welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : الملل والنحل/ج5 ( تاريخ الخوارج)*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الملل والنحل/ج5 ( تاريخ الخوارج)

(419)

3 ـ في الخروج على الحاكم الجائر

اتّفقت الخروج على لزوم الخوارج على الحاكم الجائر، و جعلوه فرعاً من الأمر بالمعروف والنهيّ عن المنكر، بشرط القدرة و المنعة عليه، و يظهر ذلك من خطبهم و رسائلهم أوان قيامهم، و هذا عبد الله بن وهب الراسبي عندما غارد مع جماعته الحروريّة، متواجّهاً إلى النهروان، خطب قومه و قال «أمّا بعد فوالله ما ينبغي لقوم يؤمنون بالرحمن، و ينيبون إلى حكم القرآن، أن تكون هذه الدنيا ـ الّتي الرضا بها و الركون إليها و الإيثار إيّاها عناء وتبارـ آثر عندهم من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، والقول بالحقّ، إلى أن قال: فاخرجوا بنا اخواننا من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض كور الجبال أو إلى بعض هذه المدائن منكِرين لهذه البدع».

و قال حرقوص بن زهير: «إنّ المتاع بهذه الدنيا قليل، و إنّ الفراق لها وشيك، فلا تدعونّكم زينتها و بهجتها إلى المقام بها، و لا تُلفتنكم عن طلب


(420)

الحق وإنكار الظلم، فإنّ الله مع الَّذين اتّقَوْا و الّذين هم محسنون»(1).

و هذا نافع بن الأزرق يقول لأصحابه عند خروجه: «إنّ الله قد أكرمكم بمخرجكم، بصّركم عمّا عمي عنه غيركم، ألستم تعلمون أنّما خرجتم تطلبون شريعته و أمره، فأمره لكم قائد، والكتاب لكم إمام، و إنّما تتبعون سننه و أثره...»(2). إلى غير ذلك من كتب القوم و رسائلهم و خطبهم الّتي يرون فيها الخروج على الإمام غير العادل واجباً.

أقول: الكلام في الإمام الجائر يقع في مقامين:

الأوّل: في لزوم إطاعته و عدمه.

الثاني: في وجوب الخروج عليه وعدمه.

أمّا الأول: لاشكّ أنّ إطاعة الإمام العادل من صميم الدين فلا يشكّ في وجوب إطاعته اثنان، إنّما الكلام في إطاعة الحاكم الجائر، فقد ذهب أهل السنّة إلى وجوب طاعته مطلقاً سواء أمر بالمعروف أو أمر بالمنكر، أو في خصوص ما لم يأمر بالمعصية، ولكلٍّ من القولين قائل ونذكر بعض كلماتهم في المقام:

1 ـ قال أحمد بن حنبل في رسالة ألّفها لبيان عقائد أهل السنة: «السمع والطاعة للأئمّة وأمير المؤمنين البرّ والفاجر، ومَنْ ولي الخلافة، فأجمع الناس و رضوا به، و من غلبهم بالسيف، ويُسمّى أمير المؤمنين» (3).

2 ـ و قال الشيخ أبو جعفر الطحاوي الحنفي (م ـ 321) في رسالته المسمّاة بيان السنّة و الجماعة، المشهورة بالعقيدة الطحاوية: «و نرى الصلاة


1. الطبري: التاريخ 4 / 54 ـ 55.
2. الطبري: التاريخ 4 / 439.
3. أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية 2 / 322 نقلاً عن إحدى رسائل إمام الحنابلة، و كلامه مطلق يعم ما إذا أمر بالطاعة أو بالمعصية.


(421)

خلف كل برّ و فاجر من أهل القبلة.. إلى أن قال: ولا ننزع يداً من طاعتهم، و نرى طاعتهم من طاعات الله عزّوجلّ فريضة علينا مالم يأمروا بمعصية»(1).

3 ـ و قال أبو اليُسر محمّد بن عبد الكريم البزدوي: «الإمام إذا جار أو فسق لاينعزل عند أصحاب أبي حنيفة و أجمعهم، و هو المذهب المروي»(2).

إلى غير ذلك من الكلمات الّتي وقفت على بعضها في الجزء الأوّل ـ من هذه الموسوعة ـ عند البحث عن طاعة السلطان الجائر و هي بين مطلق و مقيّد فيما إذا لم يأمر بمعصية.

وهذه النظرية حيكت على طبق الروايات الواردة في الصحاح والمسانيد، و إليك بعضها:

أ ـ روى مسلم في صحيحه: بسنده عن حذيفة بن اليمان قال: قلت: «يا رسول الله، إنّا كنّا بشرٍّ فجاء الله بخير فنحن فيه، فهل من وراء هذا الخير شرّ؟ قال: نعم قلت: هل وارء ذلك الشرّ خير؟ قال: نعم قلت: فهل وراء ذلك الخير شرّ؟ قال: نعم قلت: كيف؟ قال: يكون بعدي أئمّة لايهتدون بهداي ولا يستنّون بسنّتي و سيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس. قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع و تطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك و أخذ مالك فاسمع و أطع»(3).

ب ـ روى أيضاً عن سلمة بن يزيد الجعفي، أنّه سأل رسول الله، فقال: «يا نبيّ الله، أرأيت إن قامت علينا اُمراء يسألونا حقّهم و يمنعونا حقّنا فما تأمرنا؟ فأعرض عنه، ثمّ سأله فأعرض عنه، ثمّ سأله في الثانية أو في الثالثة فجذبه


1. أبو جعفر الطحاوي: شرح العقيدة الطحاوية 110 طبع دمشق.
2. الإمام البزدوي (إمام الفرقة الماتريدية): اُصول الدين 190 طبع القاهرة.
3. مسلم: الصحيح 3 / 1476، كتاب الإمارة، الباب 13، الحديث 1847.


(422)

الأشعث بن قيس و قال: «اسمعوا و أطيعوا، فإنّما عليهم ما حمّلوا و عليكم ما حمّلتم»(1).

و في رواية اُخرى فيه: «فجذبه الأشعث بن قيس فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ : «اسمعوا و أطيعوا، فإنّما عليهم ما حمّلوا و عليكم ما حمّلتم»(2).

