welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : الملل والنحل /ج4 (حياة ابن تيمية وابن عبد الوهاب )*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الملل والنحل /ج4 (حياة ابن تيمية وابن عبد الوهاب )
(209)

(5)

ابن تيمية وبناء المساجد على القبور

قال ابن تيمية: «ولا يشرع اتّخاذها ـ أي القبور ـ مساجد»(1) .

وقال أيضاً: «لا يجوز بناء المسجد على القبور» .

وقد استدلّ الوهابيون على ما يتبنّونه بالحديث التالي المروي بعبارات مختلفة:

1- «قاتل اللّه اليهود اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد» .

2- «لعن اللّه اليهود والنصارى اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد».

3- «ألا ومن كان قبلكم كانوا يتّخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إنّي أنهاكم عن ذلك» .

4- «أخرجوا أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب، واعلموا أنَّ شرار الناس الذين اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد».

5- «لعن اللّه اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»(2) .


1. مضى مصدرها .
2. راجع للوقوف على مصادر هذه الأحاديث صحيح البخاري كتاب الجنائز ج 2 ص 111، السنن للنسائي ج 2 كتاب الجنائز ص 871، صحيح مسلم ج 2 ص 568 كتاب المساجد وغيرها، وقد جمع مصادر الحديث وصوره المختلفة محمد ناصر الدين الألباني في كتابه تحذير الساجد ص 11 ـ 28 فذكر للحديث 14 صورة كما جمعها أبو عبدالرحمن مقبل بن هادي الوادعي في كتاب رياض الجنة ص 278 ـ 281 .


(210)

إنّ الوهابيين استغلوا هذا الحديث وخرجوا بهذه النتيجة بأنّ مفادها:

أ ـ حرمة بناء المساجد على القبور .

ب ـ وحرمة قصد الصلاة فيها .

حتّى قال ابن تيمية: إنّ المسجد والقبر لا يجتمعان(1) .

وهذا هو الكلام الّذي يجتره ويكرره كل من جاء بعده، فنظروا إلى الروايات بعقيدة مسبقة، وتركوا إجماع الأُمة ودلالة الكتاب على الجواز كما بيّناه، فنقول: إنّ لهذه الروايات محتملات:

1- الصلاة على القبور بالسجود عليها تعظيماً .

2- الصلاة باتّجاه القبور واتّخاذها قبلة .

3- بناء المساجد على القبور وقصد الصلاة فيها تبركاً بالمقبور .

4- إقامة الصلاة عند مراقد الأنبياء ومقابرهم فقط .

فهل للحديث إطلاق يعم هذه الصورة والمحتملات كما ادّعاه الألباني تبعاً لشيخه ابن تيمية، وزعم أنّ هذا الحديث من جوامع كلمه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .

أو أنّ الحديث ينصرف ـ بشهادة القرائن المتصلة والمنفصلة ـ إلى بعض الصور مما يلازم كون العمل شركاً، والمصلي مشركاً وخارجاً عن الحدود الّتي حددها الكتاب والسنة، كما هو الحق بشهادة القرائن العشر التالية؟ وإليك البيان:

1- إنّ الحديث يركّز على عمل اليهود والنصارى، وأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وينهى المسلمين عن متابعتهم في ذلك .


1. مجموعة الرسائل والمسائل ج 1 ص 59 ـ 60 وزاد المعاد تأليف ابن القيم ص 661 .


(211)

وبما أنّ أهل الكتاب معروفون بالشرك وعبادة غير اللّه طيلة الأجيال والقرون، فالمسيحية تعبد ـ المسيح وأمه ـ كما أنّ كثيراً منهم اتخذوا الأحبار والرهبان أرباباً من دون اللّه، يحرّمون ما أحلّ اللّه ويحلّلون ما حرّم اللّه .

اليهود هم الذين طلبوا من نبيهم أن يجعل إلهاً كما أنّ لغيرهم آلهة، وهم الذين عبدوا العجل، بل عبدوا بعد رحلة الكليم أرباباً وآلهة، فهم كأنهم مفطورون على الوثنية وعبادة البشر ـ فعند ذلك ـ ينصرف الحديث إلى عمل يلحق المسلم بهم، ولا يمكن أن يدّعى أنّ الحديث يعم ما إذا كان عمل اتخاذ القبور مساجد مجرّداً عن أىّ شرك، أو إذا كانت إقامة الصلاة عند قبورهم من باب التبرك بهم .

2- نرى أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يصف هؤلاء الجماعة بكونهم شرار الناس. فقد روى مسلم في كتاب المساجد أنّ أُم حبيبة وأُم سلمة ذكرتا كنيسة رأتاها في الحبشة فيها تصاوير، فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : إنّ أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بني على قبره مسجد، وصَوّر فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند اللّه(1) .

إنّ توصيفهم بأنهم شرار الخلق عند اللّه، يميط الستر عن حقيقة عملهم، إذ لا يوصف الإنسان بالشر المطلق، إلاّ إذا كان مشركاً. قال سبحانه: (إنَّ شَرَ الدَّوابِّ عِنْدَ اللّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الّذينَ لاَ يَعْقِلُونَ)(2)، وقال تعالى: (إنَّ شَرَّ الدّوَابِّ عِندَ اللّهِ الّذينَ )كَفَرُوا فَهُم لاَ يُؤْمِنُونَ)(3) .

كل ذلك يكشف عن مرمى الحديث، وأنّ عملهم لم يكن عملا مجرداً مثل صرف بناء المسجد على القبر والصلاة فيه، أو إقامة الصلاة عند القبور، بل كان عملا مقترناً بالشرك بألوانه وصوره المختلفة، كاتخاذ القبر إلهاً ومعبوداً أو قبلة عند الصلاة، أو السجدة عليها بمعنى اتخاذها مسجوداً .

