welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : الملل والنحل/ج5 ( تاريخ الخوارج)*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الملل والنحل/ج5 ( تاريخ الخوارج)

(391)

2 ـ حكم مرتكب الكبيرة من الجهات الثلاث

إنّ أوّل مسألة ـ بعد الإمامة ـ أثارت ضجّة كبرى بين المسلمين وفرّقتهم إلى فرقتين بل إلى فرق: مسألة حكم مرتكب الكبيرة، فقد وقع البحث فيها في جهات ثلاث:

الجهة الاُولى: هل مرتكب الكبيرة مؤمن أو مشرك؟

الجهة الثانية: هل مرتكب الكبيرة مؤمن أو كافر؟

الجهة الثالثة: هل مرتكب الكبيرة محكوم بالخلود في النار أو لا؟

و أساس المسألة هو أنّ العمل هل هو جزء من الإيمان أو لا؟: فعلى الأوّل فإذا أخلَّ بحكم من أحكام الإسلام كما إذا ارتكب الحرام أو ترك الواجب لا جاحداً لحرمته أو وجوبه، بل لغلبة هواه على عقله، يخرج عن دائرة الإيمان، و على الثاني يبقى مؤمناً و يوصف بالفسق و الخروج عن الطاعة، ولأجل ايضاح المقام نشير إلى الآراء المختلفة في هذا الباب:

ذهبت الأزارقة إلى أنّ مرتكب المعاصي مشرك فضلاً عن كونه كافراً من


(392)

غير فرق بين الكبيرة والصغيرة، وذهبت النجدية إلى أنّ مرتكب الكبيرة مشرك، وأمّا الصغائر فلا، فهاتان الطائفتان من متطرّفة الخوارج، تتّفقان في كون ارتكاب الكبائر موجباً للشرك و الكفر، ويختلفان في الصغائر، فتراها الأزارقة مثل الكبائر دون النجدية.

و ذهبت الاباضية إلى كون الارتكاب كفراً لاشركاً، و الكفر عندهم أعم، من كفر الجحود و كفر النعم، فمرتكبها من المؤمنين كافر كفر النعمة لاكفر الجحود.

و ذهبت المعتزلة إلى أنّ مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين لا مؤمن ولا كافر فضلاً عن كونه مشركاً. نعم اتّفقت المعتزلة و الخوارج على كونه مخلَّداً في النار إذا مات غير تائب، وذهبت الإمامية والأشاعرة و أهل الحديث إلى كون مرتكب الكبيرة مؤمناً فاسقاً غير مخلّد في النار.

هذه هي الأقوال و الاّراء البارزة في المقام، ولنركّز البحث في الجهات الثلاثة ونجعل الجميع مسألة واحدة، فإنّ كلّ واحدة، وجه لعملة واحدة، وإن كان للعملة الرائجة وجهان:

الجهة الاُولى ـ هل مرتكب المعاصي مشرك ؟

قد عرفت أنّ الأزارقة ذهبت إلى أنّ المعاصي كلّها شرك و مرتكبها مشرك(1) ولأجل تحليل هذا القول نذكر ما هو حدّ الشرك و محقّقه، فنقول: لو افترضنا أنّ مرتكب الكبيرة كافر، لا يصحّ لنا توصيفه بالشرك، فإنّ للشرك معنىً محدّداً لا ينطبق على مرتكب الكبيرة إلاّ في ظروف خاصّة و هي خارجة عن موضوع البحث، وتوضيح ذلك بوجهين:


1. صالح أحمد الصوافي: الإمام جابر بن زيد العماني: 252.


(393)

1 ـ إنّه سبحانه قسّم الكافر إلى مشرك و غيره و قال: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتابِ وَ المُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الَبَيِّنَةُ)(1) وقال سبحانه: (لَتَجِدَنَّ اَشَدَّ النّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُو )اليَهُودَ وَالَّذِينَ اَشْرَكُوا)(2) كلّ ذلك يدلّ على أنّ للمشرك معنىً محدداً لاينطبق على الكافرين من أهل الكتاب فضلاً على المسلم المعتقد بكل ما جاء به الرسول، إذا ارتكب كبيرة لا لاستهانة بالدين بل لغلبة الهوى على العقل، فكيف يمكن أن نعدّ كلّ كافر مشركاً، فضلاً أن نعدّ المسلم المرتكب للكبيرة مشركاً؟

ثمّ لو افترضنا صحّة كون أهل الكتاب مشركين في الحقيقة و في الواقع، كما هو غير بعيد لقوله سبحانه: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالّوا إِنَّ اللهَ ثاِلثُ ثَلاثَة وَ ما مِنْ إِله إِلاّ إِلهٌ واحِدٌ)(3) ولكنّه اصطلاح ثانوي لايكون منافياً لما جرى عليه القرآن من عدّ أهل الكتاب في مقابل المشركين.

و يظهر ذلك من الروايات الواردة حول الرياء فإنّ المرائي، قد وصف بالشرك، ولكنّه شرك خفي لاصلة له بالشرك المصطلح في القرآن الكريم.

روى علي بن إبراهيم في تفسيره عن أبي جعفر الباقر قال: سئل رسول الله عن تفسير قوله الله عزّوجل: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ اَحَدَاً)(4) فقال من صلّى مراءاة الناس فهو مشرك ـ إلى أن قال ـ ومن عمل عملاً ممّا أمر الله به مراءاة الناس، فهو مشرك، ولا يقبل الله عمل مراء(5).


1. البينة: 1.
2. المائدة: 82 .
3. المائدة: 73.
4. الكهف: 110.
5. الحر العاملي: وسائل الشيعة 1، الباب الحادي عشر من أبواب مقدمات العبادات 13 ـ 50.


(394)

ولكن ذلك مصطلح آخر، أو استعارة له للمورد لتأكيد الأمر لما عرفت من أنّ المشرك في القرآن الكريم يطلق على غير المعتنقين لاحدى الشرائع السماوية، من غير فرق بين اليهود والنصارى و غيرهم.

2 ـ إنّ الشرك عبارة عن تصوّر ندٍّ وثان لله سبحانه في ذاته أو صفاته أو أفعاله، قال سبحانه: (فَلا تَجْعَلُوا لله اَنْدَاداً وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)(1) وقال سبحانه: (وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ الله أنْداداً )يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ الله)(2) وقال تعالى: (وَ جَعَلُوا لله أنْدَاداً لِيُضلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ)(3) إلى غير ذلك من الآيات الّتي تشرح لنا حقيقة الشرك و خصوصياته(4).

ولأجل تصوّر الندِّ و المثل لله سبحانه في الذات أو الصفات أو الأفعال، كانوا يعبدون الأصنام بحكم انّها أنداد لله تبارك و تعالى، فكانوا يساوونها بالله تعالى في العقيدة و العبادة، قال تعالى: (تَالله إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالِ مُبِين * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ العَالَمِينَ)(5).

