welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الملل والنحل/ج5 ( تاريخ الخوارج)*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الملل والنحل/ج5 ( تاريخ الخوارج)

بحوث
في الملل والنحل

دراسة موضوعيةٌ مقارنةٌ للمذاهب الاسلامية

الجزء الخامس

يتناول تاريخ الخوارج نشأتهم، عقائدهم، فرقهم وشخصيّاتهم

تأليف

جعفر السبحاني


(2)

الكتاب:   بحوث في الملل والنّحل ـ الجزء 5

المؤلف:    جعفر السبحاني

الناشر:   لجنة إدارة الحوزة العلميّة بقم المقدّسة

الطبعة:   الاولى

المطبعة:   مهر ـ قم

المطبوع: 2000 نسخة

التاريخ: ذوالحجّة الحرام 1412 المطابق لشهر خرداد 1371


(3)


(4)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبيه وآله وعلى رواة سنته

وحملة أحاديثه وحفظة كلمه.


(5)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدللّه رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّد المرسلين، وآله الطاهرين، وصحبه المنتجبين .

أمّا بعد: فهذا هو الجزء الخامس من موسوعتنا في الملل و النحل، والمقارنة بين المذاهب الاسلامية، نقدّمه إلى القرّاء الكرام، راجين منهم التنبيه والارشاد إلى مواضع الزلّة والخطأ، فإنّ المؤمن مرآة المؤمن، وأحبّ الاخوان من أهدى إلى أخيه عيوبه(1) .

ويتناول هذا الجزء دراسة إحدى الفرق الإسلامية القديمة أعني فرقة الخوارج من خلال المواضيع التالية:

الف ـ نشأتهم.

ب ـ تاريخهم السياسي الذي يتضمّن المواجهات التي خاضوها مع


1. اقتباس عن الكلمة المروية عن الامام الصادق ـ عليه السَّلام ـ حيث قال: أحبّ اخواني إليّ من أهدى إليّ عيوبي (لاحظ: تحف العقول 366) .


(6)

مخالفيهم أوّلا، ومحاولاتهم للاستيلاء على البلاد الإسلامية ثانياً، وزوالهم والقضاء عليهم ثالثاً .

ج ـ طوائفهم وفرقهم .

د ـ عقائدهم و أفكارهم .

هـ ـ شخصيّاتهم البارزة والآثار الأدبيّة التي خلّفوها .

والخوارج ـ كما قلنا ـ من أقدم الفرق الإسلامية بل أوّل فرقة ظهرت في المجتمع الإسلامي، وهو أوّل اختلاف حدث بين المسلمين، بعد اختلاف الاُمّة في مسألة الإمامة، وقد تكوَّنت في العقد الرابع من القرن الأوّل بعدما نشبت الحرب بين الإمام عليّ ـ عليه السَّلام ـ ومعاوية بن أبي سفيان، وقد تحدّث عنهم و عن نشأتهم وتاريخهم طائفتان:

1 - أصحاب التواريخ: فقد ذكروا عنهم شيئاً كثيراً حسب التسلسل الزمني كالطبري في تاريخه، والمبرّد في كامله، واليعقوبي في تاريخه، والمسعودي في مروجه، والجزري في كامله، وابن كثير في كتابه، ولكن اكتفوا بنقل الحوادث من دون تحليل عللها ونتائجها وغاياتها ومن دون استنتاج شيء يُعدّ درساً أو عبرة، ومن دون قضاء بشيء في حقّهم، كأنّهم قصّاصون ليس لهم شأن سوى سرد القصّة .

وبما أنّهم ذكروا حوادث تلك الفرقة في فصول مختلفة ـ كما هو مقتضى سرد الحوادث حسب السنين والقرون ـ لا يمكن للإنسان أن يقف على تاريخ تلك الفرقة دفعة واحدة في موضع واحد، بل عليه السبر وتتّبع الحوادث وضمّ حلقة إلى حلقات اُخرى، حتى يكون على اطّلاع على تاريخهم عن كثب .

2 ـ مؤرّخو العقائد: أعني أصحاب علم الملل والنحل فقد اهتمّوا بذكر فرقهم، وبيان لفيف من عقائدهم، من دون تركيز على كيفيّة نشأتهم، والحروب


(7)

الّتي مارسوها طيلة سنين، قرناً بعد قرن .

نعم هناك جماعة من المتأخرّين أفردوا تاريخهم بالتأليف، وهم بين كاتب مسلم، ومؤلّف مستشرق، ولكل غايته المتوخّاة، وإليك الاشارة إلى بعض ما اُلّف في ذلك المضمار:

1 ـ ملخّص تاريخ الخوارج: تأليف محمّد شريف سليم، المطبوع في القاهرة عام 1349 هـ ـ ق .

2 ـ الخوارج في الاسلام: تأليف عمر أبي النصر، المطبوع في بيروت عام 1369 هــ ق الموافق لعام 1949 م .

3 ـ أدب الخوارج: تأليف الكاتبة سهير القلماوي، والكتاب رسالتها الاُولى لنيل درجة الماجستير وقد نشرتها عام 1365 هـ ـ ق وتناولت الرسالة البحث عن شعراء الخوارج وقد ذكرت منهم عمران بن حطان و قطري بن الفجاءة، والطرماح بن حكيم وهو غير طرماح بن عدي الذي كان موالياً لعلي ـ عليه السَّلام ـ .

4 ـ وقعة النهروان: تأليف الخطيب الهاشمي الحائري، المطبوع في طهران عام 1372 هـ ـ ق .

5 ـ الخوارج في العصر الأموي: تأليف الدكتور نايف معروف، وقد طبع في بيروت مرّتين أخيرتها في عام 1401 هـ .

6 ـ الخوارج و الشيعة: تأليف يوليوس فلهوزن، وقد نقله إلى العربية عبدالرحمن بدوي، طبع في الكويت للمرّة الثالثة عام 1978 م. ومن جنايات المؤلّف على تاريخ الشيعة في الكتاب قوله: «انّ الشيعة و الخوارج تكوّنا في وقت واحد»(1) والمسكين جاهل بتاريخ الشيعة ـ فانّها تكوّنت في العصر الذي تكوّن فيه الاسلام، و الشيعة عبارة عن لفيف من المسلمين الاُول من المهاجرين


1. يوليوس فلهوزن: الخوارج و الشيعة 112، ترجمة عبدالرحمن بدوي، من الألمانية الى العربية.


(8)

والأنصار، الذين بقوا على ما كانوا عليه في عصر الرسول ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ فاتّبعوا سنّته ولم يعدلوا عنها قيد شعرة، فأخذوا في مسألة الخلافة بالنص، وتركوا الاجتهاد في مقابله .

وأمّا الخوارج فقد نشأت في أعقاب حرب «صفّين» كما سيوافيك بيانه، فعدّهما عدلين وفي صفّ واحد جهل بتاريخ الشيعة وتاريخ الاسلام، أو تجاهل، وليس ذلك ببعيد عن المستشرقين المجتمعين على موائد الاستعمار .

هذا بعض ما اُلّف حول تاريخ الخوارج والكل كماترى ألّف بيد خصمائهم ولا يمكن الاحتجاج بهذه الكتب عليهم إلاّ إذا تضافر النقل وحصل الاطمئنان بصدقها، ولأجل رفع تلك النقيصة والتزاماً منّا بالموضوعية التي يجب أن يتّصف بها البحث والباحث، بذلنا الجهد للحصول على آثار تلك الفرقة في التاريخ والعقائد والفقه والتفسير وتقف على أسمائها في «قائمة المصادر» للكتاب. فإنّ الخوارج انقرضت بعامّة فرقها ولم يبق منهم مايعبأ به إلاّ فرقة الاباضية وهي الفرقة المعتدلة منهم، وهي المذهب الرسمي في عمّان، وقد قامت وزارة التراث القومي والثقافة لسلطنة عمان، بنشر آثار الاباضية في مجالات مختلفة، فلابّد للباحث من الرجوع إليها.

نسأل اللّه سبحانه أن يوفّقنا في تبيين نشأة تلك الفرقة وتاريخها وعقائدها لما هو الحق والصدق، مجانبين عن كل فكرة ونظرية مسبقة في حقّهم .

قم ـ مؤسسة الامام الصادق ـ عليه السَّلام ـ

جعفرالسبحاني

20/12/1411 هـ


(9)

الفصل الأوّل

بداية الاختلاف بعد رحلة الرسول ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ


(10)


(11)

ارتحل النبي الأكرم ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ملبّياً دعوة ربّه في العام الحادي عشر من هجرته، بعد ما بذل كل جهده لتوحيد الاُمّة ورصّ صفوفها، منادياً فيهم بقول سبحانه: (إنَّ هذه اُمَّتُكُمْ اُمَّه واحِدَةً وَ أنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)(1) وهو ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ كما دعا إلى كلمة التوحيد دعا إلى توحيد الكلمة بأمر منه سبحانه في الذكر الحكيم حيث قال:(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعَاً وَلا تَفَرَّقُوا)(2) وقال سبحانه:(إنَّمَا الْمُؤمِنُونَ إخْوَةٌ...)(3) إلى غير ذلك من الآيات، وقد كان ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ يُحذِّر المجتمع الاسلامي من التفرّق و التشرذم، وقد وصف التحزّب والتعصّب لقوم دون قوم «دعوى منتنة»(4).

وقد خاطب معشر الأنصار بقوله: «الله الله أبدعوى الجاهلية و أنا بين


1. الأنبياء: 92 .
2. آل عمران: 103 .
3. الحجرات: 10 .
4. ابن هشام: السيرة النبوية 3/303 .


(12)

اظهركم بعد أن هداكم الله بالاسلام، وأكرمكم به، وقطع به أمر الجاهلية و استنقذكم من الكفر، وألّف به بين قلوبكم»(1) .

ومع كل هذه الأوامر العديدة و التحذيرات الشديدة نرى ـ ياللاسفـ أنّ المسلمين اختلفوا بعد وفاته ـ وجثمانه بَعدُ لم يُوار ـ إلى فرقتين يجمعهما الاتّفاق في سائر الاُصول و يفرّقهما الخلاف في مسألة الخلافة والولاية وهاتان الفرقتان هما:

1 ـ فرقة تبنّت مبدأ التنصيص على الشخص المعيّن و قالت إنّ الرسول ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ نصّ على خلافة علي و ولايته في مواضع عديده و مناسبات كثيرة، أعظمها و أشهرها يوم الغدير في منصرفه عن حجّة الوداع في العام العاشر، فقال في محتشّد عظيم: «من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله» وقد بلغ الحديث في كل عصر حدّ التواتر بل تجاوز حدّه، ومن المتبنّين لهذه الفكرة، أكابر بني هاشم وشخصيّاتهم البارزة كعباس بن عبدالمطلب وعقيل بن أبي طالب وغيرهما ولفيف من الأصحاب، كسلمان الفارسي، وأبي ذر الغفاري، والمقداد بن الأسود الكندي، وأبي التيهان، وأبي أيّوب الأنصاري وغيرهم من المهاجرين و الأنصار، الذين شايعوا علياً، و نفّذوا ما أوصى به النبي الأكرم في حقّ وصيّه، وهؤلاء همّ نواة الشيعة وهم جزء من المسلمين الاُول، فقد بقوا على ما كانوا عليه في عصر الرسول .

2 ـ فرقة تبنّت فكرة الشورى، وانّ لها اختيار القائد، وانتهت تلك الفكرة بعد مشاجرات ومشاغبات بين متبنّيها إلى خلافة أبي بكر بن أبي قحافة، و تمّت البيعة له في سقيفة بني ساعدة، ببيعة عدّة من المهاجرين، كعمر بن الخطاب


1. ابن هشام: السيرة النبوية 2/ 250 .


(13)

وأبي عبيدة الجراح، وبيعة الأوسيين من الأنصار، وهؤلاء قد نسوا أوتناسوا النصّ النبوي يوم الغدير فقدَّموا الاجتهاد على النص، ورجّحوا المصلحة المزعومة على التعيين الإلهي، والعجب انّ أصحاب هذه الفكرة من بين المهاجرين و الأنصار كانوا يستدلّون على مبدئهم في سقيفة بني ساعدة بأدلّة و مقاييس كانت سائدة في الجاهلية، والتي لاصلة لها بالكتاب و السنّة:

مثلا: إنّ الأنصار رأوا أنّهم أولى من غيرهم بالخلافة، لأّنهم آووا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ونصروه في حروبه في زمان أخرجه قومه فيه من موطنه وخذلوه، وقال خطيبهم الحبّاب بن المنذر بقوله: يا معشر الأنصار املكوا على أيديكم فأنتم أحقّ بهذا الأمر منهم، فانّه بأسيافكم دان الناس بهذا الدين.

هذا منطق الأنصار، وهلم معي نستمع منطق المهاجرين فقال أبوبكر ناطقاً عنهم: إنّ المهاجرين أقرباء النبي و عترته، ودعمه عمر فقال ردّاً لمنطق الأنصار: والله لاترضى العرب أن تؤمّركم ونبيّها من غيركم ولاتمنع العرب أن تولّي أمرها من كانت النبوّة منهم، من ينازعنا سلطان محمد و نحن أولياؤه و عشيرته؟

ترى أنّه ليس في منطق كل من المرشّحين أيّ استناد إلى الكتاب والسنّة فهذه تستدل بايوائهم رسول الله ونصرتهم إيّاه، وتلك تستند إلى قرابته منه، مع أنّه كان من اللازم عليهم الفحص عن قائد لائق عارف بالكتاب والسنّة، مدير ومدبّر يملك كافّة المؤهّلات اللازمة في القيادة سواء أكان من المهاجرين أم من الأنصار أو من طائفة اُخرى

كل ذلك يعرب عن أنّ الفكرة كانت غير ناضجة أوّلا، وانّ الانتخاب والاختيار لم يكن صادراً عن مبدأ الاسلامي ثانياً .


(14)

هذا و انّ طائفة من الأنصار أعنى الأوس بايعوا أبابكر بحجّة أنّهم إن لم يبايعوه ليكوننّ للخزرج عليهم فضيلة(1).

وهكذا ظهرت فرقتان بعد وفاة الرسول ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ والمبدأ الذي اختلفتا فيه هو: مسألة الخلافة و قيادة الاُمّة، وكان المترقّب بعد هذا الشقاق والاختلاف، طروء حروب دامية بين الطرفين، ولولا القيادة الحكيمة للامام علي ـ عليه السَّلام ـ ومساهمته مع الخلفاء في مهامّ الاُمور، والتنازل عن حقّه لَاْنجّر الأمر في حياة الخلفاء إلى الهلاك و الدمار، خصوصاً انّ المنافقين كانوا يترصّدون تلك الفرصة ويؤلّبون احدى الطائفتين على الاُخرى ليصطادوا في الماء العكر، وفي التاريخ شواهد تؤيّيد ذلك وانّ القيادة الحكيمة لصاحب النص أعني الامام علياً أفشلت تلك الخطط الشيطانية نكتفي منها بما يلي:

روى الطبري: لمّا اجتمع الناس على بيعة أبي بكر أقبل أبوسفيان وهو يقول: «والله إنّي لأرى عجاجة لايدفها إلاّ دمّ، يا آل عبد مناف فيما أبوبكر من اُموركم؟ أين المستضعفان أين الاذلاّن علي والعبّاس؟ وقال: «أبا حسن أبسط يدك حتى اُبايعك» فأبى علي ـ عليه السَّلام ـ فجعل أبوسفيان يتمثّل بشعر المتلمّس:

ولن يقيم على خسف يراد به * إلاّ الأذلاّن غير العير و الوتد

هذا على الخسف معكوس برمّته * وذا يشجّ فلايبكي له أحدى(2)

قال: فزجره علي ـ عليه السَّلام ـ وقال: «إنّك والله ما أردت بهذا إلاّ الفتنة وإنّك والله طالما بغيت للاسلام شرّاً، لا حاجة لنا في نصيحتك».

كان الامام معتقداً بشرعية امارته وخلافته، ويرى نفسه خليفة


1. الطبري: التاريخ 2/ 446. ابن قتيبة: الامامة و السياسة 1/ 9 .
2. الطبري: التاريخ 2/ 449. ابن الاثير: الكامل في التاريخ 2/ 220 .


(15)

رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وقد سبقت البيعة له في يوم الغدير وغيره، وكان يحتجّ به وبغيره من النصوص على استحقاقه لها و يعترف نفسه و أهل بيته بقوله: «ولهم خصائص حقّ الولاية وفيهم الوصّية والوراثة»(1).

ومع ذلك رأى أنّ في مواجهة هذا الانحراف في تلك الظروف العصيبة مفسدة أعظم من فوت الولاية فتنازل عن الأمر فسدل دونه ثوباً، وطوى عنه كشحاً، وهو يصف الحال في بعض خطبه ويقول: «ولا يخطر ببالي أنّ العرب تزعج هذا الأمر من بعده ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ عن أهل بيته، ولا انّهم منحّوه عنّي من بعده، فما راعني إلاّ انثيال الناس على فلان يبايعونه، فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الاسلام يدعون إلى محق دين محمّد ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولايتكم التي إنّما هي متاع أيّام قلائل، يزول منهما ما كان كما يزول السراب أو كما ينقشع السحاب، فنهضت في تلك الأحداث حتى زاح الباطل وزهق واطمئن الدين و تنهنه»(2).

قام أبوبكر بأعباء الخلافة، وحارب أصحاب الردّة، إلى أن مضى لسبيله، فأقام مكانه عمر بن الخطاب وهو أيضاً سار بسيرة من قبله، وكان المسلمون يجتازون البلاد، و يفتحون القلاع، ويسيطرون على العالم بفضل الدين والايمان، حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة من قريش وزعم أنّ رسول الله مات وهو عنهم راض وهؤلاء هم: عليّ، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبدالرحمن بن عوف، وقال: رأيت أن أجعلها شورى بينهم ليختاروا لأنفسهم، ثم نظر إلى كل واحد من هذه الستة إلى أن نظر إلى


1. الرضي: نهج البلاغة، الخطبة 5 .
2. الرضي: نهج البلاغة الكتاب 62 .


(16)

عثمان وقال: كأنّي بك قد قلّدتك قريش هذا الأمر لحبّها إيّاك فحملت بني اُميّة وبني أبي معيط على رقاب الناس، آثرتهم بالفيء فثارت إليك عصابة من ذؤبان العرب فذبحوك على فراشك ذبحاً، والله لئن فعلوا لتفعلن، ولئن فعلت ليفعلن ثم أخذ بناصيته فقال: فاذا كان ذلك فاذكر قولي فإنّه كائن (1) .

فلمّا دفن عمر، اجتمع أصحاب الشورى في بيت فتكلّموا فتنازعوا، غير أنّ تركيب الأعضاء منذ عيّنها الخليفة كان يعرب عن حرمان علي و نجاح غيره و لأجل ذلك تمّ الأمر لصالح عثمان، فقام بالأفعال التي تنبّأ بها عمر بن الخطاب، وأحدث اُمراً نقم بها عليه، وأوجدت ضجّة بين المسلمين ومن أبرز معالمها انحرافه عن الحق وإليك صورة من أعماله التي ثارت لأجلها ثورة الأنصار والمهاجرين:

1 ـ تعطيل الحدود الالهية:

شرب الوليد بن عقبة الخمر فسكر فصلّى بالنّاس الغداة ركعتين أو أربع ركعات، فانْتُزعَ خاتمه من يده وهو لايشعر من سكر، وقد قدم رجل المدينة وأخبر عثمان ما شهده من الوليد فضربه عثمان، فكثرت الشكوى على عامله بالكوفة ولم ير بُداً من عزله ولم يجرِ الحد على الوليد، فقال الناس: عطّلت الحدود وضربت الشهود(2) .

2 ـ عطياته الهائلة لبني اُميّة من بيت المال:

بين ليلة وضحاها صارت جماعة من بني اُميّة بفضل خلافة عثمان،


1. ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 1/186 .
2. السيوطي: تاريخ الخلفاء 104. أبوالفرج الاصبهاني: الاغاني 4/ 188 .


(17)

أصحاب الضياع العامرة والثروات الطائلة منهم: مروان بن الحكم، وعبدالله بن أبي سرح، ويعلى بن اُميّة، والحكم بن العاص، والوليد بن عقبة وأبى سفيان، وقد حفظ التاريخ صورة عطيات الخليفة لهم ولغيرهم، ومن أراد التفصيل فليرجع الى مظانه (1) .

ويكفيك أنّه أعطى مروان بن الحكم ـ ابن عمّه و صهره ـ خمس غنائم أفريقيا، وكانت تقدّر بمليونين و نصف مليون دينار، وفي ذلك يقول الشاعر:

واعطيت مروان خمس العبا * دِ ظلماً لهم و حميت الحمى(2)

3 ـ تأسيس حكومة أموية:

كان الخليفة يبذل غاية جهده في تأسيس حكومة أموية في العواصم الاسلامية فنرى أنّه عزل سعد بن أبي وقاص عن ولاية الكوفة وولاّها الوليد بن عقبة بن أبي معيط وكان أخا عثمان لاُمّه.

وفي سنة 27 من الهجرة عزل عمروبن العاص عن خراج مصر و استعمل عليه عبدالله بن أبي سرح وكان أخاه من الرضاعة .

وعزل أباموسى الأشعري فولّى مكانه على البصرة عبدالله بن عامر وهو ابن خال عثمان(3) .

وأبقى معاوية على ولايته على الشام، ولمّا كثرت الشكوى على عامله


1. الأميني: الغدير 9 / 236 - 290 .
2. ابن قتيبة: المعارف 113 ط دار الكتب العلمية. ابن كثير: التاريخ 4/157 .
3. الدينوري: الأخبار الطوال 139. ابن الاثير: الكامل 3/88 ـ 99 .


(18)

بالكوفة، الوليد بن عقبة، عزله وولّى مكانه سعيد بن العاص (1) حتى قيل إنّ خمساً و سبعين من ولاته كانوا من بني اُميّة (2).

4 - مواقفه العدائية تجاه الصحابة:

كان للخليفة مواقف غير مرضية مع أصحاب رسول ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ فقد سيّر أباذر إلى الربذة وهي أرض قاحلة ليس فيها ماء ولا كلاء، فهناك لفظ آخر أنفاسه غريباً فريداً(3) وأمر بضرب عبدالله بن مسعود فكسر ضلع من أضلاعه(4) كماأنّه ضرب عمّار بن ياسر حتى غشي عليه بحجّة أنّه انتقد عمل الخليفة في بيت المال (5) .

5 ـ ايواؤه طريد رسول الله:

طرد رسول الله الحكم بن عاص مع ابنه مروان إلى الطائف، فردّهما إلى المدينة أيّام خلافته.

يقول الشهرستاني: ردّ الحكم بن اُميّة إلى المدينة بعد أن طرده رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وكان يسمّى طريد رسول الله وبعد أن تشفّع إلى أبي بكر و عمر (رضي الله عنهما) أيّام خلافتهما فما أجابا إلى ذلك، نفاه عمر من


1. الطبري: التاريخ 3 / 325 .
2. الندوي: المرتضى: ولا حظ للوقوف على أسماء عمال عثمان في السنة التي قتل فيها، تاريخ الطبري 3 / 445 .
3. البلاذري: الانساب 5/54. الطبري: التاريخ 3/335 .
4. البلاذري: الانساب 5/36 .
5. البلاذري: الانساب 5/48 .


(19)

مقامه باليمن أربعين فرسخاً(1) .

إلى غير ذلك من الاُمور التي أغضبت جمهور المسلمين وأثارتهم، حتى اجتمع المسلمون من المصريين والكوفيين والبصريين، وجمهور المهاجرين والأنصار للاحتجاج عليه بتبيين سوء مواقفه وأعماله وجنايات عمّاله في البلاد، ولكن كان ردّ فعله تجاه هاتيك الاحتجاجات، سلبياً فلم يستجب لطلباتهم، بل غضب على كل من احتجّ عليه بسوء فعله أو فعل ولاته، ولكن كثرة السخط والنقد على الخليفة، شحنت النفوس نقمة وغضباً، فانفجرت ثورة عارمة لم تجمد إلاّ بقتله في عقرداره .

قتل الخليفة عثمان:

والمهاجرون والأنصار ومن تبعهم باحسان بين مجهز عليه، أو مؤلَّب ضدّه، أو مستبشر بمقتله، أو صامت رهين بيته، محايد عن الطرفين(2) .

إنّ هذه الأحداث الكبيرة لو اتّفقت في أيّ عصر من العصور التي يسود فيها الحكم الاسلامي لأثّرت نفسَ الأثر الذي خلَّفْته في عهد عثمان ولقلبت الاُمور رأساً على عقب.

ومع ذلك ترى أنّ بعض المؤرخين يريدون تبرير عمل الخليفة وانّ الثورة ضدّ الخليفة لم تكن ثورة شعبية دينية نابعة من أوساط المهاجرين والأنصار ومن تبعهم باحسان في مصر والعراق، ويزعمون انّ عبدالله بن سبأ هو الذي جهّز المصريين وكدّر الصفو على الخليفة، وانّه وأتباعه كانوا وراء قتل الخليفة


1. الشهرستاني: الملل والنحل 1/26 .
2. الطبري: التاريخ 3/399 .


(20)

ولكن هذا من مختلقات بعض المؤرّخين(1) الذين جرّهم حبّهم واخلاصهم للخلافة والخليفة الى اسناد هذه الثورة الى رجل مزعوم (عبدالله بن سبأ) لم يثبت وجوده أوّلا، وعلى فرض وجوده لم تثبت له تلك المقدرة الهائلة التي تثير الحواضر الاسلامية وعقلية المهاجرين والأنصار على الخليفة المفترض طاعته (2) .

فلو كان لعبدالله بن سبأ تلك المقدرة وانّه كان يجول في البلاد لتحريض الناس على الخليفة فلماذا لم يتمكّن الخليفة ولا عمّاله من القبض عليه ليسجنوه أو يطردوه من الحواضر الاسلامية الى نقطة لا ماء فيها ولا كلاء كما طردوا أباذر إلى الربذة، وسيّروا صلحاء الكوفة إلى أمكنة اُخرى .

قال الأميني: لوكان ابن سبأ بلغ هذا المبلغ من إلقاح الفتن، وشقّ عصا المسلمين وقد علم به وبعيثه اُمراء الاُمّة وساستها في البلاد، وانتهى أمره الى خليفة الوقت، فلماذا لم يقع عليه الطلب؟ ولم يُلْقَ القبض عليه، والأخذ بتلكم الجنايات الخطرة، والتأديب بالضرب والاهانة، والزجّ الى أعماق السجون؟ ولا آل أمره الى الاعدام، المريح للأمّة من شرّه و فساده، كما وقع ذلك كله على الصلحاء الأبرار الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وهتاف القرآن الكريم يرنّ في مسامع الملأ الديني:(إنَّما جَزاءُ الَّذينَ يُحارِبونَ الله وَرَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَساداً أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِم و أرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاف أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌّ في الدُّنْيا وَ لَهُمْ في الآخِرَة عَذابٌ عَظيمٌ) (المائدة: 33)(3) .


1. الطبري: التاريخ 3/378 .
2. لا حظ عبدالله بن سبأ لمرتضى العسكري فقد اغرق نزعاً في التحقيق فلم يبق في القوس منزعا.
3. الأميني: الغدير 9/219 .


(21)

اجتماع المهاجرين والأنصار على بيعة علي:

قتل الخليفة بمرأى و مشهد من الصحابة، وتركت جنازته في بيته، واجتمع المهاجرون والأنصار في بيت علىّ، وطلبوا منه بإصرار بالغ قبول الخلافة، إذ لم يكن يوم ذاك رجل يوازيه ويدانيه في السبق الى الاسلام، والزهد في الدنيا، والقرابة من رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ، والعلم الوافر بالقرآن والسنّة، والامام يصف اجتماعهم في بيته ويقول: «فتداكوا علىّ تداكّ الابل الهيم، يوم وردها، وقد أرسلها راعيها وخلعت مثانيها، حتى ظننت أنّهم قاتلي أو بعضهم قاتل بعض لدي»(1) .

وفي كلمة اُخرى له ـ عليه السَّلام ـ يقول واصفاً هجوم المهاجرين والأنصار على بيته لبيعته: «وبسطتم يدي فكففتها، ومدد تموها فقبضتها، ثم تداككتم عليّ تداك الهيم على حياضها يوم وِرْدها حتى انقطعت النعل، وسقط الرداء، ووطىء الضعيف، وبلغ من سرور الناس ببيعتهم ايّاي، أن ابتهج بها الصغير، وهدج إليها الكبير، وتحامل نحوها العليل، وحسرت اليها الكعاب» (2) .

فلمّا عرضوا عليه مسألة الخلافة و القيادة الاسلامية أجابهم بجدَ وحماس: «دعوني فالتمسوا غيري فإنّا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان، لاتقوم له القلوب، ولا تثبت له العقول» (3) .

فلمّا أحسّ منهم الإلحاح و الإصرار المؤكّد وانّه لابدّ من البيعة ورفع علم الخلافة قال ـ عليه السَّلام ـ : إذا كان لابدّ من البيعة فلنخرج إلى المسجد حتى تكون بمرأى ومسمع من المهاجرين والأنصار، وجاء الى المسجد فبايعه


1. الرضي: نهج البلاغة، الخطبة 54.
2. الرضي: نهج البلاغة، الخطبة 229 .
3. الطبري: التاريخ 3/156 .


(22)

المهاجرون والأنصار وفي مقّدمتهم الزبير بن العوام و طلحة بن عبيدالله ولم يتخلّف من البيعة إلاّ قليل لايتجاوز عدد الأنامل كاُسامة بن زيد، و عبدالله بن عمر، وسعد بن أبيوقاص ونظائرهم (1) .

وقد عرفه التاريخ بأنّه كان رجلا زاهداً غير راغب في الدنيا ولامقبلا على الرئاسة وانّما قبل البيعة لأنّه تمّت الحجّة عليه وكان المسلمون يومذاك بحاجة الى قيادته وخلافته وهو يصف أمره: «والله ما كانت لي في الخلافة رغبة، ولا في الولاية إربة، ولكنّكم دعوتموني اليها وحملتموني عليها»(2) .

كلّ ذلك صار سبباً لقيام علي بالزعامة والخلافة وتدبير الأمور ،ولم يكن هدف المبايعين إلاّ ارجاع الاُمّة الى عصر الرسول، ليقضي على الترف والبذخ، ويرفع راية العدل والقسط، ويهدم التفاضل المفروض على الاُمّة بالقهر والغلبة، وينجي المضطهدين والمقهورين من الفقر المدقع، ولمّا تمّت البيعة خطبهم في اليوم التالي وبين الخطوط العريضة للسياسة التي ينوي الالتزام بها طيلة ممارسته للخلافة فعلى الصعيد المالي قال في قطايع عثمان التي قطعها الخليفة لأقربائه وحاشيته: «والله لو وجدته قد تزّوج به النساء و ملك به الاماء لرددته فانّ في العدل سعة، ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق» (3) .

قال الكلبي: ثم أمر علي ـ عليه السَّلام ـ بكل سلاح وجد لعثمان في داره ممّا تقّوى به على المسلمين، فقبض وأمر بقبض نجائب كانت في داره من ابل الصدقة فقبضت، وأمر بقبض سيفه ودرعه، وأمر ألاّ يعرض لسلاح وجد له لم يقاتل به المسلمين، وبالكف عن جميع أمواله التي وجدت في داره وفي غير


1. الطبري: التاريخ 3/156 .
2. نهج البلاغة، الخطبة 205 .
3. نهج البلاغة، الخطبة 15 .


(23)

داره، وأمر أن ترتجع الأموال التي أجاز بها عثمان حيث اُصيبت أو اُصيب أصحابها.

فبلغ ذلك عمروبن العاص، وكان بـ «ايلة» في أرض الشام، أتاها حيث وثب الناس على عثمان، فنزلها فكتب الى معاوية: ما كنت صانعاً فاصنع اذ قشرك ابن أبي طالب من كل مال تملكه كما تُقشر عن العصا لحاها(1).

ما مارسه الامام لتحقيق المساواة من خلال ردّ قطائع عثمان كان جرس الانذار في أسماع عبَدة الدنيا وأصحاب الأموال المكدّسة، أيّام خلافة الخليفة الثالث، فوقفوا على انّ علياً لايساومهم بالباطل، على الباطل ولايتنازل عن الحق لصالح خلافته.

وعند ذلك بدأوا يتآمرون على خلافته الفتية في نفس المدينة المنورة وفي مكة المكرمة والشامات، وقد كان هؤلاء متفرّقين في تلك البلاد.

وهذا هوالموضوع الذي نطرحه في الفصل التالي، وستعرف أنّ ظهور الخوارج في الساحة الاسلامية من مخلّفات هذا التآمر الذي رفع راياته الناكثون والقاسطون.


1. ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 1/270 .


(24)


(25)

الفصل الثاني

حوادث وطوارئ مريرة في عصر الخلافة العلوية


(26)


(27)

نهض الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بالأمر، بعد قتل الخليفة عثمان، وقد عمّت الفتن والتمزّق والاضطراب الاُمّة الإسلامية، وحاق بهم البلاء، وصاروا شيعاً، المعنّيون منهم ذوو أهواء وميول.

فمن مسلم واع يرى بنور الإيمان خروج القياده الإسلامية عن الجادّة المستقيمة، وليس لها جمالها الموجود في العهد النبوي، ولا بعده إلى وفاة الشيخين، وهم الذين ثاروا على السلطة، وقتلوا الخليفة، ولمّ يدفنوه، حتى راحوا إلى رجل ليقوم بالأمر ويقيم الاود، ويصلح ما فسد، ولم يكن هذا الرجل إلاّ الإمام المعروف بالورع والّتقى، وقوّة القلب، ورباطة الجأش.

إلى متوغّل في لذائذ الدنيا وزخارفها، ادّخر من غنائمها وفراً، وجمع من بيضائها وصفرائها ثروة طائلة، واقتنى ضياعاً عامرة، ودوراً فخمة، وقصوراً شاهقة، يخضمون مال الله خضم الابل نبتة الربيع، كأنّ الدنيا خلقت لأجلهم، فهؤلاء ـ بعد قتل الخليفة ـ لايرضون خروج الأمر من أيديهم ووقوعه في يد رجل لاتأخذه في الله لومة لائم والاُمّة الإسلاميّة عنده سواسية.


(28)

إلى انتهازىّ لايهمّه شيء سوى طعمته في الملك والمال، كالبهيمة المربوطة همّها علفها، أو المرسلة شغلها تقمّمها.

فقام الإمام بالأمر، وهذا وصف مجتمعه، وهم إلى الشدة والقسوة أقرب إلى الصلاح والفلاح. وأوّل من جهر بالخلاف وألَّب المخالفين على علىّ، هو معاوية بن أبي سفيان فقد كان واقفاً على أنّ عليّاً لايساومه بأيّة قيمة ولايبقيه في مقامه الذي كان عليه من عصر الخليفة الثاني إلى يوم بويع علىّ بالخلافة، فقام بتأليب بعض الصحابة على الامام وإغرائهم على الخلاف، بحجّة أنّه أخذ البيعة لهم من أهل الشام، وهذا نص رسالته إلى الزبير بن العوام وقد وقف على أنّه بايع عليّاً بملأ من الناس، وفيها:«بسم الله الرحمن الرحيم، فانّي قد بايعت لك أهل الشام فأجابوا واستوسقوا كما يستوسق الجلب، فدونك الكوفة والبصرة لايسبقك إليها ابن أبي طالب، فإنّه لاشيء بعد هذين المصرين، وقد بايعتُ لطلحة بن عبيدالله من بعدك فاظهر الطلب بدم عثمان، وادعوا الناس إلى ذلك، وليكن منكما الجدّ والتشمير، أظفركما الله، وخذل مناوئكما».

ولّما وصل هذا الكتاب إلى الزبير، أعلم به طلحة فلم يشكّا في انّ معاوية ناصح لهما واجمعا عند ذلك على خلاف عليّ ـ عليه السَّلام ـ (1) .

كانت الغاية الوحيدة من أخذ البيعة من رعاع الناس في الشام للزبير وطلحة وإعلامهما لذلك، هو تشجيعهما على مخالفة الإمام ـ عليه السَّلام ـ بحجّة أنّهما خليفتان مترتبان، وأنّه يجب على علىّ أن يترك الخلافة جانباً، وبذلك أراد أن يحدث صدعاً في صفّ الذين بايعوا الإمام، ويفتح باب الخلاف ونكث البيعة، أمام الآخرين .


1. ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 1/231 .


(29)

كانت تلك الرسالة تحمل شروراً إلى الاُمّة الإسلامية وقد اغتر الشيخان بكلام ابن أبي سفيان فتآمرا على الخلاف ونكث البيعة على وجه يأتي شرحه.

ولم يكن نكث البيعة منهما نهاية الخلاف، بل كانت فاتحة لشرّ ثان وهو تجرّؤ معاوية على عليّ وبغيه على الإمام المفترض طاعته، بالحرب الطاحنة، وكان الإمام على أعتاب النصر و الظفر حتى نجم شرّ ثالت وهو خروج طائفة من أصحاب الامام عليه بحجة واهية تحكي عن سذاجة القوم وقلّة وعيهم: وهي مسألة التحكيم، وبذلك خاض الإمام في خلافته القصيرة التي لاتتجاوز عن خمسة أعوام، حروباً دامية، يحارب الناكثين تارة، والقاسطين اُخرى، والمارقين ثالثة، وفي ذلك يقول الإمام: «فلمّا نهضت بالأمر نكثت طائفة، ومرقت اُخرى، وقسط آخرون، كأنَّهم لم يسمعوا كلام الله سبحانه يقول: (تِلْكَ الدارُ الآخرِة نَجْعَلُها لِلّذِينَ لايُريدونَ عِلُوّاً فِي الأرْضِ ولافَساداً وَ العاقِبَةُ للمتّقين) بلى والله لقد سمعوها ووعوها ولكنّهم حَلِيَت الدنيا في أعينهم، وراقهم زبرجها(1) .

قام الإمام بفقأ عين الفتنة بعد انتهاء حرب صفّين ـ وياللأسف ـ ولم يمض زمن إلى أن اُغْتِيل بيد أشقى الأوّلين والآخرين شقيق عاقر ناقة ثمود(2) ـ حسب تعبير النبي الأكرمـ، وبذلك طويت صحيفة عمره ولقى الله تعالى بنفس مطمئنة، وقلب سليم، وقد تنبّأ النبي الأكرم بحروبه الثلاثة، وأنّه سيقاتل طوائف ثلاثة وهم بين ناكث وقاسط ومارق من الدين.

روت اُمّ سلمة أنّ علياً ـ عليه السَّلام ـ دخل على النبي الأكرم في بيتها فقال النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ مشيراً إلى علي: هذا والله قاتل الناكثين


1. الرضي: نهج البلاغة، الخطبة3 .
2. الصدوق: عيون أخبار الرضا297 .


(30)

والقاسطين والمارقين من بعدي(1) .

وروى علي ـ عليه السَّلام ـ ، عن النبي الأكرم: أمرني رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين(2) .

هذا مجمل تلك الحوادث المريرة في خلافته، وكانت فتنة الخوارج نتيجة الحربين الطاحنتين: الجمل وصفّين، فلأجل اجلاء الحقيقة ورفع السترعن وجهها نعرضهما على القارىء، على وجه خاطف، والتفصيل على عاتق التاريخ.


1. ابن كثير الشامي: البداية والنهاية 7/305، وقد جمع أسانيد الحديث ومتونه .
2. الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد 4/340 .


(31)

قتال الناكثين

(1)

حرب الجمل

النكث في اللغة هو نقض البيعة والمراد من قتال الناكثين: قتال الشيخين: الزبير وطلحة اللّذين نكثا بيعة الإمام وتبعهما طوائف من الناس، بترغيب وترهيب، وكان بدأ الخلاف انّ طلحة والزبير جاءا إلى عليّ وقالا له: يا أميرَ المؤمنين قد رأيتَ ما كنّا فيه من الجفوة في ولاية عثمان كلّها، وعلمت رأي عثمان في بني اُميّة، وقد ولاّك الله الخلافة من بعده، فوّلنا بعضَ أعمالك، فقال لهما: إرضيا بقَسم الله لكم. حتى أرى رأيي، واعْلما أنَّي لا أشرك في أمانتي إلاّ مَن أرضى بدينه، وأمانته من أصحابي، ومن قد عرفت دخيلتَه .

فانصرفا عنه وقد دخلهما اليأس فاستأذناه في العمرة(1) .


1. ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، 1/231 ـ 232 .


(32)

خرجا من عنده وهما غاضبان ويحتالان للخروج عن بيعته ونكثها، وفي ذلك الظرف القاسي، وصل إليهما كتاب معاوية يدعوهما إلى نكث البيعة وأن أهلَ الشام بايعوا لهما إمامين مترتبين، فاغترّا بالكتاب(1) وعزما النكث بجد.

ثم دخلا على علىّ فاستاذناه في العمرة، فقال: ما العمرة تريدان، فحلفا له بالله انّهما ما يريدان غير العمرة، فقال لهما: ماالعمرة تريدان، وانّما تريدان الغدرة، ونكث البيعة، فحلفا بالله ما الخلاف عليه ولانكثَ بيعته يريدان وما رأيهما غير العمرة، فقال لهما: فأعيدا البيعة لي ثانية، فأعاداها بأشدّ مايكون من الأيمان والمواثيق، فأذنَ لهما فلمّا خرجا من عنده قال لمن كان حاضراً: والله لاترونهما إلاّ في فتنة يقتتلان فيها. قالوا: يا أميرالمؤمنين فمُرْ بردِّهما عليك.

قال: ليقضي الله أمراً كان مفعولا(2) .

خروج عائشة إلى مكة:

غادرت عائشة المدينة المنوّرة عندما حاصر الثوار بيت عثمان، ونزلت في مكة، ووصل خبر قتل الخليفة إليها وهي فيها، وكانت على تطلُّع إلى أين انتهت الثورة وإلى من آلت إليه الخلافة، فغادرت مكة إلى المدينة فلمّا نزلت

«سرف» لقيها عبد ابن اُمّ كلاب فقالت له: «مهيم»؟ قال: قَتَلوا عثمان فمكثوا ثمانياً، قال: ثم صنعوا ماذا؟ قال: إجتمعوا على علىّ بن أبي طالب، فقالت: و الله إنّ هذه انطبقت على هذه إن تمّ الأمر لصاحبك، رُدّوني رُدّوني، فانصرفت إلى مكّة وهي تقول: قتل والله عثمان مظلوماً، والله لأطلبنّ بدمه، فقال لها ابن اُمّ كلاب: ولم؟ فوالله إنّ أوّلَ من اَمالَ حرفه لأنت، ولقد كنت


1. تقدم نص الكتاب .
2. ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، 1/231 ـ 232 .


(33)

تقولين: اقتلوا نعثلا فقد كفر. قالت: إنّهم استتابوه، ثم قتلوه، ولقد قلت وقالوا، وقولي الأخير خير من قولي الأوّل، فقال لها: ابن اُمّ كلاب:

منك البداء و منك الغير * و منكَ الرياح و منكِ المطر

و انتِ أمرتِ بقتل الإمام * و قلتِ لنا أنّه قد كفر

فهبنا اطعناكَ في قتله * و قاتلُه عندنا مَنْ اَمَر

و لم يسقط السيف من فوقنا * ولم تنكسف شمسنا و القمر

فانصرفت إلى مكّة فنزلت على باب المسجد فقصدت الحِجْرَ وسترت، واجتمع إليها الناس فقالت: يا أيّها النّاس انّ عثمان قد قتل مظلوماً والله لأطلبّن بدمه(1).

ثم إنّ طلحة والزبير بعدما استأذنا عليّاً غادرا المدينة ونزلا مكة، وكانت بينهما وبين عائشة صلة وثيقة يتآمرون ضد عليّ فلمّا بلغ عليّاً مؤامرة الزبير وطلحة وانّهما نكثا ايمانهما وعلى أهبة المكافحة معه، أشار بعض أصحابه أن لايتبعهما فأجاب علي بقوله: «والله لاأكون كالضبع تَنام على طول اللّدم، حتى يصلَ إليها طالبها، ويختلها راصدها، ولكن أضرب بالمقبل إلى الحق، المدبَر عنه، وبالسامع المطيع، العاصي المريب أبداً، حتى يأتي عليّ يومي»(2) .

مغادرة الشيخين وعائشة مكة:

اتّفق المؤامرون ومعهم جماعة من أعداء الامام، على أن يرتحلو إلى البصرة، ويّتخذوها مقرّاً للمعارضة المسلّحة.


1. ابن قتيبة: الإمامة والسياسة 1/49. الطبري: التاريخ 3/477 .
2. الرضي: نهج البلاغة، خطبة 6 .


(34)

وقد كان عبدالله بن عامر، عامل عثمان على البصرة، هربَ منها حين أخذ البيعة لعلي بها على الناس، جاريةُ بن قدامة السعدي، ومسير عثمان بن حنيف الأنصاري إليها على خراجها من قِبَلِ علىّ .

وانصرف عن اليمن عاملُ عثمان وهو يعلى بن متيه فأتى مكّة وصادف بها عائشه وطلحة والزبير ومروان بن الحكم في آخرين من بني اُميّة، فكان ممّن حرّض على الطلب بدم عثمان وأعطى عائشة وطلحة والزبير أربع مائة ألف درهم وكراعاً وسلاحاً وبعث إلى عائشة بالجمل المسمّى «عسكرا». وكان شراؤه عليه باليمن مائتي دينار فأرادوا الشام فصدَّهم ابن عامر، وقال لهم: إنّ معاوية لا ينقاد اليكم ولايعطيكم من نفسه النصفة، لكن هذه البصرة لي بها صنائع وعدد.

فجهّزهم بألف ألف درهم، ومائة من الابل وغير ذلك، فسار القوم نحو البصرة في ستمائة راكب، فانتهوا في الليل إلى ماء لبني كلاب، يعرف بـ«الحوأب» عليه اُناس من بني كلاب فعوت كلابهم على الركب، فقالت عائشة: ما اسم هذا الموضع؟ فقال لها السائق لجملها: «الحوأب»، فاسترجعتْ، وذكرت ما قيل لها في ذلك(1) وقالت: رُدّوني إلى حرم رسول الله، لاحاجة لي في المسير، فقال الزبير: تالله ما هذا «الحوأب»، ولقد غلط في ما أخبرك به، وكان طلحة في ساقة الناس فلحقها فأقسم بالله إنّ ذلك ليس بالحوأب وشهد معهما خمسون رجلا ممّن كان معهم .

فأتوا البصرة فخرج إليهم عثمان بن حنيف فمانعهم وجرى بينهم قتال، ثم إنّهم اصطلحوا بعد ذلك على كفِّ الحرب إلى قدوم علىّ، فلمّا كان في


1. ورد في حديث روته عائشة، قالت: سمعت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ يقول وعنده نساؤه: ليت شعري ايتكنّ تنبحُها كلابُ الحوأب سائرة إلى الشرق في كتيبة!


(35)

بعض الليالي، بيّتوا عثمانَ بن حنيف فأسَروَه وضربوه ونتفوا لحيته، ثم إنّ القوم استرجعوا وخافوا على مخلَّفيهم بالمدينة من أخيه: سهل بن حنيف وغيره من الأنصار، فخلوا عنه وأرادوا بيت المال فمانعهم الخُزّان والموكّلون به فقتل منهم سبعون رجلا من غير جرح، وخمسون من السبعين ضربت أعناقهم صبراً من بعد الأسر، وقتلوا حكيم بن جبلة العبدي وكان من سادات عبد القيس، وزهّاد ربيعة ونُسّاكها و تشاح طلحة والزبير في الصلاة بالنّاس، ثمّ اتّفقوا على أن يصلّي بالناس عبدالله بن الزبير يوماً ومحمّد بن طلحة يوماً في خطب طويل كان بين طلحة والزبير.

مسير علي إلى جانب البصرة:

وقف الامام على أنّ المتآمرين خرجوا من مكّة قاصدين البصرة، فاهتم الامام بايقافهم في الطريق قبل الدخول إليها فسار من المدينة بعد أربعة أشهر من بيعته في سبعمائة راكب، منهم أربعمائة من المهاجرين والأنصار، منهم سبعون بدريّاً وباقيهم من الصحابة، وقد كان استخلف على المدينة سهل بن حنيف الأنصاري، فانتهى إلى الربذة بين مكّة والكوفة، وكان يترقّب إلقاء القبض على رؤوس الفتنة قبل الدخول الى البصرة، لكن فاته ما يترقّب لأنّهم سبقوا الامام في الطريق ولحق بعلي من أهل المدينة، جماعة من الأنصار، فيهم خزيمة بن ثابت ذوالشهادتين وأتاه من طىّ ستمائة راكب(1) .

خرج عثمان بن حنيف من البصرة، وقدم على علي ـ عليه السَّلام ـ بالربذة، وقد نتفوا رأسه ولحيته وحاجبيه، فقال: يا أميرالمؤمنين بعثتني ذا لحية،


1. المسعودي: مروج الذهب 3/103 ـ 104 طبعة بيروت. الطبري: التاريخ 3/485. واللفظ للأوّل، وفي لفظ الطبري زيادات تركناها روماً للاختصار.


(36)

وجئتك أمرد، فقال: أصبتَ خيراً وأجراً(1) .

واتصلت بيعة علي بالكوفة: وغيرها من الأنصار، وكانت الكوفة أسرعها إجابة إلى بيعته، وأخذ له البيعة على أهلها ـ على كره ـ أبوموسى الأشعري حين تكاثر الناس عليه، وكان عاملا لعثمان عليها(2) .

لمّا وقف الامام على ماجرى على عثمان بن حنيف وحَرَسِه، بعثَ بعض أصحابه بكتاب إلى أبي موسى الأشعري يطلب منه استنهاضه للناس، ولكنّه تهاون في الأمر ولم يَقُم بواجبه بعدما أخذ البيعة له، واعترف بإمامته، وقال للناس: إنّها فتنة صمّاء، النائم فيها خير من اليقضان، واليقظان فيها خير من القاعد، والقاعد خير من القائم، والقائم خير من الراكب، فكونوا جرثومة من جراثيم العرب، فاغمدوا السيوف، وانصلوا الأسنَّة، واقطعوا الأوتار، وآووا المظلوم و المضطهد حتى يلتئم هذا الأمر، وتتجلّى هذه الفتنة.

ولّما بلغ عليّاً خذلان أبي موسى الأشعري، وانّه يصف محاربة الناكثين بالفتنة، بعث هاشم بن هاشم المرقال وكتب الى أبي موسى: «إنّي لم اُولِّك الذي أنت به إلاّ لتكونَ من أعواني على الحق....»

وكان أبوموسى من أوّل الأمر عثمانّي الهوى وقد أخذ البيعة لعلي على الناس بعد اكثار الناس عليه ـ كما تقدم ـ فلأجل ذلك بقى على ما كان عليه من الحياد، ولم يُنهِض الناس، واستشار السائب بن مالك الأشعري فأشار هو باتباع الإمام ومع ذلك لم يقدم عليه(3) .

فكتب هاشم إلى علىّ، امتناع أبي موسى من الاستنفار.


1. الطبري: التاريخ 3/495 .
2. المسعودي: مروج الذهب 3/97 .
3. الطبري: التاريخ 3/503 .


(37)

ولمّا تمّت الحجة عند الإمام انّ الرجل ليس على وتيرة صحيحة، عزله عن منصبه فولّى على الكوفة قرظة بن كعب الأنصاري و كتب إلى أبي موسى اعتزل عملنا يا بن الحائك مذموماً مدحوراً، فما هذا أوّلُ يومنا منك و انّ لك فينا لهنات وهنات.

وسار علي فيمن معه حتى نزل بذي قار وبعث بابنه الحسن وعمار بن ياسر إلى الكوفة يستنفران الناس، فسارا عنها و معهما من أهل الكوفة نحو من سبعة آلاف، وقيل ستة آلاف وخمسمائة وستون رجلا منهم الأشتر.

فانتهى علي إلى البصرة وراسل القوم وناشدهم فأبوا إلاّ قتاله(1) .

قد وصلنا إلى أعتاب الحرب الطاحنةِ المعروفة بحرب «الجمل» وقبل الخوض في تفصيلها نشير إلى نكات تستفاد فيما سردناه من المقدمات، ثم نخوض في صلب الموضوع حسب اقتضاء المقام.

1 ـ إنّ الزبير و طلحة بايعا عن طوع ورغبة ولكن بايعا لبغية دنيوية وطمعاً في المال و المقام، ولم يمض زمان من بيعتهما إلاّ وقد أتيا عليّاً يسألانه اشتراكهما في بعض أعماله، وكان لهما هوى في ولاية الكوفة والبصرة، وكانت ديانة علي ـ عليه السَّلام ـ تصدّه عن الاجابة، إذ لم يكونا صالحين لما يطلبانه، وقد أثبتا ذلك ـ قبل اشعال نار الحرب ـ بنكثهما وتحريضهما الناس على النكث وقتلهم الأبرياء من الموكّلين وحرس بيت المال، وقد انتهى الأمر بسفك دماء آلاف من المسلمين.

كل ذلك يعرب عن أنّ مقاومة علي، تجاه طلبهما كانت أمراً صحيحاً يرضي به الربّ ورسوله، ولم يكن لعلي هوى إلاّ رضى الله سبحانه ورضى رسوله.


1. المسعودي: مروج الذهب 3/104 .


(38)

2 - إنّ أباموسى الأشعري الذي قلَّب الاُمور على علىّ في قضية التحكيم،

كان من أوّل الأمر غير راض ببيعة الإمام ولم يأخذ البيعة له إلاّ بعد اكثار الناس، ولمّا أمره الإمام باستنهاض الناس و استنفارهم خذَّل الناس عن علي .

والعجب انّه كان يتمسّك في نفس الواقعة برواية سمعها من النبي أنّه قال: ستكون فتنة: القاعد فيها خير من النائم، والنائم خير من الماشي، والماشي خير من الراكب(1) .

نحن نفترض أنّه سمع من النبي ذلك الكلام، ولكّنه هل يمكن له تسمية مبايعة المهاجرين و الأنصار فتنة، فلو صحّ ذلك ـ ولن يصحّ حتى لو صحّت الأحلام ـ لماذا لاتكون مبايعتهم السابقين من الخلفاء فتنة، يكون القاعد فيها خيراً من القائم، مع أنّ أبي موسي كان فيها من القائمين، وقد قبل الولاية في عصر الخليفتين، الثاني والثالث، حتى اعتنق بيعة الإمام بعد اكثار الناس.

ومن بايع رجلا على الإمامة والقيادة، كان عليه الذبّ عن إمامه و حياض سلطته.

3 ـ إنّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ أشار بقوله: «فما هذا أوّل يومنا منك و أنّ لك فينا لهنات و هنات» إلى الجناية التي سوف يرتكبها أبوموسى في قضية التحكيم حيث يخلع عليّاً عن الإمامة والخلافة كما سيوافيك تفصيله.

4 ـ إنّ في منازعة الشيخين: الزبير وطلحة في أمر جزئي كالإمامة في الطلاة، يعرب عن طويتهما وما جبّلا عليه من التفاني في الرئاسة، انظر إلى الرجلين يريدان أن يقودا أمر الجماعة ويكونا امامان للمسلمين وهذه نزعتهما.


1. الطبري: التاريخ 3/498 .


(39)

على أعتاب حرب الجمل:

سار عليّ حتى نزل الموضع المعروف بالزاوية، فصلّى أربع ركعات، وعفر خدّيه على التراب وقد خالط ذلك بدموعه ثم رفع يديه يقول: اللّهمّ ربَّ السماوات وما أظلّتْ، وربّ العرش العظيم، هذه البصرة، أسألك من خيرها، وأعوذبك من شرّها، اللّهمّ انزلنا فيها خير منزل، وأنت خير المنزلين، اللّهمّ إنّ هؤلاء القوم قد بغوا علىّ وخلعوا طاعتي ونكثوا بيعتي، اللّهمّ أحقن دماء المسلمين .

ثمّ بعث إليهم من يناشدهم الله في الدماء، وقال: «علام تقاتلونني؟» فأبوا إلاّ الحرب، فبعث إليهم رجلا من أصحابه يقال له مسلم، معه مصحف يدعوهم إلى الله تعالى فرموه بسهم فقتلوه، فحمل إلى علي قتيلا .

فأمر عليّ أصحابه أن يصافوهم ولايبدؤهم بقتال ولايرموهم بسهم، ولايضربوهم بسيف، ولايطعنوهم برمح. حتى جاء عبدالله بن بديل بن ورقاء الخزاعي من الميمنة بأخ له مقتول، وجاء قوم من الميسرة برجل قد رمي بسهم فقتل، فقال عليّ: اللّهمّ اشهد. أعذروا إلى القوم، ثم قام عمّار بن ياسر بين الصفّين فقال: أيّها القوم ما أنصفتم نبيّكم حين كفقتم عقائلكم في الخدور، وأبرزتم عقيلته للسيوف، وعائشة على الجمل في هودج من دفوف الخشب، قد ألبسوه المسوحَ وجلودَ البقر، وجعلوا دونه اللبود، وقدغشى على ذلك بالدروع، فدنا عمّار من موضعها فناداها: إلى ماذا تدعين؟ قالت: إلى الطلب بدم عثمان، فقال: قاتل الله في هذا اليوم الباغيَ و الطالبَ لغير الحق، ثم قال: أيّها النّاس إنّكم لتعلمون أيّنا الممالى في قتل عثمان، ثم أنشأ يقول وقد رشقوه بالنبال:

فمنكِ البكاء و منكِ العويل * و منكِ الرياح و منكِ المطر


(40)

و أنت امرتَ بقتل الإمام * و قاتله عندنا من امر

وتواتر عليه الرمي فاتصل فحّرك فرسه، وزال عن موضعه وأتى عليّاً ـ عليه السَّلام ـ فقال: ما تنظر يا أمير المؤمنين وليس عند القوم إلاّ الحرب .

خطبة علي يوم الجمل:

فقام علي في الناس خطيباً ورافعاً صوته يقول: أيّها النّاس إذا هَزَمتموهم فلا تُجْهِزوا على جريح ولاتَقْتلوا أسيراً، ولاتتبعوا مولّياً، ولاتطلبوا مُدْبراً، ولاتكشفوا عورة ولاتمثلوا بقتيل، ولاتهتكوا ستراً، ولاتقربوا شيئاً من أموالهم إلاّ ما تجدونه في عسكرهم من سلاح، أوكراع، أوعبد أو أمة، وما سوى ذلك فهو ميراث ورثتهم على كتاب الله .

ثمّ إنّ عليّاً نادى كلاّ من الزبير وطلحة وكلّمهما وأتمّ عليهما الحجة فقال للأوّل: أما تذكر قول رسول الله عندما قلت له: اِنّي أحبُّ عليّاً، فأجابك إنّك والله ستقاتله وأنت له ظالم، وقال للثاني: أما سمعت قول رسول الله يقول: الّلهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه، وأنت أوّل من بايعتني ثم نكثت، وقد قال الله عزوجل:(فَمَنْ نَكَثَ فَإنَّما يَنْكِثُ عَلى نَفْسِهِ) .

ثمّ رجع علي إلى موضعه، وبعث إلى والده محمّد بن الحنفية وكان صاحب رايته وقال: «احمل على القوم» فلم يرمنه النجاح والظفر فأخذ الراية من يده، فحمل و حمل الناس معه فما كان القوم إلاّ كرماد اشتدَّت به الريح في يوم عاصف وأطاف بنوضبّة بجمل عائشة وأقبلوا يرتجزون.

نحن بنوضبَّة اصحابَ الجمل * رُدّوا علينا شيخنا ثم بجل

ننعي ابن عفان باطراف الأسل * والموت أحلى عندنا من العسل


(41)

وقطع على خطام الجمل سبعون يداً من بني ظبّة، منهم: كعب بن سور القاضي، كلّما قطعت يد واحد منهم فصرع، قام آخر فأخذ الخطام، ورمي الهودج بالنبل، حتى صار كأنّه قنفذ، وعُرْقبَ الجمل ولمّا سقط ووقع الهودج، جاء محمّد بن أبي بكر فأدخل يده، فقالت: «من أنت؟» فقال: أخوك، يقول أمير المؤمنين هل أصابك شيء، قالت: «ما أصابني إلاّ سهم لم يضرَّني» فجاء علي حتى وقف عليها و ضرب الهودج بقضيب وقال: «يا حميراءُ أرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ أمركِ بهذا، ألم يأمركِ أن تقرّي في بيتكِ، والله ما أنصفكِ الذين أخرجوك إذ صانوا حلائلهم، وأبرزوك» وأمر أخاها محمداً، فأنزلها دار صفيّة بنت الحارث بن طلحة .

ولمّا وضعت الحرب أوزارها جهّز علي ـ عليه السَّلام ـ عائشة للخروج إلى المدينة فقالت له: «إنّي اُحبّ أن اُقيم معك فأسير إلى قتال عدوّك عند مسيرك» فقال: «ارجعي إلى البيت الذي تركك فيه رسول الله» فسألته أن يؤمّن ابن اختها عبدالله بن الزبير، فأمَّنه، وتكلّم الحسن و الحسين في مروان، فأمَّنه، وأمّن الوليد بن عقبة، وولد عثمان و غيرهم من بني اُميّة و أمّن الناس جميعاً، وقد كان نادى يوم الوقعة «مَنْ ألقى سلاحه فهو آمن، و من دخل داره فهو آمن» .

وكانت الوقعة في الموضع المعروف بالخريبة و ذلك يوم الخميس لعشر خلون من جُمادى الآخرة سنة 36 وخطب على الناس بالبصرة بخطبة، وقد قتل فيها، من أصحاب علي ـ عليه السَّلام ـ خمسة آلاف و من أصحاب الجمل ثلاثة عشر ألف رجل، وكان بين خلافة علي ووقعة الجمل خمسة أشهر وواحد وعشرون يوماً .

وولّى على البصرة، عبدالله بن عباس، وسار إلى الكوفة فدخل إليها في


(42)

الثاني عشر من رجب شهور سنه 36 (1) .

ولكن الإمام عبده، نقل انّه قتل سبعة عشر ألفاً من أصحاب الجمل و قتل من أصحاب علي ألف و سبعون (2) .

وعلى كل تقدير فهذه الضحايا كانت خسارة عظيمة في الإسلام، وقد عرقلت خطاه، وشلّت الزحوف الإسلامية في أوّل عهدها في الفتوح، ولولا هذه الحروب الداخلية، لكان للعالم حديث غير هذا، ولو كان الإمام هو القابض لزمام القيادة في جو هادىء، لكان الوضع السائد على الإسلام، غيرما هو المشاهد ـ وياللأسف ـ .

«ما كلّ ما يتمنّى المرء يدركه» .

وقد حفظ التاريخ من الامام يوم ذاك عواطف سامية وسماحة ورحب صدر على حدّ لم يسبق إليه أحد، غير النبي الأكرم ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ عندما فتح مكّة، فلم يأخذ من أهل البصرة شيئاً سوى ما حواه العسكر. و كان هناك جماعة يصرّون على أن يأخذ الامام منهم، عبيداً وإماءً فاسكتهم الإمام بقول: أيّكم يأخذ اُمّ المؤمنّين في سهمه (3). وقد علّم الامام بسيرته كيفيّة القتال مع البغاة من أهل القبلة.


1. المسعودي: مروج الذهب 3/107 ـ 117. بتلخيص: لاحظ الطبري: التاريخ 3/543 .
2. الإمام عبده: شرح نهج البلاغة 40 .
3. وسائل الشيعة 11/59 ـ 60 .


(43)

قتال القاسطين

(2)

حرب صفّين

قد تعرفت على أنّ النبي الأكرم أخبر عليّاً بأنّه سيقاتل القاسطين بعد الناكثين، وقد وقفت على مأساة حرب الناكثين وعرفت نواياهم وجناياتهم عن كثب، التي ارتكبوها في طريق ألتسنُّم على عرش القيادة، وأراقوا دماء بريئة حتى يُسمُّوا أمير المؤمنين وما أجرأهم على حرمات الله وماأشقاهم.

هلم معي نقرأ مأساة قتال القاسطين الذين حادوا عن الحق، والطريق المهيع، وحاربوا الإمام المفترض طاعته، يقودهم معاوية بن أبي سفيان ابن آكلة الأكباد، ولاغرو فإنّ أباه هو العدوّ الأوّل للنبي الأكرم ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ الذي حزّب الأحزاب على الإسلام و المسلمين .


(44)

الخلافة كانت الامنية القصوى لمعاوية:

إنّ الخلافة كانت اُمنية في نفس معاوية، ولكن تقلُّدَ الإمام للخلافة، أفسد عليه الأمر، ولم يكن باستطاعته منافسة الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ ولأجل ذلك حاول إحداث الصدع في صفِّ الاُمّة، فأطمع الشيخين في طلب الخلافة، وقد قُتِلا خائبين فلم يَجد مناصاً إلاّ أن يقوم في وجه الامام تحت ستار أخذ ثأر الخليفة المظلوم.

كان معاوية ـ يطلب من الإمام ـ طول محاربته ـ اقراره على ولاية الشام كاقرار الخليفتين له حتى يُسلِّم له الأمر و يعترف بخلافته، ولكن الإمام عليّاً لم يرض ببقائه في الحكم لعلمه بسوء عمله خلال ولايته .

وقد أشار إلى ابقائه المغيرة بن شعبة، وقال: واترك معاوية، فإنّ لمعاوية جرأة فهو في أهل الشام يُسمع منه ولك حجة في اثباته لأنّ عمر بن الخطاب ولاّه الشام كلّها، ولكن الإمام لم يقبل اقتراحه، وقال: «لا و الله لا استعمل معاوية يومين أبداً»(1) .

بعث الإمام جريراً إلى ولاية الشام ليأخذ منه البيعة، فأتى معاويةُ جريراً في بيته فقال: يا جرير إنّي قد رأيت رُؤياً، فقال: هات، قال: اكْتُب إلى صاحبك ليجعل لي الشام و مصر، جباية، فإذا أحضرته الوفاة لم يجعل لأحد بعده بيعة في عنقي، واُسلِّم له هذا الأمر واكْتُبُ إليه بالخلافة، فقال جرير: اكتب بما أردت، فكتب معاوية بذلك إلى علي، فلمّا وصل كتاب جرير مع كتاب معاوية، فكتب علي إلى جرير: أمّا بعد فإنّما أراد معاوية أن لا يكون لي في عنقه بيعة، وأن يختار من أمره ما أحبَّ(2)، وأراد أنْ يريّثك حتى يذوق أهل الشام،


1. الطبري: التاريخ 3/461 .
2. سيأتي التصريح بذلك في كتاب معاوية إلى الإمام قرب ليلة الهرير، والامام تفطّن بذلك بنور الله الذي ينظر به المؤمن .


(45)

وأنّ المغيرة بن شعبة قد كان أشار عليّ أن استعمل معاوية على الشام وأنا بالمدينة، فأبيت ذلك عليه ولم يكن الله يراني أتّخذ المضلّين عضداً، فإن بايعك الرجل، وإلاّ فاقبل (1).

كتب معاوية إلى علي مرة اُخرى قبل ليلة الهرير بيومين أو ثلاثة يسأله اقراره على الشام، وذلك انّ عليّاً قال: لاُناجزنَّهم مصبحاً، و تناقل الناس كلمته، ففزع أهلُ الشام لذلك، فقال معاوية: قد رأيت أن اعاوِدَ عليّاً وأسأله اقراري على الشام، فقد كنت كتبت إليه ذلك، فلم يجب إليه ولاُكْتُبنّ ثانية، فألقي في نفسه الشك و الرقّة، فكتب إليه:

«أمّا بعد....وقد كنت سألتك الشام على الاّ تلزمني لك بيعة و طاعة، فأبيت ذلك عليّ فأعطاني الله مامنعت وأنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه أمس...» .

فكتب في جوابه: «...وأمّا طلبك إليّ الشام فإنّي لم أكن لاُعطيك اليوم مامنعتك أمس»(2) .

هذه الكتب وغيرهما من القرائن والشواهد، تعرب عن أنّ الغاية الوحيدة لابن أبي سفيان، هو الولاية على الشام وبقاؤه في الحكم، مادام عليّ على قيد الحياة، ثم السيطرة على جميع البلاد الاسلامية، وأمّا طلب ثأر عثمان، والقصاص من قتلته، فكلّها كانت واجهة لما كان يضمره ويخفيه، ولأجل ذلك نرى أنّه لمّا تمّ الأمر لصالحه، تناسى قتلة عثمان وتناسى الأخذ بثأره، وليس هذا ببعيد من الساسة الذين لا يتحلون بالمبدئية في سلوكهم، ويرفعون عقيرتهم بشعارات خادعة من أجل تحقيق أطماعهم الشخصية.


1. نصربن مزاحم: وقعة صفين 52 .
2. ابن قتيبة: الإمامة و السياسة 1/109. ابن مزاحم: وقعة صفين 470 .


(46)

وبذلك تقف على مؤامراته وخططه الشيطانية، حيث كان شعاره منذ أن خالف: يالثارت عثمان.

وقد ردّ الإمام عليه في بعض كتبه إليه وفي بعضها مانصّه:

«قد أكثرت في قتلة عثمان، فادخل فيما دخل الناس، ثم حاكم القوم إليّ، أحْمِلُك وإيّاهم على كتاب الله» (1).

إلى هنا خرجنا بهذه النتيجة أنّ الاُمنية الكبرى لمعاوية من تسعير نار الحرب، هو البقاء على السلطة، وتقلّد الخلافة العامة بعد علي، ولم يكن له أيّ إربة في مايدعيه، وينشره من أخذ الثأر وغيره، فلزم عندئذ أن نتعرّف على خططه في تلك الحرب الطاحنة التي سعّرها بأنانّية .

مخططات معاوية:

كانت صحابة النبي الأكرم من أوّل يوم تُقلِّد الإمام علي الخلافة، وراءه يؤّيدونه بألسنتهم وأيديهم، إلانفر قليل لم يبايعوه وهم لايتجاوزن عدد الأصابع(2) ولم يكن لمعاوية ما كان لعلي من السبق في الإسلام، والجهاد في سبيل الله، والقرابة الوثيقة من النبي الأكرم، فلم يكن له بدّ من التخطيطات الشيطانية حتى يقف سدّاً في وجه علي، وإليك تخطيطاته:

1ـ الاتصال بعمرو بن العاص:

أنّ عمروبن العاص، كان داهية العرب، وقد اتّصل به معاوية وكان منحرفاً عن عثمان لأنّه عزله عن ولاية مصر، وولاّها غيره، فلمّا بلغ إليه خبر


1. الرضي: نهج البلاغة، قسم الكتب برقم 64. المبرّد: الكامل 1/194 .
2. ابن الأثير: الكامل 3/98 وقد ذكر أسماءهم.


(47)

بيعة الناس لعلي، كتب إلى معاوية يهزِّه ويشير إليه بالمطالبة بدم عثمان، وكان فيما يكتب به إليه: «ما كت صانعاً إذا قُشِرْتَ من كل شيء تملكه؟ فاصنَع ما أنت صانع» فبعث إليه معاوية فسار إليه، فقال له معاوية: بايعني، قال: «لا والله لا اُعطيك من ديني(1) حتى أنال من دنياك». فقال: «سل»، قال: «مصر طعمة»، فأجابه إلى ذلك وكتب له به كتاباً، فقال عمروبن العاص في ذلك:

معاوي لا اُعطيك ديني ولم أنل * به منك دنياً فانظرن كيف تصنع

فإن تعطني مصراً فأربح بصفقة * أخذت بها شيخاً يضرّ وينفع(2)

2ـ قميص عثمان المخضَّب بالدم:

قدم النعمان بن بشير بكتاب زوجة عثمان وقميصه المخضَّب بالدم، إلى معاوية فلمّا قرأ معاوية الكتاب صعد المنبر وجمع الناس، ونشر عليهم القميص، وذكر ماصنعوا بعثمان، فبكى الناس وشهقوا حتى كادت نفوسهم أن تزهق، ثم دعاهم إلى الطلب بدمه، فقام إليه أهل الشام، فقالوا: هو ابنُ عمِّك وأنت وليّه، ونحن الطالبون معك بدمه... فبايعوه أميراً وبعث الرسل إلى كور الشام، حتى بايعه الشاميون قاطبةً إلاّ من عصمه الله(3).

3ـ الاستنصار بالشخصيات المرموقة:

وجّه عليّ عند مغادرته البصرة إلى الكوفة كتاباً إلى معاوية يدعوه إلى


1. اظن انّ الرجل باع مالا يملك ولم يكن له أيّ دين في ذاك اليوم، وقد نهى رسول الله عن بيع مالا يملكه الرجل. و قال: لاتبع ماليس عندك.
2. المسعودي: مروج الذهب 3/98. الطبري: التاريخ 3/560.
3. ابن الاثير: الكامل 3/141. ذكر ابتداء وقعة صفّين .


(48)

بيعته ويذكر فيه اجتماع المهاجرين والأنصار على بيعته، ونكث طلحة والزبير، وماكان من حربه إيّاهما ويدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه المهاجرون والأنصار من طاعته (1).

ولمّا قرأ معاوية كتاب علي استشار عمروبن العاص، فأشار إليه بقوله: «إنّ رأس أهل الشام شرحبيل بن السمط الكنديّ، وهو عدو لجرير المرسَل إليك، فارسل إليه و وطّن له ثقاتك فليفشوا في الناس أنّ علياً قتل عثمان وليكونوا أهل الرضا عند شرحبيل فإنّها كلمة جامعة لك أهل الشام على ما تحب، وإن تعلّقت بقلب شرحبيل لم تخرج منه بشيء أبداً».

فكتب معاوية إلى شرحبيل انّ جرير بن عبدالله قدِم علينا من عند عليّ بن أبي طالب بأمر فظيع، فاقبل .

فلمّا قدم كتابُ معاوية على شرحبيل وهو بحمص، استشار أهلَ اليمن (المتواجدين في حمص) فاختلفوا فيه ولكن عبدالرحمن بن غنم الأزدي أشار إليه بقوله: «إنّ الله لم يزل يزيدك خيراً مذ هاجرت إلى اليوم، وانّه لا ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من النّاس، (و لايُغيِّر الله ما بِقَوْم حتّى يُغَيّروا ما بِاَنْفُسِهِم)، إنّه قد اُلقِىَ إلينا قتل عثمان وانّ عليّاً قتل عثمان، فإن يك قَتَله فقد بايعه المهاجرون والأنصار وهم الحُكّام على الناس، وإن لم يكن قتله فعلام تصُدِّق معاوية عليه، لا تُهْلِك نفسك وقومك، فان كرهت أن يذهب بحظِّها جرير، فسر إلى عليّ، فبايعه على شامك وقومك، فأبى شرحبيل إلاّ أن يسير إلى معاوية.

لم يكن عبدالرّحمن بن غنم الأزدي الرجل الوحيد الذي نصحه بل اجتمع هو مع جرير، فقال له جرير أمّا قولك إنّ عليّاً قتل عثمان، فوالله ما في


1. الطبري: التاريخ 3/560 ـ 561 .


(49)

يديك من ذلك إلاّ القذف بالغيب من مكان بعيد ولكنّك مِلْتَ إلى الدنيا(1).

كان مبعوث الإمام يحاول أن يرد شرحبيل عن دَعْم فكرة معاوية، فكتب إليه أيضاً كتاباً ضمَّنه قصيدة، فلمّا قرأه شرحبيل ذعر وفكَّر وقال: هذه نصيحة لي في ديني ودنياي، والله لاأعجل في هذا الأمر بشيء.

فلمّا بلغ معاوية تردّد زاهد الشام وناسكه لفَّف له الرجال، يدخلون إليه ويخرجون ويُعظِّمون عنده قتل عثمان، ويرمون به عليّاً ويقيمون الشهادة الباطلة، والكتب المختلقة، حتى أعادوا رأيه وشحَّذُوا عزمه، وصار معاوية يملك قلوب الشاميين بواسطة هذا الرجل المتخّبط، ولمّا استنهضهم للقتال قاموا جملة واحدة.

4ـ رسائل معاوية إلى الشخصيات:

قام معاوية بإرسال رسائل إلى شخصيات إسلامية كانوا محايدين، فكتب إلى عبدالله بن عمر، وسعد بن أبي وقّاص، ومحمّد بن مسْلمة، يدعوهم إلى الثورة على علي، فكتب إلى ابن عمر بقوله: «لم يكن أحد من قريش أحبَّ إليّ أن يجتمع عليه الأُمّة بعد قتل عثمان منك، ثم ذكرتُ خَذْلك إياه، وطعنَك على أنصاره، فتغيّرتُ لك، وقد هوَّن ذلك عليَّ خلافُك على عليّ، ومَحا عنك بعض ما كان مَنك، فأعِنَّا يرحمك الله ـ على حق هذا الخليفة المظلوم، فإنّي لست اُريد الإمارة عليك، ولكنّي اُريدها لك، فإن أبيت كانت شورى بين المسلمين.(2)

وكتب إلى سعد بن أبي وقّاص: أمّا بعد فإنّ أحق الناس بنصرة عثمان، أهل الشام والذين أثبتوا حقَّه واختاروه على غيره (3) وقد نصره طلحة والزبير،


1. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 45 ـ 48 .
2. نفس المصدر: 80 .
3. يريد بذلك سعد بن أبي وقاص حيث نصر عثمان في الشورى المعقوده لتعيين الخليفة بعد قتل عمر، بأمره .


(50)

وهما شريكاك في الأمر والشورى، وناظراك في الاسلام...

وكتب إلى محمّد بن مسلمة يتّهمه بخذلان عثمان ويقول «....فهّلا نهيتَ أهلَ الصلاة عن قتل بعضهم بعضاً أوترى أنّ عثمان وأهل الدار ليسوا بمسلمين....»(1) .

فهذه الاُمور تعرب عن تخطيطاته الخادعة التي حفظ التاريخ بعضها فكان يُعْمِي الأبصار والقلوب بأكاذيبه ورسائله، فتارة يبايع الزبير وطلحة، ولمّا فشل أمرهما، صار يُقدِّم عبدالله بن عمر في أمر الخلافة لولا أنّه خذل عثمان ولم ينصره، كل ذلك لعكر الصفو وإحداث الصدع.

إنّ ابن عمر ـ مع سذاجته ـ وقف على نوايا معاوية، فكتب إليه بكلمة صادقة، و قال: ما أنا كعلي في الإسلام، والهجرة، ومكانه من رسول الله.

ويجيب سعد بن أبي وقّاص رسالة معاوية بقوله: إن أهل الشورى ليس منهم أحقُّ بها من صاحبه غير أنّ عليّاً كان من السابقة، ولم يكن فينا مافيه، فشاركنا في محاسننا، ولم نشاركه في محاسنه، وكان أحقَّنا كلّنا بالخلافة.

ويجيب محمّد بن مسلمة، كتاب معاوية ويفشي سرّه ويقول بعد كلام: «ولئن نصرتَ (يا معاوية) عثمان ميّتاً، لقد خذَلْته حيّاً» (2) .

جهود علي ومساعيه لإخماد الفتنة:

بلغ عليّاً سعي معاوية لإثارة الفتنة بنشر الأكاذيب بين الشاميين وتعمية القلوب، فعمد إلى إخمادها قبل اشتعالها وكان الإمام على بيّنة من ربّه، وكيف لا وهو الإمام المنتخب ببيعة الأنصار والمهاجرين، والخارج عليه، خارج على


1. ابن قتيبة الدينوري: الإمامة والسياسة 1/92 ـ 93 .
2. ابن قتيبة الدينوري: الإمامة والسياسة 1/93 ـ 94 .


(51)

الإمام المفترض الطاعة(1) فلمّا أراد المسير إلى الشام جمع من كان حوله من المهاجرين والأنصار فحمدالله وأثنى عليه، وقال: أمّا بعدُ: فإنّكم ميامين الرأي، ومراجيح الحلم، مقاويل بالحق، مباركو الفعل والأمر، وقد أردنا المسير إلى عدوّنا وعدوّكم فأشيروا علينا برأيكم، فقام هاشم بن عتبة بن أبي وقّاص، وعمّار بن ياسر، وقيس بن سعد بن عبادة، وخزيمة بن ثابت، وأبو أيوب الأنصاري يحثّون عليّاً ـ عليه السَّلام ـ على قطع جذور الفتنة.

فقال عمّار: يا أمير المؤمنين، إن استطعت أن لا تُقيم يوماً واحداً فافعل. اشخص قبل استعار نار الفجرة، واجتماع رأيهم على الصدود والفرقة، وادْعهم إلى رشدهم، فإن قبلوا سعدوا، وإن أبوا إلاّ ضربَنا، فوالله إنّ سفك دمائهم والجد في جهادهم لقربة عند الله وهو كرامة فيه.

وقال سهل بن حنيف: يا أمير المؤمنين، نحن سلم لمن سالمتَ وحرب لمن حاربتَ ورأينا رأيك ونحن كف يمينك.

إلى كلمات محرّضة وجمل حاثّة إلى الكفاح واخماد النار قبل اشتعالها. فلمّا سمع الإمام هذه الكلم النابعة من صميم الإيمان والنصح للإسلام، قام خطيباً على منبره فحمدالله وأثنى عليه ثم قال: سيروا الى أعداء الله، سيروا إلى أعداء السنن والقرآن، سيروا إلى بقية الأحزاب، قتلة المهاجرين والأنصار (2).

يقول المسعودي: كان مسير علي ـ عليه السَّلام ـ من الكوفة إلى صفّين


1. أين الذين يقولون «ويرون الدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح، وأن لايخرجوا عليهم بالسيف وأن لايقاتلوا في الفتن» لا حظ مقالات الاسلاميين 323، للامام الأشعريّ .
2. ابن مزاحم: وقعة صفّين 92 ـ 93 .


(52)

لخمس خلون من شوال سنة ست وثلاثين، واستخلف على الكوفة أبا مسعود، عُقْبة بن عمرو الأنصاري، فاجتاز في مسيره بالمدائن، ثمّ أتى الأنبار حتى نزل الرقة فعقدله هنالك جسر فعبر إلى جانب الشام، وقد اختلف في مقدار من كان معه من الجيش، والمتّفق عليه من قول الجميع تسعون ألفاً.

وسار معاوية من الشام إلى جانب صفّين، وقد اختلف من كان معه، والمتّفق عليه من قول الجميع خمسة وثمانون ألفاً(1) .

خروج معاوية إلى صفّين:

خرج معاوية من الشام وقدم صفّين وغلب على الماء، ووكّل أبا الأعور السلمي بالشريعة في أربعين ألفاً، وبات علي وجيشه في البرّ عطاشى، قد حيل بينهم وبين الورود، فقال عمروبن العاص لمعاوية: إنّ عليّاً لا يموت عطشاً ومعه تسعون ألفاً من أهل العراق دعهم يشربون ونشرب، فقال معاوية: لا والله أويموت عطشاً كما مات عثمان.

استعادة الشريعة من جيش معاوية:

دعا علي بالأشتر فبعثه في أربعة آلاف من الخيل والرجالة، ثمّ سار عليّ وراء الأشتر بباقي الجيش، فما ردّ وجهه أحد حتى هجم على عسكر معاوية، فأزال أبا الأعور عن الشريعة، وغرق منهم بشراً وخيلا. وتراجع جيش معاوية عن الموضع الذي كان فيه، فقال معاوية لعمروبن العاص: أترانا ليمنعنا الماء كمنعنا إيّاه، فقال له عمرو: لا، لأنّ الرجل جاء لغير هذا، فأرسل إليه معاوية يستأذنه في ورود مشرعته واستقائه الماء في طريقه، ودخول رُسُله في عسكره،


1. المسعودي: مروج الذهب 3/121 .


(53)

فأجاب علي إلى كل ما سأل وطلب منه (1) .

نزل الإمام علي منطقة صفّين في أوّليات ذي الحجة عام 36، والشهر من الأشهر الحرم، وبعث إلى معاوية يدعوه إلى إجتماع الكلمة والدخول في جماعة المسلمين، فطالت المراسلة بينهما فاتّفقوا على الموادعة إلى آخر محرّم سنة سبع وثلاثين.

ولمّا انقضى شهر محرّم، بعث علي إلى أهل الشام إنّي قد احتججت عليكم بكتاب الله تعالى، ودعوتكم إليه، وإنّي قد نبذت إليكم على سواء، إنّ الله لا يهدي كيد الخائنين. فما كان جوابهم إلاّ قولهم: السيف بيننا وبينك حتى يهلك الأعْجزُ منّا.

أصبح عليّ يوم الأربعاء وكان أوّلَ يوم من شهر صفر، فعبّأ الجيش وأخرج الأشتر أمام الجيش، فأخرج إليه معاوية حبيب بن مسلمة الفهري، وكان بينهم قتال شديد وأسفر عن قتلى بين الفريقين جمعياً.

امتدت الحرب كل يوم إلى عاشر ربيع الأوّل عام سبع وثلاثين وكان النصر حليفه في كل يوم إلى أن لم يبق للعدو إلاّ النفس الأخير، فعنذاك قام علي ينادي:

ياالله، يا رحمن، يا رحيم، يا واحد، يا أحد، يا صمد، يا الله، يا الله، اللّهُمّ إليك نقلتِ الأقدام، وأفضتِ القلوب، ورفعت الأيدي، وامتدّت الأعناق، وشخصت الأبصار، وطلبت الحوائج، اللّهُمّ إنّا نشكو إليك غيبة نبيّنا، وكثرة عدوّنا وتشّتت أهوائنا، ربّنا افتح بيننا و بين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين، ثم قال:

سيروا على بركة الله، ثم لا إله إلاّ الله، و الله أكبر، كلمة التقوى.


1. ابن مزاحم: وقعة صفّين 157 - 162 .


(54)

قال الراوي: لا والله الذي بعث محمّداً ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ بالحق ماسمعنا برئيس قدم منذ خلق الله السموات والأرض، أصاب بيده في يوم واحد ما أصاب. إنّه قتل فيما ذكره العادون زيادة على خمسمائة من أعلام العرب(1) .

ثمّ قام علي خطيباً وقال: أيّها النّاس قد بلغ بكم الأمر وبعدوّكم ما قد رأيتم ولم يبق منهم إلا آخر نفس، وإنّ الاُمور إذا اقْبلت اعتُبر آخرُها بأوّلها، وقد صبر لكم القوم على غير دين، حتّى بلغنا منهم ما بلغنا، وأنا عاد عليهم بالغداة، أحاكمهم الى الله عزّوجل .

فبلغ ذلك معاوية فدعا عمروبن العاص فقال: يا عمرو انّما هي الليلة حتى يغدو علي علينا بالفيصل، فمّا ترى؟ قال: إنّ رجالك لا يقومون لرجاله ولست مثله، هو يقاتلك على أمر، وأنت تقاتله على غيره. أنت تريد البقاء وهو يريد الفناء، وأهل العراق يخافون منك إن ظفرت بهم، وأهل الشام لا يخافون عليّاً إن ظفر بهم، ولكن ألق إليهم أمراً إن قبلوه اختلفوا، وإن ردّوه اختلفوا، ادْعهم إلى كتاب الله حكماً فيما بينك وبينهم، فإنّك بالغ به حاجتك في القوم فإنّي لم أزل اُأخّر هذا الأمر لوقت حاجتك إليه، فعرف ذلك معاوية، فقال صدقت (2) .

يقول تميم بن حذيم: لمّا أصبحنا من ليلة الهرير، نظرنا فإذا أشباه الرايات أمام صف أهل الشام فلمّا أسفرنا فإذا هي مصاحف قد ربطت أطراف الرماح، وهي عِظامُ مصاحِف العسكر، وقد شدّوا ثلاثة أرماح جميعاً، وقد ربطوا عليها مصحف المسجد الأعظم، يُمسكه عشرة رهط، وقال أبوجعفر وأبوالطفيل: استقبلوا عليّاً بمائة مصحف، ووضعوا في كل مُجَنَّبة مائتي مصحف، وكان


1. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 477 .
2. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 544 ـ 548 .


(55)

جميعها خمسمائة مصحف. قال أبوجعفر: ثمّ قام الطفيل بن أدهم حِيالَ علي وقام أبو شريح الجذامي حيال الميمنة، وقام ورقاء بن المعمر حيال الميسرة، ثمّ نادوا:....يا معشر العرب، الله الله في نسائكم وبناتكم، فمن للروم والأتراك وأهل فارس غداً إذا فنيتم؟ الله الله في دينكم. هذا كتاب الله بيننا وبينكم. فقال علي: اللّهُمّ إنّك تعلم أنّهم ما الكتاب يريدون، فاحكم بيننا وبينهم، إنّك أنت الحكيم الحق المبين. فاختلف أصحاب عليّ في الرأي. فطائفة قالت: القتال، وطائفة قالت: المحاكمة إلى الكتاب، ولا يحلّ لنا الحرب وقد دُعِينا إلى حكم الكتاب. فعند ذلك بطلت الحروب ووضعت أوزارها، فقال محمّد بن علي: فعند ذلك حكم الحكمان.

وقد أثّرت تلك المكيدة في همم كثير من جيش علي ـ عليه السَّلام ـ حيث زعموا أنّ اللجوء إلى القرآن لأجل طلب الحق ولم يقفوا على أنّها مؤامرة ابن النابغة وقد تعلّم منه ابن أبي سفيان، وأنّها كلمة حق يراد بها باطل وانّ الغاية القصوى منها، هو إيجاد الشقاق والنفاق في جيش علي وتثبيط هممهم حتى تخمد نار الحرب التي كادت أن تنتهي لصالح علي وجيشه، وهزيمة معاوية وناصريه.

ولكن الخديعة كانت قد وجدت لها طريقاً في جيش العراق حتى سمع من كل جانب: الموادعة إلى الصلح والنازل لحكم القرآن، فلمّا رأى علي ـ عليه السَّلام ـ تلك المكيدة وتأثيرها في السذّج من جيشه قام خطيباً وقال:«أيّها الناس إنّي أحقُّ مَنْ اجاب إلى كتاب الله، ولكن معاوية وعمروبن العاص، وابن أبي معيط وحبيب ابن مسْلمة، وابن أبي سرح، ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، إنّي أعرف بهم منكم، صحبتهم أطفالا وصحبتهم رجالا، فكانوا شرّ أطفال وشرّ رجال، إنّها كلمة حق يراد بها باطل: إنّهم والله ما رفعوها لأنّهم


(56)

يعرفونها ويعلمون بها، ولكنّها الخديعة والمكيدة. أعيروني سواعِدَكم وجَماجمكم ساعة واحدة فقد بلغ الحق مقطعه، ولم يبق إلاّ أن يقطع دابر الذين ظلموا»(1).

