welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : الملل والنحل /ج4 (حياة ابن تيمية وابن عبد الوهاب )*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الملل والنحل /ج4 (حياة ابن تيمية وابن عبد الوهاب )
(31)

ابن تيمية: حياته والرأي العام فيه

هو أحمد بن عبد الحليم الحراني الدمشقي، ولد في العاشر من شهر ربيع الأول سنة 661 هـ ، بعد خمس سنوات من سقوط الخلافة الإسلامية في بغداد، وانغمار المسلمين في مشاكل كثيرة.

كان مولده بمدينة حران مهد الصابئة والصابئين من أقدم عصور الإسلام، وقد نشأ النشأة الأُولى إلى أن بلغ السابعة من عمره، فلما أغار عليها التتار، فرّ سكانها منها، وكان ممن هاجر أُسرة ابن تيمية، حيث هاجرت إلى دمشق، وقد اتّجه إلى العلم منذ صغره، وكان يدرس الفقه الحنبلي ويتتبّع سير ذلك المذهب، وكان أبوه من شيوخ هذا المذهب، ففي المدارس الحنبلية تخرج ابن تيمية، ودرس في كنف ابيه وتوجيهه ولم ير منه بادرة إلاّ بعد ما كتب رسالة في جواب سؤال أهل حماة، سألوه بقولهم: «ما قول السادة العلماء أئمة الدين ـ أحسن اللّه إليهم أجمعين ـ في آيات الصفات، كقوله تعالى: (الرّحمنُ عَلىَ العَرْشِ اسْتَوى) وقوله: (ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّماء) إلى غير ذلك من الآيات وأحاديث الصفات، وأيضاً كقوله (صلى الله عليه و آله): «إنّ قلوب بني آدم بين اصبعين من أصابع الرحمن» وقوله: «يضع الجبّار قدمه في النار» إلى غير ذلك، وما قالت العلماء فيه، وليبسطوا القول في ذلك مأجورين إن شاء اللّه؟»(1) .


1. الرسالة الحموية، ص 425 ـ طبعت في ضمن مجموعة الرسائل الكبرى ج 1 .


(32)

فأجاب بما هو نصّ في التجسيم، وإن ذيّل كلامه بشيء يريد به الستر على عاره، ولكنّه لا يسمن ولا يغني من جوع، وسيوافيك نصّه عند تبيين عقائده، فاوجد الجواب ضجة كبرى، وعرف بالشذوذ والانحراف، وكان ذلك عام 698 هـ.

يقول تلميذه «ابن كثير» في حوادث تلك السنة: «قام عليه جماعة من الفقهاء وأرادوا إحضاره إلى مجلس القاضي «جلال الدين الحنفي» فلم يحضر، فنودي في البلد في العقيدة الّتي كان قد سأله عنها أهل حماة، المسماة بالحموية...»(1) .

وقد كانت له محنة أُخرى في عام 705 هـ يذكره ابن كثير في حوادث تلك السنة ويقول: «وفي يوم الإثنين ثامن رجب حضر القضاء وفيهم «الشيخ تقي الدين ابن تيمية» عند نائب السلطنة بالقصر، وقرأت عقيدة الشيخ تقي الدين (الواسطية)، وحصل بحث في أماكن منها، وأُخّرت مواضع إلى المجلس الثاني، فاجتمعوا يوم الجمعة بعد الصلاة ثاني عشر الشهر المذكور، وحضر الشيخ صفي الدين الهندي وتكلم مع الشيخ تقي الدين كلاماً كثيراً، ثم اصطلحوا على أن يكون الشيخ كمال الدين الزملكاني هو الّذي يحاققه من غير مسامحة، فتناظرا في ذلك وشكر الناس من فضائل الشيخ كمال الدين الزملكاني، وجودة ذهنه، وحسن بحثه، حيث قاوم «ابن تيمية» في البحث وتكلم معه...

ثم عقد المجلس في يوم سابع شعبان بالقصر، واجتمع الجماعة على الرضى، إلى أن صدر القرار بنفي الشيخ إلى مصر إن لم يعزف عن بوادره وعقائده، فأدى به الأمر إلى انتدابه في مجلس بالقلعة اجتمع فيه القضاة، وانتدب للبحث معه شمس بن عدنان، وادّعى عليه عند «ابن مخلوف» المالكي أنّه يقول: إنّ اللّه فوق العرش حقيقة، وإنّ اللّه يتكلم بحرف وصوت، فحكم عليه القاضي بالحبس في برج أياما، ثم نقل منه إلى الحبس المعروف بالجب، وكُتِبَ


1. البداية والنهاية ج 14 ص 4 و 26 .


(33)

كتاب نودي به في البلاد الشامية والمصرية، وفيه الحط على الشيخ تقي الدين، فانضمّ إلى صفّه جماعة كثيرة من الفقهاء والفقراء، وجرت فتن كثيرة منتشرة، وحصل للحنابلة بالديار المصرية إهانة عظيمة(1) .

بقي الشيخ في السجن بسبب عقيدته الّتي لا تجتمع مع عقيدة جمهور المسلمين حتّى مطلع سنة (706 هـ) .

يقول ابن كثير: وفي ليلة عيد الفطر من تلك السنة، أحضر الأمير سيف الدين سلار نائب مصر، القضاة الثلاثة وجماعة من الفقهاء، فالقضاة: الشافعي والمالكي والحنفي، والفقهاء: الباجي، والجزري، والمنواري، وتكلموا في إخراج الشيخ تقي الدين ابن تيمية من الحبس، فاشترط بعض الحاضرين عليه شروطاً في ذلك منها أنّه يلتزم بالرجوع عن بعض عقائده، فأرسلوا إليه ليحضر ليتكلموا معه في ذلك، فامتنع عن الحضور .

استهلّت سنة (707 هـ) والشيخ معتقل في قلعة الجبل بمصر، إلى أن أُطلق سراحه يوم الجمعة 23 من ربيع الأول، وخيّر بين الإقامة بمصر أو الروح إلى موطنه الشام، وقد اختار هو الإقامة بمصر، ولكنّه لم يبرح في غلوائه وأفكاره إلى أن واجهته محنة ثالثة، وقد ذكرها ابن كثير ايضاً في تاريخه.

المحنة الثالثة

وفي شوال عام 707 هـ ، شكي منه أيضاً، فردّ الأمر إلى القاضي الشافعي، فعقد له مجلس، وادّعى له ابن عطاء بأشياء ورأى القاضي بدر الدين بن جماعة أنّ في آرائه قلة أدب بساحة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فحضرت رسالة إلى القاضي إلى أن يعمل معه ما تقتضيه الشريعة، فتمّ الأمر بحسبه في سجن القضاة، ودخل السجن، وأُفرج عنه في مستهل سنة 708 هـ وبقي في القاهرة إلى أن توجّه منفياً إلى الإسكندرية في ليلة سلخ صفر في عام 709 هـ وأقام هناك ثمانية أشهر إلى أن تغيرت الظروف، فعاد


1. المصدر نفسه .


(34)

الشيخ منها إلى القاهرة يوم عيد الفطر سنة 709 هـ فاقام بها إلى سنة 712 هـ ثم رجع إلى الشام (1) .

وشغل الشيخ منصة التدريس والإفتاء إلى سنة 718 هـ . وقد صدر منه فتاوى شاذة، وكان مصرّاً عليها، فعقد له يوم الخميس ثاني رجب من شهور سنة 820 هـ مجلس بدار السعادة، فحضر نائب السلطنة، وحضر القضاة والمعنيون من المذاهب، وحضر الشيخ وعاتبوه، ثم حبس في القلعة خمسة أشهر، إلى أن ورد مرسوم من السلطان بإخراجه يوم الإثنين يوم عاشوراء، سنة 721 هـ .

وظل الشيخ بعد خروجه من الحبس مستمراً في التدريس إلى عام 726 هـ .

يقول جمال الدين يوسف بن تغري الأتابكي: «ورد مرسوم شريف من السلطان في شعبان سنة 726 بأن يجعل في قلعة دمشق، فاقام فيها مدة مشغولا بالتصنيف، ثم بعد مدة منع من الكتابة والمطالعة، وأخرجوا ما كان عنده من الكتب، ولم يتركوا عنده دواتاً[ دواةً] ولا قلماً ولا ورقاً»(2) .

وقال اليافعي: «مات بقلعة دمشق الشيخ الحافظ الكبير، تقي الدين أحمد، بن تيمية، ومنع قبل وفاته بخمسة أشهر عن الدواة والورق»(3) .

هذا، وقد لفظ الرجل نفسه ومات في قلعة دمشق عام 728 هـ وبذلك طويت صحيفة حياته، وبقيت آثاره، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.

إنّ ما تلوناه عليك من حياته يعرب:

أولا: إنّه لم يكن رجلا موضوعياً يهمّه ما كان يعاني منه المسلمون في تلك الظروف العصيبة، الّتي كانت الدعوة إلى الوحدة فيها أحوج ما يحتاج إليه


1. البداية والنهاية ج 14 ص 52، وكانت إقامته بمصر سبع سنين.
2. المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي، ص 340 .
3. مرآة الجنان ج 4 ص 277 .


(35)

الناس، فكان يبثّ بذور الخلاف فترة بعد فترة، ويشغل الحكومات والقضاة عن القيام بالواجب بنقل الشيخ من مقام إلى مقام .

وثانياً: إنّ جماهير الفقهاء والقضاة كانوا يخالفونه فيما يبديه من الآراء الشاذة، في مجال الأُصول والفروع، وإنّ آراءه كانت مخالفة لما هو المشهور المجمع عليه بين العلماء .

وثالثاً: إنّ الرجل كان معروفاً بالقول بالتجسيم والتشبيه والجهة، وكان اعتقاله لأجل التفوّه بها، فكلّ من أراد تنزيهه عن هذه التهمة، خالف الرأي العام في حقّه وما عرف منه يوم حياته .

