welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الملل والنحل/ج5 ( تاريخ الخوارج)*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الملل والنحل/ج5 ( تاريخ الخوارج)

(153)

الفصل الثامن

الخوارج في عصر معاوية بن أبي سفيان


(154)


(155)

قد تعرّفت على مأساة التحكيم وما خلّف من آثار ونتائج سيّئة في جيش الإمام وأصحابه حيث فرّقهم وشقَّ شملهم، فانقلب الاخوان أعداءً، وأصبح الأنصار معارضين، إلى أن أدّى ذلك إلى حروب دامية ضدّ إمامهم أمير المؤمنين ولم يبرحوا حتى قضوا على حياته حيلة وغيلة.

لقد بذر معاوية تلك البذرة في جيش الإمام، ولم يدر بخلده أنّ هذه البذرة سوف تنمو وتكون أشواكاً تعكّر عليه صفو خلافته، وتشغل باله عشرين سنة إلى العام الذي هلك فيه، فحصد مازرع ووقع بالحفرة التي حفرها، وسوف نذكر الحروب والانتفاضات التي جرت في عهد معاوية بعد أن تسنّم عرش الخلافة من عام 41 إلى 60 من الهجرة.

نعم لم تقف انتفاضاتهم بهلاك معاوية، بل استمرّت بعد هلاكه، وعلى طول عهد بني اُميّة، غير انّا نكتفي بما جرى في عهد معاوية وبعده بقليل، ليكون نموذجاً لسائر الثورات التي قاموا بها إلى أواخر العصر الأموي. فكانوا مثلا لقوله سبحانه: ( ألَمْ يَأتِكُمْ نَبَؤُاْ الَّذِينَ كَفَروُا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَ بالَ أَمْرِهِمْ )


(156)

وَ لَهُمْ عَذابٌ اَليِمٌ)) )(1) .

وقبل ذلك نلفت نظر القارىء إلى هذه الانتفاضات من زاوية اُخرى، فالخوارج وإن قاموا في وجه الطغاة اللئام من بني اُميّة فثاروا عليهم هنا وهناك بصورة عشوائية ومتفرّقة، فأسهروا عيونهم وزعزعوا كيانهم، ولكنّهم أيضاً ذاقوا وبال أمرهم لأنّهم عصوا إمامهم، وقلّبوا الاُمور عليه، وأوجدوا الفوضى في عصره، فصدق فيهم قول الامام وهو يخاطبهم: «أما انّكم ستلقون بعدي ذلاّ شاملا، وسيفاً قاطعاً، يتّخذها الظالمون فيكم سنّة»(2) .

وهذا الكلام تنّبؤ من الإمام عن مستقبلهم المظلم، ويحقّ له هذا التنّبؤ، كيف وهو باب علم النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ، نعم احتمل ابن أبي الحديد أن يكون دعاءً أيضاً وقال: وهذه المخاطبة لهم وهذا الدعاء عليهم، وهذه الأخبار عن مستقبل حالهم، وقد وقع ذلك، فإنّ الله تعالى سلّط على الخوارج بعده الذلّ الشامل، والسيف القاطع، والاثرة من السلطان، ومازال حالهم يضمحل حتى افناهم الله تعالى وافنى جمهورهم.

ثمّ إنّ ابن أبي الحديد ذكر في أخبارهم شيئاً كثيراً وأطنب الكلام في سيف المهلّب بن أبي صفرة وبنيه على الخوارج وانّ نتيجته كانت الحتف القاضي، والموت الزؤوم للخوارج.

إنّ موسوعتنا هذه موسوعة تاريخ العقائد، لا تاريخ الأقوام، ولأجل ذلك ضربنا صفحاً عن نقل جميع الانتفاضات التي أقامها الخوارج في الشهود المختلفة، وفي أماكن متفرّقة، واكتفينا بماقاموا به في العصر الإموي، وخصّصنا بالذكر خصوص ما يرجع إلى عهد معاوية بن أبي سفيان زارع هذه


1. التغابن 5 .
2. الرضي: نهج البلاغة، الخطبة 58 .


(157)

البذرة، وحاصد نتائجها الدنيوية، وحافر تلك الحفرة والواقع فيها، وطلباً للاكمال نشير إلى الانتفاضات الواقعة بعد عهد معاوية بوجه موجز.

اغتيل الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ بيد أشقى الأوّلين والآخرين على ما وصفه الرسول الأعظم ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ في حديثه (1) وقضى نحبه فبويع الحسن خليفة بعد أبيه وتمّت له البيعة في رمضان سنة أربعين، وكان معاوية يتحّين الفرص ليسيطر على العراق كما سيطر على مصر ويأخذ بمقاليد الحكم، وقد أعطاه قتل الإمام فرصة لبسط نفوذه على العراق وخلع الحسن عن الحكم، فقدّم أمامه عبدالله بن عامر ليفتح الطريق إلى معاوية، ثمّ غادر هو الشام متوجّهاً إلى العراق.

ولمّا وقف الحسن على خطّة معاوية وانّه بصدد مواجهته بالقوّة العسكرية قدّم كتائب من جيشه وعلى رأسهم كتيبة قيس بن سعد بن عباده، وخرج هو من الكوفة حتى نزل المدائن مستعدّاً لمواجهة معاوية، غير أنّ الحوادث المريرة ـ التي ليس المقام مناسباً لذكرها ـ خيَّبتْ أمله، فلم يَر بدّا من التنازل عن الحكم و تسليم الأمر إلى معاوية من خلال وثيقة الصلح، وكيف لايكون مضطرّاً إلى التصالح وقد أعرب عن اضطهاده وتخاذل أصحابه ونهب ماله قبل مواجهة العدوّ، فقام خطيباً وقال: «يا أهل العراق انّه سخّى بنفسي عنكم ثلاث: قتلكم أبي، وطعنكم إيّاي وانتهابكم متاعي»(2).

أخذ معاوية بمقاليد الحكم وكان يتبجّح بأنّه أزال جميع الموانع التي


1. سبط ابن الجوزي: تذكرة الخواص 158.
2. الطبري: التاريخ 4/122 وقد ذكر الطبري صورة وثيقة الصلح في ذلك المقام ولكن ما ذكره لايشتمل على جميع بنود الصلح ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتاب صلح الحسن للشيخ راضي آل ياسين.


(158)

كانت تقف في طريقه لتولّي سدّة الحكم، لكنّه كان غافلا عن أنّ البذرة التي بذرها في صفّين لأجل إيجاد الفرقة في صفوف جيش عليّ ـ عليه السَّلام ـ سوف تنمو ويأكل من ثمرها وتكون عليه ضدّاً، فإن تسليم الحسن الحكم لمعاوية، ومبايعة أهل العراق له قد أغضب رؤوس الخوارج المختفين في جيش الحسن والمتفرّقين في البلاد، إذ شعروا أنّ هذا التصالح خطر على كيانهم ووجودهم، ولأجل ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم لمحاربة النظام الجديد كما حاربوا النظام السابق، فالخوارج كانوا ينظرون إلى عليّ ـ عليه السَّلام ـ ومعاوية بمنظار واحد بعد قضية التحكيم وإن كان عليّ ـ عليه السَّلام ـ في نظرهم إماماً عادلا محقّاً قبل التحكيم .