وقد كان لخطاب علي أثر إيجابي في قلوب المؤمنين الواعين حيث أدركوا ماذا خلف الكواليس من مؤامرات وفتن، وحجبت البساطة فهم ذلك على قلوب القشريين من أهل البادية، الذين ينخدعون بظواهر الاُمور، ولا يتعمّقون ببواطنها، ففوجىء علي ـ عليه السَّلام ـ بمجييء زهاء عشرين ألفاً مقّنعين في الحديد شاكي سيوفهم وقد اسودَّت جباههم من السجود يتقدّمهم مِسْعَر بن فدكي، وزيد بن حصين، وعصابة من القرّاء الذين صاروا خوارج من بعد، فنادوه بإسمه لا بإمرة المؤمنين وقالوا: يا علي أجب القوم إلى كتاب الله إذا دُعيتَ وإلاّ قتلناك كما قتلنا ابن عفان، فوالله لنفعلنها إن لم تجبهم.

فقال الإمام لهم: «ويحكم أنا أوّل من دعا إلى كتاب الله، وأوّل من أجاب إليه، وليس يحلّ لي ولا يسعني في ديني أن اُدْعى إلى كتاب الله فلا أقبله، إنّي إنّما قاتلتهم ليدينوا بحكم القرآن، فانّهم قد عصوا الله فيما أمرهم ونقضوا عهده، ونبذوا كتابه، ولكنّي قد أعلمتكم أنّهم قد كادوكم، وأنّهم ليسوا العمل بالقرآن يريدون» قالوا: فابعث إلى الأشتر ليأتينّك، وقد كان الأشتر صبيحة ليلة الهرير قد أشرف على عسكر معاوية ليدخله.

فلم يجد علي ـ عليه السَّلام ـ بداً من بعث رسول إلى الأشتر ليأتيه، فأرسل إليه علي، يزيد بن هاني أن ائتني، فأتاه، فأبلغه، فقال الأشتر: ائته فقل له ليس هذه بالساعة التي ينبغي لك أن تزيلني عن موقفي، أنّي قد رجوت الفتح فلا تعجلني، فرجع يزيد بن هاني إلى علي ـ عليه السَّلام ـ فاخبره، فما هو إلاّ أن


1. ابن مزاحم: وقعة صفّين 560 .الطبري: التاريخ 4/34 ـ 35 .


(57)

علت الأصوات من قبل الأشتر وظهرت دلائل الفتح والنصر لأهل العراق ودلائل الخذلان والادبار لأهل الشام فقال القوم لعلي ـ عليه السَّلام ـ : والله ما نراك أمرته إلاّ بالقتال، قال علي ـ عليه السَّلام ـ : أرأيتموني ساررت رسولي إليه؟ أليس إنّما كلّمته على رؤوسكم علانية وأنتم تسمعون؟ قالوا: فابعث إليه فليأتك، وإلاّ فوالله اعتزلناك، فقال الإمام: ويحك يا يزيد قل له اقبل فإنّ الفتنة قد وقعت، فأتاه فأخبره.

فقال الأشتر: أبرفع هذه المصاحف؟ قال: نعم، قال: أما والله لقد ظننت أنّها حين رفعت ستوقع خلافاً وفرقة أنّها من مشورة ابن النابغة، ثم قال ليزيد بن هاني: ويحك ألاترى إلى الفتح؟ ألاترى إلى مايلقون؟ ألاترى إلى الذي يصنع الله لنا؟ أينبغي أن ندع هذا وننصرف له؟.

فقال له يزيد أتحبّ أنّك ظفرت ها هنا وأنّ أمير المؤمنين بمكانه الذي هو فيه يفرج عنه، ويسلّم إلى عدوّه؟ قال: سبحان الله، لاوالله الا أحبّ ذلك، قال: فانّهم قد قالوا له وحلفوا عليه لتُرسِلن إلى الاشتر فليأتينّك أو لنقتلنّك بأسيافنا كما قتلنا عثمان، أو لنسلّمنّك إلى عدوّك.

فأقبل الأشتر حتى انتهى إليهم، فصاح: يا أهل الذل والوهن، أحين علوتم القوم وظنّوا أنّكم قاهرون، رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها؟ وقد والله تركوا ما أمر الله به فيها، وتركوا سنّة من أنزلت عليه، امهلوني فواقاً، فإنّي قد أحسست بالفتح؟ قالوا: لا نُمْهلك، فقال: أمهلوني عدوة الفرس، فإنّي قد طمعت في النصر؟ قالوا: إذاً ندخل معك في خطيئتك.

فسّبوه وسبّهم، وضربوا بسياطهم وجه دابّته، وضرب بسوطه وجوه دوابهم وصاح عليّ ـ عليه السَّلام ـ بهم فكفّوا، وقال الأشتر يا أميرالمؤمنين احمل الصف على الصف، يصرَع القوم، فتصايحوا: إنّ أمير المؤمنين قد قبل الحكومة


(58)

ورضي بحكم القرآن، فقال الأشتر: إن كان أميرالمؤمنين قد قبل ورضى، فقد رضيت بما رضي به أميرالمؤمنين.

فأقبل الناس يقولون: قد رضي أمير المؤمنين، قد قبل أميرالمؤمنين، وهو ساكت لا يبضُّ بكلمة، مطرق إلى الأرض (1) .

ثم قام فسكت الناس كلّهم فقال: «أيّها الناس إنّ أمري لم يزل معكم على ما أحبُّ إلى أن أخذت منكم الحرب، وقد والله أخذت منكم وتركت، وأخذت من عدوّكم فلم تترك، إلاّ انّي قد كنت أمس أمير المؤمنين فصرت مأموراً، وكنت ناهياً فأصبحت منهيّاً، وقد أحببتم البقاء وليس لي أن أحملكم على ما تكرهون»(2) .

قال نصر بن مزاحم: ثمّ تكلّم رؤساء القبائل فكل قال مايراه ويهواه، فقام كردوس بن هاني البكري يدعوا الناس إلى تسليم الأمر إلى عليّ، كما قام شقيق بن ثور البكري يدعوا الناس إلى الصلح والموادعة ويقول: وقد أكلتنا هذه الحرب ولا نرى البقاء إلاّ في الموادعة (3).

هذه الحوادث المؤلمة التي أسفرت عن مؤامرة خبيثة يراد منها ايقاع الفتنة والخلاف في جيش علي ـ عليه السَّلام ـ إلى النزول إلى حكم القوم كرهاً بلا اختيار، واضطراراً لا عن طيب نفس.

فبعث علي قرّاء أهل العراق، وبعث معاوية قرّاء أهل الشام، فاجتمعوا بين الصفّين فنظروا فيه وتدراسوه واجمعوا على أن يحيوا ما أحيا القرآن، وأن يميتوا ما أمات القرآن، ثم رجع كل فريق إلى أصحابه، وقال الناس: «قد رضينا


1. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 560 ـ 564 .
2. ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 2/219 ـ 220. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 553 .
3. نصربن مزاحم: وقعة صفيّن 554 .


(59)

بحكم القرآن» .

فرض التحكيم أوّلا، وفرض المحكّم ثانياً:

ولقد بلغ القوم في قلّة الحياء وشكاسة الخلق إلى حدّ أنّهم فرضوا نفس التحكيم على الإمام المفترض طاعته ببيعة المهاجرين والأنصار، ولم يبق بينه وبين الفتح والظفر على العدو إلاٌّ قاب قوسين أوأدنى أوبمقدار عدوة الفرس كمّا قاله الأشتر.

إنّهم ـ قبّح الله وجوههم ـ لم يكتفوا بهذا الحد في قلّة الأدب، بل فرضوا عليه المحكّم، فإن الإمام لمّا لَم يَر بدّاً من قبول التحكيم فاقترح عليهم أن يكون المحكّم من جانبه أحد الرجلين: ابن عمّه ـ عبدالله بن عباس ـ أو الأشتر.

ولكنّهم رفضوا كل ذلك وأبوا إلاّ نيابة أبي موسى الأشعري الذي خذل عليّاً ـ عليه السَّلام ـ في بداية خلافته، ولم يبايعه إلاّ باكثار الناس ولم يشجّع أهل الكوفة على نصره بل سكت.

يقول ابن مزاحم: قال اهل الشام: فإنّا قد رضينا واخترنا عمروبن العاص، فقال الأشعث والقرّاء الذين صاروا خوارج فيما بعد: فانّا قد رضينا واخترنا أبا موسى الأشعري، فقال لهم علي ـ عليه السَّلام ـ : «إنّي لا أرضى بأبي موسى ولا أرى أن أولِّيه» فقال الأشعث وزيد بن حصين ومسعر بن فدكي في عصابة من القرّاء: انّا لا نرضى إلاّ به، فإنّه قد حذّرنا ما وقعنا فيه، قال علي ـ عليه السَّلام ـ : «فإنّه ليس لي برضى ولكن هذا ابن عباس اُوّليه ذلك، قالوا: والله ما نبالي أكنت أنت أو ابن عباس ولا نريد إلاّ رجلا هو منك ومن معاوية سواء، قال علي: فإنّي أجعل الأشتر، فقال الأشعث: وهل سعّر الأرض علينا غير الأشتر.


(60)

حتى انّ عليّاً اقترح عليهم الأحنف بن قيس فأبوا أن يقبلوه، وقالوا: لايكون ألاّ أبا موسى، وقد كان معروفاً بأنّه قريب القعر، كليل الشفرة، فلم ير علي ـ عليه السَّلام ـ بداً من قبول أبي موسى، وقد كان الإمام عارفاً ببساطته وسذاجته، وكانت في ذلك خسارة عظمى لحزب علي ـ عليه السَّلام ـ وأشياعه إلى حدّ وصفها الشاعر بقوله:

لو كان للقوم رأي يُعْصمونَ به * من الظلال رَمَوكم بابن عباس

لله درُّ أبيه أيُّما رجل * ما مثله لفصال الخطب في الناس

لكن رموكم بشيخ من ذوي يمن * لم يدر ما ضرب أخماس لأسداس

أن يخلُ عمروبه، يقذفه في لجج * يَهوي به النجمُ تَيْساً بين أتياس

ابلغ لديك عليّاً غير عاتِبِه * قول امرىء لا يرى بالحقِّ من بأس (1)

لقد كان عليّ ـ عليه السَّلام ـ واقفاً على انحراف أبي موسى عنه، وانّ هواه مع غيره، ومع ذلك لم يجد بدّاً عن الرضا بما فرض عليه البسطاء من جيشه، وهذا هو الأحنف بن قيس من أصدقاء علي ـ عليه السَّلام ـ وخُلّصِ شيعته، فقد امتحن أبا موسى بعد ما نُصِبَ حكماً من قبل علي ـ عليه السَّلام ـ فقال له ممتحناً: «فإن لم يستقم لك عمرو على الرضا بعلي، فخّيره أن يختار أهل العراق من قريش الشام من شاؤوا فإنّهم يولّونا الخيار فنختار من نريد، وإن أبوا فليختر أهل الشام من قريش العراق من شاؤوا، فإن فعلوا كان الأمر فينا، فقال أبو موسى: قد سمعت ما قلت، ولم ينكر ما قاله من زوال الأمر عن علي ـ عليه السَّلام ـ فرجع الأحنف إلى علي ـ عليه السَّلام ـ فقال له: أخرج أبو موسى والله زبدة سقائه في أوّل مخضة. لا أرانا إلاّ بعثنا رجلا لا ينكر خلعك، فقال علي ـ عليه السَّلام ـ : الله


1. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 575 ـ 576 .


(61)

غالب على أمره(1) .

إنّ الإمام خاطب أبا موسى ـ عندما بعثه إلى دُومَةِ الجندل حكماً ـ بقوله: احكم بكتاب الله ولا تجاوزه، ولمّا ودّع أبا موسى وغادر المجلس، قال الإمام: كأنّي به وقد خدع، فقال عبيدالله بن أبي رافع: لماذا تبعثه وهو على هذه الفكرة؟ فقال الإمام ـ عليه السَّلام ـ لو عمل الله في خلقه بعلمه، ما احتجّ عليهم بالرسل (2) .

صياغة اتفاقية الصلح:

إنّ القوم فرضوا على الإمام التحكيم والمحكّم، ولم يكتفوا بذلك بل فرضوا عليه ما كان الخصم يطلبه في تحرير وصياغة اتفاقية الصلح، ولمّا اتفق الطرفان على كتابة الصلح وايقاف الحرب إلى أن يحكم الحكمان دعا علي ـ عليه السَّلام ـ كاتبه ليكتب صحيفة الصلح على النحو الذي يمليه الإمام، فقال الإمام: اكتب: «هذا ما تقاضى عليه علي أمير المؤمنين» فقال معاوية: بئس الرجل أنا إن أقررت أنّه أمير المؤمنين ثمّ قاتلته، وقال عمرو: اكتب اسمه واسم أبيه، إنّما هو أميركم، وأمّا أميرنا فلا. فلمّا اُعيد إليه الكتاب أمر بمحوه، فقال الأحنف: لا تمح اسم امرة المؤمنين عنك، فإنّي أتخوّف إن محوتها ألاّ ترجع إليك أبداً لا تمحها، وإن قتل الناس بعضهم بعضاً. فأبى مليّاً من النهار أن يمحوها، ثمّ إنّ الأشعث بن قيس جاء، فقال: امح هذا الاسم. فقال علي: لا إله إلاّ الله والله أكبر، سنّة بسنّة، أما والله لعلى يدي، دار هذه الأمر يوم الحديبية حين كتبت الكتاب عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ : «هذا ما تصالح عليه


1. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 617. ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 2/249 .
2. ابن شهر آشوب: مناقب آل أبي طالب 2/261 .


(62)

محمّد رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وسهيل بن عمرو» فقال سهيل: لا أجيبك إلى كتاب تسمّي (فيه) رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ولو أعلم أنّك رسول الله لم اُقاتلك إنّي إذاً ظلمتك إن منعتك أن تطوف ببيت الله وأنت رسول الله ولكن اكتب «محمّد بن عبدالله» أجبك، فقال محمّد ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ : «يا علي إنّي لرسول الله، إنّي لمحمّد بن عبدالله، ولن يمحو عنّي الرسالة كتابي إليهم«محمّد بن عبدالله»، فاكتب: محمّد بن عبدالله، فراجعني المشركون في هذا إلى مدّة، فاليوم اكتبها إلى أبنائهم كما كتبها رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ إلى آبائهم سنّة ومثلا. فقال عمروبن العاص: «سبحان الله، ومثل هذا شبّهتنا بالكفّار ونحن مؤمنون؟» فقال له علي ـ عليه السَّلام ـ : يا ابن النابغة، ومتى لم تكن للكافرين وليّاً وللمسلمين عدوّاً وهل تشبه إلاّ اُمّك التي وضعت بك. فقام عمرو فقال: والله لايجمع بيني وبينِك مجلس أبداً بعد هذا اليوم، فقال علي: والله إنّي لأرجو أن يظهر الله عليك وعلى أصحابك(1) .

اتفاقية الصلح أو وثيقة التحكيم:

تنازل عليّ ـ عليه السَّلام ـ عن حقّه المشروع ورضى، كما رضي رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ أن يكتب اسمه مجرّداً عن توصيفه بامرة المؤمنين فأملى عليّ صحيفة الصلح بالنحو التالي وفيها عبر ونكات وتشتمل على بنود ربّما نرجع إليها في المستقبل:

1 ـ هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وشيعتهما فيما تراضيا به من الحكم بكتاب الله وسنّة نبيّه ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ قضية علي على أهل العراق ومن كان من شيعته من شاهد أو غائب وقضية


1. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 582 ـ 583 .


(63)

معاوية على أهل الشام ومن كان من شيعته من شاهد أو غائب. إنّا رضينا أن ننزل عند حكم القرآن فيما حكم، وأن نقف عند أمره فيما أمر، وانّه لا يجمع بيننا إلاّ ذلك، وانّا جعلنا كتاب الله فيما بيننا حكماً فيما اختلفنا فيه من فاتحته إلى خاتمته، نحيي ما أحيا ونميت ما أمات، على ذلك تقاظيا، وبه تراضيا.

2 ـ إنّ علياً وشيعته رضوا أن يبعثوا عبدالله بن قيس(1) ناضراً ومحاكماً، ورضى معاوية وشيعته أن يبعثوا عمروبن العاص ناضراً ومحاكماً.

3 ـ على أنّهما أخذوا عليهما عهد الله وميثاقه وأعظم ما أخذ الله على أحد في خلقه، ليتّخذان الكتاب إماما فيما بعثا له، لا يعدوانه إلى غيره في الحكم بما وجداه فيه مسطوراً. ومالم يجداه مسمّى في الكتاب ردّاه إلى سنّة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ الجامعة، لايتعمّدان لهما خلافاً، ولا يتّبعان في ذلك لهما هوى، ولا يدخلان في شبهة.

4 ـ وأخذ عبدالله بن قيس وعمروبن العاص على عليّ ومعاوية عهد الله وميثاقه بالرضا بما حكما به من كتاب الله وسنّة نبيه ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وليس لهما أن ينقضا ذلك ولا يخالفاه إلى غيره، وانّهما آمنان في حكومتهما على دمائهما وأموالهما وأهلهما ما لم يعدوا الحق، رضى بذلك راض أو أنكره منكر وانّ الاُمّة أنصار لهما على ما قضيا به من العدل.

5 - فإن توفّى أحد الحكمين قبل انقضاء الحكومة فأمير شيعته وأصحابه يختارون مكانه رجلا، لايألون عن أهل المعدلة والاقساط، على ما كان عليه صاحبه من العهد والميثاق، والحكم بكتاب الله وسنّة رسوله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وله مثل شرط صاحبه، وإن مات أحد الأميرين قبل القضاء فلشيعته أن يولّوا مكانه يرضون عدله. وقد وقعت القضية


1. هو أبو موسى الأشعري .


(64)

ومعها الأمن والتفاوض ووضع السلاح والسلام والموادعة.

6 - وعلى الحكمين عهد الله وميثاقه ألاّ يألوا اجتهاداً، ولا يتعمّدا جوراً، ولا يدخلا في شبهة، ولا يعدوا حكم الكتاب وسنّة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ . فإن لم يفعلا برئت الاُمّة من حكمهما، ولا عهد لهما ولاذمّة. وقد وجبت القضية على ما قد سُمِّي في هذا الكتاب من مواقع الشروط على الأميرين والحكمين والفريقين، والله أقرب شهيداً، وأدنى حفيظاً، والناس آمنون على أنفسهم وأهليهم وأموالهم إلى انقضاء مدّة الأجل والسلاح موضوع والسبل مخلاة والغائب والشاهد من الفريقين سواء في الأمن.

7 ـ وللحكمين أن ينزلا منزلا عدلا بين أهل الطرق وأهل الشام ولا يحضر هما فيه إلاّ من أحبّا، عن ملأ منهما وتراض. وانّ المسلمين قد اَجّلوا القاضيّين إلى انسلاخ رمضان(1)، فإن رأى الحكمان تعجيل الحكومة فيما وجها له عجّلاها، وإن أراداتا خيرها بعد رمضان إلى انقضاء الموسم فإنّ ذلك إليهما.

8 ـ فإن هما لم يحكمابكتاب الله وسنّة نبّيه ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ إلى انقضاء الموسم فالمسلمون على أمرهم الأوّل في الحرب. ولا شرط بين واحد من الفريقين. وعلى الاُمّة عهد الله وميثاقه على التمام والوفاء بما في هذا الكتاب. وهم يد على من أراد فيه إلحاداً وظلماً أوحاول له نقضاً. ثمّ إنّه شهد بما في الكتاب من أصحاب الطرفين أكابرهما فمن أصحاب علي، عبدالله بن عباس، والأشعث بن قيس، والأشتر مالك بن الحارث، والحسن والحسين ابنا عليّ وطائفة اُخرى يبلغ عدد الشهود سبعاً وعشرين شخصاً وفيهم من الصحابة الكبار، نظير خبّاب بن الارث وسهل بن حنيف وعمروبن الحمق الخزاعي، وحجر بن عدي، كما شهد من أصحاب معاويه أبوالأعور


1. أي رمضان سنة تحرير الاتفاقية وهي سنة 37، وقد كتب الكتاب في صفر هذه السنة كما سيوافيك.


(65)

وبسر بن أرطاة وعبدالله بن عمروبن العاص، وكتبت لثلاث عشر ليلة بقيت من صفر سنة 37(1) .

ونلاحظ أنّ في الميثاق تصريحاً بأنّه من اللازم على الحكمين الإدلأ برأيهما إلى انقضاء موسم الحج من عام 37 وهما أدليا برأيهما في شعبان تلك السنة كما سيوافيك.

وما نقله الطبري عن الواقدي انّ اجتماع الحكمين كان في شعبان سنة 38 من الهجرة غير صحيح(2) .

صورة اُخرى لوثيقة التحكيم:

ثمّ إنّ ابن مزاحم نقل صورة اُخرى لوثيقة التحكيم يتّحد مع ماسبق لبّاً ويختلف في بعض الموارد عبارة فمن أراد فليرجع إلى مصدره وفي ذيلها: «وكتب عميرة يوم الأربعاء لثلاث عشرة بقيت من صفر سنة سبع وثلاثين واتَّعد الحكمان (اذرح)» (3) وأن يجيء علي بأربعمائة من أصحابه، ويجيء معاوية بأربعمائة من أصحابه فيشهدون الحكومة.


1. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 582 .
2. الطبري: التاريخ 4/52 .
3. اذرح ـ بضم الراء ـ بلد في أطراف الشام مجاور لأرض الروم.


(66)


(67)

االفصل الثالث


نشوء الخوارج عند مخالفتهم لمبدأ التحكيم


(68)


(69)

إنّ الذين حملوا عليّاً ـ عليه السَّلام ـ على الموادعة والرضوخ للتحكيم، رجعوا عن فكرتهم وزعموا أنّ أمر التحكيم على خلاف الذكر الحكيم حيث يقول (ان الحُكْم إلاّ لِلِّه )(1) فحاولوا أن يفرضوا على علىّ ـ عليه السَّلام ـ أمراً رابعاً وهو القيام بنقض الميثاق ورفض كتاب الصلح بينه وبين معاوية، فجاء هؤلاء قائلين: «لا حكم إلاّلله، الحكملله يا علي لالك، لا نرضى بأن يحكم الرجال في دين الله. إنّ الله قد أمضى حكمه في معاوية وأصحابه أن يقتلوا وأن يدخلوا في حكمنا عليهم وقد كانت منّا زلّة حين رضينا بالحكمين، فرجعنا وتبنا، فارجع أنت يا علي كما رجعنا وتب إلى الله كما تبنا، وإلاّ برئنا منك. فقال علي: وَيْحكم، أبعد الرضا(والميثاق) والعهد نرجع؟ أو ليس الله تعالى قال:( )اُوفوا بالعقود)) وقال: (واُوفوا بَعَهْدِ الله اِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الاَيمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَ قَدْ جَعَلْتُمُ الله عَلَيْكُمْ كَفيلا انّ الله يَعْلَمُ ما تَفْعَلُون) ): فأبى علي أن يرجع، وأبت الخوارج إلاّ تضليل التحكيم والطعن فيه، وبرئت من علي ـ عليه السَّلام ـ ، وبري


1. الأنعام: 57. وقد ورد في سورة يوسف أيضاً مرّتين، لا حظ الآية 40 و67 من هذه السورة .


(70)

منهم(1) .

وقال الطبري: لمّا أراد عليّ أن يبعث أبا موسى إلى الحكومة أتاه رجلان من الخوارج: زرعة بن برج الطائي وحرقوص بن زهير السعدي(2)، فدخلا عليه فقالا له: لا حكم إلاّ لله، فقال علي ـ عليه السَّلام ـ : لا حكم إلاّ لله، فقال له حرقوص: تب من خطيئتك وارجع عن قضيتك واخرج بنا إلى عدوّنا نقاتلهم حتى نلقى ربّنا، فقال لهم علي: قد أردتكم على ذلك فعصيتموني وقد كتبنا بيننا وبينهم كتاباً وشرطنا شروطاً وأعطينا عليها عهودنا ومواثيقنا، وقد قال الله عزّوجل: (واُوفوا بَعَهْدِ الله اِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الاَيمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَ قَدْ جَعَلْتُمُ الله عَلَيْكُمْ كَفيلا انّ اللهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُون). فقال له حرقوص: ذلك ذنب ينبغي أن تتوب منه، فقال علي: ما هو ذنب ولكنّه عجز من الرأي وضعف من الفعل وقد تقدّمت إليكم فيما كان منه ونهيتكم عنه، فقال له زرعة بن البرج: أما والله يا علي لئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب الله عزوجل قاتلتك أطلب بذلك وجه الله ورضوانه، فقال له علي: بؤسا لك ما أشقاك كأنّي بك قتيلا تسفى عليك الريح. قال: وددت أن قد كان ذلك، فقال له علي: لو كنت محقَاً كان في الموت على الحق تعزية عن الدنيا. إنّ الشيطان قد استهواكم فاتّقوا الله عزّوجلّ إنّه لا خير لكم في دنيا تقاتلون عليها فخرجا من عنده يُحكِّمان (3).

روى ابن مزاحم عن شقيق بن سلمة قال: جاءت عصابة من القرّاء قد


1. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 589 ـ 590 .
2. إنّ الاباضية ـ الفرقة الباقية من الخوارج ـ يقولون المحكمة الاُولى نظراء: زرعة، وحرقوص، والراسبي مُحِقوُن بحجة أنّهم أرادوا أن لا يحكم الرجال فيما حكم فيه سبحانه وهو قتال أهل البغي حتى يفيئوا، ولكنّهم لا يذكرون شيئاً من أنّهم كانوا هم الأساس لمسألة التحكيم، وهم الذين فرضوا على الإمام، هذا الأمر. فلتكن على ذكر من هذا النقل حتى يحين وقت دراسة الموضوع.
3. الطبري: التاريخ 4/52 ـ 53 .


(71)

سلّوا سيوفهم واضعيها على عواتقهم فقالوا: يا أمير المؤمنين ما تنظر بهؤلاء القوم إن نمشي إليهم بسيوفنا حتى يحكم الله بيننا وبينهم بالحق؟ فقال لهم عليّ: قد جعلنا حكم القرآن بيننا وبينهم ولا يحلّ قتالهم حتى ننظر بِمَ يحكم القرآن .(1)

وهذا يعرب عن أنّ الأكثرية الساحقة كانت مصّرة على التصالح وانّ عصابة منهم، كانوا متوقّفين في بدء الأمر، ثمّ بدا لهم أن ينصروا الإمام في وقت، تمّت الإتفاقية بين الطرفين وأعطى الإمام العهد بالعمل بها.

هذه الكلمة الجارحة التي صدرت من زرعة الطائي وحرقوص بن زهير السعدي ونظائرها كانت تصدر من الخوارج آونة بعد اُخرى، وذلك لأنّهم يتّهمون عليّاً بارتكاب الإثم ولزوم التوبة بنقض الصحيفة، وفي مقابل ذلك سطّر التاريخ مواقفاً جريئة وحرّةً صدرت عن ثلّة من أصحاب علي ـ عليه السَّلام ـ .

هذا هو سليمان بن صرد من أصحاب علي أتاه بعد كتابة الصحيفة ووجهه مضروب بالسيف فلمّا نظر إليه علي ـ عليه السَّلام ـ قال: ( )فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِر وما بَدَّلُوا تَبْدِيلا))فأنت ممّن ينتظر وممّن لم يبدل، فقال يا أمير المؤمنين: أما لو وجدتُ أعواناً ما كتبت هذه الصحيفة أبداً. أما والله لقد مشيتُ في الناس ليعودوا إلى أمرهم الأوّل فما وجدت أحداً عنده خير إلاّ قليلا. وقام إلى علي ـ عليه السَّلام ـ محرز بن جريش بن ضليع، فقال: يا أمير المؤمنين: ما إلى الرجوع عن هذا الكتاب سبيل؟ فإنّي لأخاف أن يُورث ذلاّ، فقال علي ـ عليه السَّلام ـ أبعد أن كتبناه ننقضه؟ إنّ هذا لا يحلّ.

وقام فضيل بن خديج مخاطباً عليّاً لمّا كتبت الصحيفة: إنّ الأشتر لم يرض بما في هذه الصحيفة ولا يرى إلاّ قتال القوم، فقال علي ـ عليه السَّلام ـ :


1. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 569 .


(72)

بلى إنّ الأشتر ليرضى إذا رضيت، وقد رضيت ورضيتم، ولا يصلح الرجوع بعد الرضا ولا التبديل بعد الإقرار إلاّ أن يعصى الله ويتعدّى ما فيه كتابه.

فلمّا رآى علي ـ عليه السَّلام ـ تكرّر تلك المواقف قام خطيباً ليزيل الشكوك والأوهام عن قلوب شيعته فخطب وقال: «إنّ هؤلاء القوم لم يكونوا ليفيئوا إلى الحق، ولاليجيبوا إلى كلمة السواء، حتى يُرْمَوا بالمناسر، تتبعها العساكر، وحتى يُرجَموا بالكتائب تقفوها الجلائب، وحتى يجر ببلادهم الخميس، يتلوه الخميس، وحتى يدعوا الخيل في نواحي أرضهم، وبأحناء مساربهم ومسارحهم وحتى تشن عليهم الغارات من كل فج، وحتى يلقاهم قوم صُدُق صُبُر، لا يزيدهم هلاك من هلك من قتلاهم وموتاهم في سبيل الله إلاّ جداً في طاعة الله، وحرصاً على لقاء الله، ولقد كنّا مع رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ نقتل آباءنا وأبناءنا واخواننا وأعمامنا. ما يزيدنا ذلك إلاّ إيماناً وتسليماً، ومُضيّاً على اللقم وصبراً على مضَضَ الألم، وجداً في جهاد العدو، ولقد كان الرجل منّا والآخر من عدوّنا يتصاولان متصاول الفحلين، يتخالسان أنفسهما أيَّهما يسقي صاحبه كأس المنون مرّة لنا من عدوّنا ومرة لعدّونا منّا، فلمّا رأى الله صدقنا أنزل بعدونا الكبت، وأنزل علينا النصر، حتى استقّر الإسلام ملقياً جِرَآنه، ومتبوَّئاً أو طانه، ولعمري لوكنّا نأتي ما أتيتم، ما قام للدين عمود، ولا اخضرّ للإيمان عود، وايم الله لتحتلبنّها دماً ولتُتَبِعنَّها ندماً(1) .

وقد أعرب الإمام في خطبته هذه عن السبب الحقيقي للفصل والوهن الذي واجه جيشه مع كثرة عددهم وعدّتهم، وما هذا إلاّ لأنّهم عصوا إمامهم، واغترّوا بظواهر الاُمور، وحسبوا أنّ اللجوء إلى كتاب الله شيء يدين به الخصم،


1. الرضي: نهج البلاغة، الخطبة 56. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 597 ـ 598 وبين المنقول في المصدرين اختلاف في اللفظ، ورجحّنا نقل الرضي.


(73)

ففرضوا على علي ـ عليه السَّلام ـ التحكيم والحّكم، إلى غير ذلك من الاُمور التي ذكرناها آنفاً، فصار القائد مقوداً والإمام مأموماً والمطاع مطيعاً.

تنبّؤ النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ

بفتنة الخوارج:

روى ابن هشام عن عبدالله بن عمروبن العاص أنّه قال: جاء رجل من بني تميم ـ في غزوة هوازن ـ يقال له ذوالخويصرة فوقف عليه وهو يعطي النّاس فقال: يا محمّد، قد رأيتُ ما صنعت في هذا اليوم، فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ أجل، فكيف رأيت؟ فقال: لم أرك عدلت، قال: فغضب النبي، ثم قال: ويحك، إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون؟ فقال عمربن الخطاب: يا رسول الله ألا أقتله؟ فقال: لا دعه فإنّه سيكون له شيعة يتعمّقون(1) في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية(2)


1. المراد من التعمق كثرة السؤال والاعتراض على الأوامر الصادرة من القيادة ويؤيّد ذلك الحديث المشهور: سأل رجل الإمام موسى بن جعفر ـ عليه السَّلام ـ وقال: رجل يأتي السوق فيشتري جبة فراء، ولا يدري أذكية هي أم غير ذكية؟ أيصلّي فيها؟ فقال: نعم ليس عليكم المسألة. انّ أباجعفر ـ عليه السَّلام ـ كان يقول: إنّ الخوارج ضيقوا على أنفسهم بجهالتهم، انّ الدين أوسع من ذلك. (الصدوق: من لا يحضر الفقيه 1/167، الباب 39، الحديث 38).
ويظهر ذلك ممّا روي عن علي من قصار الكلمات قال: الكفر على أربع دعائم: على التعمّق، والتنازع، والزيغ، والشقاق، فمن تعمّق لم ينب إلى الحق، ومن كثر نزاعه بالجهل دام عماه عن الحق، نهج البلاغة قسم الحكم 31. فمعنى التعمّق هنا لا يتنافى مع ما سنذكره من أنّ البساطة والسذاجة و الظاهرية كانت سمة من سماتهم.
2. ابن هشام: السيرة النبوية 4/496. ابن الاثير: الكامل 2/184. ورواه البخاري في باب «المؤلفة قلوبهم على وجه التفصيل، فمن أراد فليرجع إلى صحيحه».


(74)

تحليل لكارثة التحكيم:

إنّ هناك أسئلة تطرح نفسها ونحن نجيب عنها مستندين إلى متون الروايات الواردة حولها:

الأوّل: لماذا اغتر المحكّمة بظواهر الأمر وزعموا أنّ رفع المصاحف على رؤوس الأسنّة لأجل اللجوء إلى القرآن، واجراء حكمه بين الطرفين، مع أنّ عليّاً وكثيراً من أصحابه نبّههم على أنّ ذلك خدعة ومكيدة. والجواب: انّ الذي حملهم على قبول التحكيم في بادىء ذي بدء أمران:

1 ـ إنّ الخسارة البشرية الفادحة التي ألحقتها الحرب بالعراقيين (مع أنّ خسائر الشاميين كانت أكثر) كانت عاملا نفسيّاً مهمّاً لقبول التحكيم ودافعاً لهم إليه وفي كلام الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ اشارة إلى ذلك:

قال ابن مزاحم: ذكروا أنّ الناس ماجوا وقالوا: أكلتنا الحرب وقتلت الرجال، وقال قوم: نقاتل القوم على ما قاتلنا هم عليه أمس، ولم يقل هذا إلاّ قليل من الناس، ثم رجعوا عن قولهم مع الجماعة وثارت الجماعة بالموادعة فقام علي أميرالمؤمنين فقال: «إنّه لم يزل أمري معكم على ما أحبّ إلى أن أخذت منكم الحرب، لقد والله أخذت منكم وتركت، وأخذت من عدوّكم فلم تترك، وانّها فيكم أنكى وأنهك....وقد أحببتم البقاء وليس لي أن أحملكم على ما تكرهون»(1) .

ولعل النجاشي يشير إلى ذلك العامل في قصيدته إذ يقول:

غشيناهم يومَ الهرير بِعُصبة * يمانيّة كالسيل سيل عِرانِ

فأصبح أهل الشام قد رفعوا القنا * عليها كتاب الله خير قرآن


1. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 553 ـ 554 .


(75)

ونادوا(1): عليّاً، يا ابن عمّ محمّد * أما تتقي أن يهلك الثقلان

فمن للذراري بعدها ونسائنا * ومن للحريم أيّها الفَتَيان ِ(2)

2 - إنّ البساطة والسذاجة من الاُمور التي تسود أهل البادية حيث لا يملكون الوعي الفكري والتجربة الإجتماعية، وجلّ القبائل التي كانت تحارب تحت لواء عليّ من القاطنين في البادية غير متمدّنين، فطبيعة عيشهم هو الصدق والصفاء والإيمان بظواهر الاُمور دون أن يتعمّقوا فيها لمعرفة ما يدور خلف الستار من خفايا، ولأجل ذلك اغتّروا بظاهر الأمر وزعموا أنّ رفع المصاحف على الأسنّة لأجل الاستظلال في ظلّه والعيش تحت رايته.

غير أنّ الإمام والواعين من قادة جيشه علموا أنّ خلف هذا العمل مؤامرات وتفرّسوا بأنّ وارء هذا ليس إلاّ الفتنة، ولأجل ذلك لمّا بعث علي ـ عليه السَّلام ـ أحد النخعيين إلى الأشتر لإيقاف الحرب ورجوعه إلى معسكر الإمام، فسأله الأشتر عن سبب الفتنة، وقال: «ألِرَفع هذه المصاحف؟» قال نعم، قال: أما والله لقد ظننت أنّها حين رفعت ستوقد اختلافاً وفرقة(3).

3 ـ إنّ عيشة القوم كانت عيشة قبيلة والنظام القبلي يفرض على كافة أفراد القبيلة، الطاعة العمياء لرئيسها فإذا أصحر الرئيس بالرأي، فالباقون بحكم الأغنام يتبعونه من دون تفكّر ووعي، ولمّا كان في جيش علي ـ عليه السَّلام ـ رؤوس البطون، وخضعوا للتحكيم، لم يبق مجال لغيرهم في القبول والرفض، ولأجل ذلك صار التحكيم فرضاً من جانب عشرين ألفاً مقنّعين بالحديد، ومن البعيد جداً أن يكون حكم كلّ واحد من هؤلاء صادراً عن وعي و إمعان.


1. يعني أهل العراق .
2. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 602 .
3. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 562 .


(76)

الثاني: لماذا رجعوا عن التحكيم بعد فرضه على علي ـ عليه السَّلام ـ

؟:

إنّ القوم لم يكونوا أهل فكر واجتهاد، وماكانوا يصدرون عن مبدأ عقلي في المواقف الصعبة والحَرِجةِ، فكما أنّهم اغتّروا برفع المصاحف على الأسنّة، اغترّ الكثير برأي بعض القرّاء حيث ردّ التحكيم بقوله سبحانه: (اَن الحُكْم إلاّ لِلّه).

قال ابن مزاحم: إنّ الأشعث خرج في الناس بذلك الكتاب يقرأه على الناس ويعرضه عليهم ويمرّ به على صفوف أهل الشام، وراياتهم، حتى مرّ برايات عنزة فقرأه عليهم. قال فتيان منهم: لا حكم إلاّ لله، ثمّ حملا على أهل الشام بسيوفهما (فقاتلا) حتى قتلا على باب رواق معاوية، وهما أوّل من حكم (أي أنكر مبدأ التحكيم) ثم مرّ بها على مراد فقال صالح بن شقيق وكان من رؤسائهم:

ما لعلي في الدماء قد حكم * لو قاتل الأحزاب يوماً ما ظلم

لا حكم إلاّ لله ولو كره المشركون.

ثمّ مرّ على رايات بني راسب فقرأها عليهم، فقالوا: لا حكم إلاّ لله ولا نرضى ولا نحكّم الرجال في دين الله، ثم مرّ على رايات بني تميم فقرأها عليهم، فقال رجل منهم: «لا حكم إلاّ لله، يقضي بالحق وهو خير الفاصلين» وخرج عروة بن اُديَّة فقال: أتحكّمون الرجال في أمر الله؟ لا حكم إلاّ لله: فأين قتلانا يا أشعث؟(1).

فزعموا أوّلا: أنّ حكم الله مضى في معاوية وأصحابه أن يقتلوا أويدخلوا في حكمهم وانّ إيقاف الحرب والتنازل إلى الموادعة خلاف حكم الله


1. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 558. وجاء في ذيل كلامه انّ هؤلاء المخالفين أوبعضهم كانوا من المصرّين على التحكيم في بدء الأمر وانّما رجعوا عن فكرتهم عند عرض الكتاب.


(77)

سبحانه.

ثانياً: انّ هذا تحكيم للرجال في دين الله، وهو يضادّ النصّ الصريح في الذكر الحكيم أعني قوله تعالى: (اَن الحُكْم إلاّ لِلِّه) وكلا الوجهين موجود ان في كلامهم يوم حاولوا فرض نقض الميثاق وطلبوه من علي ـ عليه السَّلام ـ يقول ابن مزاحم: فنادت الخوارج في كلّ ناحية:

لا حكم إلاّ لله، لا نرضى بأن يحكّم الرجال في دين الله.

قد أمضى الله حكمه في معاوية و أصحابه أن يقتلوا أو يدخلوا في حكمنا عليهم(1).

ثالثاً: زعموا أنّ قبول التحكيم يستلزم أنّهم كانوا ضالّين في نضالهم وجهادهم ضد معاوية طيلة شهور، ونتيجة ذلك أنّ ما ارُيقت منهم من الدماء، وما قدموا في ذلك الطريق من الشهداء كانت على غير وجه الحق ولأجل ذلك لمّا قرأ الأشعث صحيفة الصلح على تميم، قالوا: أتحكّمون الرجال في أمر الله لا حكم إلاّ لله، فأين قتلانا يا أشعث(2) .

رابعاً: قالوا: إنّك نهيت عن الحكومة أوّلا ثم أمرت بها ثانياً، فإن كانت قبيحة كنت بنهيك عنها مصيباً، وبأمرك مخطئاً، وإن كانت حسنة كنت بنهيك عنها مخطئاً وبأمرك بها مصيباً، فلابد من خطئك على كلّ حال.

هذه الوجوه الأربعة ممّا اغترّ به القوم، وأرادوا فرض نقض التحكيم والميثاق على علي ـ عليه السَّلام ـ وهي تكشف عن بساطة القوم في المقام، وإليك تحليل كل واحد من هذه الوجوه:

أمّا الوجه الأوّل: فإنّه وإن كان قد مضى حكم الله في معاوية وأصحابه أن


1. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 594 .
2. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 588 .


(78)

يقتلوا أو يدخلوا في حكم الإمام المفترض طاعته، وكان الواجب على الإمام محاربتهم حتى تتحقّق احدى الغايتين ولكن التكليف بالمحاربة، مرهون بالقدرة وعدم المانع من تحقيق التكليف، والقوم سلبوا القدرة عن الإمام القائد، حيث جاءوا إليه في عشرين ألفاً مقنّعين في الحديد، شاكي سيوفهم على عواتقهم يدعونه باسمه ويقولون: أجب إلى كتاب الله إذ دعيت إليه، وإلاّ قتلناك كما قتلنا ابن عفان، فوالله لنفعلنّها إن لم تجبهم.

أفي هذا الموقف الحرج يتصوّر أن تكون المحاربة تكليفاً شرعيّاً على الإمام أو يكون الحكم مرفوعاً بارتفاع قدرته على مواصلة الحرب، إذ كانت نتيجة مواصلة الحرب هو قتل الإمام أوتسليمه إلى العدّو مكفوف اليدين، ولكان الذل والوهن عندئذ أكبر وأفدح.

نعم، رجعت القدرة إلى الإمام بعد ندامتهم على التحكيم واستعدادهم لمواصلة الحرب بعد الصلح وأخذ المواثيق، ولكن كانت الندامة في غير محلّها وندموا ولم ينفعهم الندم حيث ضاعت الفرصة الذهبية، إذ كما أنّ من حكمه سبحانه مواصلة حرب الطغاة وقد نطق بها الذكر الحكيم، كذلك الايفاء بالمواثيق، واحترام العقود والعهود من أحكام القرآن والسنّة المطهرّة. ولأجل ذلك أجاب علي عن اصرارهم على مواصلة الحرب بقوله: «ويحكم، أبعد الرضا والميثاق والعهد نرجع؟ أوليس الله تعالى قال: (اُوفُوا بالعقودِ) وقال: (وَ أوفُوا بِعَهْدِ اللهِ اِذا عاهَدْتُمْ وَ لا تَنْقُضُوا الأيمانَ بَعْدَ تَوْكيدَها وَ قَدْجَعَلْتُمْ الله عَلَيْكُمْ كفيلا انّ الله يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونْ)(1) .

ولكن القوم كانوا بعيدين عن المنطق، قريبي القعر، سمعوا أدلّة الإمام ولم يجيبوا عنها بشيء إلاّ بتضليله والبراءة منه.وسوف نرجع إلى تحليل هذا


1. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 589 .


(79)

الوجه عند البحث عن الاباضيّة.

وأمَا الوجه الثاني: أعني كون هذا تحكيماً للرجال في دين الله: وهو خطأ. إنّ الإمام وأصحابه لم يحكّموا الرجال في دين الله بل حكّموا القرآن والذكر الحكيم فيما اختلفوا فيه ولكن القرآن شجرة يانعة وحجة صامتة لا تجتني ثمرته ولا يعلم مقاصده إلاّ بمن ينطقه وإلى ذلك يشير الإمام في بعض خطبه:

«إنّا لم نحكّم الرجال وإنّما حكّمنا القرآن، هذا القرآن انّما هو خط مسطور بين الدفتين لا ينطق بلسان ولابدّ له من ترجمان، وانّما ينطق عنه الرجال، ولمّا دعانا القوم إلى أن نحكّم بيننا القرآن لم نكن الفريق المتولّي عن كتاب الله سبحانه وتعالى، وقد قال الله سبحانه: (فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شيء فَرِدُّهُ إلى اللهِ وَ الرسول) فردّه إلى الله أن نحكم بكتابه، وردّه إلى الرسول أن نأخذ بسنّته، فإذا حكم بالصدق في كتاب الله فنحن أحق النّاس وأولاهم بها»(1).

وفي كلام آخر له:

«فانّه حكم الحكمان ليُحييا ما أحيا القرآن ويميتا ما أمات القرآن، وإحياؤه الاجتماع عليه، وإماتته الافتراق عنه، فإن جرّنا القرآن إليهم، اتبعناهم، وإن جرّهم إلينا اتبعونا، فلم آت ـ لا أباً لكم ـ بُجراً ولا خَتلْتكم عن أمركم، ولا لبّستُه عليكم، انّما اجتمع رأي مَلَئكم على اختيار رجلين أخذنا عليهما ألاّ يتعدَّيا القرآن (2).

وقد جاء في نفس الميثاق الذي أملاه على التصريح بأنّ الحكم هوالقرآن، وانّ دور الحكمين هو انطاق القرآن في محلّ النزاع وقد جاء في


1. الرضي: نهج البلاغة، الخطبة 125.
2. الرضي: نهج البلاغة، الخطبة 127.


(80)

الميثاق قوله:

«وان كتاب الله سبحانه وتعالى بيننا من فاتحته إلى خاتمته نحيي ما أحيا القرآن ونميت ما أمات القرآن فان وجد الحكمان ذلك في كتاب الله اتّبعناه، وإن لم يجداه أخذا بالسنّة العادلة غير المفرقة»(1).

وبعد هذه الكلم الواضحة، المعربة عن حقيقة الحال، كان اصرارهم على نقض الميثاق صادراً عن جهل وعجز في الرأي.

وأمَا الوجه الثالث: أي أنّه يستلزم من قبول التحكيم كونهم ضالّين في نضالهم وجهادهم طيلة شهور، وانّ الدماء التي اُريقت، انّما اُريقت في غير وجه الحق، فهو أوهن من الوجهين السابقين، وذلك لأنّه سبحانه كما أمر بالقتال والنضال في كتابه وقال:

(قاتِلُوا الَّذِيْنَ لا يُوْمِنُونَ بِالله وَ لا بِالْيَوْمِ الآخِرِ....)(2).

وقال سبحانه:

(وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةُّ وَيَكُونَ الدِينُ كَلُّهُ للهِ...)(3)

كذلك أمر بالصلح والسلم في غير واحد من آياته، وقال:

(وَاِن جَنَحُوْا لِلسَّلْمِ فَاْجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ....)(4)

وقال سبحانه:

(وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤمِنِينَ اقْتَتَلُوْا فَاَصْلِحُوْا بَيْنَهُما فَاِنْ بَغَتْ إحْديهُما عَلى الاُخْرى فَقاتِلُوا التِي تَبْغِي حَتّى تَفِىء إلَى أمْرِ الله فَإنْ فَآتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بالْعَدْلِ)


1. الطبري: التاريخ 4/38 .
2. التوبة: 29 .
3. الأنفال: 39 .
4. الأنفال: 61 .


(81)

وَأَقْسِطُواْ إنَّ اللّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ))(1)

الصلح والايقاف ليسا دليلا على أنّ الدماء الّتي اُرقيت إنّما اُرقيت في غير وجه الحقِ، وعلى ذلك فكل من الحرب والصلح، والنضال والموادعة حكم من أحكام القرآن، يطبّق كل في مورده وذلك حسب مايراه الحاكم الإسلامي وعلى ذلك جرت سيرة الرسول الأكرم، فقد ناضل قريشاً في بدر واُحد وقاتلهم في الأحزاب، وقد اُريقت من دماء المسلمين مالايستهان بها، ومع ذلك فقد صالح قريشاً في الحديبية، وكتب بينه وبينهم ميثاق الصلح على ما مرّ الإيعاز إليه في كلام علي ـ عليه السَّلام ـ حتّى انّ قريشاً أبوا أن يكتب «رسول الله» إلى جانب اسمه، وألزموه بتجريد اسمه عن الرسالة كما أبى معاوية وعمروبن العاص إلاّ أن يكتب اسم عليّ مجرّداً عن الإمارة، فكان في ذلك اقتداء بالنبي، فالدماء التي اُرقيت في ساحات القتال إذا كانت لوجه الله فلا تنقلب عمّا عليه، وأصحابها شهداء، أحياء عند ربهم يُرزقون، ولا يأبى ذلك أن يصالح القائد الإسلامي إذا اقتضت المصلحة لظروف مختلفة، مع العدو وكلا الحكمين حكم الله.

وأمّا الوجه الرابع: فقد أجاب عنه الإمام بعد ما قام إليه رجل من أصحابه فقال: نهيتنا عن الحكومة ثمّ أمرتنا بها فلم ندر أىّ الأمرين أرشد؟ فصفق ـ عليه السَّلام ـ إحدى يديه على الاُخرى ثم قال:

«هذا جزاء من ترك العُقْدة(2) أما والله لو انّي حين أمرتكم به، حملْتُكم على المكروه الذي يجعل الله فيه خيراً، فان استقمتم هديتكم، وإن اعوججتم قوّمتكم، وإن ابيتم تداركتم، لكانت الوثقى، ولكن بِمَنْ وإلى مَنْ؟ اُريد أن


1. الحجرات: 9 .
2. العقدة: الرأي الوثيق.


(82)

اُدواي بكم وأنتم دائي»(1) .

أقول: إنّ القوم كانوا بُعَداء عن التفكير الصحيح فزعموا أنّ هنا تناقضاً في الرأي، مع أنّه لا منافاة بينهما بعد فرض اختلاف ظرف الحكمين، ففيما كان الإمام قائداً مُطاعاً، كان الحق هو مواصلة الحرب، ولذاك كان يصرّ على المواصلة، وعند ما عُصِيَ، وخُولِفَ، لم يكن بدّ من التنازل إلى الحكم ألآخر، فلا الإيقاف يبطل حكم القتال وأجر الشهداء ولا الحكم بالقتال يلازم بطلان الهدنة وعدم صحّته إذا اقتضت المصلحة ذلك وفقاً لا ختلاف الظروف.

* * *


1. الرضي: نهج البلاغة، الخطبة 121 .


(83)

الفصل الرابع

تحرّكاتهم السياسيّة بعد مبدأ التحكيم


(84)


(85)

لمّا تمّت الإتفاقية، وشهد عليها شهود، وقُرِأت على الناس، انسحب معاوية إلى جانب الشام، وتوجّه الإمام نحو الكوفة مع جيشه وأصحابه ورافقه المعترضون على التحكيم الذين عرفوا بالمحكِّمة، فدخل الإمام الكوفة دار هجرته وامتنعت المحكِّمة عن الدخول، وذهبوا إلى قرية «حروراء» كما ذهب قسم منهم إلى معسكر نخيلة اعتراضاً على عليّ وحكْمهِ. وقد أعربوا بعملهم هذا أنّهم متخلِّفون عنه، وعن أوامره، وخارجون عن طاعته، ولقد كان لهم ألوان متفاوتة في مخالفتهم ولكن الجميع يشتركون في كونها ردود فعل لما آل له التحكيم ونذكر أبرزها:

1 ـ التظاهر ضد علي ـ عليه السَّلام ـ بقولهم «لا حكم إلاّ لله» في المسجد وخارجه خصوصاً عند قيام الإمام بالقاء الخطب.

2 ـ تكفير عليّ ـ عليه السَّلام ـ وأصحابه الذين وفوا بالميثاق.

3 - تأمين أهل الكتاب وارهاب المسلمين وقتل الأبرياء.

وأمّا ما قام به الإمام في مقابل هذه المواقف فكلّها ينبع عن عطفه وحنانِه على الأعداء وصبره الجميل تجاه المآسي، وإليك بيانه:


(86)

1 - قام عليّ ـ عليه السَّلام ـ بتبيين موقفه من كتاب الصلح وانّه ما أمضاه إلاّ باصرار منهم وإرهاب ضدّه.

2 - التعامل معهم كسائر المسلمين في الجوائز والعطايا.

3 ـ بعث شخصيات كبيرة لهدايتم، وارجاعهم عن غيّهم.

4 - محاولة أخذ الثأر من قتلة عبدالله بن خباب بن الارت وزوجته عندما قتلا بايدي سفلة الخوارج وإليك بيان الجميع:

الف ـ التظاهر ضدّ عليّ ـ عليه السَّلام ـ

:

روى الطبري: «لمّا وقع التحكيم ورجع عليّ من صفيّن، رجعوا متباينين له، فلمّا انتهوا إلى النهر أقاموا به، فدخل عليّ في الناس الكوفة ونزلوا بحروراء وبعث إليهم عبدالله بن عباس فرجع ولم يصنع شيئاً، فخرج إليهم عليّ فكلّمهم(1) حتى وقع الرضى بينه و بينهم، فدخلوا الكوفة، فأتاه رجل فقال، إنّ النّاس قد تحدّثوا أنّك رجعت لهم عن كفرك، فخطب الناس في صلاة الظهر فذكر أمرهم فعابه، فوثبوا من نواحي المسجد يقولون: لا حكم إلاّ لله، و استقبله رجل منهم واضعاً إصبعه في اذنيه، فقال: «وَلَقَدْ أوحى إلَيْكَ وإلى الَذينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ اَشْرَكْتَ لَيُحْبِطَنَّ عَمَلكَ وَلَتَكُوننَّ مِنَ الخاسِرين». فقال عليّ: «فاصْبِر إنَّ وَعَدالله حقُّ ولا يَستَخفنّك الذين لا يوُقِنون»(2).

وببالي ورد في بعض المصادر: انّ الرجل صاح بالآية و الإمام في اثناء الصلاة، فأجابه الإمام بتلاوة الآية التي عرفتها.


1. سيوافيك ما تكلم به معهم في خاتمة المطاف .
2. الطبري: التاريخ 4/54 .


(87)

ب ـ تكفير عليّ و أصحابه:

أكبر كلمة كانت تصدر من أفواه الخوارج هو تكفير عليّ لأجل قبول التحكيم وكأنّه خطيئة وارتكاب الخطيئة عندهم كفر، كما هو أحد اُصولهم التي نبحث عنها عند عرض عقائدهم، ويكفي في ذلك ما نقله الطبري في مذاكرة علي مع حرقوص بن زهير السعدي، وزرعة بن برج الطائي ومرّ النصّ في أوّل الفصل السابق.

وإلى هذا يشير الإمام في بعض كلامه حيث قال لهم:

«أصابكم حاصِب(1) ولابقى منكم آبِر(2)، أبعد إيماني بالله، وجهادي مع رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ أشْهَدُ على نفسي بالكفر؟ لقد ضللت اِذاً وما أنا من المهتدين، فاوبوا شرّمآب، وارجعوا على أثر الأعقاب، أما انّكم ستلقون بعدي ذلاّ شاملا و سيفاً قاطعاً وإثرة(3) يتخذها الظالمون فيكم سنّة»(4).

ج ـ قتل الأبرياء:

و المدهش من أخبارهم انّهم كانوا يقتلون المسلمين ويجيرون المشركين و أهل الكتاب.

روى المبّرد في كامله: إنّ القوم مضوا إلى النهروان، وقد كانوا أرادوا المضي إلى المدائن فأصابوا في طريقهم مسلماً و نصرانياً، فقتلوا المسلم، لأنّه عندهم كافر، إذكان على خلاف معتقدهم، واستوصوا بالنصراني وقالوا:


1. الحاصب: الريح الشديدة التي تثير الحصباء .
2. الآبر: الذي يأبّر النخل أي يصلحه .
3. الاثرة: الاستبداد عليهم بالفئ و الغنائم، قال: النبي للأنصار:«ستلقون بعدي إثرة فاصبروا حتى تلقوني» .
4. الرضي: نهج البلاغة، الخطبة 58.


(88)

احفظوا ذمّة نبيّكم.

قال المبّرد: وحدثت أنّ واصلَ بن عطاء أقبل في رفقة فاحسُّوا بالخوارج، فقال واصل لأهل الرفقة: إنّ هذا ليس من شأنكم فاعتزلوا ودعوني وإيّاهم، وكانوا قد أشرفوا على العطب. فقالوا: شأنّك، فخرج إليهم، فقالوا: ما أنت و أصحابك فقال: قوم مشركون مستجيرون بكم ليسمعوا كلام الله، ويفهموا حدوده. قالوا: قد أجرناكم، قال: فعلِّمُونا، فجعلوا يعلِّمُونَهم أحكامَهم، ويقول واصل: قد قبلت أنا ومن معي. قالوا: فامضوا مصاحبين فقد صرتم اخواننا. فقال: بل تبلغوننا مأمننا. لأنّ الله تعالى يقول:«و إنْ إحدٌ مِنَ المُشْرِكُينَ استَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتى يَسمَعَ كلامَ الله ثُمَّ اَبْلِغْه مأْمَنَهُ»(1) فنظر بعضم إلى بعض، ثم قالوا: ذاك لكم، فصاروا معهم بجمعهم حتّى ابلغوهم المأمن(2).

ومع ذلك قتلوا عبدالله بن خباب بن الارت ـ كما سوافيك بيانه في الفصل القادم ـ وبقروا بطن زوجته المتم.

وأمّا السياسة الحكيمة التي مارسها الإمام ازاء أعمالهم قبل تحركاتهم العسكرية فقد وقفت على رؤوسها، وإليك الإيعاز إليها ثانياً ليقع مقدمة للشرح والتبيين.

1 - تبيين موقفه في مسألة التحكيم، وانّه لم يكن راضياً به وفرض عليه بارهاب.

2 - التعامل معهم كسائر المسلمين.


1. التوبة: 6 .
2. المبرّد: الكامل 2/122 مكتبة المعارف بيروت، و ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 2/281، و المبرد متهم ـ عند ابن أبي الحديد ـ بالميل إليهم، و لكنا سبرناكامله، فلم نر شيئاً يدلّ عليه، غير انّه سرد تاريخهم و في بعض الموارد طعن بهم.


(89)

3 - بعث الشخصيات لارجاعهم عن غيّهم.

و إليك بيان كل ذلك.

1 - الإمام يبيّن موفقه من التحكيم:

قام الإمام بتبيين موقفه في مسألة التحكيم وانّه لم يكن ضلالا في نفسه ولا كان الإمام مخادعاً، فقال في بعض كلماته:

«فلم آت لا أباً لكم بُجْراً، ولا خَتَلْتُكم عن أمركم، ولا لبَّستُه عليكم، و إِنّما اجتمع رأي مَلَئِكُم على اختيار رجلين...»(1).

هذا نموذج من كلماته حول التحكيم حيث بيّن فيها موقفه في هذه المسألة و انّه كان طبق الكتاب و السنّة فلنكتف بذلك و لنرجع الى ما بقى من السياسة الحكيمة التي مارسها معهم.

2 - التعامل معهم كسائر المسلمين:

تعامل الإمام مع الخوارج كسائر المسلمين ولم ينقص من حقوقهم شيئاً مادام لم يشنّوا الحرب عليه، روى الطبري عن كثير الحضرمي قال: قام عليّ في الناس يخطبهم ذات يوم، فقال رجل من جانب المسجد: لا حكم إلاّ لله، و قام آخر فقال مثل ذلك، ثم توالى عدّة رجال يحكمون، فقال عليّ: الله أكبر كلمة حقّ يراد بها باطل أما انّ لكم عندنا ثلاثاً ما صحبتمونا: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه، و لانمنعكم الفيء مادامت أيديكم مع أيدينا، ولانقاتلكم حتّى تبدؤنا، ثمّ رجع إلى مكانه الذي كان من خطبته(2)


1. الرضي: نهج البلاغة، الخطبة 127.
2. الطبري: التاريخ 4/53 .


(90)

3 - بعث الشخصيات لإرجاعهم عن غيّهم:

قام الإمام بإرسال أكابر أصحابه رجاء هداية بعضهم، فبعث عبدالله بن عبّاس الى معسكرهم فجرى بينه و بينهم مفاوضات ذكرها المؤرّخون، قال المبرّد: إنّ أميرالمؤمنين لمّا وجّه إليهم عبدالله بن عبّاس ليناظرهم قال لهم: ما الذي نقمتم على أميرالمؤمنين، قالوا له: قد كان للمؤمنين أمير، فلمّا حكم في دين الله خرج من الإيمان، فليتب بعد اقراره بالكفر نَعُدْ إليه، قال ابن عباس: ما ينبغي لمؤمن لم يشب إيمانه بشك ان يقر على نفسه بالكفر، قالوا: إنّه حكّم، قال: إنّ الله أمر بالتحكيم في قتل صيد فقال: (يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدَل مِنْكُمْ)(1) فكيف في إمامة قد أشكلت على المسلمين؟ فقالوا إنّه حكم عليه فلم يرض، فقال: إنّ الحكومة كالإمامة، متى فسق الإمام وجبت معصيته، و كذلك الحكمان لمّا خالفا نبذت أقاويلهما، فقال بعضهم لبعض: اجعلوا احتجاج قريش حجّة عليهم، فإنّ هذا من الذين قال الله فيهم (بَلْ هُمْ قَومٌ خَصِمُونَ)(2) وقال جلّ ثناءه: (وَلتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدّاً)(3).

إنّ حوار ابن عباس معهم كان حجّة دامغة فقد احتجّ عليهم بالقرآن فما أجابوه بشيء .

والعجب انّهم كانوا يرون التحكيم على خلاف الكتاب و السنّة وانّ الرضا به بمنزلة الكفر، و مع ذلك كانوا يصرّون على انّه يجب على الإمام أن يخضع لنتيجة التحكيم، فإنّ الحكمين لمّا عزلاه عن مقام الحكومة يجب عليه التنازل. فما هذا التناقض بين المبدأ والنتيجة، والتحكيم عندهم كفر وزندقة ولكن


1. المائدة: 95 .
2. الزخرف: 58 .
3. مريم: 97 .


(91)

الأخذ بنتيجته عين التوحيد و التديّن، كل ذلك يعرب عن وجود العمى في القلوب و الصمم في الأسماع .

ثمّ انّ الإمام لم يكتف ببعث ابن عمه بل قام بنفسه بهذا الأمر الخطير، فركب علي ـ عليه السَّلام ـ إلى حروراء، فخاطبهم بقوله: ألا تعلمون أنّ هؤلاء القوم لمّا رفعوا المصاحف، قلت لكم إنّ هذه مكيدة ووهن، و انّهم لو قصدوا إلى حكم المصاحف لآتوني وسألوني التحكيم؟ أفتعلمون أنّ أحداً كان أكره للتحكيم منّي؟ قالوا: صدقت، قال: فهل تعلمون أنّكم استكرهتموني على ذلك حتى أجبتكم إليه، فاشترطت أنّ حكمهما نافذ ما حكما بحكم الله، فمتى خالفاه، فأنا و أنتم من ذلك براء، و أنتم تعلمون أنّ حكم الله لايعدوني، قالوا: الّلهم نعم، قال: و كان معهم في ذلك الوقت ابن الكواء (قال: و هذا من قبل أن يذبحوا عبدالله بن خباب، وانّما ذبحوه في الفرقة الثانية بـ «كسكره») فقالوا له: حكمت في دين الله برأينا ونحن مقرّون بأنّا كنّا كفرنا، و لكنّا الآن تائبون فَأَقِرّ بمثل ما أقررنا به، وتب ننهض معك إلى الشام، فقال: «أما تعلمون أنّ الله تعالى قد أمر بالتحكيم في شقاق بين رجل وامرأته»، فقال سبحانه: (فَابْعَثُوا حَكَمَاً مِنْ أهْلِهِ وحَكَمَاً مِنْ أهلِهآ) وفي صيد اصيب كأرنب يساوي نصف درهم فقال (يَحْكُمْ بِهِ ذَوا عَدْل مِنْكُمْ) .

فقالوا له: فإنّ عمراً لمّا أبى عليك أن تقول في كتابك: «هذا ما كتبه عبدالله علي أميرالمؤمنين» محوت اسمك من الخلافة و كتبت «علي بن أبي طالب» فقد خلعت نفسك، فقال: لي في رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ أسوة حين أبى عليه سهيل بن عمرو أن يكتب: «هذا كتاب كتبه محمّد رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ و سهيل بن عمرو» وقال له: لو أقررت بأنّك رسول الله ما خالفتك، ولكنّي اُقدمّك لفضلك، فاكتب «محمّد بن عبدالله»


(92)

فقال لي: يا علي، امح «رسول الله» فقلت: يا رسول الله لا تسخو نفسي على محو اسمك في النبوّة فقال: قفني عليه، فمحاه بيده، ثم قال: «اكتب محمّد بن عبدالله» ثم تبسّم إليّ وقال: يا عليّ، أما أنّك ستسامُ مثلها فتعطي، فرجع معه منهم ألفان من حروراء وقد كانوا تجمّعوا بها فقال لهم علي ـ عليه السَّلام ـ مانسميّكم؟ ثم قال: أنتم الحرورية، لاجتماعكم بحروراء(1).

وللامام خطبة اُخرى بيّن فيها شبهة الخوارج و أجاب عنها بشكل واضح، فمن أراد فليرجع إلى «نهج البلاغة» (2)

هذا بعض ما مارَسَه الإمام تجاه غيّهم و كلّها تكشف عن سعة صدره، وقوّة صبره، واخلاصه في الدين، و لكّن القوم تمادوا في طغيانهم و أعادوا في خواتيم أمرهم، ما تظاهروا به في بدء غوايتهم، غير انّهم لم يكتفوا به فأراقوا دماء طاهرة، فلم يكن بدّ للامام من قطع مادة الفساد، فما قام بالمواجهة المسلَّحة إلاّ بعدما بذل كل ما في وسعه من النصح و الإرشاد، و بعد أن بلغ السيل الزبى، فردّ الحجر من حيث جاء.

***


1. المبرّد: الكامل 2/135-136 ط مكتبة المعارف و له كلام معهم ذكره المبرّد أيضاً في 2/156. نأتي به عند محاكمة الأشعث فانتظر، ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 2/274-275.
2. نهج البلاغة، الخطبة 127 .


(93)

الفصل الخامس


موقف الإمام من رأي الحكمين
(94)


(95)

لقد صالح الامام معاوية و أوكل الأمر الى الحكمين في ثلاثة عشر خلت من شهر صفر عام 37 من الهجرة، و اتّفقا على أنّ الحكمين يجتمعان بدومة الجندل ليرفعا ما رفع القرآن، و يُخَفِضّا ما خفّض القرآن، وقد اجتمعا هناك في شعبان ذلك العام، و كانت النتيجة أن خلع أبو موسى الإمام عن الخلافة، و نصب عمروبن العاص معاوية بن أبي سفيان إماماً للمسلمين، كل ذلك بخداع معروف في التاريخ، حيث اتّفقا سرّاً على أن يخلعا علياً و معاوية عن الحكم حتى يوليّ المسلمون لأنفسهم والياً، ولمّا أرادا الإدلاء برأيهما خدع عمروبن العاص أباموسى الأشعري فقال له: تقدَّم وأدل برأيك، فقال: يا أيّها الناس إنّا قد نظرنا في أمر هذه الاُمّة فلم نرأصلح لأمرها، و لا ألمّ لشعثها من أمر قد جمع رأيي ورأي عمروعليه، و هو أن نخلع علياً ومعاوية و تستقبل هذه الاُمة الأمر فيولّوا منهم من أحبّوا عليهم، وانّي قد خلعت علياً و معاوية فاستقبلوا أمركم وولّوا عليكم من رأيتموه لهذا الأمر أهلا، ثم تنحّى و أقبل عمروبن العاص فقام مقامه فحمدالله و أثنى عليه و قال: إنّ هذا قد قال ما سمتعم و خلع صاحبه و أنا أخلع صاحبه كما خلعه و اُثبِتُ صاحبي معاوية فإنّه ولي عثمان بن عفان(رضي الله عنه)


(96)

والطالب بدمه و أحقّ الناس بمقامه، فقال أبو موسى: مالك لا وفّقك الله غدرتَ و فجرت(1)إنّما مثلك مثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، قال عمرو: إنما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفاراً، و حمل شريح بن هاني على عمرو فقنعه بالسوط و حمل على شريح ابن لعمرو فضربه بالسوط، و قام الناس فحجزوا بينهم، وكان شريح بعد ذلك يقول: ما ندمت على شيء ندامتي على ضرب عمرو بالسوط ألا أكون ضربته بالسيف آتياً به الدهر ماأتى، و التمس أهل الشام أباموسى فركب راحلته و لحق بمكّة، قال ابن عباس: قبّح الله رأي أبي موسى حذّرته و أمرته بالرأي فما عقل، فكان أبوموسى يقول: حذِّرني ابن عباس غدرة الفاسق ولكنّي إطمأننت اليه و ظننت أنّه لن يؤثِرَ شيئاً على نصيحة الاُمّة، ثم انصرف عمرو وأهل الشام الى معاوية وسلّموا عليه بالخلافة، ورجع ابن عباس و شريح بن هاني الى علي ـ عليه السَّلام ـ و كان إذا صلّى الغداة يَقْنُتُ فيقول: الّلهمّ إلعن معاوية و عمراً و أباالأعور السلمي و حبيباً و عبدالرحمن بن خالد و الضحاكَ بن قيس و الوليد، فبلغ ذلك معاوية فكان اذا قنتَ لعن علياً و ابن عباس و الأشتر و حسناً و حسيناً.

وزعم الواقدي انّ اجتماع الحكمين كان في شعبان سنة 38 من الهجرة(2). لمّا بلغ علياً ماجرى بين الحكمين من الحكم على خلاف كتاب الله و سنّة رسوله و غدر عمروبن العاص و انخداع أبي موسى قام خطيباً، رافضاً ما حكم به الحكمان الجائران، وقال:


1. هذا من الصحابة العدول عند القوم، فاقض ما أنت قاض فهذا الصحابي يصف زميله بالفجور و الغدر، و الجمهور يصفون الجميع بالتقى و العدل .
2. الطبري: 4/51-52. و ما نقله عن الواقدي غير صحيح لما عرفت سابقاً: انّه كان اللازم على الحكمين الإدلاء برأيهما قبل انقضاء موسم الحج و قد اتفق الطرفان في صفر عام 37. فكيف يكون الاجتماع عام 38؟.


(97)

«الحمدلله و إن أتى الدهر بالخطب الفادح، و الحدث الجليل، وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له، ليس معه إله غيره، و أنّ محمّداً عبده و رسوله، صلّى الله عليه».

أمّا بعد: فإنّ معصية الناصح، الشفيق العالم، المجرَّب، تورث الحسرةَ، وتَعْقِبْ الندامة، وقد كنت أمرتكم في هذه الحكومة أمري، و نخلت لكم مخزون رأيي، لوكان يطاعُ لقصير أمر، فأبيتم عليّ اباء المخالفين الجفاة، و المنابذين العصاة، حتّى ارتاب الناصُح بِنُصحه، و ضنَّ الزنْدُ بقَدْحِه، فكنت أنا و إياكم كما قال أخو هوازن:

أمرتكم أمري بمنعَرَج اللّوى * فلم تستبينوا النصح إلاّ ضحى الغد(1)

صدق الإمام، انّ من الخطب الفادح، و الحدث الجليل، خلع صدّيق الاُمّة و أوّل من آمن برسالة النبي الأكرم و صدّق به و بات في فراشه، دفعاً لريب المنون، وجاهد في سبيل الله بنفسه و نفيسه و شهد المعارك كلها إلاّ تبوك، (و كان ذلك بأمر النبي)، الى غير ذلك من فضائل و مناقب و مآثر جمّة اعترف بها الصديق و العدّو و القريب و النائي .

إنّه من المصائب العظام نصب معاوية بن أبي سفيان الطليق بن الطليق، ابن آكلة الأكباد، للخلافة و الزعامة الإسلامية، و أنّى هو من الإسلام، و هو ثمرة الشجرة الخبيثة الملعونة في القرآن، أو ليس هذا من أدهى الدواهي؟ ولإجل ذلك نرى انّ الإمام يصف تلك الحادثة المريرة، بالخطب الفادح و الحديث الجليل.

هذا ما يرجع الى نفس الخلع و النصب وأمّا ما كان يرجع الى الحكمين فكان عليهما قبل ادلاء الرأي في حقّ عليّ و معاوية، دراسة الأسباب التي أدّت


1. الرضي: نهج البلاغة، الخطبة 35.


(98)

الى إشعال نار الفتنة و اراقة الدماء الطاهرة حيث أسفرت حرب صفين عن مقتل خمسة وأربعين ألف نفر من جيش معاوية، و شهادة خمسة و عشرين ألف نفر من جيش الإمام علي بن أبي طالب(1) كلّ ذلك لأجل الأخذ بثأر شخص واحد، أفيصح في ميزان العدل و النصفة أن تزهق هذه النفوس كلّها مقابل ذلك؟ فهل كان الأساس لشنّ الحروب على عليّ ـ عليه السَّلام ـ هو حكم القرآن الكريم و السنّة النبويّة؟ وهل هما يسوّغان لأخذ ثأر انسان واحد، ارتكاب تلك الجنايات الهائلة؟ أو أنه كان أخذ الثأر واجهة لما يطمح إليه معاوية من دفع الإمام عن مقامه و ركوبه منصّة الخلافة، أو إلجاء عليّ إلى ابقاء ابن الطلقاء في المقام الذي كان يُشْغِلُه طيلة خلافة الخليفتين كما طلبه من الإمام قبل الحرب و خلالها؟

كان على الحكمين دراسة المواضيع التالية حتى يتبين من له الحق عمّن عليه و هي:

1 ـ دراسة الأسباب التي أدّت الى قتل الخليفة عثمان، وهل كان هناك مبّرر لقتله أو لا؟

2 ـ إنّ قيادة الإمام بعد قتل عثمان هل كانت قيادة قانونية و شرعية، حيث بايعه المهاجرون و الأنصار و تمت البيعة له في مسجد النبي الأكرم ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ بمرأى و مسمع من الناس من دون أيّ جبر و إكراه؟! و لم تكن هناك بيعة أصلا، أو كانت البيعة عن إكراه لاعن اختيار؟

3ـ اذا خرج الباحث من دراسة الأمر الثاني بأنّ قيادة الإمام كانت قيادة شرعية هل كان هناك مبّرر لمعاوية لرفض بيعة المهاجرين و الأنصار، و تأخير بيعته الى أن يقوم بأخذ الثأر، ويدفع الإمام إليه قتلة الخليفة و كأنّه هو الخليفة


1. نصربن مزاحم: وقعة صفّين 643 .


(99)

ـ معاوية ـ؟ و هل يكون معاوية بعمله و رفضه و خروجه باغياً على الإمام المفترض طاعته و قد جاء حكم الباغي في الذكر الحكيم(1).

أو كان على معاوية أن يدخل في جماعة المسلمين و لايشُق عصاهم بالتقاعس عنه، ثم يرفع الخصومة الى صاحب البيعة فيرى رأيه.

4 ـ اذا ثبت أنّ عثمان قتل مظلوماً في عقر داره و انّه يجب أخذ ثاره من قتلته، فعندئذ يقع الكلام في أنّ أخذ الثار هل هو وظيفة الخليفة أو وظيفة معاوية أو لا هذا ولا ذاك، و إنّما هو راجع الى ولد عثمان؟

5 ـ نفترض أنّ أخذ الثار وظيفة الإمام، فهل كان ـ صلوات الله عليه - قادراً على تنفيذ حكم القصاص أو كانت الظروف السائدة لا تسمح بذلك؟

6 ـ اذا كان طلحة و الزبير في نكث البيعة، و في اخراج زوجة الرسول من بيتها ـ وقد امرت بالمكث فيه ـ وفي اخراج عامل الإمام من البصرة و قتل حرسه الى غير ذلك من الاُمور التي أدّت الى حرب الجمل، اذا كانا في هذه الاُمور معذورين، مجتهدين، و ان كانا مخطئين، فهل يصحّ تبرير عمل قتلة عثمان بالخطأ في الاجتهاد أولا؟

7 ـ و على فرض لزوم الاقتصاص و رفض اجتهادهم فهل لخليفة العصر، العفو عن القصاص و ابداله بالديّة كما فعله عثمان في حقّ عبيدالله بن عمر حين قتل هرمزان، و جفينة بنت أبي لؤلؤ بلا ذنب؟(2).

هذه هي المواضع الهامّة التي كانت دراستها أمراً مفروضاً على الحكمين حتّى يخرجا مرفوعي الرأس محيين ما أحياه القرآن و مميتين ما أمات، غير أنّ الحكمين ـ ياللأسف - لم يَنْبَسا فيها ببنت شفة ومرّا عليها مرور اللئام و لكن


1. الحجرات: 9 .
2. الطبري: التاريخ 3/305 .


(100)

لا محيص للباحث المحقق عن قيمة رأي الحكمين من دراستها، ولأجل ذلك نبحث عنها بإيجاز، حتّى يقف القارىء على أنّ رأي الحكمين كما وصف أمير المؤمنين كان خطباً فادحاً و اليك دراستها:

إنّ دراستها على وجه التحقيق تحوجنا الى تأليف مفرد لايناسب وضع الكتاب، غير انّا نشير إليها إشارة عابرة، و نلمع إليها إلماعاً بسيطاً.

أوّلا: قد تعرّفت على بعض الأسباب التي أدّت الى قتل الخليفة و الفتك به، و انّ الاستبداد بالرأي، و تسليط بني أميّة على رقاب الناس، و تخصيص كميّة هائلة من بيت المال لأصحاب الترف و البذخ من أبناء بيته، و تسيير صلحاء الاُمّة من الصحابة و التابعين عن المدينة المنوّرة إلى منافيهم، و أخيراً تعدّي عمّاله و ولاته في العراق و مصر على الطبقات الوسطى، و الفقيرة من المجتمع و.... كل هذه أدّت إلى انتشار السخط و الغضب على الخليفة و عُمّاله إلى أن جنى ثمرة عمله فقتل في عقر داره وبين أبنائه و نسائه بمرأى و مسمع من المهاجرين و الأنصار، و هم بين مجهز عليه، و مؤلّب وراض و محايد. و القضاء في مثل هذه المسألة من صلاحية لجنة عارفة بالكتاب و السنّة، واقفة على حياة الخليفة و ما قام به من الأعمال، و ما نقم عليه من الأفعال حتى تصدر ـ بعد سماع حجج الثائرين ـ عن مصدر قويم و مثل هذه المشكلة لا تحل عقدتها في ساحة الحرب، بل في جوّ هادئ، يكون القاضي فيه مستقّلا في الرأي، و حرّاً في التفكير و التعبير، و نحن لاندخل في هذه المعركة الخطيرة، نترك القضاء فيها إلى تلك اللجنة الخبيرة و نعطف عنان البحث إلى الموضوع الثاني.

ثانياً: إنّ من سبر التاريخ يقف على أنّ بيعة الإمام كانت بيعة شعبية جماهيرية، ولم يكن لها مثيل في تاريخ الخلافة الإسلامية، فاذا قلت:

لم يكن لها مثيل في تاريخ الخلافة فإنّما اقولها عن بيّنة و دليل فإنّ الخليفة


(101)

الأوّل قد خرج عن السقيفة ببيعة لفيف من المهاجرين من الأنصار و تخلّف عن بيعته بنو هاشم و الخزرجيون عامة.

كما انّ عمر بن الخطاب تسنّم منصة الخلافة بإيصاء من الخليفة و لم يكن هناك للناس أيّ رأي ولااختيار.

و قد كانت خلافة عثمان بانتخاب الشورى التي عَيَّنَ أعضاءها الخليفة الثاني ولم يكن للمهاجرين و الأنصار أيّ نظر في تعيين تلك الشورى .

فإذا كان كلّ ذلك معطياً للخلافة، الصبغة القانونية، فبيعة المهاجرين و الأنصار عليّاً هاتفين بأنّهم لايختارون غيره و فيهم الرعيل الأول من صحابة الرسول و التابعين لهم بإحسان، أولى بأن تكون شرعية و قانونية. و اتّفق الباحثون عن كيفية انعقاد الامامة لرجل، على انّ بيعة أهل الحل و العقد من أهل المدينة حجّة على عامّة المسلمين.

يروي الطبري عن محمّد بن الحنيفة قال: كنت مع أبي حين قتل عثمان (رضي الله عنه) فدخل منزله فأتاه أصحاب رسول الله فقالوا: إنّ هذا الرجل قد قتل، ولابدّ للناس من إمام، ولانجد اليوم أحداً أحق بهذا الأمر منك، ولاأقدمَ سابقة ولاأقرب من رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ فقال: لا تفعلوا، فإنّي أكون وزيراً خير من أن أكون أميراً، فقالوا: لا والله ما نحن بفاعلين حتّى نبايعك، قال: ففي المسجد، فإنّ بيعتي لا تكون خفيّة، ولا تكون إلاّ عن رضى المسلمين، قال: سالم بن أبي الجعد: فقال عبدالله بن عبّاس: فلقد كرهت أن يأتي المسجد مخافة أن يشغب عليه، فأبى هو الاّ المسجد، فلمّا دخل، دخل عليه المهاجرون و الأنصار فبايعوه ثم بايعه الناس(1).

وقد حفظ التاريخ أسماء المتخلّفين عن بيعة علي وهم نفر يسير لا يتجاوز


1. الطبري: التاريخ 3/450 .


(102)

العشرة و هذا يدل على أنّ جوّ البيعة كان هادئاً حراً، ولم يكن هناك أيّ ضغط و إجبار، فبايعت الجماهير، و تخلّفت عدة قليلة كانت عثمانية الهوى كحسان بن ثابت، و كعب بن مالك، و مسلمة بن مخلد، وزيد بن ثابت، و النعمان بن البشير، و محمّد بن مسلمة، و رافع بن خديج، وفضالة بن عبيد، و كعب بن عجرة.

يقول الطبري: أمّا حسّان فقد كان شاعراً لا يبالي ما يصنع، وأمّا زيد بن ثابت فولاه عثمان الديوان و بيت المال فلمّا حصر عثمان قال: يا معشر الأنصار، كونوا أنصار الله مرتين، فقال أبو أيّوب: ما تنصره إلا انّه أكثر لك من العضدات، فأمّا كعب بن مالك فاستعمله على صدقة المدينة و ترك ماأخذ منهم له(1)

ولاأظن انّه يوجد على أديم الأرض انتخاب جماهيري لقائد، لايوجد فيه مخالف شاذ يأبى عن البيعة لدوافع شخصيّة.

وقد تعرفت فيما سبق على كلمات الإمام و نزيد في المقام قوله مخاطباً طلحتة و الزبير: والله ما كانت لي في الخلافة رغبة، ولا في الولاية إربة، ولكنّكم دعوتموني إليها و حمّلتموني عليها(2).

ثالثاً: إذا خرجنا بهذه النتيجة: إنَّ بيعة الإمام كانت بيعة شرعية قانونية أطبق عليها المهاجرون و الأنصار، فلأيّ مبّرر يرفض معاوية عليّ و يؤخّر البيعة و يرفع قميص عثمان مطالباً بالثار؟ ولأجل ذلك نرى الإمام يُنَدِّده و يبيّن موقفه من بيعته ويكتب اليه قائلا: إنّه بايعني القوم الذين بايعوا أبابكر و عمر و عثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولاللغائب أن يرد، انّما الشورى للمهاجرين و الأنصار، فإن اجتمعوا على رجل و سمّوه إماماً كان ذلك لله رضى، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة رَدّوه إلى ما خرج منه،


1. الطبري: التاريخ 3/452 .
2. الرضي: نهج البلاغة، الخطبة 200.


(103)

فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولّى(1).

رابعاً: لو خرج الباحث بهذه النتيجة و هو أنّ عثمان قتل مظلوماً في عقر داره، وأنّه يجب أخذ ثأره من قَتَلِته، فلاشك انّ ذلك حقّ ولىّ الدم، قال سبحانه: (وَ منْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَليِّه سُلطَاناً فَلا يُسْرِف فِي القَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً)(2) فهل كان معاوية وليّ الدم، أو أنّ وليّ الدم أولاد المقتول و إن نزلوا. إِنَّ معاوية حسب المقاييس الشرعية لم يكن وليّ الدم و إنّما أولياؤه ولده فلهم حق القصاص، ولكن لا ينالون حقّهم إلاّ برفع الأمر الى المحكمة الصالحة لتنظر في أمرهم. ولو عجزت المحكمة، فلهم الاستنجاد بغيرهم، لا في بدء الأمر، ولأجل ذلك نرى أنّ الإمام يُندّد بقيامه بأخذ الثأر ولايراه صالحاً لهذا الأمر ويكتب الى معاوية: «زعمت أنّك انّما أفسد عليك بيعتي خطيئتي في عثمان»: ولعمري ما كنت إلاّ رجلا من المهاجرين أوْرَدْتُ كما أوردوا، وأصدرتُ كما أصدروا، و ما كان الله ليجمعهم على ضلال، ولا ليضربهم بالعمى و بَعْد فما أنت و عثمان، إنّما أنت رجل من بني أميّة، وبنو عثمان أولى بمطالبة دمه، فإن زعمت أنّك أقوى على ذلك فادخل فيما دخل فيه المسلمون، ثم حاكم القوم إليّ(3) .

وفي لفظ ابن قتيبة: أمّا قولك ادفع إليَّ قتلة عثمان، فما أنت وذاك؟ وهاهنا بنو عثمان، و هم أولى بذلك منك، فإن زعمت أنّك أقوى على طلب دم عثمان منهم فارجع الى البيعة التي لزمتك و حاكم القوم إليَّ(4) .

خامساً: إذا خرجنا بهذه النتيجة، أنّ أخذ الثأر و إن كان حقّاً ثابتاً لأولياء


1. الرضي: نهج البلاغة قسم الكتب برقم 6 وفي ذيل الكتاب إشارة الى قوله سبحانه(و من يشاقق الرسول...)النساء: 115 .
2. الاسراء: 33.
3. المبرّد: الكامل 1/194 مكتبة المعارف بيروت .
4. ابن قتيبة: الامامة و السياسة 1/88 .


(104)

الدم، لكنّهم لايقومون بأخذ حقّهم مباشرة، بل اللازم عليهم رفع الشكوى الى المحاكم الصالحة التي أقامها وليّ المسلمين أعني الخليفة المفترض طاعته، وإلا فلو قام وليّ الدم بالقصاص و أخذ الحق مباشرة، لزم الفوضى في المجتمع، كما هو واضح لكلّ من له إلمام بالمسائل الاجتماعية، فإذا كان هذا حقّاً ثابتاً للإمام، فهل كان الإمام قادراً على تنفيذ حكم القصاص في حق اولئك الثائرين، أو كانت الظروف لاتساعد إجراء الحكم، ولا تعلم حقيقة الحال إلاّ بدراسة الموضوع تاريخياً، فإنّه يشهد على أنّ الثائرين لم يكونوا أشخاصاً معيّنين، بل كانت هناك انتفاضة شعبية مختلطة من الكوفيين والبصريين والمصريين، والمدنيين، وقد حاصروا بيت الخليفة قرابة أربعين يوماً، ولم يكن في وسع أصحاب النبي رفع هذا الحصار أو تقويضه إلى أن حدثت حوادث مريرة أدّت إلى الهجوم العنيف على داره، وقد بلغ المهاجمون من الكثرة مالايحصيه أحد، ويعلم صحّة ذلك من الأمر التالي:

إنّ أبا مسلم الخولاني قام إلى معاوية في اُناس من قرّاء أهل الشام قبل مسير أمير المؤمنين إلى صفين فقالوا له: يا معاوية علامَ تقاتل عليّاً وليس لك مثل صحبته ولاهجرته ولاقرابته ولاسابقته؟ قال معاوية لهم: مااُقاتل علياً وأنا أدعّي أنّ لي في الإسلام مثل صحبته ولاهجرته ولاقرابته ولاسابقته ولكن خبّروني عنكم: ألستم تعلمون أنّ عثمان قتل مظلوماً؟ قالوا: بلى. قال: فلْيَدَعْ إلينا قتلته، فنقتلهم به، ولا قتال بيننا و بينه. قالوا: فاكتب إليه كتاباً يأتيه به بعضنا، فكتب إلى عليّ هذا الكتاب مع أبي مسلم الخولاني فقدم به على عليّ ثم قام أبومسلم خطيباً فحمدالله وأثنى عليه، ثم قال: أمّا بعد فإنّك قد قمت بأمر وتولّيته، والله ما أحبُ أنّه لغيرك، أن أعطيت الحق من نفسك، إنّ عثمان قتل مسلماً، محرماً، مظلوماً، فادفع إلينا قتلته، و أنت أميرنا، فإن خالفك أحد من


(105)

الناس كانت أيدينا لك ناصراً، وألسنتنا لك شاهداً، و كنت ذا عذر وحجة.

فقال له علي: اغدُ عَليّ غداً، فخذ جواب كتابك، فانصرف ثم رجع من الغد ليأخذ جواب كتابه فوجد الناس قد بلغهم الذي جاء فيه، فلبست الشيعةُ أسلحتها ثم غدوا فملأوا المسجد و أخذوا ينادون: كلنّا قتل ابن عفان، وأكثروا من النداء بذلك، واُذن لأبي مسلم فدخل على عليّ أميرالمؤمنين فدفع إليه جواب كتاب معاوية، فقال له أبومسلم: قد رأيت قوماً مالك معهم أمر. قال: وما ذاك؟ قال: بلغ القوم انّك تريد أن تدفع إلينا قتلة عثمان، فضجّوا و اجتمعوا و لبسوا السلاح و زعموا أنّهم كلّهم قتلة عثمان، فقال علي: والله ما أردت أن أدفعهم إليك طرفة عين، لقد ضربت هذا الأمر أنفه و عينيه، مارأيته ينبغي لي أن أدفعهم إليك ولاإلى غيرك.(1)

نحن نفترض انّ بعض من لبس السلاح في هذه الواقعة لم يكونوا من المهاجمين، أوالمؤلّبين، أوالمجهزين، لكن تواجد هذه الكميّة الهائلة من المتبنّين لهذه الفكرة في الكوفة، فضلا عن أبناء جلدتهم في البصرة و المدينة، المؤيّدين المتفرقين في بلادهم، يدلّ على أنّ المسألة صارت أزمة اجتماعيةً معقّدةً، ولم يكن الإمام متمكّناً من دفع من قام بالقتل إلى وليّ الدم.

