welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : الملل والنحل /ج4 (حياة ابن تيمية وابن عبد الوهاب )*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الملل والنحل /ج4 (حياة ابن تيمية وابن عبد الوهاب )

(91)

البدعة في الدين وما هو حدها

«البدعة» هي إدخال ما ليس من الدين في الدين، ولا شك أنّ البدعة محرّمة بنص الكتاب العزيز، قال سبحانه: (اللّهُ أذِنَ لَكُمْ أم عَلى اللّهِ تَفْتَرُونَ)(1) دلّت الآية على أنّ كل ما ينسب إلى اللّه سبحانه بلا إذن منه فهو أمر محرّم، ومن أدخل في الدين ما ليس منه فقد افترى على اللّه، ولأجل ذلك نرى أنّه سبحانه يعد من افترى على اللّه أظلم الناس; قال سبحانه: (فَمَنْ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أو كَذَّبَ بآياتِهِ إنّه لا يُفْلِحُ الُْمجْرِمُونَ)(2) .

نرى أنّه لما اقترح المشركون على النبي أن يأتي بقرآن غير هذا أو يبدله إلى الآخر، تحاشى عن ذلك وقال: (قُلْ مَا يَكُونُ لي أنْ أُبَدِّلَهُ مَنْ تَلْقَاءِ نَفْسي إنْ أتَّبِعُ إلاّ مَا يُوحى إِلَىَّ إنّي أخَافُ إنْ عَصَيْتُ رَبّي عَذابَ يَوم عَظيم )(3) .

فالمبدع في الشريعة، مبدل لها، وسوف يحيق به عذاب أليم .

هل التقاليد والآداب من البدع؟

قد تعرّفت أنّ مقوّم البدعة هو أن يقوم الإنسان بفعل ما، باسم الدين والشريعة، وباعتقاد أنّه جزء منها، وأمّا إذا قام بأمر مباح في حد نفسه، ومن


1. سورة يونس: الآية 59 .
2. سورة يونس: الآية 17 .
3. سورة يونس: الآية 15 .


(92)

دون أن ينطبق عليه أحد العناوين المحرمة كشرب الخمر واقتراف الميسر، لا بما انّه من الدين، بل بما أنّه من العادات والتقاليد المتعارفة في حياة الشعب، من دون أن يمت إلى الدين بصلة، مثلا إذا احتفل شعب بيوم استقلالهم، وخروجهم عن ذل الاستعباد، أو إذا احتفلوا في أول الربيع بما أنه أول السنة، وترددوا في أندية الأحبّة والإخوان، فلا يكون ذلك بدعة، وذلك لأنّ المحتفلين لا يقومون به بما أنه من الدين، وأنّ الشارع أمر بذلك، وإنّما يقومون به باسم التقاليد والعادات الّتي جرت عليها الآباء والأجداد، أو ابتكرها الجيل الحاضر تشييداً لعزائم الشعب، في طريق حفظ استقلالهم، والخروج عن سيطرة القوى الكبرى عليهم، مع كون العمل غير محرم في ذاته، بل هو اجتماع وإنشاد قصائد، وإلقاء خطب وشرب شاي، ولقاء إخوان، إلى غير ذلك .

لقد مرّت على الشعب الجزائري أعوام عديدة كان يسيطر عليهم فيها الإستعمار الفرنسي، ينهب أموالهم وثرواتهم الطائلة، ويدمر ثقافتهم الإسلامية وهو يتهم الدينية، ثم إنّ اللّه سبحانه منحهم ـ في ظل عزائمهم القوية واستعدادهم لبذل النفس والنفيس في سبيل هدفهم المنشود ـ الإستقلال والحرية، والرجوع إلى هويتهم الإسلامية، فلو عزم هذا الشعب على أن يقيم في ذلك اليوم في كل سنة احتفالا عظيماً غير مقترن باقتراف المنكرات وارتكاب المعاصي، لا يلامون ولا يذمّون على فعلهم هذا، بل يمدحهم العقلاء بفطرتهم السليمة، ولا يدور في خلد أحد أنّهم ارتكبوا بدعة في الدين، وذلك لأنّهم لم يقوموا بما قاموا به، باسم الدين والشريعة، وأنّ النبي أمر بذلك، بل قاموا بذلك باسم حفظ المصالح الشعبية وتشييد عزائمهم الّذي هو في حد ذاته حلال بلا ريب: فمن حكم بحرمة هذه التقاليد والآداب و الرسوم، سواء أكانت لها جذور في الأعوام السابقة أم كانت من محدثات العصر، فقد ارتكب الخطأ في تحديد البدعة، ولم يميّزها عن غيرها من المراسم والآداب .

ولو صحّ تقسيم البدعة إلى الحسنة والسيئة، فإنما يصحّ في هذا القسم، أي التقاليد والآداب العرفية، فقد يتصف بالحسن وأُخرى بالقبح، وأمّا


(93)

البدعة بمعنى إدخال ما ليس من الدين في الدين فهو قبيح مطلقاً، لا ينقسم وليس له إلاّ قسم واحد، وهو أنّه قبيح محرّم على الإطلاق .

هذا ابن تيمية باذر هذه البذور الخبيثة والشكوك الساقطة يصرح بأنّ الأصل في العادات هو الحلية، إلاّ ما حظره اللّه، قال: «فالأصل في العبادات لا يشرع منها إلاّ ما شرعه اللّه، والأصل في العادات لا يحظر منها إلاّ ما حظره اللّه»(1) .