3- إنّ الروايات الناهية الواردة في المقام على قسمين:


1. صحيح مسلم ج 2 كتاب المساجد ص 666 .
2. سورة الأنفال: الآية 22 .
3. سورة الأنفال: الآية 55 .


(212)

قسم يشتمل على اللعن، وهذا مختص باتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد.

وقسم آخر مشتمل على مجرد النهي من دون اقتران باللعن، وقد ورد ذلك في مطلق القبور .

1- عن أبي مرصد الغنوي قال: قال رسول اللّه: لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها(1) .

2- عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : الأرض كلها مسجد إلاّ المقبرة و الحمّام(2) وغير ذلك .

3- عن عبداللّه بن عمر: نهى عن الصلاة في المقبرة(3) .

فعندئذ يجب التأمل في هذا التفريق، لماذا اقترن الأول (اتخاذ قبور الأنبياء مساجد) باللعن دون الآخر، وإنّما ورد فيه مجرد النهي، (المحمول على الكراهة مطلقاً، أو في ما إذا كان القبر بحيال المصلي، أو كانت الصلاة بين القبرين) وما هذا إلاّ لأنّ القسم الأول ناظر إلى عمل اليهود والنصارى في مورد قبور أنبيائهم .

وبما أنه كان مقترناً بالشرك بالسجود لها تعظيماً لهم، أو باتخاذها قبلة، استحقوا اللعن، وعرفوا بأنهم شرار الناس، ووهي المسلمون عن اتّباعهم .

وأمّا القسم الآخر فلم يكن مقترناً بذلك أبداً، فجاء فيه النهي مجرداً عن اللعن .

وبهذا لا يمكن القول بإطلاق الحديث و عموميته لكل الأحوال .

4- إنّ السيدة عائشة، قالت: قال رسول اللّه: «لعن اللّه اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». قالت: فلولا ذاك لأبرز قبره،


1. صحيح مسلم ج 7 ص 38 .
2. سنن أبي داود ج 1 ص 184 .
3. موارد الضمآن ص 10 كما في رياض الجنة .


(213)

غير أنّه خشي أن يتّخذ مسجداً (1)

إنّ المسلمين بعدما دفنوا الّنبي في بيته سوّروه بحائط مستدير، لا مربّع، لئلا يشابه الكعبة .

ومن المعلوم أنّ التسوير بالجدران وعدم إبراز قبره إنما يمنع عن اتخاذه مسجوداً له أو قبلة، وأمّا الصلاة في جنبه فلم يكن الجدار مانعاً عن إقامة الصلاة .

ومراد السيدة عائشة: إنّ عدم إبراز القبر وستره بالحيطان منع المسلمين عن أن يرتكبوا ما كان اليهود والنصارى يرتكبونه .

ومن المعلوم أنّ الجدران منعت عن الصور الشركية كصورة اتخاذه مسجوداً له أو قبلة، لا إقامة الصلاة المجردة من هذه الضمائم .

وهذا دليل واضح على أنّ الحديث كان بصدد نهي المسلمين عن اتخاذ القبر مسجوداً له أو قبلة .

والعجب من الشيخ الالباني حيث أراد استغلال الحديث لتأييد مذهبه، وموقفه، وفسِّر قولها: «فلولا ذاك لأبرز قبره» بأنّ المقصود هو الدفن خارج بيته، مع أنّ العبارة لا تتحمّل هذا، لانها تركزّ على ا لقبر الموجود، فيكون المقصود: ولو لا ذاك لكشف قبره ولم يتخذ عليه حائط .

5- قال أبو هريرة: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : أللّهمّ لا تجعل قبري وثناً، لعن اللّه قوماً اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد .

إنّ العلاقة بين الجملتين تكشف عن أنّ المقصود هو: اتخاذ قبور الأنبياء مساجد على نحو يعود القبر وثناً يعبد، أو يصلى إليه .

وأمّا الصلاة للّه تبارك وتعالى وإلى الكعبة عند القبر تبركاً به فلا تجعل القبر وثناً يعبد، وهذا هو قول اللّه تعالى وهو يأمر الحجيج باتّخاذ مقام إبراهيم مصلّى، ويقول: (وَاتَّخِذوا مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلّى)(2)


1. البخاري ج 3 ص 159 ومسلم ج 2 ص 76 .
2. سورة البقرة: الآية 125 .


(214)

وليست الصلاة عند القبر إلاّ كمثل الصلاة عند مقام إبراهيم .

غير أنّ جسد النبي إبراهيم قد لامس هذا المكان مرة أو مرات عديدة، ولكن مقابر الأنبياء احتضنت أجسادهم الّتي لا تبلى دائماً.

6- إنّ علماء الحديث وجهابذته فهموا من هذه الأحاديث نفس ما قلناه، وإن لم يذكر الألباني وغيره شيئاً من هذه التفاسير .

أ ـ يقول العسقلاني: إنّما صوّروا أوائلهم الصور ليستأنسوا بها، ويتذكروا أفعالهم الصالحة فيجتهدوا كاجتهادهم، ثم خلفهم قوم جهلوا مرادهم ووسوس لهم الشيطان أنّ أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها... إلى أن يقول: قال البيضاوي: لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيماً لشانهم، ويجعلونها قبلة يتوجهون في الصلاة نحوها، واتخذوها أوثاناً، لعنهم ومنع المسلمين عن مثل ذلك. فأمّا من اتخذ مسجداً في جوار صالح وقصد التبرك بالقرب منه، لا للتعظيم ولا للتوجه نحوه، فلا يدخل في الوعيد المذكور(1).