وإليك بعض حروبهم في عصر معاوية على وجه الإجمال:

1 ـ خروج فروة بن نوفل: يقول الطبري: وفي هذه السنة سنة41 خرجت الخوارج التي اعتزلت أيام عليّ ـ عليه السَّلام ـ بـ «شهرزور» على معاوية، فلمّا قدم معاوية العراق قبل أن يبرح الحسن من الكوفة حتى نزل النخيلة فقالت الحرورية الخمسمائة التي كانت اعتزلت بـ«شهرزور» مع فروة بن نوفل الأشجعي: قد جاء الآن ما لا شكّ فيه، فسيروا إلى معاوية نجاهده، فأقبلوا وعليهم فروة بن نوفل حتى دخلوا الكوفه فأرسل اليهم معاوية خيلا من خيل أهل الشام فكشفوا أهل الشام، فقال معاوية لأهل الكوفة: لاأمان لكم والله عندي حتى تكّفوا بوائقكم، فخرج أهل الكوفة إلى الخوارج فقاتلوهم، فقالت لهم الخوارج: ويلكم ما تبغون منّا، أليس معاوية عدوّنا وعدوّكم، دعونا حتى نقاتله وإن أصبناه كنّا قد كفينا كم عدوّكم، وإن أصابنا كنتم قد كفيتمونا، قالوا: لا والله حتى نقاتلكم، فقالوا: رحم الله اخواننا


(159)

من أهل النهر هم كانوا أعلم بكم يا أهل الكوفة، وأخذت أشجع (1) صاحبهم فروة وكان سيد القوم واستعمل الخوارج عليهم عبدالله بن أبي الحر(2)، رجلا من طيّ، فقاتلوهم، فقتلوا(3) .

وممّا يذكره المؤرّخون من حديث معركة النخيلة: انّ قبيلة اشجع تمكّنت من أخذ فروة بن نوفل من بين أصحابه الخوارج، فولّى الخوارجُ عليهم عبدالله بن ابى الحرباء، فقتل في أثناء المعركة، فولّى الخوارج عليهم حوثرةَ بن وداع بن مسعود الأسدي، فعاد إلى النخيلة، فأرسل اليه معاوية أباه، لعلَّه يردُّه وقال له:

اُخرج إلى ابنك فلعلَّه يرقُّ إذا رآك.

فخرج إليه وكلّمه وناشده وقال:

ألاأجيئك بأبنك؟ فلعلّك إذا رأيتَه كرهتَ فراقهَ.

فقال حوثرة: إنّي إلى طعنة من يد كافر يرمح القلب فيها ساعة، أشوق منّي إلى ابني .

فرجع أبوه وأخبر معاوية بقوله.

فأرسل معاوية إليهم جنداً فقتلوهم جميعا(4) .

2 ـ خروج شبيب بن بجرة: كان شبيب مع ابن ملجم حين قتل عليّاً، فلمّا دخل معاوية الكوفة أتاه شبيب المتقرّب وقال: أنا و ابن ملجم قتلنا عليّاً، فوثب معاوية من مجلسه مذعوراً حتى دخل منزله وبعث إلى أشجع،


1. اسم قبيلة من قبائل الكوفة، والمراد أنّ القبيلة التي كانت تحمي معاوية أخذت فروة بن نوفل رئيس الخوارج.
2. وفي الكامل لابن الاثير (عبدالله بن أبي الهوساء) 3/305 ـ 306 .
3. الطبري: التاريخ 4/126 .
4. عمر ابو النضر: الخوارج في الإسلام 31 .


(160)

فقال: لئن رأيت شبيباً أو بلغني أنّه ببابي لأهلكنّكم، أخْرِجوه من بلدكم، وكان شبيب إذا جنّ عليه الليل خرج فلم يلق أحداً إلاّ قتله، فلمّا ولي المغيرة بن شعبة الكوفة، خرج عليه بالطفّ قريب الكوفة، فبعث إليه المغيرة خيلا عليها خالد بن أرفطة، وقيل معقل بن قيس، فاقتتلوا فقتل شبيب وأصحابه (1) .

هذه عبرة خاطفة عن ثورات الخوارج في الكوفة، قبل أن يولّى المغيرة بن شعبة من قبل معاوية، وبعدما تولّى هو الكوفة كانت لهم ثورات أخمدها المغيرة بدهائه وسيفه وإليكها مجملة:

الخوارج والمغيرة بن شعبة والي معاوية في الكوفة:

غادر معاوية الكوفة إلى الشام واستعمل عبدالله بن عمرو بن العاص على الكوفة، فأتاه المغيرة بن شعبة فقال له: استعملت عبدالله على الكوفة، وأباه على مصر، فتكون أميراً بين نابي الأسد، فعزله عنها واستعمل المغيرة على الكوفة، ولمّا بلغ عمرو ما قاله المغيرة، دخل على معاوية فقال: استعملت المغيرة على الخراج فيغتال المال ولا تستطيع أن تأخذه منه، استعمل على الخراج رجلا يخافك ويتّقيك، فعزله عن الخراج واستعمله على الصلاة.

فلقى المغيرة عمرو، فقال عمرو: أنت المشير على أميرالمؤمنين بما أشرت به في عبدالله؟ قال: نعم. قال: هذه بتلك(2) وكان المغيرة يمثّل


1. ابن الاثير: الكامل 3/206 .
2. الطبري: التاريخ 4/127. ابن الاثير: الكامل 3/206. هؤلاء هم الصحابة العدول الذين يؤخذ عنهم الدين والفتوى!!.


(161)

سياسة معاوية مع الخوارج فيقاتلهم تارة ويعفو عنهم اُخرى، يقول الطبري: بعث معاوية المغيرة بن شعبة والياً على الكوفة، فأحبّ العافية وأحسن في الناس السيرة ولم يفتّش أهل الأهواء عن أهوائهم، وكان يؤتى فيقال له: إنّ فلاناً يرى رأي الشيعة، وإنّ فلاناً يرى رأي الخوارج، فكان يقول: قضى الله أن لا تزالون مختلفين، وسيحكم الله بين عباده في ماكانوا فيه يختلفون، فأمنه الناس(1).وإليك بعض مواجهاته مع الخوارج.

3 ـ خروج معين الخارجي: بلغ المغيرة أنّ معين بن عبدالله يريد الخروج فأرسل إليه وعنده جماعة فاُخذ وحبس، وبعث المغيرة إلى معاوية يخبره أمره، فكتب إليه: إنْ شهد أنّي خليفة فخلّ سبيله، فأحضره المغيرة وقال له: أتشهد أنّ معاوية خليفة و أنّه أمير المؤمنين؟ فقال: أشهد أنّ الله عزّوجلّ حقّ وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها و أنّ الله يبعث من في القبور، فأمر به فقتل(2) .

