welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : الملل والنحل /ج4 (حياة ابن تيمية وابن عبد الوهاب )*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الملل والنحل /ج4 (حياة ابن تيمية وابن عبد الوهاب )
(292)

(9)

ابن تيمية والنذر لأهل القبور

قال ابن تيمية: وإذا كان الطلب من الموتى ـ ولو كانوا أنبياء ـ ممنوعاً خشية الشرك، فالنذر للقبور أو لسكان القبور نذر حرام باطل يشبه النذر للأوثان .

ويقول: ومن اعتقد أنّ في النذر للقبور نفعاً أو أجراً فهو ضالّ جاهل، ثم يقرر: إنّ ذلك نذر في معصية، وإنّ من يعتقد أنها باب الحوائج إلى اللّه، وأنها تكشف الضر وتفتح الرزق وتحفظ العمر، فهو كافر مشرك يجب قتله(1).

أقول: إنّه قد ذيل كلامه بشيء لا يعتقد به أحد من المسلمين، حتّى يجعل ذلك ذريعة لقبول صدر كلامه. فأىّ مسلم يعتقد أن النبي يكشف الضرر ويفتح الرزق ويحفظ العمر؟ بل معتقَدُ جماهير المسلمين هو أنّ كل الأُمور بيده سبحانه، وأنّ الناس هم الفقراء واللّه هو الغني الحميد، قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الفُقَراءُ إلَى اللّهِ وَاللّهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ)(2) .

ولو اعتقد أحد من المسلمين أن الأنبياء والصالحين ربما يقومون بأُمور خارجة عن السنن العادية فهو نفس الاعتقاد بأنهم أصحاب المعاجز والكرامات، وقد تواترت النصوص على ذلك وأنهم يبرئون الأكمه والأبرص


1. قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، ص 103 .
2. سورة فاطر: الآية 15 .


(293)

ويحيون الموتى بإذن اللّه(1) .

ومن يصف أحداً من الصالحين بباب الحوائج فإنما يصفه بهذا المعنى، يعني أنه سبحانه يستجيب دعاءه إذا دعاه، أو أنّه سبحانه أعطاه مقدرة كبيرة مثل ما أعطى لمن كان عنده علم من الكتاب(2) .

فإذا صحّ ما في القرآن من أنّ أُناساً من الأنبياء وغيرهم كانوا أصحاب مقدرة كبيرة يقومون بخوارق العادات وعجائب الأعمال بإذن اللّه، لصحّ التصديق في غيرهم ممن لم يجىء عنهم ذكر في القرآن، فما معنى الإيمان ببعض والكفر ببعض؟

وأمّا النذر للأموات، فتحقيقه يتوقف على بيان مقدمة:

النذر معناه أن يلزم الإنسان نفسه بأداء شيء معيّن إذا تحقق هدفه وقضيت حاجته، فيقول: للّه علىَّ أن أفعل كذا، إذا كان كذا. مثلا يقول: للّه علىَّ أن اختم القرآن إذا نجحت في الامتحانات الدراسية .

هذا هو النذر الشرعي، ويجب أن يكون للّه، فإذا قال الناذر: نذرت لفلان، ففي قوله مجاز لغاية الاختصار، والمعنى نذرت للّه على أن أفعل شيئاً يكون ثوابه لفلان، وثواب النذر يقع على ثلاثة أقسام:

1- أن يكون الثواب لنفس الإنسان الناذر .

2- أن يكون لشخص ميت .

3- أن يكون لشخص حي .

وهذه الأقسام الثلاثة كلها جائزة، ويجب على الناذر الوفاء بنذره إذا قضيت حاجته، وقد مدح اللّه سبحانه أهل البيت، لأجل الوفاء بالنذر. قال


1. سورة آل عمران: الآية 49 وسورة المائدة: الآية 110 .
2. قال سبحانه: (قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الجنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ... قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدّ إلَيكَ طَرفُكَ)سورة النمل: الآية 39 ـ 40 .


(294)

تعالى: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطيراً)(1)، هذا هو النذر .

وقد تعارف بين المسلمين أنّ النذر للّه وإهداء ثوابه لأحد أولياء اللّه وعباده الصالحين، وكانت عليه السيرة بين المسلمين، إلى أن جاء الدهر بابن تيمية فحرّم ذلك كما عرفت من عبارته، وقد نقل عنه أيضاً العبارة التالية، وقال: «من نذر شيئاً للنبي أو غيره من النبيين والأولياء من أهل القبور، أو ذبح ذبيحة، كان كالمشركين الذين يذبحون لأوثانهم وينذرون لها، فهو عابد لغير اللّه، فيكون بذلك كافراً»(2) .

عجيب جداً حكم ابن تيمية وتكفيره المسلمين بحجة أنّ عمل الناذر يشبه عمل المشركين، أيصحّ في ميزان النصفة الحكم بتكفير المسلمين الذين أرسوا قواعد التوحيد، وحملوه جيلا بعد جيل إلى عصر ابن تيمية، بمجرد أنّ عمل الذابح والناذر يشبه عمل المشركين .

فلو كان هذا ملاكاً للتكفير فابن تيمية والوهابيون وحماة هذه البدع من أعظم المشركين! فإنّ كثيراً من مناسك الحج و فرائضه (الّتي يقوم بها المسلمون من غير فرق بين الوهابي وغيره) تشبه في ظاهرها أعمال عبدة الأصنام، فقد كانوا يطوفون حول أصنامهم ويقبّلونها، ونحن أيضاً نطوف حول الكعبة المشرفة ونقبّل الحجر الأسود، ونذبح الذبائح ونقرّب القرابين في منى يوم عيد الأضحى، كما كانوا يذبحون لأصنامهم، أفيصح تكفير الجميع لأجل هذه المماثلة؟

أو المقياس هو النية القلبية، وأنّ المعيار هو النية والضمائر دون المشابهة والظواهر، وقد قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : إنما الأعمال بالنيات(3) .


1. سورة الإنسان: الآية 7 .
2. نقله عنه شهاب الدين ابن حجر الهيثمي في كتاب «الجوهر المنظم في زيارة القبر الشريف النبوي المكرم» كما في فرقان القرآن للعزامي القضاعي، ص 132 .
3. صحيح البخاري: ج 1، كتاب الإيمان ص 16 .


