welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الملل والنحل /ج4 (حياة ابن تيمية وابن عبد الوهاب )*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الملل والنحل /ج4 (حياة ابن تيمية وابن عبد الوهاب )
(265)

أقسام التوسل:

(3)

التوسل بدعاء النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ

قد تعرفت في صدر البحث على أنّ ابن تيمية وأتباعه يجوّزون التوسل بدعاء النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في حال حياته، ويجعلونه من التوسلات الجائزة الداخلة في إطار «التوسل بدعاء الأخ المؤمن» ولكنهم يخصّونه بحال حياته، ويحرّمونه بعد رحلته، قال ابن تيمية:

«أجمع أهل العلم على أن الصحابة كانوا يستشفعون به حال حياته ويتوسلون بحضرته، وأمّا في مغيبه أو بعد موته فلم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين، بل عمر بن الخطاب ومعاوية ومن كان يحضرهما من الصحابة والتابعين لما أجدبوا استسقوا بمن كان حياً كالعباس ويزيد بن الأسود، ولم ينقل عنهم أنهم في هذه الحالة استشفعوا بالنبي عند قبره ولا غيره، بل عدلوا إلى خيارهم... ثم إنّ المسلمين بعد موته إنما توسلوا بغيره من الأحياء بدلا عنه، فلو كان التوسل به ـ حياً وميتاً ـ مشروعاً لم يميلوا عنه وهو افضل الخلق وأكرمهم على ربه، إلى غيره ممن ليس مثله. فعدولهم عن هذا إلى هذا مع أنهم السابقون الأولون، وهم أعلم منّا برسوله وبحقوق اللّه ورسوله، وما يشرع من الدعاء وما ينفع، وما لا يشرع ولا ينفع، وما يكون أنفع من غيره، وهم في وقت ضرورة ومخمصة يطلبون تفريج الكربات، وتيسير العسير، وإنزال الغيث بكل طريق، دليل على أن المشروع ما سلكوه دون ما تركوه، ولهذا ذكر الفقهاء في كتبهم في الاستسقاء ما فعلوه دون ما تركوه، وذلك أنّ التوسل به حياً هو الطلب لدعائه وشفاعته، وهو من جنس مسألته أن يدعو، فما زال المسلمون


(266)

يسألونه ليدعو لهم في حياته، وأمّا بعد موته فلم يسأل الصحابة منه ذلك، لا عند قبره ولا عند غيره كما يفعله كثير من الناس عند قبور الصحالين(1) .

وقد علق السيد محمد رشيد رضا مؤلف المنار على هذا الموضوع بقوله:

«يزعم بعض الناس في زماننا أنّه لا فرق في طلب الدعاء والشفاعة منه بين هذه الحياة و الممات، لأنّه حي في قبره وكأنهم يدعون أنهم أعلم من الصحابة وسائر أئمة السلف بذلك، فالصحابة ـ رضي اللّه عنهم ـ فرقوا بين الحالين، وإن شئت قلت بين الحياتين، والأُمور التعبّدية لا تشرع بالعقل ولا بالقياس(2).

يلاحظ عليه: أنّ المعروف أنّ السنّة عبارة عن قول المعصوم وفعله وتقريره، فالحجة عبارة عن أحد هذه الأمور، ونحن نفترض أن الصحابة بأجمعهم من المعصومين. فإنّ أقصى ما يمكن أن يحتج به هو أنّ فعل الصحابة دليل على جواز الفعل، وأمّا أنّ تركهم دليل على حرمته، وعدم جوازه، فمن عجائب الأُمور وغرائبها، ولم يعهد هذا الاستدلال من أهل الفتوى والدليل.

وأمّا عدول الصحابة عن التوسل بدعاء النبي في حال مماته، إلى التوسل ببعض أهل بيته فقد ذكرنا وجهه، وهو: أنّ التوسل بالإنسان الصالح الحي لأجل إظهار أن ذلك الفرد يتّحد مع المتوسلين في المصير، وأنه لولا نزول الرحمة لعمَّهُ الهلاك والدمار مثلهم، وبما أنه صالح لنزول الرحمة عليه، فلتنزل رحمتك عليه يا رب فإنه أهل لذلك، وإن كنا غير مستحقين لها .

ومن المعلوم أنّ ترسيم هذا، الّذي هو أحد الأسباب لاستنزال الرحمة، إنما يتحقق بالصالح الحي دون غيره، لأنّ غير الحي ليس متحداً في المصير مع الأحياء، ولأجل ذلك نرى الصحابة يتوسلون بالحي دون غيره، وما هذا إلاّ


1. مجموعة الرسائل والمسائل، ج 1 ص 14 .
2. المصدر نفسه .


(267)

لأجل ذلك. وقد أشار إلى ذلك «السبكي» وقال: ليس في توسله بالعباس إنكار للتوسل بالنبي أو بالقبر، ولعل توسل عمر بالعباس لأمرين:

أحدهما: ليدعو كما حكينا من دعائه .

الثاني: إنَّه من جملة من يستسقي وينتفع بالسقيا وهو محتاج إليه، بخلاف النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في هذه الحالة فإنه مستغن عنها، فاجتمع في العباس الحاجة وقربه من النبي وشيبه، واللّه يستحيي من ذي الشيبة المسلم، فكيف من عم نبيه، ويجيب دعاء المضطر فلذلك استسقى عمر بشيبته(1) .

هذا ويصرح الذكر الحكيم بأنه ما نفع إيمان قوم بعد إشراف العذاب عليهم، إلاّ قوم يونس، قال سبحانه:

(فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمَانُها اِلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ في الحَيَاةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْنَاهُمْ إلَى حِين)(2) .

ذكر المفسرون: إنّ قوم يونس لما عاينوا العذاب، أشار إليهم العالم الموجود فيهم بقوله: افزعوا إلى اللّه فلعلّه يرحمكم ويرد العذاب عنكم، فاخرجوا إلى المفازة وفرّقوا بين النساء والأولاد وبين سائر الحيوان وأولادها، ثم ابكوا وادعوا. ففعلوا فصرف عنهم العذاب(3) .

ولم يكن هذا العمل إلاّ لأجل استنزال الرحمة على النحو الّذي عرفت .

نعم، ما ذكره في آخر كلامه من أنه أمر عبادىّ يحتاج إلى الدليل فهو كلام متقن، ولكنّه ليس معناه أن يكون الدليل المطلوب دليلا بالخصوص، بل لو كان هناك عام أو إطلاق حول التوسل بدعاء النبي فيؤخذ بإطلاقه، سواء أكان النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في دار التكليف أم في البرزخ، وإليك البيان:


1. شفاء السقام: ص 143 ـ 144 .

2. سورة يونس: الآية 98 .
3. مجمع البيان: ج 3 ص 135 .


