welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الملل والنحل /ج4 (حياة ابن تيمية وابن عبد الوهاب )*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الملل والنحل /ج4 (حياة ابن تيمية وابن عبد الوهاب )
(112)


(113)

عقائد ابن تيمية

عقائده و آراؤه

إنّ الآراء والمعتقدات، مقياس شخصية الإنسان، ومستوى عقليته وثقافته، كما أنّ ما يمت منها الى الإسلام بصلة، مقياس عرفانه بالكتاب والسنة، وسلامة ذوقه وصفاء ذهنه، وقد حان تقييم شخصية ابن تيمية عن طريق عرض آرائه على المصادر الإسلامية، ليعلم مدى صحتها وانطباقها على المصدرين وحدّ سلامة ذوقه وصفاء ذهنه في مقام الاستضاءة بهما، وإليك البيان :


(114)

(1)

ابن تيمية ورأيه في الصفات الخبرية

(1)

إنّ المحنة الأُولى لابن تيمية بدأت ممّا نشره باسم «العقيدة الحموية» حيث أجاب فيها عن سؤال أهل «حماه» في آيات الصفات، مثل قوله: (الرَّحمنُ عَلى العَرْشِ استوى) وقوله: (ثُمّ اسْتَوَى إلى السّماءِ)، وأحاديث الصفات، كقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «إنّ قلوب بني آدم بين إصبعين من اصابع الرحمن»، وقوله: «يضع الجبار قدمه في النار» بما هذا نصه:

«فهذا كتاب اللّه من أوله إلى آخره، وسنة رسوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ من أولها إلى آخرها، ثم عامة كلام الصحابة والتابعين، ثم كلام سائر الائمة مملوء بما هو إمّا نص وإمّا ظاهر في أنّ اللّه سبحانه وتعالى فوق كل شيء، وعلى كل شيء، وأنّه فوق السماء، مثل قوله: (إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيّبُ، وَ العَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ)، (إنّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلىَّ)، (أمِنْتُم مَنْ فِي السّماءِ أنْ يَخسِفَ بِكُمُ الأرْضَ...)، (أمِنْتُم مَنْ في السّماءِ أنْ يُرسِلَ عَلَيْكُم حَاصباً...)، (بَلْ رَفَعَهُ اللّهُ إليْهِ...)(إلَيْهِ تَعْرُجُ...وَالرُّوحُ...)(يَخَافُونَ رَبَّهم مِنْ فَوْقِهِم...)(ثُمَّ استَوى عَلى العَرْشِ))(في ستة مواضع). (الرّحمنُ عَلَى العَرْشِ استَوى)، (يا هَامَانُ ابْنِ لي صَرْحاً لَعَلّي أبْلُغُ الأسبابَ، أسْبَابَ السَّمواتِ، فأطَّلِعَ إلى إله)


1. الصفات الخبرية، هي الصفات الّتي أخبر عنها القرآن والسنة، مقابل ما يدل عليه العقل كالعلم والقدرة .


(115)

موسى وَ إنِّي لاَظُنّهُ كاذِباً...))، (تَنزيلٌ مِنْ حكيم حميد)، (مُنَزّلٌ مِنْ رَبِّك) إلى أمثال ذلك مما لا يكاد يحصى إلاّ بكلفة .

وفي الأحاديث الصحاح والحسان ما لا يحصى، مثل قصة معراج الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ إلى ربّه، ونزول الملائكة من عنداللّه وصعودهم إليه، وقوله في الملائكة: «الذين يتعاقبون بالليل والنهار، فيعرج الذين باتوا فيكم إلى ربهم، فيسألهم وهو أعلم بهم»، وفي الصحيح في حديث الخوارج: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحاً ومساء» وفي حديث الرقية الّذي رواه أبو داود وغيره: «ربنا اللّه الّذي في السماء تقدس اسمك. أمرك في السماء كما رحمتك في السماء، اجعل رحمتك في الأرض. اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت ربّ الطيبين»، وقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «إذا اشتكى أحد منكم أو اشتكى أخ من إخوانه فليقل: «ربنا اللّه الّذي في السماء ذكره»، وقوله في حديث الأعمال: «والعرش فوق ذلك، واللّه فوق عرشه، وهو يعلم ما أنتم عليه» وقوله في حديث قبض الروح: «حتّى يعرج به إلى السماء الّتي فيها اللّه» .

وقول عبداللّه بن رواحة الّذي أنشده للنبي وأقره عليه:

شهدت بأنّ وعد اللّه حقٌ * وأنّ النار مثوى الكافرينا

وأنّ العرش فوق الماء طاف * وفوق العرش ربّ العالمينا

وقول أُمية بن أبي الصلت الّذي أنشده للنبي، فاستحسنه، وقال: آمن شعره وكفر قلبه .

مجّدوا اللّه فهو للمجد أهل * ربّنا في السماء أمسى كبيراً

بالبناء الأعلى الّذي سبق النا * س وسوىّ فوق السماء سريرا

شرجعاً(1) ما يناله بصر الـ * ـعين ترى دونه الملائك صوراً(2)

إلى أمثال ذلك مما لا يحصيه إلاّ اللّه، مما هو من أبلغ التواترات اللفظية والمعنوية الّتي تورث علماً يقينياً من أبلغ العلوم الضرورية، إنّ الرسول المبلغ


1. الشرجع: الطويل .
2. الصور، جمع أصور: المائل العنق.


(116)

عن اللّه ألقى إلى أُمته المدعوين: أنّ اللّه سبحانه على العرش استوى وأنّه فوق السماء، كما فطر اللّه على ذلك جميع الأُمم عربهم وعجمهم في الجاهلية والإسلام، إلاّ من اجتالته الشياطين عن فطرته .

ثم عن السلف في ذلك من الأقوال ما لو جمع لبلغ مئين أو أُلوفاً، ثم ليس في كتاب اللّه ولا في سنة رسول اللّه، ولا عن أحد من سلف الأُمة ولا من الصحابة والتابعين، ولا عن الأئمة الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف، حرف واحد يخالف ذلك لا نصاً ولا ظاهراً، ولم يقل أحد منهم قط إنّ اللّه ليس في السماء ولا أنه ليس على العرش، ولا أنه ليس في كل مكان، ولا أن جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء، ولا أنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل ولا منفصل، ولا أنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه بالأصابع ونحوها، بل قد ثبت في الصحيح عن جابر أن النبي لما خطب خطبته العظيمة يوم عرفات، في أعظم مجمع حضره رسول اللّه، جعل يقول: ألا هل بلّغت؟ فيقولون: نعم، فيرفع إصبعه إلى السماء وينكبها إليهم فيقول: اللّهمّ اشهد، غير مرة، وأمثال ذلك كثيرة(1) .

وقد كرر ابن تيمية ما اختاره في باب الصفات الخبرية في غير واحد من آثاره، فقال في العقيدة الواسطية: «وما وصف الرسول به ربه من الأحاديث الصحاح الّتي تلقّاها أهل المعرفة بالقبول وجب الإيمان بها، كذلك مثل قوله: «ينزل ربنا إلى سماء الدنيا كل ليلة، حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: «من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له» وقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «يضحك اللّه إلى رجلين أحدهما يقتل الآخر، كلاهما يدخل الجنة» .

وقوله: «لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد؟ حتّى يضع رب العزة فيها قدمه» وقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في رقية المريض: «ربنا اللّه الّذي في السماء ـ تقدس اسمك ـ أمرك في السماء والأرض...» .


1. العقيدة الحموية الكبرى ـ الرسالة الحادية عشرة ـ من مجموع الرسائل الكبرى لابن تيمية ص 429 ـ 432 .


(117)

وقوله: «والعرش فوق ذلك، واللّه فوق ذلك، واللّه فوق عرشه، وهو يعلم ما أنتم عليه» وقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ للجارية: «أين اللّه؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول اللّه. قال: أعتقها فأنها مؤمنة» وقوله: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإنّ الله قِبَلَ وجهه، فلا يبصق قبل وجهه ولا عن يمينه، ولكن عن يساره أو تحت قدمه»، وقوله: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته» .

وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان باللّه، الإيمان بما أخبر اللّه به في كتابه، وتواتر عن رسوله، وأجمع عليه سلف الأُمة من أنّه سبحانه فوق سماواته على عرشه، علىٌّ على خلقه، وهو معهم سبحانه أينما كانوا»(1) .

وقال: «وقد سألوه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فأجابهم: نعم، وسأله أبو رزين: أيضحك ربنا؟ فقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : نعم، فقال: لن نعدم من رب يضحك خيراً. ثم إنهم لما سألوه عن الرؤية، قال: إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر، فشبه الرؤية بالرؤية(2) .

وقال رداً على نُفاة الصفات(3): إمّا أن يكون اللّه يحب منّا أن نعتقد قول النفاة، أو نعتقد قول أهل الإثبات، أو نعتقد واحداً منهما; فإن كان مطلوبه منّا اعتقاد قول النفاة، وهو أنّه لا داخل العالم ولا خارجه، وأنّه ليس فوق السماوات ربُّ ولا على العرش إله، وأنّ محمداً لم يعرج به إلى اللّه، وإنما عرج به إلى السماوات فقط، لا إلى اللّه، فإنّ الملائكة لا تعرج إلى اللّه بل إلى ملكوته، وإنّ اللّه لا ينزل منه شيء ولا يصعد إليه شيء، وأمثال ذلك. وإن كانوا يعبّرون عن ذلك بعبارات مبتدعة فيها إجمال وإبهام وإيهام، كقولهم: ليس بمتحيز، ولا جسم، ولا جوهر، ولا هو في جهة، ولا مكان، وأمثال هذه


1. العقيدة الواسطية، الرسالة التاسعة، من مجموع الرسائل الكبرى، ص 398 ـ 400 بتلخيص .
2. مجموعة الرسائل والمسائل ج 1 ص 203، طبع لجنة التراث العربي .
3. المراد: الصفات الخبرية كاليد والوجه .


(118)

العبارات الّتي تفهم منها العامة تنزيه الرب تعالى عن النقائص، ومقصدهم أنّه ليس فوق السماوات ربّ ولا على العرش إله يعبد، ولا عُرج بالرسول إلى اللّه، ولو كان هذا هو المطلوب كان من المعلوم أنه لا بد أن يبينه الرسول، وقد علم بالاضطرار أنّ الرسول وأصحابه لم يتكلموا بمذهب النفاة(1) .

وقال: «إنّ المالكية وغير المالكية نقلوا عن مالك أنّه قال: اللّه في السماء، وعلمه في كل مكان، ولأنّ علماءهم حكموا إجماع السنة والجماعة على أنّ اللّه بذاته فوق عرشه»(2) .

