welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الملل والنحل/ج3 (الماتريديّة، والمرجئية، ...)*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الملل والنحل/ج3 (الماتريديّة، والمرجئية، ...)

(241)

وفود عمرو على الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ

روى الطّبرسي في «الاحتجاج» عن عبدالكريم بن عتبة الهاشمي قال: كنت عند أبي عبداللّهـ عليه السلام ـ بمكّة إذ دخل عليه أناس من المعتزلة فيهم عمرو بن عبيدوواصل ابن عطاء و حفص بن سالم، وأناس من رؤسائهم وذلك حين قتل الوليد(1) واختلف أهل الشّام بينهم فتكلّموا و أكثروا، وخطبوا فأطالوا فقال لهم أبوعبدالله ـعليه السلام ـ: «إنّكم قد أكثرتم عليّ و أطلتم فأسندوا أمركم إلى رجل منكم فليتكلّم بحجّتكم و ليوجز، فأسندوا أمرهم إلى عمرو بن عبيد فأبلغ و أطال، فكان فيما قال: قتل أهل الشام خليفتهم، وضرب الله بعضهم ببعض، وتشتّت أمرهم. فنظرنا فوجدنا رجلاً له دين و عقل و مروّة ومعدن للخلافة وهو محمّد بن عبدالله بن الحسن(2) فأردنا أن نجتمع معه فنبايعه ثمّ نظهر أمرنا معه، وندعو الناس إليه، فمن بايعه كنّا معه وكان معنا...إلى آخر ما قال. فلّما تمّ كلامه أجابه الإمام بكلام مسهب. وفي آخر كلامه: «اتّق الله يا عمرو وأنتم أيّها الرّهط، فاتّقوا الله، فإنّ أبي حدّثني و كان خير أهل الأرض و أعلمهم بكتاب الله و سنّة رسوله أنّ رسول الله قال: من ضرب النّاس بسيفه و دعاهم إلى نفسه وفي المسلمين من هو أعلم منه فهو ضالّ متكلِّف(3).

روى الصّدوق في عيونه عن عليّ الرضا ـ عليه السلام ـ عن أبيه، عن جدّه ـ عليهم السلامـ قال: «دخل عمرو بن عبيد البصري على أبي عبدالله، فلّما سلّم وجلس عنده تلا هذه الآية: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ)(الشورى/37) ثمّ سأل عن الكبائر فأجابه ـ عليه السلام ـ فخرج عمرو بن عبيد وله صراخ من بكائه وهو يقول: هلك والله من قال برأيه ونازعكم في الفضل والعلم»(4).


1. الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان. قتل في جمادى الآخرة عام 126 وكان فاسقاً شرّيباً للخمر.

2. الملقّب بالنفس الزكية، قتل بالمدينة في خلافة المنصور عام 145.

3. بحار الأنوار: ج 47، ص 213 ـ 215 .

4. بحار الأنوار: ج 47، باب مكارم أخلاقه، ص 19، الحديث 13.


(242)

3 ـ أبو الهذيل العلاّف (ت 135 ـ م 235)

أبو الهذيل محمّد بن الهذيل العبدي ـ نسبة إلى عبدالقيس ـ وكان مولاهم وكان يلقّب بالعلاّف، لأنّ داره في البصرة كانت في العلاّفين(1).

قال ابن النّديم: «:كان شيخ البصريّين في الاعتزال و من أكبر علمائهم وهو صاحب المقالات في مذهبهم و مجالس و مناظرات.

نقل ابن المرتضى عن صاحب المصابيح أنّه كان نسيج وحده وعالم دهره ولم يتقدّمه أحد من الموافقين ولا من المخالفين. كان إبراهيم النظّام من أصحابه، ثمّ انقطع عنه مدّة و نظر في شيء من كتب الفلاسفة، فلمّا ورد البصرة كان يرى أنّه قد أورد من لطيف الكلام ما لم يسبق إلى أبي الهذيل. قال إبراهيم: فناظرت أبا الهذيل في ذلك فخيّل إليّ أنّه لم يكن متشاغلاً إلاّ به لتصرّفه فيه وحذقه في المناظرة فيه(2).

قال القاضي:«ومناظراته مع المجوس والثنويّة و غيرهم طويلة ممدودة وكان يقطع الخصم بأقلّ كلام. يقال إنّه أسلم على يده زيادة على 3000 رجل».

قال المبِّرد: «ما رأيت أفصح من أبي الهذيل والجاحظ، وكان أبو الهذيل أحسن مناظرة. شهدته في مجلس وقد استشهد في جملة كلامه بثلاثمائة بيت...وفي مجلس المأمون استشهد في عرض كلامه بسبعمائة بيت»(3).

