welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : الملل والنحل /ج4 (حياة ابن تيمية وابن عبد الوهاب )*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الملل والنحل /ج4 (حياة ابن تيمية وابن عبد الوهاب )
(177)

(4)

ابن تيمية والبناء على القبور

إنّ إبن تيمية هو أول من أفتى بحرمة البناء على القبور، سواء أكان صاحب القبر صالحاً أم طالحاً، وإليك نصه:

قال: وقد اتفق أئمة الإسلام على:

1- أنّه لا يشرع بناء هذه المشاهد الّتي على القبور .

2- ولا يشرع اتخاذها مساجد .

3- ولا تشرع الصلاة عندها .

4- ولا يشرع قصدها لأجل التعبد عندها بصلاة واعتكاف، أو استغاثة وابتهال، ونحو ذلك، وكرهوا الصلاء عندها، ثم كثير منهم قال: الصلاة باطلة لأجل النهي عنها... إلى أن قال: وإنما دين اللّه تعالى تعظيم بيوت اللّه وحده، وهي المساجد التي تشرع فيها الصلاة جماعة وغير جماعة، والاعتكاف وسائر العبادات البدنية والقلبية من القراءة والذكر والدعاء له.. وذكر بعض الآيات الواردة في تعظيم المساجد، وعدّ منها قوله تعالى:

(في بُيُوت أذنَ اللّهُ أنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فيها اسْمُهُ، يُسَبّحُ لَهُ فيها بِالغُدُوِّ والآصالِ* رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهم تِجارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وَإقامِ الصّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلّبُ فِيه القُلُوبُ وَ الأبْصَارُ)(1) .


1. سورة النور: الآية 36 ـ 37 وقد أفتى في كلامه هذا بحرمة أمور اربعة، سنبحث عنها واحداً بعد واحد إلاّ مسألة قصد المشاهد، لما استوفينا الكلام فيه عند البحث عن قصد السفر إلى زيارة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .


(178)

وأمّا اتّخاذ القبور أوثاناً فهو من دين المشركين(1) .

يقول تلميذه ابن القيم: يجب هدم المساجد الّتي بنيت على القبور، ولا يجوز إبقاؤها بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوماً واحداً(2) .

وعلى هذا الأصل لمّا استولى السعوديون على الحرمين الشريفين هدموا المراقد المقدسة في البقيع، وبيوت أهل البيت، بعدما رفعوا سؤالا إلى علماء المدينة المنورة، وإليك السؤال والجواب:

السؤال: ما قول علماء المدينة المنورة ـ زادهم اللّه فهماً وعلماً ـ في البناء على القبور، واتخاذها مساجد، هل هو جائز أم لا؟ وإذا كان غير جائز بل ممنوع منهي عنه نهياً شديداً، فهل يجب هدمها، ومنع الصلاة عندها أم لا؟.

وإذا كان البناء في مسبلة كالبقيع، وهو مانع من الانتفاع بالمقدار المبني عليه، فهل هو غصب يجب رفعه لما فيه من ظلم المستحقين ومنعهم استحقاقهم أم لا؟

الجواب: أمّا البناء على القبور فهو ممنوع إجماعاً، لصحة الأحاديث الواردة في منعه، ولذا أفتى كثير من العلماء بوجوب هدمه، مستندين بحديث علىّ (رضي اللّه عنه) أنّه قال لأبي الهياج:

«ألا ابعثك على ما بعثني عليه رسول اللّه، أن لا تدع تمثالا إلاّ طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلاّ سويته»(3) .

والامعان في الاستفتاء يعرب عن أنه لم تكن الغاية منه الوقوف على حكم


1. مجموعة الرسائل والمسائل ج 1 ص 59 ـ 60 طبع مصر، تحت إشراف السيد محمد رشيد رضا .
2. زاد المعاد في هدى خير العباد، ابن القيم ص 661 .
3. جريدة أم القرى،وقد نشرت نص الإستفتاء وجوابه في العدد الصادر بتاريخ 17 شوال سنة 1344 هـ .


(179)

اللّه، سواء أكان جائزاً أم حراماً، وإنما كانت الغاية هي أخذ الاعتراف منهم على الحظر، ولأجل ذلك أدرج المستفتي الجواب في السؤال وقال: «بل هو ممنوع منهي عنه نهياً شديداً» وهذا إن دل على شىء فإنما يدل على أن المستفتي قام على رأس المفتين فأخذ منهم الجواب بالتخويف والتهديد.

ثم إنّ المستفتي أي الشيخ النجدي المعروف بسليمان بن بليهد، يقول في مقال نشرته جريدة «أم القرى» في عددها الصادر في شهر جمادى الآخرة من شهور سنة 1245 هجرية:

«إنّ بناء القباب على مراقد العلماء صار متداولا منذ القرن الخامس الهجري» .

وهذا ما يكرره علماء الوهابية في دعاياتهم، ويضيفون إلى حديث «أبي الهياج» حديث «جابر» عن النبي الّذي سيوايك بيانه ونقده سنداً ومتناً.

ولأجل إيضاح الحال، نحلل ما جاء في الجواب، من الاستدلال بالإجتماع تارة، والحديث ثانياً، فنقول:

هل هناك إجماع على التحريم؟

إنّ للإجماع الوارد في كلامه احتمالات:

1- الإجماع التقديري، بحجة وجود الحديث الصحيح في الصحاح، بمعنى أنه لو وقف العلماء عليه لأفتوا بمضمونه كما أفتى به المجيب، ولا يخفى أنه غير مفيد، إذ هو فرع كون الحديث صحيحاً سنداً وكاملا من حيث الدلالة على مقصوده عند غيرهم، وكلا الأمرين غير ثابت، بل ثبت خلافهما كما سيوافيك بيانه .

2- الإجماع المحقق، وأنّ العلماء أفتوا في كتبهم بالتحريم حدوثاً وبقاءً، وهذا خلاف نصوصهم; ونكتفي بالنص الوارد في الفقه على المذاهب الأربعة الّذي اتفق عليه علماء أهل السنة في العصر الحاضر، حيث قالوا بكلمة واحدة:


(180)

«يكره أن يبنى القبر ببيت أو قبة أو مدرسة أو مسجد»(1) :

وهذا شارح صحيح مسلم يقول في شرح حديث أبي الهياج: أمّا البناء فإن كان في ملك الباني فمكروه، وإن كان في مقبرة مسبلة فحرام، نص عليه الشافعي والأصحاب(2) .

وتحريم البناء ـ عندئذ ـ لأجل عنوان عرضي لا ذاتي، وهو المزاحمة لأهداف الواقف وأغراضه .

3- سيرة المسلمين وعملهم منذ أن ارتحل النبي الأكرم إلى يومنا هذا، سوى الوهابيين .

أما سيرة المسلمين فحدّث عنها ولا حرج، فقد دفن النبي الأكرم في بيته الرفيع، ولم يخطر ببال أحد من الصحابة الحضور أن البناء على القبر حرام، وأنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ نهى عنه نهياً شديداً، ولما كان البيت متعلّقاً بزوجته (عائشة) جعلوا في وسطه ساتراً، ولما توفي الشيخان أوصيا بدفنهما في حجرة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ تبرّكاً بذاته ومكانه، ولم تسمع من أيّ ابن أُنثى نعيرة أنّه حرام ولا مكروه، وعلى ذلك استمرت سيرة المسلمين في حق الصلحاء والأولياء والعلماء، يدفنونهم في البيوت المعدة لذلك، أو يرفعون لمراقدهم قواعد وسقفاً بعد الدفن تكريماً لهم وتقديراً لتضحياتهم، ولم يخطر ببال أحد أنه على خلاف الدين والشرع .

وهذا عمل المسلمين وسيرتهم القطعية في جميع الأقطار والأمصار، ملء المسامع والأبصار على اختلاف نزعاتهم، من بدء الإسلام إلى هذا العصر من الشيعة والسنة، وأىّ بلاد من بلاد الإسلام من مصر أو العراق أو الحجاز أو سوريا، وتونس ومراكش وإيران، وهلمٌ جرّاً ليس فيها قبور مشيدة، وضرائح منجدة وهؤلاء أئمة المذاهب: الشافعي في مصر، وأبو حنيفة في بغداد، ومالك بالمدينة، وتلك قبورهم من عصرهم إلى اليوم شاهقة القباب،


1. الفقه على المذاهب الأربعة ج 1 ص 421 .
2. صحيح مسلم بشرح النووي ج 7 كتاب الجنائز طبع مصر .


