welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : الملل والنحل/ج5 ( تاريخ الخوارج)*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الملل والنحل/ج5 ( تاريخ الخوارج)

(448)


(449)

7 ـ في حكم الزاني المحصن

قد عرفت أنّ الأزارقة لاتقول برجم الزاني إذا كان محصناً بحجّة أنّه ليس في ظاهر القرآن، و لا في السنّة المتواترة، و لكن المسألة من المسائل الفقهية، و اتّفق الفقهاء، على رجم الزاني المحصن بلا فرق بين الرجل و المرأة، و إنّما اختلفوا من جهة اُخرى.

1 ـ قال داود و أهل الظاهر عليهما الجلد والرجم من غير فرق بين الشابِّ والشيخ، والشابّة و الشيخة، و هو احدى الروايتين عن أحمد بن حنبل، كما في «المغني» لابن قدامة.

2 ـ قالت الإمامية ـ بالتفصيل و هو أنّه ـ: إذا كان المحصن شيخاً أو شيخة فعليهما الجلد و الرجم، وإن كانا شابّين فعليهما الرجم بلا جلد.

3 ـ قال فقهاء أهل السنّة: ليس عليهما إلاّ الرجم دون الجلد، و به قال بعض الامامية(1).


1. الشيخ الطوسي: الخلاف ج 3، كتاب الحدود، المسألة 1 و 2، ابن قدامة: المغني 9 / 5 كتاب الحدود.


(450)

ولسنا بصدد تحقيق المسألة من حيث السعة و الضيق و إنّما نبحث عن ثبوت الرجم في الإسلام على وجه الاجمال، و ذلك لثبوته بفعل النبي و الخلفاء و الصحابة، أمّا النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ فقد زنى ماعز فرجمه رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ، و رجم العامرية، كما رجم يهوديين زنيا (1)، و روي عن عمر، أنّه قال: «إنّ الله بعث محمّداً ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ بالحق وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فقرأتها و عقلتها و وعيتها، و رجم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ و رجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلّوا بترك فريضة أنزلها الله تعالى، فالرجم حقّ على من زنى إذا أحصن من الرجال و النساء إذا قامت البيّنة، أو كان الحبل أو الاعتراف و قد قرأ بها «الشيخ و الشيخة إذا زنيا فأرجموهما البتة نكالاً من الله و الله عزيز حكيم»(2).

نحن لا نوافق الخليفة على كون آية الرجم من كتاب الله العزيز، فكيف يمكن لنا أن نعدّ كلاماً تعلو عليه الصناعة البشرية ـ و قد سرق جزءاً من الذكر الحكيم الوارد في حد السرقة و ركّبه مع كلامه فعاد كلاماً مغسولاً عن الفصاحة ـ من كلام الله العزيز، لكنّا نوافق الخليفة على ثبوت الرجم في الإسلام، هذا هو الامام علي بن أبي طالب جلد سراجة يوم الخميس و رجمها يوم الجمعة و قال: جلدتها بكتاب الله، و رجمتها بسنّة رسول الله.

وأمّا قوله سبحانه: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَحِد مِّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَة)(3).


1. لاحظ تفسير قوله سبحانه: (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَيـةُ فِيهَا حُكْمُ اللهِ) ـ المائدة: 43 ـ .
2. ابن قدامة: المغني 9 / 4.
3. النور: 2.


(451)

فلا ينافي ثبوت الرجم مع الجلد في بعض الموارد، فإنّه لاينفي غير الجلد من سائر العقوبات، هذا إذا قلنا بثبوت الجلد و الرجم مطلقاً على المحصن، و أمّا إذا خصصنا الجمع بالشيخ و الشيخة، و أخرجنا الشاب والشابة، فتكون السنّة مخصصّاً لاّية الجلد، فإنّ عموم القرآن يخصّص بالدليل القطعي، و ليس هذا نسخاً بل تخصيصاً، وكم من فرق بين التخصيص و النسخ يقف عليه المعنّيون بعلم الاُصول.

وأمّا الخوارج فقالوا بالجلد دون الرجم و احتجّوا بالوجهين التاليين:

1 ـ قوله سبحانه: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَحِد مِّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَة) قالوا: لايجوز ترك كتاب الله الثابت بطريق القطع و اليقين لأخبار آحاد يجوز الكذب فيها.

2 ـ إنّ هذا يفضي إلى نسخ الكتاب و السنّة و هو غير جائز(1).

يلاحظ على كلا الوجهين: أمّا الأوّل: فلأنّ القول بالرجم مضافاً إلى الجلد لايستلزم ترك كتاب الله، لأنّ اثبات الشيء أي الجلد لايكون دليلاً على نفي غيره، فأيّ مانع من أن تكون العقوبة في مطلق الزنا هي الجلد، و في خصوص المحصن، الجلد مع الرجم؟

هذا إذا قلنا بجلد المحصن مطلقاً، و أمّا إذا خصصنا الجمع بالشيخ والشيخة، و قلنا بكفاية الرجم في غير الشاب و الشابّة، فأقصى ما يلزم تخصيص الكتاب بالسنّة القطعية و هو ليس بأمر شاذ، كيف لايكون كذلك و قد اشتهر «و ما من عام إلاّ و قد خصّ».

أمّا الثاني: فلأنّه خلط بين نسخ حكم الكتاب و تخصيصه، و الفرق بينهما واضح لايخفى.


1. ابن قدامة: المغني 9 / 4.


(452)

هذا وقد نقل ابن قدامة: انّ رسل الخوارج جاءوا عمر بن عبد العزيز فكان من جملة ما عابوا عليه الرجم و قالوا: ليس في كتاب الله إلاّ الجلد، و قالوا: الحائض أوجبتم عليها قضاء الصوم دون الصلاة، و الصلاة أوكد. فقال لهم عمر: وأنتم لا تأخذون إلاّ بما في كتاب الله؟ قالوا: نعم، قال: فأخبروني عن عدد الصلوات المفروضات و عدد أركانها، و ركعاتها، و مواقيتها، أين تجدونه في كتاب الله تعالى؟ و أخبروني عمّا تجب الزكاة فيه و مقاديرها و نُصُبها؟ فقالوا: انظرنا، فرجعوا يومهم ذلك فلم يجدوا شيئاً ممّا سألهم عنه في القرآن، فقالوا: لم نجده في القرآن. قال: فكيف ذهبتم إليه؟ قالوا: لأنّ النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ فعله، و فعله المسلمون بعده، فقال لهم: فكذلك الرجم و قضاء الصوم فإنّ النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ رجم و رجم خلفاؤه بعده والمسلمون، وأمر النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ بقضاء الصوم دون الصلاة، و فعل ذلك نساؤه ونساء أصحابه(1).