4 ـ خروج أبي مريم مولى بني الحرث بن كعب: ثم خرج أبو مريم مولى بني الحرث بن كعب ومعه امرأتان قطام وكحيلة، وكان أوّل من أخرج معه النساء، فعاب ذلك عليه أبو بلال بن أديه، فردّه أبو مريم بأنّه قد قاتل النساء مع رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ومع المسلمين بالشام، وسأردّهما، فردّهما، فوجّه إليه المغيرة جابر البجلي، فقاتله فقتل أبو مريم وأصحابه بـ «بادوريا»(3) .

5 ـ خروج أبي ليلى: وكان أبو ليلى رجلا أسود طويلا، فأخذ بعضادتي


1. الطبري: التاريخ 4/132 .
2. ابن الاثير: الكامل 3/206 .
3. ابن الاثير: الكامل 3/206 ـ 207 .


(162)

باب المسجد بالكوفة وفيه عدّة من الأشراف، وحكم بصوت عال، فلم يعرض له أحد، فخرج وتبعه ثلاثون رجلا من الموالي، فبعث إليه المغيرة معقل بن قيس الرياحي فقتله بسواد الكوفة سنة اثنتين وأربعين(1).

6 ـ خروج المستورد: إنّ الخوارج في أيّام المغيرة بن شعبة فزعوا إلى ثلاثة نفر، 1ـ المستورد بن علفة التيمي 2ـ حيان بن ظبيان السلمي 3ـ معاذ بن جوين الطائي، فاجتمعوا في منزل حيان بن ظبيان فتشاوروا فيمن يولّون عليهم، فبايعوا المستورد لأنّه أسنّ الثلاثة واستعدّوا للخروج في غرّة هلال شعبان سنة 43 (2) .

ثمّ إنّ قبيصة بن الدمون أتى المغيرة وكان على شرطته، فأخبر أنّ الخوارج قد اجتمعوا في منزل حيّان بن ظبيان، وقد اتّعدوا أن يخرجوا إليك في غرة شعبان، فقال المغيرة: سِرْ بالشرطة حتّى تحيط بدار حيّان بن ظبيان فأتني به، وهم لايرون إلاّ أنّه أمير تلك الخوارج، فسار قبيصة بالشرطة وفي كثير من الناس، فلم يشعر حيّان بن ظبيان إلاّ والرجال معه في داره نصف النهار واذا معه معاذ بن جوين و نحو من عشرين رجلا من أصحابهما، فاستسلموا فانطلق بهم إلى المغيرة بن شعبة، فقال لهم المغيرة: ما حملكم على ما أردتم من شقّ عصا المسلمين، قالوا له: أمّا اجتماعنا في هذا المنزل فإنّ حيّان بن ظبيان أقرأنا القرآن، فنحن نجتمع عنده في منزله، فنقرأ القرآن عليه، قال: فاذهبوا بهم إلى السجن، فلم يزالوا فيه نحواً من سنة(3) .


1. ابن الاثير: الكامل: 3/ 207 .
2. الطبري: التاريخ 4/133 ـ 134 .
3. الطبري: التاريخ 4/138. ابن الاثير: الكامل 3/210 ـ 212 .


(163)

وأمّا المستورد، فقد ذكر الطبري في تاريخه (1) وابن الأثير في كامله (2) ثورته على وجه التفصيل و نحن نذكر ملخّصها حسب ما قام به الدكتور نايف معروف في كتابه «الخوارج في العصر الأموي»: وأمّا المستورد، فإنّه نزل داراً في الحيرة بعيداً عن أعين الحرّاس. ولكن لمّا أخذت الخوارج تفد عليه، وانكشف أمره، أمر أصحابه بالرحيل عنها، فتحوّلوا إلى دار سليم بن مخدوج العبدي، في بني سلمة من عبد القيس، وكان صهراً للمستورد لايرى رأيه في الخروج. ولمّا شاع خبرتحرّك الخوارج، أدرك المغيرة خطورة الأمر، فجمع رؤساء القبائل و خطبهم فقال: فليكفين كلّ امرىء من الرؤساء قومه، وإلاّ فو الذي لا إله غيره لأتحولنّ عمّا كنتم تعرفون إلى ما تنكرون، وعمّا تحبّون إلى ما تكرهون فلا يلم لائم إلاّ نفسه، وقد اُعذر من أنذر.

أخذ زعماء القبائل انذار المغيرة موضع جدّ واهتمام، فعادوا إلى قبائلهم وبادروا في البحث عن مثيري الفتنة في صفوفهم، وجاء صعصعة بن صوحان إلى عبدالقيس ، فحذّرهم من إيواء هؤلاء المارقة، فتراجع كثيرون عن اللحاق بالخوارج.

ولمّا علم المستورد بتهديد المغيرة لرؤساء القبائل، وتجنباً لاحراج أصهاره، أمر أصحابه بالرحيل، فخرجوا عن ديار عبدالقيس، وساروا إلى الصراة ومنها إلى «بهرسير» وعزموا على دخول المدينة العتيقة التي كانت بها منازل كسرى فردّهم عنها عاملها سماك بن عبيد الأزدي العبسي. ثم حاول أن يردّهم عن خروجهم، ويأخذ لهم الأمان، فأبي المستورد، وعبر «جراجرايا» ومضى بأصحابه إلى أرض جوخى، حتى بلغ المذار، ونزلوا


1. الطبري: التاريخ 4/138 ـ 161 .
2. ابن الأثير: الكامل 3/212 ـ 217 .


(164)

هناك.

فبعث إليهم المغيرة جيشاً، قوامه ثلاثة آلاف رجل من نقاوة الشيعة، على رأسهم معقل بن قيس الرياحي التميمي الشيعي، فأرسل معقل في أثرهم أبا الرواغ الشاكري في ثلاثمائة من الفرسان، فلحقهم حتى أدركهم في أرض المذار. وحينئذاك استشار أصحابه في قتالهم أو انتظار قدوم معقل عليه، فاختلف أصحابه بين مؤيّد ومعارض. وأخيراً تنحّى جانباً. ثمّ تقدم معقل في سبعمائة من فرسانه والتقى الخوارج فانهزم كثيرون من أصحابه ولم يثبت سوى معقل وأبي الرواغ في نحو مائتين من الفرسان. ووصلت مؤخّرة الجيش وتوافقوا للقتال. وفي تلك الأثناء جاءت الخوارج الأخبار بأنّ شريك بن الأعور قد أقبل في ثلاثة آلاف من أهل البصرة، فاقترح المستورد على أصحابه أن ينحازوا ثانية، عن أرض البصرة وأن يعودوا إلى أرض الكوفة، لأن البصريين لايحاربون خارج دائرتهم، فانسحبوا من مواقعهم وتسلّلوا إلى أرض الكوفة حتى بلغوا جراجرايا، وقد أصاب حدسُهم، فإنّ البصريين رفضوا اللحاق بهم، فمضى الخوارج في طريقهم وعبروا دجلة ونزلوا في ارض بهرسير. وهناك بالقرب من ساباط كان اللقاء الحاسم فاشتدّ القتال بين الفريقين، وكادت الدائرة تدور على أهل الكوفة لولا ثبات معقل في عدد من فرسانه، ونجدة أبي الرواغ الذي كان أبعده المستورد عن ساحة المعركة بحيلة حربية، أمّا المستورد، فإنّه نادى معقلا ودعاه للمبارزة، فحاول أصحابه منعه من ذلك، فأبى وخرج إليه معقل، فاختلفا ضربتين، فقتل كل واحد منهما صاحبه. وكان قد أوصى بالامارة من بعده إلى عمرو بن محرز ابن شهاب التميمي، الذي أخذ الراية بعد مقتله و حمل على الخوارج