(181)

شامخة المباني غير أنّ الوهابيين لما استولوا على المدينة هدموا قبر مالك. وهذه القبور قد شيدت وبنيت في الأزمنة الّتي كانت حافلة بالعلماء وأرباب الفتاوى، وزعماء المذهب، فما أنكر منهم ناكر، وليس هذا رائجاً بين المسلمين فقط، بل جرى على هذا جميع عقلاء العالم، بل يعد تعمير قبور الشخصيات من غرائز البشر ومقتضيات الحضارة وشارة الرقي، فكل هذا دليل على الجواز لو لم نقل يفوق ذلك، ولو لم تكن تلك السيرة المسلمة بين المسلمين والعقلاء عامة غير مفيدة في المقام، فلا يصحّ الاستناد إلى أية سيرة قاطعة بين المسلمين أو الناس .

وليس يصحّ في الأذهان شيء * إذا احتاج النهار إلى دليل

النتائج المحمودة لحفظ الآثار الإسلامية

إنّ المحافظة على آثار الأنبياء وخاصة آثار النبي الأكرم من قبره وقبور زوجاته وأولاده وأصحابه والشهداء الذين ضحوا بانفسهم في سبيل دينه، نتائج محمودة لا تستغني عنها الأُمة الإسلامية في وقت من الزمن، فإنّ الشريعة الإسلامية خاتمة الشرائع، وكتابه خاتم الكتب، ونبيه خاتم الأنبياء، فهي حجة على الناس إلى قيام الساعة الّتي لا يحيط بوقتها إلاّ اللّه تعالى، قال سبحانه:

(قُلْ إنَّما عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي، لاَ يُجَلِّيَها لِوَقْتِهَا إلاّ هُوَ)(1) .

فمن الممكن أن تمر على عمر الدنيا، وبالتالي على عمر الشريعة الإسلامية آلاف السنين، فالقضاء على آثار الشريعة ومعالم وجود نبيها يجعلها في معرض التشكيك والتردد، وأنه هل لما يدّعيه المسلمون من الرجة الكبرى ببعث النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ومواقفه وقضاياه وتشريعاته مسحة حق؟ بل ربما تحولها بعد مدة إلى أُسطورة تاريخية، حيث لا يجد الناس بعد حقب من الدهر آثاراً ملموسة من صاحب الشريعة، وليس هذا شيئاً غريباً، وهذه هي المسيحية قد مضى من عمرها عشرون قرناً، وقد تحول المسيح وأُمه العذراء


1. سورة الأعراف: الآية 187 .


(182)

وكتابه الإنجيل وتلاميذه إلى أساطير تاريخية، وصار بعض المستشرقين يشككون مبدئياً في وجود رجل اسمه المسيح واسم اُمه مريم وكتابه الإنجيل، وكادوا يعتبرونه أُسطورة خيالية تشبه اُسطورة (المجنون العامري وليلاه) وما هذا إلا لعدم وجود أثر ملموس منه، ولا من كتابه الواقعي وأصحابه وحوارييه .

وأمّا المسلمون فهم يواجهون العالم مرفوعي الرؤوس، ويقولون: يا أهل العالم قد بعث نبي في ارض الحجاز قبل ألف وأربعمائة سنة، وقدحقق نجاحاً في مهمته، وهذه آثار وجوده وحياته، فهذه هي الدار الّتي ولد فيها، وهذا هو غار حراء، مهبط وحيه في بدء الأمر، وهذا هو البيت الّذي دفن فيه، وهذه مدارس أولاده و...

فالإبقاء على الآثار الإسلامية وصيانتها من الزوال، صغيرة أو كبيرة، دعم لاستمرار رسالة هذا الدين وبقائه على مدى العصور والأزمان، وتدميرها سبب رئيس لتعريضها للشك والإنكار، وإعانة على أهداف المخالفين .

وقد اهتمّ المسلمون اهتماماً كبيراً بشأن آثار النبي وسيرته وسلوكه، حتّى أنهم سجلوا دقائق أُموره وخصائص حياته و مميزات شخصيته إلى درجة أنهم سجلوا حتّى ما يرتبط بخاتمه وحذائه، وسواكه وسيفه، ودرعه، ورمحه، وجواده وإبله وغلامه، والآبار الّتي شرب منها الماء، والأراضي التى وقفها لوجه اللّه سبحانه، و مشيته، وأكله، وشربه، وما يرتبط بلحيته المقدسة وخضابه لها وغير ذلك، ولا زالت آثار البعض باقية إلى يومنا هذا .

ولو كان ابن تيمية موجوداً في تلك الأعصار، وكان ينظر إلى الموضوع بالفكرة التي نشأ عليها، لرمى الصحابة الأجلاء والسلف الصالح بالشرك والوثنية، وزعم أنهم اتخذوا نبيهم وثناً يعبد، ولكن من حسن الحظ أنه لم يكن موجوداً فيها، ولكن كتب السير حافلة بذكرها فليقض عليهم بالحق.

وما أشبه عمل من يدمر الآثار النبوية تحت واجهة قلع الشرك بعمل الصبيان النوكى الذين يتلاعبون بميراث آبائهم بالتمزيق والتدمير، أوالبيع بثمن بخس .


(183)

ولأجل أن تعرف مدى شيوع هذه السيرة فارجع إلى ما يكتبه أحد الكتاب الوهابيين ويقول:

«وهذا أمر عمّ البلاد، وطبق الأرض شرقاً وغرباً، بحيث لا بلدة من بلاد الإسلام إلاّ فيها قبور ومشاهد، بل مساجد المسلمين غالباً لا تخلو من قبر ومشهد، ولا يسع عقل عاقل أن هذا منكر يبلغ إلى ما ذكرت من الشناعة ويسكت علماء الإسلام»(1) .

فلو كانت هذه سيرة المسلمين، فما معنى ادّعاء الإجماع على حرمة البناء ووجوب هدمه؟

فلو كان الهدم واجباً فلماذا لم يأمر الخليفة عمر بهدم قبور الأنبياء عندما فتح المسلمون بيت المقدس؟.

فهل الخليفة تسامح في هذا الأمر الخطير، أم أنه وسائر الصحابة الحضور في الواقعة، وجدوه أمراً مطابقاً للفطرة والشريعة الإسلامية، فلأجل ذلك أبقوها على حالها، وقام المسلمون بصيانتها وحفظها طوال القرون؟ .

إلى هنا تبين أنه لا إجماع في المسألة، بل لم تكن المسألة خلافية إلى عصر ابن تيمية، وقد خالف هو وحده وتبعه تلميذه ابن القيم، وكانت الفتوى مدفونة في الكتب إلى أن أحياها تلميذه في المنهج محمد بن عبدالوهاب، فنبش تلك الدفائن واستخرج هاتيك الكوامن والبذور المهلكة، فأثمرت قتل النفوس، وقطع الرؤوس كما سيوافيك تفصيل هذه الكوارث .

وقد استند ابن تيمية وأتباعه في ادّعاء الحرمة لحديث أبي الهياج، ونحن نذكر متن الحديث بالسند الّذي رواه مسلم في صحيحه.

«حديثنا يحيى بن يحيى، وأبوبكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب، قال يحيى: أخبرنا وقال الآخران: حدثنا وكيع عن سفيان، عن حبيب بن أبي


1. تطهير الاعتقاد ص 17 طبع مصر. ثم إنه حاول أن يجيب عن هذا الأمر بما الإعراض عن ذكره أحسن .


(184)

ثابت، عن أبي وائل عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علىّ بن أبي طالب: ألا ابعثك على ما بعثني عليه رسول اللّه، أن لا تدع تمثالا إلاّ طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلاّ سوّيته(1) .

زعم المستدل أن معناه: ولا قبراً عالياً إلاّ سوّيته بالأرض.

والاستدلال به باطل، لأنه ضعيف السند، قاصر الدلالة.

وأمّا السند فيكفي أن علماء الرجال ضعفوا هؤلاء الأربعة الواقعين في السند:

1- وكيع.

2- سفيان الثوري .

3- حبيب بن أبي ثابت .

4- أبو وائل الأسدي(2).

ويكفي في ضعف الحديث أنه رواه أبو الهياج وليس له في الصحاح والمسانيد حديث غير هذا، فكيف يستدل بسند يشتمل على المدلسين والمضعفين والذين لا يحتج بحديثهم، كما ذكره ابن حجر في ترجمة هؤلاء الأربعة .

وإليك نقل اقوال العلماء في حقهم:

1- وكيع: هو وكيع بن الجراح بن مليح، الرواسي، الكوفي، روى عن عدة منهم سفيان الثوري، وروى عنه جماعة منهم يحيى بن يحيى، وهو مع ما مدحوه نقلوا فيه أيضاً قدحاً كثيراً، قال ابن حجر في تهذيب التهذيب:

قال عبداللّه بن أحمد عن أبيه (أحمد بن حنبل) قال: سمعت أبي يقول: كان وكيع أحفظ من عبدالرَّحمن بن مهدي كثيراً كثيراً، وقال في


1. صحيح مسلم، ج 3 كتاب الجنائز ص 61، السنن للترمذي ج 2 ص 256، باب ما جاء في تسوية القبور، السنن للنسائي ج 4 باب تسوية القبر ص 88 .
2. لاحظ تهذيب التهذيب للعسقلاني الأجزاء 3، 4، 11 ص 179، 115، 130، 125 .


