welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الملل والنحل/ج5 ( تاريخ الخوارج)*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الملل والنحل/ج5 ( تاريخ الخوارج)

(247)

الفصل العاشر

عقائد الاباضية واُصولهم الثمانية


(248)


(249)

إنّ الاباضية تشترك مع سائر فرق الخوارج في أمرين بلاشك ولاشبهة، ولا يمكن لأحد منهم انكاره .

1 ـ تخطئة التحكيم .

2 ـ عدم اشتراط القرشية في الإمام .

وفي ظل الأصل الأوّل يوالون المحكِّمة الاُولى كعبدالله بن وهب الراسبي وحرقوص بن زهير السعدي وغيرهما، ولأجل الأصل الثاني، اعترفوا بإمامة عبدالله بن وهب الراسبي ومن جاء بعده من المحكِّمة .

ثمّ إنّ لهم اُصولا خاصّة يتميّزون بها عن أهل السنّة (الأشاعرة) وإن كانوا يلتقون فيها مع غيرهم، فتجب علينا دراسة تلك الاُصول التي يعتقدون بها، وربّما يكون بعضها أصلا لامعاً ورصيناً يدعمه الكتاب والعقل .

1 ـ صفات الله ليست زائدة على ذاته:

إذا كانت الأشاعرة قائلة بأنّ صفات الله تعالى غير ذاته، وكان المنسوب إلى الماتريدية من أهل السنّة انّ الصفات ليست شيئاً غير الذات، فهي ليست


(250)

صفات قائمة بذاتها ولا منفكّة عن الذات فليس لها كينونة مستقلّة عن الذات، فهذا هو ما يقوله الاباضية في الصفات أيضاً، وربّما يلتقي الاباضية والماتريدية في هذه المسألة حتى في التعبير واختيار الكلمات(1) .

إنّ البحث عن الصفات من أهم المسائل الكلامية، فقد طال النقاش فيها قروناً، وأوّل من أصحر بالحقيقة، وصوّر التوحيد بأعلى مظاهره هو الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ فنفى زيادة صفاته على ذاته، وإنّه عين ذاته، لا بمعنى نفي صفاته، تعالى عنه علوّاً كبيراً، بل بمعنى أنّ الذات بلغت من الكمال والعلو مرتبة صارت نفس العلم، والقدرة، والحياة، وليس هناك صفات قديمة وراء الذات حتى يناقض التوحيد ويكون هناك قدماء كثيرة وراء الذات، وكون العلم والقدرة والحياة فينا اُموراً قائمة بالمادة أو بالموضوع، لايكون دليلا على كونها كذلك في جميع المراتب، إذكما أنّ من العلم ممكناً، فكذا منه واجباً، فلولم يكن الممكن قائماً بالذات، فلايكون دليلا على كونه كذلك عند ما كان واجباً، والحكم بالتوحيد وانّه لاواجب سواه، يجرّنا إلى القول بعينية صفاته مع ذاته، وقد أوضحنا الحال فيها في الجزء الثالث من هذه الموسوعة عند البحث عن عقائد المعتزلة، ولايبعد أن يتأثّر الخوارج في هذه المسألة بالمعتزلة كما أنّ المعتزلة اخذت هذا الأصل من خطب الإمام أميرالمؤمنين وكلماته، بل لايبعد أن يكون الجميع قد أخذوا من الإمام أميرالمؤمنين ـ عليه السَّلام ـ .

والعجب انّ هذه النقطة من النقاط الوضّاءة في عقائد الاباضية، مع أنّهم لايركّزون على ذلك الأصل خوفاً من مخالفة الأشاعرة، وطفقوا يبحثون بين الكتب الإسلامية حتى يجدوا موافقاً لهم من أهل السنّة حتى استبان لهم أنّ الماتريدية من أهل السنّة يوافقونهم .


1. علي يحيى معمر: الاباضية بين الفرق الإسلامية 1/295 .


(251)

إنّ الرجل الواعي الطالب للحقيقة لا يخاف من لومة لائم، ولا من مخالفة فئة، فكان على الاباضية أن يرفعوا علم المخالفة في هذه المسألة، وفي مسألة الرؤية، وخلق القرآن، ويندّدوا بالمخالفين سواء أكانوا من السنّة أو غيرهم، فالحق أحق أن يتّبع، كيف يصحّ لموحّد أن يقيس الواجب بالممكن فيصوّر له ذاتاً وصفة قائمة بها، ويحكم بالتعدّد ويخرج في النتيجة بالقدماء الثمانية ثمّ يدّعي التوحيد ويخطّىء النصارى القائلين بالتثليث.

ثمّ إنّ من يرى أنّ مرجع عينية الصفات إلى نفي حقائقها عن ذاته، (كما عليه الزنادقة) رأي باطل صدر ممّن لاقدم له في المباحث العقلية، وليس له مصدر إلاّ قياس الممكن بالواجب، فإذا رأى أنّ القول بالعينيّة ينتج نفيها في الممكنات، عاد يخطّىء القائل بالعينيّة في الواجب بأن معناها نفي حقائقها عن ذاته سبحانه .

2 ـ امتناع رؤية الله سبحانه في الآخرة:

إنّ امتناع رؤية الله سبحانه من الاُصول التي استقاها الوعاة من المسلمين من القرآن الكريم وخطب سيّد الموحّدين أميرالمؤمنين ـ عليه السَّلام ـ إذ قال عزّ من قائل: ( لا تُدْرِكَهُ الأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ)(1).

وهذا الأصل أيضاً من الاُصول اللامعة في عقائد الاباضية، والأسف انّ الكُتّاب المتأخّرين منهم يُقلِّلون من أهمية هذا الأصل، توخّياً لتقريب عقائدهم من أهل السنّة. حتى أنّ علي يحيى معمَّر يُعَنْوِنُ المسألةَ بقوله: هل رؤية الباري جلّ وعلا في الآخرة ممكنة؟ والعنوان يحكي عن وجود ترّدد وشك في نفس الكاتب، ولا أقل يطرح المسألة على شكل غير قطعي وعلى خوف ووجل،


1. الأنعام: 103 .


(252)

وليس كتابه كتاباً دراسياً يطلب فيه طرح المسائل على وجه السؤال والاستفهام.

ثمّ إنّه يكتب: قد كان في الرؤية طرفان متطرّفان ووسط معتدل هوكان اللقاء بين المذهبين، وذلك إنّ طرف الاثبات يبالغ حتى يصل به التطرّف إلى حدّ التشبيه والتمثيل والتحديد، وطرف النفي يبالغ حتّى يصل به التطرّف إلى حد نفي حصول كمال العلم، وبينهما يقف أصحاب التحقيق في الجوانب المتقاربة التي تلتقي في المعنى الواحد لقاءً كاملا أو لقاءً متقارباً، وهذه الصورة تتمثّل فيما ذهب إليه بعض علماء أهل السنّة من أنّ الرؤية معناها حصول كمال العلم بالله تبارك وتعالى، وعبَّر عنها آخرون منهم بأنّ الرؤية تقع بحاسّة سادسة هي كمال العلم، واختلفت تعابير الكثير منهم ولكنّها تتلاقى في النهاية على نفي كامل الصورة التي يتخيّلها الإنسان لصورة راء ومرئىّ وما تستلزمه من حدود وتشبيه، وتتّفق في النهاية على الابتعاد عمّا يشعر بأيّ تشبيه في أيّ مراتبه، وبالمحدودية في أيِّ أشكالها، وليس لنا أن نخوض فيه بغير القدر التي جاءت به النصوص .

والمعتدلون من الاباضية لايمنعون أن يكون معنى الرؤية هو كمال العلم به تعالى ويمنعون الرؤية بالصورة المتخّيلة عند الناس(1) .

عزب عن الكاتب انّ محلّ النزاع من القرن الأوّل إلى القرون المتأخّرة ليس إلاّ الرؤية بالأبصار لابحاسّة سادسة سمّاها كمال العلم، فإنّ القائلين بالرؤية يستندون إلى ما رواه البخاري وأمثاله من أنّ النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ قال: «إنّكم ترون ربّكم كما ترون القمر ليلة البدر غير متضامّين»، فليس للمحقّق الكلامي إلاّ موافقة هذا الأصل أو طرده من الرأس، فاللجوء إلى الرؤية بحاسّة سادسة بمعنى كمال العلم تفسير بأمر بائن وخروج عن محطّ البحث .