ويعرب عن ذلك كلام الإمام للناكثين، فقد دخل طلحة و الزبير في عدة من الصحابة، فقال: يا عليّ إنّا قد اشترطنا إقامة الحدود، و إنّ هؤلاء القوم قد اشتركوا في دم هذا الرجل وأحلّوا بأنفسهم، فقال لهم: يا اخوتاه، إنّي لست أجهل ما تعلمون، ولكّني كيف أصنع بقوم يملكونا، ولا نملكهم، هاهم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم، وثابت إليهم أعرابكم، وهم خلالكم، يسومونكم ما شاءوا، فهل ترون موضعاً لقدرة على شيء ممّا تريدون؟ قالوا: لا. قال: فلا،


1. نصربن مزاحم: وقعة صفّين 95-97 .


(106)

والله لا أرى إلاّ رأياً ترونه إن شاء الله(1) .

فعلى هذا فلم تكن للامام يوم بويع ولابعده ولا بعد شهور، أيّة مقدرة على القاء القبض على القاتلين، وإلاّ لثارت تلك الجماهير على عليّ وخلافته الفتَّية، وكانت المصيبة أعظم.

سادساً: لاشكّ انّ طلحة و الزبير نكثا البيعة و أخرجا زوجة رسول الله من بيتها، وقد دخلوا البصرة بعنف وقتلوا حرس القصر، إلى غير ذلك من الاُمور التي لايشكّ فيها أيّ ملمّ بالتاريخ، ولكن القوم يذكرون الرجلين بخير و صلاح و يسترحمون عليهما و يرونهما من العشرة المبشّرة بالجنّة ولا يرون أعمالهم الإجرامية مخالفة لطهارتهما، ويبّررون أعمالهم بالاجتهاد كما يبرّرون به عمل معاوية و غيرهم من المجرمين الطغاة حتى عمل مسلم بن عقبة ذلك الطاغي الذي أباح أعراض نساء المدينة لجيشه ثلاثة أيّام.

فلو صحّ ذلك التبرير فلماذا لايصحّ في حقّ هؤلاء الذين هاجموا بيت الخليفة و أجهزوا عليه؟ فكانوا مجتهدين في الرأي، مخطئين في النتيجة، فلهم اُجر واحد، كما أنّ للمصيب أجرين؟. ولكن لانرى أيّة كلمة حول هؤلاء يبرّر بها عملهم، فما هذا التفريق بين المتماثلين؟ ولماذا تُقيَّمُ الاُمور بمكيالين.

سابعاً: نقل المؤرّخون انّه لمّا قتل عمر، وثب عبيدالله بن عمر فقتل الهرمزان و ابنة أبي لؤلؤ، فلمّا بلغ الخبر عمر، قال: إذا أنا متّ فاسألوا عبيدالله البيّنة على الهرمزان، هل هو قتلني؟ فإن أقام البيّنة فدمه بدمي، و إن لم يقم البيّنة فأقيدوا عبيدالله من الهرمزان، فلمّا ولي عثمان(رضي الله عنه) قيل له: ألا تمضي وصيّة عمر(رضي الله عنه) في عبيدالله؟ قال: و من وليّ الهرمزان؟ قالوا:


1. الطبري: التاريخ 3/458


(107)

أنت يا أميرالمؤمنين قال: قد عفوت عن عبيدالله بن عمر(1) .

إنّي لا اُريد أن أحوم حول هذه القصّة، كيف وقد نقم به على الخليفة حيث عطّل القصاص إذ قتل عبيدالله رجلا يصلّي وصبية صغيرة، ومع ذلك عفى عنه الخليفة لسبب عاطفي أو غيره، فَلِمَ لا يجوز ذلك للامام علي ـ عليه السَّلام ـ وقد رأى انّ في القَوَد مفسدةً عظمى على الاسلام و المسلمين؟ وانّ جبر دم الخليفة بالدية أصلح من القصاص و القود.

هذه هي المواضيع الهامّة التي كانت من المفترض دراستها و القضاء فيها، ثم الخروج بنتيجة صحيحة عن الحكومة، غير انّ الحَكَمين جعلاها وراء ظهورهما، ولم ينبسا فيها ببنت شفة، بل كان هوى أبي موسى الأشعري مع عبدالله بن عمر، و كان هوى عمرو بن العاص مع معاوية، فلنتعرف على عبدالله بن عمر، ثم عمروبن العاص:

أمّا عبدالله بن عمر فكفى في ضعف نفسه انّه لمّا ولّي الحجاج الحجاز من قبل عبدالملك بن مروان جاءه ليلا ليبايعه، فقال له الحجّاج ما أعجلك؟ فقال: سمعت رسول الله يقول: من مات بغير امام مات ميتة جاهلية (2) فقال له: إنّ يدي مشغولة عنك، و كان يكتب، فدونك رجلي، فمسح على رجله و خرج، فقال الحجاج: يا أحمق. تترك بيعة علي بن أبي طالب و تأتيني مبايعاً في ليلة؟ و ما هذا إلاّ انّ الخوف من السيف جاءك إلى هنا(3) .

وأمّا عمرو، و ما أدراك ما عمرو؟ ذلك الانسان الذي عرّفه الامام بقوله:


1. البيهقي: السنن الكبرى8/61. ولاحظ الطبري: التاريخ 3/303 .
2. الهيثمي: مجمع الزوائد 5/218. الطيالسي: المسند 259 وللحديث صور اُخرى .
3. أبو جعفر الاسكافي: المعيار و الموازنة 24. و ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 13/242. عبدالله المامقاني: تنقيح المقال برقم 6989 .


(108)

متى لم تكن للكافرين وليّاً وللمسلمين عدوّاً(1)، فكان هواه مع معاوية لموعدة وعدها إيّهاه وهي ولاية مصر و قد تحدّث عنها المؤرّخون في قصّة طويلة حيث قال معاوية له: وهلّم فبايعني، فقال عمرو: لا والله لا أعطيك من ديني حتى آخذ من دنياك. قال معاوية: سل، تعط، قال: مصر طعمة(2).

وروى ابن مزاحم قال: قال معاوية لعمرو: إنّي أدعوك إلى جهاد هذا الرجل الذي عصى ربّه، وقتل الخليفة وأظهر الفتنة وفرّق الجماعة وقطع الرحم.

قال عمرو: إلى من؟ قال: إلى جهاد عليّ، قال: فقال عمرو: والله يا معاوية ما أنت وعلي بعكمي بعير، مالك هجرته ولاسابقته، ولاطول جهاده، ولا فقهه، ولا علمه، والله إنّ له ذلك حدّاً وجدّاً و حظّاً و حُظوةً، وبلاءاً من الله حسناً، فما تجعل لي إن شايعتك على حربه، وأنت تعلم ما فيه من الغرر و الخطر؟ قال: حكمك. قال: مصر طعمة، قال: فتلكّأ عليه معاوية.

قال نصر: وفي حديث آخر، قال: قال له معاوية: يا أباعبدالله، إنّي أكره أن يتحدّث العرب عنك انّك إنّما دخلت في هذا الأمر لغرض الدنيا. قال: دعني عنك. قال معاوية: إنّي لو شئت أن اُمنّيك وأخدعك لفعلت. قال عمرو: لا لعَمرالله، ما مثلي يخْدَع، لأنا أكيس من ذلك. قال له معاوية: اُدن منِّي برأسك اُسارّك. قال: فدنامنه عمرو يسارُّه. فعضَّ معاوية اُذنه و قال: هذه خدعة، هل ترى في بيتك أحداً غيري وغيرك؟(3) .

قال ابن أبي الحديد بعد هذا: «قلت: قال شيخنا أبو القاسم البلخي(رحمهم الله): قال عمرو: «دعنا عنك» كناية عن الإلحاد بل تصريح


1. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 583 .
2. ابن قتيبة: الامامة و السياسة 1/91. مضى النص فلاحظ تعليقتنا عليه.
3. نصربن مزاحم: وقعة صفّين 43.


(109)

به، أي دع هذا الكلام الذي لا أصل له فإنّ الاعتقاد بالآخرة وأنّها لاتباع بعرض من الدنيا، من الخرافات. قال (رحمهم الله): و ما زال عمرو بن العاص ملحداً ما تردّد قط في الإلحاد و الزندقة، و كان معاوية مثله و يكفي في تلاعبهما بالإسلام حديث السرار المروي(1) وانّ معاوية عضَّ اُذن عمرو، أين هذا من أخلاق علي ـ عليه السَّلام ـ و شدّته في ذات الله، و هما مع ذلك يعيبانه بالدعابة(2).

خلاصة البحث:

ما كانت دراسة جميع هذه المواضيع أمراً صعباً على الحكمين، بل في دراسة الموضوع الأوّل من المواضيع السبعة كفاية للإدلاء بالحق، وذلك إنّه إذا كانت خلافة الإمام خلافة قانونية شرعية، فالخارج عليها باغ على الإمام يجري عليه حكم البغاة أوّلا و تابع لغير سبيل المؤمنين، وخارق للإجماع ثانياً، وقد قال سبحانه في حقّ هؤلاء:

(وَ مَنْ يُشاقِقِ الرَّسولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى وَ يَتَّبِعَ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤمِنينَ نوله ما تولى ونصله جهنم و ساءت مصيرا)(3)

( و ان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما فان بغت احديهما على الاخرى فقاتلوا التى تبغي حتى تفىء الى امر الله)(4)

ولا عجب بعد ذلك أنا نرى أنّ الإمام يصف حكم الحكمين بقوله: «فقد خالفا كتاب الله و اتّبعا أهواءهما بغير هدى من الله فلم يعملا بالسنّة ولم ينفّذا للقرآن حكماً».(5)

***


1. المراد ما سبق في كلام ابن مزاحم.
2. ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 2/64-65 .
3. النساء: 115
4. الحجرات: 9 .
5. الطبري: التاريخ 4/57 .


(110)


(111)

الفصل السادس


تحرّكاتهم العسكرية بعد صدور رأي الحكمين


(112)


(113)

ولمّا بلغ الإمام ما حكم به الحكمان من الحكم الجائر، قام خطيباً وقال ألا أنّ هذين الرجلين الذين اخترتموهما حكمين، قد نبذا حكم القرآن وراء ظهورهما وأحييا ما أمات القرآن، واتّبع كل واحد منهما هواه بغير هدى من الله، فحكما بغير حجّة بيّنة، ولا سنّة ماضية، و اختلفا في حكمهما، و كلاهما لم يرشدا، فبرئ الله منهما ورسوله وصالح المؤمنين. استعدّوا وتأهّبوا للمسير إلى الشام، واصبحوا في معسكركم إن شاء الله، ثم نزل وكتب إلى الخوارج بالنهر: «بسم الله الرحمن الرحيم. من عبدالله علي أميرالمؤمنين إلى زيد بن حصين(1) وعبدالله بن وهب و من معهما من الناس. أمّا بعد فإنّ هذين الرجلين الذين ارتضينا حكمهما، قد خالفا كتاب الله، واتّبعا أهواءهما بغير هدى من الله، فلم يعملا بالسنّة، ولم ينّفذا للقرآن حكماً، فبرىء الله ورسوله


1. وهذا الرجل من الذين فرضوا التحكيم على الإمام و جاء هو مع مسعر بن فدكي بزهاء عشرين ألفاً مقّنعين في الحديد، شاكّي السلاح، سيوفهم على عواتقهم وقد اسودّت جباههم من السجود... نادوا الامام باسمه لابإمرة المؤمنين: يا علي أجب القوم إلى كتاب الله إذا دُعيت إليه... لاحظ: وقعة صفّين 560 وقد مرّ النصُّ أيضاً.


(114)

منهما والمؤمنون. فإذا بلغكم كتابي هذا فاقبلوا، فإنّا صائرون إلى عدوّنا وعدوّكم، ونحن على الأمر الذي كنّا عليه، والسلام»(1).

كان المترقّب من الخوارج إجابة علي ـ عليه السَّلام ـ والخروج معه إلى قتال معاوية لأّنهم هم الذين كانوا يقولون لعلي ـ عليه السَّلام ـ :«تب من خطيئتك وارجع عن قضيتك، واخرِج بنا إلى عدوّنا نقاتلهم حتى نلقى ربّنا»(2) .

ولكنّهم ـ يا للأسف ـ لم يستجيبوا إلى دعوة علي ـ عليه السَّلام ـ و كتبوا إليه: «أمّا بعد فإنّك لم تغضب لربّك، إنّما غضبت لنفسك، فإن شهدت على نفسك بالكفر، واستقبلت التوبة، نظرنا بيننا و بينك وإلاّ فقد نابذناك على سواء. إنّ الله لايحبّ الخائنين». فلمّا قرأكتابهم آيس منهم فرأى أن يدعهم و يمضي بالناس إلى أهل الشام حتّى يلقاهم فيناجزهم، فنزل بالنخيلة، وقام فحمدالله وأثنى عليه، ثم قال: أمّا بعد فإنّه من ترك الجهاد في الله، وادهن في أمره كان على شفا هلكة، إلاّ أن يتداركه الله بنعمة، فاتّقوا الله وقاتلوا من حادّ الله وحاول أن يطفىء نور الله. قاتلوا الخاطئين، الضالّين، القاسطين، المجرمين، الذين ليسوا بقرّاء للقرآن، ولا فقهاء في الدين، ولا علماء في التأويل، ولا لهذا الأمر بأهل في سابقة الإسلام، والله لو ولّوا عليكم لعملوا فيكم بأعمال كسرى وهرقل. تيسّروا وتهّيؤا للمسير إلى عدوّكم من أهل المغرب، وقد بعثنا إلى اخوانكم من أهل البصرة ليقدموا عليكم، فإذا قدموا فاجتمعتم شخصنا إن شاء الله، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله (3) .

ثمّ إنّه لّبى دعوته من البصرة وحوالي الكوفة جمع كبير وقد اجتمع تحت


1. الطبري: التاريخ 4/57 .
2. المصدر نفسه 52 .
3. المصدر نفسه 58 .


(115)

رايته ثماني وستّين ألفاً ومائتي رجل، واستعدّ للمسير إلى الشام.

إستعدّ الإمام لمواجهة العدّو بالشام، لكنّه فوجىء بما بلغ إليه من الناس أنّهم يقولون: لو سار الإمام بنا إلى هذه الحرورية فبدأنا بهم. فقام في الناس وحمدالله وأثنى عليه، فأجاب دعوتهم خصوصاً بعد ما بلغ إليه أنّهم ذبحوا عبدالله بن خباب على ضفة النهر، وبقروا بطن اُمّ ولده، وهم على اُهْبَة الخروج، وإليك تفصيله:

إنّ الخوارج اجتمعوا في منزل عبدالله بن وهب الراسبي، فقال في خطبة له: أمّا بعد فوالله ماينبغي لقوم يؤمنون بالرحمن، و ينيبون إلى حكم القرآن، أن تكون هذه الدنيا التي الرضا بها و الركون إليها والايثار إيّاها عناءً وتباراً(1) آثر عندهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقول بالحق و... فاخرجوا بنا اخواننا من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض كور الجبال، أو إلى بعض هذه المدائن، منكرين لهذه البدع المضرّة. ثمّ خطب بعده، حرقوص بن زهير و قال بمثل ماقال: وقال حمزة بن سنان الأسدي: يا قوم: إنّ الرأي ما رأيتم، فولّوا أمركم رجلا منكم، فإنّه لابدّ لكم من عماد و سناد، وراية تحفّون بها، وترجعون إليها، فعرضوها على زيد بن حصين الطائي فأبى، وعرضوها على حرقوص بن زهير فأبى، وعلى حمزة بن سنان و شريح بن أوفى العبسي فأبيا، وعرضوها على عبدالله بن وهب فقال: هاتوها، أما والله لاآخذها رغبة في الدنيا، ولاادعها فرقاً من الموت، فبايعوه لعشر خلون من شوّال و كان يقال له ذوالثفنات.

ثم اجتمعوا في منزل شريح بن أوفى العبسي فقال ابن وهب: اشخصوا بنا إلى بلدة نجتمع فيها لإنفاذ حكم الله فإنّكم أهل الحق. قال شريح: نخرج


1. التبار: الهلاك.


(116)

إلى المدائن فننزلها ونأخذ بأبوابها ونخرج منها سكّانها ونبعث إلى إخواننا من أهل البصرة، فيقدمون علينا. فقال زيد بن حصين: إنّكم إن خرجتم مجتمعين اُتْبِعْتُم ولكن اخرجوا وحداناً مستخفّين، فأمّا المدائن فإن بها من يمنعكم، ولكن سيروا حتى تنزلوا جسر النهروان وتكاتبوا اخوانكم من أهل البصرة، قالوا: هذا هو الرأي.

وكتب عبدالله بن وهب إلى من بالبصرة منهم يعلمهم مااجتمعوا عليه، ويحثّهم على اللحاق بهم وأرسل الكتاب إليهم، فأجابوه أنّهم على اللحاق به.

فلمّا عزموا على المسير(1)، تعبّدوا ليلتهم وكان ليلة الجمعة، ويوم الجمعة، وساروا يوم السبت فخرج شريح بن أوفى العبسي، وهو يتلو قول الله: (فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبْ قالَ رَبِّ نَجِّنِى مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ* وَ لَمّا تَوَجَّهَ تِلْقآءَ مَدْيَنَ قالَ عَسَى رَبِّي أن يَهْدِيَنِي سَوآءَ السَبِيلِ)(2) .

ثمّ إنّ الخوارج تقاطرت من البصرة والكوفة حتى نزلوا جسر نهروان، فصاروا جيشاً عظيم العدد والعُدَّة، وكانت الأخبار عن أفعالهم الشنيعة تصل إلى الناس ففشى الرعب فيهم، ولأجل ذلك ألحّ الواعون من ضباط علي على مناجزة هؤلاء ثم المسير إلى الشام، فأجابهم الإمام، وإليك بيان ما ارتكبوا من الجرائم.

روى الطبري عن أبي مخنف عن حميد بن هلال: انّ الخارجة التي أقبلت من البصرة جاءت حتى دنت من اخوانها بالنهر فخرجت عصابة منهم، فإذا هم برجل يسوق بامرأة على حمار، فعبروا إليه فدعوه فتهدّدوه وافزعوه وقالوا له من أنت؟ قال: أنا عبدالله بن خباب صاحب رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ


1. المقصود الخوارج المتواجدون في الكوفة وأطرافها أعني الحرورية.
2. القصص: 21ـ22. الطبري: التاريخ 4/54ـ55 .


(117)

ثمّ أهوى إلى ثوبه يتناوله من الأرض وكان سقط عنه لمّا افزعوه، فقالوا له: افزعناك؟ قال: نعم. قالوا له: لاروع عليك، فحدثنا عن أبيك بحديث سمعه من النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ لعلّ الله ينفعنا به. قال: حدثني أبي عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ : إنّ فتنة تكون، يموت فيها قلب الرجل كما يموت فيها بدنه، يمسي فيها مؤمناً ويصبح فيها كافراً، ويُصْبح كافراً، ويمسي فيها مؤمناً. فقالوا: لهذا الحديث سألناك.

فما تقول في أبي بكر و عمر؟ فأثنى عليهما خيراً. قالوا: ما تقول في عثمان في أوّل خلافته وفي آخرها؟ قال: إنّه كان محقّاً في أوّلها وفي آخرها. قالوا: فما تقول في علي قبل التحكيم وبعده؟ قال: إنّه أعلم بالله منكم، وأشدّ توقّياً على دينه، وأنفذ بصيرة. فقالوا: إِنّك تتبع الهوى وتوالي الرجال على أسمائها لاعلى أفعالها. والله لنقتلنّك قتلة ما قتلناها أحداً، فأخذوه فكتّفوه ثمّ أقبلوا به وبامرأته وهي حُبلى متمٌّ، حتى نزلوا تحت نخلة مواقر، فسقطت منه رطبة فأخذها أحدهم فقذف بها في فمه، فقال أحدهم: بغير حلّها وبغير ثمن؟ فلفضها وألقاها من فمه، ثمّ أخذ سيفه فأخذ يمينه، فمرّ به خنزير لأهل الذمّة فضربه بسيفه، فقالوا: هذا فساد في الأرض، فأتى صاحب الخزير فأرضاه من خنزيره.

فلمّا رأى ذلك منهم ابن خباب قال: لئن كنتم صادقين فيما أرى، فما عَلَيَّ منكم بأس إنّي لمسلم ما أحدثت في الاسلام حدثاً ولقد آمنتموني. قلتم: لاروع عليك. فجاءوا به فأضجعوه فذبحوه، وسال دمه في الماء وأقبلوا إلى المرأة، فقالت: إنّما أنا أمراة ألاتتّقون الله؟ فبقروا بطنها.

وقتلوا ثلاث نسوة من طىّ وقتلوا اُمّ سنان الصيداوية، فبلغ ذلك عليّاً و من معه من المسلمين من قتلهم عبدالله بن خباب واعتراضهم الناس، فبعث


(118)

إليهم الحارث بن مرّة العبدي ليأتيهم فينظر فيما بلغ عنهم ويكتب به إليه على وجهه ولايكتمه، فخرج حتى انتهى إلى النهر ليسألهم، فخرج القوم إليه فقتلوه، وأتى الخبر أمير المؤمنين والناس، فقام إليه الناس فقالوا: يا أمير المؤمنين عَلامَ تدع هؤلاء يخلفوننا في أموالنا وعيالنا؟ سر بنا إلى القوم، فإذا فرغنا ممّا بيننا و بينهم صرنا إلى عدوّنا من أهل الشام، فقبل علي فنادى بالرحيل، ولمّا أراد علي المسير إلى أهل النهر من الأنبار، قدم قيس بن سعد بن عبادة وأمره أن يأتي المدائن فينزلها حتى يأمره بأمره، ثمّ جاء مقبلا إليهم ووافاه قيس وسعد بن مسعود الثقفي بالنهر وبعث إلى أهل النهر: ادفعوا إلينا قتلة إخواننا منكم نقتلهم بهم، ثمّ أنا تارككم وكاف عنكم حتى نلقى أهل الشام، فلعلّ الله يقلب قلوبكم، ويردّكم إلى خير ممّا أنتم عليه من أمركم، فبعثوا إليه وقالوا: كلّنا قتلناهم وكلّنا نستحلّ دماءهم ودماءكم. ولمّا وصل على جانب النهر وقف عليهم فقال:

أيّتها العصابة التي أخرجها عداوة المراء واللجاجة، وصدّها عن الحقّ الهوى...إنّي نذيركم ان تصبحوا تلفيكم الاُمّة غداً صرعى بأثناء هذا النهر، وبأهضام هذا الغائط بغير بيّنة من ربّكم ولابرهان بيّن، ألم تعلموا أنّي نهيتكم عن الحكومة، وأخبرتكم أنّ طلب القوم إيّاها منكم دهن ومكيدة لكم، ونبّأتكم أنّ القوم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، وانّي أعرف بهم منكم، عرفتهم أطفالا ورجالا، فهم أهل المكر والغدر، وانّكم إن فارقتم رأيي، جانبتم الحزم، فعصيتموني حتى إذا أقررت بأن حكمت، فلمّا فعلت شرطت واستوثقت، فأخذت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن و أن يميتا ما أمات القرآن، فاختلفا وخالفا حكم الكتاب والسنّة، فنبذنا أمرهما ونحن على أمرنا الأوّل فما الذي بكم؟ ومن أين أتيتم؟ قالوا: إنّا حكمنا فلمّا حكمنا أثمنا وكنّا بذلك


(119)

كافرين، وقد تبنا فإن تبت كما تبنا فنحن منك ومعك وإن أبيت فاعتزلنا، فانّا منابذوك على سواء، إنّ الله لايحب الخائنين، فقال عليّ: أصابكم حاصب، ولابقي منكم وابر. اَبَعْد إيماني برسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وهجرتي معه وجهادي في سبيل الله أشهد على نفسي بالكفر؟ لقد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين، ثمّ انصرف عنهم(1) .

ولم يكتف الإمام بهذا الأمر، بل كلّمهم في معسكرهم بما يلي:«أكلّكم شهد معنا صفّين؟ فقالوا: منّا من شهد ومنّا من لم يشهد. قال: فامتازوا فرقتين، فليكن من شهد صفّين فرقة، ومن لم يشهدها فرقة، حتى اُكَلِّم كّلا منكم بكلامه، ونادى الناس، فقال:

امسكوا عن الكلام، انصتوا لقولي، واقبلوا بأفئدتكم إلىّ، فمن نشدناه شهادة فليقل بعلمه فيها.

ثمّ كلّمهم ـ عليه السَّلام ـ بكلام طويل، من جملته: ألم تقولوا عند رفعهم المصاحف حيلةً وغيلةً ومكراً وخديعةً: اخواننا وأهل دعوتنا، استقالونا واستراموا إلى كتاب الله سبحانه، فالرأي القبول منهم، والتنفيس عنهم؟ فقلت لكم: هذا أمر ظاهره إيمان، وباطنه عدوان، وأوّله رحمة، وآخره ندامة. فأقيموا على شأنكم، وألزموا طريقتكم وعضّوا على الجهاد، بنواجذكم، ولاتلتفتوا إلى ناعق نعق، إن اُجيب أضلّ وإن ترك ذلّ(2).

ولمّا أتمّ الإمام الحجة عليهم، ورأى أنّ آخر الدواء الكي، فعبّأ الناس فجعل على ميمنته حجر بن عدي، وعلى ميسرته شبث بن ربعي، أو


1. الطبري: التاريخ 4/60 ـ 63. المسعودي: مروج الذهب: 3/156. الرضي: نهج البلاغة، الخطبة 36 .
2. الرضي: نهج البلاغة، الخطبة 121 .


(120)

معقل بن قياس الرياحي، وعلى الخيل أبا أيّوب الأنصاري، وعلى الرجالة أبا قتادة الأنصاري، وعلى أهل المدينة وهم سبعمائة أو ثمانمائة رجل، قيس بن سعد بن عبادة.

وعبّأت الخوراج فجعلوا على ميمنتهم زيد بن حصين الطائي، وعلى الميسرة شريح بن أوفى العبسي، و على خيلهم حمزة بن سنان الأسدي وعلى الرجّالة حرقوص بن زهير السعدي.

الحرص على صيانة نفوسهم:

ثمّ إنّ الإمام توخّياً لحفظ الدماء وصيانة الأنفس، بعث الأسود بن يزيد في ألفي فارس حتى أتى حمزة بن سنان وهو في ثلاثمائة فارس من خيلهم ورفع عليّ راية أمان، مع ابي أيوب فناداهم أبو أيوب: من جاء هذه الراية منكم ممّن لم يقتل ولم يستعرض فهو آمن، ومن انصرف منكم إلى الكوفة أو إلى المدائن و خرج من هذه الجماعة فهو آمن ـ انّه لا حاجة لنا بعد أن نصيب قتلة اخواننا منكم في سفك دمائكم.

لقد كان هذا التخطيط و السياسة الحكيمة مؤثّراً في تفرّق القوم وصيانة دمائهم فانصرف فروة بن نوفل الأشجعي (1) في خمسائة فارس، وخرجت طائفة اُخرى متفرّقين، فنزلت الكوفة، وخرج إلى علي ـ عليه السَّلام ـ منهم نحو من مائة، وكانوا أربعة آلاف وكان الذين بقوا مع عبدالله بن وهب منهم ألفين وثمانمائة، وزحفوا إلى علي ـ عليه السَّلام ـ .

وقدم على الخيل دون الرجال وصفّ الناس وراء الخيل صفّين، وصفّ


1. سيأتي خروجه على معاوية في الفصل الثامن فانتظر.


(121)

المرامية أمام الصفّ الأوّل، وقال لأصحابه: كفّوا عنهم حتى يبدأوكم(1) .

قال المبرّد: لمّا وافقهم عليّ ـ عليه السَّلام ـ بالنهروان، قال: لاتبدوهم بقتال حتى يبدأوكم. فحمل منهم رجل على صف عليّ ـ عليه السَّلام ـ فقتل منهم ثلاثة، فخرج إليه عليّ ـ عليه السَّلام ـ فضربه فقتله...ومال ألف منهم إلى جهة أبي أيوب الأنصاري، وكان على ميمنة عليّ، فقال عليّ ـ عليه السَّلام ـ لأصحابه: احملوا عليهم، فوالله لايقتل منكم عشرة، ولايسلم منهم عشرة. فحمل عليهم فطحنهم طحناً قتل من أصحابه ـ عليه السَّلام ـ تسعة، وأفلت من الخوارج ثمانية(2).

قال ابن الأثير: لمّا قال عليّ لأصحابه «كفّوا عنهم حتى يبدأوكم» نادت الخوارج: الرواح إلى الجنة، وحملوا على الناس، وافترقت خيل(3) علي فرقتين، فرقة نحو الميمنة وفرقة نحو الميسرة واستقبلت الرماة وجوههم بالنبل، وعطفت عليهم الخيل. من الميمنة و الميسرة، ونهض إليهم الرجال بالرماح والسيوف، فمالبثوا أن أناموهم.(4)

ثمّ إنّ علياً يحدّث أصحابه قبل ظهور الخوارج انّ قوماً يخرجون يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، علامتهم رجل مُخدج اليد، سمعوا ذلك منه مراراً، فلمّا فرغ من قتالهم، أمر أصحابه أن يلتمسوا المخدج، فوجدوه في حفرة على شاطئ النهر في خمسين قتيلا، فلمّا استخرجوه نظروا إلى عضده


1. الطبري: التاريخ 4/64 .
2. المبرّد: الكامل 2/139 ـ 140. الطبري: التاريخ 4/63 ـ 64 والمسعودي: مروج الذهب 3/157 وقال: وكان من جملة من قتل من أصحاب عليّ، سبعة، ولم يفلت من الخوارج إلا عشرة وأتى على القوم وهم أربعة آلاف، ولعل لفظة «إلاّ» زائدة.
3. هكذا في الأصل وقد سقط لفظ «علىّ» .
4. كلّ مشوه الخلق في أحد أعضائه فهو مخدج .


(122)

فإذا لحم مجتمع كثدي المرأة، وحلمة عليها شعرات سود... فلمّا رآه قال: الله أكبر لاكَذِبْتُ ولاكذّبت.

وقال حينما مرّ بهم وهم صرعى: بؤساً لكم لقد ضرّكم من غرّكم، قالوا: يا أميرالمؤمنين: من غرّهم، قال: الشيطان والنفس الأمّارة بالسوء، غرّتهم بالأماني، وزينت لهم المعاصي، نبّأتهم أنّهم ظاهرون (1) قال علي: خذوا ما في عسكرهم من شيء، قال: فأمّا السلاح والدواب و ما شهدوا به عليه الحرب فقسمة بين المسلمين، وأمّا المتاع والعبيد والاماء فإنّه حين قدم، ردّه على أهله، ونقل الطبري أيضاً: انّ علياً أمر بطلب من به رمق منهم، فكانوا أربعمائة، فأمر بهم عليّ، ودفعوا إلى عشائرهم، وقال: احملوهم معكم فداووهم، فاذا برأوا، فوافوا بهم الكوفة(2).

فَقْاُ عينِ الفتنة:

كانت الخوارج من أهل القبلة وأهل الصلاة والعبادة، و كان الناس يستصغرون عبادتهم عند صلواتهم، فلم يكن قتالهم واستئصالهم أمراً هيّناً، ولم يكن يجترئ عليه غير عليّ ـ عليه السَّلام ـ ولأجل ذلك قام بعد قتالهم، فقال: أمّا بعد حمدا لله والثناء عليه، أيّها الناس فإنّي فَقَأتُ عين الفتنة، ولم يكن ليجترىءَ عليها أحد غيري، بعد أن ماج غيهبها واشتدّ كلَبُهُا(3).(4)

قال ابن أبي الحديد: إنّ الناس كلّهم كانوا يهابون قتال أهل القبلة،


1. المسعودي: مروج الذهب 3/158. ابن الأثير: الكامل 3/175 ـ 176 .
2. الطبري: التاريخ 4/66 .
3. الغيهب: الظليمة والمراد بعد ما عمّ ظلالها فشمل فكّنى عن الشمول بالتموّج، لأن الظلمة إذا تموّجت شملت أماكن كثيرة، كما أنّ المراد من قوله واشتّد كلبها، أي شرّها وأذاها.
4. الرضي: نهج البلاغة، الخطبة 93.


(123)

ولايعلمون كيف يقاتلونهم، هل يتبعون مولِّيهم أم لا؟ وهل يجهّزون على جريحهم أم لا؟ وهل يقسمون فيئهم أم لا؟ وكانوا يستعظمون قتال من يؤذّن كأذاننا، ويصلّي كصلاتنا، واستعظموا أيضاً حرب عائشة وحرب طلحة و الزبير لمكانتهم في الاسلام، وتوقّف جماعة منهم عن الدخول في تلك الحرب، كالأحنف بن قيس وغيره، فلو لا أنّ عليّاً اجترأ على سلّ السيف فيها ما أقدم أحد عليها(1).

تنّبؤ للإمام بعد استئصال الخوارج:

لمّا قتل الخوارج وأفلت منهم من أفلت، قال بعض أصحاب الإمام: يا أمير المؤمنين هلك القوم بأجمعهم، فقال:

«كلاّ والله انّهم نطف في أصلاب الرجال وقرارات النساء، كلّما نجم منهم قرن قطع، حتّى يكون آخرهم لصوصاً سلّابين» (2) .

ذكر المؤرّخون قضايا وحوادث تعرب عن أنّ القوم صاروا بعد ذلك لصوصاً سلاّبين، فإن دعوة الخوارج اضمحلّت، ورجالها فنيت حتى أفضى الأمر إلى أن صار خلفهم قطّاع طرق متظاهرين بالفسوق والفساد في الأرض، وإليك نماذج:

خرج في أيام المتوكّل، ابن عمرو الخثعمي بالجزيرة، فقطع الطريق وأخاف السبيل، فحاربه أبو سعيد الصامتي فقتل كثيراً من أصحابه، وأسر كثيراًمنهم، فمدحه أبو عبادة البحتري وقال:

كنّا نكفر عن اُمية عصبةً * طلبوا الخلافة فجرةً وفسوقاً


1. ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 7/46 .
2. الرضي: نهج البلاغة، الخطبة 59 .


(124)

ونلوم طلحة والزبير كليهما * ونعنّف الصديق والفاروقا

ونقول تيم أقربت وعديّها * أمراً بعيداً حيث كان صعيقا

وهم قريش الأبطحون إذا انتموا * طابوا اُصولا في العلا وعروقا

حتّى غدت جشم بن بكر تبتغي * ارث النبي وتدعيه حقوقا

جاءوا براعيهم ليتّخذوا به * عمداً إلى قطع الطريق طريقا(1)

ثمّ ذكر أنّه خرج بأعمال كرمان وجماعة اُخرى من أهل عمان لانباهة لهم، وقد ذكرهم أبوإسحاق الصابي في الكتاب «التاجي» وكلّهم بمعزل عن طرائق سلفهم وانّما وكدهم، وقصدهم، إخافة السبيل والفساد في الأرض، واكتساب الأموال من غير حلّها.

ثمّ أتى يذكر المشهورين بنظر الخوارج الذين تمّ بهم صدق قول أميرالمؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «إنّهم نطف في أصلاب الرجال وقرارات النساء» وأشهرهم:

1 ـ عكرمة مولى ابن عباس.

2 ـ مالك بن أنس الأصبحي.

3 ـ المنذر بن الجارود العبدي.

4 ـ يزيد بن أبي مسلم مولى الحجاج .

5 ـ صالح بن عبدالرحمن صاحب ديوان العراق.

6 ـ جابر بن زيد(2).

7 ـ عمرو بن دينار.


1. ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 5/74 - لاحظ بقيّة الأبيات.
2. كونه منهم موضع تأمّل وإن كانت الاباضية ترى أنّه الأصل لهم في الحديث والفقه، تولّد بين عامي 18 ـ 22 وتوفّي في العقد الأخير من القرن الأوّل أو أوائل الثاني، تقرأ ترجمته في فصل خاص.


(125)

8 ـ مجاهد.

9 ـ أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي .

10 ـ اليمان بن رباب.

11 ـ عبدالله بن يزيد.

12 ـ محمّد بن حرب .

13 ـ يحيى بن كامل.

وهؤلاء الثلاثة الأخيرة كانوا من الأباضية، كما أنّ اليمان كان من البيهسيّة، وأبو عبيدة من الصفريّة، وسيوافيك أسماء مشاهيرهم (1) في فصل خاص.

كلمة أخيرة للإمام في حقّ الخوارج:

وللإمام عليّ كلمة في حق الخوارج ألقاها بعد القضاء عليهم وقال :

«لاتقاتلوا الخوارج بعدي، فليس من طلب الحق فأخطأه، كمن طلب الباطل فأدركه» (2).

هذه الكلمة تعرب عن أنّ انحراف الخوارج عن الحق لم يكن شيئاً مدبّراً من ذي قبل، وإنّما سذاجة القوم وقرب قعرهم، جرّهم إلى تلك الساحة، وكانوا جاحدين للحق عن جهل ممزوج بالعناد، فكانوا يطلبون الحق من أوّل الأمر، لكن أخطأوا في طلبه ودخلوا في حبائل الشيطان والنفس الأمّارة، وهذا بخلاف معاوية وجيشه، فإنّهم كانوا يطلبون الباطل ويركبون الغيّ عن تقصير وعلم، وقد عرفت أنّه لم يكن لمعاوية مرمى من أوّل الأمر سوى إزاحة عليّ عن منصبه وغصب الخلافة، و انّ دم عثمان وقميصه وكونه قتل مظلوماًفي


1. ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 5/74 ـ 76 .
2. الرضي: نهج البلاغة، الخطبة 60 .


(126)

عقرداره كانت واجهة استخدمها لجلب العواطف، يطلب بها إغواء رعاع الناس، ولأجل ذلك لمّا قتل عليّ وصالحه الحسن وأخذ بزمام الأمر، لم يبحث عن قتلة عثمان.

قال ابن أبي الحديد في شرحه:

«مراده أنّ الخوارج ضلّوا بشبهة دخلت عليهم، و كانوا يطلبون الحق، ولهم في الجملة تمسّك بالدين، ومحاماة عن عقيدة اعتقدوها، وإن اخطأوا فيها، وأمّا معاوية فلم يكن يطلب الحق، وإنّما كان ذا باطل لايحامي عن اعتقاد قد بناه على شبهة، وأحواله كانت تدلّ على ذلك، فإنّه لم يكن من أرباب الدين، ولاظهر عنه نسك، ولاصلاح حال، وكان مترفاً يذهب مال الفئ فى مآربه، وتمهيد ملكه، ويصانع به عن سلطانه، وكانت أحواله كلّها موذنة بانسلاخه عن العدالة، وإصراره على الباطل، و إذا كان كذلك لم يجز أن ينصر المسلمون سلطانه، وتحارب الخوارج عليه، وإن كانوا أهل ضلال، لأنّهم أحسن حالا منه، فإنّهم كانوا ينهون عن المنكر ويرون الخروج على أئمّة الجور واجباً(1).

***


1. ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 5/78 .


(127)

الفصل السّابع

انتفاضات الخوارج بعد حرب النهروان

في العهد العلوي


(128)


(129)

كانت حرب الإمام في النهروان، حرباً طاحنةً، قتل رجال العيث والفساد، واستأصل شافتهم، وقضى على رؤوسهم، ولكن لم يكن الخوارج كلّهم متواجدين فيها، بل كانوا متفرّقين في البصرة، والنقاط المختلفة من العراق، فقاموا بانتفاضات ضدّ عليّ وعمّاله، وكانت الحسرة والخيبة نصيبهم، وإليك ما وقعت منها في العهد العلوي صلوات الله عليه.

1 ـ خروج الخريت بن راشد الناجي(1):

جاء الخريت بن راشد الناجي إلى عليّ فقال له ـ وقد جرّده من إمارة المؤمنين ـ : «يا عليّ، والله لااُطيع أمرك ولااُصلّي خلفك، وإنّي غداً مفارق لك، وذلك بعد تحكيم الحكمين». فناظره علي وحاول اقناعه، فلم


1. ذكر خروج الخريت الناجي، الطبري في تاريخه 4/86 ـ 100، وابن هلال الثقفي في غاراته 21، والمسعودي في مروجه 3/159، والجزري في تاريخه 3/183 ـ 187، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 3/128 ـ 148، ولمّا كانت القصة طويلة لاتناسب بحث الملل والنحل نقلناها ملخّصاً وقد لخّصها الدكتور نايف معروف في كتابه: الخوارج في العصر الأموي 100 ـ 101، وأتبعنا تلخيصه.


(130)

يرتدع. وسار بجمع من أصحابه فالتقى في طريقه رجلا مسلماً فسأله عمّا يقوله في علي، فأثنى عليه وقدّمه. فحملت عليه عصابة من أصحاب الخريت فقطّعوه بأسيافهم، بينما التقوا يهودياً فخلّوا سبيله. أرسل عليّ في أثرهم زياد بن خضعة البكري في عدد قليل من العساكر فأدركهم في أرض المذار، فدعا زياد صاحبهم الخريت، فسأله عمّا نقمه من أمير المؤمنين، فأخبره بأنّه لايرضى بعليّ إماماً، فطلب إليه تسليمه قتلة الرجل المسلم، فأبى عليه ذلك. فاقتتلوا قتالا شديداً دون أن يتمكّن أحدهما من الآخر، حتى جاء الليل فحجز بينهما، و تحت جنح الظلام تنكّر الخريت وأصحابه واتّجهوا صوب الأهواز، وكتب زياد إلى عليّ بما جرى بينهما. فانتدب عليّ معقل بن قيس الرياحي في جيش قوامه أربعة آلاف رجل، وبعث به في طلب الخريت الذي كان قد اجتمع إليه كثير من قطّاع الطرق والخارجين على النظام ممّن كسروا الخراج كما انضمّت إليه طائفة من الأعراب كانت ترى رأيه، وتمكّنوا من بعض مناطق فارس وأخرجوا عاملها لعلي سهل بن حنيف، ثم كان اللقاء بين الفريقين قرب جبل من جبال رامهرمز، فخرج الخريت من المعركة منهزماً حتى لحق بساحل بحر فارس.

ولكنّ الخريت لم يلق سلاحه، بل استمرّ بجمع الناس حوله، فكان يأتي من يرى رأي الخوارج فيسر إليهم: «إنّي أرى رأيكم، وانّ عليّاً ماكان ينبغي له أن يحكّم الرجال في دين الله» ثم يأتي لمن يرى رأي عثمان وأصحابه، فيقول لهم: «أنا على رأيكم، وانّ عثمان قتل مظلوماً معقولا» كما كان يجيء مانعي الصدقة فيقول: «شدّوا على صدقاتكم ثم صلوا بها أرحامكم، وعودوا إن شئتم على فقرائكم، وهكذا كان يعمل على إرضاء كلّ طائفة من الناس بضرب من القول يتّفق وهواهم. وبذلك استطاع أن يستهوي كثيراً من الأقوام من مختلف الميول والاتجاهات. ولمّا علم معقل بموقعه بساحل البحر بفارس، عبّأ جنده وزحف


(131)

نحو الخريت وأصحابه، وهزمهم هزيمة منكرة قتل فيها الخريت، وتقرّق من بقي من أتباعه هنا وهناك.

هكذا، انتهت حياة الخريت الناجي الذي لم تعرف هويّته الفكرية على حقيقتها، إذ وجدناه تارة يحارب إلى جانب علي ـ عليه السَّلام ـ وطوراً يخرج على إمامته ويشدّد النكير عليه، ومرّة يزعم أنّه من الخوارج واُخرى يتآمر على حياة زعمائهم فيستعدي عليّاً على عبدالله بن وهب الراسبي وزيد بن حصين ليقتلهما، ويقول المسعودي: إنّ الخريت ارتدّ مع أصحابه إلى النصرانية(1) .

2 ـ لمّا خرج أهل النهروان خرج أشرس بن عوف الشيباني على عليّ «بالدسكرة» في مائتين ثمّ سار إلى الأنبار، فوجّه إليه علي ـ عليه السَّلام ـ الأبرش بن حسان في ثلاثمائة وواقعه فقتل أشرس في ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين .

3 ـ ثم خرج هلال بن علفة ومعه أخوه مجالد فأتى «ماسبذان» ووجّه إليه علي معقل بن قيس الرياحي فقتله وقتل أصحابه وهم أكثر من مائتين، وكان قتلهم في جمادى الاُولى سنة ثمان وثلاثين .

4 ـ ثم خرج الأشهب بن بشر و قيل الأشعث وهو من «بجيلة» في مائة وثمانين رجلا، فأتى المعركة التي اُصيب فيها هلال وأصحابه فصلّى عليهم و دفن من قدر عليه منهم، فوجّه إليهم علي جارية بن قدامة السعدي وقيل حجربن عدي، فأقبل إليهم الأشهب فاقتتلابـ «جرجرايا» من أرض «جوخا»


1. المسعودي: مروج الذهب; المطبوع في سبعة أجزاء 3/59. ويظهر منه أنّه كان من أصحاب عليّ ولم يكن من الخوارج وإنّما انفصل عنه، عندما عسكر الإمام بالنخيلة ليذهب بالناس إلى حرب معاوية ثانيا فعند ذلك جعل أصحابه يتسلّلون و يلحقون بأوطانهم فلم يبق منهم إلاّ نفريسير، ومضى الخريت بن راشد الناجي في ثلاثمائة من الناس فارتدّوا إلى دين النصرانية.... .


(132)

فقتل الأشهب و أصحابه في جمادى الآخرة سنة ثمان وثلاثين.

5 ـ ثم خرج سعيد بن قفل التميمي في رجب بـ«البندجين» و معه مائتا رجل فأتى «درزنجان» وهي من المدائن على فرسخين، فخرج إليهم سعد بن مسعود فقتلهم في رجب سنة ثمان و ثلاثين.

6 ـ ثم خرج أبو مريم السعدي التميمي فأتى «شهرزور» وأكثر من معه من الموالي، وقيل لم يكن معه من العرب غير ستة نفر هو أحدهم، واجتمع معه مائتا رجل وقيل أربعمائة، وعاد حتى نزل على خمسة فراسخ من الكوفة، فأرسل اليه عليّ يدعوه إلى بيعته ودخول الكوفة، فلم يفعل، قال: ليس بيننا غير الحرب، فبعث إليه عليّ شريح بن هاني في سبعمائة، فحمل الخوارج على شريح وأصحابه فانكشفوا، وبقي شريح في مائتين فانحاز إلى قرية، فتراجع بعض أصحابه، ودخل الباقون الكوفة، فخرج عليّ بنفسه و قدم بين يديه جارية بن قدامة السعدي، فدعاهم جارية إلى طاعة عليّ، وحذّرهم القتل فلم يجيبوا، ولحقهم عليّ أيضاً فدعاهم فأبوا عليه و على أصحابه، فقتلهم أصحاب علي ولم يسلم منهم غير خمسين رجلا استأمنوا فأمنهم، وكان في الخوارج أربعون رجلا جرحى فأمر عليّ بادخالهم الكوفة ومداواتهم حتى برئوا، وكان قتلهم في شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين، وكانوا من أشجع من قاتل من الخوارج ولجرأتهم قاربوا الكوفة(1) .

جريمتهم الكبرى أو آخر سهم في كنانة الخوارج:

قتل الإمام رؤوس الخوارج واستأصلهم، وقد نجت فئة منهم وتواروا في البلاد كما انّ من كان به رمق منهم، دفعهم الإمام إلى عشائرهم ليداووهم، ولكن


1. ابن الأثير: الكامل 3/187 ـ 188 .


(133)

كان للقوم في البصرة ونواحيها أنصار وموالون في الطريقة وكان للهالكين في ساحة القتال من ينتمي إليهم بشيء من النسب والسبب، فكانوا ينتهزون الفرصة لأخذ ثأرهم من الإمام عليّ ـ عليه السَّلام ـ قال: المبرّد: فلمّاقتل عليّ أهل النهروان وكان بالكوفة زهاء ألفين ممّن لم يخرج مع عبدالله بن وهب وقوم ممّن استأمن إلى أبي أيّوب الأنصاري، فتجمّعوا وأمروا عليهم رجلا من طي، فوجّه إليهم علي ـ عليه السَّلام ـ رجلا وهم بالنخيلة فدعاهم ورفق بهم، فأبوا فعاودهم، فأبوا فقتلوا جميعاً، فخرجت طائفة منهم نحو مكة فوجّه معاوية من يقيم للناس حجّهم فناوشه هؤلاء الخوارج فبلغ ذلك معاوية، فوجّه بسر بن أرطاة أحد بني عامر بن لؤي، فتوافقوا وتراضوا بعد الحرب بان يصلّي بالناس رجل من بني شيبة لئلاّ يفوت الناس الحج، فلمّا انقضى نظرت الخوارج في أمرها، فقالوا: إنّ عليّاً ومعاوية قد أفسدا أمر هذه الاُمّة، فلو قتلناهما لعاد الأمر إلى حقّه، وقال رجل من أشجع: والله ما عمرو دونهما، وانّه لأصل هذا الفساد، فقال عبدالرحمن بن ملجم: أنا أقتل عليّاً، فقالوا: وكيف لك به؟ قال: أغتاله. فقال الحجاج بن عبدالله الصريمي وهو البرك: وأنا أقتل معاوية، وقال زادويه مولى عمروبن تميم: وأنا اقتل عمرو، فأجمع رأيهم على أن يكون قتلهم في ليلة واحدة فجعلوا تلك الليلة ليلة احدى وعشرين(1)من شهر رمضان، وخرج كل واحد إلى ناحية، فأتى ابن ملجم الكوفة، فأخفى نفسه وتزوّج إمراةً يقال لها قطام بنت علقمة من تيم الرباب وكانت ترى رأي الخوارج، ويروى أنّها قالت: لاأقنع منك إلاّ بصداق اُسمّيه لك، وهو ثلاث آلاف درهم وعبدٌ وأمة، وأن تقتل علياً، فقال لها: لك ما سألت. فكيف لي به؟. قالت: تروم ذلك غيلة، فإن سلمت أرحت الناس من شرّ وأقمتَ مع أهلك، وإن أصبتَ صرتَ إلى


1. تفرّد المبرد بنقله، والصحيح ليلة التاسعة عشر .


(134)

الجنة ونعيم لايزول فانعم لها وفي ذلك يقول:

ثلاثة آلاف وعبد وقَيْنَةٌ * وضرب عليّ بالحسام المصمِّم

فلا مهر أغلى من عليّ وإن غلى * ولافتك إلاّ فتك ابن ملجم

ويروى أنّ الأشعث نظر إلى عبدالرحمن متقلّداً سيفاً في بني كندة فقال: يا عبدالرحمن أرني سيفك. فأراه فرأى سيفاً حديداً، فقال: ما تقلّدك السيف وليس بأوان حرب؟ قال: فقال: إنّي أردت أن أنحر به جزور القرية. فركب الأشعث بغلته و أتى عليّاً فخبّره، فقال له: قد عرفت بسالة ابن ملجم وفتكه، فقال علي: ما قتلني بعد.

ويروى انّ عليّاًـ رضوان الله عليه ـ كان يخطب مرّة ويذكر أصحابه، وابن ملجم تلقاء المنبر، فسمع وهو يقول: والله لأريحنّهم منك، فلمّا انصرف علي ـ صلوات الله عليه ـ إلى بيته أتى به ملبباً(1)فأشرف عليه، فقال علي: ماتريدون؟ فخبّروه بما سمعوا، فقال: ما قتلني بعد فخلّوا عنه.

ويروى أنّ علياً كان يتمثّل إذا رآه ببيت عمرو بن معدي كرب في قيس بن مكشوح المرادي:

اُريد حياته ويريد قتلي * عَذِيرَك من خليلكَ من مراد

فقيل لعليّ: كأنّك قد عرفته و عرفت ما يريد بك. أفلا تقتله؟ فقال: كيف اقتل قاتلي؟ .

فلمّا كان ليلة احدى و عشرين من شهر رمضان خرج ابن ملجم وشبيب الأشجعي فاعتورا الباب الذي يدخل منه عليّ ـ رضي الله عنه ـ وكان مُغَلِّساً ويُوقظ الناس للصلاة، فخرج كما كان يفعل فضربه شبيب فأخطاه


1. أي مأخوذا بتلابيه.


(135)

وأصاب سيفه الباب، وضربه ابن ملجم على صَلْعَتِه (1) فقال علي: فزت ورب الكعبة، شأنكم بالرجل. فيروى عن بعض من كان بالمسجد من الأنصار، قال: سمعت كلمة عليّ ورأيت بريق السيف، فأمّا ابن ملجم فحمل على الناس بسيفه فأفرجوا له وتلقّاه المغيرة بن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب بقطيفة فرمى بها عليه، واحتمله فضرب به الأرض، فقعد على صدره ، وأما شبيب فانتزع السيف منه رجل من حضرموت وصرعه وقعد على صدره وكثر الناس فجعلوا يصيحون: عليكم صاحب السيف، فخاف الحضرميّ أن يكنُّوا عليه ولايسمعوا عذره فرمى بالسيف، وانسلّ شبيب بين الناس فَدُخِلَ على عليّ فاومر فيه، فاختلف الناس في جوابه فقال علي: «إن أعش فالأمر إليّ، وان اُصب فالأمر لكم، فإن آثرتم أن تقتصّوا فضربة بضربة وإن تعفوا أقرب للتقوى»....ومات عليّ ـ صلوات الله ورضوانه عليه و رحمته ـ في آخر اليوم الثالث

[واتّفقوا على القصاص

] فدعا به الحسن ـ رضي الله عنه ـ

[فقال ابن ملجم له

]: إنّ لك عندي سرّاً فقال الحسن ـ رضوان الله عليه ـ: أتدرون ما يريد؟ يريد أن يقرب من وجهي فيعضّ اُذني فيقطعها. فقال: أما والله لو أمكنني منها لاقتلعتها من أصلها. فقال الحسن: كلاّ والله لأضربنّك ضربة تؤدّيك إلى النار(2) .

هذا ما ذكره المبرّد في كامله ووافقه عدّة من المؤرّخين غير أنّ أهل البيت أدرى بما في البيت، والصحيح أنّه قتل في المحراب وهو يصلّي الفجر وانّه ضرب في ليلة التاسعة عشر من شهر رمضان واستشهد في ليلة الحادية و العشرين منه: وإليك كلمة عن الإمام الرضا ـ عليه السَّلام ـ في ذلك المجال


1. العبارة تعرب عن كونه مقتولا في باب المسجد ولكنّه مردود بقول أئمة أهل البيت على أنّه قتل في محراب عبادته.
2. المبرّد: الكامل 2/148. الطبري: التاريخ 4/110 ـ 112. ابن الأثير: الكامل 3/194 ـ 195. الدينوري: الأخبار الطوال 214. المسعودي: مروج الذهب 4/166 .


(136)

لمّا ضرب ابن ملجم ـ لعنه الله ـ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كان معه آخر فوقعت ضربته على الحائط، وأمّا ابن ملجم فضربه فوقعت الضربة وهو ساجد على رأسه (1).

***


1. الطوسي: الأمالي 233. المجلسي: البحار 42/205 ـ 206 .


(137)

خاتمة المطاف:

ماهي أسباب النكسة في أعقاب حرب صفّين

لم يختلف اثنان في أنّ النصر كان حليف الإمام طوال مدّة الحرب، ولكن لمّا طرأت فتنة التحكيم واغترّبها بعض قادة جيشه وخاصة قرّاؤهم، بدأ الضعف يدبّ في معسكر الإمام، واختلفوا إلى فرقتين، فرقة تنادي بالصلح والموادعة، وفرقة أخرى ـ وكانت في الظاهر قليلة ـ تصرّ على مواصلة الحرب، ولاجرم أنّ الغلبة كانت للطائفة الاُولى، ثمّ إنّ نفس تلك الطائفة تراجعت عن فكرتها وحاولت أن تفرض على علي ـ عليه السَّلام ـ نقض ميثاق التحكيم، ولكنّها لم تنجح وانتهى إلى ما عرفت من خروج المحكِّمة بصورة قوّة معارضة للإمام إلاّ أنّ الإمام استأصل شأفتهم، وقطع جذورهم، فلم يبق في القوم إلاّ حشاشات شكّلت نواة للانتفاضات والأعمال الاجرامية حيث استطاعت اغتيال الإمام واعطاء الفرصة لمعاوية، لتحقيق طموحاته التي طالما راودته في


(138)

حياته السياسية.

وكان من نتائج تلك الفتنة، أنّ الإمام لم يتمكّن من عزل معاوية عن سلطته في الشام، وضمّ الشامات إلى حكومته، بل خرجت بعض المناطق التي كانت تحت يده عن سلطته، فاستولى عمرو بن العاص على مصر، وقتل عامل الإمام محمّد بن أبي بكر فيها حتى أصبح العراق مطمعاً لمعاوية من خلال الغارات التي قامت بها كتائبه.

كلّ ذلك، مانصفه بالنكسة تارة، والهزيمة اُخرى، ويطيب لنا بيان أسبابه في خاتمتنا هذه، وربّما يتخيّل القارئ أنّ هذا البحث خارج عن موضوع هذا الجزء (الخوارج)، ولكنّه إذا اطّلع عليه يقف على أنّ له الصلة التامّة بالموضوع وإليك البيان.

إنّ السبب الحقيقي لوقوع النكسة كان أمرين:

الأوّل: سيادة نزعة الاعتراض على قرّاء الكوفة:

كان جيش الإمام خليطاً من طائفتين طائفة صالحة مطيعة لأمر القيادة إلى حدّ التضحية بكلّ ما تملك لتنفيذ أوامرها من دون أيّ اعتراض، و من نماذج تلك الطائفة مالك الأشتر، وعدي بن حاتم وعبدالله بن عباس، وعماربن ياسر، وعمروبن الحمق الخزاعي، وحجر بن عدي الكندي، وسهل بن حنيف، وسليمان بن صرد، إلى غير هؤلاء من صلحاء الاُمّة وأتقيائها التابعين للإمام تبعية الضل لذي الضل.

وطائفه تطغى عليها نزعةُ الاعتداد بالرأي والاستبداد في الأمر، والتدخّل في شؤون القيادة، وكانوا يتصوّرون أنّه ليس بينهم و بين القائد، فرق حتى بقدر الأنملة ، وهذا الشعور كان ظاهراً منهم في جميع مواقفهم من


(139)

حين انضمامهم لراية الإمام إلى خروجهم عليه، ومن نماذج هؤلاء، حرقوص بن زهير المعروف بذي الثدية، ومِسْعر بن فدكي، وزيد بن حصين، وشريح بن أوفى بن يزيد بن ظاهر العبسي، ونافع بن الأزرق، وعبدالله بن وهب الراسبي إلى غير ذلك من رؤوس تلك الطائفة الذين صاروا خوارج من بعد.

وبما أنّ أصحاب هذه الطائفة كانوا يكثرون قراءة القرآن والصّلاة والتهجّد في الليل حتى اسودّت جباههم من السجود، وأصبحت لهم ثفنات كثفنات البعير، فكان لكلامهم نفوذ وتأثير كبير في جيش الإمام، خاصّة اُولئك الذين كانوا من قبائلهم و كتائبهم و هم كثيرون.

والذي يدلّنا على سيادة تلك النزعة فيهم (نزعة الاعتراض على القيادة والمتولّين لشؤون الحكومة) مانقرأه في تاريخ حياتهم وإليك بيانه:

1 ـ ما سمعت من حديث النبي في حقّ رأس الخوارج (ذي الخويصرة) حيث وقف على رسول الله وهو يقسّم غنائم خيبر فقال له: ما عدلت منذ اليوم، فقال رسول الله: ويحك من يعدل إذا لم أعدل؟! فقال عمر: ألا أقتله يا رسول الله؟ فقال رسول الله: إنّه سيكون لهذا ولأصحابه نبأ، وقال: تحقر صلاة أحدكم في جنب صلاتهم، وصوم أحدكم في جنب صيامهم، ولكن لايجاوز إيمانهم تراقيهم، وقال سيخرج من ضئضىء هذا الرجل، قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة (1) .

2 ـ ما رواه الطبري عن محمّد بن راشد عن أبيه في حرب الجمل قال: كان من سيرة عليّ: أن لايقتل مدبراً ولايذفف على جريح ولايكشف ستراً ولايأخذ مالا، فقال قوم يومئذ: ما يحلّ لنا دماءهم ويحرّم علينا أموالهم؟ فقال


1. نقله أهل السير ونقله أصحاب الصحاح و المسانيد، ورواه البخاري أيضاً في صحيحه لاحظ الجزء 6 تفسير سورة البراءة تفسير قوله سبحانه: والمؤلّفة قلوبهم ص 67 .


(140)

عليّ: القوم أمثالكم من صفح عنّا فهو منّا و نحن منه، ومن لجَّ حتى يصاب، فقتاله منّي على الصدر والنحر، وإنّ لكم في خمسه لغنى، فيومئذ تكلّمت الخوارج (1).

وقد ذكر الطبري قصّة الاعتراض على وجه الإجمال ولكن غيره ذكره على وجه التفصيل، قالوا: نقمت الخوارج على عليّ عندما قرب منهم في النهروان وأرسل إليهم أن سلّموا قاتل عبدالله بن خباب، فأجابوه بأنّا كلّنا قتله، ولئن ظفرنا بك قتلناك، فأتاهم عليّ في جيشه، وبرزوا إليه بجمعهم، فقال لهم قبل القتال: ماذا نقمتم منىّ؟ فقالوا له: أوّل ما نقمنا منك انّا قاتلنا بين يديك يوم الجمل، فلمّا انهزم أصحاب الجمل، أبَحْتَ لنا ما وجدنا في عسكرهم من المال، ومنعتنا من سبي نسائهم و ذراريهم، فكيف استحللت مالهم دون النساء والذريّة؟ فقال: إنّما أبحتُ لكم أموالهم بدلا عمّا كانوا أغاروا عليه من بيت مال البصرة قبل قدومي عليهم، والنساء والذرية لم يقاتلونا، وكان لهم حكم الإسلام، بحكم دار الإسلام، ولم يكن منهم ردّة عن الإسلام ولا يجوز استرقاق من لم يكفر، وبعد لو أبحت لكم النساء، أيّكم يأخذ عائشة في سهمه؟ فخجل القوم من هذا(2) .

وما ذكره الطبري، وإن وقع في سنده سيف بن عمر، وهو ضعيف في الرواية، ولكن مانقله البغدادي نقىّ السند مضافاً إلى أنّه تضافرت الروايات على نقله من الفريقين .

روى الشيخ الطوسي في تهذيبه عن مروان بن الحكم قال: لمّا هزّمنا عليّ بالبصرة ردّ على الناس أموالهم، من أقام بيّنة أعطاه، ومن لم يقم بيّنة أحلفه،


1. الطبري: التاريخ 3/545 .
2. البغدادي: الفَرق بين الفِرق: 78 .


(141)

قال: فقال له قائل: يا أمير المؤمنين اقسم الفي بيننا والسبي، قال: فلمّا أكثروا عليه، قال: أيّكم يأخذ اُمّ المؤمنين في سهمه؟ فكفّوا (1).

3 ـ روى الطبري أيضاً: لمّا فرغ عليّ من بيعة أهل البصرة، نظر في بيت المال فإذا فيه ستمائة ألف وزيادة، فقسّمها على من شهد معه، فأصاب كلّ رجل منهم خمسمائة وقال: لكم إن أظفركم الله عزّوجلّ بالشام مثلها إلى اعطياتكم، وخاض في ذلك السبائية وطعنوا على عليّ من وراء وراء(2).

كل ذلك يعرب عن طغيان نزعة الاعتراض على القوم، وأنّهم كانوا يرون لأنفسهم حق التدخل في شؤون القيادة.

4 ـ إنّا نرى أنّ الأشعث لمّا قرأ وثيقة التحكيم على الشاميين، استقبلوه برضى ولمّا عرضها على رايات عنزة وغيرهم من العراقيين، قابلوه بالاعتراض والسيف.

قال ابن مزاحم: إنّ الأشعث خرج في الناس بذلك الكتاب يقرأه على الناس ويعرضه عليهم، ويمرّ به على صفوف أهل الشام وراياتهم، فرضوا بذلك، ثم مرّ به على صفوف أهل العراق وراياتهم يعرضه عليهم حتى مرّ برايات عنزة ـ وكان مع عليّ من عنزة بصفين أربعة آلاف مجفف ـ فلمّا مرّ بهم الأشعث فقرأه عليهم، قال فتيان منهم: لا حكم إلاّ لله. ثمّ حملا على أهل الشام بسيوفهما (فقاتلا) حتى قتلا على باب رواق معاوية. وهما أوّل من حكم، واسماهما معدان وجعد، اخوان، ثم مرّ بها على مراد، فقال صالح بن شقيق وكان من رؤسائهم:

ما لعليّ في الدماء قد حكم * لو قاتل الأحزاب يوماً ما ظلم


1. الحرّ العاملي: وسائل الشيعة 11 الباب 25 الحديث 5 و 7 ص 58 .
2. الطبري: التاريخ 3/544. والمراد من السبائيّة: الخوارج، فإنّه كثيراً مايطلقها عليهم.


(142)

لاحكم إلاّ لله ولو كره المشركون. ثم مرّ على رايات بني راسب فقرأه عليهم فقالوا: لاحكم إلاّ لله، لانرضى ولا نحكّم الرجال في دين الله، ثم مرّ على رايات بني تميم فقرأها عليهم فقال رجل منهم: لاحكم إلاّ لله يقضي بالحق وهو خير الفاصلين، فقال رجل منهم لآخر: أمّا هذا فقد طعن طعنة نافذة. وخرج عروة بن اديّة أخو مرداس بن اديّة التميمي، فقال: أتحكّمون الرجال في أمرالله، لاحكم إلاّ لله، فأين قتلانا يا أشعث. ثم شدّ بسيفه ليضرب به الأشعث، فأخطأه وضرب به عجز دابّته ضربة خفيفة فاندفعت به الدابة وصاح به الناس : أن امسك يدك. فكفّ ورجع الأشعث إلى قومه (1) .

5 ـ إنّ بعض من صار من الخوارج كانوا متواجدين في الكوفة أيّام خلافة عثمان، وكانوا يعترضون على عمّاله مثل سعيد بن العاص، فكتب سعيد بن العاص بذلك إلى عثمان فأمر بتسييرهم من الكوفة، ونرى بين المعترضين، حرقوص بن زهير السعدي، وشريح بن أوفى بن يزيد بن ظاهر العبسي، وزيد بن حصين الطائي وهم رؤوس الخوارج وكانوا ملتفّين حول الأشتر النخعي، وكانوا يعدّون من أصحابه، حتى كتب سعيد بن العاص بذلك إلى عثمان وقال: إنّي لا أملك من الكوفة مع الأشتر وأصحابه الذين يدعون القرّاء ـ وهم السفهاء ـ شيئاً فكتب إليه: أن سيّرهم إلى الشام(2).

نعم اجتمع مع الأشتر غيرهم، من الرجال الصالحين والعّباد الناسكين كزيد وصعصعة بن صوحان وكعب بن عبده وعدي بن حاتم الطائي، ويزيد بن قيس الأرحبي (الذي كان له مواقف مشكورة في حرب صفّين)، وعمرو بن الحمق، وكميل بن زياد النخعي، وحارث بن عبدالله الأعور الهمداني،


1. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 587 ـ 588 .
2. الغدير: 5 / 31 نقلاً عن الأنساب للبلاذري: 5/39 .


(143)

وغيرهم من الصلحاء، وذلك يكشف عن وجود نزعة الاعتراض في قرّاء الكوفة ورؤسائهم، نعم كون هؤلاء محّقين في اعتراضهم على عامل الخليفة الثالث وحتى الخليفة نفسه لايكون دليلا على أنّهم محقّون كذلك في مسألة التحكيم وما خلّف من الآثار السيّئة، ولا دليل على تلك الملازمة، فرّب انسان يكون محقّاً في دعوى ومبطلا في دعوى اُخرى، والامعان في حقيقة الاعتراضين ـ الاعتراض على عامل الخليفة الثالث والاعتراض على أميرالمؤمنين عليـ يكفي في تصديق ماذكرنا.

نعم إنّ الإسلام لا يخالف سياسة الانتقاد وحرية التعبير عن الرأي، ولايريد للاُمّة أن تكون كقطيع من الماشية بل انّه يدعو إلى النقد إذا كان لأجل طلب الحق، مثلا إذا بدا للانسان أنّ قول القائد لا يماثل عمله فله السؤال والنقاش ولكن باسلوب بنّاء، لغاية الوصول إلى الحق، وهذا ما يدعو إليه الإسلام خصوصاً فيما إذا كان القائد انساناً غير معصوم، بل نجد ذلك في عصر المعصوم أيضاً، روى أصحاب السيرة لمّا توفّي عبدالله ولد النبي بكى عليه وجرت دموعه على خدّيه، فاستظهر بعض الصحابة أنّ عمل النبي هذا ينافي ما أوصى به من عدم البكاء على المّيت، فاجابه النبي وأرشده إلى الحق وقال ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ : لا، ولكنّي نهيت عن صوتين احمقين وآخرين: صوت عند مصيبة، وخمش وجوه، وشق جيوب، ورنة شيطان، وصوت عند نعمة لهو، وهذه رحمة ومن لايَرْحَم لايُرْحَم (1) .

نعم إذا كانت الغاية مجرّد إبداء الرأي، وحبّ الاعتراض، فهذا ما يعدّه الكتاب والسنّة من المجادلة بالباطل (ما يُجادِلُ فِى آياتِ اللهِ إلاّ الَّذِيْنَ كَفَروا فَلا )


1. برهان الدين الحلبي: السيرة الحلبية 3/395 .


(144)

يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى البِلادِ)) (1) وقال سبحانه: ( وَ يُجادِلُ الَّذِيْنَ كَفَرُوا بَالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ )الحَقَّ) .)(2)

نحن نرى تلكما النزعتين متجسّدتين في الأشتر والملتفّين حوله من الصلحاء من جهة، وحرقوص وزملائه من جهه اُخرى، وإن اشتركوا في حقبة من الزمن في صبغة الاعتراض.

فالنزعة الاُولى: كانت نابعة عن روح صادقة لاعن هوى نفسي، ولأجل ذلك بقوا على اعتراضهم ومخالفتهم لعامل الخليفة إلى أن قُتِلَ عثمان، لأنّهم أدركوا أنّ عمل الخليفة وعمّاله يفارق مبادىء الإسلام، وتحمّلوا التسيير والتبعيد عن الوطن، ولكن لمّا واجهوا عليّاً ووجدوا فيه ضالّتهم المنشودة من أنّه القائد الإلهي الذي يعمل لأجل الله، سلّموا إليه مقاليد امورهم.

والنزعة الثانية: كانت نابعة عن روح مكابرة تريد فرض ما تحبّ وترى، سواء أكان حقّاً أم باطلا، ونذكر هنا نموذجاً للقسمين:

قال ابن مزاحم: قيل لعلي لمّا كتبت الصحيفة: إنّ الأشتر لم يرض بما في هذه الصحيفة ولا يرى إلاّ قتال القوم، فقال علي: بلى إنّ الأشتر ليرضى اِذا رَضيْتُ، وقد رضيتُ ورضيتُم، ولا يصلح الرجوع بعد الرضا، ولا التبديل بعد الإقرار، إلاّ ان يُعْصى الله ويتعدّى ما في كتابه (3) .

وإي تسليم أعلى وأنبل من تسليم الأشتر لأمر القيادة، فقد كان النصر حليفاً له ولم يبق بينه وبين تحقّقه الاّ عدوة الفرس، أو قاب قوسين او أدنى، فلمّا وقف على أنّ مواصلة الحرب ولو فترة قليلة سيؤدّي إلى القضاء


1. غافر: 4 .
2. الكهف: 56 .
3. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 598 .


(145)

على حياة الإمام، تراجع عن ساحة القتال، ورجع طائعاً مذعناً لما أمره به الإمام  ـ عليه السَّلام ـ وخاطب اُولئك الذين وقفوا بوجه الإمام، وقال خُدِعَتم والله فانخدعتم، ودُعِيْتُم إلى وضع الحرب فأجبتم، يا أصحاب الجباة السود كنّا نظنّ أنّ صلاتكم زهادة في الدنيا، وشوقاً إلى لقاء الله، فلا أرى فراركم إلاّ إلى الدنيا من الموت، ألا فقبحاً يا أشباه النِّيب الجلاّلة، ما أنتم برائين بعدها عزّاً أبداً، فابعدوا كما بعد القوم الظالمون (1).

هذا هو الأشتر وهذه طاعته للامام الحق، وأمّا الخوارج فسَلْ عن عنادهم ولجاجهم في وجه الحق، فقد احتجّ عبدالله بن عباس على صحّة مبدأ التحكيم بقوله: «إنّ الله أمر بالتحكيم في قتل صيد» فقال: (يَحْكُمُ بِهِ ذوا عَدْل مِنْكُمْ) فكيف في الامامة...، فلمّا سمعت الخوارج تلك المعارضة قال بعضهم لبعض: اجعلوا احتجاج قريش حجّة عليهم، فإنّ هذا من الذين قال الله فيهم: ( بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُون) وقال عزّوجلّ: ( )و تُنْذِرَ به قَوْماً لدّا))(2).

إلى هنا وقفت على العامل الأوّل لظهور هذه النكسة، وإليك بيان العامل الثاني:

الثاني: وجود العملاء في جيش الإمام:

كان في جيش الإمام عملاء لمعاوية يعملون لصالحه، حيث كانوا يضمرون العداء لعليّ، ويتحّينون الفُرصَ للقضاء على حكومته وحياته، كأمثال الأشعث بن قيس، وقد عرفت أنّه خطب في أوان طلوع فكرة إنهاء الحرب وقال: من لذرارينا ونسائنا إن قُتِلْنا؟ يقول هذا والخوارج بمرأى


1. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 563.
2. المبرّد: الكامل 2/122 طبع مطبعة المعارف بمصر.


(146)

ومسمع منه، وفي ذلك يقول ابن أبي الحديد: «كلّ فساد كان في خلافة عليّ ـ عليه السَّلام ـ وكلّ اضطراب حدث فأصله الأشعث» (1) .

وإليك الشواهد على صحّة تلك النظرية:

1 ـ كان الأشعث عاملا لعثمان على آذربايجان، وقد كان عمروبن عثمان تزوّج ابنة الأشعث بن قيس، ولمّا بويع عليّ ـ عليه السَّلام ـ كتب إليه مع زياد ابن مرحب الهمداني رسالة ذكر فيها بيعة طلحة والزبير ونقضهما البيعة وقال: «وإنّ عملك ليس لك بطعمة ولكنّه أمانة، وفي يديك مال من مال الله، وأنت من خزّان الله عليه حتى تسلّمه إليّ». فلمّا قرأ كتاب علي قال لبعض أصحابه: «إنّه قد أوحشني وهو آخذ بمال آذربايجان» وأراد اللحوق بمعاوية فمنعه بعض أصحابه حتى قدم على عليّ، وهو معزول عن الولاية(2) .

قال المسعوديّ: وبعث إلى الأشعث بن قيس يعزله عن آذربايجان وأرمينية وكان عاملا لعثمان عليها، وكان في نفس الأشعث على عليّ ما ذكرنا من العزل وما خاطبه به حين قدم عليه فيما اقتطع هنالك من الأموال (3) .

2 ـ كانت رئاسة قبيلتي كندة وربيعة للأشعث فانتزعها عليّ ـ عليه السَّلام ـ منه وولّى حسان بن مخدوع عليهما، ثمّ بعد هن وهنات أشركه في الرئاسة(4) وقد أثار ذلك حفيظة الأشعث على علىّ وإن لم يظهر ذلك.

3 ـ كان الأشعث متّهماً بالتنسيق مع معاوية خلال فترة الحرب، يقول ابن مزاحم: إنّ ابن ذي الكلاع أرسل إلى الأشعث رسولا فقال له: «إنّ ابن عمّك


1. ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 2/279 .
2. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 29 .
3. المسعودي: مروج الذهب 3/117 .
4. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 153 .


(147)

ذي الكلاع يقرئك السّلام ورحمة الله، وإن كان ذوالكلاع قد اُصيب وهو في الميسرة، فتأذن لنا فيه» فقال له الأشعث: اقرأ صاحبك السّلام ورحمة الله، وقل له: إنّي أخاف أن يتهمني علي، فاطلبه إلى سعيد بن قيس فإنّه في الميمنة، فذهب إلى معاوية فأخبره وكان منع ذلك منهم، وكانوا في اليوم والأيام يتراسلون(1).

4 ـ أرسل معاوية بن ابي سفيان أخاه عتبة بن أبي سفيان، فقال: الق الأشعث، فإنّه إن رضي رضيت العامّة، فخرج عتبة فنادي الأشعث بن قيس، فقال الناس: هذا الرجل يدعوك، فقال الأشعث: سلوه من هو؟ فقال: أنا عتبة بن أبي سفيان، فقال الأشعث: غلام مترف ولابدّ من لقائه، فخرج إليه، فأبلغه دعوة معاوية (2) .

وهذا يعرب أنّ معاوية كان يحاول ايجاد موطأ قدم له في ساحة علي ـ عليه السَّلام ـ من خلال كسب رضا الأشعث، وقد نجح الرجل في ذلك بعض النجاح وقد كانت نتيجة هذه الدعوة أنّه قال في جواب معاوية: أمّا البقية فلستم بأحوج إليها منّا، وسنرى رأينا فيها إن شاء الله .

فلمّا بلغ معاوية كلام الأشعث، أيقن بأنّ الأشعث قد جنج للسلم، وشاعت نتيجة المفاوضة في صفوف الجيشين، إلى أن اجترأ الأشعث على ابداء رأيه في الحرب والطلب من عليّ أنهائها رحمة بالذراري والنساء وهذا ماتقرأه فيما يلي:

5 ـ إنّ الأشعث قام ليلة الهرير في أصحابه من كندة، فألقى خطاباً يتوخّى منه تثبيط العزائم وايقاف الحرب لصالح معاوية، وكانت امارات النصر لعلي


1. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 341 .
2. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 465 .


(148)

ظاهرة، وقد رفعوا المصاحف على رؤوس الأسنّة في نهار تلك الليلة، فقال في خطابه: «قد رأيتم يا معشر المسلمين ما قد كان في يومكم هذا الماضي، وما قد فني فيه من العرب، فوالله لقد بلغت من السن ما شاء الله أن أبلغ، فما رأيت مثل هذا اليوم قط، إلاّ فليبلّغ الشاهد الغائب، انّا إن نحن توافقنا غداً انّه لفناء العرب وضيعة الحرمات، أما والله ما أقول هذه المقالة جزعاً من الحتف ولكنّي رجل مسنّ اخاف على النساء والذراري غداً إذا فنينا.

قال صعصعة: فانطلقت عيون معاوية إليه بخطبة الأشعث، فقال: أصاب وربّ الكعبة، لئن نحن التقينا غداً لتميلنّ الروم على ذرارينا ونسائنا، ولتميلنّ أهل فارس على نساء أهل العراق وذراريهم، وأنّما يبصر هذا ذووا الأحلام والنهى، اربطوا المصاحف على أطراف القنا.

فصار أهل الشام فنادوا في سواد الليل: يا أهل العراق من لذرارينا إن قتلتمونا ومن لذراريكم إن قتلناكم، الله الله في البقية. فأصبح أهل الشام وقد رفعوا المصاحف على رؤوس الرماح وقلَّدوها الخيل...(1) .

6 ـ إنّ رفع المصاحف أوجد الفوضى في جيش علي ـ عليه السَّلام ـ وفرّقهم إلى فرقتين، فمنهم من يطلب مواصلة الحرب كعمروبن الحمق وغيره، ومنهم من يصرّ على إنهائها، ومنهم الأشعث فقام خطيباً مغضباً فقال: يا أمير المؤمنين أجب القوم إلى كتاب الله فإنّك أحقّ به منهم، وقد أحبّ الناس البقاء وكرهوا القتال (2) .

7 ـ وبعدما رضي الإمام بالتصالح لاُمور تقدّمت، وتوافق الطرفان على أن يبعث كلّ واحد حكماً، اختار الإمام أن يكون الحكم من قِبَلِه، ابن عباس،


1. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 549 ـ 550 .
2. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 551 .


(149)

فلم يقبله الأشعث، وقال: والله ما نبالي أكنتَ أنت أو ابن عباس ولانريد إلاّ رجلا هو منك ومن معاوية سواء ليس إلى واحد منكما بأدنى من الآخر، قال علي: إنّي اجعل الأشتر، قال الأشعث: وهل سعّر الأرض علينا غير الأشتر(1) .

8 ـ كان الأشعث يتبجّح بكتاب الصلح ولمّا تمّت كتابته وشهد عليه شهود من الطرفين أخذ به ومرّ به على صفوف أهل الشام والعراق يعرضه عليهم، واستقبله أهل الشام بالرضا، وأمّا أهل العراق فقد أوجد فيهم فوضى فمنهم من رضى ومنهم من حمل عليه هاتفاً بقوله: لا حكم إلاّ لله (2) .

وممّا ذكرنا يظهر أنّ الرجل وإن لم يكن من الخوارج لكنّه إمّا كان عميلا لمعاوية، كما هو الظاهر ممّا سردناه عليك ، أوكان في نفسه شيء يجرّه إلى أن يتّخذ موقفاً خاصّاً مناوئاً لعليّ ـ عليه السَّلام ـ ولأجل ذلك كان ما ألقاه من كلام حول ايقاف الحرب فرصة لما يرومه معاوية من انهاء الحرب وايجاد الفوضى، وبذلك تقف على صحّة ماذكره ابن أبي الحديد: من أنّ كل فساد كان في خلافة عليّ فأصله الأشعث .

يقول اليعقوبي: لمّا رفعوا المصاحف وقالوا: ندعوكم إلى كتاب الله، فقال علي: إنّها مكيدة وليسوا بأصحاب قرآن، فاعترض الأشعث بن قيس الكندي، ـ وقد كان معاوية استماله وكتب إليه ودعاه إلى نفسهـ فقال: قد دعوا القوم إلى الحقّ، فقال علىّ ـ عليه السَّلام ـ إنّهم إنّما كادوكم وأرادوا صرفكم عنهم، فقال الأشعث: والله لئن لم تجبهم انصرفتُ عنك، ومالت اليمانية مع الأشعث، فقال الأشعث: والله لتجيبنّهم إلى ما دعوا إليه أو لندفعنِّك إليهم


1. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 572 .
2. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 588 .


(150)

برمّتك.(1) .

ويؤيّد ذلك ما ذكره المبرّد في كامله: لمّا استقرّت الخوارج في حروراء بعث علي ـ عليه السَّلام ـ إليهم صعصعة بن صوحان العبدي وزياد بن النضير الحارثي مع عبدالله بن عباس فقال لصعصعة: بأي القوم رأيتهم أشدَّ إطاقة؟ فقال: يزيد بن قيس الأرحبّي، فركب علي إليهم إلى حروراء، فجعل يتخلّلهم حتى صار إلى مَضْرب يزيد بن قيس، فصلّى فيه ركعتين، ثم خرج فاتّكأ على قوسه، وأقبل على الناس، فقال: هذا مقام من فلج (2) فيه فلج يوم القيامة، ثمّ كلّمهم وناشدهم، فقالوا: أنّا أذنبنا ذنباً عظيماً بالتحكيم، وقد تبنا، فتب إلى الله كما تبنا نعدلك، فقال علي ـ عليه السَّلام ـ : أنا استغفر الله من كلّ ذنب، فرجعوا معه وهم ستّة آلاف، فلمّا استقرّوا بالكوفة أشاعوا أنّ عليّاً ـ عليه السَّلام ـ رجع عن التحكيم، ورآه ظلالا وقالوا: إنّما ينتظر أميرالمؤمنين أن يسمن الكراع (3) وتجنى الأموال، ثمّ ينهض بنا إلى الشام، فأتى الأشعث عليّاً ـ عليه السَّلام ـ فقال: يا أميرالمؤمنين، إنّ الناس قد تحدّثوا أنّك رأيت الحكومة ضلالا والاقامة عليها كفراً، فقام عليّ ـ عليه السَّلام ـ يخطب، فقال: من زعم أنّي رجعت عن الحكومة فقد كذب، ومن رآها ضلالا فقد ضلّ، فخرجت حينئذ الخوارج من المسجد فحكَّمت (4) .

قال ابن أبي الحديد: إنّ الخوارج لمّا قالوا لعليّ: تب إلى الله ممّا فعلت كما تبنا، ننهض معك إلى حرب الشام، فقال لهم عليّ: كلمة مجملة مرسلة


1. اليعقوبي: التاريخ 2/178 طبعة النجف .
2. فلج فيه، من الفلج: وهو الظفر .
3. الكراع: اسم للخيل .
4. المبرّد: الكامل 2/155، وفي المصدر: فقال الصعصعة والصحيح ما أثبتناه .


(151)

يقولها الأنبياء و المعصومين وهي قوله:

«استغفرالله من كلّ ذنب» فرضوا بها وعدّوها اجابة لهم إلى سؤالهم، وصفت له ـ عليه السَّلام ـ نيّاتهم، واستخلص بها ضمائرهم، من غير أن تتضمّن تلك الكلمة اعترافاً بكفر أو ذنب فلم يتركه الأشعث، وجاء إليه مستفسراً وكاشفاً عن الحال وهاتكاً ستر التورية والكناية، فانتقض ما دبّره، وعاد الخوارج إلى شبهتهم الاُولى، وراجعوا التحكيم والمروق (1) .

هل العصبية القبلية دفعت الأشعث إلى المخالفة؟:

من هذا البحث انصافاً تقف على قيمة مايذكره البعض وهو أنّ العصبية القبلية أثّرت في انحراف الأشعث عن علي، بل مهّدت لنشوء الخوارج وظهورهم في الساحة، وذلك بحجة أنّ الأشعث اعترض على ترشيح عبدالله بن عباس ممثّلا لعليّ، وقال: لا والله لا يحكم فيها مُضريّان حتى تقوم الساعة، ولكن اجعله من أهل اليمن، إذا جعلوا (أهل الشام) رجلا من مضر. فقال علي: إنّي أخاف أن يُخْدَع يَمَنَيِّكُم، فإنّ عمراً ليس من الله في شيء إذا كان له في امر هوى، فقال الأشعث: والله لأن يحكماببعض ما نكرهه وأحدهما من أهل اليمن أحبّ إلينا من أن يكون بعض ما نحبّ في حكمهما وهما مضريان (2) .

إنّ تحليل انحراف الأشعث عن عليّ ـ عليه السَّلام ـ وايجاده الفوضى في قسم كبير من جيشه بهذا العامل النفسي ضعيف جداً، ولاننكر أن يكون لهذا العامل أيضاً رصيداً في ما كان يضمره ويعمله .


1. ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 2/280 .
2. الدكتور نايف معروف: الخوارج في العصر الاُموي 25 وما نقله عن الأشعث، ذكره ابن مزاحم في وقعة صفّين 500 .


(152)

وأبعد من ذلك تحليل نشوء الخوارج في ساحة القتال بالعصبية القبلية، انّها أنجبت حركة الخوارج فصارت عصبيتهم الموجّهة ضدّ قريش وسلطانها المتجسّد في الحكومة العلوية يومذاك، سبباً لتلك الحركة الهدّامة بشهادة أنّا لانجد في صفوف الخوارج قرشياً واحداً بل على العكس من ذلك فإنّهم كانوا يحملون لواء التمرّد على قيادتها(1) .

إنّ تحليل هذه الحركة الكبيرة من بدئها إلى نهايتها بهذا العامل النفسي أشبه بتعليل الهزّة الكبيرة الموجبة لانهدام المدن والقرى، بسقوط صخرة من أعلى الجبل إلى هّوة سحيقة، نعم لايمكن انكار العصبية القبلية بين جميع القبائل العربية، خصوصاً بين قبيلتي تميم وقريش، ولكنّه ليس بمعنى أنّه الباعث والعامل المحدِث لهذه الضجّة الكبيرة التي شغلت بال المسلمين والخلفاء طوال قرون، بل العامل لحدوث هذه الحركة هو ما عرفته في المقام وفي الفصل الثالث عند البحث عن نشوء الخوارج .

***


1. الدكتور نايف معروف: الخوارج في العصر الاُموي 28 .


(153)

الفصل الثامن

الخوارج في عصر معاوية بن أبي سفيان


(154)


(155)

قد تعرّفت على مأساة التحكيم وما خلّف من آثار ونتائج سيّئة في جيش الإمام وأصحابه حيث فرّقهم وشقَّ شملهم، فانقلب الاخوان أعداءً، وأصبح الأنصار معارضين، إلى أن أدّى ذلك إلى حروب دامية ضدّ إمامهم أمير المؤمنين ولم يبرحوا حتى قضوا على حياته حيلة وغيلة.

لقد بذر معاوية تلك البذرة في جيش الإمام، ولم يدر بخلده أنّ هذه البذرة سوف تنمو وتكون أشواكاً تعكّر عليه صفو خلافته، وتشغل باله عشرين سنة إلى العام الذي هلك فيه، فحصد مازرع ووقع بالحفرة التي حفرها، وسوف نذكر الحروب والانتفاضات التي جرت في عهد معاوية بعد أن تسنّم عرش الخلافة من عام 41 إلى 60 من الهجرة.

نعم لم تقف انتفاضاتهم بهلاك معاوية، بل استمرّت بعد هلاكه، وعلى طول عهد بني اُميّة، غير انّا نكتفي بما جرى في عهد معاوية وبعده بقليل، ليكون نموذجاً لسائر الثورات التي قاموا بها إلى أواخر العصر الأموي. فكانوا مثلا لقوله سبحانه: ( ألَمْ يَأتِكُمْ نَبَؤُاْ الَّذِينَ كَفَروُا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَ بالَ أَمْرِهِمْ )


(156)

وَ لَهُمْ عَذابٌ اَليِمٌ)) )(1) .