نعم إنّ هناك أُناساً ترجموا للرجل ترجمة وافية، فأثنوا عليه الثناء البالغ، وذكروا ذكاءه وتوقّد ذهنه، وإحاطته بالكتاب والسنّة، كما ذكروا آثاره العلمية من كتب ورسائل، ولكن يؤخذ عليهم بأنّه لماذا ركّزوا على جانب واحد من حياته، ولم يشيروا إلى الجانب السلبي منها، فإنّه لا يمكن لأحد تخطئة أولئك العلماء الذين ناظروه، وباحثوه، وأصدروا أرائهم فيه، وهم كثيرون، ولأجل ذلك نشير إلى المصادر الّتي أخذتها العصبية العمياء فجاءوا كأنّهم يعرفون رجلا أطبق علماء عصره على نزاهته وصفاء فكره، فمن أراد أن يقف عليها فليرجع إلى المصادر التالية:

1- تذكرة الحفاظ للذهبي 4/ 1496، بالرقم 1175. وإن استدرك زلّته هذه ببعث رسالة مستقلة إلى ابن تيمية يستنكر فيها عليه أعماله وأقواله كما ستوافيك .

2- شذرات الذهب في أخبار من ذهب لأبي الفلاح عبد الحي بن عماد الحنبلي (م 1098) 6/80 .

3- طبقات الحفاظ، لجلال الدين السيوطي، (ت 911 هـ)، ص 52 .

4- الذيل على طبقات الحنابلة، لابن رجب زين الدين، أبي الفرج، عبدالرحمن بن شهاب الدين أحمد البغدادي ثم الدمشقي الحنبلي، (736 ـ 795 هـ) 2/ 387، بالرقم 495 .


(36)

5- الوافي بالوفيات، لصلاح الدين، خليل بن أيبك الصفوي 7/15 ـ 33 بالرقم 2964 .

6- طبقات المفسرين، للحافظ شمس الدين محمد بن علي بن أحمد الداودي (م 945 هـ )، ص 45 ـ 49 بالرقم 42 .

7- تاريخ الشيخ زين الدين عمر، الوردي، المعروف بتاريخ ابن الوردي ج 2 ص 406 .

8- البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، تاليف محمد بن علي الشوكاني (ت 1250 هـ)، ج 1 ص 63 ـ 72 بالرقم 40 .

9- البداية والنهاية، للحافظ عماد الدين، أبي الفداء، إسماعيل بن عمر بن كثير، (م 744 هـ)، ج 14، في حوادث سنة (698 هـ)، وغيرها. ولكنّه أشار في مواضع آخر إلى بعض زلاته ومخالفته للرأي العام في ذلك اليوم كما عرفت .

10- الأعلام للزركلي، ج 1 ص 44 .

نعم هؤلاء هم الدين ركّزوا على الجانب الإيجابي وتناسوا الجانب السلبي، مع أنّ التقييم لا يصحّ إلاّ بملاحظة كلا الجانبين، ولكن هناك جماعة موضوعيين واقعيين، لم تملأ عيونهم كتب الرجل ورسائله، فجاءوا بتقييم آرائه فيما صار سبباً لاشتهاره، وإليك نصوص هؤلاء حتّى لا نخرج في التقييم عن حد العدل .

آراء معصاريه ومقاربي عصره في حقه

قد تعرّفت على حياة الشيخ وأنّه لم يزل ينتقل من معتقل إلى آخر، ومن مصر إلى مصر، وكان الرأي المتفق عليه بين القضاة والمعنيين من الحكام هو أنّه رجل يصدر عن عقائد وآراء في مجال العقائد والأحكام تخالف الرأي العام بين أهل السنة، ولأجل ذلك كانوا يصدرون الحكم عليه بعد الحكم، ويعاقبونه مرة بعد أُخرى; وقد علمت أنّه منع من الكتابة حتّى في نفس السجن، فما حال من كان على طرف الخلاف من قضاة المذاهب وحكامهم و علمائهم؟


(37)

وبذلك تعرف أنّ الدعايات الأخيرة هي الّتي تريد أن تعرّفه بشيخ الإسلام و محيي السنة، فما معنى هذه الشيوخة لأهل السنة مع أنّهم أجمعوا على ضَلاله وشذوذه؟

ولأجل أن يقف القارىء على آراء معصاريه في حقه ومقاربي زمانه، نقتطف من غضون التاريخ جملا تكشف عن إطباق العلماء، على الرد عليه ونقد آرائه، وستوافيك في أثناء البحث رسالة الذهبي إليه بنصها.

وإليك قائمة الشخصيات الذين ردّوا عليه في عصره أو بعده بقليل:

1- الشيخ صفي الدين الهندي الأرموي (ت 715 هـ)

عرّفه السبكي بقوله: «متكلم على مذهب الأشعري، كان من أعلم الناس بمذهب الشيخ أبي الحسن وأدراهم بأسراره، متضلّعاً بالأصلين، ومن تصانيفه في علم الكلام «الزبدة»، وفي أصول الفقه: «النهاية»، وكل مصنفاته حسنة جامعة، لاسيما «النهاية» .

مولده ببلاد الهند سنة 644 هـ ثم قدم دمشق سنة 685 هـ واستوطنها وتوفي بها سنة 715 هـ ولما وقع من ابن تيمية في «المسألة الحموية» ما وقع، وعقد له المجلس بدار السعادة(1) بين يدي الأمير «تنكز» وجمعت العلماء، أشاروا بأنّ الشيخ الهندي يحضر، فحضر، وكان الهندي طويل النفس في التقرير، إذا شرع في وجه يقرره لا يدع شبهة ولا اعتراضاً إلاّ اشار إليه في التقرير، بحيث لا يتم التقرير إلاّ وقد بعد على المعترض مقاومته، فلما شرع يقرّر، أخذ ابن تيمية يعجّل عليه على عادته، ويخرج من شيء إلى شيء.

فقال له الهندي: ما أراك يا بن تيمية إلاّ كالعصفور حيث أردت أن أقبضه من مكان، فرّ إلى مكان آخر .

وكان الأمير تنكز يعظم الهندي ويعتقده، وكان الهندي شيخ الحاضرين كلّهم، فكلّهم صدر عن رأيه، وحبس ابن تيمية بسبب تلك المسألة، وهي


1. قال المعلق: كان ذلك سنة (705 هـ)، راجع البداية والنهاية ج 14 ص 36 ـ 38 .


(38)

الّتي تضمّنت قوله بالجهة، ونودي عليه في البلاد وعلى أصحابه، وعزلوا من وظائفهم(1) .

2- الشيخ شهاب الدين اببن جهبل الكلابي الحلبي (ت 733 هـ)

قال «السبكي»: «درس وأفتى وشغل بالعلم مدة بالقدس ودمشق.

مات سنة 733 هـ ووقفت له على تصنيف صنفه في نفي الجهة رداً على ابن تيمية» وبما أنّ الرسالة مفصّلة نكتفي في المقام بذكر مقدمتها. يقول: «أمّا بعد فالذي دعا إلى تصدير هذه النبذة. ما وقع في هذه المدة، مما علّقه بعضهم في إثبات الجهة واغترّ بها من لم يرسخ له في التعليم قدم، ولم يتعلّق بأذيال المعرفة، ولا كبحة لجام الفهم ولا استبصر بنور الحكمة فاحببت أن أذكر عقيدة أهل السنة وأهل الجماعة ثم أُبيّن فساد ما ذكره، مع أنّه لم يدّع دعوى إلاّ نقضها ولا أطّد قاعدة إلاّ هدمها»(2) .

3- قاضي القضاة كمال الدين الزملكاني (667 ـ 733 هـ)

عرّفه السبكي بقوله: «الإمام العلاّمة المناظر، ولد في شوال سنة 667 هـ ودرس بالشامية البرانية ـ إلى أن قال ـ : ثم ولي قضاء حلب، وصنفّ الرد على ابن تيمية في مسألتي الطلاق والزيارة(3) .

4- الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي (ت 748 هـ)

ترجمه في «تذكرة الحفاظ» غير أنّه لم يذكر مما ردّ عليه بشيء، وهذا عجيب من الحافظ الذهبي، ولكنّه نصحه في رسالة بعثها إليه ويذكر ما فيه ويقول:

«الحمدللّه على ذلّتي، يا ربّ ارحمني، وأقلني عثرتي، واحفظ علىّ


1. طبقات الشافعية الكبرى ج 9 ص 162 ـ 164 .
2. تاج الدين، أبونصر، عبدالوهاب بن علي بن عبدالكافي السبكي (ت 727 ـ م 771) طبقات الشافعية الكبرى ج 9 ص 34 ـ 35) .
3. طبقات الشافعية الكبرى ج 9 ص 190 ـ 191.


(39)

إيماني، واحزناه على قلة حزني، واأسفاه على السنة وذهاب أهلها، واشوقاه إلى إخوان مؤمنين يعاونوني على البكاء، واحزناه على فقد أُناس كانوا مصابيح العلم وأهل التقوى وكنوز الخيرات، آه على وجود درهم حلال وأخ مؤنس، طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وتبّاً لمن شغله عيوب الناس عن عيبه.