1. علي يحيى معمِّر: الاباضية بين الفرق الإسلامية 1/291 ـ 292 .


(253)

وأظن وظن الألمعي يقين انّ الكاتب توخّياً لإيجاد القرب بين الاباضية وأهل السنّة تنازل إلى حدّ غير مطلوب، ولم يقم بالدفاع عن مذهبه بحماس.

نعم قد أحسن في المقام صالح بن أحمد الصوافي، فقد طرح المسألة بشكل رصين، ودفع شبهة القائلين في المقام،ترى أنّه قام بتفسير قوله سبحانه:( )وُجُوهٌ يَوْمَئذ ناضِرَةٌ * إلى رَبِّها ناظِرَةٌ))(1)، الذي هو من أهم أدلّة القائلين بالرؤية، فقال:

«

أوّلا: النظر في اللغة غير الرؤية، ولذا يقال: نظرت إلى الهلال فلم أره، ولايصحّ أن يقال رأيته فلم أره، واطلاقه على الرؤية مجاز، لايصحّ إلاّ لقرينة، والعدول عن الحقيقة إلى المجاز خلاف الظاهر .

ثانياً: إنّ سياق الآية دال على انتظار رحمة الله تعالى بدليل أنّه عطف عليها قوله: ( وَ وَجُوهٌ يَوْمَئِذ باسِرَةٌ * تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بَها فاقِرَةُ )(2) فلو فسّر النظر في الآية بالرؤية لارتفعت المناسبة بين الجملتين ولتداعى بناؤها واختلّ نظمها، إذ لامناسبة بين عيون رائية ربّها ووجوه باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة(3) .

ثالثاً: إنّ النظر في الآية انتظار ما لهم عند الله من الثواب، ومنه قول الشاعر:

فإن يك صدر هذا اليوم ولّى * فإنّ غداً لناظره قريب

وقول الآخر:

كلّ الخلائق ينظرون سجاله * نظر الحجيج إلى طلوع هلال


1. القيامة: 22 ـ 23 .
2. القيامة: 24 ـ 25 .
3. صالح بن أحمد الصوافي: الإمام جابر بن زيد العماني: 238 وقد أوضحنا هذا الوجه في الجزء الثاني من هذه الموسوعة (لاحظ ص 202 ـ 208) .


(254)

وقول الآخر:

وكنّا ناظريك بكل فجّ * كما للغيث ينتظر الغماما

وقال امرؤ القيس:

وقد نظرتكم أعشى بخامسة * للورد طال بها حبّي وتبساسي(1)

***

3 ـ القرآن حادث غير قديم:

إنّ المترقّب من الأباضية الذين رفضوا القشرية، وخضعوا للعقل، أن يكون موقفهم في خلق القرآن موقف العدلية ويصرّحوا بأنّ القرآن مخلوق لله سبحانه وحادث بعد أن لم يكن، لكونه حادثاً ومخلوقاً لله سبحانه غير أنّ الظاهر من بعض كتّابهم أنّهم يتحرّجون من التصريح بخلق القرآن وإن كانوا بعداء عن القول بكونه قديماً غير مخلوق. وننقل في المقام نصّين من كتّابهم، حتى تلمس الحقيقة .

1 ـ يقول الدكتور رجب: وبالنسبة لمشكلة خلق القرآن نراهم يقفون أمام هذا القول الذي فرضه المأمون على العالم الإسلامي فرضاً بتأثير من المعتزلة، ممّا أدّى إلى تمزيق وحدة الاُمّة الفكرية، وإلى اضطهاد كثير من العلماء والفقهاء، ولذلك توقّف العمانيون عن القول بخلق القرآن، وقالوا في صراحة واضحة في واحد من أهمّ كتبهم الفقهية: «لا يلزم الناس معرفة هذه المسألة» وكتب أبو عبدالله القلهاتي الذي عاش في القرن الرابع للهجرة ـ العاشر للميلاد ـ أكثر من عشرين صفحة في مناقشة القول بخلق القرآن والردّ على من قال بذلك، كما كتب أحمد بن نظر العماني الذي عاش في القرن الخامس للهجرة


1. المصدر نفسه، وقد اغرق نزعاً في التحقيق في اثبات القول الحق وتنزيهه، والتبساس: هو الشوق الشديد.


(255)

ـ الحادي عشر للميلادـ في كتابه دعائم الإسلام خمسة وسبعين بيتاً من الشعر، فندّد القول بهذه المسألة واستنكرها كل الاستنكار. وفي العصر الحديث نجد الشيخ نورالدين السالمي يعبّر عن هذا الموقف قائلا: «إنّ الأشياخ توقّفوا عن اطلاق القول بخلق القرآن وأمروا بالشدة على من أطلق القول في هذه المسألة، حتى لايفتتن الناس في دينهم» (1).

ترى في هذا الكلام التناقض، فبينما ينقل عن بعضهم الرد على من قال بخلق القرآن ينقل عن الأشياخ انّهم توقّفوا عن اطلاق القول بخلق القرآن، وأمروا بالشدّة على من أطلق القول في هذه المسألة .

لاشكّ إنّ القرآن ليس بمخلوق أي ليس بمختلق للبشر كما قال سبحانه حاكياً عن بعض المشركين: ( إنْ هذا إلاّ قَوْلُ البَشَرِ)(2) ولكنّه مخلوق لله سبحانه، إذ لايتجاور كون القرآن فعله، وفعله كلّه حادث غير قديم، وإلاّ يلزم تعدّد القدماء وأما علمه سبحانه بما في القرآن من المضامين والمعارف والحوادث فلاشك إنّه قديم، وهو غير كلامه .

فاللائق بمن يصف نفسه بأنّه أهل تقييد لاتقليد أن يصرّح بموقفه في مسألة خلق القرآن، اللّهم إلاّ إذا كان موجباً للفتنة أو كانت عقول الناس بعيدة عن درك الحقيقة، فحينئذ الأولى عدم البحث والطرح .

ونؤكّد من جديد أنّ القول بعدم قِدم القرآن هو من الاُصول الوضّاءة في عقائد الاباضية، وهم في الاعتقاد بها عيال على المعتزلة، فاللائق بالكاتب الواعي أن يجهر بالحق ويحدّد محل النزاع، وياللأسف انّ بعضهم ـ مثل الكاتب السابق ـ بدل أن يخرج من المسألة مرفوع الرأس، ويحقّقها على ضوء


1. الدكتور رجب محمّد عبدالحليم: الأباضية في مصر والمغرب: 70 ـ 71 .
2. المدثر: 25 .


(256)

القرآن والعقل، طفق يطلب من يقول بكون القرآن مخلوقاً من بين أهل السنّة .

2 ـ يقول علي يحيى معمّر: إنّ من علماء أهل السنّة من يقول دون تحرّج أو احتراز:«القرآن مخلوق» فقد ذكر الخطيب البغدادي من طرق متعدّدة عن أبي يوسف انّ أبا حنيفة كان يقول: القرآن مخلوق، أمّا أبو منصور الماتريدي، فقد كان يقول: إنّه محدث، ولم يحفظ عنه أنّ قال: مخلوق، وقد كان أبو النضر العماني من أئمّة الاباضية يقول: إنّ القرآن غير مخلوق، وأنكر انكاراً شديداً على من يقول بخلق القرآن، وذهب القطب من أئمّة الاباضية انّ هذه المسألة ليست من الاُصول، وقال أبو إسحاق طفيش: إنّ الخلاف فيها لفظي، وهذا القدر كاف للدلالة على اللقاء بين المذهبين، ويكفي أن يلتقي المسلمون على حقيقتين في هذا الموضوع: هي أنّ الله تبارك و تعالى سميع بصير متكلّم وانّ القرآن الكريم كلام الله عزّوجلّ أنزله على رسوله(1) .