فعلى ضوء ذلك فلا يصحّ لنا توصيف إنسان بالشرك و عدّه من المشركين إلاّ إذا اعتقد بندٍّ لله تبارك و تعالى و لو في مرحلة من المراحل، ولأجل هذه العقيدة كان المشركون يفرّون من كلمة (لا إله إلاّ الله) لكونها على جانب النقيض من عقيدتهم، قال سبحانه: (إنَّهُمْ كَانوا اِذا قيلَ لَهُمْ لاَ إِلهَ إلاَّ الله يَسْتَكْبْرُونَ * وَ يَقُولُونَ أئِنَا لَتارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِر مَجْنُون)(6).


1. البقرة: 22.
2. البقرة: 165.
3. إبراهيم: 30.
4. لاحظ: سورة سبأ / 33، الزمر / 8 ، فصلّت / 9.
5. الشعراء: 97 ـ 98.
6. الصافّات 35 ـ 36.


(395)

وقال تعالى: (وَ اِذَا ذُكِر الله وَحْدَهْ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤمِنُونَ بالآخِرَةِ وَ اِذَا ذُكِرَ الَّذينَ مِنَ دُوِنِهِ اِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ)(1) وقال تعالى: (ذلِكُمْ بِأنَّهُ اِذَا دُعِىَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤمِنوا )فَالحُكْمُ للهِ العَلِىِّ الكَبِير)(2).

فهذه الآيات تحدّد حقيقة الشرك و تُعرِّف المشرك بمضامينها، فهل يمكن توصيف المسلم المؤمن الموحّد، بالشرك مع أنّه لم يتّخذ أي ندٍّ و مثل في مجال الذات و الصفات و الأفعال، ولم يعبد غيره، وإنّما وحّده في الذات، والصفات، والأفعال، و في مقام القيام بوظائف العبوديّة لم يعبد إلاّ الله سبحانه. نعم غلبت عليه ـ أحياناً ـ شقوته، وسيطرت عليه نفسه الأمّارة فركب الحرام مع وجل و خوف.

وبذلك ظهر أنّ الكفر أعم من الشرك، فمن لم يتّخذ ندّاً و مثلاً لله سبحانه، و لكنّه كفر برسله و كتبه و ما نزّل الله سبحانه، فهو كافر لامشرك، و أوضح منه من آمن بالله ولم يكفر بشيء ممّا أنزله و أرسله غير أنّه صار مقهوراً فارتكب شيئاً حرّمه الله أو ترك فريضة أوجبها الله سبحانه.

فاتضح بذلك بطلان قول الأزارقة من أنّ المعاصي كلّها شرك كبطلان قول النجدية بأنّ الكبائر كلّها شرك وأمّا الصغائر فلا، إذ لاينطبق معيار الشرك على مجرّد ارتكاب المعصية، صغيرة كانت أو كبيرة.

أدلّة الأزارقة على أنّ المعاصي شرك:

استدلّت الأزارقة على أنّ المعاصي كلّها شرك بآيات و المهم فيها آيتان وإليك البيان:


1. الزمر: 45.
2. غافر: 12.


(396)

1 ـ (وَ مَنْ يُشْرِكْ بِالله فَقَدْ ظَلّ ضَلالاًبَعِيداً)(1).

يلاحظ عليه: أنّ ظاهر الاّية انّ المشرك ممّن «ضلّ ضلالاً بعيداً»، فلو فرضنا أنّ مرتكب الكبيرة من مصاديق تلك الضبابطة فلا تدلّ الآية على أنّه مشرك لأنّ ظاهر الآية أنّ المشرك من مصاديق «فَقَدْ ضل ضَلالاً بعيداً» لا أنّ «كلّ من ضلّ ضلالاً بعيداً فهو مشرك» إذ من المحتمل أن تكون الضابطة أعم من الشرك، فمثل الآية مثل قولنا: «كل جوز مدوّر لا أنَّ كل مدوّر جوز».

أضف إلى ذلك: انّ مرتكب الكبيرة إذا كان موحّداً مؤمناً بما أنزل الله تعالى، ليس من جزئيات قوله: «ضلّ ضلالاً بعيداً» لأنّ القرآن إنّما يستعمله في المشرك والكافر الجاحد، لا المؤمن المعتقد الّذي غلبه هواه، و يعلم ذلك بالتتبع في موارد وروده في الذكر الحكيم.

قال سبحانه (وَ وَيْلٌ للْكافِرِينَ مِنْ عَذَاب شَديد * الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الحَيَاةَ الدُّنْيا عَلَى الاّخِرَةِ وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَ يَبْغُونَهَا عِوَجَاً اُولئكَ فِي ضَلال بَعِيد)(2).

وقال سبحانه: (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمَاد اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْم عَاصِف لاَيَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْء ذَلكَ هُوَ الضَّلاَلُ البَعِيدُ)(3).

وقال تعالى: (يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَالا يَضُرُّهُ وَ مَالاَ يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ البَعِيدُ)(4)

وقال تعالى: (بَلِ الَّذينَ لايُؤْمِنُونَ بالآخِرِة فِي العَذَابِ و الضَّلال البَعِيدِ)(5).


1. النساء: 116.
2. إبراهيم: 2 ـ 3.
3. إبراهيم: 18.
4. الحج: 12.
5. سبأ: 8 .


(397)

و قال تعالى: (إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلال بَعِيد)(1).

و قال (الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللهِ إلهاً آخر... وَلكِن كَانَ فِي ضَلال بَعيِد)(2).

فظهر من ذلك أنّ الضلال البعيد مفهوم ينطبق على الجاحد مشركاً كان أم كافراً غير مشرك، ولا ينطبق على المؤمن بكل ما أنزل الله غير أنَّه غلب عليه هواه فركب الكبيرة.

2 ـ قال سبحانه: (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَ إنَّهُ لَفِسْقٌ وَ إنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلَى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَ إنْ أَطَعْتُمُوهَمْ إنَّكُمْ لمُشْرِكُونَ)(3).

قالوا: إنّ معنى الآية انّكم إن أطعتموهم بأكل الميتة فأنتم أيضاً مشركون.

يلاحظ عليه: أنّ المراد هو الإطاعة في استحلال الميتة لا في أكلها، ولا شك انّ المستحلّ لما حرّم الله مشرك و ذلك لما قرّرنا في محلّه انّ التقنين والتشريع من فعله سبحانه و ليس في عالم التشريع مشرّع سواه، فالمستحلُّ للميتة يصوّر ندّاً لله سبحانه، لا في الذات و الصفات بل في الأفعال و يشرك الغير معه في اعطاء فعله لغيره.