وقبل ذلك نلفت نظر القارىء إلى هذه الانتفاضات من زاوية اُخرى، فالخوارج وإن قاموا في وجه الطغاة اللئام من بني اُميّة فثاروا عليهم هنا وهناك بصورة عشوائية ومتفرّقة، فأسهروا عيونهم وزعزعوا كيانهم، ولكنّهم أيضاً ذاقوا وبال أمرهم لأنّهم عصوا إمامهم، وقلّبوا الاُمور عليه، وأوجدوا الفوضى في عصره، فصدق فيهم قول الامام وهو يخاطبهم: «أما انّكم ستلقون بعدي ذلاّ شاملا، وسيفاً قاطعاً، يتّخذها الظالمون فيكم سنّة»(2) .

وهذا الكلام تنّبؤ من الإمام عن مستقبلهم المظلم، ويحقّ له هذا التنّبؤ، كيف وهو باب علم النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ، نعم احتمل ابن أبي الحديد أن يكون دعاءً أيضاً وقال: وهذه المخاطبة لهم وهذا الدعاء عليهم، وهذه الأخبار عن مستقبل حالهم، وقد وقع ذلك، فإنّ الله تعالى سلّط على الخوارج بعده الذلّ الشامل، والسيف القاطع، والاثرة من السلطان، ومازال حالهم يضمحل حتى افناهم الله تعالى وافنى جمهورهم.

ثمّ إنّ ابن أبي الحديد ذكر في أخبارهم شيئاً كثيراً وأطنب الكلام في سيف المهلّب بن أبي صفرة وبنيه على الخوارج وانّ نتيجته كانت الحتف القاضي، والموت الزؤوم للخوارج.

إنّ موسوعتنا هذه موسوعة تاريخ العقائد، لا تاريخ الأقوام، ولأجل ذلك ضربنا صفحاً عن نقل جميع الانتفاضات التي أقامها الخوارج في الشهود المختلفة، وفي أماكن متفرّقة، واكتفينا بماقاموا به في العصر الإموي، وخصّصنا بالذكر خصوص ما يرجع إلى عهد معاوية بن أبي سفيان زارع هذه


1. التغابن 5 .
2. الرضي: نهج البلاغة، الخطبة 58 .


(157)

البذرة، وحاصد نتائجها الدنيوية، وحافر تلك الحفرة والواقع فيها، وطلباً للاكمال نشير إلى الانتفاضات الواقعة بعد عهد معاوية بوجه موجز.

اغتيل الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ بيد أشقى الأوّلين والآخرين على ما وصفه الرسول الأعظم ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ في حديثه (1) وقضى نحبه فبويع الحسن خليفة بعد أبيه وتمّت له البيعة في رمضان سنة أربعين، وكان معاوية يتحّين الفرص ليسيطر على العراق كما سيطر على مصر ويأخذ بمقاليد الحكم، وقد أعطاه قتل الإمام فرصة لبسط نفوذه على العراق وخلع الحسن عن الحكم، فقدّم أمامه عبدالله بن عامر ليفتح الطريق إلى معاوية، ثمّ غادر هو الشام متوجّهاً إلى العراق.

ولمّا وقف الحسن على خطّة معاوية وانّه بصدد مواجهته بالقوّة العسكرية قدّم كتائب من جيشه وعلى رأسهم كتيبة قيس بن سعد بن عباده، وخرج هو من الكوفة حتى نزل المدائن مستعدّاً لمواجهة معاوية، غير أنّ الحوادث المريرة ـ التي ليس المقام مناسباً لذكرها ـ خيَّبتْ أمله، فلم يَر بدّا من التنازل عن الحكم و تسليم الأمر إلى معاوية من خلال وثيقة الصلح، وكيف لايكون مضطرّاً إلى التصالح وقد أعرب عن اضطهاده وتخاذل أصحابه ونهب ماله قبل مواجهة العدوّ، فقام خطيباً وقال: «يا أهل العراق انّه سخّى بنفسي عنكم ثلاث: قتلكم أبي، وطعنكم إيّاي وانتهابكم متاعي»(2).

أخذ معاوية بمقاليد الحكم وكان يتبجّح بأنّه أزال جميع الموانع التي


1. سبط ابن الجوزي: تذكرة الخواص 158.
2. الطبري: التاريخ 4/122 وقد ذكر الطبري صورة وثيقة الصلح في ذلك المقام ولكن ما ذكره لايشتمل على جميع بنود الصلح ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتاب صلح الحسن للشيخ راضي آل ياسين.


(158)

كانت تقف في طريقه لتولّي سدّة الحكم، لكنّه كان غافلا عن أنّ البذرة التي بذرها في صفّين لأجل إيجاد الفرقة في صفوف جيش عليّ ـ عليه السَّلام ـ سوف تنمو ويأكل من ثمرها وتكون عليه ضدّاً، فإن تسليم الحسن الحكم لمعاوية، ومبايعة أهل العراق له قد أغضب رؤوس الخوارج المختفين في جيش الحسن والمتفرّقين في البلاد، إذ شعروا أنّ هذا التصالح خطر على كيانهم ووجودهم، ولأجل ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم لمحاربة النظام الجديد كما حاربوا النظام السابق، فالخوارج كانوا ينظرون إلى عليّ ـ عليه السَّلام ـ ومعاوية بمنظار واحد بعد قضية التحكيم وإن كان عليّ ـ عليه السَّلام ـ في نظرهم إماماً عادلا محقّاً قبل التحكيم .

وإليك بعض حروبهم في عصر معاوية على وجه الإجمال:

1 ـ خروج فروة بن نوفل: يقول الطبري: وفي هذه السنة سنة41 خرجت الخوارج التي اعتزلت أيام عليّ ـ عليه السَّلام ـ بـ «شهرزور» على معاوية، فلمّا قدم معاوية العراق قبل أن يبرح الحسن من الكوفة حتى نزل النخيلة فقالت الحرورية الخمسمائة التي كانت اعتزلت بـ«شهرزور» مع فروة بن نوفل الأشجعي: قد جاء الآن ما لا شكّ فيه، فسيروا إلى معاوية نجاهده، فأقبلوا وعليهم فروة بن نوفل حتى دخلوا الكوفه فأرسل اليهم معاوية خيلا من خيل أهل الشام فكشفوا أهل الشام، فقال معاوية لأهل الكوفة: لاأمان لكم والله عندي حتى تكّفوا بوائقكم، فخرج أهل الكوفة إلى الخوارج فقاتلوهم، فقالت لهم الخوارج: ويلكم ما تبغون منّا، أليس معاوية عدوّنا وعدوّكم، دعونا حتى نقاتله وإن أصبناه كنّا قد كفينا كم عدوّكم، وإن أصابنا كنتم قد كفيتمونا، قالوا: لا والله حتى نقاتلكم، فقالوا: رحم الله اخواننا


(159)

من أهل النهر هم كانوا أعلم بكم يا أهل الكوفة، وأخذت أشجع (1) صاحبهم فروة وكان سيد القوم واستعمل الخوارج عليهم عبدالله بن أبي الحر(2)، رجلا من طيّ، فقاتلوهم، فقتلوا(3) .

وممّا يذكره المؤرّخون من حديث معركة النخيلة: انّ قبيلة اشجع تمكّنت من أخذ فروة بن نوفل من بين أصحابه الخوارج، فولّى الخوارجُ عليهم عبدالله بن ابى الحرباء، فقتل في أثناء المعركة، فولّى الخوارج عليهم حوثرةَ بن وداع بن مسعود الأسدي، فعاد إلى النخيلة، فأرسل اليه معاوية أباه، لعلَّه يردُّه وقال له:

اُخرج إلى ابنك فلعلَّه يرقُّ إذا رآك.

فخرج إليه وكلّمه وناشده وقال:

ألاأجيئك بأبنك؟ فلعلّك إذا رأيتَه كرهتَ فراقهَ.

فقال حوثرة: إنّي إلى طعنة من يد كافر يرمح القلب فيها ساعة، أشوق منّي إلى ابني .

فرجع أبوه وأخبر معاوية بقوله.

فأرسل معاوية إليهم جنداً فقتلوهم جميعا(4) .

2 ـ خروج شبيب بن بجرة: كان شبيب مع ابن ملجم حين قتل عليّاً، فلمّا دخل معاوية الكوفة أتاه شبيب المتقرّب وقال: أنا و ابن ملجم قتلنا عليّاً، فوثب معاوية من مجلسه مذعوراً حتى دخل منزله وبعث إلى أشجع،


1. اسم قبيلة من قبائل الكوفة، والمراد أنّ القبيلة التي كانت تحمي معاوية أخذت فروة بن نوفل رئيس الخوارج.
2. وفي الكامل لابن الاثير (عبدالله بن أبي الهوساء) 3/305 ـ 306 .
3. الطبري: التاريخ 4/126 .
4. عمر ابو النضر: الخوارج في الإسلام 31 .


(160)

فقال: لئن رأيت شبيباً أو بلغني أنّه ببابي لأهلكنّكم، أخْرِجوه من بلدكم، وكان شبيب إذا جنّ عليه الليل خرج فلم يلق أحداً إلاّ قتله، فلمّا ولي المغيرة بن شعبة الكوفة، خرج عليه بالطفّ قريب الكوفة، فبعث إليه المغيرة خيلا عليها خالد بن أرفطة، وقيل معقل بن قيس، فاقتتلوا فقتل شبيب وأصحابه (1) .

هذه عبرة خاطفة عن ثورات الخوارج في الكوفة، قبل أن يولّى المغيرة بن شعبة من قبل معاوية، وبعدما تولّى هو الكوفة كانت لهم ثورات أخمدها المغيرة بدهائه وسيفه وإليكها مجملة:

الخوارج والمغيرة بن شعبة والي معاوية في الكوفة:

غادر معاوية الكوفة إلى الشام واستعمل عبدالله بن عمرو بن العاص على الكوفة، فأتاه المغيرة بن شعبة فقال له: استعملت عبدالله على الكوفة، وأباه على مصر، فتكون أميراً بين نابي الأسد، فعزله عنها واستعمل المغيرة على الكوفة، ولمّا بلغ عمرو ما قاله المغيرة، دخل على معاوية فقال: استعملت المغيرة على الخراج فيغتال المال ولا تستطيع أن تأخذه منه، استعمل على الخراج رجلا يخافك ويتّقيك، فعزله عن الخراج واستعمله على الصلاة.

فلقى المغيرة عمرو، فقال عمرو: أنت المشير على أميرالمؤمنين بما أشرت به في عبدالله؟ قال: نعم. قال: هذه بتلك(2) وكان المغيرة يمثّل


1. ابن الاثير: الكامل 3/206 .
2. الطبري: التاريخ 4/127. ابن الاثير: الكامل 3/206. هؤلاء هم الصحابة العدول الذين يؤخذ عنهم الدين والفتوى!!.


(161)

سياسة معاوية مع الخوارج فيقاتلهم تارة ويعفو عنهم اُخرى، يقول الطبري: بعث معاوية المغيرة بن شعبة والياً على الكوفة، فأحبّ العافية وأحسن في الناس السيرة ولم يفتّش أهل الأهواء عن أهوائهم، وكان يؤتى فيقال له: إنّ فلاناً يرى رأي الشيعة، وإنّ فلاناً يرى رأي الخوارج، فكان يقول: قضى الله أن لا تزالون مختلفين، وسيحكم الله بين عباده في ماكانوا فيه يختلفون، فأمنه الناس(1).وإليك بعض مواجهاته مع الخوارج.

3 ـ خروج معين الخارجي: بلغ المغيرة أنّ معين بن عبدالله يريد الخروج فأرسل إليه وعنده جماعة فاُخذ وحبس، وبعث المغيرة إلى معاوية يخبره أمره، فكتب إليه: إنْ شهد أنّي خليفة فخلّ سبيله، فأحضره المغيرة وقال له: أتشهد أنّ معاوية خليفة و أنّه أمير المؤمنين؟ فقال: أشهد أنّ الله عزّوجلّ حقّ وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها و أنّ الله يبعث من في القبور، فأمر به فقتل(2) .

4 ـ خروج أبي مريم مولى بني الحرث بن كعب: ثم خرج أبو مريم مولى بني الحرث بن كعب ومعه امرأتان قطام وكحيلة، وكان أوّل من أخرج معه النساء، فعاب ذلك عليه أبو بلال بن أديه، فردّه أبو مريم بأنّه قد قاتل النساء مع رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ومع المسلمين بالشام، وسأردّهما، فردّهما، فوجّه إليه المغيرة جابر البجلي، فقاتله فقتل أبو مريم وأصحابه بـ «بادوريا»(3) .

5 ـ خروج أبي ليلى: وكان أبو ليلى رجلا أسود طويلا، فأخذ بعضادتي


1. الطبري: التاريخ 4/132 .
2. ابن الاثير: الكامل 3/206 .
3. ابن الاثير: الكامل 3/206 ـ 207 .


(162)

باب المسجد بالكوفة وفيه عدّة من الأشراف، وحكم بصوت عال، فلم يعرض له أحد، فخرج وتبعه ثلاثون رجلا من الموالي، فبعث إليه المغيرة معقل بن قيس الرياحي فقتله بسواد الكوفة سنة اثنتين وأربعين(1).

6 ـ خروج المستورد: إنّ الخوارج في أيّام المغيرة بن شعبة فزعوا إلى ثلاثة نفر، 1ـ المستورد بن علفة التيمي 2ـ حيان بن ظبيان السلمي 3ـ معاذ بن جوين الطائي، فاجتمعوا في منزل حيان بن ظبيان فتشاوروا فيمن يولّون عليهم، فبايعوا المستورد لأنّه أسنّ الثلاثة واستعدّوا للخروج في غرّة هلال شعبان سنة 43 (2) .

ثمّ إنّ قبيصة بن الدمون أتى المغيرة وكان على شرطته، فأخبر أنّ الخوارج قد اجتمعوا في منزل حيّان بن ظبيان، وقد اتّعدوا أن يخرجوا إليك في غرة شعبان، فقال المغيرة: سِرْ بالشرطة حتّى تحيط بدار حيّان بن ظبيان فأتني به، وهم لايرون إلاّ أنّه أمير تلك الخوارج، فسار قبيصة بالشرطة وفي كثير من الناس، فلم يشعر حيّان بن ظبيان إلاّ والرجال معه في داره نصف النهار واذا معه معاذ بن جوين و نحو من عشرين رجلا من أصحابهما، فاستسلموا فانطلق بهم إلى المغيرة بن شعبة، فقال لهم المغيرة: ما حملكم على ما أردتم من شقّ عصا المسلمين، قالوا له: أمّا اجتماعنا في هذا المنزل فإنّ حيّان بن ظبيان أقرأنا القرآن، فنحن نجتمع عنده في منزله، فنقرأ القرآن عليه، قال: فاذهبوا بهم إلى السجن، فلم يزالوا فيه نحواً من سنة(3) .


1. ابن الاثير: الكامل: 3/ 207 .
2. الطبري: التاريخ 4/133 ـ 134 .
3. الطبري: التاريخ 4/138. ابن الاثير: الكامل 3/210 ـ 212 .


(163)

وأمّا المستورد، فقد ذكر الطبري في تاريخه (1) وابن الأثير في كامله (2) ثورته على وجه التفصيل و نحن نذكر ملخّصها حسب ما قام به الدكتور نايف معروف في كتابه «الخوارج في العصر الأموي»: وأمّا المستورد، فإنّه نزل داراً في الحيرة بعيداً عن أعين الحرّاس. ولكن لمّا أخذت الخوارج تفد عليه، وانكشف أمره، أمر أصحابه بالرحيل عنها، فتحوّلوا إلى دار سليم بن مخدوج العبدي، في بني سلمة من عبد القيس، وكان صهراً للمستورد لايرى رأيه في الخروج. ولمّا شاع خبرتحرّك الخوارج، أدرك المغيرة خطورة الأمر، فجمع رؤساء القبائل و خطبهم فقال: فليكفين كلّ امرىء من الرؤساء قومه، وإلاّ فو الذي لا إله غيره لأتحولنّ عمّا كنتم تعرفون إلى ما تنكرون، وعمّا تحبّون إلى ما تكرهون فلا يلم لائم إلاّ نفسه، وقد اُعذر من أنذر.

أخذ زعماء القبائل انذار المغيرة موضع جدّ واهتمام، فعادوا إلى قبائلهم وبادروا في البحث عن مثيري الفتنة في صفوفهم، وجاء صعصعة بن صوحان إلى عبدالقيس ، فحذّرهم من إيواء هؤلاء المارقة، فتراجع كثيرون عن اللحاق بالخوارج.

ولمّا علم المستورد بتهديد المغيرة لرؤساء القبائل، وتجنباً لاحراج أصهاره، أمر أصحابه بالرحيل، فخرجوا عن ديار عبدالقيس، وساروا إلى الصراة ومنها إلى «بهرسير» وعزموا على دخول المدينة العتيقة التي كانت بها منازل كسرى فردّهم عنها عاملها سماك بن عبيد الأزدي العبسي. ثم حاول أن يردّهم عن خروجهم، ويأخذ لهم الأمان، فأبي المستورد، وعبر «جراجرايا» ومضى بأصحابه إلى أرض جوخى، حتى بلغ المذار، ونزلوا


1. الطبري: التاريخ 4/138 ـ 161 .
2. ابن الأثير: الكامل 3/212 ـ 217 .


(164)

هناك.

فبعث إليهم المغيرة جيشاً، قوامه ثلاثة آلاف رجل من نقاوة الشيعة، على رأسهم معقل بن قيس الرياحي التميمي الشيعي، فأرسل معقل في أثرهم أبا الرواغ الشاكري في ثلاثمائة من الفرسان، فلحقهم حتى أدركهم في أرض المذار. وحينئذاك استشار أصحابه في قتالهم أو انتظار قدوم معقل عليه، فاختلف أصحابه بين مؤيّد ومعارض. وأخيراً تنحّى جانباً. ثمّ تقدم معقل في سبعمائة من فرسانه والتقى الخوارج فانهزم كثيرون من أصحابه ولم يثبت سوى معقل وأبي الرواغ في نحو مائتين من الفرسان. ووصلت مؤخّرة الجيش وتوافقوا للقتال. وفي تلك الأثناء جاءت الخوارج الأخبار بأنّ شريك بن الأعور قد أقبل في ثلاثة آلاف من أهل البصرة، فاقترح المستورد على أصحابه أن ينحازوا ثانية، عن أرض البصرة وأن يعودوا إلى أرض الكوفة، لأن البصريين لايحاربون خارج دائرتهم، فانسحبوا من مواقعهم وتسلّلوا إلى أرض الكوفة حتى بلغوا جراجرايا، وقد أصاب حدسُهم، فإنّ البصريين رفضوا اللحاق بهم، فمضى الخوارج في طريقهم وعبروا دجلة ونزلوا في ارض بهرسير. وهناك بالقرب من ساباط كان اللقاء الحاسم فاشتدّ القتال بين الفريقين، وكادت الدائرة تدور على أهل الكوفة لولا ثبات معقل في عدد من فرسانه، ونجدة أبي الرواغ الذي كان أبعده المستورد عن ساحة المعركة بحيلة حربية، أمّا المستورد، فإنّه نادى معقلا ودعاه للمبارزة، فحاول أصحابه منعه من ذلك، فأبى وخرج إليه معقل، فاختلفا ضربتين، فقتل كل واحد منهما صاحبه. وكان قد أوصى بالامارة من بعده إلى عمرو بن محرز ابن شهاب التميمي، الذي أخذ الراية بعد مقتله و حمل على الخوارج


(165)

فقتلوهم ولم ينج منهم إلاّ بضعة رجال فرّوا من أرض المعركة (1) .

7 ـ خروج الموالي لصالح الخوارج: إنّ الموالي في العصر الأموي كانوا تحت الضغط يحقّرون بأنّهم غير عرب، فلأجل ذلك لاعجب إذا رأينا صلة بينهم وبين الخوارج فإنّهم وإن كانوا لايتبنّون مبادىء الخوارج ولكن كانوا يلتقون معهم بعدائهم للحكومة الأموية، ولأجل ذلك نجد أنّ عصابة من الموالي خرجت من الكوفة فبعث إليهم المغيرة رجلا من بجيلة، فقاتلهم وقضى عليها، وهؤلاء أوّل خارجة خرج فيها الموالي (2) .

8 ـ خروج حيان بن ظبيان السلمي: وفي سنة خمسين توفّي المغيرة بن شعبة، وهو ابن سبعين، وقد سجن كثيراً من الخوارج وقد أفرج عنهم بعد موته، ولمّا ولي على الكوفة عبدالرحمن بن عبدالله بن عثمان بن ربيعة الثقفي، وهو ابن اُمّ الحكم، اُخت معاوية بن أبي سفيان عادوا للخروج. يقول الطبري: إنّ حيان بن ظبيان السلمي، جمع إليه أصحابه، فدعاهم إلى الجهاد، وأدعم رأيه معاذ بن جوين الطائي، وبايع القوم حيان بن ظبيان، ثم اجتمعوا في منزل معاذ بن جوين بن حصين الطائي، فقال لهم حيان: عباد الله أشيروا برأيكم أين تأمروني أن أخرج؟ فقال له معاذ: إنّي أرى أن تسير بنا إلى «حلوان» فلم يقبله حيان، فقال له: عدوّك معاجلك قبل اجتماع الناس إليك، ورأى الخروج إلى جانب الكوفة، ولم يرض به أصحابه، فقال لهم معاذ بن جوين: سيروا بنا فلننزل بـ«انقيا» فخرجوا فبُعِثَ إليهم جيش فقتلوا جميعاً، وذلك في عام تسعة و خمسين .

ويقول الطبري: وفي هذه السنة اشتدّ عبيدالله بن زياد على الخوارج


1. د ـ نايف معروف:الخوارج في العصر الأموي 118 ـ 119 .
2. اليعقوبي: التاريخ 2/221 .


(166)

وقتل منهم صبراً جماعة كثيرة، وفي الحرب جماعة اُخرى، وممّن قتل منهم صبراً، عروة بن ادية أخو أبي بلال مرداس بن ادية(1).

الخوارج في البصرة:

لم تكن الكوفة وضواحيها هي المركز الوحيد لحركة الخوارج وثوراتهم في أوائل العصر الأموي، فقد كانت البصرة مثل الكوفة مركزاً لنشاطهم وخروجهم.

فقد خرج حمران بن أبان على البصرة في عام 41 فبعث معاوية بسر بن أرطاة فقتله وأخمد الثورة، ثم عزله معاوية واستعمل مكانه عبدالله بن عامر فخرج في عصره سهم بن غالب الهجيني في سبعين رجلا، فخرج إليه ابن عامر ففرّق شملهم حتّى اضطرّوا إلى الأمان.

ولمّا ولّى معاوية زياداً على البصرة في سنة 45، فوجدها تعج من الخوارج، وكانت لهم انتفاضات واحدة بعد اُخرى ولكن لم يكن النجاح حليفاً لهم (2) ونذكر هنا أهمّها على وجه الاجمال:

9 ـ خروج الخطيم الباهلي وسهم بن غالب الهجيني: خرج سهم إلى الأهواز فأحدث وحكم ثم رجع فاختفى وطلب الأمان، فلم يؤمنه زياد وطلبه حتى أخذه وقتله وصلبه على بابه.

وأمّا الخطيم فسيّره إلى البحرين، ثمّ أذن له فقدم، ولمّا أخلّ بما أمره به زياد أمر بقتله واُلقي في عشيرته (باهلة) (3) .


1. الطبري: التاريخ 4/231 .
2. الطبري: التاريخ 4/172 .
3. الطبري: التاريخ 4/172. ابن الاثير: الكامل 3/225 .


(167)

10 ـ خروج قريب بن مرة وزحّاف الطائي: خرج هذان الرجلان في أمارة زياد بالبصرة فاعترضا الناس فلقيا شيخاً ناسكاً من بني ضبيعة فقتلاه، فخرج رجل من بني قطيعة من الأزد وفي يده السيف، فناداه الناس من ظهور البيوت الحرورية: اُنج بنفسك، فنادوه (قريب وزحاف و من معهما): لسنا حرورية، نحن الشرط، فوقف فقتلوه. ثم جعلا لا يمرّان بقبيلة إلاّ قتلا من وجدا.

حتّى مرّا على بني علي بن سود من الأزد وكانوا مائة فرموهم رمياً شديداً فصاحوا: يا بني علي، البُقْيا، لارماء بيننا، قال رجل من بني علي :

لا شيء للقوم سوى السهام مشحوذةً في غلس الظلام

ففرّ عنهم الخوارج، إلى أن واجهوا بنو طاحية من بني سود، وقبائل من مزينة وغيرها، ووقع الحرب، فقتل الخوارج عن آخرهم، وقتل قريب وزحاف وقد كان عمل هؤلاء منفِّراً على حدّ، تبرّأ عنهم بعض الخوارج، ونقل ابن أبي الحديد عن أبي بلال مرداس بن اُدَيَّة انّه قال: قريب، لاقرّبه الله، وزحاف لاعفا الله عنه، ركباها عشواء مظلمة ـ يريد اعتراضهما الناس ـ. ونسب الطبري هذا القول إلى سعيد بن جبير(1) .

وقال الجزري: واشتد زياد في أمر الخوارج فقتلهم، وأمر سمرة بذلك فقتل منهم بشراً كثيراً، وخطب زياد على المنبر وقال: والله لتكفّنّني هؤلاء، أو لأبدأنَّ بكم، والله لإن اُفِلتَ منهم رجل، لاتأخذون العام من عطياتكم درهماً، فثار الناس بهم فقتلوهم(2) .

11ـ خروج زياد بن خراش العجلي: خرج زياد بن خراش العجلي في


1. الطبري: التاريخ 4/176 ـ 177. ابن أبي الحديد : الشرح 4/135. المبرد: الكامل 2/180 .
2. ابن الاثير: الكامل في التاريخ 3/229.


(168)

ثلاثمائة فارس فأتى أرض مسكن من السواد فسيَّر إليه زياد خيلا عليها سعد بن حذيفة أو غيره فقتلوهم، وقد صاروا إلى مائة (1) .

12ـ خروج معاذ الطائي: وخرج على زياد أيضاً رجل من طي يقال له معاذ، فأتى نهر عبدالرحمن بن اُمّ الحكم في ثلاثين رجلا في سنة 51، فبعث إليه زياد من قتله وأصحابه، وقيل بل حلّ لواءه واستأمن(2) .

13 ـ خروج طواف بن غلاق: توفّي زياد بن أبيه بالكوفة في شهر رمضان سنة 53، ثمّ إنّ معاوية ولّى ابنه عبيدالله بن زياد على البصرة عام 55 فكانت سيرته مع الخوارج نفس سيرة أبيه، فاشتدّ عليهم وقتل منهم جماعة كثيرة، فقد بلغه أنّ قوماً من الخوارج بالبصرة يجتمعون إلى رجل اسمه «جدار» فيتحدّثون عنده ويعيبون السلطان، فأخذهم ابن زياد فحبسهم، ثم دعا بهم وعرض عليهم أن يقتل بعضهم بعضاً ويخلّي سبيل القاتلين، ففعلوا، فأطلقهم، فكان ممّن قتل طواف، فعذلهم أصحابهم وقالوا: قتلتم اخوانكم؟ قالوا: اُكْرِهْنا وقد يكره الرجل على الكفر وهو مطمئن بالايمان، وندم طواف وأصحابه، فقال طواف: أما من توبة؟ فكانوا يبكون وعرضوا على أولياء من قتلوا، الدية، فأبوا، وعرضوا عليهم القود، فأبوا.

ثم لقى طواف، ابن ثور السدوسي، فقال له: أماترى لنا من توبة؟ فقال: ما أجد لك إلاّ آية في كتاب الله عزّوجلّ: ( ثُمّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجروا مِنْ بَعْدِ مافُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَ صَبَرُوا اِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحيِمٌ) (3) .

فدعا طواف أصحابه إلى الخروج وإلى أن يفتكوا بابن زياد، فبايعوه في سنة


1. ابن الاثير: الكامل في التاريخ 3/244 .
2. ابن الاثير: الكامل في التاريخ 3/244 .
3. النحل: 110.


(169)

ثمان و خمسين، وكانوا سبعين رجلا من بني عبدالقيس بالبصرة، فسعى بهم رجل من أصحابهم إلى ابن زياد فبلغ ذلك طوافاً، فعجّلوا الخروج فخرجوا من ليلتهم، فقتلوا رجلا ومضوا إلى الجلحاء، فندب ابن زياد الشرط البخارية، فقاتلوهم فانهزم الشرط حتّى دخلوا البصرة وذلك يوم عيد الفطر وكثّرهم الناس فقاتلوا فقتلوا، وبقى طواف في ستة نفر و عطش فرسه فأقحمه الماء فرماه البخارية بالنشاب حتّى قتلوه وصلبوه ثمّ دفنه أهله (1) .

14 ـ خروج عروة بن اديّة: إنّ عبيدالله بن زياد خرج في رهان له، فلمّا جلس ينتظر الخيل، اجتمع الناس وفيهم عروة بن اُدية، فأقبل على ابن زياد فقال: خمس كن في الاُمم قبلنا، فقد صرن فينا(اَتَبْنونَ بِكُلِّ رِيع آيَةٌ تَعْبَثُونَ* وتَتَّخِذُونَ مَصانعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَ إذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارين)(2) .

وخصلتين اُخريين لم يحفظهما جرير (الراوي)، فلمّا قال ذلك ظنّ ابن زياد انّه لم يجتر على ذلك إلاّ ومعه جماعة من أصحابه، فقام وركب وترك رهانه. فقيل لعروة ما صنعت، تعلمنّ والله ليقتلنك، فتوارى فطلبه ابن زياد، فأتى الكوفة، فأخذ بها، فقدم به على ابن زياد، فأمر به فقطعت يداه ورجلاه، ثم دعا به فقال: كيف ترى؟ قال: اَرى اَنَّك اَفْسدتَ دنياي واَفسدتُ آخرتك، فقتله وأرسل إلى ابنته فقتلها(3) .

15 ـ خروج مرداس به اُديَّة: قال الطبري: حبس ابن زياد فيمن حبس مرداس بن ادية، فكان السجَّان يرى عبادته و اجتهاده، وكان يأذن له في الليل فينصرف فإذا طلع الفجر أتاه حتى يدخل السجن، ثمّ إنّه اُفرج عنه بشفاعة


1. ابن الاثير: الكامل 3/254 .
2. الشعراء: 128 ـ 130 .
3. الطبري: التاريخ 4/231 ـ 232. ابن الاثير: الكامل 3/255 .


(170)

السجّان (1) .

يقول المبرّد: كان مرداس قد شهد صفّين مع علي بن أبي طالب ـ صلوات الله عليه ـ وأنكر التحكيم، وشهد النهر، ونجا فيمن نجا، وبعد ما خرج من حبس ابن زياد عزم الخروج، فقال لأصحابه: إنّه والله ما يسعنا المقام بين هؤلاء الظالمين، تجري علينا أحكامهم، مجانبين للعدل، مفارقين للفصل، والله إنّ الصبر على هذا لعظيم، وإنّ تجريد السيف واخافة السبيل لعظيم، ولكنّا ننتبذ عنهم ولانجرّد سيفاً ولانقاتل إلاّ من قاتلنا. فاجتمع إليه أصحابه زهاء ثلاثين رجلا، فلمّا مضى بأصحابه لقى عبدالله بن رباح الأنصاري، وكان له صديقاً فقال له: أين تريد؟ قال: اُريد أن أهرب بديني وأديان أصحابي من أحكام هؤلاء الجورة، فقال له: أعلم بكم أحد؟ قال: لا. قال: فارجع، قال: أو تخاف عليّ مكروهاً؟ قال: نعم وأن يؤتى بك، قال: لا تخف فإنّي لا اُجرّد سيفاً ولا اُخيف أحداً ولا اُقاتل إلاّ من قاتلني، ثم مضى حتى نزل «آسك» وهي ما بين رامهرمز وارجان، فمرّ به مال يحمل لابن زياد، وقد قارب أصحابه الأربعين، فحطّ ذلك المال، وأخذ منه عطاءه واعطيات أصحابه، وردّ الباقي على الرسل وقال: قولوا لصاحبكم: إنّما قبضنا اعطياتنا، فقال بعض أصحابه فعلام ندع الباقي؟ فقال: إنّهم يقسمون هذا الفيء، كما يقيمون الصلاة فلانقاتلهم .

كل ذلك دليل على عدم تطرّفه واعتداله وانّه أحسّ بعقله أو بدينه أن مآل التطرّف هو الموت والزوال .

وممّا يدل على اعتداله ـ خلافاً لمن سبق عليه ـ أنَّ رجلا من أصحاب ابن زياد، قال: خرجنا في جيش نريد خراسان، فمررنا بـ «آسك»


1. الطبري: التاريخ 4/232 .


(171)

فإذا نحن بهم ستة وثلاثين رجلا، وصاح بنا أبوبلال: أقاصدون لقتالنا أنتم؟ وكنت أنا و أخي قد دخلنا زربا(1)، فوقف أخي ببابه وقال: السّلام عليكم، فقال مرداس: وعليكم السّلام، فقال لأخي: أجئتم لقتالنا؟ فقال له: لا إنّما نريد خراسان، قال: فبلغوا من لقيكم انّا لم نخرج لنفسد في الأرض، ولا لنروّع أحداً ولكن هرباً من الظلم ولسنا نقاتل إلاّ من يقاتلنا، ولانأخذ من الفيء إلاّ اعطياتنا، ثمّ قال: أنَدِب إلينا أحد؟ قلنا: نعم، أسلم بن زرعة الكلابي. قال: فمتى ترونه يصل إلينا؟ قلنا: يوم كذا وكذا، فقال أبوبلال: حسبنا الله ونعم الوكيل .

فلمّا سار إليهم أسلم، صاح به أبو بلال: اتّق الله يا أسلم، فإنا لا نريد قتالا، ولا نَحْتَجِن فيئاً، فما الذي تريد؟ قال: اُريد أن أردّكم إلى ابن زياد، قال مرداس: إذاً يقتلنا، قال: وإن قتلكم؟ قال: تشركه في دمائنا، قال: إنّي ادين بأنّه محقّ وأنّكم مبطلون، فصاح بن حريث بن جحل (من أصحاب أبي بلال): أهو محق وهو يطيع الفجرة وهو أحدهم، ويقتل بالظِنَّة، ويخص بالفيء، ويجور في الحكم؟ أما علمت أنّه قتل بابن سُعادَ، أربعة براء؟ ثم حملوا عليه حملة رجل واحد وكان معبد أحد الخوارج قد كاد يأخذه فانهزم هو وأصحابه من غير قتال، فلمّا ورد أسلم على ابن زياد، غضب عليه غضباً شديداً، قال: ويلك أتمضي في ألفين فتنهزم لحملة أربعين؟.... وكان إذا خرج إلى السوق، أومرّ بصبيان، صاحوا به: أبو بلال وراءك، وربّما صاحوا به: يا مَعْبد خذه، حتى شكا ذلك إلى ابن زياد، فأمر ابن زياد الشرط أن يكفّوا النّاس عنه، ففي ذلك يقول عيسى بن فاتك من بني تيم:


1. الزرب: جمع الزرب و هو مسيل الماء، حظيرة المواشي وعرين الأسد.


(172)

أألفا مؤمن فيما زعمتم * ويهزمهم بآسك أربعونا

كذبتم ليس ذاك كما زعمتم * ولكن الخوارج مؤمنونا

هم الفئة القليلة غير شك * على الفئة الكثيرة ينصرونا

ثم ندب لهم عبدالله بن زياد الناس واختار عباد بن أخضر، فوجّهه في أربعة آلاف وكان التقاؤهم في يوم الجمعة فناداه أبو بلال: اخرج إليّ يا عباد فإنّي اُريد أن اُحاورك، فخرج إليه، فقال: ما الذي تبغي؟ قال: آخذ بأقفائكم فأردَّكم إلى الأمير عبيدالله بن زياد، قال: أو غير ذلك؟ قال: وما هو؟ قال: أن ترجع، فإنّا لانخيف سبيلا ولا نحارب إلاّ من حاربنا، ولا نجبي إلاّ ما حمينا، فقال له عباد: الأمر ما قلت لك، فقال له حريث بن حجل: أتحاول أن ترد فئة من المسلمين إلى جبّار عنيد؟ قال لهم: أنتم أولى بالضلال منه، وما من ذاك بدّ.

وقدم القعقاع بن عطية الباهلي من خراسان يريد الحجّ فلمّا رأى الجمعين، قال: ماهذا؟ قالوا: الشراة فحمل عليهم، فاُخِذَ القعقاع أسيراً، فَأُتي به أبو بلال، فقال: ما أنت؟ قال: لست من أعدائك، وأنّما قدمت للحج فجهلت وغررت، فأطلقه... .

فلم يزل القوم يجتلدون، حتى جاء وقت الصّلاة يوم الجمعة، فناداهم أبوبلال: يا قوم هذا وقت الصلاة، فوادعونا حتى نصلّي و تصلّوا، قالوا: لك ذاك، فرمى القوم أجمعون أسلحتهم وعمدوا للصّلاة، فأسرع عباد ومن معه، والحروريّة مبطئون، فهم من بين راكع وقائم وساجد في الصّلاة وقاعد، حتى مال عليهم عباد ومن معه فقتلوهم جميعاً، وأتى برأس أبي بلال (1) .

هذا أبو بلال وهذه مرونته واعتداله، فعدّ الاباضية مبدأ الاعتدال ليس بقوي، بل الحق أنّه مبدأ للطريق الذي سلكه عبدالله بن اباض، ولأجل ذلك نرى


1. المبرد: الكامل 2/186. الطبري: التاريخ 4/232. ابن الاثير: الكامل 3/256 .


(173)

لمّا خرج قريب وزحاف الطائي فاعترضا الناس فقتلا شيخاً ناسكاً إلى آخر مامرّ في خروجهم، انّه لمّا بلغ أعمالهم أبا بلال اعترض عليهم، فقال: قريب لا قرّبه الله، وزحاف لا عَفا الله عنه، ركباها عشواء مظلمة (يريد اعتراضهما الناس) .

مخطّط زياد لاستئصال الخوارج:

كان لزياد بن أبيه اُسلوباً في استئصال الخوارج وهو يتلخّص في أمرين:

1 ـ إذا وقف على خارجي في قبيلة وثب على جميعهم، وقد خطب يوماً وقال: ألا ينهى كلّ قوم سفهاءهم يا معشر الأزد لولا أنّكم أطفأتم هذه النائرة لقلت إنّكم أرّثتموها (1). فكانت القبائل إذا أحسّت بخارجيّ فيهم شدّتهم وأتت بهم زياداً.

2 ـ خرجت طائفة من الخوارج وأخرجوا معهم امرأة، فظفربها فقتلها، ثم عرّاها، فلم تخرج النساء بعد على زياد، وكنّ إذا دعين إلى الخروج قلن: لولا التعرية لسارعنا.

كان الحافز لتلك الثورات والانتفاضات ـ التي كانت تتضمّن التضحية بالنفس والنفيس ـ هو الاعتقاد الجدّي، بأنّ الحكومات القائمة، حكومات كافرة، اُسّست باسم الإسلام ولكن انحرفت عن الخط الصحيح له، فالأمويّون باعتبار اشاعة الظلم و الفساد بينهم، خرجوا عن ربقة الإسلام، ودخلوا في الكفر، وهم كافرون، كما أنّ المؤيّدين لهم مثلهم أيضاً كفرة، فالخلافات والحكومات كلّها كافرة، والدار دار كفر، ويجب عليهم جهاد الكفّار (2) .


1. أرّث: أوقد نار الفتنة .
2. يعلم ذلك من خطب أمرائهم ورؤسائهم .


(174)

كان هذا هو الحافز لتلك الثورات والانتفاضات الفاشلة، فلو وجدنا في صحيفة حياة الخوارج نقطة بيضاء فهذه النقطة المشعّة التي اعترف بها الإمام عليّ عند توصيفهم بقوله، «لا تقتلوا الخوارج من بعدي، فإنّه ليس من طلب الحق فأخطاه كمن طلب الباطل فأصابه» (1) .

فإنّهم كانوا يرون باُمّ أعينهم، كيف شاع الفساد، ودبّ العيث بين الحكّام، فركبت اغيلمة بني اُميّة على رقاب الناس، واستأثروا بالفيء، فكان ذلك هو السبب لقيام لفيف منهم ضدّ الحكومات، وأما مسألة التحكيم التي كانت هي المستمسك الأوّل للمخالفة فكأنها صارت منسية أو تناساها القوم، فكانوا يبّررون قيامهم بأنّهم بصدد بسط العدل والقسط وازالة الظلم والجور عن المجتمع وإعادة الصلاح والفلاح إلى الساحة الاسلامية .

ولكن لم يكن النجاح حليفاً لهم، لأنّهم راهنوا في الساحة السياسية على جوادين خاسرين.

أحدهما: الاعتماد على الأساليب الاجرامية للنيل بالهدف، وكأنّهم كانوا ينتحلون مبدأ «الغايات تبرّر الوسائل» .

الثاني: المظاهرة بالعداء لعليّ وأهل بيته .

أمّا الأوّل: فكانوا يستعرضون الناس ويفّتشون عن عقائدهم، ثم يقتلون الأبرياء، بحجّة أنّهم لم يكفّروا عثمان وعليّاً، أو غيرهما ممّن كانوا يخالفونهم، وهذا هو الذي صار سبباً لرغبة الناس عنهم، وعدم ايوائهم بل طردهم والتعاون مع الحكومات ضدّهم في بعض الموارد، إذ كيف يصحّ لمسلم أن يشهر سيفه، ويعترض الطريق، ويفّتش عن العقائد التي لاصلة لها بالإسلام الذي جاء به النبي الأكرم ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ، ولا الإسلام معقود بها، ولا هي حد الكفر


1. الرضي: نهج البلاغة، الخطبة 61 .


(175)

والإسلام، فاتّخاذ هذه الأساليب الشريرة، التي تعرّفت عليها في بعض الانتفاضات، صار سبباً لخسرانهم وخيبتهم وإن كان بعض الفرق بريئاً منها، لكن الكلّ أخذ بجرم الجزء، والجار بذنب الجار .

وقد خلّفت هذه الأعمال الاجرامية آثار سيّئة فصار لفظ «الحرورية» مساوياً لسفك الدم و قطع الطريق، وكان الناس يتوسّلون للاخافة بهذا اللفظ ويقولون: حروري!! مكان الحرامي!!

وأمّا الثاني: فلأنّ المظاهرة ضدّ عليَّ، ونصب عدائه و أهل بيته ليس بأمرهيّن، وكيف لا يكون كذلك، وقد عجنت دماء ونفوس المسلمين بحبّهم فهم كانوا يتلون قول الله سبحانه في الذكر الحكيم: ( قُلْ لا أَسأَلُكُمْ عَلَيْهِ اَجراً إلاّ المَوَدَةَ في القُرْبى )(1). فهل يمكن لجماعة تتظاهر بكفر عليّ وأولاده، وتنصب عدائهم، ان يكون لهم رصيد شعبي؟ كلاّ، ولا، فلأجل ذلك خسروا في انتفاضاتهم، حتى بوجه الطغاة .

تعرب انتفاضاتهم عن أنّ الحكومة الأموية كانت تستخدم شيعة العراق في بعض الأحيان لقتال الخوارج، فكأنّها كانت تضرب عصفورين بحجر واحد، فإنّ الطائفتين كانا من أعداء الحكومة الأموية، فضرب أحدهما بالاُخرى كان متنفّساً لها(2).

ومع الاعتراف ببراعتهم في النقد والاعتراض، وتملّكهم القدرة على التنظيم و التخطيط، لكن كانت انتفاضاتهم المتفرّقة والمبعثرة في الرقعة الإسلامية، كانت أشبه بالثورات العشوائية، إذ لم تكن هناك قيادة موحّدة تنبثق منها الثورات، وتستثمر هذا الجمهور لتحقيق النصر النهائي، فالحجر الأساس


1. الشورى: 23 .
2. لا حظ خروج فروة بن نوفل في تاريخ الطبري 4/126 .


(176)

في نجاح الثورة و الانتفاضة وإن طالت مدّتها، هو وجود قيادة موحّدة سرّية، ينبعث منها الأمر والنهي، وقد كان القوم يفقدون ذلك الأمر المهمّ .

هذه نبذة خاطفة عن انتفاضات هؤلاء في عصر معاوية، وأمّا ما قاموا به في عصر عبدالله بن الزبير، وخلافة عبدالملك، وخلافة هشام بن عبدالملك، إلى أواخر العهد الأموي، فحدّث عنه ولاحرج، فهي مليئة بالانتفاضات والمعارك الدموية المريرة بين فترة واُخرى، ومن أراد الاحاطة بها فليرجع إلى مظانّها في كتب التاريخ .

إلاّ أنّا نشير إلى بعض الانتفاضات التي قام بها بعض رؤسائهم بعد عصر معاوية كنافع بن الأزرق ونجدة بن عامر الحنفي، وغيرهم ممّن صاروا من رؤساء المذهب، وأصحاب المنهج بين الخوارج، فإنّ هؤلاء وإن كانوا قادة عسكريين إلاّ أنّهم كانوا أيضاً مرشدين لأتباعهم، ولهم آراؤهم في المذهب، وندرس كلّ ذلك ببيان فرقهم الكثيرة في الفصل القادم. وبذلك بيّنا الظروف التي كانت سبباً لنشوء المذاهب في هذه الفرقة .

***


(177)

الفصل التاسع


ألقاب الخوارج وفرقهم


(178)


(179)

للخوارج ألقاب عديدة فمن ألقابهم «الخوارج» لخروجهم على عليّ بن أبي طالب، و«المحكِّمة»، لكون شعارهم: «لا حكم إلاّ لله»، و«الحرورية» لنزولهم بحروراء في أوّل أمرهم، و«الشُراة» لقولهم: شرينا أنفسنا في طاعة الله أي بِعْناها بالجنّة، و«المارقة» لأنّهم مرقوا من الدين كما يَمْرق السهم من الرميّة ـ حسب توصيف الرسول لهم ـ وخرجوا منه، والفرقة الباقية اليوم أعني الاباضية يفسّرون الخروج بالخروج عن الدين ويخصّون اللقب بالطوائف المنحرفة الذين خرجوا في عصر الأمويين، وكانوا يعترضون الطريق ويقتلون الأبرياء من غير جرم وسيوافيك أنّ التخصيص بلاوجه .

وأمّا فرقهم، فقد ذكر البغدادي لهم عشرين فرقة، بل أزيد، وهذه أسماؤهم:

1 ـ المحكّمة 2 ـ الأزارقة 3 ـ النجدات 4 ـ الصفرية 5 ـ العجاردة، المفترقة إلى: 6 ـ الخازنية 7 ـ الشعيبية 8 ـ المعلومية 9 ـ المجهولية 10 ـ أصحاب طاعة لايراد الله تعالى بها 11 ـ والصلتية 12 ـ الاخنبسية 13 ـ الشبيبية 14 ـ الشيبانية 15 ـ المعبدية 16 ـ الرّشيدية


(180)

17 ـ المكرمية 18 ـ الحمزية 19 ـ الشمراخية 20 ـ الإبراهيمية 21 ـ الواقفية 22 ـ الاباضية(1) .

ولا يخفى أنّ الفرق حسب ما ذكرها تزيد على عشرين، ولو لم تعد العجاردة فرقة مستقلّة باعتبار أنّها مقسّمةً لأقسام كثيرة يكون عدد الفرق «21» فرقة.

ثمّ قال البغدادي: «الاباضية» منهم افترقت فرقاً، معظمها فريقان «حفصية» و«حارثية»، وقال: فأمّا «اليزيدية» من الاباضية، و«الميمونية» من العجاردة، فهما فرقتان من غلاة الكفر الخارجين عن فرق الاُمّة .

وأمّا الأشعري فقد ذكر لهم خمس عشرة فرقة ثم ذكر الفرق المتشعّبة منها وهي فرق كثيرة (2).

وقد ذكر المقريزي في خططه للقوم ستاً وعشرين فرقة(3) .

وذكر الشهرستاني لهم ثمانية فرق، وإليك أسماؤها:

1 ـ المحكّمة الاُولى 2 ـ الأزارقة 3 ـ النجدات 4 ـ البيهسية 5 ـ العجاردة 6 ـ الثعالبة 7 ـ الاباضية 8 ـ الصفرّية(4) .

ولكن الحق، إنّ اُصول الفرق قليلة جدّاً، وقد ذكر الأشعري أنّ اُصول أربعة وهي: الأزارقة، النجدية، الاباضية، والصفرية، والأصناف الاُخرى تفرّعوا من الصفرية (5).

ويظهر من المبرّد في كامله، أنّ اُصول الفرق هي ثلاثة:


1. البغدادي: الفّرق بين الفرق 72 .
2. الأشعري: المقالات 1/86 ـ 131 .
3. تقي الدين المقريزي: الخطط 2/254 ـ 255 .
4. الشهرستاني: الملل و النحل 1/114 ـ 138 .
5. الأشعري: المقالات: 1 / 101 .


(181)

الأزارقة، الاباضية، البيهسية، وأمّا الصفرية والنجدية فكانوا يقولون بقول ابن أباض(1) .

ولعلّ ما ذكره الأشعري في بيان اُصول فرقهم أقرب، كما يظهر من دراسة مذهبهم ونحن نذكر الفرق الأربعة التي ذكرها الأشعري، ونحيل بيان سائر الفرق إلى كتب المقالات والفرق، خصوصاً المقالات للأشعري، والفَرق بين الفِرق للبغدادي، والملل و النحل للشهرستاني، وانّا ضربنا الصفح عن بيان فرقهم عامّة لأنّهم قد هلكوا ولم يبق منهم على أديم الأرض سوى فرقة واحدة هي الاباضية وأقاويلها أقرب إلى أقاويل سائر المسلمين. ولأجل ذلك نرى أنّ أبا بيهس يصف نافعاً بأنّه غلى، ويصف عبد الله بن اباض بأنّه قصَّر، وسوف يظهر غلوّ الأوّل وتقصير الثاني حسب تعبير أبي بيهس، وسيوافيك نصّه في محلّه.

والعجب أنّ هذه الفرق ظهرت في زمان واحد، فصار للقوم أئمّة أربعة، كلّ يدعو إلى نفسه .

وكانت الخوارج على رأي واحد إلى عصر ابن الزبير وبعد افتراقهم عنه حصل هناك اختلاف بين الأزارقة والنجدية كما ستعرف وصارت فرقتين ذاتي أمامين، ولم يكن لهم إلى عهد عبدالله بن الزبير إلاّ اُصول بسيطة وهي:

1 ـ اكفار مرتكب الكبيرة.

2 ـ انكار مبدأ التحكيم .

3 ـ تكفير عثمان وعليّ ومعاوية وطلحة والزبير ومن سار على دربهم ورضى بأعمال عثمان وتحكيم عليّ، على هذه الاُصول نشأوا إلى عهد ابن الزبير.


1. المبرّد: الكامل 2/214 .


(182)

قال الكعبي: إنّ الذي يجمع الخوارج إكفار عليّ وعثمان و الحكمين وأصحاب الجمل وكلّ من رضى بتحكيم الحكمين، والخروج على الإمام الجائر وإكفار من ارتكب الذنوب (1) .

وقال الأشعري: أجمعت الخوارج على إكفار عليّ بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ لأنّه حكّم، وهم مختلفون هل كفره شرك أم لا. وأجمعوا على أنّ كلّ كبيرة كفرٌ إلاّ النجدات، فإنّها لاتقول بذلك، وأجمعوا على أنّ الله سبحانه يعذّب أصحاب الكبائر عذاباً دائماً إلاّ النجدات(2) .

وما ذكره من الاستثناء دليل على أن أكثر هذه الاُصول برزت بينهم في العصر الزبيري وما بعده، لا في عهد الإمام علي ولا في عهد معاوية.

إذا وقفت على ذلك فلنشرع في بيان الفرق الأربعة التي ذكرها الأشعري ونترك بيان عداها إلى الكتب المعدّة لذلك.

***


1. البغدادي: الفّرق بين الفِرق 1/73 نقلا عن الكعبي.
2. الأشعري: مقالات الاسلاميين 1/86 .


(183)

الفرقة الاُولى:

الازارقة

أتباع نافع بن الأززق المقتول سنة 65:

لمّا هلك معاوية، تنّفس أهل الكوفة الصعداء، فاجتمعت شيعتهم على تسليم مقاليد الخلافة للحسين ـ عليه السَّلام ـ فبايعوه وكاتبوه، واستقدموه حتى يتسلّم الأمر، فلمّا غادر الحسين المدينة و مكّة، متوجّهاً إلى العراق خذلته الشيعة وقصّروا في نصرته، فلمّا بلغهم قتل الحسين واستشهاده، قام أهل المدينة بخلع يزيد عن الخلافة وأخرجوا واليه مروان بن الحكم عن المدينة، ثمّ إنّ عبدالله بن الزبير استغلَّ الظروف، فدعا إلى البيعة لنفسه من داخل البيت الحرام، وكانت نتيجة ذلك أن طرد عمّال يزيد من أرض الحجاز، فخضعت المنطقة كلّها لعبدالله بن الزبير، ثمّ إنّ يزيد بن معاوية لمّا وقف على خطورة الموقف بعث بأشقى عُمّالِه وأغلظهم «مسلم بن عقْبَة» إلى المدينة فلمّا


(184)

ورد مدينة الرسول، استباح أموالهم ونفوسهم وأعراضهم ثلاثة أيام، فقتل في ذلك آلافاً من الأبرياء ونهبت الأموال واستبيحت الأعراض إلى درجة لم يذكر التاريخ إلى يومه مثيلا لها، ثمّ توجّه مسلم إلى مكّة للسيطرة عليها، فلم يصل إليها حيّاً. ومات في أثناء الطريق، فتولّى القيادة بعده الحصين بن النمير السكوني، وحاصر مكّة، وفي أثناء المحاصرة ورد نعي يزيد في ربيع الآخر عام 64، فاضطرّ الحصين إلى العودة إلى الشام، ولمّا هلك يزيد، قام بأعباء الخلافة معاوية بن يزيد، ولكّنه مات بعد أن خلع نفسه عن الخلافة، فرأى البيت الأموي خطورة الموقف، فأجمعوا على البيعة لمروان بن الحكم، وانتقل الملك من البيت السفياني إلى البيت المرواني عام 65، وكان ابن الزبير مستولياً على الحجاز عامّة وفي ضمن ذلك، الحرمان الشريفان .

استغلال الخوارج الظروف الحَرِجَة:

وقد استغلّت الخوارج تلك الظروف الحرجة بعدما لاقوا من عبيدالله بن زياد مالاقوا وقرّروا الانظمام لعبدالله بن الزبير لمحاربة الشاميين:

قال الطبري: لمّا ركب ابن زياد من الخوارج بعد قتل أبي بلال ماركب، وقد كان قبل ذلك لايكف عنهم ولايستبقيهم، غير أنّه بعد ما قتل أبا بلال، تجرّد لاستئصالهم وهلاكهم واجتمعت الخوارج حين ثار ابن الزبير بمكة... فقال نافع بن الأزرق للخوارج: إنّ الله قد أنزل عليكم الكتاب، وفرض عليكم فيه الجهاد، واحتجّ عليكم بالبيان، وقد جرّدَ فيكم السيوف أهلُ الظلم، واُولوا العدى والغشم، وهذا من قد ثار بمكة، فاخرجوا بنا نأتي البيت، ونلقي هذا الرجل فإن يكن على رأينا جاهدنا معه العدو، وإن كان على غير رأينا، دافعنا عن البيت ما استطعنا، ونظرنا بعد ذلك في اُمورنا، فخرجوا حتى قدموا على


(185)

عبدالله بن الزبير، فسرّ بمقدمهم ونبَّأهم أنّه على رأيهم، وأعطاهم الرضا من غير توقّف ولا تفتيش، فقاتلوا معه حتى مات يزيد بن معاوية وانصرف أهل الشام عن مكّة .

ثمّ إنّ القوم لقى بعضهم بعضاً فقالوا: إنّ الذي صنعتم أمس بغير رأي ولا صواب من الأمر، تقاتلون مع رجل لاتدرون لعلّه ليس على رأيكم، إنّما كان أمس يقاتلكم هو وأبوه ينادي: يالثارات عثمان، وسلوه عن عثمان، فإن برئ منه كان وليّكم، وإن أبى كان عدوّكم. فمشوا له فقالوا له: أيّها الإنسان إنّا قاتلنا معك ولم نفتّش عن رأيك، أمنّا أنت أم من عدوّنا فأخبرنا: ما مقالتك في عثمان؟

فنظر فإذا من حوله من أصحابه قليل، فقال لهم: إنّكم أتيتموني، فصادفتموني حين أردت القيام، ولكن روحوا إليّ العشيّة، حتى اعلمكم من ذلك الذي تريدون، فانصرفوا، وجاءت الخوارج وقد أقام أصحابه حوله وعليهم السلاح ، وقامت جماعة منهم عظيمة على رأسه، بأيديهم الأعمدة، فقال ابن الأزرق لأصحابه: خشى الرجل غائلتكم وقد ازمع بخلافكم، واستعدّ لكم ماترون. فدنا منه ابن الأزرق فقال له: يا ابن الزبير اتّق الله ربّك وابغض الخائن المستأثر، وعادِ أوّل من سنّ الضلالة وأحدث الأحداث، وخالف حكم الكتاب، فإنّك إن تفعل ذلك، ترضي ربّك، فتنج من العذاب الأليم نفسك، فإن تركت ذلك، فأنت من الذين استمتعوا بخلاقهم وأذهبوا في الحياة الدنيا طيّباتهم.

ثمّ أمر ابن الأزرق عبيدة بن هلال أن يتكلّم عنهم بما يريدون، فقال: إنّ الناس استخلفوا عثمان بن عفان فحمى الحمى، فآثر القربى، واستعمل الفتى، ورفع الدرة، ووضع السوط، ومزّق الكتاب، وحقَّر المسلم، وضرب منكري


(186)

الجور، وآوى طريد الرسول ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وضرب السابقين بالفضل وسيّرهم وحرمهم، ثم أخذ في الله الذي آفاءه عليهم فقسّمه بين فسّاق قريش، ومُجّان العرب، فصارت إليه طائفة من المسلمين أخذ الله ميثاقهم على طاعته، لايبالون في الله لومة لائم، فقتلوه، فنحن لهم أولياء، ومن ابن عفان وأوليائه براء، فما تقول أنت يا ابن الزبير؟

وروى المبرّد في الكامل: ان ابن الأزرق سأل ابن الزبير في الغداة الذي جاء إليه وقال: ما تقول في الشيخين؟ قال: خيراً، قالوا: فما تقول في عثمان الذي أحمى الحمى، وآوى الطريد، وأظهر لأهل مصر شيئاً، وكتب بخلافه وأوطأ آل أبي معيط رقاب الناس وآثرهم بفيء المسلمين؟

وما تقول في الذي بعده، الذي حكّم في دين الله الرجال وأقام على ذلك غير تائب ولانادم؟

وما تقول في أبيك وصاحبه وقد بايعا عليّاً وهو إمام عادل مرضي لم يظهر منه كفر، ثم نكثا بِعَرَض من أعراض الدنيا و أخرجا عائشة تقاتل، وقد أمرها الله وصواحبها أن يقرن في بيوتهن، وكان لك في ذلك ما يدعوك إلى التوبة، فإن أنت كما نقول فلك الزلفة عندالله .

ثمّ إنّ ابن الزبير ترك التقية وأصحر بالعقيدة بما يخالف عليه الخوارج في حق عثمان وحق أبيه، فلمّا سمع ذلك الخوارج تفرّقوا عنه(1) .

فأقبل نافع بن الأزرق الحنظلي وعبدالله بن صفار السعدي من بني صريم، وعبدالله بن اباض أيضاً من بني صريم، وحنظلة بن بيهس، وبنو الماحوز، عبدالله وعبيدالله والزبير من بني سليط، حتى أتوا البصرة.

وانطلق أبو طالوت وعبدالله بن ثور(أبوفديك) وعطية بن الأسود


1. الطبري: التاريخ 4/436 ـ 438. المبرد: الكامل: 2/203 ـ 208 .


(187)

اليشكري إلى اليمامة فوثبوا باليمامة مع أبي طالوت، ثم أجمعوا بعد ذلك على إمامة نجدة بن عامر الحنفي وذلك في سنة 64(1) .

وقال الشهرستاني: كان نجدة بن عامر ونافع بن الأزرق قد اجتمعا بمكّة مع الخوارج على ابن الزبير ثم تفرّقا عنه، فذهب نافع إلى البصرة ثم الأهواز، وذهب نجدة إلى اليمامة. قال نافع: التقيّة لاتحلّ، والقعود عن القتال كفر، فخالفه نجدة، وقال بجواز التقية متمسّكاً بقوله تعالى: (إلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاة)(2). وبقوله تعالى: ( وَ قالَ رَجُلٌ مُؤمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ اِيمانَهُ)(3) وقال: القعود جائز والجهاد إذا أمكنه أفضل. قال الله تعالى:( وَ فَضَّلَ اللهُ الُمجاهِدِيْنَ عَلَى القاعِدِيْنَ اَجْراً عَظِيماً)(4) .(5)

ولمّا أظهر نافع أراء شاذّة عن الكتاب والسنّة والفطرة الإنسانية، فارقته جماعة كانوا معه، منهم «أبو فديك» وعطية الحنفي وراشد الطويل، وتوجّهوا شطر اليمامة، فأخبروا نجدة باحداثه وبدعه. فكتب إليه نجدة بكتاب نَقِمَ عليه احداثه واستدلّ بآيات واضحة المعنى، وأجاب نافع بكتاب وأوّل ما استدلّ به زميله من الآيات، وكان هو هذا انشقاقاً عظيماً بين الخوارج، ويعرب عن وحشيّة الأزارقة، وجمود قلبهم، ونزع الرحمة منهم، فكأنّهم جمادات متحرّكة شريرة سجّلوا لأنفسهم في التاريخ أكبر العار، وأفظع الأعمال إلى حدّ تبّرأ عنهم، سائر الفرق وليس ذلك ببعيد، فهؤلاء أتباع المحكّمة الاُولى الذين ذبحوا عبدالله بن خباب وبقروا بطن زوجته المقرب المتم، تلمس حدّ الشقاء


1. الطبري: التاريخ 4/438 .
2. آل عمران: 28 .
3. غافر: 28 .
4. النساء: 95 .
5. الشهرستاني: الملل و النحل 1/125 .


(188)

من كتاب نجدة إلى نافع ومن اجابة الثاني.

قال المبرّد: إنّ أصحاب «نجدة» رأوا أنّ نافعاً قد كفَّر القعدة ورأى الاستعراض وقتل الأطفال، انصرفوا مع نجدة، فلمّا صار نجدة باليمامة كتب إلى نافع.

كتاب نجدة إلى نافع:

أمّا بعد: فإنّ عهدي بك وأنت لليتيم كالأب الرحيم، وللضعيف كلأخ البّر ـ تعاضد قوي المسلمين، و تصنع للأخرق منهم ـ لا تأخذك في الله لومة لائم، ولاترى معونة ظالم، كذلك كنت أنت و أصحابك. أو ما تذكّر قولك: لولا انّي أعلم أنّ للإمام العادل أجر رعيّته، ماتولَّيتُ أمر رجلين من المسلمين. فلمّا شريت نفسك في طاعة ربّك ابتغاء مرضاته، وأصبت من الحق فصّه (1)، وركبت مُرّه، تجرّد لك الشيطان، ولم يكن أحد أثقل عليه وطأةً منك ومن أصحابك، فاستمالك واستهواك وأغواك، فُغُوِيْتَ، وأكفرت الذين عذرهم الله تعالى في كتابه، من قعدة المسلمين وضَعَفَتهم، قال الله عزّوجلّ، وقوله الحق، ووعده الصدق:( لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ وَ لا عَلَى الْمَرْضى وَ لا عَلَى الَّذِيْنَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إذا نَصَحُوا للهِ وَ رَسُولِهِ) (2): ثمّ سمّاهم تعالى أحسن الأسماء فقال: ( ما عَلَى الُْمحْسِنِينَ )مِنْ سَبِيل) )(3) ثم استحللت قتل الأطفال، وقد نهى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ عن قتلهم، وقال الله جلّ ثناؤه: (وَ لا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ اُخْرى)(4)، وقال سبحانه في القعدة خيراً، فقال:


1. فصّه: كنهه .
2. التوبة: 91.
3. التوبة: 91.
4. الاسراء: 15 .


(189)

( وَ فَضَّلَ اللهُ الُمجاهِدِيْنَ عَلَى القاعِدِيْنَ اَجْراً عَظِيماً)(1) فتفضيله المجاهدين على القاعدين لايدفع منزلة من هو دون المجاهدين، أو ماسمعت قوله تعالى: ( )لا يَسْتَوِى القاعِدُونَ مِنَ الْمُؤمِنِينَ غَيْرُ أُولِى الضَّرَر))(2) فجعلهم من المؤمنين وفضّل عليهم المجاهدين بأعمالهم، ثمّ إنّك لاتؤدّي أمانةً إلى من خالفك، والله تعالى قد أمر أن تودّي الأمانات إلى أهلها، فاتّق الله في نفسك، واتّق يوماً لا يجزي فيه والد عن ولده، ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً، فإنّ الله بالمرصاد، وحكمه العدل، وقوله الفصل، والسَّلام.

اجابة نافع عن كتاب نجدة:

أمّا بعد: أتاني كتابك تعظني فيه، وتذكّرني وتنصح لي وتزجرني، وتصف ما كنتُ عليه من الحق، و ماكنتُ اُوثره من الصواب،وأنا أسأل الله أن يجعلني من القوم الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه.

وعبت على مادِنْتُ، من إكفار القعدة وقتل الأطفال، واستحلال الأمانة من المخالفين، وساُفسّرلك لِمَ ذلك إن شاء الله....

أمّا هؤلاء القعدة، فليسوا كمن ذكرت ممّن كان على عهد رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ لأنّهم كانوا بمكّة مقهورين محصورين لا يجدون إلى الهرب سبيلا، ولا إلى الاتّصال بالمسلمين طريقاً، وهؤلاء قد تفقّهوا في الدين، وقرأوا القرآن، والطريق لهم نهج واضح. وقد عرفت ما قال الله تعالى فيمن كان مثلهم، قالوا: ( )كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الأرْضِ))(3). فقال: ( ألَمْ )


1. النساء: 95 .
2. النساء: 95.
3. النساء: 97 .


(190)

تَكُنْ اَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها))(1) وقال سبحانه: ( فَرِحَ الُْمخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ )رَسُولِ اللهِ وَ كَرِهُوا أنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللهِ)(2) وقال: ( وَ جاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ )الأعْرابِ لِيُؤذَنَ لَهُمْ)(3) فخبّر بتعذيرهم، وأنّهم كذبوا الله ورسوله، ثمّ قال: ( سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا )مِنْهُمْ عَذابٌ أليِمٌ)(4) فانظر إلى أسمائهم وسماتهم .

وأمّا الأطفال، فإنّ نوحاً نبيّ الله، كان أعلم بالله منّي ومنك، وقد قال: ( رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الكافِرينَ دَيَّاراً* إنَّكَ اِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ ولا يَلِدُوا إلاّ فاجِراً كَفَاراً)(5) فسمّاهم بالكفر وهم أطفال، وقبل أن يولدوا، فكيف كان ذلك في قوم نوح، ولاتقوله في قومنا، والله تعالى يقول: ( اَكُفّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ اُولئِكُمْ اَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فىِ الزُّبُرِ)(6) وهؤلاء كمشركي العرب، لايقبل منهم جزية وليس بيننا وبينهم إلاّ السيف، والإسلام.

وأمّا استحلال أمانات من خالفنا فإنّ الله تعالى أحلّ لنا أموالهم، كما أحلّ دماءهم لنا، فدماؤهم حلال طلق(7) وأموالهم فيء للمسلمين، فاتّق الله وراجع نفسك، فإنّه لا عذر لك الاّ بالتوبة، ولن يسعك خذلاننا والقعود عنّا وترك ما نهجناه لك من مقالتنا، والسلام على من أقرّ بالحق و عمل به (8) .


1. النساء:97 .
2. التوبة: 81 .
3. التوبة: 90 .
4. التوبة 90 .
5. نوح: 26 ـ 27 .
6. القمر: 43 .
7. يقال: حلال طلق،أي حلال طيّب.
8. المبرد: الكامل 2/210 ـ 212، ونقلهما ابن أبي الحديد في الشرح لاحظ 4/137 ـ 139 .


(191)

هذا هو نافع بن الأزرق، وهذا غلو منهجه وتطرّفه الفكري، حيث يجوّز استعراض الناس والتفتيش عن عقائدهم وقتل الأطفال إلى غير ذلك.

وأمّا خروجه فقد بسط الكلام فيه المؤرّخون(1) على وجه لايسعنا نقله وإنّما نكتفي بما لخّصه البغدادي.

قال البغدادي: ثمّ الأزارقة بعد اجتماعها على البدع التي حكيناها عنهم بايعوا نافع بن الأزرق و سمّوه أمير المؤمنين، وانضمّ إليهم خوارج عمان واليمامة فصاروا أكثر من عشرين ألفاً، واستولوا على الأهواز وما وراءها من أرض فارس و كرمان وجبوا خراجها.

رسالة نافع إلى محكّمة البصرة(2):

وكتب إلى من بالبصرة من المحكِّمة: أمّا بعد فإنّ الله اصطفى لكم الدين فلاتموتنّ إلاّ وانتم مسلمون، إنّكم لتعلمون أنّ الشريعة واحدة، والدين واحد، ففيم المقام بين أظهر الكفّار، ترون الظلم ليلا ونهاراً، وقد ندبكم الله عزّوجلّ إلى الجهاد، فقال: ( وَقاتِلُوا المُشرِكينَ كافَّة)(3) ولم يجعل لكم في التخلّف عذراً في حال من الأحوال فقال: (انْفِرُوا خِفافاً وَ ثِقالا)(4) وإنّما عذر الضعفاء والمرضى، والذين لا يجدون ما ينفقون، ومن كانت اقامته لعلّة، ثم فضّل عليهم مع ذلك المجاهدين فقال: ( لا يَسْتَوِى القَاعِدُونَ مِنَ المُمؤْمِنِينَ غَيْرُ اُولِى الضَّرَرِ وَ الُمجاهِدُونَ فِى سَبِيلِ الله)(5)، فلا تغتّروا وتطمئنوا إلى الدنيا، فإنّها غرّارة


1. ذكر ابن أبي الحديد مفصّل حروب الأزارقة في شرحه، لاحظ 4/136 ـ 278 .
2. المبرّد: الكامل 2/213 .
3. التوبة: 36 .
4. التوبة: 41 .
5. النساء: 95 .


(192)

مكّارة، لذّتها نافذة، ونعيمها بائد، حُفَّتْ بالشهوات اغتراراً، وأظهرت حَبْرةً(1) وأضمرت عبرة، فليس آكلُ منها أكلةً تَسرّه، ولا شاربُ منها شربةً تونقه (2) إلاّ دنابها درجةً إلى أجله، وتباعد بها مسافة من أمله، وإنّما جعلها الله دار المتزوّد منها، إلى النعيم المقيم، والعيش السليم، فليس يرضى بها حازم داراً ولا حليم قراراً، فاتّقوا الله وتزوّدوا، فإنّ خير الزاد التقوى، والسلام على من اتّبع الهدى.

قال المبرّد:لمّا ورد كتابه عليهم وفي القوم يومئذ أبوبيهس هيصم بن جابر الضبعّي، وعبدالله بن اباض المري، فأقبل أبوبيهس على ابن أباض فقال: إنّ نافعاً غلا فكفر، وانّك قصّرت فكفرت تزعم أنّ من خالفنا ليس بمشرك، وانّما كفّار النعم، لتمسّكهم بالكتاب، وإقرارهم بالرسول، تزعم أنّ مناكحهم ومواريثهم والاقامة فيهم حلّ طلق، ثم أدلى أبوبيهس برأيه وسيوافيك في محلِّه .

ويظهر من هذا الكتاب والكتاب الذي كتبه إلى عبدالله بن الزبير(3): إنّ نافع بن الأزرق كان من المتطرّفين بين الخوارج، ولم نجد في تاريخ الخوارج أشدّ تطرّفاً منه.

ثمّ إنّ عامل البصرة يومئذ عبدالله بن الحارث الخزاعي من قبل عبدالله بن الزبير، فأخرج عبدالله بن الحارث جيشاً مع مسلم بن عبس بن كريز بن حبيب بن عبد شمس لحرب الأزارقة، فاقتتل الفريقان بدولاب الأهواز، فقتل مسلم بن عبس وأكثر أصحابه، فخرج إلى حربهم من البصرة عمربن عبيدالله بن معمر التميمي في ألفي فارس، فهزمته الأزارقة، فخرج إليهم حارثة بن بدر الغداني


1. الحبرة: النعمة .
2. تونقه: تعجبه .
3. المبرّد: الكامل 2/212 .


(193)

في ثلاثة آلاف من جند البصرة، فهزمتهم الأزارقة، فكتب عبدالله بن الزبير من مكّة إلى المهلّب بن أبي صفرة(1) و هو يومئذ بخراسان يأمره بحرب الأزارقة وولاّه ذلك، فرجع المهلّب إلى البصرة، وانتخب من جندها عشرة آلاف، وانضمّ إليه قومه من الأزد فصار في عشرين ألفاً، وخرج وقاتل الأزارقة وهزمهم عن دولاب الأهواز إلى الأهواز، ومات نافع ابن الأزرق في تلك الهزيمة وبايعت الأزارقة بعده عبيدالله بن مأمون التميمي، وقاتلهم المهلَّب بعد ذلك بالأهواز فقتل عبدالله بن مأمون في تلك الواقعة، وقتل أيضاً أخوه عثمان بن مأمون مع ثلاثمائة من أشدّ الأزارقة، وانهزم الباقون منهم إلى أيدج وبايعوا قطريّ بن الفجاءة(2) وسمّوه أمير المؤمنين، وقاتلهم المهلّب بعد ذلك حروباً سجالا(3)، وانهزمت الأزارقة في آخرها إلى سابور من أرض فارس، وجعلوها دار هجرتهم، وثبت المهلَّب وبنوه وأتباعهم على قتالهم تسع عشرة سنة، بعضها في أيام عبدالله بن الزبير، وباقيها في زمان خلافة عبدالملك بن مروان وولاية الحجّاج على العراق، وقرّر الحجّاج المهلَّب على حرب الأزارقة، فدامت


1. هو أبوسعيد: المهلب بن أبي صفرة ـ واسم أبي صفرة ظالم بن سراق، الأزدي، من أزد العتيك. كان المهلّب من أشجع الناس. وهو الذي حمى البصرة من الخوارج حتى سمّاها الناس بصرة المهلّب. ولاّه عبدالله بن الزبير خراسان في سنة 65، فحارب الأزارقة وأفنى منهم عدداً كثيراً، ثمّ ولّي قتالهم في عهد عبدالملك ابن مروان، وفي شهر ذي الحجة من سنة 82 مات (المعارف 399، العبر: 1/72 ـ 75 ـ 77 ـ 88 ـ 92 ـ 95) .
2. هو أبو نعامة: قطري بن الفجاءة، أحد بني حرقوص بن مازن بن مالك ابن عمرو بن تميم، خرج في أيام عبدالله بن الزبير وبقي عشرين سنة يسلّم عليه بالخلافة، وفي أيام عبدالملك بن مروان وجّه إليه الحجاج جيشاً بعد جيش، وكان آخرها بقيادة سفيان بن الأبرد الكلبي، فقتله ـ ويقال: عثرت به فرسه فمات ـ وأتى الحجاج برأسه، وذلك في سنة 79 (المعارف 411، العبر: 1/90).
3. تقول «كانت الحرب بين الفريقين سجالا» تعني أنّ النصر يكون لهذا الفريق مرّة ولذلك مرّة اُخرى، وأصل السجال جمع سجل و هو الدلو.


(194)

الحرب في تلك السنين بين المهلّب وبين الأزارقة وفرّوافيما بين فارس والأهواز، إلى أن وقع الخلاف بين الأزارقة ففارق عبد ربّه الكبير قطرياً وصار إلى واد بجيرفت كرمان في سبعة آلاف رجل، وفارقه عبد ربّه الصغير في اربعة آلاف، وصار إلى ناحية اُخرى من كرمان، وبقي قطري في بضعة عشر ألف رجل بأرض فارس، وقاتله المهلّب بها، وهزمه إلى أرض كرمان و تبعه وقاتله بأرض كرمان وهزمه منها إلى الري، ثم قاتل عبد ربّه الكبير فقتله، وبعث بابنه يزيدبن المهلّب إلى عبد ربّه الصغير فأتى عليه و على أصحابه، وبعث الحجّاج سفيان ابن الأبرد الكلبي في جيش كثيف إلى قطري بعد أن انحاز من الري إلى طبرستان فقتلوه بها، وأنفذوا برأسه إلى الحجّاج وكان عبيدة بن هلال اليشكري(1) قد فارق قطريّاً وانحاز إلى قومس، فتبعه سفيان بن الأبرد وحاصره في حصن قومس إلى أن قتله وقتل أتباعه، وطهّر الله بذلك الأرض من الأزارقة، والحمدلله على ذلك(2) .

وفي الختام نقول: يظهر من كتبه ورسائله أنّ الرجل كان حافظاً للقرآن، ومقرئاً له، ويؤيّد ذلك ما نقله السيوطي أنّ نافع بن الأزرق لمّا رأى عبدالله بن عباس جالساً بفناء الكعبة، وقد اكتنفه الناس ويسألونه عن تفسير القرآن، فقال لنجدة بن عويمر الحروري: قم بنا إلى هذا الذي يجتري على تفسير القرآن بما لا علم له به، فقاما إليه فقالا: إنا نريد أن نسألك عن أشياء من كتاب الله، فتفسّرها لنا وتأتينا بمصادقه من كلام العرب، فإنّ الله تعالى أنزل القرآن بكتاب عربي مبين، فقال ابن عباس: سلاني عمّا بدالكم، فقال نافع: أخبرني عن قول


1. عبيدة بن هلال: أحد بني يشكر بن بكر بن وائل .
2. الطبري: التاريخ 4/476. والجزري: الكامل 3/349. ابن عبد ربه: العقد الفريد1/95 ـ 121 .


(195)

الله تعالى:( عن الَيمينِ وَ عَنِ الشّمالِ عِزِين)(1).

قال: العزون حلق الرقاق، فقال: هل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت عبيد بن الأبرص وهو يقول:

فجاءوا يهرعون إليه حتى * يكونوا حول منبره عزينا

ثم سألاه عن أشياء كثيرة عن لغات القرآن الغريبة، ففسّرها مستشهداً بالشعر الجاهلي، وربّما تبلغ الأسئلة والأجوبة إلى مائتين، ولو صحّت تلك الرواية لدلّت على صلة السائلين بالقرآن صلة وثيقة، كما تدلّ على نبوغ ابن عباس في الأدب العربي وإلمامه بشعر العرب الجاهلي حيث استشهد على كل لغة فسّرها بشعر عنهم، فجاءت الأسئلة والأجوبة في غاية الاتقان (2) .

إنّ ابن الأرزق كان يتعلّم من ابن عباس ما يجهله من مفاهيم القرآن، نقل عكرمة عن ابن عباس انّه بينما كان يحدّث الناس إذ قام إليه نافع بن الأزرق، فقال له: يا ابن عباس تفتي الناس في النملة و القملة؟ صف لي إلهك الذي تعبد، فأطرق ابن عباس إعظاماً لقوله، وكان الحسين بن عليّ جالساً ناحية فقال: إليّ يا ابن الأزرق، قال ابن الأزرق: لست إيّاك أسأل، قال ابن عباس: يا ابن الأزرق، إنّه من أهل بيت النبوّة وهم ورثة العلم، فأقبل نافع نحو الحسين، فقال له الحسين: يا نافع إنّ من وضع دينه على القياس لم يزل الدهر في الالتباس، سائلا ناكباً عن المنهاج، ظاعناً بالاعوجاج، ضالاّ عن السبيل، قائلا غير الجميل.

يا ابن الأزرق أصف إلهي بما وصف به نفسه و اُعرّفه بما عرّف به نفسه: لا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس، قريب غير ملتصق، وبعيد غير منقص،


1. المعارج: 27 .
2. السيوطي الاتقان 1/382 ـ 416 ط دار ابن كثير دمشق بيروت، تحقيق الدكتور مصطفى .


(196)

يوحّد ولا يتبعّض، معروف بالآيات، موصوف بالعلامات، لا إله إلاّ هو الكبير المتعال.

فبكى ابن الأزرق، وقال: يا حسين ما أحسن كلامك؟ قال له الحسين: بلغني أنّك تشهد على أبي وعلى أخي بالكفر وعليّ؟ قال ابن الأزرق: أما والله يا حسين لئن كان ذلك لقد كنتم منارالإسلام ونجوم الأحكام. فقال له الحسين: إنّي سائلك عن مسألة. قال: اسأل، فسأله عن هذه الآية: ( وَ أمّا الْجِدارَ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِى الْمَدِينَةِ)(1) .

يا ابن الأزرق من حفظ في الغلامين؟ قال ابن الأزرق: أبوهما. قال الحسين: فأبوهما خير أم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ؟ قال ابن الأزرق: قد أنبأنا الله تعالى أنّكم قوم خصمون (2) .

آراء الأزارقة وعقائدهم:

إنّ للأزارقة أهواء متطرّفة وبدعاً فظيعة وقد تشترك في بعضها مع سائر الفرق:

1 ـ قولهم: إنّ مخالفيهم من هذه الاُمّة مشركون، وكانت المحكّمة الاُولى يقولون: إنّهم كفرة لامشركون.

2 ـ قولهم: إنّ القعدة ـ ممّن كان على رأيهم ـ عن الهجرة إليهم مشركون.

3 ـ اوجبوا امتحان من قصد عسكرهم إذا ادّعى أنّه منهم: أن يدفع إليه أسيراً من مخالفيهم ويأمره بقتله، فإن قتله صدَّقوه في دعواه أنّه منهم، وإن لم


1. الكهف: 82 .
2. ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق. قسم حياة الإمام الحسين: 158. بتحقيق محمد باقر المحمودي، والمجلسي: بحار الأنوار 4/297 (ذيل الحديث يحتاج إلى توضيح) .


(197)

يقتله قالوا: هذا منافق مشرك، وقتلوه.

4 ـ اباحة قتل أطفال المخالفين ونسائهم، والمقصود: المسلمون، وزعموا أنّ الأطفال مشركون، وقطعوا بأنّ أطفال مخالفيهم مخلّدون في النار مع آبائهم.

5 ـ اسقاط الرجم عن الزاني، إذ ليس في القرآن ذكره، واسقاط حدّ القذف عمّن قذف المحصنين من الرجال(1) مع وجوب الحدّ على قاذف المحصنات من النساء .

6 ـ إنّ التقيّة غير جائزة في قول ولا عمل .

7 - تجويزهم أن يبعث الله نبيّاً يعلم أنّه يكفر بعد نبوّته، أو كان كافراً قبل البعثة .

8 ـ اجتمعت الأزارقة على أنّ من ارتكب الكبيرة كفر كفر ملّة، خرج به عن الاسلام جملة، ويكون مخلّداً في النار مع سائر الكفّار، واستدلّوا بكفر ابليس وقالوا:ما ارتكب إلاّ كبيرة، حيث اُمر بالسجود لآدم ـ عليه السَّلام ـ فامتنع، وإلاّ فهو عارف بوحدانيّة الله تعالى(2) .

9 ـ إنّ دار مخالفيهم دار كفر، وقالوا: إنّ مخالفيهم مشركون فلا يلزمنا اداء أماناتهم إليهم، وسيوافيك تحليل عقائدهم في فصل خاص.

***


1. بحجّة أنّه سبحانه قال: ( والّذين يَرْمُونَ الُمحَصَنات) (النور: 4) ولم يقل: والذين يرمون المحصنين.
2. البغدادي: الفَرق بين الفرِق: 83 ، الشهرستاني: الملل والنحل 1/121 ـ 123 .


(199)

الفرقة الثانية:

النجديَّة

وهم أتباع نجدة بن عامر الحنفي، ومن الغريب أنّه كان للخوارج إمامان في وقت واحد، إمام في البصرة وهو نافع بن الأزرق، وإمام في اليمامة وأطرافها وهو نجدة بن عامر، وذلك انّه لمّا أظهر نافع آراءه المستهجنة الشاذّة كالبراءة من القعدة حتّى سمّاهم مشركين، واستحلّ قتل أطفال مخالفيه ونسائهم، تبرّأ منه عدّة من الخوارج، منهم أبو فديك، وعطية الحنفي، وراشد الطويل، ومقلاص، وأيّوب الأزرق، فذهبوا إلى اليمامة، فاستقبلهم نجدة بن عامر في جند من الخوارج يريدون اللحوق بعسكر نافع، فأخبروهم باحداث نافع وردّوهم إلى اليمامة، وبايعوا بها نجدة بن عامر، وكفّروا من قال بإكفار القعدة منهم عن الهجرة إليهم، وأكفروا من قال بإمامة نافع، وأقاموا على إمامة نجدة إلى أن اختلفوا عليه في اُمور نقموها منه.


(200)

ثمّ الذين اختلفوا عليه بعد ما اجتمعوا حوله صاروا ثلاث فرق:

1 ـ فرقة صارت مع عطيّة بن الأسود الحنفي ففارقهم إلى سجستان، وتبعهم خوارج سجستان، ولهذا قيل لخوارج سجستان في ذلك الوقت: عطويّة .

2 ـ فرقة صارت مع أبي فديك وهم الذين قتلو نجدة .

3 ـ وفرقة عذروا نجدة في ما أحدثه من البدع وأقاموا على إمامته.

والذين خالفوه نقموا عليه الاُمور التالية:

الف ـ إنّه بعث جيشاً في غزو البّر وجيشاً في غزو البحر، ففضّل الذين بعثهم في البّر على الذين بعثهم في البحر في الرزق والعطاء.

ب ـ بعث جيشاً فأغاروا على مدينة الرسول ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وأصابوا منها جارية من بنات عثمان، فكتب إليه عبدالملك في شأنها، فاشتراها نجدة من الذي كانت في يديه، وردّها إلى عبدالملك بن مروان، فقالوا له: إنّك رددت جارية لنا على عدوّنا.

ج ـ عذر أهل الخطأ في الاجتهاد إذا كان سببه الجهل وذلك يعود إلى الحادثة التالية:

بعث ابنه المضرج مع جند من عسكره إلى القطيف، فأغاروا عليها، وسبوا منها النساء والذرّية وقوَّموا النساء على أنفسهم، فنكحوهنّ قبل اخراج الخمس من الغنيمة، وقالوا: إن دخلت النساء في قسمنا فهو مرادنا، وإن زادت قيمتهنّ على نصيبنا من الغنيمة غرمنا الزيادة من أموالنا، فلمّا رجعوا إلى «نجدة» وسألوه عمّا فعلوا من وطء النساء، ومن أكل طعام الغنيمة قبل اخراج الخمس منها، وقبل قسمة أربعة أخماسها بين الغانمين، قال لهم: لم يكن لكم ذلك، فقالوا: لم نعلم أنّ ذلك لا يحلّ لنا، فعذَّرهم بالجهالة. ثم قال: إنّ الدين


(201)

أمران:

أحدهما: معرفة الله تعالى، ومعرفة رسله ـ عليهم الصلاة والسلام ـ ، وتحريم دماء المسلمين ـ يعنون موافقيهم ـ والاقرار بما جاء من عند الله جملة، فهذا واجب على الجميع، والجهل به لايعذر فيه.

والثاني: ما سوى ذلك، فالناس معذورون فيه إلى أن تقوم عليه الحجّة في الحلال والحرام.

قالوا: ومن جوّز العذاب على المجتهد المخطئ في الأحكام قبل قيام الحجّة عليه فهو كافر.

د ـ تولّى أصحاب الحدود من موافقيه وقال: لعلّ الله يعذّبهم بذنوبهم في غير نار جهنّم ويدخلهم الجنّة، وزعم أنّ من خالفه في دينه يدخل النار.

هـ ـ أسقط حدّ الخمر(1) .

و ـ من نظر نظرة صغيرة، أو كذب كذبة صغيرة، وأصرّ عليها فهو مشرك، ومن زنى وسرق وشرب الخمر غير مصرّ عليه فهو مسلم، إذا كان من موافقيه على دينه.

ولهذه البدع، استتابه أكثر أتباعه وقالوا: اُخرج إلى المسجد، وتب من احداثك في الدين، ففعل ذلك.

ثمّ إنّ قوماً منهم ندموا على استتابته، وانضمّوا إلى العاذرين له، وقالوا له: أنت الإمام ولك الإجتهاد ولم يكن لنا أن نستتيبك، فتب من توبتك، واستتب الذين استتابوك وإلاّ نابذناك، ففعل ذلك، فافترق عليه أصحابه، وخلعه أكثرهم، وقالوا له: اختر لنا إماماً، فاختار «أبافديك». وصار «راشد الطويل»


1. هذا ما يقوله البغدادي، ويقول الشهرستاني: غلظ على الناس من حد الخمر تغليظاً شديداً، والظاهر صحّة الثاني لكون نجدة من الخوارج .


(202)

(أحد رؤساء الخوارج) مع «أبي فديك» يداً واحدة، فلمّا استولى أبو فديك على اليمامة علم أنّ أصحاب نجدة إذا عادوا من غزواتهم أعادوا نجدة إلى الإمارة فطلب نجدة ليقتله فاختفى نجدة في دار بعض عاذريه، ينتظر رجوع عساكره الذين كان قد فرّقهم في سواحل الشام و نواحي اليمن، ونادى منادي «أبي فديك»: من دلّنا على «نجدة» فله عشرة آلاف درهم، وأي مملوك دلَّنا عليه فهو حر، فدلّت عليه أمة، فأنفذ أبوفديك «راشد الطويل» في عسكر إليه فكبسوه وحملوا رأسه إلى «أبي فديك» .

ولما قُتِلَ نجدة فصارت النجدات بعده ثلاث فرق:

1 ـ فرقة اكفرته وصارت إلى أبي فديك، كراشد الطويل، وأبي بيهس، وأبي الشمراخ وأتباعهم.

2 ـ فرقة عذَّرته فيما فعل، وهم النجدات.