وقال ـ نقلا عن ابن أبي حنيفة ـ «أنّه سئل عمن يقول: لا أعرف ربّي في السماء أو في الأرض؟ قال: كفر، لأنّ اللّه يقول: (الرَّحمن على العرش استوى) وعرشه فوق سبع سماواته، فقال السائل: إنّه يقول على العرش، ولكن لا أدري العرش في السماء أو في الأرض؟ فقال: إنّه إذا أنكر أنّه في السماء كفر، لأنّه تعالى في أعلى عليين، وإنّه ليدعى من أعلى لا من أسفل(3) .

ونقل عن عبداللّه بن المبارك أنّه سئل: بماذا تعرف ربنا؟ قال: بأنّه فوق سماواته على عرشه، بائن عن خلقه قلت بحد لا يعلمه غيره. ثم نقل عن كثير من أئمة الحديث كالثوري، ومالك، وابن عيينة، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وابن المبارك، وفضيل بن عياض، وأحمد، وإسحاق، عن كون اللّه سبحانه فوق العرش بذاته، وأنّ علمه بكل مكان(4).

إلى غير ذلك مما نقله وأرسله على نسق واحد، والكل يهدف إلى أن الصفات الخبرية يجب أن تجري على اللّه سبحانه بحرفيتها وظهورها التصوري، من دون تفصيل وتأويل، بإرجاعها إلى المعاني المجازية أو الكنائية .


1. مجموعة الرسائل والمسائل ج 1 ص 203 .
2. مجموعة الرسائل والمسائل ج 1 ص 203 .
3. مجموعة الرسائل والمسائل ج 1 ص 207 .
4. مجموعة الرسائل والمسائل ج 1 ص 208 ـ 209 .


(119)

الآراء المتضاربة حول الصفات الخبرية

إنّ للمتكلمين وأهل الحديث في تفسير الصفات الخبرية مذاهب نشير إليها:

1- جريها على اللّه سبحانه كجريها على المخلوقين، وهذا ما يعبّر عنه بالتكييف، وعليه المجسمة وأصحاب الجهة والتشبيه ـ خذلهم اللّه سبحانه ـ وهو يستلزم أن يكون سبحانه جسماً، أو جسمانياً جالساً على كرسي جسماني، ناظراً من عرشه إلى تحته كنظر الملك الجبار إلى عبيده وغلمانه .

2- جريها على اللّه سبحانه بنفس المفاهيم اللغوية والمعاني الابتدائية، والمدلولات التصوّرية، بلا تصرف وتعليل وتدخّل فيها، واللّه سبحانه يتّصف بها لكن بلا تكليف، والفرق بين هذا القول و القول الأوّل هوأنّ القول الأوّل يثبت المعاني مع الكيفية، وهذا القول يثبتها بنفس المعاني لكن بلا تكييف، وهذا هو الّذي اختاره ابن تيمية، ويذكر ذلك في رسائله ويقول: «والقول الفاصل هو ما عليه الأُمة الوسط من أنّ اللّه مستو على عرشه استواءً يليق بجلاله ويختص به، فكما أنّه موصوف بأنّه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنّه سميع بصير، ولا يجوز أن نثبت للعلم والقدرة خصائص الأعراض الّتي لعلم المخلوقين وقدرتهم، فكذلك هو سبحانه فوق العرش، ولا نثبت لفوقيته خصائص فوقية المخلوق على المخلوق، ولوازمها»(1).

ويقول ايضاً: «ومذهب السلف بين التعطيل والتمثيل، فلا يمثلون صفات اللّه بصفات خلقه، كما لا يمثلون ذاته بذات خلقه، ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله، فيعطّلون أسماءه الحسنى يحرّفون الكلم عن مواضعه. أمّا المعطّلون، فإنهم لم يفهموا من أسماء اللّه وصفاته إلاّ ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات، فقد جمعوا بين التمثيل والتعطيل، مثلوا أولا وعطلوا آخراً، وهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته، بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم، وتعطيل لما يستحقه هو سبحانه من الأسماء والصفات اللائقة باللّه سبحانه»(2) .


1. العقيدة الحموية ص 428 ـ 440 .
2. المصدر نفسه .


(120)

3- جريها على اللّه سبحانه بمفاهيمها التصديقية، بعد الإمعان في القرائن الموجودة في نفس الآيات والروايات الصحيحة وأمّا غيرهما، فأكثر ما ورد في ذلك من وضع الأحبار والرهبان الذين دسّوا هذه الأحاديث بين المسلمين بخداع خاص .

وعلى ضوء ذلك فالكل قائلون باستوائه على العرش، لكن الطائفة الأُولى يفسرونه بالجلوس والاستقرار على العرش كاستقرار الإنسان على عرشه، الّذي له قوائم أربع.

والطائفة الثانية يفسرونه بنفس هذه المفاهيم، ولكن يقولون: استقراراً وجلوساً لائقاً بحاله سبحانه، وعرشاً لائقاً بساحته، فهو مستقر وجالس لا كجلوس الإنسان وله عرش لا كعروشه، بل الكل ما يليق بساحته، من غير تكييف ولا تمثيل.

والطائفة الثالثة يفسرونه بالاستيلاء، أخذاً بالقرائن الموجودة في نفس الآيات، وما ورد في كلمات البلغاء والفصحاء في استعمال نظيره في كلماتهم ومحاوراتهم.

4- وهناك طائفة رابعة يقولون بالتفويض، وأنّه ليس لنا تفسير الآية، بل نفوّض معانيها إليه سبحانه .

قال الشهرستاني: «اعلم إِنَّ جماعة كثيرة من السلف، كانوا يثبتون للّه صفات خبرية مثل اليدين والوجه، ولا يؤوّلون ذلك، إلاّ أنّهم يقولون: إنَّا لا نعرف معنى اللفظ الوارد فيه، مثل قوله: (الرَّحمن على العرش استوى) ولسنا مكلفين بمعرفة هذه الصفات»(1) .

وقال الرازي: «إنّ هذه المتشابهات يجب القطع بأنّ مراد اللّه منها شيء غير ظواهرها، كما يجب تفويض معناها إلى اللّه تعالى، ولا يجوز الخوض في تفسيرها»(2) .


1. الملل والنحل ج 1 ص 93 بتلخيص .
2. أساس التقديس ص 223 .


(121)

إلى غير ذلك من الكلمات الّتي نقلناها في هذه الموسوعة(1) .

ثم إنّ أصحاب التنابز بالألقاب وصفوا الطائفة الثالثة بالمعطّلة تارة، والمؤوّلة أُخرى، ولكنهم غير معطلة أبدا، لأنهم لم يعطلوا في مقام توصيفه سبحانه شيئاً مما ورد في الكتاب، غير أنهم قاموا بتعيين المراد من هذه الصفات فأجروها عليه، وأمّا المؤولّة، فإنما يصحّ توصيفهم بهذا الوصف إذا أُريد منها المعاني التصورية الابتدائية، وأمّا المعاني التصديقية الّتي تدل عليها القرائن، فلا يؤوّلون شيئاً منها، والملاك في صدق التأويل هو المعاني التصديقية، لا التصورية .

هذه هي الأقوال المعروفة في باب الصفات على وجه الإجمال، هلمّ معي ندرس نظرية ابن تيمية فيها، حتّى يتجلّى الحق بأجلى مظاهره .

نظرية ابن تيمية تلازم الجهة والتجسيم

لا يشك من نظر إلى ما نقلناه عن ابن تيمية في مواضع متعددة من رسائله وكتبه في أنه صريح في التجسيم والتشبيه، خصوصاً أنه يصرح بأنه تصحّ الإشارة الحسية بالأصابع إليه، ولا هدف له من جمع كل ما ورد في ذلك المجال من غثّ وسمين وصحيح وزائف. إلاّ إثبات أن هذه الصفات تجري عليه سبحانه بمعانيها اللغوية، غير أنّ تذرعه بلفظ «بلا كيف» أو «بلا تمثيل» أو ما يقاربهما ربما يوجب عدم عدّه من المجسّمة والمشبهة، لأنّه يقول بأنّ له سبحانه هذه الصفات لا كصفات المخلوقين، ولكن هذا التذرّع واجهة يريد به تبرير توصيفه سبحانه بها بمعانيها اللغوية، وعدم اتهامه بالقول بالتجسيم والتشبيه، ولكنها لا تفيد شيئاً وذلك:

إنّ هذه الصفات كاليد والرجل والنزول والجلوس موضوعة لغةً على معانيها المتكيفة بكيفيات جسمانية، فاليد هي الجارحة المعروفة من الإنسان والحيوان، وهكذا الرجل والقدم، ومثلها النزول، فإنها موضوعة للحركة من العالي إلى السافل، والحركة من صفات الجسم، فالكيفية مقوّمة لمعاني هذه


1. راجع الجزئين الثاني والثالث .


(122)

الألفاظ والصفات، فاليد والرجل بلا كيفية ليستا يداً ورجلا بالمعنى اللغوي المتبادر عرفاً، وعلى ضوء ذلك فليس هنا إلاّ سلوك أحد طريقين:

1- جريها بنفس معانيها اللغوية الّتي تتبادر منها المفاهيم المتكيفة، فهو نفس القول بالتجسيم .

2- جريها بمفاهيمها المجازية، ككون اليد كناية عن القدرة، كما في قوله سبحانه: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيفَ يَشاء)(1)، فهذا هو قول المؤوّلة، أو المعطلة باصطلاح ابن تيمية، وليس ههنا معنى ثالث ينطبق على ما يتبنّاه ابن تيمية، وهو إجراؤها على اللّه بنفس مفاهيمها، لكن من غير تكييف، وذلك لما عرفت أنّ مفاهيمها متقوّمة بالتكييف والتمثيل، فلو حذفنا الهيئة والكيفية من اليد، فلا يبقي منها شيء، كما أنّا لو حذفنا الحركة الحسية من النزول لا يبقى منه شىء، إلاّ إذا حملا على الكناية والتأويل، وهو ما لا يقبله ابن تيمية وأتباعه .

ولو صحّ حمل هذه المفاهيم عليه سبحانه بالتذرّع بـ «بلا تكيف» و «لا تمثيل» لصحّ توصيفه سبحانه بكل شيء فيه أدنى كمال، ونقول: إنّه جسم لا كالأجسام، وله قلب لا كهذه القلوب، وله لسان ناطق لا كهذه الألسنة.

