welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الملل والنحل /ج4 (حياة ابن تيمية وابن عبد الوهاب )*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الملل والنحل /ج4 (حياة ابن تيمية وابن عبد الوهاب )

(365)

البعثة الوهابية إلى مكة

تولى ولاية مكة الشريف مسعود من عام 1146 إلى عام وفاته 1165 هـ ، وقد أرسل محمد بن سعود عندما استحفل أمر محمد بن عبدالوهاب ثلاثين عالماً إلى مكة يستأذنونه في الحج، ولكن كان هدفهم هو الدعوة إلى الوهابية ونشرها في أوساط أهل الحرمين، وقد كان أهلهما قد سمعوا بظهورهم في نجد وإفسادهم عقائد البوادي، ولم يعرفوا حقيقتهم بعد عن كثب، فلما وصلت بعثته أمر الشريف مسعود أن يناظرهم علماء الحرمين، فإذا بهم فوجئوا بعقائد غريبة، فأقاموا عليهم الحجة والبرهان، فقبض على جماعة منهم، بينما فرّ بجلدته البعض الآخر(1) .

الصدام مع حاكم الرياض

كان دهام بن دواس حاكماً على الرياض، وكان من ألد الأعداء للدعوة الوهابية، وقد دامت الحروب بين الرياض والدرعية زهاء سبعة وعشرين عاماً على الرغم من قرب المسافة بينهما، وكانت سجالا، فلم تمرّ سنة إلاّ وقعت فيها غزوة بين البلدين، وفي إحدى هذه الهجمات قتل ولدا محمد بن سعود، أعني فيصلا وسعوداً(2) .

وظل أمير الرياض المنافس الرئيسي لمحمد بن سعود، وكانت الغزوات بين الدرعية والرياض تدور رحاها كل عام تقريباً .

ففي عام 1178 هـ اتفق أبناء «يام» من أهالي نجران وقبيلتي العجمان و «بني خالد» وتحالفوا على سحق محمد بن سعود ومحمد بن عبدالوهاب .

فقد تحالف بنو يام على أن يسيروا من نجران بقيادة السيد حسن بن هبة اللّه، وأن يسير بنو خالد والعجمان من الأحساء بقيادة حاكمها آنذاك باسم الخالدي، وتواعد الجميع على الزحف على الدرعية، فصارت جموع من


1. الدرر السنية، ص 43 ـ بتصرف .
2. أبو علية، عبدالفتاح: محاضرات في تاريخ الدولة السعودية الأولى، ص 19 ـ 20 .


(366)

نجران والأحساء، ولكن قائد نجران قد وصل إلى ضواحي «الدرعية» قبل وصول العجمان وبني خالد، وبوحدتهم تمكنوا من سحق الجند السعودي واختفى محمد بن سعود، وكاد ينتهي أظلم حكم دخيل عرفته شبه الجزيرة العربية على أيدي أهالي نجران الأبطال، لو لم يلجأ محمد بن عبدالوهاب إلى المكر والخداع، فقد رفع راية الصلح على أن يقف أهالي نجران عند حدهم ويمتنعوا من دخول «الدرعية»، وأنّ يسلّموا ما تحت أيديهم من الأسرى السعوديين، ويتعهد كل من محمد بن عبدالوهاب ومحمد بن سعود بدفع عشرة آلاف جنيه ذهب كتعويض لأهالي نجران عن رحتلهم هذه، وأن لا يتعدى محمد بن سعود ومحمد بن عبدالوهاب حدود «الدرعية»، وبهذا شهد محمد بن عبدالوهاب ببطلان دعوته أمام أهالي نجران .

ولما وصلت قوات الخالدي المسلحة بالمدافع إلى ضواحي «الدرعية»، وكان قد انضمّ إليها الكثير من النجديين فوجئوا بهذا الصلح، والقبوله تمشياً مع ما اتّخذه أبناء عمهم من أبناء نجران، ولم يكن سبب فشلها الاّ التصرفات الفردية للشيخ حسن بن هبة اللّه، وإلاّ لقضي على الوجود السعودي في ذلك الوقت، وقد كان عنف الهجوم وإيجاد الرعب على حد أُصيب محمد بن سعود بإسهال، ومرض مرضاً شديدياً من جزاء ما انتابه من رعب شديد حينما شاهد أنّ أبناء يام يحاصرون «الدرعية»، بعد سحقهم للجند السعودي، وقد تسبب ذلك هلاك محمد بن سعود من جراء المرض الّذي أصابه من ذلك الحادث، ومات عام 1179 هـ (1) .

* * *

2- عبدالعزيز بن محمد بن سعود (1179 ـ 1218 هـ )

اختار محمّد بن سعود ولده عبدالعزيز وليّاً للعهد من بعده، باقتراح من محمد بن عبدالوهاب، فكان أول أمير يبايع بولاية العهد من السعوديين، ومنذ ذلك الحين أصبحت الإمارة تنتقل بالمبايعة بولاية العهد، تماماً كما فعل


1. ناصر السعيد: تاريخ آل سعود، ص 30 .


(367)

معاوية مع ولده يزيد، وهذه واحدة من بدع الشيخ محمد بن عبدالوهاب، وقد تزوج عبدالعزيز ابنة محمد بن عبدالوهاب، وامتزج النسب بعضه ببعض أكثر من ذي قبل(1) .

ولم تكن سيرة عبدالعزيز خيراً من سيرة أبيه بل شرّاً منه، وقد نجمت في عهده حروب دامية سفكت فيها دماء الأبرياء بما يتجاوز حد الوصف، وإن كنت في شك مما نقول فعليك بقراءة ما أسجله لك من وثائق موثقة:

احتلال الأحساء عام 1207 هـ

تشكل الأحساء وسواحلها وموانئها جزءاً من البلاد المطلة على الخليج، والّتي يتنازع عليها العثمانيون وولاة العراق ومصر.

كانت الأحساء في القرن الثاني عشر (1100 ـ 1200) تخضع لنفوذ قبائل بني خالد، وهي قبائل نجدية كبيرة منتشرة على شاطىء الخليج تحت حكم شيخهم محمد آل حميد، الّذي أنذر عثمان بن معمر شيخ العيينة بطرد محمد بن عبد الوهاب من قريته، لما أساءت تعاليمه إلى القرى المجاورة، وكان ذلك من أسباب العداء بين بني خالد وآل سعود، بالإضافة إلى رغبة هؤلاء في التوسع، وأدى ذلك إلى سقوط الأحساء في يد الوهابيين عام 1785 م «حوالي 1207 هـ» .