إلى كم ترى القذاة في عين أخيك وتنسى الجذع في عينك؟ إلى كم تمدح نفسك وشقاشقك وعباراتك وتذمّ العلماء وتتبع عورات الناس؟ مع علمك بنهي الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ

[ وآله

]: «لا تذكروا موتاكم إلاّ بخير، فإنّهم قد أفضوا إلى ما قدموا» بل اعرف أنّك تقول لي لتنصر نفسك: إنّما الوقيعة في هؤلاء الذين ما شمّوا رائحة الإسلام، ولا عرفوا ما جاء به محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ

[ وآله

]وهو جهاد، بلى واللّه عرفوا أخيراً كثيراً مما إذا عمل به العبد فقد فاز، وجهلوا شيئاً كثيراً مما لا يعنيهم، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، يا رجل! باللّه عليك كفّ عنّا، فإنّك محجاج عليم اللسان لا تقر ولا تنام، إياكم والغلوطات في الدين، كره نبيك ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ

[ وآله

] المسائل وعابها، ونهى عن كثرة السؤال وقال: «إنّ أخوف ما أخاف على أُمّتي كل منافق عليم اللسان» وكثرة الكلام بغير زلل، تقسي القلب إذا كان في الحلال والحرام، فكيف إذا كان في عبارات اليونسية والفلاسفة وتلك الكفريات الّتي تعمي القلوب، واللّه قد صرنا ضحكة في الوجود، فإلى كم تنبش دقائق الكفريات الفلسفية؟.

لنرد عليها بعقولنا، يا رجل! قد بلعت «سموم» الفلاسفة وتصنيفاتهم مرات، وكثرة استعمال السموم يدمن عليه الجسم، وتكمن واللّه في البدن، واشوقاه إلى مجلس فيه تلاوة بتدبّر وخشية بتذكّر وصمت بتفكّر. واهاً لمجلس يذكر فيه الأبرار، فعند ذكر الصالحين تنزل الرحمة، بل عند ذكر الصالحين يذكرون بالازدراء واللعنة، كان سيف الحجاج ولسان ابن حزم شقيقين فواخيتهما، باللّه خلّونا من ذكر بدعة الخميس وأكل الحبوب، وجدّوا في ذكر بدع كنّا نعدّها من أساس الضلال، قد صارت هي محض السنة وأساس


(40)

التوحيد، ومن لم يعرفها فهو كافر أو حمار، ومن لم يكفر فهو أكفر من فرعون، وتعدّ النصارى مثلنا، واللّه في القلوب شكوك، إن سلم لك إيمانك بالشهادتين فأنت سعيد، يا خيبة من اتّبعك فإنّه معرض للزندقة والانحلال، لاسيما إذا كان قليل العلم والدين باطولياً شهوانياً، لكنّه ينفعك ويجاهد عنك بيده ولسانه، وفي الباطن عدوّ لك بحاله وقلبه .

فهل معظم أتباعك إلاّ قعيد مربوط خفيف العقل؟ أو عامي كذّاب بليد الذهن، أو غريب واجم قوي المكر؟ أو ناشف صالح عديم الفهم؟ فإن لم تصدقني ففتشهم وزنهم بالعدل، يا مسلم اقدم حمار شهوتك لمدح نفسك، إلى كم تصادقها وتعادي الأخيار؟ إلى كم تصادقها وتزدري الأبرار؟ إلى كم تعظمها وتصغر العباد؟ إلى متى تخاللها وتمقت الزهاد؟ إلى متى تمدح كلامك بكيفية لا تمدح ـ واللّه ـ بها أحاديث الصحيحين؟ يا ليت أحاديث الصحيحين تسلم منك .

بل في كل وقت تغير عليها بالتضعيف و الإهدار، أو بالتأويل والإنكار، أما آن لك أن ترعوي؟ أما حان لك أن تتوب وتنيب؟ أما أنت في عشر السبعين وقد قرب الرحيل؟ بلى ـ واللّه ـ ما أذكر أنّك تذكر الموت، بل تزدري بمن يذكر الموت. فما أظنك تقبل علي قولي ولا تصغي إلى وعظي، بل لك همة كبيرة في نقض هذه الورقة بمجلدات، وتقطع لي أذناب الكلام، ولا تزال تنتصر حتّى أقول البتة سكت، فإذا كان هذا حالك عندي وأنا الشفوق المحب الواد، فكيف حالك عند أعدائك؟ وأعداؤك ـ واللّه ـ فيهم صلحاء وعقلاء وفضلاء، عما أنّ أولياءك فيهم فجزة وكذبة وجهلة وبطلة وعور وبقر، قد رضيت منك بأن تسبني علانية، وتنتفع بمقالتي سراً، فرحم اللّه امرأً أهدى إلىّ عيوبي، فإنّي كثير العيوب، غزير الذنوب، الويل لي إن أنا لا أتوب، وافضيحتي من علاّم الغيوب! ودوائي عفو اللّه ومسامحته وتوفيقه وهدايته، والحمد للّه ربّ العالمين، وصلّى اللّه على سيدنا محمّد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين». (1)


1 . تكملة السيف الصقيل، للمحقّق المعاصر الكوثري، ص 190 ـ 192 كتبه من خط ابن قاضي: شهبة، منقولا من خط قاضي القضاة برهان الدين بن جماعة وكتبه، هو من خط الشيخ الحافظ أبي سعيد العلائي المنسوخ من خط الذهبي، وجاء شطر منه في «فرقان القرآن» تأليف الشيخ سلامة القضاعي العزامي الشافعي في مقدمة كتاب «الأسماء والصفات» للبيهقي ص 129. وقد طبعت صورة خط ابن قاضي شهبة في تكملة السيف الصقيل ص 187 ـ 189.

(41)

5- الشيخ الإمام صدر الدين المرحل (ت حوالي 750 هـ)

عرّفه السبكي بقوله: «كان إماماً كبيراً، بارعاً في المذهب والأصلين، يضرب المثل باسمه، فارساً في البحث، نظاراً مفرط الذكاء، عجيب الحافظة ـ إلى أن قال ـ : وله مع ابن تيمية، المناظرات الحسنة، وبها حصل عليه التعصّب من أتباع ابن تيمية، قيل فيه ما هو بعيد عنه، وكثر القائل فارتاب العاقل، وكان الوالد يعظّم الشيخ صدر الدين ويحبّه، ويثني عليه بالعلم وحسن العقيدة ومعرفة الكلام على مذهب الأشعري (1) .

6- الحافظ علي بن عبدالكافي السبكي (ت 756 هـ)

ترجمهُ ولده في طبقات الشافعية، وهو أحد من ردّ على ابن تيمية، وألّف فيه كتاباً أسماه «شفاء السقام في زيارة خير الأنام عليه الصلاة والسلام» وربما سمي «شنّ الغارة على من أنكر السفر للزيارة»(2) وهو يعرّف والده ويقول: «إمام ناضح عن رسول اللّه بنضاله، وجاهد بجداله، حمى جناب النبوة الشريف، بقيامه في نصره، وتسديد سهامه للذب عنه من كنانة مصره... إلى أن قال: قام حين خلط على ابن تيمية الأمر، وسول له قرينه الخوض في ضحضاح ذلك الجمر، حين سد باب الوسيلة وأنكر شدّ الرجال لمجرّد الزيارة، وما برح يدلج ويسير حتى نصر صاحب ذلك الحمى الّذي لا ينتهك، وقد كادت تذود عنه قسراً صدور الركائب. وتجر قهراً أعنة القلوب بتلك الشبهة الّتي كادت شرارتها تعلق بحداد الأوهام... كيف يزار المسجد ويخفى صاحبه، أو يخفيه الإبهام؟ ولولاه ـ عليه السلام ـ لما عرف تفضيل ذلك المسجد، ولولاه لما قدّس الوالي، ولا أسس على التقوى مسجد في ذلك النادي


1. طبقات الشافعية الكبرى ج 9 ص 253 .
2. طبقات الشافعية ج 10 ص 308 .


(42)

شكر اللّه له، قام في لزوم ما انعقد عليه الإجماع»(1) .

وكان لهذا الكتاب دوي في ذاك العصر، حيث جابه السبكي ضوضاء الباطل بكتابه الهادي، وصار مدار الدراسة والقراءة، وهذا هو الشيخ صلاح الدين الصفدي قرأ الكتاب على المؤلف، يقول السبكي (ولد المؤلف): قرأ علي الشيخ الإمام (المراد تقي الدين السبكي) ـ رحمه الله ـ جميع كتاب «شفاء السقام في زيارة خير الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام»(2) .

وقال أيضاً في خطبة كتابه «الدرة المضيئة في الرد على ابن تيمية» ما هذا لفظه: «أمّا بعد فإنّه لما أحدث ابن تيمية ما أحدث في أُصول العقائد، ونقض من دعائم الإسلام الأركان والمعاقد، بعد أن كان مستتراً بتبعية الكتاب والسنّة، مظهراً أنّه داع إلى الحق، هاد إلى الجنة، فخرج عن الإتباع إلى الإبتداع، وشذ عن جماعة المسلمين بمخالفة الإجماع، وقال بما يقتضي الجسمية والتركيب في الذات المقدسة، وإنّ الإفتقار إلى الجزء ليس بمحال، وقال بحلول الحوادث بذات اللّه تعالى، وإنّ القرآن محدث تكلم اللّه به بعد أن لم يكن، وإنّه يتكلم ويسكت، ويحدث في ذاته الإرادات بحسب المخلوقات، وتعدّى في ذلك إلى استلزام قدم العالم، والتزم بالقول بأنّه لا أوّل للمخلوقات فقال بحوادث لا أوّل لها، فأثبت الصفة القديمة حادثة، والمخلوق الحادث قديماً، ولم يجمع أحد هذين القولين في ملة من الملل، ولا نحلة من النحل، فلم يدخل في فرقة من الفرق الثلاث والسبعين الّتي افترقت عليها الأُمّة، ولا وقفت به مع أُمّة من الأُمم همة. وكل ذلك و إن كان كفراً شنيعاً، لكنّه تقل حملته بالنسبة إلى ما أحدث في الفروع.

ثم إنّ السبكي لما وقف على كتاب «منهاج السنة» في الرد على «منهاج الكرامة» للعلامة الحلي، أنشأ قصيدة، ومما جاء فيها ناقداً لابن تيمية قوله:


1. طبقات الشافعية ج 10 ص 149 ـ 150 وللكلام صلة .
2. المصدر نفسه، ص 5 .


