welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الملل والنحل/ج5 ( تاريخ الخوارج)*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الملل والنحل/ج5 ( تاريخ الخوارج)

(31)

قتال الناكثين

(1)

حرب الجمل

النكث في اللغة هو نقض البيعة والمراد من قتال الناكثين: قتال الشيخين: الزبير وطلحة اللّذين نكثا بيعة الإمام وتبعهما طوائف من الناس، بترغيب وترهيب، وكان بدأ الخلاف انّ طلحة والزبير جاءا إلى عليّ وقالا له: يا أميرَ المؤمنين قد رأيتَ ما كنّا فيه من الجفوة في ولاية عثمان كلّها، وعلمت رأي عثمان في بني اُميّة، وقد ولاّك الله الخلافة من بعده، فوّلنا بعضَ أعمالك، فقال لهما: إرضيا بقَسم الله لكم. حتى أرى رأيي، واعْلما أنَّي لا أشرك في أمانتي إلاّ مَن أرضى بدينه، وأمانته من أصحابي، ومن قد عرفت دخيلتَه .

فانصرفا عنه وقد دخلهما اليأس فاستأذناه في العمرة(1) .


1. ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، 1/231 ـ 232 .


(32)

خرجا من عنده وهما غاضبان ويحتالان للخروج عن بيعته ونكثها، وفي ذلك الظرف القاسي، وصل إليهما كتاب معاوية يدعوهما إلى نكث البيعة وأن أهلَ الشام بايعوا لهما إمامين مترتبين، فاغترّا بالكتاب(1) وعزما النكث بجد.

ثم دخلا على علىّ فاستاذناه في العمرة، فقال: ما العمرة تريدان، فحلفا له بالله انّهما ما يريدان غير العمرة، فقال لهما: ماالعمرة تريدان، وانّما تريدان الغدرة، ونكث البيعة، فحلفا بالله ما الخلاف عليه ولانكثَ بيعته يريدان وما رأيهما غير العمرة، فقال لهما: فأعيدا البيعة لي ثانية، فأعاداها بأشدّ مايكون من الأيمان والمواثيق، فأذنَ لهما فلمّا خرجا من عنده قال لمن كان حاضراً: والله لاترونهما إلاّ في فتنة يقتتلان فيها. قالوا: يا أميرالمؤمنين فمُرْ بردِّهما عليك.

قال: ليقضي الله أمراً كان مفعولا(2) .

خروج عائشة إلى مكة:

غادرت عائشة المدينة المنوّرة عندما حاصر الثوار بيت عثمان، ونزلت في مكة، ووصل خبر قتل الخليفة إليها وهي فيها، وكانت على تطلُّع إلى أين انتهت الثورة وإلى من آلت إليه الخلافة، فغادرت مكة إلى المدينة فلمّا نزلت

«سرف» لقيها عبد ابن اُمّ كلاب فقالت له: «مهيم»؟ قال: قَتَلوا عثمان فمكثوا ثمانياً، قال: ثم صنعوا ماذا؟ قال: إجتمعوا على علىّ بن أبي طالب، فقالت: و الله إنّ هذه انطبقت على هذه إن تمّ الأمر لصاحبك، رُدّوني رُدّوني، فانصرفت إلى مكّة وهي تقول: قتل والله عثمان مظلوماً، والله لأطلبنّ بدمه، فقال لها ابن اُمّ كلاب: ولم؟ فوالله إنّ أوّلَ من اَمالَ حرفه لأنت، ولقد كنت


1. تقدم نص الكتاب .
2. ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، 1/231 ـ 232 .


(33)

تقولين: اقتلوا نعثلا فقد كفر. قالت: إنّهم استتابوه، ثم قتلوه، ولقد قلت وقالوا، وقولي الأخير خير من قولي الأوّل، فقال لها: ابن اُمّ كلاب:

منك البداء و منك الغير * و منكَ الرياح و منكِ المطر

و انتِ أمرتِ بقتل الإمام * و قلتِ لنا أنّه قد كفر

فهبنا اطعناكَ في قتله * و قاتلُه عندنا مَنْ اَمَر

و لم يسقط السيف من فوقنا * ولم تنكسف شمسنا و القمر

فانصرفت إلى مكّة فنزلت على باب المسجد فقصدت الحِجْرَ وسترت، واجتمع إليها الناس فقالت: يا أيّها النّاس انّ عثمان قد قتل مظلوماً والله لأطلبّن بدمه(1).

ثم إنّ طلحة والزبير بعدما استأذنا عليّاً غادرا المدينة ونزلا مكة، وكانت بينهما وبين عائشة صلة وثيقة يتآمرون ضد عليّ فلمّا بلغ عليّاً مؤامرة الزبير وطلحة وانّهما نكثا ايمانهما وعلى أهبة المكافحة معه، أشار بعض أصحابه أن لايتبعهما فأجاب علي بقوله: «والله لاأكون كالضبع تَنام على طول اللّدم، حتى يصلَ إليها طالبها، ويختلها راصدها، ولكن أضرب بالمقبل إلى الحق، المدبَر عنه، وبالسامع المطيع، العاصي المريب أبداً، حتى يأتي عليّ يومي»(2) .

مغادرة الشيخين وعائشة مكة:

اتّفق المؤامرون ومعهم جماعة من أعداء الامام، على أن يرتحلو إلى البصرة، ويّتخذوها مقرّاً للمعارضة المسلّحة.


1. ابن قتيبة: الإمامة والسياسة 1/49. الطبري: التاريخ 3/477 .
2. الرضي: نهج البلاغة، خطبة 6 .


(34)

وقد كان عبدالله بن عامر، عامل عثمان على البصرة، هربَ منها حين أخذ البيعة لعلي بها على الناس، جاريةُ بن قدامة السعدي، ومسير عثمان بن حنيف الأنصاري إليها على خراجها من قِبَلِ علىّ .

وانصرف عن اليمن عاملُ عثمان وهو يعلى بن متيه فأتى مكّة وصادف بها عائشه وطلحة والزبير ومروان بن الحكم في آخرين من بني اُميّة، فكان ممّن حرّض على الطلب بدم عثمان وأعطى عائشة وطلحة والزبير أربع مائة ألف درهم وكراعاً وسلاحاً وبعث إلى عائشة بالجمل المسمّى «عسكرا». وكان شراؤه عليه باليمن مائتي دينار فأرادوا الشام فصدَّهم ابن عامر، وقال لهم: إنّ معاوية لا ينقاد اليكم ولايعطيكم من نفسه النصفة، لكن هذه البصرة لي بها صنائع وعدد.

فجهّزهم بألف ألف درهم، ومائة من الابل وغير ذلك، فسار القوم نحو البصرة في ستمائة راكب، فانتهوا في الليل إلى ماء لبني كلاب، يعرف بـ«الحوأب» عليه اُناس من بني كلاب فعوت كلابهم على الركب، فقالت عائشة: ما اسم هذا الموضع؟ فقال لها السائق لجملها: «الحوأب»، فاسترجعتْ، وذكرت ما قيل لها في ذلك(1) وقالت: رُدّوني إلى حرم رسول الله، لاحاجة لي في المسير، فقال الزبير: تالله ما هذا «الحوأب»، ولقد غلط في ما أخبرك به، وكان طلحة في ساقة الناس فلحقها فأقسم بالله إنّ ذلك ليس بالحوأب وشهد معهما خمسون رجلا ممّن كان معهم .

فأتوا البصرة فخرج إليهم عثمان بن حنيف فمانعهم وجرى بينهم قتال، ثم إنّهم اصطلحوا بعد ذلك على كفِّ الحرب إلى قدوم علىّ، فلمّا كان في


1. ورد في حديث روته عائشة، قالت: سمعت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ يقول وعنده نساؤه: ليت شعري ايتكنّ تنبحُها كلابُ الحوأب سائرة إلى الشرق في كتيبة!


(35)

بعض الليالي، بيّتوا عثمانَ بن حنيف فأسَروَه وضربوه ونتفوا لحيته، ثم إنّ القوم استرجعوا وخافوا على مخلَّفيهم بالمدينة من أخيه: سهل بن حنيف وغيره من الأنصار، فخلوا عنه وأرادوا بيت المال فمانعهم الخُزّان والموكّلون به فقتل منهم سبعون رجلا من غير جرح، وخمسون من السبعين ضربت أعناقهم صبراً من بعد الأسر، وقتلوا حكيم بن جبلة العبدي وكان من سادات عبد القيس، وزهّاد ربيعة ونُسّاكها و تشاح طلحة والزبير في الصلاة بالنّاس، ثمّ اتّفقوا على أن يصلّي بالناس عبدالله بن الزبير يوماً ومحمّد بن طلحة يوماً في خطب طويل كان بين طلحة والزبير.

مسير علي إلى جانب البصرة:

وقف الامام على أنّ المتآمرين خرجوا من مكّة قاصدين البصرة، فاهتم الامام بايقافهم في الطريق قبل الدخول إليها فسار من المدينة بعد أربعة أشهر من بيعته في سبعمائة راكب، منهم أربعمائة من المهاجرين والأنصار، منهم سبعون بدريّاً وباقيهم من الصحابة، وقد كان استخلف على المدينة سهل بن حنيف الأنصاري، فانتهى إلى الربذة بين مكّة والكوفة، وكان يترقّب إلقاء القبض على رؤوس الفتنة قبل الدخول الى البصرة، لكن فاته ما يترقّب لأنّهم سبقوا الامام في الطريق ولحق بعلي من أهل المدينة، جماعة من الأنصار، فيهم خزيمة بن ثابت ذوالشهادتين وأتاه من طىّ ستمائة راكب(1) .

