه 339
وذلك لأنّ الاعتقاد بالبداء نظير الاعتقاد بتأثير التوبة والشفاعة يوجب رجوع العبد عن التمادي في الغيِّ والضلالة ، والإنابة إلى الصلاح والهداية .

البداء في مقام الإثبات 

إذا عرفت ما ذكرنا فاعلم : أنّ المراد من البداء في مقام الإثبات هو وقوع التغير في بعض مظاهر علمه سبحانه; فإنّ لعلمه سبحانه مظاهر ، منها : ما لا يقبل التغيير ، ومنها ما يقبل ذلك .
أمّا الأوّل : فهو المعبّر عنه بـ «اللوح المحفوظ» تارة وبـ «أُمّ الكتاب» أُخرى ، قال سبحانه : (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِـي لَوْح مَحْفُوظ)(1) . وقوله تعالى : (وَإنّهُ في أُمِّ الكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَليٌّ حَكِيمٌ)(2) .
وقال سبحانه : (مَا أَصَابَ مِن مُصِيبَة فِـي الأرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إلاَّ فِـي كِتاب مِن قَبْلِ أَن نَبْـرَأهَا إِنَّ ذلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ)(3) .
فاللوح المحفوظ وأُمّ الكتاب يمكن التعبير عنه بأنّه ذلك الكتاب
الذي كتب فيه ما يصيب الإنسان طيلة حياته من بلايا وفتن ونعيم وسرور
بشكل لا يمكن أن يتطرّق إليها المحو والإثبات قدر شعرة ، ولأجل ذلك
لو تمكّن الإنسان أن يتّصل به ، لوقف على الحوادث على ما هي عليه بلا خطأ ولا تخلّف .

1 . البروج : 21 ـ 22 .
2 . الزخرف : 4 .
3 . الحديد : 22 .

صفحه 340
أمّا الثاني : فهو لوح المحو والإثبات الذي أشار إليه سبحانه بقوله : (يَمْحُوا الله مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكِتَابِ)(1) فالأحكام الثابتة فيه أحكام معلّقة على وجود شرطها أو عدم مانعها ، فالتغيّر فيها لأجل إعواز شرطها أو تحقّق مانعها ، فمثلا يمكن أن يكتب فيه الموت نظراً إلى مقتضياته في الوقت المعين المتّصل بالمقتضيات ، إلاّ أنّه ربّما يمحى ويؤجل ويكتب بدله توفر الصحّة; لفقدان شرط التقدير الأوّل أو طروّ مانع من تأثير المقتضي .
فالتقدير الأوّل يفرض لأجل قياس الحادث إلى مقتضيه ، كما أنّ التقدير الثاني يتصوّر بالنسبة إلى جميع أجزاء علّته ، فإنّ الشيء إذا قيس إلى مقتضيه ـ الذي يحتاج الصدور منه إلى وجود شرائط وعدم موانع ـ يمكن تقدير وجوده ، بالنظر إلى مجموع أجزاء علّته التي منها الشرائط وعدم الموانع ، ويقدّر عدمه لفرض عدم وجود شرائطه ، وتحقّق موانعه .
تلميحات للبداء في الذكر الحكيم   
إذا علمت ذلك فاعلم : أنّه ربّما يتّصل النبيّ أو الوليّ بلوح المحو والإثبات ، فيقف على المقتضي من دون أن يقف على شرطه أو مانعه ، فيخبر عن وقوع شيء ما ، ولكنّه ربّما لا يتحقّق لأجل عدم تحقّق شرطه أو عدم تحقّق وجود مانعه ، وذلك هو البداء في عالم الإثبات .
وإن شئت قلت : إنّ موارد وقوع البداء حسب الإثبات من ثمرات البداء في عالم الثبوت ، ولم يرد في الأخبار من هذا القسم من البداء إلاّ موارد لا تتجاوز عدد الأصابع(2) ، نشير إليه بعد الفراغ عمّـا ورد في الذكر الحكيم .

1 . الرعد : 39 .
2 . الدر المنثور: 5 / 280 .

صفحه 341
 
تلميحات للبداء في الذكر الحكيم :
ـ قال سبحانه : (فَبَشَّـرْنَاهُ بِغُلام حَلِيم * فَلَمَّـا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنيَّ إنِّـي أَرى فِي المَنَامِ أَنِّـي أَذبَحُكَ فَانظر مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ الله مِنَ الصَّابِرِينَ)(1) .
أخبر إبراهيم(عليه السلام) ولده إسماعيل(عليه السلام) بأنّه رأى في المنام أنّه يذبحه ، ورؤيا الأنبياء (كما ورد في الحديث) من أقسام الوحي ، فكانت رؤياه صادقة حاكية عن حقيقة ثابتة ، وهي أمر الله إبراهيم بذبح ولده ، وقد تحقّق ذلك الأمر ، أي أمر الله سبحانه به .
ولكن قوله : (إِنِّـي أَرى فِي المَنَامِ أَنِّـي أَذبَحُكَ) يكشف عن أمرين :
أوّلا : الأمر بذبح الولد أمر تشريعي كما عرفت وقد تحقّق .
ثانياً : الحكاية عن تحقّق ذلك في الواقع الخارجي وأنّ إبراهيم سيمتثل ذلك ، والحال أنّه لم يتحقّق لفقدان شرطه وهو عدم النسخ ، ويحكي عن كلا الأمرين قوله : (وفَدَيناهُ بِذِبْح عظيم) .
وعندئذ يطرح هذا السؤال نفسه: بأنّه كيف أخبر خليل الرحمن بشيء من الملاحم والمغيبات ، ثمّ لم يتحقّق؟ والجواب عن هذا السؤال يكمن في الأمر الذي أشرنا إليه سابقاً وهو أنّ إبراهيم(عليه السلام) وقف على المقتضى فأخبر بالمقتضي ، ولكنّه لم يقف على ما هو العلّة التامّة ، وليس لعلمه هذا مصدر سوى اتّصاله بلوح المحو والإثبات .

