welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الملل والنحل/ج5 ( تاريخ الخوارج)*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الملل والنحل/ج5 ( تاريخ الخوارج)

(66)


(67)

االفصل الثالث


نشوء الخوارج عند مخالفتهم لمبدأ التحكيم


(68)


(69)

إنّ الذين حملوا عليّاً ـ عليه السَّلام ـ على الموادعة والرضوخ للتحكيم، رجعوا عن فكرتهم وزعموا أنّ أمر التحكيم على خلاف الذكر الحكيم حيث يقول (ان الحُكْم إلاّ لِلِّه )(1) فحاولوا أن يفرضوا على علىّ ـ عليه السَّلام ـ أمراً رابعاً وهو القيام بنقض الميثاق ورفض كتاب الصلح بينه وبين معاوية، فجاء هؤلاء قائلين: «لا حكم إلاّلله، الحكملله يا علي لالك، لا نرضى بأن يحكم الرجال في دين الله. إنّ الله قد أمضى حكمه في معاوية وأصحابه أن يقتلوا وأن يدخلوا في حكمنا عليهم وقد كانت منّا زلّة حين رضينا بالحكمين، فرجعنا وتبنا، فارجع أنت يا علي كما رجعنا وتب إلى الله كما تبنا، وإلاّ برئنا منك. فقال علي: وَيْحكم، أبعد الرضا(والميثاق) والعهد نرجع؟ أو ليس الله تعالى قال:( )اُوفوا بالعقود)) وقال: (واُوفوا بَعَهْدِ الله اِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الاَيمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَ قَدْ جَعَلْتُمُ الله عَلَيْكُمْ كَفيلا انّ الله يَعْلَمُ ما تَفْعَلُون) ): فأبى علي أن يرجع، وأبت الخوارج إلاّ تضليل التحكيم والطعن فيه، وبرئت من علي ـ عليه السَّلام ـ ، وبري


1. الأنعام: 57. وقد ورد في سورة يوسف أيضاً مرّتين، لا حظ الآية 40 و67 من هذه السورة .


(70)

منهم(1) .

وقال الطبري: لمّا أراد عليّ أن يبعث أبا موسى إلى الحكومة أتاه رجلان من الخوارج: زرعة بن برج الطائي وحرقوص بن زهير السعدي(2)، فدخلا عليه فقالا له: لا حكم إلاّ لله، فقال علي ـ عليه السَّلام ـ : لا حكم إلاّ لله، فقال له حرقوص: تب من خطيئتك وارجع عن قضيتك واخرج بنا إلى عدوّنا نقاتلهم حتى نلقى ربّنا، فقال لهم علي: قد أردتكم على ذلك فعصيتموني وقد كتبنا بيننا وبينهم كتاباً وشرطنا شروطاً وأعطينا عليها عهودنا ومواثيقنا، وقد قال الله عزّوجل: (واُوفوا بَعَهْدِ الله اِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الاَيمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَ قَدْ جَعَلْتُمُ الله عَلَيْكُمْ كَفيلا انّ اللهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُون). فقال له حرقوص: ذلك ذنب ينبغي أن تتوب منه، فقال علي: ما هو ذنب ولكنّه عجز من الرأي وضعف من الفعل وقد تقدّمت إليكم فيما كان منه ونهيتكم عنه، فقال له زرعة بن البرج: أما والله يا علي لئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب الله عزوجل قاتلتك أطلب بذلك وجه الله ورضوانه، فقال له علي: بؤسا لك ما أشقاك كأنّي بك قتيلا تسفى عليك الريح. قال: وددت أن قد كان ذلك، فقال له علي: لو كنت محقَاً كان في الموت على الحق تعزية عن الدنيا. إنّ الشيطان قد استهواكم فاتّقوا الله عزّوجلّ إنّه لا خير لكم في دنيا تقاتلون عليها فخرجا من عنده يُحكِّمان (3).

روى ابن مزاحم عن شقيق بن سلمة قال: جاءت عصابة من القرّاء قد


1. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 589 ـ 590 .
2. إنّ الاباضية ـ الفرقة الباقية من الخوارج ـ يقولون المحكمة الاُولى نظراء: زرعة، وحرقوص، والراسبي مُحِقوُن بحجة أنّهم أرادوا أن لا يحكم الرجال فيما حكم فيه سبحانه وهو قتال أهل البغي حتى يفيئوا، ولكنّهم لا يذكرون شيئاً من أنّهم كانوا هم الأساس لمسألة التحكيم، وهم الذين فرضوا على الإمام، هذا الأمر. فلتكن على ذكر من هذا النقل حتى يحين وقت دراسة الموضوع.
3. الطبري: التاريخ 4/52 ـ 53 .


(71)

سلّوا سيوفهم واضعيها على عواتقهم فقالوا: يا أمير المؤمنين ما تنظر بهؤلاء القوم إن نمشي إليهم بسيوفنا حتى يحكم الله بيننا وبينهم بالحق؟ فقال لهم عليّ: قد جعلنا حكم القرآن بيننا وبينهم ولا يحلّ قتالهم حتى ننظر بِمَ يحكم القرآن .(1)

وهذا يعرب عن أنّ الأكثرية الساحقة كانت مصّرة على التصالح وانّ عصابة منهم، كانوا متوقّفين في بدء الأمر، ثمّ بدا لهم أن ينصروا الإمام في وقت، تمّت الإتفاقية بين الطرفين وأعطى الإمام العهد بالعمل بها.

هذه الكلمة الجارحة التي صدرت من زرعة الطائي وحرقوص بن زهير السعدي ونظائرها كانت تصدر من الخوارج آونة بعد اُخرى، وذلك لأنّهم يتّهمون عليّاً بارتكاب الإثم ولزوم التوبة بنقض الصحيفة، وفي مقابل ذلك سطّر التاريخ مواقفاً جريئة وحرّةً صدرت عن ثلّة من أصحاب علي ـ عليه السَّلام ـ .