وخلاصة القول: إنّ ابن تيمية يرى نفسه بين أمرين:

أحدهما: القرآن بظواهره الحرفية حجة لا يصحّ لأحد تأوليها أو حملها على الكناية والمجاز .

ثانيهما: إنَّ القرآن صريح في أنّه ليس كمثله شيء، وأنّ المشركين ما قدروا اللّه حق قدره، إلى كثير من آيات التنزيه.

فعند ذلك يريد أن يجمع بين الأمرين باللجوء إلى أنّ المقصود ما يناسب ساحته، زاعماً بأنّه ينجيه عن القول بالجهة والتجسيم، مع أنّه ليس لنا إلاّ اختيار أحد الأمرين: الأخذ بالمفاهيم اللغوية بلا تأويل ومرجعه إلى


1. سورة المائدة: الآية 64 .


(123)

التجسيم، أو الإمعان في الآيات والآثار الصحيحة وتفسيرها حسب الدلالة التصديقية، بالمعاني الكنائية أو المجازية أو غير ذلك .

وأمّا ما ادّعاه من أنّ ما ذكره نفس معتقد السلف فقد أجاب عنه العلامة الشيخ سلامة القضاعي العزامي الشافعي (ت 1379 هـ) قال: «إذا سمعت في بعض عبارات بعض السلف: إنما نؤمن بأنّ له وجهاً لا كالوجوه، ويداً لا كالأيدي، فلا تظن أنهم أرادوا أنّ ذاته العلية منقسمة إلى أجزاء وأبعاض، فجزء منها يد وجزء منه وجه، غير أنه لا يشابه الأيدي والوجوه الّتي للخلق .

حاشاهم من ذلك، وما هذا إلاّ التشبيه بعينه، وإنما أرادوا بذلك أنّ لفظ الوجه واليد قد استعمل في معنى من المعاني وصفة من الصفات الّتي تليق بالذات العلية، كالعظمة والقدرة، غير أنهم يتورعون عن تعيين تلك الصفة تهيباً من التهجم على ذلك المقام الأقدس، وانتهز المجسمة والمشبهة مثل هذه العبارة فغرروا بها العوام، وخدعوا بها الأغمار من الناس، وحملوها على الأجزاء فوقعوا في حقيقة التجسيم والتشبيه، وتبرأوا من اسمه، وليس يخفى نقدهم المزيف على صيارفة العلماء وجهابذة الحكماء»(1) .

وقد صرح بما ذكرنا ـ الأخذ بالمفاهيم اللغوية يلازم الجهة والتجسيم ـ ناصر ابن تيمية في جميع المواقف (إلاّ في موقف أو موقفين) الشيخ محمد أبو زهرة حيث لم يستطع أن يستر الحقيقة، فقال: «ولا تتسع عقولنا لإدراك الجمع بين الإشارة الحسية بالأصابع والإقرار بأنه في السماء، وأنه يستوي على العرش، وبين تنزيهه المطلق عن الجسمية والمشابهة للحوادث. وإن التأويل (حملها على المجاز و الكناية) بلا شك في هذا يقرب العقيدة الى المدارك البشرية، ولا يصح أن يكلف الناس ما لا يطيقون، وإذا كان ابن تيمية قد اتسع عقله للجمع بين الإشارة الحسية وعدم الحلول في مكان والتنزيه المطلق، فعقول الناس لا تصل إلى سعة أُفقه إن كان كلامه مستقيماً»(2) .

يقول أيضاً: «ومهما حاولوا نفي التشبيه فإنّه لاصق بهم، فإذا جاء ابن


1. فرقان القرآن ص 80 - 81 .
2. ابن تيمية، حياته وعصره ص 270 .


(124)

تيمية من بعدهم بأكثر من قرن فقال: «إنّه اشتراك في الإسم لا في الحقيقة» فإن فسّروا الاستواء بظاهر اللفظ فإنه الإقعاد والجلوس، والجسمية لازمة لا محالة، وإن فسروه بغير المحسوس فهو تأويل، وقد وقعوا فيهما نهوا عنه، وفي الحالين قد خالفوا التوقف الّذي سلكه السلف»(1) .

أقول: ليس ابن تيمية فريداً في هذا الباب، بل المذهب الّذي أرسى قواعده شيخه ابن حنبل من التعبد بالظواهر بحرفيتها ومعانيها التصورية لا ينفك عن التجسيم والتشبيه، ومهما حاولوا الفرار عنه وقعوا فيه من حيث لا يشعرون. نعم حاول ابن الجوزي أن يدافع عن أُستاذ مذهبه فوجّه اللوم إلى تلاميذه، فقال: «رأيت من أصحابنا من تكلم في الأُصول بما لا يصلح، وانتدب للتصنيف ثلاثة: أبو عبداللّه بن حامد(2) وصاحبه القاضي (أبو يعلي) (3) وابن الزاغواني(4)، فصنّفوا كتباً شانوا بها المذهب، ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام فحملوا الصفات على مقتضى الحس; فسمعوا أنّ اللّه سبحانه وتعالى خلق آدم ـ عليه السَّلام ـ على صورته، فأثبتوا له صورة ووجهاً زائداً على الذات، وعينين وفماً ولهوات وأضراساً وأضواءً لوجهه، ويدين وأصابع وكفاً وخنصراً وإبهاماً وصدراً وفخذاً وساقين ورجلين، وقالوا ما سمعنا بذكر الرأس .

وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات، فسموها بالصفات تسمية مبتدعة، ولا دليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل، ولم يلتفتوا إلى


1. ابن تيمية حياته وعصره ص 272 - 273 .
2. شيخ الحنابلة في عصره، البغدادي، الوراق، المتوفى سنة 403 له كتاب في أصول الإعتقاد سماه «شرح أُصول الدين» وفيه أقوال تدل على التشبيه والتجسيم.
3. القاضي أبو يعلى محمد الحسين بن خلف بن الفراء الحنبلي المتوفى سنة 458 وقد تكلم في أُصول الإعتقاد كلاماً تبع أُستاذه ابن حامد وأكثر من التشبيه والتمثيل حتّى قال فيه بعض العلماء:
«لقد شان أبويعلى الحنابلة شيئاً لا يغسله ماء البحار» .
4. هو أبو الحسن علي بن عبيداللّه بن نصر الزاغواني الحنبلي المتوفى سنة 527 وله كتاب في أصول الإعتقاد اسمه «الإيضاح» قال فيه بعض العلماء: «إنّ فيه من غرائب التشبيه ما يحار فيه النبيه» .


(125)

النصوص الصارفة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة للّه تعالى، ولا إلى إلغاء ما توجبه الظواهر من سمات الحدث، ولم يقنعوا أن يقولوا صفة فعل حتّى قالوا: صفة ذات، ثم لمّا أثبتوا أنها صفات، قالوا: «لا نحملها على توجيه اللغة، مثل يد على نعمة وقدرة، ولا مجيء وإتيان على معنى بر ولطف، ولا ساق على شدة، بل قالوا: نحملها على ظواهرها المتعارفة، والظاهر هو المعهود من نعوت الآدميين»، والشيء إنّما يحمل على حقيقته إذا أمكن، فإن صرفه صارف حمل على المجاز.

ثم يتحرجون من التشبيه ويأنفون من إضافته إليهم، ويقولون نحن أهل السنة، وكلامهم صريح في التشبيه، ولقد تبعهم خلق من العوام، وقد نصحت التابع والمتبوع وقلت لهم: يا أصحابنا أنتم أصحاب نقل واتّباع، وإمامكم الأكبر أحمد بن حنبل ـ رحمة اللّه ـ يقول وهو تحت السياط: «كيف أقول ما لم يقل به» فإياكم أن تبتدعوا في مذهبه ما ليس منه .

ثم قلتم في أن الأحاديث تحمل على ظاهرها، فظاهر القدم: الجارحة، ومن قال استوى بذاته المقدسة فقد أجراه سبحانه مجرى الحسيات، وينبغي أن لا يحمل ما لا يثبته الأصل وهو العقل، فإنّا به عرفنا اللّه وحكمنا له بالقدم، فلو أنكم قلتم نقرأ الأحاديث ونسكت، لما أنكر عليكم، وإنما حملكم إياه على الظاهر قبيح، فلا تُدخلوا في مذهب هذا الرجل الصالح السلفي ما ليس فيه»(1) .

أقول: عزب عن ابن الجوزي الحنبلي أنّ إمامه هو الّذي دعم هذه الفكرة في كتبه، وأنّه هو الّذي حشا كتبه بأحاديث التجسيم والتشبيه، ومن اراد الوقوف عليها، فليرجع إلى كتاب السنة الّذي رواه عنه ابن عبداللّه، وقد روينا قسماً وافراً من رواياته في الجزء الأول(2) .

نعم، قسَّم عز بن عبدالسلام الحشوية وقال بأنهم على ضربين:


1. ابن تيمية، حياته وعصره، ص 273 ـ 274 نقلا عن دفع شبهة التشبيه لابن الجوزي، ونقله ملخصاً الشيخ سلامة في فرقان القرآن ص 82 .
2. بحوث في الملل والنحل ج 1 ص 130 ـ 143 .


(126)

أحدهما «يتحاشى عن الحشو والتشبيه والتجسيم، والآخر تستّر بمذهب السلف، ومذهب السلف إنما هو التوحيد والتنزيه دون التشبيه والتجسيم»(1) .

والحق أنّ الحشوية بأجمعهم مجسّمة، والتسمك بمذهب السلف واجهة ستروا بها قبح عقيدتهم، ولو رفع الستر لبان أنهم مجسمة ومشبهة،وفي هذاالصدد يقول الزمخشري :

ولو حنبلياً قلت قالوا بأنني * ثقيل حلولىُّ بغيض مجسم

ويقول أبوبكر ابن العربي في حقهم:

قالوا الظواهر أصل لا يجوز لنا * عنها العدول إلى رأي ونظر

بينوا عن الخلق لستم منهم أبداً * ما للأنام ومعلوف من البقر(2)

نعم، الظواهر هي الأصل ولا يجوز لأحد العدول عنه: ولكن الظواهر منها ظاهر حرفي، ابتدائي، تصوري، فهو ليس بحجة أبداً، ومنها ظاهر جملي تصديقي استمراري، وهو الحجة قطعاً، فإذا قلت: رأيت أسداً في الحمام، فالظهور الإبتدائي التصوري الحرفي للفظ الأسد هو الحيوان المفترس، ويقابله الظهور التصديقي الجملي الاستمراري وهو الرجل الشجاع، وهؤلاء الذين يضلون العوام يغترون بالقسم الأول من الظاهر، دون الثاني. وإذا قال المحققون: ظواهر الكتاب والسنة حجة لا يصح العدول عنها ولا يجوز لأحد تأويلها، يريدون الظهورات التصديقية الّتي تنعقد للكلام بعد الإمعان في القرائن المتصلة أو المنفصلة، ولكن من يتبع الظواهر الحرفية فقد ضل، وغفل عن أن كلام العرب والبلغاء والفصحاء مليء بالمجازات والكنايات .