* * *


1. ابن قدامة: المغنى 9 / 5.


(453)

خاتمة المطاف

إلى هنا قد تعرّفت على عقائد الخوارج معتدليهم و متطرّفيهم، غير أنّ هناك مسائل فقهيّة ثلاث نطرحها في المقام:

1 ـ حكم أولاد المشركين.

2 ـ حكم تزويج المشركات.

3 ـ حكم تزويج الكافرة غير المشركة.

و لعل القارئ الكريم يتعجّب من طرح هذه المسائل في الموسوعة التاريخية للعقائد قائلاً بأنّ البحث عن مثل هذه الموضوعات من واجبات الفقيه لا مؤرّخ العقائد، ولكنّه يزول تعجبّه إذا وقف على أنّ الخوارج المتطرّفين، يزعمون أنّ مخالفيهم من المسلمين مشركون أو كافرون، لا رتكاب الكبيرة من المعاصي، وبما أنّ للمشرك و الكافر الواقعيين أحكاماً خاصّة في الفقه الإسلامي من حيث صيانة الدماء وإراقتها و جواز تزويجهم و حرمته، فهؤلاء كانوا يرتّبون على المسلمين و أولادهم، أحكام المشركين و الكافرين و أولادهم، فيبيحون


(454)

قتل أولاد المخالفين، و يحرّمون مناكحتهم بحجّة أنّهم مشركون، فناسب البحث عن هذه الأحكام الكليّة مع غضّ النظر عن عدم الموضوع في المقام لأنّ أهل القبلة والقرآن كلّهم موحدون لامشركون، مؤمنون لاكافرون، إلاّ من قام الدليل على شركه و كفره كالغلاة والنواصب.

و بما أنّ الأزارقة و أمثالهم أخطأوا في حكم المسألة حتى في مواردها الواقعيّة فجوزوا قتل أولاد المشركين و حرّموا انكاح الكافر غير المشرك، فلأجل ايقاف القارئ على مظان خطأهم في هذه المسائل نوالي البحث فيها واحدة بعد اُخرى و نقول:

1 ـ أولاد المشركين:

إنّ الأصل الرصين في الدماء هو الحرمة، و لزوم صيانتها من الاراقة، فالانسان ـ على وجه الاطلاق ـ هو خليفة الله في أرضه يحرم دمه و عرضه و ماله للغير، فلا يجوز التعدّي على شيء منها إلاّ بدليل، ولأجل ذلك يقول سبحانه حاكياً عن نبيّه موسى: (أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةَ بِغَيْرِ نَفْس لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً)(1) وقال سبحانه: (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَـسِرِينَ)(2) وقال تعالى: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلَـدَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْم)(3) و قال سبحانه: (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلَـدَكُم مِنْ إِمْلَـق )نَحْنُ نَرْزُقُكُـمْ وَإِيَّاهُمْ)(4) و قال تعالى: (وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ)(5) و: (مَن قَتَلَ )نَفْسَا بِغَيْرِ نَفْس أَوْ فَسَاد فِي الاَْرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ


1. الكهف: 74.
2. المائدة: 30.
3. الأنعام: 140.
4. الأنعام 151.
5. الأنعام: 151.


(455)

النَّاسَ جَمِيعاً))(1)، إلى غير ذلك من الاّيات الناصّة على أنّ الأصل القويم والمرجع، في الدماء هو الحرمة، فلا يجوز قتل الانسان على الاطلاق إلاّ بمسوّغ شرعي ورد النص بجواز قتله في الذكر الحكيم والسنّة النبوية.

و على ضوء ذلك فالاسلام حرّم دم المسلم، و دم الذمّي، و الكافر المهادن، و من يمتُّ إليهم بصلة، فإنّ أولادهم و إن كانوا غير محكومين بشيء من التكاليف إلاّ أنّ الولد يتبع الوالدين في الأحكام، و هذا ممّا لايختلف فيه اثنان من الفقهاء.

وأمّا الكافر الحربي فهو مهدور الدم لا دم أطفاله و ذراريه، إلاّ في مواضع خاصّة.

قال ابن قدامة: إنّ من اُسر من أهل الحرب على ثلاثة أضرب: النساء و الصبيان، فلا يجوز قتلهم و يصيرون رقيقاً للمسلمين بنفس السبي، لأنّ النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ نهى عن قتل النساء، والولدان، (متّفق عليه) و كان ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ يسترقّهم إذا سباهم(2).

هذا فقيه أهل السنّة، و أمّا الشيعة، فقال الشيخ الطوسي: الآدميون على ثلاثة أضرب: نساء و ذريّة و مشكل و بالغ غير مشكل، فأمّا النساء و الذرية فإنّهم يصيرون مماليك بنفس السبي(3).

و قال المحقّق الحلي: الطرف الرابع في الاُسارى و هم ذكور و اناث، فالاناث يملكن بالسبي و لو كانت الحرب قائمة، وكذا الذراري(4).


1. المائدة: 32.
2. ابن قدامة الحنبلي: المغني 10 / 400.
3. الطوسي: المبسوط 2 / 19.
4. المحقق: شرائع الإسلام 1 / 317.


(456)

إلى غير ذلك من الفتاوى المستفيضة من فقهاء الإسلام، وهم يتبعون في ذلك، النصوص الواردة عن النبي و خلفائه.

روى الكليني عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله قال: كان رسول الله إذا أراد أن يبعث سريّة، دعاهم فأجلسهم بين يديه ثم يقول: سيروا بسم الله و بالله وفي سبيل الله و على ملّة رسول الله، لاتغلوا، و لا تُمثِّلوا و لا تغدروا، ولا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا صبيّاً، ولا امرأة، و لا تقطعوا شجراً إلاّ أن تضظرّوا إليها(1).