هذا هو سليمان بن صرد من أصحاب علي أتاه بعد كتابة الصحيفة ووجهه مضروب بالسيف فلمّا نظر إليه علي ـ عليه السَّلام ـ قال: ( )فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِر وما بَدَّلُوا تَبْدِيلا))فأنت ممّن ينتظر وممّن لم يبدل، فقال يا أمير المؤمنين: أما لو وجدتُ أعواناً ما كتبت هذه الصحيفة أبداً. أما والله لقد مشيتُ في الناس ليعودوا إلى أمرهم الأوّل فما وجدت أحداً عنده خير إلاّ قليلا. وقام إلى علي ـ عليه السَّلام ـ محرز بن جريش بن ضليع، فقال: يا أمير المؤمنين: ما إلى الرجوع عن هذا الكتاب سبيل؟ فإنّي لأخاف أن يُورث ذلاّ، فقال علي ـ عليه السَّلام ـ أبعد أن كتبناه ننقضه؟ إنّ هذا لا يحلّ.

وقام فضيل بن خديج مخاطباً عليّاً لمّا كتبت الصحيفة: إنّ الأشتر لم يرض بما في هذه الصحيفة ولا يرى إلاّ قتال القوم، فقال علي ـ عليه السَّلام ـ :


1. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 569 .


(72)

بلى إنّ الأشتر ليرضى إذا رضيت، وقد رضيت ورضيتم، ولا يصلح الرجوع بعد الرضا ولا التبديل بعد الإقرار إلاّ أن يعصى الله ويتعدّى ما فيه كتابه.

فلمّا رآى علي ـ عليه السَّلام ـ تكرّر تلك المواقف قام خطيباً ليزيل الشكوك والأوهام عن قلوب شيعته فخطب وقال: «إنّ هؤلاء القوم لم يكونوا ليفيئوا إلى الحق، ولاليجيبوا إلى كلمة السواء، حتى يُرْمَوا بالمناسر، تتبعها العساكر، وحتى يُرجَموا بالكتائب تقفوها الجلائب، وحتى يجر ببلادهم الخميس، يتلوه الخميس، وحتى يدعوا الخيل في نواحي أرضهم، وبأحناء مساربهم ومسارحهم وحتى تشن عليهم الغارات من كل فج، وحتى يلقاهم قوم صُدُق صُبُر، لا يزيدهم هلاك من هلك من قتلاهم وموتاهم في سبيل الله إلاّ جداً في طاعة الله، وحرصاً على لقاء الله، ولقد كنّا مع رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ نقتل آباءنا وأبناءنا واخواننا وأعمامنا. ما يزيدنا ذلك إلاّ إيماناً وتسليماً، ومُضيّاً على اللقم وصبراً على مضَضَ الألم، وجداً في جهاد العدو، ولقد كان الرجل منّا والآخر من عدوّنا يتصاولان متصاول الفحلين، يتخالسان أنفسهما أيَّهما يسقي صاحبه كأس المنون مرّة لنا من عدوّنا ومرة لعدّونا منّا، فلمّا رأى الله صدقنا أنزل بعدونا الكبت، وأنزل علينا النصر، حتى استقّر الإسلام ملقياً جِرَآنه، ومتبوَّئاً أو طانه، ولعمري لوكنّا نأتي ما أتيتم، ما قام للدين عمود، ولا اخضرّ للإيمان عود، وايم الله لتحتلبنّها دماً ولتُتَبِعنَّها ندماً(1) .

وقد أعرب الإمام في خطبته هذه عن السبب الحقيقي للفصل والوهن الذي واجه جيشه مع كثرة عددهم وعدّتهم، وما هذا إلاّ لأنّهم عصوا إمامهم، واغترّوا بظواهر الاُمور، وحسبوا أنّ اللجوء إلى كتاب الله شيء يدين به الخصم،


1. الرضي: نهج البلاغة، الخطبة 56. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 597 ـ 598 وبين المنقول في المصدرين اختلاف في اللفظ، ورجحّنا نقل الرضي.


(73)

ففرضوا على علي ـ عليه السَّلام ـ التحكيم والحّكم، إلى غير ذلك من الاُمور التي ذكرناها آنفاً، فصار القائد مقوداً والإمام مأموماً والمطاع مطيعاً.

تنبّؤ النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ

بفتنة الخوارج:

روى ابن هشام عن عبدالله بن عمروبن العاص أنّه قال: جاء رجل من بني تميم ـ في غزوة هوازن ـ يقال له ذوالخويصرة فوقف عليه وهو يعطي النّاس فقال: يا محمّد، قد رأيتُ ما صنعت في هذا اليوم، فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ أجل، فكيف رأيت؟ فقال: لم أرك عدلت، قال: فغضب النبي، ثم قال: ويحك، إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون؟ فقال عمربن الخطاب: يا رسول الله ألا أقتله؟ فقال: لا دعه فإنّه سيكون له شيعة يتعمّقون(1) في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية(2)


1. المراد من التعمق كثرة السؤال والاعتراض على الأوامر الصادرة من القيادة ويؤيّد ذلك الحديث المشهور: سأل رجل الإمام موسى بن جعفر ـ عليه السَّلام ـ وقال: رجل يأتي السوق فيشتري جبة فراء، ولا يدري أذكية هي أم غير ذكية؟ أيصلّي فيها؟ فقال: نعم ليس عليكم المسألة. انّ أباجعفر ـ عليه السَّلام ـ كان يقول: إنّ الخوارج ضيقوا على أنفسهم بجهالتهم، انّ الدين أوسع من ذلك. (الصدوق: من لا يحضر الفقيه 1/167، الباب 39، الحديث 38).
ويظهر ذلك ممّا روي عن علي من قصار الكلمات قال: الكفر على أربع دعائم: على التعمّق، والتنازع، والزيغ، والشقاق، فمن تعمّق لم ينب إلى الحق، ومن كثر نزاعه بالجهل دام عماه عن الحق، نهج البلاغة قسم الحكم 31. فمعنى التعمّق هنا لا يتنافى مع ما سنذكره من أنّ البساطة والسذاجة و الظاهرية كانت سمة من سماتهم.
2. ابن هشام: السيرة النبوية 4/496. ابن الاثير: الكامل 2/184. ورواه البخاري في باب «المؤلفة قلوبهم على وجه التفصيل، فمن أراد فليرجع إلى صحيحه».