وما ناظر به المخالفين دليل على نبوغه المبكر وتضلّعه في هذا الفن، فلنذكر بعضه:

1 ـ مات ابن لصالح بن عبد القدّوس الّذي يرمى بالزندقة، فجزع عليه، فقال له أبو الهذيل: «لا أعرف لجزعك عليه وجهاً، إذ كان الناس عندك كالزّرع فقال صالح:


1. أمالي المرتضى: ج 1، ص 178، وفيات الأعيان: ج 4، ص 265 ـ 267 رقم الترجمة 606 وقد قيل في تاريخ وفاته غير هذا نقله المرتضى في أماليه.

2. فهرست ابن النديم: ص 225 ـ 226.

3. المنية والأمل: ص 26 ـ 27.


(243)

يا أبا الهذيل إنّما أجزع عليه لأنّه لم يقرأ كتاب «الشكوك». فقال: ما هذا الكتاب يا صالح؟

قال: هو كتاب قد وضعته، من قرأه يشك ّ فيما كان حتّى يتوهّم أنّه لم يكن، ويشكّ فيما لم يكن حتّى يتوهّم أنّه قد كان. فقال له أبو الهذيل: فشكّ أنت في موت ابنك، واعمل على أنّه لم يمت و إن كان قد مات. وشكّ أيضاً في قراءته كتاب «الشكوك» وإن كان لم يقرأه»(1).

2 ـ بلغ أبا الهذيل في حداثة سنّه أنّ رجلاً يهوديّاً قدم البصرة و قطع جماعة من متكلّميها، فقال لعمّه: «يا عمّ امض بي إلى هذا اليهودي حتّى اُكلّمه. فقال له عمّه: يا بنيّ كيف تكلّمه وقد عرفت خبره، وأنّه قطع مشايخ المتكلّمين! فقال: لا بدّ من أن تمضي بي إليه. فمضى به.قال: فوجدته يقرّر الناس على نبوّة موسى ـ عليه السلام ـ، فإذا اعترفوا له بها قال: نحن على ما اتّفقنا عليه إلى أن نجمع على ما تدّعونه، فتقدّمت إليه، فقلت: أسألك أم تسألني؟ فقال: بل أسألك، فقلت: ذاك إليك، فقال لي: أتعترف بأنّ موسى نبيّ صادق أم تنكر ذلك فتخالف صاحبك؟ فقلت له: إن كان موسى الّذي تسألني عنه هو الّذي بشّر بنبيّي ـ عليه السلام ـ وشهد بنبوّته وصدّقه فهو نبيّ صادق، وإن كان غير من وصفت، فذلك شيطان لا أعترف بنبوّته; فورد عليه ما لم يكن في حسابه، ثمّ قال لي: أتقول إنّ التوراة حقّ؟ فقلت: هذه المسألة تجري مجرى الاُولى، إن كانت هذه التوراة الّتي تسألني عنها هي الّتي تتضمّن البشارة بنبيّي ـ عليه السلام ـ فتلك حقّ، وإن لم تكن كذلك فليست بحقّ، ولا أقرّ بها.

فبهت و اُفحم ولم يدر ما يقول. ثمّ قال لي: أحتاج أن أقول لك شيئاً بيني و بينك، فظننت أنّه يقول شيئاً من الخير، فتقدّمت إليه فسارّني فقال لي: اُمّك كذا وكذا واُمّ من علّمك، لا يكنّي، وقدّر أنّي أثب به، فيقول: وثبوا بي وشغبوا عليّ، فأقبلت على من كان في المجلس فقلت: أعزّكم الله، ألستم قد وقفتم على سؤاله إيّاي وعلى جوابي


1. الفهرست لابن النديم: الفن الأوّل من المقالة الخامسة ص 204 ـ وفيات الأعيان: ج 4، ص 265 ـ 266.


(244)

إيّاه؟ قالوا:بلى، قلت: أفليس عليه أن يردّ جوابي أيضاً؟ قالوا: بلى، قلت لهم: فإنّه لـمّا سارّني شتمني بالشتم الّذي يوجب الحدّ، وشتم من علّمني، وإنّما قدّر أنّني أثب عليه، فيدّعي أنّنا واثبناه وشغبنا عليه، وقد عرّفتكم شأنه بعد الانقطاع فانصروني، فأخذته الأيدي من كلّ جهة فخرج هارباً من البصرة»(1).