وفي خريف 1703 م «حوالي 1215 هـ» توجه سعود بن عبدالعزيز مع قوات كبيرة إلى الأحساء، ونهبت قواته البدوية كل ما صادفته في طريقها، وقتلت دون رحمة كل من أبدى مقاومة، ودمرت بساتين النخيل واستأثرت بمحاصيل التمور، ورعت الماشية في الحقول، وأعربت الأحساء كلها عن خضوعها لهم، وعيّن براك بن عبدالمحسن أميراً للأحساء(2) ولكنه حاول في ربيع 1796 م أن يتخلص من سلطة الوهابيين، ولكنه اطّلع عليه سعود بن عبدالعزيز


1. المصدرالسابق، ص 30 .
2. ابن غنام: تاريخ نجد، ج 2 ص 158 ـ 166 .


(368)

فجاء بجيش قوي إلى الأحساء وقمع الحركة فيها من جديد(1) .

يقول ابن بشر في كيفية إخضاع الأحساء: فلما أصبح الإصباح رحل سعود بعد صلاة الصبح، فلما استووا على ظهور ركائبهم وقربوا من الأحساء، أطلقوا رصاص بنادقهم دفعة واحدة، فاسقط الكثير من النساء الحوامل ما في بطونهم لهول الموقف، فاحتلها، ثم نزل سعود فأمرهم بالخروج إليه، فخرج فأقام هناك مدة أشهر يقتل من أراد قتله، يجلي من أراد إجلاءه، ويحبس من أراد حبسه، ويأخذ من الأموال، يهدم من المحالّ، ويبني ثغوراً ويهدم دوراً، وضرب عليهم ألوفاً من الدراهم وقبضها منهم، وذلك لما تكرر منهم من نقض العهد ومنابذة المسلمين وأكثر فيها القتل (إلى أن يقول) فلما أراد ابن سعود الرحيل من الأحساء أمسك عدة رجال من رؤساء أهلها... فاستقدمهم إلى «الدرعية» وأسكنهم فيها، واستعمل في الأحساء أميراً باسم (ناجم) وهو رجل منهم(2) .

تدمير كربلاء والتصفية الجسدية

وفي سنة 1216 هـ جهز سعود بن عبد العزيز بن محمد جيشاً جراراً من أعراب نجد، وغزا به العراق، وحاصر كربلاء ثم دخلها عنوة، وأعمل في أهلها السيف، ولم ينج منهم إلاّ من فرّ هارباً، أو اختفى في مخبأ من حطب ونحوه فلم يعثروا عليه، وهدم قبر الحسين ـ عليه السَّلام ـ واقتلع الشباك الموضوع على القبر الشريف، ونهب جميع ما في خزانة المشهد، ولم يرع لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ولا لذريته أدنى حرمة، وجدد بجريمته النكراء مأساة واقعة كربلاء ويوم الحرة، وجرائم بني أُمية وبني العباس .

ويتناول كوران سيز وصف تلك الواقعة بقوله:

وقد جرت العادة أن يحتفل الشيعة كل عام بعيد الغدير في يوم الغدير في


1. ابن غنام: تاريخ نجد: ج 2 ص 174 ـ 175 .
2. نفس المصدر: ج 2، ص 174 - 175 ـ ابن بشر: عنوان المجد، ج 1، ص 105 ـ 106 .


(369)

النجف الأشرف، فخرج أهالي كربلاء من بلدتهم، فانتهز الوهابيون فرصة غيابهم عن البلدة واقتحموها، وهم حوالي اثني عشر ألف جندي، ولم يكن في البلدة إلاّ عدد قليل من الرجال المستضعفين، قتلهم الوهابيون ولم يبقوا أحداً منهم حيّاً، ويقدر عدد الضحايا خلال يوم واحد بثلاثة آلاف، وأمّا السلب فكان فوق الوصف، ويقال إنّ مائتي بعير حملت فوق طاقاتها بالمنهوبات الثمينة، فقد استولى الوهابيون على كل الكنوز والأموال، وجردوا القبة من صفائح النحاس المطلية بالذهب(1) .

وقال «فيلبي» في تاريخ نجد: اقتحم سعود بجيش أبيه كربلاء، وبعد حصار قصير أعمل السيف في رقاب أهلها، ودمر ضريح الحسين ـ عليه السَّلام ـ ، ونهب المجوهرات الّتي كانت تغطي الضريح، وجمع كل شيء ذا قيمة في المدينة...

والحق أن يقال إنّ عمله هذا هزّ العالم كله، فضلا عن الشيعة، فقد كان منعطفاً تاريخياً للثورة على الوهابيين، كما أدّى فيما بعد إلى عواقب وخيمة على سلطة هذه الإمارة الضالة(2) .

ويقول العلاّمة السيد جواد العاملي مؤلف مفتاح الكرامة:

«... فأغار سعود بن عبدالعزيز في سنة 1216 هـ على مشهد الحسين ـ عليه السَّلام ـ وقتل الرجال والأطفال، وأخذ الأموال، وعاث بالحضرة المقدسة، وخرب بنيانها وهدم أركانها، ثم إنّه بعد ذلك استولى على مكة المكرمة والمدينة المنورة، وفعل بالبقيع ما فعل، ولم يستثن من ذلك إلاّ قبر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ »(3) .


1. الدكتور منير العجلاني: تاريخ البلاد العربية، ص 126 ـ 127 .

2. فيلبي: تاريخ نجد، ص 99 .
وهذا الكاتب، أعني فيلبي كان رجلا إنكليزياً باسم «سنت جون فيلبي» فقد أظهر الإسلام وأقام مدة مديدة في نجد، وكان له علاقة وطيدة مع السعوديين ثم توترت علاقته معهم بسبب تسجيله هذه الحوادث التاريخية المريرة الّتي أصبحت وصمة عار في جبين الأسرة السعودية إلى الأبد .
3. العاملي، السيد جواد: مفتاح الكرامة، ج 5 ص 512 .


(370)

كان تدمير كربلاء أفدح هزيمة مني بها سليمان باشا والي بغداد، مما زاد في تدهور وضع الوالي .