(165)

فقتلوهم ولم ينج منهم إلاّ بضعة رجال فرّوا من أرض المعركة (1) .

7 ـ خروج الموالي لصالح الخوارج: إنّ الموالي في العصر الأموي كانوا تحت الضغط يحقّرون بأنّهم غير عرب، فلأجل ذلك لاعجب إذا رأينا صلة بينهم وبين الخوارج فإنّهم وإن كانوا لايتبنّون مبادىء الخوارج ولكن كانوا يلتقون معهم بعدائهم للحكومة الأموية، ولأجل ذلك نجد أنّ عصابة من الموالي خرجت من الكوفة فبعث إليهم المغيرة رجلا من بجيلة، فقاتلهم وقضى عليها، وهؤلاء أوّل خارجة خرج فيها الموالي (2) .

8 ـ خروج حيان بن ظبيان السلمي: وفي سنة خمسين توفّي المغيرة بن شعبة، وهو ابن سبعين، وقد سجن كثيراً من الخوارج وقد أفرج عنهم بعد موته، ولمّا ولي على الكوفة عبدالرحمن بن عبدالله بن عثمان بن ربيعة الثقفي، وهو ابن اُمّ الحكم، اُخت معاوية بن أبي سفيان عادوا للخروج. يقول الطبري: إنّ حيان بن ظبيان السلمي، جمع إليه أصحابه، فدعاهم إلى الجهاد، وأدعم رأيه معاذ بن جوين الطائي، وبايع القوم حيان بن ظبيان، ثم اجتمعوا في منزل معاذ بن جوين بن حصين الطائي، فقال لهم حيان: عباد الله أشيروا برأيكم أين تأمروني أن أخرج؟ فقال له معاذ: إنّي أرى أن تسير بنا إلى «حلوان» فلم يقبله حيان، فقال له: عدوّك معاجلك قبل اجتماع الناس إليك، ورأى الخروج إلى جانب الكوفة، ولم يرض به أصحابه، فقال لهم معاذ بن جوين: سيروا بنا فلننزل بـ«انقيا» فخرجوا فبُعِثَ إليهم جيش فقتلوا جميعاً، وذلك في عام تسعة و خمسين .

ويقول الطبري: وفي هذه السنة اشتدّ عبيدالله بن زياد على الخوارج


1. د ـ نايف معروف:الخوارج في العصر الأموي 118 ـ 119 .
2. اليعقوبي: التاريخ 2/221 .


(166)

وقتل منهم صبراً جماعة كثيرة، وفي الحرب جماعة اُخرى، وممّن قتل منهم صبراً، عروة بن ادية أخو أبي بلال مرداس بن ادية(1).

الخوارج في البصرة:

لم تكن الكوفة وضواحيها هي المركز الوحيد لحركة الخوارج وثوراتهم في أوائل العصر الأموي، فقد كانت البصرة مثل الكوفة مركزاً لنشاطهم وخروجهم.

فقد خرج حمران بن أبان على البصرة في عام 41 فبعث معاوية بسر بن أرطاة فقتله وأخمد الثورة، ثم عزله معاوية واستعمل مكانه عبدالله بن عامر فخرج في عصره سهم بن غالب الهجيني في سبعين رجلا، فخرج إليه ابن عامر ففرّق شملهم حتّى اضطرّوا إلى الأمان.

ولمّا ولّى معاوية زياداً على البصرة في سنة 45، فوجدها تعج من الخوارج، وكانت لهم انتفاضات واحدة بعد اُخرى ولكن لم يكن النجاح حليفاً لهم (2) ونذكر هنا أهمّها على وجه الاجمال:

9 ـ خروج الخطيم الباهلي وسهم بن غالب الهجيني: خرج سهم إلى الأهواز فأحدث وحكم ثم رجع فاختفى وطلب الأمان، فلم يؤمنه زياد وطلبه حتى أخذه وقتله وصلبه على بابه.

وأمّا الخطيم فسيّره إلى البحرين، ثمّ أذن له فقدم، ولمّا أخلّ بما أمره به زياد أمر بقتله واُلقي في عشيرته (باهلة) (3) .


1. الطبري: التاريخ 4/231 .
2. الطبري: التاريخ 4/172 .
3. الطبري: التاريخ 4/172. ابن الاثير: الكامل 3/225 .


(167)

10 ـ خروج قريب بن مرة وزحّاف الطائي: خرج هذان الرجلان في أمارة زياد بالبصرة فاعترضا الناس فلقيا شيخاً ناسكاً من بني ضبيعة فقتلاه، فخرج رجل من بني قطيعة من الأزد وفي يده السيف، فناداه الناس من ظهور البيوت الحرورية: اُنج بنفسك، فنادوه (قريب وزحاف و من معهما): لسنا حرورية، نحن الشرط، فوقف فقتلوه. ثم جعلا لا يمرّان بقبيلة إلاّ قتلا من وجدا.

حتّى مرّا على بني علي بن سود من الأزد وكانوا مائة فرموهم رمياً شديداً فصاحوا: يا بني علي، البُقْيا، لارماء بيننا، قال رجل من بني علي :

لا شيء للقوم سوى السهام مشحوذةً في غلس الظلام

ففرّ عنهم الخوارج، إلى أن واجهوا بنو طاحية من بني سود، وقبائل من مزينة وغيرها، ووقع الحرب، فقتل الخوارج عن آخرهم، وقتل قريب وزحاف وقد كان عمل هؤلاء منفِّراً على حدّ، تبرّأ عنهم بعض الخوارج، ونقل ابن أبي الحديد عن أبي بلال مرداس بن اُدَيَّة انّه قال: قريب، لاقرّبه الله، وزحاف لاعفا الله عنه، ركباها عشواء مظلمة ـ يريد اعتراضهما الناس ـ. ونسب الطبري هذا القول إلى سعيد بن جبير(1) .