(268)

وهو يتوقف على بيان أُمور:

1- بقاء الروح بعد الموت

دلّت الآيات القرآنية على بقاء الروح بعد الموت، وأنّ الموت ليس بمعنى فناء الإنسان، بل هو عبارة عن انخلاع الروح عن البدن، وبقائه مستقلا عنه، من غير فرق بين المسلم وغيره، والمقتول في سبيل اللّه وغيره، والآيات في ذلك متضافرة .

قال سبحانه: (وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْياءٌ ولَكِنْ لا تَشْعُرونَ)(1)، وهناك آيات نشير إلى مواردها، ومن أراد التوسع في الموضوع: فليرجع إليها(2) .

2- الحقيقة الإنسانية هي الروح

إنّ الإنسان وإن كان بحسب التحليل الظاهري يتركب من شيئين: المادة والمعنى، والجسم والروح، ولكن الحقيقة الإنسانية عبارة عن نفس الإنسان وروحه، ولأجل ذلك يردّ الوحي الإلهي على من زعم أنّ البدن الإنساني يضل في العالم بعد الموت، حيث حكى عنهم قولهم: (وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْق جَديد) فردّ عليهم بقوله:

(قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ)(3) .

ومعنى التوفّي في الآية هو الأخذ، ومعنى الآية أنّ تناثر أجزاء البدن في أجواء العالم وثناياه، لا يضر بالمعاد، فإنّ الحقيقة الإنسانية وواقعيتها محفوظة عند اللّه، وأنّ ملك الموت يأخذكم، وليس المأخوذ إلاّ الروح .


1. سورة البقرة: الآية 154 .
2. لاحظ: سورة آل عمران: الآية 169 ـ 171، سورة يس : الآية 25 ـ 26، سورة غافر الآية 46 .
3. سورة السجدة: الآية 10 ـ 11 .


(269)

3- إمكان الاتصال بالأرواح

إنّ الذكر الحكيم يصدق صحة اتصال الإنسان العائش في الدنيا بالأرواح المتواجدة في عالم البرزخ، ويصرّح بأنّ بعض الأنبياء كصالح وشعيب كلّموا أرواح أُممهم الهالكة، ويظهر ذلك بالإمعان في الآيات التالية:

يقول في حق أُمة شعيب:

(فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحوا في دَارِهِمْ جاثِمينَ * الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوا فِيها، الَّذينَ كَذَّبوا شُعَيباً كانُوا هُمُ الخَاسِرينَ * فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقَالَ يا قَوْمِ لَقَد أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلَى قَوْم كافِرينَ)(1) .

ترى أنّ قوله: «فتولّى عنهم» جاء بعد الإخبار بدمارهم وهلاكهم كما هو صريح سياق الآيات، وعندئذ خاطب الهالكين بقوله: «يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي...» .

ويقول في حق أُمة صالح:

(فَعَقَروا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرسَلينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبِحُوا في دَارِهِمْ جَاثِمينَ * فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحينَ)(2) .

وكيفية الاستدلال واضحة بعد التدبّر في ما ذكرناه، فإنّ المخاطبة والمحاورة وقعت بعد هلاكهم، فلا يمكن لنا رفض سياق الآية والقول بأنه كلمهم في حال حياتهم.

إنّ الذكر الحكيم يأمر النبي بسؤال المرسلين ويقول: (وَاسْأَلْ مَنْ)


1. سورة الأعراف: الآية 91 ـ 93 .
2. سورة الأعراف: الآية 77 ـ 79 .


(270)

أرْسَلنا مِنْ قَبْلِكِ مِنْ رُسُلِنَا أجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ))(1) .

وتأويل الآية بإرجاعها إلى سؤال علماء أهل الكتاب تأويل بلا دليل، ولا منافاة بينهما حتّى يرجع أحدهما إلى الآخر .

إنّ المسلمين جميعاً يخاطبون النبي بالسلام في حال التشهد، ويقولون: «السلام عليك أيها النبي ورحمة اللّه وبركاته» وقد اتفق الفقهاء على كونه جزءاً من التشهّد(2) .

وفي ضوء هذه الأُمور الثلاثة تثبت إمكانية التوسل بالأرواح المقدسة، فالأولياء والأنبياء من جانب أحياء يرزقون، من جانب آخر، إنّ حقيقة الإنسان هى النفس الباقية بعد الموت أيضاً، ومن جانب ثالث، إِنَّ الأنبياء كلّموا أرواح أُممهم الماضية. كل ذلك يدل على إمكانية الاتصال بهم ووقوعه، وأنهم يسمعون كلامنا وسلامنا ومحاورتنا.

بقي الكلام في جواز التوسل شرعاً، حتّى يكون تعبداً مع الدليل .

إنّ الذكر الحكيم يحثّ المذنبين على المجيء إلى النبي وطلب الاستغفار منه يقول: (وَلَو أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُم جَاُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ واسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوَّاباً رَحِيماً) (3) والمتبادر إلى أذهاننا في هذا الزمان اختصاص الآية بحال حياة النبي، ولكن الصحابة فهموا منه الأعم من حال الحياة والارتحال إلى الرفيق الأعلى، ويدل على ذلك ما نذكر:

1- روى البيهقي عن مالك قال: أصاب الناس قحط في زمان عمر بن الخطاب فجاء رجل إلى قبر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فقال: يا رسول اللّه. استسق اللّه لأُمتك فإنهم قد هلكوا، فأتاه رسول اللّه في المنام وقال: ائت عمر


1. سورة الزخرف: الآية: 45 .
2. الخلاف، للشيخ الطوسي، ج 1 ص 47، وقد نقل صوراً مختلفة للتشهد عن أئمة المذاهب والكل يشتمل على خطاب النبي بالسلام .
3. سورة النساء: الآية 64 .


(271)

فاقرئه السلام وأخبره أنهم مسقون(1) .

فالحديث يعرب عن أنّ التوسل بدعاء النبي بعد رحلته كان رائجاً، ولو كان عملا محرّماً أو بدعة فلماذا توسل هذا الرجل بدعائه؟ ولماذا بكى الخليفة بعد سماع كلامه، كما هو في ذيل الحديث ؟

يقول السمهودي بعد نقل الحديث: ومحل الاستشهاد طلب الاستسقاء منه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وهو في البرزخ، ودعاؤه لربه في هذه الحالة غير ممتنع، وعلمه بسؤال من يسأله قد ورد، فلا مانع من سؤال الاستسقاء وغيره منه كما كان في الدنيا(2) .

2- روى ابن عساكر في تاريخه، وابن الجوزي في «مثير الغرام الساكن» وغيرهما بأسانيدهم إلى محمد بن حرب الهلالي قال: دخلت المدينة فأتيت قبر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فزرته وجلست بحذائه، وجاء أعرابي فزاره ثم قال: يا خير الرسل! إنّ اللّه أنزل عليك كتاباً صادقاً قال فيه: (ولو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم ـ )إلى قوله: رحيماً)) وإني جئتك مستغفراً ربك من ذنوبي متشفعاً بك، وفي رواية: «وقد جئتك مستغفراً من ذنبي مستشفعاً بك إلى ربي» ثم بكى وأنشأ يقول:

ياخير من دفنت بالقاع أعظمه * فطاب من طيبهن القاع والأكم

نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه * فيه العفاف وفيه الجود والكرم

ثم استغفر وانصرف.