احتلال الطائف عام 1217 هـ

قال الجبرتي: في أواخر سنة 1217 هـ أغار الوهابيون على الحجاز، فلما قاربوا الطائف خرج إليهم الشريف غالب فهزموه، فرجع إلى الطائف وأحرقت داره وهرب إلى مكة، فحاربوا الطائف ثلاثة أيام حتّى دخلوها عنوة، وقتلوا الرجال وأسروا النساء والأطفال، وهذا دأبهم في من يحاربهم، وهدموا قبة ابن عباس في الطائف(1) .

يقول زيني دحلان: فدخلوا البلد عنوة في ذي القعدة سنة 1217 هـ فقتلوا الناس قتلا عاماً حتّى الأطفال، وكانوا يذبحون الطفل الرضيع على صدر اُمه، وكان جماعة من أهل الطائف خرجوا قبل ذلك هاربين، فأدركتهم الخيل وقتلت أكثرهم، وفتشوا على من توارى في البيوت وقتلوه، وقتلوا من في المساجد ـ إلى أن قال ـ : وصارت الأعراب تدخل كل يوم إلى الطائف وتنقل المنهوبات إلى الخارج حتّى صارت كأمثال الجبال، فأعطوا خمسها للأمير واقتسموا الباقي، ونشروا المصاحف وكتب الحديث والفقه والنحو في الأزقة، وأخبروا أن الأموال مدفونة في المخابىء فحفروا في موضع فوجدوا فيه مالا، وعندها حفروا جميع بيوت البلد حتّى بيوت الخلاء والبالوعات .

استيلاء الوهابيين على مكة في سنة 1218 هـ

عزم الوهابيون في سنة 1217 هـ على الاستيلاء على مكة المكرمة وإخضاعها لسيطرتهم ونفوذهم، فأعدّوا العدة وحشدوا الحشود المكثفة لذلك في أول الأشهر الحرم، فشاع خبرهم في الآفاق وبلغ مسامع الناس وهم في موسم الحج، وقد كان ممن حج في ذلك العام، إمام مسقط: سلطان بن سعيد ونقباء وأمراء حجيج مصر والشام وغيرهما، فاستنجد بهم الشريف غالب


1. غالب محمد أديب: أخبار الحجاز ونجد في تاريخ الجبرتي، ص 93 .


(371)

أمير مكة فأبوا عليه، ودعاهم إلى الجهاد ضد الوهابية بعد انقضاء مناسك الحج فأعرضوا عنه، وتعللوا بعلل واهية، وأكثر الإلحاح عليهم فلم يجد فيهم أُذناً صاغية، فاضطرّ إلى الجلاء عن مكة برفقة أتباعه وخزائنه وذخائره، وكثير من أهالي مكة إلى مدينة جدة، للأمن من غائلة سطوة الوهابيين .

ووصل ابن سعود بقواته مشارف مكة المكرمة يومة العاشر من المحرم، فدخلها من دون مقاومة تذكر، ففعل بها وبأهلها ما فعله جنده بأهل الطائف(1) .

وفرض ابن سعود على علمائها تلقّي أفكار ابن عبد الوهاب ومدارسة كتبه، كما منع مسلمي الآفاق من أداء الحج والعمرة، فانقطع عن أهل مكة والمدينة ما كان يصل إليهم من الصدقات، أو أسباب التجارة الّتي كانوا يتعيشون منها(2) .

وبعد استيلائهم على مكة، قدمت جموع غفيرة من نجد من الوهابيين، فتوجهت حشودهم بتخطيط مسبق إلى الأضرحة والمزارات ذات القباب الّتي شيدت لتكريم شخصيات صدر الإسلام فهدموها، وكذا فعلوا بدار مولد النبيّ وقبّة السيدة خديجة وقبة زمزم(3)، فما مضت عليهم إلاّ ثلاثة أيام حتّى محوا جميع آثار صدر الإسلام ومعالمه، وآثار الصالحين، فأزالوها عن بكرة أبيها(4) .

طرد الوهابيين من مكة المكرمة

كانت الوهابية مسيطرة على الحرم الشريف على نحو ما مرّ ذكره، فدفعت جرائمهم الّتي ارتكبوها بمكة الشريف غالب إلى تصميمه على تجديد العهد بها لتطهيرها من دنس الوهابيين، فسار برفقة الشريف باشا حاكم جدة


1. جبران شامية: آل سعود ماضيهم ومستقبلهم، ص 64 ـ تاريخ الجبرتي، ص 93 .
2. أخبار الحجاز ونجد في تاريخ الجبرتي، ص 93 .
3. ابن بشر: عنوان المجد، ج 1 ص 122 .
4. تاريخ الجبرتي، ص 118 بتصرف .


(372)

وكثير من العسكر والعبيد، وتمكنوا من اقتحام متاريس الوهابيين المحيطة بها، فدخلوها وأحكموا السيطرة عليها، بعد أن طردوا منها كل ما تبقى من شراذم الوهابيين.

ثم أخذ الشريف غالب يحارب كل من كان يوالي الوهابيين ممن جاور مكة من القبائل بالغارة عليهم، حتّى تمكن من استئصالهم والقضاء على تبعيتهم وعمالتهم لهم.

هذا غيض من فيض من جرائم عبدالعزيز بن محمّد آل سعود، وهذه كلها حروب وفتن، وتدمير وتخريب وضحايا، ونهب وسلب وهتك للمقدسات الدينية، وغارات متصلة ليل نهار على المسلمين الآمنين .

وظلّ على هذه السيرة إلى عام 1218 هـ حتّى اغتاله رجل. قال جبران شامية الكاتب الوهابي: وانتقم الشيعة من غزوة كربلاء بعد سنتين باغتيال الإمام عبد العزيز وهو يصلّي في المسجد عام 1218 هـ وقال فيلبي: لقد تنكّر القاتل بزي «درويش» وذهب إلى «الدرعية» وبقي فيها أياماً يصلّي خلف عبد العزيز، وفي ذات يوم ألقى بنفسه على عبد العزيز وهو يصلّي، وطعنه بمدية في ظهره اخترقت به إلى بطنه، وعجلت به إلى مقره الأخير، وتكاثر الناس على القاتل وقتلوه(1) .

وقال ابن بشر: كان مقتل أمير الدرعية عبدالعزيز ضربة جديدة للوهابيين، ففي خريف عام 1803 م قتل في مسجد الطريف بالعاصمة على يد درويش غير معروف يدعى عثمان، وهو كردي من إحدى قرى الموصل، وكان هذا الدرويش قد حلّ ضيفاً على البلاط، وعندما سجد عبدالعزيز أثناء الصلاة هجم هذا الدرويش الّذي كان في الصف الثالث على الأمير وقتله بطعنة من خنجر، ثم جرح أخاه عبداللّه، وتفيد بعض المعلومات أن قاتل عبد العزيز شيعي هلك كل أفراد عائلته اثناء غزو كربلاء(2) .