(185)

موضع آخر: ابن مهدي أكثر تصحيفاً من وكيع: ووكيع أكثر خطأ منه .

وقال في موضع آخر: أخطأ وكيع في خمسائة حديث .

وقال ابن عماد: قلت لوكيع: عدّوا عليك بالبصرة أربعة أحاديث غلطت فيها، فقال: حدثتهم بعبادان بنحو من ألف وخمسمائة، وأربعة ليس بكثير في ألف وخمسمائة.

وقال علي بن المديني: كان وكيع يلحن، ولو حدث بألفاظه لكان عجباً.

وقال محمد بن نصر المروزي: كان يحدث بآخره من حفظه، فيغيّر ألفاظ الحديث كأنه كان يحدث بالمعنى، ولم يكن من أهل اللسان(1) .

وقال الذهبي في ميزان الاعتدال بعدما مدحه:

قال ابن المديني: كان وكيع يلحن، ولو حدث بألفاظه كان عجباً(2).

* * *

2- سفيان الثوري: وهو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، أكثروا المدح في حقه، وقال الذهبي: مع أنه كان يدلس عن الضعفاء، ولكن كان له نقد وذوق، ولا عبرة بقول من قال: يدلس ويكتب عن الكذابين(3) .

وقال ابن حجر: قال ابن المبارك: حدث سفيان بحديث فجئته وهو يدلس، فلما رآني استحيى، وقال: نرويه عنك؟(4) .

وقال في ترجمة يحيى بن سعيد بن فروخ قال: أبوبكر، وسمعت يحيى يقول: جهد الثوري أن يدلس علي رجلا ضعيفاً فما أمكنه(5) .


1. تهذيب التهذيب ج 11 ص 123، 131 .
2. ميزان الإعتدال ج 4 ص 336 .
3. ميزان الإعتدال ج 2 ص 169 برقم 3322 .
4. تهذيب التهذيب ج 4 ص 115 في ترجمة سفيان .
5. تهذيب التهذيب ج 11 ص 218 .


(186)

والتدليس هو أن يروي عن رجل لم يلقه، وبينه وبينه واسطة فلا يذكر الواسطة.

وقال أيضاً في ترجمة سفيان: قال ابن المديني عن يحيى بن سعيد: لم يلق سفيان أبا بكر بن حفص، ولا حيان بن أياس، ولم يسمع من سعيد بن أبي بردة، وقال البغوي: لم يسمع من يزيد الرقاشي. وقال أحمد: لم يسمع من سلمة بن كهيل حديث المسائية، يضع ماله حيث يشاء ولم يسمع من خالد بن سلمة بتاتاً، ولا من ابن عون إلاّ حديثاً واحداً(1) .

وهذا تصريح من ابن حجر بكون الرجل مدلساً، وعندئذ يكون فاقداً لملكة العدالة، لأنه كان يصور غير الواقع واقعاً.

وقال الإمام الذهبي: قال صاحب الحلية: أخبرنا أبو أحمد الفطريفي، أخبرنا محمد بن أحمد بن مكرم، أخبرنا علي بن عبد الحميد، أخبرنا موسى بن مسعود، أخبرنا سفيان، دخلت على جعفر بن محمد وعليه جبة خز وكساء خز دخاني، فقلت: يابن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ليس هذا من لباس آبائك قال: كانوا على قدر اقتار الزمان، وهذا زمان قد اسبل عزاليه ثم حسر عن جبّة صوف تحته، وقال: لبسنا يا ثوري هذا للّه وهذا لكم، فما كان للّه أخفيناه وما كان لكم أبديناه(2) .

إنّ هذا الإعراض يدل على عدم فهمه للأُمور، وعدم معرفته بها .

* * *

3- حبيب بن أبي ثابت قيس بن دينار: تابعي، وثقه بعض، ولكن قال ابن حبان في الثقات: كان مدلساً، وقال العقيلي: غمزه ابن عون، وقال القطان: له غير حديث عن عطاء لا يتابع عليه، وليست محفوظة.

وقال ابن خزيمة في صحيحة: كان مدلساً.

وقال العقيلي: وله عن عطاء أحاديث لا يتابع(3) .


1. تهذيب التهذيب ج 4 ص 115 والمسائية: العبد المعتق .
2. تذكرة الحفاظ ج 1 ص 167 .
3. تهذيب التهذيب ج 2 ص 179 .


(187)

وقال ابن حجر ايضاً في تقريب التهذيب:

حبيب بن أبي ثابت: قيس، ويقال: هند بن دينار الأسدي، مولاهم أبو يحيى الكوفي، ثقة فقيه جليل، وكان كثير الإرسال والتدليس، من الثالثة، مات سنة تسع عشرة ومائة(1) .

ونقل ابن حجر عن كتاب الموضوعات لابن الجوزي من نسخة بخط المنذري أنه نقل فيه حديثاً عن أبي كعب في قول جبرئيل: لو جلست معك مثل ما جلس نوح في قومه ما بلغت فضائل عمر، وقال، ولم يعله ابن الجوزي إلاّ بعبد اللّه بن عامر الأسلمي شيخ حبيب بن أبي ثابت(2) .

* * *

4- أبو وائل الأسدي: وهو شقيق بن سلمة الكوفي، كان منحرفاً عن علىّ بن أبي طالب، قال ابن حجر: قيل لأبي وائل: أيهما أحب إليك: علىّ أم عثمان؟ قال: كان علىّ أحبّ إلىّ ثم صار عثمان(3) .

ولفظة «أحب» هناك ليست صيغة التفضيل بل المراد أنه كنت علوياً ثم صرت عثمانياً، وكان الحزبان يومذاك يبغض أحدهما الآخر.

ويشهد لذلك ما ذكره ابن أبي الحديد حيث قال: ومنهم أبو وائل شقيق بن سلمة، كان عثمانياً يقع في علىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ويقال إنّه كان يرى رأي الخوارج، ولم يختلف في أنّه خرج معهم، وأنّه عاد إلى علي ـ عليه السَّلام ـ منيباً مقلعاً. روى خلف ابن خليفة، قال: قال أبو وائل: خرجنا أربَعة آلاف فخرج إلينا علىّ فما زال يكلّمنا حتّى رجع منّا ألفان .

وروى صاحب كتاب «الغارات» عن عثمان بن أبي شيبة، عن الفضل بن دكين، عن سفيان الثوري قال: سمعت أبا وائل يقول: شهدت صفين وبئس الصفوف كانت!.


1. تقريب التهذيب ج 1 ص 148 تحت رقم 106 .
2. لسان الميزان ج 2 ص 168 في ترجمة حبيب بن ثابت .
3. تهذيب التهذيب ج 4 ص 362 .


(188)

قال وقد روى أبوبكر بن عاصم بن أبي النجود قال: كان أبو وائل عثمانياً(1).

ويكفي أنّه كان من ولاة عبيد اللّه بن زياد لعنه اللّه .

قال ابن ابي الحديد: وقال أبو وائل: استعملني ابن زياد على بيت المال بالكوفة(2) .

هذا كله حول سند الرواية، وقد عرفت أنّ سندها يشتمل على ضعاف، وعلى فرض ورود المدح في حقهم فو معارض بما عرفت من الجرح، وعند التعارض يقدّم الجارح على المادح فيسقط الحديث عن الاعتبار، و يرجع إلى أدلة أُخرى، وسيوافيك أنّ الأصل في المقام الجواز، كما سيأتي ذلك في آخر البحث .

* * *

وأمّا ضعفه دلالةً فإليك البيان .

إنّ تبيين ضعف دلالة الحديث يتوقف على توضيح معنى اللفظين الواردين في الحديث المذكور:

1- «قبراً مشرفاً».

2- «إلاّ سوّيته» .

أمّا الأول فقد قال صاحب القاموس: والشرف محركة: العلو. ومن البعير سنامه، وعلى ذلك فيحتمل أن يراد منه مطلق العلو، أو العلو الخاص كسنام البعير ولا يتعين ذلك إلاّ بالقرينة .

أمّا الثاني، أعني قوله: «سوّيته» فهو يستعمل على وجهين:

أ ـ يطلق ويراد منه مساواة شىء بشىء، فيتعدى إلى المفعول الثاني بحرف التعدية كالباء قال سبحانه (إذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ العَالَمِينَ)(3) .


1. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 4 ص 99 .
2. شرح نهج البلاغة ج 12 ص 223 .
3. سورة الشعراء: الآية 98 .