ويوضحه قوله سبحانه: (اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أرْباباً مِن دُون اللهِ وَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ)(4) فقد ورد في تفسيره انّهم ما صلّوا ولا صاموا للأحبار والرهبان، بل أطاعوهم في تحليلهم الحرام وتحريمهم الحلال(5).

* * *


1. الشورى: 18.
2. ق: 26 ـ 27.
3. الأنعام: 121.
4. التوبة: 31.
5. الطبرسي: مجمع البيان 3 / 23.


(398)

الجهة الثانية ـ هل مرتكب المعاصي مؤمن أو كافر؟:

قد عرفت أنّ الأزارقة و النجدية قالوا إنّ المعاصي شرك، و خالفهم الاباضية، فوصفوها بالكفر، و مرتكبها بالكافر، و يقع الكلام في الجهة الثانية في هذا الجانب، و قبل الخوض في تحليل دلائلهم نذكر ما هو حقيقة الإيمان و الكفر، فنقول:

إنّ حقيقة الإيمان هو التصديق القلبي، والقلب هو مرتكز لوائه، و أمّا العمل فهو من مظاهره لامن مقوّماته و يظهر ذلك من غير واحد من الآيات. قال سبحانه:

(أُولِئِك كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمانَ)(1)، و قال سبحانه: (وَلمّا يَدْخُلِ الإيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ)(2)، و قال تعالى: (وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ)(3).

وتؤكّد آيات الطبع و الختم على أنّ محلّ الإيمان هو القلب، قال سبحانه: (اُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَ سَمْعِهِمْ وَ أبْصَارِهِمْ وَ أُلئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ)(4)، وقال سبحانه (وَ خَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَ قَلْبِهِ وَ )جَعَلَ عَلَى بَصَرِهَ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللهِ أفَلاَ تَذَكَّرُونَ)(5) والختم على السمع و البصر لكونهما من أدوات المعرفة الّتي يستخدمها القلب.

نعم كون القلب مركزاً للإيمان و خروج العمل عن كونه عنصراً مقوّماً للإيمان، لايعني أنّ التصديق القلبي يكفي في نجاة الإنسان في الحياة الأُخروية بل يعني أنّه يكفي في خروج الإنسان عن زمرة الكافرين ـ الذين لهم خصائص


1. المجادلة: 22.
2. الحجرات: 14.
3. النحل: 106.
4. النحل: 108.
5. الجاثية: 23.


(399)

وأحكام ـ التصديق القلبي، فيحرم دمه وماله و تحلّ ذبيحته و تصحّ مناكحته إلى غير ذلك من الأحكام الّتي تترتّب على التصديق القلبي إذا أظهره بلسانه أو وقف عليه الغير بطريق من الطرق، و أمّا كون ذلك موجباً للنجاة يوم الحساب فلا، فإنّ للنجاة في الحياة الاُخروية شرائط اُخرى تكفّل ببيانها الذكر الحكيم و السنّة الكريمة.

وبذلك يفترق عن قول المرجئة الذين اكتفوا بالتصديق القلبي أو اللساني واستغنوا عن العمل، وبعبارة اُخرى قدَّموا الإيمان و أخَّروا العمل، فهذه الطائفة من أكثر الطوائف خطراً على الإسلام و أهله، لأنّهم بإذاعة هذا التفكير بين الشباب، يدعونهم إلى الإباحية و التجرّد عن الأخلاق و المثل الاسلامية، ويعتقدون أنّ الوعيد خاص بالكفّار دون المؤمنين، فالجحيم و نارها و لهيبها لهم دون المسلمين، ومعنى هذا أنّه يكفي في النجاة الإيمان المجرّد عن العمل، وأيّ خطر أعظم من ذلك؟

و على ضوء ذلك يظهر المراد ممّا رواه البخاري عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ: بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله، و اقامة الصلاة و ايتاء الزكاة والحج و صوم رمضان(1) فإنّ المراد من الإسلام، ليس هو الإسلام المقابل للإيمان في قوله سبحانه: (قَألتِ الأعرابُ آمَنَّا قُل لَمْ تَؤْمِنوا وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَ لَمَّا يَدْخُل الإيمانّ فِي قُلُوبِكُمْ)(2) ولا الإسلام و الإيمان بأقل درجاتهما الّذي له أحكام خاصّة، بل الإيمان المنجي لصاحبه من العذاب الأليم. وهذا لايضر بما قلنا من أنّ مقوّم الإيمان، هو العقيدة القلبية. وإليه ينظر ما روي عن الإمام الصادق من


1. البخاري: الصحيح 1 / 14 كتاب الإيمان.
2. الحجرات: 14.


(400)

أنّ الإسلام يحقن به الدم و تؤدّى به الأمانة، و يستحلّ به الفرج، والثواب على الإيمان(1).

و بالجملة انّ كون التصديق القلبي مقياساً للإيمان غير القول بأنَ التصديق القولي أو القلبي المجرّدين عن العمل كاف للنجاة، ولأجل ذلك تركّز الآيات على العمل بعد الإيمان و تقول: (إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ اُولئِكَ هُمْ خَيْرُ البَرِيَّةِ)(2) وقال تعالى: (وَ مَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَ )هُوَ مُؤمِنٌ)(3) و قال تعالى: (يَا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)(4) فلو كان العمل عنصراً مقوّماً لحقيقة الإيمان فما معنى الامر بالتقوى بعد فرض الإيمان لأنّه يكون أشبه بطلب الأمر الموجود و تحصيل الحاصل.

أدلّة الخوارج على أنّ ارتكاب المعاصي كفر:

هناك آيات تتمسّك بها الخوارج على أنّ العمل عنصر مقوّم لحقيقة الإيمان حّتى المرتبة الضعيفة، نشير إلى بعضها:

1 ـ (وَ لِلّهِ عَلَى النَّاسِ حجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلاً وَ مَنْ كَفَرَ فإنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ)(5) فسمّى سبحانه تارك الحج كافراً.

يلاحظ عليه: أنّ المراد كفر النعمة، حيث إنّ ترك فريضة الحج مع الاستطاعة كفران لنعمته سبحانه وقد استعمل الكفر في مقابل شكر النعم إذ قال


1. البرقي: المحاسن 1 / 285.
2. البيّنة: 7.
3. طه: 112.
4. التوبة: 119.
5. آل عمران: 97.


(401)

سبحانه: (وَ إذْ تَأَذَّنَ رَبُّكمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لاَزِيدَنَّكمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)(1).

على أنّه يحتمل أن يكون المراد من توصيف تارك الحج بالكفر، هو كونه كافراً لجحد وجوبه، فيرجع الأمر إلى جحد الرسالة و يؤيّده صدر الآية (وَ لِلّهِ عَلّى النَّاسِ حجُّ البَيْتِ) فأنبأ عن اللزوم ثمّ قال: (وَ مَنْ كَفَرَ) بلزوم ذلك و من المعلوم أنّ من أنكر لزومه فهو كافر.