ب ـ ويقول النووي في شرح صحيح مسلم: قال العلماء إنما نهى النبي عن اتخاذ قبره و قبر غيره مسجداً خوفاً من المبالغة في تعظيمه والافتتان به، فربما أدّى ذلك إلى الكفر، كما جرى لكثير من الأُمم الخالية. ولما احتاجت الصحابة والتابعون إلى زيادة في مسجد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ حين كثر المسلمون، وامتدّت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أُمهات المؤمنين فيه، ومنها حجرة عائشة، مدفن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وصاحبيه، بنوا على القبر حيطاناً مرتفعة مستديرة حوله لئلاّ يظهر في المسجد فيصلي إليه العوام ويعود المحذور. ولهذا قالت عائشة في الحديث عنه: ولو لا ذلك لأبرز قبره، غير أنّه خشي أن يتّخذ مسجداً(2) .

ج ـ وقال السندي شارح الصحيح للنسائي: اتخذوا قبور أنبيائهم


1. فتح الباري في شرح صحيح البخاري ج 1 ص 525 ط دار المعرفة، وقريب منه ما في إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري ج 2 ص 437 باب بناء المساجد على القبور .
2. صحيح مسلم بشرح النووي، ج 5 ص 13 ـ 14 .


(215)

مساجد، أي قبلة للصلاة ويصلون إليها، أو بنوا مساجد يصلون فيها، ولعلّ وجه الكراهة أنّه قد يقضي إلى عبادة نفس القبر .

إلى أن يقول: يحذّر النبي أُمته أن يصنعوا بقبره ما صنع اليهود والنصارى بقبور أنبيائهم من اتخاذ تلك القبور مساجد، إمّا بالسجود إليها تعظيماً لها، أو بجعلها قبلة يتوجهون في الصلاة إليها(1).

د ـ وقال شارح آخر: إنّ حديث عائشة يرتبط بالمسجد البنوي قبل الزيادة فيه... أمّا بعد الزيادة وإدخال حجرتها فيه فقد بنوا الحجرة بشكل مثلث كي لا يتمكّن أحد من الصلاة على القبر، إنّ اليهود والنصارى كانوا يعبدون أنبياءهم بجوار قبورهم أو يجعلونهم شركاء في العبادة(2) .

هــ ـ قال الشيخ علي القاري: سبب لعنهم إمّا لأنهم كانوا يسجدون لقبور أنبيائهم تعظيماً لهم، وذلك هو الشرك الجلي، وإمّا لأنهم كانوا يتخذون الصلاة للّه تعالى في مدافن الأنبياء، والسجود على مقابرهم، والتوجه إلى قبورهم حال الصلاة، نظراً منهم بذلك إلى عبادة اللّه، والمبالغة في تعظيم الأنبياء، وذلك هو الشرك الخفي. فنهى النبي أُمته عن ذلك إمّا لمشابهة ذلك الفعل سنة اليهود، أو لتضمنه الشرك الخفي. كذا قال بعض الشراح من أئمتنا ويؤيده ما جاء في رواية. يحذر مثل الّذي منعوا(3) .

و ـ إنّ المروي عن أئمة أهل البيت هو ما فهمه أولئك الشراح .

1- روى الصدوق مرسلا قال: وقال النبي: لا تتخذوا قبري قبلة ولا مسجداً، فإنّ اللّه لعن اليهود حيث اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد(4). والمراد من قوله «مسجداً» بقرينة «قبلة» هو السجود عليه تعظيماً.

روى الشيخ الطوسي بأسناده عن معمر بن خلاد، عن الرضا ـ عليه السَّلام ـ


1. السنن للنسائي ج 2 ص 41 طبع الأزهر .
2. صحيح مسلم ج 22 ص 66 .
3. مرقاة المفاتيح في شرح مشكاة المصابيح ج 1 ص 456 .
4. الوسائل: الجزء الثاني الباب 65 من أبواب الدفن. الحديث 2 .


(216)

قال: لا بأس بالصلاة بين المقابر ما لم يتخذ القبر قبلة(1) .

3- روى الصدوق في علل الشرائع بإسناده إلى زرارة عن أبي جعفر (الباقر) ـ عليه السَّلام ـ قال: قلت له: الصلاة بين القبور، قال: بين خللها، ولا تتخذ شيئاً منها قبلة، فإنّ رسول اللّه نهى عن ذلك وقال: لا تتخذوا قبري قبلة ولا مسجداً، فإنّ اللّه عزّوجلّ لعن الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد(2) .

ولو كان المراد هو اتخاذ القبر قبلة حقيقة، بأن يصلى عليه من كل جانب كالكعبة، يكون حراماً لكونه بدعة، ولو كان المراد كون القبر أمامه وحيال وجهه، فيحمل على الكراهة لجريان سيرة المسلمين على الصلاة في الصفة في مسجد النبي، والقبر بحيال المصلي .

7- روى المفسرون في تفسير قوله سبحانه: (وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُم وَلاَ تَذَرُنَّ وُدّاً وَلاَ سُواعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً)(3) .

عن ابن عباس: هؤلاء كانوا قوماً صالحين في قومهم، فلمّا ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، فلمّا طال عليهم الأمد عبودهم .

قال القرطبي: روى الأئمة عن أبي مرصد الغنوي قال: سمعت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يقول: لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا إليها (لفظ مسلم) أي لا تتخذوها قبلة، فتصلوا عليها أو إليها كما فعل اليهود والنصارى(4) .