(189)

أي نعدّ الآلهة المكذوبة متساوين مع رب العالمين، فنضيف إليكم ما نضيف إلى رب العالمين. وقال سبحانه حاكياً عن حال الكافرين يوم القيامة (يَوْمَئِذ يَوَدُّ الّذينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوِّى بِهِمُ الأرْضُ وَ لاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثاً)(1) أي يودّون أن يكونوا تراباً أو ميتاً مدفوناً تحت الأرض .

ب ـ يطلق ويراد منه ما هو وصف لنفس الشيء، لا بملاحظة شيء آخر، فيكتفي بمفعول واحد، قال سبحانه: (الّذي خَلَقَ فَسَوَّى)(2) وقال سبحانه: (بَلَى قَادرينَ عَلَى أنْ نُسَوِّي بَنَانَهُ)(3) وقال سبحانه: (فَإذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهَ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا )لَهُ سَاجِدينَ)(4) في هذه الموارد وقعت التسوية وصفاً لنفس الشيء بلا إضافة إلى غيره. ويراد منه حسب اختلاف الموارد تارة كمال الخلقة واستقامتها في مقابل نقصها واعوجاجها، وهذا هو المقصود في الآيات الكريمة، وأُخرى تسطيحه مقابل اعوجاجه، وبسطه مقابل كونه كالسنام .

إذا عرفت ذلك فلنعد إلى الحديث ولنطبق الضابطة عليه، فبما أنّه استعمل مع مفعول واحد فلا يراد منه المعنى الأول، أي مساواته بالأرض، وإلاّ كان عليه أن يقول «سويته بالأرض» بل يراد منه ما هو وصف لنفس القبر والمعنى المناسب هو تسطيح القبر في مقابل تسنيمه، وبسطه في مقابل اعوجاجه، وهذا هو الّذي فهمه شراح الحديث، وبما أنّ السنة هي التسطيح، والتسنيم بدعة، أمر علىّ ـ عليه السَّلام ـ بأن تكافح هذه البدعة، ويسطّح كل قبر مسنم .

ويؤيد ما ذكرناه أنّ المحققين من أهل السنة لم يفهموا من الحديث إلاّ ما ذكرنا، وإليك نقل كلماتهم :

1- قال القرطبي في تفسير الحديث: «قال علماؤنا: ظاهر حديث أبي


1. سورة النساء: الآية 42 .
2. سورة الأعلى: الآية 2 .
3. سورة القيامة: الآية 4 .
4. سورة الحجر: الآية 29 .


(190)

الهياج منع تسنيم القبور ورفعها وأن تكون واطئة»(1) .

إنّ دلالة الحديث على منع تسنيم القبور ظاهرة، وأمّا دلالتها على عدم ارتفاعها فغير ظاهر، بل مردود باتفاق أئمة الفقه على استحباب رفعها قدر شبر(2) .

2- قال ابن حجر العسقلاني في شرحه على البخاري ما هذا نصه:

(مسنَّماً بضم الميم وتشديد النون المفتوحة أي: مرتفعاً. زاد أبو نعيم في مستخرجه: وقبر أبوبكر وعمر كذلك واستدل به على أنّ المستحب تسنيم القبور، وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد والمزني وكثير من الشافعية .

وقال أكثر الشافعية ونص عليه الشافعي: التسطيح أفضل من التسنيم، لأنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ سطح قبر إبراهيم، وفعله حجة لا فعل غيره، وقول السفيان التمار «رأى قبر النبي مسنّماً في زمان معاوية» لا حجة فيه، كما قال البيهقي، لاحتمال أنّ قبره ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وقبري صاحبيه لم تكن في الأزمنة الماضية مسنّمة ـ إلى أن قال ـ : ولا يخالف ذلك قول علىّ ـ عليه السَّلام ـ أمرني رسول اللّه أن لا أدع قبراً مشرفاً إلاّ سوّيته، لأنّه لم يرد تسويته بالأرض، وإنّما أراد تسطيحه جمعاً بين الأخبار، ونقله في المجموع عن الأصحاب(3) .

3- وقال النووي في شرح صحيح مسلم: إنّ السنة أن القبر لا يرفع عن الأرض رفعاً كثيراً، ولا يسنم بل يرفع نحو شبر، وهذا مذهب الشافعي ومن وافقه، ونقل القاضي عياض عن أكثر العلماء أن الأفضل عندهم تسنيمها، وهو مذهب مالك(4) .

ويؤيد ذلك أنّ صاحب الصحيح (مسلماً) عنون الباب بـ (باب تسوية القبور) ثم روى بسنده إلى تمامه قال: كنّا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم ،


1. تفسير القرطبي ج 2 ص 380 تفسير سورة الكهف .
2. الفقه على المذاهب الأربعة ج 1 ص 42 .
3. إرشاد الساري ج 2 ص 468 .
4. صحيح مسلم بشرح النووي ج 7 ص 36 الطبعة الثالثة ـ دار إحياء التراث العربي .


(191)

فتوفي صاحب لنا، فأمر فضال بن عبيد بقبره فسوي، قال: سمعت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يأمر بتسويتها، ثم أورد بعده في نفس الباب حديث أبي الهياج المتقدم(1) .

وفي الختام نذكر أُموراً:

1- القول بوجوب مساواة القبر بالأرض مخالف لما اتّفقت عليه كلمات فقهاء المذاهب الأربعة، وكلهم متّفقون على أنّه يندب ارتفاع التراب فوق الأرض بقدر شبر(2) ولو أخذنا بالتفسير الّذي يرومه الوهابي من حديث أبي الهياج من مساواة القبر بالأرض يجب أن يكون القبر لاطئاً مساوياً معه .

2- لما عجز الوهابيون في مقابل سيرة المسلمين، حيث دفنوا النبي في بيته فصار القبر عليه بناء، عمد بعضهم إلى التفريق بين الأمرين فقال: الحرام هو البناء على القبر لا الدفن تحت البناء، وقد دفنوا النبي تحت البناء ولم يبنوا على قبره شيئاً(3) ولكنّه تفريق بلا وجه، لأنّ حديث أبي الهياج مطلق يعم الصورتين .

3- حديث أبي الهياج ـ على فرض صحة سنده ودلالته ـ يهدف إلى تخريب القبر ومساواته بالأرض، لا هدم البناء الواقع عليه، فالاستدلال به على الثاني استدلال عجيب.

* * *

ب ـ حديث جابر وتحليله سنداً ومتناً

إنّ الوهابيين يستدلون بحديث جابر على حرمة البناء على القبور، وقد ورد بنصوص مختلفة، ونحن نذكر نصاً واحداً منها:

روى مسلم في صحيحه: حدثنا أبوبكر بن أبي شيبة، حدثنا حفص


1. المصدر السابق .
2. الفقه على المذاهب الأربعة ج 1 ص 42 .
3. رياض الجنة، بقلم مقبل بن الهادي طبع الكويت .


(192)

ابن غياث، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر قال: نهى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أن يجصّص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه(1) .

والاستدلال بحديث جابر غير صحيح سنداً ومتناً .

أمّا الأول فلأنّ جميع أسانيده مشتملة على رجلين هما في غاية الضعف :

1- ابن جريج: وهو عبدالملك بن عبدالعزيز بن جريج .

2- أبو الزبير. وهو محمد بن مسلم الأسدي .

أمّا الأول فإليك كلمات أئمة الرجال في حقه:

سئل يحيى بن سعيد عن حديث ابن جريج قال: فقال: ضعيف، فقيل له إنّه يقول: أخبرني قال: لا شيء.. كله ضعيف، وقال أحمد بن حنبل: إذا قال ابن جريج: قال فلان وقال فلان جاء بمناكير.

وقال مالك بن أنس: كان ابن جريج حاطب ليل .

وقال الدارقطني: يجنب تدليس ابن جريج فإنّه قبيح التدليس، لا يدلس إلاّ في ما سمعه من مجروح .

وقال ابن حبان: كان ابن جريج يدلس في احاديث(2).

وأمّا الثاني: فإليك أقوال علماء الرجال فيه:

فعن إمام الحنابلة عن أيوب إنّه كان يعتبر أبا الزبير ضعيف الرواية .


1. لاحظ للوقوف على متون الحديث المختلفة وأسانيده: صحيح مسلم، كتاب الجنائز ج 3 ص 62، والسنن للترمذي ج 2 ص 208، طبع المكتبة السلفية، وصحيح ابن ماجة، ج 1 كتاب الجنائز، ص 473، وصحيح النسائي ج 4 ص 87 إلى 88، وسنن أبي داود ج 3 ص 216، باب البناء على القبر، ومسند أحمد ج 3 ص 295 و 332 ورواه أيضاً مرسلا عن جابر ص 399 .
2. تهذيب التهذيب ج 6 ص 2 ـ 4 و ص 5 ـ 6 طبع دار المعارف العثمانية. ولاحظ ما ذكرناه في الجزء الأول ص 96 .