وقد تضافرت الروايات عن أئمة الشيعة في ذلك.

روى البيهقي بسنده عن ابن عمر: أجلى رسول الله بني النضير، وأقرّ قريظة ومنَّ عليهم حتّى حاربت قريظة بعد ذلك فقتل رجالهم، و قسم نساءهم، و أولادهم، و أموالهم بين المسلمين، إلاّ بعضهم لحقوا برسول الله فآمنهم وأسلموا(2).

و روى أيضاً النافع أنّ عبد الله بن عمر أخبره أنّ أمرأة وجدت في بعض مغازي رسول الله مقتولة، فانكر رسول الله قتل النساء والصبيان(3).

هذا هو حكم الإسلام في صبيان الكفّار و المشركين و نسائهم، فهلم معي ندرس فتوى الأزارقة في نساء الكفّار و أولادهم فقد استحلّ زعيمهم قتل الأطفال... قائلاً: إنّ نوحاً نبيّ الله كان أعلم بأحكام الله قال: (رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الاَْرْضِ مِنَ الْكَـفِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُواْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً)(4) فسمّاهم بالكفّار و هم أطفال، و قبل أن يولدوا، فكيف ذلك في قوم


1. الحر العاملي: الوسائل 11، الباب 15 من أبواب جهاد العدو، الحديث 2.
2. البيهقي: السنن 6 / 323، كتاب قسم الفي والغنيمة.
3. المصدر نفسه: 9 / 77 كتاب السير.
4. نوح: 26 ـ 27 .


(457)

ولا في قومنا؟ والله تعالى يقول: (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَـئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِى الزُّبُرِ)(1)وهؤلاء كمشركي العرب، لا يقبل منهم جزية و ليس بيننا و بينهم إلاّ السيف أو الإسلام(2).

عزب عن المسكين، أوّلاً: إنّ تسميتهم بالكفّار ليس باعتبار أنّهم في حال كونهم معدومين كفّاراً فإنّ ذلك باطل بالاتّفاق، إذ كيف يوصف الشيء المعدوم بوصف من الأوصاف الوجودية، بل المراد انّ الأبناء بعد خروجهم إلى عالم الوجود سيصيرون كفّاراً لنشوئهم في أحضان آبائهم الكافرين و أمّهاتهم الكافرات، فللوراثة و البيئة تأثيرهما في الأولاد، فلا يلدون في المستقبل إلاّ اُناساً يصيرون كفّاراً نظير توصيف الأشجار بالمثمرة في فصل الشتاء، والمراد: المثمرة في فصل الثمر.

و ثانياً: إنّ الذراري و النساء و إن كانت محكومات بالكفر و لكن علمت أنّ النبيّ الأكرم ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ حرّم دماءهم وانّما سوّغ سبيهم و استرقاقهم، فليس كلّ كافر يجوز قتله. فما ذكره من الاستدلال أوهن من بيت العنكبوت.

و ثالثاً: إنّ كلّ ذلك في حق المشركين و الكّفار الحقيقيين، فما معنى تسرية هذه الأحكام إلى أهل القبلة و المسلمين الذين يشهدون بتوحيده و رسالة نبيّه و يقيمون الصّلاة و يعطون الزكاة و يصومون شهر رمضان و يحجّون البيت. أفيصحّ لنا تسمية هؤلاء كفّاراً، بحجّة ارتكابهم معصية كبيرة؟!


1. القمر: 43.
2. لاحظ رسالة ابن الأزرق في جواب رسالة نجدة بن عامر، وقد مرّت في الفصل التاسع.


(458)

2 ـ في نكاح المشركات:

قد تعرّفت على أنّ الخوارج يعدّون مخالفيهم مشركين و كافرين، فعلى قول الأزارقة جماهير المسلمين رجالاً و نساءً مشركون و مشركات، و على قول غيرهم فهم كافرون و كافرات، فحكم تزويج حرائرهم حكم تزويج الوثنيات و الكتابيات، ولأجل ذلك نذكر بعض كلماتهم ثم نعرض المسألة على الكتاب والسنّة.

كتب ابن الأزرق إلى عبد الله بن صفار و عبد الله بن اباص كتاباً جاء فيه:

و قال تعالى (لاَ تَنْكِحُواْ الْمُشْرِكَـتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ) فقد حرّم الله ولايتهم و المقام بين أظهرهم واجازة شهادتهم و أكل ذبائحهم و قبول علم الدين عنهم و مناكحتهم و مواريثهم(1).

و قد تقدّم في بيان عقائد الصفريه أنّه نقل عن الضحاك الّذي هو منهم أنّه جوّز تزويج المسلمات من كفّار قومهم في دار التقيّة دون دار العلانية. و يريد من المسلمات: الحرائر من الخوارج. ومن «كفّار قومهم»: رجال سائر الفرق الاسلامية.

و يظهر من الخلاف الّذي حدث بين الابراهيمية و الميمونية أنّه يجوز بيع الجارية المؤمنة (الخارجية) من الكفرة أي المسلمون من سائر الفرق.

هذا ما وقفنا عليه من كلماتهم و نبحث عن المسألة بكلتي صورتيها:

الاُولى ـ نكاح المشركة:

اتّفق علماء الإسلام على تحريم تزويج المشركات. قال ابن رشد: «و اتّفقوا على أنّه لايجوز للمسلم أن ينكح الوثنية لقوله تعالى: (وَلاَ تُمْسِكُواْ)


1. الطبري: التاريخ 4 / 438 ـ 440.


(459)

بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ))(1) واختلفوا في نكاحها بالملك»(2).

و قال الشيخ الطوسي في المبسوط: «الضرب الثاني، الذين لاكتاب لهم ولا شبهة كتاب، و هم عبدة أوثان فلا يحلّ نكاحهم و لا أكل ذبائحهم و لا يقرّون على أديانهم ببذل الجزية و لا يعاملون بغير السيف أو الإسلام بلا خلاف»(3).