3- وقال السمهودي: قال الحافظ أبو عبداللّه محمد بن موسى بن النعمان في كتابه «مصباح الظلام»: إنّ الحافظ أبا سعيد السمعاني ذكر فيما روينا عنه عن علىّ بن أبي طالب ـ رضي اللّه عنه - قال: قدم علينا أعرابي بعد ما دفنّا رسول اللّه بثلاثة أيام، فرمى بنفسه على قبر النبي وحثا من ترابه على


1. دلائل النبوة، ج 7 باب ما جاء في رؤية النبي في المنام، ص 47 .
2. وفاء الوفاء: ج 4 ص 1371 .


(272)

رأسه وقال: يا رسول اللّه. قلت قسمعنا قولك، ووعيت من اللّه سبحانه منا وعينا عنك، وكان فيما أنزل عليك: (ولو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم جاءُوكَ فاستغفروا اللّه...) وقد ظلمت وجئتك تستغفر لي(1) .

شبهات للكاتب الوهابي

إنّ للكاتب الوهابي، الرفاعي صخباً وهياجاً حول الحديث، فقد أشكل عليه بوجوه ستة لا يهمنا ذكرها والإجابة عن جميعها، لأنه غفل عن كيفية الاستدلال بهذه النقول، وسنشير إليها. نعم، يهمنا أن نذكر بعض اعتراضاته:

1- يقول: إنّ التوسل بدعاء النبي بعد موته رهن أن يسمع الرسول أو يتكلم، أو يصدر عنه أي عمل بعد موته، مع أنه قد انقطع عمله نهائياً كما قال هو ـ عليه السَّلام ـ : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ عن ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له» ولا شك أنّ رسول اللّه يشمله هذا الحديث .

عزب عن المسكين مفاد الحديث، فإنه بصدد بيان انقطاع ابن آدم عن العمل الّذي يترتب عليه الثواب، بقرينة استثناء الأُمور الثلاثة، وقال أميرالمؤمنين في هذا المجال: «وإنّ اليوم عمل ولا حسابن، وغداً حساب ولا عمل»(2) .

وقال أيضاً: «الا وإنّ اليوم المضمار، وغداً السباق، والسبقة الجنة، والغاية النار، أفلا تائب عن خطيئة قبل منيته، ألا عامل لنفسه قبل يوم بؤسه؟»(3) .

فكيف يمكن القول بانقطاع عمل الميت نهائياً مع أنّ الشهداء في سبيل


1. وفاء الوفاء: ج 4 ص 1361 .
2. نهج البلاغة; الخطبة 42 .
3. نهج البلاغة; الخطبة 28 .


(273)

اللّه يقومون بأعمال ينوّه بها الذكر الحكيم ويقول: (فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِم أَلاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَة مِنَ اللّهِ وَفَضْل وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤمِنينَ)(1).

أو ليس الفرح بما أوتوا من فضله سبحانه، والاستبشار بالذين لم يلحقوا بهم، والاستشعار بعدم الخوف والحزن، والاستبشار بنعم اللّه سبحانه، أفعالا للراحلين إلى دار الآخرة؟ مضافاً إلى ما ورد من أنهم يرزقون عند ربهم(2) .

2- يقول: إنّ الحياة البرزخية حياة لا يعلمها إلاّ اللّه، فهي حياة مستقلة نؤمن بها ولا نعلم ماهيتها، وإنّ بين الأحياء والأموات حاجزاً يمنع الاتصال فيما بينهم قطعياً، وعلى هذا فيستحيل الاتصال بينهم، لا ذاتاً ولا صفاتاً واللّه سبحانه يقول: (وَمِنْ وَرائِهمْ بَرْزَخٌ إلى يَومِ يُبْعَثُونَ)(3) .

عجيب واللّه أمر هذا الرجل، إنه يأتي بالشُّبه والأوهام بصورة البرهان، ويجتهد في مقابل النص، وقد تعرفت على الآيات الّتي تحدثت عن محاورة الأنبياء أرواح أممهم الهالكة، وقد تعرفت على أنه سبحانه أمر النبي بالسؤال عن الأنبياء. فما هذا الاجتهاد في مقابل النص؟

لقد تناسى الرجل حديث تكلم النبي مع أصحاب القليب المقتولين من كفرة قريش، وقد ذكره أصحاب الحديث والتاريخ، وإليك نص صحيح البخاري في ذلك: وقف النبي على قليب بدر وخاطب الذين قُتلوا وأُلقيت أجسادهم في القليب:

لقد كنتم جيران سوء لرسول اللّه، أخرجتموه من منزله وطردتموه، ثم اجتمعتم عليه فحاربتموه، وقد وجدتُ ما وعدني ربي حقاً.


1. سورة آل عمران: الآية 170 ـ 171 .
2. سورة آل عمران: 169 .
3. التوصل إلى حقيقة التوسل: ص 267، سورة المؤمنون: الآية 100 .


(274)

فقال له رجل: يا رسول اللّه ما خطاب لِهام سديت؟

فقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : واللّه ما أنت بأسمع منهم، وما بينهم وبين أن تأخذهم الملائكة بمقامع من حديد إلاّ أن أعرض بوجهي ـ هكذا ـ عنهم(1) .

وروى ابن هشام عن أنس بن مالك، قال: لما سمع أصحاب رسول اللّه كلام رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ من جوف الليل وهو يقول: يا أهل القليب، وياعتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا أُمية بن خلف، ويا أبا جهل بن هشام ـ فعدّد من كان منهم في القليب ـ هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً؟ فقال المسلمون: يا رسول اللّه. أتنادي قوماً قد جيفوا؟(2) قال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني(3) .

لما وقعت الفتنة بالبصرة، خرج كعب بن سور، وكان قاضي البصرة لحرب خليفة رسول اللّه وإمام زمانه، ولما كان النصر حليفاً له ـ عليه السَّلام ـ مرّ على جسد كعب بن سور، فقال لمن حوله: أجلسوا كعب بن سور، فأجلسوه بين شخصين يمسكانه، فقال ـ عليه السَّلام ـ : يا كعب بن سور قد وجدت ما وعدني ربي حقاً، فهل وجدت ما وعدك ربك حقاً؟ ثم قال: أضجعوه، وسار قليلا حتّى مرّ بطلحة بن عبيد اللّه، فقال: أجلسوا طلحة، فكلّمه بمثل ما كلّم كعب بن سور، فقال له رجل: يا أميرالمؤمنين ما كلامك لقتيلين لا يسمعان منك؟ فقال ـ عليه السَّلام ـ : يا رجل واللّه لقد سمعا كلامي، كما سمع أهل القليب كلام رسول اللّه(4) .