(193)

وعن شعبة: لم يكن في الدنيا أحبّ إلىّ من رجل يقدم فأسأله عن أبي الزبير، فقدمت مكة فسمعت منه فبينا أنا جالس عنده، إذ جاءه رجل فسأله عن مسألة فردّ عليه، فافترى عليه فقلت: يا أبا الزبير تفتري على رجل مسلم؟ قال: إنّه أغضبني، قلت: ومن يغضبك تفتري عليه؟ لا رويت عنك شيئاً.

وعن ورقاء قال: قلت لشعبة: مالك تركت حديث أبي الزبير؟ قال: رأيته يزن ويسترجع في الميزان .

وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن أبي الزبير، فقال: يكتب ولا يحتج به قال: وسألت أبا زرعة عن أبي الزبير فقال: يروي عنه الناس قلت: يحتج بحديثه؟ قال: إنما يحتج بحديث الثقات(1) .

باللّه عليك أيصحّ الاستدلال بهذا الحديث؟ أفهل يصحّ هدم آثار النبوة والرسالة والصحابة بهذه الرواية؟ .

على أنّ بعض الأسانيد مشتمل على عبد الرحمن بن أسود المتّهم بالكذب والوضع .

هذا كله ما يتعلّق بالسند، وأمّا المتن ففيه ملاحظتان:

الأُولى: إنّ الحديث روي بِصوَر سبع، مع أنّ النبي نطق بصورة واحدة، ولو رجعت إلى متونه المبعثرة في المصادر الّتي أوعزنا إليهاترى فيها الاضطراب العجيب، وإليك صورها:

1- نهي رسول اللّه عن تجصيص القبر والاعتماد عليه .

2- نهي رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عن الكتابة على القبر .

3- نهي رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عن تجصيص القبر، والكتابة والبناء عليه، والمشي عليه .


1. تهذيب التهذيب، ترجمة أبي الزبير ج 9 ص 442 طبع حيدرآباد ـ دكن عام 1326، ولاحظ: الطبقات الكبرى ج 5 ص 481 .


(194)

4- نهي رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عن الجلوس على القبر، وتجصيصه، والبناء والكتابة عليه .

6- نهي عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عن الجلوس على القبر، وتجصيصه والبناء عليه .

7- نهي رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عن الجلوس على القبر وتجصيصه والبناء عليه، والزيارة عليه، والكتابة عليه(1).

مضافاً إلى اختلافات أُخرى في أداء مقصود واحد، فيعبّر عنه تارة بالاعتماد، وأُخرى بالوطء، وثالثة بالقعود.

ومن المعلوم إِنَّ الاعتماد غير الوطء، وهما غير القعود، فمع هذا الاضطراب والاختلاف في المضمون لا يمكن لأي فقيه أن يعتمد عليه؟!.

الثانية: إنّ الحديث على فرض صحته لا يثبت سوى ورود النهي من النبي ولكن النهي منه تحريمي ومنه تنزيهي، وبعبارة أُخرى: نهي تحريم، ونهي كراهة، وقد استعمل النهي في كلمات الرسول في القسم الثاني كثيراً ولأجل ذلك حمله الفقهاء على الكراهة، فترى الترمذي يذكر هذا الحديث في صحيحة تحت عنوان كراهية تجصيص القبور، والسندي شارح صحيح ابن ماجة ينقل عن الحاكم النيسابوري أنّه لم يعمل بهذا النهي (بالمضمون التحريمي) أحد من المسلمين، بدليل أنّ سيرة المسلمين قائمة على الكتابة على القبور .

وأمّا الكراهة فربما تكون مرتفعة بالنسبة إلى المصالح العظيمة المترتبة عليه، كما إذا صار البناءعلى القبر سبباً لحفظ الآثار الإسلامية، وإظهار المودة لصاحب القبر الّذي فرض اللّه مودته على الناس(2)، أو يكون لاستظلال الزائر وتمكّنه من تلاوة القرآن وإهداء ثوابه إلى صاحب القبر، إلى غير ذلك من الأُمور


1. لاحظ في الوقوف على المتون المختلفة للحديث مضافاً إلى المصادر الّتي أوعزنا إليها، كتابنا (الوهابية في الميزان) ص 88 ـ 89 .
2. قال سبحانه: (قل لا أسألكم عليه أجراً الاّ المودة في القربى) (الشورى/23) .


(195)

الّتي يتمكّن الإنسان منها تحت الظل لا تحت الشمس ولا في برد الليل، فالنهي التنزيهي أشبه بالمقتضيات الّتي ترتفع بأقوى منها .

أحاديث ثلاثة في الميزان

فقد ورد في ذلك المجال أحاديث أُخر نذكرها بسندها ومتنها:

روى ابن ماجة في صحيحه ما يلي:

1- حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا محمد بن عبد اللّه الرقاشي، حدثنا وهب، حدثنا عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، عن القاسم بن مخيمرة، عن أبي سعيد أنّ النبي نهى أن يبنى على القبر(1) .

ويذكر ابن حنبل حديثاً آخر بسندين هما:

2- حدثنا حسن، حدثنا بريد بن أبي حبيب، عن ناعم مولى أُم سلمة عن أُم سلمة قالت: نهى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أن يبنى على القبر أو يجصّص .

3- علي بن إسحاق، حدثنا عبد اللّه بن لهيعة، حدثني بريد بن أبي حبيب عن ناعم مولى أُم سلمة: أنّ النبي نهى أن يجصّص قبر أو يبنى عليه أو يجلس(2) .

فسند الحديث الأول يشمل على (وهب) وهو مردد بين سبعة عشر رجلا، وفيهم الوضّاعون والكذّابون(3) .

والحديث الثاني والثالث لا يحتج بهما لاشتمالهما على (عبداللّه بن لهيعة) الّذي يقول فيه ابن معين:

ضعيف لا يحتج به، ونقل الحميدي عن يحيى بن سعيد أنّه كان لا يراه شيئاً(4) .


1. صحيح ابن ماجة ج 1 ص 474 .
2. مسند أحمد ج 6 ص 299 .
3. ميزان الاعتدال ج 3 ص 350 ـ 355 .
4. ميزان الاعتدال ج 2 ص 476، وتهذيب التهذيب ج 1 ص 444 .


(196)

هذه حال الأحاديث الّتي صارت ذريعة بيد الوهابيين لتدمير الآثار الإسلامية منذ أن استولوا على الحرمين الشريفين، حيث لا تمر سنة إلاّ ويدمّر أثر من الآثار الإسلامية بحجة توسيع الحرم الشريف، حتّى المكتبات وبيوتات بني هاشم ومدارسهم، وبيت مضيف النبي أبي أيوب الأنصاري، وفي الوقت نفسه يعكفون على حفظ آثار اليهود في خيبر وغيرهم باسم الحفاظ على الآثار التاريخية.

ثم إنّ القاضي ابن بليهد قد أعوزته الحجة فتمسّك بكون البقيع مسبلة موقوفة، وأنّ البناء على القبور مانع عن الانتفاع بأرضها. سبحان اللّه ما أتقنه من برهان؟ من أين علم أنّ البقيع كانت أرضاً حية وقفها صاحبها على دفن الأموات؟ .

ومن أراد أن يقف على حال البقيع، وأنه لم يكن فيها يوم أُعِدَّت للتدفين أي أثر من الحياة، فليرجع إلى كتاب (وفاء الوفاء) .

آخر ما في كنانة المستدل

ذكر البخاري في صحيحه في باب كراهة اتّخاذ المساجد على القبور الخبر التالي:

لما مات الحسن بن الحسن بن علي ضربت امرأته القبّة على قبره سنة، ثم رفعت، فسمعوا صالحاً يقول:

ألا هل وجدوا ما فقدوا؟ فأجابه الآخر: بل يئسوا فانقلبوا(1) .

إنّ هذا الخبر لو صحّ فهو على نقيض المطلوب أدل، فهو يدل على جواز نصب المظلّة على القبر، ولو كان ذلك حراماً لما صدر من امرأة الحسن بن الحسن ـ عليهما السَّلام ـ لأنه كان بمرأى ومسمع من التابعين وفقهاء المدينة، ولعلها نصبت تلك القبة لأجل تلاوة القرآن في جوار زوجها وإهداء ثوابها إلى روحه .

وأمّا قول الصالح فهو أشبه بقول غير الصالح، كما أنّ الجواب أيضاً


1. صحيح البخاري كتاب الجنائز ج 2 ص 111، السنن للنسائي ج 2 كتاب الجنائز ص 171.


(197)

مثله، لأنه بصدد الشماتة على امرأة افتقدت زوجها وهي مستحقة للتعزية والتسلية لا الشماتة، لأنها ليست من أخلاق المسلمين، ولم تكن المرأة تأمل عودة زوجها إلى الحياة حتّى يقال إنها يئست، بل كان نصبها للمظلة للغايات الدينية والأخلاقية .