2 ـ (فَلا وَ رَبِّكَ لايُؤْمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لايَجِدُوا فِي أنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسّلِّمُوا تَسْلِيماً)(2) قيل: إنّه سبحانه أقسم بنفسه انّهم لايؤمنون إلاّ بتحكيم النبي و التسليم بحكمه، و عدم وجدان الحرج في قضائه، والتحكيم غير التصديق بل هو عمل خارجي (3).

يلاحظ عليه: أنّ الآية وردت في شأن المنافقين، فإنّهم كانوا يتركون النبي و يرجعون في دعاويهم إلى الأحبار، و هم مع ذلك يدّعون الإيمان بالنبي و الإذعان والتسليم له ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ فنزلت الآية بأنّه لايقبل منهم ذلك الإدّعاء حتى يُرى أثر الإيمان في حياتهم، و هو تحكيم النبي، في المرافعات و المنازعات و التسليم المحض أمام قضائه، و عدم احساسهم بالحرج، و هذا هو الظاهر من الآية، لا أن التحكيم بما أنّه عمل، جزء من الإيمان و هذا نظير ما إذا ادّعى إنسان حبّاً لرجل فيقال له: إن كنت صادقاً فيجب أن يرى أثر الحبُ في حياتك، فاعمل له كذا وكذا.

3 ـ (إنَّهُ لاييْأسُ مِن رَوْحِ اللهِ إلاّ القَوْمُ الكافِرُونَ)(4) بادّعاء أن الفاسق بفسقه


1. إبراهيم: 7.
2. النساء: 65.
3. ابن حزم الظاهري: الفصل 3 / 195.
4. يوسف: 87 .


(402)

واصراره عليه، آيس من روح الله فكان كافراً.

والجواب: انّ المدعى ممنوع: فإنّ فسّاق المؤمنين ليسوا بآيسين بل يرجون رحمة ربّهم بالتوبة أو الشفاعة، أضف إليه: المراد من «الروح» هذا، الفرج بعد الشدّة، ومثل هذا اليأس من الكبائر الموبقة، ولكنّه لا يوجب كفراً، وذلك لأنّ النهي في الآية نهي تشريعي و معناه أنّ اليأس من روح الله شأن الكافر دون المؤمن، نظير قوله سبحانه: (وَ مَا كَانَ لِمُؤْمِن أن يَقْتُلَ مَؤْمِناً إلاّ خَطَأً)(1) أي ليس شأن المؤمن أن يقتل مؤمناً إلاّ عن خطأ خارجاً عن اختياره لا أنّ المؤمن لايقتل المؤمن عمداً أبداً، و على ضوء ذلك فلو حصل اليأس من مؤمن فهو ركب الكبيرة الموبقة، و مع ذلك فليس بكافر.

4 ـ (وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أنْزَلَ الله فَاُولئِكَ هُمُ الكافرون)(2).

يلاحظ عليه: أنّه سبحانه وصف من لم يحكم بما أنزل الله بأوصاف ثلاثة:

أ ـ (وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أنْزَلَ اللهُ فَاُولئِكَ هُمُ الكافرون)(3).

ب ـ (وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أنْزَلَ اللهُ فَاُولئِكَ هُمُ الظّالِمونَ)(4).

ج ـ (وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أنْزَلَ اللهُ فَاُولئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ)(5).

والآيتان الأوّليتان نزلتا في حق اليهود، كما هو لائح من صدريهما.

والآية الثالثة في مورد النصارى و مع ذلك لايكون المورد مخصّصاً للآيات بهما و المقصود هو أنّ من لم يحكم بما أنزل الله سواء أكان من أهل الكتاب أو غيرهم، فهو ظالم و فاسق و كافر، أمّا كونه ظالماً، فلأنّه تعدّى عن


1. النساء: 92.
2. المائدة: 44.
3. المائدة: 44.
4. المائدة: 45.
5. المائدة: 47.


(403)

الحقّ، فترك حكم الله، و حكم بحكم الجاهلية، فإنّ الحكم حكمان امّا إلهّي وامّا جاهلي، فإذا ترك الأوّل يكون من قبيل الثاني، قال سبحانه: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِّقَوْم يُوقِنُونَ)(1).

و أما كونه فاسقاً، فإنّ الفسق هو الخروج عن طاعة الله، يقال: فسقت التمرة: إذا خرجت قشرتها، فالحاكم بغير ما أنزل الله خرج عن طاعة الله.

وأمّا كونه كافراً، فلأنّ الآية حسب شأن نزولها وردت في قوم ينكرون الرجم في توراتهم، و لأجله يحكمون بغير ما أنزل الله، فيكون هذا قرينة على أنّ الكفر لأجل انكار ما أنزل الله في الكتب السماوية، وإلى ذلك ينظر ما نقله الرازي عن بعضهم: انّ قوله (وَ مَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أنْزَلَ الله) إنّما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه، أمّا مَن عرف بقلبه كونه حكم الله، وأقرّ به بلسانه، إلاّ أنّه أتى بما يضاده، فهو حاكم بما أنزل الله تعالى و لكنّه تارك له، فلا يلزم دخوله تحت هذه الآية(2).

وعلى ضوء ذلك فالآية تختصّ بالجاحد لحكم الله الوارد في كتابه، المستلزم لانكار رسوله الّذي أتى به في الكتاب.

5 ـ(فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى * لاَ يَصْلَـهَا إِلاَّ الاَْشْقَى * الَّذِى كَذَّبَ وَتَوَلَّى)(3).

وجه الاستدلال، انّ الآية تحصر الداخل في النار في الكافر، حيث يقول: (إلاّ الأشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ تَوَلَّى) فبما أنّ المسلمين اتّفقوا على دخول الفاسق في النار، يلزم أن يكون الفاسق كافراً.

يلاحظ عليه: أنّ الآية تحصر الخلود في النار و المقيم فيها في المكذّب


1. المائدة: 50.
2. الرازي: مفاتيح الغيب 3 / 421.
3. اللّيل: 14 ـ 16.


(404)

المتولّي لامجرّد الداخل فيها و تقول: (لا يصلاها إلاّ الأشقى * الَذِي كذّب وتولّى)وذلك لأن قوله (لاَيَصْلاها)، من قوله صلى الرجل النار، يصلاها أي لزمها(1) وهي عبارة اُخرى عن الخلود في النار فالآية لاتدل إلاّ على أنّ الخلود في النار من خصائص الكافر المكذّب المتولّي وأمّا المؤمن الفاسق فخارج عن حدود و دلالة الآية.