ج ـ و روى عن عبادة بن الصامت «قال: دعانا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع و الطاعة في منشطنا و مكرهنا و عسرنا و يسرنا و اثره علينا و أن لاننازع الأمر أهله. قال: «إلاّ أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان»(3).

تحليل هذه النظرية:

إنّ هذه النظرية لايصدّقها الكتاب العزيز و لا السنّة النبويّة ولا سيرة أئمّة المسلمين، كيف يجوز إطاعة أمر الجائر مطلقاً، أو فيما إذا لم يأمر بمعصيته، و قال سبحانه: (وَلاَ تُطِيعُواْ أَمْرَ الْمـُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الاَْرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ)(4) وقد نقل سبحانه اعتذار بعض أهل النار بقوله: (وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَْ)(5) وقد تضافر عن رسول الله أنّه قال: «لا طاعة


1. مسلم الصحيح 3 / 1474، كتاب الامارة، الباب 12، الحديث 1846.
2. مسلم: الصحيح 3 / 1475، كتاب الامارة، الباب 12، ذيل حديث 1846.
3. مسلم الصحيح 3 / 1470، كتاب الامارة، الباب 8 ذيل حديث 1840 (الرقم 42). ولاحظ في الوقوف على سائر الروايات في هذا المجال كتاب دراسات في فقه الدورة الإسلامية 1 / 580 ـ 587 فإنّه بلغ النهاية في جمع الروايات و الكلمات الصادرة عن الفقهاء في المقام.
4. الشعراء: 151 ـ 152.
5. الأحزاب: 67.


(423)

لمخلوق في معصية الخالق»(1).

و روى الإمام الرضا عن آبائه قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ : «من أرضى سلطاناً بما أسخط الله خرج عن دين الله»(2).

و روى مسلم في صحيحه عن ابن عمر أنّه قال: «على المرء المسلم السمع و الطاعة فيما أحبّ و كره إلاّ أن يؤمر بمعصية فلا سمع و لا طاعة»(3).

إلى غير ذلك من الروايات الناهية عن إطاعة الإمام الجائر مطلقاً أو فيما يأمر بمعصية. و الإمعان فيها و في غيرها يعرب عن حرمة الاطاعة مطلقاً، كيف و روى المتّقي الهندي في كنز العمّال عن أَنس قال: «لا طاعة لمن لم يطع الله»(4) نعم كل ما ذكرنا من حرمة الطاعة، مشروط بالقدرة و المنعة، وإلاّ ففيه كلام آخر ليس المقام محل تفصيله.

و أمّا السيرة فتظهر حالها عند الكلام في المقام الثاني:

الثاني: في لزوم الخروج على الحاكم الجائر:

1 ـ ذهب أكثر أهل السنّة إلى حرمة الخروج، وهذا هو إمام الحنابلة يقول في رسالته السابقة: «و الغزو ماض مع الاُمراء إلى يوم القيامة، البرّ و الفاجر، وإقامة الحدود إلى الأئمة، وليس لأحد أن يطعن عليهم و ينازعهم»(5).

2 ـ و قال الشيخ أبو جعفر الطحاوي: «ولا نرى الخروج على أئمّتنا ولا


1. الحر العاملي: الوسائل 11، الباب الحادي عشر من أبواب الأمر بالمعروف 7، و نقله الرضي في نهج البلاغة قسم الحكمة برقم 165.
2. المصدر نفسه برقم 9.
3. مسلم: الصحيح 3، كتاب الامارة، الباب الثامن، الحديث 1839.
4. المتقي الهندي: كنز العمال 6 / 67، الباب 1 من كتاب الامارة، الحديث 14872.
5. تقدم مصدره.


(424)

ولاة أمرنا و إن جاروا»(1).

3 ـ و قال الإمام الأشعري عند بيان عقيدة أهل السنّة: «و يرون الدعاء لأئمّة المسلمين بالصلاح و أن لايخرجوا عليهم بالسيف»(2).

4 ـ وقال الإمام البزدوي: «إذا فسق الإمام يجب الدعاء له بالتوبة، ولا يجوز الخروج عليه لأنّ في الخروج إثارة الفتن و الفساد في العالم »(3).

5 ـ و قال الباقلاني بعدما ذكر فسق الإمام و ظلمه بغصب الأموال، و ضرب الأبشار، و تناول النفوس المحرّمة، و تضييع الحقوق، و تعطيل الحدود: «لاينخلع بهذه الامور ولا يجب الخروج عليه، بل يجب و عظه و تخويفه، و ترك طاعته في شيء ممّا يدعو إليه من معاصي الله»(4).

إلى غير ذلك من الكلمات الّتي فيما ذكرنا غنىً عنها.

نعم هناك شخصيات لامعة أصحروا بالحقيقة و جاءوا بكلام حاسم، وإليك بعض من ذهب إلى وجوب الخروج على الحاكم الجائر:

1 ـ قال أبو بكر الجصّاص في أحكام القرآن: «كان مذهب أبي حنيفة مشهوراً في قتال الظلمة وأئمّة الجور، ولذلك قال الأوزاعي: احتملنا أبا حنيفة على كل شيء حتى جاءنا بالسيف ـ يعني قتال الظلمة ـ فلم نحتمله، وكان من قوله: وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض بالقول، فإن لم يؤتمرله فبالسيف على ما روي عن النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ .

وسأله إبراهيم الصائغ و كان من فقهاء أهل خراسان ورواة الأخبار


1. أشرنا إلى مصدره.
2. أبو الحسن الأشعري: مقالات الإسلاميين 323.
3. الامام البزدوي: اُصول الدين 190.
4. الباقلاني: التمهيد 186 طبع القاهرة.


(425)

ونسّاكهم عن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فقال: هو فرض، وحدّثه بحديث عن عكرمة عن ابن عباس أنّ النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ قال: «أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب و رجل قام إلى إمام جائر فأمره بالمعروف و نهاه عن المنكر فقتل»(1).