(43)

ولابن تيمية رد عليه وفي * بمقصد الرد واستيفاء أضربه

لكنّه خلط الحق المبين بما * يشوبه كدراً في صفو مشربه

يرى حوادث لا مبدا لأولها * في اللّه سبحانه عما يظن به

لو كان حياً يرى قولي ويفهمه * رددت ما قال أقفو اثر سبسبه

كما رددت عليه بالطلاق وفي * ترك الزيارة ردّاً غير مشتبه (1)

إنّ الشيخ الذهبي من الحنابلة الذين يتعصّبون للمذهب الحنبلي، ومع ذلك نرى أنّه يصف تقي الدين السبكي الّذي ولي مشيخة دار الحديث وخطابة الجامع الأموي بدمشق بقوله:

لِيَهْنَ المنبرُ الأموىُّ لما * علاه الحاكمُ البحر التقىُّ

شيوخ العصر أحفظهم جميعاً * وأخطبهم «وأقضاهم علىُّ»

فإذا كان هذا مقام السبكي عند الذهبي، فليكن حجة على الحنابلة ممن يبغض السبكي لنقده نظرية ابن تيمية في الزيارة وغيرها(2) .

7- محمد بن شاكر الكتبي (ت 764 هـ)

قال في «فوات الوفيات» في ترجمته: «إنّه ألّف رسالة في فضل معاوية، وفي أنّ ابنه يزيد لا يسب»(3) .

هذه الرسالة تعرب عن نزعته الأموية، ويكفي القول في الوالد والوالد: «ووالد وما ولد» أنّه بدّل الحكومة الإسلامية إلى الملكية الوراثية، ودعا عباد اللّه إلى ابنه يزيد، المتكبّر، الخميّر، صاحب الديوك والفهود والقرود، وأخذ البيعة له على خيار المسلمين بالقهر والسطوة والتوعيد والإخافة والتهديد والرهبة، وهو يطلع على خبثه ورهقه، ويعاين سكره وفجوره، ولما استتبٌ

الأمر ليزيد، أوقع بأهل الحرة الوقيعة الّتي لم يكن في الإسلام أشنع منها ولا أفحش، وظن أنّه قد انتقم من أولياء اللّه فقال مجاهراً بكفره:


1. المصدر نفسه ج 10 ص 186 وتوفي السبكي تقي الدين والد تاج الدين عام (756 هـ)وتوفي الولد عام (771 هـ) .
2. فرقان القرآن ص 129 .
3. فوات الوفيات ج 1 ص 77 .


(44)

لعبت هاشم بالملك فلا * خبر جاء ولا وحي نزل

وهذا هو المروق من الدين، وقول من لا يرجع إلى اللّه ولا إلى دينه ولا إلى كتابه ولا إلى رسوله، ثم من أغلظ ما انتهك وأعظم مااخترم سفكه دم الحسين بن علىّ، بن فاطمة بنت رسول اللّه، مع موقعه من رسول اللّه ومكانه منه، ومنزلته من الدين والفضل، وشهادة رسول اللّه له ولأخيه بسيادة شباب أهل الجنة، اجتراءً على اللّه، وكفراً بدينه، وعداوة لرسوله، ومجاهدة لعترته، واستهانة بحرمته، فكأنّما يقتل به وبأهل بيته، قوماً من الكفار(1) .

8- أبو محمد المعروف باليافعي (ت 768 هـ)

قال في كتابه «مرآة الجنان» في ترجمة ابن تيمية: «مات بقلعة دمشق الشيخ الحافظ الكبير تقي الدين أحمد بن تيمية معتقلا، ومنع قبل وفاته بخمسة أشهر عن الدواة والورق، وسمع من جماعة وله مسائل غريبة ـ أنكر عليها وحبس بسببها ـ مباينة لمذهب أهل السنة، ومن أقبحها نهيه عن زيارة النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ وطعنه مشايخ الصوفية، وكذلك ما قد عرف من مذهبه كمسألة الطلاق وغيرها، وكذلك عقيدته في الجهة، وما نقل فيها من الأقوال الباطلة، وغير ذلك ما هو معروف من مذهبه، ولقد رأيت مناماً في وقت مبارك يتعلّق بعضه بعقيدته، ويدل على خطئه فيها، وقد قدمت ذكره في حوادث سنة 558 هـ في ترجمة صاحب «البيان» .

وقال: كان ابن تيمية يقول: قوله: «إنّ اللّه على العرش استوى»، استواء حقيقة، وإنّه يتكلّم بحرف وصوت، وقد نودي في دمشق وغيرها: من كان على عقيدة ابن تيمية حل ماله ودمه! (2) وقال في حوادث سنة 728 هـ : وله


1. مأخوذ من كتاب (المعتضد) الّذي تلي على رؤوس الأشهاد في أيامه. نقله الطبري في تاريخه ج 11 ص 77 .
2. مرآة الجنان ج 4 ص 277، في حوادث سنة 728 هـ وص 240 .


(45)

مسائل غريبة أنكر عليها وحبس بسببها مباينة لمذهب (أهل السنة) ثم (عدّ له) قبائح، قال: ومن أقبحها نهيه عن زيارة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .

9- أبوبكر الحصني الدمشقي (ت 829 هـ)

يقول: «فاعلم أنّي نظرت في كلام هذا الخبيث الّذي في قلبه مرض الزيغ، المتتبّع ما تشابه من الكتاب والسنّة ابتغاء الفتنة، وتبعه على ذلك خلق من العوام وغيرهم ممن أراد اللّه عزّوجلّ إهلاكه، فوجدت فيه ما لا أقدر على النطق به، ولا لي أنامل تطاوعني على رسمه وتسطيره، لما فيه من تكذيب ربّ العالمين، في تنزيهه لنفسه في كتابه المبين، وكذا الازدراء بأصفيائه، المنتخبين وخلفائهم الراشدين، واتباعهم الموفقين، فعدلت عن ذلك إلى ذكر ما ذكره الأئمّة المتّقون، وما اتّفقوا عليه من تبعيده وإخراجه ببغضه من الدين(1) .

10- شيخ الإسلام، شهاب الدين، أحمد بن حجر، العسقلاني (ت 852 هـ)

ترجمه ابن حجر في كتابه «الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة» وذكر حياته على وجه التفصيل وقال: «وأول ما أنكروا عليه من مقالاته في شهر ربيع الأول سنة 698 هـ قام عليه جماعة من الفقهاء بسبب الفتوى الحموية، وبحثوا معه، ومنع من الكلام» ثم ذكر معتقلاته وسجونه إلى أن أدركته المنيّة بما لا حاجة إلى ذكره، ونقتبس مما ذكره الجمل التالية:

أ ـ يقول: «حكم المالكي بحبسه فأُقيم من المجلس وحبس في برج، ثم بلغ المالكي أنّ الناس يترددون عليه، فقال: يجب التضييق عليه إن لم يقتل، وإلاّ فقد ثبت كفره، فنقلوه ليلة عيد الفطر إلى الجب، وعاد القاضي الشافعي إلى ولايته، ونودي بدمشق: من اعتقد عقيدة ابن تيمية حل دمه وماله، خصوصاً الحنابلة، وقرأ المرسوم وقرأها ابن الشهاب محمود في الجامع، ثم جمعوا الحنابلة من


1. دفع شبهة من شبّه وتمرّد، ص 216، طبع بمصر عام 1350 هـ .


(46)

الصالحية وغيرها وأشهدوا على أنفسهم أنّهم على معتقد الإمام الشافعي» .

ب ـ نقل عن جمال الدين السرمري أنّه قال: وكان ابن تيمية يتكلم على المنبر على طريقة المفسرين مع الفقه والحديث، فيورد في ساعة من الكتاب والسنة واللغة والنظر ما لا يقدر أحد على أن يورده في عدة مجالس: «... ومن ثم نصب أصحابه إلى الغلوّ فيه، واقتضى ذلك العجب بنفسه حتّى زها على أبناء جنسه، واستشعر أنّه مجتهد يرد على صغير العلماء وكبيرهم، قديمهم وحديثهم، حتى انتهى إلى عمر فخطأه في شيء، وقال في حق علي: أخطأ في سبعة عشر شيئاً، ثم خالف فيها، وكان لتعصبه لمذهب الحنابلة يقع في الأشاعرة، حتّى أنّه سب الغزالي،.. فعظم ذلك على الشيخ نصر المنبجي، وأعانه عليه قوم آخرون ضبطوا عليه كلمات في العقائد المثيرة وقعت منه في مواعيده وفتاواه، فذكروا أنّه ذكر حديث النزول، فنزل عن المنبر درجتين فقال: كنزولي هذا(1) ، فنسب إلى التجسيم، وردّه على من توسّل بالنبي، فأشخص من دمشق في رمضان سنة (705 هـ) .

ثم يقول: إنّه اختلف الناس بعد إخراجه عن بعض معتقلاته، فمنهم من نسبه إلى التجسيم، لما ذكر في العقيدة الحموية والواسطية وغيرهما من ذلك، كقوله إنّ اليد والقدم والساق والوجه صفات حقيقية للّه، وإنّه مستو على العرش بذاته، فقيل له يلزم من ذلك التحيّز والإنقسام، ومنهم من أنكر كون التحيّز والانقسام من خواص الأجسام (2) .

ومنهم من ينسبه إلى الزندقة، لقوله: إنّ النبي لا يستغاث به، وإنّ في ذلك تنقيصاً ومنعاً من تعظيم النبي، ومنهم من ينسبه إلى النفاق لقوله في علىّ


1. سيوافيك نص ابن بطوطة السياح المعروف في ذلك، وأنه سمعه بأذنه ورآه بعينه، فانتظر .
2. اقرأ واضحك على عقلية القائل .