ترى هؤلاء الأغبياء يدمّرون آثار الرسالة وهم يتمسكون في ذلك بركام من الأوهام، ويسخرون من الذين أظهروا حباً لأهل بيت رسول اللّه الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وفرض مودّتهم وولاءهم وقال: (قُلْ لاَ أسْألُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى)(1) .

* * *

إلى هنا تبين أنّه ليس للقوم دليل، بل ولا شبهه على حرمة البناء على القبور، وأنهم لم يدرسوا صحاحهم ومسانيدهم حسبما درس السلف الصالح. والآن هلمّ معي أتلو عليك أدلة القائلين بالجواز، سواء أكان صاحب القبر رجلا عادياً أم كان عظيماً من عظماء الدين، وإليك بيانها:

عرض المسألة على الأدلة المحكمة

إذا وقفت على ضعف ما استدل به القوم على تحريم البناء على القبور، وسقوطه عن الاعتبار، فيجب عرض المسألة على الأدلة المحكمة الّتي لا يصحّ لأحد النقاش في اعتبارها وحجيتها .

فإذا دلت تلك الأدلة على الجواز، فلا محيص من طرح هذه الأحاديث الضعاف، أوحملها على الكراهة، أو غير ذلك. وإليك بيان تلك الأدلة:

1- الكتاب والبناء على القبور

يظهر من الكتاب أنّ البناء على القبور، بل بناء المسجد عليها كان جائزاً في الشرائع السابقة، وأنّ الناس عندما وقفوا على قبور أصحاب الكهف،


1. سورة الشورى: الآية 23 .


(198)

اختلفوا على قولين: فمن قائل: (ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَاناً)(1) .

ومن قائل آخر: (لَنَتَّخِذَنّ عَليْهِم مَسْجداً)(2) .

والاستدلال بالآية واضح لمن يرى القرآن قدوة وأُسوة.

فإنّ القرآن ينقل كلا القولين، من دون أن ينتقدهما أو يعترض عليهما ويردع عنهما بل الظاهر أنّه ينقلهما بصورة التحسين، وأنّ أصحاب الكهف بلغ بهم ثباتهم في طريق العقيدة إلى حد لما عثر عليهم الناس اجتمعوا على تكريمهم واحترامهم، بل التبرك بهم، فمن قائل بلزوم البناء عليهم. وآخر باتخاذ مراقدهم مسجداً، وليس القرآن كتاب قصة وأُسطورة، وإنما هو كتاب إرشاد وقدوة وإمام. فلو كانوا في عملهم هذا ضالين لعلق على قولهم بشىء أو عابه، كما هو الحال فيما ينقل عن المشركين، والكافرين، عملا، أو رأياً.

قال سبحانه حاكياً كيفية غرق فرعون: (حَتّى إذَا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أنّهُ لاَ إلهَ اَلاّ الّذي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إسرائيلَ وَأَنَا مِنَ المُسْلِمِينَ)(3) ولأجل إيقاف المؤمنين على أنّ الإيمان في هذا الظرف غير مفيد، عقّب عليه بقوله:(ألآن وَقَد عَصَيْتَ قَبْلُ )وَكُنْتَ مِنَ الْمُفسِدِينَ)(4) .

فلأجل ذلك يكون القرآن قدوة في كل ما ينقله من أعمال الماضين، إلاّ إذا عقّب عليه بالرد، أو دلّت القرائن على كونه عملا غير مقبول .

2- السيرة المستمرة بين المسلمين

لم يزل الإلهيون من أهل الكتاب والمسلمين في قاطبة الأعصار يهتمون بمقابر الأنبياء والأولياء بالبناء والتعمير، ثم التطهير والتنظيف، حتّى نرى أنّ كثيراً من المتمكّنين يخصصون أموالهم ويوقفونها في هذا المجال.

فهذه القباب الشاهقة، والمنائر الرفيعة، والساحات الوسيعة حول


1. سورة الكهف: الآية 21 .
2. سورة الكهف: الآية 21 .
3. سورة يونس: الآية 90 .
4. سورة يونس: الآية 91 .


(199)

مراقد الأنبياء والأولياء، في مختلف البلاد شرقها وغربها، وهذا دليل قاطع على أنّ هذه السيرة كانت مرضية عن صاحب الشريعة وخلفائه وأصحابه، وإلاّ كان عليهم رفضها وردها بالبنان والبيان، والسلطة والقوة، فالسكوت في بعض الفترات ودعمها في بعض الأحايين أدلّ دليل على كونها سيرة مرضية.

نعم، إذا كان اتّخاذ المقابر مساجد على النحو الرائج عند اليهود والنصارى فهو محرّم، وقد نصّ الرسول على تحريمه، كما تأتي الروايات مع توضيحها، وهو مسألة أُخرى غير مجرّد البناء على القبور الّذي هو مسألتنا.

هذا هو السلف الصالح قد وقفوا ـ بعد ما فتحوا الشام ـ على قبور الأنبياء ذوات البناء الشامخ... فتركوها على حالها من دون أن يخطر ببال أحدهم وعلى رأسهم عمر بن الخطاب بأنّ البناء على القبور أمر محرّم يجب أن تهدم، وهكذا الحال في سائر القبور المشيدة عليها الأبنية في أطراف العالم، وإن كنت في ريب فاقرأ تواريخهم، وإليك نص ما جاء في دائرة المعارف الإسلامية:

إنّ المسلمين عند فتحهم فلسطين وجدوا جماعة من قبيلة «لخم» النصرانية يقومون على حرم إبراهيم بـ «حبرون» ولعلهم استغلوا ذلك ففرضوا أتاوة على حجاج هذا الحرم.. وربما يكون توصيف تميم الداري نسبة إلى الدار، أي: الحرم، وربما كان دخول هؤلاء اللخميين للإسلام، لأنّه قد مكّنهم من القيام على حرم إبراهيم الّذي قدّسه المسلمون تقديس اليهود والنصارى من قبلهم(1) .

وجاء أيضاً في دائرة المعارف الإسلامية في مادة «الخليل»: ويقول المقدسي، وهو أول من أسهب في وصف الخليل: إنّ قبر إبراهيم كانت تعلوه قبة بنيت في العهد الإسلامي، ويقول مجير الدين: إنها شيدت في عهد الأمويين، وكان قبر إسحاق مغطّى بعضه، وقبر يعقوب قباله، وكان المقدسي أول من ذكر تلك الهبات الثمينة الّتي قدّمها الأُمراء الورعون من أقاصي البلاد إلى هذا الضريح، وذلك الاستقبال الكريم الّذي يلقاه الحجاج من جانب


1. دائرة المعارف الإسلامية ج 5 ص 484 مادة تميم الداري .


(200)

التميميين (1) .

ولو قام باحث بوصف الأبنية الشاهقة الّتي كانت مشيدة على قبور الأنبياء والصالحين قبل ظهور الإسلام، وما بناه المسلمون في عصر الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يومنا هذا في مختلف البلدان، لجاء بكتاب فخم ضخم، يعرب عن أنّ السّنة السنية الرائجة في تلك الأعصار قبل الإسلام وبعده، من عصر الرسول والصحابة والتابعين لهم إلى يومنا هذا، هي مشروعية البناء على القبور، والعناية بحفظ آثار رجال الدين، ولم ينبس أىّ ابن أُنثى حول ذلك ببنت شفة، وما اعترض عليها، بل تلقوها إظهاراً للمحبة والود لأصحاب الرسالات والنبوات وأصحاب العلم والفضل، ومن خالف تلك السنة وعدّها شركاً أو أمراً محرّماً فقد اتّبع غير سبيل المؤمنين قال سبحانه:

(وَمَنْ يَشَاقَقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبيلَ الْمؤْمِنينَ نُوَلِّه مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً)(2) .

وقد وارى المسلمون جسد النبي الأكرم في بيته المسقف، ولم يزل المسلمون مذ أن وورِيَ جثمانه، على العناية بحجرته الشريفة بشتى الأساليب، وقد بنى عمر بن الخطاب حول حجرته جداراً وقد جاء تفصيل كل ذلك مع ذكر وصف الأبنية الّتي توالت عليها عبر القرون في الكتب المتعلقة بتاريخ المدينة، لا سيما وفاء الوفاء للعلامة السَّمهودي المتوفى عام (911 هـ)(3) والبناء الأخير الّذي شيّد عام (1270 هـ) قائم لم يمسه سوء، وسوف يبقى بفضل اللّه تبارك وتعالى محفوظاً عن الاجتراء .

وأمّا المشاهد والقباب المبنية في المدينة في العصور الأُولى فحدّث عنها ولا حرج، ولا سيما في بقيع الغرقد، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتب التاريخ وأخبار المدينة .