8- روى مسلم في صحيحه عن النبي الأكرم أنّه قال حينما قالت أُم حبيبة وأُم سلمة بأنهما رأتا تصاوير في إحدى كنائس الحبشة: إنّ أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصورة،


1. الوسائل الجزء الثالث، الباب 25 من أبواب مكان المصلي، الحديث 3 والباب 26 الحديث 3 .
2. نفس المصدر .
3. سورة نوح: الآية 23 .
4. تفسير القرطبي ج 10 ص 380 .


(217)

أولئك شرار الخلق عند اللّه يوم القيامة(1) .

إنّ الهدف من وضع صور الصالحين بجوار قبورهم إمّا لغاية اتخاذها قبلة أو عبادة ذويها، كالصنم المنصوب، ومعه لا يمكن أن يستدل به على تحريم مطلق اتخاذ القبور، مساجد .

9- إنّ أقصى ما يدل عليه الحديث لو قلنا بإطلاقه هو أن يتّخذ مدفن الأنبياء مساجد، وأمّا بناء مسجد في جنب مدافنهم بحيث يكون المسجد وراء المدفن كما هو الحال في المشاهد المشرفة لأئمة الشيعة فلا يعمه النهي أبداً .

10- وعلى فرض وجود الإطلاق فإذا دار الأمر بين الأخذ بالكتاب(2) والسنة الرائجة بين المسلمين من عهد التابعين إلى يومنا هذا، حيث يصلون في مسجد النبي وقبره في وسطه، وبين إطلاق هذه الرواية فالأول هو المتعين .

إذا تبين عدم صلاحية الحديث للاستدلال على التحريم، فيجب علينا عرض المسألة على سائر الأدلة، وإليك البيان.

عرض المسألة على القرآن

كان الواجب على الوهابيين الذين يدمّرون الآثار الإسلامية بهذه الأحاديث عرض المسألة على القرآن الكريم الّذي هو تبيان لكل شيء .

قال سبحانه:

(وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْياناً لِكُلِّ شيء)(3) .

والقرآن صادق مصدّق لا يكذب ـ يذكر سبحانه ـ في قصة أصحاب الكهف أنّ القوم لما عثروا على أجسادهم المطرية في الغار اختلفوا على قولين: تذكرهما الآية التالية :

(وَكَذَلِكَ أعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ وَأنَّ السّاعَةَ لاَ رَيبَ)


1. صحيح مسلم ج 2 ص 66 كتاب المساجد .
2. سيوافيك بيان دلالة الكتاب على الجواز .
3. سورة النحل: الآية 89 .


(218)

فيها إذْ يَتنازَعُونَ بَيْنَهُم أمْرَهُم فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَاناً رَبُّهُم أعْلَمُ بِهِم قَالَ الّذينَ غَلَبُوا عَلَى أمْرِهِم لَنَتَّخِذَنّ عَلَيْهِم مَسْجداً))(1) .

فالآية صريحة في أن القوم بعد ما عثروا عليهم اختلفوا في كيفية تكريمهم وتعظيمهم على قولين:

1- البناء على قبورهم «ابنوا عليهم بنياناً».

2- بناء المسجد على قبورهم «لنتخذن عليهم مسجداً».

وكلتا الطائفتين يريدان التعظيم والتكريم على اختلاف منهجهم، والمعروف بين المفسرين أنّ القائلين بالقول الأول كانوا هم المشركين، وأنّ القائلين بالقول الثاني هم الموحدون والمسلمون، وسواء أثبت ذلك أم لا فإنّ العاثرين عليهم اختلفوا في كيفية تكريمهم وتعظيمهم، وعلى كل تقدير فالآية حجة على جواز بناء المسجد على القبور أولا، وعلى جواز بناء المسلمين عليها ثانياً، وذلك لأنّ القرآن يذكر القولين من دون رد وطعن، ولو كان كل من القولين ـ وخصوصاً القول الثاني ـ على خلاف الهداية وفي جانب الضلالة، لأشار إلى ردّه وطعنه، وليس القرآن كتاب قصة وإنما هو كتاب هداية، فلو كان يذكر شيئاً من الأُمم السالفة، فإنما هو للعبرة والاعتبار، ولأجل ذلك كثيراً ما يردّ عليهم بعد نقل كلامهم، فسكوت القرآن تجاه هذين القولين ونقلهما عن القوم بصورة كونه عملا مستحسناً، أقوى دليل على جواز العمل المذكور في الأُمة المحمدية .

قال الطبري في تفسير قوله تعالى: (فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِه إلى المَدينةَ):

«إنّ المبعوث دخل المدينة فجعل يمشي بين سوقها فيسمع أناساً كثيراً يحلفون باسم عيسى بن مريم، فزاده فزعاً، ورأى أنّه حيران، فقام مسنداً ظهره إلى جدار من جدران المدينة ويقول في نفسه: أمّا عشية أمس فليس على الأرض إنسان يذكر عيسى بن مريم إلاّ قتل، أمّا الغداة فاسمعهم، وكل


1. سورة الكهف: الآية 21 .


(219)

إنسان يذكر أمر عيسى لا يخاف، ثم قال في نفسه: لعل هذه ليست بالمدينة الّتي أعرف...»(1) .

وهذا يعرب عن أنّ الأكثرية الساحقة كانت موحدة مؤمنة متدينة بشريعة المسيح، رغم ما كانوا على ضده قبل ثلاثمائة سنة .

وقال في تفسير قوله تعالى: (فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْياناً) فقال الذين أعثرناهم على أصحاب الكهف: ابنوا عليهم بنياناً ربهم أعلم بهم يقول: رب الفتية أعلم بشأنهم وقوله: «قَالَ الّذينَ غَلَبُوا عَلَى أمْرِهِم» يقول جلّ ثناؤه: قال القوم الذين غلبوا على أمر أصحاب الكهف لنتخذنّ عليهم مسجداً .