3 ـ وفرقة من النجدات هاجروا من اليمامة، وكانوا بناحية البصرة شكوا فيما حكي من احداث نجدة وتوقّفوا في أمره وقالوا: لاندري هل أحدث تلك الاحداث أم لا؟ فلانبرأ منه إلاّ باليقين.

وبقى أبوفديك بعد قتل نجدة إلى أن بعث إليه عبدالملك بن مروان، عمربن عبيدالله بن معمر التميمي في جند فقتلوا أبا فديك، وبعثوا برأسه إلى عبدالملك بن مروان، فهذه قصة النجدات (1) .

وبالامعان فيما نقلنا عنه من الآراء يظهر مذهب النجدية، وأنّهم كانوا أخف وطأة من الأزارقة وتتلخّص الأفكار التي امتازوا بها عن غيرهم من فرق الخوارج في الاُمور التالية:


1. البغدادي: الفَرق بين الفِرق 87 ـ 90 ; الأشعري: مقالات الإسلاميين 1/89 ; الشهرستاني: الملل و النحل 1/122 ـ 125 .


(203)

1 ـ التقيّة جائزة (1).

2 ـ تعذير قَعَدة المسلمين وضَعَفَتهم.

3 ـ تحريم قتل الأطفال .

4 ـ لزوم رد أمانة المخالف(2) .

5 ـ لا حاجة للناس إلى إمام قط، وإنّما عليهم أن يتناصحوا فيما بينهم، فإن هم رأوا أنّ ذلك لايتم إلاّ بإمام يحملهم عليه فأقاموه، جاز(3) .

6 ـ تولّي أصحاب الحدود والجنايات من موافقيه.

7 ـ من نظر نظرة صغيرة، أو كذب كذبة صغيرة وأصرّ عليها فهو مشرك (ولعلّه في حقّ مخالفيهم) ومن زنى، وسرق، وشرب الخمر غير مصرّ عليه فهو مسلم، إذا كان من موافقيه على دينه(4) .

هذه آراؤهم وسوف نرجع إلى دراسة هذه الموضوعات في فصل خاص.

وأخيراً نعيد ما ذكرناه: انقسمت النجدية بعد «نجدة» إلى ثلاث فرق هم: النجدية والفديكية، والعطوية (5) .

وهذا يدل على أنّ كثيراً من الفرق كانت فرقاً سياسية، لادينية.


1. ولو صحّ ذلك كما هو صريح كتاب نجدة لايصحّ ما نسب إليهم الأشعري في مقالاته من أنّهم استحلّوا دماء أهل المقام وأموالهم في دار التقيّة وبرأوا ممّن حرمّها، الأشعري: مقالات الاسلاميين 1/91 .
2. لاحظ في هذا الاُصول الأربعة كتاب نجدة إلى نافع تجد فيه تلك الآراء.
3. الشهرستاني: الملل والنحل 1/124 .
4. الأشعري: مقالات الإسلاميين 1/91 .
5. الأشعري: مقالات الإسلاميين 1/92 .


(204)


(205)

الفرقة الثالثة:

البيهسية

البيهسية من الخوارج ينسبون إلى أبي بيهس و اسمه هيصم بن جابر وهي فرقة مستقلّة، لاصلة لها بالإبراهيمية والميمونية، وإنّما تدخّلت في الخلاف الذي حدث بين تلك الفرقتين، والفرقتان من الاباضية كما سنبيّن:

قد وقفت عند الكلام في الأزارقة على أنّ أبابيهس هيصم بن جابر الضبعي وعبدالله بن اباض كانا في وقت واحد، وكان لنافع قيادة روحية مثلما كان لعبدالله بن اباض أو أقوى، وإنّما خرج أبوبيهس بمنهج عندما ظهر له غلوّ نافع و تقصير عبدالله بن اباض، حيث إنّ نافع غلا في البراءة من المسلمين وجوّز استعراضهم والتفتيش عن عقائدهم واستحلّ أماناتهم وقتل أطفالهم .

بينما عبدالله بن اباض قد قصّر (أي في التطرّف) حيث إنّ المخالفين عندهم كفّار ولكن كفّار في النعم كما عدّ سبحانه وتعالى تارك الحج مع


(206)

الاستطاعة كافراً وقال: ( وَلِلّه عَلَى النّاسِ حجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ اِلَيْهِ سَبِيلا وِ مِنْ كَفَرَ فَإنَّ اللهَ غَنِىٌّ عَنِ العالمين)(1) وجوّز مناكحهم ومواريثهم والاقامة في بلدهم.

عند ذلك أدلى أبو بيهس بأوّل رأيه حيث اعتبر أنّ هناك إفراطاً وتفريطاً والحق الوسط، يقول: إنّ أعداءنا كأعداء رسول الله، تحلّ لنا الاقامة فيهم، خلافاً لنافع كما فعل المسلمون خلال اقامتهم بمكة وأحكام المسلمين تجري عليهم، وزعم أنّ مناكحهم ومواريثهم تجوز لأنّهم منافقون يظهرون الإسلام، وانّ حكمهم عند الله حكم المشركين.

قال المبرّد: فصارت الخوارج في هذا الوقت على ثلاثة أقاويل:

1 ـ قول نافع في البراءة والاستعراض واستحلال الأمانة وقتل الأطفال.

2 ـ قول أبي بيهس الذي ذكرناه.

3 ـ وقول عبدالله بن اباض وهو أقرب الأقوال إلى السنّة من أقاويل الضلال (2).

ثمّ إنّ البيهسية انقسمت إلى فرق :

1 ـ العوفية.

2 ـ أصحاب التفسير.

3 ـ أصحاب السؤال، وهم أصحاب شبيب النجراني .

ولنذكر المشتركات بين هاتيك الفرق، ثمّ نذكر المميّزات، أمّا الاُولى فقال أبو بيهس: لا يسلم أحد حتّى يقرّ بمعرفة الله، ومعرفة رسوله، ومعرفة ما جاء به محمّد جملة، والولاية لأولياء الله سبحانه، والبراءة من أعداء الله وما


1. آل عمران: 97 .
2. المبرّد: الكامل 2/214 وأضاف انّ الصفرية والنجدية في ذلك الوقت يقولون بقول ابن اباض .


(207)

حرّم الله سبحانه ممّا فيه الوعيد ، فلا يسع الإنسان إلاّ علمه ومعرفته بعينه، وتفسيره .

ومنه ما ينبغي أن يعرفه باسمه ولايبالي أن لايعرف تفسيره و عينه حتى يبتلى به، وعليه أن يقف عند ما لا يعلم، ولا يأتي شيئاً إلاّ بعلم.

وفي مقابل البيهسية من قال: قد يسلم الإنسان بمعرفة وظيفة الدين، وهي شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ عبده و رسوله، والاقرار بما جاء من عندالله جملة(1)، والولاية لأولياء الله، والبراءة من أعداء الله وإن لم يعرف ما سوى ذلك فهو مسلم.

ثمّ إنّه مسلم حتى يبتلى بالعمل، فمن واقع شيئاً من الحرام، ممّا جاء فيه الوعيد، وهولايعلم أنّه حرام، فقد كفر، ومن ترك شيئاً من كبير ما افترضه الله سبحانه عليه وهو لا يعلم فقد كفر، فإن حضر أحد من أوليائه مواقعة من واقع الحرام وهو لا يدري أحلال أم حرام، أو اشتبه عليه، وقف فيه، فلم يتولّه ولم يبرأ منه حتى يعرف أحلال ركب أم حرام؟ .

قالت البيهسية: الناس مشركون بجهل الدين(2)، مشركون بمواقعة الذنوب، وإن كان ذنب لم يحكم الله فيه حكماً مغلظاً ولم يوقفنا على تغليظه فهو مغفور، ولا يجوز أن يكون أخفى أحكامه عنّا في ذنوبنا، ولو جاز ذلك جاز في الشرك (3) .

وقالوا: التائب في موضع الحدود، وفي موضع القصاص، والمقرّ على


1. الفرق بين الفرقتين: هو أنّ البيهسية التزموا بالمعرفة جملة، وهؤلاء اكتفوا بالاقرار جملة، والفرق بينهما واضح، فإنّ المعرفة تستلزم المعرفة التفصيلية دون الاقرار .
2. ذلك لازم الأصل الأوّل من اشتراط تحقّق الإسلام بمعرفة ما جاء به محمّد ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ .
3. يريد أنّ المعاصي الكبيرة لا تكون خفيّة علينا، ولو جاز خفاؤها لجاز خفاء حكم الشرك.


(208)

نفسه يلزمه الشرك إذا أقرّ من ذلك بشيء وهو كافر، لأنّه لايحكم بشيء من الحدود والقصاص إلاّ على كل كافر يشهد عليه بالكفر عندالله(1) .

هذه هي الأحكام المشتركة بين جميع فرق البيهسية ولب الجميع عبارة عن أمرين:

1 ـ لزوم معرفة ما جاء به النبي على وجه التفصيل .

2 ـ إنّ مرتكب الكبائر مشرك خصوصاً فيما إذا كان في موضع الحد.

نعم هناك فِرق من البيهسية اختصّوا ببعض الأحكام، نذكر منها ما يلي:

الف ـ العوفية: وهم فرقتان: فرقة تقول: من رجع من دار هجرتهم ومن الجهاد إلى حال القعود نبرأ منهم.

وفرقة تقول: لا نبرأ منهم، لأنّهم رجعوا إلى أمر كان حلالا لهم. وكلا الفريقين من العوفية يقولون: إذا كفر الإمام فقد كفرت الرعية، الغائب منهم و الشاهد.

والبيهسية يبرأون، منهم وهم جميعاً يتولّون أبا بيهس، وقالت العوفية: السكر كفر، ولا يشهدون أنّه كفر حتى يأتي معه غيره كترك الصلاة، وما أشبه ذلك، لأنّهم إنّما يعلمون أنّ الشارب سكر إذا ضمّ إلى سكره غيره ممّا يدلّ على أنّه سكران (2) .

ب ـ أصحاب التفسير: كان صاحب بدعتهم رجل يقال له الحكم بن مروان من أهل الكوفة، زعم أنّه من شهد على المسلمين لم تجز شهادتهم إلاّ بتفسير الشهادة كيف هي. قال: ولو أنّ أربعة شهدوا على رجل منهم بالزنا لم تجز شهادتهم حتى يشهدوا كيف هو، وهكذا قالوا في سائر الحدود، فبرأت


1. وهذا مبني على كون ارتكاب الكبائر كفراً.
2. إنّ العلم بالسكر يعلم بأدنى شيء ولا يتوقّف على ترك الصلاة .


(209)

منهم البيهسية على ذلك وسمّوهم أصحاب التفسير.

ج ـ أصحاب السؤال: وهم الذين زعموا أنّ الرجل يكون مسلماً إذا شهد أن لا إله إلاّ الله و أنّ محمّداً ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ عبده و رسوله، وتولّى أولياء الله وتبرّأ من أعدائه، وأقرّ بما جاء من عندالله جملة، وإن لم يعلم سائر ما افترض الله عليه ممّا سوى ذلك، أفرض هوأم لا؟ فهو مسلم حتى يبتلى بالعمل به (فيسأل)(1) .

وقالوا: في أطفال المؤمنين: إنّهم مؤمنون أطفالا وبالغين، حتى يكفروا، وإنّ أطفال الكفّار كفّار، أطفالا وبالغين حتى يؤمنوا.

وقالوا بقول المعتزلة في القدر (أي كون الأفعال منسوبةً إلى الإنسان دونه سبحانه).

هذه هي البيهسية وهذه الفرق المتشعّبة عنها.

وهاهنا آراء تنسب إلى بعض البيهسيين ولم يعرف قائلها.

منها قول بعض البيهسية: من واقع زنا، لم يُشهد عليه بالكفر حتى يرفع إلى الإمام أو الوالي ويحد، فوافقهم على ذلك طائفة من الصفرية، إلاّ أنّهم قالوا: نقف فيهم ولا نسمّيهم مؤمنين ولاكافرين .

منها قول بعضهم: إذا كفر الإمام كفرت الرعية، وإنّ الدار دار شرك وأهلها جميعاً مشركون، ولا يصلّى إلاّ خلف من يعرف، وقالوا: بقتل أهل القبلة وأخذ الأموال واستحلال القتل والسبي على كل حال.


1. قد عرفت أنّ القدر المشترك بين البيهسية هو لزوم معرفة ما جاء به محمّد ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ تفصيلا، ولكن أصحاب السؤال اكتفوا بالاقرار الإجمالي، فعدّهم من البيهسية موضع تأمّل، وإن عدّه منهم الأشعري في مقالاته.
ثمّ إنّ الفرق بينهم وبين الفرقة المخالفة للبيهسية التي أوعزنا إليها في صدر البحث هو أنّهم يحكمون بالكفر إذا ابتلى بالعمل وهو لا يعلم أنّه حرام، وهذا بخلاف أصحاب السؤال فهم لا يحكمون بكفره بل يحكمون عليه بالسؤال .


(210)

منها: السكر من كل شراب، حلال موضوع عمّن سكرمنه، وكل ما كان في السكر من ترك الصلاة أوشتم الله سبحانه موضوع فيه، لاحدّ فيه، ولا حكم، ولا يكفّر أهله بشيء من ذلك ماداموا في سكرهم، وقالوا: إنّ الشراب حلال الأصل، ولم يأت فيه شيء من التحريم لا في قليله ولا في اكثار أو سكر(1).

وأمّا تدخّل أبي بيهس في الخلاف الذي حدث بين الإبراهيمية والميمونية فحاصله أنّ رجلا من الاباضية يعرف بإبراهيم، دعا قوماً من أهل مذهبه إلى داره، وأمر جارية له كانت على مذهبه بشيء، فأبطأت عليه فحلف ليبيعنّها في الأعراب، فقال له رجل منهم اسمه ميمون: كيف تبيع جارية مؤمنة إلى الكفرة؟ فقال له إبراهيم: إنّ الله تعالى قد أحلّ البيع وقد مضى أصحابنا وهم يستحلّون ذلك، فتبرّأ منه ميمون وتوقّف آخرون منهم في ذلك وكتبوا بذلك إلى علمائهم، فأجابوهم بأنّ بيعها حلال، وبأنّه يستتاب ميمون، ويستتاب من توقّف في إبراهيم، فصاروا في هذا ثلاث فرق: أبراهيمية، وميمونية، وواقفة.

ثمّ إنّ البيهسية قالوا: إنّ ميموناً كفر بأن حرّم الأمة في دار التقية من كفّار قومنا، وكفرت الواقفة بأن لم يعرفوا كفر ميمون وصواب أبراهيم، وكفر إبراهيم بأن لم يبرأ من الواقفة(2) .

وأمّا مصير أبي بيهس، فقد طلبه الحجاج أيّام الوليد فهرب إلى المدينة فطلبه بها عثمان بن حيّان المزني فظفربه وحبسه، وكان يسامره إلى أن ورد كتاب الوليد بأن يقطع يديه ورجليه ثم يقتله، ففعل ذلك به (3) .

***


1. الأشعري: مقالات الإسلاميين 1/113 ـ 118، والشهرستاني: الملل والنحل 1/125 ـ 127 .
2. البغدادي: الفرّق بين الفرِق 107 ـ 108 .
3. الشهرستاني: الملل و النحل 1/125 .


(211)

الفرقة الرابعة:

الصفرية

اختلفت كلمة أصحاب المقالات في مؤسّس هذه الفرقة، فنرى أنّ المبرّد يعرّفهم بأنّهم أصحاب ابن صفار، وانّهم إنّما سمّوا بصفرة لصفرة عَلَتْهم ويستشهد على ذلك بقول ابن عاصم الليثي، وكان يرى رأي الخوارج وصار مرجئاً.

فارقتُ نجدة والذين تزرّقوا * وابن الزبير وشيعة الكذّاب

والصفر الآذان (1) الذين تخيّروا * ديناً بلاثقة ولا بكتاب

بينما الأشعري والشهرستاني ينسبانها إلى زياد بن أصفر(2) .


1. قال المبرّد: خفف الهمزة من الاذان ولولاه لانكسر الشعر.(المبرّد: الكامل 2/214) .
2. الأشعري: مقالات الإسلاميين 101، والشهرستاني: الملل والنحل 1/137 .


(212)

ولكن يقول المقريزي: إنّهم أتباع زياد بن الأصفر ويضيف، ربّما يقال: إنّهم أتباع النعمان بن الصفر، وقيل: بل نسبوا إلى عبدالله بن صفار، ويقال لهم أيضاً: الزيادية...ويقال لهم أيضاً: النُكّار من أجل أنّهم ينقصون نصف علي وثلث عثمان وسدس عائشة(1) .

وعل كل تقدير فهم كالأباضية أقرب الفرق إلى المسلمين:

1 ـ يخالفون الأزارقة في عذاب الأطفال، فإنّهم لا يجيزون ذلك ولا يكفّرونهم ولايخلّدونهم في النار.

2 ـ لم يكفّروا القعدة عن القتال ـ والمراد قعدة الخوارج ـ .

3 ـ لم يسقطوا الرجم .

4 ـ التقية جائزة في القول دون العمل عندهم.

5 ـ وأمّا إطلاق الكافر و المشرك على مرتكبي الكبائر، فقد قالوا فيه بالتفصيل الآتي:

ماكان من الأعمال عليه حدّ واقع فلا يتعدّى بأهله، الاسمُ الذي لزمه به الحدّ كالزنا والسرقة، والقذف، فيسمّى زانياً سارقاً، قاذقاً، لا كافراً مشركاً.

وماكان من الكبائر ممّا ليس فيه حدّ لعظم قدره مثل ترك الصلاة والفرار من الزحف، فإنّه يكفّر بذلك.

6 ـ ونقل عن الضحّاك منهم انّه جوّز تزويج المسلمات من كفّار قومهم (يريد سائر المسلمين) في دار التقيّة دون دار العلانية .

7 ـ ونقل عن زياد بن الأصفر انّ الزكاة سهم واحد في دار التقيّة(2) .


1. المقريزي: الخطط 2/354، والنكّار جمع ناكر.
2. يريد أنّه لا يجب صرف الزكاة على الأصناف الثمانية الواردة في آية الصدقات، لعدم بسط اليد في دار التقيّة بل تصرف في مورد واحد.


(213)

8 ـ ويحكى عنه أنّه قال: نحن مؤمنون عند أنفسنا ولاندري أنّنا خرجنا من الإيمان عند الله!

9 ـ الكفر كفران، كفر بانكار النعمة، وكفر بانكار الربوبية.

10 ـ البراءة براءتان: براءة من أهل الحدود، سنّة، وبراءة من أهل الجحود، فريضة(1) .

وعلى ما ذكره الشهرستاني فهم لايرون ارتكاب الكبيرة موجباً للشرك والكفر إلاّ فيما إذا لم يرد فيه حدّ كترك الصلاة .

لكن الظاهر ممّا نقله البغدادي في الفرق انّ بين الصفرية قولين آخرين:

الف ـ إنّ صاحب كل ذنب مشرك، كما قالت الأزارقة.

ب ـ إنّ صاحب الذنب لا يحكم عليه بالكفر حتى يرفع إلى الوالي فيحدّه(2).

وكل الصفرية بل جميع فرق الخوارج حتى الاباضية الذين يتحرّجون من تسميتهم خوارج، يقولون بموالاة عبدالله بن وهب الراسبي وحرقوص بن زهير واتباعهما من المحكّمة الاُولى .

ويقولون بإمامة أبي بلال مرداس، الخارج بعد المحكّمة الاُولى، وبإمامة عمران بن حطان السدوسي بعد أبي بلال.

أمّا أبو بلال فقد مرّت ترجمته وأنّه خرج في أيّام يزيد بن معاوية بناحية البصرة، فبعث إليه عبيدالله بن زياد، عبّاد بن أخضر التميمي، فقتله مع أتباعه.

وأمّا الثاني فهو من شعراء الخوارج وخطبائهم، مات سنة 84، وبلغ من خبثه في بغض علي ـ عليه السَّلام ـ أنّه رثا عبدالرحمن بن ملجم وقال في ضربه


1. الشهرستاني: الملل و النحل 1/137. البغدادي: الفَرق بين الفِرق 90. الأشعري: المقالات 101 .
2. البغدادي: الفَرق بين الفِرق 91 .


(214)

عليّاً:

يا ضربة من منيب ما أراد بها * إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

إنّي لأذكره يوماً فأحسبه * أوفى الربية عند الله ميزانا

قال عبدالقاهر (البغدادي): وقد اجبناه عن شعره هذا بقولنا:

يا ضربة من كفور ما استفاد بها * إلاّ الجزاء بما يصليه نيرانا

إنّى لألعنه ديناً، وألعن من * يرجو له أبداً عفواً وغفرانا

ذاك الشقي لأشقى الناس كلّهم * أخفّهم عند ربّ الناس ميزانا(1)

اُصول الفرق للخوارج:

هذه هي اُصول فرق الخوارج المتطرّفين وأمّا سائر الفرق فكلّها مشتقّة منها بسبب اختلاف غير هامّ في التخطيط والتطبيق، لا في المبدأ والأصل، وأمّا الاباضية، فلم يكونوا بهذا التطرّف، ولأجل ذلك أسماهم سائر الفرق باسم «القعدة» لأنّهم قعدوا عن الجهاد في سبيل الله بمحاربة الولاة والحكّام الظالمين.

يقول «الدكتور رجب محمّد»: قد تطّورت الأحوال في جماعة المحكّمة الذين ظلّوا على عدائهم وصدامهم مع الدوله الأموية إلى الانقسام إلى فرق ثلاث: هي الأزارقة، والنجدات، والبيهسية منذ عام 64، واُضيفت إليها الفرقة الرابعة وهي الفرقة المعروفة باسم الصفرية منذ عام 75، واتّفقت هذه الفرق الأربع فيما بينهم على آراء، وكفّر بعضهم بعضاً، واصطدموا بالدولة الأموية مرّات عديدة، وتصدّت لهم قوات الخلافة وأخضعت شوكتهم وقضت على زعمائهم، وكان ذلك على يد المهلّب بن أبي صفرة المعاني وعلى يد قومه من


1. البغدادي: الفَرق بين الفِرق 93 .


(215)

الأزد العمانيين، وعندما حاول بعض زعمائهم اللجوء إلى عمان، تصدّى لهم العمانيون وقاتلوهم وقتلوهم (1).

وعلى كل تقدير فالفرقة الباقية من الخوارج تلعن الفرق الأربع وتتبرّأ منها، وإليك نصّ بعضهم في هذا الشأن:

لقد حرص ابن اباض في رسالته إلى عبدالملك بن مروان أن يقرّر رأيه بصراحة في ابن الأزرق... فذكر فيها قوله:

«أنا براء إلى الله من ابن الأزرق وصنيعه وأتباعه. لقد كان حين خرج على الإسلام فيما ظهر لنا، ولكنّه أحدث وارتدّ وكفر بعد اسلامه فنبرأ إلى الله منهم» (2) .

وقد عرض القلهاتي بالتحليل لآراء الأزارقة:

«الأزارقة إمامهم أبو راشد نافع بن الأزرق، وهو أوّل من خالف اعتقاد أهل الاستقامة، وشقّ عصى المسلمين، وفرّق جماعتهم، وانتحل الهجرة، وسبى أهل القبلة، وغنم أموالهم، وسبى ذراريهم، وسنَّ تشريك أهل القبلة، وتبّرأ من القاعد ولو كان عارفاً لأمره تابعاً لمذهبه، واستحلّ اعتراض الناس بالسيف، وحرّم مناكحتهم وذبائحهم وموارثتهم، وابتدع اعتقادات فاسدة وآراء حائدة خالف فيها المسلمين أهل الاستقامة في الدين» (3) .

وقد تعرَّض كذلك لسائر فرق الخوارج الاُخرى فقال:

«وجميع أصناف الخوارج ـ غير أهل الاستقامة (الأباضية) ـ اجتمعوا


1. الدكتور رجب محمّد عبدالحليم (استاذ التاريخ بجامعة القاهرة وجامعة السلطان قابوس): الاباضية في مصر و المغرب: 14 .
2. البرادي: الجواهر المنتقاة (رسالة ابن اباض) 156 ـ 167. ويأتي نصّ الرسالة في محلّها.
3. القلهاتي: الكشف والبيان 2/423 .


(216)

على تشريك أهل القبلة، وسبي ذراريهم، وغنيمة أموالهم، و منهم من يستحل قتل السريرة والعلانية، واعتراض الناس بالسيف على غير دعوة، ومنهم من يستحلّ قتل السريرة، وهم مختلفون فيما بينهم، يقتل بعضهم بعضاً، ويغنم بعضهم مال بعض، ويبرأ بعضهم من بعض، وانتحلوا الهجرة، وحرّموا موارثتهم، ومناكحتهم، وأكل ذبائحهم» (1) .

الخوارج قد شوّهوا محاسن الدين :

إنّ الخوارج قد شوّهُوا محاسنَ الدين الإسلامي تشويهاً غريباً، فإنَّ هذا الاغراق في التأويل و الاجتهاد أخرجهم عن روح الإسلام وجماله واعتداله، وهم في تعمّقهم قد سلكوا طريقاً ما قال به محمّد ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ولا دعا إليه القرآن، وأمّا التقوى التي كانوا يَظْهرون بها فهي من قبيل التقوى العمياء، والصلاح، الذي كانوا يتزينون به في الظاهر، كان ظاهر التأويل بادئ الزخرفة، وقد طمعوا في الجنة وأرادوا السعي لها عن طريق التعمق والتشدد والغلوّ في الدين، غلّواً أخرجهم منه، ومجاوزة الحدِّ، تُوقع في الضد(2).

***


1. صالح بن أحمد الصوافي: الإمام جابر بن زيد العماني: 215 ـ 216 .
2. عمر ابو النضر: الخوارج في الاسلام: 111 .


(217)

الفرقة الخامسة:

الاباظية

أتباع عبدالله بن اباض(1) م 86

وصفت الاباضية في كلام غير واحد بأنّهم أقرب الناس إلى أهل السنّة(2) وأنّهم هم الفرقة المعتدلة من الخوارج، ولأجل هذا اُتيح لهم البقاء إلى يومنا هذا، فهم متفرّقون في عمان وزنجبار وشمال أفريقيا، فإذا كان البحث في سائر الفرق بحثاً في طوائف أبادهم الدهر وصاروا خبراً لِكانَ، فالبحث عن الاباضية بحث عن فرقة موجودة من الخوارج ويعتبر مذهبهم، المذهب الرسمي في عُمان، وقد ذكرنا في بداية الكتاب النشاط الثقافي التي تقوم به وزارة الأوقاف عندهم. فنبحث أوّلا عمّا يقول عنهم أصحاب المقالات والتاريخ، ثم نرجع إلى


1. إنّ اباضية عمان يقرأونه ـ بالفتح ـ خلافاً لاباضية شمال أفريقيا فيقرأونه ـ بالكسرـ وعلى كل تقدير واباض ـ بضم الهمزة ـ فهي قرية أو واحة باليمامة.
2. المبرّد: الكامل 2/214 .


(218)

كتبهم المنتشرة في هذه الأيام لغاية التعريف بهم.

الاباضية في كتب المقالات والتاريخ :

عبدالله بن اباض المقاعسي المرّي التميمي من بني مرّة بن عبيد بن مقاعس، رأس الاباضية وإليه نسبتهم، وقد عاصر معاوية وعاش إلى أواخر أيّام عبدالملك بن مروان، وكان ممّن خرج إلى مكّة لمنع حرم الله من مسلم بن عقبة المرّي(1) عامل يزيد بن معاوية.

اتّفق عبدالله بن اباض مع نافع و أصحابه على أن يسألا عبدالله بن الزبير عن رأيه في عثمان، لأنّ الخوارج يومذاك كانوا ملتفِّين حول عبدالله بن الزبير، فلمّا سألوه وجدوه، مخالفاً للعقيدة فتفرّقوا من حوله، وذهبت طائفة من الخوارج إلى اليمامة وعدّة اُخرى إلى البصرة، منهم ابن الأزرق وعبدالله بن اباض وعبدالله بن الصفار(2) .

ثمّ إنّ ابن الأزرق خرج على ثلاثمائة رجل عند وثوب الناس بعبيدالله بن زياد، وتخلّف عنه عبدالله بن صفّار وعبدالله بن اباض ورجال معهما على رأيه، وكتب إليهما ما ألقاه لأصحابه في خطابته وهو:

«إنّ الله قد أكرمكم بمخرجكم، وبصَّركم ما عمى عنه غيركم. ألستم تعلمون أنّكم إنّما خرجتم تطلبون شريعته وأمره، فأمره لكم قائد، والكتاب لكم إمام، وإنّما تتّبعون سننه و أثره؟ فقالوا: بلى، فقال: أليس حكمكم في وليّكم حكم النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ في وليّه، وحكمكم في وعدوّكم حكم النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ في عدوّه، عدوّكم اليوم عدوّالله وعدوّ


1. الطبري: التاريخ 4/438 .
2. الطبري: التاريخ 4/438 .


(219)

النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ كما أنّ عدوّ النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ يومئذ هو عدوّ الله وعدوّكم اليوم؟ فقالوا: نعم، قال: فقد أنزل الله تبارك و تعالى:( بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وِرَسُولِهِ اِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ) وقال: (لا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ) فقد حرّم الله ولايتهم، والمقام بين أظهرهم، واجازة شهادتهم، وأكل ذبائحهم، وقبول علم الدين عنهم، ومناكحتهم و مواريثهم. قد احتجّ الله علينا بمعرفة هذا، وحقّ علينا أن نعلم هذا الدين الذين خرجنا من عندهم، ولانكتم ما أنزل الله، والله عزّوجلّ يقول:( إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ وِ الهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيِّنّاهُ لِلنّاسِ فِى الكِتابِ اُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ)(1) .

فبعث بالكتاب إلى عبدالله بن صفار وعبدالله بن اباض، فأتيا به، فقرأه عبدالله بن صفار، فأخذه، فوضعه خلفه فلم يقرأه على الناس خشية أن يتفرّقوا ويختلفوا، فقال له عبدالله بن اباض: مالك لله أبوك؟ أيّ شي أصبت؟ أن قد اُصيب اخواننا؟ أو اُسر بعضُهم؟ فدفع الكتاب إليه، فقرأه، فقال: قاتله الله، أيّ رأي رأى. صدق نافع بن الأزرق (لكن) لوكان القوم مشركين، كان أصوب الناس رأياً وحكماً فيما يشير به، وكانت سيرته كسيرة النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ في المشركين .

ولكنّه قد كذب وكذبنا فيما يقول: إنّ القوم كفّار بالنعم والأحكام، وهم براء من الشرك، ولايحلّ لنا إلاّ دماؤهم، وما سوى ذلك من أموالهم فهو علينا حرام (2) .

ثمّ إنّ المبرّد نقل كتاب ابن الأزرق إليهما بغير هذه الصورة، والنقلان


1. البقرة: 159 .
2. الطبري: التاريخ 4/438 ـ 440 .


(220)

متّفقان في المادة، وأضاف أنّ الكتاب ورد إلى أبي بيهس وعبدالله بن اباض، فأقبل أبوبيهس على ابن اباض فقال: إنّ نافعاً غلا فكفر وانّك قصّرت فكفرت(1).

هذا هو عبدالله بن اباض، وهذه زمالته مع نافع بن الأزرق وهذا فراقه له في مسألة تكفير المسلمين كفر ملّة ودين، وهذه اباحته دماء المسلمين (بعد اتمام الحجّة) ولأجل هذه المرونة بين الاباضية، يقول المبرّد: إنّ قول عبدالله بن اباض أقرب الأقاويل إلى أهل السنّة من أقاويل الضلال.

أوهام حول مؤسّس المذهب:

ثمّ إنّ هناك أوهاماً حول الرجل في كتب الفِرق والتواريخ:

1 ـ خرج ابن اباض في أيام مروان بن محمّد (2) وهذا وهم فقد مات قبل أيام مروان بأربعين عاماً.

2 ـ وقال الزبيدي: كان مبدأ ظهوره في خلافة مروان الحمار(3).

3 ـ وقال المقريزي: إنّه من غلاة المحكّمة وانّه خرج في أيام مروان، ثمّ قال: ويقال: إنّ نسبة الاباضية إلى اباض ـ بضم الهمزة ـ وهي قرية باليمامة نزل بها نجدة بن عامر(4) .

وكلا الأمرين يدلاّن على أنّه ظهر بين سنتي 127 ـ 132، أيام حكم مروان وهو لايتّفق مع ما عليه الاباضية على أنّ وفاته كانت في أيام عبدالملك بن مروان .


1. المبرّد: الكامل 2/213 ـ 214 وقد مرّ ـ كتاب ابن الأزرق ـ إليهما عند البحث عن البيهسية، فلاحظ.
2. نقله خير الدين الزركلي في الاعلام 4/184، عن هامش الأغاني: 330 من المجلد السابع .
3. الزبيدي: تاج العروس، مادة ابض .
4. المقريزي: الخطط 2/355 .


(221)

وقال الشهرستاني: عبدالله بن اباض الذي خرج في أيام مروان بن محمّد (1) .

ولعلّ وجه اشتباههم هو: وقوع فتنة الاباضية في أواخر حكومة مروان بن محمّد، وكان في رأس الفتنة عبدالله بن يحيى الجندي الكندي الحضرمي طالب الحق وكان اباضياً.

قال ابن العماد: وفي سنة 130 كانت فتنة الاباضية وهم المنسوبون إلى عبدالله بن اباض. قال: مخالفونا من أهل القبلة كفّار، ومرتكب الكبيرة موحّد غير مؤمن، بناءً على أنّ الأعمال داخلة في الإيمان، وكفّروا عليّاً وأكثر الصحابة، وكان داعيتهم في هذه الفتنة عبدالله بن يحيى الجندي الكندي الحضرمي (طالب الحق)، وكانت لهم وقعة بقديد مع عبدالعزيز بن عبدالله بن عمرو بن عثمان فقتل عبدالعزيز ومن معه من أهل المدينة، فكانوا سبعمائة أكثرهم من قريش منهم: تخرمة بن سليمان الوالبي، روى عن عبدالله بن جعفر وجماعة، وبعدها سارت الخوارج إلى وادي القرى ولقيهم عبدالملك السعدي فقتلهم ولحق رئيسهم إلى مكّة فقتله أيضاً، ثمّ سار إلى تبالة ـ وراء مكّة بستّ مراحل ـ فقتل داعيتهم الكندي(2) .

ومن الأوهام ما ذكره ابن نشوان الحميري عن أبي القاسم البلخي المعتزلي: انّ عبدالله لم يمت حتى ترك قوله أجمع، ورجع إلى الاعتزال (3)، والرجل توفّي ولم يكن للاعتزال أي أثر، فإنّ رأس الاعتزال هو واصل بن عطاء الذي ولد عام 80 .

ثمّ إنّ الاباضية انقسمت إلى فرق خرجوا عن الاعتدال والمرونة ومالوا


1. الشهرستاني: الملل و النحل 1/134 .
2. ابن عماد الحنبلي: شذرات الذهب 1/177 .
3. ابن نشوان الحميري: الحور العين 173 .


(222)

إلى التطرّف والشدّة، ولكن جمهور الاباضية على الاعتدال. يقول الأشعري:

وجمهور الاباضية يتولّى المحكّمة كلّها إلاّ من خرج، ويزعمون أنّ مخالفيهم من أهل الصلاة كفّار، وليسوا بمشركين، حلال مناكحتم وموارثتهم حلال غنيمة أموالهم من السلاح والكراع عند الحرب، حرام ماوارء ذلك، وحرام قتلهم وسبيهم في السر، إلاّ من دعا إلى الشرك في دار التقيّة ودان به، وزعموا أنّ الدار ـ يعنون دار مخالفيهم ـ دار توحيد إلاّ عسكر السلطان، فإنّه دار كفر ـ يعني عندهم ـ .

وحكي عنهم أنّهم أجازوا شهادة مخالفيهم على أوليائهم، وحرّموا الاستعراض إذا خرجوا، وحرّموا دماء مخالفيهم حتّى يدعوهم إلى دينهم، فبرأت الخوارج منهم على ذلك، وقالوا: إنّ كل طاعة إيمان ودين، وإنّ مرتكبي الكبائر موحّدون وليسوا بمؤمنين(1).

وقريب من ذلك ما ذكره البغدادي في كتابه، يقول: افترقت الاباضية فيما بينها فرقاً يجمعها القول بأنّ كفّار هذه الاُمّة ـ يعنون بذلك مخالفيهم من هذه الاُمّة ـ براء من الشرك والإيمان، وانّهم ليسوا مؤمنين ولا مشركين ولكنّهم كفّار، وأجازوا شهادتهم وحرّموا دماءهم في السرّ واستحلّوها في العلانية، وصحّحوا مناكحتهم، والتوارث منهم، وزعموا أنّهم في ذلك محاربون لله ولرسوله، لايدينون دين الحق، وقالوا باستحلال بعض أموالهم دون بعض، والذي استحلّوه الخيل والسلاح، فأمّا الذهب والفضة فإنّهم يردّونهما إلى أصحابهما عند الغنيمة .

ثمّ افترقت الاباضية فيما بينهم أربع فرق: الحفصية، والحارثية، واليزيدية، وأصحاب طاعة لايراد الله بها.


1. الأشعري: مقالات الإسلاميين 104 ـ 105 .


(223)

ثم قال: واليزيدية، منهم غلاة لقولهم بنسخ شريعة الإسلام في آخر الزمان (1) .

ولأجل تصريح عبدالله بن اباض بأنّ المراد من الكفر هو الكفر بالنعم لا محيص عن تفسير الكفر فيما نقله البغدادي عنه بالكفر بالنعم، نعم بعض الفرق منهم خرجوا عن الاعتدال وحكموا بكفر المسلمين كفراً حقيقياً .

هذا ما يقوله أصحاب المقالات عنهم ولكنّهم في كتبهم المنتشرة في السنوات الأخيرة يقولون خلاف ذلك، وانّهم لا يختلفون مع جماهير المسلمين إلاّ في مسألة التحكيم، وأمّا ما سواه فهم وغيرهم سواسية، وينكرون وجود هذه الفرق التي نسبها إليهم الأشعري ثم البغدادي (2) . ولأجل ذلك يجب دراسة مذهبهم من كتبهم .

الاباضية في كتب اعلامهم:

قد تعرّفت على المذهب الاباضي وترجمة مؤسّسه على ما في كتب الفرق والتاريخ، غير أنّ كُتّاب الاباضية في العصر الحاضر وماقبله يتحرّجون من أن يُعَدُّوا من فرق الخوارج، وإن كانوا يتّفقون معهم في بعض المبادئ ولكن يخالفونهم في كثير من المبادئ والعقائد، ويعتقدون أنّه مذهب نجم في أواخر القرن الأوّل بيد مؤسّسه عبدالله بن اباض وجابر بن زيد العماني، فكأنّ الأوّل قائداً مخطّطاً والثاني قائداً دينياً، وانّ الخوارج هم المتطرّفون كالأزارقة الذين كانوا يكفّرون المسلمين ويعدّونهم مشركين ويستبيحون أموالهم ويستحيون


1. البغدادي: الفَرق بين الفِرق: 103، ثمّ ذكر عقائد فرق الاباضية تبعاً للشيخ الأشعري في المقالات 102 ـ 111، ومن أراد التفصيل فليرجع إليهما.
2. الاباضية بين الفرق الإسلامية 1/21 ـ 28 .


(224)

نسائهم ويقتلون أولادهم، وأمّا غيرهم الذين لايعتنقون هذا المبدأ وماشابه فليسوا من الخوارج .

وقد بذلت الاباضية في هذه العصور الأخيرة جهوداً في تنزيههم عن كونهم من هذه الطائفة وانّ المقصود منه غيرهم، وإليك بعض نصوصهم وتحليلاتهم:

هل الاباضية من الخوارج؟:

1 ـ قد عمد البعض من الخوارج بعد وقعة النهروان إلى سلوك طريق لايتّفق مع الاُصول الصحيحة للشريعة الغّراء وأحد ثوا في الإسلام حدثاً كبيراً بما استحلّوا من استعراض المسلمين بالسيف وتكفير أهل القبلة الذين لايذهبون مذهبهم، وتفرّق هؤلاء الخارجون إلى فرق عديدة كان منها الأزارقة والنجدات والصفرية... وهؤلاء هم الذين أصبحوا يعرفون بالخوارج، ويعني وصفهم بذلك أنّهم خارجون عن الدين ومارقون بما استحلّوا من المحرّمات وما خالفوا فيه من الأحكام الصحيحة للإسلام .

أمّا الاباضية ـ وهم عرفوا بجماعة المسلمين أهل الحقّ والاستقامة ـ فهم لايرون رأي هؤلاء الخوارج بل يرونهم مارقين خارجين عن الدين، ورغم أنّهم يوالون المحكّمة الاُولى ـ وعلى رأسهم عبدالله بن وهب الراسبي ـ إلاّ أنّهم لم يوافقوا الأزارقة و من والاهم من بعده بل تبّرأوا منهم ولم يذهبوا مذهبهم .

وعلى ذلك فالخوارج هم غير الاباضية ولايمكن اعتبار الاباضية احدى فرقهم، وإلاّ فكيف نجمع بين النقيضين في صعيد واحد، وكيف نصف من يتمسّك بصحيح الإسلام، ولايكفّر أصحاب القبلة، ولايستحلّ دماء المسلمين ولا أموالهم إلاّ دفعاً لبغي أو ردّاً لعدوان؟....كيف نصف هؤلاء بأنّهم من


(225)

الخوارج الذين أبوا إلاّ مفارقة الجماعة والخروج عليهم واستعراض المسلمين بالسيف، واستحلال دمائهم وأموالهم بغير حقّها، وذهابهم إلى تكفير هؤلاء، وإذا كانت الاباضية قد والوا المحكّمة الاُولى إلاّ أنّ ولاءهم لم يكن لمن خرج من بعد ذلك على الدين، وكان سلوكهم مروقاً وعصياناً (1) .

2 ـ الاباضية لم يجمعهم جامع بالصفرية والأزارقة ومن نحا نحوهم إلاّ انكار الحكومة بين علي ومعاوية، وأمّا استحلال الدماء والأموال من أهل التوحيد، والحكم بكفرهم كفرَ شرك، فقد انفرد به الأزارقة والصفرية والنجدية، وبه استباحوا حمى المسلمين ولمّا كان مخالفونا لايتورّعون، ولايكلِّفون أنفسهم مؤونة البحث عن الحق، ليقفوا عنده، خلطوا بين الاباضية الذين لايستبيحون قطرة من دم موحّد بالتوحيد الذي معه، وبين ما استحلّوا الدماء بالمعصية الكبيرة حتى قتلوا الأطفال تبعاً لآبائهم، مع أنّ الفرق كبير جداً كالفرق بين المستحل والمحرّم .

ثمّ قال: إنّ تسمية الخوارج لم تكن معهودة في أوّل الأمر، وإنّما هي انتشرت بعد استشراء أمر الأزارقة ولم تعرف هذه التسمية في أصحاب عليّ، المنكرين للتحكيم والراضين به، ولعلّ أوّل ما ظهر هذا اللفظ بعد ثبوت الأمر لمعاوية والاستقرار ولم يفرّقوا في ذلك بين المتطرف وغيره (2).

3 ـ إنّ الاباضية رغم اعتدالهم من الناحية المذهبية والفقهية إلاّ أنّهم كانوا في عداء سياسي مع دولة بني اُمية ودولة بني العباس لأنّهم كانوا يقولون بأنّ الإمامة أو الخلافة حق لأيّ مسلم صالح، فلا تكون قاصرة على قريش، ولا على بطونها المختلفة من الأمويين أو العباسيين أو العلويين، ولمّا كان هذا الموقف


1. صالح بن أحمد الصوافي: الإمام جابر بن زيد العماني: 212 .
2. أبو إسحاق السالمي: تحفة الأعيان : هامش الجزء الأوّل كما في الإمام جابر بن زيد العماني .


(226)

السياسي للاباضية يلتقي من الناحية النظرية ومن الناحية الفكرية البحتة مع الخوارج: الأزارقة والنجدات والصفرية، فقد عممّ كُتاب الفرق القول ووضعوا الاباضية ضمن هؤلاء الخوارج واعتبروهم فرقة رابعة من فرقهم، والاباضية أنفسهم كما هو موجود في كتبهم القديمة والحديثة يتبرّأون من هؤلاء الخوارج كل البراءة بل ويقاتلونهم بأشدّ قتال.

إنّ المذهب الاباضي لم يعرف بهذا الاسم إلاّ منذ الربع الأخير من القرن الثالث للهجرة حينما غلب على أصحابه هذا الاسم واشتهروا به، وانّما أصحابه قبل ذلك يعرفون باسم جماعة القعدة وهو اسم له دلالته السياسية، وقد أطلقه عليهم جماعات الخوارج من الأزارقة وغيرهم احتقاراً لهم ورفضاً لمبدئهم: ذاك في القعود، فقد وضع هؤلاء القعدة لأنفسهم مبدأ المسالمة وعدم اشتهار السيف في وجه اخوانهم من المسلمين، وأجازوا لأنفسهم البقاء تحت حكم الجبابرة، وقالوا بعدم جواز قتل أطفال مخالفيهم ولا قتل نسائهم ولا استحلال أموالهم وأخذوا يعملون على نشر مبادئهم السياسية في سرّيّة وكتمان، ودخلوا في مرحلة كتمان طويلة امتدّت منذ أن تأسّس المذهب على يد جابر بن زيد في أواخر القرن الأوّل للهجرة حتى هاجر معظم علماء المذهب وآخر أئمة الكتمان أبو سفيان محبوب بن الرحيل إلى عمان في أواخر القرن الثاني للهجرة(1) .

4 ـ إنّ مذهب الاباضية لم يعرف بهذا الاسم في المصادر الاباضية إلاّ في الربع الأخير من القرن الثالث للهجرة وقد قبلت الاباضية بهذا الاسم منذ ذلك التاريخ لأنّه غلب عليهم بمرور الزمن وصار علماً يلتفّون حوله، وإنّما يطلقون على أنفسهم قبل ذلك اسم «جماعة المسلمين» أو «أهل الدعوة» أو «أهل الاستقامة» وقد سمّاهم أعداؤهم من الخوارج المتطرّفين باسم «القعدة»


1. الدكتور رجب محمّد عبدالحليم: الاباضية في مصر والمغرب: 54 ـ 56 .


(227)

احتقاراً لهم، لأنّهم طبقاً لوجهة نظر هؤلاء الخوارج، قعدوا عن الجهاد في سبيل الله بمحاربة الولاة والحكّام الظالمين.

وكان هؤلاء القعدة قد رأوا القعود عن الحرب، وعن رفع السيف ضد اخوانهم المسلمين عقب موقعة النهروان التي وقعت بين الإمام علي بن أبي طالب وجماعة المحكّمة الذين عارضوه لقبوله التحكيم، وقالوا: «لاحكم إلاّ لله» واشتهروا باسم «المحكّمة» أو «الشراة» أو «الحرورية» وأطلق عليهم خصومهم من أرباب الدولة الأمويّة اسم الخوارج (1).

5 ـ إنّ الصفريّة اتّخذت الخروج بالسيف على الدولة وسيلة لتحقيق أهدافهم، فإنّ الصفريّة في بلاد المغرب اتّبعوا هذا الاسلوب في هذه المنطقة النائية، ولذلك رفعوا لواء الثورة ضدّ بني اُميّة منذ عام 122 .

وقد أظهر هؤلاء الصفرية من تطرّف شديد في معاملتهم لخصومهم سواء كانوا من العرب أم من البرير، فكانوا يستحلّون سبي النساء، ويستحلّون الأموال، يسفكون الدماء، وكانوا في حركتهم في بلاد المغرب أقسى على الناس من حركة الأزارقة في بلاد المشرق، وقد وصل تطرّف البرير الصفرية إلى غايته عندما داهموا القيروان في عام 139، واحتلّوها وفعلوا بأهلها وبمساجدها ما تقشعرّ له الأبدان على يد قبيلة«ورفجومة» التي كان أهلها من غلاة الصفرية .

ثمّ بعد فترات تنقّلت قيادة البربر من الصفرية إلى الاباضية بعد أن ضاق البربر بعنف الصفرية وتطّرفهم المقيت، فضعف أمر الصفرية منذ ذلك الحين وذاب أغلبهم في الاباضية (2) .


1. الدكتور رجب محمّد عبدالحليم: الاباضية في مصر والمغرب: 12 ـ 13 .
2. نفس المصدر: 53 .


(228)

6 ـ المذهب الاباضي يعتمد في اُصوله على الكتاب والسنّة ويتّفق في كثير من اُصوله وفروعه مع مذهب أهل السنّة، ولايختلف معها إلاّ في مسائل قليلة، اختلاف مذاهب السنّة فيما بينها، فلا يخلو منها مذهب لايخالف غيره في قليل أو كثير من المسائل، وما كان اعتماد المذهب الاباضي على الكتاب والسنّة وعدم تباعده عن مذاهب السنّة إلاّ لأنّ مؤسسّه جابر بن زيد قد أخذ عن الصحابة الذين أخذ عنهم أصحاب هذه المذاهب من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة، بل انّه يمتاز على أصحاب هذه المذاهب، في انّه أخذ عن الصحابة مباشرة بينما هم لم يأخذوا في معظهم إلاّ من التابعين، كما أنّ الأحاديث التي جمعها هو وغيره من علماء وفقهاء وجمّاع الأحاديث من الاباضية كالربيع بن حبيب وغيره، ليست إلاّ أحاديث وردت عند البخاري ومسلم وغيرهم من أئمّة الحديث كأبي دواد والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارقطني والطبراني والبيهقي وغيرهم من أهل السنّة والجماعة (1).

7 ـ اطلاق لفظ الخوارج على الاباضية من الدعايات الفاجرة التي نشأت عن التعصّب السياسي أوّلا ثمّ عن المذهبي ثانياً، لمّا ظهر غلاة المذاهب وقد خلطوا بين الاباضية والأزارقة والصفرية والنجدية.

إنّ لاطلاق الخوارج على الاباضية سببين:

الف ـ اشتراكهم مع سائر الخوارج في انكار التحكيم، فصار ذلك سبباً للجمع بين كل منكر للتحكيم في صعيد واحد.

ب ـ إنّ تسمية الخوارج لم تكن معهودة في أوّل الأمر وإنّما انتشرت بعد استشراء أمر الأزارقة، ولم تعرف هذه التسمية في أصحاب علىّ المنكرين للتحكيم والراضين به، ولعلّ أوّل ما ظهر هذا الأمر بعد ثبوت الأمر لمعاوية، فإنّ


1. الدكتور رجب محمّد عبدالحليم: الاباضية في مصر و المغرب: 60 .


(229)

الأمويين أطلقوا هذه التسمية على كل من يعارض ملكهم العضوض(1) ولم يفرّقوا بين الاباضية وبين سواهم من متطرّفي الخوارج(2) .

8 ـ إنّ ابن اباض تبّرأ من الأزارقة في الرسالة التي كتبها إلى عبدالملك وجاء فيها: أنا براء إلى الله من ابن الأزرق وضيعه وأبقاعه، لأنّه خرج عن مبادئ الإسلام فيما ظهر لنا و أحدث وارتدّ وكفر بعد إسلامه فنبرأ إلى الله منهم(3) .

نَظُرنا في الموضوع:

هذه كلمات القوم وهي تعبّر عن كونهم مصرّين على أنّهم ليسوا بخوارج ومن سمّاهم بذلك فقد ظلمهم، وبما أنّ الخوارج لم يكونوا ذوي سمعة حسنة، وكان المسلمون يتبرّأون من عقائدهم وأعمالهم، صار هذا هو الحافز لعلماء الاباضية على السعي البالغ من اخراج أنفسهم عن صفوفهم، وانّهم فرقة مستقلّة لاصلة لهم بالخوارج إلاّكونهم مشتركين في أصل واحد وهو انكار التحكيم .

ولعلّ القارىء، يتعجّب من الاطناب والافاضة في المقام وماهذا إلاّ لأجل اراءة منطق القوم فيما يتبنّونه لئلاّنبخس حقوقهم، فإنّهم كما عرفت يتّهمون المخالفين بعدم التورع في البحث وعدم تكليف الأنفس مؤونة الفحص عن الحق، ولكنّها غير لاصقة بنا، فإنّا كلّفنا أنفسنا مؤونة البحث ويشهد بذلك نقل كلماتهم، ومع هذا كل ما ذكروه أشبه بالخطابة، وذلك:


1. لازم ذلك أن يسمّوا الشيعة أيضاً باسم الخوارج .
2. صالح بن أحمد الصوافي، الإمام جابر بن زيد العماني: 213 ـ 214، والكاتب غفل عن القريض المعروف في شأن أبي بلال المنتصر كما سيوافيك، وكانت الحادثة سنة 60 قبل فتنة الأزارقة .
3. الإمام جابر بن زيد العماني: 224، ونقلا عن الجواهر المنتقاة للبرادي: 156 ـ 167 .


(230)

أوّلا: إنّ هذه الكلمات تحكي أنّ الاباضية أوّل من خطّ خطّ الاعتدال ومشى على ضوئه، واكتفى بالعزلة والقعود ولم يحارب الناس، ولم يعترضهم، ولكنّه في غير محلّه إذ لو صحّ كلّ ذلك في عبدالله بن اباض فراسم هذا الخط هو أبو بلال مرداس بن جدير، فإنّه أوّل من ندّد بعمل الخوارج في اعتراضهم الناس و نهب أموالهم، وكان ينادي بأعلى صوته بأنّه لا يحارب الاّ من حاربه ولايروّع أحداً ولا...ولا...فعلى ذلك يجب أن يقال: إنّ مبدىء هذه الكفرة هو أبوبلال المقتول عام«60» وقد كان أبو بلال قد شهد صفّين مع علي بن أبي طالب ـ صلوات الله عليه ـ وأنكر التحكيم وشهد النهر ونجا فيمن نجا(1) .

ثانياً: إنّ الحجر الأساس لفرقة الخوارج هو التطّرف والخروج عن الاعتدال، وإن كان للتطرّف مدارج ومراحل، فالقوم من بدو الخروج على علي وانكار التحكيم عليه بعدما فرضوه عليه، كانو متطرّفين، لا يحترمون دماً ولاعرضاً. إنّ تخصيص التطرّف بالأزارقة، والنجدات، والصفرية بزعم أنّهم هم الذين كانوا يستعرضون المسلمين، ويستحلّون دماءهم، ويكفّرون أهل القبلة، كلام فارغ عن الحجّة، بل الحجة على خلافه، فإنّ المحكّمة الاُولى وعلى رأسهم عبدالله بن وهب الراسبي أيضاً كانوا من المتطرّفين، ويظهر ذلك من خطب هذا الراسبي وكلماته التي ألقاها في الحروراء، وقد نقلنا بعض كلماته في الفصل السادس، وإليك لقطات منها:

قال مخاطباً إخوانه عند الشخوص من الحروراء إلى النهروان: فاخرجوا بنا اخواننا من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض كور الجبال أو بعض هذه المدائن منكرين لهذه البدع المضرّة(2) .


1. المبرّد: الكامل 2/183 ومرّ تفصيله.
2. مرّ المصدر في الفصل السادس .


(231)

ماذا يريد من قوله: الظالم أهلها، وهل يريد بلدة الكوفة وأهلها الملتفّين حول الإمام علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ ؟ والحال انّ الآية نزلت في حق المشركين قال سبحانه:( )وِمالَكُمْ لاتُقاتِلُونَ فِى سَبِيِلِ اللهِ وِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجال وَالنِّساءِ وَ الوِلْدانِ الّذيِنَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخرِجْنا مِنْ هذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها واجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً واجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نصِيراً))(1).

إنّ المحكّمة الاُولى هم الذين بقروا بطن زوجة عبدالله بن خباب بن الأرت، ذلك التابعي العظيم، ولم يكتفوا بذلك، فذبحوا زوجها كما يذبح الكبش، بعدما أعطوه الأمان، وهم الذين قتلوا ثلاث نسوة من طي، وقتلوا أمّ سنان الصيداوية، كل ذلك ارتكبوه بعد ما انتقلوا من الحروراء إلى النهروان، ولمّا بلغ عليّاً هذه الجنايات المروِّعة عمد إلى مقاتلتهم بعد ما أتمّ الحجّة عليهم .

وأيّ دليل على تطرّفهم أتقن من توصيف الإمام إيّاهم بقوله: «سيوفكم على عواتقكم، تضعونها مواضع البُرء والسقم، وتخلطون من أذنب بمن لم يذنب»(2) .

أبعد هذا يصحّ للاُستاذ صالح بن أحمد الصوافي تخصيص التطرّف بالخوارج الذين جاءوا بعدهم.

هذا هو شبيب، مساعد ابن ملجم في قتل علي، دخل على معاوية في الكوفة بعد قتل عليّ، ولمّا وقف معاوية على أنّه فيها، بعث إلى الأشجع لأن يخرجه من الكوفة، وكان شبيب إذا جنّ عليه الليل خرج فلم يلق أحداً إلاّ قتله.(3)


1. النساء 75 .
2. الرضي: نهج البلاغة، الخطبة 127 .
3. ابن الأثير: الكامل 3/206 .


(232)

وهذا هو قريب بن مرّة وزحاف الطائي قد خرجا في امارة زياد بن أبيه فاعترضا الناس، فلقيا شيخاً ناسكاً من بني ضبيعة فقتلاه، فخرج رجل من بني قطيعة من الأزد وفي يده السيف، فناداه الناس من ظهور البيوت: «الحرورية»!!!

انج بنفسك، فنادوه (قريب وزحاف ومن معهما): لسنا حرورية، نحن الشرط، فوقف فقتلوه، ثمّ جعلا لا يمرّان بقبيلة إلاّ قتلا من وجدا حتى مرّا على بني علي بن سود من الأزد، وكانوا رماة فرموهم رمياً شديداً، فصاحوا: يا بني علي! البقيا! لارماء بيننا. قال رجل من بني علي:

لاشيء للقوم سوى السهام * مشحوذة في غلس الظلام

ففرّ عنهم الخوارج إلى ان واجهوا بنو طاحية من بني سود، وقبائل من مزينة وغيرها، ووقعت الحرب فقتل الخوارج عن آخرهم، وقتل قريب وزحاف(1) .

ما ذكرنا نماذج من استعراضهم للناس وقتلهم الأبرياء، قبل قيام ابن الأزرق بالدعوة، فإنّ ماذكرنا يرجع إلى عهد علي وما بعده بقليل، وأمّا فتنة الأزارقة والنجدات فهي راجعة إلى عصر ابنه يزيد بن معاوية فهي من حوادث بعد الستين.

ثالثاً: إنّ تخصيص اسم الخوارج بالمتطرّفين منهم كالأزارقة والنجدات تخصيص بلاوجه، فقد اُطلق هذا اللفظ في عصر عليّ على هؤلاء أي على عبدالله بن وهب الراسبي وذي الخويصرة ومن قتل معهما في وقعة النهروان:

هذا هو الإمام علي بن أبي طالب ـ بعد ما خرج من قتال الخوارج في ضفة النهر مرفوع الرأس ـ قال: لا تقاتلوا الخوارج بعدي فليس من طلب الحق فأخطاه


1. المبرّد: الكامل 2/180 .


(233)

كمن طلب الباطل فأدركه(1). فلو كانت هذه الكلمة لعلي كما هوالمقطوع لكان دليلا على أنّ القوم في بدء نشوئهم كانوا مسمّين بهذا الاسم، وإن كان لغيره فالظاهر أنّ ذلك الغير هو الموالي للخوارج بقرينة مدحهم في ذيل الجملة، فكان شاهداً على أنّ القوم كانوا مسمّين بهذا الاسم منذ البداية.

ويظهر ممّا نظمه نفس الخوارج من الأشعار أنّ تسميتهم بها كان رائجاً في عصر معاوية أي قبل الستين وقبل أنّ يتسنّم الأزارقة والنجدات منصّة القيادة يقول عيسى بن فاتك من بني تميم تأييداً لموقف أبي بلال مرداس به ادية الذي قتل عام 60 في أبيات :

أألفا مؤمن فيما زعمتم * ويهزمهم بآسك أربعونا؟

كذبتم ليس ذاك كما زعمتم * ولكن الخوارج مؤمنونا

هم الفئة القليلة غير شكّ * على الفئة الكثيرة ينصرونا(2)

ويُستنتج من ذلك الأمرين: أنّ الخوارج اُطلق يوم اُطلق على من خرج عن طاعة أمير المؤمنين وأنكروا التحكيم عليه من غير فرق بين أوائلهم ومن بعدهم.

رابعاً: لاشك إنّ المحكّمة الاُولى كانوا يبغضون عليّاً ويكفّرونه، وتشهد بذلك كلماتهم و أشعارهم خصوصاً في مفاوضاتهم مع عليّ، وقد تضافرت الروايات أنّ حبّه آية الإيمان وبغضه آية النفاق، ولايمكن لعالم ملّم بالأحاديث انكار ذلك .

هذا هو مسلم روى في صحيحه عن زر بن حبيش قال: قال عليّ: والذي


1. الرضي: نهج البلاغة، الخطبة 60 .
2. المبرّد: الكامل 2/186، ابن سلاّم (م273) بدء الاسلام وشرائع الدين: 111، مرّت قصة أبي بلال .


(234)

خلق الجنّة وبرأ النسمة أنّه لعهد النبيّ الاُميّ إليّ لايحبّني إلاّ مؤمن ولايبغضني إلاّ منافق(1) .

وروى الإمام أحمد في فضائل الصحابة عن زرّ بن حبيش، عن علي قال: عهد النبي إليّ أنّه لايحبّك إلاّ مؤمن ولايبغضك إلاّ منافق (2) .

ورواه النسائي في خصائصه بعدّة طرق(3) .

ورواه الحافظ ابن عساكر في تاريخه بأسانيد تربو على 18 طريقاً(4) .

وعلى ضوء ذلك فهؤلاء محكومون بالنفاق والخلود في النار، فيشملهم قول النبي الأكرم ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ في شأن ذي الخويصرة الذي كان في الرعيل الأوّل من المحكّمة: فإنّه سيكون له شيعة يتعمّقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرميّة (5) .

روى المبرّد في الكامل أنّ عليّاً(رضي الله عنه) وجّه إلى رسول الله مذهّبة من اليمن فقسّمت أرباعاً فأعطى ربعاً للأقرع بن جالس المجاشعي، وربعاً لزيد الخيل الطائي، وربعاً لعيينة بن حصن الغزاري، وربعاً لعلقمة بن علاثة الكلابي، فقام إليه رجل مضطرب الخلق غائر العينين ناتئُ الجبهة فقال: لقد رأيت قسمة مااُريد بها وجه الله، فغضب رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ حتى تورّد خداه، ثم قال: أيأمنني الله عزّوجلّ على أهل الأرض ولاتأمنوني؟ فقام إليه عمر فقال: أقتله يا رسول الله؟ فقال ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ إنّه سيكون من


1. مسلم: الصحيح 1، كتاب الايمان 60 .
2. أحمد بن حنبل: المسند 1/127. الحديث 948، وفضائل الصحابة 2/563، ونقله في كتابه الأخير في غير واحد من المواضع، لاحظ الأحاديث 979، 1059، 1086، 1146 .
3. الحافظ أبو عبدالرحمان النسائي: الخصائص 187 .
4. ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق، ترجمة الإمام علي بن أبي طالب 2/190 ـ 199 .
5. ابن هشام: السيرة النبوية 4/496. ابن الأثير: الكامل 2/164 .


(235)

ضئضىء هذا قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية تنظر في النصل فلاترى، شيئاً، وتنظر في الرصاف فلاترى شيئاً، وتتمارى في الفوق(1) .

إنّ المحكّمة الاُولى كفّروا من طهّره الله سبحانه في كتابه وقال: (إنَّما يُريدُ اللهُ لِيُذْهِبُ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ وَ يُطَهَركُمْ تَطْهِيراً)(2) وقد اصفقت الاُمّة إلاّ الشواذ من الخوارج كعكرمة على نزول الآية في حقّ العترة الطاهرة، هذا هو مسلم يروي في صحيحة عن عائشة، قالت: خرج النبي غداة وعليه مرط مرجّل من شعر أسود وجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين بن علي فأدخله، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً)(3) .

وروى إمام الحنابلة في مسنده نزول الآية في شأن الخمسة الطاهرة، فمن أراد فليرجع إلى مظانّه(4) .

إلى غير ذلك من الآيات النازلة في حقّ أهل البيت .

أفيصحّ لنا الحكم باسلام من يكفّر ويبغض ويقاتل من طهّره الله في نصّ كتابه، ومحكم ذكره؟

ولأجل ذلك فالمحكّمة الاُولى محكومون بالكفر والنفاق وإن افترضنا أنّهم اكتفوا بانكار التحكيم فقط، ولم يستعرضوا المسلمين بالسيف ولم يقتلوا النساء ولا الأطفال ولاكفّروا المسلمين .

وفي كلمات أئمّة أهل بيت اشارة إلى هذا النوع .


1. المبرّد: الكامل 2/142 .
2. الأحزاب: 33 .
3. مسلم: الصحيح 7/130 .
4. أحمد بن حنبل: المسند: 4/107 و 6/292، 296 و 323 .


(236)

كان عبدالله بن نافع بن الأزرق يقول: لو عرفت أنّ بين قطريها أحداً تبلغني إليه الإبل يخصمني بأنّ عليّاً ـ عليه السَّلام ـ قتل أهل النهروان وهو غير ظالم، لرحلتها إليه، فقيل له: إئت ولده محمّد الباقر ـ عليه السَّلام ـ فأتاه فسأله، فقال بعد كلام: الحمد لله الذي أكرمنا بنوبّته، واختصّنا بولايته، يامعشر أولاد المهاجرين و الأنصار من كان عنده منقبة في أمير المؤمنين، فليقم وليحدّث، فقاموا ونشروا من مناقبه فلمّا انتهوا إلى قوله: لاُعطينّ الراية غداً رجلا يحبّه الله ورسوله ويحبّ الله ورسوله، سأله أبو جعفر عن صحّته فقال: هو حقّ لاشكّ فيه، ولكن عليّاً أحدث الكفر بعد.

فقال أبو جعفر ـ عليه السَّلام ـ : أخبرني عن الله أحبّ علي بن أبي طالب يوم أحبّه وهو يعلم أنّه يقتل أهل النهروان، أم لم يعلم، إن قلت: لا، كفرت، فقال: قد علم، فقال: فأحبّه على أن يعمل بطاعته أم على أن يعمل بمعصيته؟ قال: على أن يعمل بطاعته، فقال أبو جعفر: قم مخصوماً، فقام عبدالله بن نافع ابن الأزرق وهو يقول: حتّى يتبّين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود، اللهُ يَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَه (1) .

روى الشريف المرتضى عن الشيخ المفيد: أحبّ الرشيد أن يسمع كلام هشام بن الحكم مع الخوارج، فأمر بإحضار هشام بن الحكم وإحضار عبدالله بن يزيد الاباضيّ(2) وجلس بحيث يسمع كلامهما ولايرى القوم شخصه، وكان بالحضرة يحيى بن خالد، فقال يحيى لعبدالله بن يزيد: سل أبا محمّد ـ يعني هشاماًـ عن شيء، فقال هشام: لا مسألة للخوارج علينا، فقال


1. ابن شهر آشوب: مناقب آل آبي طالب: 2/289 كما في البحار 10/158 .
2. ترجمه ابن حجر في لسان الميزان 3 / 387 بقوله: عبدالله بن يزيد الفزاري الكوفي المتكلّم، ذكره ابن حزم في النحل: انّ الاباضية من الخوارج أخذوا مذهبهم عنه .


(237)

عبدالله بن يزيد، وكيف ذلك؟ فقال هشام: لأنّكم قوم قد اجتمعتم معنا على ولاية رجل وتعديله والإقرار بإمامته وفضله، ثمّ فارقتمونا في عداوته والبراءة منه، فنحن على إجماعنا وشهادتكم لنا، وخلافكم علينا غير قادح في مذهبنا، ودعواكم غير مقبولة علينا، إذ الاختلاف لايقابل الاتّفاق، وشهادة الخصم لخصمه، مقبولةٌ، وشهادته عليه مردودة.

قال يحيى بن خالد: لقد قرَّبت قطعه يا أبامحمّد، ولكن جاره شيئاً، فإنّ أمير المؤمنين أطال الله بقاءه يحبّ ذلك، قال: فقال هشام: أنا أفعل ذلك، غير أنّ الكلام ربّما انتهى إلى حدّ يغمض ويدق على الأفهام، فيعاند أحد الخصمين أو يشتبه عليه، فإن أحبّ الإنصاف فليجعل بيني وبينه واسطة عدلا، إن خرجت عن الطريق ردَّني إليه، وإن جار في حكمه شهد عليه، فقال عبدالله بن يزيد: لقد دعا أبومحمّد إلى الإنصاف، فقال هشام: فمن يكون هذه الواسطة؟ وما يكون مذهبه؟ أيكون من أصحابي، أو من أصحابك، أو مخالفاً للملّة أو لنا جمعياً؟ قال عبدالله بن يزيد: اختر من شئت فقد رضيت به، قال هشام: أمّا أنا فأرى أنّه إن كان من أصحابي لم يؤمن عليه العصبيّة لي، وإن كان من أصحابك لم آمنه في الحكم عليَّ، وإن كان مخالفاً لنا جميعاً لم يكن مأموناً عليّ ولا عليك، ولكن يكون رجلا من أصحابي، ورجلا من أصحابك، فينظران فيما بيننا ويحكمان علينا بموجب الحقّ ومحض الحكم بالعدل، فقال عبدالله بن يزيد: فقد أنصفت يا أبامحمّد، وكنت أنتظر هذا منك.

فأقبل هشام على يحيى بن خالد فقال له: قد قطعته أيّها الوزير، ودمّرت (1) على مذاهبه كلّها بأهون سعي، ولم يبق معه شيء، واستغنيت عن مناظرته، قال: فحرّك الرشيد الستر، فأصغى يحيى بن خالد فقال له: هذا متكلّم الشيعة وافق


1. دمّر عليه: هجم عليه هجوم الشر. دمّر عليه: أهلكه .


(238)

الرجل موافقة لم تتضمّن مناظرة، ثمّ ادّعى عليه أنّه قد قطّعه وأفسد عليه مذهبه، فمره أن يبيّن عن صحّة ما ادّعاه على الرجل، فقال يحيى بن خالد لهشام: إنّ أمير المؤمنين يأمرك أن تكشف عن صحّة ما ادّعيت على هذا الرجل، قال: فقال هشام رحمه الله: إنّ هؤلاء القوم لم يزالوا معنا على ولاية أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ حتّى كان من أمر الحكمين ماكان، فأكفروه بالتحكيم وضلّلوه بذلك، وهم الّذين اضطرّوه إليه، والآن فقد حكّم هذا الشيخ وهو عماد أصحابه مختاراً غير مضطرّ رجلين مختلفين في مذهبهما: أحدهما يكفّره، والآخر يعدّله، فإن كان مصيباً في ذلك فأمير المؤمنين أولى بالصواب، وإن كان مخطئاً كافراً فقد أراحنا من نفسه بشهادته بالكفر عليها، والنظر في كفره وإيمانه أولى من النظر في إكفاره عليّاً ـ عليه السَّلام ـ قال: فاستحسن ذلك الرشيد و أمر بصلته وجائزته(1) .

إنّ عداء القوم بالنسبة إلى الإمام أمير المؤمنين كانت ظاهرة في كتب أوائلهم، هذا هو محمّد بن سعيد الكدمي أحد علماء المذهب الاباضي بعمان، حتى لُقّب بإمام المذهب في القرن الرابع الهجري يذكر عليّاً في كتابه ويقول:

«إنّ علي بن أبي طالب استخلف على الناس، ونقض عهد الله وحكم في الدار غير حكم كتاب الله، وقتل المسلمين وسار بالجور في أهل رعيّته، فعلى الذي قد صحّت منه سعادة عليّ بن أبي طالب أن يتولّى لله علي بن أبي طالب على سفكه لدماء المسلمين وعلى تحكيمه في الدماء غير حكم كتاب الله، وسيرته القبيحة، لا يحلّ له الشك في ولايته، وعليه أن يبرأ لله من باطله ومن سفك دمه إن قدر على ذلك، وليس له أن ينكر على المسلمين


1. الشريف المرتضى: الفصول المختارة 1/26 .


(239)

البراءة منه» (1) .

وهذا هو ابن سلاّم الاباضي المتوفّى بعد عام 273 يقول: «وحكّموا الحكمين خلافاً لكتاب الله، وحكّموا الحكمين في أمر قضاه الله، واختلفت الاُمّة وتفرّقت الكلمة، وصار الناس شيعتين مفترقتين، وظهر أهل الباطل من أصحاب معاوية على أهل الحق، فاختفى المسلمون بالحقّ الذي تمسّكوا به فاختلفت عليهم كلمة المختلفين، يقتلونهم على دين الله الحنيف والملّة الصادقة ( مِلَّةَ إبْراهيِمَ حَنيِفاً وَ ما كانَ مِنَ المُشْرِكينَ )(2). يبصّرون الناس دينهم في السرّ ويصبرون في الله على الأذى والقتل، واحتقروا ذلك في ذات الله» (3) .

ياليت ابن سلاّم يشير إلى الذين حكّموا الحكمين خلافاً لكتاب الله، إلى الذين فرضوا التحكيم على الإمام المفترض طاعته في أمر قضاه الله. أو ليس هؤلاء أشياخه وأولياءه الذين كانوا مقنّعين في الحديد يدعون إمامهم باسم عليّ لابإمرة المؤمنين، ويقولون: «أجب القوم إلى كتاب الله وإلاّ قتلناك كما قتلنا ابن عفان» .

إنّ الكاتب نسى أو تناسى الجرائم المريرة التي ارتكبتها المحكّمة الاُولى حين تنقّلهم من حروراء إلى النهروان. فكان الأولى له التنويه بذلك، لكّنه شطب على هذه الحقائق التاريخية بقلم عريض، وإلى الله المشتكى .

يقول بعض فقهائهم في مسألة «الولاية والبراءة» .

فإن قالوا: فما تقولون في علي بن أبي طالب؟ قلنا له: إنّ علي بن أبي طالب مع المسلمين في منزلة البراءة .


1. الكدمي ـ محمّد بن سعيد: المعتبر 2/41 .
2. البقرة: 135 .
3. ابن سلام الاباضي: بدء الاسلام وشرائع الدين 106 .


(240)

فإن قال: من أين وجبت عليه البراءة وقد كان إماماً للمسلمين وهو ابن عم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وختنه (1)، مع فضائله المشهورة وقتاله بين يدي النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ المشركين؟

قلنا له: أوجبنا عليه البراءة من وجوه شتّى، أحدها أنّه ترك الحرب التي أمر الله بها للفئة الباغية قبل أن تفئ إلى الله، و أحدها تحكيم الحكمين في دماء المسلمين وفيما لم يأذن الله به المضلّين الذين كان النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ يحذّرهما ويخوّفهما أصحابه.

وأحدهما بقتله أهل النهروان وهم الأفضلون من أصحاب النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وهم الأربعة آلاف رجل من خيار الصحابة رحمهم الله. والأخبار بذلك تطول ويضيق بها الكتاب ويتّسع بها الجواب ولم نعدّ كتابنا هذا لشرح جميع أخبارهم، وإنّما أردنا أن نلوّح لكم ونذكر بعض الذي كان من أحداثهم، لتكونوا من ذلك على علم ومعرفة لتعلموا ضلال من ضلّ وخالف وشغب عليكم وبالله التوفيق.

فإن قالوا: فما تقولون في طلحة بن عبيدالله والزبير بن العوام؟ قلنا له: إنّهما عند المسلمين بمنزلة البراءة.

فإن قال: من أين وجبت عليهما البراءة؟ قلنا له: بخروجهما على علي بن أبي طالب والمسلمين وطلبهما بدم عثمان بن عفان بإرادتهما إزالة علي بن أبي طالب عن إمامته، وقالا: حتى يكون الأمر شورى بين المسلمين يختارون لأنفسهم إماماً غيره، بعد رضائهما به وبيعتهما له وأعطيا صفقة أيديهما (2) على طاعة الله وطاعة رسوله وعلى قتال من خرج يطلب بدم


1. الختن: الصهر، زوج الابنة، والجمع: أختان .
2. صفقة الأيدي تعني توكيد البيعة .


(241)

عثمان بن عفان .

فإن قال: فما تقولون في الحسن والحسين ابني علي؟ قلنا له: هما في منزلة البراءة، فإن قال: من أين أوجبتم عليهما البراءة وهما ابنا فاطمة ابنة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ؟! قلنا له: أوجبنا عليهما البراءة بتسليمهما الإمامة لمعاوية بن أبي سفيان وليس قرابتهما من رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ تغني عنهما من الله، لأنّ النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ قال في بعض ما أوصى به قرابته: يا فاطمة بنت رسول الله، ويا بني هاشم، اعملوا لما بعد الموت، فإنّي ليس أغني عنكم شيئاً، أو نحو ذلك من الخطاب. فلو كانت القرابة من رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ تغني عن العمل لم يقل ذلك لهم النبي. فهذا نقض لقول من يقول: إنّ القرابة من رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ مغفور لها. وقد وجدنا الله يهدّد نبيه بقوله: (وَ لِوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ* لاََخَذْنا مِنْهُ بِالَْيمينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الوَتِينَ * فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَد عَنْهُ حاجِزِينَ)(1). فقد بطل ما خاصمت به أيّها الخصم واحتججت به من قبل القرابة للنبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ (2) .

إنّ الخوارج في مصطلح القوم مفهوم سياسي وفي الوقت نفسه مفهوم ديني، فيراد من الأوّل خروجهم عن طاعة الإمام المفترض طاعته، ويحكم عليهم بما يحكم على البغاة، ويراد من الثاني خروجهم من الدين والملّة، وصيرورتهم كفّاراً.

وعلى كلا المفهومين، فالمحكّمة الاُولى خوارج، حيث خرجوا عن


1. الحاقة: 44 ـ 47 .
2. السير والجوابات لبعض فقهاء الاباضية: تحقيق الاستاذة الدكتورة «سيدة إسماعيل كاشف، استاذة التاريخ الاسلامي في كلية البنات جامعة عين شمس; القاهرة ط 1410 هـ ـ 1989 م، ص 375 ـ 377.


(242)

طاعة الإمام وبقوا عليه في أثناء المعركة، وخارجون عن الدين حيث أبغضوا من بغضه نفاق وكفر وحبّه دين وإيمان.

وقال عمر أبوالنظر:

وتعاليم الخوارج منذ ظهورهم مزيج من السياسة والدين، فشعارهم «الحكم لله» شي يمتزج بالدين والسياسة معاً، فلا يصحّ والحالة هذه أن يقال: إنّ دعوتَهم هذه كانت دينيّة محضة أو سياسية محضة، وظلت دعوتهم بسيطة حتى خلافة عبدالملك بن مروان حيث خرجوا فيها كثيراً عن التعاليم الجديدة، وذهبوا يتأوّلون الأحكام الدينية تأويلا فيه كثير من الاغراق و التعقيد، فقالوا: إنّ العمل بأوامر الدين من الايمان، فمن اعتقد التوحيد والرسالة وارتكب الكبائر فهو كافر(1) .

هذا ما يرجع إلى المحكّمة الاُولى ومن جاء بعدهم من الأوائل المنتمين إلى الاباضية .

وأمّا اباضية اليوم المنتشرة في عمان والمغرب العربي أعني ليبيا والجزائر وتونس وكذلك مصر، فلم يظهر لنا من كتبهم المنتشرة اليوم إلاّ تخطئة التحكيم وتصويب المحكّمة الاُولى من دون نصب عداء للوصيّ أو بذاءة في اللسان بالنسبة إليه ـ إلا ما نقلناه أخيراً ـ فلايمكن الحكم في حقّهم إلاّ بالمقدار الذي ظهر لنا ولكن لايمكن الوثوق به لأنّ للقوم في الدين مسالك أربعة، منها مسلك الكتمان كما سيوافيك توضيحه عند البحث عن التقّية، فإنّ القوم من أصحابها ومجوّزيها والعاملين بها طيلة قرون، وفي ظلّها عاشوا ومهّدت لهم الطريق، وقامت لهم دول في عمان، وفي أقصى المغرب العربي .


1. عمر أبو النضر: الخوارج في الإسلام 102 .


(243)

نظرية اُخرى في مفهوم الخوارج :

المتبادر من الخوارج لدى المسلمين هو المحكّمة الاُولى الذين ثاروا على عليّ في ثنايا حرب صفّين وخرجوا عن الطاعة بوجه وعن الدين بوجه آخر، غير أنّ بعض الاباضيين في العصر الحاضر يفسّره بالخروج عن الدين ويصّر على أنّ المراد منه هو أصحاب الردّة بعد وفاة رسول الله أو الثورات الاُخرى التي وقعت إلى انتهاء خلافة الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ (1) .

قال علي يحيى معمر:

«كان الأمويّون والشيعة يحاولون بكل ما استطاعوا أن يلصقوا هذا اللقب لقب الخوارج ـ بعد أن فسّر بالخروج من الدين ـ بهؤلاء الثائرين الذين ينادون في اصرار وشدّة بالمبادىء العادلة في الخلافة، وكان الشيعة يحاولون بما اُوتوا من براعة أن يحصروها في بيت علي، كما كان غير هم من الطامعين فيها، يشترط لها الهاشمية أو القرشية أو العروبة، حسب المصلحة السياسية لأصحاب الآراء في ذلك الحين، وكلّ هذه الاّتجاهات تجتمع على محاربة الاّتجاه الذي اتجه إليه أتباع عبدالله بن وهب الراسبي. ذلك الاّتجاه العادل الذي يرى أن ّ المسلمين متساوون في الحقوق والواجبات. ( إنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أتْقاكُم). «لا فضل لِعربيّ على أعجميّ إلاّ بالتقوى» .

يلاحظ عليه:

أنّ النبيّ الأكرم لم يتكلّم عن الخوارج بوصف كلّي وإنّما عيّن إمامهم وأشار إلى قائدهم، وقد رواه المحدّثون في صحاحهم ومسانيدهم وأطبق على نقله الفريقان، فلا يمكن لمحدّث واع انكاره، ولا التشكيك في صحّة أسانيده، فما ظنّك بحديث رواه البخاري ومسلم وابن ماجة وأحمد بن حنبل وغيرهم،


1. علي يحيى معمر: الاباضية في موكب التاريخ، الحلقة الاُولى 27 .


(244)

ولأجل ايقاف القارىء على نصّ الرواية نذكرها عن تلك المصادر ونشير إلى محلّها:

1 ـ روى البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: بينا النبي يقسّم ذات يوم قسماً، فقال ذو الخويصرة ـ رجل من بني تميم ـ: يا رسول الله أعدل. قال: ويلك! من يعدل إذا لم أعدل؟ فقال عمر: إئذن لي فلأضرب عنقه؟ قال: لا إنّ له أصحاباً يحقّر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم. يمرقون من الدين كمروق السهم من الرميّة ينظر إلى نصله (1) فلايوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيّه (2) فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى قذذه (3) فلا يوجد فيه شيء سبق الفرث والدم، يخرجون على حين فرقة من الناس آيتهم رجل إحدى يديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدردر(4). قال أبو سعيد: أشهد لسمعته عن النبي وأشهد أنّي كنت مع عليّ حين قاتلهم فالتمس في القتلى فأتى به على النعت الذي نعت النبي (5) .

ورواه بنصّه بلا تفاوت مسلم في صحيحه (6) .

2 ـ روى ابن ماجة عن جابر بن عبدالله، قال: كان رسول الله بالجعرانه، وهو يقسّم التبر و الغنائم، وهو في حجر بلال، فقال رجل: أعدل يا محمّد، فإنّك لم تعدل، فقال: ويلك ومن يعدل بعدي إذا لم اعدل؟ فقال عمر: دعني يا رسول الله حتى أضرب عنق هذا المنافق؟ فقال رسول الله: إنّ هذا في


1. هي عصية تلوى فوق مدخل النصل .
2. هو القدح في عود السهم .
3. جمع القُذّة وهي ريش السهم .
4. تضطرب وتتحرك.
5. البخاري: الصحيح 8/70 رقم الحديث 186 من باب ما جاء في قول الرجل ويلك.
6. مسلم: الصحيح 3/112 طبعة محمّد على صبيح .


(245)

أصحاب أو اصيحاب له يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة(1) .

والرسول وإن لم يسمّ الرجل أو لم يجيء اسمه في الرواية، ولكن علم المقصود منه بفضل الروايتين السابقتين.

3 ـ روى أحمد بن حنبل في مسنده بالنصّ الذي رواه البخاري ومسلم بتفاوت طفيف في آخره، حيث جاء فيه: رجل أسود في إحدى يديه أو قال إحدى ثدييه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر، يخرجون على حين فترة من الناس فنزلت فيهم:(وَ مِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ...)ثم نقل ما ذكره أبوسعيد من سماعه عن رسول الله و مشاهدته في عصر عليّ(2) .

كيف يفسّر حديث ذي الخويصرة بأصحاب الردّة، فقد أشار النبيّ الأكرم إليه، وقال: «سيخرج من ضئضىء هذا الرجل قوم يمرقون من الدين...» ولم يكن هو من أصحاب الردّة، بل كان من المحكّمة الاُولى. كيف يفسرّ هذا المفهوم بالثورات التي وقعت إلى انتهاء خلافة الإمام عليّ ـ عليه السَّلام ـ مع أنّ النبي الأكرم قال: أنت يا علي قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، ولم يقاتل الإمام بعد أصحاب الجمل (الناكثين) وأصحاب معاوية (القاسطين) إلاّ المحكّمة الاُولى.

أظنّ انّ هذه الاستدلالات الواهية أشبه بتمسّك الغريق بالطحلب، فالأولى على علماء الاباضية المفكّرين، والعائشين في عصر ظهرت البواطن، وطلعت الحقائق، وانقشع غمام الجهل عن سماء المعرفة، أن يعرضوا عقائدهم على الكتاب والسنّة، وعلى المقاييس الصحيحة من الاجماع و


1. أبو عبدالله بن ماجة (207 ـ 275 هـ): السنن 1/171 الباب 12، باب في ذكر الخوارج .
2. أحمد بن حنبل: المسند 3/56. وسيوافيك مجموع ما رواه اهل السنّة عن النبي والصحابة والتابعين في آخر الكتاب فانتظر .


(246)

العقل، فلربّما عادوا إلى الطريق المهيع، وتنكّبوا عن سبيل الغواية، فلهم أن يعملوا بما وصل إليهم من الكتاب والسنّة في ضوء الاجتهاد الصحيح، ويجدّدوا النظر في مسألة التحكيم كما لهم أن يجدّدوا النظر في حق المحكّمة، وربّما اختاروا طريقاً واضحاً لاتعصّب فيه ولا تساهل .

( وَ لَوْ أنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ واَشدٌّ تثبيتاً)

***)


(247)

الفصل العاشر

عقائد الاباضية واُصولهم الثمانية


(248)


(249)

إنّ الاباضية تشترك مع سائر فرق الخوارج في أمرين بلاشك ولاشبهة، ولا يمكن لأحد منهم انكاره .

1 ـ تخطئة التحكيم .

2 ـ عدم اشتراط القرشية في الإمام .

وفي ظل الأصل الأوّل يوالون المحكِّمة الاُولى كعبدالله بن وهب الراسبي وحرقوص بن زهير السعدي وغيرهما، ولأجل الأصل الثاني، اعترفوا بإمامة عبدالله بن وهب الراسبي ومن جاء بعده من المحكِّمة .

ثمّ إنّ لهم اُصولا خاصّة يتميّزون بها عن أهل السنّة (الأشاعرة) وإن كانوا يلتقون فيها مع غيرهم، فتجب علينا دراسة تلك الاُصول التي يعتقدون بها، وربّما يكون بعضها أصلا لامعاً ورصيناً يدعمه الكتاب والعقل .

1 ـ صفات الله ليست زائدة على ذاته:

إذا كانت الأشاعرة قائلة بأنّ صفات الله تعالى غير ذاته، وكان المنسوب إلى الماتريدية من أهل السنّة انّ الصفات ليست شيئاً غير الذات، فهي ليست


(250)

صفات قائمة بذاتها ولا منفكّة عن الذات فليس لها كينونة مستقلّة عن الذات، فهذا هو ما يقوله الاباضية في الصفات أيضاً، وربّما يلتقي الاباضية والماتريدية في هذه المسألة حتى في التعبير واختيار الكلمات(1) .

إنّ البحث عن الصفات من أهم المسائل الكلامية، فقد طال النقاش فيها قروناً، وأوّل من أصحر بالحقيقة، وصوّر التوحيد بأعلى مظاهره هو الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ فنفى زيادة صفاته على ذاته، وإنّه عين ذاته، لا بمعنى نفي صفاته، تعالى عنه علوّاً كبيراً، بل بمعنى أنّ الذات بلغت من الكمال والعلو مرتبة صارت نفس العلم، والقدرة، والحياة، وليس هناك صفات قديمة وراء الذات حتى يناقض التوحيد ويكون هناك قدماء كثيرة وراء الذات، وكون العلم والقدرة والحياة فينا اُموراً قائمة بالمادة أو بالموضوع، لايكون دليلا على كونها كذلك في جميع المراتب، إذكما أنّ من العلم ممكناً، فكذا منه واجباً، فلولم يكن الممكن قائماً بالذات، فلايكون دليلا على كونه كذلك عند ما كان واجباً، والحكم بالتوحيد وانّه لاواجب سواه، يجرّنا إلى القول بعينية صفاته مع ذاته، وقد أوضحنا الحال فيها في الجزء الثالث من هذه الموسوعة عند البحث عن عقائد المعتزلة، ولايبعد أن يتأثّر الخوارج في هذه المسألة بالمعتزلة كما أنّ المعتزلة اخذت هذا الأصل من خطب الإمام أميرالمؤمنين وكلماته، بل لايبعد أن يكون الجميع قد أخذوا من الإمام أميرالمؤمنين ـ عليه السَّلام ـ .

والعجب انّ هذه النقطة من النقاط الوضّاءة في عقائد الاباضية، مع أنّهم لايركّزون على ذلك الأصل خوفاً من مخالفة الأشاعرة، وطفقوا يبحثون بين الكتب الإسلامية حتى يجدوا موافقاً لهم من أهل السنّة حتى استبان لهم أنّ الماتريدية من أهل السنّة يوافقونهم .


1. علي يحيى معمر: الاباضية بين الفرق الإسلامية 1/295 .