خرج عثمان بن حنيف من البصرة، وقدم على علي ـ عليه السَّلام ـ بالربذة، وقد نتفوا رأسه ولحيته وحاجبيه، فقال: يا أميرالمؤمنين بعثتني ذا لحية،


1. المسعودي: مروج الذهب 3/103 ـ 104 طبعة بيروت. الطبري: التاريخ 3/485. واللفظ للأوّل، وفي لفظ الطبري زيادات تركناها روماً للاختصار.


(36)

وجئتك أمرد، فقال: أصبتَ خيراً وأجراً(1) .

واتصلت بيعة علي بالكوفة: وغيرها من الأنصار، وكانت الكوفة أسرعها إجابة إلى بيعته، وأخذ له البيعة على أهلها ـ على كره ـ أبوموسى الأشعري حين تكاثر الناس عليه، وكان عاملا لعثمان عليها(2) .

لمّا وقف الامام على ماجرى على عثمان بن حنيف وحَرَسِه، بعثَ بعض أصحابه بكتاب إلى أبي موسى الأشعري يطلب منه استنهاضه للناس، ولكنّه تهاون في الأمر ولم يَقُم بواجبه بعدما أخذ البيعة له، واعترف بإمامته، وقال للناس: إنّها فتنة صمّاء، النائم فيها خير من اليقضان، واليقظان فيها خير من القاعد، والقاعد خير من القائم، والقائم خير من الراكب، فكونوا جرثومة من جراثيم العرب، فاغمدوا السيوف، وانصلوا الأسنَّة، واقطعوا الأوتار، وآووا المظلوم و المضطهد حتى يلتئم هذا الأمر، وتتجلّى هذه الفتنة.

ولّما بلغ عليّاً خذلان أبي موسى الأشعري، وانّه يصف محاربة الناكثين بالفتنة، بعث هاشم بن هاشم المرقال وكتب الى أبي موسى: «إنّي لم اُولِّك الذي أنت به إلاّ لتكونَ من أعواني على الحق....»

وكان أبوموسى من أوّل الأمر عثمانّي الهوى وقد أخذ البيعة لعلي على الناس بعد اكثار الناس عليه ـ كما تقدم ـ فلأجل ذلك بقى على ما كان عليه من الحياد، ولم يُنهِض الناس، واستشار السائب بن مالك الأشعري فأشار هو باتباع الإمام ومع ذلك لم يقدم عليه(3) .

فكتب هاشم إلى علىّ، امتناع أبي موسى من الاستنفار.


1. الطبري: التاريخ 3/495 .
2. المسعودي: مروج الذهب 3/97 .
3. الطبري: التاريخ 3/503 .


(37)

ولمّا تمّت الحجة عند الإمام انّ الرجل ليس على وتيرة صحيحة، عزله عن منصبه فولّى على الكوفة قرظة بن كعب الأنصاري و كتب إلى أبي موسى اعتزل عملنا يا بن الحائك مذموماً مدحوراً، فما هذا أوّلُ يومنا منك و انّ لك فينا لهنات وهنات.

وسار علي فيمن معه حتى نزل بذي قار وبعث بابنه الحسن وعمار بن ياسر إلى الكوفة يستنفران الناس، فسارا عنها و معهما من أهل الكوفة نحو من سبعة آلاف، وقيل ستة آلاف وخمسمائة وستون رجلا منهم الأشتر.

فانتهى علي إلى البصرة وراسل القوم وناشدهم فأبوا إلاّ قتاله(1) .

قد وصلنا إلى أعتاب الحرب الطاحنةِ المعروفة بحرب «الجمل» وقبل الخوض في تفصيلها نشير إلى نكات تستفاد فيما سردناه من المقدمات، ثم نخوض في صلب الموضوع حسب اقتضاء المقام.

1 ـ إنّ الزبير و طلحة بايعا عن طوع ورغبة ولكن بايعا لبغية دنيوية وطمعاً في المال و المقام، ولم يمض زمان من بيعتهما إلاّ وقد أتيا عليّاً يسألانه اشتراكهما في بعض أعماله، وكان لهما هوى في ولاية الكوفة والبصرة، وكانت ديانة علي ـ عليه السَّلام ـ تصدّه عن الاجابة، إذ لم يكونا صالحين لما يطلبانه، وقد أثبتا ذلك ـ قبل اشعال نار الحرب ـ بنكثهما وتحريضهما الناس على النكث وقتلهم الأبرياء من الموكّلين وحرس بيت المال، وقد انتهى الأمر بسفك دماء آلاف من المسلمين.

كل ذلك يعرب عن أنّ مقاومة علي، تجاه طلبهما كانت أمراً صحيحاً يرضي به الربّ ورسوله، ولم يكن لعلي هوى إلاّ رضى الله سبحانه ورضى رسوله.


1. المسعودي: مروج الذهب 3/104 .


(38)

2 - إنّ أباموسى الأشعري الذي قلَّب الاُمور على علىّ في قضية التحكيم،

كان من أوّل الأمر غير راض ببيعة الإمام ولم يأخذ البيعة له إلاّ بعد اكثار الناس، ولمّا أمره الإمام باستنهاض الناس و استنفارهم خذَّل الناس عن علي .

والعجب انّه كان يتمسّك في نفس الواقعة برواية سمعها من النبي أنّه قال: ستكون فتنة: القاعد فيها خير من النائم، والنائم خير من الماشي، والماشي خير من الراكب(1) .

نحن نفترض أنّه سمع من النبي ذلك الكلام، ولكّنه هل يمكن له تسمية مبايعة المهاجرين و الأنصار فتنة، فلو صحّ ذلك ـ ولن يصحّ حتى لو صحّت الأحلام ـ لماذا لاتكون مبايعتهم السابقين من الخلفاء فتنة، يكون القاعد فيها خيراً من القائم، مع أنّ أبي موسي كان فيها من القائمين، وقد قبل الولاية في عصر الخليفتين، الثاني والثالث، حتى اعتنق بيعة الإمام بعد اكثار الناس.

ومن بايع رجلا على الإمامة والقيادة، كان عليه الذبّ عن إمامه و حياض سلطته.

3 ـ إنّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ أشار بقوله: «فما هذا أوّل يومنا منك و أنّ لك فينا لهنات و هنات» إلى الجناية التي سوف يرتكبها أبوموسى في قضية التحكيم حيث يخلع عليّاً عن الإمامة والخلافة كما سيوافيك تفصيله.

4 ـ إنّ في منازعة الشيخين: الزبير وطلحة في أمر جزئي كالإمامة في الطلاة، يعرب عن طويتهما وما جبّلا عليه من التفاني في الرئاسة، انظر إلى الرجلين يريدان أن يقودا أمر الجماعة ويكونا امامان للمسلمين وهذه نزعتهما.


1. الطبري: التاريخ 3/498 .


(39)

على أعتاب حرب الجمل:

سار عليّ حتى نزل الموضع المعروف بالزاوية، فصلّى أربع ركعات، وعفر خدّيه على التراب وقد خالط ذلك بدموعه ثم رفع يديه يقول: اللّهمّ ربَّ السماوات وما أظلّتْ، وربّ العرش العظيم، هذه البصرة، أسألك من خيرها، وأعوذبك من شرّها، اللّهمّ انزلنا فيها خير منزل، وأنت خير المنزلين، اللّهمّ إنّ هؤلاء القوم قد بغوا علىّ وخلعوا طاعتي ونكثوا بيعتي، اللّهمّ أحقن دماء المسلمين .

ثمّ بعث إليهم من يناشدهم الله في الدماء، وقال: «علام تقاتلونني؟» فأبوا إلاّ الحرب، فبعث إليهم رجلا من أصحابه يقال له مسلم، معه مصحف يدعوهم إلى الله تعالى فرموه بسهم فقتلوه، فحمل إلى علي قتيلا .

فأمر عليّ أصحابه أن يصافوهم ولايبدؤهم بقتال ولايرموهم بسهم، ولايضربوهم بسيف، ولايطعنوهم برمح. حتى جاء عبدالله بن بديل بن ورقاء الخزاعي من الميمنة بأخ له مقتول، وجاء قوم من الميسرة برجل قد رمي بسهم فقتل، فقال عليّ: اللّهمّ اشهد. أعذروا إلى القوم، ثم قام عمّار بن ياسر بين الصفّين فقال: أيّها القوم ما أنصفتم نبيّكم حين كفقتم عقائلكم في الخدور، وأبرزتم عقيلته للسيوف، وعائشة على الجمل في هودج من دفوف الخشب، قد ألبسوه المسوحَ وجلودَ البقر، وجعلوا دونه اللبود، وقدغشى على ذلك بالدروع، فدنا عمّار من موضعها فناداها: إلى ماذا تدعين؟ قالت: إلى الطلب بدم عثمان، فقال: قاتل الله في هذا اليوم الباغيَ و الطالبَ لغير الحق، ثم قال: أيّها النّاس إنّكم لتعلمون أيّنا الممالى في قتل عثمان، ثم أنشأ يقول وقد رشقوه بالنبال:

فمنكِ البكاء و منكِ العويل * و منكِ الرياح و منكِ المطر


(40)

و أنت امرتَ بقتل الإمام * و قاتله عندنا من امر

وتواتر عليه الرمي فاتصل فحّرك فرسه، وزال عن موضعه وأتى عليّاً ـ عليه السَّلام ـ فقال: ما تنظر يا أمير المؤمنين وليس عند القوم إلاّ الحرب .