وقد نقل عن عبداللّه بن عبيد بن عمير: فقال المشركون نبني عليهم بنياناً، فإنهم آباؤنا، ونعبد اللّه فيها. وقال المسلمون: نحن أحق بهم، هم منّاً، نبني عليهم مسجداً ونعبد اللّه فيه(2) .

وبذلك يعلم أنّ ما ذكره الألباني في الرد على الاستدلال بالآية، من أنّ المراد من الغالبين هم أهل السلطة ولا دليل على حجية فعلهم، رجم بالغيب، فإنّ ما ذكره الطبري يدل على أنّ المراد هو الغلبة في مجال الدين، وتدهور الوثنية وازدهار التوحيد .

وهذا يدلّ على أنّ سيرة العقلاء في العالم تكريم موتاهم، وأنّ سيرة المؤمنين الموحدين اتخاذ مقابر الصالحين مساجد ليتبركوا بوجودهم وأجسادهم الذين كرسوا حياتهم في إشادة قوائم التوحيد ورفعوا صرحه، وكيف يتصور ممن قام بتكريم إمام الموحدين وسيدهم، أن ينحرف عن خطه الأصيل (التوحيد) ويعبد غيره سبحانه ويكون مشركاً، إلاّ إذا كان منحرفاً وأشرب في قلبه العجل ـ أعادنا اللّه من وساوسهم .

* * *


1. تفسير الطبري ج 15 ص 219 طبع مصطفى الحلبي بمصر، سورة الكهف الآية 19 .
2. تفسير الطبري ج 15 ص 225، ولاحظ تفسير القرطبي والكشاف للزمخشري وغرائب القرآن للنيسابوري في ذيل هذه الآية .


(220)

(6)

ابن تيمية وإقامة الصلاة عند قبور الأنبياء

هذا هو الموضوع السادس الّذي قال في حقه ابن تيمية: «ولا تشرع الصلاة عندها، ولا يشرع قصدها لأجل التعبّد عندها بصلاة واعتكاف، أو استغاثة وابتهال ونحو ذلك، وكرهوا الصلاة عندها، ثم كثير منهم قال: الصلاة باطلة لأجل النهي عنها، إلى أن قال: وإنما دين اللّه تعالى تعظيم بيوت اللّه وحدها التي تشرّع فيها الصلوات جماعة وغير جماعة، والاعتكاف، وسائر العبادات البدنية والقلبية من القراءة والذكر والدعاء له(1) .

يقول محمد بن عبد الوهاب: لم يذكر أحد من أئمة السلف أنّ الصلاة عند القبور وفي مشاهدها مستحبّة، ولا أنّ الصلاة والدعاء هناك أفضل، بل اتفق الكل على أنّ الصلاة في المساجد والبيوت أفضل منها عند قبور الأولياء والصالحين(2) .

وجاء في الجواب المنسوب إلى علماء المدينة: «أمّا التوجه إلى حجرة النبي عند الدعاء فالأولى منعه، كما هو معروف من معتبرات كتب المذهب، لأنّ أفضل الجهات جهة القبلة» .

وقد تجاوزت هذه المسألة على مر الزمان مرحلة المنع إلى مرحلة الشرك ،


1. مجموعة الرسائل والمسائل ج 1 ص 60 .
2. زيارة القبور ص 159 ـ 160 .


(221)

حتّى أنهم اليوم يعتبرون ذلك شركاً، وكل من فعل ذلك يكون عندهم مشركاً، وإليك توضيح المسألة:

1- لا شك أنّ إقامة الصلاة عند القبور لغاية عبادة صاحب القبر أو اتخاذه قبلة شرك، ولكن لاتجد على وجه البسيطة مسلماً يفعل ذلك، بل لا يحوم حوله البعداء من الأوساط الإسلامية، فضلا عن المتحضّرين منهم، المتواجدين في الأوساط الدينية .

2- إنّ هدف المسلمين من إقامة الصلاة والدعاء عند قبور الأولياء، هو التبرك بالمكان الّذي احتضن جسد حبيب من أحبّاء اللّه، فيتمتع ذلك المكان بمنزلة سامية، فالصلاة والدعاء هناك يعودان بثواب أكثر على فاعلهما.

إنّ لمشاهد الأولياء ومراقدهم شرفاً وفضيلة خاصة لا توجد في غيرها، ولأجل ذلك أوصى الشيخان بدفنهما في جوار النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، فالمصلي لدى قبورهم لا يقصد سوى ما قصده الشيخان لا غير. فلو كان قصد التبرك بمكان شركاً فلماذا أوصى الشيخان بالدفن بجوار النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ؟ .

3- إنّ القرآن الكريم يأمر حجاج بيت اللّه الحرام بإقامة الصلاة عند مقام إبراهيم، وهو الصخرة الّتي وقف عليها إبراهيم لبناء الكعبة، فيقول: (وَإذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً للنّاسِ وَأمْناً وَاتَّخذُوا مِنْ مَقَامِ إبْرَاهيمَ مُصَلّىً)(1) .

إنّ الصلاة في مقام إبراهيم لأجل التبرك بمقام النبي إبراهيم، فلو كانت عبادة اللّه تبارك وتعالى مقرونة بالتبرك بمكان المخلوق شركاً، فلماذا أمر به سبحانه، فهل هناك فرق بين مقامهم ومثواهم؟ .

4- سأل المنصور العباسي مالك بن أنس وهما في مسجد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فقال: يا أبا عبد اللّه، أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول اللّه؟ فقال مالك: لم تصرف عنه، وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى اللّه يوم القيامة؟ بل استقبله واستشفع به فيشفعك اللّه (2) .