1. جبران شامية: آل سعود ماضيهم ومستقبلهم، ص 64 .
2. فاسيليف: تاريخ العربية السعودية، ص 54 .


(373)

وبذلك طويت صفحات حياته السوداء، وقد اقتصرنا في التعرض لتاريخ حياته على ما هو الجدير بالذكر منها، وإلاّ فقد قال أحمد بن زيني دحلان: إنّ الشريف غالباً (أمير مكة) غزا الوهابيين ما ينوف عن خمسين غزوة، من سنة 1205 هـ إلى سنة 1220 هـ وكانت أكثر هذه الحروب أيام سلطة عبد العزيز آل سعود، ومن اراد التفصيل فليرجع إلى كتاب «خلاصة الكلام في أُمراء البلد الحرام» وكتاب «كشف الارتياب» للسيد الأمين، وقد ذكر الأخير نبذاً من هذه الحروب .

* * *

3- سعود بن عبدالعزيز (1218 ـ 1229 هـ)

استولى سعود على السلطة في الإمارة القبلية السعودية بعد وفاة والده، وكان أول عمل قام به غزو بلدتي الزبير والبصرة، وأعمل فيهما القتل والسلب وهدم قبري طلحة والزبير، وتوسعت رقعة النفوذ السعودي في عهده إلى أوجها، فقد كثف الغزوات والغارات بقصد الاحتلال والسلب والنهب، بشكل رهيب لم يكن له سابقاً في تاريخ دويلتهم، وقد تمخّض عن تلك الأغراض التوسعية ضم جميع نواحي نجد والأحساء وسواحل البحر الأحمر إلى نفوذهم، واستمر حكمه أحد عشر عاماً(1) .

وإليك بعض حروبه وغاراته على جدة، والحرمين الشريفين على وجه الاختصار:

محاصرة الوهابيين جدة 1219 هـ

ثم دخلت سنة 1219 هـ فاقبلت جيوش الوهابيين وعلى رأسها ابن شكبان والمضايفي باثني عشر ألف مقاتل لحصار جدة، فأراد الشريف غالب تحصين مكة لعلمه بعدم قدرتهم على جدة، فنادى بالنفير العام، فخرج الناس على طبقاتهم إلى «الزاهر» حاملين السلاح، وبقوا هناك سبع ليال .


1. جبران شامية: آل سعود ماضيهم ومستقبلهم ص 62 ـ 63 بتصرف .


(374)

أمّا الذين حاصروا جدة فبقوا ثلاثة أيام يحملون عليها حملة واحدة، فيفرقهم المدفع ويقتل منهم فينهزمون إلى خيامهم، حتّى قتل الكثيرون منهم وامتلأت الحفر والقنوات من جيفهم، وكانوا يدفنون العشرة في محل واحد، فلما رأوا ذلك ارتحلوا، وقتلوا في طريقهم حيّاً من الأعراب، وأخذوا إبلا للشريف غالب، فجهز الشريف جيشاً بقيادة الشريف حسين للانتقام منهم، فهجموا عليهم في منطقة تسمى «الليث» فغلبوهم، وقتل كثير من الوهابيين في تلك الملحمة، واستهشد الشريف حسين، فعاود الشريف غالب إرسال الجند والكتائب عليهم حتّى يترصدوا لهم كل موضع، فهزموهم هزائم ساحقة، واقتطعوا الكثير من رؤوسهم، وعلقت على أبواب مكة للعبرة(1) .

محاصرة مكة والمدينة سنة 1220 هـ ثانياً

يقول زيني دحلان:

ودخلوا مكة في أواخر ذي القعدة سنة 1220 هـ وتملكوا المدينة المنورة، على ساكنها أفضل السلام، وانتهبوا الحجرة (النبوية) وأخذوا ما فيها من الأموال، وفعلوا أفعالا شنيعة، وجعلوا على المدينة أميراً منهم يدعى «مبارك مزيان» واستمر حكمهم سبع سنين ومنعوا دخول الحاج الشامي والمصري مع المحامل مكة، وصاروا يصنعون للكعبة ثوباً من العباء، وأكرهوا الناس على الدخول في دينهم، وهدموا القباب الّتي على قبور الأولياء، وكانت الدولة العثمانية في تلك السنة في ارتباك كثير وشدّة قتال مع النصارى، وفي اختلاف في خلع السلاطين وقتلهم(2) .

وقال الكاتب جبران شامية: إنّ سعود بن عبد العزيز حاصر المدينة المنورة وفعل بها ما فعله بالطائف ومكة(3) .

وقال السيد جواد العاملي: في سنة 1221 هـ في الليلة التاسعة من شهر


1. الأمين ـ السيد محسن: كشف الارتياب، ص 25 ـ 26 .
2. زيني دحلان: فتنة الوهابية ص 72، تاريخ الجبرتي ص 116 ـ 118 .
3. جبران شامية: آل سعود ماضيهم ومستقبلهم، ص 65 نقلا عن خطط الشام .


(375)

صفر قبل الصبح بساعة، هجم علينا بالنجف الأشرف ونحن في غفلة، حتّى بعض أصحابه صعدوا السور وكادوا يأخذون البلد، فظهرت لأميرالمؤمنين الكرامات الباهرة، فقتل من جيشه الكثير، ورجع خائباً، وله الحمد على كل حال(1) .

وقال أيضاً: جاء سعود بن عبدالعزيز عام 1223 هـ في شهر جمادى الآخرة من نجد بما يقرب من عشرين ألف مقاتل، أو أزيد، فجاءتنا النذر بأنّه يريد أن يدهمنا في النجف الأشرف غفلة، فتحذرنا منه، وخرجنا جميعاً إلى سور البلد، فأتانا ليلا فرآنا على حذر قد أحطنا بالسور بالبنادق والأطواب، فمضى إلى الحلة فرآهم كذلك، ثم مضى إلى مشهد الحسين على حين غفلة نهاراً، فحاصرهم حصاراً شديداً فثبتوا له خلف السور، وقتل منهم وقتلوا منه، ورجع خائباً، ثم عاث في العراق فقتل من قتل، وبقينا مدة تاركين البحث والنظر على خوف ووجل، ولا حول ولا قوة إلاّ باللّه العلي العظيم، وقد استولى على مكة المكرمة والمدينة المنورة، وتعطل الحج سنين وما ندري ما يكون(2) .