(251)

إنّ الرجل الواعي الطالب للحقيقة لا يخاف من لومة لائم، ولا من مخالفة فئة، فكان على الاباضية أن يرفعوا علم المخالفة في هذه المسألة، وفي مسألة الرؤية، وخلق القرآن، ويندّدوا بالمخالفين سواء أكانوا من السنّة أو غيرهم، فالحق أحق أن يتّبع، كيف يصحّ لموحّد أن يقيس الواجب بالممكن فيصوّر له ذاتاً وصفة قائمة بها، ويحكم بالتعدّد ويخرج في النتيجة بالقدماء الثمانية ثمّ يدّعي التوحيد ويخطّىء النصارى القائلين بالتثليث.

ثمّ إنّ من يرى أنّ مرجع عينية الصفات إلى نفي حقائقها عن ذاته، (كما عليه الزنادقة) رأي باطل صدر ممّن لاقدم له في المباحث العقلية، وليس له مصدر إلاّ قياس الممكن بالواجب، فإذا رأى أنّ القول بالعينيّة ينتج نفيها في الممكنات، عاد يخطّىء القائل بالعينيّة في الواجب بأن معناها نفي حقائقها عن ذاته سبحانه .

2 ـ امتناع رؤية الله سبحانه في الآخرة:

إنّ امتناع رؤية الله سبحانه من الاُصول التي استقاها الوعاة من المسلمين من القرآن الكريم وخطب سيّد الموحّدين أميرالمؤمنين ـ عليه السَّلام ـ إذ قال عزّ من قائل: ( لا تُدْرِكَهُ الأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ)(1).

وهذا الأصل أيضاً من الاُصول اللامعة في عقائد الاباضية، والأسف انّ الكُتّاب المتأخّرين منهم يُقلِّلون من أهمية هذا الأصل، توخّياً لتقريب عقائدهم من أهل السنّة. حتى أنّ علي يحيى معمَّر يُعَنْوِنُ المسألةَ بقوله: هل رؤية الباري جلّ وعلا في الآخرة ممكنة؟ والعنوان يحكي عن وجود ترّدد وشك في نفس الكاتب، ولا أقل يطرح المسألة على شكل غير قطعي وعلى خوف ووجل،


1. الأنعام: 103 .


(252)

وليس كتابه كتاباً دراسياً يطلب فيه طرح المسائل على وجه السؤال والاستفهام.

ثمّ إنّه يكتب: قد كان في الرؤية طرفان متطرّفان ووسط معتدل هوكان اللقاء بين المذهبين، وذلك إنّ طرف الاثبات يبالغ حتى يصل به التطرّف إلى حدّ التشبيه والتمثيل والتحديد، وطرف النفي يبالغ حتّى يصل به التطرّف إلى حد نفي حصول كمال العلم، وبينهما يقف أصحاب التحقيق في الجوانب المتقاربة التي تلتقي في المعنى الواحد لقاءً كاملا أو لقاءً متقارباً، وهذه الصورة تتمثّل فيما ذهب إليه بعض علماء أهل السنّة من أنّ الرؤية معناها حصول كمال العلم بالله تبارك وتعالى، وعبَّر عنها آخرون منهم بأنّ الرؤية تقع بحاسّة سادسة هي كمال العلم، واختلفت تعابير الكثير منهم ولكنّها تتلاقى في النهاية على نفي كامل الصورة التي يتخيّلها الإنسان لصورة راء ومرئىّ وما تستلزمه من حدود وتشبيه، وتتّفق في النهاية على الابتعاد عمّا يشعر بأيّ تشبيه في أيّ مراتبه، وبالمحدودية في أيِّ أشكالها، وليس لنا أن نخوض فيه بغير القدر التي جاءت به النصوص .

والمعتدلون من الاباضية لايمنعون أن يكون معنى الرؤية هو كمال العلم به تعالى ويمنعون الرؤية بالصورة المتخّيلة عند الناس(1) .

عزب عن الكاتب انّ محلّ النزاع من القرن الأوّل إلى القرون المتأخّرة ليس إلاّ الرؤية بالأبصار لابحاسّة سادسة سمّاها كمال العلم، فإنّ القائلين بالرؤية يستندون إلى ما رواه البخاري وأمثاله من أنّ النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ قال: «إنّكم ترون ربّكم كما ترون القمر ليلة البدر غير متضامّين»، فليس للمحقّق الكلامي إلاّ موافقة هذا الأصل أو طرده من الرأس، فاللجوء إلى الرؤية بحاسّة سادسة بمعنى كمال العلم تفسير بأمر بائن وخروج عن محطّ البحث .


1. علي يحيى معمِّر: الاباضية بين الفرق الإسلامية 1/291 ـ 292 .


(253)

وأظن وظن الألمعي يقين انّ الكاتب توخّياً لإيجاد القرب بين الاباضية وأهل السنّة تنازل إلى حدّ غير مطلوب، ولم يقم بالدفاع عن مذهبه بحماس.

نعم قد أحسن في المقام صالح بن أحمد الصوافي، فقد طرح المسألة بشكل رصين، ودفع شبهة القائلين في المقام،ترى أنّه قام بتفسير قوله سبحانه:( )وُجُوهٌ يَوْمَئذ ناضِرَةٌ * إلى رَبِّها ناظِرَةٌ))(1)، الذي هو من أهم أدلّة القائلين بالرؤية، فقال:

«

أوّلا: النظر في اللغة غير الرؤية، ولذا يقال: نظرت إلى الهلال فلم أره، ولايصحّ أن يقال رأيته فلم أره، واطلاقه على الرؤية مجاز، لايصحّ إلاّ لقرينة، والعدول عن الحقيقة إلى المجاز خلاف الظاهر .

ثانياً: إنّ سياق الآية دال على انتظار رحمة الله تعالى بدليل أنّه عطف عليها قوله: ( وَ وَجُوهٌ يَوْمَئِذ باسِرَةٌ * تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بَها فاقِرَةُ )(2) فلو فسّر النظر في الآية بالرؤية لارتفعت المناسبة بين الجملتين ولتداعى بناؤها واختلّ نظمها، إذ لامناسبة بين عيون رائية ربّها ووجوه باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة(3) .

ثالثاً: إنّ النظر في الآية انتظار ما لهم عند الله من الثواب، ومنه قول الشاعر:

فإن يك صدر هذا اليوم ولّى * فإنّ غداً لناظره قريب

وقول الآخر:

كلّ الخلائق ينظرون سجاله * نظر الحجيج إلى طلوع هلال


1. القيامة: 22 ـ 23 .
2. القيامة: 24 ـ 25 .
3. صالح بن أحمد الصوافي: الإمام جابر بن زيد العماني: 238 وقد أوضحنا هذا الوجه في الجزء الثاني من هذه الموسوعة (لاحظ ص 202 ـ 208) .


(254)

وقول الآخر:

وكنّا ناظريك بكل فجّ * كما للغيث ينتظر الغماما

وقال امرؤ القيس:

وقد نظرتكم أعشى بخامسة * للورد طال بها حبّي وتبساسي(1)

***

3 ـ القرآن حادث غير قديم:

إنّ المترقّب من الأباضية الذين رفضوا القشرية، وخضعوا للعقل، أن يكون موقفهم في خلق القرآن موقف العدلية ويصرّحوا بأنّ القرآن مخلوق لله سبحانه وحادث بعد أن لم يكن، لكونه حادثاً ومخلوقاً لله سبحانه غير أنّ الظاهر من بعض كتّابهم أنّهم يتحرّجون من التصريح بخلق القرآن وإن كانوا بعداء عن القول بكونه قديماً غير مخلوق. وننقل في المقام نصّين من كتّابهم، حتى تلمس الحقيقة .

1 ـ يقول الدكتور رجب: وبالنسبة لمشكلة خلق القرآن نراهم يقفون أمام هذا القول الذي فرضه المأمون على العالم الإسلامي فرضاً بتأثير من المعتزلة، ممّا أدّى إلى تمزيق وحدة الاُمّة الفكرية، وإلى اضطهاد كثير من العلماء والفقهاء، ولذلك توقّف العمانيون عن القول بخلق القرآن، وقالوا في صراحة واضحة في واحد من أهمّ كتبهم الفقهية: «لا يلزم الناس معرفة هذه المسألة» وكتب أبو عبدالله القلهاتي الذي عاش في القرن الرابع للهجرة ـ العاشر للميلاد ـ أكثر من عشرين صفحة في مناقشة القول بخلق القرآن والردّ على من قال بذلك، كما كتب أحمد بن نظر العماني الذي عاش في القرن الخامس للهجرة


1. المصدر نفسه، وقد اغرق نزعاً في التحقيق في اثبات القول الحق وتنزيهه، والتبساس: هو الشوق الشديد.


(255)

ـ الحادي عشر للميلادـ في كتابه دعائم الإسلام خمسة وسبعين بيتاً من الشعر، فندّد القول بهذه المسألة واستنكرها كل الاستنكار. وفي العصر الحديث نجد الشيخ نورالدين السالمي يعبّر عن هذا الموقف قائلا: «إنّ الأشياخ توقّفوا عن اطلاق القول بخلق القرآن وأمروا بالشدة على من أطلق القول في هذه المسألة، حتى لايفتتن الناس في دينهم» (1).

ترى في هذا الكلام التناقض، فبينما ينقل عن بعضهم الرد على من قال بخلق القرآن ينقل عن الأشياخ انّهم توقّفوا عن اطلاق القول بخلق القرآن، وأمروا بالشدّة على من أطلق القول في هذه المسألة .

لاشكّ إنّ القرآن ليس بمخلوق أي ليس بمختلق للبشر كما قال سبحانه حاكياً عن بعض المشركين: ( إنْ هذا إلاّ قَوْلُ البَشَرِ)(2) ولكنّه مخلوق لله سبحانه، إذ لايتجاور كون القرآن فعله، وفعله كلّه حادث غير قديم، وإلاّ يلزم تعدّد القدماء وأما علمه سبحانه بما في القرآن من المضامين والمعارف والحوادث فلاشك إنّه قديم، وهو غير كلامه .

فاللائق بمن يصف نفسه بأنّه أهل تقييد لاتقليد أن يصرّح بموقفه في مسألة خلق القرآن، اللّهم إلاّ إذا كان موجباً للفتنة أو كانت عقول الناس بعيدة عن درك الحقيقة، فحينئذ الأولى عدم البحث والطرح .

ونؤكّد من جديد أنّ القول بعدم قِدم القرآن هو من الاُصول الوضّاءة في عقائد الاباضية، وهم في الاعتقاد بها عيال على المعتزلة، فاللائق بالكاتب الواعي أن يجهر بالحق ويحدّد محل النزاع، وياللأسف انّ بعضهم ـ مثل الكاتب السابق ـ بدل أن يخرج من المسألة مرفوع الرأس، ويحقّقها على ضوء


1. الدكتور رجب محمّد عبدالحليم: الأباضية في مصر والمغرب: 70 ـ 71 .
2. المدثر: 25 .


(256)

القرآن والعقل، طفق يطلب من يقول بكون القرآن مخلوقاً من بين أهل السنّة .

2 ـ يقول علي يحيى معمّر: إنّ من علماء أهل السنّة من يقول دون تحرّج أو احتراز:«القرآن مخلوق» فقد ذكر الخطيب البغدادي من طرق متعدّدة عن أبي يوسف انّ أبا حنيفة كان يقول: القرآن مخلوق، أمّا أبو منصور الماتريدي، فقد كان يقول: إنّه محدث، ولم يحفظ عنه أنّ قال: مخلوق، وقد كان أبو النضر العماني من أئمّة الاباضية يقول: إنّ القرآن غير مخلوق، وأنكر انكاراً شديداً على من يقول بخلق القرآن، وذهب القطب من أئمّة الاباضية انّ هذه المسألة ليست من الاُصول، وقال أبو إسحاق طفيش: إنّ الخلاف فيها لفظي، وهذا القدر كاف للدلالة على اللقاء بين المذهبين، ويكفي أن يلتقي المسلمون على حقيقتين في هذا الموضوع: هي أنّ الله تبارك و تعالى سميع بصير متكلّم وانّ القرآن الكريم كلام الله عزّوجلّ أنزله على رسوله(1) .

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره ناش من توخّي ايجاد اللقاء بين المذهبين: الأشاعرة والاباضية، فلأجل ذلك ذهب ليجد من أهل السنة من يقول بأنّ القرآن مخلوق، ومن أئمّة الاباضية من يقول: بأنّ القرآن غير مخلوق، وهذا يعرب عن أنّه لم يتّخذ الكاتب في هذا الموقف رأياً حاسماً أوليس للأباضية فيه رأي جازم، مع أنّ المنقول منهم كونه حادثاً أو غير قديم أو مخلوقاً بمعنى أنّه أنزله الله سبحانه وأوجده من العدم .

فكان من الواجب على الكاتب أن يدافع عقيدته وعقيدة طائفته ويطرحها بوضوح ويذبَّ عنها ذبّاً علميّاً تحقيقياً متحرّياً للواقع.

ثمّ إنّ ما ذكره في ذيل كلامه من أنّه «يكفي أن يلتقي المسلمون على أنّ القرآن الكريم كلام الله عزّوجلّ أنزله على رسوله». وإن كان كلاماً صحيحاً،


1. علي يحيى معمرّ: الاباضية بين الفرق الإسلامية 1/291 .


(257)

إذ ليس الاعتقاد بالحدوث والقدم في القرآن من الأصول العقائدية التي يناط بها الإسلام و الكفر، غير أنّه لو كان هذا هو الأصل الثابت في جميع المواقف فليضرب هذا الكاتب الاباضي صفحاً على الأصول التي اتّخذها اُصولا لمذهبه كمسألة التحكيم وولاء المحكّمة الاُولى، أو ليس ذلك أوفق بالتقريب و توحيد الاُمّة وجعلهم صفّاً واحداً في مقابل الأعداء؟

إنّ البحث عن التحكيم و المحكّمة وخلق القرآن وعدمه ومايأتي من الاُصول الاُخرى للاباضية من خلود الفاسق في النار وعدمه، وكونه كافراً كفر النعمة، بحوث علمية يختصّ فهمها بالمحقّقين والوعاة من علماء الإسلام، فالتحيّز إلى هذه الاُصول وجعلها محاور للحقّ والباطل والإسلام والكفر، لايدعمه الكتاب ولا يوافقه العقل، فليكن شعار الجميع ما سمحت به قريحة شاعر الأهرام:

إنّا لتجمعنا العقيدة أمّة * ويُضمّنا دين الهدى أتباعا

ويؤلّف الإسلام بين قلوبنا * مهما ذهبنا في الهوى أشياعا

والحق إنّ الخوارج بالمعنى العام الذي يعمّ الاباضية لم يكن يوم ظهورها إلاّ حزباً سياسيّاً يهدف إلى تخطئة مسألة التحكيم مع عزل علي عن الحكومة والدعوة إلى بيعة رئيس المحكّمة الاُولى عبدالله بن وهب، ولم يكن لهم يومذاك أي شأن في المسائل العقائدية الماضية، ولمّا قضى عليٌ نحبه واستولت الطغمة الغاشمة من الأمويين و المروانيين على منصَّة الحكم، صار الخوارج يكافحون الحكومات، ويصارخون في وجوههم للقضاء عليهم ولم يكن لهم في هذه الأيّام أيضاً إلاّ هذا الأصل، غير أنّ مرور الزمن وتلاقي الخوارج مع المعتزلة وغيرهم من الطوائف الإسلامية، ألجأهم إلى أن يّتخذوا في بعض المسائل موقفاً فكريّاً، فعند ذلك أصبحوا جمعيّة دينية وفرقة كلامية بعد ما كانوا حزباً سياسياً بحتاً


(258)

فتلاقوا في هذه المسائل مع المعتزلة بل تأثّروا بهم كما هو الحال في المسألة التالية، فقد تأثرت الاباضية فيها عن المعتزلة وخالفوا الشيعة وغيرهم من الطوائف الإسلامية.

4 ـ الشفاعة: دخول الجنّة بسرعة:

إنّ مرتكبي الكبيرة عند الاباضية إذا ماتوا بلا توبة، محكومون بالخلود في النار، فلأجل هذا الموقف المسبَّق في هذه المسألة فسّروا الشفاعة بدخول المؤمنين الجنّة بسرعة، وفي الحقيقة خَصُّوها بغير المذنبين من الاُمّة، وهذا التفسير يوافق ما عليه المعتزلة من أنّ الغاية من الشفاعة هو رفع الدرجة لامغفرة الذنوب .

إنّ الشفاعة أمر مسلّم عند جميع المسلمين غير أنّهم اختلفوا في تفسيرها، وهؤلاء كالمعتزلة ذهبوا إلى أنّ شفاعة النبيّ بل شفاعة جميع الشفعاء لاتنال أهل الكبائر متمسّكاً بقوله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ : «ليست الشفاعة لأهل الكبائر من اُمّتي» .

يقول السالبي في كتابه شرح أنوار العقول: «فإن قيل: المؤمنون مستوجبون للجنّة بأعمالهم فلا معنى للشفاعة، فالجواب أنّ الشفاعة لهم هي طلب تنقلهم من المحشر، ودخولهم الجنّة بسرعة»(1) .

يلاحظ عليه: أنّ الشفاعة مسألة قرآنية، وفي الوقت نفسه مسألة روائية وحديثية، فلا يجوز لمسلم الإدلاء برأي إلاّ بعد الرجوع إلى المصدرين الرئيسيّين مجرّداً عن كل رأي، وأمّا تفسيرها على ضوء الرأي المسبق فهو من قبيل التفسير بالرأي الذي حذَّر عنه النبي في الحديث المتواتر عنه و قال: «من


1. صالح بن أحمد الصوافي: الإمام جابر بن زيد العماني: 256، نقلا عن مشارق أنوار العقول: 294 .


(259)

فسّر القرآن برأيه فليتبوّء مقعده من النار»(1) .

إنّ مسألة الشفاعة ليست مسألة جديدة ابتكرها الإسلام وانفرد بها، بل كانت فكرة رائجة بين اُمم العالم من قبل، وخاصّة بين الوثنيين واليهود، فلو ذكرها القرآن فإنّما يذكرها بالمفهوم الرائج عندهم، لا بمفهوم مغاير، فلو أمضاها، فإنّما أمضاها بهذا المفهوم، ولو هذّبها من الخرافات وحدّدها في اطار خاص فإنّما هذّب ذلك المفهوم وحدّده، ومن المعلوم أنّ الشفاعة عندهم إنّما هو لغفران الذنوب لالرفع الدرجة أو سرعة التنقّل إلى الجنّة، ولأجل ذلك كانوا يرجون لصلتهم بالأنبياء حطَّ ذنوبهم، وغفران آثامهم، وكان المتطرّفون منهم يرتكبون الذنوب تعويلا على الشفاعة.

وفي هذا الموقف وردّاً على ذلك التطرّف الباعث للجرأة، يقول سبحانه:( مَنْ ذَا الّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلاّ بِاِذْنِهِ )(2) ويقول أيضاً رفضاً لتلك الشفاعة المقترنة بالخرافة:( )وَلا يَشْفَعُونَ إلاّ لِمَنِ ارْتَضَى))(3) .

ومن تدبّر في الآيات الواردة حول الشفاعة أيجاباً وسلباً، يقف على أنّ الإسلام قَبِلَ الشفاعة بنفس المفهوم الرائج بين الاُمم، لكن حدّدها بشروط وجعل لها إطاراً خاصّاً، وعلى ضوء ذلك فتفسير الشفاعة بدخول الجنّة بسرعة، نبع من العقيدة بخلود العصاة في النار إذا ماتوا بلاتوبة، فلأجل ذلك إلتجأوا إلى تفسير الشفاعة بغير المعنى المعروف .

نعم يجب إلفات نظر القارىء إلى أمر هامّ:

إنّ بعض الذنوب الكبيرة ربّما تقطع العلائق الإيمانية بالله سبحانه كما


1. حديث متّفق عليه. رواه الفريقان .
2. البقرة: 255 .
3. الأنبياء: 28 .


(260)

تقطع الأواصر الروحية بالشفيع فمثل هذا الشخص لاينال الشفاعة، ولايرضى الرب بشفاعة الشفيع في حقّه، وقد أوضحنا حقيقة الشفاعة وشروطها في موسوعتنا التفسيرية، وقمنا بالذّبّ عن الاشكالات التي تثار حولها من جانب المعتزلة أو بعض المفكّرين الجدد(1) .

5 ـ مرتكب الكبيرة كافر نعمة لاكافر ملّة:

اتّفقت الخوارج حتى الاباضية على أنّ ارتكاب الكبيرة موجب للكفر، ولكن المتطرّفين يرونه خروجاً عن الملّة، ودخولا في الكفر والشرك، ولكن الاباضية لاعتدالهم، يرونه كفر النعمة، فالمسلم الفاسق كافر عندهم لكن كفر النعمة، ولأجل التعرّف على حقيقة مرامهم نأتي بنص بعض كُتّابِهم، وإن كان طويلا مفصّلا:

يقول علي يحيى معمّر:

«يحسب كثير ممّن لا علم له أنّ الاباضية ممّن يتّفقون مع الخوارج في تكفير العصاة كفر شرك، ولايعرفون أنّ الاباضية يطلقون كلمة الكفر على عصاة الموحّدين الذين ينتهكون حرمات الله، ويقصدون بذلك كفر النعمة، أخذاً من الآيات الكريمة التي أطلقتها في أمثال هذه المواضيع و استناداً إلى أحاديث الرسول ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ :

( وِلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلا وَ مَنْ كَفَرَ فَإنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِيْنَ)(2) .

( لِيَبْلُوَنِي ءَأَشْكُرُ اُمْ أَكْفُرُ وَ مَنْ شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَ مَنْ كَفَرَ فَإنَّ رَبِّي)


1. لا حظ: مفاهيم القرآن 4/156 ـ 279 .
2. آل عمران: 97 .


(261)

غَنِيٌّ كَرِيمٌ))(1) .

( وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَاُولئكَ هُمُ الكافِروُنَ)(2).

سأل الأقرع بن حابس رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ : «الحج علينا كل عام يا رسول الله؟ فقال ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ : لو قلت نعم لوجب، ولو وجب لما قدرتم عليه، ولو لم تفعلوا لكفرتم، وقال: من ترك الصلاة كفر، وقال: ليس بين العبد والكفر إلاّ تركه الصلاة، وقال: ألا لاترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض وقال: الرشا في الحكم كفر».

وخلاصة البحث انّ الأباضية عندما يطلقون كلمة الكفر على أحد من أهل التوحيد فهم يقصدون كفر النعمة، وهو ما يطلق عليه غيرهم كلمة الفسوق و العصيان، والمعنى الذي يطلق عليه الاباضية كفر النعمة ويطلق عليه المعتزلة (3) الفسوق، ويطلق عليه غيرهم النفاق أو العصيان فهو معنى واحد.

والسبب الذي دعا الاباضية إلى اطلاقهم هذه الكلمة على العصاة بدلا من كلمة النفاق أو الفسوق أمران:

أوّلهما: إنّها الكلمة التي أطلقها الكتاب الكريم والسنّة القويمة عليهم في كثير من المواضيع والمناسبات .

ثانيهما: إنّ لكلمة النفاق أثراً خاصّاً في تاريخ الإسلام، فقد اشتهر بها عدد من الناس في زمن رسول الله، آمنوا ظاهراً، ولكن قلوبهم لم تطمئن بالإيمان، فكان القرآن الكريم ينزل بتقريعهم، ويفضح بعضهم، ويتوعّدهم بالعذاب الأليم


1. النمل: 40 .
2. المائدة: 44 .
3. اطلاق الفاسق على مرتكب الكبيرة غير مختصّ بالمعتزلة، بل الأشاعرة والإمامية في ذلك أيضاً سواء، بل الفرقتان الاخيرتان أولى بهذا الاصطلاح من المعتزلة، لأنه عندهما مؤمن، لا كافر ولا مشرك بخلاف المعتزلة فإنّه عندهم لاكافر ولا مؤمن بل منزلة بين المنزلتين.


(262)

في الدنيا والآخرة حتى اشتهروا بهذا الاسم وعرفوا به، قال الله تعالى:

( المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْض يَأْمُرُونَ بالمُنْكَرِ وَ يَنْهَوْنْ عَنِ المَعْرُوفِ وَ يَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ)(1) حتى صارت هذه الكلمة تشبه أن تكون علماً لهم فإذا اطلقت انصرفت إليهم .

والنقاش في هذا الموضوع نقاش لغويّ والاختلافات لفظي، والنتيجة انّ من يصرّ على معصية الله يلاقي نفس الجزاء الذي يلاقيه من يكفر بالله، أمّا معاملة المسلمين لمن يفسق عن أمر الله، أو ينافق في دين الله، أو يكفر بنعمة الله، فإنّها معاملة للعاصي المنتهك الذي تجب محاولة ارشاده إلى وجوب الاستمساك بدينه ورجوعه إلى أوامر ربّه، واقلاعه عن محادة الله ورسوله، فإن أصرّ واستكبر وتغلّب عليه الشيطان، بُرِئ منه (2) .

يلاحظ عليه

أوّلا: انّ المحكّمة الاُولى كانوا لايريدون من الكفر إلاّ الخروج عن الدين، وكانوا يقولون للإمام أميرالمؤمنين: تب من كفرك، وكان يجيبهم: أبعد ايماني بالله، وجهادي مع رسول الله أشهد على نفسي بالكفر؟ لقد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين (3) .

فلمّا أحسّ عبدالله بن اباض أو من قبله بتطرّف هذه الفكرة عاد بتأويله إلى كفر النعمة تحرّزاً عن ردّ فعل للنظرية الاُولى.

ثانياً: لو فرضنا إنّ القرآن الكريم استعمل الكفر في كفر النعمة أو استعمله الحديث في حق تارك الصلاة، ولكن هذا الاستعمال طفيف جدّاً، فقد ورد لفظ الكفر ومشتقّاته في القرآن قريباً من 450 مرّة واُريد في أغلبها كفر الملّة


1. التوبة: 67.
2. علي يحيى معمّر: الاباضية في موكب التاريخ، الحقلة الاُولى 89 ـ 92 .
3. الرضي: نهج البلاغة، الخطبة 58 .


(263)

والخروج عن الدين، ولو استعمل في كفر النعمة فانّما استعمل مورد أو موردين، هذا من جانب، ومن جانب آخر انّ لفظ الكفر والكافر يعطيان مفهوماً خاصّاً يهزّ القلوب ويروّعها، إذ لايقصد منه إلاّ الخروج عن الدين فاستعمال ذلك في كلّ معصية كبيرة، يقلّل من شدّة خطره ويُصغّر أمره العظيم. والأثر الخاص الذي ادّعاه لكلمة النفاق، موجود في كلمة الكفر بوجه أشدّ. فلو عدلوا عن إعماله، فليعدلوا عن اطلاق كلمة الكفر لأجله والكلمتان مشتركتان في أثر السيّىء.

أوليس الأولى للاباضية أن ينتهجوا نهج جميع المسلمين فيختاروا لفظاً غيره في مورد ركوب الكبيرة؟

وقد تنبّه لما ذكرناه الكاتب الاباضي حيث علّق على ماينسب إلى الاباضية: «المخالفون كفّار نعمة لا كفّار في الاعتقاد» قوله: لا شكّ انّ أيّ مسلم إذا قيل له: «إنّ الاباضية يعتبرونك غير مسلم، ويرونك كافراً» يتملّكه الغضب ويعتبرهم فرقة ضالّة ظالمة تستحقّ اللعن، ولن ينتظر منك أن تشرح له الفرق بين معاني الكفر(1) .

ولكن اللوم متوجّه عليه وعلى أسلافه لا لأصحاب المقالات فإنّهم استعملوا لفظ الكفر في حق المخالفين غير أنّ المتطرّفين فسّروه بالكفر في الاعتقاد وغيرهم فسّروه بكفر النعمة مستشهدين بأنّه ورد لفظ الكفر في مورد المرتكبين للكبائر، ونقلوا عن الرسول الأعظم أنّه قال: الرشوة في الحكم كفر، وقوله من أتى كاهناً أو عرّافاً فصدّقه فيما يقال فقد كفر بما اُنزل على محمّد(2) .


1. علي يحيى معمّر: الاباضية بين الفرق الإسلامية 1/103 .
2. صالح بن أحمد الصوافي: الإمام جابر بن زيد: 123 .


(264)

6 ـ الخروج على الإمام الجائر:

يقول أبو الحسن الأشعري: «والاباضية لاترى اعتراض الناس بالسيف لكنّهم يرون ازالة أئمّة الجور ومنعهم من أن يكونوا أئمّة بأيّ شيء قدروا عليه بالسيف أو بغيره»(1) .

وربّما ينسب إليهم أمر غير صحيح، وهوأنّ «الاباضية لايرون وجوب اقامة الخلافة» (2) .

إنّ وجوب الخروج على الإمام الجائر أصل يدعمه الكتاب والسنّة النبوية وسيرة أئمّة أهل البيت إذا كانت هناك قدرة ومنعة، وهذا الأصل الذي ذهبت إليه الاباضية بل الخوارج عامّة، هو الأصل العام في منهجهم، ولكن نرى أنّ بعض الكتّاب الجدد من الاباضية الذين يريدون ايجاد اللقاء بينهم وبين أهل السنّة يطرحون هذا الأصل بصورة ضئيلة.

يقول علي يحيى معمر: إنّ الاباضية يرون أنّه لابدّ للاُمّة المسلمة من اقامة دولة ونصب حاكم يتولّى تصريف شؤونها، فإذا ابتليت الاُمّة بأن كان حاكمها ظالماً، فإنّ الاباضية لايرون وجوب الخروج عليه لاسيّما إذا خيف أن يؤدّي ذلك إلى فتنة وفساد أو أن يترتّب على الخروج ضرر أكبر ممّا هم فيه، ثم يقول: إذا كانت الدولة القائمة جائرة وكان في امكان الاُمّة المسلمة تغييرها بدولة عادلة دون احداث فتن أكبر تضّر بالمسلمين فإنّهم ينبغي(3) لهم تغييرها. أمّا إذ كان ذلك لايتسنّى إلاّ بفتن واضرار فإنّ البقاء مع الدولة الجائرة ومناصرتها في حفظ الثغور ومحاربة أعداء الاسلام، وحفظ


1. الأشعري: مقالات الإسلاميين: 189 .
2. علي يحيى معمّر: الاباضية بين الفرق الإسلامية: 2 / 53 ـ 54 .
3. إنّ الرجل لتوخّي المماشاة مع أهل السنّة يعّبر عن مذهبه بلفظ لايوافقه، بل عليه أن يقول مكان «ينبغي» «يجب» .


(265)

الحقوق، والقيام بما هو من مصالح المسلمين واعزاز كلمتهم، أوكد وأوجب(1) .

إنّ ما ذكره لاتدعمه سيرة الأباضية في القرون الاُولى ويكفي في ذلك ما ذكره المؤرّخون في حق أبي يحيى عبدالله بن يحيى طالب الحق، قالوا: إنّه كتب إلى عبيدة بن مسلم بن أبي كريمة وإلى غيره من الاباضية بالبصرة يشاورهم بالخروج، فكتبوا إليه: إن استطعت ألاّ تقيم إلاّ يوماً واحداً فافعل، فأشخص إليه عبيدةُ بن مسلم أبا حمزة المختار بن عوف الأزدي في رجال من الاباضية فقدموا عليه حضرموت، فحثّوه على الخروج، وأتوه بكتب أصحابه، فدعا أصحابه فبايعوه فقصدوا دار الامارة إلى آخر ما سيوافيك بيانه من حروبه مع المروانيين وتسلّطه على مكّة والمدينة .

وأظنّ انّ ما يكتبه علي يحيى معمّر في هذا الكتاب وفي كتاب «الاباضية في موكب التاريخ» دعايات و شعارات لصالح التقارب بين الاباضية وسائر الفرق خصوصاً أهل السنّة، ولأجل ذلك يريد أن يطرح اُصول الاباضية بصورة خفيفة حتى يتجاوب مع شعور أهل السنّة، تلك الأكثرية الساحقة، وأوضح دليل على أنّهم يرون الخروج واجباً مع القدرة والمنعة بلا اكتراث، إنّهم يوالون المحكّمة الاُولى ويرون أنفسهم اخلافهم والسائرين على دربهم، وهم قد خرجوا على عليٍّ بزعم أنّه خرج بالتحكيم عن سواء السبيل .

وأظنّ انّ هذا الأصل أصل لامع في عقيدة الخوارج والاباضية بشرطها وشروطها، وأنّ التخفيض عن قوّة هذا الأصل دعاية بحتة .

والعجب أنّه يعترف بهذا الأصل في موضع آخر من كتابه ويقول: إنّ الثورة على الضلم والفساد والرشوة ومايتبع ذلك من البلايا والمحن، إنّما هو المنهج الذي جاء به الإسلام ودعا إليه المسلمين، ودعا المسلمون إليه، وقاموا


1. علي يحيى معمّر: الاباضية بين الفرق الإسلامية 2 / 53 ـ 54 .


(266)

به في مختلف أدوار التاريخ، ولم تسكت الألسنة الآمرة بالمعروف، الناهية عن المنكر، ولم تكفّ الأيدي الثائرة في أيّ فترة من فترات الحكم المنحرف....وقد استشهد في هذا السبيل عدد من أفذاذ الرجال، ويكفي أن أذكر الأمثلة لاُولئك الثائرين على الانحراف و الفساد: شهيد كربلاء الإمام الحسين سبط رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وعبدالله بن الزبير نجل ذات النطاقين، وسعيد بن جبير، وزيد بن علي بن الحسين، وكلّ واحد من هؤلاء يمثّل ثورة عارمة من الاُمّة المسلمة على الحكم الظالم، والخروج عليه ومدافعته حتى الاستشهاد(1) .

7 ـ التولّي والتبرّي والوقوف:

قد اتّخذ الاباضيون «التولّي» و«التبرّي» نحلة ولهما أصل في الكتاب والسنّة وهما ممّا يعتنقه كل مسلم اجمالا، ولكن التفسير الاباضي لهذين المفهومين يختلف تماماً مع تفسير الجمهور، وإليك بيانه بنقل نصوصهم من كتبهم:

«أصل الولاية، الموافقة في الدين، فكل من وافقك في الدين فهو وليّك، سواء علمت بموافقته أو جهلتها، أو برئتَ منه بالظاهر، لحدث عرفته منه وهو قد تاب ورجع عنه، فالملائكة عليهم السلام أولياؤنا لأنّهم موافقوننا في أصل الامتثال، وكذلك أهل الطاعة من الاُمم السالفة، فإنّه وإن اختلفت الأوامر بالنظر لاختلاف الشرائع، فالدين عندالله الإسلام أي الانقياد لأحكامه مطلقاً .

فاعلم انّ ممّا يدين به المسلمون وهو لازم لهم، الولاية لأولياء الله والحب لهم، والبغض لأعداء الله والبراءة منهم. فولاية من اتّصف بالإيمان فرض


1. علي يحيى معمّر: الاباضية بين الفرق الإسلامية 1/183 .


(267)

واجب، ثبت وجوبه بأدّلة قطعية، وأمّا البراءة فهي مثل الولاية فتجب البراءة من الفاسقين مطلقاً سواء كانوا من المشركين أو كانوا أهل كفر نعمة، فالبراءة منهم واجب بنصّ الكتاب العزيز والسنّة المطهّرة .

ثمّ إنّهم ذكروا للولاية والبراءة أقساماً نوردها فيما يلي:

1 ـ أن يرد الكتاب بما يوجب ولاية أحد، أو البراءة منه، كالأنبياء المذكورين بأسمائهم في الولاية وكأبليس في البراءة .

2 ـ ما نطق فيه رسول من رسل الله انّ فلاناً من أهل السعادة، أو من أهل الشقاء، بشرط أن يسمع السامع من لسان الرسول ذلك الكلام حين نطقه.

3 ـ ولاية الجملة وبراءة الجملة، وصورتها أن يعتقد المكلّف ولاية أهل طاعة الله من الأوّلين والآخرين إنسهم وجنِّهم وملائكتِهم، وأن يعتقد البراء من جميع أهل معصية الله من الأوّلين والآخرين إنسِهِم وجنِّهم إلى يوم الدين.

وهذا القسم هو الذي يعبّر عنه بعقيدة الإنسان لأنّه لابدّ لكل مكلّف أن يعتقده ديناً.

4 ـ نعم يجب الوقوف فيمن لم يعلم فيه موجب الولاية ولا البراءة لقوله تعالى: ( وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ )(1)، وقال ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ : «المؤمن وقّاف، والمنافق وثّاب (2) .

قال أبو سعيد الكدمي: واعملوا رحمنا الله وإيّاكم: انّ الولاية والبراءة فريضتان وقد نطق بذلك القرآن وأكّدته السنّة، ونسخته آثار الأئمّة الذين هم


1. الاسراء: 36 .
2. صالح بن أحمد الصوافي: الإمام جابر بن زيد: 258 ـ 263 بتلخيص، وكان عليه أن يذكر قسماً خامساً وهو تولّي شخص معيّن لكونه مطيعاً والتبرّي منه لكونه عاصياً إذا لمسنا شخصيّاً منهما الطاعة أو العصيان، ولعلّه لم يذكره لكونه مستفاداً من القسم الاوّل.


(268)

حجّة الله في دينه، فمن ذلك قوله تعالى: ( قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِى إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذ قالُوا لِقَوْ مِهِمْ إنّا بُرَءَ ؤُاْ مِنْكُمْ وَ مِمّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَ بدَا بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمُ العَداوَةُ وَالبَغْضاءُ أَبَداً حتّى تُؤْمِنُوا بِالله وَحْدَهُ)(1) .

ويقول أيضاً: لايجوز له أن يتولّى أحداً من علماء أهل الخلاف ولامن أفضلهم، ولو جهل أمرهم، ولو ظنّ أنّهم أهل الحقّ وأهل الفضل، ماجاز أن يتولّى أحداً منهم بدين(2) .

ويقول أيضاً: البراءة حكم من أعظم أحكام الإسلام (3) .

ويقول: واعلموا انّه ممّا يلزم المسلمون ويدينون به: الولاية لأولياء الله والحبّ لهم، والبغض لأعداء الله والبراءة منهم، ومن أحبَّ عبداً في الله فكأنّما أحبّ الله، وذلك من أشرف أعمال البّر (4) .

وقد حرّر هذه المسألة أحد المعاصرين من علماء الاباضية وقال:

ولاية الجملة وبراءتها فريضتان بالكتاب والسنّة والاجماع على كلّ مكلّف عند بلوغه إن قامت عليه الحجّة، وأمّا ولاية الأشخاص وبراءتها فواجبتان قياساً عليهما.

إنّ محبّة المؤمن الموفي بدينه، الحريص على واجباته، المبتعد عن المحارم، المتخلِّق بأخلاق الإسلام، المتّبع لهدى محمّد ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وجبت محبّته على المؤمنين، وأُعلِنَت ولايته بين المسلمين، وطلبت له المغفرة والرحمة من ربّ العالمين .

فإذا نزغ أحدهم من الشيطان نزغ، ولم يستعذ بالله من الشيطان، فأقدم على المعصية ولم يُسارع إلى التوبة، انفصم هذا الرباط الذي يربطه


1. أبوسعيد الكدمي: المعتبر 2/134. والآية من سورة الممتحنة: 4 .
2. المصدر نفسه 1/95 .
3. المصدر نفسه: 1 / 135 .
4. المصدر نفسه: 1 / 137 .


(269)

بالمؤمنين، وتهدَّمَتْ هذه الاُخوّة التي قامت على الدين حتى يجدّد ايمانه بربّه، ويستغفرالله من ذنبه، ويصل حبال قلبه بفاطر السموات و الأرض، فإذا فعل ذلك، رجعت منزلته بين اخوانه كما كانت، وعزَّتْ نفسه بينهم بعد أن هانت (ولِلِّهِ العِزّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلمُؤْمِنِينَ).

إنّ المسلم الذي يعلن بين الملأ قول «لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله»، ثمّ يجترئ على أوامر الله فيتخلّى عن واجباته، أو يقدم على ارتكاب المحظورات... لايحقّ أن يكرم بالتساوي مع الصادقين ولا يمكن أن تشمله المحّبة في الدين، بل يجب أن يجد الغلظة من المؤمنين وأن يسمع التقريع والتوبيخ، وأن يُطْلب الابتعاد عنه، وأن يُعْلَنَ البراءة منه، ويُقلَّلَ التعامل معه حتى تضيق عليه الأرض بما رحبت، ولايجد ملجأ من الله إلاّ إليه، فأمّا أن يشرح الله صدره للإسلام، وأن يفتح قلبه للإيمان وأن يسخّر أعضاءه للعبادة، وأن يباعد بينه و بين المعصية فيتوب ممّا ارتكب ويعود إلى حظيرة الإسلام بالعمل الصالح، والجهاد المتواصل، جهاد النفس و الهوى، فترتبط أواصره حينئذ بأواصر الناس، ويصبح بعد الهداية و التوفيق أخاً في الله .

وأمّا أن يرتكس إلى الشيطان، ويصّر على العصيان، ويبتعد عن محاسبة النفس، ويستمرّ في الغواية والضلال، وحينئذ لايمكن لأولياء الله أن يحبّوا عدوّالله، ولا أن يرضوا عمّن جاهره بالمعصية، وانّ القلوب المؤمنة لتستحي أن تّتجه إلى المليك الديّان لتطلب منه الرحمة والغفران، لعبيد الشهوات و أغوياء الشيطان .

إنّ العصاة الذين يصرّون على ما فعلوا ويجاهرون الله والناس بما ارتكبوا، انفصلوا بكبريائهم عن ربّهم، وابتعدوا عن محّبة إخوانهم، وحادوا الله ورسوله.


(270)

( لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حادً اللهَ وَ رَسُولَهُ....)(1). ( )إنَّ الَّذِينَ يُحادٌّونَ اللهَ وَ رَسُولَهُ أُوْلئِكَ فِى الأذَلِيْنَ))(2). ( إنَّ الَّذِينَ يُحادٌّونَ اللهَ وَ رَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ )قَبْلِهِمْ)(3).

إنّ المجتمع الاسلامي أنظف من أن تقع فيه المعصية من مسلم، ثم يسكتون عنه، فيدعونه فيهم محبوباً قبل أن يبادر إلى التوبة والاستغفار والتكفير إن كانت المعصية ممّا يتحلّل منه بالتكفير .

إنّ هذه القضيّة من القضايا التي يكاد ينفرد بها الاباضية(4) عن غيرهم من الفرق الإسلامية فلم يساووا بين مؤمن تقيّ وعاص شقيّ في المعاملة، وقالوا: يجب على المجتمع المسلم أن يُعْلِنَ كلمة الحق في كلّ فرد من أفراده، وأن يتولّى تهذيب الناشزين، وتقويم المنحرفين وتربية المتذرّعين بالوسائل التي شرعها الإسلام للتربية الجماعية من أمر بمعروف و نهي عن منكر، واعراض عمّن يتولّى عن الله.

وليس من الحق أبداً أن نتغاضى عن اُولئك الذين يرتكبون المعاصي، ونضعهم في صفّ واحد مع المؤمنين الموفين، بل يجب أن نزجر العاصي عن معصيته، وأن نعالِنَه بالعداوة، مادام منحرفاً عن سبيل الله، وأن لانساوي في المعاملة بينه و بين الموفي، وأن لانعطيه من المحبّة وطلب المغفرة، وحسن التعامل، مانعطيه للذي يراقب الله في الخفاء والعلانية، ويرجع إليه في كلّ كبيرة وصغيرة، ويقف عند حدوده التي رسمها لايتخطّاها، ( )وَلِيَجِدُوا فِيْكُمْ )


1. المجادلة: 22 .
2. المجادلة: 20 .
3. المجادلة: 5 .
4. ستعرف ضعفه و انّه ممّا أصفقت عليه الاُمّة الإسلامية اجمالا، نعم انفردت الاباضية بالغلظة والشدّة في المسألة.


(271)

غِلْظَة))، والاباضية لايخرجون العصاة من الملّة ولايحكمون عليهم بالشرك، ولكن يوجبون البراءة منهم و بغضهم و اعلان ذلك لهم حتى يقلعوا عن معصيتهم ويتوبوا إلى ربّهم (1) .

هذا عصارة ماذكروه في هذه المسألة، أي الولاية والبراءة والوقوف .

يلاحظ عليه: لاأظنّ أنّ من أحاط بالكتاب والسنّة أو ألمَّ بهما أن ينكر وجوب التولّي والتبرّي فإن المصدرين الأساسيّين مملوءان بالأمر بتولّي الرسول، والمؤمنين، والتبرّي من المشركين وأهل الكتاب والعصاة، وإليك رشحة من ذلك فيكفي فيه قوله سبحانه:( لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ المُؤْمِنِينَ)(2) و قوله عزّوجلّ: ( )وَالمُؤْمِنُونَ وَ المُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْض))(3) وقوله عزّوجلّ: ( فَإن لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإخْوانُكُمْ فِي الدَّينِ وَ مَواليِكُمْ)(4) وقوله عزّوجلّ:( لا تَجِدُ قَوْماً )يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حادَّ اللهَ وَ رَسُولَهُ ولَو كانُواْ آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُم أَوْ إخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمانَ وأَيَّدَهُمْ بِرُوح مِنْهُ ويُدْخِلُهُمْ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فيها رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَ رضُوا عَنْهُ أُوْلِئكَ حِزْبُ الله ألا إنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ المُفلِحُونَ).)(5)

وأمّا السنّة فيكفي في ذلك الأحاديث التالية:

قال علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ : من ترك انكار المنكر بقبله و لسانه


1. علي يحيى معمّر: الاباضية في موكب التاريخ، الحقلة الاُولى 83 ـ 87 .
2. آل عمران: 28 .
3. التوبة: 71 .
4. الأحزاب: 5 .
5. المجادلة: 22 .


(272)

فهو ميّت بين الأحياء (1) .

وقال ـ عليه السَّلام ـ : أمَرَنا رسول الله أن نلقى أهل المعاصي بوجوه مكفهَّرة(2).

وقال ـ عليه السَّلام ـ : أدنى الانكار أن تلقى أهل المعاصي بوجوه مكفهّرة.

وعن الإمام جعفرالصادق ـ عليه السَّلام ـ : حسب المؤمن غيرة إذا رأى منكراً أن يَعْلَم الله عزّوجلّ من قلبه انكاراً.(3)

إنّ الحب والبغض من الظواهر والحالات النفسية، ولهما آثار على الأعضاء والجوارح في حياة الإنسان، فلقاء أهل المعاصي بوجوه مكفهرّة من آثار تلك الظاهرة، هذا كلّه ممّا لااشكال فيه.

إنّما الكلام في موضع آخر يجب إلفات النظر إليه وهو أنّ التبرّي من عصاة المسلمين ليس شيئاً مطلوباً بالذات، وإنّما الغاية منه ارجاع العاصي إلى حظيرة الطاعة، وإلحاقه بأصفياء الاُمّة، وعلى ذلك فهو من مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيدور وجوبه مدار وجود شرائطهما: منها كون التبرّي مؤثّراً في كبح جماح العاصي وتماديه في الغي، ولأجل ذلك جوّز الإسلام غيبة المتجاهر بالفسق وربّما أوجب الوقيعة في أهل البدع، واكثارالوقيعة فيهم، وقال ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ : «أربعة ليس غيبتهم غيبة: الفاسق المعلن بفسقه، والإمام الكذّاب إن أحسنت لم يشكر وإن أسأت لم يغفر، والمتفكّهون بالاُمّهات، والخارج من الجماعة الطاعن على أمّتي، الشاهر عليها بسيفه» (4).

وقال ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ : «لاغيبة لثلاث: سلطان جائر، وفاسق معلن،


1. الحرّ العاملي: وسائل الشيعة 11/404 .
2. المصدر نفسه: 11 / 409 .
3. المصدر نفسه: 11 / 413 .
4. حسين النوري: المستدرك، الجزء 9، الباب 134 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 2 .


(273)

وصاحب بدعة»(1) .

فعلى ذلك فوجوب التبرّي رهن شروط نشير إليها:

1 ـ أن يحتمل كون التبرّي مؤثّراً في ارجاعه عن المعصية كما عرفت، وإلاّ فلايجب كما هو الحال في جميع مراتب الأمر بالمعروف .

2 ـ إن لايكون اظهار التبرّي موجباً لتماديه في الغي، وانكبابه على الإثم، فإنّ إيجاب التبرّي في ذلك ينتج نقيض المطلوب .

3 ـ يكفي في التبرّي، الاعراب عمّا في ضمير المتبرّي من كونه كارهاً لعمله، بلا حاجة إلى اعمال الغلظة والشدّة كما في كلام القائل.

ثمّ الآيات والروايات الدالّة على التبرّي واردة في حقّ الكفّار والعصاة المتمادين في الغي، لامن عصى مرّة واحدة ويبدو أنّه سوف يرجع ويستغفر.

وأمّا ما ذكره القائل في كيفية التبرّي فليس عليه دليل بل الدليل على خلافه، لأنّ المعاملة مع العصاة على النحو الذي ذكره القائل لم يكن رائجاً في عصر الرسول، إلاّ في حقّ العتاة المتمادين في الغي، أو المتخلّفين عن الزحف، وقد ورد في حقّهم قوله سبحانه: ( وَ علَى الثَّلاثّةِ الَّذِينَ خُلَّفُوا حَتّى إذا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَ ظَنُّوا أَنْ لامَلْجَأ مِنَ اللهِ إلاّ اِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا اِنَّ اللهِ هُوَ التَّوَابُ الرَّحِيمُ)(2).ترى أنّ الغلظة والشدّة كانت في حقّ هؤلاء الثلاثة الذين تخلّفوا عن الجهاد في الوقت الذي كان الرسول في أشدّ حاجة إلى المجاهد الصادق، فنزل الوحي بالضغط وايجاد الضيق عليهم حتى يصلوا إلى مرتبة تضيق عليهم أرض المدينة بما رحبت.

وأمّا المعاملة لكلّ عاص ولو مرّة واحدة بهذا النحو والضغط عليه حتى


1. حسين النوري: المستدرك، الجزء 9، الباب 134 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 1 .
2. التوبة: 118 .


(274)

تضيق عليه الأرض، فهو بعيد عن سماحة الإسلام، كيف وقد قال سبحانه حاكياً عن حملة العرش الذين يستغفرون للذين تابوا واتّبعوا سبيله: ( رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شىْء رَحْمَةً) )(1) وقال سبحانه:( وَ لا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ اِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ اِلاّ القَوْمُ الكافِرُونَ )(2) وقال سبحانه: ( قالَ )وَ مَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ اِلاّ الضّالُّونَ)(3) وقال سبحانه:( قُلْ يا عِبادِىَ الَّذِينَ اَسْرَفُوا عَلى اَنْفُسِهِمْ لا )تَقنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ الله إِ نَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُنُوبَ جَمِيعاً اِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحيِمُ)(4) .

فأين هذه الوعود ودعوة العصاة إلى حظيرة الغفران والنهي عن اليأس من روح الله ممّا جاء في كلام هذا القائل؟ فالاباضية وإن كانوا غير متطرّفين في مسلكهم لكن في التبرّي عن العاصي في جميع الأحوال والظروف على النحو الذي سمعت نوع تطرّف كما لايخفى.

على أنّ هذا النحو من التبرّي الوارد في كلام القائل يناسب العيشة القبلية، والاجتماعات الصغيرة، ولايتمشّى أبداً مع الاجتماعات الكبيرة التي تضم الفسّاق، إلى العدول في جميع الأندية والمجالس كما لايخفى.

اكمال:

ثمّ إنّه لو ثبت كون رجل عدوّاً من أعداء الله لارتكابه الكبائر أو لإرتداده عن الدين، فليس لآحاد الاُمّة القيام بإجراء الحدّ عليه، وإنّما واجب الآحاد هو التبرّي منه، ومن فعله، روحاً وجسداً، وأمّا إجراء الحدّ عليه فإنّما هو على


1. غافر: 7 .
2. يوسف: 87 .
3. الحجر: 56 .
4. الزمر: 53 .


(275)

القويّ المطاع في الاُمّة وهو الحاكم الإسلامي، ولأجل ذلك ينقسم الأمر بالمعروف الى قسمين: قسم يُعَدُّ واجباً فردّياً، يقوم به آحاد الاُمّة، وقسم يعدّ رسالة اجتماعية تقوم به القوّة التنفيذية في الدولة الاسلامية، وهنا كلمة قيّمة للإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ نذكرها:

سئل عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أواجب هو على الاُمّة جميعاً؟ فقال: لا. فقيل له: ولم؟ قال: إنّما هو على القويّ المطاع، العالم بالمعروف من المنكر، لاعلى الضعيف الذي لايهتدي سبيلا إلى أيٍّ، مِنْ أيّ؟ يقول من الحق إلى الباطل، والدليل على ذلك من كتاب الله عزّوجلّ قوله: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ اُمَّة يَدْعُونَ اِلى الخَيْرِ وَيَأْمُرونَ بالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ) فهذا خاصّ غير عام.(1)

8 ـ آراء الاباضية في الصحابة:

قد طرحنا مسألة عدالة الصحابة في الجزء الأوّل من هذه الموسوعة عند البحث عن عقائد أهل الحديث، والمعروف بين كتّاب الفرق انّ الاباضية يحبّون الشيخين ويبغضون الصهرين، غير أنّ كتّاب الاباضية في هذا العصر ينكرون هذه النسبة ويقولون إنّ الدعاية التي سلّطها المغرضون على الاباضية نبذتهم بهذه الفرية، وذهب علي يحيى معمّر في نقد النسبة وتزييفها إلى نقل الكلمات التي فيها الثناء البالغ على الصهرين، ينقل عن أبي حفص عمرو بن عيسى قوله:

وعلى الهادي صلاة نشرها * عنبرٌ ماخبّ ساع ورمل

وسلام يتوالى وعلى * آله والصحب ما الغيث هطل

سيما الصديق والفاروق والجامع * القرآن والشهم البطل


1. الحر العاملي: وسائل الشيعة 11/400. والآية من سورة آل عمران: 104.


(276)

وينقل عن ديوان البدر التلاتي مايلي:

بنت الرسول زوجها وابناها * أهل لبيت قد فشى سناها

رضى إلاله يطلب التلاتي * لهم جميعاً ولمن عناها(1)

نحن نرحّب بهذا الود الذي أمر الله سبحانه به في كتابه بالنسبة إلى العترة الطاهرة إذ قال: ( قُلْ لااَسْأَلُكُمْ عَليْهِ أَجْراً إلاّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى)(2) .

ولكن لايمكننا التجاهل بأنّهم يحبّون المحكّمة الاُولى، ويعتبرونهم أئمّة، وهم قُتلوا بسيف علي، وهل يمكن الجمع بين الحبّين والودّين؟ قد قال الله سبحانه: ( ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُل مِنْ قَلْبَيْنِ فِىْ جَوْفِهِ)(3) وهل يجتمع حبّ علي وودّه وحبّ من كان يكفّر عليّاً ويطلب منه التوبة؟ كيف وهؤلاء هم الذين قلّبوا له ظهر المجنَ وضعّفوا أركان حكومته الراشدة.

نرى أنّ الاباضية يعدّون عمران بن حطان من القعدة، وهو إمام لهم بعد أبي بلال، وهو القائل في حق عبدالرحمن بن ملجم قاتل الإمام علي، شقيق عاقر ناقة ثمود، قوله:

ياضربة من تقي ما أراد بها * إلاّ ليبلغ من ذي العرش رضوانا

إنّى لأذكره يوماً فأحسبه * أوفى البريّة عندالله ميزانا(4)

ومع هذا السعي لكتمان الحقيقة فالظاهر أن للشهرة حقيقة: أمّا حبّهما للشيخين فليس مجال شك وأمّا بغضهما للصهرين فقد وقفت في الفصل التاسع على نظر قدمائهم في حق الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ وإليك نظرهم في حق عثمان، ليعلم


1. علي يحيى معمّر: الاباضية بين الفرق الإسلامية 2/50 .
2. الشورى: 23 .
3. الاحزاب: 4 .
4. مرّ مصدر البيتين .


(277)

مدى صحّة النسبة:

فإن قال: فما قولكم في عثمان بن عفان؟ قلنا له: في منزلة البراءة عند المسلمين .

فإن قال: من أين وجبت البراءة من عثمان بن عفان وقد تقدمت ولايته وصحّت عقدة إمامته مع فضائله المعروفة في الإسلام، وفي تزويج النبي له ـ عليه السَّلام ـ بابنتيه واحدة بعد واحدة؟ قلنا: إن الولاية والبراءة هما فرضان في كتاب الله لا عذر للعباد في جهلهما، وقد أمرنا الله تبارك وتعالى أن نحكم وندين له في عباده بما يظهر لنا في اُمورهم ولم يكلّفنا علم الغيب. ثم وجدنا أصحاب النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ قد قدّموا عثمان إماماً لهم بعد عمر بن الخطاب ـ رحمه الله ـ ، ثم قصدوا إليه فقتلوه على ما استحقّ عندهم من الأحداث التي زايل بها الحق وسبيله، فمن قال إنّ عثمان قتل مظلوماً كان قد أوجب على أصحاب النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ البراءة بقتلهم لعثمان بن عفان وألزام البراءة من علي بن أبي طالب لأنّه وضعه المسلمون بعد عثمان إماماً لهم.

وعلى الإمام إقامة الحدود و لم يغيّر ذلك علي بن أبي طالب ولم ينكره ولم يقم الحد على من قتل عثمان، وحارب من طلب بدمه و هو طلحة بن عبيدالله والزبير بن العوام، ولو لم يكن مستحقاً للقتل وأنّه مظلوم لكان علي قد كفر لقتاله لمن طلب بدم عثمان بن عفّان. فلما قاتل علي والمسلمون من طلب بدم عثمان وصوّبوا من قتله وأقرّهم علي بين يديه وكانوا أعوانه و أنصاره، كان دليلا على أنّهم محقّون في قتله لأنّ إجماعهم على ذلك حجّة لغيرهم ودليل. وأمّا قولك زوّجه النبي بابنتيه واحدة بعد واحدة فإنا لاننكر ذلك ولايكون عثمان مستوجباً للولاية بتزويج النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ له بابنتيه. ولو كان عقد النبي له بالنكاح موجباً للرجل المشرك الذي كان النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ


(278)

قد زوّجه بابنته زينب قبل التحريم بين المسلمين والمشركين مع قوله الله تبارك وتعالى:(إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ)(1)، فهذا مبطل لاحتجاجك علينا بتزويج النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ له بابنتيه.

وأمّا قولك: إنّه كانت له فضائل في الإسلام متقدّمة، فإن الأعمال بالخواتم في الآخرة، لابالفضائل الاُولى(2).

وعلى كل تقدير فما يذكره هذا الكاتب وغيره هو الحق الذي يجب أن تمشي عليه الاباضية في حياتهم الدينية ويجب علينا احترام الصحابة وودّهم على الموازين التي وردت في الكتاب والسنّة، ولا أظنّ مسلماً على أديم الأرض يبغض الصحابي بما هو صحابي أو بما أنّه رأى النبي أو بما أنّ له صلة به، ولو كان هناك استنكار فانّما لبعض الصحابة أمثال المغيرة بن شعبة وبسر بن أرطاة، وعمرو بن العاص، وسمرة بن جندب لما قاموا به من سفك الدماء البريئة والظلم في الأحكام، والطلب الحث بلذائذ الدنيا، كيف لايصحّ التبرّي منهم؟ وقد قال عمرو بن العاص لمعاوية عندما دعاه للمشاركة في الحرب ضدّ علي أبياتاً أوّلها:

معاوية لا اعطيك ديني ولم أنل * به منك دنياً فانظرن كيف تصنع

فإن تعطني مصراً فأربح بصفقة * أخذتَ بها شيخاً يضرّ وينفع (3)

***


1. النساء: 48 و 116 .
2. السير و الجوابات لعلماء وأئمة عمان 1/374 ـ 375 طبع وزارة التراث القومي والثقافة، تحقيق سيدة إسماعيل كاشف.
3. الطبري: التاريخ 3/558. اليعقوبي: التاريخ 2/175 طبع النجف الاشرف .


(279)

الفتاوى الشاذّة عن الكتاب والسنّة

المذهب الاباضي يدّعي أنّه يعتمد في اُصوله على الكتاب والسنّة ويتّفق في كثير من اُصوله وفروعه مع مذاهب أهل السنّة، ولا يختلف معها إلاّ في مسائل قليلة اختلاف مذاهب السنّة نفسها في ما بينها.

وما كان اعتماد المذهب الاباضي على الكتاب والسنّة وعدم تباعده عن مذاهب السنّة إلاّ لأنّ مؤسّسه جابر بن زيد قد أخذ عن الصحابة الذين أخذ عنهم أصحاب هذه المذاهب من الحنفيّة والشافعيّة والمالكيّة والحنابلة، بل أنّه يمتاز على أصحاب هذه المذاهب في أنّه أخذ عن الصحابة مباشرة بينما هم لم يأخذوا في معظمهم إلاّ من التابعين .

كما أنّ الأحاديث التي جمعها هو وغيره من علماء وفقهاء وجمّاع الأحاديث من الاباضية كالربيع بن حبيب و غيره، ليست إلاّ أحاديث وردت عن البخاري ومسلم وغيرهم من أئمّة الحديث كأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارقطني والطبراني والبيهقي وغيرهم من أهل السنّة والجماعة.


(280)

إنّ الاباضية لا يعترفون بالتقليد فيما يأخذون أو يدّعون حتى لفقهائهم أنفسهم، والمشهور عنهم أنّهم يقولون: إنّهم رجال تقييد لاتقليد، أي أنّهم يتقيّدن بالكتاب والسنّة، وبما تقيّد والتزم به السلف الصالح، ولايقلّدون أصحاب المذاهب أو أصحاب الأقوال إلاّ إذا كانت أقوالهم موافقة للكتاب والسنّة (1) .

إنّ المذهب الاباضي كما وصفه الكاتب يستند إلى الأدلّة الشرعية والعقلية، فالعقل عندهم حجّة كالكتاب والسنّة، وليس ذلك أمراً خفيّاً على من سبر كتبهم العقائدية والفقهية، وقد كان ذلك معروفاً عنهم في القرون الاُولى حتى بين مخالفيهم على وجه قالوا: باغناء العقل عن السمع في أوّل التكليف. يقول المفيد شيخ الشيعة في القرن الرابع:

«اتفقت الإمامية على أنّ العقل يحتاج في علمه ونتائجه إلى السمع وأنّه غير منفك عن سمع ينبّه الغافل على كيفيّة الاستدلال، وأنّه لابدّ في أوّل التكليف وابتدائه في العالم من رسول، ووافقهم في ذلك أصحاب الحديث، وأجمعت المعتزلة والخوارج والزيدية على خلاف ذلك، وزعموا أنّ العقول تعمل بمجرّدها من السمع و التوقّف، إلاّ أنّ البغداديين من المعتزلة خاصّة يوجبون الرسالة في أوّل التكليف»(2).

وهذا النحو من الاعتماد على العقل يعد نوع مغالاة في القول بحجيّته إلاّ في مورد لزوم إصل المعرفة، لاستقلاله عليه دفعاً للضرر المحتمل وغيره ما حرّر


1. الدكتور رجب محمّد عبدالحليم: الاباضية في مصر والمغرب وعلاقتهم بأباضية عمان والبصرة: 58 ـ 61 .
2. الشيخ المفيد (336 ـ 413 هـ): أوائل المقالات 11 ـ 12 .


(281)

في محلّه (1)

إنّ القول بحجّية العقل لايعني منها إلاّ حجّيته في موارد يستقلّ بحكمها العقل على وجه اللزوم والقطع كالملازمات العقليّة، مستقلّة كانت أو غير مستقلّة، والأوّل كاستقلاله بالبراءة عن أيّ تكليف فيما إذا لم يرد من الشارع فيه بيان، ولزوم الفحص عن بيّنة مدّعي النبوّة، والنظر في دعواه وبرهانه، والثاني كالمسائل المعروفة بباب «الملازمات العقلّية» في اُصول الفقه، كادّعاء الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته، أو نقيضه (الضد العام) إلى غير ذلك ممّا هو مذكور في محلّه، ولا يحتجّ به الاّ فيما إذا لم يرد من الشرع حكم في مورده، وإلاّ فلا يقام له وزن، ولأجل الغلوّا الموجود في كلماتهم التي ترتبط بالعقل نجد لهم فتاوى فقهية لاتوافق الكتاب و السنّة، وقد أعطوا للعقل العاطفي فيها قيمة أكثر ممّا أعطوه للكتاب والسنّة، فقدّموا حكم العقل الظنّي على الحكم الشرعي القطعي، وإليك نماذج:

1 ـ قد بلغت السماحة وحب السلام لدى الاباضية أنّ فقهاءهم فضّلوا الصلح بين أي فئتين من المؤمنين وقع القتال بينهما، وأنّه لاينبغي لأحد أن يفضّل أيّ فئة منهما على الاُخرى، حتى لاتحدث فتنة، وفي ذلك قال أحد شيوخهم من المغاربة: «إنّه إذا وقعت الفتنة بين فئتين من المؤمنين فالأحبّ إليّ أن يصطلحوا، فإن لم يفعلوا فالأحبّ إليّ أن لاتغلب فئة فئة، فإنّ من أحبّ أن تغلب أحدهما الاُخرى فقد دخل في الفتنة ولزمه ما لزمه أهل تلك، وكان سيفه يقطر دماً، والسلامة عندي أن يكونا في البراءة سواء، لايرجّح احدى الطائفتين، فإنّه متى رجّح اُثم»(2).


1. لا حظ محاظراتنا في الالهيات بقلم الشيخ حسن مكّي العاملي 1/24 .
2. الدكتور رجب محمّد عبدالحليم: الاباضية في مصر والمغرب: 61، نقلا عن الدرجيني: طبقات المشايخ بالمغرب 2/491 .


(282)

لاشك انّ هذه الفتوى صدرت عن عاطفة القائل وكونه محبّاً للوئام والسلام، لكنّها عاطفة في غير محلّها وربّما تتم لصالح الظالمين والفئات الباغية، والذكر الحكيم يصرّح بخلافه وانّه يجب مقاتلة الباغي إن لم يرجع إلى أمر الله، قال سبحانه:(وَ إنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِيِنَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما عَلَى الاُخْرَى فَقاتِلُوا الَّتِى تَبْغِى حَتَّى تَفِىءَ اِلَى أَمْرِاللهِ فَإن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالعَدْلِ وَ أَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ)(1) .

وعلى ضوء ما ذكره القائل، فالواجب على المسلمين في الفتنة التي أثارها طلحة والزبير في خلافة علي ـ عليه السَّلام ـ أو الفتنة التي أثارها ابن أبي سفيان بعد حرب الجمل، أن لاتفضّل أي فئة على الاُخرى حتى لاتحدث فتنة، وهذا النوع من حبّ الصلح والسلام أشبه بالخضوع لعاطفة عشواء ولو كان في ذلك ركوب الباطل.

2 - اتّفقت الاُمّة الإسلامية على أنّ الزنا بمجرّده لاينشر الحرمة بين الفاعلين إلاّ في موارد خاصّة كما إذا كانت الزانية مزوّجة، ويسمى في مصطلح الفقه« الزنا بذات الاحصان» وروت عائشة: أنّ النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ قال الحرام، لا يحرّم الحلال.

ومع ذلك فقد جاءت الاباضية بفتوى شاذّة حسبها أنّها صيانة لكرامة المرأة حتى أنّ بعض المتأخّرين منهم صاغها في قالب اجتماعي حسب أنّه ينطلي على أصحاب الفقه، قال:

«لقد كانت بيئة الحياة في الاُمّة المسلمة لا تبيح للمرأة أن تخلى برجل أجنبي ولا تبيح لرجل أن يختلي بامرأة اجنبية عنه، وذلك خوفاً من الفتنة، لأنّ الدوافع الجنسية قد تتغلّب على النفس عند الرجل أو عند المرأة وهما مختليان،


1. الحجرات: 9 .


(283)

فيصلان إلى المحذور، ويقع السوء الذي منه يحذران. ولقد درس الاباضية هذه المشكلة منذ خير القرون وانتهوا فيها إلى رأيهم الذي ينفردون به فيما أعرف، فحرّموا الزواج بين من ربطت بينهما علاقة إثم، وقد كانوا في تحريمهم لهذا الزواج يستندون إلى روح الإسلام الذي يحارب الفاحشة .

روت اُمّ المؤمنين عائشة ـ رضى الله عنهاـ عن رسول الله أنّه قال: «أيّما رجل زنا بامرأة ثم تزوّجها فهما زانيان إلى يوم القيامة»(1) .

يلاحظ عليه

أوّلا: انّ الخضوع للعاطفة والتمسّك بهذه الذرائع إنّما يجوز إذا لم يكن في المسألة دليل من الشرع وإلاّ فيضرب بها عرض الجدار، وإن نبع عن مبدأ عقلي!!! أو عاطفي، فإذا كان الكتاب والسنّة واجماع الاُمّة حاكماً بجواز التزويج فلايسوغ لنا التمسّك بهذه الوجوه، ويكفي في ذلك اطلاق قوله سبحانه:( وَ أَُحِلَّ لَكُمْ ماوَرآءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتْغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِين)(2)، نعم عن بعض الفقهاء اشتراط الجواز بالتوبة، وعلى كلّ تقدير فليس في الاُمّة من يحرّم إلاّ الحسن البصري، وقوله شاذّ مخالف للكتاب واتّفاق الاُمّة.

قال الشيخ الطوسي: إذا زنى بامراة جاز له نكاحها فيما بعد، وبه قال عامّة أهل العلم، وقال الحسن البصري:لايجوز، وقال قتادة ومحمّد (وفي نسخة أحمد): إن تابا جاز وإلاّ لم يجز، وروي ذلك في أخبارنا(3) .

وقال ابن قدامة: «وإذا زنت المرأة لم يحل لمن يعلم ذلك نكاحها إلاّ بشرطين:


1. علي يحيى معمّر: الاباضية في موكب التاريخ، الحلقة الاُولى 111 ـ 112.
2. النساء: 24.
3. الشيخ الطوسي: الخلاف ج 2، كتاب النكاح، المسألة 71 ص 378 .


(284)

1 ـ انقضاء العدّة.

2 ـ التوبة: وإذا وجد الشرطان حلّ نكاحها للزاني وغيره في قول أكثر أهل العلم، منهم: أبوبكر وعمر و ابنه و ابن عباس وجابر بن زيد وعطاء والحسن وعكرمة والزهري والثوري والشافعي و ابن المنذر و أصحاب الرأي، وروي عن ابن مسعود والبّراء بن عازب وعائشة: انّها لاتحلّ للزاني بحال، ويحتمل انّهم أرادوا بذلك ما كان قبل التوبة أو قبل استبرائها فيكون كقولنا، فأمّا تحريمها على الاطلاق فلايصحّ لقول الله تعالى: ( وَ أُحِلَّ لَكُمْ ماوَراءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِاَمْوالِكُمْ...)،) لأنّها محلّلة لغير الزاني فحلّت له كغيرها(1) .

ثانياً: إنّ صيانة كرامة المرأة إنّما هو في تجويز الزواج لافي التحريم لأنّ الزواج ـ بعد الإثم ـ يغطّي الفاحشة التي صدرت منهما عن جهالة، ويصير الفاعلان في المجتمع الإسلامي كزوجين شرعيّين يتعامل الناس معهما معاملة صحيحة وواقعية، وأمّا إذا أفتينا بحرمة الزواج، فالمرأة المخدوعة المحكومة بحكم العاطفة ربّما تلتحق بالغانيات إذا انتشر أمرها وظهر سرّها، ورغب عنها كلّ شابّ غيور.

3 ـ «قد وردت أحاديث كثيرة في النهي عن الاستجداء والمسألة، واعتمد الاباضية تلك الأحاديث الشريفة فمنعوا المسلم من إراقة ماء الوجه والتعرّض لمذلّة السؤال، فإذا هانت عليه كرامته، وذهب يسأل الناس الزكاة، حرم منها عقاباً له على هذا الهوان، وتعويداً له على الاستغناء عن الناس، والاعتماد على الكفاح»(2) .

لاشك انّ السؤال و الاستجداء حرام شرعاً ومكروه في بعض الموارد،


1. عبد الله بن قدامة: المغني 7 / 64 ـ 65 .
2. علي يحيى معمّر: الاباضية في موكب التاريخ، الحلقة الاُولى 116 .


(285)

غير أنّ الافتاء بتحريم الزكاة بحجّة صيانة ماء وجه السائل فتوى على خلاف الكتاب والسنّة، ولو كان ذلك موجباً للتحريم لصدر فيه نصّ عن رسول الله لكثرة الابتلاءبها .

أضف إلى ذلك انّه سبحانه يأمر باعطاء السائل وعدم نهره، يقول سبحانه:

( وَ الَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ* لِلسَّائِلِ وَ الَمحْرُومِ)(1).

وقال سبحانه:

( وأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ)(2) .

وقال سبحانه:

( وَ آتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبَى وَاليَتَامى وَالمَسَاكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ وَ السَّائِلِينَ وَ فِي الرِّقابِ وأَقامَ الصَّلاةَ وآتَى الزَّكاةَ)(3)، والآية مطلقة تعم مورد الزكاة وغيره لولم نقل بورودها فيها.

***


1. المعارج: 24 ـ 25 .
2. الضحى: 10 .
3. البقرة: 177 .


(286)


(287)

خاتمة المطاف

قد تعرّفت في ماسبق على عقائد الاباضية وخصائصهم وقد اخترنا منها أموراً ثمانية بقي هنا أمرٌ يطيب لنا أن نلفت نظر القارىء إليه:

أ ـ إنّ الاباضية لتجويزهم التقيّة جعلوا مسالك الدين أربعة تنتهي في المرحلة الرابعة إلى الكتمان المساوق للتقيّة، فقالوا: مسالك الدين أربعة:

1 ـ الظهور 2 - الدفاع 3 ـ الشراء 4 ـ الكتمان.

إنّ للاباضية لجنة تقوم بالاشراف الكامل على شؤون المجتمع الاباضي تسمّى بـ «العزّابة» ولأجل ايقاف القارىء على خصوصيّات وصلاحيّات هذه اللجنة وشؤونها نأتي بنصّ كتابهم، فإليك البيان:

مسالك الدين عند الباضية:

إنّ المجتمع الإسلامي إمّا أن يكون ظاهراً على أعدائه، حرّاً في أراضيه، مستقّلا بأحكامه، عاملا بكتاب الله وسنّة رسوله، منفّذاً لأحكام الدين، لايخضع


(288)

لأجنبيّ بوجه من الوجوه، ولايستبدّ به حاكم، ولا يطغى عليه ذو سلطان، فهذه الحالة هي حالة الظهور، وهي أكمل الحالات للمجتمع المسلم، و عليها يجب أن تكون الاُمّة، لأنّها المنزلة التي ارتضاها الله للمؤمنين (وَ لِلَّهِ العِزَّة وَ لِرَسولِهِ وِ للمؤمِنينَ).) فإذا انحدر المسلمون عن هذا المقام، وتضاءلوا عن هذا الشرف، ونزلوا عن هذه المرتبة التي رفعهم إليها الإيمان بالله، والثقة فيه، فيجب أن لايهادنوا الظلم، وأن لايستكينوا للطغيان، وأن لايسمحوا للأيدي العابثة، أن تعبث بمقدّرات الاُمّة، فتنتهك حرماتهم، وتحول دون اُمور دينهم، وتتحكّم في أعمالهم وعباداتهم، وتتصرّف في أموالهم بغير التشريع الذي وضعه عالم الغيب والشهادة، والهدى الذي تركه محمّد ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ لأبناء الإسلام .

إذا انحدرت الاُمّة إلى هذه الوهدة، فيسيطر عليها عدوّ أجنبي، أو تخلّى ـ من أولته الاُمّة ثقتها، وأسلمته مقاليدها، ووضعت بين يديه رعايتها ـ عن الأمانة، وحاد بها عن الطريق، وخان الله ورسوله والمسلمين فيما وضع بين يديه، وجب حينئذ أن يقف المسلمون في طريق تلك الدولة الباغية، يأمرونها بالمعروف، وينهونها عن المنكر، ويلزمونها أن تسلك بهم طريق الصواب، فإذا اعتزّت بالإثم، واستمرأن طعم الظلم، واستكبرت أن تخضع لأمرالله، وأن ترجع إلى سبيل الله، فحينئذ يأتي القسم الثاني من التنظيم الإسلامي وهو الدفاع، والدفاع في مسالك الدين يرادف ما يعبّر عنه في العصر الحاضر بالثورة...الثورة على الاستعمار الأجنبي، أو الثورة على الاستعمار الداخلي: كالثورة على الظلم، والثورة على الاقطاع، والثورة على الفساد، والثورة على الانحراف عن دين الله في كلّ مظاهره وأشكاله. والزعيم الذي يقود هذه الثورة يسمّى «إمام الدفاع» وله على الاُمّة الثائرة حق الطاعة والامتثال، مادامت


(289)

الثورة قائمة، فاذا استقرّت الاُمور، ورجعت إلى الهدوء والاستقرار، أصبح واحداً من أفراد الاُمّة، له حقوقهم، وعليه واجباتهم، ورجوع الاُمور إلى نصابها يكون بأحد أمرين: إمّا نجاح الثورة، وإمّا فشلها، ونجاحها يكون بأحد أمرين: إمّا استجابة الدولة لمطالب الاُمّة، ورجوعها إلى أحكام الله، وفي هذه الحالة ينتهي عمل الثورة إلى هذا الحد. وإمّا الإطاحة بالنظام الفاسد، وقلب الحكم الظالم، وتغييره إلى نظام إسلامي، يتمشّى مع التشريع الذي جاء به كتاب الله الكريم، وعندئذ أيضاً لايكون لزعيم الثورة أو أمير الدفاع، أيّ حق في الحكم، إلاّ إذا اختارته الاُمّة، لشروط توفّرت فيه بعد الهدوء والاجتماع و التفكير والمفاضلة، حسب الشروط المتبعة في اختيار أمير للمؤمنين.

فإذا ضعف المسلمون حتى عن هذا الموقف، وأصبحوا لايستجيبون لداعي الثورة، ويفضّلون طريق السلامة، ويركنون إلى الدعة والاستراحة، جاء المسلك الثالث من مسالك الدين، وهو الشراء: فحق لقلّة منهم إذا بلغوا أربعين شخصاً أن يعلنوا الثورة على الفساد، وبما أنّ هذه الثورة التي يقوم بها عدد قليل، لايتوقّع لها النجاح في كفاحها ضدّ دولة ظالمة مسلّحة، واُمّة مسالمة راضية بالذل، فإن هذا التنظيم يشبه أن يكون شغباً على دولة ظالمة حتى لاتطمئنّ إلى تنفيذ خططها الجائرة، وقد لاتكون لها نتائج غير هذا القلق الذي يخيّم على الظالمين، والتوجّس والخوف الذي يسود أعمالهم وحركاتهم، ولذلك فقد اشترط لهذا التنظيم، شروط قاسية لايقبلها إلاّ الفدائيّون، الذين وهبوا حياتهم لحياة الاُمّة، وذلك أنّه لايحلّ لهم بعد أن ينخرطوا في هذه المؤسّسة، أن يعودوا إلى بلادهم، أو يستقرّوا في أمكنتهم، أو يتخلّوا عن رسالتهم، حتى ينتهي بهم الأمر إلى النجاح أو القتل، والقتل أقرب الأمرين إليهم، وعندما تضطرّ الظروف أحدهم إلى منزله لشأن من شؤون تمديد الثورة،


(290)

كالتزوّد، فإنّه يعتبر في منزله غريباً مسافراً يقصر الصلاة. ولكنّه عندما يكون في شعف الجبال، أو بطون الأدوية، يقطع المواصلات على الطغاة، أو يهدم الجسور التي تمرّبها القطر الظالمة، أو يقتلع اُسس القلاع التي تجمع ذخيرة الجبابرة، حينئذ يعتبر في منزله وبين أهله، وهم في كلّ ذلك لايحلّ لهم أن يروّعوا الآمنين، أو أن يسيئوا إلى المسالمين. إنّه تنظيم رائع للفدائية في الإسلام عندما يتحكّم الظلم، ويستعلي عبيد الشيطان، وتعطّل أحكام الله بأحكام الإنسان، يقول أبو إسحاق: «الشراء من أخص أوصاف الاباضية».

فإذا رضيت الاُمّة بالذل، واستسلمت للظلم، وجرى عليها حكم الطغاة، ولم يقم فيها من يثور لكرامة الإسلام المهدرة، ولالشرف الرسالة التي أعزّت الإنسانية، وتغلّب حبّ الدعة على كلّ فرد، وركن الجميع إلى الراحة، فلم تتكوّن حتى الفدائية التي تقضّ مضاجع الظالمين، وتذكّرهم أنّ حكمهم لن يقر، وأنّ كراسيهم لن تستقر، وأنّ المقاومة لاتزال هي أمل المؤمنين، وانّهم سوف يحاسبون أمام الله، والاُمّة حساباً عسيراً.

إذا ضعفت الاُمّة حتى عن هذه المرتبة، أصبحت تحت التنظيم الأخير، تنظيم الكتمان. وعندئذ يجب أن يبتعد المؤمنون عن مساعدة الظالمين بتولّي الوظائف الظالمة ، وأن تتولّى شؤونهم جمعيات تبثّ فيهم هداية الله، وتملأ قلوبهم بالإيمان بالله، وتنشر فيهم المعرفة والثقافة الاسلامية التي تبصّرهم بدين الله، فلاتكون علاقتهم بالظالمين إلاّ في أيسر طريق، وأضيق مجال، فيما يتعلّق بجباية الأموال المفروضة عليهم للحاكمين، وهي الجمعيّات، أو ما يسمّى في التنظيم الاباضي «بحلقة العزّابة»(1) .


1. علي يحيى معمّر: الاباضية في موكب التاريخ، الحلقة الاُولى 93 ـ 96 .


(291)

العزّابة:

تعريف العزّابة: العزّابة هيئة محدودة العدد، تمثّل خيرة أهل البلد علماً وصلاحاً، وهذه الهيئة تقوم بالاشراف الكامل على شؤون المجتمع الاباضي، الشؤون الدينية، والشؤون التعليمية، والشؤون الاجتماعية، والشؤون السياسية. وهي في زمن الظهور والدفاع تمثّل مجلس الشورى للإمام أو عامله ومن ينوب عنه. أمّا في زمني الشراء أو الكتمان فهي تمثّل الإمام وتقوم بعمله.

تختار هيئة العزّابة من بينها شيخاً يسمّى «شيخ العزّابة» يكون أعلمهم وأكثرهم كفاءة، ولايشترط فيه أن يكون أكبر هم سنّاً، والشيخ يرأس الهيئة في جلساتها، ويمثّلها في جميع أعمالها، ويتكلّم باسمها، وينفّذ قراراتها، ويتولّى الاشراف المباشر على جميع شؤون البلد أو الاُمّة، ويجب أن تعرض عليه جميع المشاكل والأحداث، وحكمه بعد قرار الهيئة نافذ في جميع الأحكام.

اشتقاق كلمة العزّابة: اشتقّت هذه الكلمة من العزوب أو العزابة، وهي تعني العزالة، والغربة، والتصوّف والتهجّد، والانقطاع في رؤوس الجبال، ويقصد بها في هذا الاستعمال الانقطاع إلى خدمة المصلحة العامة، والاعراض عن حظوظ النفس، والبعد عن مشاغل الحياة، من أهل ومال وولد، فإنّ العزّابي لايعطي لهؤلاء من جهده ووقته إلاّ القليل، أمّا أعظم طاقته فيجب أن يصرفها لله في خدمة المسلمين، دون مقابل يتقاضاه على عمله، أو أجر يرجوه منهم، لأنّ أجره وحسابه على الله.

معنى كلمة الحلقة: كلمة الحلقة استعمال ثان يقصد به هيئة العزّابة، فهي مرادفة لها، وقد اُخذت هذه الكلمة من التحليق، وهو الاستدارة، وذلك انّ العزّابة في اجتماعاتهم الرسمية يجلسون على هيئة حلقة أو دائرة، وهو أنسب وضع لتبادل الآراء، ودارسة وجهات النظر المختلفة.


(292)

كما أنّ الجلوس على هذا الوضع أفضل حال عند الدراسة، أو تلاوة القرآن الكريم، والاّتجاه إلى الله بالدعاء .

مقرّ العزّابة: المقرّ الرسمي للعزّابة يكون في المسجد، ولذلك فلزام أن يكون في جانب من جوانب المسجد بيت خاص بالعزّابة، ويستحسن أن يكون بعيداً عن مجالس الناس، حتى لاتسمع المداولات التي تجري فيه، وهذا البيت الخاص بهم لايجوز لغيرهم الدخول إليه مطلقاً، ويتحتّم على الجدد منهم أن يقوموا بتنظيفه ومراقبته وفرشه وملاحظة جميع مايلزمه، وفيه تحفظ وثائقهم فلايطّلع عليها أحد غيرهم. وجميع المداولات والمناقشات والمباحث التي تجري داخله تعتبر سرّيّة، لايجوز اخراجها وافشاؤها لأيّ سبب من الأسباب، ماعدا القرارات التي تّتخذ للتنفيذ فيتولّى الشيخ اعلانها، وقد ينوب عنه أحد الأعضاء الآخرين، ولايجوز للعزّابة أن يناقشوا أي موضوع في غيرمقرّهم الرسمي، وبعد أن ينتهوا إلى قرار في أي موضوع يحق لهم أن ينتقلوا إلى مكان آخر لتنفيذ ذلك القرار، إذا كان تنفيذه يقتضي منهم الانتقال، وإذا أصدروا أمراً في شأن من الشؤون الاجتماعية للبلد، كتحديد المهور، أو تحديد الأسعار، أوبدء العمل في المواسم الزراعية، أو ما شاكل ذلك، فلم يستجب الجمهور لقرارهم، اعتصموا في مقرّهم، ولزموا المسجد دون أن يقوموا بأعمالهم المعتادة، وامتنعوا من دخول الأسواق والبلد، حتى يستجيب الناس للحكم، ويقوموا بتنفيذ الأمر، ولم تحدث مثل هذه الحالة عند الاباضية في ليبيا، إلاّ عدداً قليلا من المرّات، استجاب فيها الناس لأمر العزّابة بأسرع مايمكن، بل لقد كان الناس يسارعون حين يسمعون بمثل هذا الموقف من العزّابة، فيقنعون بعضهم، ويبلّغون موافقتهم إلى المجلس قبل حضور وقت الصلاة الثانية، فتسيرالاُمور في معتادها.


(293)

عدد أعضاء الحلقة: يتراوح عدد أعضاء الحلقة بين عشرة أعضاء وستة عشر عضواً، يوزّع عليهم العمل كما يأتي:

1 ـ شيخ العزّابة: ويكون أعلم القوم، وأقواهم شخصية، وأقدرهم على حلّ المشاكل.

2 ـ المستشارون: ويكون عددهم أربعة لايزيدون ولاينقصون، ويلزمون الشيخ، ولايقطع أمراً دون موافقتهم.

3 ـ الإمام: شخص واحد، يقوم بصلاة الجماعة، ويجوز أن يكون أحد الأربعة المستشارين.

4 ـ المؤذّن: وهو شخص واحد مسؤول عن تحرّي أوقات الصلاة، والقيام بمهمّة الأذان، ويصحّ أن يكون أحد الأربعة المستشارين.

5 ـ وكلاء الأوقاف: يخصّص عضوان للاشراف على الأوقاف، وعلى ميزانيّة الحلقة، وضبط الواردات والصادرات، وطريقة اصلاح وتنمية الأوقاف، ويشترط في هذين العضوين بالاضافة إلى الشروط العامّة لأعضاء الحلقة، أن لايكونا من الأغنياء المكثرين، ولامن الفقراء المعوزين، ولكن من متوسّطي الحال المستورين.

6 ـ المعلّمون: يخصّص ثلاثة أعضاء أو أكثر أو أقلّ حسب الحاجة، للاشراف على التربية والتعليم، وتنظيم الدراسة، ومراقبة التلاميذ في المحاضر، وهي دور التعليم، أو في الأقسام الداخلية، وما إلى ذلك من شؤون التعليم .

7 ـ حقوق الموتى: يخصّص أربعة أعضاء أو خمسة للاشراف على حقوق الموتى، فيتولّون الاشراف على غسلهم، وتجهيزهم، والصّلاة عليهم، ودفنهم ومراقبة تنفيذ وصاياهم، وتقسيم تركاتهم حسب الفرائض في أحكام


(294)

الإسلام.

وإذا توفّي شخص وهو في براءة المسلمين بأن مات على معصية، فإنّ هؤلاء العزّابة لايقومون بحقوقه، لأنّ العاصي لاحقّ له على المؤمنين، ولكنّهم يسمحون لمن شاء من غير أعضاء الحلقة أن يقوم بتلك الحقوق، ذلك أنّ القيام باُمور الميّت فرض على الكفاية، إذا قام به البعض أجزى عن الباقين.

شروط العضوية: يشترط في أعضاء العزّابة عدّة شروط، منها:

1 ـ أن يكون حافظاً لكتاب الله.

2 ـ أن يمرّ بمراحل الدراسة مرحلة مرحلة، ويستوفي الدراسة فيها.

3 ـ أن يكون محافظاً على الزّي الرسمي للطلبة عندما كان في الدراسة، وللزّي الرسمي للعزّابة عندما يدخل الحلقة .

4 ـ أن يكون أديباً كيّساً فطناً، ذا لباقة ومهارة في تصريف الاُمور.

5 ـ أن يكون محبّاً للدراسة راغباً فيها، مواصلا للتعلّم والتعليم.

6 ـ أن لاتكون له مشاغل دنيوية كثيرة تحمله على كثرة التردّد على الأسواق، والاختلاط بالعامّة والسَوَقة، اختلاطاً يزري بمقامه، ويذهب بهيبته .

7 ـ أن يغسل جسده بماء ويغسل قلبه بماء و سدر، وهذه عبارة اصطلاحية، يقصد منها أن يكون الإنسان نظيف اليد، والبطن، والعين من أموال الناس، وأن يكون نظيف القلب من جميع أمراض القلوب، أي أن يكون طاهر الباطن والظاهر.