وبذلك يعلم أنّ تضييق الأمر والتقاليد الّتي لم يرد فيها حظر من الشرع، لا يصدر إلاّ من الجاهل، فإنّ الشريعة الإسلامية سمحة سهلة(2) لم تتدخل في عادات الناس وتقاليدهم، بل خوّلتها إلى أنفسهم حتّى يختار كل شعب ما يناسب بيئته و ظروفه وملابساته، وهذا هو الأساس، لكون الإسلام خاتم الشرائع، وكتابه خاتم الكتب، ونبيّه خاتم الأنبياء ولو كان محدداً للتقاليد والآداب، والرسوم والمراسم لوقع التصادم بينه وبين حياة الشعوب وحضاراتها المتكاملة مع مر الحقب والأزمان .

هل الاحتفال بالمواليد من التقاليد أو من صميم الدين ؟

البحث المهم في المقام هو تعيين حكم هذا المصداق، وأن الاحتفال بميلاد النبي هل هو كالاحتفال بمواليد سائر الأفراد كالآباء والأجداد أو الأولاد الّذي جرى عليه ديدن العقلاء في العالم؟ أو أن الاحتفال به يعد من الأُمور الدينية؟

لا اظن أنّ من لمس روح الاحتفالات والمهرجانات الّتي تقام بين المسلمين يوم الميلاد وغيره أن ينسبها إلى التقاليد والرسوم والآداب القومية، فإذن ذلك شيء لا يلائم روح الاحتفالات وأغراض المقيمين لها، فلا شك أنهم يقومون


1. المجموع من فتاوى ابن تيمية، ج 14 ص 196 .
2. صحيح البخاري ج 1 كتاب الإيمان باب «الدين يسر» ص 12 روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «أحب الدين إلى اللّه الحنيفية السمحة» .


(94)

به باسم الدين، ويرجون ثواباً جزيلا في عقباهم، فالإصرار على أنّه من الآداب والرسوم خطأ، لا يتفوه به من شاهدها وعاينها وعاشر المقيمين لها، فيجب على المسوغ والمانع البحث في أمر آخر، وهو أنه هل لهذا الأمر أصل في الشريعة على الوجه الكلي حتّى يكون الإحتفال تجسيداً له في هذه الظروف، أو ليس له اصل في الشريعة حتّى يكون بدعة؟ والأسف كله أن المانعين والمسوغين لم يركزوا على هذا المهم إلاّ القليل منهم(1) فعلى من يحاول حسم مادة الخلاف تبيين تلك النقطة الحساسة، وترك ما يثار حوله من الجدال والحوار .

فنقول:

إنّ كون شيء أمراً جائزاً في الدين على قسمين:

تارة يقع النص عليه بشخصه، كالاحتفال في عيدي الفطر والأضحى، أوالاجتماع في عرفة ومنى، فلا شك أنّ هذا الاجتماع والاحتفال أمر به الشارع بشخصه، فخرج به عن كونه بدعة.

وأُخرى يقع النص عليه على الوجه الكلي، ويترك انتخاب أساليبه وأشكاله وألوانه إلى الناس حسب الظروف ورعاية المقتضيات، وإليك بعض الأمثلة :

1- ندب الشارع إلى تعليم الأولاد ومكافحة الاُمّية، ولا شك أنّ لهذا الأمر الكلي أشكالا أو ألواناً حسب تبدل الحضارات وتكاملها، فلو كان التعليم والكتابة في الظروف السابقة متحققة بالكتابة بالقصب والحبر، وجلوس المتعلم أمام المعلم على الأرض في الكتاتيب، فقد تطورت كيفية التعليم من هذه الحالة البسيطة إلى حالة تستخدم فيها الأجهزة المتطورة، حيث أصبح الناس يتعلمون عن طريق الإذاعة والتلفاز، و (الكمبيوتر)، والأشرطة، إلى غير ذلك من وسائل التعليم وأجهزة الإعلام، سواء أكان ما يذيعه تعليمياً أم تبليغياً، فالشارع أمر


1. ولقد أعطى العلامة الحجة السيد جعفر مرتضى في كتابه القيم «المواسم والمراسم» للتحقيق في هذا المجال حقه. شكر اللّه مساعيه .


(95)

بالتعليم والتعلم، وخوّل اتخاذ الأساليب إلى الظروف والمقتضيات، ولو كان مصراً على لون خاص من كيفية التعليم، لفشل في طريق هدفه المقدس، لأن الظروف ربما لا تناسب الأداة الخاصة والكيفية المختصة الّتي يعينها ويحددها.

2- ندب الإسلام إلى الإحسان إلى اليتامى، والتحنن عليهم وحفظ أموالهم، وتربيتهم، غير أن هذا الأمر الكلي له ألوان وأساليب مختلفة، تجاري مقتضيات، العصر وإمكانياته، فاللازم علينا هو امتثال ما ندب إليه الشارع، وأما كيفية الإحسان فقد خولت إلى أوليائهم حسب إمكانيات الظروف ومقتضياتها، فمن أصر على أن الشارع بين خصوصيات الامتثال ومشخصات إطاعة ذلك الأمر، فقد جهل الإسلام ولم يعرف أساس كونه خاتماً، إذ لا يكون خاتماً إلاّ إذا أخذ باللب (الإحسان إلى الأيتام) وترك القشر واللباس إلى الناس ومقتضيات الظروف .

3- إنّ الصحابة ـ حسب رواية أهل السنة ـ قاموا بجمع آيات القرآن المتفرقة في مصحف واحد، ولم يصف أحد منهم هذا العمل بدعة، وما هذا إلاّ لأن عملهم كان تطبيقاً لقوله سبحانه: (إنّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ وإنّا لَهُ لَحَافِظُونَ)(1)، فعملهم في الواقع كان تطبيقاً عملياً لنصوص شرعية من الكتاب والسنة، وعلى ذلك جرى المسلمون في مجال الاهتمام بالقرآن من كتابته وتنقيطه، وإعراب كلمه وجمله، وعدّ آياته وتمييزها بالنقاط الحمر، وأخيراً طباعته ونشره، وتقدير حفاظه وتكريمهم والاحتفال بهم، إلى غير ذلك من الأُمور الّتي كلها دعم لحفظ القرآن وتثبيته وبقائه، وإن لم يفعله رسول اللّه ولا الصحابة ولا التابعون، إذ يكفي وجود أصل له في الأدلة .