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره ناش من توخّي ايجاد اللقاء بين المذهبين: الأشاعرة والاباضية، فلأجل ذلك ذهب ليجد من أهل السنة من يقول بأنّ القرآن مخلوق، ومن أئمّة الاباضية من يقول: بأنّ القرآن غير مخلوق، وهذا يعرب عن أنّه لم يتّخذ الكاتب في هذا الموقف رأياً حاسماً أوليس للأباضية فيه رأي جازم، مع أنّ المنقول منهم كونه حادثاً أو غير قديم أو مخلوقاً بمعنى أنّه أنزله الله سبحانه وأوجده من العدم .

فكان من الواجب على الكاتب أن يدافع عقيدته وعقيدة طائفته ويطرحها بوضوح ويذبَّ عنها ذبّاً علميّاً تحقيقياً متحرّياً للواقع.

ثمّ إنّ ما ذكره في ذيل كلامه من أنّه «يكفي أن يلتقي المسلمون على أنّ القرآن الكريم كلام الله عزّوجلّ أنزله على رسوله». وإن كان كلاماً صحيحاً،


1. علي يحيى معمرّ: الاباضية بين الفرق الإسلامية 1/291 .


(257)

إذ ليس الاعتقاد بالحدوث والقدم في القرآن من الأصول العقائدية التي يناط بها الإسلام و الكفر، غير أنّه لو كان هذا هو الأصل الثابت في جميع المواقف فليضرب هذا الكاتب الاباضي صفحاً على الأصول التي اتّخذها اُصولا لمذهبه كمسألة التحكيم وولاء المحكّمة الاُولى، أو ليس ذلك أوفق بالتقريب و توحيد الاُمّة وجعلهم صفّاً واحداً في مقابل الأعداء؟

إنّ البحث عن التحكيم و المحكّمة وخلق القرآن وعدمه ومايأتي من الاُصول الاُخرى للاباضية من خلود الفاسق في النار وعدمه، وكونه كافراً كفر النعمة، بحوث علمية يختصّ فهمها بالمحقّقين والوعاة من علماء الإسلام، فالتحيّز إلى هذه الاُصول وجعلها محاور للحقّ والباطل والإسلام والكفر، لايدعمه الكتاب ولا يوافقه العقل، فليكن شعار الجميع ما سمحت به قريحة شاعر الأهرام:

إنّا لتجمعنا العقيدة أمّة * ويُضمّنا دين الهدى أتباعا

ويؤلّف الإسلام بين قلوبنا * مهما ذهبنا في الهوى أشياعا

والحق إنّ الخوارج بالمعنى العام الذي يعمّ الاباضية لم يكن يوم ظهورها إلاّ حزباً سياسيّاً يهدف إلى تخطئة مسألة التحكيم مع عزل علي عن الحكومة والدعوة إلى بيعة رئيس المحكّمة الاُولى عبدالله بن وهب، ولم يكن لهم يومذاك أي شأن في المسائل العقائدية الماضية، ولمّا قضى عليٌ نحبه واستولت الطغمة الغاشمة من الأمويين و المروانيين على منصَّة الحكم، صار الخوارج يكافحون الحكومات، ويصارخون في وجوههم للقضاء عليهم ولم يكن لهم في هذه الأيّام أيضاً إلاّ هذا الأصل، غير أنّ مرور الزمن وتلاقي الخوارج مع المعتزلة وغيرهم من الطوائف الإسلامية، ألجأهم إلى أن يّتخذوا في بعض المسائل موقفاً فكريّاً، فعند ذلك أصبحوا جمعيّة دينية وفرقة كلامية بعد ما كانوا حزباً سياسياً بحتاً


(258)

فتلاقوا في هذه المسائل مع المعتزلة بل تأثّروا بهم كما هو الحال في المسألة التالية، فقد تأثرت الاباضية فيها عن المعتزلة وخالفوا الشيعة وغيرهم من الطوائف الإسلامية.

4 ـ الشفاعة: دخول الجنّة بسرعة:

إنّ مرتكبي الكبيرة عند الاباضية إذا ماتوا بلا توبة، محكومون بالخلود في النار، فلأجل هذا الموقف المسبَّق في هذه المسألة فسّروا الشفاعة بدخول المؤمنين الجنّة بسرعة، وفي الحقيقة خَصُّوها بغير المذنبين من الاُمّة، وهذا التفسير يوافق ما عليه المعتزلة من أنّ الغاية من الشفاعة هو رفع الدرجة لامغفرة الذنوب .

إنّ الشفاعة أمر مسلّم عند جميع المسلمين غير أنّهم اختلفوا في تفسيرها، وهؤلاء كالمعتزلة ذهبوا إلى أنّ شفاعة النبيّ بل شفاعة جميع الشفعاء لاتنال أهل الكبائر متمسّكاً بقوله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ : «ليست الشفاعة لأهل الكبائر من اُمّتي» .

يقول السالبي في كتابه شرح أنوار العقول: «فإن قيل: المؤمنون مستوجبون للجنّة بأعمالهم فلا معنى للشفاعة، فالجواب أنّ الشفاعة لهم هي طلب تنقلهم من المحشر، ودخولهم الجنّة بسرعة»(1) .

يلاحظ عليه: أنّ الشفاعة مسألة قرآنية، وفي الوقت نفسه مسألة روائية وحديثية، فلا يجوز لمسلم الإدلاء برأي إلاّ بعد الرجوع إلى المصدرين الرئيسيّين مجرّداً عن كل رأي، وأمّا تفسيرها على ضوء الرأي المسبق فهو من قبيل التفسير بالرأي الذي حذَّر عنه النبي في الحديث المتواتر عنه و قال: «من


1. صالح بن أحمد الصوافي: الإمام جابر بن زيد العماني: 256، نقلا عن مشارق أنوار العقول: 294 .


(259)

فسّر القرآن برأيه فليتبوّء مقعده من النار»(1) .

إنّ مسألة الشفاعة ليست مسألة جديدة ابتكرها الإسلام وانفرد بها، بل كانت فكرة رائجة بين اُمم العالم من قبل، وخاصّة بين الوثنيين واليهود، فلو ذكرها القرآن فإنّما يذكرها بالمفهوم الرائج عندهم، لا بمفهوم مغاير، فلو أمضاها، فإنّما أمضاها بهذا المفهوم، ولو هذّبها من الخرافات وحدّدها في اطار خاص فإنّما هذّب ذلك المفهوم وحدّده، ومن المعلوم أنّ الشفاعة عندهم إنّما هو لغفران الذنوب لالرفع الدرجة أو سرعة التنقّل إلى الجنّة، ولأجل ذلك كانوا يرجون لصلتهم بالأنبياء حطَّ ذنوبهم، وغفران آثامهم، وكان المتطرّفون منهم يرتكبون الذنوب تعويلا على الشفاعة.

وفي هذا الموقف وردّاً على ذلك التطرّف الباعث للجرأة، يقول سبحانه:( مَنْ ذَا الّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلاّ بِاِذْنِهِ )(2) ويقول أيضاً رفضاً لتلك الشفاعة المقترنة بالخرافة:( )وَلا يَشْفَعُونَ إلاّ لِمَنِ ارْتَضَى))(3) .

ومن تدبّر في الآيات الواردة حول الشفاعة أيجاباً وسلباً، يقف على أنّ الإسلام قَبِلَ الشفاعة بنفس المفهوم الرائج بين الاُمم، لكن حدّدها بشروط وجعل لها إطاراً خاصّاً، وعلى ضوء ذلك فتفسير الشفاعة بدخول الجنّة بسرعة، نبع من العقيدة بخلود العصاة في النار إذا ماتوا بلاتوبة، فلأجل ذلك إلتجأوا إلى تفسير الشفاعة بغير المعنى المعروف .

نعم يجب إلفات نظر القارىء إلى أمر هامّ:

إنّ بعض الذنوب الكبيرة ربّما تقطع العلائق الإيمانية بالله سبحانه كما


1. حديث متّفق عليه. رواه الفريقان .
2. البقرة: 255 .
3. الأنبياء: 28 .


(260)

تقطع الأواصر الروحية بالشفيع فمثل هذا الشخص لاينال الشفاعة، ولايرضى الرب بشفاعة الشفيع في حقّه، وقد أوضحنا حقيقة الشفاعة وشروطها في موسوعتنا التفسيرية، وقمنا بالذّبّ عن الاشكالات التي تثار حولها من جانب المعتزلة أو بعض المفكّرين الجدد(1) .