هذا كلّه حول المشركات، فلو صحّ كون جماهير المسلمات من الفرق الاسلامية مشركات عند الأزارقة، لصحّ ما قال و لكنّه لم يصح ـ وإن صحّت الأحلام ـ لما عرفت أنّ للشرك حدّاً منطقياً في القرآن الكريم، و ابن الأزرق و أتباعه و إن كانوا قرّاء و لكنّه لم يتجاوز القرآن ـ حسب تنصيص النبي الأكرم ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ عن تراقيهم ولم يصل إلى دماغهم و مراكز أفكارهم، فكيف يصحّ تسمية من ارتكب الكبيرة مشركاً و لو صحّ لما و جد في أديم الأرض مسلماً إلاّ إذا كان معصوماً.

3 ـ نكاح الكافرة غير المشركة:

اختلف كلمة فقهاء الإسلام في نكاح الكافرة غير المشركة و يراد منها الكتابية لأنّها كافرة غير مشركة، قال ابن رشد: اتّفقوا على أنّه يجوز أن ينكح الكتابية الحرّة(4).

هذا مالدى السنّة و أمّا ما لدى الشيعة فالمشهور عدم الجواز دواماً. قال الشيخ الطوسي: عند المحصّلين من أصحابنا لايحلّ أكل ذبائح أهل الكتاب


1. الممتحنة: 10، و الأولى أن يستدل بآية صريحة أعني قوله سبحانه:(وَلاَ تَنْكِحُواْ الْمُشْرِكَـتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ...)ـ البقرة: 221 ـ .
2. ابن رشد: بداية المجتهد 2 / 43.
3. الطوسي: المبسوط 4 / 210.
4. ابن رشد: بداية المجتهد 2 / 43.


(460)

كاليهود و النصارى، و لا تزوّج حرائرهم، بل يقرّون على أديانهم إذا بذلوا الجزية، وفيه خلاف بين أصحابنا، و قال جميع الفقهاء (أهل السنّة): يجوز أكل ذبائحهم و نكاح حرائرهم(1).

و قال في الخلاف: المحصّلون من أصحابنا يقولون لا يحلّ نكاح من خالف الإسلام، لا اليهود، و لا النصارى، و قال قوم من أصحاب الحديث من أصحابنا: يجوز ذلك، و أجاز جميع الفقهاء التزويج بالكتابيات و هو المروي عن عمر و عثمان و طلحة و حذيفة، و جابر، و روي أنّ عمّاراً نكح نصرانية، و نكح حذيفة يهودية، و روي عن ابن عمر كراهة ذلك و إليه ذهب الشافعي(2).

قال ابن قدامة: ليس بين أهل العلم ـ بحمد الله ـ اختلاف في حلّ حرائر نساء أهل الكتاب، و ممّن روى عنه ذلك، عمر و عثمان و طلحة و حذيفة و سلمان و جابر و غيرهم(3).

و على ضوء ذلك انّ فقهاء أهل السنّة ذهبوا إلى الجواز، وأمّا الشيعة فهم بين مانع و مجوّز، و نحن نعرض المسألة على الكتاب.

استدلّ المانع بآيات:

1 ـ قال تعالى : (وَلاَ تَنْكِحُواْ الْمُشْرِكَـتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلاََمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُّشْرِكَة وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنْكِحُواْ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِك وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَـئِكَ يَدْعُونَ إِلى الْنَّارِ وَاللهُ يَدْعُوا إِلى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ ءَايَـتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)(4).


1. الطوسي: المبسوط 4 / 210.
2. الطوسي: الخلاف 2 / 282، المسألة 84 من كتاب النكاح، و قد نسب إلى فقهاء الشيعة أقوال اُخرى ذكرناها في محاضراتنا الفقهية في النكاح، لاحظ: الحلّي، مختلف الشيعة: 82.
3. ابن قدامة: المغني 5 / 52.
4. البقرة: 221.


(461)

2 ـ قال تعالى : (وَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أنْ يَنْكِحَ الُْمحْصَنَـتِ الْمُؤْمِنَـتِ فَمِن مَّا مَـلَكَتْ أَيمَـنُكُمِ مِّنْ فَتَيَـتِـكُمُ الْـمُؤْمِنَـتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَـنِكُمْ بَعْضُكُمْ مِّنْ بَعْض فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)(1).

استدّل بالآية على المنع بوجهين:

أ ـ إنّ الآية تأمر من لم يجد ما يتزوّج به الحرائر المؤمنات من المهر و النفقة، أن ينكح الإماء المؤمنات فإنّ مهور الإماء أقلّ و معونتهنّ أخف عادة، فلو جاز نكاح الكافرة في هذه الحالة لزم جواز نكاح الأمة المؤمنة مع الحرّة الكافرة، و لم يقل به أحد، لأنّه من قبيل الجمع بين الحرّة و الأمة.

ب ـ إنّ التوصيف بالمؤمنات في قوله: (مِّنْ فَتَيَـتِـكُمُ الْـمُؤْمِنَـتِ) يقتضي أن لا يجوز نكاح الفتيات الكافرات مع انتفاء الطول، و ليس إلاّ لامتناع نكاحهنّ مطلقاً، للاجماع على انتفاء الخصوصية بهذا الوجه(2).

يلاحظ على الوجه الأوّل: أنّ أقصى ما يستفاد من الآية على القول بمفهوم الوصف أنّه لا يجوز عند عدم الطول، نكاح الأمة الكافرة مع وجود الأمة المسلمة، و أمّا عدم جواز تزويج الحرّة الكافرة مع الطول أو عدمه، فلا تدلّ عليه الآية، لأنّ المفهوم ينفي الحكم عن الموضوع الفاقد للوصف لا عن موضوع آخر، والموضوع للجواز هو ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات، فمقتضى المفهوم عدم جواز نكاح الأمة الكافرة في هذه الحال، و أمّا الحرّة الكافرة، فهو خارج عن موضوع البحث نفياً و اثباتاً.

و يلاحظ على الوجه الثاني: أنّ التوصيف بالمؤمنات يقتضي أن لايجوز نكاح الكافرة من الاماء مع انتفاء الطول و لكن لم يعلم انّ وجه حرمتها هو امتناع


1. النساء: 25.
2. الشيخ محمّد حسن النجفي: جواهر الكلام 3 / 28.