4- الدفاع عن بيضة الإسلام وحفظ استقلاله وصيانة حدوده من الأعداء أصل ثابت في القرآن الكريم، قال سبحانه: (وَأعدّوا لَهُم ما اسْتَطَعْتُم مَنْ قُوّة)(2)، وأما كيفية الدفاع ونوع السلاح ولزوم الخدمة العكسرية


1. سورة الحجر: الآية 9 .
2. سورة الأنفال: الآية 60 .


(96)

فالكل تطبيق لهذا المبدأ وتجسيد لهذا الأصل، فما ربما يرمي التجنيد العمومي إلى أنّه بدعة، غفلة عن حقيقة الحال، وإنّ الإسلام يتبنىّ الأصل، ويترك الصور والألوان والأشكال إلى مقتضيات الظروف .

هذا هو الأصل الّذي به نميز «البدعة» عن «التطبيق»، و«الابتداع» عن «الاتّباع» وإليك بعض الكلمات من المخالفين للذكريات وغيرهم حول ما هو بدعة وما ليس ببدعة، والكل يؤكد ما قلناه:

قال ابن رجب: قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «وإيّاكم ومحدثات الأُمور فإنّ كل بدعة ضلالة» تحذير للأُمة من اتّباع الأُمور المحدثة المبتدعة، وأكد ذلك بقوله: «كل بدعة ضلالة» والمراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأمّا ما له أصل فليس ببدعة، وإن كان بدعة لغةً، وفي صحيح مسلم: «عن جابر رضي اللّه عنه أن النبي كان يقول في خطبته: «إن خير الحديث كتاب اللّه، وخير الهدى هدى محمد، وشرّ الأُمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة...» وقوله: «كل بدعة ضلالة» من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أُصول الدين، وهو شبيه بقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ» فكل من أحدث شيئاً ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة، والدين بريء منه(1).

وقال ابن حجر في شرح قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «إنّ أحسن الحديث كتاب اللّه» والمحدثات ـ بفتح الدال ـ جمع محدثة، والمراد ما أُحدث وليس له اصل في الشرع، ويسمى في عرف الشرع بدعة، وما كان له اصل يدل عليه الشرع، فليس ببدعة فالبدعة في عرف الشرع مذمومة بخلاف اللغة، فإنّ كل شيء أُحدث على غير مثال يسمى بدعة، سواء أكان محموداً أم مذموماً، وكذا القول في المحدثة(2) .


1. جوامع العلوم والحكم ص 233 .
2. فتح الباري ج 13 ص 253 .


(97)

ومن راجع القرآن والسنة يقف على أصل رصين في الإسلام في حق النبي الأكرم، وهو لزوم تكريم النبي وتعظيمه حياً وميتاً، وهو أصل لا يمكن لمسلم إنكاره، وإذا ثبت ذلك الاصل يقع الكلام في أن هذه الاحتفالات هل هي تجسيد لهذا الأصل أو لا؟ فيلزم البحث في موردين:

الأول: لزوم تكريم النبي حياً وميتاً

من أمعن في القرآن الكريم يقف على أنه يحثّ المسلمين على تكريم النبي وتعظيمه، وأنه لا يصحّ للمسلمين أن يعاملوه معاملة الإنسان الاعتيادي، وإليك ما يمكن استنباط هذا الأصل منه .

1- قال سبحانه: (الّذينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتّبَعُوا النُّورَ الّذي أُنْزِلَ مَعَهُ أُلئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ)(1) .

إن الكلمات الواردة في هذه الآية هي: 1- «آمنوا به» 2- «عزروه» 3- «نصروه» 4- «اتبعوا النور الّذي أُنزل معه» .

فالآية تدعو إلى الإيمان بالنبي وتعزيره ونصرته واتّباع النور الّذي أُنزل معه، والمراد من التعزير، ليس مطلق النصرة، لأنه ذكره بقوله «نصروه» ولا حاجة لتكراره; ولا مطلق منع الأعداء عنه، بل المراد هو توقيره وتعظيمه(2)، أو نصرته مع التعظيم (3) .

وعلى كل تقدير فالمفهوم من الآية هو تعزير النبي واحترامه، ومن المعلوم أنّ احترامه ليس إلاّ لأجل كونه سراجاً منيراً للأُمة وهادياً إلى الشريعة ودينه سبحانه .

2- أشار سبحانه إلى مكانته المرقومه ولزوم توقيره وتكريمه بقوله: (يَا أيُّها الّذينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النّبَي وَ لاَ تَجْهَرُوا لَهُ بَالْقَولِ)


1. سورة الأعراف: الآية 157 .
2. تفسير الجلالين ص 225 مجمع البيان ج 2 ص 488 .
3. الميزان ج 8 ص 296، مجمع البحرين مادة «عزر» .


(98)

كَجَهْرِ بَعْضِكُم لِبَعْض أنْ تَحْبَطَ أعْمَالُكُم وَ أنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ))(1)، فجعل رفع الصوت فوق صوته والجهر له كجهر بعضكم بعضاً، سبباً لحبط الأعمال فما أعظم شأنه وأجلّ قدره .

3- وقال سبحانه: (لا تَجعَلُوا دُعَاءَ الرّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُم بَعْضاً)(2) .