(47)

ماتقدم، ولقوله إنّه كان مخذولا حيثما توجّه، وإنّه حاول الخلافة مراراً فلم ينلها، إنّما قاتل للرئاسة لا للديانة، ولقوله إنّه كان يحب الرئاسة، وإنّ عثمان كان يحبّ المال، ولقوله أبوبكر أسلم شيخاً يدري ما يقول، وعلىّ أسلم صبياً والصبي لا يصحّ إسلامه على قول(1) .

11- جمال الدين يوسف بن تغري الأتابكي (812 ـ 874 هـ)

وقد ترجمه جمال الدين في كتابه: «المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي» ومما جاء فيه: قال القاضي كمال الدين الزملكاني: «ثم جرت له محن في مسألة الطلاق الثلاث، وشدّ الرحال إلى قبور الأنبياء والصالحين، وحبّب للناس القيام عليه، وحبس مرات في القاهرة والإسكندرية ودمشق، وعقد له مجالس بالقاهرة ودمشق، إلى أن ورد مرسوم شريف من السلطان في شعبان سنة (726 هـ) بأن يجعل في قلعة دمشق، فاقام فيها مدة مشغولا بالتصنيف، ثم بعد مدة منع من الكتابة والمطالعة، وأخرجوا ما كان عنده من الكتب، ولم يتركوا عنده دواتاً [ دواةً ]ولا قلماً ولا ورقة.

ومما وقع له قبل حبسه أنّه ناظر بعض الفقهاء، وكتب محضراً، فإنّه قال. أنا أشعري ثم أخذ خطه بما نصه:

أنا أعتقد أنّ القرآن معنى قائم بذات اللّه، وهو صفة من صفات ذاته القديمة، وهو غير مخلوق، وليس بحرف ولا صوت، وأنّ قوله تعالى (الرحمن على العرش استوى) ليس على ظاهره، ولا أعلم كنه المراد به، بل لا يعلمه إلاّ اللّه، والقول في النزول كالقول في الاستواء، وكتبه أحمد بن تيمية، ثم أشهدوا عليه جماعة أنّه تاب مما ينافي ذلك مختاراً، وشهد عليه بذلك جمع من العلماء وغيرهم»(2) .


1. الدرر الكامنة ج 1 ص 154 ـ 165 .
2. «المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي» ج 1 ص 336 ـ 340، والزملكاني هو كمال الدين محمد بن علي بن عبد الواحد الشافعي، ولد سنة (667 هـ) وتوفي سنة (733 هـ) .


(48)

وترجمه أيضاً في كتابه الآخر: «النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة» بنفس النص الوارد في «المنهل الصافي»(1) .

12- شهاب الدين، ابن حجر، الهيثمي (ت 973 هـ)

قال في ترجمة ابن تيمية: «ابن تيمية عبد خذله اللّه، وأضلّه وأعماه وأصمّه وأذلّه، بذلك صرّح الأئمة الذين بيّنوا فساد أحواله وكذب أقواله، ومن أراد ذلك فعليه بمطالعة كلام الإمام المجتهد المتفق على إمامته وجلالته وبلوغه مرتبة الاجتهاد، أبي الحسن السبكي وولده التاج والشيخ الإمام العزّ بن جماعة، وأهل عصرهم وغيرهم من الشافعية والمالكية والحنفيةولم يقصر اعتراضه على متأخّري السلف الصوفية، بل اعترض على مثل عمر بن الخطاب وعلىّ بن ابي طالب رضي الله عنهما.

والحاصل أنّه لا يقام لكلامه وزن، بل يرمى في كل وعر وحزن ويعتقد فيه أنّه مبتدع، ضالّ، مضلّ، غال، عامله اللّه بعدله، وأجارنا من مثل طريقته وعقيدته وفعله. آمين! إلى أن قال: إنّه قائل بالجهة، وله في إثباتها جزء، ويلزم أهل هذا المذهب الجسمية والمحاذاة والاستقرار. أي فلعلّه بعض الأحيان كان يصرّح بتلك اللوازم فنسبت إليه، وممن نسب إليه ذلك من أئمة الإسلام المتفق على جلالته وإمامته وديانته، وإنّه الثقة العدل المرتضى المحقق المدقق، فلا يقول شيئاً إلاّ عن تثبت، وتحقق، ومزيد احتياط، و تحر، لا سيما إن نسب إلى مسلم ما يقتضي كفره، وردّته، وضلاله، وإهدار دمه»(2) .

وقال أيضاً في كتابه: «الجوهر المنظم في زيارة القبر الشريف النبوي المكرم»: «فإن قلت: كيف تحكي الإجماع السابق على مشروعية الزيارة والسفر إليها وطلبها، وابن تيمية من متأخري الحنابلة منكر لمشروعية ذلك كله، كما


1. «النجوم الزاهرة...» ج 2 ص 279 .
2. الفتاوى الحديثية، ص 86. ونقله العلامة الشيخ محمد بخيت (م 1354 هـ ) في كتابه «تطهير الفؤاد» ص 9 ط مصر.


(49)

رآه السبكي في خطه، واطال ابن تيمية في الاستدلال بذلك بما تمجّه الأسماع وتنفر منه الطباع، بل زعم حرمة السفر لها إجماعاً، وأنّه لا تقصر فيه الصلاة، وأنّ جميع الأحاديث الواردة فيها موضوعة، وتبعه بعض من تأخّر عنه من أهل مذهبه! .

قلت: من هو ابن تيمية حتّى ينظر إليه؟ أو يعوّل في شيء من أُمور الدين عليه؟ وهل هو إلاّ كما قال جماعة من الأئمة الذين تعقّبوا كلماته الفاسدة، و حججه الكاسدة، حتّى أظهروا عوار سقطاته، وقبائح أوهامه وغلطاته، كالعز بن جماعة: عبد أذلّه اللّه وأغواه، وألبسه رداء الخزي وبوّأَهُ من قوة الإفتراء والكذب ما أعقبه الهوان، وأوجب له الحرمان...»(1) .

13- ملاّ علي القارىء الحنفي (ت 1016 هـ)

وقال ملاّ علي القارىء الحنفي في شرحه على الشفاء(2): «وقد أفرط ابن تيمية من الحنابلة حيث حرم السفر لزيارة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ كما أفرط غيره حيث قال: كون الزيارة قربة معلوم من الدين بالضرورة. وجاحده محكومع ليه بالكفر، ولعلّ الثاني أقرب إلى الصواب، لأنّ تحريم ما أجمع العلماء فيه على الاستحباب يكون كفراً، لأنّه فوق تحريم المباح المتفق عليه في هذا الباب» .

14- أبو العباس أحمد بن محمد المكناسي، الشهير بابن القاضي (960 ـ 1025 هـ)

وقد ترجمه ابن القاضي في ذيل وفيات الأعيان المسمى بـ «درة الحجال في أسماء الرجال» قال: «أحمد بن عبد الحليم مفتي الشام ومحدّثه وحافظه، وكان يرتكب شواذ الفتاوى، ويزعم أنّه مجتهد»(3) .


1. فرقان القرآن، ص 132 ـ طبع في مقدمة كتاب الأسماء والصفات للبيهقي .
2. «درة الحجال في أسماء الرجال» ج 1 ص 30 .
3. تأليف الحافظ أبي الفضل عياض بن موسى القاضي (ت 544 هـ) وأسماه: «الشفا في تعريف حقوق المصطفى» وله شروح كثيرة ذكره الكاتب الحلبي في كتابه .


(50)

15- النبهاني (ت 1350 هـ)

قال النبهاني في تأليفه «شواهد الحق» بعد نقل أسماء عدة من الطاعنين به: «فقد ثبت وتحقّق وظهر ظهور الشمس في رابعة النهار أنّ علماء المذاهب الأربعة قد اتّفقوا على ردّ بدع ابن تيمية، ومنهم من طعنوا بصحة نقله، كما طعنوا بكمال عقله، فضلا عن شدة تشنيعهم عليه في خطئه الفاحش في تلك المسائل الّتي شذّ بها في الدين، وخالف بها إجماع المسلمين، ولا سيما فيما يتعلّق بسيّد المرسلين ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ » .

16- المحقق الشيخ محمد الكوثري المصري (ت 1371 هـ)

إنّ الشيخ الكوثري هو أكثر الناس تتبّعاً لمكامن حياة ابن تيمية، وقد شهره وفضحه، بنشر كتاب «السيف الصقيل» للسبكي وجعل له تكملة، نشرهما، معاً فمن وقف على هذا الكتاب وما ذيّل به، لعرف مواقع الرجل، وإليك كلمة من الكوثري في حق الحشوية، يقول في تقديمه لكتاب «الأسماء والصفات» للحافظ البيهقي ـ بعد ما يسرد أسماء عدة من كتب الحشوية كالاستقامة لخشيش بن أصرم، والسنة لعبد اللّه بن أحمد «والنقض» لعثمان بن سعيد الدارمي السجزي المجسم ـ : «إنّ السجزي أول من اجترأ بالقول «إنّ اللّه لو شاء لا ستقرّ على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته، فكيف على عرش عظيم» وتابعه الشيخ ابن تيمية الحراني في ذلك، كما تجد نص كلامه في «غوث العباد» المطبوع سنة 1351 بمطبعة الحلبي» (1) .

وقال ايضاً في مقدمته على السيف الصقيل:

جزى اللّه علماء أُصول الدين عن الإسلام خيراً، فإنّ لهم فضلا جسيماً في صيانة عقائد المسلمين بادلّة ناهضة مدى القرون، أمام كل فرقة زائفة ـ إلى أن قال ـ :

ومن طالع من ألّفه بعض الرواة على طول القرون من كتب في التوحيد


1. مقدمة الأسماء والصفات للبيهقي، ص «ب» .