2 ـ و قال ابن حزم: «والواجب إن وقع شيء من الجور و إن قلّ، أن يكلّم الإمام في ذلك ويمنع منه، فإن امتنع و راجع الحقّ وأذعن للقود من البشرة أو من الاعضاء، و لإقامة حدّ الزنا و القذف والخمر عليه فلا سبيل إلى خلعه، و هو إمام كما كان، لا يحلّ خلعه. فإن امتنع من انفاذ شيء من هذه الواجبات عليه ولم يراجع، وجب خلعه و اقامة غيره ممّن يقوم بالحقّ، لقوله تعالى: (تَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوُاْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدوَ نِ) ولا يجوز تضييع شيء من واجبات الشرائع» (2).

3 ـ و قال ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح قول أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «لا تقاتلوا الخوارج بعدي» قال:

«و عند أصحابنا انّ الخروج على أئمّة الجور واجب، و عند أصحابنا أيضاً انّ الفاسق المتغلّب بغير شبهة يعتمد عليها، لايجوز أن يُنْصَر على من يخرح عليه ممّن ينتمي إلى الدين، و يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر، بل يجب أن ينصر الخارجون عليه، وإن كانوا ضالّين في عقيدة اعتقدوها بشبهة دينية دخلت عليهم، لأنّهم أعدل منه و أقرب إلى الحقّ، و لاريب في تلّزم الخوارج بالدين، كما لاريب في أنّ معاوية لم يظهر عنه مثل ذلك»(3).


1. الجصّاص: أحكام القرآن 1 / 81 .
2. ابن حزم الأندلسي: الفصل في الملل و الاهواء و النحل 4 / 175.
3. ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 5 / 78.


(426)

4 ـ و قال إمام الحرمين: «إنّ الامام إذا جار، وظهر ظلمه و غيّه ولم يرعو لزاجر عن سوء صنيعة فلأهل الحل و العقد، التواطؤ على ردعه و لو بشهر السلاح ونصب الحروب»(1).

إذا و قفت على هذه النقول، فالحقّ هو وجوب الخروج على الحاكم الجائر إذا كان في ركوبه منصّةَ الحكم خطراً على الإسلام و المسلمين.

و يكفي في ذلك ما ورد حول الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، فإنّ الخروج على السلطان الجائر من مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يقوم به إلاّ أصحاب القدرة و المنعة، الذين لديهم امكانية الكفاح المسلّح .

وأمّا الروايات فيكفي في ذلك ما نذكر:

1 ـ روى الطبري في تاريخه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال، إنّي سمعت علياً ـ عليه السَّلام ـ يقول ـ يوم لقينا أهل الشام ـ: «أيّها المؤمنون، إنّه من رأى عدواناً يُعمل به و منكراً يُدعى إليه، فأنكره بقلبه فقد سلم و برئ، و من أنكره بلسانه فقد اُجر، و هو أفضل من صاحبه، ومن أنكره بالسيف لتكون كلمة الله العليا وكلمة الظالمين السفلى فذلك الّذي أصاب سبيل الهدى و قام على الطريق و نوّر في قلبه اليقين» (2).

2 ـ و في مسند أحمد عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ يقول: «إنّ الله عزّوجلّ لا يعذّب العامّة بعمل الخاصّة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم، وهم قادرون على أن ينكرونه، فإذا فعلوا ذلك عذّب الله الخاصّة و العامّة»(3).


1. التفتازاني: شرح المقاصد 2 / 272 نقلاً عن امام الحرمين.
2. الحر العاملي: الوسائل 11 / 405، الباب 3 من أبواب الأمر و النهي و...، الحديث 8 ، و رواه أيضاً في نهج البلاغة: فيض 1262، عبدة 3 / 243، صالح 541، الحكمة 373.
3. أحمد المسند 4 / 192.


(427)

والقدرة، فمنطق القوة يستعان به إذا لم تثمر المراتب السابقة، وفي بعض الروايات إلماعات إليه، و هي بين كونها نقيّة السند و ضعيفته، و لكن المجموع يفيد اليقين بالمقصود.

3 ـ قال أبو جعفر الباقر ـ عليه السَّلام ـ : «فانكروا بقلوبكم و الفظوا بألسنتكم و صكّوا بها جباههم، ولا تخافوا في الله لومة لائم»(1).

4 ـ إنّ الحسين خطب أصحابه و أصحاب الحرّ، فحمد الله و أثنى عليه ثم قال:

«أيّها الناس إنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحّلاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ يعمل في عباد الله بالاثم و العدوان، فلم يُغَيِّر عليه بفعل ولا قول كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله. ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان و تركوا طاعة الرحمن، و أظهرو الفساد و عطّلوا الحدود، و استأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله وحرّموا حلاله، وأنا أحقّ من غيّر»(2).

5 ـ روى الصدوق باسناده عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمّد ـ عليه السَّلام ـ قال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «إنّ الله لا يعذّب العامّة بذنب الخاصّة إذا عملت الخاصّة بالمنكر سرّاً من غير أن تعلم العامّة، فإذا عملت الخاصّة بالمنكر جهاراً فلم تغيّر ذلك العامة، استوجب الفريقان العقوبة من الله ـ عزّ وجلّ ـ» قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ : «إنّ المعصية إذا عمل بها العبد سرّاً لم يُضّرَّ إلاّ عاملها، فإذا عمل بها علانية ولم يغيّر عليه أضرّت بالعامة». و قال جعفر بن محمّد ـ عليه السَّلام ـ : «و ذلك انّه يذلّ


1. الحرّ العاملي: الوسائل 11 / 403، الباب الثالث من أبواب الأمر بالمعروف 1.
2. الطبري: التاريخ 4 / 304.


(428)

بعمله دين الله و يقتدي به اهل عداوة الله»(1).

و فيما ذكرنا من الروايات كفاية.

أمّا السيرة فحدّث عنها ولا حرج، ففي ثورة الإمام الطاهر الحسين سيّد الشهداء، و ثورة أهل المدينة على زيد الطاغية، و ثورة أهل البيت في فترات خاصة، كفاية لطالب الحق و كلّها تؤيّد نظرية لزوم الخروج على الحاكم الجائر بشروط خاصة مبيّنة في الفقه.