وحصيلة البحث أن الجمود على الظواهر عبارة عن الجمود على ظواهرها الحرفيةو ولا شك أنه يجر إلى الكفر أحياناً، فمن جمد على ظاهر قوله سبحانه: (ليس كمثله شيء) يجب عليه أن يقول: إنّ للّه مثلا وليس كهذا المثل شيء، كما أنّ التأويل ضلال، والمراد منه هو العدول عن الظواهر


1. نقض المنطق ص 119، كما في كتاب «ابن تيمية» لمحمد أبي زهرة.
2. فرقان القرآن ص 98 .


(127)

التصديقية الّتي تتبادر إلى أذهان أهل اللغة بعد الإمعان في سياق الكلام، والتأمّل في نظائره في كلمات العرب. فلو استقرّ ظهور جملة في شيء بهذا الشرط، فالعدول عنه يوجب مسخ كلام اللّه ومحو الشريعة.

فعلى العالم الباحث أن يمعن النظر في الصفات الخبرية الّتي جاءت في الكتاب والسنة، ويتلقاها آيات متشابهة، ويمعن في الآيات المحكمة حتّى يزيل عنها التشابه. «ومن تتبّع براهين القرآن واستقرأ آياته العظام وجد كثيراً مما تشابه فيه، ورأى كثيراً منه محكماً، وهو ما كان من المجاز البيّن الشائع في لغة العرب، وعلى قدر الرسوخ في العلم يكون زوال التشابه أو أكثره عن الكثير من المتشابه، ولما كان الراسخون في العلم متفاوتين لا جرم تفاوتت أنصباؤهم في زوال التشابه عنهم...»(1) .

وفي الختام نذكر أُموراً:

الأول: إنّ ابن تيمية وإن تستّر بقوله (بما يناسب ساحته) ونظيره، ولكنّه أظهر عقيدته الواقعية في مجالات خاصة، وهذا ابن بطوطة ينقل في رحلته: «وكان بدمشق من كبار الفقهاء الحنابلة تقي الدين بن تيمية كبير الشام يتكلم في الفنون، إلاّ أنه كان في عقله شيء، وكان أهل دمشق يعظمونه أشد التعظيم، ويعظهم على المنبر، وتكلم مرة بأمر أنكره الفقهاء.. ورفعوه إلى الملك الناصر فأمر بإشخاصه إلى القاهرة، وجمع القضاة والفقهاء بمجلس الملك الناصر، وتكلم شرف الدين الزوادي المالكي وقال: إنّ هذا الرجل قال كذا وكذا، وعدّد ما أنكر على ابن تيمية، وأحضر الشهود بذلك ووضعها بين يدي قاضي القضاة.

قال قاضي القضاة لابن تيمية: ما تقول؟ قال: لا إله إلاّ اللّه، فأعاد عليه فاجاب عليه بمثل قوله، فامر الملك الناصر بسجنه، فسجن أعواماً، وصنّف في السجن كتاباً في تفسير القرآن سماه بالبحر المحيط .

ثم إنّ أُمه تعرضت للملك الناصر، وشكت إليه فأمر بإطلاقه إلى أن


1. كلام الإمام ابن دقيق العيد، كما في فرقان القرآن ص 97 .


(128)

وقع منه مثل ذلك ثانية، وكنت إذ ذاك بدمشق. فحضرته يوم الجمعة، وهو يعظ الناس على منبر الجامع ويذكّرهم، فكان من جملة كلامه أن قال: إنّ اللّه ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا، ونزل درجة من درج المنبر، فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء، وأنكر ما تكلم به، فقامت العامة إلى هذا الفقيه، وضربوه بالأيدي والمنال ضرباً كثيراً»(1).

* * *

الثاني: إنّ ابن تيمية ومن لفّ لفّه يستدلون على مقالتهم بالقياس، ويقولون: إنّ الوجه، والعين، واليدين، والقدمين والساق صفات مثل سائر الصفات، كالحياة والعلم والإرادة، فكما أنّ له سبحانه حياة لا كحياة الإنسان، فهكذا صفاته الخبرية، فله وجه لا كالوجوه، ويد لا كالأيدي، ورجل لا كالرجل .

يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال بالقياس في مجال العقائد أشد خطأ من الاستدلال به في المسائل الفقهية، وعلى فرض الصحة فالقياس مع الفارق، وذلك أنّ كلا من العلم والقدرة موضوع لمعنى غير متقيد بالجسم والمادة، فالعلم من ينكشف لديه المعلوم، والقادر من يستطيع على الفعل عن اختيار، فلأجل ذلك لكل واحد منهما مراتب ودرجات، فمنه حصولي ومنه حضوري، فمنه زائد على الذات، ومنه عين الذات، وأمّا الصفات الخبرية كالوجه فإنها موضوعة على الموجود المادي الّذي له شكل خاص، ولو كانت له مصاديق متفاوتة كوجه الإنسان والفرس والأسد فإنما هي في إطار الجسم المادي، فالوجه بأي نحو أطلق يجب أن يكون موجوداً مادياً متهيئاً بهيئة خاصة، فالوجه الفاقد للمادة والهيئة، ليس وجهاً لغة، ومثله الرجل واليد، فالقول بأنّ له سبحان يداً لا كالأيدي، إن أُريد منه التأويل، أي تأويله بالقدرة، فهذا هو الّذي ذهب إليه أهل التنزيه، وإن أُريد به المعنى اللغوي بلا تدخل ولا تصرف، ومع ذلك فهو يفقد المادة والهيئة والشكل فهذا أشبه بالتناقض.

* * *


1. ابن بطوطة: الرحلة ص 95 ـ 96 طبع دار صادر (1384 هـ ).


(129)

الثالث: إنّ ابن تيمية ينسب إلى السلف بأنّهم لا يؤوّلون ظواهر الكتاب في مجال الصفات الخبرية، ثم يستنتج منه أنهم يحملونها على ظواهرها اللغوية، ويقولون: إنّ للّه وجهاً ويداً ورجلا، ونزولا ونقلة بنفس معانيها اللغوية، غاية الأمر أنّ الكيف مجهول .

يلاحظ عليه: أنّ ما نسب إلى السلف إذا كان صحيحاً يهدف إلى توقّفهم في تعيين المراد وتفويض الأمر إلى اللّه، إذ في الأخذ بالظاهر اليدوي مغبة الجهة والتجسيم، وفي تعيين المراد مظنة التفسير بالرأي، فكانوا لا يخوضون في هذه الأبحاث الخطرة، وأمّا أنهم يحملونها على ظواهرها ويفسرونها بنفس معانيها الابتدائية التصورية، كما زعمه ابن تيمية، فهو افتراء على المثبتين منهم .

نعم، كان أهل التحقيق يخوضون في هذه المباحث ويعينون المعنى المراد، وهذا ما يطلق عليه التأويل، ولكن التأويل صحيح على وجه، وباطل على وجه آخر، فإن كان هناك شاهد عليه في نفس الآية والحديث، أو كان التأويل من قسم المجاز البيّن الشائع، فالحق سلوكه من غير توقف، وإن لم يكن في النصوص عليه شاهد، أو كان من المجاز البعيد، فهذا هو التأويل الباطل، وهو يلازم الخروج عن الملة والدخول في الكفر والإلحاد.

كما أنّ التأويل بلا قيد و شرط كفر وضلال، كما عليه الباطنية، فهكذا التعبد بالظواهر الابتدائية والمعاني التصورية، وعدم الاعتناء بالقرائن المتصلة أو المنفصلة أيضاً كفر وضلال وتعبّد بالتجسيم والتشبيه.

إنّ المتحرّي للحقيقة يتبع الحق ولا يخاف من الإرهاب والإرعاب، ولا من التنابز بالألقاب، فلا يهوله ما يسمع من ابن تيمية وابن عبدالوهاب من تسمية المنزهين للحق عن الجهة والمكان، معطّلة وجهمية، وتلقيب القائلين ببدع اليهود والنصارى بالموحدين والمثبتين، فلا يصرفنّك النبز بالألقاب إلى الإنحراف عن الحق الصراح، الّذي أرشدك إليه كتاب اللّه وسنة رسوله القويمة، والعقل الّذي به عرفت اللّه سبحانه، وبه عرفت رسله ومعاجزه وآياته .


(130)

ومما يدل على أنّ السلف لا يحملون الصفات الخبرية على ظواهرها، بل لا يتكلمون ويفوضون الأمر إلى اللّه، هو ما نقل عن عالم المدينة مالك بن أنس عندما سئل عن قوله سبحانه: (ثمَّ استوى على العرش)أنّه كيف استوى؟ قال: الإستواء معلوم، والكيف غير معقول(1). نعم إنّ ابن تيمية وأبناء الوهابية يحكون عنه أنّه قال: «الكيف مجهول»، والفرق بين العبارتين واضح، فالأول يهدف إلى التنزيه، والثاني يناسب التجسيم، إذ معناه أنّ لاستوائه على العرش كيفية من الكيفيات ولكنها مجهولة لنا. ويدل على أن الوارد هو «غير معقول» ما جاء في ذيل الرواية أنّ مالك بعدما سمع السؤال وأجاب بما ذكرناه، علته الرحضاء، أي العرق الكثير وقال: «ما أظنك إلاّ صاحب بدعة» وما ظنّه كذلك إلاّ لأنّ سؤاله كان عن الكيفية، فأحس أن السائل يريد إثبات الكيفية لاستوائه سبحانه، فأخذته الرحضاء من سؤاله واعتقاده .

* * *

الرابع: إنّ ابن تيمية يكرر كثيراً استواءه سبحانه على العرش، ويعتمد على ظاهره، ويتخيل أنّ الإستواء بمعنى الاستقرار أو الجلوس، ولكنّه تستراً لمذهبه، يضيف إليه «بلا تكييف» ولأجل رفع الستر عن معنى الآية نأتي بكلام شيخ السلف من المفسرين أبي جعفر الطبري، ولا يشك أحد في أنّه سلفي، فهو يقول:

الاستواء في كلام العرب منصرف على وجوه:

1- انتهاء شباب الرجل وقوته، ويقال: إذا صار كذلك قد استوى الرجل .