(462)

نكاحها مطلقاً، سواء كانت أمة أم حرّة، و من أين يدعى الاجماع على انتفاء خصوصية في الأمة؟ إذ من الممكن أن لا يجوز نكاح الأمة الكافرة مع وجود الأمة المسلمة دون الكافرة الحرّة فيجوز نكاحها حتى مع التمكّن من الأمة المسلمة.

3 ـ قال تعالى: (لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَْخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُواْ ءَابَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَ نَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَـئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الاِْيمَـنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوح مِّنْهُ)(1).

يلاحظ عليه: أنّ الآية واردة في حقّ الضعفاء من المسلمين، و لا صلة لها بالكفرة، فهؤلاء كانوا يوالون اليهود و يفشون إليهم أسرار المؤمنين، و يجتمعون معهم على ذكر مساءة النبي وأصحابه، ففي هذه الظروف نزل قوله سبحانه: (لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَْخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللهَ وَرَسُولَهُ)أي لا تجتمع موالاة الكفّار مع الإيمان، اي موالاتهم بما هم كفّار، وأمّا حبّهم لأجل اُمور اُخرى فلاصلة له بالآية، و لا يتزوّج المسلم من الكافرة لأجل موالاة الكافرة، بل لأجل دفع الشهوة أو تعبئة وسائل الحياة.

و أضعف منه الا ستدلال بقوله سبحانه:

4 ـ قال تعالى : (لاَ يَسْتَوِي أَصْحَـبُ النَّارِ وَأَصْحَـبُ الْجَنَّةِ أَصْحَـبُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَآئِزُونَ)(2)إذ لاصلة بين الآية و موضوع البحث فإنّها تنفي كون المؤمن و الكافر عند الله سيّان، وأمّا عدم جواز المعاملة و المناكحة فلا تدلّ عليه .

5 ـ استدلَّ أيضاً: انّ أهل الكتاب مشركون لقوله سبحانه: (وَقَالَتِ )


1. المجادلة: 22.
2. الحشر: 20.


(463)

الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَـرَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ))(1) حيث جعلوا الإبن المزعوم شريكاً للأب في الالوهية، و قال سبحانه: (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلَـثَة)(2).

و قال: (اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَـنَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَ حِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَـنَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)(3) فهذه الآيات تثبت الصغرى، أي كونهم مشركين، وأمّا ما يدلّ على الكبرى أي عدم جواز نكاح المشركات، فقد مرّ في كلام المانع.

يلاحظ عليه أنّ هنا أمرين:

أ ـ كون النصارى و اليهود مشركين في عقيدتهم، و هذا لاكلام فيه.

ب ـ كون المشرك الوارد في قوله (وَلا تَنْكحُوا المُشْرِكات) عامّاً يعمّ الوثنّيين و غيرهم، و لكنّ هذا غير ثابت فإنّ عنوان المشرك في القرآن يختصّ بغير أهل الكتاب بشهادة المقابلة في كثير من الآيات بينهم وبين أهل الكتاب، وإليك بعضها:

(مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَـبِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يَنْزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْر مِّنْ رَبِّكُمْ)(4)، وقد عرفت تحقيق ذلك عند البحث عن حدّ الشرك و الإيمان، فلانعيد(5).

فهذه الآية و غيرها تثبت أنّ الشرك المتّخذ موضوعاً لكثير من الأحكام


1. التوبة: 30.
2. المائدة: 73.
3. التوبة: 31.
4. البقرة: 105.
5. لاحظ الآيات: آل عمران 186. المائدة 82 و غيرهما أيضاً.


(464)

لايشمل أهل الكتاب في مصطلح القرآن و إن كانوا مشركين حسب الواقع، فالكلام في سعة موضوع الحكم (تحريم نكاح المشركات) وضيقه حسب اصطلاح القرآن.

6 ـ قال تعالى : (يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ الْمـُؤْمِنَـتُ مُهَـجِرَ ت فَامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَـنِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَـت فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَءَاتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَسْئَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ ذَ لِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)(1).

وجه الاستدلال انّ الكوافر جمع كافرة، و العصمة المنع، وسمّي النكاح عصمة لأنّ المنكوحة تكون في حبال الزوج و عصمته، و يكون اطلاقها دليلاً على حرمة عقد الكافرة مشركة أو ذمية.

يلاحظ عليه: أنّ الآية ظاهرة في الوثنية بشهادة سياق الآيات، و سبب نزولها فإنّها نزلت بعد التصالح في الحديبية حيث تصالح رسول الله أن يردّ كل من أتى من قريش إلى جانب المسلمين من دون عكس، و بعد ما ختم الكتاب جاءت سبيعة بنت الحرث الأسلمية و قد أسلمت، فأقبل زوجها في طلبها و كان كافراً، فنزلت الآية، فكان رسول الله يردّ من جاءه من قريش من الرجال، ولا يردّ من جاءته من النساء قائلاً بأنّ التصالح لايشمل إلاّ الرجال.

على أنّ ظاهر الآية هو المنع من الاقامة مع الزوجة الكافرة و هذا لايتمّ في الذمّية لصحّة نكاحهنّ استدامة إذا أسلم أحد الزوجين، اجماعاً و إن لم نقل بالصحّة ابتداء، و هذا قرينة على انصراف الآية عن الذمّية إلى الوثنية، و بذلك يظهر ضعف ما أفاده الطبرسي حيث ادّعى دلالة الآية على عدم جواز العقد


1. الممتحنة: 10.


(465)

على الكافرة مطلقاً، بحجّة أنّ الآية عامّ و ليس لأحد أن يخصّ الآية بعابدة الوثن لنزولها بسببهن، لأنّ المعتبر عموم اللفظ، لاالسبب(1).

إلى هنا تمّ ما يمكن الاستدلال به من الآيات على تحريم نكاح الكافرات، وإليك ما استدلّ به القائل بالجواز من الذكر الحكيم أعني قوله سبحانه: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَـتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَـبَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَالُْمحْصَنَـتُ مِنَ الْمُؤْمِنَـتِ وَالُْمحْصَنَـتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكَتِـبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَـفِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَان)(2).

الآية صريحة في جواز نكاح المحصنات من أهل الكتاب، والمتيقّن منها هو الذمّية أو من هو في حكمها كالمهادنة، لا الحربية.