(295)

ولا يصحّ التسرّع في الحكم بمجرد المماثلة، لأنّ كل من ينذر لأحد من الأولياء فإنما يقصد النذر للّه، وإهداء الثواب للولي الصالح ليس إلاّ، ولا تجد في أديم الأرض من يسجّل اسمه في ديوان المسلمين إلاّ وينوي ذلك، نعم شذّ عنهم ابن تيمية ومن أحيى مسلكه حيث اتّهموا المسلمين بغير ذلك .

يقول الشيخ الخالدي رداً على ابن تيمية:

«إنّ المسألة تدور مدار نيات الناذرين، وإنما الأعمال بالنيات، فإن كان قصد الناذر الميت نفسه، والتقرّب إليه بذلك، لم يجز ـ قولا واحداً ـ وإن كان قصده وجه اللّه تعالى وانتفاع الأحياء بوجه من الوجوه به، وإهداء ثوابه لذلك المنذور له، وسواء عيّن وجهاً من وجوه الإنتفاع، أو أطلق القول فيه، وكان هناك ما يطرد الصرف فيه في عرف الناس، أو أقرباء الميت، أو نحو ذلك، ففي هذه الصورة يجب الوفاء بالنذور»(1) .

قال العزامي:

«...ومن استخبر حال من يفعل ذلك من المسلمين، وجدهم لا يقصدون بذبائحهم ونذورهم للأموات ـ من الأنبياء والأولياء ـ إلاّ الصدقة عنهم، وجعل ثواباها لهم، وقد علموا أنّ إجماع أهل السنة منعقد على أن صدقة الأحياء نافعة للأموات، واصلة إليهم، والأحاديث في ذلك صحيحة مشهورة.

فمنها: ما صحّ عن سعد أنّه سأل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قال: يا نبىّ اللّه إنّ اُمّي قد افتلتت، وأعلم أنها لو عاشت لتصدّقت أفإن تصدّقتُ عنها أينفعها ذلك؟

قال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : نعم. فسأل النبي: أىّ الصدقة انفع يا رسول اللّه؟

قال: الماء .


1. صلح الأخوان: للخالدي، ص 102 وما بعده .


(296)

فحفر بئراً وقال: هذه لأُم سعد(1) .

وقد أخطأ محمد بن عبدالوهاب فادّعى أن المسلم إذا قال: «هذه الصدقة للنبي أو للولي: فاللام بنفسها هي اللام الموجودة في قولنا: «نذرت للّه» يراد منها الغاية» .

بل العمل للّه، بينما لو قال: للنبي، يريد بها الجهة التي يصرف فيها الصدقة من مصالح النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في حياته ومماته.

وفي هذا الصدد يقول العزامي ـ بعد ذكر قصة سعد ـ :

«اللام في هذه لأُم سعد»، هي الام الداخلة على الجهة الّتي وجهت إليها الصدقة لا على المعبود المتقرب إليه، وهي كذلك في كلام المسلمين، فهم سعديون لا وثنيون، وهي كاللام في قوله تعالى: (إنّما الصّدقات للفرقاء) لا كاللام في قوله سبحانه: (رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا في بَطْني مُحرَّراً)(2) أو في قول القائل: صلّيت للّه ونذرت للّه، فإذا ذبح للنبي أو الولي أو نذر الشيء له فهو لا يقصد إلاّ أن يتصدق بذلك عنه، ويجعل ثوابه إليه، فيكون من هدايا الأحياء للأموات، المشروعة، المثاب على إهدائها، والمسألة محرّرة في كتب الفقه وفي كتب الردّ على الرجل ومن شايعه»(3) .

وهكذا ظهر لك ـ أيها القارىء ـ جواز النذر للأنبياء والأولياء من دون أن تكون فيه شائبة شرك، فيثاب به الناذر إن كان للّه وذبح المنذور باسم اللّه: فقول القائل «ذبحت للنبي» لا يريد أنه ذبحه للنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بل يريد أن الثواب له، كقول القائل: ذبحت للضيف، بمعنى أن النفع له والفائدة له، فهو السبب في حصول الذبح .

ويوضح ذلك ما روي عن ثابت بن الضحاك قال:


1. لاحظ: فرقان القران ص 133 .
2. سورة آل عمران: الآية 35 .
3. فرقان الفرقان: ص 133 .


(297)

«نذر رجل عهد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أن ينحر إبلا بـ «بوانة» فأتى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فأخبره، فقال النبي:

هل كان فيها من يعبد من أوثان الجاهلية؟

قالوا: لا .

قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟

قالوا: لا .

قال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ للسائل: أوف بنذرك، فإنّه لا وفاء في معصية اللّه، ولا فيما لا يملك ابن آدم»(1) .

وروي أيضاً:

«إنّ امرأة أتت النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فقالت: يا رسول اللّه... إني نذرت أن أذبح بمكان كذا وكذا، كان يذبح فيه أهل الجاهلية .

فقال النبي: الصنم؟

قالت: لا .

قال: الوثن؟

قالت: لا.

قال: في بنذرك»(2) .

وعن ميمونة بنت كردم أنّ أباها قال لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : يا رسول اللّه إني نذرت إن ولد لي ذكر، أن أنحر على رأس بوانة «في عقبة من الثنايا» عدة من الغنم..

قال «الراوي عنها»: لا أعلم إلاّ أنها قالت: خمسين .


1. سنن أبي داود: ج 2 ص 80 .
2. سنن أبي داود: ج 2 ص 81 .


(298)

فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : هل من الأوثان شيء.

قالت: لا .

قال: فأوف بما نذرت به لله...»(1) .

أرأيت أيّها القارىء ـ كيف يكرر النبي ـ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ السؤال عن جود الأصنام في المكان الّذي تذبح فيه الذبائح؟

إنّ هذا دليل على أنّ النذر الحرام هو النذر للأصنام، حيث كان ذلك عادة أهل الجاهلية، كما قال تعالى:

(وَمَا ذُبحَ عَلَى النُّصُبِ... ذَلِكُمْ فِسْقٌ)(2) .