(74)

تحليل لكارثة التحكيم:

إنّ هناك أسئلة تطرح نفسها ونحن نجيب عنها مستندين إلى متون الروايات الواردة حولها:

الأوّل: لماذا اغتر المحكّمة بظواهر الأمر وزعموا أنّ رفع المصاحف على رؤوس الأسنّة لأجل اللجوء إلى القرآن، واجراء حكمه بين الطرفين، مع أنّ عليّاً وكثيراً من أصحابه نبّههم على أنّ ذلك خدعة ومكيدة. والجواب: انّ الذي حملهم على قبول التحكيم في بادىء ذي بدء أمران:

1 ـ إنّ الخسارة البشرية الفادحة التي ألحقتها الحرب بالعراقيين (مع أنّ خسائر الشاميين كانت أكثر) كانت عاملا نفسيّاً مهمّاً لقبول التحكيم ودافعاً لهم إليه وفي كلام الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ اشارة إلى ذلك:

قال ابن مزاحم: ذكروا أنّ الناس ماجوا وقالوا: أكلتنا الحرب وقتلت الرجال، وقال قوم: نقاتل القوم على ما قاتلنا هم عليه أمس، ولم يقل هذا إلاّ قليل من الناس، ثم رجعوا عن قولهم مع الجماعة وثارت الجماعة بالموادعة فقام علي أميرالمؤمنين فقال: «إنّه لم يزل أمري معكم على ما أحبّ إلى أن أخذت منكم الحرب، لقد والله أخذت منكم وتركت، وأخذت من عدوّكم فلم تترك، وانّها فيكم أنكى وأنهك....وقد أحببتم البقاء وليس لي أن أحملكم على ما تكرهون»(1) .

ولعل النجاشي يشير إلى ذلك العامل في قصيدته إذ يقول:

غشيناهم يومَ الهرير بِعُصبة * يمانيّة كالسيل سيل عِرانِ

فأصبح أهل الشام قد رفعوا القنا * عليها كتاب الله خير قرآن


1. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 553 ـ 554 .


(75)

ونادوا(1): عليّاً، يا ابن عمّ محمّد * أما تتقي أن يهلك الثقلان

فمن للذراري بعدها ونسائنا * ومن للحريم أيّها الفَتَيان ِ(2)

2 - إنّ البساطة والسذاجة من الاُمور التي تسود أهل البادية حيث لا يملكون الوعي الفكري والتجربة الإجتماعية، وجلّ القبائل التي كانت تحارب تحت لواء عليّ من القاطنين في البادية غير متمدّنين، فطبيعة عيشهم هو الصدق والصفاء والإيمان بظواهر الاُمور دون أن يتعمّقوا فيها لمعرفة ما يدور خلف الستار من خفايا، ولأجل ذلك اغتّروا بظاهر الأمر وزعموا أنّ رفع المصاحف على الأسنّة لأجل الاستظلال في ظلّه والعيش تحت رايته.

غير أنّ الإمام والواعين من قادة جيشه علموا أنّ خلف هذا العمل مؤامرات وتفرّسوا بأنّ وارء هذا ليس إلاّ الفتنة، ولأجل ذلك لمّا بعث علي ـ عليه السَّلام ـ أحد النخعيين إلى الأشتر لإيقاف الحرب ورجوعه إلى معسكر الإمام، فسأله الأشتر عن سبب الفتنة، وقال: «ألِرَفع هذه المصاحف؟» قال نعم، قال: أما والله لقد ظننت أنّها حين رفعت ستوقد اختلافاً وفرقة(3).

3 ـ إنّ عيشة القوم كانت عيشة قبيلة والنظام القبلي يفرض على كافة أفراد القبيلة، الطاعة العمياء لرئيسها فإذا أصحر الرئيس بالرأي، فالباقون بحكم الأغنام يتبعونه من دون تفكّر ووعي، ولمّا كان في جيش علي ـ عليه السَّلام ـ رؤوس البطون، وخضعوا للتحكيم، لم يبق مجال لغيرهم في القبول والرفض، ولأجل ذلك صار التحكيم فرضاً من جانب عشرين ألفاً مقنّعين بالحديد، ومن البعيد جداً أن يكون حكم كلّ واحد من هؤلاء صادراً عن وعي و إمعان.


1. يعني أهل العراق .
2. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 602 .
3. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 562 .


(76)

الثاني: لماذا رجعوا عن التحكيم بعد فرضه على علي ـ عليه السَّلام ـ

؟:

إنّ القوم لم يكونوا أهل فكر واجتهاد، وماكانوا يصدرون عن مبدأ عقلي في المواقف الصعبة والحَرِجةِ، فكما أنّهم اغتّروا برفع المصاحف على الأسنّة، اغترّ الكثير برأي بعض القرّاء حيث ردّ التحكيم بقوله سبحانه: (اَن الحُكْم إلاّ لِلّه).

قال ابن مزاحم: إنّ الأشعث خرج في الناس بذلك الكتاب يقرأه على الناس ويعرضه عليهم ويمرّ به على صفوف أهل الشام، وراياتهم، حتى مرّ برايات عنزة فقرأه عليهم. قال فتيان منهم: لا حكم إلاّ لله، ثمّ حملا على أهل الشام بسيوفهما (فقاتلا) حتى قتلا على باب رواق معاوية، وهما أوّل من حكم (أي أنكر مبدأ التحكيم) ثم مرّ بها على مراد فقال صالح بن شقيق وكان من رؤسائهم:

ما لعلي في الدماء قد حكم * لو قاتل الأحزاب يوماً ما ظلم

لا حكم إلاّ لله ولو كره المشركون.