هذا و ربّما يستدلّ بالآية على قول المرجئة القائلة بالنار للكافرين دون المؤمنين، وذلك لأنّه سبحانه يقول: لا يدخل النار إلاّ الكافر، والمؤمن الفاسق ليس كافراً، وأجاب عنه القاضي المعتزلي على ما نقل عنه: بأنّ (ناراً) نكرة في سياق الاثبات، و إنّما تعمّ النكرة في سياق النفي نحو قولك: ما في الدار رجل، و غير ممتنع أن تكون في الآخرة نار مخصوصة لايصلاها إلاّ الذين كذبوا و تولّوا ويكون للفسّاق نار اُخرى غيرها(2).

وأوضحه الطبرسي في مجمعه و قال: إنّه سبحانه نكّر النار المذكورة ولم يُعرّفْها، فالمراد بذلك انّ ناراً من جملة النيران لايصلاها إلاّ من هذه حاله، والنيران درجات على ما بينّه سبحانه في سورة النساء (3)، فمن أين عرف أنّ غير هذه النار لايصلاها قوم آخرون(4).

و لكن الاستدلال و الجواب مبنيان على أنّ «الصلي» بمعنى الدخول و لكنه غير صحيح لما عرفت من أنّه الدخول الملازم للبقاء.

أضف إلى ذلك: انّه لودلّ على أنّ النار مختصّة بالكافرين يلزم منه الاغراء بالمعاصي لأنّه بمنزلة أن يقول الله تعالى لمن صدّق بالله و رسوله ولم يكذّب


1. يقال صلى فلاناً النار: أدخله إيّاها و أثواه فيها.
2. ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 8 / 115.
3. النساء: 145: (إِنَّ الْمُنَـفِقِينَ فِي الدَّرَكِ الاَْسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً).
4. الطبرسي: مجمع البيان 5 / 502.


(405)

ولم يتولّ: أي معصية اقدمتَ عليها فلن يضرّك. و هذا هو الاغراء الّذي لايصدر من الحكيم.

على أنّه سبحانه يقول بعدها(وَ سَيُجَنَّبُها الأتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى)(1) و يحصر المجنّب عن النار في الأتقى، و معلوم أنّ الفاسق ليس بأتقى لأنّ «أتقى» مبالغة في التقوى و من يرتكب عظائم الكبائر لايوصف بأنّه أتقى .

6 ـ (إِنَّ جَهَنَّمَ لَمـُحيطَةٌ بِالْكَـفِرِينَ)(2).

قالوا: و الفاسق تحيط به جهنّم فوجب أن يكون كافراً.

يلاحظ عليه: أنّه من غرائب الاستدلالات، فإنّه لم يقل سبحانه: و انّ جهنّم لاتحيط إلاّ بالكافرين، حتّى يلزم أن يكون الفاسق من أقسام الكافر، باعتبار كونها محيطة به أيضاً ولا يلزم من كونها محيطة بقوم، ألاّ تحيط بقوم سواهم.

7 ـ (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَـنِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ )(3).

وجه الاستدلال: انّ الفاسق لايجوز أن يكون ممّن ابيضّت وجوههم، فوجب أن يكون ممّن اسودّت و إذا دخل فيه يكون كافراً لقوله: (بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ).

يلاحظ عليه: أنّ الآية تخبر عن وجود صنفين: صنف تبيضّ وجوههم، وصنف تسودّ وجوههم، فالاوّل من سمات المؤمن الّذي لم يخالط إيمانه بإثم، والثاني من سمات الكافر الّذي لم يؤمن بالله أو صفاته أو أفعاله، في النبوّة


1. الليل: 17 ـ 18.
2. التوبة: 49.
3. آل عمران: 106.


(406)

والخاتميّة. و أمّا انّه ليس هنا صنف ثالث و يحشرون بغير هاتين السمتين، فلا تدلّ الآية عليه، والمؤمن الّذي ركب الكبيرة هو من هذا القسم الثالث الّذي لم تتكفّل الآية ببيان حكمه.

والحاصل انّ الآية تبحث عن المؤمن الخاص، و الكافر المطلق، وتذكر سماتهما وحالاتهما، و أمّا القسم الثالث فهو خارج عن تقسيم الآية و لعلّ له سمة و علامة اُخرى غير بياض الوجه و سواده لم تذكرها الآية.

قال الطبرسي: استدلّت الخوارج بذلك على أنّ من ليس بمؤمن فلابد أن يكون كافراً فإنّ الله سبحانه قسّم الوجوه إلى هذين القسمين.

ولا تعلّق لهم به، لأنّه سبحانه ذكر هنا قسمين من الوجوه متقابلين، وجوه المؤمنين (غير العاصين) و وجوه الكفّار، ولم يذكر وجوه الفسّاق من أهل الصلاة، فيجوز أن يكون لها صفة اُخرى بأن يكون عليها غبرة لاتغشاها قترة أو يكون عليها صفرة أو لون آخر(1).

8 ـ (فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَـهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُل خَمْط وَأَثْل وَشَيْء مِّن سِدْر قَلِيل * ذَلِـكَ جَزَيْنَـهُم بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ نُجَـزِي إِلاَّ الْكَفُورَ )(2).

والفاسق لابد أن يجازى، فوجب أن يكون كفوراً.

يلاحظ عليه: أنّ المراد من قوله (وَ هَلْ نُجزِي) ليس مطلق المجازاة، بل مجازاة الاستئصال، والآية وردت في قصة أهل سبأ و هم استؤصلوا بالعقوبة، فالمجازاة المقترنة بالاستئصال من خصائص الكفّار، لاكل مجازاة.


1. الطبرسي: مجمع البيان 5 / 441.
2. سبأ: 16 ـ 17.


(407)

9 ـ (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـنٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ )(1).

وفسّر الغاوون في آية اُخرى بالمشركين قال سبحانه (إِنَّمَا سُلْطَـنُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ )(2).

وعلى ضوء هذا فمرتكب الكبائر من الغاوين لأجل سلطة الشيطان عليه و هو حسب تعبير الآية الثانية من المشركين فينتج أنّ مرتكب الكبيرة مشرك

يلاحظ عليه: أنّ الآية فسّرت الغاوين بصنفين: صنف يتولّونه، و صنف به مشركون، ومرتكب الكبيرة داخل في الصنف الأوّل لافي الصنف الثاني.

10 ـ (وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأْوَيـهُمُ النَّارُ كُلَّمَآ أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ)(3).

وجه الدّلالة انّه سبحانه جعل الفاسق مكذّباً.

يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال مبني على تفسير الفاسق بالمعنى الرائج في أعصارنا أي المؤمن بالله و صفاته و رسالاته المرتكب لكبيرة، و هو غير صحيح إذ ليس كل فاسق بهذا المعنى مكذّباً، فتعيّن أن يكون المراد من الفاسق في الآية من خرج عن الطاعة بتكذيبه، ومن المعلوم أنّ مثله كافر، قال سبحانه (أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ )(4) وبالجملة: المقصود من الفاسق في الآية من عصى عن طريق التكذيب الّذي يساوق الكفر، لا من فسق ـ و هو مؤمن بقلبه ولسانه ـ بالخروج عن الطاعة لارتكابه المعاصي.