4- وأشار إلى حرمة التسرّع في إبداء الرأي بقوله: (يَا أيُّها الّذينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللّهَ إنّ اللّهَ سَميِعٌ عَلِيمٌ)(3) .

5- إنّه سبحانه قرن طاعة النبي بطاعته وقال: (أطِيعُوا اللّهَ وَ أطِيعُوا الرّسُولَ)(4)، وجعل طاعته طاعة نفسه وقال: (مَنْ )يُطِعِ الرّسُولَ فَقَدْ أطَاعَ اللّه)(5)، وجعل اتّباع الرسول آية لحب اللّه سبحانه، وقال: (قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُوني يُحْبِبْكُمُ )اللّه)(6)، وندّد بمن قدّم حبّ الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة والأموال والتجارة والمساكن على حب الرسول، وقال: (قُلْ إنْ كَانَ آبَاؤُكُم وَ إخْوانُكُم وَ أَزواجُكُم وَعَشيرَتُكُم وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَهَا أحَبّ إلَيْكُم مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ أبناؤكُم وَجِهَاد فِي سَبيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأتِيَ اللّهُ بِأمْرِهِ)(7).

وروى أنس أنَّ رسول اللّه قال: «لا يؤمن أحدكم حتّى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين»، وروى أنّ رسول اللّه قال: «ثلاث من كن فيه وجد بهن الإيمان، أن يكون اللّه ورسوله أحب إليه مما سواهما...»(8) .


1. سورة الحجرات: الآية 2 .
2. سورة النور: الآية 63 .
3. سورة الحجرات: الآية 1 .
4. سورة النساء: الآية 59 .
5. سورة النساء: الآية 80 .
6. سورة آل عمران: الآية 31 .
7. سورة التوبة: الآية 24 .
8. مسند أحمد، مما أسند أنس بن مالك ج 3 ص 103 و 174 و 230، انظر صحيح البخاري ج 1 ص 8 «باب حب الرسول من الإيمان» والروايات حول حب النبي وعترته كثيرة، لاحظ جامع الأصول، وكنز العمال.


(99)

6- إنّه سبحانه أمر بالصلاة والتسليم على النبي وقال: (إنَّ اللّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصلُّونَ عَلَى النبِىّ يَا أيُّها الّذينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)(1) .

وروي أنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قال: «البخيل من ذُكِرتُ عنده فلم يصلّ علىّ» وقال: «من صلّى علىّ واحدة صلّى اللّه عليه بها عشراً»(2) .

والصلاة عليه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أحد أركان الصلاة، من تركها عامداً بطلت صلاته، والدعاء له بالوسيلة والفضيلة والمقام المحمود عقيب الأذان أمر محمود، وفيه فضل كبير .

7- أشار إلى كيفية معاشرة المؤمنين معه ومع أزواجه بعد وفاته، فقال:

(يَا أيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النّبِىَّ إلاّ أن يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى طَعَام غَيْرَ نَاظِرينَ إناهُ، ولَكِن إذَا دُعِيتُم فَادْخُلُوا فَإذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا، وَ لاَ مُستَأنِسِينَ لِحَديث إِنَّ ذَلِكُم كَانَ يُؤذِي النَّبِىّ فَيَسْتَحِي مِنكُم وَاللّهُ لا وَلاَ يَسْتَحيِي مِنَ الحَقّ وَإِذَا سَأَلُْتمُوهُنّ مَتاعاً فَاسْألُوهُنّ مِنْ وَراءِ حِجَاب ذَلِكُم أطْهَرُ لِقُلُوبِكُم وَقُلُوبِهِنّ وَمَا كَانَ لَكُم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللّه وَلاَ تَنْكِحُوا أزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أبَداً إنّ ذَلِكُم كَانَ عِنْدَ اللّه عَظيماً)(3) .

ومن وقف على خصائص النبي الّتي ذكرها الفقهاء في الكتب الفقهية، يقف على مكانته عند اللّه، وعظمته عند المسلمين، ولزوم توقيره وتكبيره وتعظيمه.

هذه الآيات والأحاديث تفيد بأنه سبحانه فرض محبة النبي ومودته على


1. سورة الأحزاب: الآية 56 .
2. مسند أحمد، مما أسند إلى علي بن الحسين ج 1 ص 201، والدر المنثور ج 5 ص 217 في تفسير قوله: «إن اللّه وملائكته»، ورواه الترمذي في ج 5، في كتاب الدعوات .
3. سورة الأحزاب: الآية 53 .


(100)

المؤمنين، وأنّ المؤمن لا يتم له إيمان حتّى يكون ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أحب إليه من نفسه وماله وأهله، ومن شك في ذلك فهو شاك في البديهيات الدينية.

وهنا يقع الكلام في المقام الثاني، وهو ما يتحقق به التكريم، وما يمكن الاستقلال به على أنه صادق في حبّ النبي، وإليك البحث فيه.

الثاني: الاحتفال تجسيد لتكريم النبي

أذا دلّت الآيات والأحاديث على لزوم تكريم النبي وتعظيمه أولا، وحبه ومودته ثانياً، فعندئذ يقع الكلام: فيما يتحقق به ذلك الأصل، وتتجسم به هذه الفريضة .

لا شك أنّ لتكريم الإنسان وتعظيمه طرقاً مختلفة مألوفة للناس، ولكن صاحب الشخصية العالمية إذا أراد الشعب المسلم تكريمه وتعظيمه، فالاحتفال بولادته وإقامة العزاء يوم رحلته، تكريم وتعظيم له، وتجسيد لذلك الأصل الّذي نطق به الكتاب والسنة، وليس ذلك أمراً خفياً على الناس فإنّ العقلاء بفطرتهم يحتفلون بذكرى شخصياتهم ولادة ووفاة، تكريماً واحتراماً لهم، والفرق بين تكريم النبي وتكريم تلك الشخصيات أنّ تكريمهم من قبيل التقاليد والآداب الشعبية، فلو لم يرد حظر منه كفى في جواز ذلك عدم الحظر .