3- يقول إنّ القرآن يخبر بأنّ النبي لا يستطيع إسماع الموتى ويقول: (إنَّكَ لاَ تُسْمِعُ المَوْتَى)(5)، وقال (وَمَا أَنْتَ )بَمُسمِع مَنْ فِي


1. صحيح البخاري: ج 5، باب قتل أبي جهل، ص 76 ـ 77 .
2. قد جيفوا: أي قد صاروا جيفة .
3. السيرة النبوية لابن هشام، ج 2 ص 294، طبع دار إحياء التراث العربي ـ بيروت .
4. الجمل، للشيخ المفيد، ص 210 ط النجف، حق اليقين للسيد شبر، ج 2، ص 73 .
5. سورة النمل: الآية 80 .


(275)

القُبُورِ))(1)، والرسول بعد أن توفّاه اللّه هو من الموتى ومن أهل القبور، فثبت انه لا يسمع دعاء أحد من أهل الدنيا(2) .

ولكنّه غفل عن أنّ طرف المحاورة ليس الأجساد الخالية عن الأرواح، بل أرواح هذه الأبدان، فإنّ لها عيشة برزخية مقترنة مع بدن برزخي. وأمّا الوقوف على القبر ـ مع أنّ التكلّم مع أرواحهم لا مع أجسادهم ـ فإنما هو لأجل تحصيل حالة نفسانية يستطيع معها الإنسان التوجه إلى أرواحهم، والالتفات إليهم حتّى يكلمهم بما يقصد .

ومن عجيب الأمر أنه يقول: إنّ قوله سبحانه:(ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم...) يختص بالمنافقين، فعلى ما ذكره يكون المنافق أعز عند اللّه من المؤمن، حيث يجوز للأول، طلب الاستغفار منه دون المؤمن، فهو أشمل لرحمة اللّه من الثاني «فاقض ما أنت قاض» مع أنّ مورد الآية لا يخصّص إطلاقها، بل الآية عامة لكل من ظلم نفسه سواء أكان منافقاً أم غيره.

هذا عمدة ما استدل به الكاتب على عدم صحة الاحتجاج بالرواية، وأمّا الإشكال على سنده، أو اشتمال متنه على الشذوذ فلا يضر أبداً، فلنفترض نحن أنّ السند ضعيف، وأنّ في المتن بعض الإشكال، لكن لو كان التوسل بدعاء النبي بعد رحلته شركاً يوجب الخروج عن الدين، أو أمراً محرّماً يجب أن يتوب عنه المسلم، فلماذا قامت جموع كثيرة من المحدثين بنقله والاحتجاج به، أوَ ليس عاراً على محدّث إسلامي أن ينقل في جامعه وكتابه أثراً يشتمل على الشرك والأمر المحرّم الواضح، ولا يعود عليه بشيء.

ولنفترض أنّ الراوي وضع هذا الحديث ولم يكن له حقيقة، ولكن الواضع إنما يضع الحديث لأجل إلفات الناس إليه، فلو كان ذلك الأمر موجباً للشرك أو ما يقارنه، فالدواعي تكون عن وضعه مصروفة. كل ذلك يعرب


1. سورة فاطر: الآية 22 .
2. التوصل إلى حقيقة التوسل، ص 268 .


(276)

عن أنّ هذا العمل كان أمراً مباحاً فجاء هذا الراوي ينقل هذا الأمر على عفو الخاطر .

والاستدلال بهذه الرواية وما يأتي بعده بهذا الوجه، ولأجل ذلك لم نحاول أن نصحح السند .

4- روى السمهودي عن الإمام محمد بن موسى بن النعمان في كتابه «مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام» عن محمد بن المنكدر: أودع رجل أبي ثمانين ديناراً وخرج للجهاد، وقال لأبي: إنّ احتجت أنفقها إلى أن أعود. وأصاب الناس جهد من الغلاء، فأنفق أبي الدنانير، فقدم الرجل وطلب ماله، فقال أبي: عد إلىَّ غداً، وبات بالمسجد يلوذ بقبر النبي مرة وبمنبره مرة، حتّى كاد أن يصبح يستغيث بقبر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فبينما هو كذلك فإذا بشخص في الظلام يقول:

دونكها يا أبا محمد. فمدّ أبي يده، فإذا بصرّة فيها ثمانون ديناراً، فلمّا أصبح جاء الرجل فدفعها إليه(1) .

وقد نقل السمهودي في هذا الفصل قصصاً كثيرة عن شخصيات إسلامية، فمن أراد فليرجع إليه(2) .

وقد تعرّفت أنّ كيفية الاستدلال بهذه القصص ليس على أساس صحة إسنادها أو خلو متونها عن الشذوذ، وإنما هو على أساس أنه لو كان هذا الأمر شركاً أو أمراً محرماً لما اهتم المحدثون والمؤرخون بنقلها، بل ولما قام الوضّاعون بوضعها، فإن الغرض من وضع الحديث هو بثّه بين المحدثين الواعين، ومن المعلوم أنه إذا كان التوسل بدعاء النبي بعد رحلته شركاً وبدعة على ما تدعيه الوهابية، لكانت الدواعي عن وضعها ونقلها مصروفة جداً، وهذا يعرب عن ان العمل كان مشروعاً وسائغاً بين المسلمين، فلأجل ذلك قام هؤلاء بنقل


1. وفاء الوفاء: ج 4 ص 1380 .
2. نفس المصدر: ج 4 ص 1380 ـ 1387 .


(277)

هذه الأحاديث، وقام المتوسلون ـ على فرض الصحة ـ بهذا العمل، أو قام الوضاعون على احتمال، بوضعها.

إلى هنا تبيّنت أحكام التوسل بأقسامه الثلاثة :

* التوسل بذوات الصالحين وأنفسهم .

* التوسل بحقهم ومنزلتهم ومكانتهم .

* التوسل بدعائهم بعد رحلتهم ووفاتهم .

وأرى أن بسط الكلام في هذه المواضع أزيد من ذلك ضياع للوقت، ومن أراد الحق فيكفيه ما حررناه، فطوبى لمن يستمع القول ويتبع أحسنه، وتبّاً لقوم «نبذوا كتاب اللّه وراء ظهورهم كانهم لا يعلمون» .

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَابْتَغُوا إلَيهِ الوَسيلةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(1) .


1. سورة المائدة: الآية 35 .