أقول: إنّ ما طرحه الرجل اليهودي من الشبهة كانت شبهة دارجة لأهل الكتاب يتمسّكون بها كلّ منهم من غير فرق بين اليهودي و المسيحي. وقد سأل الجاثليق النصراني الإمام عليّ بن موسى الرضا ـ عليه السلام ـ في مجلس المأمون عن هذه الشبهة، فقال الجاثليق: ما تقول في نبوّة عيسى و كتابه هل تنكر منهما شيئاً؟ قال الرضا ـ عليه السلام ـ : «أنا مقرّ بنبوّة عيسى و كتابه...وكافر بنبوّة كلّ عيسى لم يقرّ بنبوّة محمّد صلَّى الله عليه و آله و سلَّم وكتابه ولم يبشّر به اُمّته»(2).

إنّ الإمام الطاهر عليّ بن موسى الرضا ـ عليه السلام ـ قدم خراسان عام 199، وتوفّي بها عام 203 هـ، وكانت المناظرات خلال هذه السنوات دائرة و مجالسها بالعلماء و الاُدباء حافلة، فنقلوا ما دار بين الإمام والجاثليق إلى العواصم الإسلاميّة. فليس من البعيد أن يكون أبو الهذيل قد اقتبس كلامه من الإمام ـ عليه السلام ـ ، كما أنّ من المحتمل أن يكون من باب توارد الخاطر.

3 ـ أتى إليه رجل فقال: «اُشكل عليّ أشياء من القرآن فقصدت هذا البلد فلم أجد عند أحد ممّن سألته شفاء لما أردته، فلمّا خرجت في هذا الوقت قال لي قائل: إنّ بغيتك عند هذا الرّجل فاتّق الله و أفدني، فقال أبو الهذيل ماذا أشكل عليك؟ قال: آيات من القرآن توهمني أنّها متناقضة و آيات توهمني أنّها ملحونة. قال: فماذا أحبّ إليك، اُجيبك بالجملة أو تسألني عن آية آية؟ قال: بل تجيبني بالجملة، فقال أبو الهذيل: هل تعلم أنّ محمّداً كان من أوساط العرب و غير مطعون عليه في لغته، وأنّه


1. أمالي المرتضى: ج 1، ص 178 ـ 179.

2. الاحتجاج للشيخ الطبرسي: ج 2، ص 202 وللمناظرة صلة، من أراد فليراجع.


(245)

كان عند قومه من أعقل العرب فلم يكن مطعوناً عليه؟ فقال: اللّهمّ نعم، قال أبو الهذيل: فهل تعلم أنّ العرب كانوا أهل جدل؟ قال: اللّهمّ نعم، قال: فهل اجتهدوا عليه بالمناقضة واللّحن؟ قال: اللّهمّ لا، قال أبو الهذيل: فتدع قولهم على علمهم باللّغة وتأخذ بقول رجل من الأوساط؟ قال: فأشهد أن لا إله إلاّ الله و أنّ محمّداً رسول الله، قال: كفاني هذا و انصرف و تفقّه في الدين»(1).

تآليفــه

بينما لم يذكر ابن النّديم أيّ تأليف لأبي الهذيل يحكي ابن المرتضى عن يحيى بن بشر أنّ لأبي الهذيل ستّين كتاباً في الرّدّ على المخالفين في دقيق الكلام(2).

نعم، ذكر ابن النّديم في باب الكتب المؤلّفة في متشابه القرآن أنّ لأبي الهذيل العلاّف كتاباً في ذلك الفن(3).

قال ابن خلّكان:«ولأبي الهذيل كتاب يعرف بالميلاس و كان «ميلاس» رجلاً مجوسياً و أسلم، وكان سبب إسلامه أنّه جمع بين أبي الهذيل وبين جماعة من الثنويّة، فقطعهم أبو الهذيل فأسلم ميلاس عند ذلك»(4).

وذكر البغدادي كتابين لأبي الهذيل هما «الحجج» و «القوالب» والثاني ردُّ على الدهريّة(5).

أقول: إنّ من سبر كتاب «الفرق بين الفرق» لعبد القاهر البغدادي يعرف حقده على المعتزلة وعلى ذوي الفكر و لذلك ترجمه بصورة تكشف عن عمق غيظ له، فقال: «كان مولى لعبد القيس وقد جرى على منهاج أبناء السبايا لظهور أكثر البدع منهم، وفضائحه تترى تكفِّره فيها سائر فرق الاُمّة من أصحابه في الاعتزال ومن غيرهم،


1. طبقات المعتزلة للقاضي: ص 254.

2. المنية والأمل: ص 25.

3. الفهرست لابن النديم: الفن الثالث من المقالة الاُولى ص 39.