وأمّا تكريم النبي الأكرم فله أصل في الشريعة الغرّاء، وله تجليات في الظروف المختلفة، فلو احتفل المؤمنون في كل دورة وكورة بميلاد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ من دون اقتراف المعاصي والمنكرات، وأقاموا احتفالا حاشداً يبهر العيون ويحير العقول، فقام الخطباء فيه بإلقاء الكلم حول فضائله ومناقبه، وما نزل في حقه من الآيات والآثار، وما ضحّى بنفسه ونفيسه في طريق هداية أُمته، وقام الشعراء بإنشاء القصائد الّتي تُستلهم من الكتاب والسنة خالية عن الغلو والإفراط، ثم قاموا بإطعام الإخوان و المحبين لرسول اللّه من مال اللّه الّذي جعل الناس فيه مستخلِفين،... فلا شك أنهم جسدوا ذلك الأصل الرصين (تكريم النبي وتعظيمه) بعملهم المشرق، كما أظهروا بذلك محبتهم وولاءهم لصاحب الرسالة.


(101)

وعند ذلك كيف يمكن أن توصف تلكم الاحتفالات الباهرة بالبدعة؟ أوليست البدعة هي إدخال ما ليس من الدين في الدين؟ وهل المسلمون أدخلوا في الدين ما ليس منه؟ أوليس تكريمه وتوقيره هو الأصل الرصين؟ أوَليس الإحتفال الباهر تحقيقاً عملياً لذلك المبدأ عند جميع العقلاء، فأين البدعة ياترى؟ أوَليس القرآن والسنة ندبا المسلمين إلى حب النبي، وهل الحب يجب أن يبقى كامناً في مكامن النفس، ولو تظاهر به الإنسان كان عاصياً، أو أن المحبة والمودة لها مظاهر ومجال، وإظهار الفرح يوم ولادته والحزن يوم رحلته دليل على الحب الأصيل والمودة المكنونة في القلب .

ولسنا ننكر أن لإظهار المودة وتوقيره طرقاً أُخرى، منها التمسك بسة قولا وعملا وتعلماً وتعليماً وإيثاراً، أو التأسّي بأخلاقه وآدابه، ونشر سنته وأحاديثه، إلى غير ذلك مما يمكن أن يكون مظاهر للحب، ـ ولكن أيها الأخ العزيز ـ لا ينحصر إظهار الحب والتكريم في هذه الأُمور، فإنّها من الوظائف الدينية الّتي يجب على المسلم القيام بها في كل يوم وليلة، وهي في الوقت نفسه مظاهر لتوقير النبي وتكريمه وإظهار المودة والحب له، ولكن الاحتفال بمولده وإقامة العزاء في يوم رحلته أيضاً مظهر آخر للتوقير والتكريم وإظهار المودة، فلماذا نؤمن ببعض ونكفر ببعض؟ .

فكيف تقام الاحتفالات في نفس المملكة السعودية لأبناء عائلتها وتغفل عن النبي الأكرم وأهل بيته، وإن كنت في شك من ذلك فانظر إلى العدد (102) من مجلة «الفيصل» الّتي تصدر في طباعة أنيقة جداً في السعودية، فهو يحتوي على تقرير مبسوط عن الاحتفال الكبير الّذي أقامته السلطات السعودية بمناسبة عودة «الأمير سلطان» من الرحلة الفضائية في مركبة «ديسكفري»، ويحتوي هذا العدد على صور كثيرة تحكي عن حجم المبالغ الطائلة الّتي صرفت في ذلك الاحتفال، وقد نشرت الكلمات والقصائد الّتي أُلقيت فيه، وقرىء فيها المدح المفرط والثناء المسرف على آل سعود عامة والأمير العائد من الرحلة الفضائية خاصة...

ألا يستحق رسول الإسلام أن تخلُّد ذكرى مولده الشريف، وتنشر مناقبه


(102)

وفضائله وإنجازاته العظيمة، وعطاؤه الزاخر، وخدماته الجليلة، وجهاده وجهوده وغير ذلك، حتّى يعرف الصديق والعدو ما أسداه هذا النبي العظيم من خدمة، وما قدمه من عطاء، وما تحمّل من عناء وعذاب في سبيل هداية البشر، وهل التكريم إلاّ الاحتفال به، ونشر قِيَمهِ الفاضلة، والحث على الاقتداء به والأخذ بهديه، والمحافظة على آثاره؟ ما هذا التناقض بين القول والعمل؟ تقيمون الاحتفال لأمير البلد، وتحرّمون الاحتفال للنبي الأكرم؟ .

فلو أُقيم احتفال في أيّ بلد من بلاد اللّه تبارك وتعالى، سواء أكان في ميلاد النبي أم غيره، وقرأ المقرىء الآيات النازلة في حقه، أو تليت قصيدة حسان بن ثابت الّذي قال رسول اللّه بأنّ لسانه على المشركين أشد وقعاً من السيوف على رقابهم، كقوله في قصيدة رثى بها النبي بعد رحلته، يقول فيها:

بطيبة رسمٌ للرسول ومعهد * منير وقد تعفو الرسوم وتهمد

يدل على الرّحمن من يقتدي به * وينقذ من هول الخزايا ويرشد

إمام لهم يهديهم الحق جاهداً * معلِّم صدق إن يطيعوه يسعدوا(1)

أو ألقي فيها شعر كعب بن زهير الّذي يمدح به النبي ويقول:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول * متّيم إثرها لم يُفْد مكبول