(278)


(279)

(8)

إبن تيمية وطلب الشفاعة ممن ثبت كونه شفيعاً

إتفق المسلمون عامة على شفاعة النبي الأكرم يوم القيامة، وإن اختلفوا في معنى الشفاعة بين كونها سبباً لغفران الذنوب كما عليه الأشاعرة والإمامية وأهل الحديث، أو لترفيع الدرجة كما عليه المعتزلة. إنما الكلام في طلب الشفاعة من النبي في حال حياته ومماته، فالمسلمون إلى عهد ابن تيمية اتفقوا على جوازه حياً وميتاً، وهو من فروع طلب الدعاء من المشفوع له، إلى أن جاء ابن تيمية في القرن الثامن الهجري ورفع راية الخلاف بين المسلمين، وقال: «لا يجوز طلب الشفاعة من النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فهو يسلم بأن نبي الإسلام وسائر الأنبياء لهم حق الشفاعة في الآخرة، ولكن يقول: لا يطلب الشفاعة إلاّ من اللّه، يقول ابن تيمية:

«قد ذكر العلماء وأئمة الدين الأدعية المشروعة وأعرضوا عن الأدعية المبتدعة، ثم بيّن مراتب الأدعية المبتدعة على النحو التالي»:

1- الدعاء لغير اللّه سواء أكان المدعو حياً أم ميتاً، وسواء أكان من الأنبياء ـ عليهم السَّلام ـ أم غيرهم فيقال: يا سيدي فلان أغثني، وأنا مستجيرك ونحو ذلك، فهذا هو الشرك باللّه...

2- أن يقول للميت أو الغائب من الأنبياء: ادع اللّه لي، أو ادع لنا ربك ونحو ذلك، فهذا لا يستريب عالمٌ أنه غير جائز...

3- أن يقول: أسألك بجاه فلان عندك أو بحرمته ونحو ذلك، فهو


(280)

الّذي تقدم عن أبي محمد أنه أفتى بأنه لا يجوز في غير النبي، وأفتى أبو حنيفة وأبو يوسف وغيرهما أنه لا يجوز في حق أحد من الأنبياء، فكيف بغيرهم...؟(1)

يلاحظ على مجموع ما ذكره:

أمّا القسم الأول، فإنّ عدّه شركاً، عجيب جداً، هذا هو القرآن الكريم يذكر عن شيعة موسى قوله: (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَُدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيهِ)(2)، ومعه كيف يقول: إنّ قول القائل «يا سيدي فلان أغثني» شرك سواء أكان المدعو حياً أم ميتاً، أوَ لم يكن موسى حياً حين استغاثه الّذي من شيعته؟ ولو خصّ الشرك بصورة كون المدعو ميتاً ـ فمع أنه مخالف لصريح كلامه ـ لا يكون سبباً للشرك، إذ لا معنى لكون خطاب في حال، عين التوحيد، وفي أُخرى نفس الشرك، نعم، الموت والحياة يؤثران في الجدوائية وعدمها.

وأمّا القسم الثالث، أعني قول القائل: أسألك بجاه فلان عندك أو بحرمته، فهو داخل في القسم الثاني من التوسل الّذي قدمنا الكلام فيه، وذكرنا هناك توسل شخص النبي بحقه وحق الأنبياء .

نعم، الكلام في القسم الثاني، وهو أن يخاطب الأنبياء والصالحين بقوله: «ادع اللّه لي، أو ادع لنا ربك» وهذا هو الّذي ذكر في حقه «أنه لا يستريب عالم في أنه غير جائز» مع أنّ طلب الشفاعة هو طلب الدعاء من الشافعين في حال حياتهم ومماتهم .

ثم إنّ لأتباع محيي مسلك ابن تيمية في القرن الثاني عشر، أعني محمد بن عبدالوهاب، تعبيراً واضحاً في ذلك المجال يقول:

«إنّ طلب الشفاعة يجب أن يكون من اللّه لا من الشفعاء بأن يقول:


1. مجموعة الرسائل والمسائل: ج 1 ص 22 .
2. سورة القصص: الآية 15 .


(281)

اللّهمّ شفّع نبيّنا محمداً فينا يوم القيامة، أو اللّهمّ شفّع فينا عبادك الصالحين، أو ملائكتك أو نحو ذلك مما يطلب من اللّه لا منهم، فلا يقال: يا رسول اللّه أو يا ولي اللّه أسألك الشفاعة أو غيرها مما لا يقدر عليه إلاّ اللّه، فإذا طلبت ذلك في أيام البرزخ كان ذلك من أقسام الشرك(1) .

هكذا نرى أنّ الاتهام بالشرك أرخص وأوفر شيء في كتب الوهابية وشيخها ابن تيمية، ولتحقيق الحال نركّز على أمرين يبتني عليهما جواز طلب الشفاعة عن الأنبياء والصالحين في هذه الدنيا وهما:

1- إنّ طلب الشفاعة هو طلب الدعاء .

2- إنّ طلب الدعاء من الصالحين أمر مستحب في الاسلام، وقد جوّزته الوهابية إذا كان المدعو حياً، وإليك بيانهما:

أ ـ طلب الشفاعة هو طلب الدعاء

إنّ شفاعة النبي وسائر الشفعاء هي الدعاء إلى اللّه وطلب المغفرة منه سبحانه للمذنبين، واللّه سبحانه أذن لهم في الدعاء في ظروف خاصة، فيستجاب فيما أذن، وهم لا يدعون في غير ما أذن اللّه لهم .

نعم، نحن لا نحيط بكنه الشفاعة في يوم القيامة، ولعلّ لها في ذلك اليوم مرتبة أُخرى، ولكن الدعاء إلى اللّه من مراتبها ومن أوضح مصاديقها، فقول القائل مقابل قبر النبي «يا وجيهاً عند اللّه اشفع لنا عند اللّه» لا يقصد إلاّ هذا المعنى. هذا هو المفسر المعروف النيسابوري يذكر عن مقاتل في تفسير قوله تعالى: (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصيبٌ مَنْهَا، وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا)(2):... الشفاعة إلى اللّه إنما هي دعوة اللّه لمسلم(3) .


1. الهدية السنية، الرسالة الثانية: ص 42 والرسالة لأحد أتباعه .
2. سورة النساء: الآية 85 .
3. تفسير النيسابوري: ج 5 ص 118 بهامش تفسير الطبري .


(282)

وهذا هو الإمام الرازي يفسر الشفاعة بالدعاء والتوسل إلى اللّه، فقد قال في تفسير قوله سبحانه: (وَيَسْتَغْفِرون لِلَّذينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَىء رَحْمَة) هذه الآية تدل على حصول الشفاعة من الملائكة للمذنبين، وإذا ثبت هذا في حق الملائكة فكذلك في حق الأنبياء، لا نعقاد الإجماع على أنه لا فرق(1) .

وقال أيضاً قال تعالى لمحمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : (وَاسْتَغْفِرْ لَذَنبِكَ وَلِلمُؤمِنينَ وَالْمُؤمِنَات) فأمر محمداً أن يذكر أوّلا الاستغفار لنفسه، ثم بعده يذكر الاستغفار لغيره، وحكى عن نوح ـ عليه السَّلام ـ أنه قال: (رَبِّ اغْفِرْلي وَلِوالِدَىَّ وَلِمَن دَخَلَ بِيتِيَ مُؤمِناً وَلِلْمُؤمِنينَ وَالمُؤمِنات)(2) .