وقال الجزري: واشتد زياد في أمر الخوارج فقتلهم، وأمر سمرة بذلك فقتل منهم بشراً كثيراً، وخطب زياد على المنبر وقال: والله لتكفّنّني هؤلاء، أو لأبدأنَّ بكم، والله لإن اُفِلتَ منهم رجل، لاتأخذون العام من عطياتكم درهماً، فثار الناس بهم فقتلوهم(2) .

11ـ خروج زياد بن خراش العجلي: خرج زياد بن خراش العجلي في


1. الطبري: التاريخ 4/176 ـ 177. ابن أبي الحديد : الشرح 4/135. المبرد: الكامل 2/180 .
2. ابن الاثير: الكامل في التاريخ 3/229.


(168)

ثلاثمائة فارس فأتى أرض مسكن من السواد فسيَّر إليه زياد خيلا عليها سعد بن حذيفة أو غيره فقتلوهم، وقد صاروا إلى مائة (1) .

12ـ خروج معاذ الطائي: وخرج على زياد أيضاً رجل من طي يقال له معاذ، فأتى نهر عبدالرحمن بن اُمّ الحكم في ثلاثين رجلا في سنة 51، فبعث إليه زياد من قتله وأصحابه، وقيل بل حلّ لواءه واستأمن(2) .

13 ـ خروج طواف بن غلاق: توفّي زياد بن أبيه بالكوفة في شهر رمضان سنة 53، ثمّ إنّ معاوية ولّى ابنه عبيدالله بن زياد على البصرة عام 55 فكانت سيرته مع الخوارج نفس سيرة أبيه، فاشتدّ عليهم وقتل منهم جماعة كثيرة، فقد بلغه أنّ قوماً من الخوارج بالبصرة يجتمعون إلى رجل اسمه «جدار» فيتحدّثون عنده ويعيبون السلطان، فأخذهم ابن زياد فحبسهم، ثم دعا بهم وعرض عليهم أن يقتل بعضهم بعضاً ويخلّي سبيل القاتلين، ففعلوا، فأطلقهم، فكان ممّن قتل طواف، فعذلهم أصحابهم وقالوا: قتلتم اخوانكم؟ قالوا: اُكْرِهْنا وقد يكره الرجل على الكفر وهو مطمئن بالايمان، وندم طواف وأصحابه، فقال طواف: أما من توبة؟ فكانوا يبكون وعرضوا على أولياء من قتلوا، الدية، فأبوا، وعرضوا عليهم القود، فأبوا.

ثم لقى طواف، ابن ثور السدوسي، فقال له: أماترى لنا من توبة؟ فقال: ما أجد لك إلاّ آية في كتاب الله عزّوجلّ: ( ثُمّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجروا مِنْ بَعْدِ مافُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَ صَبَرُوا اِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحيِمٌ) (3) .

فدعا طواف أصحابه إلى الخروج وإلى أن يفتكوا بابن زياد، فبايعوه في سنة


1. ابن الاثير: الكامل في التاريخ 3/244 .
2. ابن الاثير: الكامل في التاريخ 3/244 .
3. النحل: 110.


(169)

ثمان و خمسين، وكانوا سبعين رجلا من بني عبدالقيس بالبصرة، فسعى بهم رجل من أصحابهم إلى ابن زياد فبلغ ذلك طوافاً، فعجّلوا الخروج فخرجوا من ليلتهم، فقتلوا رجلا ومضوا إلى الجلحاء، فندب ابن زياد الشرط البخارية، فقاتلوهم فانهزم الشرط حتّى دخلوا البصرة وذلك يوم عيد الفطر وكثّرهم الناس فقاتلوا فقتلوا، وبقى طواف في ستة نفر و عطش فرسه فأقحمه الماء فرماه البخارية بالنشاب حتّى قتلوه وصلبوه ثمّ دفنه أهله (1) .

14 ـ خروج عروة بن اديّة: إنّ عبيدالله بن زياد خرج في رهان له، فلمّا جلس ينتظر الخيل، اجتمع الناس وفيهم عروة بن اُدية، فأقبل على ابن زياد فقال: خمس كن في الاُمم قبلنا، فقد صرن فينا(اَتَبْنونَ بِكُلِّ رِيع آيَةٌ تَعْبَثُونَ* وتَتَّخِذُونَ مَصانعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَ إذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارين)(2) .

وخصلتين اُخريين لم يحفظهما جرير (الراوي)، فلمّا قال ذلك ظنّ ابن زياد انّه لم يجتر على ذلك إلاّ ومعه جماعة من أصحابه، فقام وركب وترك رهانه. فقيل لعروة ما صنعت، تعلمنّ والله ليقتلنك، فتوارى فطلبه ابن زياد، فأتى الكوفة، فأخذ بها، فقدم به على ابن زياد، فأمر به فقطعت يداه ورجلاه، ثم دعا به فقال: كيف ترى؟ قال: اَرى اَنَّك اَفْسدتَ دنياي واَفسدتُ آخرتك، فقتله وأرسل إلى ابنته فقتلها(3) .

15 ـ خروج مرداس به اُديَّة: قال الطبري: حبس ابن زياد فيمن حبس مرداس بن ادية، فكان السجَّان يرى عبادته و اجتهاده، وكان يأذن له في الليل فينصرف فإذا طلع الفجر أتاه حتى يدخل السجن، ثمّ إنّه اُفرج عنه بشفاعة


1. ابن الاثير: الكامل 3/254 .
2. الشعراء: 128 ـ 130 .
3. الطبري: التاريخ 4/231 ـ 232. ابن الاثير: الكامل 3/255 .


(170)

السجّان (1) .

يقول المبرّد: كان مرداس قد شهد صفّين مع علي بن أبي طالب ـ صلوات الله عليه ـ وأنكر التحكيم، وشهد النهر، ونجا فيمن نجا، وبعد ما خرج من حبس ابن زياد عزم الخروج، فقال لأصحابه: إنّه والله ما يسعنا المقام بين هؤلاء الظالمين، تجري علينا أحكامهم، مجانبين للعدل، مفارقين للفصل، والله إنّ الصبر على هذا لعظيم، وإنّ تجريد السيف واخافة السبيل لعظيم، ولكنّا ننتبذ عنهم ولانجرّد سيفاً ولانقاتل إلاّ من قاتلنا. فاجتمع إليه أصحابه زهاء ثلاثين رجلا، فلمّا مضى بأصحابه لقى عبدالله بن رباح الأنصاري، وكان له صديقاً فقال له: أين تريد؟ قال: اُريد أن أهرب بديني وأديان أصحابي من أحكام هؤلاء الجورة، فقال له: أعلم بكم أحد؟ قال: لا. قال: فارجع، قال: أو تخاف عليّ مكروهاً؟ قال: نعم وأن يؤتى بك، قال: لا تخف فإنّي لا اُجرّد سيفاً ولا اُخيف أحداً ولا اُقاتل إلاّ من قاتلني، ثم مضى حتى نزل «آسك» وهي ما بين رامهرمز وارجان، فمرّ به مال يحمل لابن زياد، وقد قارب أصحابه الأربعين، فحطّ ذلك المال، وأخذ منه عطاءه واعطيات أصحابه، وردّ الباقي على الرسل وقال: قولوا لصاحبكم: إنّما قبضنا اعطياتنا، فقال بعض أصحابه فعلام ندع الباقي؟ فقال: إنّهم يقسمون هذا الفيء، كما يقيمون الصلاة فلانقاتلهم .