نُبّئتُ أنّ رسول اللّه أوعدني * والعفو عند رسول اللّه مأمول

مهلا هداك الّذي أعطاك نافلة القرآن فيها مواعيظ و تفصيل * إن الرسول لَنورٌ يستضاءيه مهنّدٌ من سيوف اللّه مسلول(2)

أو ما أنشأه عبداللّه بن رواحه ويقول فيه:

خلّوا بني الكفار عن سبيله * خلّوا فكل الخير في رسوله

يارب إنّي مؤمن بِقيلِه * أعرف حق اللّه في قبوله(3)

أو قرأ فيها قصيدة البوصيري الّتي أنشأها عن إيمان وإخلاص بالرسول لغاية التكريم والاحترام مستهلها:

أمِْن تذكُّر جيران بذي سَلَم * مَزجْتَ دمعاً جرى من مقلة بدم


1. السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 666، والقصيدة .
2. السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 513 .
3. السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 371 .


(103)

أم هبت الريح من تلقاء كاظمةً * وأومض البرق في الظلماء من أضم(1)

فهل يتصور أن يعد ذلك أمراً محرماً وبدعة؟ وكأنّ الرسول يجب أن يكون خامل الذكر. ولو هتف به هاتف بالتكريم يكون آثماً، يجب أن يجلد أو يقتل لأجل البدعة أو الشرك: سبحانك يا رب ما أعظم جرأتهم على الحط من كرامة الرسول وعظمته!!

نرى أنه سبحانه خَلَّدَ ذكره ورفع مقامه بمنْحِهِ النبوة وقال: (وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ)(2) فلنفترض أن الآية: «رفعنا لك ذكرك» تشير إلى منح منصب النبوة، ومقام الرسالة له، ولكن يستفاد من الآية أن رفع النبي أمر مطلوب للّه سبحانه، وأن تتويجه بالنبوة سبب لذلك الرفع المحمود، فالاحتفال بمولده ليس إلاّ تجسيداً لذلك الرفع المطلوب، وليس لقائل أن يقول: إنّ المطلوب هو رفعه بمنح النبوة له فقط، فلا يسوغ ترفيعه وتخليد ذكراه في المجتمع عن طريق آخر، فإنّ ذلك يأباه الذوق السليم .

هذا هو معنى البدعة، وهذا تحديدها، فاتخذه مقياساً تميز به المبتدع عن المتشرع، والبدعة عن السنة، وبذلك تقف على أن أكثر ما يصفونه بالبدعة له أصل في القرآن والسنة، ولأجل أن يكون البحث مترامي الأطراف نردفه بالبحث عن التبرك، حتّى يكون الوقوف على حقيقته معيناً على حل عقدهم ومشاكلهم، وسيوافيك البحث مستقلا عن الاحتفال بالمواليد .


1. جواهر الأدب، أحمد الهاشمي، ص 467 والقصيدة لشرف الدين محمد بن سعيد البوصيري صاحب «البردة» و «الهمزية» ولهذه القصيدة شروح.
2. سورة الإنشراح: الآية 4 .


(104)


(105)

التبرك بآثار النبي الأكرم والصالحين

جرت سيرة الموحدين على التبرّك بآثار الأنبياء والصالحين، وجرت سيرة المسلمين على التبرّك بآثار النبي الأكرم، والتبرك بالآثار إمّا تطبيقاً لمبدأ الحب والمودة لرسول اللّه، وإمّا طلباً لأثر معنوي وضعه اللّه سبحانه في الشيء المتبرّك به، كما في التبرك بماء زمزم، وماء ميزاب الكعبة وكسوتها، وماء الفرات وسؤر المؤمن، إلى غير ذلك مما وردت الأحاديث في التبرك به. فسواء أكان تجسيداً للمحبة والمودة كتقبيل الأضرحة والمنبر والأبواب، أم كان لطلب الآثار الخاصة الّتي وردت النصوص فيها، فلا يمت ذلك إلى الشرك في العبادة بصلة، وقد عرفت أن العنصر المقوّم لتحقق مبدأ الشرك هو الاعتقاد بـ «الألوهية» والربوبية، أو كون المدعو مبدأً لأفعال إلهية، وأمّا إظهار المودة والمحبة لآثار المحبوب على حد قول الشاعر :

أمرّ على الديار ديار ليلى * أقبّل ذا الجدار وذا الجدارا

وما حب الديار شغفن قلبي * ولكن حب من سكن الديارا

أو طلب الشفاء من الأسباب الّتي ورد الحديث بأن فيها الشفاء، فليس عبادة; فإنّ الشافي هو اللّه سبحانه، وماء زمزم وماء ميزاب الكعبة أسباب له، فهذه الأسباب المعنوية كالأدوية الكيمياوية الّتي عمّت العالم، يأوي إليها كل مريض من موحد ومشرك، غير أنّ الموحّد يستعملها بما أنها السبب، والشافي هو اللّه سبحانه، وهو الّذي أعطى السببية لها، ولو أراد لسلبها عنها .


(106)

فالمهم في المقام دراسة ما ورد في الشرع حول التبرك بآثار الأنبياء والأولياء، وتبيين موضع الصحابة من آثار الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وقبل أن نسرد بعض ما وقفنا عليه، نشير إلى كتابين كريمين في ذلك المجال:

1- «تبرك الصحابة» للشيخ محمد طاهر مكي، من علماء الحرم الشريف، طبع مكة المكرمة .

2- «التبرك» تأليف الأستاذ الفذ الشيخ علي الأحمدي، وقد استقصى فيه جل ما ورد في التبرك، ولا اظن أن من قرأ هذين الكتابين يبقى له الشك في جوازه، إن كان ممن يستمع القول فيتّبع أحسنه، وإلاّ يزيده إلاّ خساراً.