خطبة علي يوم الجمل:

فقام علي في الناس خطيباً ورافعاً صوته يقول: أيّها النّاس إذا هَزَمتموهم فلا تُجْهِزوا على جريح ولاتَقْتلوا أسيراً، ولاتتبعوا مولّياً، ولاتطلبوا مُدْبراً، ولاتكشفوا عورة ولاتمثلوا بقتيل، ولاتهتكوا ستراً، ولاتقربوا شيئاً من أموالهم إلاّ ما تجدونه في عسكرهم من سلاح، أوكراع، أوعبد أو أمة، وما سوى ذلك فهو ميراث ورثتهم على كتاب الله .

ثمّ إنّ عليّاً نادى كلاّ من الزبير وطلحة وكلّمهما وأتمّ عليهما الحجة فقال للأوّل: أما تذكر قول رسول الله عندما قلت له: اِنّي أحبُّ عليّاً، فأجابك إنّك والله ستقاتله وأنت له ظالم، وقال للثاني: أما سمعت قول رسول الله يقول: الّلهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه، وأنت أوّل من بايعتني ثم نكثت، وقد قال الله عزوجل:(فَمَنْ نَكَثَ فَإنَّما يَنْكِثُ عَلى نَفْسِهِ) .

ثمّ رجع علي إلى موضعه، وبعث إلى والده محمّد بن الحنفية وكان صاحب رايته وقال: «احمل على القوم» فلم يرمنه النجاح والظفر فأخذ الراية من يده، فحمل و حمل الناس معه فما كان القوم إلاّ كرماد اشتدَّت به الريح في يوم عاصف وأطاف بنوضبّة بجمل عائشة وأقبلوا يرتجزون.

نحن بنوضبَّة اصحابَ الجمل * رُدّوا علينا شيخنا ثم بجل

ننعي ابن عفان باطراف الأسل * والموت أحلى عندنا من العسل


(41)

وقطع على خطام الجمل سبعون يداً من بني ظبّة، منهم: كعب بن سور القاضي، كلّما قطعت يد واحد منهم فصرع، قام آخر فأخذ الخطام، ورمي الهودج بالنبل، حتى صار كأنّه قنفذ، وعُرْقبَ الجمل ولمّا سقط ووقع الهودج، جاء محمّد بن أبي بكر فأدخل يده، فقالت: «من أنت؟» فقال: أخوك، يقول أمير المؤمنين هل أصابك شيء، قالت: «ما أصابني إلاّ سهم لم يضرَّني» فجاء علي حتى وقف عليها و ضرب الهودج بقضيب وقال: «يا حميراءُ أرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ أمركِ بهذا، ألم يأمركِ أن تقرّي في بيتكِ، والله ما أنصفكِ الذين أخرجوك إذ صانوا حلائلهم، وأبرزوك» وأمر أخاها محمداً، فأنزلها دار صفيّة بنت الحارث بن طلحة .

ولمّا وضعت الحرب أوزارها جهّز علي ـ عليه السَّلام ـ عائشة للخروج إلى المدينة فقالت له: «إنّي اُحبّ أن اُقيم معك فأسير إلى قتال عدوّك عند مسيرك» فقال: «ارجعي إلى البيت الذي تركك فيه رسول الله» فسألته أن يؤمّن ابن اختها عبدالله بن الزبير، فأمَّنه، وتكلّم الحسن و الحسين في مروان، فأمَّنه، وأمّن الوليد بن عقبة، وولد عثمان و غيرهم من بني اُميّة و أمّن الناس جميعاً، وقد كان نادى يوم الوقعة «مَنْ ألقى سلاحه فهو آمن، و من دخل داره فهو آمن» .

وكانت الوقعة في الموضع المعروف بالخريبة و ذلك يوم الخميس لعشر خلون من جُمادى الآخرة سنة 36 وخطب على الناس بالبصرة بخطبة، وقد قتل فيها، من أصحاب علي ـ عليه السَّلام ـ خمسة آلاف و من أصحاب الجمل ثلاثة عشر ألف رجل، وكان بين خلافة علي ووقعة الجمل خمسة أشهر وواحد وعشرون يوماً .

وولّى على البصرة، عبدالله بن عباس، وسار إلى الكوفة فدخل إليها في


(42)

الثاني عشر من رجب شهور سنه 36 (1) .

ولكن الإمام عبده، نقل انّه قتل سبعة عشر ألفاً من أصحاب الجمل و قتل من أصحاب علي ألف و سبعون (2) .

وعلى كل تقدير فهذه الضحايا كانت خسارة عظيمة في الإسلام، وقد عرقلت خطاه، وشلّت الزحوف الإسلامية في أوّل عهدها في الفتوح، ولولا هذه الحروب الداخلية، لكان للعالم حديث غير هذا، ولو كان الإمام هو القابض لزمام القيادة في جو هادىء، لكان الوضع السائد على الإسلام، غيرما هو المشاهد ـ وياللأسف ـ .

«ما كلّ ما يتمنّى المرء يدركه» .

وقد حفظ التاريخ من الامام يوم ذاك عواطف سامية وسماحة ورحب صدر على حدّ لم يسبق إليه أحد، غير النبي الأكرم ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ عندما فتح مكّة، فلم يأخذ من أهل البصرة شيئاً سوى ما حواه العسكر. و كان هناك جماعة يصرّون على أن يأخذ الامام منهم، عبيداً وإماءً فاسكتهم الإمام بقول: أيّكم يأخذ اُمّ المؤمنّين في سهمه (3). وقد علّم الامام بسيرته كيفيّة القتال مع البغاة من أهل القبلة.


1. المسعودي: مروج الذهب 3/107 ـ 117. بتلخيص: لاحظ الطبري: التاريخ 3/543 .
2. الإمام عبده: شرح نهج البلاغة 40 .
3. وسائل الشيعة 11/59 ـ 60 .


(43)

قتال القاسطين

(2)

حرب صفّين

قد تعرفت على أنّ النبي الأكرم أخبر عليّاً بأنّه سيقاتل القاسطين بعد الناكثين، وقد وقفت على مأساة حرب الناكثين وعرفت نواياهم وجناياتهم عن كثب، التي ارتكبوها في طريق ألتسنُّم على عرش القيادة، وأراقوا دماء بريئة حتى يُسمُّوا أمير المؤمنين وما أجرأهم على حرمات الله وماأشقاهم.

هلم معي نقرأ مأساة قتال القاسطين الذين حادوا عن الحق، والطريق المهيع، وحاربوا الإمام المفترض طاعته، يقودهم معاوية بن أبي سفيان ابن آكلة الأكباد، ولاغرو فإنّ أباه هو العدوّ الأوّل للنبي الأكرم ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ الذي حزّب الأحزاب على الإسلام و المسلمين .


(44)

الخلافة كانت الامنية القصوى لمعاوية:

إنّ الخلافة كانت اُمنية في نفس معاوية، ولكن تقلُّدَ الإمام للخلافة، أفسد عليه الأمر، ولم يكن باستطاعته منافسة الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ ولأجل ذلك حاول إحداث الصدع في صفِّ الاُمّة، فأطمع الشيخين في طلب الخلافة، وقد قُتِلا خائبين فلم يَجد مناصاً إلاّ أن يقوم في وجه الامام تحت ستار أخذ ثأر الخليفة المظلوم.

كان معاوية ـ يطلب من الإمام ـ طول محاربته ـ اقراره على ولاية الشام كاقرار الخليفتين له حتى يُسلِّم له الأمر و يعترف بخلافته، ولكن الإمام عليّاً لم يرض ببقائه في الحكم لعلمه بسوء عمله خلال ولايته .

وقد أشار إلى ابقائه المغيرة بن شعبة، وقال: واترك معاوية، فإنّ لمعاوية جرأة فهو في أهل الشام يُسمع منه ولك حجة في اثباته لأنّ عمر بن الخطاب ولاّه الشام كلّها، ولكن الإمام لم يقبل اقتراحه، وقال: «لا و الله لا استعمل معاوية يومين أبداً»(1) .

بعث الإمام جريراً إلى ولاية الشام ليأخذ منه البيعة، فأتى معاويةُ جريراً في بيته فقال: يا جرير إنّي قد رأيت رُؤياً، فقال: هات، قال: اكْتُب إلى صاحبك ليجعل لي الشام و مصر، جباية، فإذا أحضرته الوفاة لم يجعل لأحد بعده بيعة في عنقي، واُسلِّم له هذا الأمر واكْتُبُ إليه بالخلافة، فقال جرير: اكتب بما أردت، فكتب معاوية بذلك إلى علي، فلمّا وصل كتاب جرير مع كتاب معاوية، فكتب علي إلى جرير: أمّا بعد فإنّما أراد معاوية أن لا يكون لي في عنقه بيعة، وأن يختار من أمره ما أحبَّ(2)، وأراد أنْ يريّثك حتى يذوق أهل الشام،


1. الطبري: التاريخ 3/461 .
2. سيأتي التصريح بذلك في كتاب معاوية إلى الإمام قرب ليلة الهرير، والامام تفطّن بذلك بنور الله الذي ينظر به المؤمن .