1. سورة البقرة: الآية 125 .
2. وفاء الوفاء ج 4 ص 1376 .


(222)

والعجب أنّ الكاتب الوهابي (الرفاعي) حاول أن يكذب القصة، قال: «إنّ أبا جعفر المنصور كان من أعلم علماء عصره، فلا يصح أن يكون جاهلا فيستفسر» .

يا للعجب! من أين علم أنه كان مثل مالك بن أنس إمام المدينة المنورة؟

وهل له آثار في الفقه والحديث مثل مالك؟

ماهذه الكلمة الساقطة؟ وأي دليل على أنه لم يكن جاهلا بهذه المسألة فيستفسر مثله أو من هو أعلم منه ؟

5- روى السيوطي في أحاديث المعراج أنّ النبي الأكرم نزل في المدينة وطور وسيناء وبيت لحم، وصلّى فيها، فقال له جبرائيل: يا رسول اللّه أتعلم أين صلّيت؟ إنّك صليت في طيبة، وإليها مهاجرتك، وصلّيت في طور سيناء، حيث كلم اللّه موسى تكليماً، وصليت في بيت لحم حيث ولد عيسى(1) .

ولا أظن أن يتوهم أحد وجود الفرق بين المولد والمرقد بالتجويز في الأول دون الثاني .

6- إنّ المسلمين جميعاً يصلّون في حجر إسماعيل، مع أنّ الحجر مدفنه ومدفن أُمه هاجر، فأيٌ فرق بين مرقد النبي ومدفن أبيه إسماعيل؟

7- ولقد بلغت هاجر أُم إسماعيل مرتبة عند اللّه بسبب صبرها وتحمّلها المتاعب في سبيل اللّه سبحانه، فجعل اللّه موضع أقدامها محلا للعبادة، وأوجب على حجاج بيته الحرام أن يسعوا فيها كما سعت هاجر بين جبلي الصفا والمروة، فنسأل إذا كان صبرها على المكاره، وتحمّلها المتاعب في سبيل اللّه تعالى قد منحا الكرامة لموضع أقدمها، وأوجب اللّه على المسلمين أن يعبدوه سبحانه في ذلك المكان بالسعي بين الصفا والمروة، فلماذا لا يكون قبر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ


1. الخصائص الكبرى لجلال الدين السيوطي ج 1 ص 154 .


(223)

مباركاً ومقدساً، في حين أنّه تحمّل أنواع المصاعب والمصائب والمكاره من أجل إصلاح المجتمع وإرشاده .

قال ابن القيم ـ تلميذ ابن تيمية ـ : «إنّ عاقبة صبر هاجر وابنها على البعد والوحدة والغربة والتسليم إلى ذبح الولد، آلت إلى ما آلت إليه من جعل آثارهما ومواطىء أقدامهما مناسك لعبادة المؤمنين، ومتعبّدات لهم إلى يوم القيامة، وهذه سنته تعالى فيمن يريد رفعه من خلقه»(1) .

8- إذا كانت الصلاة عند القبر محرّمة في الشريعة الإسلامية، فلماذا قضت عائشة عمرها في البيت الّذي دفن فيه الرسول؟ .

9- إنّ السيدة فاطمة الزهراء الّتي قال في حقها النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «إنّ اللّه يرضى برضى فاطمة ويغضب بغضبها»(2) كانت تزور قبر عمّها حمزة في كل جمعة أو في كل أسبوع مرتين، وكانت تبكي وتصلّي عند قبره .

يقول البيهقي: كانت فاطمة (رضي اللّه عنها) تزور قبر عمّها حمزة كل جمعة، فتصلّي وتبكي عنده(3) .

10- إنّ مراقد الأنبياء ومشاهدهم تعدّ جزءاً من مطلق الأرض الّتي جعلها اللّه سبحانه محلا لعبادته، وقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً»(4) .

فما الدليل على إخراج مشاهد الأنبياء والأولياء والصالحين عن إطلاق الحديث المتفق عليه، أفيزعم الوهابي ان الصلاة في مشاهد الأنبياء ومراقدهم أقل ثواباً من مطلق الأرض؟!


1. زاد المعاد في هدى خير العباد طبع مصطفى البابي الحلبي، القاهرة بإشراف طه عبدالرؤوف 1390 هـ ق .
2. صحيح البخاري ج 5 باب مناقب قرابة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ص 20 ومستدرك الحاكم ج 3 ص 154 .
3. السنن للبيهقي ج 4 ص 78 مستدرك الصحيحين للحاكم ج 1 ص 377 .
4. صحيح البخاري ج 1 ص 91، مسند أحمد ج 2 ص 222 .


(224)

وأخيراً نرى أنّ المسلمين يقيمون الصلاة طيلة أربعة عشر قرناً عند قبر النبي والخليفتين، من دون أن يختلج ببال أحد من أنّ إقامة الصلاة عند القبور حرام أو مكروه .

كيف، ولو كان مكروهاً أو حراماً لما أوصى الإمام الحسن بن علي بدفن جسده المطهر عند قبر جده المصطفى ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ حتّى حالت بنو أُمية دون إنفاذ وصيته .

هذه الوجوه العشرة كافية لمن أراد اتباع الحق، ولا أظنّ أنّ المنصف المتحرّي للحقيقة ـ إذا تجرّد عن الهوى ـ ينبذ هذه الأدلة وراء ظهره .

* * *

وفي الختام نذكر حكم الإضاءة عند القبور، فربّما يحكم بالحرمة لما رواه النسائي عن ابن عباس أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لعن زائرات القبور والمتّخذين عليها المساجد والسرج(1) .