التبرّك في القرآن الكريم

إنّ القرآن الكريم يذكر أنّ يوسف أمر البشير أن يذهب بقميصه إلى ابيه، وقال: القوا بقميصي هذا على وجهه فيعود بصيراً، واللّه سبحانه يحكي عن يوسف هكذا: (اذهَبُوا بِقَميصي هَذَا فَألْقُوهُ عَلَى وَجهِ أبي يَأتِ بَصيراً وَ أُتوني بِأهْلِكُم أجْمَعين)(1) (فَلَمّا جَاءَ البَشيرُ ألْقاهُ عَلَى وَجهِهِ فارتَدّ بَصيراً قَالَ ألَمْ أقُلْ لَكُمْ إنّي أعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ)(2) فالآيات صريحة في أن يعقوب تبرّك بقميص ابنه يوسف، ولا شك أن قميص يوسف كان من القطن، والقطن كالحديد الّذي يصنع منه الأضرحة والأبواب، والقطن والحديد لا يؤثران في رفع المرض وكشف الكربة، ولكنّه سبحانه تكريماً للنبي يمنّ على المريض بالشفاء بعد التبرك به، وكأنّ هناك صلة معنوية غير مرئية ولا ملموسة ولا مدركة في المختبرات بين التبرك بالقميص وآثار الأنبياء ونزول الشفاء من اللّه سبحانه، كما نرى تلك الرابطة بين استعمال الدواء وحصول البرء بعده، ومن المعلوم أنّه سبحانه هو مسبب الأسباب، وجاعل السببية للسبب.


1. سورة يوسف: الآية 93 .
2. سورة يوسف: الآية 96 .


(107)

إنّ هيئة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر حول الضريح النبوي الشريف والمسجد الحرام يرفعون عقيرتهم بأنّ هذا (الضريح) حديد، والحديد لا يفيد، فليستمعوا إلى قول اللّه سبحانه: (اذهبوا بقميصي هذا)، فعلى ضوء كلامهم قميص يوسف من القطن، والقطن كالحديد، ولكنّه سبحانه منح الشفاء لعين نبيه غِبّ تبركه بقميص ولده لصموده في سبيل اللّه .

وأمّا الأحاديث والآثار الواردة حول التبرك فحدّث عنها ولا حرج، فإنها تتجاوز المائة، ومن أراد فليرجع إلى الكتابين الجليلين اللذين نوهنا بهما، وقبل أن نورد بعض الآثار، نذكر بعض الكلمات في هذا المجال من كبار العلماء :

قال ابن حجر: «كل مولود في حياة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يُحكم بأنّه رآه، وذلك لتوفّر دواعي إحضار الأنصار أولادهم عند النبي للتحنيك والتبرك، حتّى قيل: لمّا افتتحت مكة، جعل أهل مكة يأتون إلى النبي بصبيانهم ليمسح على رؤوسهم، ويدعو لهم بالبركة»(1) .

يقول مؤلف تبرك الصحابة: «لا شك أنّ آثار رسول اللّه ـ صفوة خلق اللّه وأفضل النبيين ـ أثبت وجوداً وأشهر ذكراً، فهي أولى بذلك التبرك وأحرى، وقد شهده الجم الغفير من الصحابة، وأجمعوا على التبرك بها والاهتمام بجمعها، وهم الهداة المهديون والقدوة الصالحون، فتبركوا بشعراته وفضل وضوئه وبعرقه وثيابه، وبمس جسده الشريف، وغير ذلك مما عرف من آثاره الشريفة الّتي صحت بها الأخبار عن الأخيار» (2) .

ولنقدم بعض ما ذكره الشيخان (البخاري ومسلم) لكون صحيحيهما من أتقن الكتب عند أهل السنة وأصحها:

1- هذا الشيخ البخاري يروي أنّ الصحابة كانوا يتبركون بفضل وضوئه، قال:


1. الإصابة في تمييز الصحابة ج 1 ص 5 .
2. تبرك الصحابة ص 5 .


(108)

«لما خرج علينا رسول اللّه بالهاجرة، فأتى بوضوء فتوضأ، فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه ويتمسحون به»(1).

2- إنّ الصحابة كانوا يتبركون بشعره، فروى أنس أنّ رسول اللّه لما حلق رأسه كان أبو طلحة أول من أخذ شعره(2) .

3- إنّ الصحابة كانوا يتبركون بالإناء الّذي شرب منه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، قال أبو بردة: قال لي عبداللّه بن سلام: ألا اسقيك في قدح شرب النبي فيه؟(3) .

ويفهم من الرواية أنّ عبداللّه بن سلام كان يحتفظ بذلك القدح للتبرك، لشرب رسول اللّه منه.

4- كان الصحابة يتبركون بيديه الشريفتين، فعن أبي حجيفة: خرج رسول اللّه بالهاجرة إلى البطحاء فتوضأ ثم صلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين ـ إلى أن قال ـ : وقام الناس فجعلوا يأخذون يديه فيمسحون بهما وجوههم، قال: فأخذت بيده فوضعتها على وجهي، فإذا هي أبرد من الثلج، وأطيب رائحة من المسك(4) .

لا أظن أنّ الوهابي يجترىء على ردّ أحاديث البخاري، لأنّه أصحّ الكتب وأتقنها، خصوصاً أنّ هذه الروايات جاءت فيها متواترة، وهم القائلون:

وما من صحيح كالبخاري جامعاً * ولا مسند يلفى كمسند أحمد

هذا بعض ما رواه البخاري، وهلم معي ندرس ما ذكره مسلم في صحيحه:

ذكر مسلم أنّ الصحابة كانوا يأتون بصبيانهم إلى النبي للتبرك والتحنيك، قال: إنّ رسول اللّه كان يؤتى إليه بالصبيان، فيبارك عليهم ويحنكهم(5) .