(51)

والصفات والسنة، والردود على أهل النظر، يشكر اللّه سبحانه على النور الّذي افاضه على عقله، حتّى نبذ مثل تلك الطامات بأول نظرة.

وقد استمرّت فتن المخدوعين من الرواة على طول القرون مجلبة لسخط اللّه تعالى، ولاستسخاف العقلاء، من غير أن يخطر ببال عاقل أن يناضل عن سخافات هؤلاء، إلى أن نبغ في أواخر القرن السابع بدمشق، حرّاني تجرّد للدعوة إلى مذهب هؤلاء الحشوية السخفاء، متظاهراً بالجمع بين العقل والنقل على حسب فهمه من الكتب، بدون أُستاذ يرشده في مواطن الزلل، وحاشا العقل الناهض والنقل الصحيح أن يتضافرا في الدفاع عن تحريف السخفاء إلاّ إذا كان العقل عقل صابئي والنقل نقل صبي، وكم انخدع بخزعبلاته أُناس ليسوا من التأهّل للجمع بين الرواية والدارية في شيء، وله مع خلطائه هؤلاء، موقف في يوم القيامة لا يغبط عليه.

ومن درس حياته يجدها كلها فتناً لا يثيرها حافظ بعقله، غير مصاب في دينه، وأنّى يوجد نصّ صريح منقول أو برهان صحيح معقول يثبت الجهة والحركة والثقل والمكان ونحوها للّه سبحانه؟ .

وكل ما في الرجل أنّه كان له لسان طلق، وقلم سيال، وحافطة جيدة، قلّب ـ بنفسه بدون أُستاذ رشيد ـ صفحات كتب كثيرة جداً من كتب النحل الّتي كانت دمشق امتلأت بها بواسطة الجوافل من استيلاء المغول على بلاد الشرق، فاغترّبما فهمه من تلك الكتب من الوساوس والهواجس، حتى طمحت نفسه إلى أن تكون قدوة في المعتقد والأحكام العملية، ففاه في القبيلين بما لم يفه به أحد من العالمين، مما هو وصمة عار وأمارة مروق في نظر الناظرين، فانفضّ من حوله أُناس كانوا تعجّلوا في إطرائه ـ بادىء بدء ـ قبل تجريبه، وتخلّوا عنه واحداً إثر واحد على تعاب فتنة المدونة في كتب التاريخ،ولم يبقَ(1) معه إلاّ أهل مذهبه في الحشو من جهلة المقلدة، ومن ظن أن علماء


1. وقال في التعليق: وثناء بعض المتأخرين عليه لم يكن إلا عن جهل بمضلات الفتن في كلامه، ووجوه الزيغ في مؤلفاته، ومنهم من ظن أنه دام على توبته بعد ما استتيب فدام على الثناء، ولا حجة في مثل تلك الأثنية، وأقواله الماثلة أمامنا في كتبه لا يؤيدها إلاّ غاو غوى، نسأل اللّه السلامة .


(52)

عصره صاروا كلهم إلباً واحداً ضدّه حسداً من عند أنفسهم، فَلْيَتّهم عقله وإدراكه قبل اتّهام الآخرين، بعد أن درس مبلغ بشاعة شواذه في الاعتقاد والعمل، وهو لم يزل يستتاب استتابة إثر استتابة، وينقل من سجن إلى سجن إلى أن افضى إلى ما عمل وهو مسجون فقير، هو وأهواؤه في البابين، بموته وبردود العلماء عليه، وماهي ببعيدة عن متناول رواد الحقائق .

كلامه في حق تلميذه ابن القيم

وكان ابن زفيل الزرعي المعروف بابن القيم يسايره في شواذه حياً وميتاً، ويقلده فيها تقليداً أعمى في الحق والباطل، وإن كان يتظاهر بمظهر الاستدلال، لكن لم يكن استدلاله المصطنع سوى ترديد منه لتشغيب قدوته، دائباً على إذاعة شواذ شيخه، متوخياً ـ في غالب مؤلفاته ـ تلطيف لهجة أُستاذه في تلك الشواذ لتنطلي وتنفق على الضعفاء، وعمله كله التلبيس والمخادعة والنضال عن تلك الأهواء المخزية، حتى أفنى عمره بالدندنة حول مفردات الشيخ الحراني .

تراه يثرثرفي كل واد ويخطب بكل ناد، بكلام لا محصل له عند أهل التحصيل، ولم يكن له حظ من المعقول، وإن كان كثير السرد لآراء أهل النظر، ويظهر مبلغ تهافته لمن طالع شفاء العليل له بتبصّر، ونونيته(1) و عَزَوْه من الدلائل على أنّه لم يكن ممن له علم بالرجال ولا بنقد الحديث، حيث أثنى فيهما على أُناس هلكى، واستدل فيهما باخبار غير صحيحة على صفات اللّه سبحانه.

وقد ذكره الذهبي في المعجم المختص بما فيه عبرة، ولم يترجم له الحسيني


1. وهي قصيدته البالغة خمسة آلاف بيت في العقائد، وهي الّتي رد عليها السبكي بتاليف كتاب السيف الصقيل، وأكمله محمد الكوثري وأسماه تكملة السيف الصقيل، وها نحن ننقل هاتيك العبارات منها.


(53)

ولا ابن فهد ولا السيوطي في عداد الحفاظ في ذيولهم على طبقات الحفاظ، وما يقع من القارىء بموقع الأعجاب من أبحاثه الحديثية في زاد المعاد وغيره، فمختزل مأخوذ مما عنده عن كتب قيّمة لأهل العلم بالحديث، كـ «المورد الهني في شرح سير عبدالغني» للقطب الحلبي ونحوه .

ولو لا محلى ابن حزم «وأحكامه» و «مصنف» ابن أبي شيبه «وتمهيد» ابن عبدالبر لما تمكن من مغالطاته وتهويلاته في «أعلام الموقعين» .

وكم استتيب وعذر مع شيخه وبعده على مخاز في الاعتقاد والعمل، تستبين منها ما ينطوي عليه من المضي على صنوف الزيغ تقليداً لشيخه الزائغ، وسيلقى جزاء عمله هذا في الآخرة ـ إن لم يكن ختم له بالتوبة والأمانة ـ كما لقي بعض ذلك في الدنيا .

كلام الحافظ الذهبي وغيره في حق ابن القيم

قال الذهبي في المعجم المختص عن ابن القيم هذا: «عني بالحديث بمتونه وبعض رجاله وكان يشتغل في الفقه ويجيد تقريره، وفي النحو ويدريه، وفي الأصلين. وقد حبس مدة لإنكاره على شد الرحل لزيارة قبر الخليل (إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ ) ثم تصدر للاشتغال ونشر العلم، لكنّه معجب برأيه جريء على الأُمور .

قال ابن حجر في الدرر الكامنة: «غلب عليه حب ابن تيمية حتّى كان لا يخرج عن شيء من أقواله، بل ينتصر له في جميع ذلك، وهو الّذي هذب كتبه ونشر علمه... واعتقل مع ابن تيمية بالقلة، بعد أن أُهين وطيف به على جمل مضروباً بالدرة، فلما مات أُفرج عنه، وامتحن مرة أُخرى بسبب فتاوى ابن تيمية، وكان ينال من علماء عصره وينالون منه».

قال ابن كثير: «كان يقصد للإفتاء بمسألة الطلاق، حتى جرت له بسببها أُمور يطول بسطها مع ابن السبكي وغيره... وكان جماعاً للكتب فحصّل منها ما لا يحصر، حتى كان أولاده يبيعون منها بعد موته دهراً طويلا سوى ما اصطفوه منها لأنفسهم.. وهو طويل النفس في مصنفاته، يتعانى


(54)

الإيضاح جهده، فيسهب جداً، ومعظمها من كلام شيخه بتصرف في ذلك، وله في ذلك ملكة قوية، ولا يزال يدندن حول مفرداته وينصرها ويحتج لها.. وجرت له محن مع القضاة، منها في ربيع الأول طلبه السبكي بسبب فتواه بجواز المسابقة بغير محلل فأنكر عليه، وآل الأمر إلى أنّه رجع عما كان يفتي به من ذلك» .

كلام ابن الحصني في حقه

وقال التقي الحصني: كان ابن تيمية ممن يعتقد ويفتي بأنّ شدّ الرحال إلى قبور الأنبياء حرام لا تقصر فيه الصلاة، ويصرّح بقبر الخليل وقبر النبي (صلى اللّه عليهما وسلم) ، وكان على هذا الاعتقاد تلميذه ابن قيم الجوزية الزرعي، وإسماعيل بن كثير الشركويني، فاتّفق أنّ ابن قيم الجوزية سافر إلى القدس الشريف، ورقي على منبر في الحرم ووعظ وقال في أثناء وعظه بعد أن ذكر المسألة: وها أنا راجع ولا أزور الخليل.

ثم جاء إلى نابلس، وعمل له مجلس وعظ، وذكر المسألة بعينها حتى قال: فلا يزور قبر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، فقام إليه الناس وأرادوا قتله، فحماه منهم والي نابلس، وكتب أهل القدس وأهل نابلس إلى دمشق يعرّفون صورة ما وقع منه، فطلبه القاضي المالكي فتردد وصعد إلى الصالحية إلى القاضي شمس الدين بن مسلم الحنبلي وأسلم على يديه، فقبل توبته وحكم بإسلامه وحقن دمه، ولم يعزّره لأجل ابن تيمية... ثم أحضر ابن قيم الجوزية وادُّعي عليه بما قاله في القدس الشريف وفي نابلس فأنكر، فقامت عليه البينة بما قاله، فأُدّب وحُمل على جمل، ثم أُعيد إلى السجن، ثم أُحضر إلى مجلس شمس الدين المالكي وأرادوا ضرب عنقه، فما كان جوابه إلاّ أن قال: إنّ القاضي الحنبلي حكم بحقن دمي وبإسلامي وقبول توبتي، فأُعيد إلى الحبس إلى أن أُحضر الحنبلي فأخبر بما قاله، فأُحضر وعزّر وضرب بالدرة، وأُركب حماراً وطيف به في البلد والصالحية، وردّوه إلى الحبس ـ وجرسوا ابن القيم وابن كثير، وطيف بهما في البلد وعلى باب الجوزية لفتواهم في مسالة الطلاق .