(45)

وأنّ المغيرة بن شعبة قد كان أشار عليّ أن استعمل معاوية على الشام وأنا بالمدينة، فأبيت ذلك عليه ولم يكن الله يراني أتّخذ المضلّين عضداً، فإن بايعك الرجل، وإلاّ فاقبل (1).

كتب معاوية إلى علي مرة اُخرى قبل ليلة الهرير بيومين أو ثلاثة يسأله اقراره على الشام، وذلك انّ عليّاً قال: لاُناجزنَّهم مصبحاً، و تناقل الناس كلمته، ففزع أهلُ الشام لذلك، فقال معاوية: قد رأيت أن اعاوِدَ عليّاً وأسأله اقراري على الشام، فقد كنت كتبت إليه ذلك، فلم يجب إليه ولاُكْتُبنّ ثانية، فألقي في نفسه الشك و الرقّة، فكتب إليه:

«أمّا بعد....وقد كنت سألتك الشام على الاّ تلزمني لك بيعة و طاعة، فأبيت ذلك عليّ فأعطاني الله مامنعت وأنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه أمس...» .

فكتب في جوابه: «...وأمّا طلبك إليّ الشام فإنّي لم أكن لاُعطيك اليوم مامنعتك أمس»(2) .

هذه الكتب وغيرهما من القرائن والشواهد، تعرب عن أنّ الغاية الوحيدة لابن أبي سفيان، هو الولاية على الشام وبقاؤه في الحكم، مادام عليّ على قيد الحياة، ثم السيطرة على جميع البلاد الاسلامية، وأمّا طلب ثأر عثمان، والقصاص من قتلته، فكلّها كانت واجهة لما كان يضمره ويخفيه، ولأجل ذلك نرى أنّه لمّا تمّ الأمر لصالحه، تناسى قتلة عثمان وتناسى الأخذ بثأره، وليس هذا ببعيد من الساسة الذين لا يتحلون بالمبدئية في سلوكهم، ويرفعون عقيرتهم بشعارات خادعة من أجل تحقيق أطماعهم الشخصية.


1. نصربن مزاحم: وقعة صفين 52 .
2. ابن قتيبة: الإمامة و السياسة 1/109. ابن مزاحم: وقعة صفين 470 .


(46)

وبذلك تقف على مؤامراته وخططه الشيطانية، حيث كان شعاره منذ أن خالف: يالثارت عثمان.

وقد ردّ الإمام عليه في بعض كتبه إليه وفي بعضها مانصّه:

«قد أكثرت في قتلة عثمان، فادخل فيما دخل الناس، ثم حاكم القوم إليّ، أحْمِلُك وإيّاهم على كتاب الله» (1).

إلى هنا خرجنا بهذه النتيجة أنّ الاُمنية الكبرى لمعاوية من تسعير نار الحرب، هو البقاء على السلطة، وتقلّد الخلافة العامة بعد علي، ولم يكن له أيّ إربة في مايدعيه، وينشره من أخذ الثأر وغيره، فلزم عندئذ أن نتعرّف على خططه في تلك الحرب الطاحنة التي سعّرها بأنانّية .

مخططات معاوية:

كانت صحابة النبي الأكرم من أوّل يوم تُقلِّد الإمام علي الخلافة، وراءه يؤّيدونه بألسنتهم وأيديهم، إلانفر قليل لم يبايعوه وهم لايتجاوزن عدد الأصابع(2) ولم يكن لمعاوية ما كان لعلي من السبق في الإسلام، والجهاد في سبيل الله، والقرابة الوثيقة من النبي الأكرم، فلم يكن له بدّ من التخطيطات الشيطانية حتى يقف سدّاً في وجه علي، وإليك تخطيطاته:

1ـ الاتصال بعمرو بن العاص:

أنّ عمروبن العاص، كان داهية العرب، وقد اتّصل به معاوية وكان منحرفاً عن عثمان لأنّه عزله عن ولاية مصر، وولاّها غيره، فلمّا بلغ إليه خبر


1. الرضي: نهج البلاغة، قسم الكتب برقم 64. المبرّد: الكامل 1/194 .
2. ابن الأثير: الكامل 3/98 وقد ذكر أسماءهم.


(47)

بيعة الناس لعلي، كتب إلى معاوية يهزِّه ويشير إليه بالمطالبة بدم عثمان، وكان فيما يكتب به إليه: «ما كت صانعاً إذا قُشِرْتَ من كل شيء تملكه؟ فاصنَع ما أنت صانع» فبعث إليه معاوية فسار إليه، فقال له معاوية: بايعني، قال: «لا والله لا اُعطيك من ديني(1) حتى أنال من دنياك». فقال: «سل»، قال: «مصر طعمة»، فأجابه إلى ذلك وكتب له به كتاباً، فقال عمروبن العاص في ذلك:

معاوي لا اُعطيك ديني ولم أنل * به منك دنياً فانظرن كيف تصنع

فإن تعطني مصراً فأربح بصفقة * أخذت بها شيخاً يضرّ وينفع(2)

2ـ قميص عثمان المخضَّب بالدم:

قدم النعمان بن بشير بكتاب زوجة عثمان وقميصه المخضَّب بالدم، إلى معاوية فلمّا قرأ معاوية الكتاب صعد المنبر وجمع الناس، ونشر عليهم القميص، وذكر ماصنعوا بعثمان، فبكى الناس وشهقوا حتى كادت نفوسهم أن تزهق، ثم دعاهم إلى الطلب بدمه، فقام إليه أهل الشام، فقالوا: هو ابنُ عمِّك وأنت وليّه، ونحن الطالبون معك بدمه... فبايعوه أميراً وبعث الرسل إلى كور الشام، حتى بايعه الشاميون قاطبةً إلاّ من عصمه الله(3).

3ـ الاستنصار بالشخصيات المرموقة:

وجّه عليّ عند مغادرته البصرة إلى الكوفة كتاباً إلى معاوية يدعوه إلى


1. اظن انّ الرجل باع مالا يملك ولم يكن له أيّ دين في ذاك اليوم، وقد نهى رسول الله عن بيع مالا يملكه الرجل. و قال: لاتبع ماليس عندك.
2. المسعودي: مروج الذهب 3/98. الطبري: التاريخ 3/560.
3. ابن الاثير: الكامل 3/141. ذكر ابتداء وقعة صفّين .


(48)

بيعته ويذكر فيه اجتماع المهاجرين والأنصار على بيعته، ونكث طلحة والزبير، وماكان من حربه إيّاهما ويدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه المهاجرون والأنصار من طاعته (1).

ولمّا قرأ معاوية كتاب علي استشار عمروبن العاص، فأشار إليه بقوله: «إنّ رأس أهل الشام شرحبيل بن السمط الكنديّ، وهو عدو لجرير المرسَل إليك، فارسل إليه و وطّن له ثقاتك فليفشوا في الناس أنّ علياً قتل عثمان وليكونوا أهل الرضا عند شرحبيل فإنّها كلمة جامعة لك أهل الشام على ما تحب، وإن تعلّقت بقلب شرحبيل لم تخرج منه بشيء أبداً».

فكتب معاوية إلى شرحبيل انّ جرير بن عبدالله قدِم علينا من عند عليّ بن أبي طالب بأمر فظيع، فاقبل .

فلمّا قدم كتابُ معاوية على شرحبيل وهو بحمص، استشار أهلَ اليمن (المتواجدين في حمص) فاختلفوا فيه ولكن عبدالرحمن بن غنم الأزدي أشار إليه بقوله: «إنّ الله لم يزل يزيدك خيراً مذ هاجرت إلى اليوم، وانّه لا ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من النّاس، (و لايُغيِّر الله ما بِقَوْم حتّى يُغَيّروا ما بِاَنْفُسِهِم)، إنّه قد اُلقِىَ إلينا قتل عثمان وانّ عليّاً قتل عثمان، فإن يك قَتَله فقد بايعه المهاجرون والأنصار وهم الحُكّام على الناس، وإن لم يكن قتله فعلام تصُدِّق معاوية عليه، لا تُهْلِك نفسك وقومك، فان كرهت أن يذهب بحظِّها جرير، فسر إلى عليّ، فبايعه على شامك وقومك، فأبى شرحبيل إلاّ أن يسير إلى معاوية.

لم يكن عبدالرّحمن بن غنم الأزدي الرجل الوحيد الذي نصحه بل اجتمع هو مع جرير، فقال له جرير أمّا قولك إنّ عليّاً قتل عثمان، فوالله ما في


1. الطبري: التاريخ 3/560 ـ 561 .


(49)

يديك من ذلك إلاّ القذف بالغيب من مكان بعيد ولكنّك مِلْتَ إلى الدنيا(1).

كان مبعوث الإمام يحاول أن يرد شرحبيل عن دَعْم فكرة معاوية، فكتب إليه أيضاً كتاباً ضمَّنه قصيدة، فلمّا قرأه شرحبيل ذعر وفكَّر وقال: هذه نصيحة لي في ديني ودنياي، والله لاأعجل في هذا الأمر بشيء.