و نكتفي في المقام بما ذكره صاحب المنار قال:

«و من المسائل المجمع عليها قولاً و اعتقاداً: «إنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإنّما الطاعة في المعروف»، و إنّ الخروج على الحاكم المسلم إذا ارتدّ عن الإسلام واجب، وإنّ اباحة المجمع على تحريمه كالزنا و السكر واستباحة ابطال الحدود و شرع مالم يأذن به الله، كفر وردّة، وانّه إذا وجد في الدنيا حكومة عادلة تقيم الشرع، وحكومة جائرة تعطله، وجب على كلّ مسلم نصر الاُولى ما استطاع، و انّه إذا بغت طائفة من المسلمين على اُخرى، وجرّدت عليها السيف، و تعذّر الصلح بينهما، فالواجب على المسلمين قتال الباغية المعتدية حتى تفيء إلى أمر الله.

و ما ورد في الصبر على أئمّة الجور إلاّ إذا كفروا، معارض بنصوص اُخرى، والمراد به اتّقاء الفتنة و تفريق الكلمة المجتمعة، وأقواها حديث: «و أن لاتنازع الأمر أهله إلاّ أن تروا كفراً بواحا». قال النووي: المراد بالكفر هنا المعصية. و مثله كثير. و ظاهر الحديث انّ منازعة الامام الحق في إمامته ننزعها منه لا يجب إلاّ إذا كفر كفراً ظاهرا و كذا عمّاله و ولاته.

و أمّا الظلم و المعاصي فيجب إرجاعه عنها مع بقاء امامته و طاعته في


1. الحرّ العاملي: الوسائل 11 / 407، الباب 4 من أبواب الأمر و النهي و...، الحديث 1.


(429)

المعروف دون المنكر، وإلاّ خلع و نصب غيره.

و من هذا الباب خروج الحسين سبط رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ على امام الجور و البغي، الّذي وليَّ أمر المسلمين بالقوّة والمكر: يزيد بن معاوية خذله الله، وخذل من انتصر له من الكرامية و النواصب الذين لايزالون يستحبون عبادة الملوك و الظالمين، على مجاهدتهم لإقامة العدل و الدين. وقد صار رأي الاُمم الغالب في هذا العصر وجوب الخروج على الملوك المستبدّين المفسدين. وقد خرجت الاُمة العثمانية على سلطانها عبد الحميد خان فسلبت السلطة منه و خلعته بفتوى من شيخ الإسلام» (1).

* * *


1. السيد محمّد رشيد رضا: تفسير المنار 6 / 367، وياليت صاحب المنار (ت 1354) يمشي على هذا الخطّ إلى آخر عمره والقصة ذو شجون، و من أراد التفصيل فليرجع إلى المناظرات الّتي دارت بينه و بين السيد محسن الأمين (ت 1371) فقد أماط الستر عن حياته و تلوّنه فيها، ولاحظ أيضاً كشف الارتياب 64 ـ 77.


(430)


(431)

4 ـ التقية قولاً و عملاً

ذهبت الأزارقة إلى حرمة التقيّة في القول و العمل، بينما ذهبت النجدية إلى جوازها(1) وربّما تنسب حرمة التقيّة إلى جميع الخوارج وإن اُكره المؤمن و خاف القتل(2).

يلاحظ عليه: أنّ التقيّة تنقسم حسب انقسام الأحكام إلى خمسة، فمنها واجب، و منها حرام، فإنّها تجب لحفظ النفوس، و الأعراض، و الأموال الطائلة، كما إنّها تحرم إذا ترتّبت عليها مفسدة أعظم كهدم الدين و خفاء الحقيقة على الأجيال الآتية.

قال الشيخ المفيد: التقيّة جائزة في الدين عند الخوف على النفس، وقد يجوز في حال دون حال للخوف على المال، و لضروب من الاستصلاح.


1. لاحظ فصل عقائد الخوارج و آرائهم.
2. الامام عبده: المنار 3 / 280، بقلم تلميذه السيد محمّد رشيد رضا، و ما ذكره إنّما هو مذهب الأزارقة لا النجدية و ستعرف أنّ التقيّة من تعاليم الاباضية وكانت هي السبب في بقائهم.


(432)

و أقول: إنّها قد تجب أحياناً و يكون فرضاً، و تجوز أحياناً من غير وجوب، و تكون في وقت أفضل من تركها، و يكون تركها أفضل وإن كان فاعلها معذوراً و معفوّاً عنه، متفضّلاً عليه بترك اللوم عليها.

و أقول: إنّها جائزة في الأقوال كلّها عند الضرورة، و ربّما وجبت فيها لضرب من اللطف والاستصلاح و ليس يجوز من الأفعال في قتل المؤمنين ولا فيما يُعْلَم أو يُغْلَب انّه استفساد في الدين، و هذا مذهب يخرج عن اُصول أهل العدل و أهل الامامة خاصّة دون المعتزلة و الزيدية و الخوارج و العامة المتسمّية بأصحاب الحديث(1).

و يكفي في جواز ذلك:

1 ـ قوله سبحانه: (لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَـفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَ لِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيءْ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـةً وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ)(2).

فقوله: ( إِلاَّ أَنْ تَتَّقُواْ) استثناء من أهم الأحوال، أي أنّ ترك موالاة الكافرين حتم على المؤمنين في كلّ حال، إلاّ في حال الخوف من شيء يتّقونه منهم، فللمؤمنين حينئذ أن يوالوهم بقدر ما يتّقى به ذلك الشيء لأنّ درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح.

والاستثناء منقطع، فإنّ التقرّب من الغير خوفاً، بإظهار آثار التولّي، ظاهراً من غير عقد القلب على الحبّ والولاية، ليس من التولّي في شيء، لأنّ الخوف


1. الشيخ المفيد: أوئل المقالات 96 ـ 97. قوله «و العامة المتسمّية بأصحاب الحديث» يعرب عن أنّ غير المعتزلة من أهل السنّة كانوا معروفين في عصر الشيخ (326 ـ 413) بأصحاب الحديث، وأمّا تسمية طائفة منهم بالأشاعرة فإنّما حدث بعد ذلك العصر.
2. آل عمران: 28.