هذا هو المسعودي المتوفى عام (345 هـ) يقول: «وعلى قبورهم في هذا


1. دائرة المعارف الإسلامية ج 8 ص 420 مادة خليل .
2. سورة النساء: الآية 115.
3. وفاء الوفاء ج 2 الفصل التاسع ص 458 إلى آخر الفصل .


(201)

الموضع من البقيع رخامة مكتوبه عليها: بسم اللّه الرحمن الرحيم، الحمدللّه مبيد الأُمم ومحي الرمم، هذا قبر فاطمة بنت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ سيدة نساء العالمين، وقبر الحسن بن علىّ بن أبي طالب، وعلىّ بن الحسين بن أبي طالب، ومحمد بن علىّ و جعفر بن محمد»(1) .

وذكر السبط ابن الجوزي المتوفى عام 654 هـ في تذكرة الخواص ص 311 نظير ذلك، وهذا هو محمد بن أبي بكر التلمساني يصف المدينة الطيبة وبقيع الغرقد في القرن الرابع بقوله: «وقبر الحسن بن علىّ عن يمينك إذا خرجت من الدرب ترتفع إليه قليلا، عليه مكتوب: هذا قبر الحسن بن علىّ، دفن إلى جنب أُمه فاطمة رضي اللّه عنها وعنه(2) .

ويقول الحافظ محمد بن محمود بن النجار المتوفى عام 643 هـ في أخبار مدينة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ :.. في قبة كبيرة عالية قديمة البناء في أول البقيع، وعليها بابان يفتح أحدهما في كل يوم للزيارة، رضي اللّه عنهم(3) .

يقول ابن جبير ذلك السائح الطائر الصيت المتوفى عام 614 هـ في رحلته في وصف بقيع الغرقد: مقابل قبر مالك، قبر السلامة الطاهرة إبراهيم ابن النبي عليه قبة بيضاء وعلى اليمين منها تربة ابن عمر بن الخطاب (رضي الّه عنه)... وبإزائه قبر عقيل ابن أبي طالب (رضي اللّه عنه). وعبداللّه بن جعفر الطيار (رضي اللّه عنه)، وبإزائهم روضة فيها أزواج النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وبإزائها روضة صغيرة فيها ثلاثة من أولاد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، ويليها روضة العباس بن عبدالمطلب والحسن بن علي (رضي اللّه عنه)، وهي قبة مرتفعة في الهواء على مقربة من باب البقيع المذكور، وعن يمين الخارج من، رأس الحسن إلى رجلي العباس (رضي اللّه عنهما)، وقبراهما مرتفعان عن الأرض متسعان مغشيان بألواح ملصقة أبدع، إلصاق، مرصعة بصفائح الصفر، ومكوكبة بمسامير على أبدع صفة وأجمل منظر، وعلى هذا


1. مروج الذهب ومعادن الجوهر، ج 2 ص 288 .
2. مجلة العرب رقم 5 ـ 6 المؤرخ 1393 .
3. أخبار مدينة الرسول اهتم بنشره صالح محمد جمال ـ طبع مكة المكرمة 1366 .


(202)

الشكل قبة إبراهيم ابن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، ويلي هذه القبة العباسية بيت ينسب لفاطمة بنت الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، ويعرف ببيت الحزن... وفي آخر البقيع قبر عثمان الشهيد المظلوم ذي النورين (رضي اللّه عنه)، وعليه قبة صغيرة مختصرة، وعلى مقربة منه مشهد فاطمة ابنة أسد أُم علىّ (رضي اللّه عنها) وعن بنيها(1).

روى البلاذري أنّه لما ماتت زينب بنت جحش سنة عشرين صلى عليها «عمر» وكان دفنها في يوم صائف، ضرب «عمر» على قبرها فسطاطاً(2) ولم يكن الهدف من ضربه تسهيل الأمر لمن يتعاطى دفنها، بل لأجل تسهيله لأهلها حتّى يتفيّأوا بظلّه ويقرأوا ما تيسّر من القرآن والدعاء، فلاحظ .

حصيلة البحث

إنّ سيرة المسلمين من عصر الصحابة إلى التابعين إلى تابعي التابعين، إلى عصرنا هذا أقوى حجة على الحكم الشرعي ـ فإنّ اتفاق العلماء في عصر و «إجماعهم على حكم» حجة شرعية عليه، فكيف اتفاقهم عليه طيلة قرون، ولا سيما الصحابة العدول .

فالصحابة واروا جسد النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في بيته، ولم يخطر ببال أحد أن البناء على القبور محرّم، ولا أظن أنّ جاهلا متنسّكاً يفرق بين البناء المتقدم على الدفن والمتأخر عنه، فضلا عن عالم، فإنّ كون قبر الميت تحت بناء تكريم له وتعظيم، والقوم يتلقونه شركاء لأنّه تعظيم لغير اللّه، فلا يفرق بين البناء على القبور أو دفن الميت تحت بناء .

وليس هذا شيء ينكره أحد من المسلمين .

والعجب أنّ الوهابيين لما واجهوا هذه السيرة المستمرة عمدوا إلى تفسير هذه السيرة بأنّ النبي إنما دفن في بيته، لأجل حديث رواه أبوبكر، قال ابن كثير: إنّ أصحاب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لم يدروا أين يقبرون


1. رحلة ابن جبير، بيروت دار صادر. وقد زار المدينة المنورة عام 578 هـ .
2. أنساب الأشراف ج 1 ص 436 .


(203)

رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ حتّى قال أبوبكر: سمعت النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يقول:: لم يقبر نبىّ إلاّ حيث يموت(1) .

ثم أضاف المؤلف: فعلمنا من هذه الأحاديث أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ دفن في بيته كما أمر بذلك، فعلى هذا فلا حجة فيه للقبوريين في البناء على القبور، إذ لم يبن على قبره، وإنّما دفن في بيته(2) .

ولا يخفى وجود التهافت في عبارته، فصدرها يدل على أنّ دفن النبي في بيته كان بأمره ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، ولو لم يكن أمره لما دفنوه فيه، لأنّ الدفن في البناء حرام، وذيل العبارة يدل على التفريق بين الدفن تحت البناء القائم والبناء على القبر .

فلو أراد الوجه الأول كما هو ظاهره حيث استقصى مصادر الحديث المذكور قرابة ست صفحات، فهو مردود بدفن الشيخين في البيت، مع أنّه لم يرد في حقهما ما ورد في حق النبي .

ولو أراد الثاني فهو تفريق لا يجنح إليه ذو مسكة، بعد وحدة الملاك والاشتراك في المفسدة المزعومة.

وبعد دلالة الذكر الحكيم والسيرة على الجواز، لا مناص عن طرح هذه الروايات أو تأوليها.

3- البناء تعظيم لشعائر اللّه

إنّ تعظيم قبور الأنبياء والأولياء وتنظيفها وحفظها عن تطرق الفساد والانهدام مظهر لتعظيم شعائر اللّه قال سبحانه:

(ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظَّم شَعَائِرَ اللّهِ فإنَّها مِنْ تَقْوى القُلُوبِ)(3) .


1. البداية والنهاية ج 5 ص 266، وقد جاءت مصادر هذه الرواية في كتاب رياض الجنة ص 264 .
2. رياض الجنة 269 .
3. سورة الحج: الآية 32 .


(204)

والاستدلال بالآية يتوقف على ثبوت صغرى وكبرى:

الغصرى عبارة عن كون الأنبياء وأوصيائهم ومن يرتبط بهم أحياءً وأمواتاً من شعائر اللّه... والكبرى عبارة عن كون البناء والتنظيف وصيانة المقابر تعظيم لشعائر اللّه .

ولا أظن أنّ الكبرى تحتاج إلى مزيد بيان، إنما المهم بيان الصغرى، وأنّ الأنبياء والأوصياء من شعائر اللّه، وبيان ذلك يحتاج إلى نقل ما ورد حول شعائر اللّه من الآيات :

1- (إنَّ الصّفا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللّه)(1) .

2- (يَا أيُّها الّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللّهَ وَلاَ الشّهْرَ الحَرَامِ وَلا الهَدْيَ وَ لاَ القَلاَئِدَ وَ لاَ آمِّينَ البَيْتَ الحَرَامَ يبْتَغُونَ فَضْلا مِنْ رَبِّهِمْ وَ رضْوَاناً)(2) .

3- (وَالبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِر اللّه لَكُمْ فِيْهَا خَيْرٌ)(3) .

4- وفي رواية أُخرى جعل مكان شعائر اللّه، حرمات اللّه وقال:

(ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللّه فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ إلاّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنِ الأوثَانِ...)(4) .

ما هو المقصود من (شعائر اللّه) ؟

هنا احتمالات:

1- تعظيم آيات وجوده سبحانه .