ومن اطّلع على أحوال الزائرين للعتبات المقدسة ومراقد أولياء اللّه الصالحين يعلم جيداً أنهم ينذرون لله تعالى ولرضاه، ويذبحون الذبائح باسمه عزّوجلّ، بهدف انتفاع صاحب القبر بثوابها، وانتفاع الفقراء بلحومها، وبذلك تعرف سقوط كلمة محمد بن عبدالوهاب في اتّهام المسلمين بأنهم ينحرون للنبي، وِزانَ النحر لله سبحانه، حيث يلقِّن أتباعه الحجة ويقول: «فقل: فإذا عملت بقول اللّه تعالى: «فصل لربك» وأطعت اللّه ونحرت له هل هذا عبادة؟ فلا بد أن يقول: نعم، فقل له: فإن نحرت لمخلوق: نبي أو أجنبي أو غيرهما، هل أشركت في هذه العبادة غير اللّه؟ فلابد أن يقرّ ويقول: نعم» (3) .

والمسلمين تخيّل أنّ اللام في «هذا للنبي» نفس اللام في «نذرت لله» وقد عرفت أن إحداهما للغاية، والأُخرى للإنتفاع .

وختاماً لهذا الفصل نذكر كلمة للخالدي ـ بعد أن ذكر ما رواه أبو داود في سننه ـ قال:


1. سنن أبي داود: ج 2 ص 81 .
2. سورة المائدة: الآية 3 .
3. صلح الإخوان للخالدي، ص 109 .


(299)

«وأمّا استدلال الخوارج بهذا الحديث على عدم جواز النذر في اماكن الأنبياء والصالحين. زاعمين بأنّ الأنبياء والصالحين أوثان ـ والعياذ باللّه ـ وأعياد من أعياد الجاهلية، فهو من ضلالاتهم وخرافاتهم وتجاسرهم على أنبياء اللّه وأوليائه، حتّى سمّوهم أوثاناً، وهذا غاية التحقير لهم، خصوصاً الأنبياء، فإنّ من انتقصهم ولو بالكناية ـ يكفر ولا تقبل توبته ـ في بعض الأقوال ـ وهؤلاء المخذولون بجهلهم، يسمّون التوسل بهم عبادة، ويسمونهم أوثاناً، فلا عبرة بجالهة هؤلاء وضلالاتهم، واللّه أعلم»(1) .

(يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمَاً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطيراً * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسكينَاً وَيَتيمَاً وَأَسيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللّهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُوراً)(2) .


1. كشف الشبهات، ص 8 .
2. سورة الإنسان: الآية 7 - 9 .


(300)

(10)

ابن تيمية والحلف بغير اللّه تعالى

إنّ من المسائل المهمة عند الوهابيين هو الحلف بغير اللّه، وذهب ابن تيمية إلى كونه شركاً، اعتماداً على ما رواه الترمذي: «من حلف بغير اللّه فقد أشرك» وتحقيق الحق يتوقف على توضيح الأُمور التالية:

1- هل اليمين الفاصل في الدعاوي هو الحلف باللّه، أو يعمه وغيره؟

2- هل ينعقد اليمين بالحلف بالنبي مثلا، بحيث لو حنث لزمته الكفارة أو لا؟

3- هل يجوز الحلف بغير اللّه سبحانه أولا؟

وإليك نقل أقوال أئمة المذاهب الفقهية في المجالات المتقدمة:

أ - ما هو الحلف الفاصل في الخصومات؟

أمّا فقهاء الشيعة فقد اتفقت كلمتهم على أن اليمين الفاصل في الخصومات هو الحلف باللّه وأسمائه. قال المحقق الحلي: لا يستحلف أحد إلاّ باللّه ولو كان كافراً، فلا يجوز الإحلاف بغير أسماء اللّه سبحانه، كالكتب المنزلة، والرسل المعظمة، والأماكن المشرفة(1) وأمّا السنّة فلم أجد لهم نصاً في خصوص هذه المسألة في الكتب الفقهية، نعم يعلم حكمها مما سنذكره عنهم في المسألتين التاليتين .


1. جواهر الكلام، في شرح شرائع الإسلام، ج 40 ص 225 .


(301)

ب ـ هل ينعقد الحلف بغيره سبحانه؟

قال ابن تيمية: وقد اتفق العلماء على أنّه لا ينعقد اليمين بغير اللّه، ولو حلف بالكعبة أو بالملائكة أو بالأنبياء ـ عليهم السَّلام ـ لم تنعقد يمينه، ولم يقل أحد إنه ينعقد اليمين بأحد من الأنبياء، فإنّ عن أحمد في انعقاد اليمين بالنبي روايتين، لكن الّذي عليه الجمهور كمالك والشافعي، وأبي حنيفة أنه لا ينعقد اليمين به، كإحدى الروايتين عن أحمد، وهذا هو الصحيح(1) .

وقال ابن قدامة في المغني: ولا تنعقد اليمين بالحلف بمخلوق كالكعبة والأنبياء وسائر المخلوقات، ولا تجب الكفارة بالحلف فيها... وهو قول أكثر الفقهاء، وقال أصحابنا: الحلف برسول اللّه يمين موجبة للكفارة، وروي عن أحمد أنه قال: إذا حلف بحق رسول اللّه وحنث فعليه الكفارة. قال أصحابنا: لأنه أحد شرطي الشهادة، فالحلف به موجب للكفارة، كالحلف باسم اللّه(2) .

وبالإمعان في كلام ابن قدامة يظهر عدم صحة ما ذكره ابن تيمية من أنه «اتفق العلماء على أنه لا ينعقد اليمين بغير اللّه» وأين هو من قول ابن قدامة: «قال أصحابنا: الحلف برسول اللّه يمين موجبة للكفارة؟ وهو وابن قدامة كلاهما حنبليان، وبما أن المسألة فقهية لا نستعرضها أزيد من ذلك، وإنما نركز البحث على المسألة الثالثة .