5 ـ مرتكب الكبيرة كافر نعمة لاكافر ملّة:

اتّفقت الخوارج حتى الاباضية على أنّ ارتكاب الكبيرة موجب للكفر، ولكن المتطرّفين يرونه خروجاً عن الملّة، ودخولا في الكفر والشرك، ولكن الاباضية لاعتدالهم، يرونه كفر النعمة، فالمسلم الفاسق كافر عندهم لكن كفر النعمة، ولأجل التعرّف على حقيقة مرامهم نأتي بنص بعض كُتّابِهم، وإن كان طويلا مفصّلا:

يقول علي يحيى معمّر:

«يحسب كثير ممّن لا علم له أنّ الاباضية ممّن يتّفقون مع الخوارج في تكفير العصاة كفر شرك، ولايعرفون أنّ الاباضية يطلقون كلمة الكفر على عصاة الموحّدين الذين ينتهكون حرمات الله، ويقصدون بذلك كفر النعمة، أخذاً من الآيات الكريمة التي أطلقتها في أمثال هذه المواضيع و استناداً إلى أحاديث الرسول ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ :

( وِلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلا وَ مَنْ كَفَرَ فَإنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِيْنَ)(2) .

( لِيَبْلُوَنِي ءَأَشْكُرُ اُمْ أَكْفُرُ وَ مَنْ شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَ مَنْ كَفَرَ فَإنَّ رَبِّي)


1. لا حظ: مفاهيم القرآن 4/156 ـ 279 .
2. آل عمران: 97 .


(261)

غَنِيٌّ كَرِيمٌ))(1) .

( وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَاُولئكَ هُمُ الكافِروُنَ)(2).

سأل الأقرع بن حابس رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ : «الحج علينا كل عام يا رسول الله؟ فقال ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ : لو قلت نعم لوجب، ولو وجب لما قدرتم عليه، ولو لم تفعلوا لكفرتم، وقال: من ترك الصلاة كفر، وقال: ليس بين العبد والكفر إلاّ تركه الصلاة، وقال: ألا لاترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض وقال: الرشا في الحكم كفر».

وخلاصة البحث انّ الأباضية عندما يطلقون كلمة الكفر على أحد من أهل التوحيد فهم يقصدون كفر النعمة، وهو ما يطلق عليه غيرهم كلمة الفسوق و العصيان، والمعنى الذي يطلق عليه الاباضية كفر النعمة ويطلق عليه المعتزلة (3) الفسوق، ويطلق عليه غيرهم النفاق أو العصيان فهو معنى واحد.

والسبب الذي دعا الاباضية إلى اطلاقهم هذه الكلمة على العصاة بدلا من كلمة النفاق أو الفسوق أمران:

أوّلهما: إنّها الكلمة التي أطلقها الكتاب الكريم والسنّة القويمة عليهم في كثير من المواضيع والمناسبات .

ثانيهما: إنّ لكلمة النفاق أثراً خاصّاً في تاريخ الإسلام، فقد اشتهر بها عدد من الناس في زمن رسول الله، آمنوا ظاهراً، ولكن قلوبهم لم تطمئن بالإيمان، فكان القرآن الكريم ينزل بتقريعهم، ويفضح بعضهم، ويتوعّدهم بالعذاب الأليم


1. النمل: 40 .
2. المائدة: 44 .
3. اطلاق الفاسق على مرتكب الكبيرة غير مختصّ بالمعتزلة، بل الأشاعرة والإمامية في ذلك أيضاً سواء، بل الفرقتان الاخيرتان أولى بهذا الاصطلاح من المعتزلة، لأنه عندهما مؤمن، لا كافر ولا مشرك بخلاف المعتزلة فإنّه عندهم لاكافر ولا مؤمن بل منزلة بين المنزلتين.


(262)

في الدنيا والآخرة حتى اشتهروا بهذا الاسم وعرفوا به، قال الله تعالى:

( المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْض يَأْمُرُونَ بالمُنْكَرِ وَ يَنْهَوْنْ عَنِ المَعْرُوفِ وَ يَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ)(1) حتى صارت هذه الكلمة تشبه أن تكون علماً لهم فإذا اطلقت انصرفت إليهم .

والنقاش في هذا الموضوع نقاش لغويّ والاختلافات لفظي، والنتيجة انّ من يصرّ على معصية الله يلاقي نفس الجزاء الذي يلاقيه من يكفر بالله، أمّا معاملة المسلمين لمن يفسق عن أمر الله، أو ينافق في دين الله، أو يكفر بنعمة الله، فإنّها معاملة للعاصي المنتهك الذي تجب محاولة ارشاده إلى وجوب الاستمساك بدينه ورجوعه إلى أوامر ربّه، واقلاعه عن محادة الله ورسوله، فإن أصرّ واستكبر وتغلّب عليه الشيطان، بُرِئ منه (2) .

يلاحظ عليه

أوّلا: انّ المحكّمة الاُولى كانوا لايريدون من الكفر إلاّ الخروج عن الدين، وكانوا يقولون للإمام أميرالمؤمنين: تب من كفرك، وكان يجيبهم: أبعد ايماني بالله، وجهادي مع رسول الله أشهد على نفسي بالكفر؟ لقد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين (3) .

فلمّا أحسّ عبدالله بن اباض أو من قبله بتطرّف هذه الفكرة عاد بتأويله إلى كفر النعمة تحرّزاً عن ردّ فعل للنظرية الاُولى.

ثانياً: لو فرضنا إنّ القرآن الكريم استعمل الكفر في كفر النعمة أو استعمله الحديث في حق تارك الصلاة، ولكن هذا الاستعمال طفيف جدّاً، فقد ورد لفظ الكفر ومشتقّاته في القرآن قريباً من 450 مرّة واُريد في أغلبها كفر الملّة


1. التوبة: 67.
2. علي يحيى معمّر: الاباضية في موكب التاريخ، الحقلة الاُولى 89 ـ 92 .
3. الرضي: نهج البلاغة، الخطبة 58 .


(263)

والخروج عن الدين، ولو استعمل في كفر النعمة فانّما استعمل مورد أو موردين، هذا من جانب، ومن جانب آخر انّ لفظ الكفر والكافر يعطيان مفهوماً خاصّاً يهزّ القلوب ويروّعها، إذ لايقصد منه إلاّ الخروج عن الدين فاستعمال ذلك في كلّ معصية كبيرة، يقلّل من شدّة خطره ويُصغّر أمره العظيم. والأثر الخاص الذي ادّعاه لكلمة النفاق، موجود في كلمة الكفر بوجه أشدّ. فلو عدلوا عن إعماله، فليعدلوا عن اطلاق كلمة الكفر لأجله والكلمتان مشتركتان في أثر السيّىء.

أوليس الأولى للاباضية أن ينتهجوا نهج جميع المسلمين فيختاروا لفظاً غيره في مورد ركوب الكبيرة؟

وقد تنبّه لما ذكرناه الكاتب الاباضي حيث علّق على ماينسب إلى الاباضية: «المخالفون كفّار نعمة لا كفّار في الاعتقاد» قوله: لا شكّ انّ أيّ مسلم إذا قيل له: «إنّ الاباضية يعتبرونك غير مسلم، ويرونك كافراً» يتملّكه الغضب ويعتبرهم فرقة ضالّة ظالمة تستحقّ اللعن، ولن ينتظر منك أن تشرح له الفرق بين معاني الكفر(1) .

ولكن اللوم متوجّه عليه وعلى أسلافه لا لأصحاب المقالات فإنّهم استعملوا لفظ الكفر في حق المخالفين غير أنّ المتطرّفين فسّروه بالكفر في الاعتقاد وغيرهم فسّروه بكفر النعمة مستشهدين بأنّه ورد لفظ الكفر في مورد المرتكبين للكبائر، ونقلوا عن الرسول الأعظم أنّه قال: الرشوة في الحكم كفر، وقوله من أتى كاهناً أو عرّافاً فصدّقه فيما يقال فقد كفر بما اُنزل على محمّد(2) .


1. علي يحيى معمّر: الاباضية بين الفرق الإسلامية 1/103 .
2. صالح بن أحمد الصوافي: الإمام جابر بن زيد: 123 .