2- استقامة ما كان فيه أود من الأُمور والأسباب. يقال: استوى لفلان أمره إذا استقام له بعد أود، ومنه قول الطرماح:


1. نقله الذهبي في كتابه «العلو» عن مالك وشيخه ربيعة، كما نقله أيضاً بالسند عن أبي عبداللّه الحاكم وابن زرعة، لاحظ فرقان القرآن ص 14 ـ 15 ونقله عن الإلكائي في شرح السنة.


(131)

طال على رسم محدد أبده * وعفا واستوى به بلده

يعني استقام به .

3- الإقبال على الشيء بالفعل، كما يقال: استوى فلان على فلان، بما يكرهه ويسوءه بعد الإحسان إليه .

4- الاختيار والاستيلاء، كقولهم: استوى فلان على المملكة، أي احتوى عليها وحازها.

5- العلو والارتفاع، كقول القائل: استوى فلان على سريره، يعني به علوه عليه .

ثم قال: وأولى المعاني بقول اللّه جلّ ثناؤه: (ثمّ استوى إلى السماء فسوّاهنّ): علا عليهن وارتفع، قد برهن بقدرته وخلقهن سبع سماوات(1) .

وهذا الشيخ السلفي لا يفسر الاستواء على العرش، بالجلوس ولا بالاستقرار، بل بعلو الملك والسلطان، كما هوالمراد من قوله سبحانه:(وَهُوَ العَلِىّ العَظِيمُ)(2)، والعرب الذين نزل القرآن بلغتهم لا يفهمون من الاستواء إذا وقع وصفاً لموصوف بالقدرة والعظمة، سوى العلوّ، قال الشاعر:

قد استوى بِشْرٌ على العراقِ * من غير سيف ودم مهراق

وقال الآخر:

ولما علونا واستوينا عليهم * تركناهم مرعىً لنسر وكاسر

والأسف أنّ ابن تيمية وأتباعه إذ فسروا الاستواء بالعلو، يفسرونه بالعلو بالمكان، ولا يدرون أن الفضيلة والكرامة في العلو المعنوي لا العلو المكاني، فما قيمة العلو في المكان إذا لم يكن هناك علو معنوي، وهذا هو القرآن يركّز على العلو المعنوي، ويقول: (وَلاَ تَهِنُوا وَ لاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأعْلَونَ إن كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ)(3)، وقال سبحانه: (ألاّ تَعْلُوا عَلَىّ وَ أْتُوني)


1. تفسير الطبري ج 1 ص 150، سورة البقرة الآية 29 ط دارالمعرفة .
2. سورة البقرة: الآية 255 .
3. سورة آل عمران: الآية 139 .


(132)

مُسْلِمينَ))(1) وقال سبحانه: (إنّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ وَجَعَلَ أهْلَهَا شِيَعاً)(2) وقال تعالى: (وَ أنْ لاَ تَعْلُوا عَلَى اللّه إنّي آتِيْكُم )بِسُلطَان مُبِين)(3) وقال: (لاَ تَخَفْ إنّكَ أَنْتَ الأعْلَى)(4) .

هذا كلّه حول الاستواء، وأمّا العرش فهو سرير الملك الّذي يجلس عليه للحكم، وهذا هو أصل الوضع، ثم يكنّى به عن السلطة والسيطرة، حتّى صار يستعمل في هذا المعنى ولا ينصرف إلى المعنى اللغوي، فإذا كان الملك آخذاً بزمام الأُمور ومسيطراً على البلد وأهله يقال: استوى على العرش، أو هو مستو عليه، وإذا كان ضعيفاً في الإدارة غير نافذ أمره في البلد وأهله، وكان هناك انتفاضة بعد انتفاضة، يقال: إنّه غير مستو على عرشه .

ومن تتبّع القرآن الكريم وأمعن النظر في الموارد الّتي ورد فيها استواؤه سبحانه على العرش في موارد متعددة يجد أنّه ذكر مقروناً بفعل من أفعاله، دال على غناه المطلق، مثل رفع السماوات بغير عمد، قال سبحانه: (اللّهُ الّذي رَفَعَ السَّمواتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَها، ثُمَّ استَوى عَلَى العَرْشَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ)(5)، أو (خَلَقَ السَّموَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أيّام) .

وإليك الآيات الّتي جاء فيها هذا الأمر، قال سبحانه: (إنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذي خَلَقَ السَّمواتِ وَ الأرضَ في سِتَّةِ أيّام، ثُمَّ اسْتوى عَلَى العَرْشِ، يُغشي اللَّيلَ النَّهارَ)(6) وقال سبحانه: (اللّهُ الَّذي خَلَقَ السَّمواتِ وَ الأرضَ فِي سِتَّةِ أيّام، ثُمّ اسْتَوى عَلَى )العَرْشِ يُدَبِّرُ الأمرَ، ما مِنْ شَفِيع إلاّ مِنْ بَعْدِ إذنِهِ)(7)، وقال سبحانه: (اللّهُ الّذي خَلَقَ السّمواتِ وَ الأرضَ وَمَا بَيْنَهُمَا)


1. سورة النمل: الآية 31 .
2. سورة القصص: الآية 4 .
3. سورة الدخان: الآية 19 .
4. سورة طه: الآية 68 .
5. سورة الرعد: الآية 2 .
6. سورة الأعراف: الآية 54 .
7. سورة يونس: الآية 3 .


(133)

في سِتَّةِ أيّام، ثُمّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ الرّحمنُ فَسْئلْ بِهِ خَبِيراً))(1) وقال سبحانه: (اللّهُ الّذي خَلَقَ السّمواتِ وَ الأرْضَ وَمَا )بَيْنَهُمَا في سِتَّةِ أيّام ثُمّ اسْتَوى عَلَى العَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِىٍّ وَ لاَ شَفيع أفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ)(2) وقال سبحانه: (هُوَ الّذي خَلَقَ )السَّمواتِ وَ الأرْضَ فِي سَتَّةَ أيّام ثُمّ استَوى عَلَى العَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْها وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السّماءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيها)(3) .

والناظر في هذه الآيات يرى أنّه سبحانه عندما يذكر استواءه على العرش يذكر آثار قدرته وعظمته من خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وتدبيره الأمر «يدبّر الأمر»، وأنّه لا مؤثّر ولا موجد إلاّ بإذنه «ما من شفيع إلاّ من بعد إذنه»، ومن علمه الوسيع بما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها. كلّ ذلك يعرب عن أنّ الآية في جميع الموارد تهدف إلى علوّه سبحانه على عالم الوجود الإمكاني، وأنّه بجملته في سلطانه وقدرته، ولا يخرج شيء من حيطة قدرته، وأين هذا من تفسيره بالجلوس على العرش فوق السماوات ناظراً إلى ما دونه.(تَعَالَى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً).

ولو تتّبع المعاصرون المنتمون إلى السلف يجدون خير السلف كالطبري(4) يفسر «الواسع» في قوله: (واللّهُ وَاسعٌ )عَلِيم)(5) ويقول: واللّه واسع الفضل، جواد بعطاياه، فزوّجوا إماءكم فإنّ اللّه واسع يوسع عليهم من فضله إن كانوا فقراء، كما أنّ الشيخ البخاري يفسر الوجه في قوله: (كُلُّ شَىء هَالِكٌ إلاّ وَجْهَهُ) بالملك(6) .

* * *


1. سورة الفرقان: الآية 59 .
2. سورة السجدة: الآية 4 .
3. سورة الحديد: الآية 4 .
4. تفسير الطبري ج 18 ص 98 .
5. سورة النور: الآية 32 .
6. صحيح البخاري ج 6 ص 112، تفسير سورة القصص، الآية 88 .


(134)

الخامس:إنّ الفرقة المشبهة ليست وليدة عصرنا هذا، بل لها عرق ممتدّ إلى زمن التابعين، الّذي كثرت فيه مسلمة اليهود والنصارى، فأدخلوا في الأحاديث ما يروقهم من العقائد، فتأثر بهم السذّج من المسلمين والمحدثين، فأولئك هم المعروفون بالحشوية نسبة إلى الحشو (بسكون الشين) وهو اللغو الّذي لا اعتبار له، فضلا عن أن يكون منسوباً إلى اللّه ورسوله، أو مذهباً يدان اللّه به، وما زال أهل الحق لهم بالمرصاد.

وقد كان القول بالتجسيم والتشبيه ردّ فعل لما كان عليه علىّ ـ عليه السَّلام ـ وأولاده من الدعوة إلى التنزيه، والاجتناب عن التشبيه، في مجال الحق وذاته وصفاته، نعم حكي عن الإمام أبي حنيفة أنه قال: «أتانا من المشرق رأيان خبيثان، جهم معطّل ومقاتل مشبّه، فأفرط جهم في النفي (نفي الصفات الجسمانية) حتّى قال: «وإنّ اللّه ليس بشيء» وافرط مقاتل في الإثبات، حتّى جعل اللّه تعالى مثل خلقه»(1) .

ولكن الإمام أبا حنيفة تسامح في نسبة التجسيم إلى مقاتل، بل لها جذور في الأحاديث المروية في الصحاح والمسانيد التي دسها مسلمة اليهود والنصارى في الأحاديث، وكثير من المحدثين راقتهم تلك الأحاديث، وبما أنّ عليّاً وابناء بيته الطاهر كانوا على التنزيه، وهذه خُطَبهُ الرفيعة الرائعة في تنزيه الحق، حاولت السلطة الأموية أنْ تُروّج كل حديث يتضمّن ضدّ ما كان عليه عليّ، ويُحترم كل محدث يجنح إلى بثّ هذه الخرافات .

السادس: إنّ أتباع ابن تيمية ومن كان على ذاك الخطّ قبله من الحشوية، يفرّون من الاستدلال والبرهنة وعلم الكلام والمناظرة، ويحرّمون الاستماع إلى البراهين العقلية والمجادلة بالتي هي أحسن، ولكنّه من تمويهاتهم الّتي يريدون بها دعم مبادئهم وصيانتها عن النقد والإشكال، وكأنهم لم يسمعوا قول اللّه سبحانه:

(...قُلّ هَاتُوا بُرْهَانَكُم إنْ كُنْتُم صَادِقين)(2) أو قوله سبحانه:


1. تهذيب التهذيب ج 10 ص 281 ترجمة مقاتل .
2. سورة البقرة: الآية 111 .


(135)

(الّذين يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَه...)(1) أو قوله سبحانه: (ادعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بَالْحِكْمَةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ )وَجَادِلْهُم بِالَّتي هِىَ أحسنُ)(2).