و حمل الآية على النكاح الموقّت بقرينة ورود لفظ «الاُجور» في الآية مكان «المهور» ليس بتام لأنّها وردت في غير موضع من القرآن، و اُريد منه المهر في النكاح الدائم. قال سبحانه في تزويج الاماء عند عدم الطول: (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)(3) و قال تعالى و هو يخاطب النبي: (إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَ جَكَ الَّـتِي ءَاتَيْتَ أُجُورَهُنَّ)(4) ومن المعلوم أنّ المراد هو التزويج الدائم إذ لم يكن بين أزواج النبي من تزوّج بها متعة. نعم المراد من قوله سبحانه: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَــاَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً)(5) هو النكاح الموقّت، بقرينة قوله: (فَمَا )اسْتَمْتَعْتُمْ) مضافاً إلى الروايات المتضافرة في المقام.

و ربّما يحتمل كون الآية منسوخة لما ورد من النهي في آيتي البقرة


1. الطبرسي: مجمع البيان 5 / 274.
2. المائدة: 5.
3. النساء: 25.
4. الأحزاب: 50.
5. النساء: 24.


(466)

و الممتحنة، و لكن قد عرفت عدم دلالة الآيتين على مورد البحث فضلاً عن كونهما ناسختين.

على أنّ سورة المائدة آخر ما نزل على رسول الله، فهي تنسخ ما قبلها، و لا تُنسخ، روى العياشي عن علي قال: كان القرآن ينسخ بعضه بعضاً و إنّما يؤخذ من أمر رسول الله بآخره، و كان من آخر ما نزل عليه سورة المائدة نسخت ما قبلها و لم ينسخها شيء(1).

إلى هنا تمّ ما يرجع إلى المسألة من القرآن الكريم، و أمّا البحث عنها من جانب السنّة فهو موكول إلى محلّه، و قد أوضحنا الكلام فيها في مسفوراتنا الفقهية.

هذا آخر الكلام في عقائد الخوارج و اُصولهم. بقى الكلام في التعرّف على شخصيّاتهم في العصور الأولى و هذا ما يوافيك في البحث الآتي الّذي عقدناه بعنوان «خاتمة المطاف».

* * *


1. الحويزي: نور الثقلين 1 / 483.


(467)

خاتمة المطاف:

رجال الخوارج في العصور الاُولى

قد تعرّفت فيما سبق على الشخصيات البارزة للاباضيّة، ولا بد من التطرّق إلى رجال الخوارج من غيرهم، و نذكر في المقام المعروفين منهم، و إن كان الحكم بكونهم من الخوارج يحتاج الى تتبّع وافر، فإنّ الشهرة في المقام لاتفيد إلاّ الظن. و ربّما يكون رميهم بأنّهم منهم صدر من غير أهله تعنّتاً و حقداً، و على كل تقدير فقد ذكر ابن ابي الحديد لفيفاً ممّن كان يرى رأي الخوارج، و نذكر بعض ما ذكر(1):

1 ـ عكرمة البربري (ت / 105):

و صفه الذهبي بقوله «أحد أوعية العلم، تُكلّم فيه لرأيه لالحفظه، فاتّهم


1. ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 5 / 76.


(468)

برأي الخوارج، وقد وثّقه جماعة و اعتمده البخاري، و أمّا مسلم فتجنّبه و روى له قليلاً مقروناً بغيره، و أعرض عنه مالك، و تحايده إلاّ في حديث أو حديثين. و عن عمرو بن دينار، قال: رُفع إلى جابر بن زيد مسائل أسأل عنها عكرمة، فجعل جابر بن زيد يقول: هذا مولى ابن عباس، هذا البحر فَسَلوه. و قد وصفه شهر بن حوشب و جابر بن زيد بأنّه حبر هذه الاُمة و أعلم الناس، و مع ذلك فقد ضعّفه يحيى بن سعيد الأنصاري و أيّوب و ذكرا عكرمة، فقال يحيى: كذّاب، و قال أيّوب، لم يكن بكذّاب. و عن زيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث قال: دخلت على علي بن عبد الله فإذا عكرمة في وثاق عند باب الحش، فقلت له: ألا تتّق الله، فقال: إنّ هذا الخبيث يَكذِب على أبي. و قال محمّد بن سيرين عن عكرمة، فقال: ما يسوءني أن يكون من أهل الجنّة و لكنّه كذّاب. و قال ابن أبي ذئب: رأيت عكرمة، و كان غير ثقة. و قال محمّد بن سعد: كان عكرمة كثير العلم و الحديث، بحراً من البحور، و ليس يُحتَجّ بحديثه، و يتكلّم الناس فيه.

هذه أقوال الناس في حقّه، وإليك قول نفسه في حقّه:

قال: كان ابن عباس يضع في رجلي الكَبْلَ على تعليم القرآن و الفقه، و قال: طلبت العلم أربعين سنة، وكنت اُفتي بالباب و ابن عباس في الدار.

و هذا قوله في حقّ نفسه، و لا يحتجّ بقول الإنسان في حقّه إذا كان مدحاً، و يؤيّد كون الرجل خارجيّاً ما رواه خالد ابن أبي عمران قال: كنّا بالمغرب و عندنا عكرمة في وقت الموسم فقال: وددت أنّ بيدي حربة فأعترض بها من شهد الموسم يميناً وشمالاً، و عن يقعوب الحضرمي عن جدّه قال: وقف عكرمة على باب المسجد فقال: ما فيه إلاّ كافر، قال: وكان يرى رأي الاباضيّة. و عن يحيى بن بكير قال: قدم عكرمة مصر و هو يريد المغرب، قال: فالخوارج


(469)

الذين هم بالمغرب عنه أخذوا.

قال ابن المديني: كان يرى رأي نجدة الحروري. و قال مصعب الزبيري: كان عكرمة يرى رأي الخوارج. قال: وادّعى على بن عباس أنّه كان يرى رأي الخوارج.