1 . الصافات : 101 ـ 102 .

صفحه 342
تلميحات للبداء في الروايات   
2 ـ وأمّا يونس(عليه السلام) فإنّه أنذر قومه بأنّهم إن لم يؤمنوا فسوف يصيبهم العذاب إلى ثلاثة أيام(1) وما كان قوله تخرّص أو تخويف ، بل كان يخبر عن حقيقة يعلم بها ، إلاّ أنّ هذا الأمر لم يقع كما هو معروف ، وفي هذا إشارة واضحة إلى أنّه(عليه السلام)وقف على المقتضي ولم يقف على المانع ، وهو أنّ القوم سيتوبون عند رؤية العذاب توبة صادقة يعلمها الله تعالى ترفع عنهم العذاب الذي وعدوا به ، وإلى ذلك يشير قوله سبحانه : (فَلَوْلا كَانَت قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِـي الحَياةِ الدُّنيا وَمَتَّعْناهُمْ
إلى حِين
)(2) .
3 ـ أخبر موسى قومه بأنّه سيغيب عنهم ثلاثين ليلة ، كما روي عن ابن عبّاس حيث قال : إنّ موسى قال لقومه : إنّ ربّي وعدني ثلاثين ليلة أن ألقاه وأخلف هارون فيكم ، فلمّـا فصل موسى إلى ربّه زاده الله عشراً ، فكانت فتنتهم في العشر التي زاده الله.(2)
وإلى هذا الأمر يشير قوله سبحانه : (وَوَاعدْنا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْـمَمْناها بِعَشْر فَتَمَّ مِيقاتُ رَبّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسى لأخيهِ هَارونَ اخْلُفْنِي فِـي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبيلَ المفسِدِينَ)(4) .
فلا شكّ أنّ موسى أُطلع على الخبر الأوّل ولم يطلع على نسخه ، وأنّ التوقيت سيزيد ، ولا مصدر لعلمه إلاّ الاتّصال بلوح المحو والإثبات .
هذه جملة الأخبار التي تحدَّث بها الذكر الحكيم عن أحداث ووقائع كان

1 . مجمع البيان: 3 / 135 .            2 . يونس : 98 .
2 . مجمع البيان: 2 / 115 .            4 . الأعراف : 142 .

صفحه 343
النبيّون(عليهم السلام) قد أخبروا بحتمية وقوعها على حدّ علمهم ، إلاّ أنّها لم تتحقّق ، وعندها لا مناص من تفسيرها بوقوف أنبياء الله تعالى على المقتضي دون
العلّة التامّة .
فعندما يظهر عدم التحقّق يطلق عليه البداء ، والمراد به أنّه بدا من الله لنبيّه وللناس ما خفي عليهم ، على غرار قوله سبحانه : (وَبَدا لَهُمْ مِنَ الله مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ)(1)، فالبداء إذا نسب إلى الله سبحانه فهو بداء منه ، وإذا نسب إلى الناس فهو بداء لهم .
وبعبارة أُخرى : البداء من الله هو إظهار ما خفي على الناس ، والبداء
من الناس بمعنى ظهور ما خفي لهم ، وهذا هو الحقّ الصراح الذي لا يرتاب
فيه أحد .

تلميحات للبداء في الروايات الشريفة

وأمّا ما ورد في الروايات ، فهو بين خمسة أو أزيد بقليل :
1 ـ إنّ المسيح(عليه السلام) مرّ بقوم مجلبين(2) ، فقال : «ما لهؤلاء»؟ قيل: يا روح الله فلانة بنت فلانة تهدى إلى فلان في ليلته هذه ، فقال : «يجلبون اليوم ويبكون غداً» ، فقال قائل منهم : ولم يا رسول الله؟ قال : «لأنّ صاحبتهم ميّتة في ليلتها هذه» . . . فلمّـا أصبحوا وجدوها على حالها ، ليس بها شيء ، فقالوا : يا روح الله إنّ التي أخبرتنا أمس أنّها ميّتة لم تمُت . فدخل المسيح دارها فقال : «ما صنعت

1 . الزمر : 47 .
2 . أي تعلو منهم أصوات الفرح .

صفحه 344
ليلتك هذه»؟ قالت : لم أصنع شيئاً إلاّ وكنت أصنعه فيما مضى ، إنّه كان يعترينا سائل في كلّ ليلة جمعة فَنُنيله ما يقوته إلى مثلها . فقال المسيح : «تنحّي عن مجلسك» فإذا تحت ثيابها أفعى مثل جذعة ، عاضّ على ذنبه ، فقال(عليه السلام) : «بما صنعتِ ، صُرِفَ عنكِ هذا».(1)
2 ـ روى الكليني عن الإمام الصادق(عليه السلام) انّه قال : «مرّ يهودي بالنبيّ(صلى الله عليه وآله)فقال : السام عليك ، فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله) : عليك . فقال أصحابه : إنّما سلّم عليك بالموت فقال : الموت عليك . فقال الن