(55)

قال ابن رجب: قد امتحن و أوذي مرات، وحبس مع الشيخ تقي الدين في المدة الأخيرة بالقلعة منفرداً، لم يفرج عنه إلاّ بعد موت الشيخ .

وقد سقت هنا نماذج من كلمات أصحابه و أضداده والمتحايدين في حقه، ليعتبربها المغرورون به. على أنّ الخبر اليقين فيما يجده القارىء الكريم في حقه في هذا الكتاب، وأرجو أن الحق لا يتعدى ما دللت عليه في حقه فيما كتبناه.

وأحق الناس بالرثاء وأجدرهم بالترحّم من أفنى عمره في سبيل العلم منصاعاً لمبتدع يرديه من غير أن يتخيّر أُستاذاً رشيداً يهديه، ومثله إذا دوّن أسفاراً لا يزداد بها إلاّ بسمعه ولا يبصر بعداً عن اللّه وأوزاراً، وهو الّذي يصبح متفانياً في شيخه الزائغ بحيث لا يسمع إلاّ ببصره في جميع شؤونه، ويبقى في أحط دركات الجهل من التقليد الأعمى، ولو فكر قليلا لكان أدرك أنّ من السخف بمكان، وضعه لشيخه في إحدى كفّتي الميزان ليوازن به جميع العلماء والفقهاء من هذه الأُمة في كفته الأُخرى فيزنهم ويغالبهم به فيغلبهم في علومهم!! وهذا ما لا يصدر من حافظ بعقله، ولا سيما بعد التفكير في تلك المخازي من شواذه .

نعم، يمكن أن يكون عنده أو عند شيخه بعض تفوق في بعض العلوم على بعض مشايخ حارته، أو أهل خطته أو قريته أو مضرب خيام عشيرته، لكن لا يوجب هذا أن يصدق ظنه في حق نفسه أن جوّ هذه الأرض يضيق عن واسع فهومه، وعرض هذه البحار لا يتّسع لزاخر علومه»(1) .

17- الشيخ سلامة القضا العزامي (ت 1379 هـ)

قال: «بدأ ابن تيمية حياته بطلب العلم على ذكاء وتصالح، ورفق به أكابر العلماء لأنّ اباه كان رجلا هادئاً وكان من بيت علم، فساندوه وشجعوه وأثنوا عليه خيراً، حتّى إذا أقبل عليه الناس بدأ يظهر بالبدع، وأبطرته الغرة، فتمادى في التعصب لآرائه، وما زال يتلاعب به الهوى حتّى كان مجموعة بدع


1. تكملة السيف الصقيل ص 4 ـ 9 .


(56)

شنعاء، ودائرة جهالات وأباطيل شوهاء، فتجده في مسائل من علم التوحيد حشوياً كرامياً، يقول في اللّه بالأجزاء والجهة والمكان، والنزول والصعود الحسيين، وحلول الحوادث بذاته تعالى، ومن ناحية أُخرى تجد فيه حضيضة الخوارج، يكفّر أكابر الأُمة ويخطىء أعاظم الأئمة وقال: من نذر شيئاً للنبي أو غيره من النبيين والأولياء من أهل القبور، أوذبح له ذبيحة كان كالمشركين الذين يذبحون لأوثانهم وينذرون لها، فهو عابد لغير اللّه فيكون بذلك كافراً، ويطيل في ذلك الكلام، واغترّ بكلامه بعض من تأخّر عنه من العلماء ممن ابتلي بصحبته أو صحبة تلاميذه، وهو منه تلبيس في الدين، وصرف إلى معنى لا يريده مسلم من المسلمين، ومن خبر حال من فعل ذلك من المسلمين وجدهم لا يقصدون بذبائحهم ونذورهم للمتقين من الأنبياء والأولياء إلاّ الصدقة عنهم، وجعل ثوابها إليهم، وقد علموا أنّ إجماع أهل السنة منعقدة على أنّ صدقة الأحياء نافعة للأموات واصلة إليهم.

ولقد تعدّى هذا الرجل حتّى على الجناب المحمدي فقال: إنّ شد الرحال إلى زيارته معصية، وإنّ من ناداه مستغيثاً به بعد وفاته فقد أشرك، فتارة يجعله شركاً أصغر، وأُخرى يجعله شركاً أكبر، وإن كان المستغيث ممتلىء القلب بأنّه لا خالق ولا مؤثر إلاّ اللّه، وأنّ النبي إنّما ترفع إليه الحوائج ويستغاث به، على أنّ اللّه جعله منبع كل خير، مقبول الشفاعة، مستجاب الدعاء كما هي عقيدة جميع المسلمين مهما كانوا من العامة .

وقد أوضح ذلك كل الإيضاح قبلنا أكابر جهابذة العلم لا سيما علَمُ أعلام هذا العصر، حامل لواء الحكمة الإسلامية، وأحد جماعة كبار العلماء بحق، الشيخ يوسف الدجوي، فيما كتبه في مجلة الأزهر ـ أدم اللّه تأييده بروح منه، وجلله بالعافية من لدنه ـ .

وهذه البدعة من مبتكراته قد اغتر بها ناس، فقالوا بكفر من عداهم من جماهير المسلمين، وسفكت في ذلك دماء لا تحصى، وقد أُلفت الكتب الكثيرة في رد هذه البدعة وفروعها، بين مطوّل قد جوّده صاحبه، ومختصر أفاده مؤلفه وأجاد.


(57)

ومن عجيب أمر هذا الرجل أنّه إذا ابتدع شيئاً حكى عليه إجماع الأولين والآخرين كذباً وزوراً، وربما تجد تناقضه في الصفحة الواحدة، فتجده في منهاجه مثلا يدّعي أنّه ما من حاديث إلاّ وقبله حادث إلى ما لا نهاية له في جانب الماضي، ثم يقول: وعلى ذلك أجمع الصحابة والتابعون. وبعد قليل يحكي اختلافاً لحق الصحابة في أول مخلوق ما هو؟ أهو القلم أم الماء؟ وبينما تراه يتكلّم بلسان أهل الحق المنزهين، إذا بك تراه قد انقلب جهوياً(1) وسمّى كل من لا يقول بذلك معطّلا، وزنديقاً، وكافراً، وقد جمع تلميذه «ابن زفيل» سفاهاته ووساوسه في علم أصول الدين، في قصيدته النونية، وبينما تراه يسب جهماً والجهمية، إذا بك تراه يأخذ بقوله في أنّ النار تفنى، وأن أهلها ليسوا خالدين فيها أبداً ـ إلى أن قال ـ: وليس من غرضنا بسط الكلام في بدع هذا الرجل، فقد كفانا العلماء ـ شكر اللّه سعيهم ـ من عصره إلى هذا العهد، المؤنة بالتصانيف الممتعة في الرد عليها، ولكن رفع الجهل رأسه في عصرنا هذا، وانتدب ناس من شيعته لطبع الكثير من كتبه وكتب تلميذه ابن زفيل، ففضحوا الرجل وشهّروا به عند المحققين من أهل الفقه في الدين، وتبينت صحة نسبة ما كان يتورع العلماء عن نسبته إليه، وإنّ نصيحتي الّتي أسديها لكن مسلم نصيحة للّه ولرسوله ولكتابه وأئمة المسلمين وعامتهم، هي لزوم جماعة المسلمين في أُصول الدين وفروعه، ولولا أنّي اشفق على القارىء أن يملّ لتحدّثت إليه طويلا فيما أصاب الإسلام والمسلمين من عظائم هذا الرجل، ولبسطت له ما قال أكابر العلماء فيه وفي شيعته، ولكنّي أرجو أن يكون ما قدّمته كافياً لذوي النهى»(2) .

18- الشيخ محمد أبو زهرة (1316 ـ 1396 هـ)

ألّف الشيخ محمد أبو زهرة، كتاباً في حياة ابن تيمية وشخصيته، ومع


1. كذا في النسخة ولعل المراد: «جهمياً» .

[أو لعل المراد: نسبته إلى من يقول في اللّه بالجهة

] الناشر .
2. فرقان القرآن ص 132 ـ 137 وقد فرغ المؤلف منه سنة 1358 هـ .


(58)

أنّه أغمض عن كثير من الجوانب السلبية في حياته، وأخرج كتابه على وجه يلائم روح المحايدة في الكتابة، ومع ذلك انتقد عليه في موارد، ومنها: منعه التبرك بآثار النبي. يقول: «دفن النبي في حجرة عائشة لأنّ يكون قبره قريباً من المسجد، وأن يكون قبره معروفاً غير مجهول، فإنّه لو دفن بالبقيع في الصحراء، فقد يجهل موضعه، ويكون بعيداً عن مسجده، وأمّا إذا دفن في حجرة عائشة فإنّه يكون قريباً من مهبط الوحي ومبعث الدعوة ومكان التنزيل، وبعد فإنّا نخالف ابن تيمية منعه التبرك بزيارة قبر الرسول و المناجاة عنده، وعدم الندب إليه، وإنّ التبرك الّذي نريده ليس هو العبادة أو التقرب إلى اللّه بالمكان. إنّما التبرك هو التذكّر والاعتبار والاستبصار. وأىّ امرىء مسلم علم حياة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وسيرته، وهدايته، وغزواته وجهاده، ثم يذهب إلى المدينة ولا يحس بأنّه في هذا المكان كان يسير الرسول ويدعو ويعمل، ويدبّر ويجاهد، أو لا يعتبر ـ ولا يستبصر، أو لا يحس بروحانية الإسلام و عبقرية النبي الأمين، أو لا تهزّ أعطافه محبة للّه ورسوله والأخذ بما أمر اللّه به، والانتهاء عما نهى عنه إلاّ من أعرض عن ذكر اللّه ولم يكن من أولي الأبصار؟ إنّ الزيارة إلى قبر الرسول هي الذكرى والاعتبار، والهدي والاستبصار والدعاء عند القبر دعاءً، القلب خاشع، العقل خاضع، والنفس مخلصة، والوجدان مستيقظ، وإنّ ذلك أبرك الدعاء»(1) .