ثمّ مرّ على رايات بني راسب فقرأها عليهم، فقالوا: لا حكم إلاّ لله ولا نرضى ولا نحكّم الرجال في دين الله، ثم مرّ على رايات بني تميم فقرأها عليهم، فقال رجل منهم: «لا حكم إلاّ لله، يقضي بالحق وهو خير الفاصلين» وخرج عروة بن اُديَّة فقال: أتحكّمون الرجال في أمر الله؟ لا حكم إلاّ لله: فأين قتلانا يا أشعث؟(1).

فزعموا أوّلا: أنّ حكم الله مضى في معاوية وأصحابه أن يقتلوا أويدخلوا في حكمهم وانّ إيقاف الحرب والتنازل إلى الموادعة خلاف حكم الله


1. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 558. وجاء في ذيل كلامه انّ هؤلاء المخالفين أوبعضهم كانوا من المصرّين على التحكيم في بدء الأمر وانّما رجعوا عن فكرتهم عند عرض الكتاب.


(77)

سبحانه.

ثانياً: انّ هذا تحكيم للرجال في دين الله، وهو يضادّ النصّ الصريح في الذكر الحكيم أعني قوله تعالى: (اَن الحُكْم إلاّ لِلِّه) وكلا الوجهين موجود ان في كلامهم يوم حاولوا فرض نقض الميثاق وطلبوه من علي ـ عليه السَّلام ـ يقول ابن مزاحم: فنادت الخوارج في كلّ ناحية:

لا حكم إلاّ لله، لا نرضى بأن يحكّم الرجال في دين الله.

قد أمضى الله حكمه في معاوية و أصحابه أن يقتلوا أو يدخلوا في حكمنا عليهم(1).

ثالثاً: زعموا أنّ قبول التحكيم يستلزم أنّهم كانوا ضالّين في نضالهم وجهادهم ضد معاوية طيلة شهور، ونتيجة ذلك أنّ ما ارُيقت منهم من الدماء، وما قدموا في ذلك الطريق من الشهداء كانت على غير وجه الحق ولأجل ذلك لمّا قرأ الأشعث صحيفة الصلح على تميم، قالوا: أتحكّمون الرجال في أمر الله لا حكم إلاّ لله، فأين قتلانا يا أشعث(2) .

رابعاً: قالوا: إنّك نهيت عن الحكومة أوّلا ثم أمرت بها ثانياً، فإن كانت قبيحة كنت بنهيك عنها مصيباً، وبأمرك مخطئاً، وإن كانت حسنة كنت بنهيك عنها مخطئاً وبأمرك بها مصيباً، فلابد من خطئك على كلّ حال.

هذه الوجوه الأربعة ممّا اغترّ به القوم، وأرادوا فرض نقض التحكيم والميثاق على علي ـ عليه السَّلام ـ وهي تكشف عن بساطة القوم في المقام، وإليك تحليل كل واحد من هذه الوجوه:

أمّا الوجه الأوّل: فإنّه وإن كان قد مضى حكم الله في معاوية وأصحابه أن


1. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 594 .
2. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 588 .


(78)

يقتلوا أو يدخلوا في حكم الإمام المفترض طاعته، وكان الواجب على الإمام محاربتهم حتى تتحقّق احدى الغايتين ولكن التكليف بالمحاربة، مرهون بالقدرة وعدم المانع من تحقيق التكليف، والقوم سلبوا القدرة عن الإمام القائد، حيث جاءوا إليه في عشرين ألفاً مقنّعين في الحديد، شاكي سيوفهم على عواتقهم يدعونه باسمه ويقولون: أجب إلى كتاب الله إذ دعيت إليه، وإلاّ قتلناك كما قتلنا ابن عفان، فوالله لنفعلنّها إن لم تجبهم.

أفي هذا الموقف الحرج يتصوّر أن تكون المحاربة تكليفاً شرعيّاً على الإمام أو يكون الحكم مرفوعاً بارتفاع قدرته على مواصلة الحرب، إذ كانت نتيجة مواصلة الحرب هو قتل الإمام أوتسليمه إلى العدّو مكفوف اليدين، ولكان الذل والوهن عندئذ أكبر وأفدح.

نعم، رجعت القدرة إلى الإمام بعد ندامتهم على التحكيم واستعدادهم لمواصلة الحرب بعد الصلح وأخذ المواثيق، ولكن كانت الندامة في غير محلّها وندموا ولم ينفعهم الندم حيث ضاعت الفرصة الذهبية، إذ كما أنّ من حكمه سبحانه مواصلة حرب الطغاة وقد نطق بها الذكر الحكيم، كذلك الايفاء بالمواثيق، واحترام العقود والعهود من أحكام القرآن والسنّة المطهرّة. ولأجل ذلك أجاب علي عن اصرارهم على مواصلة الحرب بقوله: «ويحكم، أبعد الرضا والميثاق والعهد نرجع؟ أوليس الله تعالى قال: (اُوفُوا بالعقودِ) وقال: (وَ أوفُوا بِعَهْدِ اللهِ اِذا عاهَدْتُمْ وَ لا تَنْقُضُوا الأيمانَ بَعْدَ تَوْكيدَها وَ قَدْجَعَلْتُمْ الله عَلَيْكُمْ كفيلا انّ الله يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونْ)(1) .

ولكن القوم كانوا بعيدين عن المنطق، قريبي القعر، سمعوا أدلّة الإمام ولم يجيبوا عنها بشيء إلاّ بتضليله والبراءة منه.وسوف نرجع إلى تحليل هذا


1. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 589 .


(79)

الوجه عند البحث عن الاباضيّة.