ويظهر من غير واحد من المؤرخين أنّ الحج انقطع من العراق أربع سنين، ومن الشام ثلاث سنين، ومن مصر سنتين، ولا يعلم هل انقطع بعد ذلك أو لا.

غزو الوهابيين لبلاد الشام

وقد غزا سعود منطقتي عسير وتهامة، ثم انسحب منهما وغزا كربلاء مرة ثانية عام 1223 هـ ، فاستعصت عليه لأنّ أهلها حصنوها بعد الغزوة الأُولى، ثم هاجم البصرة والزبير وغنم بعض الأموال(3) .

وفي هذه السنة هجم ولد عبداللّه بن سعود على بلاد حوران فنهب


1. العاملي ـ السيد جواد: مفتاح الكرامة، ج 5 ص 512 .
2. نفس المصدر ج 6 ص 435 .
3. جبران شامية: آل سعود ماضيهم ومستقبلهم ص 65 .


(376)

الأموال، وأحرق الغلال، وقتل الأنفس البريئة، وسبى النساء وقتل الأطفال، وهدم المنازل وعاث في الأرض فساداً(1) .

ويقول صلاح الدين المختار، وهو من المعجبين بآل سعود:

في السادس من ربيع الثاني عام 1225 هـ (1809 م) سار الأمير سعود بثمانية آلاف مقاتل إلى الديار الشامية، وقد بلغه أن عشائر سوريا من عنزة وبني صخر وغيرهما قد نزلوا في نقرة الشام، فلما وصلها لم يجد فيها أحداً، فتوجه بقواته إلى «حوران» وهاجم القرى والدساكر وبصرى، واستولى على ما عثر عليه من مال ومتاع وطعام، وكان أهلها قد هربوا إلى مختلف النواحي عند ما سمعوا بقدومه، ثم هاجم الأمير قصر المزريب فاستعصى عليه، وارتحل إلى بصرى ليلا ومنها قفل عائداً إلى بلده ومعه غنائم كثيرة.

وقال السيد جواد العاملي: وفي سنة 1225 هـ قد أحاطت الأعراب من عنيزة القائلين بمقالة الوهابي بالنجف الأشرف ومشهد الحسين ـ عليه السَّلام ـ وقد قطعوا الطرق ونهبوا زوار الحسين ـ عليه السَّلام ـ بعد منصرفهم من زيارة نصف شعبان، وقتلوا منهم جمعاً غفيراً، وأكثر القتلى من العجم، وربما قيل إنّهم مائة وخمسون، وقيل اقل، وبقي جملة من زوّار العرب في الحلّة ما قدروا أن يأتوا إلى النجف، فبعضهم صام في الحلّة، وبعضهم مضى إلى الحسكة، ونحن الآن كأنّا في حصار، والأعراب إلى الآن ما انصرفوا وهم من الكوفة إلى مشهد الحسين بفرسخين أو أكثر(2) .

وقد بلغ تعصب الوهابيين إلى حدّ حملهم على قطع العلاقات التجارية مع غيرهم، وكانت التجارة إلى عام 1269 هـ مع الشام والعراق محرمة(3) .

وكانوا إذا وجدوا تاجراً في طريق يحمل متاعاً إلى المشركين صادروا ماله(4) .


1. الشهابي: لمع الشهاب، ص 201 .
2. مفتاح الكرامة .
3. فاسيليف: تاريخ العربية السعودية، ص 105 .
4. ابن بشر: عنوان المجد في تاريخ نجد، ج 1، ص 122 .


(377)

وفي سنة 1226 هـ أرسل محمد علي باشا، والي مصر ولده طوسون لتحرير الحجاز من الوهابيين، فصدوه في الكرّة الأُولى، وتغلّب عليهم في الثانية، واستولى على مكة والمدينة، وحاول أن يفتح نجداً، فلم يستطع.

يقول ابن بشر:

«وصلت النجدات المصرية عام 1227 هـ فزحف طوسون على المدينة، وانضم إليه كثير من عرب جهينة وحرب، فحاصرها وقطع عنها المياه، وكان فيها سبعة آلاف من أهل نجد، فدخل المصريون البلد، وقتل من النجديين نحو أربعة آلاف(1) .

ثم تابع طوسون حتّى دخل مكة والطائف بمساعدة الشريف غالب من دون قتال عام 1229 هـ (1883 م) .

وفي سنة 1228 هـ حج محمد علي باشا وعزل الشريف غالباً وأرسله منفياً إلى سلانيك، وعيّن مكانه الشريف محمّد بن عون، فانتقلت الإمارة من فرع إلى آخر من أُسرة الأشراف، ومحمد بن عون هو جدّ الشريف حسين أبي فيصل ملك العراق وعبد اللّه ملك الأردن.

يقول العلامة الشيخ محمّد جواد مغنية:

إنّ سعود بن عبدالعزيز أقام هيئة باسم الآمرين بالمعروف ومهمتها التجول في الأسواق أوقات الصلاة، تخضّ الناس على أدائها، وما زالت هذه الطريقة متبعة إلى اليوم عند السعوديين، واصبحت تحمل العصا وتجول في الأسواق والشوارع تنهال ضرباً بها على حليق الذقن و من يلمس قبر الرسول، أو قبر إمام من أئمة البقيع، وغير ذلك مما يخالف العقيدة الوهابية، بل كانوا إلى الأمس القريب يضربون المدخنين علناً وإن كانوا غرباء عن الديار(2) .

وقد هلك سعود في الدرعية عام 1229 هـ وهو في الثامنة والستين من


1. ابن بشر، عثمان: عنوان المجد، ص 160 .
2. مغنية، محمد جواد: هذه هي الوهابية، ص 127 .


(378)

عمره، وكانت ولايته إحدى عشرة سنة أي من سنة 1218 هـ إلى سنة 1229 هـ وبذلك طويت صحيفة عمره السوداء وكانت حياته كلها مليئة بالحرب والدمار .