1. الحجر: 42.
2. النحل: 100.
3. السجدة: 20.
4. السجدة: 18.


(408)

11 ـ (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ )(1).

وجه الدلالة انّ من لم يكن مؤمنا فهو كافر، والفاسق ليس بمؤمن فوجب أن يكون كافراً .

يلاحظ عليه: أنّ الفاسق، أي المسلم المعتقد بالله سبحانه ورسله وكتبه، المرتكب لبعض المحّرمات، مؤمن ليس بكافر، فقوله: الفاسق ليس بمؤمن، ممنوع، فإنّ الفاسق على قسمين، قسم يخرج عن طاعة الله سبحانه بالتكذيب والانكار، وقسم يؤمن به، ولكن لا يقوم في مقام العمل ببعض الوظائف، فالأوّل كافر دون الثاني.

وأمّا الشارح ابن أبي الحديد فبما أنّه من المعتزلة، و مرتكب الكبيرة عندهم لامؤمن ولا كافر بل في منزلة بين المنزلتين، أجاب بأنّ (من) هاهنا للتبعيض وليس في ذكر التبعيض نفي الثالث (ولعلّ هنا من ليس بمؤمن ولاكافر)(2) وهو كماترى ،لأنّ الآية في مقام الحصر.

12 ـ ( قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُون فَإِنَّهُمْ لاَيُكَذِّبُونَكَ وَلَـكِنَّ الظَّـلِمِينَ بَـاَيَـتِ اللهِ يَجْحَدُونَ)(3).

وجه الدلالة انّ مرتكب الكبائر ظالم، والظالم بحكم الآية جاحد والجاحد كافر، وإلى ذلك يرجع استدلالهم حيث يقولون:


1. التغابن: 2.
2. ابن أبي الحديد: شرح النهج 8 / 118.
3. الأنعام: 33.


(409)

13 ـ الفاسق ظالم لغيره، أو لنفسه، وكلّ ظالم كافر، قال تعالى:

(أَن لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّـلِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُوَنَها عِوَجاً وَهُم بِالاَْخِرَةِ كَـفِرُونَ) (الأعراف / 44 ـ 45) (1).

يلاحظ عليه: أنّ الكبرى ممنوعة و هي انّ كل ظالم جاحد بآيات الله كما استظهره المستدل من الآية الاُولى أو أن كلّ ظالم كافر كما استظهره من الآية الثانية، وذلك لأنّ المراد من الظالمين في كلتا الآيتين ليس هو مطلق الظالم ولو بمجرّد ارتكاب الكبيرة فقط، بل المراد هو المكذّب بلقاء الآخرة.

أمّا الآية الاُولى: فيشهد على ذلك سياق الآية: قبلها وبعدها حيث جاء في الآية المتقدّمة قوله (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ اللهِ...) وجاء في الآية المتأخّرة عنها: (وَ لَقَدْ كُذِّبت رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ).

وأمّا الآية الثانية: فذيلها شاهد على أنّ المراد هو الجاحد بالآخرة.

أضف إلى ذلك: انّه كيف يمكن أن يعدّ كل ظالم و لو ظلم نفسه كافراً؟

هذا هو نبيّنا آدم يقول: (قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَأ أنفُسَنَا)(2) وقال تعالى حكاية عن موسى: (إنّى )ظَلَمْتُ نَفْسِي)(3) وقال حكاية عن يونس:(إنِّي كُنتُ مِنَ الظَالِمِينَ)(4).

14 ـ (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـبَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَـلَيْتَنِى لَمْ أُوتَ كِتَـبِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ)(5)... إلى قوله (إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ)(6) والفاسق لايؤتى كتابه بيمينه بل يؤتى بشماله، إذ لا ثالث فيدخل تحت قوله (إِنَّهُ كَانَ )


1. صالح أحمد الصوافي: الإمام جابر بن زيد العماني: 253.
2. الأعراف: 23.
3. القصص: 16.
4. الأنبياء: 87 .
5. الحاقة: 25 ـ 26.
6. الحاقّة: 33.


(410)

لاَ يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ)) الّذي هو وصف عامّ لكل من اُوتي كتابه بشماله، ولو أردنا صوغ الاستدلال في قالب علمي نقول: مرتكب الكبيرة يؤتى كتابه بشماله، و كلّ من كان كذلك فهو ممّن لا يؤمن بالله العظيم، فينتج: انّ مرتكب الكبيرة ممّن لا يؤمن بالله العظيم.

يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال مبني على أنّ المراد من الموصول في قوله: (و أمّا من...) كل من يؤتى كتابه بشماله سواء كان جاحداً أو غير جاحد ليشمل المسلم المؤمن المرتكب للكبيرة، ولكن المراد منه القسم الخاص من هذه الطائفة أعني الجاحد بالله العظيم، أي من لم يوحّد الله سبحانه في دار التكليف، والدليل على ذلك هو التعليل الوارد في الآية الاُخرى أعني قوله: (إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ) فذيل الآية قرينة على اختصاص الموصول مع صلته، بالجاحد، لا المؤمن المذعن بكل الشرائع، لوضوح انّه ليس كل مرتكب الكبيرة غير مؤمن بالله العظيم وليس ارتكاب الكبيرة دليلاً على عدم الإيمان به لقضاء الضرورة على بطلانه.

ويؤيّد ذلك انّه علّل دفع الكتاب إلى الظهر في بعض الآيات الّذي هو بمنزلة دفعه إلى شماله بأنّه كان غير مؤمن بالآخرة قال سبحانه: (وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُوراً...إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ)(1) ومعنى قوله «لن يحور» إنّه لا يرجع إلى الحياة في الآخرة.

15 ـ (فَمَن ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَـئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَـلِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَـلِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ ءَايَـتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ)(2).


1. الانشقاق: 10 ـ 11 و 14.
2. المؤمنون: 102 ـ 105.


(411)

وجه الاستدلال انّ الفاسق ممّن خفّت موازينه، و من خفّت موازينه فهو مكذّب حسب ظاهر الآية، و المكذّب كافر بالاتّفاق.

يلاحظ عليه: أنّ المراد من الموصول في قوله «ومن خفَّت موازينه» ليس كل من خفّت موازينه سواء كان مكذّباً بآيات الله أم مصدّقاً بها حتى يعمّ المؤمن الفاسق، بل المراد هو القسم الخاص أعني الذين خفّت موازينهم لأجل التكذيب، لالأجل أمر آخر، أعني ارتكاب الكبيرة مع التصديق، و يوضّح هذا الجواب،ما ذكرناه في الآية المتقدّمة، فلاحظ(1).

16 ـ (وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَـسِقُونَ )(2).