(433)

والحب أمران قلبيّان و متنافيان أثراً في القلب، فكيف يمكن اجتماعهما، فاستثناء الاّتقاء استثناء منقطع.

2 ـ قوله سبحانه: ( مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إِيمَـنِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنُّ بِالاِْيمَـنِ * وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)(1) فترى انّه سبحانه يجوّز إظهار الكفر كرهاً و مجاراة الكافرين خوفاً منهم، بشرط أن يكون القلب مطمئنّاً بالايمان. فلو كانت مداراة الكافرين في بعض الظروف حراماً، فلماذا رخّصه الإسلام و أباحه، وقد اتّفق المفسّرون على أنّ الآية نزلت في جماعة اُكرهوا على الكفر، و هم عمّار و أبوه «ياسر» واُمّه «سميّة»، و قتل أبو عمّار و اُمّه، و أعطاهم عمّار بلسانه، ما أرادوا منه. ثم أخبر سبحانه بذلك رسول الله، فقال قوم: كفر عمّار، فقال ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ : «كّلا، إنّ عمّاراً مُلِئ ايماناً من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه». وجاء عمّار إلى رسول الله و هو يبكي، فقال: «ماوراءك»؟ فقال: «شرّ يا رسول الله، ما تركت حتى نلت منك، و ذكرت آلهتم بخير». فجعل رسول الله يمسح عينيه و يقول: «إن عادوا فعدلهم بما قلت» فنزلت الآية(2).

وبذلك يظهر، أنّ تحريم التقيّة على وجه الاطلاق اجتهاد في مقابل النصّ، فإنّ الآية تصرّح بأنّ من نطق بكلمة الكفر مُكْرَهاً و قاية لنفسه من الهلاك، لاشارحاً بالكفر صدراً، ولا مستحسناً للحياة الدنيا على الآخرة، لا يكون كافراً، بل يعذر.

3 ـ (وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَـنَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أن يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِالْبَيِّنَـتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَـذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً)


1. النحل: 106.
2. الطبرسي: مجمع البيان 3 / 388 و نقله غير واحد من المفسرين.


(434)

يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ))(1) ويقول أيضاً: (وَجَآءَ )رَجُلٌ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَـمُوسَى  إِنَّ الْمَلاََ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّـصِحِينَ )(2).

نعم لوجوب التقيّة أو جوازها شروط و أحكام ذكرها العلماء في كتبهم الفقهية و لأجل ذلك حرّموا التقيّة في موارد، كقتل المؤمن تقيّة، أو ارتكاب محرّم يوجب الفساد الكثير، ولأجل ذلك نرى أنّ كثيراً من عظماء الشيعة و أكابرهم رفضوا التقيّة في بعض الأحايين و تهيّأ وللشنق على حبال الجور، والصلب على أخشاب الظلم. وكلّ من استعمل التقيّة أو رفضها، له الحسنى، وكلّ عمل بوظيفته الّتي عيّنتها ظروفه.

إنّ التاريخ يحكي لنا عن الكثير من رجالات الشيعة الذين تركوا التقيّة و قدَّموا نفوسهم المقدَّسة قرابين للحقّ، و منهم شهداء «مرج العذراء» و قائدهم الصحابّي العظيم الّذي أنهكته العبادة و الورع، حجر بن عدي الكندي، الّذي كان من قادة الجيوش الاسلامية الفاتحة للشام.

و منهم ميثم التمّار، و رشيد الهجري، و عبد الله بن يقطر الذين شَنَقهم ابن زياد في كناسة الكوفة، هؤلاء والمئات من أمثالهم هانت عليهم نفوسهم العزيزة في سبيل الحقّ، ونطحوا صخرة الباطل، بل وجدوا العمل بالتقيّة حراماً، ولو سكتوا وعملوا بها وأصبح دين الإسلام دينَ معاوية و يزيد و زياد و ابن زياد، دينَ المكر، ودينَ الغدر، ودينَ النفاق، ودينَ الخداع، دين كل رذيلة، و أين هو من دين الإسلام الحقّ، الّذي هو دين كل فضيلة، اُولئك هم أضاحي الإسلام و قرابين الحق.


1. غافر: 28.
2. القصص: 20.


(435)

و فوق اُولئك، امام الشيعة، أبو الشهداء الحسين و أصحابه الذين هم سادة الشهداء و قادة أهل الإباء.

وبذلك ظهر أنّ ايجاب التقيّة على الاطلاق و تحريمها كذلك، بين الافراط والتفريط. والقول الفصل هو تقسيم التقيّة إلى الواجب والحرام، أو إلى الجائز ـ بالمعنى الأعم ـ والحرام.

و بما أنّ الشيعة اشتهرت بالتقيّة بين سائر الفرق، و ربّما تُزرى بها و تُتَّهم بالنفاق فقد أشبعنا الكلام فيها، و بيّنا، الفرق بين التقيّة و النفاق في أبحاثنا الكلامية(1).

و هناك كلمة للعلاّمة المحقّق السيد الشهرستاني نأتي بها هنا:

قال: المراد من التقيّة إخفاء امر ديني لخوف الضرر من إظهاره، و التقيّة بهذا المعنى، شعار كلّ ضعيف مسلوب الحرية، إلاّ أنّ الشيعة قد اشتهرت بالتقيّة أكثر من غيرها، لأنّها منيت باستمرار الضغط عليها أكثر من أيّ اُمّة اُخرى، فكانت مسلوبة الحرية في عهد الدولة الأمويّة كلِّه، و في عهد العباسيين على طوله و في أكثر أيام الدولة العثمانية ولأجله استشعروا شعار التقيّة أكثر من أيّ قوم، ولمّا كانت الشيعة تختلف عن الطوائف المخالفة لها في قسم مهم من الاعتقادات في اُصول الدين، و في كثير من المسائل الفقهية، و تستجلب المخالفة (بالطبع) رقابة و حزازة في النفوس، و قد يجرّ إلى اضطهاد أقوى الحزبين لأضعفه، أو اخراج الأعزّ منهما الأذلّ كما يتلوه علينا التاريخ و تصدّقه التجارب، لذلك أضحت شيعة الأئمّة من آل البيت تضطرّ في أكثر الأحيان إلى الكتمان لصيانة النفس و النفيس، والمحافظة على الوداد و الاُخوّة مع سائر اخوانهم المسلمين،


1. لاحظ الإلهيّات 2 / 925 ـ 933 بقلم حسن محمد مكي العاملي .