2- معالم عبادته وأعلام طاعته .

3- معالم دينه وشريعته وكل ما يمتإليهما بصلة .


1. سورة البقرة: الآية 158 .
2. سورة المائدة: الآية 2 .
3. سورة الحج: الآية 36 .
4. سورة الحج: الآية 30 .


(205)

أمّا الأول فلم يقل به أحد، إذ كل ما في الكون آيات وجوده، ولا يصحّ تعظيم كل موجود بحجة أنه دليل على الصانع .

وأمّا الثاني فهو داخل في الآية قطعاً، وقد عدّ الصفا والمروة والبدن من شعائر اللّه، فهي من معالم عبادته وأعلام طاعنه، إنما الكلام في اختصاص الآية بمعالم العبادة وأعلام طاعته، الظاهر المتبادر هو الثالث، أي معالم دينه سبحانه، سواء أكانت أعلاماً لعبادته وطاعة أم لا، فالأنبياء والأوصياء والشهداء والصحف والقرآن الكريم والأحاديث النبوية كلها من شعائر دين اللّه وأعلام شريعته، فمن عظمها فقد عظم شعائر الدين .

قال القرطبي: فشعائر اللّه: أعلام دينه، لا سيما ما يتعلق بالمناسك(1) ولقد أحسن حيث عمّم أولا، ثم ذكر مورد الآية ثانياً، ومما يعرب عن ذلك أنّ إيجاب التعظيم تعلق بـ (حرمات اللّه) في آية أُخرى .

قال سبحانه: (وَمَنْ يُعظَّمْ حُرُماتِ اللّه فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ ربّه)، والحرمات ما لا يحل انتهاكه، فأحكامه سبحانه حرمات اللّه، إذ لا يحل انتهاكها، وأعلام طاعته وعبادته وحرمات اللّه، إذ يحرم هتكها وأنبياؤه وأوصياؤهم وشهداء دينه وكتبه وصحفه من حرمات اللّه، يحرم هتكهم، فلو عظّمهم المؤمن أحياء وأمواتاً فقد عمل بالآيتين: «وَمَن يَعظّم حرمات اللّه» «ومن يعظّم شعائر اللّه».

4- الإذن في ترفيع بيوت خاصة

لقد أذن اللّه تعالى في ترفيع البيوت الّتي يذكر فيها اسمه فقال: (في بُيُوت أذِنَ اللّهُ أنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بِالغُدُوَّ وِ الآصَالِ * رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاّبَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّه)(2) وقد عرفت أنّ ابن تيمية جعل الآية دليلا على تكريم المساجد، ولكنّه غفل عن أنّ البيوت غير المساجد، فهناك بيت وهناك مسجد، والبيت هو البناء الّذي يتشكّل من جدران أربعة وعليها


1. تفسير القرطبي، طبع دار إحياء التراث العربي، ج 12 ص 56 .
2. سورة النور: الآية 36 ـ 37 .


(206)

سقف قائم، ولأجل ذلك يقال للكعبة بيت اللّه، وللساحة المحيطة به (المسجد الحرام) وأيضاً يستحب أن تكون المساجد غير مسقّفة، وترى المسجد الحرام مكشوفاً تحت السماء من دون سقف يظلّه، دون البيت فالسقف من مقوماته .

قال سبحانه: (وَلَوْلاَ أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بَالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِم سُقُفاً مِنْ فِضّة وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُون)(1) .

فالبيوت غير المساجد، ولو تنزلنا فهي أعمّ منها تشمل المسجد وغيره. هذا كله حول البيوت، وأمّا الرفع الوارد في الآية الكريمة فسواء أفسّر بالرفع الحسي بإرساء القواعد وإقامة الجدران كما في قوله سبحانه: (وَإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ وَإسماعِيلُ)(2)، أَمْ فسّر بالرفع المعنوي كما هو الحال في قوله سبحانه: (وَرَفَعَنَاه مَكَاناً عَلياً)(3). أي منحناه مكانة عالية. فلو فسرّ بالرفع الحسّي يكون دليلا على جواز تشييد بيوت الأنبياء والأولياء، وتعميرها في حياتهم وبعد وفاتهم حسب إطلاق الآية، وقد كان بيوت كثير من الأئمة الصالحين هي مقابرهم، فتشييد هذه البيوت عمل جائز بنص الآية، وأمّا لو فسّر بالرفع المعنوي، وأنّ من وظائف المسلمين تكريم هذه البيوت كما هو المتبادر، فتعمير بيوتهم من مظاهر ذلك التعظيم المعنوي، كما أنّ تدميرها وجعلها معرضة لما لا يناسب ساحتهم، تجاهل لهذه الآية وتولٍّ عنها .

ومن لطيف ما روي في المقام ما رواه الحافظ السيوطي عن أنس بن مالك، وبريدة، أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قرأ قوله: (في بيوت أذن اللّه أن ترفع) فقام إليه رجل وقال: أي بيوت يا رسول اللّه؟ فقال: «بيوت الأنبياء» فقام إليه أبوبكر وقال: يا رسول اللّه وهذا البيت منها؟ ـ مشيراً إلى بيت علىّ وفاطمة ـ فقال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : نعم من أفاضلها(4) .


1. سورة الزخرف: الآية 33 .
2. سورة البقرة: الآية 127 .
3. سورة مريم: الآية 57 .
4. الدر المنثور: ج 5 ص 50 .


(207)

فهذه الآية وحدها كافية في جواز تعظيم بيوت الأنبياء والأوصياء وأهل بيت النبي مطلقاً، ومقابرهم ومراقدهم إذا كانت بيوتهم .

5- إظهار المودة للنبي والقربى

إنّ القرآن الكريم ـ يأمرنا ـ بكل صراحة ـ بحب النبي وأقربائه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، ومودّتهم ومحبّتهم فيقول:

(وَمَنْ يَتَوَلّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذينَ آمَنُوا فَإنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الغَالِبُونَ)(1) .

(قُل لا أسْالُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاّ المَودَّةَ فِي القُرْبَى)(2) .

ومن الواضح لدى كل من يخاطبه اللّه بهذه الآية أنّ البناء على مراقد النبي وأهل بيته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، وهو نوع من إظهار الحب والمودة لهم، وبذلك يخرج عن كونه بدعة لوجود أصل له في الكتاب والسنة، ولو بصورة كلية .

وهذه العادة متبعة عند كافة الشعوب، والاُمم في العالم، فالجميع يعتبرون ذلك نوعاً من المودة لصاحب ذلك القبر، ولذلك تراهم يدفنون كبار الشخصيات السياسية والعلمية في كنائس ومقابر مشهورة، ويزرعون أنواع الأزهار والأشجار حولها .

إلى هنا تمّ الكلام حول جواز البناء على القبور مطلقاً، وقبور الأنبياء والأوصياء والصالحين خاصة، على وجه لم يبق لمتدبّر فيه شكّ، ولا لمكابر إنكار، إلاّ من أعمى اللّه بصره وبصيرته .

هذه هي الآيات الواضحة الدلالة على جواز البناء، وهذه هي سيرة المسلمين المشرقة طوال القرون .


1. سورة المائدة: الآية 56 .
2. سورة الشورى: الآية 23 .


(208)

فلو فرضنا تعارض الأدلة من الجانبين، فالأصل هو الإباحة كما سيوافيك .

6- الأصل هو الإباحة

إنّ القائل بالحرمة يجب أن يستدل عليها، والقائل بالإباحة يكفيه الأصل (عدم الحرمة إلاّ ما قام الدليل على تحريمه) وقد عرفت أنّه ليس هناك شبه دليل على الحرمة، والآيات أدل دليل على أنّه سبحانه لا يعذب أُمَّةً إلاّ بعد إرسال الرسل و بعثهم، وهو كناية عن وصول البيان والتشريع إلى الناس، فلو لم يصل ـ وإن بلغه الرسول ـ لا يكون منجزاً في حق العبد. قال سبحانه:

(وَمَا كُنّا مُعَذّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا)(1) .

وظاهر الآيات يعطي أن وظيفة التشريع تبيين المحرمات لا المباحات. قال سبحانه:

(قَلْ تَعَالُوا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُم)(2) .

وقال: (قُلْ لاَ أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَىّ مُحَرّماً عَلَى طَاعِم يَطْعَمُهُ..)(3) .

فإذا كان صعيد التشريع فارغاً عمّا يدل على التحريم فهو حجة على كون الشيء مباحاً محللا.

وإليك البحث عن بناء المساجد على قبور الصالحين، وهو الموضوع الخامس فيما طرحه ابن تيمية .

* * *


1. سورة الإسراء: الآية 15.
2. سورة الأنعام: الآية 151 .
3. سورة الأنعام: الآية 145 .

Website Security Test