* * *

4- عبداللّه بن سعود (1229 هـ ـ 1234)

وتولى بعد سعود ابنه عبداللّه، ونازعه عمه عبداللّه بن محمد، وانقسمت الأُسرة على نفسها، وفي هذه السنة ارسل الباشا عساكر كثيرة إلى ناحية القنفذة برّاً وبحراً، فاستولوا عليها وهرب من كان فيها من الوهابيين، وفي أول سنة 1230 هـ عاد إلى الطائف، ووقعت بينه وبين الوهابيين حروب كان النصر له فيها عليهم، واستولى عر تبة وبيشة ورينة، وقتل الكثير من الوهابيين، فاستسلم أهلها، ومنها استولى على تربة، وقضى فيها على آخر مقاومة وهابية، ثم عاد إلى مكة ومنها إلى القاهرة(1) .

بقي طوسون في الحجاز بعد حملته إلى نجد .

تدمير الدرعية

وفي أوائل سنة 1234 هـ أرسل محمد علي باشا ولده إبراهيم باشا إلى الحجاز، لإكمال محاربة الوهابيّين والاستيلاء على «الدرعية»، فتوجه بعساكر وأموال وذخائر كثيرة حتّى دخل مكة، ثم خرج منها بالعساكر قاصداً «الدرعية»، وجعل يملك كل أرض وصلها بلا معارضة، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وأسر منهم وغنم خياماً ومدفعين(2) .

وفي سنة 1233 هـ ملك بلداً من بلاد الوهابيين وقبض على أميره، ثم استولى على الشقراء، وكان بها عبداللّه بن سعود، فخرج هارباً إلى «الدرعية» ليلا، وبينها وبين الشقراء يومان، ثم استولى إبراهيم باشا على بلد كبير من


1. جبران شامية: آل سعود ماضيهم ومستقبلهم، ص 68 .
2. الأمين، السيد محسن: كشف الإرتياب، ص 45 .


(379)

بلادهم ولم يبق بينه وبين «الدرعية»، إلاّ ثمان عشرة ساعة، ثم زحف على «الدرعية»، فملك جانباً منها، وحاصر الوهابيين وأحاط بهم(1) .

وقال جبران شامية: استمر الحصار خمسة أشهر، فكانت تتوإلى على إبراهيم باشا النجدات والذخيرة من مصر، والأرزاق والمواشي من البصرة والمدينة، وبقيت قبائل البدو التي انضمن إليه تناصره مادامت عطاياه مستمرة، وفي نهاية الشهر الخامس من الحصار، أي في سنة 1234 هـ ، استسلم عبداللّه بن سعود لإبراهيم باشا فأرسله أسيراً للقاهرة ثم للآستانة، حيث طوفوه في الأسواق ثم أعدموه، وقتل في «الدرعية»، عدد كبير من آل سعود وآل الشيخ، ونفي قسم منهم إلى مصر، وبذلك انتهت الدولة السعودية الأُولى(2) .

ثم اقام إبراهيم باشا في «الدرعية» سبعة أشهر، ثم أمر بتدميرها فاصبحت أثراً بعد عين(3). وانتهت ستة أشهر من المعارك الطاحنة، وفقد السعوديون أثناء تلك المعارك زهاء عشرين من اقرباء الإمام بمن فيهم ثلاثة من إخوانه، وكتب إبراهيم باشا إلى القاهرة والآستانة بأنّ الوهابيين خسروا 14 ألف من القتلى، و 6 آلا من الأسرى، ومن بين الغنائم 60 مدفعاً(4) .

بسبب هزيمة الوهابيين جرت في القاهرة احتفالات بهية، أطلقت فيها نيران المدافع، وأجريت الألعاب النارية، وكان الناس يسرحون ويمرحون، وأعرب شاه إيران (فتح علي شاه) في رسالة إلى محمد علي باشا عن تقديره لدحر الوهابيين(5) .

وقال العلامة الشيخ محمد جواد مغنية في هذا المجال:


1. المصدر السابق .
2. جبران شامية: آل سعود، ماضيهم ومستقبلهم ص 69 .
3. المصدر السابق .
4. فاسيليف: تاريخ العربية السعودية، ص 131 ـ نقلا عن ارشيف السياسة الخارجية لروسيا .
5. الجبرتي، طبع مصر، ص 636 .


(380)

«وطغى إبراهيم باشا وبقي في البلاد، وأكثر فيها الفساد، وصادر أموال آل سعود وآل محمد بن عبدالوهاب، وأجلى الكثير من رجالهم ونسائهم وأطفالهم من الديار، ونفى الكثير منهم إلى مصر، وكان هذا جزاء وفاقاً لما فعلوه من قبل بأُمّة محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ من المظالم والمآثم، وما ارتكبوه من الخيانة للّه وكتابه، وللنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وسنّته: وهكذا كل ظالم لا بد أن يبتلى بأظلم وأغشم(1) .

* * *

(فَاعْتَبِرُوا يا أُولي الأَبصارِ)(2) .


1. الشيخ محمد جواد مغنية: هذه هي الوهابية، ص 129 .
2. سورة الحشر: الآية 2 .


(381)

الفترة الثانية للإمارة القبلية السعودية

قد هرب كثير من كبار الوهابيين عندما ملك إبراهيم باشا «الدرعية»، فلما ارتحل عنها رجعوا إليها، منهم عمر بن عبدالعزيز وتركي ابن أخي عبدالعزيز، ومشاري بن سعود، فعمروا «الدرعية» ورجع أكثر أهلها، فجهّز محمد علي باشا عسكراً بإمرة حسين بك، فقبضوا على مشاري الّذي كان قد انتخب رئيساً لـ «الدرعية» وأرسلوه إلى مصر فمات في الطريق، وتحصّن الباقون في قلعة الرياض، بينها وبين «الدرعية» أربع ساعات، فحصارهم حسين بك ثلاثاً فطلبوا الأمان فآمنهم فخرجوا (إلاّ تركيّاً فهرب من القلعة ليلا) فقيدهم وأرسلهم إلى مصر.

5- تركي ابن أخي عبدالعزيز (1239 ـ 1250 هـ)

عاش تركي ابن أخي عبدالعزيز مختفياً طوال عدة سنوات في المناطق الجنوبية، وكان يتجول في صحراء نجد داعياً العربان إلى إحياء مجد الأسلاف، وتزوج أثناء تجواله بامرأة من آل تامر، ولدت له ذكراً أسماه جلوي، فتجمع حول تركي ثلاثون رجلا ثم انضمت إليه بعض القبائل، وفي تلك الأثناء بدأت في القسيم انتفاضة ضد المصريين إلى حدٍّ ألجأهم إلى الجلاء إلى الحجاز، وتركوا حاميتين في الرياض ومنفوخة(1) .


1. ابن بشر: عنوان المجد، ج 2، ص 12 .