وعلى هذا فالشفاعة هي دعاء الشفيع للمذنب، وطلب الشفاعة منه هو طلب الدعاء منه، وقد سمي في الأحاديث: دعاء المسلم لأخيه المسلم شفاعة له، روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس عن النبي أنه قال: ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لايشركون باللّه إلاّ شفّعهم اللّه فيه(3) .

فلو أنّ رجلا أوصى في حال حياته أربعين رجلا من أصدقائه الأوفياء على أن يقوموا بالدعاء له بعد موته وفوته، فقد طلب الشفاعة منهم .

وقد أفرد البخاري في صحيحه باباً بعنوان «إذا استشفعوا إلى الإمام ليستسقي لهم لم يردهم» وأفرد باباً آخر بعنوان «إذ استشفع المشركون بالمسلمين عند القحط»(4) .

كل ذلك يدل على أنّ الشفاعة بمعنى الدعاء إلى اللّه، وطلبها هو طلب الدعاء .


1. مفاتيح الغيب: ج 7 ص 286 ـ طبع مصر، سورة غافر: الآية 7 .
2. مفاتيح الغيب: ج 8 ص 220، سورة محمد: الآية 19 و سورة نوح: الآية 28 .
3. صحيح مسلم: ج 3 ص 54 .
4. صحيح البخاري ج 2 ص 29 ـ أبواب الاستسقاء .


(283)

ب ـ طلب الدعاء من المؤمن ليس شركاً ولا حراماً

لا يتصور أن يكون طلب الدعاء من المؤمن أو الصالح أو الأنبياء العظام شركاً سواء أكانوا أحياءً أمْ أمواتاً، أمّا الأحياء فقد صرح القرآن الكريم بجوازه، وأمر الظالمين بالمجيء إلى النبي وطلب الاستغفار منه. قال سبحانه:

(وَلَو أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُم جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرو اللّهَ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدوا اللّهَ تواباً رحيماً)(1). وحكى عن ولد يعقوب أنهم قالوا لأبيهم (يَا أبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إنّا كُنَّا خَاطِئِينَ * قَالَ سَوفَ أسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي)(2) .

كما أنه لا يكون شركاً، لا يكون حراماً أيضاً، ونحن ننقل مجموعة من الأحاديث مما ورد فيه طلب الشفاعة:

1- هذا هو الترمذي يروي في صحيحه عن أنس أنه قال: سألت النبي أن يشفع لي يوم القيامة فقال: أنا فاعل. قلت: فأين أطلبك؟ قال: على الصراط(3) .

والعجب من الشيخ الرفاعي الّذي يأتي بكل ما ذكره ابن تيمية ومحمد بن عبدالوهاب حرفاً بحرف، لكن بثوب جديد وصبغة جديدة، استشكل على الاستدلال بهذا الحديث بقوله:

2- إنّه ليس من قبيل التوسل بالمخلوق، بل من قبيل التوسل إلى ربه بدعاء أخيه المؤمن له .

3- طلب أنس من الرسول أن يشفع له يوم القيامة، يفيد أن أَنَساً


1. سورة النساء: الآية 64 .
2. سورة يوسف: الآية 97 ـ 98 .
3. سنن الترمذي: ج 4 ص 42، باب ما جاء في شأن الصراط .


(284)

يقصد أن يدعو له اللّه تعالى أن يشفّعه به يوم القيامة، أي يجعله في جملة الحد الّذي يحده له فيشفع فيهم(1) .

يلاحظ عليه: أنّ الهدف من الاستدلال بالحديث هو إثبات جواز طلب الشفاعة من المخلوق، لا التوسل بذوات المخلوقين، فإنه بحث آخر، وله حجج أُخرى قدمناها. هذا حول الإشكال الأول .

وأمّا الثاني فهو تأويل لظاهر الحديث دعماً للمذهب الّذي تبناه، فإنّ المتبادر من قوله: «سألت النبي أن يشفع لي يوم القيامة» أي قلت له يا رسول اللّه اشفع لي يوم القيامة، وأين هو من التأويل الّذي يذكره الرفاعي من أنه قصد أن يدعو اللّه تعالى أن يشفّعه به يوم القيامة؟ ولو كان المقصود هذا فإنّ أنساً من العرب العرباء، كان له أن يفصح عن مراده ويقول: يا رسول اللّه ادع اللّه تعالى أن يشفعك فىّ، يوم القيامة .

وليس هذا التاويل وأمثاله الّذي ارتكبه ذلك الكاتب إلاّ تحريفاً للكلم ليروج متاعه .

ثمّ إنه استشكل على الحديث بضعف السند، فقال: «إنّ في سنده أبا الخطاب حرب بن ميمون وهو ضعّف ووثّق» وإليك ما ذكره الذهبي في حقه: حرب بن ميمون، ابو الخطاب الأنصاري، بصري صدوق يخطىء، قال أبو زرعة: ليّن، وقال يحيى بن معين: صالح وثّقه علي بن المديني وغيره.

وأمّا البخاري فذكره في الضعفاء(2) .

وقال ابن حجر: «قال الخطيب في المتفق والمفترق: كان ثقة .

وقال الساجي في حرب بن ميمون: الأصغر، ضعيف عنده مناكير، والأكبر ثقة، والوارد في سند الرواية هو الأكبر، وقال ابن حبان: في الثقات، يخطىء .


1. التوصل إلى حقيقة التوسل: ص 320 .
2. ميزان الإعتدال: ج 1 ص 470، رقم 1773 .


(285)

وقرأت بخط الذهبي: وثّقه ابن المديني ومات في حدود الستين والمائة»(1) .

ترى أنّ الأكثرية الغالبة وثّقته غير البخاري، وهو ذكره في الضعفاء، ومن المعلوم أنه لا يمكن ترك حديثه بمجرد ذكر البخاري إياه في الضعفاء، ولم يعلم وجه كونه ضعيفاً عنده، ولعله لأجل كونه قدرياً كما يظهر من ابن حجر في تهذيب التهذيب، أي قائلا بالاختيار الّذي هو على طرف النقيض من القول بالجبر، وهو موجب لقوّته لا لضعفه، فالرواية حجة بلا إشكال.

كيف لا يجوز طلب الشفاعة من الصالحين وهذا هو الطبراني روى في المعجم الكبير أنّ سواد بن قارب ـ رضي اللّه عنه ـ أنشد قصيدته:

وأشهد أنّ اللّه لا ربّ غيره * وأنّك مأمون على كل غائب

وأنّك أدنى المرسلين وسيلة * إلى اللّه يابن الأكرمين الأطائب

فمرنا بما يأتيك يا خير مرسل * وإن كان فيما فيه شيب الذوائب

وكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة * بمغن فتيلا عن سواد بن قارب(2)

والشاهد هو البيت الأخير حيث طلب الشفاعة من النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .

إنّ الكاتب الوهابي الرفاعي لم يجد بداً عن التسليم لما يفيده البيت الأخير وقال:

«إنّ سواد بن قارب يخاطب رسول اللّه ويرجوه أن يدعو اللّه تعالى أن يكون له شفيعاً يوم القيامة، والخطاب هذا لا شك كان في حياته، وطلب الشفاعة منه في حياته لا بأس به، لأنه طلب لدعائه لأن يكون سواد في جملة من


1. تهذيب التهذيب: ج 2 ص 225 ـ 226، رقم 418 .
2. دلائل النبوة: ج 2 ص 248 ونقله الطبراني فى المعجم الكبير، ج 7 ص 109 ـ 111 ورواه الحاكم في مستدركه، وابن كثير في تاريخه ج 1 ص 344 والهيثمي في مجمع الزوائد ج 8 ص 250 .


(286)

يشفعه فيهم يوم القيامة(1) .

أقول: الّذي اعتذر به الرفاعي هو الّذي وصفه بالشرك شيخ منهجه أحمد بن تيمية، قال: الدعاء لغير اللّه سواء أكان المدعو حياً أم ميتاً... فهذا هو الشرك باللّه(2) .

فما هذا التناقض بين كلامه وكلام شيخه، فالذي يجيزه، هو الّذي يصفه شيخه بالشرك، أبهذه المناقضات تكفّرون المسلمين وتدعون الناس إلى نهج الحق ومعين التوحيد؟

ثم إنّه نقل عن بعض الوهابيين أعني إسماعيل الأنصاري أنه ضعّف سند الحديث، وذكر وجوهاً للضعف، وقد سبقه معلق مجمع الزوائد، غير أنه غفل عن وجه الاستدلال و هو ما ذكرناه فيما سبق:

إِنَّ هذا الحديث ونظائره على فرض الصدق وعدمه حجة على ما في مدلوله، إذ لو كان صادقاً فهو وإن كان مجعولا فلماذا ذكره المحدّثون الكبار في جوامعهم كالطبراني في معجم الكبير، والبيهقي في دلائل النبوة وغيرهما؟ ولا يعني من هذا أنهم لا يذكرون الأحاديث الضعاف في جوامعهم حتّى يقال إنّ المحدثين بين ملتزم بنقل الصحيح وغيره، بل المقصود أنّه إذا كان طب الشفاعة شركاً على ما ذكره أحمد بن تيمية، أو مما لا يستريب عالم في أنه غير جائز، فلماذا نقلوا الحديث الباطل من دون أن يناقشوا في مضمونه ومتنه؟ إذ لا يصحّ لهؤلاء أن يمروا على خرافة شركية في كتبهم، أو أمر محرّم لا يستريب فيه عالم، مرور الكرام .

كل ذلك يعرب عن أنّ المضمون ليس عليه غبار، وأمّا ضعف السند فلا يكون دليلا على كذبه، فإليك السند الّذي رواه الطبراني به، فقد ورد فيه هؤلاء:


1. التوصل إلى حقيقة التوسل: ص 399 .
2. مجموعة الرسائل والمسائل: ج 1 ص 22 .


(287)

حدثنا محمد بن محمد التمارة البصري، ثنا: بشر بن حجر الشامي، ثنا علي بن منصور، عن الأنباري، عن عثمان بن عبدالرحمن الوقاصي، عن محمد بن كعب القرظي .

3- كيف يكون شركاً وقد جاء في التاريخ أنّ رجلا اسمه «تبع» قد بلغه أنّ نبي آخر الزمان سوف يظهر من مكة ويهاجر إلى المدينة، فكتب كتاباً ودفعه إلى بعض أقربائه كي يسلّموه إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وذكر فيه إسلامه وإيمانه، وأنّه من أُمة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ و مما جاء في هذه الرسالة: «فإن لم أدركك فاشفع لي يوم القيامة ولا تنسني» ومات الرجل، وكان الكتاب ينتقل من واحد إلى آخر، فلما قدم النبي المدينة دفعوا إليه الكتاب فقال: مرحباً بالأخ الصالح»(1) .

فهل يصحّ للنبي أن يصف المشرك بالأخ الصالح؟ أو أن تقراً عليه الرسالة ويقف على ما طلبه منه من الأمر المحرم دون أن يرد عليه؟

كل ذلك يعرب عن أنّ طلب الدعاء وطلب الشفاعة من الصالحين والأنبياء ليس شركاً في العبادة، ولا أمراً محرماً، ما هذا الجمود في فهم الإسلام؟ وما هذه الظنون والشبه الّتي تعتمدون عليها؟ فإنّ الإسلام دين حنيف سهل .

نعم لهم اعتراض على ما ذكرناه من الأدلة، بأنها ترجع إلى طلب الشفاعة من الأحياء، وأن البحث إنما هو في طلبه من غيرهم، والجواب من وجهين:

الأوّل: قد عرفت في البحث السابق بوجوه قيمة من أنّ الطلب متوجه إلى الأرواح المقدسة الّتي لم تنقطع صلتها بنا، وقد جرت السنة على ذلك، وقد عرفت الأدلة على جواز التكلم مع الأرواح المؤمنة والمشركة، كما عرفت أنّ الأنبياء العظام كصالح وشعيب، والنبي الأكرم كلّموا قومهم بعد هلاكهم ودمارهم، غير أنّه تكميلا للبحث نذكر بعض ما ورد من الأثر في ذلك


1. المناقب، لابن شهر آشوب: ج 1 ص 16 .


(288)

المجال، أي طلب الدعاء بعد الالتحاق إلى رحمة اللّه .

هذا ابن عباس يقول: لما فرغ أميرالمؤمنين ـ عليه السَّلام ـ من تغسيل النبي، قال:

«بأبي أنت وأُمي، اذكرنا عند ربك واجعلنا من بالك»(1) .

ويروي أهل السنة أنه لما توفّي رسول اللّه جاء أبوبكر من سلع، ووقف على فوته وكشف عن وجهه وقبله وقال: بأبي أنت وأُمي طبت حياً وميتاً واذكرنا عند ربك»(2) .

فما معنى المعارضة مع هذه النصوص ومعاكستها؟

(فَبِأَيِّ حَدِيث بَعْدَهُ يُؤمِنُونَ)(3) .

أدلة الوهابيين على حرمة طلب الشفاعة

لقد تعرّفت فيما مضى على أنّ طلب الشفاعة يساوق طلب الدعاء، ولا يتصوّر أن يكون من أقسام الشرك في العبادة، أو يكون طلبه من المخلوق عبادة له، إلاّ أن يكون طلب الدعاء من مخلوق شركاً وعبادة، وهو مما لم يقل به أحد حتّى الوهابيون .

نعم لهم شبهة ربما يغتر بها البسطاء، وهي أنّ المشركين كانوا يطلبونها من أصنامهم، فسمّاه اللّه عبادة لهم وقال: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُم وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤلاءِ شُفَعَاؤنَا عِنْدَ اللّه قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّه بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمواتِ وَلاَ فِي الأرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)(4) .