وهذه النصوص الرائعة من أئمة الحديث والتفسير والكلام في حق الرجل تغنينا عن إفاضة القول فيه، وقد اكتفينا بهذا المقدار عن الكثير، فإنّ الناقدين له أكثر مما ذكرنا. وقد نشر كتيب باسم «الوهابية في نظر المسلمين»(2) وذكر بعض من لم نذكره، كما أنّه لم يذكر بعض ما ذكرنا من النصوص .

والّذي يعرب عن أنّ الرأي العام يوم ذاك كان على ضدّه هو أنّ لفيفاً من العلماء من معاصريه والمتأخرين عنه ردّوا عليه بكتب ورسائل فندوا فيها.


1. ابن تيمية حياته وشخصيته ص 228 .
2. تأليف: إحسان عبداللطيف البكري.


(59)

الرجل حول الصفات الخبرية أولا، والزيارة والتوسل ثانياً، إلى غير ذلك مما أثار عجاباً في السحاة الإسلامية، وإليك الإيعاز بالردود الّتي كتبت على آرائه.

الناقضون والرادّون على ابن تيمية

وإليك قائمة ممن ألف كتاباً أو رسالة حول آرائه:

1- شفاء السقام في زيارة خيرالأنام، لتقي الدين السبكي .

2- الدرة المضيئة في الرد على ابن تيمية، له أيضاً .

3- المقالة المرضية، لقاضي قضاة المالكية تقي الدين أبي عبداللّه الأخنائي .

4- نجم المهتدي ورجم المقتدي، للخفر ابن المعلم القرشي .

5- دفع شبه من شبه وتمرد ونسب ذلك إلى الإمام أحمد، لتقي الدين الإمام أبي بكر الحصني الدمشقي (ت 729 هـ) .

6- التحفة المختارة في الرد على منكري الزيارة، لتاج الدين عمر بن علي اللخمي المالكي الفاكهاني (ت 734 هـ) .

ومما جاء فيه قوله: أخبر جمال الدين عبداللّه بن محمد الأنصاري المحدث قال: رحلنا مع شيخنا تاج الدين الفاكهاني إلى دمشق، فقصد زيارة نعل رسول اللّه الّتي بدار الحديث الأشرفية بدمشق، وكنت معه، فلما رأى النعل المكرمة، حسر عن رأسه، وجعل يقبله ويمرغ وجه عليه ودموعة تسيل وأنشد:

فلو قيل للمجنون: ليلى ووصلها * تريد أم الدنيا وما في طواياها

لقال غبار من تراب نعالها * أحب إلى نفسي وأشفى لبلواها(1)

7- اعتراضات على ابن تيمية، لأحمد بن إبراهيم السروطي


1. الغدير: ج 5 ص 155 نقلا عن الديباج المذهب .


(60)

الحنفي (1) .

8- إكمال السنة في نقض منهاج السنة، للسيد مهدي بن صالح الموسوي القزويني الكاظمي (ت 1358 هـ)(2).

9- الإنصاف والإنتصاف لأهل الحق من الإسراف، في الرد على ابن تيمية الحنبلي الحراني، فرغ منه مؤلفه سنة (757 هـ)، توجد نسخة منه في المكتبة الرضوية ـ مشهد ـ رقم 5643 .

10- البراهين الجلية في ضلال ابن تيمية، للسيد حسن الصدر الكاظمي (ت 1354 هـ) (3).

11- البراهين الساطعة، للشيخ سلامة العزامي (1379 هـ) (4) .

12- جلاء العينين في محاكمة الأحمدين (أحمد بن تيمية وأحمد بن حجر)، للشيخ نعمان بن محمود الألوسي(5) .

13- الدرة المضيّة في الرد على ابن تيمية، لمحمد بن حميد الدين الحنفي الدمشقي كمال الدين المعروف بابن الزملكاني (6) .

14- الرد على ابن تيمية في الاعتقاد، لمحمد بن حميد الدين الحنفي الدمشقي (7) .

الفتيا الّتي اصدرها الشاميّون في حق ابن تيمية

وفي الختام نثبت في المقام صورة الفتيا الّتي أصدرها الشاميون ونقلها


1. معجم المؤلفين: ج 1 ص 140 .
2. الذريعة ج 10 ص 176 .
3. الذريعة ج 3 ص 79 .
4. ابن مرزوق: كتاب التوسل بالنبي، ص 253 .
5. إيضاح المكنون: ج 1 ص 263، معجم المؤلفين ج 13 ص 107 .
6. كشف الظنون ج 1 ص 744، معجم المؤلفين ج 11 ص 22 .
7. معجم المؤلفين ج 8 ص 316 .


(61)

الشيخ محمد زاهد الكوثري في تكملة السيف الصقيل، وإليك ما ذكره:

«وقد اصدر الشاميون فتياً وكتب عليها البرهان ابن الفركاح الفزاري نحو أربعين سطراً بأشياء، إلى أن قال بتكفيره، ووافقه على ذلك الشهاب بن جهبل، وكتب تحت خطه، كذلك المالكي، ثم عرضت الفتيا لقاضي القضاة الشافعية بمصر: البدر بن جماعة، فكتب على ظاهر الفتوى:

الحمد للّه، هذا المنقول باطنها جواب عن السؤال عن قوله: إن زيارة الأنبياء والصالحين بدعة، وما ذكره من نحو ذلك، ومن أنّه لا يرخص بالسفر لزيارة الأنبياء، باطل مردود عليه، وقد نقل جماعة من العلماء أنّ زيارة النبي فضيلة وسنة مجمع عليها، وهذا المفتي المذكور ـ يعني ابن تيمية ـ ينبغي أن يزجر عن مثل هذه الفتاوى الباطلة عند الأئمة والعلماء، ويمنع من الفتاوى الغريبة، ويحبس إذا لم يمتنع من ذلك، ويشهر أمره ليحتفظ الناس من الاقتداء به.

وكتبه محمد بن إبراهيم بن سعد اللّه بن جماعة الشافعي .

وكذلك يقول محمد بن الجريري الأنصاري، الحنفي: لكن يحبس الآن جزماً مطلقاً، وكذلك يقول محمد بن أبي بكر المالكي، ويبالغ في زجره حسبما تندفع تلك المفسدة وغيرها من الفاسد .

وكذلك يقول أحمد بن عمر المقدسي الحنبلي:

وهؤلاء الأربعة قضاة المذاهب الأربعة بمصر أيام تلك الفتنة في سنة (726 هـ)(1) .

ولو أردنا أن نستقصي كل ما كتب رداًعلى ابن تيمية، لخرجنا عمّا هو الهدف، وكفى في ذلك ما نشر باسم «الوهابية في نظر المسلمين»(2) .

إلى هنا تمّ تبيين الرأي العام في ابن تيمية، في حياته ومماته، وقد عرفت


1. راجع تكملة السيف الصيقل، ص 155، ودفع الشبهة لتقي الدين الحصني ص 45 ـ 47 .
2. تأليف إحسان عبداللطيف البكري: الطبعة الرابعة، ومجلة «تراثنا» .


(62)

فما هو الحق، غير أن تقييم الرجل بنقل آراء الأكابر من العلماء وإن كان له قيمة ـ ولكنّه تقييم تقليدي لهم ـ ومن أراد تقييمه عن اجتهاد وإمعان فيجب أن يستعرض آراءه وأقواله من كتبه ورسائله، ليعرف ما هو الحق في ذلك المجال، وعندئذ يصدر القاضي عن اجتهاد وإمعان، لا عن تقليد واقتداء بالغير، ولأجل ذلك نخص الفصل الآتي بنقل آرائه في مواضع مختلفة، ونكتفي ببعضها الّذي أوجد ضجة في الأيام الغابرة، وقام العلماء في وجهه كصف واحد، وزجروه وعاتبوه ونفوه وسجنوه، إلى أن مات في سجن دمشق، ولا ينافي كل ذلك ما للرجل من فضل وفضيلة في نواح من العلوم الإسلامية، فإنه لولا تحلّيه بالذكاء والتوقّد، أو بالعلم بالكتاب والسنة لما اكتسب مقاماً في الأوساط الإسلامية، ولم يكن لآرائه قيمة، فالمبدع لا يكون ناجحاً في بدعه وضلاله إلاّ إذا خلط الحق بالباطل ـ وإلاّ ـ فالباطل المطلق لا يكون له نجاح ونفوذ، ولنعم ما قال أميرالمؤمنين علىّ ـ عليه السَّلام ـ :

«إنّما بدءُ وقوع الفتن أهواء تتبع، وأحكام تبتدع، يخالف فيها كتاب اللّه، ويتولى عليها رجال رجالا، على غير دين اللّه. فلو أنّ الباطل خلص من مزاج الحق، لم يخف على المرتادين، ولو أنّ الحق خلص من لبس الباطل، انقطعت عنه السنُ المعاندين، ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان، فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه، وينجو الذين سبقت لهم من اللّه الحسنى»(1) .


1. نهج البلاغة الخطبة 49 .

Website Security Test