(436)

لئلاّ تنشق عصا الطاعة، و لكيلا يحسّ الكفّار بوجود اختلاف ما في الجامعة الاسلامية فيوسّعوا الخلاف بين الاُمّة المحمّدية(1).

* * *


1. محمّد علي الشهرستاني (ت 1386): تعاليق أوائل المقالات 96 نقلاً عن مجلّة المرشد 252 ـ 256.


(437)

5 ـ ما تجب معرفته بالتفصيل

إنّ هذه المسألة تفترق عن المسألة الثانية أعني تحديد حقيقة الإيمان و انّ العمل هل هو مقوّم لأقلّ مراتب الإيمان أو لا (وجه الفرق)؟ انّ روح البحث في المقام عن تحديد ما تجب معرفته في مجالي العقيدة و الشريعة، بخلاف المسألة السابقة فإنّ موضوعه تحديد مفهوم الإيمان و انّه هل هو متقوّم بالعقيدة فقط، أو مركّب منها و من العمل؟ فالمسألتان مختلفتان جوهراً فنقول:

الإسلام عقيدة و شريعة، و المطلوب من الاُولى، المعرفة ثم الالتزام القلبي، كما انّ المطلوب من الثانية المعرفة ثم الالتزام العملي، و هذا ممّا لم يختلف فيه اثنان، إلاّ أنّه وقع الاختلاف في تحديد المقدار الّذي تجب معرفته تفصيلاً مقدمة للالتزام القلبي ،كما وقع الخلاف في المقدار الأدنى الّذي تجب معرفته تفصيلاً مقدمة للالتزام العملي، و نحن نبحث عن كلا الأمرين.


(438)

الأمر الأول: ما تجب معرفته في مجال العقيدة:

الّذي يظهر من الطائفة البيهسيّة من الخوارج، لزوم معرفة جميع العقائد الاسلامية تفصيلاً و انّه لولا هذه المعرفة لما دخل الانسان في عداد المسلمين، قالوا: لاُيسلِم أحد حتى يُقر بمعرفة الله، و بمعرفة رسوله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ و بمعرفة ما جاء به محمّد ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ جملة، و الولاية لأولياء الله سبحانه، والبراءة من أعداء الله ـ جلّ وعلا ـ و ما حرّم الله سبحانه ممّا جاء فيه الوعيد فلا يسع الانسان إلاّ علمه و معرفته بعينه وتفصيله(1).

ويظهر هذا القول من بعض علمائنا الامامية. قال العلاّمة الحلّي: أجمع العلماء على وجوب معرفة الله و صفاته الثبوتية و ما يصحّ عليه و ما يمتنع عنه و النبوّة و الامامة و المعاد بالدليل لا بالتقليد(2).

وفي الوقت نفسه هناك من قال منهم بكفاية الاقرار (الا المعرفة) بما جاء من عند الله جملة(3).

و يظهر هذا القول من الاباضية، قال محمّد بن سعد الكدمي ـ وهو من علماء الاباضية في القرن الرابع ـ: «اعلموا أنّ الجملة الّتي دعا إليها محمّد ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وكذلك من دعا إلى دين الله بعد موت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ، ممّا لايسع الناس جهله، و هو الاقرار بالله، انّه واحد، و انّه ليس كمثله شيء، وانّ محمّداً عبده و رسوله، وانّ جميع ماجاء


1. يراجع الفصل التاسع: الفرقة الثالثة: البيهسية.
2. العلاّمة الحلي: الباب الحادي عشر 2.
3. لاحظ عقائد الفرقة البيهسية المنسوبة لأبي بيهس في هذا الفصل و يحتمل أن يكون المراد من «جملة» هو الاعتقاد الاجمالي بما جاء به الرسول فلا يدل على لزوم المعرفة التفصيلية و لكن يخالفه ذيله الصريح في لزومها.


(439)

به محمّد عن الله فهو الحق، فهذا الّذي لايسع جهله في حال من الاحوال(1).

و أضاف البعض الآخر من الاباضية تبعاً لأهل الحديث ثم الأشاعرة، الإيمان بالقدر خيره وشرّه (فيجب معرفتهما) قال ابن سلام: الإيمان أن تؤمن بالله و ملائكته و كتبه و رسله و البعث و اليوم الآخر و الموت و القدر خيره و شرّه من الله عزّوجلّ(2).

ولأجل وجود التطرّف في القول الأوّل قال شيخنا المرتضى الأنصاري عند البحث عن حجّية الظن في اُصول الدين:

«لقد ذكر العلامة (قدس سره) في الباب الحادي عشر في ما يجب معرفته على كلّ مكلّف من تفاصيل التوحيد و النبوّة و الامامة و المعاد اُموراً لا دليل على وجوبها مطلقاً، مدعياً انّ الجاهل بها عن نظر و استدلال خارج عن ربقة الإسلام مستحقّ للعقاب الدائم و هو في غاية الاشكال»(3).

و لأجل تحقيق الحال نبحث عن الموضوع على وجه الايجاز فنقول: إنّ المسائل الاُصولية الّتي لا يطلب فيها أوّلاً و بالذات إلاّ الاعتقاد، على قسمين:

الأوّل: ما وجب على المكلّف الاعتقاد و التدّين به غير مشروط بحصول العلم، فيكون تحصيل العلم من مقدّمات ذلك الواجب المطلق فيجب تحصيل مقدّمته (المعرفة).

الثاني: ما يجب الاعتقاد و الالتزام إذا اتّفق حصول العلم به، و هذا كبعض تفاصيل المعارف الاسلامية الراجعة إلى المبدأ والمعاد.