ج ـ هل يجوز الحلف بغير اللّه أو لا؟

هذه المسألة هي الّتي عقدنا الفصل لبيان حكمها. قال ابن تيمية: «لا يشرع ذلك بل ينهى عنه إمّا نهي تحريم وإمّا نهي تنزيه، وإنّ للعلماء في ذلك قولين، والصحيح أنه نهي تحريم، وفي الصحيح عنه (صلى اللّه عليه وآله) أنه قال: من كان حالفاً فليحلف باللّه أو ليصمت، وفي الترمذي أنه قال: من


1. مجموعة الرسائل والمسائل: ج 1 ص 209 .
2. المغني لابن قدامة: ج 11 ص 17 .


(302)

حلف بغير اللّه فقد أشرك(1) .

وقال الصنعاني: إنّ الحلف بغير اللّه شرك صغير(2)، وقال ابن قدامة: ولا يجوز الحلف بغير اللّه وصفاته، نحو أن يحلف بأبيه أو الكعبة أو صحابي أو إمام. قال الشافعي: أخشى أن يكون معصية. قال ابن عبد البر: وهذا أصل مجمع عليه، وقيل; يجوز ذلك لأنّ اللّه تعالى أقسم بمخلوقاته فقال: «والصّافّات صفّاً، والمرسلات عرفاً، والنازعات غرقاً»، وقال النبي للأعرابي السائل عن الصلاة: «أفلح وأبيه إن صدق» وفي حديث أبي الشعراء: «وأبيك لو طعنت في فخذها لأجزاك» ثم إن لم يكن الحلف بغير اللّه محرّماً فهو مكروه، فإن حلف فليستغفر اللّه تعالى، أو ليذكر اللّه تعالى، كما قال النبي: من حلف باللاّت والعزّى فليقل: لا إله إلاّ اللّه(3) .

أنت ترى أنّ ابن تيمية وتلميذ منهجه الشيخ الصنعاني أفتيا بالحرمة، ولكن الظاهر من عبارة ابن قدامة أن المسألة مما اختلف فيه الفقهاء، فهم بين محرّم ومجوّز، حتّى أنّ الشافعي قال: أخشى أن يكون معصية، وإذ كانت المسألة على هذا المستوى من الاختلاف، فهل يجوز تكفير الحالف بمثل هذه المسألة؟ مع أنّ أكثر الفقهاء قائلون بالجواز.

قال في الفقه على المذاهب الأربعة: «إذا قصد الحالف إشراك غير اللّه معه في التعظيم ففيه تفصيل في المذاهب، ثم ذكر التفصيل بالنحو الآتي»:

«الحلف بالطلاق نحو: علىّ الطلاق: إن فعلت كذا، جائز بدون كراهة، ويلزمه الطلاق إذا كان الغرض منه الوثيقة، أي وثوق الخصم بصدق الحالف، جاز بدون كراهة. وإذا لم يكن الغرض منه ذلك، أو كان حلفاً على الماضي فإنه يكره، وكذلك الحلف (بنحو وأبيك ولعمرك) .

وقالت الشافعية: يكره الحلف بغير اللّه إذا لم يقصد شيئاً مما ذكر في أعلى الصحيفة، ويكره الحلف بالطلاق .


1. مجموعة الرسائل والمسائل: ج 1 ص 17 .
2. تطهير الاعتقاد، ص 14 .
3. المغني لابن قدامة: ج 11 ص 163 (كتاب الأيمان) طبع دارالكتاب العربي ـ بيروت .


(303)

وقالت الحنابلة: يحرم الحلف بغير اللّه وصفاته، ولو بنبي أو ولي، ويكره الحلف بالطلاق والعتاق والمشهور الحرمة»(1) .

فعلى ضوء هذا فقد أفتى الحنابلة من بين المذاهب الأربعة بالحرمة، وذهبت الحنفية والشافعية إلى الجواز وللمالكية قولان .

هذه هي الأقوال في المسألة، وإليك تحليلها فقهياً واجتهاداً:

عرض المسألة على القرآن

إنّ القرآن الكريم هو الثقل الأكبر والقدوة العليا والمثل الحي لكل مسلم، نرى فيه الحلف بغير اللّه في غير واحد من السور، فقد أقسم تعالى في سورة الشمس وحدها بغير ذاته وصفاته، أعني الشمس وضحاها، والقمر والنهار والليل، والسماء والأِض، والنفس الإنسانية، وأقسم سبحانه في سورة النازعات بأمرين: المرسلات والناشرات، كذلك ورد الحلف بغير اللّه في سورة «الطارق» و «القلم» و «العصر» و «البلد» وغيرها.

وإليك نماذج من آيات الحلف بغير اللّه سبحانه الواردة في غير هذه السور:

(وَالتِّينِ وَالزَّيتُونِ * وَطُورِ سِينيِينَ * وَهَذَا البَلَدِ الأمينِ)(2) .

(وَالليلِ إذَا يَغْشَى * وَالنَّهارِ إذَا تَجَلّى)(3) .

(وَالفَجْرِ * ولَيال عَشْر * والشَّفْعِ وَالوَتْرِ * وَالليلِ إذَا يَسْرِ)(4) .

(وَالطُّورِ * وَكِتاب مَسْطُور * فِي رَقٍّ مَنْشور * وَالبَيتِ المَعْمُورِ * والسَّقْفِ المَرفُوعِ * وَالبَحْرِ المَسجُورِ)(5) .


1. الفقه على المذاهب الأربعة، ج 2 (كتاب اليمين)، ص 75 .
2. سورة التين: الآية 1-3 .
3. سورة الليل: الآية 1-2 .
4. سورة الفجر: الآية 1-4 .
5. سورة الطور: الآية 1-6 .


(304)

إذا كان القرآن كتاب هداية للبشر والناس يتخذونه قدوة وأُسوة، فلو كان هذا النوع من الحلف حراماً على العباد، وأمراً خاصاً باللّه سبحانه، لكان المفروض أن يحذّر منه القرآن، ويذكر بأن هذا من خصائصه سبحانه .

ومن هنا يعلم أنّ توصيف الحلف بغير اللّه بكونه شركاً صغيراً يستلزم نسبة الشرك إلى اللّه سبحانه، وإذا كانت ماهية الحلف بغير اللّه ماهية شركية فلا يفرق بينه وبين عباده، فإذا كانت ماهية الشيء ظلماً وتجاوزاً على البريء، فاللّه وعباده فيه سيان، قال تعالى: (قُلْ إنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لا تَعْلَمونَ)(1) .