(264)

6 ـ الخروج على الإمام الجائر:

يقول أبو الحسن الأشعري: «والاباضية لاترى اعتراض الناس بالسيف لكنّهم يرون ازالة أئمّة الجور ومنعهم من أن يكونوا أئمّة بأيّ شيء قدروا عليه بالسيف أو بغيره»(1) .

وربّما ينسب إليهم أمر غير صحيح، وهوأنّ «الاباضية لايرون وجوب اقامة الخلافة» (2) .

إنّ وجوب الخروج على الإمام الجائر أصل يدعمه الكتاب والسنّة النبوية وسيرة أئمّة أهل البيت إذا كانت هناك قدرة ومنعة، وهذا الأصل الذي ذهبت إليه الاباضية بل الخوارج عامّة، هو الأصل العام في منهجهم، ولكن نرى أنّ بعض الكتّاب الجدد من الاباضية الذين يريدون ايجاد اللقاء بينهم وبين أهل السنّة يطرحون هذا الأصل بصورة ضئيلة.

يقول علي يحيى معمر: إنّ الاباضية يرون أنّه لابدّ للاُمّة المسلمة من اقامة دولة ونصب حاكم يتولّى تصريف شؤونها، فإذا ابتليت الاُمّة بأن كان حاكمها ظالماً، فإنّ الاباضية لايرون وجوب الخروج عليه لاسيّما إذا خيف أن يؤدّي ذلك إلى فتنة وفساد أو أن يترتّب على الخروج ضرر أكبر ممّا هم فيه، ثم يقول: إذا كانت الدولة القائمة جائرة وكان في امكان الاُمّة المسلمة تغييرها بدولة عادلة دون احداث فتن أكبر تضّر بالمسلمين فإنّهم ينبغي(3) لهم تغييرها. أمّا إذ كان ذلك لايتسنّى إلاّ بفتن واضرار فإنّ البقاء مع الدولة الجائرة ومناصرتها في حفظ الثغور ومحاربة أعداء الاسلام، وحفظ


1. الأشعري: مقالات الإسلاميين: 189 .
2. علي يحيى معمّر: الاباضية بين الفرق الإسلامية: 2 / 53 ـ 54 .
3. إنّ الرجل لتوخّي المماشاة مع أهل السنّة يعّبر عن مذهبه بلفظ لايوافقه، بل عليه أن يقول مكان «ينبغي» «يجب» .


(265)

الحقوق، والقيام بما هو من مصالح المسلمين واعزاز كلمتهم، أوكد وأوجب(1) .

إنّ ما ذكره لاتدعمه سيرة الأباضية في القرون الاُولى ويكفي في ذلك ما ذكره المؤرّخون في حق أبي يحيى عبدالله بن يحيى طالب الحق، قالوا: إنّه كتب إلى عبيدة بن مسلم بن أبي كريمة وإلى غيره من الاباضية بالبصرة يشاورهم بالخروج، فكتبوا إليه: إن استطعت ألاّ تقيم إلاّ يوماً واحداً فافعل، فأشخص إليه عبيدةُ بن مسلم أبا حمزة المختار بن عوف الأزدي في رجال من الاباضية فقدموا عليه حضرموت، فحثّوه على الخروج، وأتوه بكتب أصحابه، فدعا أصحابه فبايعوه فقصدوا دار الامارة إلى آخر ما سيوافيك بيانه من حروبه مع المروانيين وتسلّطه على مكّة والمدينة .

وأظنّ انّ ما يكتبه علي يحيى معمّر في هذا الكتاب وفي كتاب «الاباضية في موكب التاريخ» دعايات و شعارات لصالح التقارب بين الاباضية وسائر الفرق خصوصاً أهل السنّة، ولأجل ذلك يريد أن يطرح اُصول الاباضية بصورة خفيفة حتى يتجاوب مع شعور أهل السنّة، تلك الأكثرية الساحقة، وأوضح دليل على أنّهم يرون الخروج واجباً مع القدرة والمنعة بلا اكتراث، إنّهم يوالون المحكّمة الاُولى ويرون أنفسهم اخلافهم والسائرين على دربهم، وهم قد خرجوا على عليٍّ بزعم أنّه خرج بالتحكيم عن سواء السبيل .

وأظنّ انّ هذا الأصل أصل لامع في عقيدة الخوارج والاباضية بشرطها وشروطها، وأنّ التخفيض عن قوّة هذا الأصل دعاية بحتة .

والعجب أنّه يعترف بهذا الأصل في موضع آخر من كتابه ويقول: إنّ الثورة على الضلم والفساد والرشوة ومايتبع ذلك من البلايا والمحن، إنّما هو المنهج الذي جاء به الإسلام ودعا إليه المسلمين، ودعا المسلمون إليه، وقاموا


1. علي يحيى معمّر: الاباضية بين الفرق الإسلامية 2 / 53 ـ 54 .


(266)

به في مختلف أدوار التاريخ، ولم تسكت الألسنة الآمرة بالمعروف، الناهية عن المنكر، ولم تكفّ الأيدي الثائرة في أيّ فترة من فترات الحكم المنحرف....وقد استشهد في هذا السبيل عدد من أفذاذ الرجال، ويكفي أن أذكر الأمثلة لاُولئك الثائرين على الانحراف و الفساد: شهيد كربلاء الإمام الحسين سبط رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وعبدالله بن الزبير نجل ذات النطاقين، وسعيد بن جبير، وزيد بن علي بن الحسين، وكلّ واحد من هؤلاء يمثّل ثورة عارمة من الاُمّة المسلمة على الحكم الظالم، والخروج عليه ومدافعته حتى الاستشهاد(1) .

7 ـ التولّي والتبرّي والوقوف:

قد اتّخذ الاباضيون «التولّي» و«التبرّي» نحلة ولهما أصل في الكتاب والسنّة وهما ممّا يعتنقه كل مسلم اجمالا، ولكن التفسير الاباضي لهذين المفهومين يختلف تماماً مع تفسير الجمهور، وإليك بيانه بنقل نصوصهم من كتبهم:

«أصل الولاية، الموافقة في الدين، فكل من وافقك في الدين فهو وليّك، سواء علمت بموافقته أو جهلتها، أو برئتَ منه بالظاهر، لحدث عرفته منه وهو قد تاب ورجع عنه، فالملائكة عليهم السلام أولياؤنا لأنّهم موافقوننا في أصل الامتثال، وكذلك أهل الطاعة من الاُمم السالفة، فإنّه وإن اختلفت الأوامر بالنظر لاختلاف الشرائع، فالدين عندالله الإسلام أي الانقياد لأحكامه مطلقاً .

فاعلم انّ ممّا يدين به المسلمون وهو لازم لهم، الولاية لأولياء الله والحب لهم، والبغض لأعداء الله والبراءة منهم. فولاية من اتّصف بالإيمان فرض


1. علي يحيى معمّر: الاباضية بين الفرق الإسلامية 1/183 .


(267)

واجب، ثبت وجوبه بأدّلة قطعية، وأمّا البراءة فهي مثل الولاية فتجب البراءة من الفاسقين مطلقاً سواء كانوا من المشركين أو كانوا أهل كفر نعمة، فالبراءة منهم واجب بنصّ الكتاب العزيز والسنّة المطهّرة .

ثمّ إنّهم ذكروا للولاية والبراءة أقساماً نوردها فيما يلي:

1 ـ أن يرد الكتاب بما يوجب ولاية أحد، أو البراءة منه، كالأنبياء المذكورين بأسمائهم في الولاية وكأبليس في البراءة .

2 ـ ما نطق فيه رسول من رسل الله انّ فلاناً من أهل السعادة، أو من أهل الشقاء، بشرط أن يسمع السامع من لسان الرسول ذلك الكلام حين نطقه.

3 ـ ولاية الجملة وبراءة الجملة، وصورتها أن يعتقد المكلّف ولاية أهل طاعة الله من الأوّلين والآخرين إنسهم وجنِّهم وملائكتِهم، وأن يعتقد البراء من جميع أهل معصية الله من الأوّلين والآخرين إنسِهِم وجنِّهم إلى يوم الدين.

وهذا القسم هو الذي يعبّر عنه بعقيدة الإنسان لأنّه لابدّ لكل مكلّف أن يعتقده ديناً.