أمّا القسم الأوّل: أعني ما يجب الاعتقاد به مطلقاً ولأجل كون وجوبه غير


1. أبو سعيد الكدمي: المعتبر 1 / 145 من منشورات وزارة التراث القومي و الثقافة لسلطنة عمان.
2. ابن سلام (ت 273): بدء الإسلام و شرائع الدين 60.
3. مرتضى الأنصاري: الرسائل 170.


(440)

مشروط بشيء يجب تحصيل مقدّمته. فهذا لا يتجاوز عن الاعتقاد بالشهادتين: بشهادة أن لا إله إلاّ الله و شهادة أنّ محمّداً رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ و هذه الشهادة تتضمّن الاعتقاد الاجمالي بصحّة كلّ ما جاء به النبي في مجال العقيدة.

والدليل على كفاية ذلك مايلي:

إنّ النبي الأكرم ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ كان يقبل إسلام من أقرَّ بالشهادتين لفظاً حاكياً عن الاعتقاد به، و هذا يدلّ على أنّه يكفي في دخول الانسان في عداد المسلمين، الاقرار بهما و لا تجب معرفة تفاصيل المعارف و العقائد.

قال أبو جعفر الباقر ـ عليه السَّلام ـ :

إنّ الله عزّوجل بعث محمّداً ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ و هو بمكة عشر سنين(1) ولم يمت بمكة في تلك العشر سنين أحد يشهد أن لا اله إلاّ الله و أنّ محمّداً رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ إلاّ أدخله الله الجنة باقراره و هو إيمان التصديق(2).

فهذا الاستدلال يعطي أنّ حقيقة الإيمان الّتي يخرج الانسان بها عن حدّ الكفر، الموجب للخلود في النار، لم تتغّير بعد إنتشار الشريعة، و بعد هجرة النبيّ إلى المدينة المنوّرة.

نعم ظهرت في الشريعة اُمور صارت ضرورية الثبوت من النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ فيعتبر في تحقّق الإسلام عدم انكارها (لا لزوم التصديق بها تفصيلاً) و لكن هذا لا يوجب التغيّر في ما يقوم الإيمان به، فإنّ المقصود انّه لا يعتبر في الإيمان أزيد من التوحيد و التصديق


1. يريد الدعوة العلنية فإنّها كانت عشر سنين و كانت في السنين الثلاثة الاُولى سرّية.
2. الكليني: الكافي 2 / 29 برقم 1510.


(441)

بالنبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ و انّه كان رسولاً صادقاً فيها يبلّغ، ولا تلزم معرفة تفاصيل ذلك و إلاّ لزم أحد الأمرين:

1 ـ أن لا يكون من آمن بمكة من أهل الجنّة لعدم إيمانهم.

2 ـ أن تكون حقيقة الإيمان بعد انتشار الشريعة تختلف عن صدر الإسلام و كلا الأمرين كما ترى.

نعم لمّا كان الاعتقاد بالمعاد و الحياة الآخرة بمثل البُنْية التحتية للدعوة الاسلامية بل لجميع الشرائع السماوية على وجه لا تتّصف الدعوة بالالهية بدون الاعتقاد بها. لابدّ من الاعتقاد بها في إطار الشهادتين فإنّه ينطوي في طيّاتهما يوم بعث النبيّ الأكرم بالهداية.

و يؤيّد ما ذكرنا ما رواه البخاري في ذلك المجال وإليك نصّه:

قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ يوم خيبر: لاُعطينّ غداً هذه الراية رجلاً يحبّ الله و رسوله يفتح الله على يديه. قال عمر بن الخطاب: ما أحببت الامارة إلاّ يومئذ، قال: فتساورت لها رجاء أن اُدعى لها، قال: فدعا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ علي بن أبي طالب فأعطاه إيّاها و قال:

امش و لا تلتفت حتى يفتح الله عليك. فسار علي شيئاً ثم وقف و لم يلتفت و صرخ: يا رسول الله على ماذا اُقاتل الناس؟

قال ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ : قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله و أنّ محمّداً رسول الله فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم و أموالهم إلاّ بحقّها، و حسابهم على الله(1).

فإذا كان الاقرار بالشهادتين كافياً في توصيف المقر مسلماً و مؤمناً، فيدل


1. مسلم: الصحيح 7 / 121، ابن عساكر: ترجمة الإمام علي 1 / 159 ح 222، النسائي: خصائص أمير المؤمنين 57.


(442)

بالملازمة على عدم لزوم معرفة ما سواهما.

و يوضّح ذلك أيضاً ما رواه الامام الرضا ـ عليه السَّلام ـ عن آبائه عن علي ـ عليه السَّلام ـ : قال النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ : اُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله ن فإذا قالوها فقد حرم عليّ دماءهم و أموالهم(1).

و روى أبو هريرة: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ : اُمرت أن اُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله فإذا قالوا لا الاّ الله عصموامنّي دماءهم و أموالهم إلاّ بحقّها و حسابهم على الله (2). و الاستدلال بالروايتين حسب مامرّ في غيرهما من الدلالة الالتزامية على عدم لزوم معرفة غيرهما.

وأمّا معرفة ما عدا ذلك من المعارف فلم يدلّ دليل على وجوب معرفتها بل الأصل المحكم عدم الوجوب إلاّ مادلّ الدليل الثانوي على وجوبه(3).

هذا كلّه في المعارف الّتي تجب معرفتها بلا قيد، ولأجل ذلك يجب تحصيل معرفتها.

أمّا القسم الثاني: أعني ما يجب الاعتقاد به لو وصل العلم به، فهذا كمعرفة صفات الربّ و أوصافه و المعرفة التفصيلية للمعاد و الحياة الاُخروية، كلّ ذلك يجب الاعتقاد به إذا حصل العلم و المعرفة و لكن لا يكون ذلك دليلاً على اعتباره في الإسلام أو الإيمان بأدنى مراتبه.