والشاهد في قوله: «ويعبدون من دون اللّه» مع ملاحظة ما في ذيل


1. نهج البلاغة: الخطبة رقم 235 ونقل السيد الأمين في كشف الإرتياب، ص 265 أنه قال: بأبي أنت وأمي اذكرنا عند ربك واجعلنا من همك، نقلا عن مجالس المفيد .
2. السيرة الحلبية: ج 3 ص 392 .
3. سورة الأعراف: الآية 185 .
4. سورة يونس: الآية 18 .


(289)

الآية: «ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند اللّه» وكان وجه عبادتهم لهم هو قولهم: «هؤلاء شفعاؤنا»(1) .

إنّ الاستدلال بالآية على كون طلب الشفاعة شركاً من غرائب الاستدلال وعجائبه، فإنّ الآية لو لم تدل على أنّ طلب الشفاعة يغاير عبادتهم لها، لا تدل على أنّ طلب الشفاعة عبادة للمدعو، وذلك أنه ورد في الآية جملتان نسبتهما إلى المشركين:

1- ويعبدون من دون اللّه ما لا يضرّهم ولا ينفعهم .

2- ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند اللّه .

والعطف يدل على المغايرة، وأنّ هنا عبادة، وأنّ هناك أمراً آخر وهو طلب الشفاعة، وما هذا الخلط؟

ولنفترض أنّ طلب شفاعتهم كان عبادة لمعبوداتهم، وأنّ الجملة الثانية من قبيل عطف العام على الخاص ولكن أين طلب شفاعة المسلم الموحّد من سيد الموحدين، من طلب شفاعة عبدة الأصنام والأوثان، فالمشركون كانوا يعتبرون الأوثان مالكة للشفاعة والمغفرة، فكان اللّه في معزل عنهما تماماً، ولا شك أنّ طلب الشفاعة من أىّ موجود مقروناً بهذا الاعتقاد يعد شركاً، لأنّ هذا الطلب مقرون بألوهية المدعو وربوبيته، في حين أنّ الإنسان المسلم يطلب الشفاعة والدعاء من الشفيع باعتباره عبداً مقرباً إلى اللّه، وإنساناً وجيهاً عنده، أذن اللّه تعالى له في شفاعة المجرمين، وادّخرها النبي لأهل الكبائر من أُمته، كما ورد عن النبي الأكرم، ورواه الفريقان .

والمصدر لهذه التهمة هو أنّ القوم لم يضعوا حداً منطقياً جامعاً ومانعاً للعبادة حتّى يميزوا به الدعاء العبادي عن غيره، فجعلوا يخبطون خبط عشواء لا يميزون بين الصحيح والسقيم .

نعم، إنّ الشفاعة حق خاص باللّه دل عليه الذكر الحكيم وقال: (أَمِ)


1. مجموعة الرسائل والمسائل: ج 1 ص 15 .


(290)

اتَّخَذُوا مِنْ دونِ اللّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَ لَوْ كَانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيئاً وَلاَ يَعْقَلُونَ * قُلْ للّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً))(1) .

ولأجل كونه حقاً مختصاً باللّه، لا يشفع النبي الأكرم ولا الشفعاء الأُخر لأحد إلاّ بإذنه سبحانه، ولكن قوله «للّه الشفاعة جميعاً» ليس معناه أنه سبحانه هو الشفيع دون غيره، لبداهة أنّ اللّه لا يشفع لأحد عند أحد، بل معناه أنه مالكٌ لمقام الشفاعة، لا يملكه غيره ولا يشفع إلاّ بإذنه .

هذا وإنّ المشركين كانوا على خلاف ذلك كما يعرب عنه قوله سبحانه: «قل أو لو كانوا لا يملكون شيئاً» .

وفي الختام نذكر النقطة الأخيرة من كلامهم، وهي أنّ النبي الأكرم بعد التحاقة بالرفيق الأعلى لا يسمع بدليل قوله سبحانه (إنَّكَ لاَ تُسْمِعُ المَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا وَلَّوْا مُدْبِرينَ)(2) .

وقوله: (إنَّ اللّه يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِع مِنْ في القُبُورِ)(3)، ولكنّك عرفت أنّ الآيتين لا تمتّان إلى طلب الشفاعة عن الأنبياء بصلة، فإنّ الأجساد الراقدة تحت التراب، غير قادرة على الإدراك والسماع، ولكن المخاطب هو الروح الطاهرة والحية الّتي تعيش بالجسد البرزخي في عالم البرزخ، والخطاب لتلك الأرواح النورانية والشفاعة تطلب منها، وأمّا السعي إلى الحضور في مقابرهم ومراقدهم فلأجل أنّ الحضور فيها يهيّىء أنفسنا للاتصال بأرواحهم المقدسة، وعند ذلك نجد في أنفسنا دافعاً إلى التحدّث معهم وهم يستمعون إلينا.

هذا هو الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ أحد الأئمة يعلّم شيعته كيفية زيارة أئمة أهل البيت بقوله:


1. سورة الزمر: الآية 43 ـ 44 .
2. سورة النمل: الآية 80 .
3. سورة فاطر: الآية 22 .


(291)

«عالماً أنّك تسمع كلامي وترد سلامي... فكن لي إلى اللّه شفيعاً، فما لي وسيلة أوفى من قصدي إليك وتوسّلي بك إلى اللّه»(1) .

وجاء في كلام آخر له ـ عليه السَّلام ـ : «اللّهمّ... وأعلم أنّ رسولك وخلفاءك ـ عليهم السَّلام ـ أحياء عندك يرزقون، يرون مقامي ويسمعون كلامي ويردون سلامي، وأنك حجبت عن سمعي كلامهم، وفتحت باب فهمي بلذيذ مناجاتهم»(2) .

هذا وقد قال ابن تيمية: وفي سنن أبي داود عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أنّه قال: ما من رجل مسلم سلّم علىّ إلاّ ردّ اللّه علىّ روحي حتّى أردّ عليه السلام، وفي موطأ الإمام مالك أنّ عبداللّه بن عمر ـ رضي اللّه تعالى عنهما ـ كان يقول: السلام عليك يا رسول اللّه، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبه، ثم ينصرف، وكذلك أنس بن مالك وغيره من الصحابة رضي اللّه عنهم، نقل عنهم السلام على النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ (3) .

فأىّ فرق بين التسليم على الميت وبين طلب الدعاء منه؟ وإذا كان قادراً على رد السلام، يكون قادراً على الدعاء إلى اللّه، والشفاعة للداعي، ولو فرضنا أنّه قادر على شيء واحد وهو رد السلام، وليس قادراً على الدعاء، يكون طلبه عندئذ لغواً، لا شركاً ولا محرماً، ويكون أشبه باعتقاد أثر في نبات مع كونه خطأ. أو كون شخص قادراً على إنجاز عمل ولم يكن كذلك. ولم يقل أحد بكون هذا النوع من الاعتقاد شركاً .


1. بحارالأنوار: ج 97، ص 295 .
2. عدة الداعي لابن فهد الحلي، 841 .
3. مجموعة الرسائل والمسائل: ج 1 ص 23 .

Website Security Test