4 ـ نعم يجب الوقوف فيمن لم يعلم فيه موجب الولاية ولا البراءة لقوله تعالى: ( وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ )(1)، وقال ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ : «المؤمن وقّاف، والمنافق وثّاب (2) .

قال أبو سعيد الكدمي: واعملوا رحمنا الله وإيّاكم: انّ الولاية والبراءة فريضتان وقد نطق بذلك القرآن وأكّدته السنّة، ونسخته آثار الأئمّة الذين هم


1. الاسراء: 36 .
2. صالح بن أحمد الصوافي: الإمام جابر بن زيد: 258 ـ 263 بتلخيص، وكان عليه أن يذكر قسماً خامساً وهو تولّي شخص معيّن لكونه مطيعاً والتبرّي منه لكونه عاصياً إذا لمسنا شخصيّاً منهما الطاعة أو العصيان، ولعلّه لم يذكره لكونه مستفاداً من القسم الاوّل.


(268)

حجّة الله في دينه، فمن ذلك قوله تعالى: ( قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِى إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذ قالُوا لِقَوْ مِهِمْ إنّا بُرَءَ ؤُاْ مِنْكُمْ وَ مِمّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَ بدَا بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمُ العَداوَةُ وَالبَغْضاءُ أَبَداً حتّى تُؤْمِنُوا بِالله وَحْدَهُ)(1) .

ويقول أيضاً: لايجوز له أن يتولّى أحداً من علماء أهل الخلاف ولامن أفضلهم، ولو جهل أمرهم، ولو ظنّ أنّهم أهل الحقّ وأهل الفضل، ماجاز أن يتولّى أحداً منهم بدين(2) .

ويقول أيضاً: البراءة حكم من أعظم أحكام الإسلام (3) .

ويقول: واعلموا انّه ممّا يلزم المسلمون ويدينون به: الولاية لأولياء الله والحبّ لهم، والبغض لأعداء الله والبراءة منهم، ومن أحبَّ عبداً في الله فكأنّما أحبّ الله، وذلك من أشرف أعمال البّر (4) .

وقد حرّر هذه المسألة أحد المعاصرين من علماء الاباضية وقال:

ولاية الجملة وبراءتها فريضتان بالكتاب والسنّة والاجماع على كلّ مكلّف عند بلوغه إن قامت عليه الحجّة، وأمّا ولاية الأشخاص وبراءتها فواجبتان قياساً عليهما.

إنّ محبّة المؤمن الموفي بدينه، الحريص على واجباته، المبتعد عن المحارم، المتخلِّق بأخلاق الإسلام، المتّبع لهدى محمّد ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وجبت محبّته على المؤمنين، وأُعلِنَت ولايته بين المسلمين، وطلبت له المغفرة والرحمة من ربّ العالمين .

فإذا نزغ أحدهم من الشيطان نزغ، ولم يستعذ بالله من الشيطان، فأقدم على المعصية ولم يُسارع إلى التوبة، انفصم هذا الرباط الذي يربطه


1. أبوسعيد الكدمي: المعتبر 2/134. والآية من سورة الممتحنة: 4 .
2. المصدر نفسه 1/95 .
3. المصدر نفسه: 1 / 135 .
4. المصدر نفسه: 1 / 137 .


(269)

بالمؤمنين، وتهدَّمَتْ هذه الاُخوّة التي قامت على الدين حتى يجدّد ايمانه بربّه، ويستغفرالله من ذنبه، ويصل حبال قلبه بفاطر السموات و الأرض، فإذا فعل ذلك، رجعت منزلته بين اخوانه كما كانت، وعزَّتْ نفسه بينهم بعد أن هانت (ولِلِّهِ العِزّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلمُؤْمِنِينَ).

إنّ المسلم الذي يعلن بين الملأ قول «لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله»، ثمّ يجترئ على أوامر الله فيتخلّى عن واجباته، أو يقدم على ارتكاب المحظورات... لايحقّ أن يكرم بالتساوي مع الصادقين ولا يمكن أن تشمله المحّبة في الدين، بل يجب أن يجد الغلظة من المؤمنين وأن يسمع التقريع والتوبيخ، وأن يُطْلب الابتعاد عنه، وأن يُعْلَنَ البراءة منه، ويُقلَّلَ التعامل معه حتى تضيق عليه الأرض بما رحبت، ولايجد ملجأ من الله إلاّ إليه، فأمّا أن يشرح الله صدره للإسلام، وأن يفتح قلبه للإيمان وأن يسخّر أعضاءه للعبادة، وأن يباعد بينه و بين المعصية فيتوب ممّا ارتكب ويعود إلى حظيرة الإسلام بالعمل الصالح، والجهاد المتواصل، جهاد النفس و الهوى، فترتبط أواصره حينئذ بأواصر الناس، ويصبح بعد الهداية و التوفيق أخاً في الله .

وأمّا أن يرتكس إلى الشيطان، ويصّر على العصيان، ويبتعد عن محاسبة النفس، ويستمرّ في الغواية والضلال، وحينئذ لايمكن لأولياء الله أن يحبّوا عدوّالله، ولا أن يرضوا عمّن جاهره بالمعصية، وانّ القلوب المؤمنة لتستحي أن تّتجه إلى المليك الديّان لتطلب منه الرحمة والغفران، لعبيد الشهوات و أغوياء الشيطان .

إنّ العصاة الذين يصرّون على ما فعلوا ويجاهرون الله والناس بما ارتكبوا، انفصلوا بكبريائهم عن ربّهم، وابتعدوا عن محّبة إخوانهم، وحادوا الله ورسوله.


(270)

( لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حادً اللهَ وَ رَسُولَهُ....)(1). ( )إنَّ الَّذِينَ يُحادٌّونَ اللهَ وَ رَسُولَهُ أُوْلئِكَ فِى الأذَلِيْنَ))(2). ( إنَّ الَّذِينَ يُحادٌّونَ اللهَ وَ رَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ )قَبْلِهِمْ)(3).

إنّ المجتمع الاسلامي أنظف من أن تقع فيه المعصية من مسلم، ثم يسكتون عنه، فيدعونه فيهم محبوباً قبل أن يبادر إلى التوبة والاستغفار والتكفير إن كانت المعصية ممّا يتحلّل منه بالتكفير .

إنّ هذه القضيّة من القضايا التي يكاد ينفرد بها الاباضية(4) عن غيرهم من الفرق الإسلامية فلم يساووا بين مؤمن تقيّ وعاص شقيّ في المعاملة، وقالوا: يجب على المجتمع المسلم أن يُعْلِنَ كلمة الحق في كلّ فرد من أفراده، وأن يتولّى تهذيب الناشزين، وتقويم المنحرفين وتربية المتذرّعين بالوسائل التي شرعها الإسلام للتربية الجماعية من أمر بمعروف و نهي عن منكر، واعراض عمّن يتولّى عن الله.

وليس من الحق أبداً أن نتغاضى عن اُولئك الذين يرتكبون المعاصي، ونضعهم في صفّ واحد مع المؤمنين الموفين، بل يجب أن نزجر العاصي عن معصيته، وأن نعالِنَه بالعداوة، مادام منحرفاً عن سبيل الله، وأن لانساوي في المعاملة بينه و بين الموفي، وأن لانعطيه من المحبّة وطلب المغفرة، وحسن التعامل، مانعطيه للذي يراقب الله في الخفاء والعلانية، ويرجع إليه في كلّ كبيرة وصغيرة، ويقف عند حدوده التي رسمها لايتخطّاها، ( )وَلِيَجِدُوا فِيْكُمْ )


1. المجادلة: 22 .
2. المجادلة: 20 .
3. المجادلة: 5 .
4. ستعرف ضعفه و انّه ممّا أصفقت عليه الاُمّة الإسلامية اجمالا، نعم انفردت الاباضية بالغلظة والشدّة في المسألة.


(271)

غِلْظَة))، والاباضية لايخرجون العصاة من الملّة ولايحكمون عليهم بالشرك، ولكن يوجبون البراءة منهم و بغضهم و اعلان ذلك لهم حتى يقلعوا عن معصيتهم ويتوبوا إلى ربّهم (1) .