إنّ الحلف بهذه العظائم كما يتضمن الدعوة إلى التدبّر والدقة في صنعها، والنواميس السائدة عليها، واللطائف الموجودة فيها، وبالتالي يحتج بها على صانع لها عالم وقادر وحي و...، كذلك يتضمن جواز الحلف بها إذا كان موجوداً مقدساً، كما حلف سبحانه بحياة النبي وقال:

(لَعَمْرُكَ إنَّهُم لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمِهُونَ)(2) .

عرض المسألة على الأحاديث

هذا بالنسبة إلى القرآن، وإليك عرض المسألة على سنة النبي الأكرم، أعني قوله وفعله وتقريره، فقد حلف بغير اللّه في موارد عديدة منها:

1- روى مسلم في صحيحه:

«جاء رجل إلى النبي فقال: يا رسول اللّه أىّ الصدقة أعظم أجراً؟ فقال: أما وأبيك فننبئنّك: أن تصدَّق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل البقاء»(3) .

2- روى مسلم أيضاً:


1. سورة الأعراف: الآية 28 .
2. سورة الحجر: الآية 72 .
3. صحيح مسلم، ج 3، كتاب الزكاة ـ باب أفضل الصدقة، ص 94 .


(305)

«وجاء رجل إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ـ من نجد ـ يسأل عن الإسلام، فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : خمس صلوات في اليوم والليل .

فقال: هل علىّ غيرهن؟

قال: لا... إلاّ أن تطّوّع، وصيام شهر رمضان .

فقال: هل علىّ غيره؟

قال: لا... إلاّ أن تطّوّع، وذكر له رسول اللّه الزكاة.

فقال الرجل: هل علىَّ غيرها؟

قال: لا... إلاّ أن تطّوّع .

فأدبر الرجل وهو يقول: لا أزيد على هذا ولا أنقص منه .

فقال رسول اللّه: أفلح وأبيه(1) إن صدق .

أو قال: دخل الجنة ـ وأبيه ـ إن صدق»(2) .

3- وروي الحديث في مسند أحمد بن حنبل، وفي نهايته: أنّ النبي قال له:

«... فلعمري لئن تتكلم(3) بمعروف و تنهى عن منكر، خير من أن تسكت»(4) .

وهناك أحاديث أُخرى لا يسع الكتاب ذكرها(5) .

وقد أقسم الإمام علىّ ـ عليه السَّلام ـ ـ ذلك النموذج البارع في التربية


1. أي حلفاً بأبيه، فالواو واو القسم .
2. صحيح مسلم، ج 1 باب ما هو الإسلام، ص 32 .
3. أي تتكلم ـ للمخاطب ـ كما في قوله تعالى: «فأنت له تصدى» «أي تتصدى» .
4. مسند أحمد، ج 5 ص 225 .
5. راجع مسند أحمد: ج 5 ص 212، وسنن ابن ماجة: ج 1 ص 255 وج 4 ص 595 .


(306)

الإسلامية والقيم العالية ـ بنفسه الشريفة مرات في خطبه ورسائله وكلماته(1) .

وهذا أبوبكر بن أبي قحافة يقول للسارق الّذي سرق حلي ابنته، فقال: «وأبيك ما ليلك بليل سارق»(2) .

ولا أرى البحث أكثر من هذا إلاّ تطويلا بلا طائل، وبما أنّ الوهابيين يتمسكون ببعض الأحاديث فلا بأس بدراستها:

1- إنّ رسول اللّه سمع عمر و هو يقول: وأبي، فقال: إنّ اللّه ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، ومن كان حالفاً فليحلف باللّه أو يسكت(3) .

يلاحظ على الاستدلال: بأنّ وجه النهي عن الحلف بالآباء، أنّ أباءهم في الغالب كانوا مشركين وعبدة الأصنام، فلم تكن لهم حرمة ولا كرامة حتّى يحلف أحد بهم، ويؤيد ذلك ما روي عن النبي أنه قال: «ولا تحلفوا بآبائكم ولا بأُمهاتكم ولا بالأنداد»(4) وروي أيضاً: «لا تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغيت»(5) .

على أنّه يحتمل أن يكون النهي عن الحلف بالأب في مقام فصل الخصومات و حسم الخلافات، وقد عرفت أنّ الفاصل في هذا المجال هو الحلف باللّه وصفاته .

وأكثر ما يمكن أن يقال: إنّ النهي تنزيهي لا تحريمي بشهادة ما سبق من الحلف بغير اللّه في حديث الرجل النجدي .

2- جاء ابن عمر رجل فقال: أحلف بالكعبة؟ قال له: لا، ولكن احلف برب الكعبة، فإنّ عمر كان يحلف بأبيه، فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ


1. نهج البلاغة: تعليق محمد عبده: الخطبة رقم 22 و25 و56 و85 و161 و168 و182 و183 و187 والرسالة رقم 6 و9 و54 . 2. الموطأ، أخرجه في باب الحدود برقم 29 .
3. سنن ابن ماجة: ج 1 ص 277، سنن الترمذي: ج 4 ص 109 وغيرهما.
4. سنن النسائي ج 7 ص 9 .
5. سنن النسائي: ج 7 ص 7، سنن ابن ماجة: ج 1 ص 278 ـ والطواغيت هي الأصنام .


(307)

لا تحلف بأبيك فإنّ من حلف بغير اللّه فقد أشرك(1) .

يلاحظ على الاستدلال: أنّ الحديث يتألف من أُمور ثلاثة:

1- إِنَّ رجلا جاء إلى ابن عمر فقال: أحلف بالكعبة؟ فأجابه بقوله: لا، ولكن احلف برب الكعبة .

2- إِنَّ عمر بن الخطاب كان يحلف بأبيه، فنهاه النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عن ذلك .

3- إِنَّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ علل ذلك بقوله: «من حلف بغير اللّه فقد أشرك» .