1. صحيح البخاري ج 1 ص 59، فتح الباري ج 1 ص 256 .
2. صحيح البخاري ج 1 ص 54 .
3. صحيح البخاري ج 1 ص 147، فتح الباري ج 10 ص 85 .
4. صحيح البخاري ج 4 ص 188 .
5. صحيح مسلم ص 1691 .


(109)

كما روي في حق شعره: «أنّ رسول اللّه أتى منى، فأتى الجمرة فرماها، ثم اتى منزله بمنى، ثم قال للحلاق: خذ، وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس(1) .

هذا بعض ما رواه الشيخان، وأمّا ما رواه غيرهم فحدّث عنه ولا حرج، وقد عقد البخاري في صحيحه باباً سماه: «باب ما ذكر من درع النبي وعصاه وسيفه وقدحه وخاتمه، وما استعمل الخلفاء بعده من ذلك، مما لم يذكر قسمته، ومن شعره ونعله وآنيته، مما يتبرك به أصحابه وغيرهم بعد وفاته»(2) .

إنّ فاطمة ـ عليها السَّلام ـ الّتي لا شك أنها من أهل البيت الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً حضرت قبر أبيها، وأخذت قبضة من تراب القبر تشمه وتبكي وتقول:

ماذا على من شمّ تربة أحمد * أن لا يشم مدى الزمان غواليا

صُبّت علىّ مصائبٌ لو أنها * صُبّت على الأيام صرن لياليا

وفي لفظ: فجعلتها على عينيها ووجهها(3) .

نعم، كانت بنو أُمية وأذنابهم يمنعون الناس عن التبرك بقبر رسول اللّه وآثاره، فمن منع التبرك فإنما هو على خطهم.

روى الحاكم في المستدرك: «أقبل مروان يوماً فوجد رجلا واضعاً وجهه على القبر، فأخذ برقبته، ثم قال: هل تدري ما تصنع؟ فأقبل عليه فإذا هو أبو أيوب الأنصاري، فقال: إنّي لم آت الحجر، وإنما جئت رسول اللّه، سمعت رسول اللّه يقول: لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، ولكن ابكوا على الدين إذ وليه غير أهله(4) .


1. صحيح مسلم ج 3 ص 947 .
2. صحيح البخاري ج 4 ص 82 .
3. وفاء الوفاء: ج 2 ص 444، صلح الإخوان، ص 57 وغيرهما من المصادر .
4. مستدرك الصحيحين للحاكم ج 5 ص 515، ومجمع الزوائد ج 4 ص 2، باب وضع الوجه على قبر سيدنا رسول اللّه .


(110)

قال العلامة الأميني :

«إنّ هذا الحديث يعطينا خبراً بأنّ المنع عن التوسل بالقبور الطاهرة إنما هو من بدع الأمويين وضلالاتهم، منذ عهد الصحابة، ولم تسمع أُذن الدنيا قط صحابياً ينكر ذلك، غير وليد بيت أُمية، مروان الغاشم .

نعم... «الثور يحمي انفه بروقه»(1) .

نعم... لبني اُمية عامة، ولمروان خاصة ضغينة على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ منذ يوم لم يُبقِ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في الأسرة الأموية حرمة إلاّ هتكها، ولا ناموساً إلاّ مزقه، ولا ركناً إلاّ أباده، وذلك بوقيعته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فيهم، وهو لا «ينطق عن الهوى، إن هو إلاّ وحي يوحى، علّمه شديد القوى» فقد صحّ عنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قوله: «إذا بلغت بنو أُمية أربعين، اتّخذوا عباد اللّه خولا، ومال اللّه نحلا وكتاب اللّه دغلا»(2) .

نعم تبع مروان بن الحكم ـ الوزغ ابن الوزغ ـ ابن طريد رسول اللّه من بعده الحجاج بن يوسف، هذا هو المبرّد ينقل في كامله، قال: ومما كفرت به الفقهاء الحجاج بن يوسف والناس يطوفون بقبر رسول اللّه منبره. لقوله: «إنما يطوفون بأعواد ورمّة»(3) ومراد الحجاج من الأعواد: المنبر، ومن الرّمة: عظام رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فيستسخر من المسلمين ويهينهم بكلامه، وهذا يعرب عن أنّ المسلمين كانوا يطوفون حول قبر رسول اللّه .

قال ابن أبي الحديد: خطب الحجاج بكوفة، فذكر الذين يزورون قبر


1. الروق: القرن، وهو مثل يضرب لمن يدافع عن شخصيته وعرضه .
2. الغدير: ج 5 ص 149 .
3. التبرك ص 161 .


(111)

رسول اللّه بالمدينة، فقال: تبّاً لهم، إنهم يطوفون بأعودا ورمّة بالية. هلا طافوا بقصر أميرالمؤمنين عبدالملك؟ ألا يعلمون أنّ خليفة المرء خير من رسوله؟(1) .

هذا بعض ما يمكن أن يقال حول التبرك، ومن أراد التفصيل والتبسط فليرجع إلى كتاب «التبرك» فقد بلغ الغاية في ذلك المجال .

* * * * *

هذا وقع عقد العلامة الأميني فصلا أسماه «التبرك بالقبر الشريف بالتزام وتمريغ وتقبيل» وذكر هناك نصوصاً كثيرآ تحكي عن جريان السيرة على التبرك بالقبر الشريف، فمن أراد فليرجع إلى الجزء الخامس: ص 146 ـ 164 .


1. شرح نهج البلاغة ج 15 ص 242 .

Website Security Test