هذا عصارة ماذكروه في هذه المسألة، أي الولاية والبراءة والوقوف .

يلاحظ عليه: لاأظنّ أنّ من أحاط بالكتاب والسنّة أو ألمَّ بهما أن ينكر وجوب التولّي والتبرّي فإن المصدرين الأساسيّين مملوءان بالأمر بتولّي الرسول، والمؤمنين، والتبرّي من المشركين وأهل الكتاب والعصاة، وإليك رشحة من ذلك فيكفي فيه قوله سبحانه:( لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ المُؤْمِنِينَ)(2) و قوله عزّوجلّ: ( )وَالمُؤْمِنُونَ وَ المُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْض))(3) وقوله عزّوجلّ: ( فَإن لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإخْوانُكُمْ فِي الدَّينِ وَ مَواليِكُمْ)(4) وقوله عزّوجلّ:( لا تَجِدُ قَوْماً )يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حادَّ اللهَ وَ رَسُولَهُ ولَو كانُواْ آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُم أَوْ إخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمانَ وأَيَّدَهُمْ بِرُوح مِنْهُ ويُدْخِلُهُمْ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فيها رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَ رضُوا عَنْهُ أُوْلِئكَ حِزْبُ الله ألا إنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ المُفلِحُونَ).)(5)

وأمّا السنّة فيكفي في ذلك الأحاديث التالية:

قال علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ : من ترك انكار المنكر بقبله و لسانه


1. علي يحيى معمّر: الاباضية في موكب التاريخ، الحقلة الاُولى 83 ـ 87 .
2. آل عمران: 28 .
3. التوبة: 71 .
4. الأحزاب: 5 .
5. المجادلة: 22 .


(272)

فهو ميّت بين الأحياء (1) .

وقال ـ عليه السَّلام ـ : أمَرَنا رسول الله أن نلقى أهل المعاصي بوجوه مكفهَّرة(2).

وقال ـ عليه السَّلام ـ : أدنى الانكار أن تلقى أهل المعاصي بوجوه مكفهّرة.

وعن الإمام جعفرالصادق ـ عليه السَّلام ـ : حسب المؤمن غيرة إذا رأى منكراً أن يَعْلَم الله عزّوجلّ من قلبه انكاراً.(3)

إنّ الحب والبغض من الظواهر والحالات النفسية، ولهما آثار على الأعضاء والجوارح في حياة الإنسان، فلقاء أهل المعاصي بوجوه مكفهرّة من آثار تلك الظاهرة، هذا كلّه ممّا لااشكال فيه.

إنّما الكلام في موضع آخر يجب إلفات النظر إليه وهو أنّ التبرّي من عصاة المسلمين ليس شيئاً مطلوباً بالذات، وإنّما الغاية منه ارجاع العاصي إلى حظيرة الطاعة، وإلحاقه بأصفياء الاُمّة، وعلى ذلك فهو من مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيدور وجوبه مدار وجود شرائطهما: منها كون التبرّي مؤثّراً في كبح جماح العاصي وتماديه في الغي، ولأجل ذلك جوّز الإسلام غيبة المتجاهر بالفسق وربّما أوجب الوقيعة في أهل البدع، واكثارالوقيعة فيهم، وقال ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ : «أربعة ليس غيبتهم غيبة: الفاسق المعلن بفسقه، والإمام الكذّاب إن أحسنت لم يشكر وإن أسأت لم يغفر، والمتفكّهون بالاُمّهات، والخارج من الجماعة الطاعن على أمّتي، الشاهر عليها بسيفه» (4).

وقال ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ : «لاغيبة لثلاث: سلطان جائر، وفاسق معلن،


1. الحرّ العاملي: وسائل الشيعة 11/404 .
2. المصدر نفسه: 11 / 409 .
3. المصدر نفسه: 11 / 413 .
4. حسين النوري: المستدرك، الجزء 9، الباب 134 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 2 .


(273)

وصاحب بدعة»(1) .

فعلى ذلك فوجوب التبرّي رهن شروط نشير إليها:

1 ـ أن يحتمل كون التبرّي مؤثّراً في ارجاعه عن المعصية كما عرفت، وإلاّ فلايجب كما هو الحال في جميع مراتب الأمر بالمعروف .

2 ـ إن لايكون اظهار التبرّي موجباً لتماديه في الغي، وانكبابه على الإثم، فإنّ إيجاب التبرّي في ذلك ينتج نقيض المطلوب .

3 ـ يكفي في التبرّي، الاعراب عمّا في ضمير المتبرّي من كونه كارهاً لعمله، بلا حاجة إلى اعمال الغلظة والشدّة كما في كلام القائل.

ثمّ الآيات والروايات الدالّة على التبرّي واردة في حقّ الكفّار والعصاة المتمادين في الغي، لامن عصى مرّة واحدة ويبدو أنّه سوف يرجع ويستغفر.

وأمّا ما ذكره القائل في كيفية التبرّي فليس عليه دليل بل الدليل على خلافه، لأنّ المعاملة مع العصاة على النحو الذي ذكره القائل لم يكن رائجاً في عصر الرسول، إلاّ في حقّ العتاة المتمادين في الغي، أو المتخلّفين عن الزحف، وقد ورد في حقّهم قوله سبحانه: ( وَ علَى الثَّلاثّةِ الَّذِينَ خُلَّفُوا حَتّى إذا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَ ظَنُّوا أَنْ لامَلْجَأ مِنَ اللهِ إلاّ اِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا اِنَّ اللهِ هُوَ التَّوَابُ الرَّحِيمُ)(2).ترى أنّ الغلظة والشدّة كانت في حقّ هؤلاء الثلاثة الذين تخلّفوا عن الجهاد في الوقت الذي كان الرسول في أشدّ حاجة إلى المجاهد الصادق، فنزل الوحي بالضغط وايجاد الضيق عليهم حتى يصلوا إلى مرتبة تضيق عليهم أرض المدينة بما رحبت.

وأمّا المعاملة لكلّ عاص ولو مرّة واحدة بهذا النحو والضغط عليه حتى


1. حسين النوري: المستدرك، الجزء 9، الباب 134 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 1 .
2. التوبة: 118 .


(274)

تضيق عليه الأرض، فهو بعيد عن سماحة الإسلام، كيف وقد قال سبحانه حاكياً عن حملة العرش الذين يستغفرون للذين تابوا واتّبعوا سبيله: ( رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شىْء رَحْمَةً) )(1) وقال سبحانه:( وَ لا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ اِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ اِلاّ القَوْمُ الكافِرُونَ )(2) وقال سبحانه: ( قالَ )وَ مَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ اِلاّ الضّالُّونَ)(3) وقال سبحانه:( قُلْ يا عِبادِىَ الَّذِينَ اَسْرَفُوا عَلى اَنْفُسِهِمْ لا )تَقنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ الله إِ نَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُنُوبَ جَمِيعاً اِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحيِمُ)(4) .

فأين هذه الوعود ودعوة العصاة إلى حظيرة الغفران والنهي عن اليأس من روح الله ممّا جاء في كلام هذا القائل؟ فالاباضية وإن كانوا غير متطرّفين في مسلكهم لكن في التبرّي عن العاصي في جميع الأحوال والظروف على النحو الذي سمعت نوع تطرّف كما لايخفى.

على أنّ هذا النحو من التبرّي الوارد في كلام القائل يناسب العيشة القبلية، والاجتماعات الصغيرة، ولايتمشّى أبداً مع الاجتماعات الكبيرة التي تضم الفسّاق، إلى العدول في جميع الأندية والمجالس كما لايخفى.

اكمال:

ثمّ إنّه لو ثبت كون رجل عدوّاً من أعداء الله لارتكابه الكبائر أو لإرتداده عن الدين، فليس لآحاد الاُمّة القيام بإجراء الحدّ عليه، وإنّما واجب الآحاد هو التبرّي منه، ومن فعله، روحاً وجسداً، وأمّا إجراء الحدّ عليه فإنّما هو على


1. غافر: 7 .
2. يوسف: 87 .
3. الحجر: 56 .
4. الزمر: 53 .