إنّ هذا الحديث وأمثاله يهدف إلى ما إذا كانت الإضاءة تبذيراً للمال، أو تشبّهاً ببعض الأُمم والشعوب، وإلاّ فالإضاءة إذا كانت لغاية قراءة القرآن والدعاء لا تكون محرمة .

بل يقول العلامة السندي في شرحه على الحديث: «والنهي عنه لأنّه تضييع مال بلا نفع»(2) .

أضف إلى ما في الحديث من لعن زائرات القبور، مع أنّ عائشة زارت البقيع مع النبي، وقد علّمها كيفية الزيارة كما تقدم حديثه .


1. السنن للنسائي ج 3 ص 77 .
2. السنن للنسائي ج 3 ص 77 طبع مصر وج 4 ص 95 طبع بيروت شرح الجامع الصغير ج 2 ص 198 .


(225)

(7)

ابن تيمية والتوسل بالأنبياء والصالحين

إنّ التوسل بالأنبياء والصالحين في حال حياتهم أو بعد التحاقهم بالرفيق الأعلى من الأُمور الرائجة بين الموحدين في جميع الأجيال والقرون، وقد أثارت فتوى ابن تيمية فيها بالحرمة ضجّة كبرى بين المسلمين، فالمسلمون كانوا إلى عصر ابن تيمية على جواز التوسل بشروطه المسوغة، إلى أن جاء ابن تيمية فأفتى بالحرمة، وتبعه الوهابيون، فأقصى ما جاز عندهم من التوسل هو التوسل بدعاء النبي في حال حياته، غير أنّ الشبه والظنون الّتي اعتمدوا عليها في منع التوسل كانت تقتضي منع هذا القسم أيضاً، لأنّه توسل بالمخلوق لا محالة في مقام العبادة، لكنّهم لم يجدوا منتدحاً عن القول بجوازه لتصريح القرآن به، حيث حثّ المسلمين على المجىء إلى النبي وطلب الاستغفار منه، قال سبحانه: (وَلَوْ أنّهُم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُم جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّاباً رَحيماً)(1)، وقال سبحانه: (وَإذَا قِيلَ لَهُم تَعَالَوا يَسْتَغْفِرْ لَكُم رَسُولُ اللّهِ لَوَّوْا رُؤوُسَهُم )وَرَأيْتَهُم يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ)(2) وقال سبحانه ناقلا عن أبناء يعقوب (يَا أبَانا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إنّا كُنّا خَاطِئِينَ)(3) .


1. سورة النساء: الآية 64 .
2. سورة المنافقون: الآية 5 .
3. سورة يوسف: الآية 97 .


(226)

ولأجل الحط من شأن النبي وكرامته يجعلون النبي مساوياً للمؤمنين ويقولون: «إنّ التوسل الجائز هو التوسل بدعاء المؤمن حال حياته، ولو جاز التوسل بدعاء النبي فليس هذا إلاّ لكونه أحد المؤمنين، ويجوز التوسل بدعاء كل أخ مؤمن من غير فرق بين النبي وغيره، وأمّا غير ذلك فكله ممنوع».

وستوافيك أقسامه وكلماتهم فيها، وبما أنّ الوهابيين مازالوا يستدلون ضد المتوسلين ببعض الآيات، نقدم البحث عنها ونقول:

آيتان على طاولة التفسير

(قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُم وَلاَ تَحْويلا * أُولئِكَ الّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِم الوَسِيلَةَ أيُّهُمْ أقْرَبُ، وَيَرجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إنَّ عَذَابَ رَبّكَ كَانَ مَحْذُوراً)(1).

يقول محمد نسيب الرفاعي مؤسس الدعوة السلفية وخادمها في الرياض: إنّك ترى أنّ اللّه تعالى يلفت أنظار المؤمنين إلى أنّ عمل المشركين بالتزلّف إلى اللّه بأشخاص المخلوقين لا يفيدهم شيئاً، لأنهم لا يملكون كشف الضرّ عنهم ولا تحويلا، فدعاؤهم بالذوات أو التوسل بهم لا يقدّم ولا يؤخّر، ولا يوصلهم، لأنهم أخطأوا الطريق إلى اللّه .

إنّ هاتين الآيتين في سورة الإسراء نزلتا في نفر من العرب كانوا يعبدون نفراً من الجن فأسلم الجنّيون، أمّا الإنس الذين كانوا يعبدونهم فلم يشعروا بإسلامهم، فأخبرهم اللّه بوحيه المنزل على عبده ورسوله محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : إنّ هؤلاء الذين يزعم المشركون أنهم يقرّبونهم إلى اللّه زلفى، يتسابقون ويتنافسون فيما بينهم بالتقرّب إلى الله تعالى، ويرجون رحمته و يخشون عذابه، فكيف أيها المشركون تدعونهم لكشف الضر عنكم وتوسّطونهم، فما الّذي تؤملون منهم وهم على أشدّ ما يكونون حاجة إلى اللّه تعالى، فالذي لا يملك شيئاً، لا يعطي شيئاً(2).


1. سورة الإسراء: الآية 56 ـ 57 .
2. التوصل إلى حقيقة التوسل ص 12 ـ 13 .


(227)

إنّ الاستدلال بهاتين الآيتين على رد التوسل الشائع بين المسلمين من عجيب الأُمور، فإنّ التوبيخ فيهما متوجّه إلى المشركين الذين كانوا معتقدين بألوهية معبوداتهم، وأنهم يملكون كشف الضر وتحويل السوء عن الدعاة، واللّه سبحانه يرد عليهم بأنّ المدعوين في أشد الحاجة إلى طلب التقرب إلى اللّه سبحانه، فكيف يمكن لهم كشف الضر عنهم؟ وأيّة صلة بين أولئك المشركين المعتقدين بألوهية المدعوين، والموحدين الذين يعتقدون بأنّه لا يملك كشف الضر إلاّ اللّه، ولكنّهم يوسّطون بينهم وبين ربّهم أحد عباد اللّه الصالحين، الّذي له مكانة عند اللّه، لعلّه سبحانه يجيب دعوته لأجله وحرمته ومقامه، وليس ذلك ببدعة، فقد أمر بتوسيط دعاء النبي في طلب المغفرة من اللّه، وأمر العصاة أن يطلبوا منه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الاستغفار على ما عرفت .