(382)

وانتهز تركي فرصة ضعف المواقع المصرية في نجد في عامي 1239 و 1240 هـ فوسّع نفوذه في المنطقة المحيطة بالرياض ومنفوخة، وعزل الحاميتين المصريتين، وبعد عدة شهور سقطت الرياض بيد تركي، وتمّ جلاء المصريين عن نجد، وأعلنت بعض مناطق القصيم عن اعترافها بحكم تركي، فتركي إذاً هو الأمير السعودي الوهابي الأول من الفرع الثاني لمحمد بن سعود، وبه انتقلت الإمارة من سلالة عبدالعزيز بن محمد بن سعود إلى سلالة أخيه عبداللّه بن محمد بن سعود، وما زالت فيها إلى اليوم(1) .

ولكنه نشب خلاف في العائلة السعودية، فتمرد مشاري بن عبدالرَّحْمن بن مشاري بن سعود مع بعض أفخاذ قبيلة قحطان على الأمير، فكبر على نسل عبد العزيز أن تخرج الإمارة منهم، فدبّر مشاري أمر اغتيال تركي، وتم له ذلك، ونادى مشاري بنفسه أميراً .

6- مشاري بن عبدالرحمن (1250 هـ)

قال جبران شامية: انتهت ولاية الإمام الخامس تركي بن عبد اللّه اغتيالا على يد ابن عمّه مشاري بن عبد الرحمان، الّذي استولى على السلطة وأصبح الإمام السادس، ودام حكم مشاري أربعين يوماً، إذ زحف فيصل بن تركي من الهفوف إلى الرياض بمساعدة عبداللّه، وعبيداللّه، من آل الرشيد شيوخ حائل، واستولى على المدينة وأعدم مشاري، وأصبح فيصل الإمام السابع في العائلة السعودية.

7- فيصل بن تركي (1250 ـ 1253 هـ)

تولى فيصل بن تركي الحكم بعد أبيه وهو في حوالي الأرِبعين من العمر، في أوج نضوج قابلياته الجسمانية والروحانية، وأصبح يتقبل البيعة من أهالي العاصمة، ولكن محمد علي باشا لم يمهله طويلا، فأرسل حملة كبرى إلى نجد ومعها خالد بن سعود، الّذي كان مع السعوديين المنفيين بمصر، فدخل جيش


1. ابن بشر: عنوان المجد، ج 2 ص 26 ـ 30 .


(383)

محمد علي باشا واستولى على العاصمة بلا مقاومة، بعد أن فرّ منها فيصل، ثم أسر ونفي إلى مصر، وأقام المصريون فيها خالد بن سعود حاكماً مكان فيصل، وكان ذلك سنة 1253 هـ .

وكانت الحجاز لم تزل بيد محمد علي، وكان من أعوانه خالد أصغر أبناء سعود الكبير، وأخو الإمام عبد اللّه الّذي استسلم لإبراهيم باشا في الحملة المصرية الأُولى وأُعدم في استنبول .

8- خالد بن سعود (1253 ـ 1255 هـ)

نشأ خالد بن سعود في القاهرة في كنف محمد علي، الّذي أعدّه ليتولى الحكم في الجزيرة العربية نيابة عنه، وكان لخالد أنصاره الذين لم يرضوا عن انتقال الإمامة عن أولاد سعود الكبير إلى أولاد عبد اللّه بن محمد(1) .

وجد فيصل أنّ أهل الرياض وقبائل كثيرة مالت إلى الأمير خالد، لأنّه كان يمثّل نزعة دينية بحكم تثقفه في القاهرة، وذلك ممّا دعا فيصل إلى ترك الرياض، ودخل الأمير خالد الرياض سنة 1253 هـ .

فأعاد الحكومة إلى فرع سعود الكبير، وأصبح الأمير الثامن، فاستمر خالد في الإمارة سنتين .

9- عبد اللّه بن ثنيان (1255 ـ 1258 هـ)

ثم ثار عليه عبد اللّه بن ثنيان مع النجديين، فأرادوا الفتك به فهرب إلى مكة، ثم مات(2) .

ولمّا بلغ ذلك فيصلا وهو محبوس بمصر، استطاع أن يهرب ليلا من القلعة ومن معه، حتّى وصلوا جبل شمر مقر عمارة ابن الرشيد، فأكرمهم وتوجهوا إلى القصيم فانضاف إليهم كثير منهم.

إلى أن استطاع بعون أهالي عنيزة أن يقاتل ابن ثنيان في الرياض ،


1. أبو علية، عبد الفتاح: الدولة السعودية الثانية، ص 41 .
2. الأمين، السيد محسن: كشف الارتياب ص 47 ـ نقلا عن خلاصة الكلام لزيني دحلان .


(384)

فقبضوه وحصروا عليه، ثم قتل في الحبس خنقاً في سنة 1258 هـ .

10- فيصل بن تركي (1258 ـ 1278 هـ)

صار بعد ذلك فيصل سيداً في دياره لمدة تقرب من عشرين عاماً، وفي سنة 1262 هـ صدر الأمر من الدولة العثمانية بتجهيز العساكر لمحاربة فيصل بن تركي أمير الرياض، لأنّه استفحل أمره ويخشى أن يقع منه ما وقع من أسلافه، وأن يكون ذلك برأي الشريف محمد بن عون أمير مكة المكرمة، فتوجه الشريف مع العساكر من المدينة حتّى وصل جبل شمر، فسار معه أميره ابن الرشيد بكثير من القبائل، ولما وصلوا القصيم أطاعهم أهله، فخاف فيصل فأرسل لأهل القصيم أن يتوسط في الصلح على تأدية عشرة آلاف ريال في كل سنة، فتم الصلح، ورجع الشريف بالعساكر، واستمرّ فيصل يدفع ذلك حتّى مات سنة (1282 هـ)(1) .

ولكنه بعد ما أُصيب بالشلل وقد البصر، سلّم الأُمور لابنه عبداللّه، وبعدما مات نشبت حرب أهلية بين أولاده الأربعة، وهم عبداللّه وسعود ومحمد وعبدالرَّحمن، وعمّت الفوضى البلاد.