فلمّا بلغ معاوية تردّد زاهد الشام وناسكه لفَّف له الرجال، يدخلون إليه ويخرجون ويُعظِّمون عنده قتل عثمان، ويرمون به عليّاً ويقيمون الشهادة الباطلة، والكتب المختلقة، حتى أعادوا رأيه وشحَّذُوا عزمه، وصار معاوية يملك قلوب الشاميين بواسطة هذا الرجل المتخّبط، ولمّا استنهضهم للقتال قاموا جملة واحدة.

4ـ رسائل معاوية إلى الشخصيات:

قام معاوية بإرسال رسائل إلى شخصيات إسلامية كانوا محايدين، فكتب إلى عبدالله بن عمر، وسعد بن أبي وقّاص، ومحمّد بن مسْلمة، يدعوهم إلى الثورة على علي، فكتب إلى ابن عمر بقوله: «لم يكن أحد من قريش أحبَّ إليّ أن يجتمع عليه الأُمّة بعد قتل عثمان منك، ثم ذكرتُ خَذْلك إياه، وطعنَك على أنصاره، فتغيّرتُ لك، وقد هوَّن ذلك عليَّ خلافُك على عليّ، ومَحا عنك بعض ما كان مَنك، فأعِنَّا يرحمك الله ـ على حق هذا الخليفة المظلوم، فإنّي لست اُريد الإمارة عليك، ولكنّي اُريدها لك، فإن أبيت كانت شورى بين المسلمين.(2)

وكتب إلى سعد بن أبي وقّاص: أمّا بعد فإنّ أحق الناس بنصرة عثمان، أهل الشام والذين أثبتوا حقَّه واختاروه على غيره (3) وقد نصره طلحة والزبير،


1. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 45 ـ 48 .
2. نفس المصدر: 80 .
3. يريد بذلك سعد بن أبي وقاص حيث نصر عثمان في الشورى المعقوده لتعيين الخليفة بعد قتل عمر، بأمره .


(50)

وهما شريكاك في الأمر والشورى، وناظراك في الاسلام...

وكتب إلى محمّد بن مسلمة يتّهمه بخذلان عثمان ويقول «....فهّلا نهيتَ أهلَ الصلاة عن قتل بعضهم بعضاً أوترى أنّ عثمان وأهل الدار ليسوا بمسلمين....»(1) .

فهذه الاُمور تعرب عن تخطيطاته الخادعة التي حفظ التاريخ بعضها فكان يُعْمِي الأبصار والقلوب بأكاذيبه ورسائله، فتارة يبايع الزبير وطلحة، ولمّا فشل أمرهما، صار يُقدِّم عبدالله بن عمر في أمر الخلافة لولا أنّه خذل عثمان ولم ينصره، كل ذلك لعكر الصفو وإحداث الصدع.

إنّ ابن عمر ـ مع سذاجته ـ وقف على نوايا معاوية، فكتب إليه بكلمة صادقة، و قال: ما أنا كعلي في الإسلام، والهجرة، ومكانه من رسول الله.

ويجيب سعد بن أبي وقّاص رسالة معاوية بقوله: إن أهل الشورى ليس منهم أحقُّ بها من صاحبه غير أنّ عليّاً كان من السابقة، ولم يكن فينا مافيه، فشاركنا في محاسننا، ولم نشاركه في محاسنه، وكان أحقَّنا كلّنا بالخلافة.

ويجيب محمّد بن مسلمة، كتاب معاوية ويفشي سرّه ويقول بعد كلام: «ولئن نصرتَ (يا معاوية) عثمان ميّتاً، لقد خذَلْته حيّاً» (2) .

جهود علي ومساعيه لإخماد الفتنة:

بلغ عليّاً سعي معاوية لإثارة الفتنة بنشر الأكاذيب بين الشاميين وتعمية القلوب، فعمد إلى إخمادها قبل اشتعالها وكان الإمام على بيّنة من ربّه، وكيف لا وهو الإمام المنتخب ببيعة الأنصار والمهاجرين، والخارج عليه، خارج على


1. ابن قتيبة الدينوري: الإمامة والسياسة 1/92 ـ 93 .
2. ابن قتيبة الدينوري: الإمامة والسياسة 1/93 ـ 94 .


(51)

الإمام المفترض الطاعة(1) فلمّا أراد المسير إلى الشام جمع من كان حوله من المهاجرين والأنصار فحمدالله وأثنى عليه، وقال: أمّا بعدُ: فإنّكم ميامين الرأي، ومراجيح الحلم، مقاويل بالحق، مباركو الفعل والأمر، وقد أردنا المسير إلى عدوّنا وعدوّكم فأشيروا علينا برأيكم، فقام هاشم بن عتبة بن أبي وقّاص، وعمّار بن ياسر، وقيس بن سعد بن عبادة، وخزيمة بن ثابت، وأبو أيوب الأنصاري يحثّون عليّاً ـ عليه السَّلام ـ على قطع جذور الفتنة.

فقال عمّار: يا أمير المؤمنين، إن استطعت أن لا تُقيم يوماً واحداً فافعل. اشخص قبل استعار نار الفجرة، واجتماع رأيهم على الصدود والفرقة، وادْعهم إلى رشدهم، فإن قبلوا سعدوا، وإن أبوا إلاّ ضربَنا، فوالله إنّ سفك دمائهم والجد في جهادهم لقربة عند الله وهو كرامة فيه.

وقال سهل بن حنيف: يا أمير المؤمنين، نحن سلم لمن سالمتَ وحرب لمن حاربتَ ورأينا رأيك ونحن كف يمينك.

إلى كلمات محرّضة وجمل حاثّة إلى الكفاح واخماد النار قبل اشتعالها. فلمّا سمع الإمام هذه الكلم النابعة من صميم الإيمان والنصح للإسلام، قام خطيباً على منبره فحمدالله وأثنى عليه ثم قال: سيروا الى أعداء الله، سيروا إلى أعداء السنن والقرآن، سيروا إلى بقية الأحزاب، قتلة المهاجرين والأنصار (2).

يقول المسعودي: كان مسير علي ـ عليه السَّلام ـ من الكوفة إلى صفّين


1. أين الذين يقولون «ويرون الدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح، وأن لايخرجوا عليهم بالسيف وأن لايقاتلوا في الفتن» لا حظ مقالات الاسلاميين 323، للامام الأشعريّ .
2. ابن مزاحم: وقعة صفّين 92 ـ 93 .


(52)

لخمس خلون من شوال سنة ست وثلاثين، واستخلف على الكوفة أبا مسعود، عُقْبة بن عمرو الأنصاري، فاجتاز في مسيره بالمدائن، ثمّ أتى الأنبار حتى نزل الرقة فعقدله هنالك جسر فعبر إلى جانب الشام، وقد اختلف في مقدار من كان معه من الجيش، والمتّفق عليه من قول الجميع تسعون ألفاً.

وسار معاوية من الشام إلى جانب صفّين، وقد اختلف من كان معه، والمتّفق عليه من قول الجميع خمسة وثمانون ألفاً(1) .

خروج معاوية إلى صفّين:

خرج معاوية من الشام وقدم صفّين وغلب على الماء، ووكّل أبا الأعور السلمي بالشريعة في أربعين ألفاً، وبات علي وجيشه في البرّ عطاشى، قد حيل بينهم وبين الورود، فقال عمروبن العاص لمعاوية: إنّ عليّاً لا يموت عطشاً ومعه تسعون ألفاً من أهل العراق دعهم يشربون ونشرب، فقال معاوية: لا والله أويموت عطشاً كما مات عثمان.

استعادة الشريعة من جيش معاوية:

دعا علي بالأشتر فبعثه في أربعة آلاف من الخيل والرجالة، ثمّ سار عليّ وراء الأشتر بباقي الجيش، فما ردّ وجهه أحد حتى هجم على عسكر معاوية، فأزال أبا الأعور عن الشريعة، وغرق منهم بشراً وخيلا. وتراجع جيش معاوية عن الموضع الذي كان فيه، فقال معاوية لعمروبن العاص: أترانا ليمنعنا الماء كمنعنا إيّاه، فقال له عمرو: لا، لأنّ الرجل جاء لغير هذا، فأرسل إليه معاوية يستأذنه في ورود مشرعته واستقائه الماء في طريقه، ودخول رُسُله في عسكره،


1. المسعودي: مروج الذهب 3/121 .


(53)

فأجاب علي إلى كل ما سأل وطلب منه (1) .

نزل الإمام علي منطقة صفّين في أوّليات ذي الحجة عام 36، والشهر من الأشهر الحرم، وبعث إلى معاوية يدعوه إلى إجتماع الكلمة والدخول في جماعة المسلمين، فطالت المراسلة بينهما فاتّفقوا على الموادعة إلى آخر محرّم سنة سبع وثلاثين.

ولمّا انقضى شهر محرّم، بعث علي إلى أهل الشام إنّي قد احتججت عليكم بكتاب الله تعالى، ودعوتكم إليه، وإنّي قد نبذت إليكم على سواء، إنّ الله لا يهدي كيد الخائنين. فما كان جوابهم إلاّ قولهم: السيف بيننا وبينك حتى يهلك الأعْجزُ منّا.

أصبح عليّ يوم الأربعاء وكان أوّلَ يوم من شهر صفر، فعبّأ الجيش وأخرج الأشتر أمام الجيش، فأخرج إليه معاوية حبيب بن مسلمة الفهري، وكان بينهم قتال شديد وأسفر عن قتلى بين الفريقين جمعياً.