والكل يهدف إلى أنّ المسلم الواعي إنّما يتّبع البرهان ولا يعرض عنه، ولا يعطّل عقله حتّى يميّز الأحسن عن غيره، ويجادل المخالف بالبرهان والدليل. نعم لو أُريد من علم الكلام، المراء والجدال وكسب العظمة والمقام، فلا شك أنّه مرغوب عنه .

نعم، ليس لهم هدف من تحريم البحث والنظر إلاّ الستر لعوار بدعهم، وعقائدهم الباطلة، ولا يجحد النظر في العقائد إلاّ أحد رجلين: رجل غبىّ يشق عليه سلوك أهل التحصيل والناس أعداء ما جهلوا، ورجل يعتقد بمذاهب فاسدة يخاف من ظهور عوار مذهبه وفضائح عقيدته .

هذا قليل مما ذكره ابن تيمية وأتباعه في الصفات الخبرية، ولو أردنا أن نستقصي كلمات الرجل في المقام لطال بنا الكلام، ولنكتف بهذا المقدار، وقد عرفت الحق، والحق أحق أن يتّبع .


1. سورة الزمر: الآية 18 .
2. سورة النحل: الآية 125 .


(136)

(2)

ابن تيمية وشد الرحال إلى زيارة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ

ذهب ابن تيمية إلى أنّ شد الرحال إلى زيارة قبر رجل صالح حرام، وقال: ثبت في الصحيحين عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أنّه قال: «لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا» ثم قال: ولو نذر السفر إلى قبر الخليل ـ عليه السَّلام ـ أو قبر النبي لم يجب الوفاء بهذا النذر بإتفاق الأئمة الأربعة، فإنّ السفر إلى هذه المواضع منهّي عنه لنهي النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد...» فإذا كانت المساجد الّتي هي من بيوت اللّه، الّتي أمر فيها بالصلوات الخمس، قد نهي عن السفر إليها، فإذا كان مثل هذا ينهى عن السفر إليه، فما ظنك بغيرها؟ فقد رخص بعض المتأخرين في السفر إلى المشاهد ولم ينقلوا ذلك عن أحد من الأئمة، ولا احتجوا بحجة شرعية ـ إلى أن قال ـ : وكل حديث يروى في زيارة قبر النبي فإنه ضعيف، بل موضوع، ولم يرو أهل الصحاح والسنن والمسانيد، كمسند أحمد وغيره من ذلك شيئاً، ولكن الّذي في السنن ما رواه أبو داود عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أنه قال: «ما من رجل يسلّم عليّ إلاّ ردّ اللّه عليّ روحي حتّى أرد عليه السلام، فهو يردّ السلام على من سلم عليه عند قبره ويبلغ [إليه] سلام من سلم عليه من البعيد، كما في النسائي عنه أنّه قال: «إنّ اللّه وكل بقبري ملائكة يبلغون لأمتي السلام» وفي السنن عنه أنه قال: «أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة


(137)

وليلة الجمعة، فإن صلاتكم معروضة علىّ(1) .

أقول: إن هنا مسألتين:

الأولى: شد الرحال إلى زيارة الأنبياء والصالحين .

الثانية: حكم زيارة قبر الصلحاء والأنبياء والنبي الأعظم، وإن لم يكن هناك شد للرحال، ونحن ندرس كلتا المسألتين في ضوء الكتاب والسنة، فنقول:

أفتى ابن تيمية بتحريم شدّ الرحال إلى زيارة الصلحاء والأنبياء والأئمة مستدلا بما ورد من النهي من شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، والاستدلال بهذا يتوقف على الإمعان في سند الحديث ودلالته، فنقول: روي الحديث بصور ثلاث، والّذي يصحّ الإستدلال به إنّما هو الصورة الأولى والثانية لا الثالثة، وإليك البيان:

1- لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى.

2- إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد: مسجد الكعبة، ومسجدي، ومسجد إليياء.

3- تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد(2).

فلو قلنا بأنّ لفظة «إنما» تفيد الحصر، تكون الصورة الثانية مثل الصورة الأُولى في إفادة الحصر، وإلاّ فينحصر الاستدلال بالصورة الأُولى، فلنفترض أنّ الحديث ورد على نمط الصورتين الأُوليين، فنقول: إنّ الاستثناء


1. مجموعة الرسائل الكبرى ج 2 ص 57 ـ 65 الرسالة الثالثة في زيارة بيت المقدس .
2. أورد مسلم هذه الأحاديث في صحيحه ج 4 ص 126، كتاب الحج باب (لا تشد الرحال) وذكره أبو داود في سننه ج 1 ص 469 كتاب الحج، وكذلك النسائي في سننه المطبوع مع شرح السيوطي ج 3 ص 37 و 38 وقد ذكر السبكي صوراً أُخرى للحديث هي أضعف دلالة على مقصود المستدل، لاحظ شفاء السقام ص 98 .


(138)

لا يستغني عن وجود المستثنى منه، وحيث لم يذكر في كلامه، فيلزم تقديره وهو أحد الأمرين:

أ ـ لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد إلاّ إلى ثلاثة .

ب ـ لا تشد الرحال إلى مكان من الأمكنة إلاّ إلى ثلاثة مساجد .

أمّا الأول فيجب علينا ملاحظة الأمور التالية:

الأول: إنّ الحديث لو دلّ على شيء فإنما يدلّ على النهي عن شدّ الرحال إلى مسجد سوى المساجد الثلاثة، وأمّا شد الرحال إلى الأماكن الأُخرى فالحديث ساكت عنه، غير متعرّض لشيء من أحكامه، بل النفي والإثبات يتوجّهان إلى المسجد، فالمساجد ينهى عن شد الرحال إليها غير المساجد الثلاثة، والاستدلال به على حكم شد الرحال إلى المنتزهات و المراكز العلمية أو الصناعية أو مقابر الأولياء والشهداء أو الصديقين والصلحاء فهو ساكت عنه، ومن العجيب أن نستدل به على تحريم شد الرحال إليها .

الثاني: إنّ النهي عن شد الرحال إلى غير هذه المساجد لا يعني تحريمه بل يعني نفي الفضيلة فيه، وذلك لأنّ المساجد سوى الثلاثة، لمّا كانت متساوية في الفضيلة والثواب فلا ملزم لتحمّل العبء بشد الرحال إليها، فالمساجد الجامعة متساوية في الفضيلة في عامة البلاد، فلا وجه لشد الرحال إلى مسجد لإقامة الصلاة فيه، ولكنّه إذا شدّ الرحال بقصد الصلاة فيه والعبادة لربّه، لا يعد عمله محرماً، بل غاية الأمر لا يترتب عليه ثواب خاص .

وبذلك يتبين بطلان ما ذكره ابن تيمية من الاستدلال بالأولوية بأنّه إذا حرم شد الرحال إلى غير هذه الثلاثة مع أنه من بيوت اللّه الّتي أمر فيها بالصلوات الخمس يكون شد الرحال إلى زيارة القبور حراماً بطريق أولى، إذ ليست ساحة القبور مراكز للعبادة، فهي أقل درجة من سائر المساجد .

وجه الضعف أنّ الإستدلال مبني على أنّ التحريم تحريم مولوي تعبدي، وأما على ما استظهرناه من أن النهي إرشادي إلى أنه لا وجه لتحمل العبء في هذا الطريق، لتساوي المساجد في الفضيلة والكرامة، فلا وجه للإستدلال، لترتب الثواب على زيارة القبور .


(139)

الثالث: إنّ الحديث نص أو ظاهر في الحصر، مع أنّه ورد في الصحيح أنّ النبي كان يأتي مسجد قبا راكباً وماشياً يصلّي فيه(1) فكيف يجتمع هذا العمل مع هذا الحصر، ولسان الحديث لسان الإباء عن التخصيص؟ فلا يصحّ لنا أن نقول إنّ النهي خصّص بعمل النبي، وهذا ربما يكشف عن كون الحديث غير صحيح من رأس، أو أنّه نقل محرّفاً، خصوصاً أنّه نقل عن طريق أبي هريرة، والاستدلال بمتفرداته أمر مشكل، وقد تنبّه ابن تيمية لهذا الإشكال فحاول أن يرفع التناقض بين الحصر، فقال: «إنّه يستحب لمن كان بالمدينة أن يذهب إلى مسجد قبا» ولكنّه لا يرفع الإشكال، فإنّ الكلام في تخصيص النص الدال على الحصر، وأنّه لا يشد إلى غيره أبداً، سواء المقيم والمسافر.

هذا كله على فرض كون المستثنى منه هو المسجد، وقد عرفت كونه أجنبياً عن السفر إلى غير المساجد، وبما أنّ المستثنى منه هو المسجد فالمناسب هو كون المستثنى من هذا القبيل .

وأمّا على التقدير الثاني وهو تقدير الأماكن وما يقاربه ويعادله، فلازم ذلك أن تكون كافة الأسفار محرّمة غير السفر إلى المساجد الثلاثة، وهل يلتزم بذلك مسلم، وهل يفتي به أحد؟ كيف ولو كان الحديث بصدد منع كافة الأسفار المعنوية، فكيف كان النبي والمسلمون يشدّون الرحال في موسم الحج إلى عرفات والمشعر ومنى، وهذا دليل على أنّ المستثنى منه هو المساجد لا الأماكن .

أضف إلى ذلك أنّ الذكر الحكيم والأحاديث الصحيحة حثّا على السفر إلى طلب العلم، والجهاد في سبيل اللّه، وصلة الرحم، وزيارة الوالدين، قال سبحانه: (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُم طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدّينَ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِم لَعَلَّهُم يَحْذَرُونَ)(2) .


1. صحيح مسلم ج 4 ص 127 وصحيح البخاري ج 2 ص 176 السنن للنسائي، المطبوع مع شرح السيوطي ج 2 ص 127 .
2. سورة التوبة: الآية 122 .


(140)

مضافاً إلى ما ورد في السفر لطلب الرزق، فلو كان الحكم عاماً، فما معنى هذه التخصيصات الكثيرة الوافرة الّتي تنافي البلاغة، والّتي تزلزل الحصر، وهناك كلمة قيّمة للغزالي في إحياء العلوم يقول:

«القسم الثاني هو أن يسافر لأجل العبادة إمّا لحج أو جهاد.. ويدخل في جملة زيارة قبور الأنبياء ـ عليهم السَّلام ـ وزيارة قبور الصحابة والتابعين وسائر العلماء والأولياء، وكل من يتبرك بمشاهدته في حياته، يتبرك بزيارته بعد وفاته، ويجوز شد الرحال لهذا الغرض، ولا يمنع من هذا قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا والمسجد الحرام و المسجد الأقصى» لان ذلك في المساجد، فإنّها متماثلة (في الفضيلة) بعد هذه المساجد، وإلاّ فلا فرق بين زيارة قبور الأنبياء والأولياء والعلماء في أصل الفضل، وإن كان يتفاوت في الدرجات تفاوتاً عظيماً بحسب اختلاف درجاتهم عند اللّه(1) .