وأمَا الوجه الثاني: أعني كون هذا تحكيماً للرجال في دين الله: وهو خطأ. إنّ الإمام وأصحابه لم يحكّموا الرجال في دين الله بل حكّموا القرآن والذكر الحكيم فيما اختلفوا فيه ولكن القرآن شجرة يانعة وحجة صامتة لا تجتني ثمرته ولا يعلم مقاصده إلاّ بمن ينطقه وإلى ذلك يشير الإمام في بعض خطبه:

«إنّا لم نحكّم الرجال وإنّما حكّمنا القرآن، هذا القرآن انّما هو خط مسطور بين الدفتين لا ينطق بلسان ولابدّ له من ترجمان، وانّما ينطق عنه الرجال، ولمّا دعانا القوم إلى أن نحكّم بيننا القرآن لم نكن الفريق المتولّي عن كتاب الله سبحانه وتعالى، وقد قال الله سبحانه: (فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شيء فَرِدُّهُ إلى اللهِ وَ الرسول) فردّه إلى الله أن نحكم بكتابه، وردّه إلى الرسول أن نأخذ بسنّته، فإذا حكم بالصدق في كتاب الله فنحن أحق النّاس وأولاهم بها»(1).

وفي كلام آخر له:

«فانّه حكم الحكمان ليُحييا ما أحيا القرآن ويميتا ما أمات القرآن، وإحياؤه الاجتماع عليه، وإماتته الافتراق عنه، فإن جرّنا القرآن إليهم، اتبعناهم، وإن جرّهم إلينا اتبعونا، فلم آت ـ لا أباً لكم ـ بُجراً ولا خَتلْتكم عن أمركم، ولا لبّستُه عليكم، انّما اجتمع رأي مَلَئكم على اختيار رجلين أخذنا عليهما ألاّ يتعدَّيا القرآن (2).

وقد جاء في نفس الميثاق الذي أملاه على التصريح بأنّ الحكم هوالقرآن، وانّ دور الحكمين هو انطاق القرآن في محلّ النزاع وقد جاء في


1. الرضي: نهج البلاغة، الخطبة 125.
2. الرضي: نهج البلاغة، الخطبة 127.


(80)

الميثاق قوله:

«وان كتاب الله سبحانه وتعالى بيننا من فاتحته إلى خاتمته نحيي ما أحيا القرآن ونميت ما أمات القرآن فان وجد الحكمان ذلك في كتاب الله اتّبعناه، وإن لم يجداه أخذا بالسنّة العادلة غير المفرقة»(1).

وبعد هذه الكلم الواضحة، المعربة عن حقيقة الحال، كان اصرارهم على نقض الميثاق صادراً عن جهل وعجز في الرأي.

وأمَا الوجه الثالث: أي أنّه يستلزم من قبول التحكيم كونهم ضالّين في نضالهم وجهادهم طيلة شهور، وانّ الدماء التي اُريقت، انّما اُريقت في غير وجه الحق، فهو أوهن من الوجهين السابقين، وذلك لأنّه سبحانه كما أمر بالقتال والنضال في كتابه وقال:

(قاتِلُوا الَّذِيْنَ لا يُوْمِنُونَ بِالله وَ لا بِالْيَوْمِ الآخِرِ....)(2).

وقال سبحانه:

(وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةُّ وَيَكُونَ الدِينُ كَلُّهُ للهِ...)(3)

كذلك أمر بالصلح والسلم في غير واحد من آياته، وقال:

(وَاِن جَنَحُوْا لِلسَّلْمِ فَاْجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ....)(4)

وقال سبحانه:

(وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤمِنِينَ اقْتَتَلُوْا فَاَصْلِحُوْا بَيْنَهُما فَاِنْ بَغَتْ إحْديهُما عَلى الاُخْرى فَقاتِلُوا التِي تَبْغِي حَتّى تَفِىء إلَى أمْرِ الله فَإنْ فَآتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بالْعَدْلِ)


1. الطبري: التاريخ 4/38 .
2. التوبة: 29 .
3. الأنفال: 39 .
4. الأنفال: 61 .


(81)

وَأَقْسِطُواْ إنَّ اللّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ))(1)

الصلح والايقاف ليسا دليلا على أنّ الدماء الّتي اُرقيت إنّما اُرقيت في غير وجه الحقِ، وعلى ذلك فكل من الحرب والصلح، والنضال والموادعة حكم من أحكام القرآن، يطبّق كل في مورده وذلك حسب مايراه الحاكم الإسلامي وعلى ذلك جرت سيرة الرسول الأكرم، فقد ناضل قريشاً في بدر واُحد وقاتلهم في الأحزاب، وقد اُريقت من دماء المسلمين مالايستهان بها، ومع ذلك فقد صالح قريشاً في الحديبية، وكتب بينه وبينهم ميثاق الصلح على ما مرّ الإيعاز إليه في كلام علي ـ عليه السَّلام ـ حتّى انّ قريشاً أبوا أن يكتب «رسول الله» إلى جانب اسمه، وألزموه بتجريد اسمه عن الرسالة كما أبى معاوية وعمروبن العاص إلاّ أن يكتب اسم عليّ مجرّداً عن الإمارة، فكان في ذلك اقتداء بالنبي، فالدماء التي اُرقيت في ساحات القتال إذا كانت لوجه الله فلا تنقلب عمّا عليه، وأصحابها شهداء، أحياء عند ربهم يُرزقون، ولا يأبى ذلك أن يصالح القائد الإسلامي إذا اقتضت المصلحة لظروف مختلفة، مع العدو وكلا الحكمين حكم الله.