1. المجلسي: البحار 68 / 242.
2. المجلسي: البحار 68 / 242 نقله عن مشكاة المصابيح في التعليقة.
3. كمعرفة الامام الّتي دلّت الأدلّة على وجوب معرفته. نعم إنّ ما رواه البخاري: الصحيح: 1 / 14 كتاب الإيمان عن النبي الأكرم من بناء الإسلام على خمس و أضاف بعد الشهادتين: اقامة الصلاة وايتاء الزكاة والحج، و صوم شهر رمضان، فهو خارج عن موضوع البحث و داخل في البحث الآتي: «ما يجب تعلّمه في مجال الشريعة».


(443)

ما يجب تعلّمه في مجال الشريعة:

هذا كلّه في مجال العقيدة و أمّا مجال الشريعة فتجب معرفة ما يبتلى به المكلّف في حياته من الأحكام الفرعية.

فالحق، التفصيل بين ما تعم البلوى بها و غيره، أمّا الأوّل فتجب معرفة أحكامه فلا يجوز للمكلّف الدخول في العمل مع الظن بالابتلاء بما لايعلم حكمه كأحكام الخلل، الشائع وقوعه في الصلاة. و أمّا الثاني أعني ما لا يتّفق الابتلاء به إلاّ نادراً فلا يجب تعلّم حكمه قبل الابتلاء للوثوق بعدم الابتلاء به غالباً و على ذلك جرت السيرة بين المسلمين مضافاً إلى أنّ إيجاب معرفة جميع الأحكام تفصيلاً ممّا يوجب العسر و الحرج و يوجد الفوضى في الحياة.

و هذا هو الظاهر أيضاً من بعض علماء الاباضية: قال: إذا لزمه شيء من ذلك ممّا يفوت مثل الصلاة، و الصوم، أو ممّا يفوت وقته من جميع الفرائض اللازمة له، ممّا يفوت وقته ويبطل و حضر وقته و وجب العمل به، فمعنى انّه قيل إنّ عليه طلب العلم، من جميع ما جهل من ذلك(1).

فما ورد في الشريعة الاسلامية من الحق الأكيد على تحصيل العلم كآية أهل الذكر (النحل: 46). و الأخبار الدالّة على وجوب طلب العلم و التفقّه كلّها منصرفه إلى الموارد المبتلى بها، فمن أراد التفصيل فليرجع إلى محلّه(2).

* * *


1. أبو سعيد الكدمي: المعتبر1 / 70 .
2. لاحظ الرسائل للشيخ مرتضى الأنصاري 400 آخر مبحث الاشتغال.


(444)


(445)

6 ـ حكم الدار

وصف الدار بكونها دار اسلام أو إيمان، أو داركفر، هو من جهة لحوق بعض الأحكام الشرعية بالمقيمين فيها، مثل جواز المناكحة و التوارث إذ لم يعرف حاله، و الصلاة خلفه أو عليه إذا مات، و الدفن في مقابر المسلمين، و موالاته و معاداته، إلى غير ذلك من الأحكام، و قد اختلفت الآراء في الأمر الّذي يصير سبباً لوصف الدار بكونها دار إسلام أو كفر.

منهم من اعتبر الكثرة، فإذا كان الأكثر من أهل الدار على دين الإسلام فهي دار إسلام و إلاّ فدار كفر.

و منهم من اعتبر مع الكثرة، الغلبة أيضاً، بأن يكون غالبين قاهرين على الاُمور.

و منهم من اعتبر زوال التقية، فمتى لم يكن أهل الدار في تقيّة من السلطان في اظهار شعائر الدين فهي دار إسلام.

و منهم (كثير من الزيدية و المعتزلة) ذهب إلى أنّ المناط في ذلك، بما


(446)

يظهر في الدار و يوجد المقيم بها من الحال، فإذا كانت الدار بحيث يظهر فيها الشهادتان ظهوراً، لايمكن المقام فيها إلاّ بإظهارهما أو الكون في ذمّة و جوار من مظهرهما، ولا يتمكّن المقيم من اظهار خصلة من خصال الكفر فهي دار إسلام، و إن لم تكن الدار بهذا الوصف الّذي ذكرناه فهي دار كفر. ولا اعتبار عندهم مع ذلك بما يكون عليه أهلها من المذاهب المختلفة بعد تحقّق ما ذكرناه(1).

و قال شيخنا المفيد: إنّ الحكم في الدار على الأغلب فيها، و كلّ موضع غلب فيه الكفر فهو دار كفر، وكلّ موضع غلب فيه الإيمان فهو دار إيمان، وكلّ موضع غلب فيه الإسلام فهو دار إسلام، قال الله تعالى في وصف الجنّة: (وَ لَنِعْمَ دَارُ المُتَّقِين)(2) وإن كان فيها أطفال و مجانين(3).

وقال في وصف النار: (سَاُريكُمْ دَارَ الفَاسِقِين)(4) و إن كان فيها ملائكة الله مطيعون. فحكم على كلتا الدارين حكم الأغلب فيها(5).

هذه هي الأقوال الدارجة في حكم الدار، و المعروف عن الخوارج رأيان:

1 ـ كلّ بلد ظهر فيه الحكم بغير ما أنزل الله فهو دار كفر.

2 ـ إذا كفر الإمام فقد كفرت الرعيّة، الغائب منهم و الشاهد(6).

و في الرأي الثاني تطرّف واضح، إذ كيف يكون كفر الإمام سبباً لكفر الرعيّة، أما سمعوا قول الله سبحانه: (ألاّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ اُخْرَى)(7). وكان يقول


1. العلاّمة الزنجاني: التعليقة على أوائل المقالات 70.
2. النحل: 30.
3. فيه و ما بعده تأمّل واضح.
4. الأعراف: 145.
5. المفيد: أوائل المقالات 70 ـ 71.
6. لاحظ ماذكرناه في حقّ البيهسيّة.
7. النجم: 38.


(447)

علي ـ عليه السَّلام ـ في هذا الشأن مخاطباً الخوارج: فإن أبيتم إلاّ أن تزعموا أنّي أخطأت، وضللت، فلم تُضلِّلون عامّة اُمّة محمّد ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ بضلالي و تأخذونهم بخطئي، و تكفّرونهم بذنوبي (1).

* * *


1. الرضي: نهج البلاغة، الخطبة 127.

Website Security Test