امتدت الحرب كل يوم إلى عاشر ربيع الأوّل عام سبع وثلاثين وكان النصر حليفه في كل يوم إلى أن لم يبق للعدو إلاّ النفس الأخير، فعنذاك قام علي ينادي:

ياالله، يا رحمن، يا رحيم، يا واحد، يا أحد، يا صمد، يا الله، يا الله، اللّهُمّ إليك نقلتِ الأقدام، وأفضتِ القلوب، ورفعت الأيدي، وامتدّت الأعناق، وشخصت الأبصار، وطلبت الحوائج، اللّهُمّ إنّا نشكو إليك غيبة نبيّنا، وكثرة عدوّنا وتشّتت أهوائنا، ربّنا افتح بيننا و بين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين، ثم قال:

سيروا على بركة الله، ثم لا إله إلاّ الله، و الله أكبر، كلمة التقوى.


1. ابن مزاحم: وقعة صفّين 157 - 162 .


(54)

قال الراوي: لا والله الذي بعث محمّداً ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ بالحق ماسمعنا برئيس قدم منذ خلق الله السموات والأرض، أصاب بيده في يوم واحد ما أصاب. إنّه قتل فيما ذكره العادون زيادة على خمسمائة من أعلام العرب(1) .

ثمّ قام علي خطيباً وقال: أيّها النّاس قد بلغ بكم الأمر وبعدوّكم ما قد رأيتم ولم يبق منهم إلا آخر نفس، وإنّ الاُمور إذا اقْبلت اعتُبر آخرُها بأوّلها، وقد صبر لكم القوم على غير دين، حتّى بلغنا منهم ما بلغنا، وأنا عاد عليهم بالغداة، أحاكمهم الى الله عزّوجل .

فبلغ ذلك معاوية فدعا عمروبن العاص فقال: يا عمرو انّما هي الليلة حتى يغدو علي علينا بالفيصل، فمّا ترى؟ قال: إنّ رجالك لا يقومون لرجاله ولست مثله، هو يقاتلك على أمر، وأنت تقاتله على غيره. أنت تريد البقاء وهو يريد الفناء، وأهل العراق يخافون منك إن ظفرت بهم، وأهل الشام لا يخافون عليّاً إن ظفر بهم، ولكن ألق إليهم أمراً إن قبلوه اختلفوا، وإن ردّوه اختلفوا، ادْعهم إلى كتاب الله حكماً فيما بينك وبينهم، فإنّك بالغ به حاجتك في القوم فإنّي لم أزل اُأخّر هذا الأمر لوقت حاجتك إليه، فعرف ذلك معاوية، فقال صدقت (2) .

يقول تميم بن حذيم: لمّا أصبحنا من ليلة الهرير، نظرنا فإذا أشباه الرايات أمام صف أهل الشام فلمّا أسفرنا فإذا هي مصاحف قد ربطت أطراف الرماح، وهي عِظامُ مصاحِف العسكر، وقد شدّوا ثلاثة أرماح جميعاً، وقد ربطوا عليها مصحف المسجد الأعظم، يُمسكه عشرة رهط، وقال أبوجعفر وأبوالطفيل: استقبلوا عليّاً بمائة مصحف، ووضعوا في كل مُجَنَّبة مائتي مصحف، وكان


1. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 477 .
2. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 544 ـ 548 .


(55)

جميعها خمسمائة مصحف. قال أبوجعفر: ثمّ قام الطفيل بن أدهم حِيالَ علي وقام أبو شريح الجذامي حيال الميمنة، وقام ورقاء بن المعمر حيال الميسرة، ثمّ نادوا:....يا معشر العرب، الله الله في نسائكم وبناتكم، فمن للروم والأتراك وأهل فارس غداً إذا فنيتم؟ الله الله في دينكم. هذا كتاب الله بيننا وبينكم. فقال علي: اللّهُمّ إنّك تعلم أنّهم ما الكتاب يريدون، فاحكم بيننا وبينهم، إنّك أنت الحكيم الحق المبين. فاختلف أصحاب عليّ في الرأي. فطائفة قالت: القتال، وطائفة قالت: المحاكمة إلى الكتاب، ولا يحلّ لنا الحرب وقد دُعِينا إلى حكم الكتاب. فعند ذلك بطلت الحروب ووضعت أوزارها، فقال محمّد بن علي: فعند ذلك حكم الحكمان.

وقد أثّرت تلك المكيدة في همم كثير من جيش علي ـ عليه السَّلام ـ حيث زعموا أنّ اللجوء إلى القرآن لأجل طلب الحق ولم يقفوا على أنّها مؤامرة ابن النابغة وقد تعلّم منه ابن أبي سفيان، وأنّها كلمة حق يراد بها باطل وانّ الغاية القصوى منها، هو إيجاد الشقاق والنفاق في جيش علي وتثبيط هممهم حتى تخمد نار الحرب التي كادت أن تنتهي لصالح علي وجيشه، وهزيمة معاوية وناصريه.

ولكن الخديعة كانت قد وجدت لها طريقاً في جيش العراق حتى سمع من كل جانب: الموادعة إلى الصلح والنازل لحكم القرآن، فلمّا رأى علي ـ عليه السَّلام ـ تلك المكيدة وتأثيرها في السذّج من جيشه قام خطيباً وقال:«أيّها الناس إنّي أحقُّ مَنْ اجاب إلى كتاب الله، ولكن معاوية وعمروبن العاص، وابن أبي معيط وحبيب ابن مسْلمة، وابن أبي سرح، ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، إنّي أعرف بهم منكم، صحبتهم أطفالا وصحبتهم رجالا، فكانوا شرّ أطفال وشرّ رجال، إنّها كلمة حق يراد بها باطل: إنّهم والله ما رفعوها لأنّهم


(56)

يعرفونها ويعلمون بها، ولكنّها الخديعة والمكيدة. أعيروني سواعِدَكم وجَماجمكم ساعة واحدة فقد بلغ الحق مقطعه، ولم يبق إلاّ أن يقطع دابر الذين ظلموا»(1).

وقد كان لخطاب علي أثر إيجابي في قلوب المؤمنين الواعين حيث أدركوا ماذا خلف الكواليس من مؤامرات وفتن، وحجبت البساطة فهم ذلك على قلوب القشريين من أهل البادية، الذين ينخدعون بظواهر الاُمور، ولا يتعمّقون ببواطنها، ففوجىء علي ـ عليه السَّلام ـ بمجييء زهاء عشرين ألفاً مقّنعين في الحديد شاكي سيوفهم وقد اسودَّت جباههم من السجود يتقدّمهم مِسْعَر بن فدكي، وزيد بن حصين، وعصابة من القرّاء الذين صاروا خوارج من بعد، فنادوه بإسمه لا بإمرة المؤمنين وقالوا: يا علي أجب القوم إلى كتاب الله إذا دُعيتَ وإلاّ قتلناك كما قتلنا ابن عفان، فوالله لنفعلنها إن لم تجبهم.

فقال الإمام لهم: «ويحكم أنا أوّل من دعا إلى كتاب الله، وأوّل من أجاب إليه، وليس يحلّ لي ولا يسعني في ديني أن اُدْعى إلى كتاب الله فلا أقبله، إنّي إنّما قاتلتهم ليدينوا بحكم القرآن، فانّهم قد عصوا الله فيما أمرهم ونقضوا عهده، ونبذوا كتابه، ولكنّي قد أعلمتكم أنّهم قد كادوكم، وأنّهم ليسوا العمل بالقرآن يريدون» قالوا: فابعث إلى الأشتر ليأتينّك، وقد كان الأشتر صبيحة ليلة الهرير قد أشرف على عسكر معاوية ليدخله.

فلم يجد علي ـ عليه السَّلام ـ بداً من بعث رسول إلى الأشتر ليأتيه، فأرسل إليه علي، يزيد بن هاني أن ائتني، فأتاه، فأبلغه، فقال الأشتر: ائته فقل له ليس هذه بالساعة التي ينبغي لك أن تزيلني عن موقفي، أنّي قد رجوت الفتح فلا تعجلني، فرجع يزيد بن هاني إلى علي ـ عليه السَّلام ـ فاخبره، فما هو إلاّ أن


1. ابن مزاحم: وقعة صفّين 560 .الطبري: التاريخ 4/34 ـ 35 .


(57)

علت الأصوات من قبل الأشتر وظهرت دلائل الفتح والنصر لأهل العراق ودلائل الخذلان والادبار لأهل الشام فقال القوم لعلي ـ عليه السَّلام ـ : والله ما نراك أمرته إلاّ بالقتال، قال علي ـ عليه السَّلام ـ : أرأيتموني ساررت رسولي إليه؟ أليس إنّما كلّمته على رؤوسكم علانية وأنتم تسمعون؟ قالوا: فابعث إليه فليأتك، وإلاّ فوالله اعتزلناك، فقال الإمام: ويحك يا يزيد قل له اقبل فإنّ الفتنة قد وقعت، فأتاه فأخبره.

فقال الأشتر: أبرفع هذه المصاحف؟ قال: نعم، قال: أما والله لقد ظننت أنّها حين رفعت ستوقع خلافاً وفرقة أنّها من مشورة ابن النابغة، ثم قال ليزيد بن هاني: ويحك ألاترى إلى الفتح؟ ألاترى إلى مايلقون؟ ألاترى إلى الذي يصنع الله لنا؟ أينبغي أن ندع هذا وننصرف له؟.