11- عبداللّه بن فيصل التركي (1278 هـ ـ 1284 هـ)

كان فيصل قد بايع ولده الأكبر عبداللّه بولاية العهد مطابقاً للتقاليد المتّبعة في البيت السعودي، ولكن نشبت الحروب الأهلية بين أولاده الأربعة وهم: عبداللّه وسعود ومحمد وعبدالرحمن، وعمّت الفوضى في البلاد، وقد نازع سعود أخاه عبداللّه وثار عليه، واستمرت الحروب الأهلية بين الطرفين، ونشبت الفتن والقلاقل واستمرت 25 عاماً، ممّا أدى إلى ضعف الإمارة وذهاب سلطانها، وانتفاضة حكام المقاطعات عليها، واستقلال كلّ بدويلته واحتل الأتراك الأحساء والقطيف(2) واستمرّ الصراع داخل أُسرة آل سعود، وظهر عبداللّه في الأراضي المحتلة من قبل الأتراك، وطرد سعود من الرياض موقتاً،


1. جبران شامية: آل سعود، ماضيهم ومستقبلهم، ص 78 .
2. وهبة ـ حافظ: خمسون عاماً في جزيرة العرب، ص 24 .


(385)

ففي سنة 1283 هـ عاد عبداللّه من جديد إلى الرياض إلاّ أنّ الوضع في الإمارة كان ميؤوساً منه فالمجاعة مستمرة، وكان الناس يأكلون جيف الحمير ويحرقون جلود الماعز ويدقونها، بل كانوا يدقون العظام ويأكلون مسحوقها، ومع هذا فمن لم يمت بالسيف مات جوعاً(1) .

12- سعود بن فيصل تركي (1284 هـ ـ 1291 هـ)

وفي العام القادم 1284 هـ عاد سعود مجدداً إلى الرياض، واستمرت المعارك سجالا بين الأخوين واقترنت كالعادة بالنهب والقتل، ولكن عبداللّه بن فيصل كان يعتمد على الأتراك، بينما يعتمد سعود على الإنجليز، حتّى أنّهم أرسلوا أغذية له، وبعد طائفة من الأحداث استتب الأمر إلى سعود، ودخل الرياض في محرم 1290 هـ و توفي بعده بعام 1291 هـ وأمّا عبدالله فقد تنازل عن الحكم وترك الرياض هو وأخوه محمد، ورحل إلى مقربة من الكويت واستقرّ في بادية قحطان، ثم تركها بعد أن رفضوا الخوض في معركة جديدة يكونون حطبها بلا فائدة، ولما توفي سعود أخذ الحكم مكانه أخوه عبد الرَّحمن الّذي كان يميل إلى سعود بعكس محمد، فحكم لمدة عامين، ثم تلاها حرب بينه وبين أخيه محمد الّذي كان يكبره سناً، فوقعت معركة بينهما في ثرمدا في غرب الرياض، وعاد الأمر من جديد للتوتر، حتّى وافق الاثنان على أن يتولى الحكم أخوهم الكبير عبداللّه، فعاد هذا الأخير من البادية واستلم الحكم عام 1293 هـ حتّى عام 1305 هـ ولم يقبل أبناء سعود أن يتولى عمّهم الكبير عبداللّه، فغادروا الرياض احتجاجاً على ذلك، واستقروا في «الخرج». وعندئذ توجه عبد الرحمن خوفاً من أبناء أخيه إلى عبداللّه، فقرر الإخوة الثلاثة (عبداللّه ـ محمد - عبدالرحمن) تشكيل جبهة واحدة بزعامة عبداللّه ضد أولاد سعود الذين تمكنوا من السيطرة على الرياض بضعة أسابيع، ثم فرّ أولاده ودخل عبداللّه الرياض من جديد، وبقي فيها إلى أن مات عام 1305 هـ .


1. الريحاني ـ أمين: تاريخ نجد الحديث، ص 99 .


(386)

13- عبدالرحمن بن فيصل

ولما توفي عبداللّه أخذ أخوه عبدالرحمن الأمر بيده، وأعلن نفسه أميراً خلفاً لأخيه عبداللّه، ولم يطل الوقت حتّى اختلف عبدالرحمن مع أولاد سعود، ومن جانب آخر جنحت قبائل نجد لمحمد بن الرشيد مع أنّه لم يكن وهابياً بل كان حليفاً للخليفة العثماني، الّذي يتبع المذهب الحنفي ويستمد منه المال والسلاح(1) .

ولما رأى عبدالرحمن قوة ابن الرشيد شعر أنّه بين أمرين: إمّا أن يحارب ابن الرشيد وإمّا أن يخضع له كموظف عنده، ولا طاقة له على الأُولى ولا تطيقه نفسه على الثانية، فلم يبق أمامه إلاّ الرحيل، فرحل عن نجد بأهله سنة 1309 هـ وظل منتقلا في الأمصار، فذهب أولا إلى الأحساء، ثمّ إلى الكويت، ثمّ إلى قبائل بني مرة قرب الربع الخالي، ثم إلى قطر ومنها عاد إلى الكويت، واستقرّ فيها مع عائلته وأولاده; وكان عمر ولده عبدالعزيز عشر سنوات، وعين له أمير الكويت الشيخ محمد بن الصباح مرتباً إلى أن خصصت له الدولة العثمانية ستين ليرة عثمانية في الشهر(2) .

فقطع ابن الصباح عنه المرتب، وعاش هو وأفراد عائلته في شدة وضيق(3) وبذلك انتهت الدولة السعودية الثانية .

يقول بعض المؤرخين: «إنّ الوهابية فقدت صيتها وبريقها لما توسّعت فوق طاقتها فانهزمت، وهكذا خسروا الأرض والحركة الوهابية».

لم يكرم الشيخ مبارك الصباح ضيافة آل سعود في الكويت، فسكنوا ثلاث غرف من طين في أحد أزقة الكويت، ومع ذلك كان آل سعود خلال إقامتهم في الكويت مدة سبعة أو ثمانية أعوام متعاونين مع الشيخ مبارك حسبما تمليه مصالحهم، لقد كانت مجالس الشيخ مبارك بالنسبة إلى الشاب عبدالعزيز


1. جبران شامية: آل سعود ماضيهم ومستقبلهم، ص 81 ـ 82 .
2. الريحاني: تاريخ نجد الحديث، ص 91 .
3. مغنية ـ محمد جواد: هذه هي الوهابية، ص 132 ـ 133 .


(387)

مدرسة تلقى مما يدور فيها من الأحداث، ولعلّ أهم درس وعاه هو الحذر عند التعامل مع القوى الدولية، والنظر بعين الاعتبار لمركز بريطانيا المتفوق(1) .


1. السعدون ـ خالد: العلاقات بين نجد والكويت، ص 67 .

Website Security Test