والمتبادر من كلام الرسول حيث وقع تعليلا لنهي عمر عن الحلف بوالده ـ الكافر ـ ما إذا كان المحلوف به شيئاً غير مقدس كالكافر والصنم، وأما إذا كان المحلوف به مقدساً وذا فضيلة وكرامة كالكعبة، فكلام الرسول منصرف عنه، وإنما اجتهد ابن عمر حيث حمل كلام الرسول حتّى على الحلف بالمقدس، كالكعبة، واجتهاده حجة على نفسه لا على غيره .

وهناك جواب آخر، وهو أنه يحتمل وقوع التحريف في الخبر، وأن قوله فقال: «رسول اللّه» مصحّف قوله: وقال رسول اللّه، وعندئذ يكون كلام الرسول مستقلا، لا تعليلا بشيء حتّى النهي عن الحلف بالكافر، وعلى هذا فالحديث مركب من أُمور ثلاثة جمعها ابن عمر في حديث واحد .

والّذي يعرب عن أنّ كلام الرسول كان كلاماً مستقلا غير واقع في ذيل النهي عن الحلف بالأب، ما رواه إمام الحنابلة عن ابن عمر، قال:

«كان يحلف أبي، فنهاه النبي وقال: من حلف بشيء دون اللّه فقد أشرك»(2) فلو كان كلام الرسول مصدّراً بنهي عمر عن الحلف بأبيه كان اللازم أن يقول: «فقال» مكان «قال» وعلى فرض استقلاله ووروده بدون


1. السنن للبيهقي: ج 1 ص 29، وقريب منه في مسند أحمد: ج 2 ص 69 .
2. مسند أحمد: ج 2 ص 34 .


(308)

«الفاء» يكون القدر المتيقن منه الحلف بالأصنام .

ويشهد على ذلك ما رواه النسائي: أن النبىَّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قال: «من حلف فقال في حلفه باللات والعزى فليقل لا إله إلاّ اللّه»(1) .

والحديث يعرب عن أن رواسب الجاهلية كانت باقية في بعض النفوس، فكانوا يحلفون بأصنامهم المعبودة، فأمرهم النبي أن يقولوا بعد الحلف: «لا إله إلاّ اللّه» ليقضي على تلك الرواسب الجاهلية .

وحصيلة الجوابين: إنَّ قول النبي: «من حلف بغير اللّه فقد أشرك» إمّا مختص بغير المقدسات كالحلف باللات والعزى والكافر، أو مختص بالأصنام والأوثان فقط، ولا يعم الكافر فضلا عن المقدسات .


1. سنن النسائي: ج 7 ص 8 .


(309)

(11)

ابن تيمية والحلف على اللّه بحق الأولياء

إنّ من نقاط الاختلاف بين جماهير المسلمين والوهابيين هي مسألة الحلف على اللّه بحق الأولياء .

قال ابن تيمية: التوسل في لغة الصحابة: أن يطلب من النبي الدعاء والشفاعة فيكونون متوسلين و متوجهين بدعائه وشفاعته، ودعاؤه وشفاعته من أعظم الوسائل عند اللّه، وأمّا في لغة كثير من الناس: أن يسأل بذلك، ويقسم عليه بذلك، واللّه تعالى لا يقسم عليه بشيء من المخلوقات، بل لا يقسم بها بحال، فلا يقال أقسمت عليك يا رب بملائكتك، ونحو ذلك، بل إنما يقسم باللّه وأسمائه وصفاته... وأمّا أن يسأل اللّه ويقسم عليه بمخلوقاته، فهذا لا أصل له في الإسلام .

وقال: وقوله: «اللّهمّ إنّي أسألك بمعاقد العز من عرشك، ومنتهى الرحمة من كتابك، وباسمك وجدك الأعلى وكلماتك التامة» مع أنّ في جواز الدعاء به قولين للعلماء: فجوّزه أبو يوسف وغيره، ومنع منه أبو حنيفة وأمثاله، فينبغي للخلق أن يدعوا بالأدعية المشروعة الّتي جاء بها الكتاب والسنة(1) .

ترى أنّ ابن تيمية يفتي بالحرمة من دون أن يذكر لها مصدراً، بل يفتي على خلاف النص كما ستعرفه .


1. مجموعة الرسائل والمسائل: ج 1 ص 21 .


(310)

وجاء الرفاعي يتفلسف في تبيين حرمة الحلف على اللّه بمخلوقه، ويقول:

إنّ الإقسام على اللّه بمخلوقاته أمر خطير يقرب من الشرك، إن لم يكن هو ذاته، فالإقسام على اللّه بمحمد وهو مخلوق بل وأشرف المخلوقين لا يجوز، لأنّ الحلف بمخلوق على مخلوق حرام، وإنّه شرك لأنّه حلف بغير اللّه، فالحلف على اللّه، بمخلوقاته من باب أولى، أي جعلنا المخلوق بمرتبة الخالق، والخالق بمرتبة المخلوق، لأنّ المحلوف به أعظم من المحلوف عليه، ولذلك كان الحلف بالشيء دليلا على عظمته، وأنّه أعظم شيء عند المحلوف عليه(1) .

ومن هنا كان الحلف بالمخلوق على اللّه شركاً باللّه، لأننا خصصنا هذه المكانة العليا بالمخلوق، مع أنها هي بالخالق أولى(2) .

يلاحظ عليه: أنّ كلامه يشتمل على أمرين:

1- إنَّ الحلف بغير اللّه شرك .

2- إنَّ المحلوف به أعظم من المحلوف عليه، فلازم الحلف بالمخلوق على اللّه كونه أعظم من اللّه .

وكلتا الدعويين باطلتان، أمّا الأُولى فقد عرفت في البحث السابق أن الحلف بغير اللّه ليس بحرام، بل هو سنة متبعة بين المسلمين، فقد حلف رسوله ووصيه بغير اللّه، وأن الكتاب قدوة وأسوة، فقد حلف بعمر النبي وحلف بالقرآن الكريم وقال: «يس والقرآن الحكيم» فما هذا الإفتاء به دليل، والتشريع بلا برهان؟

(قُلْ ُآللّه أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرونَ)(3) .