فقال له يزيد أتحبّ أنّك ظفرت ها هنا وأنّ أمير المؤمنين بمكانه الذي هو فيه يفرج عنه، ويسلّم إلى عدوّه؟ قال: سبحان الله، لاوالله الا أحبّ ذلك، قال: فانّهم قد قالوا له وحلفوا عليه لتُرسِلن إلى الاشتر فليأتينّك أو لنقتلنّك بأسيافنا كما قتلنا عثمان، أو لنسلّمنّك إلى عدوّك.

فأقبل الأشتر حتى انتهى إليهم، فصاح: يا أهل الذل والوهن، أحين علوتم القوم وظنّوا أنّكم قاهرون، رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها؟ وقد والله تركوا ما أمر الله به فيها، وتركوا سنّة من أنزلت عليه، امهلوني فواقاً، فإنّي قد أحسست بالفتح؟ قالوا: لا نُمْهلك، فقال: أمهلوني عدوة الفرس، فإنّي قد طمعت في النصر؟ قالوا: إذاً ندخل معك في خطيئتك.

فسّبوه وسبّهم، وضربوا بسياطهم وجه دابّته، وضرب بسوطه وجوه دوابهم وصاح عليّ ـ عليه السَّلام ـ بهم فكفّوا، وقال الأشتر يا أميرالمؤمنين احمل الصف على الصف، يصرَع القوم، فتصايحوا: إنّ أمير المؤمنين قد قبل الحكومة


(58)

ورضي بحكم القرآن، فقال الأشتر: إن كان أميرالمؤمنين قد قبل ورضى، فقد رضيت بما رضي به أميرالمؤمنين.

فأقبل الناس يقولون: قد رضي أمير المؤمنين، قد قبل أميرالمؤمنين، وهو ساكت لا يبضُّ بكلمة، مطرق إلى الأرض (1) .

ثم قام فسكت الناس كلّهم فقال: «أيّها الناس إنّ أمري لم يزل معكم على ما أحبُّ إلى أن أخذت منكم الحرب، وقد والله أخذت منكم وتركت، وأخذت من عدوّكم فلم تترك، إلاّ انّي قد كنت أمس أمير المؤمنين فصرت مأموراً، وكنت ناهياً فأصبحت منهيّاً، وقد أحببتم البقاء وليس لي أن أحملكم على ما تكرهون»(2) .

قال نصر بن مزاحم: ثمّ تكلّم رؤساء القبائل فكل قال مايراه ويهواه، فقام كردوس بن هاني البكري يدعوا الناس إلى تسليم الأمر إلى عليّ، كما قام شقيق بن ثور البكري يدعوا الناس إلى الصلح والموادعة ويقول: وقد أكلتنا هذه الحرب ولا نرى البقاء إلاّ في الموادعة (3).

هذه الحوادث المؤلمة التي أسفرت عن مؤامرة خبيثة يراد منها ايقاع الفتنة والخلاف في جيش علي ـ عليه السَّلام ـ إلى النزول إلى حكم القوم كرهاً بلا اختيار، واضطراراً لا عن طيب نفس.

فبعث علي قرّاء أهل العراق، وبعث معاوية قرّاء أهل الشام، فاجتمعوا بين الصفّين فنظروا فيه وتدراسوه واجمعوا على أن يحيوا ما أحيا القرآن، وأن يميتوا ما أمات القرآن، ثم رجع كل فريق إلى أصحابه، وقال الناس: «قد رضينا


1. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 560 ـ 564 .
2. ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 2/219 ـ 220. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 553 .
3. نصربن مزاحم: وقعة صفيّن 554 .


(59)

بحكم القرآن» .

فرض التحكيم أوّلا، وفرض المحكّم ثانياً:

ولقد بلغ القوم في قلّة الحياء وشكاسة الخلق إلى حدّ أنّهم فرضوا نفس التحكيم على الإمام المفترض طاعته ببيعة المهاجرين والأنصار، ولم يبق بينه وبين الفتح والظفر على العدو إلاٌّ قاب قوسين أوأدنى أوبمقدار عدوة الفرس كمّا قاله الأشتر.

إنّهم ـ قبّح الله وجوههم ـ لم يكتفوا بهذا الحد في قلّة الأدب، بل فرضوا عليه المحكّم، فإن الإمام لمّا لَم يَر بدّاً من قبول التحكيم فاقترح عليهم أن يكون المحكّم من جانبه أحد الرجلين: ابن عمّه ـ عبدالله بن عباس ـ أو الأشتر.

ولكنّهم رفضوا كل ذلك وأبوا إلاّ نيابة أبي موسى الأشعري الذي خذل عليّاً ـ عليه السَّلام ـ في بداية خلافته، ولم يبايعه إلاّ باكثار الناس ولم يشجّع أهل الكوفة على نصره بل سكت.

يقول ابن مزاحم: قال اهل الشام: فإنّا قد رضينا واخترنا عمروبن العاص، فقال الأشعث والقرّاء الذين صاروا خوارج فيما بعد: فانّا قد رضينا واخترنا أبا موسى الأشعري، فقال لهم علي ـ عليه السَّلام ـ : «إنّي لا أرضى بأبي موسى ولا أرى أن أولِّيه» فقال الأشعث وزيد بن حصين ومسعر بن فدكي في عصابة من القرّاء: انّا لا نرضى إلاّ به، فإنّه قد حذّرنا ما وقعنا فيه، قال علي ـ عليه السَّلام ـ : «فإنّه ليس لي برضى ولكن هذا ابن عباس اُوّليه ذلك، قالوا: والله ما نبالي أكنت أنت أو ابن عباس ولا نريد إلاّ رجلا هو منك ومن معاوية سواء، قال علي: فإنّي أجعل الأشتر، فقال الأشعث: وهل سعّر الأرض علينا غير الأشتر.


(60)

حتى انّ عليّاً اقترح عليهم الأحنف بن قيس فأبوا أن يقبلوه، وقالوا: لايكون ألاّ أبا موسى، وقد كان معروفاً بأنّه قريب القعر، كليل الشفرة، فلم ير علي ـ عليه السَّلام ـ بداً من قبول أبي موسى، وقد كان الإمام عارفاً ببساطته وسذاجته، وكانت في ذلك خسارة عظمى لحزب علي ـ عليه السَّلام ـ وأشياعه إلى حدّ وصفها الشاعر بقوله:

لو كان للقوم رأي يُعْصمونَ به * من الظلال رَمَوكم بابن عباس

لله درُّ أبيه أيُّما رجل * ما مثله لفصال الخطب في الناس

لكن رموكم بشيخ من ذوي يمن * لم يدر ما ضرب أخماس لأسداس

أن يخلُ عمروبه، يقذفه في لجج * يَهوي به النجمُ تَيْساً بين أتياس

ابلغ لديك عليّاً غير عاتِبِه * قول امرىء لا يرى بالحقِّ من بأس (1)

لقد كان عليّ ـ عليه السَّلام ـ واقفاً على انحراف أبي موسى عنه، وانّ هواه مع غيره، ومع ذلك لم يجد بدّاً عن الرضا بما فرض عليه البسطاء من جيشه، وهذا هو الأحنف بن قيس من أصدقاء علي ـ عليه السَّلام ـ وخُلّصِ شيعته، فقد امتحن أبا موسى بعد ما نُصِبَ حكماً من قبل علي ـ عليه السَّلام ـ فقال له ممتحناً: «فإن لم يستقم لك عمرو على الرضا بعلي، فخّيره أن يختار أهل العراق من قريش الشام من شاؤوا فإنّهم يولّونا الخيار فنختار من نريد، وإن أبوا فليختر أهل الشام من قريش العراق من شاؤوا، فإن فعلوا كان الأمر فينا، فقال أبو موسى: قد سمعت ما قلت، ولم ينكر ما قاله من زوال الأمر عن علي ـ عليه السَّلام ـ فرجع الأحنف إلى علي ـ عليه السَّلام ـ فقال له: أخرج أبو موسى والله زبدة سقائه في أوّل مخضة. لا أرانا إلاّ بعثنا رجلا لا ينكر خلعك، فقال علي ـ عليه السَّلام ـ : الله


1. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 575 ـ 576 .


(61)

غالب على أمره(1) .

إنّ الإمام خاطب أبا موسى ـ عندما بعثه إلى دُومَةِ الجندل حكماً ـ بقوله: احكم بكتاب الله ولا تجاوزه، ولمّا ودّع أبا موسى وغادر المجلس، قال الإمام: كأنّي به وقد خدع، فقال عبيدالله بن أبي رافع: لماذا تبعثه وهو على هذه الفكرة؟ فقال الإمام ـ عليه السَّلام ـ لو عمل الله في خلقه بعلمه، ما احتجّ عليهم بالرسل (2) .