كل ذلك دليل على عدم تطرّفه واعتداله وانّه أحسّ بعقله أو بدينه أن مآل التطرّف هو الموت والزوال .

وممّا يدل على اعتداله ـ خلافاً لمن سبق عليه ـ أنَّ رجلا من أصحاب ابن زياد، قال: خرجنا في جيش نريد خراسان، فمررنا بـ «آسك»


1. الطبري: التاريخ 4/232 .


(171)

فإذا نحن بهم ستة وثلاثين رجلا، وصاح بنا أبوبلال: أقاصدون لقتالنا أنتم؟ وكنت أنا و أخي قد دخلنا زربا(1)، فوقف أخي ببابه وقال: السّلام عليكم، فقال مرداس: وعليكم السّلام، فقال لأخي: أجئتم لقتالنا؟ فقال له: لا إنّما نريد خراسان، قال: فبلغوا من لقيكم انّا لم نخرج لنفسد في الأرض، ولا لنروّع أحداً ولكن هرباً من الظلم ولسنا نقاتل إلاّ من يقاتلنا، ولانأخذ من الفيء إلاّ اعطياتنا، ثمّ قال: أنَدِب إلينا أحد؟ قلنا: نعم، أسلم بن زرعة الكلابي. قال: فمتى ترونه يصل إلينا؟ قلنا: يوم كذا وكذا، فقال أبوبلال: حسبنا الله ونعم الوكيل .

فلمّا سار إليهم أسلم، صاح به أبو بلال: اتّق الله يا أسلم، فإنا لا نريد قتالا، ولا نَحْتَجِن فيئاً، فما الذي تريد؟ قال: اُريد أن أردّكم إلى ابن زياد، قال مرداس: إذاً يقتلنا، قال: وإن قتلكم؟ قال: تشركه في دمائنا، قال: إنّي ادين بأنّه محقّ وأنّكم مبطلون، فصاح بن حريث بن جحل (من أصحاب أبي بلال): أهو محق وهو يطيع الفجرة وهو أحدهم، ويقتل بالظِنَّة، ويخص بالفيء، ويجور في الحكم؟ أما علمت أنّه قتل بابن سُعادَ، أربعة براء؟ ثم حملوا عليه حملة رجل واحد وكان معبد أحد الخوارج قد كاد يأخذه فانهزم هو وأصحابه من غير قتال، فلمّا ورد أسلم على ابن زياد، غضب عليه غضباً شديداً، قال: ويلك أتمضي في ألفين فتنهزم لحملة أربعين؟.... وكان إذا خرج إلى السوق، أومرّ بصبيان، صاحوا به: أبو بلال وراءك، وربّما صاحوا به: يا مَعْبد خذه، حتى شكا ذلك إلى ابن زياد، فأمر ابن زياد الشرط أن يكفّوا النّاس عنه، ففي ذلك يقول عيسى بن فاتك من بني تيم:


1. الزرب: جمع الزرب و هو مسيل الماء، حظيرة المواشي وعرين الأسد.


(172)

أألفا مؤمن فيما زعمتم * ويهزمهم بآسك أربعونا

كذبتم ليس ذاك كما زعمتم * ولكن الخوارج مؤمنونا

هم الفئة القليلة غير شك * على الفئة الكثيرة ينصرونا

ثم ندب لهم عبدالله بن زياد الناس واختار عباد بن أخضر، فوجّهه في أربعة آلاف وكان التقاؤهم في يوم الجمعة فناداه أبو بلال: اخرج إليّ يا عباد فإنّي اُريد أن اُحاورك، فخرج إليه، فقال: ما الذي تبغي؟ قال: آخذ بأقفائكم فأردَّكم إلى الأمير عبيدالله بن زياد، قال: أو غير ذلك؟ قال: وما هو؟ قال: أن ترجع، فإنّا لانخيف سبيلا ولا نحارب إلاّ من حاربنا، ولا نجبي إلاّ ما حمينا، فقال له عباد: الأمر ما قلت لك، فقال له حريث بن حجل: أتحاول أن ترد فئة من المسلمين إلى جبّار عنيد؟ قال لهم: أنتم أولى بالضلال منه، وما من ذاك بدّ.

وقدم القعقاع بن عطية الباهلي من خراسان يريد الحجّ فلمّا رأى الجمعين، قال: ماهذا؟ قالوا: الشراة فحمل عليهم، فاُخِذَ القعقاع أسيراً، فَأُتي به أبو بلال، فقال: ما أنت؟ قال: لست من أعدائك، وأنّما قدمت للحج فجهلت وغررت، فأطلقه... .

فلم يزل القوم يجتلدون، حتى جاء وقت الصّلاة يوم الجمعة، فناداهم أبوبلال: يا قوم هذا وقت الصلاة، فوادعونا حتى نصلّي و تصلّوا، قالوا: لك ذاك، فرمى القوم أجمعون أسلحتهم وعمدوا للصّلاة، فأسرع عباد ومن معه، والحروريّة مبطئون، فهم من بين راكع وقائم وساجد في الصّلاة وقاعد، حتى مال عليهم عباد ومن معه فقتلوهم جميعاً، وأتى برأس أبي بلال (1) .

هذا أبو بلال وهذه مرونته واعتداله، فعدّ الاباضية مبدأ الاعتدال ليس بقوي، بل الحق أنّه مبدأ للطريق الذي سلكه عبدالله بن اباض، ولأجل ذلك نرى


1. المبرد: الكامل 2/186. الطبري: التاريخ 4/232. ابن الاثير: الكامل 3/256 .


(173)

لمّا خرج قريب وزحاف الطائي فاعترضا الناس فقتلا شيخاً ناسكاً إلى آخر مامرّ في خروجهم، انّه لمّا بلغ أعمالهم أبا بلال اعترض عليهم، فقال: قريب لا قرّبه الله، وزحاف لا عَفا الله عنه، ركباها عشواء مظلمة (يريد اعتراضهما الناس) .

مخطّط زياد لاستئصال الخوارج:

كان لزياد بن أبيه اُسلوباً في استئصال الخوارج وهو يتلخّص في أمرين:

1 ـ إذا وقف على خارجي في قبيلة وثب على جميعهم، وقد خطب يوماً وقال: ألا ينهى كلّ قوم سفهاءهم يا معشر الأزد لولا أنّكم أطفأتم هذه النائرة لقلت إنّكم أرّثتموها (1). فكانت القبائل إذا أحسّت بخارجيّ فيهم شدّتهم وأتت بهم زياداً.