وأمّا الوجه الرابع: فقد أجاب عنه الإمام بعد ما قام إليه رجل من أصحابه فقال: نهيتنا عن الحكومة ثمّ أمرتنا بها فلم ندر أىّ الأمرين أرشد؟ فصفق ـ عليه السَّلام ـ إحدى يديه على الاُخرى ثم قال:

«هذا جزاء من ترك العُقْدة(2) أما والله لو انّي حين أمرتكم به، حملْتُكم على المكروه الذي يجعل الله فيه خيراً، فان استقمتم هديتكم، وإن اعوججتم قوّمتكم، وإن ابيتم تداركتم، لكانت الوثقى، ولكن بِمَنْ وإلى مَنْ؟ اُريد أن


1. الحجرات: 9 .
2. العقدة: الرأي الوثيق.


(82)

اُدواي بكم وأنتم دائي»(1) .

أقول: إنّ القوم كانوا بُعَداء عن التفكير الصحيح فزعموا أنّ هنا تناقضاً في الرأي، مع أنّه لا منافاة بينهما بعد فرض اختلاف ظرف الحكمين، ففيما كان الإمام قائداً مُطاعاً، كان الحق هو مواصلة الحرب، ولذاك كان يصرّ على المواصلة، وعند ما عُصِيَ، وخُولِفَ، لم يكن بدّ من التنازل إلى الحكم ألآخر، فلا الإيقاف يبطل حكم القتال وأجر الشهداء ولا الحكم بالقتال يلازم بطلان الهدنة وعدم صحّته إذا اقتضت المصلحة ذلك وفقاً لا ختلاف الظروف.

* * *


1. الرضي: نهج البلاغة، الخطبة 121 .


(83)

الفصل الرابع

تحرّكاتهم السياسيّة بعد مبدأ التحكيم


(84)


(85)

لمّا تمّت الإتفاقية، وشهد عليها شهود، وقُرِأت على الناس، انسحب معاوية إلى جانب الشام، وتوجّه الإمام نحو الكوفة مع جيشه وأصحابه ورافقه المعترضون على التحكيم الذين عرفوا بالمحكِّمة، فدخل الإمام الكوفة دار هجرته وامتنعت المحكِّمة عن الدخول، وذهبوا إلى قرية «حروراء» كما ذهب قسم منهم إلى معسكر نخيلة اعتراضاً على عليّ وحكْمهِ. وقد أعربوا بعملهم هذا أنّهم متخلِّفون عنه، وعن أوامره، وخارجون عن طاعته، ولقد كان لهم ألوان متفاوتة في مخالفتهم ولكن الجميع يشتركون في كونها ردود فعل لما آل له التحكيم ونذكر أبرزها:

1 ـ التظاهر ضد علي ـ عليه السَّلام ـ بقولهم «لا حكم إلاّ لله» في المسجد وخارجه خصوصاً عند قيام الإمام بالقاء الخطب.

2 ـ تكفير عليّ ـ عليه السَّلام ـ وأصحابه الذين وفوا بالميثاق.

3 - تأمين أهل الكتاب وارهاب المسلمين وقتل الأبرياء.

وأمّا ما قام به الإمام في مقابل هذه المواقف فكلّها ينبع عن عطفه وحنانِه على الأعداء وصبره الجميل تجاه المآسي، وإليك بيانه:


(86)

1 - قام عليّ ـ عليه السَّلام ـ بتبيين موقفه من كتاب الصلح وانّه ما أمضاه إلاّ باصرار منهم وإرهاب ضدّه.

2 - التعامل معهم كسائر المسلمين في الجوائز والعطايا.

3 ـ بعث شخصيات كبيرة لهدايتم، وارجاعهم عن غيّهم.

4 - محاولة أخذ الثأر من قتلة عبدالله بن خباب بن الارت وزوجته عندما قتلا بايدي سفلة الخوارج وإليك بيان الجميع:

الف ـ التظاهر ضدّ عليّ ـ عليه السَّلام ـ

:

روى الطبري: «لمّا وقع التحكيم ورجع عليّ من صفيّن، رجعوا متباينين له، فلمّا انتهوا إلى النهر أقاموا به، فدخل عليّ في الناس الكوفة ونزلوا بحروراء وبعث إليهم عبدالله بن عباس فرجع ولم يصنع شيئاً، فخرج إليهم عليّ فكلّمهم(1) حتى وقع الرضى بينه و بينهم، فدخلوا الكوفة، فأتاه رجل فقال، إنّ النّاس قد تحدّثوا أنّك رجعت لهم عن كفرك، فخطب الناس في صلاة الظهر فذكر أمرهم فعابه، فوثبوا من نواحي المسجد يقولون: لا حكم إلاّ لله، و استقبله رجل منهم واضعاً إصبعه في اذنيه، فقال: «وَلَقَدْ أوحى إلَيْكَ وإلى الَذينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ اَشْرَكْتَ لَيُحْبِطَنَّ عَمَلكَ وَلَتَكُوننَّ مِنَ الخاسِرين». فقال عليّ: «فاصْبِر إنَّ وَعَدالله حقُّ ولا يَستَخفنّك الذين لا يوُقِنون»(2).

وببالي ورد في بعض المصادر: انّ الرجل صاح بالآية و الإمام في اثناء الصلاة، فأجابه الإمام بتلاوة الآية التي عرفتها.


1. سيوافيك ما تكلم به معهم في خاتمة المطاف .
2. الطبري: التاريخ 4/54 .


(87)

ب ـ تكفير عليّ و أصحابه:

أكبر كلمة كانت تصدر من أفواه الخوارج هو تكفير عليّ لأجل قبول التحكيم وكأنّه خطيئة وارتكاب الخطيئة عندهم كفر، كما هو أحد اُصولهم التي نبحث عنها عند عرض عقائدهم، ويكفي في ذلك ما نقله الطبري في مذاكرة علي مع حرقوص بن زهير السعدي، وزرعة بن برج الطائي ومرّ النصّ في أوّل الفصل السابق.