(275)

القويّ المطاع في الاُمّة وهو الحاكم الإسلامي، ولأجل ذلك ينقسم الأمر بالمعروف الى قسمين: قسم يُعَدُّ واجباً فردّياً، يقوم به آحاد الاُمّة، وقسم يعدّ رسالة اجتماعية تقوم به القوّة التنفيذية في الدولة الاسلامية، وهنا كلمة قيّمة للإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ نذكرها:

سئل عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أواجب هو على الاُمّة جميعاً؟ فقال: لا. فقيل له: ولم؟ قال: إنّما هو على القويّ المطاع، العالم بالمعروف من المنكر، لاعلى الضعيف الذي لايهتدي سبيلا إلى أيٍّ، مِنْ أيّ؟ يقول من الحق إلى الباطل، والدليل على ذلك من كتاب الله عزّوجلّ قوله: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ اُمَّة يَدْعُونَ اِلى الخَيْرِ وَيَأْمُرونَ بالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ) فهذا خاصّ غير عام.(1)

8 ـ آراء الاباضية في الصحابة:

قد طرحنا مسألة عدالة الصحابة في الجزء الأوّل من هذه الموسوعة عند البحث عن عقائد أهل الحديث، والمعروف بين كتّاب الفرق انّ الاباضية يحبّون الشيخين ويبغضون الصهرين، غير أنّ كتّاب الاباضية في هذا العصر ينكرون هذه النسبة ويقولون إنّ الدعاية التي سلّطها المغرضون على الاباضية نبذتهم بهذه الفرية، وذهب علي يحيى معمّر في نقد النسبة وتزييفها إلى نقل الكلمات التي فيها الثناء البالغ على الصهرين، ينقل عن أبي حفص عمرو بن عيسى قوله:

وعلى الهادي صلاة نشرها * عنبرٌ ماخبّ ساع ورمل

وسلام يتوالى وعلى * آله والصحب ما الغيث هطل

سيما الصديق والفاروق والجامع * القرآن والشهم البطل


1. الحر العاملي: وسائل الشيعة 11/400. والآية من سورة آل عمران: 104.


(276)

وينقل عن ديوان البدر التلاتي مايلي:

بنت الرسول زوجها وابناها * أهل لبيت قد فشى سناها

رضى إلاله يطلب التلاتي * لهم جميعاً ولمن عناها(1)

نحن نرحّب بهذا الود الذي أمر الله سبحانه به في كتابه بالنسبة إلى العترة الطاهرة إذ قال: ( قُلْ لااَسْأَلُكُمْ عَليْهِ أَجْراً إلاّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى)(2) .

ولكن لايمكننا التجاهل بأنّهم يحبّون المحكّمة الاُولى، ويعتبرونهم أئمّة، وهم قُتلوا بسيف علي، وهل يمكن الجمع بين الحبّين والودّين؟ قد قال الله سبحانه: ( ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُل مِنْ قَلْبَيْنِ فِىْ جَوْفِهِ)(3) وهل يجتمع حبّ علي وودّه وحبّ من كان يكفّر عليّاً ويطلب منه التوبة؟ كيف وهؤلاء هم الذين قلّبوا له ظهر المجنَ وضعّفوا أركان حكومته الراشدة.

نرى أنّ الاباضية يعدّون عمران بن حطان من القعدة، وهو إمام لهم بعد أبي بلال، وهو القائل في حق عبدالرحمن بن ملجم قاتل الإمام علي، شقيق عاقر ناقة ثمود، قوله:

ياضربة من تقي ما أراد بها * إلاّ ليبلغ من ذي العرش رضوانا

إنّى لأذكره يوماً فأحسبه * أوفى البريّة عندالله ميزانا(4)

ومع هذا السعي لكتمان الحقيقة فالظاهر أن للشهرة حقيقة: أمّا حبّهما للشيخين فليس مجال شك وأمّا بغضهما للصهرين فقد وقفت في الفصل التاسع على نظر قدمائهم في حق الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ وإليك نظرهم في حق عثمان، ليعلم


1. علي يحيى معمّر: الاباضية بين الفرق الإسلامية 2/50 .
2. الشورى: 23 .
3. الاحزاب: 4 .
4. مرّ مصدر البيتين .


(277)

مدى صحّة النسبة:

فإن قال: فما قولكم في عثمان بن عفان؟ قلنا له: في منزلة البراءة عند المسلمين .

فإن قال: من أين وجبت البراءة من عثمان بن عفان وقد تقدمت ولايته وصحّت عقدة إمامته مع فضائله المعروفة في الإسلام، وفي تزويج النبي له ـ عليه السَّلام ـ بابنتيه واحدة بعد واحدة؟ قلنا: إن الولاية والبراءة هما فرضان في كتاب الله لا عذر للعباد في جهلهما، وقد أمرنا الله تبارك وتعالى أن نحكم وندين له في عباده بما يظهر لنا في اُمورهم ولم يكلّفنا علم الغيب. ثم وجدنا أصحاب النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ قد قدّموا عثمان إماماً لهم بعد عمر بن الخطاب ـ رحمه الله ـ ، ثم قصدوا إليه فقتلوه على ما استحقّ عندهم من الأحداث التي زايل بها الحق وسبيله، فمن قال إنّ عثمان قتل مظلوماً كان قد أوجب على أصحاب النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ البراءة بقتلهم لعثمان بن عفان وألزام البراءة من علي بن أبي طالب لأنّه وضعه المسلمون بعد عثمان إماماً لهم.

وعلى الإمام إقامة الحدود و لم يغيّر ذلك علي بن أبي طالب ولم ينكره ولم يقم الحد على من قتل عثمان، وحارب من طلب بدمه و هو طلحة بن عبيدالله والزبير بن العوام، ولو لم يكن مستحقاً للقتل وأنّه مظلوم لكان علي قد كفر لقتاله لمن طلب بدم عثمان بن عفّان. فلما قاتل علي والمسلمون من طلب بدم عثمان وصوّبوا من قتله وأقرّهم علي بين يديه وكانوا أعوانه و أنصاره، كان دليلا على أنّهم محقّون في قتله لأنّ إجماعهم على ذلك حجّة لغيرهم ودليل. وأمّا قولك زوّجه النبي بابنتيه واحدة بعد واحدة فإنا لاننكر ذلك ولايكون عثمان مستوجباً للولاية بتزويج النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ له بابنتيه. ولو كان عقد النبي له بالنكاح موجباً للرجل المشرك الذي كان النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ


(278)

قد زوّجه بابنته زينب قبل التحريم بين المسلمين والمشركين مع قوله الله تبارك وتعالى:(إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ)(1)، فهذا مبطل لاحتجاجك علينا بتزويج النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ له بابنتيه.

وأمّا قولك: إنّه كانت له فضائل في الإسلام متقدّمة، فإن الأعمال بالخواتم في الآخرة، لابالفضائل الاُولى(2).

وعلى كل تقدير فما يذكره هذا الكاتب وغيره هو الحق الذي يجب أن تمشي عليه الاباضية في حياتهم الدينية ويجب علينا احترام الصحابة وودّهم على الموازين التي وردت في الكتاب والسنّة، ولا أظنّ مسلماً على أديم الأرض يبغض الصحابي بما هو صحابي أو بما أنّه رأى النبي أو بما أنّ له صلة به، ولو كان هناك استنكار فانّما لبعض الصحابة أمثال المغيرة بن شعبة وبسر بن أرطاة، وعمرو بن العاص، وسمرة بن جندب لما قاموا به من سفك الدماء البريئة والظلم في الأحكام، والطلب الحث بلذائذ الدنيا، كيف لايصحّ التبرّي منهم؟ وقد قال عمرو بن العاص لمعاوية عندما دعاه للمشاركة في الحرب ضدّ علي أبياتاً أوّلها:

معاوية لا اعطيك ديني ولم أنل * به منك دنياً فانظرن كيف تصنع

فإن تعطني مصراً فأربح بصفقة * أخذتَ بها شيخاً يضرّ وينفع (3)

***


1. النساء: 48 و 116 .
2. السير و الجوابات لعلماء وأئمة عمان 1/374 ـ 375 طبع وزارة التراث القومي والثقافة، تحقيق سيدة إسماعيل كاشف.
3. الطبري: التاريخ 3/558. اليعقوبي: التاريخ 2/175 طبع النجف الاشرف .

Website Security Test