يلاحظ عليه: أنّ الآية، دليل على أنّ كل كافر فاسق، ولا تدلّ على العكس كما هو واضح.

ثم إنّ الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ ردّ على قول الخوارج بأنّ المسلم بارتكاب المعصية يصير كافراً بكلام منه موضع الحاجة:

قال مخاطباً الخوارج: «فإن أبيتم إلاّ أن تزعموا أنّي أخطأتُ وضللتُ، فلم تُضَلِّون عامّة امّة محمّد ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ، بِضَلالي، وتأخذونهم بخطئي، وتكفّرونهم بذنوبي! سيوفكم على عواتقكم تضعونها مواضع البرء والسقم، وتخلطون من أذنب بمن لم يذنب، وقد علمتم أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ رجم الزاني المحصن، ثمّ صلّى عليه، ثم ورّثه أهله، وقتل القاتل وورّث ميراثه أهله، وقطع السارق، وجلد الزاني غير المحصن، ثم قسم عليهما من الفيء، ونكحا المسلمات، فأخذهم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ بذنوبهم، وأقام حقّ الله فيهم، ولم يمنعهم سهمهم من الإسلام ولم يخرج أسماءهم من


1. راجع الآية 9 ـ 11 من سورة القارعة.
2. النور: 55.


(412)

بين أهله»(1).

و حاصل كلام الإمام: انّه لو كان صاحب الكبيرة كافراً لما صلّى عليه رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ولا ورّثه من المسلم، ولا مكّنه من نكاح المسلمات، ولا قسَّم عليه من الفيء ولأ خرجه عن لفظ الإسلام(2).

إلى هنا تمّ البحث عن كون مرتكب الكبيرة مؤمناً أو كافراً، فحان الآن البحث عن الجهة الثالثة و هي: انّ مرتكب الكبيرة هل هو مخلّد في النار ـ إن لم يتب ـ أو أنّه يخرج منها بعد دخوله فيها وإنّما التأبيد للكافرين؟

* * *

الجهة الثالثة ـ صاحب الكبيرة و خلوده في النار:

ذهب جمهور المسلمين إلى أن الخلود يختصّ بالكافر دون المسلم وإن أثم وركب الكبيرة، وذهبت الخوارج و المعتزلة د إلى خلوده في النار إذامات بلا توبة. وبما أنّ المقام مختصّ بدراسة أدلّة الخوارج في ا لمسألة، نكتفي ببيان أدلّتهم وأمّا ما استدلّ به جمهور المسلمين على عدم الخلود فيطلب من محلّه. فنقول: استدلّوا بآيات:

1 ـ قوله سبحانه: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَـلِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ )(3) ولا شكّ انّ الفاسق ممّن عصى الله و رسوله بترك الفرائض وإرتكاب المعاصي.

يلاحظ عليه: أنّ الموضوع ليس مطلق العصيان، بل العصيان المنضم إليه


1. الرضي: نهج البلاغة، الخطبة 127.
2. ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 8 / 113 ـ 114.
3. النساء: 14.


(413)

التعدّي عن حدود الله، و من المحتمل جدّاً أن يكون المراد من التعدّي، رفض أحكامه سبحانه و عدم قبولها.

بل يمكن أن يقال: إنّ قوله (وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ)ظاهر في تعدّي جميع حدود الله و هذه صفة الكفّار، فالآية خاصّة بهم لا بمرتكب الكبيرة. وأمّا المؤمن الفاسق فإنّما يتعدّى بعض الحدود.

2 ـ (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَـلِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً )(1) فعدّ قاتل المؤمن من المخلّدين في النار من غير فرق بين أن يكون القاتل مسلماً أو كافراً.

يلاحظ عليه: أنّ الآية ناظرة إلى القاتل المستحل قتل المؤمن أو قتله لأجل ايمانه و مثله كافر و يدلّ عليه ما قبلها، قال سبحانه: (سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّواْ إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُواْ فِيْهَا فَإِنْ لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمْ السَّلَمَ وَيَكُفُّواْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَــِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَـناً مُّبِيناً )(2).

ثمّ يقول: (وَ مَا كَانَ لِمُؤْمِن أَنْ يَقْتُلَ مُؤمِناً إلاّ خَطَأً وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحرِيرُ رَقَبَة مُؤْمِنَة...)(3).

ثمّ يقول: (وَ مَن يَقْتُلْ مُؤمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤهُ جَهَنَّمُ...) فالآية حسب السياق تختصّ بالمستحلّ الكافر، خصوصاً بالنظر إلى قوله (وَ مَا كَانَ لِمُؤْمِن أَنْ يَقْتُلَ مُؤمِناً) والنفي وإن كان نفياً تشريعياً (ليس شأن المؤمن أن يقتل مؤمناً إلاّ خطأ) لاتكوينّياً(لايصدر من المؤمن قتل المؤمن) ولكّنه يصحّ أن يقع قرينة


1. النساء: 93.
2. النساء: 91.
3. السناء: 92.


(414)

على اختصاص الآية الثالثة بالكافر.

3 ـ (بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَـطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فأُوْلَـئِكَ أَصْحَـبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَـلِدُونَ )(1).

يلاحظ عليه: أنّ الموضوع للحكم بالخلود ليس مطلق من كسب السيّئة، بل من اكتسب السيّئة و أحاطت به خطيئته، والمسلم المؤمن مهما كان عاصياً لاتحيط به خطيئته، فإنّ في قلبه نقاطاً بيضاء يشع منها إيمانه و اعتقاده بالله سبحانه و أنبيائه وكتبه.

4 ـ ( إِنَّ الْمـُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَـلِدُونَ * لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَمَا ظَلَمْنَـهُمْ وَلَـكِن كَانُواْ هُمُ الظَّـلِمِينَ)(2). بحجّة أنّ المجرم أعم من الكافر و المؤمن الفاسق، وقد حكم عليه على وجه الاطلاق، بالخلود في النار.

يلاحظ عليه: أنّ الآية واردة في حقّ الكفّار بشهادة سياقها، قال سبحانه قبل هذه الآية: (الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِـَايَـتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ * ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَجُكُمْ تُحْبَرُونَ) ثم يقول (إِنَّ الْمـُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَـلِدُون) فبحكم المقابلة مع قوله (إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) فالمقصود من المجرمين هو الكفّار.

هذه هي الآيات استدلّت بها الخوارج ثمّ المعتزلة على تأبيد صاحب الكبيرة في النار .

فلنكتف بهذا المقدار، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى محاضراتنا الكلاميّة(3).


1. البقرة: 81.
2. الزخرف: 74 ـ 76.
3. محاضرات الاستاذ العلاّمة جعفر السبحاني بقلم الشيخ حسن محمد مكي: الالهيات 2 / 910 ـ 912.