وإلى هذا يشير الإمام في بعض كلامه حيث قال لهم:

«أصابكم حاصِب(1) ولابقى منكم آبِر(2)، أبعد إيماني بالله، وجهادي مع رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ أشْهَدُ على نفسي بالكفر؟ لقد ضللت اِذاً وما أنا من المهتدين، فاوبوا شرّمآب، وارجعوا على أثر الأعقاب، أما انّكم ستلقون بعدي ذلاّ شاملا و سيفاً قاطعاً وإثرة(3) يتخذها الظالمون فيكم سنّة»(4).

ج ـ قتل الأبرياء:

و المدهش من أخبارهم انّهم كانوا يقتلون المسلمين ويجيرون المشركين و أهل الكتاب.

روى المبّرد في كامله: إنّ القوم مضوا إلى النهروان، وقد كانوا أرادوا المضي إلى المدائن فأصابوا في طريقهم مسلماً و نصرانياً، فقتلوا المسلم، لأنّه عندهم كافر، إذكان على خلاف معتقدهم، واستوصوا بالنصراني وقالوا:


1. الحاصب: الريح الشديدة التي تثير الحصباء .
2. الآبر: الذي يأبّر النخل أي يصلحه .
3. الاثرة: الاستبداد عليهم بالفئ و الغنائم، قال: النبي للأنصار:«ستلقون بعدي إثرة فاصبروا حتى تلقوني» .
4. الرضي: نهج البلاغة، الخطبة 58.


(88)

احفظوا ذمّة نبيّكم.

قال المبّرد: وحدثت أنّ واصلَ بن عطاء أقبل في رفقة فاحسُّوا بالخوارج، فقال واصل لأهل الرفقة: إنّ هذا ليس من شأنكم فاعتزلوا ودعوني وإيّاهم، وكانوا قد أشرفوا على العطب. فقالوا: شأنّك، فخرج إليهم، فقالوا: ما أنت و أصحابك فقال: قوم مشركون مستجيرون بكم ليسمعوا كلام الله، ويفهموا حدوده. قالوا: قد أجرناكم، قال: فعلِّمُونا، فجعلوا يعلِّمُونَهم أحكامَهم، ويقول واصل: قد قبلت أنا ومن معي. قالوا: فامضوا مصاحبين فقد صرتم اخواننا. فقال: بل تبلغوننا مأمننا. لأنّ الله تعالى يقول:«و إنْ إحدٌ مِنَ المُشْرِكُينَ استَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتى يَسمَعَ كلامَ الله ثُمَّ اَبْلِغْه مأْمَنَهُ»(1) فنظر بعضم إلى بعض، ثم قالوا: ذاك لكم، فصاروا معهم بجمعهم حتّى ابلغوهم المأمن(2).

ومع ذلك قتلوا عبدالله بن خباب بن الارت ـ كما سوافيك بيانه في الفصل القادم ـ وبقروا بطن زوجته المتم.

وأمّا السياسة الحكيمة التي مارسها الإمام ازاء أعمالهم قبل تحركاتهم العسكرية فقد وقفت على رؤوسها، وإليك الإيعاز إليها ثانياً ليقع مقدمة للشرح والتبيين.

1 - تبيين موقفه في مسألة التحكيم، وانّه لم يكن راضياً به وفرض عليه بارهاب.

2 - التعامل معهم كسائر المسلمين.


1. التوبة: 6 .
2. المبرّد: الكامل 2/122 مكتبة المعارف بيروت، و ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 2/281، و المبرد متهم ـ عند ابن أبي الحديد ـ بالميل إليهم، و لكنا سبرناكامله، فلم نر شيئاً يدلّ عليه، غير انّه سرد تاريخهم و في بعض الموارد طعن بهم.


(89)

3 - بعث الشخصيات لارجاعهم عن غيّهم.

و إليك بيان كل ذلك.

1 - الإمام يبيّن موفقه من التحكيم:

قام الإمام بتبيين موقفه في مسألة التحكيم وانّه لم يكن ضلالا في نفسه ولا كان الإمام مخادعاً، فقال في بعض كلماته:

«فلم آت لا أباً لكم بُجْراً، ولا خَتَلْتُكم عن أمركم، ولا لبَّستُه عليكم، و إِنّما اجتمع رأي مَلَئِكُم على اختيار رجلين...»(1).

هذا نموذج من كلماته حول التحكيم حيث بيّن فيها موقفه في هذه المسألة و انّه كان طبق الكتاب و السنّة فلنكتف بذلك و لنرجع الى ما بقى من السياسة الحكيمة التي مارسها معهم.

2 - التعامل معهم كسائر المسلمين:

تعامل الإمام مع الخوارج كسائر المسلمين ولم ينقص من حقوقهم شيئاً مادام لم يشنّوا الحرب عليه، روى الطبري عن كثير الحضرمي قال: قام عليّ في الناس يخطبهم ذات يوم، فقال رجل من جانب المسجد: لا حكم إلاّ لله، و قام آخر فقال مثل ذلك، ثم توالى عدّة رجال يحكمون، فقال عليّ: الله أكبر كلمة حقّ يراد بها باطل أما انّ لكم عندنا ثلاثاً ما صحبتمونا: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه، و لانمنعكم الفيء مادامت أيديكم مع أيدينا، ولانقاتلكم حتّى تبدؤنا، ثمّ رجع إلى مكانه الذي كان من خطبته(2)


1. الرضي: نهج البلاغة، الخطبة 127.
2. الطبري: التاريخ 4/53 .