1. تلاحظ أن هذا لا ينسجم مع ما سبق منه: «إنّ المحلوف به أعظم من المحلوف عليه» وفي النسخة بعد لفظة «عليه» لفظة «به» .
2. التوصل إلى حقيقة التوسل: ص 217 ـ 218 .
3. سورة يونس: الآية 59 .


(311)

و أمّا الثانية فالمصيبة فيها أعظم، فإن لازم الحلف بشيء على اللّه، أن يكون المحلوف به محترماً عند اللّه و مقبول الشفاعة والدعاء، لا كونه أعظم من المحلوف عليه، فالرجل لم يفرق بين كونه أكرم عند الّه وبين كونه أعظم من اللّه، والحاصل أنّ هذه التفلسفات لا تكون مدركاً للتشريع والإفتاء بالحرمة، فيجب اتّباع النص وتعليل المسألة في ضوء القواعد الفقهية، فها هنا مقامان:

1- هل الحلف بمخلوق على اللّه شرك؟

2- هل هناك ما يدل على حكم هذا الحلف؟

أمّا الشرك فقد حددناه ووضعنا له حداً منطقياً، وهو الخضوع عن اعتقاد بألوهية المخضوع له وربوبيته، أو كونه قائماً بفعله سبحانه، وهل ينطبق هذا الحد على الحلف بالمخلوق على اللّه؟

إنّ الذكر الحكيم يصف بعض عباد اللّه ويقول:

(الصَّابِرينَ والصَّادِقينَ والقَانَتِينَ والمُنْفِقِينَ وَالمُسْتَغْفِرينَ بِالأسْحَارِ)(1) .

فلو أنّ إنساناً قام في هزيع من الليل وصلّى لربه ركعات، ثم تضرع إلى اللّه قائلا:

«اللّهمّ إنّي أسألك بحق المستغفرين في الأسحار، اغفرلي ذنبي» فهل يصحّ لنا أن نعده مشكركاً، وأنه أشرك الغير في عبادة اللّه، مع أنه رفع يديه إلى اللّه سبحانه ودعاه بالضراوة؟

إنّ القرآن الحكيم ذكر مقياساً للتمييز بين المشرك والموحّد فقال:

(إِنَّهُم كَانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لاَ إله إلاّ اللّه يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقولُونَ أَئِنّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنا لِشَاعِر مَجْنُون)(2) .


1. سورة آل عمران: الآية 17 .
2. سورة الصافات: الآية 35 ـ 36 .


(312)

وقال: (وَإذَا ذُكِرَ اللّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإذَا ذُكِرَ الَّذينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ)(1)وقال سبحانه: (ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُم، وَإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤمِنُوا فَالحُكْمُ لَلّهِ العَلِىِّ الكَبير)(2) .

فهل ينطبق هذا المقياس المركز عليه في الذكر الحكيم على من أحلف اللّه بحبيب من أحبائه، أو شهيد من شهداء دينه؟ فهل هو من الذين إذا دعي اللّه وحده كفر، وإن أشرك به آمن؟

كلاّ وألف كلاّ .

إنّ أرخص شيء وأوفره في سوق الوهابيين هو البذاءة في اللسان، وتكفير المسلمين واتهامهم بالشرك، فكأنهم لا يوجد في علبتهم إلاّ السب والكلام البذيء والاتهام بالشرك، معرضين عن قوله سبحانه:

(وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلقَى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤمِناً)(3)

وكأنه سبحانه خوّل تفسير الشرك إلى الوهابيين ليفسروه كيف يشاؤون، فيعتبروا جماعة مشكرين وأُخرى موحدين .

أمّا المقام الثاني، أعني استخراج حكم المسألة من الكتاب والسنة، فيكفي في ذلك :

1- ما رواه أبو سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ما خرج رجل من بيته إلى الصلاة فقال: اللّهمّ إنّي أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي...(4) .

2- ما رواه البيهقي عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ :


1. سورة الزمر: الآية 45 .
2. سورة غافر: الآية 12 .
3. سورة النساء: الآية 94 .
4. لاحظ ص 257، 261، 232، 258 من هذا الجزء .


(313)

لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد إلاّ غفرت لي..»(1) .

3- وما رواه عثمان بن حنيف عن رسول اللّه من دعاء الرسول للضرير وفيه «اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجه إليك بنبيّك محمد نبىّ الرحمة...» (2) .

4- وما روي من دعاء النبي عند دفن فاطمة بنت أسد، قال: اغفر لفاطمة بنت أسد ووسّع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي» (3) .

إنّ هذه الأحاديث وإن خلت من لفظ القسم بعينه، لكن مضمونه موجود لمكان الباء فيها، والمعنى: أقسم عليك بحقّهم .

هذا ما روي عن النبي الأكرم، وإليك ما روي عن أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ .

5- هذا إمام المتقين أميرالمؤمنين علي ـ عليه السَّلام ـ يقول في دعائه بعد صلاة الليل: «اللّهمّ إني أسألك بحرمة من عاذ بك منك، ولجأ إلى عزّك، واستظلّ بفيئك، واعتصم بحبلك، ولم يثق إلاّ بك» (4).

6- ويقول في دعاء علّمه لأحد أصحابه... «وبحق السائلين عليك، والراغبين إليك، والمتعوذين بك، والمتضرعين إليك، وبحق كل عبد متعبّد لك في كل برّ أو بحر أو سهل أو جبل، أدعوك دعاء من اشتدّت فاقته» (5) .

7- وهذا أبو الشهداء الإمام الحسين بن علىّ ـ عليهما السَّلام ـ يقول في دعائه:

«اللّهمّ إني أسالك بكلماتك، ومعاقد عزك، وسكان سماواتك وأرضك، وأنبيائك ورسلك أن تستجيب لي، فقد رهقني من أمري عسر،



(1، 2، 3) المصدر السابق .
(4، 5) الصحيفة العلوية: ص 370 .


(314)

فأسألك أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تجعل من أمري يسراً».

8- وهذا هو الإمام زين العابدين يقول في دعائه يوم عرفة وهو يناجي ربّه:

«بحقّ من انتخبت من خلقك، بمن اصطفيته لنفسك، بحقّ من اخترت من بريّتك، ومن اجتبيت لشأنك، بحقّ من وصلت طاعته بطاعتك، ومن نيطت معاداته بمعاداتك»(1) .