(415)

المخالفون عند الخوارج:

إنّ الخوارج يعدّون جميع المسلمين كفاراً، لارتكابهم الكبائر و لا أقل لتصويبهم مبداً التحكيم، و أكثرهم على أنّ الكفر كفر الملّة، أي الخروج عن الدين إلاّ القليل منهم، كالاباضية فإنّهم يعدّونه كفراً لنعمه مثلما مرّ في قوله سبحانه في مورد الحجّ: (وَ مَنْ كَفَرَ فَإنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالمِين)(1).

فإذا كانت سائر الفرق محكومة بالكفر، فتكون دارهم دار الكفر، لا دار الإسلام وقد أوجبت بعض الفرق منهم (كالأزارقة) لزوم الهجرة عنها، للمعتنقين لمبادئ الخوارج. و على كلّ تقديره فهذه المسألة من شعب المسألة الثانية و هي أنّ مرتكب الكبيرة مؤمن فاسق، أو كافر، ولمّا ذهبت الخوارج إلى كونه كافراً فيكون جميع المسلمين المخالفين لهم في المبادئ، كفّاراً.

و بما أنّك عرفت أنّ مقوّم الإيمان عنصر قلبي، فلا يضرّ ارتكاب الكبيرة بالايمان، لا بمعنى أنّ الإيمان القلبي و إن لم يقترن بالعمل موجب للنجاة في الآخرة، بل بمعنى أنّه يكفي في خروج الانسان من عداد الكافرين والدخول في عداد المسلمين: الإيمان القلبي بوحدانية الله سبحانه، وكتبه، ورسله، ولهذا الإيمان آثار في الدنيا و الآخرة، وكان النبي الأكرم ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ يكتفي بالحكم في ايمان الرجل باظهار الشهادتين و هناك روايات متواترة بل متضافرة تدل على ذلك.

قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ لعلي ـ عليه السَّلام ـ : «قاتل أهل خيبر حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله فإذا فعلوا ذلك، فقد منعوا منك دماءهم و أموالهم، إلاّ بحقّها و حسابهم على الله»(2).


1. آل عمران: 97.
2. مسلم: الصحيح 7 / 121، ابن عساكر: ترجمة الإمام علي 1 / 159 ح 222، النسائي: خصائص أمير المؤمنين: 57.


(416)

روى الشافعي في كتاب الأم عن ابي هريرة: أن رسول الله قال: «لا أزال اُقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلاّ الله، فإذا قالوا: لا إله إلاّ الله فقد عصموا منّي دماءهم و أموالهم إلاّ بحقّها و حسابهم على الله».

ثم قال: فأعلم رسول الله انّ فرض الله أن يقاتلهم حتى يظهروا أن لا إله إلاّ الله، فاذا فعلوا منعوا دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها يعني بما يحكم الله عليهم فيها، و حسابهم على الله بصدقهم و كذبهم و سرائرهم، الله العالم بسرائرهم، المتولّي الحكم عليهم، دون أنبيائه و حكّام خلقه، وبذلك مضت أحكام رسول الله فيما بين العباد من الحدود و جميع الحقوق، و أعلمهم أنّ جميع أحكامه على ما يظهرون، وأنّ الله يدين بالسرائر(1).

نعم ورد في بعض الروايات، اقامة الصلاة و ايتاء الزكاة والحجّ و صوم رمضان: روى البخاري عن عبد الله بن عمر: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ : «بني الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلاّ الله، و أنّ محمّداً رسول الله واقام الصلاة، و ايتاء الزكاة، والحجّ، و صوم رمضان»(2) ولكنّها من مظاهر العلم بالإيمان لامن مقوّماته لأنّ إيمان الانسان يتوقّف على مظهر له في حياته، و الواجبات الواردة فيها مظاهر لهذا الإيمان.

الإيمان يزيد و ينقص:

ثم إنّه مع القول بأنّ العنصر المقوّم للايمان هو الاعتقاد القلبي ـ نقول: الإيمان يزيد و ينقص في كلا الجانبين: العقيدة، و العمل، أمّا من جانب العقيدة: فأين إيمان الأولياء و الأنبياء بالله و رسله من إيمان سائر الناس، وأمّا


1. الشافعي: الأم: 6 / 4 انظر موسوعة الإمام الشافعي : 7 / 241.
2. البخاري: الصحيح 1، كتاب الإيمان: 9.


(417)

من جانب العمل، فأين إيمان من لايعصي الله سبحانه طرفة عين بل لايخطر بباله العصيان، من المؤمن التارك للفرائض والمرتكب للكبائر.

نعم لاننكر انّه ربّما يؤدّي ترك الفرائض، و ركوب المعاصي، مدّة طويلة إلى الالحاد و الانكار و التكذيب و الجحد قال سبحانه: (ثُمَّ كَانَ عَـقِبَةَ الَّذِينَ أَسَـئُواْ السُّوأَى أَن كَذَّبُواْ بِئَايَـتِ اللهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ)(1).

إنّ وزان «العقيدة و العمل الصالح» وزان الجذور و السيقان في الشجرة فكما أنّ تقوية الجذور مؤثّرة في قوّة السيقان، و كمال الشجرة وجود ثمرتها، فكذلك تهذيب السيقان و رعايتها بقطع الزوائد عنها و تشذيبها، و تعرّضها لنور الشمس، مؤثّرة في قوّة الجذور، إنّها علاقة تبادليّة بين العمل و العقيدة كالعلاقة التبادليّة بين الجذور و السيقان.

أجل ذلك هو الحال بالنسبة إلى تأثير الإيمان في العمل، و هكذا الحال بالنسبة إلى تأثير العمل في الاعتقاد، فإنّ الّذي ينطلق في ميدان الشهوة بلاقيد، ويمضي في اشباع غرائزه إلى أبعد الحدود، يستحيل عليه أن يبقى محافظاً على أفكاره و اعتقاداته الدينية و قيمه الروحية.

إنّه كلّما ازداد توغّلاً في المفاسد ازداد بعداً عن قيم الدين لأنّها تمنعه عن المضي في سبيله و التمادي في عصيانه، و هكذا يتحرّر عن تلك المعتقدات شيئاً فشيئاً و ينسلخ منها و ينبذها وراءه ظهرياً.

و قد أشارت الآية الكريمة إلى هذه الحقيقة أيضاً.

و بهذا يعتبر الفصل بين العمل، والكفر، بين العقيدة و السلوك، نظرية خاطئة ناشئة من الغفلة عن التأثير المتقابل بين هذين البعدين.


1. الروم: 10.


(418)

ولهذا يسعى المستعمرون دائماً إلى افساد الأجواء الاجتماعية بهدف افساد الأخلاق والسلوك تمهيداً لتغيير الأفكار والقضاء على المعتقدات(1).

    * * *


1. محاضرات الاستاذ جعفر السبحاني بقلم جعفر الهادي: الله خالق الكون 636 ـ 637.

Website Security Test