و عن خالد بن نزار: حدثنا عمر بن قيس، عن عطاء بن أبي رباح: انّ عكرمة كان اباضياً، و عن أبي طالب: سمعت أحمد بن حنبل يقول: كان عكرمة من أعلم الناس، ولكنّه كان يرى رأي الصفريّة، ولم يدع موضعاً إلا خرج إليه: خراسان و الشام و اليمن و مصر و إفريقيا، كان يأتي الاُمراء فيطلب جوائزهم، وأتى الجَنَدَ إلى طاوس، فأعطاه ناقةً.

و قال مصعب الزبيري: كان عكرمة يرى رأي الخوارج فطلبه متولّي المدينة فتغيّب عند داود بن الحصين حتى مات عنده. و روى سليمان بن معبد السّنجي قال: مات عكرمة وكُثير عَزَّة في يوم، فشهد الناس جنازة كُثير، و تركوا جنازة عكرمة. و قال عبد العزيز الدراوردي: مات عكرمة و كثير عَزَّة في يوم، فما شهدهما إلاّ سُودان المدينة. و عن إسماعيل بن أبي اُويس، عن مالك، عن أبيه، قال: اُتي بجنازة عكرمة مولى ابن عباس و كثير عزّة بعد العصر، فما علمت أنّ أحداً من أهل المسجد حلّ حبوته إليهما. و قال جماعة: مات سنة خمس و مائة، و قال الهيثم و غيره: سنة ست، و قال جماعة: سنة سبع و مائة. و عن ابن المسيب أنّه قال لمولاه بُرْد: لا تكذب عليَّ كما كذب عكرمة على ابن عباس. و يروى ذلك عن ابن عمر قاله لنافع(1).

وقد روي شيء كثير منه في التفاسير و هي مليئة بأقواله، و يظهر ممّا نقل عنه أنّه يرى الحلف بالطلاق باطلاً، روى الذهبي عن عاصم الأحول، عن عكرمة


1. الذهبي: ميزان الاعتدال 3 / 93 ـ 97 برقم 5714.


(470)

في رجل قال لغلامه: إن لم اجلدك مائة سوط فامرأتي طالق. قال: لايجلد غلامه و لاتطّلق امرأته، هذه من خطوات الشيطان(1).

و ترجمه أبو حاتم الرازي في الجرح و التعديل بذكر نقول مختلفة عنه(2).

و قد ترجمه ابن حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب مفصّلاً، و ذكر أيضاً الأقوال المتضاربة في حقّه (3). و ممّا قال فيه، قال علي بن المديني: كان عكرمة يرى رأي نجدة، و قال يحيى بن معين: إنّما لم يذكر مالك بن أنس عكرمة لأنّ عكرمة كان ينتحل رأي الصفريّة، و قال عطاء: كان اباضياً، و قال الجوزجاني: قلت لأحمد: عكرمة كان اباضياً؟ فقال: يقال إنّه كان صفريّاً. و قال خلاد بن سليمان، عن خالد بن أبي عمران: دخل علينا عكرمة أفريقيا وقت الموسم فقال: وددت أنّي اليوم بالموسم بيدي حربة أضرب بها يميناً و شمالاً. قال: فمن يومئذ رفضه أهل أفريقيا، و قال مصعب الزبيري: كان عكرمة يرى رأي الخوارج وزعم أنّ مولاه كان كذلك، و قال أبو خلف الخزاز عن يحيى البكّاء: سمعت ابن عمر يقول لنافع: اتّق الله ويحك يا نافع، و لا تكذب عليّ كما كذب عكرمة على ابن عباس(4).

2 ـ قطري بن الفجاءة (ت / 78):

أبو نعامة: قطري بن الفجاءة، واسمه جعونة، المازني الخارجي، خرج


1. الذهبي: ميزان الاعتدال 3 / 97 برقم 5714، اشارة إلى قوله تعالى (وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الْشَّيْطَانِ) ـ البقرة: 208 ـ .
2. أبو حاتم الرازي: الجرح و التعديل 7 / 6 ـ 11 .
3. ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب 7 / 234 ـ 242 برقم 476، و لكنّه لم يترجمه في لسان الميزان مع وروده في الميزان للذهبي كما عرفت.
4. المصدر نفسه: 7 / 237.


(471)

في زمن مصعب بن الزبير لمّا ولي العراق نيابة عن أخيه: عبد الله بن الزبير، و كانت ولاية مصعب في سنة ست و ستين للهجرة، قيل: بقى قطري عشرين سنة يقاتِل و يسلم عليه بالخلافة و هو يستظهر عليهم. و لم يزل إلى أن توجّه إليه سفيان بن الأبرد الكلبي فظهر عليه و قتله في سنة ثمان و سبعين للهجرة.

و هو معدود في جملة الخطباء العرب المشهورين بالبلاغة و الفصاحة(1).

نقل الجاحظ خطبة واحدة منه، و التأمّل فيها يعرب أنّه كان منطيقاً ذلق اللسان، قال فيها: أمّا بعد فإنّي اُحذّركم الدنيا، فإنّها حلوة خضرة، حُفَّت بالشهوات، و راقت بالقليل، و تحبّبت بالعاجلة، و حُلِيتْ بالآمال، و تزيّنت بالغرور، لاتدوم حبرتها، ولا تؤمن فجعتها، غرّارة ضرّارة، خوَّانة غدّارة(2).

روي أنّ الحجاج قال لأخيه: لأقتلنّك، فقال: لم ذلك؟ قال: لخروج أخيك، قال فإنّ معي كتاب أمير المؤمنين (يريد عبد الملك) أن لا تأخذني بذنب أخي، قال: هاته، قال: فمعي ما هو أوكد منه، قال: ما هو؟ قال: كتاب الله عزّوجل يقول: (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)(3) فعجب منه و خلّى سبيله(4).

و ترجمه خير الدين الزركلي في الأعلام(5) و يظهر فيما نقله من تاريخ الطبري أنّه توفّي سنة 77 هـ. و الله العالم.

3 ـ عمران بن حطّان السدوسي البصري (ت / 84):

عمران بن حطّان السدوسي البصري الخارجي، روى عن عائشة، و عنه


1. ابن خلكان: و فيات الأعيان 4 / 94 ـ 95.
2. الجاحظ: البيان والتبيين 2 / 112.
3. الأنعام: 164.
4. ابن خلكان: وفيات الأعيان 4 / 94 ـ 95.
5. الاعلام: 5 / 200.