تحليل آخر للنهي عن السفر

ولنفترض أنّ المستثنى منه هو الأمكنة، ولكن المتبادر من الحديث أن يكون الدافع إلى السفر هو تعظيم ذلك المكان، فيختص النهي بما إذا أُريد من شد الرحال إلى مكان، تعظيمه ولو بإيقاع العبادة فيه، وعندئذ يخرج السفر إلى زيارة النبي عن منطوق الحديث، لأنّه لا يسافر لتعظيم بقعته، وإنما يسافر لزيارة من فيها مثل ما لو كان حياً. ويؤيد ذلك أمران:

1- روي عن بعض التابعين أنّه سأل ابن عمر أنّه يريد أن يأتي الطور، فأجابه: إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد... ودع الطور فلا تأته(2) .

2- أفتى الجمهور بأنّه لو نذر أن يأتي مسجداً من المساجد سوى الثلاثة


1. كتاب إحياء علوم الدين للغزالي ج 2 ص 247، كتاب آداب السفر، طبعة دار المعرفة بيروت .
2. الفتاوى الكبرى ج 2 ص 24 .


(141)

فلا ينعقد النذر، فإنّه ليس في قصد مسجد بعينه غير الثلاثة قربة مقصودة، وما لا يكون قربة ولا عبادة فهو غير ملزم بالنذر .

كل ذلك يحدد مصب الحديث وهدفه، وأنّ المقصود هو المنع عن تعظيم مكان تشد الرحال إليه، وأمّا إذا كانت الغاية تعظيم من عظّمه اللّه سبحانه وأكرمه ورزقه فضلا كبيراً ـ كما قال -: (وَ كانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً)(1)، فهو خارج عن مورد الحديث .

ومع ذلك فإنّ النهي عن شد الرحال إلى مكان خاص ليس لغاية تحريمه، وإنما هو إرشاد إلى نفي الفضيلة. قال ابن قدامة الحنبلي: «إن سافر لزيارة القبور والمشاهد فقال ابن عقيل لا يباح له الترخص لأنه منهي عن السفر إليها، قال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد، والصحيح إباحته وجواز القصر فيه، لأنّ النبي كان يأتي قبا ماشياً وراكباً، وكان يزور القبور، وقال: زوروها تذكركم الآخرة، وأمّا قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد، فيحمل على نفي الفضيلة، لا على التحريم، فليست الفضيلة شرطاً في إباحة القصر ولا يضر انتفاؤها(2) .

هذا كله حول الحديث وتحديد مضمونه، وقد عرفت أنّ شد الرحال إلى زيارة النبي خارج عن موضوع الحديث على كلا التقديرين، فالاستدلال به على التحريم باطل جداً .

الدليل على جواز السفر إلى زيارة القبور

ثم إنّ هنا سؤالا يثار في المقام، وهو أنّ الحديث وإن كان قاصراً عن إثبات التحريم، ولكن ما هو الدليل على جواز السفر لزيارة قبر النبي أو سائر


1. سورة النساء: الآية 113 .
2. المغني لابن قدامة المتوفى سنة 620، ج 2 ص 217 ـ 218، وذكر في ج 3 ص 498 استحباب الزيارة، وكيفية زيارة النبي فلاحظ، وما نقله عن ابن عقيل غير ثابت، لأنّ السبكي نقل عنه خلافه، لاحظ شفاء السقام ص 113 .


(142)

القبور، خصوصاً إذا كان السفر دينياً ومنسوباً إلى الشرع، فإنّ الإفتاء بجوازه بما أنّه عمل يؤتى به لأجل كونه أمراً دينياً يحتاج إلى الدليل، وإلى الجواب:

يدل على جواز السفر لفيف من الدلائل، وإليك بيانها:

الأول: ما ورد من الحث على زيارة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وستوافيك نصوصها فإنّها بين صريح في جواز السفر أو مطلق يعم المقيم والمسافر، فقول النبي وفعله حجتان، أمّا قوله:

فقد روي عن عبداللّه بن عمر أنّه قال: قال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : من جاءني زائراً لا تعمله (تحمله) إلاّ زيارتي كان حقاً علىّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة.

روي أيضاً عن عبداللّه بن عمر عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أنّه قال: من حجّ فزار قبري بعد وفاتي كان كمن زارني في حياتي .

والثاني صريح في جواز السفر، والأول مطلق يعم المسافر والمقيم في المدينة، وستوافيك هذه النصوص عن أعلام المحدثين .

وأمّا فعله، فقد روي عن طلحة بن عبداللّه قال: خرجنا مع رسول اللّه يريد قبور الشهداء ـ إلى أن قال ـ : فلمّا جئنا قبور الشهدا، قال: هذه قبور إخواننا(1) .

الثاني: الإجماع، لإطباق السلف والخلف، لأنّ الناس لم يزالوا في كل عام إذا قضوا الحج يتوجهون إلى زيارته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، وإن منهم من يفعل ذلك قبل الحج، قال السبكي: هكذا شاهدناه، وشاهده من قبلنا وحكاه العلماء عن الأعصار القديمة، وكلهم يقصدون ذلك ويعرجون إليه وإن لم يكن طريقهم، ويقطعون فيه مسافة بعيدة، وينفقون فيه الأموال، ويبذلون فيه المهج، معتقدين أنّ ذلك قربة وطاعة، وإطباق هذا الجمع العظيم من


1. أخرجه أبو داود في سننه ج 1 ص 311، والبيهقي في السنن الكبرى ج 5 ص 249 والمراد من الشهداء شهداء أحد، كما هو مورد الحديث .


(143)

مشارق الارض ومغاربها على مرّ السنين وفيهم العلماء والصلحاء وغيرهم، يستحيل أن يكون خطأ، وكلهم يفعلون ذلك على وجه التقرب به إلى اللّه عزّوجلّ، ومن تأخر فإنّما يتأخر بعجز أو تعويق المقادير مع تأسفه عليه، وودّ لو تيسّر له، ومن ادّعى أنّ هذا الجمع العظيم مجمع على خطأ فهو المخطىء .

وما ربما يقال من أنّ سفرهم إلى المدينة لأجل قصد عبادة أُخرى وهي الصلاة في المسجد، باطل جداً. فإنّ المنازعة فيما يقصده الناس مكابرة في أمر البديهة، فمن عرف الناس أنهم يقصدون بسفرهم الزيارة من حين يعرجون إلى طريق المدينة، ولا يخطر غير الزيارة من القربات إلاّ ببال قليل منهم، ولهذا قلّ القاصدون إلى بيت المقدس مع تيسّر إتيانه، وإن كان في الصلاة فيه من الفضل ما قد عرفت، فالمقصود الأعظم في المدينة، كما أنّ المقصود الأعظم في مكة، الحج أو العمرة، وصاحب هذا السؤال إن شك في نفسه فليسأل كل من توجّه إلى المدينة ما قصد بذلك(1) .

الثالث: إنّه إذا كانت الزيارة قربة وأمراً مستحباً على الوجه العام والخاص، فالسفر وسيلة القربة، والوسائل معتبرة بالمقاصد، فيجوز قطعاً.

الرابع: ما نقله المؤرخّون عن بعض الصحابة والتابعين .

1- قال ابن عساكر في ترجمة بلال: إنّ بلالا رأى في منامه رسول اللّه وهو يقول له: ما هذه الجفوة يا بلال، اما آن لك أن تزورني يا بلال؟ فانتبه حزيناً، وجلا، خائفاً، فركب راحلته وقصد المدينة فأتى قبر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فجعل يبكي عنده ويمرغ وجهه عليه، فأقبل الحسن والحسين - رضي اللّه عنهما ـ فجعل يضمّهما ويقبّلهما، فقالا له: نشتهي نسمع أذانك الّذي كنت تؤذن به لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ففعل، فعلا سطح المسجد، فوقف موقفه الّذي كان يقف فيه، فلمّا أن قال: «اللّه أكبر، اللّه أكبر» ارتجّت المدينة، فلمّا أن قال: «أشهد أن لا إله إلاّ اللّه»، ازدادت رجّتها، فلمّا أن قال: «أشهد أنّ محمداً رسول اللّه» خرجت العواتق من


1. شفاء السقام، في زيارة خير الأنام لتقي الدين السبكي ص 85 ـ 86 ط بولاق مصر .


(144)

خدورهن فقالوا: أبعث رسول اللّه؟ فما رئي يوماً أكبر باكياً بالمدينة بعد رسول اللّه من ذلك اليوم(1) .

2- إنّ عمر بن عبد العزيز كان يبعث بالرسول قاصداً من الشام إلى المدينة ليقرىء النبي السلام، ثم يرجع، قال السبكي: إنّ سفر بلال في زمن صدر الصحابة، ورسول عمر بن عبدالعزيز في زمن صدر التابعين من الشام إلى المدينة لم يكن إلاّ للزيارة والسلام على النبي، ولم يكن الباعث على السفر غير ذلك من أمر الدنيا، ولا من أمر الدين، ولا من قصد المسجد، ولا غيره .

3- إنّ عمر لمّا صالح أهل بيت المقدس، وقدم عليه كعب الأحبار وأسلم، وفرح عمر بإسلامه، قال عمر له: هل لك أن تسير معي إلى المدينة وتزور قبر النبي وتتمتّع بزيارته؟ فقال لعمر: أنا أفعل ذلك، ولما قدم عمر المدينة أول ما بدأ بالمسجد، سلم على رسول اللّه(2) .

4- ذكر ابن عساكر في تاريخه وابن الجوزي في مثير الغرام الساكن بأسانيدهما إلى محمد بن حرب الهلالي قال: دخلت المدينة، فأتيت قبر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وزرته وسلمت بحذائه، فجاءه أعرابي فزاره، ثم قال: يا خير الرسل، إنّ اللّه أنزل إليك كتاباً صادقاً قال فيه: (وَلَوْ أنّهمْ إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُم جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرَوا اللهَ واستَغفَرَ لَهُمُ الرّسُولُ لَوَجَدُوا اللّه تَوّاباً رَحيماً) وإنّي جئتك مستغفراً ربك من ذنوبي، مستشفعاً فيها بك إلى ربي، ثم بكى وأنشأ يقول:

يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم

نفسي الفداء لقبر ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكم

وقد ذيّله أبو الطيب أحمد بن عبدالعزيز بأبيات وقال:

وفيه شمس التقى والدين قد غربت من بعد ما أشرقت من نورها الظلم


1. شفاء السقام ص 44 ـ 47 وقد نقله من مصادر كثيرة، قال: وذكره الحافظ أبو محمد عبدالغني المقدسي في «الكمال في ترجمة بلال».
2. المصدر نفسه .