2 ـ خرجت طائفة من الخوارج وأخرجوا معهم امرأة، فظفربها فقتلها، ثم عرّاها، فلم تخرج النساء بعد على زياد، وكنّ إذا دعين إلى الخروج قلن: لولا التعرية لسارعنا.

كان الحافز لتلك الثورات والانتفاضات ـ التي كانت تتضمّن التضحية بالنفس والنفيس ـ هو الاعتقاد الجدّي، بأنّ الحكومات القائمة، حكومات كافرة، اُسّست باسم الإسلام ولكن انحرفت عن الخط الصحيح له، فالأمويّون باعتبار اشاعة الظلم و الفساد بينهم، خرجوا عن ربقة الإسلام، ودخلوا في الكفر، وهم كافرون، كما أنّ المؤيّدين لهم مثلهم أيضاً كفرة، فالخلافات والحكومات كلّها كافرة، والدار دار كفر، ويجب عليهم جهاد الكفّار (2) .


1. أرّث: أوقد نار الفتنة .
2. يعلم ذلك من خطب أمرائهم ورؤسائهم .


(174)

كان هذا هو الحافز لتلك الثورات والانتفاضات الفاشلة، فلو وجدنا في صحيفة حياة الخوارج نقطة بيضاء فهذه النقطة المشعّة التي اعترف بها الإمام عليّ عند توصيفهم بقوله، «لا تقتلوا الخوارج من بعدي، فإنّه ليس من طلب الحق فأخطاه كمن طلب الباطل فأصابه» (1) .

فإنّهم كانوا يرون باُمّ أعينهم، كيف شاع الفساد، ودبّ العيث بين الحكّام، فركبت اغيلمة بني اُميّة على رقاب الناس، واستأثروا بالفيء، فكان ذلك هو السبب لقيام لفيف منهم ضدّ الحكومات، وأما مسألة التحكيم التي كانت هي المستمسك الأوّل للمخالفة فكأنها صارت منسية أو تناساها القوم، فكانوا يبّررون قيامهم بأنّهم بصدد بسط العدل والقسط وازالة الظلم والجور عن المجتمع وإعادة الصلاح والفلاح إلى الساحة الاسلامية .

ولكن لم يكن النجاح حليفاً لهم، لأنّهم راهنوا في الساحة السياسية على جوادين خاسرين.

أحدهما: الاعتماد على الأساليب الاجرامية للنيل بالهدف، وكأنّهم كانوا ينتحلون مبدأ «الغايات تبرّر الوسائل» .

الثاني: المظاهرة بالعداء لعليّ وأهل بيته .

أمّا الأوّل: فكانوا يستعرضون الناس ويفّتشون عن عقائدهم، ثم يقتلون الأبرياء، بحجّة أنّهم لم يكفّروا عثمان وعليّاً، أو غيرهما ممّن كانوا يخالفونهم، وهذا هو الذي صار سبباً لرغبة الناس عنهم، وعدم ايوائهم بل طردهم والتعاون مع الحكومات ضدّهم في بعض الموارد، إذ كيف يصحّ لمسلم أن يشهر سيفه، ويعترض الطريق، ويفّتش عن العقائد التي لاصلة لها بالإسلام الذي جاء به النبي الأكرم ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ، ولا الإسلام معقود بها، ولا هي حد الكفر


1. الرضي: نهج البلاغة، الخطبة 61 .


(175)

والإسلام، فاتّخاذ هذه الأساليب الشريرة، التي تعرّفت عليها في بعض الانتفاضات، صار سبباً لخسرانهم وخيبتهم وإن كان بعض الفرق بريئاً منها، لكن الكلّ أخذ بجرم الجزء، والجار بذنب الجار .

وقد خلّفت هذه الأعمال الاجرامية آثار سيّئة فصار لفظ «الحرورية» مساوياً لسفك الدم و قطع الطريق، وكان الناس يتوسّلون للاخافة بهذا اللفظ ويقولون: حروري!! مكان الحرامي!!

وأمّا الثاني: فلأنّ المظاهرة ضدّ عليَّ، ونصب عدائه و أهل بيته ليس بأمرهيّن، وكيف لا يكون كذلك، وقد عجنت دماء ونفوس المسلمين بحبّهم فهم كانوا يتلون قول الله سبحانه في الذكر الحكيم: ( قُلْ لا أَسأَلُكُمْ عَلَيْهِ اَجراً إلاّ المَوَدَةَ في القُرْبى )(1). فهل يمكن لجماعة تتظاهر بكفر عليّ وأولاده، وتنصب عدائهم، ان يكون لهم رصيد شعبي؟ كلاّ، ولا، فلأجل ذلك خسروا في انتفاضاتهم، حتى بوجه الطغاة .

تعرب انتفاضاتهم عن أنّ الحكومة الأموية كانت تستخدم شيعة العراق في بعض الأحيان لقتال الخوارج، فكأنّها كانت تضرب عصفورين بحجر واحد، فإنّ الطائفتين كانا من أعداء الحكومة الأموية، فضرب أحدهما بالاُخرى كان متنفّساً لها(2).

ومع الاعتراف ببراعتهم في النقد والاعتراض، وتملّكهم القدرة على التنظيم و التخطيط، لكن كانت انتفاضاتهم المتفرّقة والمبعثرة في الرقعة الإسلامية، كانت أشبه بالثورات العشوائية، إذ لم تكن هناك قيادة موحّدة تنبثق منها الثورات، وتستثمر هذا الجمهور لتحقيق النصر النهائي، فالحجر الأساس


1. الشورى: 23 .
2. لا حظ خروج فروة بن نوفل في تاريخ الطبري 4/126 .


(176)

في نجاح الثورة و الانتفاضة وإن طالت مدّتها، هو وجود قيادة موحّدة سرّية، ينبعث منها الأمر والنهي، وقد كان القوم يفقدون ذلك الأمر المهمّ .

هذه نبذة خاطفة عن انتفاضات هؤلاء في عصر معاوية، وأمّا ما قاموا به في عصر عبدالله بن الزبير، وخلافة عبدالملك، وخلافة هشام بن عبدالملك، إلى أواخر العهد الأموي، فحدّث عنه ولاحرج، فهي مليئة بالانتفاضات والمعارك الدموية المريرة بين فترة واُخرى، ومن أراد الاحاطة بها فليرجع إلى مظانّها في كتب التاريخ .

إلاّ أنّا نشير إلى بعض الانتفاضات التي قام بها بعض رؤسائهم بعد عصر معاوية كنافع بن الأزرق ونجدة بن عامر الحنفي، وغيرهم ممّن صاروا من رؤساء المذهب، وأصحاب المنهج بين الخوارج، فإنّ هؤلاء وإن كانوا قادة عسكريين إلاّ أنّهم كانوا أيضاً مرشدين لأتباعهم، ولهم آراؤهم في المذهب، وندرس كلّ ذلك ببيان فرقهم الكثيرة في الفصل القادم. وبذلك بيّنا الظروف التي كانت سبباً لنشوء المذاهب في هذه الفرقة .