(472)

صالح بن سَرج، لايتابع على حديثه، قاله العقيلي، قال: و كان خارجياً. روى موسى بن إسماعيل عن عمرو بن العلاء ولقيه جرز، حدثنا صالح بن سرج، عن عمران بن حطّان، عن عائشة في حساب القاضي العادل. قلت كان الأولى أن يلحق الضعف في هذا الحديث بصالح أو بمن بعده، فإنّ عمران صدوق في نفسه، قد روى عنه يحيى بن ابي كثير، و قتادة، و محارب بن دثار. و قال العجلي: تابعي ثقة. و قال أبو داود: ليس في أهل الأهواء، أصحّ حديثاً من الخوارج، فذكر عمران بن حطان و أبا حسان الأعرج. و قال قتادة كان لاّيتهم في الحديث. و روى يعقوب بن شيبة أنّه بلغه أنّ عمران بن حطّان كانت له بنت عم كانت ترى رأي الخوارج فتزوّجها ليردّها عن ذلك فصرفته الى مذهبها. وكان عمران من نظراء جرير و الفرزدق في الشعر، و هو القائل:

حتى متى تُسقى النفوس بكأسها * ريب المنون وأنت لاه ترتع

الأبيات.

مات سنة أربع و ثمانين (1).

و ترجمه ابن حجر في تهذيب التهذيب و قال: ذكر أبو زكريا الموصلي في تاريخ الموصل عن محمّد بن بشر العبدي الموصلي قال: لم يمت عمران بن حطّان حتى رجع عن رأي الخوارج انتهى، هذا أحسن ما يعتذر به عن تخريج البخاري له، و أمّا قول من قال: إنّه خرج ما حمل عنه قبل أن يرى ما رأى ففيه نظر، لأنّه اخرج له من رواية يحيى بن أبي كثير عنه، و يحيى إنّما سمع منه في حال هربه من الحجاج و كان الحجاج يطلبه ليقتله من أجل المذهب، و قصته في هربه مشهورة. و قال العقيلي: عمران بن حطّان لايتابع و كان يرى رأي الخوارج يحدّث عن عائشة و لم يتبّين سماعه منها.


1. الذهبي: ميزان الاعتدال 3 / 235 ـ 236 برقم 6277.


(473)

و قال ابن حبّان في الثقات: كان يميل إلى مذهب الشراة. و قال ابن البرقي: كان حرورياً. و قال الدارقطني: متروك لسوء اعتقاده و خبث مذهبه. و قال المبرد في الكامل: كان رأس القعد من الصفرية و فقيههم و خطيبهم و شاعرهم، و القعدة: الخوارج، كانوا لايرون بالحرب بل ينكرون امراء الجور حسب الطاقة و يدعون إلى رأيهم و يزيّنون مع ذلك الخروج و يحسّنونه. لكن ذكر أبو الفرج الاصبهاني انّه إنّما صار قعدياً لما عجز عن الحرب والله أعلم، قلت: وكان من المعروفين في مذهب الخوارج، و كان قبل ذلك مشهوراً بطلب العلم و الحديث ثم ابتلي، و أنشد له من شعره:

لا يعجز الموت شيء دون خالقه * و الموت يفني إذا ما ناله الأجل

و كل كرب أمام الموت منقشع * و الكرب و الموت ممّا بعده جلل(1)

و في الأغاني إنّما صار ابن حطّان من القعدية لأنّ عمره طال وكبر و عجز عن الحرب و حضورها، فاقتصر على الدعوة و التحريض بلسانه، و كان أوّلاً مشمّراً بطلب العلم والحديث ثمّ بلي بذلك المذهب، وقد أدرك صدراً من الصحابة و روى عنهم و روى عنه أصحاب الحديث. وله شعر في مدح عبد الرحمن بن ملجم المرادي ـ لعنه الله ـ قاتل أمير المؤمنين و قائد الغر المحجّلين زوج البتول و صهر الرسول ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ :

لله در المرادي الّذي سفكت * كفّاه مهجة شر الخلق إنسانا

أمسى عشية غشاه بضربته * معطى مناه من الآثام عريانا

يا ضربة من تقي ما أراد بها * إلاّ ليبلغ من ذي العرش رضوانا

إنّي لأذكره حيناً فأحسبه * أوفى البريّة عند الله ميزانا


1. ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب 8 / 113 ـ 114 برقم 223. راجع الاصابة 3 / 178.


(474)

و قد أجابه عنها السيد الحميري الشيعي و هي:

قل لابن ملجم والأقدار غالبة * هدّمت و يلك للإسلام أركانا

قتلت أفضل من يمشي على قدم * و أوّل الناس إسلاماً وإيمانا

و أعلم الناس بالإيمان ثمّ بما * سنّ الرسول لنا شرعاً و تبيانا

صهر الرسول و مولاه و ناصره * أضحت مناقبه نوراً و برهانا

الابيات(1).

و قد ناضله أصحاب الولاء لآل الرسول باشعار كثيرة مضت بعضها فلا حظ .

و في الختام: من أراد التبسّط في ترجمة الرجال فليرجع إلى «الخوارج في العصر الأموي» للدكتور نايف معروف فقد ذكر قسماً كثيراً من أشعاره و حياته قبل أن يلحق بالخوارج فلاحظ.

4 ـ الطرماح بن حكيم (ت 125):

الطرماح بن حكيم الطائيّ الخارجي. و صفه الجاحظ في البيان و التبيين أنّه كان خارجيّاً من الصفرية، ولد ونشأ في الشام، و انتقل إلى الكوفة، فكان معلّماً فيها. و اتصل بخالد بن عبد الله القصري فكان يكرمه و يستجيد شعره، و كان هجّاءً، معاصراً للكميت صديقاً له لايكادان يفترقان، و ذكر شيخنا في الذريعة أنّ المرزباني عمل كتاباً باسم «أخبار الطرمّاح» كما عمل كتاباً آخر باسم «أخبار ابي تمام»(2).


1. البغدادي: خزانة الأدب 2 / 436 ـ 437.
2. الزركلي: الأعلام 3 / 225، و آغا بزرك الطهراني: الذريعة 1 / 238 برقم 1764.

Website Security Test