(145)

حاشا لوجهك أن يبلى وقد هديت في الشرق والغرب من أنواره الأُمم(1)

وبذلك تعرف قيمة ما ذكره ابن تيمية حول السفر إلى المشاهد وقال: وقد رخّص بعض المتأخرين في السفر إلى المشاهد، ولم ينقلوا ذلك عن أحد من الأئمة، ولا احتجّوا بحجّة شرعية(2) .

وبما أنّك تعرّفت على الحجج الشرعية على الجواز، هلمّ معي ندرس نصوص الأعلام من علماء الإسلام لنعرف موقف ابن تيمية في التثبّت والأمانة، وإليك نصوصهم حول السفر للزيارة نقتطف موضع الحاجة من كلماتهم:

نصوص الأعلام على جواز السفر لزيارة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ

لعل القارىء يتصوّر أنّ لما ذكره ابن تيمية من عدم الإفتاء بجواز السفر، مسحة من الحق والصدق، ولكنّه إذا أمعن النظر فيما وصل إلينا من فتاواهم، يقف على أنّ الحق على ضد ما نسب إليهم، وإليك البيان:

1- قال أبو الحسن أحمد بن محمد المحاملي الشافعي المتوفّى سنة (425 هـ) في «التجريد»: ويستحب للحاج إذا فرغ من مكة أن يزور قبر النبي .

2- وقال أبو الحسن الماوردي المتوفّى سنة (450 هـ)، في الأحكام السلطانية، ص 105: «فإذا عاد (ولي الحاج) سار بهم على طريق المدينة لزيارة قبر رسول اللّه، ليجمع لهم بين حج بيت اللّه عزّوجلّ وزيارة قبر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، رعاية لحرمته، وقياماً بحقوق طاعته(3) .

3- وقال أبو الخطاب محفوظ بن أحمد الفقيه البغدادي الحنبلي المتوفّى سنة (510 هـ) في كتاب الهداية: «فإذا فرغ من الحج استحب له زيارة قبر النبي وقبر صاحبيه».

4- قال القاضي عياض المالكي،المتوفّى سنة (544 هـ) في «الشفاء»، نقلا


1. شفاء السقام ص 52 .
2. نفس المصدر .
3. مجموعة الرسائل الكبرى ج 2 ص 60 .


(146)

عن إسحاق بن إبراهيم الفقيه: «ممّا لم يزل من شأن من حج، المزور(1) بالمدينة والقصد إلى الصلاة في مسجد رسول اللّه، والتبرك برؤية روضته ومنبره وقبره ومجلسه، وملامس يديه، ومواطن قدميه، والعمود الّذي استند إليه، ومنزل جبرئيل بالوحي فيه عليه، ومن عمره وقصده من الصحابة وائمة المسلمين .

5- قال أبو محمد عبدالكريم بن عطاء اللّه المالكي المتوفى سنة (612 هـ) في مناسكه: فصل: إذا كمل لك حجك وعمرتك على الوجه المشروع، لم يبق بعد ذلك إلاّ إتيان مسجد رسول اللّه للسلام على النبي والدعاء عنده، والسلام على صاحبيه، والوصول إلى البقيع وزيارة ما فيه من قبور الصحابة والتابعين .

6- وقال نجم الدين بن حمدان الحنبلي المتوفى سنة (595 هـ) في الرعاية الكبرى في الفنون الحنبلية: «ويسن لمن فرغ من نسكه، زيارة قبر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وقبر صاحبيه، وله بعد فراغ حجه، وإن شاء قبل فراغه» .

7- قال القاضي الحسين: «إذا فرغ من الحج... ثم يأتي المدينة ويزور قبر النبي» .

8- قال الإمام ابن الحاج محمد بن محمد العبدري القيرواني المالكي، المتوفى سنة (737 هـ) في (المدخل) في فصل زيارة القبور (1: 257): وأمّا عظيم جناب الأنبياء والرسل ـ صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين ـ فيأتي إليهم الزائر، ويتعيّن عليه قصدهم من الأماكن البعيدة.

9- قال الشيخ تقي الدين السبكي الشافعي المتوفى سنة (756 هـ) في «شفاء السقام في زيارة خير الأنام»: «ومن روي عنه السفر إلى زيارة النبي، بلال بن أبي رباح» ثم ذكر قصته. لاحظ الباب الثالث من كتاب شفاء السقام فقد عقده في ما ورد في السفر إلى زيارته .

10- ذكر شيخ الإسلام أبو يحيى زكريا الأنصاري الشافعي المتوفى


1. مصدر ميمي بمعنى الزيارة .


(147)

سنة (925 هـ) في «أسنى المطالب» (1/501) «فيما يستحب لمن حج»: ثم يزور قبر النبي ويسلم عليه وعلى صاحبيه بالمدينة المشرفة..

11- أفتى الشيخ محمد بن الخطيب الشربيني المتوفى سنة (977 هـ) في مغني المحتاج (1/357) باستحباب زيارة النبي مطلقاً، وأنّ تخصيص بعض باستحبابه بعد الفراغ عن الحج لأجل التأكيد، وأنّه يتأكد للحاج أكثر من غيره .

12- وقال الشيخ زين الدين عبد الرؤوف المناوي المتوفى سنة (1031 هـ) في شرح الجامع الصغير، ج 6 ص 140: وزيارة القبر الشريف من كمالات الحج .

13- عقد الشيخ حسن بن عمار الشرنبلالي في «مراقي الفلاح بإمداد الفتاح» فصلا في زيارة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وقال: زيارة النبي من أفضل القربات فإنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ حرض عليها وبالغ في الندب إليها فقال: من وجد سعة فلم يزرني فقد جفاني .

14- وقال القاضي شهاب الدين الخفاجي الحنفي المصري المتوفى سنة (1062 هـ) في شرح الشفاء (3/566) واعلم أنّ هذا الحديث «لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد...» هو الّذي دعا ابن تيمية ومن معه كابن القيم إلى مقالته الشنيعة الّتي كفّروه بها، وصنّف فيها السبكي مصنفاً مستقلا وهي منعه من زيارة قبر النبي وشد الرحال إليه، وهو كما قيل:

لمهبط الوحي حقاً ترحل النجب * وعند ذاك المرجّى ينتهي الطلب

فتوهمّ أنّه حمى جانب التوحيد بخرافات لا ينبغي ذكرها.

15- قال الشيخ عبدالرحمن شيخ زاده المتوفى سنة (1087 هـ) في مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (1/157): «من أحسن المندوبات، بل يقرب من درجة الواجبات زيارة قبر نبينا وسيدنا محمد، وقد حرض ـ عليه السَّلام ـ على زيارته وبالغ في الندب إليها، ثم قال: فإن كان الحج فرضاً فالأحسن أن يبدأ به إذا لم يقع في طريق الحاج المدينة المنورة، ثم يثني بالزيارة.


(148)

16- قال أبو الحسن السندي محمد بن عبدالهادي الحنفي المتوفي سنة (1138هـ) في شرح سنن ابن ماجة ج 2 ص 268 قال الدميري: فائدة: زيارة النبي من أفضل الطاعات وأعظم القربات، لقوله من جاءني زائراً لا تحمله حاجة إلاّ زيارتي كان حقاً علىّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة .

17- قال الشيخ إبراهيم الباجوري الشافعي المتوفى سنة (1277 هـ) في حاشيته على شرح ابن الغزي على متن الشيخ أبي شجاع في الفقه الشافعي، (1/347): ويسن زيارة قبره ولو لغير حاج ومعتمر كالذي قبله، ويسن لمن قصد المدينة الشريفة لزيارته أن يكثر من الصلاة والسلام عليه في طريقه .

18- قال الشيخ عبدالمعطي السقاء في الإرشادات السنية ص 260: زيارة النبي إذا أراد الحاج أو المعتمر الانصراف من مكة ـ أدام اللّه تشريفها وتعظيمها ـ طلب منه أن يتوجّه إلى المدينة المنورة للفوز بزيارته عليه الصلاة والسلام .

19- وقال الشيخ محمد زاهد الكوثري في تكملة السيف الصقيل ص 156 : ولم يخف ابن تيمية من اللّه في رواية عدّ السفر لزيارة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ سفر معصية لا تقصر فيه الصلاة عن الإمام ابن الوفاء ابن عقيل الحنبلي ـ وحاشاه عن ذلك ـ راجع كتاب التذكرة له تجد فيه مبلغ عنايته بزيارة المصطفى والتوسل به، كما هو مذهب الحنابلة، ثم ذكر كلامه وفيه القول باستحباب قدوم المدينة وزيارة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وكيفية زيارته(1) .

وهذه النصوص تدل على أنّ شد الرحال إلى زيارة النبي الأكرم كان أمراً متسالماً عليه، وقد شذّ من حرّمه وسعى في منع الناس من زيارته .

20- ثم إنّ تقي الدين السبكي ذكر فروعاً فقهية عن أئمة المذاهب،


1. قد أخذنا هذه النصوص برمتها من كتاب الغدير للمحقق الأميني من ج 5 ص 109 ـ 125 وقد نقل أربعين كملة عن أعلام المذاهب الأربعة حول زيارة النبي الأقدس، ونحن اقتطفنا منه ذلك، ويدل على استحباب السفر فقط، وأما استحباب زيارته فسيوافيك في فصل آخر .


(149)

تدل على محبوبية شد الرحال إليها من أرجاء الدنيا، فمن أراد فليرجع إليه(1).

وفيما ذكرنا من النصوص غنى، كما أنّ فيما ذكرنا من الحجج كفاية لمن أراد الحق وتجنب عن العصبية، فحان حين البحث حول نظريته في نفس الزيارة، وما أثار حولها من شبهات .

* * *

(وَمَنْ أظْلَمُ مِمّنْ افْتَرَى عَلَى اللّه كَذِباً أوْ كَذّبَ بآياتِهِ إنّهُ لاَ يُفْلِحُ الظّالِمُونَ)(2) .


1. شفاء السقام ص 42 .
2. سورة الأنعام: الآية 21 .

Website Security Test