***


(177)

الفصل التاسع


ألقاب الخوارج وفرقهم


(178)


(179)

للخوارج ألقاب عديدة فمن ألقابهم «الخوارج» لخروجهم على عليّ بن أبي طالب، و«المحكِّمة»، لكون شعارهم: «لا حكم إلاّ لله»، و«الحرورية» لنزولهم بحروراء في أوّل أمرهم، و«الشُراة» لقولهم: شرينا أنفسنا في طاعة الله أي بِعْناها بالجنّة، و«المارقة» لأنّهم مرقوا من الدين كما يَمْرق السهم من الرميّة ـ حسب توصيف الرسول لهم ـ وخرجوا منه، والفرقة الباقية اليوم أعني الاباضية يفسّرون الخروج بالخروج عن الدين ويخصّون اللقب بالطوائف المنحرفة الذين خرجوا في عصر الأمويين، وكانوا يعترضون الطريق ويقتلون الأبرياء من غير جرم وسيوافيك أنّ التخصيص بلاوجه .

وأمّا فرقهم، فقد ذكر البغدادي لهم عشرين فرقة، بل أزيد، وهذه أسماؤهم:

1 ـ المحكّمة 2 ـ الأزارقة 3 ـ النجدات 4 ـ الصفرية 5 ـ العجاردة، المفترقة إلى: 6 ـ الخازنية 7 ـ الشعيبية 8 ـ المعلومية 9 ـ المجهولية 10 ـ أصحاب طاعة لايراد الله تعالى بها 11 ـ والصلتية 12 ـ الاخنبسية 13 ـ الشبيبية 14 ـ الشيبانية 15 ـ المعبدية 16 ـ الرّشيدية


(180)

17 ـ المكرمية 18 ـ الحمزية 19 ـ الشمراخية 20 ـ الإبراهيمية 21 ـ الواقفية 22 ـ الاباضية(1) .

ولا يخفى أنّ الفرق حسب ما ذكرها تزيد على عشرين، ولو لم تعد العجاردة فرقة مستقلّة باعتبار أنّها مقسّمةً لأقسام كثيرة يكون عدد الفرق «21» فرقة.

ثمّ قال البغدادي: «الاباضية» منهم افترقت فرقاً، معظمها فريقان «حفصية» و«حارثية»، وقال: فأمّا «اليزيدية» من الاباضية، و«الميمونية» من العجاردة، فهما فرقتان من غلاة الكفر الخارجين عن فرق الاُمّة .

وأمّا الأشعري فقد ذكر لهم خمس عشرة فرقة ثم ذكر الفرق المتشعّبة منها وهي فرق كثيرة (2).

وقد ذكر المقريزي في خططه للقوم ستاً وعشرين فرقة(3) .

وذكر الشهرستاني لهم ثمانية فرق، وإليك أسماؤها:

1 ـ المحكّمة الاُولى 2 ـ الأزارقة 3 ـ النجدات 4 ـ البيهسية 5 ـ العجاردة 6 ـ الثعالبة 7 ـ الاباضية 8 ـ الصفرّية(4) .

ولكن الحق، إنّ اُصول الفرق قليلة جدّاً، وقد ذكر الأشعري أنّ اُصول أربعة وهي: الأزارقة، النجدية، الاباضية، والصفرية، والأصناف الاُخرى تفرّعوا من الصفرية (5).

ويظهر من المبرّد في كامله، أنّ اُصول الفرق هي ثلاثة:


1. البغدادي: الفّرق بين الفرق 72 .
2. الأشعري: المقالات 1/86 ـ 131 .
3. تقي الدين المقريزي: الخطط 2/254 ـ 255 .
4. الشهرستاني: الملل و النحل 1/114 ـ 138 .
5. الأشعري: المقالات: 1 / 101 .


(181)

الأزارقة، الاباضية، البيهسية، وأمّا الصفرية والنجدية فكانوا يقولون بقول ابن أباض(1) .

ولعلّ ما ذكره الأشعري في بيان اُصول فرقهم أقرب، كما يظهر من دراسة مذهبهم ونحن نذكر الفرق الأربعة التي ذكرها الأشعري، ونحيل بيان سائر الفرق إلى كتب المقالات والفرق، خصوصاً المقالات للأشعري، والفَرق بين الفِرق للبغدادي، والملل و النحل للشهرستاني، وانّا ضربنا الصفح عن بيان فرقهم عامّة لأنّهم قد هلكوا ولم يبق منهم على أديم الأرض سوى فرقة واحدة هي الاباضية وأقاويلها أقرب إلى أقاويل سائر المسلمين. ولأجل ذلك نرى أنّ أبا بيهس يصف نافعاً بأنّه غلى، ويصف عبد الله بن اباض بأنّه قصَّر، وسوف يظهر غلوّ الأوّل وتقصير الثاني حسب تعبير أبي بيهس، وسيوافيك نصّه في محلّه.

والعجب أنّ هذه الفرق ظهرت في زمان واحد، فصار للقوم أئمّة أربعة، كلّ يدعو إلى نفسه .

وكانت الخوارج على رأي واحد إلى عصر ابن الزبير وبعد افتراقهم عنه حصل هناك اختلاف بين الأزارقة والنجدية كما ستعرف وصارت فرقتين ذاتي أمامين، ولم يكن لهم إلى عهد عبدالله بن الزبير إلاّ اُصول بسيطة وهي:

1 ـ اكفار مرتكب الكبيرة.

2 ـ انكار مبدأ التحكيم .

3 ـ تكفير عثمان وعليّ ومعاوية وطلحة والزبير ومن سار على دربهم ورضى بأعمال عثمان وتحكيم عليّ، على هذه الاُصول نشأوا إلى عهد ابن الزبير.


1. المبرّد: الكامل 2/214 .


(182)

قال الكعبي: إنّ الذي يجمع الخوارج إكفار عليّ وعثمان و الحكمين وأصحاب الجمل وكلّ من رضى بتحكيم الحكمين، والخروج على الإمام الجائر وإكفار من ارتكب الذنوب (1) .

وقال الأشعري: أجمعت الخوارج على إكفار عليّ بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ لأنّه حكّم، وهم مختلفون هل كفره شرك أم لا. وأجمعوا على أنّ كلّ كبيرة كفرٌ إلاّ النجدات، فإنّها لاتقول بذلك، وأجمعوا على أنّ الله سبحانه يعذّب أصحاب الكبائر عذاباً دائماً إلاّ النجدات(2) .

وما ذكره من الاستثناء دليل على أن أكثر هذه الاُصول برزت بينهم في العصر الزبيري وما بعده، لا في عهد الإمام علي ولا في عهد معاوية.

إذا وقفت على ذلك فلنشرع في بيان الفرق الأربعة التي ذكرها الأشعري ونترك بيان عداها إلى الكتب المعدّة لذلك.

***


1. البغدادي: الفّرق بين الفِرق 1/73 نقلا عن الكعبي.
2. الأشعري: مقالات الاسلاميين 1/86 .