وهذا هو الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ يقول عندما زار مرقد جده الإمام أميرالمؤمنين ـ عليه السَّلام ـ :

«اللّهمّ استجب دعائي، واقبل ثنائي، واجمع بيني وبين أوليائي بحق محمد وعلىّ وفاطمة والحسن والحسين»(2) .

ولعلّ القارىء يسأل: هل للوهابيين على تحريم هذا النوع من الحلف دليل؟

والجواب: نعم، إنّ لهم شُبهاً وظنوناً فحسب، وإليك البيان:

1- إنّ الإقسام على اللّه بمخلوق منهي عنه باتفاق العلماء(3) .

إنّ معنى الإجماع على حكم هو اتفاق علماء الإسلام في جميع الأعصار، أو في عصر واحد على حكم .

وأيضاً نسأل من أين وقف هذا الناقل للإجماع على اتفاق علماء الإسلام على التحريم؟ ونحن نسامحه ونقول: هل أفتى خصوص أئمة المذاهب الأربعة بالحرمة؟ فأين هذه الفتاوى؟ دلونا على محلها ومصادرها وكتبها!.

ثم ما قيمة هذه الفتاوى المدّعاة تجاه النصوص والأحاديث الصحيحة


1. الصحيفة السجادية: الدعاء 47 .
2. مصباح المتهجد: ص 681 .
3. الهدية السنية، المنسوب إلى عبدالعزيز بن محمد بن مسعود كما في كشف الارتياب، ص 329 .


(315)

والآثار المروية عن أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ، أو ليسوا من السلف الصالح والقادة الأعلين؟ .

2- إنّ المسألة بحق المخلوقين لا تجوز لأنه لا حق للمخلوق على الخالق .

إنّ هذا الاستدلال عجيب جداً. هذه هي الآيات القرآنية تثبت حقوقاً على اللّه سبحانه لعباد اللّه الصالحين، وكذلك الأحاديث الشريفة:

(وَكَانَ حَقَّاً عَلَينَا نَصْرُ المُؤمِنِينَ)(1) .

(وَعْداً عَلَيهِ حَقّاً فِي التَّوراةِ وَالإنجيلِ)(2) .

(كَذَلِكَ حَقّاً عَلَينَا نُنْجِ المُؤمِنينِ)(3) .

وبالإضافة إلى ما سبق من الآيات الكريمة... هناك مجموعة كبرى من الأحاديث الشريفة في هذا المجال، وإليك نماذج منها:

ألف ـ قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «حقٌّ على اللّه عون من نكح التماس العفاف مما حرم اللّه»(4) .

ب ـ «ثلاثة حق على اللّه عونهم: الغازي في سبيل اللّه، والمكاتب الّذي يريد الأداء، والناكح الّذي يريد التعفف»(5) .

ج ـ «أتدري ما حق العباد على اللّه...»(6) .

نعم إنّ من الواضح أنه ليس لأحد بذاته حق على اللّه، فعندئذ، ربما يُسأل عن معنى هذا الحق؟


1. سورة الروم: الآية 47 .
2. سورة التوبة: الآية 111 .
3. سورة يونس: الآية 103 .
4. الجامع الصغير، للسيوطي: ج 2 ص 33 .
5. سنن ابن ماجة: ج 2 ص 841 .
6. النهاية لابن الأثير، مادة حق .


(316)

الجواب: إنّ المقصود من الحق هو المنزلة الّتي يمنحها اللّه تعالى لعباده مقابل طاعتهم وانقيادهم له، وهو مزيد من التفضل والعناية منه تعالى حقاً، فهذا هو الحق الّذي نقسم به على اللّه، حق جعله اللّه ومنحه لعبده، لا أنّ للعبد حقاً على اللّه ذاتاً، وهذا مثل القرض الّذي يستقرضه سبحانه من عباده ويقول:

(مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرضاً حَسَناً)(1).

وهذا النوع من التعبير لطف من اللّه سبحانه وعناية فائقة بعباده، حيث يعتبر نفسه المقدسة مدينة وعباده دُيّاناً، فلما أعظم لطفه، مع أنّه سبحانه هو المالك، والعباد خلفاؤه .

قال: (آمِنُوا بِاللّهِ وَ رَسُولِهِ وَ أَنفِقُوا مَمّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ، فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُم وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ)(2).

ترى أنّ مالك الملوك يستقرض من خلفائه ونوابه .

3- عن جندب بن عبداللّه قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : قال رجل: واللّه لا يغفر اللّه لفلان، فقال اللّه عزّوجلّ:

«من ذا الّذي يتألى علىّ أن لا أغفر لفلان؟ إني قد غفرت له وأحبطت عملك» .

رواه مسلم:

وقد استدل به الشيخ عبدالرَّحمان حفيد الشيخ محمد بن عبدالوهاب في كتابه «قرة عيون الموحدين»(3) .

ولم يذكر كيفية الاستدلال، وذيّل كلامه بحديث أبي هريرة الّذي رواه أبو داود عنه قال: سمعت رسول اللّه يقول: كان رجلان في بني إسرائيل


1. سورة البقرة: الآية 245 .
2. سورة الحديد: الآية 7 .
3. ص 333، طبع لاهور .


(317)

متواخيين، فكان أحدهما يذنب، والآخر مجتهد في العبادة، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول: اقصر، فوجده يوماً على ذنب فقال له: اقصر، فقال: خلني وربي، أبُعثت علىّ رقيباً؟ واللّه لا يغفر اللّه لك ولا يدخلك الجنة، فقبض أرواحهما فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكتب بي عالماً؟ أو على ما في لِدي قادراً؟ فقال للمذنب: أذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: إذهبوا به إلى النار(1) .

والحديث الثاني يفسر الحديث الأول، وأنّ المراد من قوله: «يتألى علّي أن لا أغفر لفلان» هو الحلف بلا علم على اللّه، كما ورد في الحديث الثاني: «أكنت بي عالماً، أو على ما في يدي قادراً»؟ .


1. قرة عيون الموحدين: ص 233، والحديث في التعليقة وفي المتن إشارة إليه .

Website Security Test