وقد شرح أبو عمار عبد الكافي هذه العبارة، بقوله: «أمّا الجسد فيغسله من الدنس في الناس، وأمّا القلب فيغسله من الغش والتكّبر وما أشبه ذلك ممّا يوجب حبط العمل» والعبارة كماترى في غاية الدقّة، وهي تحتمل أكثر ممّا أشرت إليه وأشار إليه العلاّمة أبو عمار فتأمّلها، فكلّما تأمّلتها وجدت فيها


(295)

معنى جديداً....

ولقد شدّد المشايخ في تنظيف المؤمن لقلبه، لأنّ أدران القلوب أشدّ قذارة من أدران الأبدان، ولذلك أوجبوا عليه أن يغسل جسده بالماء، وأن يغسل قلبه بماء وسدر، وهي كناية تفيد الحرص الشديد على نظافة الباطن أكثر من نظافة الظاهر، فإنّ من طهرت سريرته حسنت سيرته، واستقامت اُموره، وكثرت محاسبته لنفسه، ورعايته لسلوكه، وفي ذلك النجاح .

واجبات الحلقة: على هيئة العزّابة واجبات أكيدة هي مسؤولة عنها باعتبارها هيئة، وتتلخّص هذه الواجبات فيما يلي:

1 ـ الاشراف على التعليم وتهيئة الوسائل لذلك، وتيسير السبل أمام جميع الأطفال لينالوا قسطاً من الدراسة، ويتعلّموا جزءاً من القرآن الكريم وما يعرفون به اُمور دينهم، وهذا أقل ما يمكن أن يتاح للطفل، فإذا كانت اُسرة الطفل فقيرة بحيث لاتستغني عن مجهوده الضعيف، أو ليس لها ما تموّنه به أوقات الدراسة، وجب أن تقدّم له مساعدة، وذلك بالانفاق عليه.

2 ـ مراعاة الحالة الاجتماعية للناس، وتيسير سبل الحياة للفقير والضعيف وايجاد العمل للجميع، وذلك بمطالبة الأغنياء وأصحاب اليسار أن يستعينوا بالفقراء في انجاز أعمالهم مقابل اُجور، كثيراً ما يعيّنها أعضاء العزّابة .

3 ـ حلّ المشاكل التي تنجم بين الناس، والفصل في قضاياهم، والحكم بينهم في خصوماتهم وايصال الحقوق إلى أصحابها .

4 ـ الاشراف على أوقاف المساجد، وعلى ميزانية الحلقة أو ضبط الصادر والوارد، وانفاق جميع ذلك في وجوهه، والعمل على تنمية الأوقاف الثابتة، واصلاحها، واستغلالها أحسن استغلال.

5 ـ حفظ الأسواق ومراقبتها من أن تقع فيها معاملات لايبيحها الشرع، أو


(296)

أن ترد إليها أموال مسترابة أو مشبوهة.

6 ـ تنظيم الحراسة البلدية على أموال الناس من زراعة وماشية حتى لاتصل إليها أيدي الغارة والسرقة والاضرار .

7 ـ الحكم على العصاة والمجرمين وتأديبهم، واعلان البراءة منهم، وقطع التعامل معهم حتى يتوبوا ويرجعوا إلى الله .

8 ـ القيام بالعلاقات الخارجية وتنظيمها، سواء كانت علاقات حرب أو سلام.

هذه بعض المهام التي تناط بمجلس العزّابة باعتباره هيئة مسؤولة عن المجتمع أمام الله وأمام الناس، وعلى الهيئة أن توزّع الأعمال على الأعضاء حسب الكفاءة والمقدرة، والذي يقوم بذلك إنّما هو الشيخ بعد اتّفاق الحلقة.

أين تنشأ حلق العزّابة: تنشأ حلق العزّابة في كل بلد أو قرية، وحلقة العزّابة هم الذين يشرفون على اُمور البلد أو القرية الخاصّة، فإذا كان هنالك أمر هام، أو حدث أكبر من مستوى القرية أو البلد رفع إلى المجلس الأعلى للعزّابة الذي يرأسه الشيخ الأكبر، أو حاكم الجبل حسبما كان في جبل نفوسة، وذلك كمسائل ايقاع الحدود، وما يتعلّق بالأمن العام، وما إلى ذلك من المشاكل التي تكون أكبر من المستوى المحلّي للقرية، والهيئة الكبرى للعزّابة أو الهيئة العامة لهم هي الهيئة التي يرأسها الشيخ الأكبر، ولابدّ أن يكون شيخاً للعزّابة في بلده ويقوم مقام الإمام في أزمنة الكتمان، أمّا أعضاء العزّابة الذين يكونون معه فهم المستشارون، ويكونون من شيوخ حلق العزّابة في بلدانهم. ومقرّهم هو مركز البلاد وعاصمتها، ولهم مع الشيخ اجتماعات دورية، مرة في كلّ ثلاثة أشهر، ومتى دعت الحاجة. وأحكام هذا المجلس نافذة على جميع البلاد، وكل الحلق خاضع مادّياً وأدبيّاً لهذا المجلس، ويعتبر السلطة الحقيقية للمجتمع


(297)

الاباضي، أمّا بقية الحلق فهي مساعدة له، منفّذة لأعماله، ويجب على الشيخ الأكبر للعزّابة ان يكون مقر حكمه في مركز البلاد، فإذا اختار السكن في غير ذلك المكان فعليه أن يباشر الأحكام في مركز الحكم لا في محل السكن كما كان يفعل أبو هارون موسى بن هارون، وأبو عبدالله بن جلداسن اللالوتي، وأبو يحيى الارّجاني، وغيرهم.

إنّ شيخ العزّابة في المجتمع الاباضي يمثّل سلطة الإمام العادل، ويقوم بجميع مهامه في النطاق الذي تسمح به ظروف الحياة في زمن كل واحد منهم. وهو مقيّد بمجلس الشورى الذي لايحق له أن يصدر رأياً قبل موافقته، اللّهمّ إلاّ في الأحكام الثابتة في الدين الإسلامي، وله أن يستعين بشخص يقوم له مقام المفتي، والقصد من هذا المفتي هو تحرير نصوص الحكم المستمدّة من الشرع الشريف، أو المساعدة على ترجيح الأقوال في المسائل الخلافية التي تتعدّد فيها وجهات أنظار الفقهاء. وليس المقصود من وجود المفتي أن يبصر الشيخ باحكام لا يعرفها، لأنّ شيخ العزّابة يشترط فيه أن يكون من أعلم المشايخ، إذا لم يكن أعلمهم.

وفي الاجتماعات الدورية التي تعقد في ثلاثة أشهر، أو في ستّة أشهر، يحضر ممثّلون عن جميع حلق العزّابة، ويستعرضون ما لديهم من مشاكل، ويدرسون معاً وضع المجتمع، ويتّخذون في ذلك القرارات اللازمة، يرسمون خطط السير في المستقبل، على أنّه يحق لكل حلقة أن تتّصل بالمجلس الأعلى وتدعوه للانعقاد إذا كانت هنالك أسباب تدعو إلى ذلك، كما أنّ لها الحق أن تعرض مشاكلها الخاصة على الشيخ الأكبر، وتقتبس منه الرأي والنصيحة.

ويمثّل كلّ حلقة من حلق العزّابة شيخها وبعض مستشاريه، إلاّ في أحوال الضرورة التي يتعذّر فيها عليه أن يقوم بهذه المهمّة.


(298)

اختيار أعضاء الحلقة: يراعى في اختيار العزّابة بالاضافة إلى الشروط التي يجب أن تتوفّر في كل شخص أن يكونوا ممثّلين للقبائل أو الجهات التي يشتمل عليها البلد، ولايشترط تساوي العدد، كما أنّه إذا لم يوجد في قبيلة ما ، من تتوفّر فيه الشروط الشخصية اُخذ من غيرها، وعندما يحتاج العزّابة إلى اضافة عضو جديد إلى الحلقة يأخذونه عن أحد طريقين:

إمّا أن يطلبوا من القبيلة التي يراد أخذ العضو منها أن ترشّح عدداً ممّن تتوفّر فيهم شروط العضوية والكفاءات المطلوبة مع الشهرة بالصلاح، والتقوى، والعفاف، والنزاهة، وحب الخير، والايثار، والتضحية، والعمل للصالح العام، فتختار الهيئة واحداً منهم، وإمّا أن يطلبوا إلى منظمة «إيرْوان» أن يقدّموا إليهم واحداً ممّن يملأ ذلك الفراغ .

حين يتعيّن العضو لأن يشغل مركزاً في العزّابة، يدعى إلى مقرّهم الرسمي ويتولّى الشيخ تعريفه بالسيرة التي يجب عليه أن يسيرها، وبالأدب الذي يلتزمه، ويؤكّد عليه أن يعرف انّ من أوكد الواجبات عليه أن يحافظ على آداب الإسلام، ويتخلّق بأخلاقه الحميدة، من الاستقامة والنزاهة، والعفّة، والانقطاع إلى خدمة الاُمّة، والتزام المسجد، والاعراض عن حظوظ الدنيا إلاّ بمقدار الضرورة، والاجتهاد في العبادة، والتواضع للمؤمنين، والغلظة على العصاة والمجرمين، وأن يكون قدوة حسنة للناس في قوله وفي عمله، وأن يتحرّى في رزقه التحرّي الكامل، ويختار له أن يكون مجال احترافه الزراعة، لأنّ التجارة تسبّب له احتكاكاً مباشراً بالناس، فيغلب أن لايسلم منها بالحق أو بالباطل، وهم يلخّصون هذا الموقف في عبارة مشهورة متداولة هي:

«أن لايكون في مسجده، أو حقله أو بيته» وبعد أن يعرّف بجميع ما يترتّب عليه من حقوق وواجبات، وما يلقى عليه من مهام ومسؤوليات، يطلب


(299)

إليه أن يعلن عن قبوله أو رفضه، فإذا أعلن قبوله ـ وهذا ما يحدث فعلا ـ اُسندت إليه المهامّ العملية، كأن يقوم بالتدريس أو وكالة المسجد، أو الاشتراك في الاشراف على حقوق الموتى، ثمّ اعلم انّه يعتبر أصغر العزّابة، ولو كان أكبر من بعضهم سنّاً، وعليه أن يتولّى خدمتهم، ويطلب إلى سلفه ـ أي العزّابي الذي كان أصغرهم قبل هذا العضو الجديدـ أن يبقى معه ثلاثة أيّام، يدرّبه فيها على آداب خدمة العزّابة، لأنّه يعتبر رئيسه المباشر، وعندما يجلس العزّابة يتحتّم أن يكون مجلسه بعده... وترتيب مجالس العزّابة ضروري، فلايجوز للمتأخّر أن يسبق المتقدّم، والعزّابي يعتبر رئيساً في أي مكان يوجد فيه، وله وحده حق افتتاح الكلام في المجالس العامّة، وكذلك اختتامه، وادارة المناقشات، وما إلى ذلك، فلايجوز لتلميذ أو عامي أن يتولّى شيئاً من ذلك إلاّ بإذنه.

عقوبة العزّابي:

المطلوب من العزّابي أن يكون قدوة ومثلا للاستقامة، ولذلك فإنّ ما يعتبر من غير أخطاء صغيرة يعتبر منه أخطاء كبيرة يجب عليه الاحتراس منها، والابتعاد عنها، وهذا حتى في مكارم الأخلاق، ومعاملة الناس، فإذا قدّر عليه فأخطأ، نظر مجلس العزّابة في موضوعه:

فإن كان الخطأ كبيراً يتّصل بمعصية الله، ويسىء إلى سمعة العزّابة، أو يلحق إهانة بالمسجد أو استخفافاً بالحق، أو ما أشبه ذلك، وجب عليهم أن يحكموا عليه بالبراءة على الأشهاد، كما يقع بالنسبة لغيره من الناس، ولايرفع عنه حكم البراءة حتى يتوب علناً، وليس له بعد ذلك حق الرجوع إلى مجلس العزّابة أبداً، فإنّ من اُخرج من هذا المجلس بطريق البراءة لايحق له دخوله مرّة


(300)

ثانية، وإن تاب ونصحت توبته، ويبقى كسائر المسلمين له حقوقهم وعليه واجباتهم.

أمّا إذا كان الخطأ صغيراً لايقتضي التوبة، فإنّهم يعقدون له مجلس تأديب سرّي، وقد يحكمون عليه بالابعاد عن مجلس العزّابة لمدة طويلة أو قصيرة حسب الخطأ الذي ارتكبه، وستروا عليه ذلك عن الناس.

وبسبب هذا الحكم كان العزّابة من أشد المحافظين على الإسلام وآدابه، وقد لخّص أحد المشايخ هذه السيرة في عبارة لطيفة فقال: «إنّ متولّي الناس مثل اللبن يغّيره أي شيء يقع عليه» .

كيف تكون نظام العزّابة:

في أواخر القرن الثالث الهجري وقعت حادثتان كبيرتان، وكان لهما أثر كبير على الاباضية، في ليبيا و تونس والجزائر:

الاُولى: الحرب الطاحنة بين الأغالبة والاباضية في قصر مانو، وقد تلقّى فيها الاباضية ضربة عنيفة من يد الطاغية أحمد بن الأغلب.

أمّا الثانية: فهي تغّلب الشيعة على الدولة الرستمية في الجزائر، وقضائهم على هذه الدولة.

وإذا كانت كلتا الدولتين الأغلبية والشيعية لاتتبعان أحكام الإسلام، ولاتعملان بها، فقد فكّر علماء الاباضية في جعل نظام يسيرون عليه، يحفظون به أحكام الله في مواطنهم، ويسيّرون به الاُمّة في الوجهة الصالحة، دون أن يلتجئوا إلى اعلان دولة جديدة، أو يتعلّقوا بدولة ظالمة مستبدّة.

فاهتدوا إلى وضع هذا النظام، وقد كان في أوّل الأمر عرفاً يسير عليه الناس، حتى جاء الإمام الكبير أبو عبدالله محمد بن بكر في أواخر القرن الرابع،


(301)

فحرّره على شكل قانون يشتمل على مواد، ثمّ طبّقه تطبيقاً كاملا في مواطن الاباضية، في ليبيا، ثمّ في تونس، ثمّ في الجزائر، حيث لايزال يطبّق بدقّة، وعلى هذا الأساس اعتبر المؤرّخون أنّ الإمام أبا عبدالله هو واضع نظام العزّابة، والحق أنّه يعتبر واضعاً لهذا النظام، فلولاه لما وصل إلينا على تلك الطريقة المنسّقة، وقد جاء بعد أبي عبدالله عدد من العلماء الكبار عنوا بدراسة هذا النظام عناية خاصّة، وأضافوا إليه بعض المواد، وأطلق عليه بعضهم لفظ «سيرة العزّابة» ومن العلماء الذين عنوا به، وكتبوا عنه: أبو زكريا يحيى بن بكر، وأبو عمّار عبدالكافي، وأبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي، وقد حرص المتأخّرون منهم أن يضيفوا إليه جملا في آداب العالم والمتعلّم، وآداب حلقة العزّابة وما يجب أن تتنزّه عنه.

والذي يدرس هذا النظام كما شرحه اُولئك الأئمّة الأعلام يخرج بقانون فذّ لنظم التربية والتعليم من جهة، وللسيرة الصالحة التي يجب أن يسير عليها المسلمون، فتحفظ عليهم خلقهم ودينهم، عندما تسيطر عليهم دول البغي والعدوان.

هذا ملخّص يسير مختصر عن نظام العزّابة الذي بقى يسير به الاباضية في المغرب الإسلامي مُدّة طويلة .

وقد ارتفع حكم العزّابة من مواطن الاباضية، في ليبيا وتونس في القرن الأخير، ومنذ ارتفع نظام العزّابة في هذه المواطن تسرّب الفساد إلى المجتمع، ولن يستطيع الاباضية أن يعودوا إلى ما كانوا عليه من دين وخلق واستقامة مالم يعودوا إلى الاستمساك بدين الله واللياذ به، وانّ المسلمين جميعاً ما اُصيبوا به إلاّ لانحرافهم عن دين الله، وخروجهم عن منهاجه.

ولن يصلح آخر هذه الاُمّة إلاّ بما صلح به أوّلها.

***


(302)

نصيحة للاباضية

أظن أنّ العالم الاباضي إذا قرأ فصول هذا الجزء لايرمينا بالبخس لحقّه، والتجاهل لمذهبه، والتساهل في نقل عقائده بعدم الرجوع إلى المصادر الأصيلة لهم، كما اتّهم به غيرنا من كتّاب المقالات (1) .

وذلك لأنّا كما رجعنا إلى كتب المخالفين رجعنا إلى مصادرهم أيضاً، ولنا هنا موقف خاص و هو موقف الناصح الشفيق لاخوانه في الدين، لايريد من القاء هذا النصح سوى وجه الله ـ تبارك و تعالى ـ ودعم وحدة الاُمّة وقطع جذور الاختلاف بقدر الامكان.

إنّ كتّاب الاباضية اليوم وأمس خرجوا بهذه النتيجة أنّه لافرق بينهم وبين جميع فرق المسلمين إلاّ في أمرين:

1 ـ تخطئة التحكيم.

2 ـ نفي لزوم القرشيّة في الإمام.


1. علي يحيى معمّر: الاباضية بين الفرق الإسلامية 1/19 ـ 20 .


(303)

وأمّا سائرالاُصول التي يعتقدون بها فهم يلتقون فيها مع بعض الفرق الإسلامية، مثلا يلتقون في القول بعدم زيادة صفاته على ذاته، وامتناع رؤية الله سبحانه في الآخرة، وتنزيهه سبحانه عن وصمة التشبيه بتأويل الصفات الخبرية تأويلا تؤيّده قواعد الأدب والمحاورة وحدوث القرآن، ففي هذه الاُصول يلتقون مع المعتزلة والشيعة الإمامية، وفي تفسير الشفاعة بمعنى ترفيع الدرجة، أو سرعة الدخول إلى الجنّة وخلود أهل المعاصي في النار يلتقون مع المعتزلة، وفي تفسير القدر و كون أفعال الانسان مخلوقة لله سبحانه فهو خالق و العبد كاسب يلتقون مع الأشاعرة (1) .

إذا سلّمنا أنّ هذه الاُصول من عقائدهم وسلّمنا أنّ ما كتبه كتّاب الفرق ورموهم به فرية بلامرية، نرى أنّ من الواجب أن تقوم الطائفة الاباضية بالاُمور التالية حتى يدعم الوئام ويملأ الفراغ وتصبح الاُمّة يداً واحدة، وهي:

1 ـ إنّ الإيمان بصحّة كل ما يكتبونه عن منهجهم ويفسّرون به عقائدهم مشكلٌ جدّاً لما وافاك من أنّ لهم في تبيين الدين مسالك أربعة ومن بين تلك المسالك: «الكتمان والسر» فعندئذ انّه من المحتمل أن تكون كل هذه المناشير مستقاة من هذا المبدأ وأنّها دعايات برّرتها التقيّة، وسوّغتها المصالح الزمنيّة.

فلأجل استقطاب قلوب الناس، حان حين الشطب على هذه المسالك في تبيين الدين، خصوصاً انّ القوم يعيشون في عصر الحريّة، وعندئذ لامبرّر لهم للتقّية لأنّ التقيّة شأن من يخفي عقيدته من مخالفه، ويخاف من ابداء موقفه من الهجوم والقتل والضرب، وأنتم بحمدالله أيّها الاباضيّون ملتقون مع الفرق الإسلامية في جميع المسائل إلاّ مسألتين غير هامّتين، فأجهروا بالحقيقة واشطبوا على هذه المسالك واتّخذوا مسلكاً واحداً .


1. علي يحيى معمّر: الاباضية بين الفرق الإسلامية 1/289 ـ 297 .


(304)

2 ـ إذا كان الحدّ الفاصل بينكم وبين سائر المسلمين هو الأمران المذكوران، فمن الجدير شطب القلم على هذين الأمرين ايضاً: أمّا مسألة القرشية فلو كان شرطاً فإنّما هو شرط في الخلافة الإسلامية والإمامة الدينية، وأين المسلمون من هذه المنى؟ وأين هم به من إقامة صرح الإمامة، وهم يعيشون في سحيق القومية البغيضة النامية في أقوام المسلمين، والعجب انّ الشيخ علي يحيى معمّر قد تنّبه بما ذكرنا، وقال:

«والآن قد ألغت الحياة بعض تلك الاعتبارات التي أدخلتها السياسة على الموضوع، واتّضح للناس جميعاً انّ الصراع الذي وقع بسبب اشتراط الوصية، أو الهاشمية أو القرشية، أو العروبة أو اعتبار الإمام معصوماً، أو لايجوز اسقاطه ولو كان منحرفاً، كل هذه الجوانب التي كان الخلاف بسببها بين فرق الاُمّة ثبت اليوم أنه صراع على تفصيلات لاتدخل في أصل الموضوع» (1).

إنّ فيما ذكره و إن كان إغراقاً حيث انّ البحث عن الوصاية ليس بالمرتبة التي تخيّلها، لأنّه كان يجب على المسلمين بعد رحلة النبي أن يبحثوا عن كيفيّة الاستخلاف وانّه هل هو أوصى برجل أو أدلى الأمر إلى الاُمّة، ولكن وراء ذلك كلّه مشاغبات حدثت بين المسلمين، لاتمت إلى الإسلام بصلة، فإذا كان شرط القرشية وعدمها هذا فما هو المبرّر لجعله أصلا دينياً.

أما مسألة التحكيم، فقد عرفت الحقّ فيه، ولكنّه ليس أصلا من اُصول الدين يناط به الإسلام و الإيمان وقد عاش المسلمون في عصر النبي وبعده إلى أواسط خلافة الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ ولم تكن هذه المسألة مطروحة. أفهل يصحّ أن نتّخذه شعاراً وأصلا أصيلا من الاُصول كالتوحيد، والنبوّة، والمعاد، وما جاء به النبي في مجال المعاش والحياة؟


1. علي يحيى معمّر: الاباضية بين الفرق الإسلامية 2/150 .


(305)

إنّ مسألة التحكيم مسألة تاريخية اختلف فيها الناس من حيث التصويب والتخطئة، فإذا لم تكن الإمامة عند أهل السنّة، أصلا من الاُصول فكيف يكون فرعه اصلا منها؟ وأقصى ما عند أهل السنّة قوله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ : «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية» وهو لايدل على أزيد من لزوم معرفة الإمام الحي، فالاعتقاد بوصف فعل الإمام (صحّة التحكيم وعدمه) الذي مضى قبل أربعة عشر قرناً لايكون أصلا من الاُصول حتى تلزم الاُمّة بالاعتقاد بأحد الطرفين. نعم إنّ ذلك لايمنع عن طرح الموضوع على بساط البحث بين العلماء وبين المدارس والصفوف العلمية من دون أن يكون تحيّز كل فئة في المسألة سبباً للتفرقة.

3 ـ إنّ الاباضية يثنون على المحكّمة الاُولى كعبدالله بن وهب، وحرقوص بن زهير السعدي، وزيد بن الحصين الطائي، ومن لفّ لفّهم من المحكِّمة الاُولى ولايذكرون عنهم شيئاً سوى أنّهم خالفوا التحكيم، وانّ عليّاً حكَّم الرجال في موضوع له حكم في الكتاب والسنّة وهو قتال أهل البغي...

يذكرون ذلك ويطرون عليهم ولايذكرون من عملهم الإجرامى شيئاً وهو أنّ هؤلاء هم الذين فرضوا التحكيم على الإمام، وانّ زيد بن الحصين الطائي جاء مع زهاء عشرين ألف رجل مقّنعين في الحديد ونادوا الإمام باسمه لابإمرة المؤمنين، وقالوا له: لابد من الموافقة على وضع الحرب، وإلاّ نقتلك كما قتلنا عثمان، فاضطرّ الإمام إلى التنازل والموافقة بعد ما خالفهم واحتجّ عليهم بأنّ رفع المصاحف خدعة ومكيدة، وانّه يعرف هؤلاء وانّهم كانوا شرّ أطفال فصاروا شرّ رجال .

هذا هو زيد بن الحصين الطائي فهو بعد فترة قصيرة أصبح مخالفاً للتحكيم إلى حدّ كان هو المرشَّح الأوّل للخوارج في قضية سوق المحكّمة إلى النهروان،


(306)

ولمّا امتنع من قبول القيادة اقترح على حرقوص بن الزهير السعدي، ثمّ على غيره فقبل القيادة في النهاية عبدالله بن وهب الراسبي(1).

فكيف يتولّون جماعة متسرّعين في القضاء تسمّونهم أئمّة وشهداء ولاتذكرون من عملهم الاجرامي شيئاً؟! شهد الله انّي لم أر كلمةً في كتبهم تذكر عملهم الإجرامي في أمر التحكيم.

4 - إنّ الاباضية وصلت في ضوء الاجتهاد المطلق مرتبة جديرة بالذكر وآية ذلك انّهم التقوا في مسألة الرؤية، وعينيّة الصفات، وحدوث القرآن، وتفسير الصفات الخبرية، مع أهل الوعي والعقل والتفكير من المسلمين، ولاشكّ إنّهم وصلوا إلى هذه الاُصول بعد موت عبدالله بن اباض، وجابر بن زيد، ومسلم بن أبي كريمة، والربيع بن حبيب، لأنّ هذه الاُصول إنّما صفت وتنوّرت وتلألأت بفضل البحوث الجبّارة من أهل الفكر و التحقيق و من فضل ماورث علماء أهل البيت من خطب الإمام أمير المؤمنين علي ـ عليه السَّلام ـ حتى صقلوها ببراهينهم الجليّة، فإذا كان هذا حال مذهبهم فلأي مبرّر يسندون مذهبهم إلى واحد من التابعين كعبدالله بن اباض وجابر بن زيد وتلاميذه؟ مع أنّهم لم يكونوا بالنسبة إلى هذه المسائل في حلّ ولامرتحل.

أضف إلى ذلك أنّ الرجلين كانا من التابعين أخذوا عن الصحابة وبلغوا إلى ما بلغوا من العلم، ولكن بين علماء الاُمّة من كان أعلم منهما أعني اُستاذه ابن عباس، ذلك البحر الموّاج ـ حسب تعابير القوم ـ، بل وبينهم الإمامان الحسن و الحسين، وباقر العلوم، وجعفر الصادق(عليهم السلام) وغيرهم فلوكان هناك ملزم للانتساب، فالانتساب إلى الأعلم والأتقى ومن نصّ الكتاب على وجوب ودّه، أولى وألزم، فإن كان هذا الانتماء غير ممكن فالانتماء إلى


1. الطبري: التاريخ 4/5 .


(307)

جميع الصحابة والتابعين بلا رفع واحد و خفض آخر، أولى وأحق .

5 ـ إذا كان الكتاب و السنّة هما المصدران الرئيسيان لدى المسلمين ولديكم فنحن نحبّذ لكم دراسة حال حياة الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ ومناقبه الواردة في السنّة النبوية، ولعلّكم عند ذلك سترجعون عن ولاء المحكّمة الاُولى، وتخطّئون منهجهم وأعمالهم.

هذه أمنيتي واُمنية كل ناصح مشفق، عسى الله أن يجمع كلمة المسلمين ويلمَّ شعثهم، ويجعلهم يداً واحدة قبال المعتدين والمستعمرين، والله رؤوف رحيم.

***


(308)


(309)

الفصل الحادي عشر

مؤسس المذهب الاباضي ودعاته

في العصور الاُولى


(310)


(311)

قد تعرّفت على عقائد الاباضية وشيئاً من اُصولهم وفقههم وسيرتهم والمسالك الأربعة عندهم، فحان التعرّف على أئمّتهم و دعاتهم في القرون الاُولى، خصوصاً أنّ الاباضية هي الفرقة الوحيدة الباقية من الخوارج المنتشرة في مناطق مختلفة أعني عمان، الجزائر، تونس، ليبيا، مصر، المغرب وزنجبار.

1 ـ عبدالله بن اباض، مؤسّس المذهب:

هو عبدالله بن اباض المقاعسي، المري، التميمي ـ من بني مرّة ـ ابن عبيد ابن مقاعس من دعاة الاباضية بل هو مؤسّس المذهب.

قد اشتهرت هذه الفرقة بالاباضية من أوّل يوم، وهذا يدل على أنّه كان لعبدالله بن اباض دور في نشوء هذه الفرقة وازدهارها، وإن كانت الفرقة يطلقون على أنفسهم أسماء اُخرى يشترك فيها سائر المسلمين كأهل الإسلام وأهل الحق أو جماعة المسلمين، وغير ذلك، غير أنّ هذه الأسماء لم تكن وافية بالتعرّف عليهم بل كان المعرّف لهم عنوانين: 1 ـ القعدة 2 ـ الاباضية.

كل ذلك يشرف الإنسان على الاطمئنان بأنّ لابن اباض تأثيراً هامّاً في


(312)

نشوء هذه الفرقة، وإليك البيان:

ظهور خط الاعتدال بعد مقتل الإمام:

قد عرفت أنّ عليّاً ـ عليه السَّلام ـ قد قضى على الخوارج الذين كانوا يثيرون الشغب، ويستعرضون الناس بالسيف، فلمّا مضى علي ـ عليه السَّلام ـ وضع معاوية بن أبي سفيان السيف في الخوارج واستأصل شأفتهم لما كانوا يرتكبون من الأعمال الإجرامية التي عبّر عنها علي ـ عليه السَّلام ـ في خطبة له: «كلاّ والله إنّهم نطف في أصلاب الرجال وقرارات النساء. كلّما نجم منهم قرن قطع، حتى يكون آخرهم لصوصاً سلاّبين»(1) .

وقال ـ عليه السَّلام ـ مخطاباً لهم:

«أما إنّكم ستلقون بعدي ذلاّ شاملا، وسيفاً قاطعاً، وأثرة يتّخذها الظالمون فيكم سنّة»(2) .

ففي هذه الظروف القاسية وجد بينهم رجل يملك شيئاً من العقل ورأى أنّ تلك الأعمال الإجراميّة تسقطهم عن العيون ولا تُبْلِغُهم إلى الهدف، وهو «أبو بلال مرداس بن حدير» ونقطة البداية في دعوة أبي بلال كانت هي انكار مسلك العنف وما يذهبون إليه من قتل المخالفين واستعراض الناس، فأمر أتباعه أن لايُجرِّدوا سلاحاً، ولايقاتلوا مسلماً إلاّ إذا تعرّضوا لعدوان، أو واجهوا قتالا، فكان عليهم حمل السلاح دفاعاً عن النفس، وينقل البلاذري عنه قوله: «إنّ تجريد السيف واخافة السبيل لأمر عظيم، ولكنّا نشذّ عنهم ولانجرّد سيفاً


1. الرضي: نهج البلاغة، الخطبة 60 .
2. الرضي: نهج البلاغة، الخطبة 58 .


(313)

ولا نقاتل إلاّ من قاتلنا»(1) .

ويؤيّد الكاتب انّ خط الاعتدال، ظهر بعد مقتل الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ بقوله:

«إنّ هذا المسلك (التطرّف) منهم، دعا بعض من كانوا يوازرونهم، إلى مخالفتهم، والافتراق عنهم، بل وتوجيه شديد النقد عليهم،...هذا البعض ـ الذي تشدّد بعد أن كانوا لهم مؤيّدين ـ بدا لهم رأي غير الذي ارتأوه جميعاً ورأوا أنّ عليّاً وإن أخطأ في قبول التحكيم، وإن لم ينزل عند طلبهم عليه التوبة ممّا فعل، وكذلك سائر أهل القبلة الذين مازالوا على الشهادتين، إنّما هم مسلمون لايجوز قتالهم، ولاسبي نسائهم، وليست أموالهم غنيمة، وانّ قتالهم لايكون إلاّ في حالة بغي وعدوان منهم، فهنا يجب القتال بمقدار مايلزم لدفع العدوان وردّ البغي (2) .

ويقول: إنّ المحكّمة بعد واقعة النهروان افتقدوا وحدة الصف، وشاعت فيهم الفرقة، وساد الاضطراب، ممّا دفع بعضهم إلى الغلو في التطرّف، وتنكُّبِ الطريق السوي، ووجد بينهم من استنكره ولم يجد بداً من الافتراق عن هؤلاء الذين عرفوا بالخوارج، إيماناً منهم بأنّ طريق الاستعراض بالسيف، ليس هو طريق الإسلام، وقد كان على رأس هؤلاء - الذين عرفوا بالقعدة ـ أبو بلال مرداس ومن خلفه من الدعاة الذين عرفوا فيما بعد بالاباضية(3).

وقد تأثّرت عدّة من الخوارج بهذه الفكرة واستفحلت دعوة أبي بلال، وظهرت معالمها، غير أنّ بني اُميّة لم يكونوا يرضون بوجود قدرة ماثلة أمامهم،


1. صالح بن أحمد الصوافي: الإمام جابر بن زيد العماني: 138 وما نقله عن البلاذري مذكور في الأنساب 5/94 .
2. صالح بن أحمد الصوافي: الإمام جابر بن زيد العماني: 105 و 131 ـ 132 .
3. نفس المصدر .


(314)

فلأجل ذلك استعمل ابن زياد (والي البصرة) بعد موت أبيه زياد بن أبيه، الشدّة والقسوة على جميع المحكِّمة متطرّفيهم ومعتدليهم، فقتل أبابلال مرداس بن حدير في منطقة نائية عن البصرة(1)كما قتل أخاه عروة بن ادية(2) في البصرة فقطّع أيديه ثمّ صلبه.

ففي البصرة اتّبع عمّال الأمويين سياسة البطش والتعذيب والنفي والقتل ضدّ معارضيهم بصفة عامّة، ولم يستثنوا من هذه السياسة جماعة القعدة، ورغم انّ هذه الجماعة لم تأخذ بأسلوب الخوارج في التطرّف والعدوان، وترويع الآمنين، ورفع السيف في وجه الدولة، إلاّ أنّ عمّال بني اُميّة في بلاد العراق، شدّدوا عليها خوفاً من دعوتها التي كانت تستسري بين الناس، وتحاشياً للشرّ قبل وقوعه، وقمعاً للنفاق قبل أن ينجم.

وازاء هذا الإضطهاد لجأت القعدة إلى السرَّية والكتمان، وظلّوا على هذا الأمر(إلاّ في فترة ثورة ابن الزبير) حتى جاء عصر الحجاج بن يوسف الذي قام بدوره في اضطهاة من ينكشف لديه أمره(3) .

وبعد ما ثار عبدالله بن الزبير على عمّال يزيد، ودانت له الحجاز والعراق، فعند ذلك اجتمعت الخوارج وعلى رأسهم نافع بن الأزرق وعبدالله بن صفّار وعبدالله بن اباض، فزعموا أنّه ربّما يوجد عنده أُمنيتهم، ولكن بعدما وقفوا على عقائده في حق عثمان وأصحاب الجمل تفرّقوا عنه، وغادروا مكّة المكرّمة فمنهم من ذهب إلى البصرة ومنهم من ذهب إلى حضرموت.

وفي هذه اللحظة الحسّاسة بدأ الخلاف بين ابن الأزرق وعبدالله بن اباض


1. قتل أوائل خلافة «يزيد» في منطقة «آسك» قريبة من الأهواز عام 60 .
2. وهو الذي سلّ السيف على الأشعث بعد عقد التحكيم كما عرفت تفصيله.
3. الدكتور رجب محمّد عبدالحليم: الاباضية في مصر والمغرب: 32 ـ 33 .


(315)

فاختار الاُوّل الخروج وسلّ السيف، وقتل المخالفين وسبي النساء وأنكر الثاني هذا التطرّف، كل ذلك حوالي عام 64 إلى 65 من الهجرة، فقتل الأوّل بسبب تطرّفه في ناحية الأهواز وبقي الثاني يعيش في ظل الاعتدال والتقيّة.

كل ذلك يعرب عن أنّ عبدالله بن اباض كان في تلك الفترة رجلا كاملا لايقلّ عمره عن عمر الدعاة الذين يقودون اُمّة ويتأمّرون عليهم، ولعلّه كان في تلك الأيام من أبناء الأربعين لو لم يكن أكثر، فعلى ذلك نخرج بهذه النتيجة انّه كان من مواليد سنة 24 من الهجرة فيكون أصغر بسنتين من جابر بن زيد على رواية أو ستّ سنوات على رواية اُخرى .

هذا من جانب، ومن جانب آخر نرى أنّه يخاطب عبدالملك بن مروان في رسالة إليه بقوله: «فلا تسأل عن معاوية ولاعن عمله ولا عن صنعته غير انّا قد أدركناه ورأينا عمله وسيرته في الناس، ولا نعلم أحداً اترك للقسمة التي قسم الله، ولالحكم حكمه الله، ولا أسفك لدم حرام منه»(1) .

كل ذلك يعرب عن أنّ عبدالله بن اباض كان رجلا كاملا وداعياً قويّاً إلى خط الاعتدال وكان هو الناطق باسم هذه الجماعة، فنسب المذهب إليه لأجل ذلك ،فكونه هو المؤسّس للمذهب أو الداعي القوي إلى خط الاعتدال الذي أسّسه أبو بلال هو الأقوى بالنظر إلى النصوص التاريخية، والناظر إلى رسالته التي كتبها إلى عبدالملك بن مروان يجده مناظراً قويّاً ينقض دليل خصمه بحجّة أقوى من حجّته، ونذكر منه نموذجاً:

احتجّ عبدالملك على صلاح معاوية بقوله: «إنّ الله قام معه وعجّل نصره وبلّج حجّته وأظهره على عدوّه بالطلب لدم عثمان....» فأجابه في ذلك


1. الحارثي: العقود الفضية: 122 كما في «الإمام جابر بن زيد» وسيوافيك نصّ الرسالة برمّتها عن مصدر آخر.


(316)

عبدالله بن اباض بقوله: «فإن كنت تعتبر الدين من قبل الدولة والغلبة في الدنيا فإنّنا لانعتبره من قبل ذلك، فقد ظهر المسلمون على الكافرين لينظر كيف يعملون (1) وظهر المشركون على المؤمنين ليبلي المؤمنين ويُعلي الكافرين...فلا تعتبر الدين من قبل الدولة...».

ولو كان هو الكاتب لتلك الرسالة(2) ولم تكن مملاة عليه لدّل على احاطته بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية. كل ذلك يؤيّد انّه هو المؤسّس الثاني للمذهب بعد انطماس خط أبي بلال. وبما أنّ في تلك الرسالة احتجاجات على الطغمة الأمويّة، وفي الوقت نفسه، تعكس الأحوال السائدة في تلك الأيّام، نأتي بنصّها في آخر هذا الفصل و هي من المواثيق التاريخية.

هذا ما وقفنا عليه بعد الغور في التاريخ .

رأى آخر في المؤسّس :

هناك رأي آخر هو أنّ المؤسّس هو جابر بن زيد التابعي، تلميذ ابن عبّاس وغيره كما سيوافيك، وأنّ عبدالله بن اباض كان ناطقاً عن الجماعة التي كان يرأسها ويقودها ذلك التابعي سرّاً وخفاء .

يقول علي يحيى معمّر:

«وبعد وفاة جابر بن زيد ظهر عبدالله بن اباض بأجلى مظاهر الغيرة الدينية ولقّن أصحابه مبدأ الإقدام في تقرير الحق، وقمع أهل الجور والظلم،


1. لعلّه اشارة إلى قوله سبحانه في حقّ بني اسرائيل قال: ( عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهِلْكَ عَدُوَّكُمْ وَ يَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) )ـ الاعراف 129 ـ .
2. قد نقل البرّادي في كتاب الجواهر المنتقاة رسالة ابن اباض في 156 ـ 167 والكتاب مطبوع بمصر طبعة حجرية، كما نقلها مؤلف السير والجوابات لبعض أئمة الاباضيّة .


(317)

المنحرفين عن جادة الصواب، حتى ظهرت هذه الفرقة الناجية المحقة الصادقة في أدوارها الوجودية في حالتي الكتمان والظهور»(1) .

وقال أيضاً: «فقد كان يحضر مجلس جابر بن زيد عدد من الطلاب كقتادة، وأيّوب، وابن دينار، وحيّان الأعرج، وأبي المنذر تميم بن حويص، ومنهم من يأخذ عنه أكثر ممّا يأخذ من غيره، أو يكاد يختصّ بمجلسه، كأبي عبيدة بن مسلم، وضمام، وأبي نوح الدهان، والربيع بن حبيب، وعبدالله بن اباض، ومن هؤلاء الطلاب من كان يشتغل أثناء التحصيل وبعده بالشؤون العامة، ومنهم من اشتغل بالمسائل السياسية ومطارحاتها مع حكّام الدولة الأموية في ميدان الكلمة دون استعمال السيف كعبدالله بن اباض، ومنهم من جلس للتدريس وأخذ مكان الإمام كأبي عبيدة أبي نوح الدهان وقام بنفس الدور وتخصّص فيه (2).

إنّ ما ذكره بصورة أمر قاطع غير ثابت في التاريخ، كيف وأغلب الظن انّ عبدالله بن اباض مات قبل جابر وانّه كان يقود أمر القعدة في حياة جابر، وإن كانت الأقوال في زمان حياته مختلفة، فمن قائل إنّه مات عام 80 إلى آخر إنّه مات قرابة 86 ، إلى ثالث بأنّه مات سنه 100 بالمغرب ودفن في جبل نفوسه، كما أنّه اختلفت الأقوال في حق جابر وأكثر الأقوال إنّه مات عام 94، ذكر بعض المؤرّخين انّه مات عام 104، فكيف يمكن أن يكون عبدالله هو القائم بالأمر بعد وفاة جابر؟

ويظهر تقدّم قيادة عبدالله بن اباض على جابر، من الدكتور رجب محمّد عبدالحليم: قال: إنّ القعدة أو جماعة المسلمين هم الذين انظمّوا إلى جابر بن


1. علي يحيى معمّر: الاباضية في موكب التاريخ، الحلقة الاُولى 151 .
2. الاباضية بين الفرق الاسلاميّة 2/135 ـ 136 .


(318)

زيد، وانضووا تحت قيادته بعد أن انتهى دور عبدالله بن اباض، فبعد أن رأوا مدى القوَّة التي ينعم بها هذا الفقيد الأزدي بسبب مساندة الأزد له، لدرجة انّ الحجّاج المشهور بالبطش والعنف لم يجرأ على قتله عندما عرف صلته بالاباضية واكتفى بنفيه إلى بلدة عمان ولم يلبث أن عاد منها إلى البصرة مرّة اُخرى، ولم يتعرّض له الحجاج في كثير أو قليل(1) .

ويقول في موضع آخر: ولمّا أحسّ الحجاج بنشاط جابر بن زيد الذي تولّى أمر جماعة القعدة بعد عبدالله بن اباض، ألقى به في السجن ثم نفاه إلى عمان، ولمّا عاد منها، ألقى به في السجن مرّة ثانية، كما سجن قيادات القعدة الآخرين(2) .

وهناك نظرية ثالثة وهي أنّ الرجلين كانا متعاصرين، غير أنّ المصلحة الزمنية كانت توجب اختفاء جابر وظهور عبدالله بن اباض في الساحة. يقول الدكتور صالح بن أحمد الصوافي: «لقد آثرت الجماعة أن يظل أمر جابر مستوراً ولعلّ مرجع ذلك مارأوه من عظم الخسارة فيما لو اشتهر أمر جابر وأخذوه بالشدّة، فإنّ ذلك يفقد الجماعة عقلها المدبّر وزعيمها الحقيقي، ولقد بالغ جابر في التخفّي حتى قدّم سواه للتحدّث باسم الجماعة ومُناظرة خصومه، وكان عبدالله بن اباض أحد اُولئك الذين تحدَّثوا كثيراً باسمهم حتى لقد ظن انّه الزعيم الحقيقي للجماعة فنسبها الآخرون إليه، وعرفوها بأنّها جماعة الاباضية مع أنّ عبدالله بن اباض لم يكن إلاّ واحداً من أفرادها قدّمه زعيمها ـ جابر بن زيد ـ للتحدّث عنهم ومناظرة خصومهم»(3) .


1. الاباضية في مصر والمغرب: 200 .
2. الاباضية في مصر و المغرب: 33.
3. صالح بن أحمد الصوافي: الإمام جابر بن زيد العماني 153 .


(319)

يلاحظ عليه: أنّه مجرد استحسان وتحليل حدسي لم يقترن بدليل، وقد عرفت اقتران الرجلين في الولادة والوفاة وظهور عبدالله بن اباض في الدعوة أيّام يزيد بن معاوية، ولم يكن يومذاك اسم من جابر ولاخبر.

ثمّ إنّ الكاتب لمّا رأى أنّ المذهب منتم إلى ابن اباض طيلة قرون، حاول أن يصحّح وجه النسبة إليه وإنّه كان فرداً واحداً من القعدة، وذلك بوجهين:

1 ـ إنّ هذه الجماعة لم تطلق على نفسها اسم الاباضية بل كانوا يسمّون أنفسهم أهل الدعوة أو جماعة المسلمين.

2 ـ إنّ تسمية الاباضية إنّما أطلقها على هذه الجماعة مخالفوهم في فترات تالية، وربّما كان الأمويّون كما يرى البعض هم الذين أطلقوا عليهم هذا الاسم نسبة إلى عبدالله بن اباض لأنّ الأخير كان من علمائهم وشجعانهم والمناظر باسمهم، كما أنّ الأمويّين لايريدون نسبة هذه الفرقة إلى جابر حتى لايجذبوا إليه الأنظار، ولايبدو في حياة جابر المشرقة، فتميل إليهم النفوس، فنسبوهم إلى عبدالله بن اباض وهو أقلّ منزلة من جابر في العلم و إن كان لايقلّ عنه في التقوى والورع والصلاح (1).

ولا يخفى ضعف الوجهين: أمّا الأوّل فلأنّ الهدف من التسمية هو التعرّف على المسمّى، ومن المعلوم أنّ اللفظين المذكورين لفظان عامّان لايكونان مشيرين إليه.

وأمّا الثاني: فمجرّد حدس لادليل عليه ، ولم يكن جابر بن زيد من المشاهير والأعلام بين العلماء والمحدّثين حتى تكون التسمية باسمه موجباً للانجذاب، بشهادة انّه ليس لجابر روايات وافرة في الصحاح والمسانيد.


1. الدكتور صالح بن أحمد الصوافي: الإمام جابر بن زيد 161 ـ 162 نقلا عن تاريخ المغرب الكبير، لمحمّد علي دبوز 2/298 .


(320)

ولعلّ القول الحق ما يذكره الصوافي في آخر كلامه ويقول: إنّ جماعة الاباضية كانت حريصة على التخفّي والتسترّ ولم تبد كجماعة خارجة، وكان أوّل ظهور لها عندما راح عبدالله بن اباض يتحدّث باسمها ويبعث برسائل إلى الأمير الأموي عبدالله بن مروان، فكان من الطبيعي أن تنسب هذه الجماعة إلى من أبدى للخليفة نفسه على أنّه صاحب الرأي والكلمة (1) .

أضف إلى ذلك أنّه لم يثبت كون جابر بن زيد من الاباضية، وسيوافيك انّه كان يصلّي خلف الحجاج ويأخذ جوائزه.

2 ـ جابر بن زيد العماني الأزدي:

وهو الشخصية الثانية التي تتبنّاها الاباضية زعيماً ومؤسّساً لمذهبهم وقد أَطروه في كتبهم، وقد تعرّفت على الاختلاف في ميلاده ووفاته، فهو من رجال النصف الثاني من القرن الأوّل، وقد طلع نجمه في هذه الفترة، وهو عماني عاش في العراق وأمضى أكثر عمره في البصرة احدى عواصم العراق العلمية، وإليك كلمات أهل الرجال في حقّه.

1 - قال أبو حاتم الرازي: جابر بن زيد أبو الشعثاء الأزدي اليحمدي روى عن ابن عباس والحكم بن عمرو وابن عمر، روى عنه عمرو بن دينار وقتادة وعمرو بن هرم. سمعت أبي يقول ذلك.

وعن عطاء انّ ابن عباس قال : لو أنّ أهل البصرة نزلوا عند قول جابر بن زيد لأوسعهم علماً عن كتاب الله عزّوجلّ، وقال عكرمة: كان ابن عباس يقول: هو أحد العلماء، و عن تميم بن حدير عن الرباب قال: سألت ابن عباس عن شيء، فقال: تسألونني وفيكم ابن زيد؟


1. الدكتور صالح بن أحمد الصوافي، الإمام جابر بن زيد: 162 ـ 163 .


(321)

وعن أبي هلال، عن داود، عن عذرة قال: دخلت على جابر بن زيد، فقلت: إنّ هؤلاء القوم ينتحلونك ـ يعني الاباضية ـ ، قال: أبرأ إلى الله عزّوجلّ من ذلك، وعن يحيى بن معين يقول: أبو الشعثاء جابر بن زيد روى عنه قتادة، بصري، ثقة. وقال أبو زرعة: إنّه بصري أزدي، ثقة(1).

2 ـ وقال أبو زكريا النووي بمثل ما قاله الرازي وأضاف: قال أحمد بن حنبل وعمرو بن علي والبخاري: توفّي سنة ثلاث و تسعين، وقال محمّد بن سعد: سنة ثلاث ومائة، وقال الهيثم: سنة أربع ومائة (2) .

3 ـ وقال ابن حجر العسقلاني بمثل ما قالا، وأضاف: وقال العجلي: تابعي ثقة، وفي تاريخ البخاري عن جابر بن زيد قال: لقيني ابن عمر فقال: جابر! إنّك من فقهاء أهل البصرة، وقال ابن حبان في الثقات: كان فقيهاً، ودفن هو وأنس بن مالك في جمعة واحدة، وكان من أعلم الناس بكتاب الله ، وفي كتاب الزهد لأحمد: لمّا مات جابر بن زيد، قال قتادة: اليوم مات أعلم أهل العراق.

وقال اياس بن معاوية: أدركت الناس ومالهم مفت غير جابر بن زيد.

وفي تاريخ ابن أبي خيثمة: كان الحسن البصري إذا غزا أفتى الناس جابر بن زيد.

وفي الضعفاء للساجي: عن يحيى بن معين: كان جابر اباضياً، وعن عكرمة: صفرياً، وأغرب الأصيلي فقال: هو رجل من أهل البصرة لايعرف، انفرد عن ابن عباس بحديث: «من لم يجد إزاراً فليلبس السراويل» ولايعرف هذا الحديث بالمدينة(3).


1. أبو حاتم الرازي: الجرح والتعديل 2/494، رقم 2032 .
2. أبو زكريا النووي (ت 676)، تهذيب الأسماء واللغات 1/142، رقم 98 .
3. تهذيب التهذيب 2/34 ،رقم 61 .


(322)

4 ـ وقال أيضاً: جابر بن زيد، أبو الشعثاء الأزدي الجوفي (1) ـ بفتح الجيم وسكون الواو بعدها فاء ـ البصري، مشهور بكنيته، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة 93، ويقال: ومائة (2) .

ولم يذكره الذهبي في ميزان الاعتدال ولا ابن حجر في لسانه، وقال الأوّل في سير أعلام النبلاء: روى جابر عن ابن عباس، قال: آخى النبي بين الزبير وابن مسعود. وفي موضع آخر منه روى قتادة، قال: سمعت جابر بن زيد يحدّث عن ابن عباس قال: تقطع الصلاة الحائض(3) .

هذا ما وقفت عليه في كتب الرجال من أحوال الرجل، وقد قامت الاباضية في العصور الأخيرة بترجمته ترجمة وافية، وقد اطروه وإليك نبذاً من كلماتهم في حقّه:

كلمات الاباضية في حقّ جابر:

هذه نصوص علماء الرجال من أهل السنّة ولاعتب علينا أن نشير إلى كلمات اتباع الرجل وإن طال بنا المقام.

1 ـ لم يكن جابر بن زيد ممّن عرف عنهم الميل إلى التمرّد أو الثورة، فلم يُعرف عنه أنّه كان ضمن الذين خرجوا على الإمام علي بن أبي طالب، أو اعتزلوه أو تمرّدوا عليه، إذ أنّه ولد في عمان في الفترة ما بين عامي 18 و 22 هـ ، ثمّ رحل إلى البصرة يطلب العلم، وهو شاب في زمن لا نعرفه، ولايمكن تحديده، وغلب انّه رحل إليها بعد سنّ العشرين حيث كان شابّاً يستطيع تحمّل مشقّة


1. ينسب إلى درب الجوف وهي محلّة بالبصرة.
2. ابن حجر العسقلاني: تقريب التهذيب 1/122، رقم 5 .
3. الذهبي: سير أعلام النبلاء 1/490 و 10/252 .


(323)

السفر و الترحال. والمعروف أنّ التحكيم الذي أدّى إلى انفصال جزء من جيش علي عنه، وقيامهم بمعارضته والخروج عليه، كان في رمضان من عام 37، وحدثت معركة النهروان التي أكّدت هذا الانفصال وكرّسته في عام 38 هـ .

وعلى ذلك فإنّ جابر بن زيد امّا أنّه لم يكن موجوداً في البصرة عند وقوع هذه الأحداث، أو انّه كان موجوداً، ولكنّه لم يشارك فيها على أي نحو من الأنحاء، لأنّ كتب التاريخ السنّية والشيعية والاباضية لم يرد فيها ذكر لأي شيء يتعلّق به، أو حتى مجرّد ذكر اسمه في تلك الفترة، ولم يسمع أحد شيئاً عن جابر بن زيد إلاّ بعد انتهاء هذه الأحداث لحوالي أربعين عاماً عندما أتى الحجاج بن يوسف الثقفي إلى العراق والياً عليه من قبل عبدالملك بن مروان في عام 75 (1).

2 ـ إنّ مؤسّس مذهب الاباضي لم يكن ممّن شهدوا حرب الجمل او صفّين أو النهروان، ولم يكن ضمن هؤلاء الذين رفعوا السيف في وجه الدولة أو حاربوها من الخوارج وغيرهم، بل كان يأتلف معها، فقد كان يأخذ عطاءه من الحجاج بن يوسف الثقفي، كما كان يأخذ جائرته ويحضر مجلسه ويصلّي خلفه.

ولذلك كان من مبادئ الاباضية بعد جابر، جواز الصلاة خلف أهل القبلة كلّهم، وخلف الجبابرة في أي بلد غلب عليه الجبابرة، ويجيزون الغزو معهم أيضاً، كما كانوا يأخذون بأحكامهم، ولايرون في ذلك بأساً طالما أنّ أحكامهم كانت موافقة للحقّ والعدل، وكانوا يستحسنون أفعالهم إذا جاءت على هذه الصفة.

من ذلك: ما حدث عندما عرض على عبدالملك بن مروان أمر رجل


1. الدكتور رجب محمّد عبدالحليم: الاباضية في المصر والمغرب: 15 .


(324)

تزوّج من امرأة أبيه ظنّاً منه انّها تجوز له، فأمر عبدالملك بقتله على جهله فيما لايجوز الجهل به، وقال: لاجهل في الإسلام ولاتجاهل، فاستحسن جابر بن زيد هذا العمل من عبدالملك وقال عنه: إنّه أحسن وأجاد. وما ذاك إلاّ لما تميّز به هذا الفقيه الكبير، تميّز مذهبه من صفة التسامح والاعتدال، ولما قام عليه هذا المذهب من اُسس واُصول (1).

3 - إنّ جابراً كان يصلّي الجمعة في المسجد الجامع في البصرة خلف عبيدالله بن زياد، وكان يقول لهم: إنّها صلاة جامعة وسنّة متّبعة.

وذكروا: انّه كان يتناول من الحجاج عطاء مقداره ستمائة أو سبعمائة درهم ويصلّي خلفه، وعرض عليه الحجاج أن يولّيه القضاء ولكن جابراً رفض هذا العرض(2) .

4 ـ إنّ العلم مثله مثل طائر باض في المدينة المنّورة، وفرّخ بالبصرة، وطار إلى عمان (3).

يريد انّه فرّخ بالبصرة بيد جابر، ولمّا مات جابر انتقل العلم إلى عمان و ذلك قبيل نهاية القرن الثاني للهجرة حيث قامت الإمامة الاباضية في عمان عام 177، وصارت هذه البلاد حجر الزاوية ومركز الثقل السياسي بالنسبة إلى المذهب و الدعوة.

5 ـ إنّ جابر بن زيد الأزدي من أهل البصرة، يروي عن عبدالله بن عباس، وقد لقي جابر بن زيد عائشة اُمّ المؤمنين وسألها عن بعض مسائل، فلمّا خرج عنها قالت: لقد سألني عن مسائل لم يسألني عنها مخلوق قط، وإنّما توفّي


1. الدكتور رجب محمد عبدالحليم: الاباضية في مصر والمغرب: 57 ـ 58 .
2. الدكتور رجب محمد عبدالحليم: الاباضية في مصر والمغرب: 16 ـ 19 ـ 32 .
3. يكرّرون هذا التعبير في غير واحد من كتبهم وهو من المغالاة في القول .


(325)

جابر ـ رضى الله عنه ـ سنة ثلاث سنين ومائة (1).

6 ـ اشتهر انّه لايماكس في ثلاث: في كراء إلى مكّة، وفي عبد يشترى ليعتق، وفي شاة التضحية، وكان يقول: لانماكس في شيء نتقرّب إليه.

روي أنّه رأى أحد الحجبة يصلّي فوق الكعبة، فنادى: يا من يصلّي فوق الكعبة لاقبلة لك(2) .

7 - إنّ جابراً أحد المؤلّفين في الإسلام وقد كان لديوانه رنّة، وكان موضع تنافس بين دور الكتب الإسلامية، واستطاعت مكتبة بغداد أن تحصل عليه و أن تبخل به عن غيرها من المكتبات.

يقول علي يحيى معمر:

كان لهذا الكتاب قيمة كبرى لما فيه من علم وهدى، ولقربه من عصر النبوّة، ولأخذ مؤلّفه عن الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ ، وكانت له قيمة اُخرى أثرية وهي أنّه أوّل كتاب ضخم اُلّف في الإسلام.

وإنّه لمن المؤسف أن يضيع هذا التراث العظيم من مكتبة بغداد عندما اُحرقت تلك المكتبة العظيمة. وضاعت منها آلاف النفائس، كما أنّه من المؤلم المُرّ أن تضيع النسخة التي وصلت إلى ليبيا، فيما ضاع من التراث الإسلامي العظيم بسبب الجهل والحقد وطلب الرفعة عند الناس، وليس أعظم محنة من ضياع التراث العلمي والخلقي والديني لاُمّة مسلمة لايستقيم حاضرها إلاّ على القواعد المتينة التي ابتنى عليها ماضيها، ولن يصلح حاضر هذه الاُمّة إلاّ بما صلح به أوّلها(3) .


1. ابن سلام الاباضي: بدء الاسلام وشرائع الدين: 108 .
2. علي يحيى معمّر: الاباضية في موكب التاريخ، الحلقة الاُولى: 148.
3. علي يحيى معمّر: الاباضية في موكب التاريخ، الحلقة الاُولى: 150 .


(326)

8 ـ إنّ جابراً أخذ عن عبدالله بن مسعود وجابر بن عبدالله وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري، وقال: كان جابر بن زيد يلتقي باُمّ المؤمنين عائشة ويأخذ عنها العلم ويسألها عن سنّة الرسول، وقد سألها يوماً عن جماع النبي وكيف كان يفعل، وانّ جبينها يتصبّب عرقاً وتقول عائشة: سل يا بُنيّ، ثم قالت له ممّن أنت؟ قال: من أهل المشرق من بلد يقال لها عُمَان.

ولمّا كان هذا السؤال بظاهره بمعزل عن الوقار علّق عليه صاحب «تحفة الأعيان» بقوله: المراد انّه سألها عن مقدّمات الجماع التي يجوز السؤال عنها حرصاً منه ـ رضى الله عنه ـ على نقل السنّة وجمعها كي يكون المسلم مقتدياً برسول الله في كل أعماله دقيقها وجليلها.

يلاحظ عليه: أنّه لو صحّ السؤال لما نفع هذا التعليق وأمثاله ممّا حشدها مؤلّف الكتاب وهو يعرب عن سذاجة الرجل و عدم عرفانه بموضع السؤال والمسؤول، والعجب انّ جواب اُمّ المؤمنين لم يذكر في هذه الكتب ولم تصل السنّة إلى أيديهم، ولعلّ تكذيب أصل القضية أولى من توجيهها.

وهناك ملاحظة حول حياة جابر وهو أنّ صلاته خلف الحجاج تبرّرها التقية، وأمّا أخذ الجوائز الذي هو بمعنى دعم ولايته واضفاء المشروعية عليها، فهل تبرّره التقيّة؟ أو كان من واجبه التخلّي عنها كما تخلّى عن قبول القضاء؟

إنّ ما جاء في هذه الكلمات من كون الرجل اباضياً مدعماً لمبدئه قاصر عن افادة الاطمئنان و الاذعان، فإنّ التقيّة أمر مشترك بين الاباضية وغيرهم، فالذي يوجب تقدير الرجل بل تقدير تلك الطائفة، انّهم يملكون الشجاعة الأدبية في الاجهار بجواز التقية والسلوك عليها في حياتهم، بينما يفقدها غيرهم من فرق أهل السنّة، فهم يعملون بالتقية في حياتهم السياسية والاجتماعية ولكن لايجاهرون بجوازها لو لم يكونوا مجاهرين بحرمتها!


(327)

فقه جابر بن زيد:

قد قام «يحيى محمّد بكوش» بجمع أقوال وآراء جابر من بطون الكتب، وهو يقول في مقدّمة الكتاب: «فقد وجدت في بطون الكتب أقوالا عديدة للإمام جابر بن زيد سواء ذلك في كتب الاباضية أو في غيرها، من كتب المذاهب الاُخرى، ثمّ رجعت إلى كتب الحديث فالتقيت برواياته منبثّة من هنا وهناك فانقدحت في ذهني فكرة أجمع ما يتيسّر لي جمعه وضمّه في مجموعة اُخرجها للناس...وفي أثناء بحثي ظهر للاُستاذ الصوافي كتاب يتناول هذا الجانب فاطّلعت عليه واستفدت منه كما اطّلعت أثناء ذلك على كتاب للاُستاذ «عوض خليفات» الذي درس نشأة الحركة الاباضية في المشرق فاستفدت منه أيضاً...وقد قسّمت الكتاب إلى أبواب بلغت أحد عشر باباً، وكل باب يشتمل على مسائل متفرّفة قد لايجمع بينها سوى أنّها تنسب إلى ذلك الباب، وإليك فهرس الأبواب:

1 ـ في حياة الإمام جابر بن زيد، فيه 13 مسألة.

2 ـ في مسائل القرآن وعلومه، فيه 41 مسألة .

3 ـ في الطهارات، فيه 19 مسألة .

4 ـ في الصلاة، فيه 44 مسألة.

5 ـ في الزكاة، فيه 12 مسألة.

6 ـ في مسائل الصوم، فيه 18 مسألة .

7 ـ في مسائل الحج، فيه 30 مسألة.

8 ـ في مسائل النكاح والطلاق، فيه 61 مسألة .

9 ـ في المعاملات، فيه 21 مسألة.

10 ـ في الأقضية والأحكام، فيه 15 مسألة.


(328)

11 - في الزكاة والأطعمة والكفّارات والنذور والوصايا والمواريث، فيه 31 مسألة (1) .

ثمّ إنّ الكتاب خرج في 728 صفحة، وربّما يتخيّل القارىء في بادىء النظر أنّ أكثر ما جاء فيها يرجع إلى آراء جابر وأقواله وأفكاره، ولكنّه بعد ما سبر الكتاب سرعان ما يرجع ويقف انّ مجموع ما روي عنه في تلك الأبواب ـ لو جمع في محل واحد ـ لايتجاوز عن عشر صفحات، ولكن المؤلّف اتّخذ طريقة المقارنة الفقهية وطلب لآراء المذاهب دليلها، فجاء الكتاب كتاباً ضخماً في الفقه، هو لايمت إلى جابر بصلة إلاّ قليلا.

هذا وقد بسط المؤلّف الكلام في ترجمة جابر في الباب الأوّل، ومن أراد التبسّط فليرجع إليه.

3 ـ أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة (ت حوالي 158 هـ) :

هذا هو الشخصية الثالثة لفرقة الاباضية وله ترجمة في كتب الرجال والتاريخ كما له ترجمة مفصّلة في كتب الاباضية، ونذكر ما وقفنا عليه في القسم الأوّل ثمّ نردفه بكلمات الاباضية.

قال الحافظ الرازي: «مسلم بن أبي كريمة روى عن علي ـ رضي الله عنه ـ ، روى عنه...(كذا)، سمعت أبي يقول ذلك ويقول: هو مجهول (2) .

ولو كان المقصود من العنوان هو المترجم فيروي عن علي ـ عليه السَّلام ـ بواسطة أو واسطتين كما لا يخفى.

وعنونه ابن حبّان في الثقات، واكتفى بنقل اسمه فقط وقال: مسلم بن


1. يحيى محمّد بكوش: فقه الإمام جابر بن زيد: 7 ـ 8 وفهرس الكتاب .
2. الرازي: الجرح والتعديل 8/193 برقم 845 .


(329)

أبي كريمة (1) .

وقال ابن الجوزي: مسلم بن أبي كريمة، قال الرازي: مجهول(2) .

ولم أجد له ترجمة في الكتب الرجالية، وأمّا كلمات الاباضية في حقّه، فإليك بيانها:

يقول علي يحيى معمّر: أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي الذي توفّي في ولاية أبي جعفر المنصور المتوفّى سنة 158 هـ ، وقد أدرك من أدركه جابر بن زيد، فروايته عن جابر رواية تابعي عن تابعي. وقد روى أبو عبيدة أيضاً عن جابر بن عبدالله وأنس بن مالك وأبي هريرة وابن عباس وأبي سعيد الخدري وعائشة اُمّ المؤمنين (3) ـ رضى الله عنها ـ وروايته هذه عنهم موجودة في هذا المسند الصحيح (4) وهي رواية تابعي عن تابعي .

شيوخه:

أخذ أبو عبيدة العلم عمّن لقيه من الصحابة وعن الجابرين: جابر بن عبدالله وجابر بن زيد، وعن ضمار السعيدي وجعفر السماك وغيرهم.

تلاميذه :

وحمل العلم عن أبي عبيدة خلق كثير، منهم الربيع بن حبيب الفراهيدي صاحب المسند، وفيهم: حملة العلم إلى المغرب و هم: أبو الخطاب


1. محمد بن حبّان بن أحمد التميمي البستي: الثقات 5/354 و 401 .
2. عبدالرحمان بن الجوزي: كتاب الضعفاء و المتروكين 3/118 دار الكتب العلمية، بيروت 1406، ولاحظ بدء الاسلام: 26، 99، 110، 114، ولسان الميزان 6/32 .
3. سماعه عن اُمّ المؤمنين عائشة و أبي هريرة بعيد جداً إلاّ أن يكون الرجل من المعمّرين .
4. اشارة الى مسند الربيع بن حبيب، والصحيح أن يقال: الجامع الصحيح، كما سيوافيك .


(330)

المعافري، وعبدالرحمن بن رستم وعاصم السدراتي، وإسماعيل بن درار العذامسي، وأبو داود القبلي النفراوي، وكان الإمام أبو الخطاب المعافري قد جاء من اليمن فرافق الأربعة من أهل المغرب فخرج معهم إلى بلادهم، فنصّبوه عليهم بأمر شيخهم أبي عبيدة. وبأمره نُصّب الإمام عبدالله بن يحيى الكندي في أرض اليمن، وجمعت إمارته اليمن والحجاز، وأقام حملة العلم عنده خمس سنين فلمّا أرادوا الوداع سأله إسماعيل بن درار عن ثلاثمائة مسألة من مسائل الأحكام. فقال له أبو عبيدة: «أتريد أن تكون قاضياً مع ابن درار؟ قال: أرايت ان ابتليت بذلك» (1).

وقد روي عنه أنّه قال: من لم يكن له اُستاذ من الصحابة فليس هو على شيء من الدين، وقد منَّ الله علينا بعبدالله بن عباس، وعبدالله بن مسعود، وعبدالله بن سلاّم(2) .

4 ـ أبو عمرو ربيع بن حبيب الفراهيدي:

إنّ الربيع من أئمّة الاباضية وهو صاحب المسند المطبوع، ولم نجد له ترجمة وافية في كتب الرجال لأهل السنّة (3) ونكتفي في المقام بما ذكره الاُستاذ التنوخي في مقدّمته على شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب:

«ومن يمن الطالع عن الحديث أن يكون الربيعان: الربيع بن صبيح والربيع بن حبيب في طليعة ركب الجامعين للحديث، والمصنفّين فيه، ومن


1. علي يحيى معمّر: الاباضية بين الفرق الاسلامية 1/166 ـ 167 .
2. صالح بن أحمد الصوافي: الإمام جابر بن زيد العماني، وقد ترجم له ترجمة مفصّلة وذكر مواقفه في تنظيم الدعوة ومجالها، والانتهاز من مواسم الحج لنشر المذهب واعمال السياسة السرّية والأخذ بالتقيّة، فمن أراد فليرجع إليه (169 ـ 175) .
3. له ترجمة في بدء الاسلام 110، والاعلام 3/13 .


(331)

الأسف أن لاندري شيئاً عن مصير مسند ابن صبيح وعسى أن يهتم بذلك الباحثون عن نفائس المخطوطات، ومن لطف الباري أن أبقى لنا مسند الربيع بن حبيب، ثمّ من نعمه عليّ أن وفّقني لإعادة نشره مع شرح علاّمة عمان عبدالله بن حميد السالمي ولم يطّلع على المسند وشرحه في علماء مصر والشام والعراق إلاّ قليل.

الثلاثيات:

قد ذكر أئمّة الحديث أنّ رتب الصحيح تتفاوت تفاوت الأوصاف المقتضية للصحيح، وانّ المرتبة العلياما اطلق عليه بعض رجال الحديث أنّه أصح الأسانيد الثلاثية كسند الزهري عن سالم بن عبدالله بن عمر عن أبيه، وسند إبراهيم النخعي عن علقمة عن ابن مسعود، وسند مالك عن نافع عن ابن عمر، وهو قول البخاري لأنّ هذه الأسانيد قصيرة السند و قريبة الاتصال بالينبوع المحمّدي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ .

ويشبه هذه الثلاثة الذهبية سلسلة مسند الربيع بن حبيب وثلاثياته... أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس، ورجال هذه السلسلة الربيعية من أوثق الرجال وأحفظهم و أصدقهم، لم يشب أحاديثها شائبة انكار ولا ارسال ولاانقطاع ولااعضال.

ولمزايا هذه الثلاثيات اهتمّ كثير من أئمّة الحديث بتأليف الثلاثيات .

1 ـ ثلاثيات الإمام أحمد المطبوعة أخيراً بدمشق سنة 1380 هـ ، وشرحها في جزأين الإمام محمّد السفاريني، وعدد ثلاثياته خمسة وستون ومائة حديث.

2 ـ ثلاثيات البخاري وهي في صحيحه ثنان و عشرون حديثاً.


(332)

3 ـ ثلاثيات الدارمي وهي خمسة عشر حديثاً وقعت في مسنده بسنده.

4 ـ ثلاثيات الربيع بن حبيب الأزدي، وأحاديثها في مسنده، ورجال سلسلتها الثلاثية هم أبو عبيدة التميمي، وجابر بن زيد الأزدي، والبحر عبدالله بن عباس ـ شيخ جابر ـ ، وغيره من الصحابة .

وقد طبع هذا المسند القديم مع شرحه للإمام عبدالله السالمي في أربعة مجلدات طبع اثنان منها في مصر والثالث بدمشق، ولقد سبرته ولمست أنّ الرجل كان يملك شيئاً من الانصاف، فلابأس بالاشارة إلى بعض خصوصياته.

انطباعات عن الجامع الصحيح:

هذا الجامع: مسند الربيع بن حبيب الأزدي البصري رتّبه أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني وطبع في أربعة أجزاء تبلغ عدد صفحاته 302 صفحة، طبع بدمشق سنة 1388 هـ بتقديم عبدالله بن حميد السالمي وأشرف على طبعه محمود غيران.

أكثير المؤلّف في هذا المسند الروايات عن ضمام بن السائب البصري العثماني عن جابر.

ثمّ عن أبي عبيدة (مسلم بن أبي كريمة).

ثمّ عن أبي نوح (صالح بن نوح).

ثمّ عن سائر مشايخه .

وأكثر الروايات في الكتاب موقوفات تنتهي إلى الصحابة الاّ قليل منها مسند إلى النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وممّا يشهد على كون الرجل موضوعياً أنّه نقل الروايات عن علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ وإليك رواياته عنه:


(333)

«الباب (9) ما روى عن علي بن أبي طالب»:

«في التعظيم لله عزّوجلّ ونفي التشبيه له سبحانه عن الأشباه»

قال الربيع: بلغني عن أبي مسعود، عن عثمان بن عبدالرحمن المدني، عن أبي إسحاق والشعبي قال: كان علي بن أبي طالب يقول في تمجيد الله عزّوجلّ: الحيُّ القائمُ الواحدُ الدائمُ فكَّاك المقادِمِ ورزّاقُ البهائم، القائمُ بغير منصبة، الدائم بغير غاية، الخالق بغير كلفة، فأعرَفُ العباد به الذي بالحدود لايصفُهُ ولا بما يوجد في الخلق يتوهّمه، لاتدركه الأبصار وهو يدك الأبصار .

«الباب (10) خطبة علي»:

قال الربيع: وأخبرنا أبان قال: حدثنا يحيى بن إسماعيل، عن الحارث الهمداني قال: بلغ عليّاً أنّ قوماً من أهل عسكره شبّهوا الله وأفرطوا، قال: فخطب علي الناس فحمدالله وأثنى عليه ثمّ قال: يا أيّها الناس اتّقوا هذا العارقة(1) فقالوا: يا أمير المؤمنين وما العارقة؟ قال: الذين يشبّهون الله بأنفسهم، فقالوا: وكيف يشبّهون الله بأنفسهم؟ قال: يضاهئون بذلك قول الذين كفروا من أهل الكتاب إذ قالوا: خلق الله آدم على صورته، سبحانه وتعالى عمّا يقولون، سبحانه وتعالى عمّا يشركون، بل هو الله الواحد الذي ليس كمثله شيء، استخلص الوحدانية والجبروت، وأمضى المشيئة والارادة والقدرة والعلم بما هو كائن، لامنازع له في شيء، ولاكفؤ له يعادله، ولاضد له ينازعه، ولاسميّ له يشبهه، ولامثل له يشاكله، ولاتبدو له الاُمور، ولاتجري عليه الأحوال، ولا تنزل به الأحداث، وهو يجري الأحوال وينزّل الأحداث على المخلوقين، لايبلغ الواصفون كنه حقيقته ولايخطر على القلوب مبلغ جبروته لأنّه ليس له في


1. وفي نسخة الفارقة.


(334)

الخلق شبيه ولا له في الأشياء نظير، لاتدركه العلماء بألبابها ولاأهل التفكير بتدبيرها وتفكيرها إلا بالتحقيق إيماناً بالغيب لأنّه لايوصف بشيء من صفات المخلوقين و هو الواحد الذي لاكفؤله (وَ أَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الباطِلُ وَ أَنَّ اللهَ هُوَ العَلِيُّ الكَبيِرُ).

«الباب (11) قصة اليهودي مع علي بن أبي طالب»:

قال: وأخبرنا إسماعيل بن يحيى قال: حدثنا سفيان(1) عن الضحّاك قال: جاء يهودي إلى علي بن أبي طالب فقال: ياعلي متى كان ربّنا؟ فقال علي إنّما يقال متى كان لشيء لم يكن فكان، وهو كائن بلاكينونة، كائن بلاكيفية، ولم يزل بلاكيف، ليس له قبل وهو قبل القبل، بلاغاية ولامنتهى غاية تنتهي إليها غايته انقطعت الغايات عنده وهو غاية الغايات.

«الباب (12) قصة القصاب مع علي بن أبي طالب»:

أخبرنا أبو قبيصة، عن عبدالغفار الواسطيّ، عن عطاء: انّ علي بن أبي طالب مرّ بقصّاب يقول: لاوالذي احتجب بسبع سموات لاأزيدُك شيئاً، قال: فضرب علي بيده على كتفه فقال: يا لحّام إنّ الله لايحتجب عن خلقه ولكن(2) حجب خلقه عنه، فقال: اُكفّر عن يميني؟ فقال: لا، لأنّك إنّما حلفت بغيرالله(3) .


1. خ سنان.
2. خ ولكّنه .
3. قوله: انّما حلفت بغير الله، هذا منه اعتبار بظاهر اللفظ انكاراً لما سمع وتغليظاً على القائل، وإلاّ فإنّ الحالف انّما قصد الحلف بالله عزّوجلّ وإن أخطأ في وصفه والله أعلم .


(335)

وقال علي بن أبي طالب لمّا وجّه رسله إلى معاوية بن أبي سفيان: صلّوا في رحالكم واجعلوا صلاتكم معهم سبحة فإنّ الله لايتقبّل إلا من المتّقين.

قال: وحدثني موسى بن جبير، عن عبدالمجيد والفضيل بن عياض، عن منصور بن المعتمر، عن الحكم بن عيينة، عن علي بن أبي طالب قوله تعالى: ( )لِلَّذِينَ اَحْسَنُوا الحُسْنى وَ زِيادَة)) .)

قال: غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب(1) .

5 ـ أبو يحيى عبدالله بن يحيى الكندي (طالب الحق):

كان عبدالله بن يحيى بن عمر الكندي من حضرموت، وكان قاضياً لإبراهيم بن جبلة عامل القاسم بن عمر على حضرموت، وهو عامل مروان على اليمن(2) .

إنّ عبدالله بن يحيى الكندي أحد بني عمرو بن معاوية كان من حضرموت، وكتب إلى ابى عبيدة مسلم بن أبي كريمة وإلى غيرهم من الاباضية بالبصرة، يشاورهم بالخروج، فكتبوا إليه: إن استطعت أن لاتقيم يوماً واحداً فافعل، وأشخص إليه ابو عبيدة، أبا حمزة المختار بن عوف الأزدي في رجال من الاباضية فقدموا عليه حضرموت، فحثّوه على الخروج وأتوه بكتب أصحابه، فدعا أصحابه فبايعوه فقصدوا دار العمارة وعلى حضرموت، إبراهيم بن جبلة بن مخرمة الكندي، فأخذوه فحبسوه يوماً ثم أطلقوه، فأتى صنعاء وأقام عبدالله بن يحيى بحضرموت، وكثر جمعهم، وسمّوه «طالب الحق»، ثمّ استولى على صنعاء فأخذ الضحّاك بن الزمل وإبراهيم بن


1. مسند ربيع بن حبيب: ص 217 ـ 219 و ص 205 .
2. صالح بن أحمد الصوافي: الإمام جابر بن زيد: 176، نقلا عن الحارثي: العقود الفضية: 187 .


(336)

جبلة بن مخرمة فحبسهما، وجمع الخزائن والأموال فأحرزها ثمّ أرسل إلى الضحّاك وإبراهيم فأرسلهما، وقال لهما: حبستكما خوفاً عليكما من العامة وليس عليكما مكروه فأقيما إن شئتما أو أشخصا، فخرجا.

فلمّا استولى عبدالله بن يحيى على بلاد اليمن خطب الناس وقال: إنّا ندعوكم إلى كتاب الله تعالى وسنّة نبيّه وإجابة من دعا إليهما. الإسلام ديننا، ومحمّد نبيّنا، والكعبة قبلتنا، والقرآن إمامنا. رضينا بالحلال حلالا لانبغي به بدلا، ولانشتري به ثمناً قليلا، وحرّمنا الحرام ونبذناه وراء ظهورنا، ولاحول ولا قوّة إلاّ بالله وإلى الله المشتكى وعليه المعوّل، من زنا فهو كافر، ومن سرق فهو كافر، ومن شرب الخمر، فهو كافر، ومن شكّ في أنّه كافر، فهو كافر، ندعوكم إلى فرائض بيّنات، وآيات محكمات، وآثار مقتدى بها، ونشهد أنّ الله صادق فيما وعد، عدل فيما حكم، وندعوا إلى توحيد الرب واليقين بالوعيد والوعد، واداء الفرائض، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والولاية لأهل ولاية الله، والعداوة لأعداء الله. كلّ ذلك كان في سنة ثمان و عشرين ومائة (1).

ثمّ إنّه استولى على مكّة ثم المدينة وذلك في الوقت الذي بدأت ثورة بني العباس في خراسان، فكانت الدولة المركزية المروانية مشغولة باخماد الثورة، فانتهز طالب الحق الفرصة وبسط سيطرته على الحجاز كلّه، ولكن في سنة ثلاثين ومائة جهزّ مروان بن محمّد جيشاً مع عبدالملك بن محمد بن عطية السعدي فلقى الخوارج بوادي القرى فقتل بلج بن عقبة، وفرّ أبو حمزة في بقيّتهم إلى مكة، فلحقهم عبدالملك فكانت بينهم وقعة قتل فيها أبو حمزة وأكثر من كان معه من الخوارج، وصار عبدالملك في جيش مروان من أهل الشام يريد


1. أبو الفرج الاصبهاني: الأغاني 23/224 ـ 256، وقد بسط الكلام في خبر عبدالله بن يحيى وخروجه ومقتله .


(337)

اليمن. وخرج عبدالله بن يحيى الكندي الخارجي من صنعاء فالتقوا بناحية الطائف وأرض جرس فكانت بينهم حرب عظيمة قتل فيها عبدالله بن يحيى وأكثر من كان معه من الاباضية، ولحق بقيّة الخوارج ببلاد حضرموت.

يقول المسعودي: فأكثرها اباضية إلى هذا الوقت وهو سنة 332 هـ ولا فرق بينهم وبين من بعمان من الخوارج في هذا المذهب(1) .

أئمّة الاباضية في القرون الاُولى:

قد تعرّفت على الشخصيات البارزة للاباضية في القرن الأوّل وبداية القرن الثاني، غير أنّ أئمّتهم وشخصياتهم لاتحصر فيما ذكرنا، ونحن نأتي بقائمة أسمائهم فمن أراد التوسّع فليرجع إلى تراجمهم في الكتب المعدّة، فقد ذكروا أنّ لهم وراء من ذكرنا ترجمتهم، أئمّة بالأسماء التالية:

القرن الأوّل:

1 ـ جعفر بن السماك العبدي .

2 ـ أبوسفيان قنبر.

3 ـ الصحار العبدي.

القرن الثاني:

4 ـ صمّام بن السائب .

5 ـ أبو نوح صالح الدهان.


1. المسعودي: مروج الذهب ومعادن الجوهر 3/242 طبع دار الأندلس. الطبري: التاريخ 6/41 و 7/394 ـ 400. وابن الأثير: الكامل 5/351 دار صادر.


(338)

6 ـ الجلندي بن مسعود العماني .

7 ـ أبو الخطاب عبد الأعلى المعافري .

8 ـ هلال بن عطية الخراساني .

9 ـ أبو سنيان محبوب بن الرحيل .

10 ـ أبو صفره عبدالملك بن صفره.

11 ـ عبدالرحمن بن رستم .

12 ـ محمّد بن يائس.

13 ـ أبو الحسن الأيدلاتي .

القرن الثالث:

14 ـ أفلح بن عبدالوهاب .

15 ـ عبدالخالق القزاني.

16 ـ محكم الهواري.

17 ـ المهتا بن جيفر.

18 ـ موسى بن علي.

19 ـ أبو عيسى الخراساني.

20 ـ محمّد بن محبوب .

21 ـ محمّد بن عباد.

22 ـ الصلت بن مالك .

23 ـ أبو اليقظان بن أفلح .

24 ـ أبو منصور الياس .

25 ـ عمروص بن فهد .


(339)

26 ـ هود بن محكم.

القرن الرابع:

27 ـ أبو الخضر يعلى بن أيّوب.

28 ـ أبو القاسم يزيد بن مخلد.

29 ـ أبو هارون موسى بن هارون(1).

إنّ الكاتب المعاصر علي يحيى معمّر، ترجم جابر بن زيد و أبا عبيدة مسلم في الجزء الأوّل من كتابه «الاباضية في موكب التاريخ» تحت عنوان الاباضية في قيادة الاُمّة 145 ـ 155، ثمّ خصّ الجزء الثاني بترجمة أئمّتهم وذكر كثيراً منهم القاطنين في «ليبيا» بعد البحث عن «دخول المذهب الاباضي الى ليبيا» ومن اراد الوقوف فليرجع الى هذا الجزء 21 ـ 197 .

دول الاباضية:

قد قام باسم الاباضية عدد من الدول في أربعة مواضع من البلاد الإسلامية:

1 ـ دولة في عمان استقلّت عن الدولة العباسية في عهد أبي العباس السفّاح سنة 132، ولاتزال إلى اليوم.

2 ـ دولة في ليبيا سنة 140 ولم تعمّر طويلا فقد انتهت بعد نحو ثلاث سنوات.

3 ـ دولة قامت في الجزائر سنة 160، وقد بقيت إلى حوالي 190، ثمّ قضت عليها الدولة العبيدية.


1. علي يحيى معمّر: الاباضية بين الفرق الإسلامية: 1 / 27 ـ 28 .


(340)

4 ـ دولة قامت في الأندلس ولا سيّما في جزيرتي «ميورقة» و «مينورقة»، و«ليس لدينا من أخبارهم الكثير وقد انتهت يوم انتهت الأندلس وأطفأ التعصّب الغربي شعلة الإسلام في تلك الديار»(1) .

هذه الاباضية، وهذا ماضيهم وحاضرهم، وقد قدمّنا إليك صورة موجزة من تاريخهم، ونشوئهم وحروبهم وشخصياتهم وعقائدهم، وقد جرّدنا أنفسنا عن كل نزعة نفسانية تعرقلنا عن الوصول إلى الحق، والله وراء القصد.

وقد حان لنا انجاز الوعد الذي سبق منّا، وهو نشر ما كتبه «عبدالله بن اباض» إلى عبدالملك بن مروان، وإليك نصُّه:

رسالة عبدالله بن أباض

إلى عبدالملك بن مروان

بسم الله الرحمن الرحيم

من عبدالله بن أباض إلى عبدالملك بن مروان: سلام عليك. فإنّي أحمد إليك الله الذي الا إله إلاّ هو و اُصويك بتقوى الله فإنّ العاقبة للتقوى والمرد إلى الله، واعلم أنّه إنّما يتقّبل الله من المتّقين .

أمّا بعد، جاءني كتابك مع سنان بن عاصم، وإنّك كتبت إليَّ أن أكتب إليك بكتاب، فكبت به إليك، فمنه ما تعرف ومنه ماتنكره، زعمت أنّما عرفت منه ما ذكرت به من كتاب الله وحضضت عليه من طاعة الله، واتّباع أمره، وسنّة نبيّه، وأمّا الذي أنكرت منه فهو عندالله غير منكر. وأمّا ما ذكرت من عثمان والذي عرضت به من شأن الأئمّة وأنّ الله ليس ينكر عليه أحد شهادته في كتابه بما أنزله على رسوله أنّه من لم يحكم بما أنزل الله فاُولئك هم الظالمون


1. علي يحيى معمّر: الاباضية بين الفرق الاسلامية 1/92 ـ 93 .


(341)

والكافرون والفاسقون (1). وانّي لم أكن أذكر لك شيئاً من شأن عثمان و الأئمّة إلاّ والله يعلمه أنّه الحق، وسأنزع لك من ذلك البيّنة من كتاب الله الذي أنزله على رسوله، وسأكتب إليك في الذي كتبت به، وأخبرك من خبر عثمان والذي طعنّا عليه فيه، وأبيّن شأنه والذي أتى عثمان.

لقد كان كما ذكرت من قدم في الإسلام وعمل به ولكنّ الله لم يجر العباد من الفتنة والردّة عن الإسلام، وإنّ الله بعث محمّداً بالحق ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وأنزل الكتاب فيه بيّنات كل شيء يحكم بين الناس فيما اختلفوا ( هُدىً وَ رَحْمَةً لِقَوْم يُؤْمِنُونَ)(2). فأحلّ الله في كتابه حلالا وحرّم حراماً وفرض فيه حكماً وفصّل فيه قضاءه وبيّن حدوده فقال: ( تِلْكَ حُدودُ اللهِ فَلا تَقْرَبُوها)(3). وقال:( وَ مَنْ يَتَعَدَّ )حُدودَ اللهِ فاُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ)(4). وقسم ربّنا قسماً وليس لعباده فيه الخيرة، ثمّ أمر نبيّه باتّباع كتابه، فقال للنبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ : ( وَ اتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبُكَ)(5). وقال: (فَإِذَا قَرَأناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ* )ثُمَّ إِنّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ )(6). فعمل محمّد ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ بأمر ربّه ومعه عثمان ومن شاء الله من أصحابه لايرون رسول الله يتعدّى من قبله شيئاً، ولايبدّل فريضة، ولايستحلّ شيئاً حرّمه الله، ولايحرّم شيئاً أحلّه الله، ولايحكم بين الناس إلاّ بما


1. قال الله تعالى في سورة المائدة 44 ـ 45 و 47. ( وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بما أَنْزَلَ اللهُ فَأولئِكَ هُمُ الكافِرُونَ).)( )وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بما أَنْزَلَ الله فَاُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُون)). )( وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ الله فَاُولئكَ هم الفاسِقُونَ).)

2. الأعراف: 52، ويوسف 111 .
3. البقرة: 187 .
4. البقرة: 229 .
5. الأحزاب: 2 .
6. القيامة: 18 ـ 19 .


(342)

أنزل الله، فكان يقول: ( إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبَّي عَذَابَ يَوْم عَظيِم)(1). فسّر ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ما شاء الله تابعاً لما أمر الله، يتبع ما جاء من الله، والمؤمنون معه يعلّمهم وينظرون إلى عمله حتى توفّاه الله عليه الصلاة والسلام وهم عنه راضون، فنسأل الله سبيله وعملا بسنّته. ثم أورث الله عباده الكتاب الذي جاء به محمّد وهداه ولايهتدي من اهتدى من الناس إلاّ باتّباعه ولايضّل من ضلّ من الناس إلاّ بتركه.

ثمّ قام من بعده أبو بكر على الناس فأخذ بكتاب الله وسنّة نبّيه ولم يفارقه أحد من المسلمين في حكم حكمه، ولاقسم قسّمه حتى فارق الدنيا وأهل الإسلام عنه راضون وله مجامعون.