والقسمان يشتركان في توسيط المخلوق، سواء أكان ذاته القدسية أمْ دعاءَهُ المستجاب .

ثم إنّه في ذيل كلامه يقول: «إنّ الذين كان العرب يوسطونهم في توسلاتهم كانوا يتقربون إلى اللّه بأعمالهم الصالحة، فما بال المسلمين المتوسلين لا يقتدون بهم، ولم لا يفعلون ما يفعلون ما داموا بهم وبصلاحهم واثقين»؟ .

وللملاحظة والتدبّر في كلامه مجال واسع:

أمّا

أولا ـ فمن أين علم أنّ هؤلاء الذين كان العرب يوسطونهم كانوا يتقربون إلى اللّه بأعمالهم الصالحة؟ فليس في الآية شيء يدل على ذلك .

وثانياً ـ لو صحّ ذلك فمعنى كلامه أنّ التوسل منحصر في ذلك، مع أنّه من المجوزين لتوسل المسلم بدعاء النبي في حال حياته، بل بدعاء أخيه المسلم، فلماذا صار التخلف هيهنا عن هديهم ومذهبهم جائزاً مع أنهم لم يكونوا متقربين إلاّ بأعمالهم فقط .

والحق أنّ الكاتب اتّخذ موقفاً مسبقاً في مجال التوسل، وهو إحياء ما بذره ابن تيمية، فلذلك ترى أنّه يقفو في كتابه أثر شيخه، بلا تخلّف عنه قيد شعرة، مع أنه يتظاهر في بدء كتابه بأنه يريد أن يعالج الموضوع علاجاً محايداً


(228)

عن كلّ تحيّز(1) .

أقسام التوسل: المشروع والممنوع عند الوهابيين

ثم إنّ الرفاعي لغاية التظاهر بالحياد في الكتابة عن التوسل، يقسمه إلى مشروع وممنوع ويقول: وينقسم التوسل المشروع إلى ثلاثة أقسام:

1- توسل المؤمن إلى اللّه تعالى بذاته العلية، وبأسمائه الحسنى، وبصفاته العلى .

2- توسل المؤمن إلى اللّه تعالى بأعماله الصالحة .

3- توسل المؤمن إلى الّه تعالى بدعاء أخيه المؤمن له .

ثم إنّه يقدم الكتابة في الموضوعات الثلاثة فيما يقرب من مائة وسبعين صفحة، مع أنّ هذه الموضوعات من المسائل البديهية لدى الأُمم جمعاء، فضلا عن المسلمين، ولكنّه جاء يصرف القلم والحبر والورق في هذه الموضوعات لغاية التظاهر بأنه ليس مانعاً من التوسل، لكن التوسل المشروع هو هذه .

ثم إنّه خصّ الشطر الآخر من كتابه التوسل الممنوع، وجعله ثلاثة :

1- التوسل إلى اللّه بذوات النبيين والصالحين، وبالأمكنة الفاضلة كالكعبة والمشعر الحرام، وبالأزمنة المباركة كشهر رمضان وليلة القدر وأشهر الحج والأشهر الحرم .

2- التوسل إلى اللّه بجاه فلان أو حرمته أو ما أشبه ذلك .

3- الإقسام على اللّه تعالى بالمتوسل به .

ثم إنّه بدأ في البحث عن أحكام هذه التوسلات الثلاثة، وخرج بالمآل بحرمتها إمّا بالطعن في أسناد الأحاديث، أو بنقد مضامينها، مع أنّ المأثورات الواردة في ذلك المقام مستفيضة أو متواترة بالمعنى، فمن العجيب المناقشة في أسناد المستفيض أو المتواتر. نعم إنّ الشيخ الرفاعي تنازل عن توصيف هذه


1. التوصل إلى حقيقة التوسل ص 9 .


(229)

التوسلات بالشرك، وأفتى بحرمتها، مع أنّ المعروف من ابن تيمية وأذنابه هو توصيفها بالشرك، أو كونها ذريعة له .

يقول ابن تيمية في بيان مراتب التوسل :

أحدها: إنَّ الدعاء لغير اللّه سواء أكان المدعو حياً أم ميتاً، وسواء أكان من الأنبياء ـ عليهم السَّلام ـ أمْ غيرهم، فيقال: يا سيدي أغثني، وأنا مستجير بك وغير ذلك، فهذا هو الشرك باللّه .

الثاني: أن يقال للميت أو الغائب من الأنبياء الصالحين: ادع اللّه وادع لنا ربك ونحو ذلك، فهذا مما لا يستريب عالم في أنه غير جائز .

الثالث: أن يقول: أسالك بجاه فلان عندك وحرمته ونحو ذلك(1) .

ترى أنّه وصف الصورة الأُولى بالشرك والثانية والثالثة بعدم الجواز، فقد فرغنا من تبيين معيار التوحيد والشرك فلا نعيد، وإنّما نتكلم في الجواز وعدمه، ولنبحث عن الصور الثلاث الّتي جاءت في كلام الرفاعي، وزعم أنها ممنوعة، فنقول:

* * *


1. مجموعة الرسائل والمسائل ج 1 ص 22 ـ 23 .

Website Security Test