(90)

3 - بعث الشخصيات لإرجاعهم عن غيّهم:

قام الإمام بإرسال أكابر أصحابه رجاء هداية بعضهم، فبعث عبدالله بن عبّاس الى معسكرهم فجرى بينه و بينهم مفاوضات ذكرها المؤرّخون، قال المبرّد: إنّ أميرالمؤمنين لمّا وجّه إليهم عبدالله بن عبّاس ليناظرهم قال لهم: ما الذي نقمتم على أميرالمؤمنين، قالوا له: قد كان للمؤمنين أمير، فلمّا حكم في دين الله خرج من الإيمان، فليتب بعد اقراره بالكفر نَعُدْ إليه، قال ابن عباس: ما ينبغي لمؤمن لم يشب إيمانه بشك ان يقر على نفسه بالكفر، قالوا: إنّه حكّم، قال: إنّ الله أمر بالتحكيم في قتل صيد فقال: (يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدَل مِنْكُمْ)(1) فكيف في إمامة قد أشكلت على المسلمين؟ فقالوا إنّه حكم عليه فلم يرض، فقال: إنّ الحكومة كالإمامة، متى فسق الإمام وجبت معصيته، و كذلك الحكمان لمّا خالفا نبذت أقاويلهما، فقال بعضهم لبعض: اجعلوا احتجاج قريش حجّة عليهم، فإنّ هذا من الذين قال الله فيهم (بَلْ هُمْ قَومٌ خَصِمُونَ)(2) وقال جلّ ثناءه: (وَلتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدّاً)(3).

إنّ حوار ابن عباس معهم كان حجّة دامغة فقد احتجّ عليهم بالقرآن فما أجابوه بشيء .

والعجب انّهم كانوا يرون التحكيم على خلاف الكتاب و السنّة وانّ الرضا به بمنزلة الكفر، و مع ذلك كانوا يصرّون على انّه يجب على الإمام أن يخضع لنتيجة التحكيم، فإنّ الحكمين لمّا عزلاه عن مقام الحكومة يجب عليه التنازل. فما هذا التناقض بين المبدأ والنتيجة، والتحكيم عندهم كفر وزندقة ولكن


1. المائدة: 95 .
2. الزخرف: 58 .
3. مريم: 97 .


(91)

الأخذ بنتيجته عين التوحيد و التديّن، كل ذلك يعرب عن وجود العمى في القلوب و الصمم في الأسماع .

ثمّ انّ الإمام لم يكتف ببعث ابن عمه بل قام بنفسه بهذا الأمر الخطير، فركب علي ـ عليه السَّلام ـ إلى حروراء، فخاطبهم بقوله: ألا تعلمون أنّ هؤلاء القوم لمّا رفعوا المصاحف، قلت لكم إنّ هذه مكيدة ووهن، و انّهم لو قصدوا إلى حكم المصاحف لآتوني وسألوني التحكيم؟ أفتعلمون أنّ أحداً كان أكره للتحكيم منّي؟ قالوا: صدقت، قال: فهل تعلمون أنّكم استكرهتموني على ذلك حتى أجبتكم إليه، فاشترطت أنّ حكمهما نافذ ما حكما بحكم الله، فمتى خالفاه، فأنا و أنتم من ذلك براء، و أنتم تعلمون أنّ حكم الله لايعدوني، قالوا: الّلهم نعم، قال: و كان معهم في ذلك الوقت ابن الكواء (قال: و هذا من قبل أن يذبحوا عبدالله بن خباب، وانّما ذبحوه في الفرقة الثانية بـ «كسكره») فقالوا له: حكمت في دين الله برأينا ونحن مقرّون بأنّا كنّا كفرنا، و لكنّا الآن تائبون فَأَقِرّ بمثل ما أقررنا به، وتب ننهض معك إلى الشام، فقال: «أما تعلمون أنّ الله تعالى قد أمر بالتحكيم في شقاق بين رجل وامرأته»، فقال سبحانه: (فَابْعَثُوا حَكَمَاً مِنْ أهْلِهِ وحَكَمَاً مِنْ أهلِهآ) وفي صيد اصيب كأرنب يساوي نصف درهم فقال (يَحْكُمْ بِهِ ذَوا عَدْل مِنْكُمْ) .

فقالوا له: فإنّ عمراً لمّا أبى عليك أن تقول في كتابك: «هذا ما كتبه عبدالله علي أميرالمؤمنين» محوت اسمك من الخلافة و كتبت «علي بن أبي طالب» فقد خلعت نفسك، فقال: لي في رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ أسوة حين أبى عليه سهيل بن عمرو أن يكتب: «هذا كتاب كتبه محمّد رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ و سهيل بن عمرو» وقال له: لو أقررت بأنّك رسول الله ما خالفتك، ولكنّي اُقدمّك لفضلك، فاكتب «محمّد بن عبدالله»


(92)

فقال لي: يا علي، امح «رسول الله» فقلت: يا رسول الله لا تسخو نفسي على محو اسمك في النبوّة فقال: قفني عليه، فمحاه بيده، ثم قال: «اكتب محمّد بن عبدالله» ثم تبسّم إليّ وقال: يا عليّ، أما أنّك ستسامُ مثلها فتعطي، فرجع معه منهم ألفان من حروراء وقد كانوا تجمّعوا بها فقال لهم علي ـ عليه السَّلام ـ مانسميّكم؟ ثم قال: أنتم الحرورية، لاجتماعكم بحروراء(1).

وللامام خطبة اُخرى بيّن فيها شبهة الخوارج و أجاب عنها بشكل واضح، فمن أراد فليرجع إلى «نهج البلاغة» (2)

هذا بعض ما مارَسَه الإمام تجاه غيّهم و كلّها تكشف عن سعة صدره، وقوّة صبره، واخلاصه في الدين، و لكّن القوم تمادوا في طغيانهم و أعادوا في خواتيم أمرهم، ما تظاهروا به في بدء غوايتهم، غير انّهم لم يكتفوا به فأراقوا دماء طاهرة، فلم يكن بدّ للامام من قطع مادة الفساد، فما قام بالمواجهة المسلَّحة إلاّ بعدما بذل كل ما في وسعه من النصح و الإرشاد، و بعد أن بلغ السيل الزبى، فردّ الحجر من حيث جاء.

***


1. المبرّد: الكامل 2/135-136 ط مكتبة المعارف و له كلام معهم ذكره المبرّد أيضاً في 2/156. نأتي به عند محاكمة الأشعث فانتظر، ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 2/274-275.
2. نهج البلاغة، الخطبة 127 .