ثمّ قام من بعده عمر بن الخطاب قوّياً في الأمر، شديداً على أهل النفاق، يهتدي بمن كان قبله من المؤمنين، يحكم بكتاب الله، وابتلاه الله بفتوح من الدنيا ما لم يبتل به صاحباه، وفارق الدنيا و الدين ظاهر وكلمة الإسلام جامعة وشهادتهم قائمة، والمؤمنون شهداء الله في الأرض. وكذلك قال الله: (جَعَلْنَا كُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً)(2). ثمّ أشار المؤمنون فولّوا عثمان، فعمل ماشاء الله بما يعرف أهل الإسلام حتى بسطت له الدنيا وفتح له من خزائن الأرض ما شاء الله. ثمّ أحدث اُموراً لم يعمل به صاحباه قبله، وعهد الناس يومئذ قريب بنبيّهم حديث. فلمّا رأى المؤمنون ما أحدث عثمان أتوه فكلّموه وذكّروه بكتاب الله وسنّة من كان قبله من المؤمنين.

وقال الله: ( )وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها إِنّا مِنَ الُْمجرِمِيْنَ )


1. الأنعام: 15، ويونس: 15 .
2. البقرة: 143 .


(343)

مُنْتَقِمُونَ))(1). فسفَّه أن ذكّروه بآيات الله وأخذهم بالجبروت، وضرب منهم من شاء الله وسجن ونفاهم في أطراف الأرض من شاء الله منهم نفياً أن ذكّروه بكتاب الله وسنّة نبيّه ومن كان قبله من المؤمنين، وقال الله: ( وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَ نَسِىَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ)(2).

وإنّي اُبيّن لك يا عبدالملك بن مروان الذي أنكر المؤمنون على عثمان وفارقناه عليه فيما استحلّ من المعاصي عسى أن تكون جاهلا عنه غافلا وأنت على دينه وهواه !! لايحملنّك يا عبدالملك هوى عثمان أن تجحد بآيات الله وتكذّب بها!!! فإنّ عثمان لايغني عنك من الله شيئاً، فالله، الله يا عبدالملك بن مروان قبل التناوش من مكان بعيد، وقبل أن يكون لزاماً، وأجل مسمّى!! وإنّه كان ممّا طعن المؤمنون عليه وفارقوه وفارقناه فيه، فإنّ الله قال: ( وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِها اُولئِكَ مَا كانَ لَهُمْ أنْ يَدْخُلُوها إلاّ خائِفينَ لَهُمْ فِي الدُّنيا خِزىٌ وَ لَهُمْ فِى الآخِرَةِ عَذابٌ عَظيمٌ)(3). فكان عثمان أوّل من منع مساجد الله أن يقضى فيها بكتاب الله. وممّا نقمناه عليه وفارقناه عليه أنّ الله قال لمحمّد ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ( )لاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَداةِ وَ العَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِم مِنْ شَىْء وَ ما مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِنْ شَيْء فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمينَ))(4).

فكان أوّل (5) هذه الاُمّة طردهم ونفاهم، فكان ممّن نفاهم من أهل المدينة


1. السجدة: 22.
2. الكهف: 57 .
3. البقرة: 114 .
4. الأنعام: 52 .
5. في نسخة «خيار» .


(344)

أبوذَرّ الغفاري، ومسلم الجهني، ونافع بن الحطام (1)، ونفى من أهل الكوفة كعب بن أبي الحلمة، وأبي الرحل الوجاج، و جندب بن زهير(2)، وجندب هو الذي قتل الساحر الذي كان يلعب به الوليد بن عقبة(3)، ونفى عمرو بن زرارة، وزيد بن صوحان (4)، وأسود بن ذريح، ويزيد بن قيس الهمداني، وكردوس بن الحضرمي، في ناس كثير من أهل الكوفة.

ونفى من أهل البصرة عامر بن عبدالله القشري، ومذعور العبدي ولا أستطيع لك عددهم من المؤمنين.

وممّا نقمنا عليه أنّه أمّر أخاه الوليد بن عقبة على المؤمنين، وكان يلعب بالسحرة ويصلّي بالناس سكران، فاسق في دين الله، أمّره من أجل قرابته، على المؤمنين المهاجرين و الأنصار، وإنّما عهدهم حديث بعهدالله ورسوله والمؤمنين.

وممّا نقمنا عليه إمارته قرابته على عبادالله وجعل المال دولة بين الأغنياء، وقال الله: ( كَيْ لاَ يَكُونَ دُوْلَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ) (5). وبدّل كلام الله وبدَّل القول واتّبع الهوى.


1. ورد الاسم أيضاً: «نافع بن الحطامي».
2. جندب بن زهير الأزدي: ذكر الطبري أنّه قتل في صفّين وهو يحارب مع عليّ بن أبي طالب.
3. الوليد بن عقبة، أخ عثمان بن عفان لاُمّه، وروي أنّه وهو أمير على الكوفة، صلّى بالناس الصبح وهو سكران، ثمّ قال لهم: إن شئتم أن أزيدكم ركعة زدتكم، فلمّا بلغ عثمان ذلك لم يسرع إلى إقامة الحدّ عليه، بل أخّر ذلك. (انظر: ابن قتيبة: الإمامة والسياسة ج 1 ص 36).
4. زيد بن صوحان: قتل شهيداً يوم الجمل .
5. الحشر: 7 .


(345)

وممّا نقمنا عليه أنّه انطلق إلى الأرض ليحميها لنفسه ولأهله(1) حمى حتى منع قطر السماء والرزق الذي أنزله الله لعباده، لأنفسهم وأنعامهم. وقد قال الله: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْق فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَ حَلالا قُلْ ءَاللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُون* وَ ما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ يَوْمَ القِيامَةَ)(2).

وممّا نقمنا عليه أنّه أوّل من تعدّى في الصدقات وقد قال الله: ( إنَّمَا الصَدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَ المَساكِينَ وَ العامِلِينَ عَلَيْهَا وَ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي الرِّقَابِ وَ الغَارِمينَ وَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السِّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَ اللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)(3). وقال الله: ( وَ مَا كَانَ لِمُؤْمِن وَ لامُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللهُ وَ رَسُولُهُ أمْراً )أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَ مَنْ يَعصِ اللهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاَ مُبيناً)(4).

وأحدث عثمان منه فرائض كان فرضها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رحمة الله عليه ـ ، وانتقص أصحاب بدر ألّفاً من عطائهم، وكنز الذهب والفضة ولم ينفقها في سبيل الله، وقال الله: ( وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذاب أَلِيم * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْها فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِهَا جِباهُهُمْ )


1. يقال حمى فلان الأرض يحميها حمى حتى لايقرب. والحمى موضع فيه كلأ يحمى من الناس أن يرعى. وقال الإمام الشافعي في تفسير قوله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ «لا حمى إلاّ لله ولرسوله»: كان الشريف من العرب في الجاهلية إذا نزل بلداً في عشيرته استعوى كلباً فحمى لخاصّته مدى عواء الكلب لا يشركه فيه غيره، فلم يرعه معه أحد، وكان شريك القوم في سائر المراتع حوله، فنهى النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ أن يحمى على الناس حمى كما كانوا في الجاهلية يفعلون. (انظر: دكتور حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام السياسي ج 1 هامش صفحة 273) .
2. يونس: 59 ـ 60 .
3. التوبة: 60 .
4. الأحزاب: 36 .


(346)

وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظهُورُهُمْ هذا مَا كَنَزْتُمْ لأنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ))(1) .

وممّا نقمنا عليه أنّه كان يضمّ كلّ ضالّة إلى إبله ولايرّدها ولايعرّفها، وكان يأخذ من الإبل والغنم ممّن وجد ما عنده من الناس وإن كانوا قد أسلموا عليها(2)، وكان لهم في حكم الله أنّ لهم ما أسلموا عليه. وقال الله: ( )وَ لا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلاتَعْثُوْا فِى الأرضِ مُفسدِينَ))(3). وقال: ( لاَ )تَأْكُلُوا أَمْولَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إلاّ أنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَراض مِنْكُمْ ولاتَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إنَّ الله كانَ بِكُمْ رَحِيماً * وَ مَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْواناً وَ ظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيِه ناراً وَ كانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً)(4) .

وممّا نقمنا عليه أنّه أخذ خمس الله لنفسه ويعطيها أقاربه ويجعل منهم عمّالا على أصحابه وكان ذلك تبديلا لفرائض الله، وفرض الله الخمس لله ولرسوله: ( وَلِذِي القُرْبَى وَ اليَتَامَى وَ المسَاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ إنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَ مَا أنْزَلْنا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الفُرقَانِ يَوْمَ التَقَى الجَمْعَانِ واللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ)(5).

وممّا نقمنا عليه أنّه منع أهل البحرين وأهل عُمان أن يبيعوا شيئاً من طعامهم حتى يباع طعام الإمارة، وكان ذلك تحريماً لما أحلّ الله: ( وَ اَحَلَّ اللهُ البَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا)(6).

فلو أردنا أن نخبر بكثير من مظالم عثمان لم نحصها إلاّ ما شاء الله، وكل ما عددت عليكم من عمل عثمان يُكفّر الرجل أن يعمل ببعض هذا.


1. التوبة: 34 ـ 35 .
2. أسلموا عليها: تصالحوا عليها.
3. هود: 85 .
4. النساء: 29 ـ 30.
5. الأنفال: 41.
6. البقرة: 275 .


(347)

وكان من عمل عثمان أنّه يحكم بغير ما أنزل الله وخالف سنّة نبي الله والخليفتين الصالحين أبي بكر و عمر وقد قال الله: ( وَ مَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَاتَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ سَاءَتْ مَصيِرَاً)(1).

وقال: ( وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بما أَنْزَلَ الله فَاُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُون).)(2)، ( أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى )الظَّالِمِينَ)(3)، ( وَ مَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرَاً)(4)، وقال: ( لاَ يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ)(5)، وقال: (وَ لاَ تَرْكَنُوا إلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُون)(6) .

وقال: ( وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بما أَنْزَلَ الله فَاُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُون)،) والفاسقون (7) والكافرون(8)وقال: ( )ألا لَعَنةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِين)).)

وقال: ( ومَنْ يَلعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصيراً). وقال: ( وَلاَ تَرْكَنُوا إلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ). )وقال: ( كَذلِكَ حَقَّتْ كَلمةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَهُمْ لاَيُؤْمِنُونَ)(9). فكل هذه الآيات تشهد على عثمان، وإنّما شهدنا بما شهدت هذه الآيات: ( اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إلَيْكَ أنَزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَ المَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَ كَفَى بِاللهِ )


1. النساء: 115 .
2. المائدة 45.
3. هود: 18 .
4. النساء: 52 .
5. البقرة: 124.
6. هود: 113.
7. وفي سورة المائدة: (وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بما أَنْزَلَ الله فَاُولئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ) )آية 47 .
8. وفي سورة المائدة: (وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بما أَنْزَلَ الله فَاُولئِكَ هُمُ الكافِرُونَ) آية 44 .
9. يونس 33 .


(348)

شَهِيداً)).)(1)

وقال: ( فَوَرَبِّ السَّماءِ وَ الأرضِ إنَّهُ لَحَقٌ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ)(2) .

فلمّا رأى المؤمنون الذي نزل به عثمان من معصية الله، والمؤمنون شهداء الله ناظرون أعمال الناس، وكذلك قال الله:( اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ المُؤْمِنُونَ وَ سَتُرَدُّونَ إلَى عالِمِ الغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون)(3) .

و ترك خصومة الخصمين في الحق والباطل ودفع ما وعد الله من الفتن، وقال الله: ( الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لاَيُفْتَنُونَ * وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الكاذِبينَ)(4).

فعلم المؤمنون أنّ طاعة عثمان على ذلك طاعة إبليس، فساروا إلى عثمان من أطراف الأرض، واجتمعوا في ملأ من المهاجرين والأنصار وعامّة أزواج النبيـ عليه الصلاة والسلام ـ فأتوه فذكّروه الله وأخبروه الذي أتى من معاصي الله، فزعم أنّه يعرف الذي يقولون، وأنّه يتوب إلى الله منه و يراجع الحق فيقبلوا منه الذي اتّقاهم به من اعتراف الذنب والتوبة والرجوع إلى أمر الله، فجامعوه وقبلوا منه، وكان حقّاً على أهل الإسلام إذا اتّقوا بالحق أن يقبلوه ويجامعوه ما استقام على الحق. فلمّا تفرّق الناس على ما اتّقاهم به من الحق نكث عن الذي عاهدهم عليه وعاد فيما تاب منه، فكتب في أدبارهم أن تقطع أيدهم و أرجلهم من خلاف. فلمّا ظهر المؤمنون على كتابه ونكثه على العهد الذي عاهدهم عليه رجعوا فقتلوه بحكم الله، وقال الله: (وَ إنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ )


1. النساء: 166 .
2. الذاريات: 23.
3. التوبة: 105 .
4. العنكبوت: 1 ـ 3 .


(349)

مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَ طَعَنُوا فِي دِيْنِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الكُفْرِ إنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ))(1). فجامع أهل الاسلام ما شاءالله، وعمل بالحق، وقد يعمل الإنسان بالاسلام زماناً ثم يرتد عنه. وقال الله: ( إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَ أمْلَى لَهُمْ)(2).

فلمّا استحلّ معصية الله وترك سنّة من كان قبله من المؤمنين، علم المؤمنون أنّ الجهاد في سبيل الله أولى، وأنّ الطاعة في مجاهدة عثمان على أحكامه. فهذا من خبر عثمان والذي فارقناه فيه، ونطعن عليه اليوم، وطعن عليه المؤمنون قبلنا، وذكرت أنّه كان مع رسول الله وختنه(3)، فقد كان عليّ بن أبي طالب أقرب إلى رسول الله وأحبّ إليه منه، وكان ختنه ومن أهل الإسلام. وأنت تشهد عليه بذلك وأنا بعد على ذلك، فكيف تكون قرابته من محمّد ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ نجاةً إذا ترك الحق وضلّ كفراً(4) .

واعلم، إنّما علامة كفر هذه الاُمّة كفرها الحكم بغير ما أنزل الله، ذلك بأنّ الله قال: ( وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأولئِكَ هُمُ الكَافِرُون)(5) .فلا أصدق من الله قيلا، وقال: (فَبِأيِّ حَدِيث بَعْدَ اللهِ وَ )آياتِهِ يُؤْمِنُونَ)(6).


1. التوبة: 12 .
2. محمّد: 25 .
3. الختن: زوج الابنة. الجمع أختان .
4. قال سبحانه لنبيّه: ( لَئِنْ اَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) الزمر / 65، ولكن الكلام في وقوع الشرط. إنّ الإمام لم يشرك، ولم يضل أبداً. إنّما ترك الحق اُولئِكَ الذين ألجأوه إلى إجابة دعوة الشاميين، وحذّروه من مواصلة الحرب وقد كان الامام على أعتاب النصر، وقد بلغوا في اللجاج والعناد إلى حدّ لم يمهلوا القائد لقواته ـ الأشتر ـ عدوة فرس أو فواق ناقة، فلاحظ .
5. المائدة: 44 .
6. الجاثية: 6.


(350)

فلا يغرّنّك يا عبدالملك بن مروان، عثمان عن نفسك، ولاتسند دينك إلى الرجال يتمنّون ويريدون ويستدرجون من حيث لايعلمون ،فإنّ أملك الأعمال بخواتمها، وكتاب الله جديد ينطق بالحق أجارنا الله باتباعه أن نضل او نبغي(1) فاعتصم بحبل الله يا عبدالملك واعتصم بالله، وإنّه من يعتصم بالله يهده صراطاً مستقيماً. وهو حبل الله الذي أمر المؤمنين أن يعتصموا به ولايتفرّقوا. وليس حبل الله الرجال من أيّهم حَسُنَ ينهبون ويطعنون، فاُذكّرك الله لما أن تدبّرت القرآن فإنّه حق. وقال الله:( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوب أقْفالُها)(2).فكّن تابعاً لما جاء من الله تهتدي، وبه تخاصم من خاصمك من الناس، وإليه تدعو وبه تحتجّ، فإنّه من يكن القرآن حجّته يوم القيامة به يخاصم من خاصمه ويفلح في الدنيا والآخرة. فإنّ الناس فقد اختصموا( إنَّكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ)(3) فتعمل لما بعد الموت ولايغرّنّك بالله الغرور.

وأَمّا قولك في شأن معاوية بن أبي سفيان أنّ الله قام معه وعجّل نصره وأفلح حجّه وأظهره على عدوّه بطلب دم عثمان، فإن يكن يعتبر الدين من قبل الدولة أن يظهر الناس بعضهم على بعض في الدنيا فإنّا لانعتبر الدين بالدولة، فقد ظهر المسلمون على الكافرين لينظر كيف يعملون، وقد ظهر الكفّار على المسلمين ليبتلي المسلمين بذلك ويعلى الكافرين(4). وقال:( )وَ تِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَ لِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَ اللهُ لايُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَ لُِيمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ يَمْحَقَ الكافِرِين))(5).


1. وفي نسخة: «أن نبغي أو نضل».
2. محمّد: 24.
3. الزمر: 31.
4. وفي نسخة «ويملأ الكافرين».
5. آل عمران 140 ـ 141 .


(351)

فإن كان الدين إذا ظهر الناس بعضهم على بعض فقد سمعت الذي أصاب المشركون من يوم اُحُد، وقد ظهر الذين قتلوا ابن عفان عليه وعلى شيعته يوم الدار(1) وظهر أيضاً عليّ، على أهل البصرة وهم شيعة عثمان (2)، وظهر المختار على ابن زياد(3)، وأصحابه وهم شيعتهم، وظهر معصب الخبيث على المختار(4) وظهر ابن السجف على أخنس بن دلجة وأصحابه، وظهر أهل الشام على أهل المدينة(5)، وظهر ابن الزبير على أهل الشام بمكة يوم استفتحوا منها ما حرّم الله عليكم وهم شيعتكم.

فإن كان هؤلاء على الدين فلايعتبر الدين من قبل الدولة، فقد يظهر الناس بعضهم على بعض ويعطي الله رجالا ملكاً في الدنيا، فقد أعطى فرعون ملكاً وظهر في الأرض، وقد أعطى الذي حاجّ إبراهيم في ربّه، وقد أعطى فرعون ما سمعت.

ثمّ إنّما اشترى معاوية (6)الإمارة من الحسن بن علي، ثمّ لم يف له بالذي


1. اقتحم الثوار على عثمان بن عفان داره، بعد أن نشب القتال بينهم وبين من تصّدى للدفاع عنه وذلك في الثامن عشر من ذي الحجّة سنة 35 هـ وقتلوه وعرف ذلك اليوم بـ «يوم الدار» .
2. يشير إلى انتصار الإمام علي بن أبي طالب في وقعة الجمل، التي دارت بينه و بين عائشة وطلحة والزبير وذلك في جمادى الآخرة سنة 36 هـ .
3. أرسل المختار بن أبي عبيدة الثقفي، جيشاً بقيادة إبراهيم بن الأشتر لقتال عبيدالله بن زياد عامل الأمويين. وسار إبراهيم بن الأشتر حين لقى ابن زياد ومن معه من أهل الشام على نهر الخازر(نهر بين اربيل و الموصل ويصب في دجلة) فدارت الدائرة على ابن زياد وقتل هووكثير من أهل الشام وحمل رأسه إلى المختار.
4. هزم المختار وقتل في الكوفة سنة67 هـ في الحرب التي دارت بينه و بين مصعب بن الزبير .
5. حاضر مسلم بن عقبة المري، المدينة المنورة، من ناحية الحرة وفتحها وأباحها، وذلك في أثناء حكم يزيد بن معاوية.
6. تعبير خاطئ والصحيح: تصالح الإمام مع معاوية بعد ما أتمّ الحجّة على الاُمّة.


(352)

عاهده عليه، وقال: ( وُ أَوْفُوا بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَ لا تَنقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكيدِها وَ قَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا اِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَ لا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّة أنْكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّة إنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَ لَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ ما كُنْتُم فِيهَ تَخْتَلِفُونَ )(1).

فلا تسأل عن معاوية ولا عن عمله ولا صنيعه، غير أنّا قد أدركنا ورأينا عمله وسيرته في الناس ولا نعلم من الناس أحداً(2) أترك للقسمة التي قسمها اللّه، ولا لحكم حكمه الله، ولاأسفك لدم حرام منه، فلو لم يصب من الدماء إلاّ دم ابن سمية(3) لكان في ذلك ما يكفّره.

ثمّ استخلف ابنه يزيد فاسقاً من الناس لعيناً يشرب الخمر المكفر فيكفيه من السوء، وكان يتبع هواه بغير هدى من الله وقال الله:( وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللهِ إنَّ الله لا يَهدِى القَوْمَ الظَّالِمِينَ)(4). فلم يخف عمل معاوية ويزيد على كل ذي عقل من الناس، فاتّق الله يا عبدالملك ولاتخادع من نفسك في معاوية!! فقد بلغنا أنّ أهل البيت يطعنون على معاوية ويزيد وعملهما وما رأى من خبر معاوية من بعدهما، فالذي طعنّا عليهما وعليه وفارقناه عليه، فإنّ منهم فتنة كمن يكون يتولّى عثمان ومن بعده. فإنّا نشهد الله والملائكة أنّا منهم


1. النحل: 91 ـ 92 .
2. كتب في المخطوطة: «شيئاً لأحد» .
3. يشير إلى ما عمله معاوية بن أبي سفيان في سنة 45 هـ حين ردّ اعتبار زياد بن سمية في نسبه فأحبّ أن يجعله أخاه وأتى بشهود شهدوا بأنّه ابن أبي سفيان، وهذا ما يعبّر عنه بالاستلحاق. وأصبح زياد يعرف باسم زياد بن أبي سفيان بعد أن كان يعرف باسم زياد بن سمية أو زياد بن أبيه. وقد دفع معاوية إلى ذلك الاعتبارات السياسية، ومنذ أن اعترف معاوية بن أبي سفيان بزياد أخاً له وابناً غير شرعي لأبيه، تفانى زياد في خدمة البيت الأموي.
4. القصص: 50 .


(353)

براء ولهم أعداء، بأيدينا وألسنتنا وقلوبنا، نعيش على ذلك ما عشنا ونموت عليه إذا متنا، ونبعث عليه إذا بعثنا، نحاسب بذلك عندالله.

وكتبت إليّ تحذّرني الغلو في الدين، وإنّي أعوذ بالله من الغلو في الدين، وساُبيّن لك ماالغلو في الدين إذا جهلته، فإنّه ما كان يقال على الله غير الحق ويعمل بغير كتابه الذي بيّن لنا وسنّة نبيه الذي بيّن لنا، اتباعك قوماً قد ضلّوا وأضلّوا عن سواء السبيل. فذلك عثمان والأئمّة من بعدهم وأنت على طاعتهم وتجامعهم على معصية الله، والله يقول: ( يا أهْلَ الكِتابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَ لا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إلاَّ الحَقَّ)(1). فهذا سبيل أهل الغلو في الدين فليس من دعا إلى الله وإلى كتابه ورضى بحكمه، وغضب لله حين عصي أمره، وأخذ بحكمه حين ضيع وتركت سنّة نبيّه.

وكتبت إليّ تعرض على الخوارج، تزعم أنّهم يغلون في دينهم ويفارقون أهل الإسلام، وتزعم أنّهم يتّبعون غير سبيل المؤمنين، وإنّني اُبيّن لك سبليهم، إنّهم أصحاب عثمان، والذي أنكروا عليه ما أحدث من تغيير السنّة، فارقوه حين أحدث وترك حكم الله، وفارقوه حين عصى ربّه، وهم أصحاب عليّ بن أبي طالب حين حكّم عمرو بن العاص (2) وترك حكم الله، فأنكروه عليه وفارقوه فيه وأبوا أن يقرّوا لحكم البشر دون حكم كتاب الله، فهم لمن بعدهم أشدّ عداوة وأشدّ مفارقة. كانوا يتولّون في دينهم وسنّتهم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وأبا بكر وعمر بن الخطاب، ويدعون إلى سبيلهم ويرضون بسنّتهم على ذلك، كانوا يخرجون وإليه يدعون وعليه يفارقون. وقد علم من عرفهم من الناس ورأى عملهم أنّهم كانوا أحسن الناس


1. النساء: 171 .
2. لم يحكّم عمروبن العاص، وإنّما حكّم القرآن كما تشهد على ذلك وثيقة التحيكم.فلاحظ.


(354)

عملا وأشدّ قتالا في سبيل الله. وقال الله: ( قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الكُفَّارِ وَ لْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَ اعْلَمُوا أنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ)(1).

فهذا خبر الخوارج، نشهد الله والملائكة انّا لمن عاداهم أعداء وانّا لمن والاهم أولياء، بأيدينا وألسنتنا وقلوبنا، على ذلك نعيش ماعشنا، ونموت على ذلك إذا متنا، غير أنّا نبرأ إلى الله من ابن الأزرق وأتباعه من الناس، لقد كانوا خرجوا حين خرجوا على الإسلام فيما ظهر لنا، ولكنّهم ارتدّوا عنه وكفروا بعد إيمانهم(2) فنبرأ إلى الله منهم.

أمّا بعد فإنّك كتبت إليّ أن أكتب إليك بجواب كتابك، وأجتهد في النصيحة، وإنّي اُبيّن لك إن كنت تعلم و أفضل ما كتبت إليك به، وذكّرتني بالله أن اُبيّن لك فإنّي قد بيّنت لك بجهد نفسي، وأخبرتك خبر الاُمّة، وكان حقَّاً عليّ أن أنصح لك واُبيّن لك ما قد علمت. إنّ الله يقول:( إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ البَيِّناتِ وَ الهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الكِتابِ اُوْلئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَ أصْلَحُوا وَ بَيَّنُوا فَأُولئِكَ أتُوبُ عَلَيْهِمْ وَ أنا التَّوَّابُ الرَّحيمُ) )(3). فإنَّ الله لم يتَّخذني عبداً وأن أكفر بربّي، ولااُخادع الناس بشيء ليس في نفسي، واُخالف إلى ما أنهى عنه، فأمري علانية غير سرّ، أدعو إلى كتاب الله وليحلّوا حلاله ويحرّموا حرامه ويرضوا بحكمه ويتوبوا إلى ربّهم ويراجعوا كتاب الله، ولئن أدعوكم إلى كتاب الله ليحكم بيني وبينكم في الذي اختلفوا فيه، ونحرّم ما حرّم الله، ونحكم بما حكم الله، ونبرأ ممّن برىء اللهُ منه ورسوله، ونتولّى من يتولّاه الله، ونطيع من أحلّ لنا طاعة في كتابه، ونعصي


1. التوبة: 123 .
2. يشيرهنا إلى تبرّئ الاباضية من نافع بن الأزرق والأزارقة وذلك لغلوّهم وتطرّفهم في الدين.
3. البقرة: 159 ـ 160 .


(355)

من أمر الله بمعصيته. أن نطيعه فهذا الذي أدركنا عليه نبيّنا ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ . وإنّ هذه الاُمّة لم تحرّم حراماً ولم تسفك دماءً إلاّ حين تركوا كتاب ربّهم الذي أمرهم أن يعتصموا به، ويأمنوا عليه، وانّهم لايزالون مفترقين مختلفين حتى يراجعوا كتاب الله وسنّة نبيّه، وينتصحوا كتاب الله على أنفسهم، ويحكّموه إلى ما اختلفوا فيه. فإنّ الله يقول: ( وَ مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيِه مِنْ شَيء فَحُكْمُهُ إلَى اللهِ ذلِكُمُ اللهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إلَيْهِ أُنيبُ)(1). وإنّ هذا هو السبيل الواضح لايشبّه به شيء من السبل، وهو الذي هدى الله به من كان قبلنا، محمّد ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ والخليفتين الصالحين من بعده، فلايضلّ من اتّبعه ولايهتدي من تركه، وقال:( وَ أَنَّ هذا صِرَاطِى مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوهُ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيِلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(2). فاحذر أن تفرّق بك السبل عن سبيله، ويزّين لك الضلالة باتّباعك هواك فيما جمعت إليه الرجال، فإنّهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً، إنّما هي الأهواء والدين. إنّما يتبع الناس في الدنيا والآخرة إمامين، إمام هدى، وإمام ضلالة. أمّا إمام الهدى فهو يحكم بما أنزل الله ويقسم بقسمه ويتبع كتاب الله، وهم الذين قال الله: ( وَ جَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ)(3) وهؤلاء أولياء المؤمنين الذين أمرالله بطاعتهم، ونهى عن معصيتهم. وأمّا إمام الضلالة فهو الذي يحكم بغير ما أنزل الله ويقسم بغير ما قسم الله، ويتبع هواه بغير سنّة من الله فذلك كفر كما سمّى الله، ونهى عن طاعتهم وأمر بجهادهم، وقال: ( فَلا تُطِعِ الكافِرينَ وَ جاهِدَهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبيرا)(4).


1. الشورى: 10 .
2. الأنعام: 153 .
3. السجدة: 24.
4. الفرقان: 52.


(356)

فإنّه حقّ أنزله بالحق وينطق به، وليس بعد الحق إلاّ الضلال فأنّى تصرفون. ولا يضربن الذكر عنك صفحاً،ولاتشكّنّ في كتاب الله، ولا حول ولاقوّة إلاّ بالله، فإنّه من لم ينفعه كتاب الله، لم ينفعه غيره.

كتبت إليّ أن أكتب إليك بمرجوع كتابك، فإنّي قد كتبت إليك، وأنا اُذكّرك بالله العظيم إنّ استطعت بالله لمّا قرأت كتابي ثمّ تدبّر فيه وأنت فارغ ثم تدبّره، فقد كتبت إليك بجواب كتابك وبيّنت لك ما علمت ونصحت لك. فإنّي اُذكّرك بالله العظيم لمّا قرأت كتابي وتدبّرته، واكتب إليّ إن استطعت بجواب كتابي إذا كتبت إليك، إنّما أتنازع فيه أنا وأنت، انزع عليه بيّنة من كتاب الله اُصدّق فيه قولك، فلاتعرض لي بالدنيا فإنّه لارغبة لي في الدنيا، وليست من حاجتي، ولكن لتكن نصحتك لي في الدين، ولما بعد الموت، فإنّ ذلك أفضل النصيحة، فإنّ الله قادر أن يجمع بيننا وبينك على الطاعة، فإنّه لاخير لمن لم يكن على طاعة الله. وبالله التوفيق وفيه الرضى، والسلام عليه، والحمد لله، وصلّى الله على نبيّه محمّد وآله وسلّم تسليماً(1) .

***


1. السير والجوابات لعلماء وأئمّة عمان 2/325 ـ 345 تحقيق الاُستاذة الدكتورة سيدة إسماعيل كاشف، ط وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، والجواهر المنتقاة 156 ـ 162، وازالة الوعثاء عن اتباع أبي الشعثاء 86 ـ 101 .


(357)

الفصل الثاني عشر

في عقائد فرق الخوارج ومخطّطاتهم في الحياة


(358)


(359)

ظهرت الخوارج في الساحة الإسلامية بصورة تيار سياسي لايتبنّون إلاّ تطبيق الحكم الشرعي الوارد في الكتاب والسنّة في أمر البغاة(الشاميين) وكان الجميع يحملون شعار«لاحكم إلاّ لله» يريدون بذلك انّ حكم الله في حق البغاة هو القتال، لاتحكيم الرجال، ولم يكن لهم يومذاك منهج كلامي، ولمّا قضى عليّ ـ عليه السَّلام ـ نحبه، ركّز الخوارج جهدهم على مكافحة الحكّام الظالمين كمعاوية وآله، ومروان بن الحكم وأولاده، وقد حفظ التاريخ انتفاضاتهم في وجه خلفاء بني اُميّة وعمّالهم كما تعرّفت على لفيف منها.

فلا عجب عندئذ إذا رأينا أنّ خارجياً يقتفي أصحاب الحديث في العقائد، أو يتبنّى عقيدة المعتزلة في غير مورد من الاُصول وما هذا إلاّ لأنّ القوم في القرنين الأوّلين كانوا مقاتلين، قبل أن يكونوا أصحاب فكر، وكانوا ثوّاراً في وجه الحكومات، قبل أن يكونوا فرقة دينية تتبنّى اُصولا عقائدية، والامعان في المبدأ الذي اتّخذوه كحجر زاوية (تخطئة التحكيم) أو الاُسس التي تبنّوها في العهد الاموي، أي بعد استيلاء معاوية على الحكم، إلى عهد عبدالملك بن مروان (ت 75) إلى آخر الدولة المروانية (132 هـ) يعرب عن أنّ


(360)

القوم لم يكن لهم يوم ذاك فكر كلامي ولا فقهي، وأنّ الغاية من تبنّي الاُسس المذكورة في هذا الفصل (تكفير مرتكبي الكبيرة وحرمة مناكحتهم ولزوم الخروج على الطغاة و...) إنّما هو تمهيد لأساليب توصلهم إلى القضاء على الخلفاء وحكّام الجور، والاستيلاء على منصَّة الحكم. ولذلك لم يورثوا سوى الشغب والثورة والأخذ بزمام الحكم.

نعم الفرقة الباقية منهم ـ كالاباضية ـ لمّا استشعروا أنّه لايصحّ بفريق سياسي أن يعيش بلا مبدأ كلامي أو فقهي، تداولوا بعض الموضوعات الكلامية والفقهية بالبحث والتمحيص. ويبدو من خلال الرجوع إلى آثار تلك الفرقة أنّ أكثر ما يتبنّونه في مجال العقائد إنّما هو نتاج متأخّر لم يفكّر به مؤسّس الفرقة كعبدالله بن اباض ولاالتابعي الآخر كجابر بن زيد، وأكثر ماورثوا من الأوّل شجاعته الروحية، وصراحته في بيان الحقائق، ومن الثاني أحاديث موقوفة، نقلها جابر عن عدّة من الصحابة، وأين هذا من منهج كلامي منسجم، وفقه واسع يتكفّل بيان تكاليف العباد في الحياة في عامّة المجالات. وهذا يؤيّد أنّ الخوارج ـ ظهرت يوم ظهرت ـ كفرقة سياسية ثم آلت إلى فرقة دينية.

ونحن نمّر في هذا الفصل على عقائدهم واُسسهم التي تعرّفت على سماتها والغايات المتوخّاة منها.

***


(361)

1 ـ حكم التحكيم في حرب صفّين

إنّ تخطئة التحكيم هو الحجر الأساس لقاطبة الخوارج، وقد اتّخذوه شعاراً أيّام حياة الامام علي ـ عليه السَّلام ـ وبعده، والخوارج كلّهم، المتطرّف منهم و غيره، أصفقوا على أنّ قبول التحكيم في حرب صفّين كان أمراً مخالفاً للكتاب، وما كان لعلي ـ عليه السَّلام ـ أن يُحكِّم الرجال في موضوع ورد فيه حكم إلهي في مصدرين رئيسيين ـ أعني الكتاب والسنّة ـ ، وبما أنّا ألمحنا إلى الموضوع وأوضحنا حاله في الفصل الثالث تحت عنوان «تحليل لكارثة التحكيم» فنحيل القارئ الكريم إلى ذاك الفصل وقد ذكرنا هناك وجوهاً مختلفة يحتملها ذلك الشعار، إلاّ أنّ الإمعان في كتب القوم يعرب عن أنّهم لايهدفون منه إلاّ احد الوجهين:


(362)

الف ـ تحكيم الرجال فيما نزل فيه حكم الله، كفر(1) .

ب ـ لا إمرة إلاّ لله تبارك وتعالى.

أمّا الأوّل فيشترك فيه جميع فرقهم، وأمّا الثاني فإنّما يعود إلى بعض فرقهم كما سنذكر، وبما أنّه اعتمد على الوجه الأوّل جميع مفكّريهم ومشايخهم، وبالغ القوم في توضيحه وتنقيحه وتثبيته، فنأتي في المقام ببعض نصوصهم ثمّ نقوم بتحليله حتى يتبيّن الحق بأجلى مظاهره.

التحكيم والتدخّل في موضوع له حكم سماوي:

إنّ للكاتب المعاصر: علي يحيى معمّر، مؤلف كتاب «الاباضية في موكب التاريخ» بياناً مفصّلا حول الموضوع وقد بذل جهده في اثبات أنّ التحكيم كان تدخّلا في موضوع فيه حكم الله، وهو مواصلة الحرب والقتال ومكافحة أهل البغي، وأنّ ايقاف القتال وإدلاء الأمر إلى الحكمين كان مخالفاً للتشريع السماوي، يقول:

«بايع المسلمون علي بن أبي طالب أميراً للمؤمنين، وكان أوّل من بايع طلحة بن عبيدالله، والزبير بن العوام، ولكن ماكادت تتّم البيعة، حتى كان طلحة والزبير يحملان لواء الثورة مع جماعة من كبار الصحابة ،وقد استظهروا باُمّ المؤمنين عائشة، ووقف الخليفة في وجه الثائرين موقفاً حازماً صلباً، وقتل في هذه الثورة الطاحنة عدد غير قليل من المسلمين ذهب فيمن ذهب فيها


1. هذا هو الوجه الأوّل من بين الوجوه المذكورة في الفصل الثالث وَوَعدنا هناك القارىء أن نرجع إلى تفصيله وتحليله وما نذكره هنا إنجاز له.


(363)

طلحة والزبير، ورجع بقيّة الثائرين إلى حظيرة الإمامة والاُمّة.

لم تكد تنتهي هذه الحرب الطاحنة، ويعود إلى البلاد الهدوء والاستقرار، ويَعْرفَ معاوية أنّ الثورة فشلت، وأنّه معزول عن ولاية الشام لامحالة، حتّى أعلن الثورة في الشام و هو حينئذ عامل من عمّال الخليفة، وأظهر أنّه يطالب بدم عثمان وقد استعدّ أمير المؤمنين لإطفاء هذه الثورة كما أطفأ الثورة التي سبقتها و جهّز جيشه القوي وسار به نحو الشام حيث التقى بالجند الثائر في الموضع المعروف بـ «صفّين»، وبدأت المعركة ثم استمرّ القتال حتى ظهرت طلائع النصر وأشرف جيش الخليفة على امتلاك زمام المعركة، ولم يبق للقضاء على هذه الثورة الجامحة إلاّ لحظات عبّر عنها الأشتر «بفواق الناقة»، إلتجأ الثائرون إلى الحيلة والخدعة، ولجأوا إلى المكر والمكيدة ورفعوا المصاحف وهم يصيحون يا أهل العراق بيننا وبينكم كتاب الله.

طلب الثائرون هدنة، ودعوا الخليفة الشرعي وجيشه إلى تحكيم حكمين، وقد فطن أمير المؤمنين وبعض من جيشه إلى هذه الخدعة، وعرفوا القصد من هذه الهدنة، ولكّنه بدلا من أن يقف موقفه الحازم، ويوالي حربه ضد الثائرين، حتّى يتحققّ النصر، وقد تحقّقت بشائره، ويُلقي البغاةُ أسلحتَهم، ويعودوا إلى صفّ الاُمّة الذي انشقّوا عنه، وبغوا عليه ـ بدلا من أن يقف موقفه الحازم ذلك ـ استجاب لدعاة الهزيمة وأخذ بنصيحة طلاّب الخدعة وأكثرهم موعود من معاوية أو من عمروبن العاص، ورضى بالتحكيم وَ قَبِلَ الهدنة وأمر بايِقاف القتال في الحال.

وهكذا انتهت هذه الثورة إلى هذا الموقف المائع الذي جعل حقّ عليّ في الخلافة، يتساوى مع حقّ معاوية، وجعل نصيب البغاة الثائرين من الثواب، يساوي نصيب جيش الاُمّة الذي يدافع عن خلافة شرعية تمّت بالشورى


(364)

وانعقدت بالبيعة.

وتداعى الذين فطنوا إلى خدعة الهدنة من أصحاب عليّ وحذَّروه من قبولها، وأخبروه أنّ قبولها يعني الشكّ في خلافته، والتنازل عنها، وكانوا مصرّين انّ الخلافة الشرعية حقّ لايتطرّق إليه الشكّ، ولايجوز فيها الرجوع ولا تقبل فيها المساومة.

وإذ خطر لعلي أن يستجيب لدعاة الهزيمة من جيشه، والماكرين من عدوّه، وأن يشكّ في نفسه والحقّ الذي بيده، ويتنازل عن الشرف الذي أولاه المسلمون، ويساوي بينه و بين أحد عمّاله، في قضية أخذ فيها عهداً من الاُمّة وأخذت منه فيها موثقاً وعهداً،

ورضخ إلى تحكيم رجال فيما نزل فيه حكم الله.

حين فعل عليّ ذلك، تداعى اُولئك الذين لم يرتضوا التحكيم وحذّروا عليّاً من قبوله، وهم يرون أنّ معاوية باغ لاحقّ له، وأنّ بيعة علي قد انفسخت بموافقته على الهدنة، ورضاؤه بالتحكيم جبراً، فلم تبق لأحد في أعناقهم بيعة، وليس لأحد عليهم ميثاق، تداعوا إلى أن يعتزلوا جيش عليّ، وركنوا إلى موقع يسمّى حروراء، فانعزلوا فيه ينتظرون تجدّد الحوادث، واتّجاه الاُمّة في قضية الخلافة، وقد جرت الاُمور بأسرع ممّا يتوقّع لها، فما بلغ الموعد الذي حدّده الطرفان لانتهاء الهدنة، حتى اجتمع الناس وأعلن أبو موسى الأشعري مندوب علي، عزلَ عليّ عن الخلافة وترك الأمر شورى بين المسلمين يختارون من يشاؤون.

كان هؤلاء المحايدون ينظرون إلى معاوية نظرتهم إلى باغ، يحاول أن يفرض نفسه بالمكر والحيلة، ولذلك فهم لايقيمون أيّ وزن لدعوى عزله، فهو لم يتولّ أمر الخلافة إلى ذلك الحين، لابالإكراه، ولابالشورى، فلامعنى لعزله من منصب ليس هو فيه، كما لايقيمون أيّ وزن لتولية عمروبن العاص له، لأنّ


(365)

عمراً لم يفوّضه المسلمون في تولية أميرالمؤمنين، أمّا نظرتهم إلى علي فقد كانوا يتوقّعون أن يتّفق الحكمان على إقراره في الحكم، وحينئذ ترجع إلى علي الصبغة الشرعية التي تنازل عنها لإثباتها، ويجب على المسلمين حينئذ أن يوحّدوا صفوفهم، تحت طاعته، ما قام فيهم بكتاب الله، ولكنّ المندوب الذي اختاره علي ليمثّله في هذه القضية الظالمة، أعلن أنّه عزل عليّاً عن أمر المسلمين، وأنّ الأمر أصبح للشورى والاختيار، وتأيّد موقف هؤلاء المحايدين وانضمّ إليهم عدد آخر ممّن كانوا يقفون إلى جانب عليّ حتى ذلك الحين، وبحثوا الأمر فيما بينهم على أساس أنّ المسلمين أصبحوا دون خليفة.

فهذا معاوية باغ ظالم لايمكن أن يتولّى أمر المسلمين، وهذا عليّ عزله المندوب الذي اختاره للتحكيم، واذن فليختاروا، واختاروا عبدالله بن وهب الراسبي، فبايعوه أميراً للمؤمنين وخليفة للمسلمين بعد علي بن أبي طالب، فهو الخليفة الشرعي الخامس في نظرهم» (1).

غيري جنى وأنا المعاقبُ فيكم!:

لم أجد عنواناً يعرب عن مظلوميّة الإمام أمير المؤمنين في مسألة التحكيم الذي فرضه عليه الخوارج، ثم جاءوا يطالبونه بالجريمة، أحسن من هذا المصراع، وبما أنّا فرضنا على أنفسنا في بدء الكتاب ألاّ نقضي على قوم بماكتبه غيرهم في حقّهم، فقد نقلنا هذا الكلام بتفصيله والإمعان في أوّله وثناياه وآخره يدل على أنّ الكاتب أخذ موقفاً مسبقاً في مسألة التحكيم، فأخذ من التاريخ فقرات متناثرة تلائم موقفه، وترك كل ما يخالفه.وإليك تحليل ماذكره.

1 ـ كان من واجبه ـ قبل كلّ شيء ـ التعريف بالذين فرضوا التحكيم على


1. علي يحيى معمّر: الاباضية في موكب التاريخ، الحلقة الاُولى 21 ـ 34.


(366)

عليّ ـ عليه السَّلام ـ وأجبروه على قبوله، فمن هم الذين أجبروه على التحكيم وعلى التنازل عن الشرف الذي أولاه المسلمون، وبالتالي ساووا بينه وبين أحد عمّاله؟ فإنّ التعرّف عليهم أساس القضاء الحق فيما رسمه الكاتب وحررّه. الذين فرضوا التحكيم على علي ـ عليه السَّلام ـ لم يكونوا إلاّ رؤوس المحكّمة الاُولى الذين اتّخذهم الكاتب أئمّة وأولياء، فإنّ الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ ، فوجىء بمجئ زهاء عشرين ألفاً، مقنّعين في الحديد، شاكين سيوفَهم، وقد اسودّت جباههم من السجود يتقدّمهم مِسْعَر بن فدكي، وزيد بن حصين، وعصابة من القرّاء الذين صاروا خوارج من بعدُ، فنادون باسمه، لابإمرة المؤمنين، وقالوا: يا عليّ أجب القوم إلى كتاب الله إذا دُعيِتَ، وإلاّ قتلناك كما قتلنا ابن عفان، فوالله لنفعلنّها إن لم تجبهم، فقال الإمام لهم: ويحكم أنا أوّل من دعا إلى كتاب الله، وأوّل من أجاب إليه، وليس يحلّ لي ولايَسَعُني في ديني أن اُدْعى إلى كتاب الله فلا أقبله، فإنّي إنّما قاتلتهم ليدينوا بحكم القرآن، فإنّهم قد عصوا إليه فيما أمرهم، ونقضوا عهده ونبذوا كتابه، ولكّني قد أعلمتكم أنّهم قد كادوكم، وأنّهم ليس العمل بالقرآن يريدون (1).

إنّ حرقوص بن زهير السعدي الذي يُعدّ من الطبقة العليا للمحكّمة الاُولى وكان مرشَّحاً للبيعة في بيت عبدالله بن وهب الراسبي قبله، كان من المصرّين على قبول التحكيم، لكنّه رجع عن رأيه وتاب عن كفره بزعمه، ولمّا دخل على عليّ ـ عليه السَّلام ـ ومعه زرعة بن برج الطائي، فقال له: اُخرج بنا إلى عدوّنا نقاتلهم، فعاتبه الإمام وقال: قد أردتكم على ذلك فعصيتموني وقد كُتِبَ بيننا وبينهم كتاب...(2).


1. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 560 ـ 564 وغيرها.
2. الطبري: التاريخ 4/53 .


(367)

وقد وصل اصرار القوم إلى حدّ هدّدوا حياة الإمام بأنّهم يقضون عليها كما قضوا على حياة عثمان، فلم يجد الإمام بُدّاً من قبول التحكيم، وقد بلغ القوم في قلّة الحياء وشكاسة الخلق إلى حدّ فرضوا التحكيم على الإمام أوّلا، ثمّ فرضوا عليه صيغة الحكم، ولم يرضوا بمن كان هوى علي ـ عليه السَّلام ـ معه، وقد كان الإمام يصرّ على بعث عبدالله بن عباس أو الأشتر، ولكنّهم ما رضوا إلاّ بأبي موسى الأشعري الذي كان يَكنّ عداء عليّ في خُلْده لمّا عزله من ولايته.

أبعد هذا يصحّ للكاتب أن يقول«ولكنّه ـ الإمام ـ بدلَ أن يقف موقفه الحازم ويوالي حربه ضد الثائرين حتى يتحقّق النصر، وقد تحقّقت بشائره، ويُلْقي البغاةُ أسلحتهم، ويعودوا إلى صفّ الاُمّة... بدلا من أن يقف موقفه الحازم ذلك، استجاب لدعاة الهزيمة وأخذ بنصحية طلاّب الخدعة...».

إنّ رؤوس الخوارج هم الذين كانوا يشكِّلون دعاة الهزيمة، وطلاّب الخدعة، فلوكان التحكيم جناية فهم أولى بأن يجتنوا ثماره، ويحملوا أوزاره، لا الإمام الذي أعطى لهم نصحة الخالص، ونبّههم على أنّها خديعة، ظاهره الصلاح وباطنه الفساد و... أو ليس عاراً على جماعة، فرضوا على إمامهم التحكيم، وإدلاءالأمر إلى الحكمين وكتابة ميثاق بين الطرفين، أن يجيئوا شاهرين سيوفهم، يطلبون منه نقض الميثاق ورفض العهد الذي كان عنه مسؤولا، وكأنَّ الخلافة آلة طّيعة بأيديهم يلعبون بها كيف شاءوا.

هؤلاء لم يقدّروا عليّاً، ولاعرفوا مكانته وصموده في طريق العهد والميثاق، فما دام الحكمان لم يخرجا عن الطريق المستقيم، لاينقضُ قوله وعهده، وإن بلغ ما بلغ، وإن شهرت الخوارج سيوفهم عليه وعلى الخُلَّص من جيشه.

2 ـ إنّ عليّاً لم يستجب لدعاة الهزيمة ولم يأخذ بنصيحة طلاّب الخدعة،


(368)

إلا بعد ما تحقّق عجزه عن القيام بمواصلة الحرب، وتطبيق حكم الله على البغاة ـ أعني معاوية وأتباعه ـ... لاشكّ انّ حكم الله في حق البغاة هو قتالهم إلى أن يرجعوا إلى صفّ الاُمّة الذي انشقّوا عنه، وبغوا عليه، إلاّ أنّ التكليف فرع القدرة وهي فرع طاعة الجيش لرأي قائده الحازم الباسل، الذي عرفه التاريخ بالبطولة والبسالة والصمود والوقوف في وجه الظالمين، ولكن يا للأسف انّ أغلبية الجيش انخَدَعُوا بخدعة معاوية، وأخذوا بمخالفته على حسب ما عرفت، وعندئذ لاتثريب على الإمام أن يُسلِّم الأمر إلى الحكمين ويقف عن القتال قائلا: (لاَيُكلِّفُ اللهُ نفساً إلاّ وسْعَهَا)، (ولايُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إلاّ ما آتاها) ويقول: «لقد كنت أمس أميراً ،فأصبحت اليوم مأموراً، وكنت أمس ناهياً، فأصبحت اليوم منهيّاً»(1) .

إنّ بعض الكُتّاب الجدد من الاباضية يصرّح بأنّ عليّاً قَبِلَ التحكيم مضطرّاً ويقول: «إنّ هذه الخدعة لم تكن لتجوز على علي بن أبي طالب، وقد أدركها وأدرك حقيقة ماوراءها من الوهلة الاُولى، وأعلن على الفور رفضه لها وعدم قبوله للتحكيم. إنّ علي بن أبي طالب إنّما قبل التحكيم مضطرّاً ورضي به مكرهاً ازاء ضغط من ضعف أفراد جماعته، ومن نهضوا بينهم يدعون إلى قبول التحكيم، وانّ الدعوة التي دعا بها معاوية أحدثت أثرها في خداع الجند، كما أنّها كانت نكأة لبعض من ضعفت أنفسهم للجهر بها والدعوة إلى الكفّ عن القتال، وازاء ذلك كلّه لم يكن في وسع عليّ إلاّ أن يرضى بالتحكيم وإن لم يقتنع به ولم تخف نتائجه»(2).


1. الرضي: نهج البلاغة قسم الخطب، الخطبة 208 .
2. صالح بن أحمد الصوافي: الإمام جابر بن زيد العماني: 100 .


(369)

وقال علي يحيى معمّر:

«كان التحكيم خدعة سياسية يراد بها تفريغ جيش أمير المؤمنين علي ـ عليه السَّلام ـ وانّه أولّ من أوائل من تفطّنوا للمكيدة، ولم يقبل التحكيم إلاّ مكرهاً، وأنّه أنكره بشدّة وأبان لجيشه - الذي عمل فيه الطابور الخامس عمله ـ عواقب تلك المكيدة وأنّه لم يقبل التحكيم إلاّ مضطرّاً عندما وجد جيشه معرّضاً للتفرّق والتمزّق وربّما للتناحر، وكان على رأي الامام علي ـ عليه السَّلام ـ وعلى رأي أصحابه في اعتبار التحكيم مكيدة لاينبغي قبولها، أكثر أئمة المسلمين منهم الإمامان العظيمان الحسن البصري ومالك بن أنس حسب ما أورده المبّرد في كامله وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة بل أستطيع أن أزعم أنّنا اليوم وفي هذا العصرـ وقد مضى على تلك الأحداث ثلاثة عشر قرناً ونصف ـ عندما نقرأ أخبارها نشعر بالأسف والحسرة، لأنّ تلك الخدعة الجريئة قد انطلت على أكثرّية جيش عليّ حتى اضطرّ للاستجابة لها، رغم معرفته القصد منها وتقديره لنتائجها وعلمه علم اليقين أنّ القصد من تلك العملية لم يكن مراعاة للمصلحة العامّة ولانظراً لخير الاُمّة، ولاتحكّماً للكتاب في شيء جهل فيه حكم الكتاب» (1) .

وقال أيضاً: «واختلف أصحاب علي اختلافاً شديداً بين موافق على الطلب، ومعارض له، واضطرّ الإمام إلى الموافقة نزولا عند رأي الأغلبية وإن كان رأيه هو خلاف ذلك» (2) .

نحن نسأل الكاتبين عن مسألة التحكيم المفروض على عليّ من جانب جيشه، فقد اعترفا بأنّ الإمام قبله بعدما عرفه، دفعاً للتفرقة والتخرّق، بل


1. علي يحيى معمّر: الاباضية بين الفرق الإسلامية 1/190 ـ 191 .
2. علي يحيى معمّر: الاباضية بين الفرق الإسلامية 2/166 .


(370)

للتناحر وانّه لولا قبوله لثاروا على الإمام وقضوا على حياته، وعندئذ يصبح ابن أبي سفيان مالكاً لأزمّة الاُمور ومتسنّماً على عرش الخلافة من دون منازع، ويصير الطريق لبسط سلطته وسيطرته مُعَبَّداً ومذلّلا بأيدي خصمائه وأعدائه ـ أعني الّذين قبلوا التحكيم وفرضوه على إمامهـ .

وأين ذلك الفرض من فرض قبول التحكيم حتى يرجع الطرفان إلى كتاب الله فيما اختلفا فيه.... وإن كان حكم الكتاب في ذلك واضحاً ـ والخصم وأنصاره الأغبياء كانوا يتخيّلون أنّهم جاهلون بحكمه فيجب أن يرجع إليه بحكمين من الطرفين.

فإذا كان هذا موقف عليّ والمسلمين فلم يكن بُدّ من قبول التحكيم دفعاً للأفسد بالفاسد وهو ليس شيئاً خفيّاً على الكاتبين، وعند ذلك فلماذا يؤاخذان عليّاً بقبول التحكيم وعدّه ذنباً يحتاج إلى التوبة والاستغفار.

إذا كان قبول التحكيم عن اكراه واضطرار، وقد قال سبحانه: ( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغ وَلا عاد فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحيِمٌ)(1) أفيصحّ للمغفّلين الّذين انتبهوا عن غفلتهم، وضيّعوا الفرص الذهبيّة للقضاء على الطغمة الأموية، أن يصرّوا على عليّ بالتوبة والاستغفار وإلاّ فبالانعزال والخروج عن تحت رايته بعد ما أخبر سبحانه أنّه غفور رحيم لكلّ مضطّر ارتكب عملا لاعادياً ولاباغياً؟

أفيصحّ لهؤلاء وفي رأسهم المحكِّمة الاُولى الذين كانوا أداة طيّعة ـ بلاوعي ـ بيد رأس الطابور الخامس الأشعث بن قيس، أن يحتفلوا في الكوفة ويختاروا لأنفسهم أميراً وخليفة، ويتّهموا عليّاً بأنّه عزل نفسه عن الخلافة، ثمّ يخرجوا عن الكوفة وينزلوا ضفة النهر مُرْهبين ومرعبين ونار الفتنة بعد لم تطفأ والعدّو الغاشم ـ معاوية بن أبي سفيان ـ على اُهْبَة الهجوم وبسط السيطرة


1. الأنعام: 145 .


(371)

والقضاء على الخلافة الشرعية.

إنّ النصوص التاريخية تضافرت على أنّ عليّاً أتمّ عليهم الحجّة قبل نشوب نار الحرب، وقد كان رؤساء المحكّمة أعني عبدالله بن وهب الراسبي وحرقوص بن زهير السعدي ومن في رتبتهما من المحكّمة، يسمعون كلام عليّ وهو يخاطبهم بأنّهم هم الذين فرضوا على عليّ التحكيم، فلمّا ندموا طلبوا منه نقض العهد والميثاق المحرّم بنص الذكر الحكيم، وقد ذكرنا نص علي عند عرض التاريخ.

يقول صالح بن أحمد الصوافي: إنّ علي بن أبي طالب قد مضى بنفسه إلى اُولئك الخارجين عنه وقال لهم: من زعيمكم؟! قالوا: ابن الكواء. قال علي: فما أخرجكم عنّا؟ قال: حكومتكم يوم صفّين. قال: أنشدكم بالله أتعلمون أنّهم حين رفعوا المصاحف، فقلتم: نجيبهم إلى كتاب الله، قلت لكم: إنّي أعلم بالقوم منكم، إنّهم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن إنّي صحبتهم وعرفتهم أطفالا ورجالا، فكانوا شرّ أطفال وشرّ رجال. اُمْضُوا على حقّكم وصدقكم، فإنّما رفع القوم هذه المصاحف خديعة ودهناً ومكيدة، فرددّتم عَلَيّ، وقلتم: لا، بل نقبل منهم، فقلت لكم: اذكروا قولي لكم ومعصيتكم إيّاي، فلمّا أبيتم إلاّ الكتاب اشترطت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن، وأن يميتا ما أمات القرآن، فإن حكما بحكم القرآن، فليس لنا أن نخالف حكماً يحكم به بما في القرآن. وإن أبيا فنحن من حكمهما براء، قالوا له: فخبرنا، أتراه عدلا تحكيم الرجل في الدماء؟.... فقال: إنّا لم نُحكِّم الرجال، إنّما حكَّمنا القرآن، وهذا القرآن هو خط مسطور بين دفّتين لاينطق، إنّما يتكلّم به الرجل...قالوا: فخبرنا عن الأجل لِمَ جعلته فيما بينك وبينهم؟ قال: ليعلم الجاهل، ويثبت العالم، ولعلّ الله ـ عزّوجلّ ـ يصلح في هذه الهدنة هذه الاُمّة...ادخلوا مصركم، رحمكم الله...


(372)

قالوا: صدقت، قد كنّا كما ذكرت... وفعلنا ما وصفت، ولكن ذلك كان منّا خلاف القرآن، فقد تبنا إلى الله عزّوجلّ منه، فتب كما تبنا، نبايعك، وإلاّ فنحن مخالفين. فقال علي: ادخلوا فلنمكث ستة أشهر حتى يجيء المال، ويسمن الكراع، ثمّ نخرج إلى عدوّنا ولسنا نأخذ بقولهم وقد كذبوا...(1).

فهذا الكلام سواء اُلقي في الحروراء أو في ضفة النهر يعرب عن أنّ الأكثرية السّاحقة من الخارجين عن طاعة علي ـ لولا كلّهم ـ كانوا هم الذين فرضوا التحكيم على عليّ ـ عليه السَّلام ـ وألجأوه إلى الرضوخ لمكيدتهم، فماذا يطلبون من عليّ بعد ذلك؟

3 ـ إنّ ابن أبي سفيان قام لأجل أخذ الثأر من قتلة عثمان ولم يبايع عليّاً بحجّة أنّه كان يحمي الخارجين على عثمان، والثائرين عليه، وكان الإمام يصّر عليه أن يدخل أوّلا فيما دخل فيه المسلمون، ثم يعرض المسألة عليه(2) وبما أنّ معاوية اتّخذ جانباً سلبيّاً في هذا الموضع، قام الإمام بتأديب الباغي، وارجاعه إلى صفوف المسلمين وانتهى الأمر إلى نشوب الحرب بين الطرفين، ولجوء معاوية إلى الخدعة والمكر، وتحكيم الرجلين في الموضوع الذي اختلف فيه الفريقان، فلم تكن الغاية من اتفاقية الصلح إلاّ تحكيم الكتاب في الموضوع الذي تنازع فيه الطرفان، وأمّا عزل الإمام عن الخلافة ونصب معاوية مكانه فلم يكن في صلاحية الحكمين وإنّما دخلا في موضوع لم يُفَوَّض إليهما أمره. فرأيهما فيها بالعزل والنصب رأي ساقط.

4 ـ إنّ الإمام لمّا رأى لجاج العدو وعناده في صياغة اتفاقية الصلح حيث لم يرض به إلاّ بمحو لقب إمرة المؤمنين عن جنب اسمه، رضى بذلك اقتداءً


1. صالح بن أحمد الصوافي: الإمام جابر بن زيد العماني: 110 ـ 111 .
2. الرضي: نهج البلاغة، قسم الرسائل برقم 64 .


(373)

بالنبيّ الأكرم في صلح الحديبية حيث رضى أن يكتب اسمه ويمحى لفظ رسول الله، ولم يسمع لقول الأحنف حيث قال: «لا تمح اسم إمرة المؤمنين عنك فإنّي أتخوّف إن محوتها ألاّ ترجع إليك أبداً لاتمحها وإن قتل الناس بعضهم بعضاً، فأبى مليّاً من النهار أن يمحوها» (1) ولكنّه ـ عليه السَّلام ـ لم يَرَ بدّاً من القبول ورضى بالمحو تحت ضعظ الأشعث والمنخدعين من جيشه، والمقنّعين في الحديد.

وبذلك تقف على قيمة قوله: «وإذ خطر لعلي أن يستجيب لدعاة الهزيمة في جيشه، والماكرين من عدوّه أن يشكّ في نفسه، والحق الذي بيده، ويتنازل عن الشرف الذي أولاه المسلمون، ليساوى بينه وبين أحد عمّاله في قضيّة أخذ فيها عهداً من الاُمّة، وأخذت منه فيها موثقاً وعهداً ورضخ إلى تحكيم رجال فيما نزل فيه حكم الله» .

إن فرض التحكيم على علي وقبوله ومحو لقبه، تحت ضغط قسم كبير من جيشه، لايعني شكّه في نفسه والحق الذي بيده، والتنازل الاختياري عن الشرف الذي أولاه المسلمون، بل يعني فسح المجال للتفكّر والتدبر فيما كان يدّعيه معاوية على الإمام من تقدّم أخذ الثأر على البيعة، حتى يقضيا الحكمان فيه برأي بات، ولو دلّ محو اللقب على الشك في الإمرة، فهل يظنّ الكاتب أنّ رسول الله شكّ في رسالته عندما رضى بمحو لقبه عن جنب اسمه؟ نعم توّهم ذلك بعض أصحابه وتصوّر أنّ ذلك يساوي اعطاء الدنية في أمر الدين(2) ولكن رسول الله استقبل الحادث بصدر رحب، وقبل الصلح على النحو الذي كان المشركون يطلوبونه، وقد أثبت مرور الزمان صواب رأيه في الصلح، وأنّه كان


1. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين: 582 .
2. لاحظ السيرة النبوية لابن هشام 3/331 .


(374)

لصالح المسلمين كما هو المحقّق في السيرة النبوية.

والحاصل: لم يكن قبول التحكيم والموافقة على الهدنة لغاية عزل الإمام نفسه عن الخلافة وإدلاء الأمر إلى الحكمين حتى يُخْتار للاُمّة الإسلامية خليفة بل كانت الغاية من قبوله هو فسح المجال للحكمين حتّى يقضوا في ضوء الكتاب والسنّة في حقّ الباغي الوارد في الكتاب العزير(1)وفيما يدّعيه ابن أبي سفيان في حقّ علي، حيث كان يقول لايبايع الاّ بعد أخذ الثأر من قتلة عثمان كما صرّح به في بعض رسائله إلى الإمام، يقول الإمام:

«وقد أكثرت في قتلة عثمان فادخل فيما دخل فيه الناس، ثمّ حاكم القوم إليّ أحملك وإيّاهم على كتاب الله، وأمّا تلك التي تريد فإنّها خدعة الصبي عن اللبن في أوّل الفصال».

وقد جاء في رسالة معاوية إلى الإمام قوله: «وادفع إليّ قتلة عثمان، فإنّهم خاصّتك وخلصاؤك والمحدقون بك» (2).

فإنّ ابن أبي سفيان كان يطلب في الظاهر قتلة عثمان، ولكنّه في الباطن كان يمهدّ الطريق إلى الخلافة، وربّما كان قانعاً لأن يقرّه الإمام على الشام(3).

وبذلك ظهر بطلان قوله: «إنّ بيعة الإمام قد انفسخت بموافقته على الهدنة، ورضاؤه بالتحكيم جبراً، فلم يبق لأحد في عنقه بيعته» فإنّه تفسير لموقف الإمام بما يتجاوب هوى الكاتب، فإنّ الإمام لم يخلع نفسه عن الخلافة أبداً ولا تردّد في كونه الخليفة الشرعي والقانوني للاُمّة، ولو صحّ ما ذكره الكاتب وأنّ الإمام خلع نفسه عن الخلافة بمرأى ومسمع من جيشه وجيش عدوّه، لما


1. الحجرات: 9.
2. ابن أبي الحديد، شرح النهج 17 / 253.
3. المصدر نفسه، ومرّ تفصيله.


(375)

قام أبو موسى بخلعه عن الخلافة، إذ لامعنى لخلع المخلوع لاسيمّا من خلع نفسه واعترف به.

ولو كان قبول التحكيم ملازماً للخلع عن الإمامة فلماذا كتب الإمام ـ عندما وصل إليه نبأ الحكمين وخيانتهما في مورد الوكالة ـ إلى زعماء الخوارج: زيد بن حصين وعبد الله بن وهب الراسبي ومن معهما من الناس وقال: أمّا بعد فإنّ هذين الرجلين الذين ارتضينا حكمهما، قد خالفا كتاب الله واتّبعا هواهما بغير هدى من الله، فلم يعملا بالسنّة ولم يُنفَّذا للقرآن حكماً، فبرأ الله ورسوله منهما والمؤمنون، فإذا بلغكم كتابي هذا فاقبلوا فإنّا صائرون إلى عدوّنا و عدوّكم، ونحن على الأمر الّذي كنّا عليه(1).

الحقّ إنّ من قرأ تاريخ مأساة التحكيم يقف على مدى الضغط الوارد عليه من جانب أصدقائه الحمقاء، ثم يرجع ويترحّم على الإمام ويبكي عليه ببكاء عال ويقول: «رحم الله الإمام عاش بين عدوّ غادر، وصديق انوك».

5 ـ والعجب العجاب أن يصبح عبدالله بن وهب الراسبي الخليفة الشرعي والقانوني للمسلمين فيجب على الاُمّة في جميع الأقطار و الأصقاع، إطاعة أمره، بحجة أن نفراً من الخوارج اجتمعوا في منزله فبايعوه، ولعلّ عدد المبايعين لا يتجاوز عن عدد الأصابع أو يزيد بقليل(2).

إنّ البيعة الشرعيّة وانعقاد الإمامة لواحد من المسلمين رهن شروط وصلاحيات، ذكرها المعنّيون من علماء علم الكلام في كتبهم، ولم يذكر أحد أنّه إذا بايع عدّة من المسلمين شخصاً في صقع من الأصقاع يجب على عامّتهم الاعتراف بإمامته وخلافته.


1. الطبري: التاريخ 4 / 57.
2. نفس المصدر.


(376)

إنّ معنى ذلك انّه يجوز لاّحاد من المسلمين في البدو والقرى، أن يختاروا رجلاً فيبايعوه على الخلافة وإن كان المبايعون بُعَداء عن العاصمة الإسلامية الّتي فيها أهل الحل و العقد.

لو صحّ أنّ الإمام خلع نفسه ـ ولن يصحّ حتى ولو صحّت الأحلام ـ فالواجب على المسلمين طرح الخلافة في شورى إسلامية عالميّة تضمّ إليها أكابر العلماء والفقهاء، وأهل الحل و العقد من المهاجرين والأنصار، و من اتّبعهما بإحسان، حتى يختاروا لأنفسهم إماماً، لاطرحها في بيت مسدود ليس فيه إلاّ اُناس خرجوا على إمامهم الّذي تمّت البيعة له في مثل تلك الشورى، لأنّ تصحيح ذلك بمعنى تصحيح الفوضى في صفوف المسلمين، وشقّ عصاهم، وفصم عراهم، وغير ذلك ممّا لايخفى على القارئ الكريم بطلانه.

6 ـ والعجب انّ الكاتب نقض ما كتبه هنا بما ذكره في الحلقة الثالثة من ذلك الكتاب، فإذا وصف الإمام في المقام، بأنّه استجاب لدعاة الهزيمة وأخذ بنصيحة طلاّب الخدعة، فقد صرّح في المقام الآخر بأنّ الإمام «عرف أنّها احدى المكائد الّتي تفطّن إليها ذهن عمرو بن العاص، وأصرَّ هو و أصحابه على الجهاد، وكان الإمام والمخلصون من أصحابه يكافحون لإقناع بقيّة الجيش بصواب موقفهم (مواصلة الحرب) ونبذ الاستماع إلى هذه الخدعة الحربية» وإن كنت في شكٍّ ممّا نقلناه عنه فاقرأ نصّه:

خالف معاوية بن أبي سفيان اجماع الاُمّة و أشعل نار الفتنة وجهّز جيشاً لمحاربة الخليفة الشرعي الّذي اختاره المسلمون، و قابله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بما يقابل به خليفة شرعي فئة باغية، فجهّز جيشاً من أبطال الإسلام وقاده بنفسه، و التقى الجيشان في صفّين، وابتدأ القتال وعرف معاوية أنّه إذا لم يكن يلجأ إلى الحيلة فإنّه سوف يخسر القضية في


(377)

أقرب ممّا يتوقّع، ومهّد لذلك بتكوين طابور خامس في جيش علي ثم دعا إلى التحكيم.

وعرف علي وعرف أصحابه مقصد معاوية من التحكيم، وأنّها احدى المكائد الّتي تفتق عنها ذهن عمرو بن العاص، ولذلك قال علي: إنّما قاتلناهم بكتاب الله، وأصرّ هو و أصحابه على الجهاد، ولكن الطابور الخامس الّذي كان يقوده أكبر صنايع معاوية: الأشعث بن قيس، كان قد عمل في الجيش، ومالت الأغلبية إلى قبول التحكيم، وحينما كان علي والمخلصون من أصحابه يكافحون لإقناع بقيّة الجيش بصواب موقفهم (مواصلة الحرب) ونبذ الاستماع إلى هذه الخدعة الحربية الّتي لجأ إليها الفريق الباغي، لخّص أحد أصحابه موقفهم هذا في هذه الكلمة المشهورة «لاحكم إلاّ لله» وكانوا يصيحون بها في جوانب الجيش و يرددها أنصار علي في كل موقف وكان علي يستمع إليها راضياً بها وهو يناقش الناس ويدعوهم إلى التمسّك بمضمون هذه الكلمة وعدم الانخداع بحيل معاوية لأنّ قضيتهم واضحة وقد حكم فيها الله سبحانه وتعالى من فوق سبع سماوات...

وشاءت إرادة المولى سبحانه وتعالى ـ لحكمة يعلمها ـ أن لاتستجيب الإغلبية لعلي وأن تميل أكثريّة الجيش إلى دعاة الهزيمة، وأن يتغلّب الأشعث ابن قيس صنيعة معاوية على المناضلين من أجل الحق، فيجد الإمام نفسه مضطرّاً إلى التخلّي، وترك الصفوة من أصحابه ليحافظ على الأغلبية ويسير معها، فرضى بالتحكيم مرغماً، وإذا هذه اللحظة الّتي رضى علي فيها بالتحكيم، وموافقة الأغلبية، كانت كلمة «لاحكم إلاّلله» تعبيراً عن موقفه و شعاراً لمبدئه بل انها تعبير وشعار لكّل مؤمن يحكّم كتاب الله فيما شجر بينه خلاف وبين


(378)

الناس(1).

7 ـ إنّ التعبير عن الخروج على الإمام المفترض طاعته بـ«الخلافة»، كما أنّ التعبير عن التمرّد والشغب بـ«تشكيل الدولة» مصادرة على المطلوب والمشي على الدعوى المسبقة بلا برهان، فيطيب لي أن أذكر نصّ الكاتب الّذي يصوَّر أنَّه كان للخوارج دولة بعد رفض التحكيم. قال:

«أصبحت الاُمّة الإسلامية منقسمة إلى ثلاث دول: دولة أسّسها معاوية وإن لم يبايعه عليها أحد إلى ذلك الحين، ودولة يرأسها علي بن أبي طالب بعد أن فشلت في نظره حكومة الحكمين، عاد فاستمسك بالبيعة الاُولى (2) دون أن يعترف بعزل أبي موسى الأشعري له مندوبه في قضيّة التحكيم، و دولة يرأسها عبد الله بن وهب الراسبي بعد أن بايعه جمع كبير من الذين انفصلوا عن علي، عند قبول التحكيم، ثم عند اعلان الحكم بعزل علي عن الخلافة، ومع كلّ فرقة من هذه الفرق جمع غير قليل من كبار الصحابة وفيهم بعض المشهود لهم بالجنّة .

على أنّ هناك فريقاً رابعاً اعتزلوا هذا النقاش الّذي وقع بين المسلمين وبعدوا عن قضية الخلافة فلم يطلبوها لأنفسهم، ولم يؤيّدوا واحداً من طالبيها، و من هذا الفريق السادة سعد بن أبي وقاص و عبد الله بن عمر، و محمّد بن مسلمة الأنصاري واُسامة بن زيد»(3).

إنّ الكاتب ادّعى لابن وهب مقاماً ليس له أثر في التاريخ ولا في كلمات الخوارج حتى في نفس المجلس الّذي بايعوه، فإنّ البيعة لم تكن إلاّ لأن يكون


1. علي يحيى معمّر: الاباضية في موكب التاريخ، الحلقة الثالثة: 283 ـ 283.
2. فأي معنى للاستمساك بالبيعة الاُولى إذا خلع نفسه بمرأى ومنظر من الناس ياترى، أو ليس هذا دليلاً على أنّ الإمام لم يخلع نفسه في وجدان الكاتب؟
3. علي يحيى معمّر: الاباضية في موكب التاريخ، الحلقة الأولى: 24.


(379)

الرجل أميراً للجهاد وقائداً عسكرياً في القتال لاخليفة شرعية يملأ الفراغ الحاصل من العزل المزعوم، والشاهد على ذلك انّ حمزة بن سنان الأسدي أوّل من اقترح هذه الفكرة وقال: «فولّوا أمركم رجلاً منكم فإنّه لابدّ لكم من عماد وسناد وراية تحفّون بها وترجعون إليها...».

ولمّا قبلها عبد الله بن وهب، قال: أما والله لا آخذها رغبة في الدنيا ولا أدعها فرقاً من الموت(1).

8 ـ لم يكن محاربة الإمام للخوارج وعلى رأسهم عبد الله بن وهب الراسبي إلاّ لأجل أعمالهم إلارهابيّة الّتي بلغت الإمام، فقال بعض المخلصين له: على ما ندع هؤلاء يخلّفوننا في أموالنا و عيالنا؟ سر بنا إلى القوم، فإذا فرغنا ممّا بيننا وبينهم صرنا إلى عدوّنا من أهل الشام، فقبل علي، فنادى بالرحيل.

كان من المظنون جداً أن يقوم عبد الله بن وهب الراسبي بسبي النساء وقتل الذراري، إذا رأوا أنّ العاصمة الإسلامية (الكوفة) خالية من زعيمها وجيشها خصوصاً انّ علياً و مواليه كانوا عندهم مشركين كافرين تحلّ أموالهم وتجوز إراقة دمائهم وسبي نسائهم، فلأجل ذلك قلع الإمام عين الفتنة قبل أن يبادر بمحاربة عدوّ الله في الشام.

كلّ ذلك يدلّ على بطلان قول الكاتب «بعد أن جمع الإمام علي جيشه ومن بقي تحت طاعته من الجند، فكّر في اعادة الكّرة على معاوية واخماد ثورته ومحاولة اخضاعه من جديد، ولكن بعض أصحابه أشاروا عليه بمحاربة عبدالله ابن وهب الراسبي هذا الخليفة الجديد الّذي وصل إلى منصب الخلافة عن طريق البيعة، وهو الطريق الشرعي للخلافة. واقتنع علي بصواب هذا الرأي و عدل عن محاربة معاوية إلى محاربة عبد الله بن وهب، وكان أتباع عبدالله


1. الطبري: التاريخ 4 / 55.


(380)

يعتقدون أنّ إمامهم هو الإمام الحق وانّ كّلاً من علي ـ بعد التحكيم والعزل ـ ومعاوية، ثائران يجب عليهما الرجوع إلى حظيرة الإمامة»(1).

9 ـ روايات شاذة في أمر التحكيم:

الف ـ اعتمد الدكتور صالح الصوافي في تحليله مسألة التحكيم على رواية شاذّة ذكرها ابن قتيبة في تاريخ الخلفاء وقال: «لمّا لم يبق إلاّ الكتاب، قال الأحنف بن قيس لعلي: يا أمير المؤمنين انّ أبا موسى رجل يماني وقومه مع معاوية فابعثني معه فو الله لا يُحِلّ لك عقدة إلاّعقدت لك أشدّ منها، فإن قلت انّي لست من أصحاب رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ فابعث ابن عباس وابعثني معه، فقال علي: إنّ الأنصار أتوني بأبي موسى فقالوا: ابعث هذا فقد رضيناه ولا نريد سواه والله بالغ أمره»(2).

إنّ هذه الرواية شاذّة غير معروفة وقد اتّفق المؤرّخون على أنّ عليّاً كان يصرّ على بعث ابن عباس أو الاشتر و لم يكن له أيّ هوى مع أبي موسى الأشعري، لما كان يستشف منه أنّ هواه مع غيره وكيف لا وهو الّذي خذل الناس عن مساعدة الإمام القائم يوم كان واليا على الكوفة، وتقاعد عن نصرته، ولم ينفّر الناس إلى ساحة قتال الناكثين بل دعاهم إلى البقاء في منازلهم بحجّة أنّها فتنة، القاعد فيها خير من القائم(3).

كيف يعتمد على تلك الرواية الشاذّة مع أنّ ابن قتيبة، نقل خلافها في موضع آخر عند البحث عن ظهور المحكّمة، ونقلها الدكتور أيضاً في كتابه،


1. علي يحيى معمّر: الاباضية في موكب التاريخ، الحلقة الاُولى: 24 ـ 25.
2. صالح بن أحمد الصوافي: الإمام جابر بن زيد العماني: 99 نقلاً عن الإمامة والسياسة: 114.
3. الطبري: التاريخ 3 / 497.


(381)

قال: اتّضحت معالم المسألة واضحة، و بدا لكل ذي عينين أنّ التحكيم لم يكن سوى خديعة لم يبغ من طلبها سوى العدول عن الطريق السوي، وصحّ كل ما توقّعه علي بن أبي طالب حتى حقّ له أن يقول وقد وقع ما وقع: «أما أنّي قد أخبرتكم أنّ هذا يكون بالأمس، و جهدت أن تبعثوا غير أبي موسى فأبيتم عَلَيّ»(1).

أفيصحّ بعد هذا، قوله إنّ الأنصار أتوني بأبي موسى فقالوا: ابعث هذا فقد رضيناه ولا نريد سواه؟! مع أنّه لم يرده أبداً وإنّما فرض عليه من فرض.

ب ـ إنّ الكّتاب الجدد لمّا واجهوا أنّ التحكيم سيّئة من سيّئات المحكّمة واّنّهم هم المسؤولون عن عواقبه الوبيلة، عمدوا إلى الروايات الشاذّة ومخالقات أعداء الإمام. قالوا: إنّ عليّاً ظلّ يكاتب معاوية سرّاً من دون المسلمين، فكتب إلى معاوية: من عليّ أمير المؤمنين إلى معاوية، فكتب إليه معاوية: لو أعلم أنّك أمير المؤمنين لم اُقاتلك، فامح اسم أمير المؤمنين، ففعل علي ذلك فبلغ ذلك المسلمين، فقالوا له: يا علي ما حملك أن تخلع نفسك من اسم سمّاك به المسلمون؟ ألست أمير المؤمنين ومعاوية أمير المخالفين؟ فتب عمّا صنعت...، ثمّ إنّهم يذكرون أنّه بعد أن تاب عدل عن توبته و أمضى الحكومة أي التحكيم(2).

إنّ ما ذكره من المكاتبة السرّية ليس له مسحة من الحقّ ولا لمسة من الصدق ولا يوجد في كتب القصاصين فضلاً عن التواريخ والسير، وما ذكره ليس إلاّ قصة التحكيم الّذي شهد عليه الطرفان على وجه التفصيل، والإمام امتنع عن


1. صالح بن أحمد الصوافي: الإمام جابر بن زيد: 102 نقلاً عن الإمامة و السياسة لابن قتيبة 119.
2. صالح بن أحمد الصوافي: الإمام جابر بن زيد: 112 نقلاً عن القلهاتي: الكشف والبيان: 2 / 237.


(382)

محو إمرة المؤمنين عن نفسه، وقد أمضى مليّاً من النهار، وهو يدفع ذلك الاقتراح غير أنّ المحكّمة والطابور الخامس الذين فرضوا على عليّ نفس التحكيم، فرضوا عليه صيغته أيضاً، ولم يكن شيئاً خفيّاً من الناس بل كان على مشهد منهم، وقد ذكر الإمام ما جرى على النبي الاكرم في صلح الحديبية وأنّه سيبتلى بما اُبتلي به رسول الله، وأمّا قصة التوبة فقد مضى الكلام فيها.

ج ـ رووا عن علي ـ عليه السلام ـ أنّه بعد ما قتل الخوارج جعل يمرّ عليهم وهو يستغفر لهم و يقول: بئس ما صنعنا قتلنا خيارنا وفقهاءنا... فقال له بعض أصحابه: يا أمير المؤمنين قتلنا المشركين. قال: من الشرك فرّوا. قال: أمن المنافقين؟ قال إنّ المنافقين لايذكرون الله إلاّ قليلاً و هؤلاء يذكرون الله كثيراً(1).

إنّ ما ذكره اّنما هو من مخاريق الخوارج، حاولوا أن يبرّروا أعمال أسلافهم فالقوم كانوا بغاة على الإمام المفترض طاعته، ومَنْ حبّه إيمان وبغضه كفر(2) والقوم لم يكونوا مشركين ولا منافقين، ولكن كانوا بغاة، ولم يكونوا خيار القوم ولا فقهاءهم بل كانوا من أهل البادية الذين تسيطر عليهم السذاجة ويغترّون بالظواهر من دون التعمّق في البواطن. وأسوأ من ذلك ما نقله في ذيل كلامه ونحن نطهر قلمنا عن ذكره والردّ عليه، فلم يكن الإمام نادماً من عمله لأنّه حقّق ما تنبّأ به النبي الأكرم في حقّه وأنّه سيقاتل الناكثين والقاسطين و المارقين (3) وآية ذلك انّه كانت للخوارج انتفاضات بعد وقعة النهروان، فلم يزل علي ـ عليه السلام ـ يبعث السرايا لإطفاء فتنتهم، و اخماد ثائرتهم إلى أن اُغتيل


1. الدكتور صالح بن أحمد الصوافي: الإمام جابر بن زيد: 125، نقلاً عن القلهاتي في الكشف والبيان: 2 / 252 ـ 254.
2. مرَ مصدره.
3. مرّ مصدره.


(383)

بيد أشقاهم شقيق عاقر ناقة ثمود (1).

10 ـ لا إمرة إلاّ لله:

هذا هو الوجه الثاني لتفسير شعارهم «لاحكم إلاّ لله» ولكن الخوارج رفضوه عملاً واختاروا عبد الله بن وهب خليفة لهم إلاّ أنّه كانت توجد بين المتطرّفين منهم تلك النظرية. يقول الكاتب المعاصر علي يحيى معمر:

«انعزل معارضوا التحكيم إلى جانب، واستمسكوا بموفقهم الّذي كانت تعبرّ عنه هذه الكلمة أصدق تعبير، ونشأ عن هذا الموقف موقف آخر متطرّف كل التطرّف، فإنّ الكلمة حينما اطلقت وقصد منها أنّه لا يجوز للناس أن يحكِّموا فيما نزل فيه حكم الله، وذلك ما فهمه الإمام علي ورضى به، وفهمه المعارضون وعملوا به».

ولكن اُناساً من المتطرّفين فيما بعد زعموا أنّه لا حاجة إلى الإمارة وأنّه لا داعي لأن يكون للمسلمين حكومة وحملوا كلمة «لاحكم إلاّ لله» هذا المقصد الهدّام، وهذا التطرّف هو ما سخطته الاُمّة وردّته عنهم، وتولى الإمام علي شرحه باسهاب وايضاح لايبقى بعده اشكال.

قال الإمام علي وهو يردّ على اُولئك المتطرّفين الذين خرجوا بكلمة «لاحكم إلاّ لله» عن معناها الّذي وضعت له: «كلمة حق يراد بها الباطل، نعم لاحكم إلاّ لله، ولكن هؤلاء يقولون لا إمرة إلاّ لله، و انّه لابد للناس من أمير برّ أو فاجر، يعمل في امرته المؤمن، و يستمتع فيها الكافر، يبلّغ الله فيها الأجل، ويجمع بها الفيء، ويقاتل العدو، وتؤمن به السبل، و يؤخذ به للضعيف من


1. مرّ مصدره.


(384)

القويّ حتى يستريح برّ و يستراح من فاجر»(1).

الخوارج أنصار عليّ وشيعته؟!

إنّ الخوارج يعدّون أنفسهم شيعة الإمام علي ـ عليه السلام ـ وأنصاره وانّهم كانوا سواعده القويّة في قتال الناكثين والقاسطين، و انّهم هم الذين أعاروا جَماجمَهم لعليّ في القتالين ثم يشكون عليّاً بأنّه ما أنصف في حقّ أنصاره وأعوانه، حيث قتلهم وهم براء من الذنب.

وممّن صبّ الشكوى في قالب الشعر، هو أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم الرواحي يقول في قصيدة له:

ارقتَ دماء المؤمنين بريئة * لهن بزيزاء(2) الحراء(3)خرير(4)

عليّاً أمير المؤمنين بقيّة! * كأنّ دماء المؤمنين خمور

سمعناك تنفي شركهم و نفاقهم * فأنت على أيّ الذنوب نكير؟!

وما الناس إلاّ مؤمن أو منافق * ومنهم جحود بالإله كفور

وقد قلت ما فيهم نفاق ولا بهم * جحود و هذا الحكم منك شهير

فهل أوجب الإيمان سفك دمائهم ؟ * وأنت بأحكام الدماء بصير!

تركتَهم جزر السباع، عليهم * لفايف من إيمانهم و ستور

مصاحفهم مصبوغة بدمائهم * عليهن من كتب السهام سطور

وكنتَ حفياً يا بن عمّ محمّد * بحفظ دماء مالهن خطير


1. علي يحيى معمّر: الاباضية في موكب التاريخ، الحلقة الثالثة: 284.
2. الزيزاء: الاكمة الصغيرة.
3. الحراء: الحرّة: أرض ذات حجارة سود كأنها اُحرقت بالنار.
4. صوت الماء.


(385)

وكنتَ حفياً أن يكونوا بقيّة * لنصرك حيث الدائرات تدور

أما و الّذي لاحكم من فوق حكمه * على خلقه ورد به و صدور

تنادي: أعيروني الجماجم كرّة * فقد قدموها و الوطيس سعير

لَقِدْماً أعاروك الجماجم خشّعاً * عليهنّ من قرع الصفاح فتور

فقصعتها إذ حَكَّمت حكم ربّها * فما بقَّيْتَ عارية و معير(1)

والحقّ إنّ هذه الأبيات تثير العواطف العمياء ضدّ الإمام، ويتخيّل صاحبها أنّ الإمام قد جحد حقّهم و تساهل، و لكنّه إذا رجع إلى غضون التاريخ، سرعان ما يرجع عن قضائه و يلوم نفسه على التسرّع، وإن كنت في شكّ من ذلك فارجع إلى ما ذكرناه من تاريخهم و أعمالهم الإجرامية حين التحكّيم وبعده، وهنا نشير إلى نكات:

1 ـ إنّ قوله: سمعناك تنفي شركهم ونفاقهم يشير إلى ما رواه عن علي أنّه قال له بعض أصحابه: يا أمير المؤمنين قتلنا المشركين. قال: من الشرك فرّوا. قال: أمن المنافقين؟ قال إنّ المنافقين لايذكرون الله إلاّ قليلاً وهؤلاء يذكرون الله كثيراً(2).

يلاحظ عليه أوّلاً: انّ المروي عن علي ـ عليه السلام ـ في حقّ هؤلاء هو ما ذكره الطبري بقوله: بؤساً لكم لقد ضرّكم من غرّكم، فقالوا: يا أمير المؤمنين من غرّهم؟ قال: الشيطان، وأنفس بالسوء أمّارة، غرّتهم بالأماني، وزيّنت لهم المعاصي ونّبأتهم أنّهم ظاهرون(3).


1. صالح بن اُحمد الصوافي: الإمام جابر بن زيد العماني: 127 ـ 128.
2. الدكتور صالح بن أحمد الصوافي: الإمام جابر بن زيد العماني: 125، نقلاً عن القلهاتي في الكشف والبيان: 2 / 251 ـ 254.
3. الطبري 4 / 66.


(386)

ثانياً: نفترض صحّة الحديث ولكن القوم كانوا عصاة وبغاة، خارجين على الإمام المفترض عليهم طاعته، والعصاة عندكم كفّار، وعندنا فسّاق ولا حرمة للكافر، والفاسق يقتل في ظروف خاصّة، خصوصاً إذا بغى على الإمام الّذي أصفقت الاُمّة على إمامته وخلافته، قال سبحانه: (وَ إِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلحُوا بَيْنَهُما فَإنْ بَغَتْ إحْدَاهُما عَلَى الاُخْرى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِى حَتَّى تَفِىءَ إِلَى أَمْرِ الله فَإِنْ فَاءَتْ فَاَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَ أَقْسِطُوا إنَّ الله يُحِبُّ المُقْسِطِينَ)(1).

فقد برّر سفك دمائهم بغيهم و خروجهم على الإمام المفترض طاعته، و على ضوء ذلك فلا معنى لقوله: «فهل أوجب الإيمان سفك دمائهم؟...».

2 ـ إنّ ال