صياغة اتفاقية الصلح:

إنّ القوم فرضوا على الإمام التحكيم والمحكّم، ولم يكتفوا بذلك بل فرضوا عليه ما كان الخصم يطلبه في تحرير وصياغة اتفاقية الصلح، ولمّا اتفق الطرفان على كتابة الصلح وايقاف الحرب إلى أن يحكم الحكمان دعا علي ـ عليه السَّلام ـ كاتبه ليكتب صحيفة الصلح على النحو الذي يمليه الإمام، فقال الإمام: اكتب: «هذا ما تقاضى عليه علي أمير المؤمنين» فقال معاوية: بئس الرجل أنا إن أقررت أنّه أمير المؤمنين ثمّ قاتلته، وقال عمرو: اكتب اسمه واسم أبيه، إنّما هو أميركم، وأمّا أميرنا فلا. فلمّا اُعيد إليه الكتاب أمر بمحوه، فقال الأحنف: لا تمح اسم امرة المؤمنين عنك، فإنّي أتخوّف إن محوتها ألاّ ترجع إليك أبداً لا تمحها، وإن قتل الناس بعضهم بعضاً. فأبى مليّاً من النهار أن يمحوها، ثمّ إنّ الأشعث بن قيس جاء، فقال: امح هذا الاسم. فقال علي: لا إله إلاّ الله والله أكبر، سنّة بسنّة، أما والله لعلى يدي، دار هذه الأمر يوم الحديبية حين كتبت الكتاب عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ : «هذا ما تصالح عليه


1. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 617. ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 2/249 .
2. ابن شهر آشوب: مناقب آل أبي طالب 2/261 .


(62)

محمّد رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وسهيل بن عمرو» فقال سهيل: لا أجيبك إلى كتاب تسمّي (فيه) رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ولو أعلم أنّك رسول الله لم اُقاتلك إنّي إذاً ظلمتك إن منعتك أن تطوف ببيت الله وأنت رسول الله ولكن اكتب «محمّد بن عبدالله» أجبك، فقال محمّد ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ : «يا علي إنّي لرسول الله، إنّي لمحمّد بن عبدالله، ولن يمحو عنّي الرسالة كتابي إليهم«محمّد بن عبدالله»، فاكتب: محمّد بن عبدالله، فراجعني المشركون في هذا إلى مدّة، فاليوم اكتبها إلى أبنائهم كما كتبها رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ إلى آبائهم سنّة ومثلا. فقال عمروبن العاص: «سبحان الله، ومثل هذا شبّهتنا بالكفّار ونحن مؤمنون؟» فقال له علي ـ عليه السَّلام ـ : يا ابن النابغة، ومتى لم تكن للكافرين وليّاً وللمسلمين عدوّاً وهل تشبه إلاّ اُمّك التي وضعت بك. فقام عمرو فقال: والله لايجمع بيني وبينِك مجلس أبداً بعد هذا اليوم، فقال علي: والله إنّي لأرجو أن يظهر الله عليك وعلى أصحابك(1) .

اتفاقية الصلح أو وثيقة التحكيم:

تنازل عليّ ـ عليه السَّلام ـ عن حقّه المشروع ورضى، كما رضي رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ أن يكتب اسمه مجرّداً عن توصيفه بامرة المؤمنين فأملى عليّ صحيفة الصلح بالنحو التالي وفيها عبر ونكات وتشتمل على بنود ربّما نرجع إليها في المستقبل:

1 ـ هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وشيعتهما فيما تراضيا به من الحكم بكتاب الله وسنّة نبيّه ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ قضية علي على أهل العراق ومن كان من شيعته من شاهد أو غائب وقضية


1. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 582 ـ 583 .


(63)

معاوية على أهل الشام ومن كان من شيعته من شاهد أو غائب. إنّا رضينا أن ننزل عند حكم القرآن فيما حكم، وأن نقف عند أمره فيما أمر، وانّه لا يجمع بيننا إلاّ ذلك، وانّا جعلنا كتاب الله فيما بيننا حكماً فيما اختلفنا فيه من فاتحته إلى خاتمته، نحيي ما أحيا ونميت ما أمات، على ذلك تقاظيا، وبه تراضيا.

2 ـ إنّ علياً وشيعته رضوا أن يبعثوا عبدالله بن قيس(1) ناضراً ومحاكماً، ورضى معاوية وشيعته أن يبعثوا عمروبن العاص ناضراً ومحاكماً.

3 ـ على أنّهما أخذوا عليهما عهد الله وميثاقه وأعظم ما أخذ الله على أحد في خلقه، ليتّخذان الكتاب إماما فيما بعثا له، لا يعدوانه إلى غيره في الحكم بما وجداه فيه مسطوراً. ومالم يجداه مسمّى في الكتاب ردّاه إلى سنّة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ الجامعة، لايتعمّدان لهما خلافاً، ولا يتّبعان في ذلك لهما هوى، ولا يدخلان في شبهة.

4 ـ وأخذ عبدالله بن قيس وعمروبن العاص على عليّ ومعاوية عهد الله وميثاقه بالرضا بما حكما به من كتاب الله وسنّة نبيه ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وليس لهما أن ينقضا ذلك ولا يخالفاه إلى غيره، وانّهما آمنان في حكومتهما على دمائهما وأموالهما وأهلهما ما لم يعدوا الحق، رضى بذلك راض أو أنكره منكر وانّ الاُمّة أنصار لهما على ما قضيا به من العدل.

5 - فإن توفّى أحد الحكمين قبل انقضاء الحكومة فأمير شيعته وأصحابه يختارون مكانه رجلا، لايألون عن أهل المعدلة والاقساط، على ما كان عليه صاحبه من العهد والميثاق، والحكم بكتاب الله وسنّة رسوله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وله مثل شرط صاحبه، وإن مات أحد الأميرين قبل القضاء فلشيعته أن يولّوا مكانه يرضون عدله. وقد وقعت القضية


1. هو أبو موسى الأشعري .


(64)

ومعها الأمن والتفاوض ووضع السلاح والسلام والموادعة.

6 - وعلى الحكمين عهد الله وميثاقه ألاّ يألوا اجتهاداً، ولا يتعمّدا جوراً، ولا يدخلا في شبهة، ولا يعدوا حكم الكتاب وسنّة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ . فإن لم يفعلا برئت الاُمّة من حكمهما، ولا عهد لهما ولاذمّة. وقد وجبت القضية على ما قد سُمِّي في هذا الكتاب من مواقع الشروط على الأميرين والحكمين والفريقين، والله أقرب شهيداً، وأدنى حفيظاً، والناس آمنون على أنفسهم وأهليهم وأموالهم إلى انقضاء مدّة الأجل والسلاح موضوع والسبل مخلاة والغائب والشاهد من الفريقين سواء في الأمن.

7 ـ وللحكمين أن ينزلا منزلا عدلا بين أهل الطرق وأهل الشام ولا يحضر هما فيه إلاّ من أحبّا، عن ملأ منهما وتراض. وانّ المسلمين قد اَجّلوا القاضيّين إلى انسلاخ رمضان(1)، فإن رأى الحكمان تعجيل الحكومة فيما وجها له عجّلاها، وإن أراداتا خيرها بعد رمضان إلى انقضاء الموسم فإنّ ذلك إليهما.

8 ـ فإن هما لم يحكمابكتاب الله وسنّة نبّيه ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ إلى انقضاء الموسم فالمسلمون على أمرهم الأوّل في الحرب. ولا شرط بين واحد من الفريقين. وعلى الاُمّة عهد الله وميثاقه على التمام والوفاء بما في هذا الكتاب. وهم يد على من أراد فيه إلحاداً وظلماً أوحاول له نقضاً. ثمّ إنّه شهد بما في الكتاب من أصحاب الطرفين أكابرهما فمن أصحاب علي، عبدالله بن عباس، والأشعث بن قيس، والأشتر مالك بن الحارث، والحسن والحسين ابنا عليّ وطائفة اُخرى يبلغ عدد الشهود سبعاً وعشرين شخصاً وفيهم من الصحابة الكبار، نظير خبّاب بن الارث وسهل بن حنيف وعمروبن الحمق الخزاعي، وحجر بن عدي، كما شهد من أصحاب معاويه أبوالأعور


1. أي رمضان سنة تحرير الاتفاقية وهي سنة 37، وقد كتب الكتاب في صفر هذه السنة كما سيوافيك.


(65)

وبسر بن أرطاة وعبدالله بن عمروبن العاص، وكتبت لثلاث عشر ليلة بقيت من صفر سنة 37(1) .

ونلاحظ أنّ في الميثاق تصريحاً بأنّه من اللازم على الحكمين الإدلأ برأيهما إلى انقضاء موسم الحج من عام 37 وهما أدليا برأيهما في شعبان تلك السنة كما سيوافيك.

وما نقله الطبري عن الواقدي انّ اجتماع الحكمين كان في شعبان سنة 38 من الهجرة غير صحيح(2) .

صورة اُخرى لوثيقة التحكيم:

ثمّ إنّ ابن مزاحم نقل صورة اُخرى لوثيقة التحكيم يتّحد مع ماسبق لبّاً ويختلف في بعض الموارد عبارة فمن أراد فليرجع إلى مصدره وفي ذيلها: «وكتب عميرة يوم الأربعاء لثلاث عشرة بقيت من صفر سنة سبع وثلاثين واتَّعد الحكمان (اذرح)» (3) وأن يجيء علي بأربعمائة من أصحابه، ويجيء معاوية بأربعمائة من أصحابه فيشهدون الحكومة.


1. نصر بن مزاحم: وقعة صفّين 582 .
2. الطبري: التاريخ 4/52 .
3. اذرح ـ بضم الراء ـ بلد في أطراف الشام مجاور لأرض الروم.