4. وفيات الأعيان: ج 4 ص 266.

5. الفرق بين الفرق: ص 124.


(246)

وللمعروف بالمزدار من المعتزلة كتاب كبير فيه فضائح أبي الهذيل، وفي تكفيره بما انفرد به من ضلالته. وللجبّائي أيضاً كتاب في الردّ على أبي الهذيل في المخلوق، يكفّره فيه، ولجعفر بن حرب المشهور في زعماء المعتزلة أيضاً كتاب سمّاه «توبيخ أبي الهذيل» وأشار بتكفير أبي الهذيل، وذكر فيه أنّ قوله يجرّ إلى قول الدهريّة»(1).

تشيّعه

قال ابن المرتضى: «ذكروا أنّه صلّى عليه أحمد بن أبي دؤاد القاضي فكبّر عليه خمساً، ثمّ لـمّا مات هشام بن عمرو فكبّر عليه أربعاً،فقيل له في ذلك (ما وجه ذلك)؟ فقال: «إنّ أبا الهذيل كان يتشيع لبني هاشم فصلّيت عليه صلاتهم» وأبو الهذيل كان يفضّل عليّاً على عثمان. وكان الشيعي في ذلك الزمان من يفضّل عليّاً على عثمان» (2).

وهذا يكشف عن أنّ التشيّع ربّما يستعمل في تفضيل الإمام ـ عليه السلام ـ على خليفة أو على الخلفاء الثلاث فقط، ولا يلازم التشيّع القول بكون عليّ هو خليفة رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم بلافصل. فإنّ هذا هو التشيّع بالمعنى الأخصّ.

قال ابن أبي الحديد: «سئل شيخنا أبو الهذيل أيّما أعظم منزلة عند الله: عليّ ـ عليه السلام ـ أم أبوبكر؟ فقال: والله لمبارزة عليّ عمرواً يوم الخندق تعدل أعمال المهاجرين والأنصار و طاعاتهم كلّها، فضلاً عن أبي بكر»(3).

وفاته

إذا كانت ولادة أبي الهذيل 135 و وفاته 235 فقد توفّى الرجل عن عمر يناهز المائة.

ويقول ابن خلّكان: «وكان قد كفّ بصره، وخرف في آخر عمره إلاّ أنّه كان لا


1. الفرق بين الفرق: ص 121 ـ 122.

2. المنية والأمل: ص 28.

3. شرح نهج البلاغة: ج 19 ص 60.


(247)

يذهب عليه شيء من الأصول، لكنّه ضعف عن مناهضة المناظرين و حجاج المخالفين و ضعف خاطره»(1).

و جرى ابن قتيبة في كتابه «تأويل مختلف الحديث» على ذمّ مشايخ المعتزلة ورميهم بقصص خرافيّة، فنقل أوّلاً عن بعض أصدقاء أبي الهذيل أنّه بذل مائة ألف درهم على الإخوان. ثمّ قال ردّاً على هذه القصّة: «وكان أبو الهذيل أهدى دجاجة إلى موسى بن عمران فجعلها تأريخاً لكلّ شيء، فكان يقول: فعلت كذا وكذا قبل أن أهدي إليك تلك الدّجاجة أو بعد أن أهديت إليك تلك الدّجاجة». ثمّ فرّع على ذلك وقال: «هذا نظر من لا يقسم على الاخوان عشرة أفلس فضلاً عن مائة ألف»(2).

«اللّهمّ لا تجعل في قلوبنا غلاّ للذين آمنوا».

كلمة بذيئة

عنون الخطيب شيخ المعتزلة محمّداً أبا الهذيل، ولكنّه جرى فيه كعادته فيهم بتسليط لسانه عليهم فقال: «شيخ المعتزلة»، ومصنّف الكتب في مذاهبهم وهو من أهل البصرة. ورد بغداد وكان خبيث القول. فارق إجماع المسلمين وردّ نصّ كتاب الله عزّوجلّ إذ زعم أنّ أهل الجنّة تنقطع حركاتهم فيها، حتّى لا ينطقوا نطقة ولا يتكلّموا بكلمة، فلزمه القول بانقطاع نعيم الجنّة عنهم والله تعالى يقول: (اُكلّها دائم).

وجحد صفات الله الّتي وصف بها نفسه، وزعم أنّ علم الله هو الله، و قدرة الله هي الله. فجعل الله علماً و قدرة ـ تعالى الله عمّا وصفه به علوّاً كبيراً ـ »(3).

يلاحظ عليه: أنّ النسبة الاُولى لم تثبت بعد، وهؤلاء هم الأشاعرة ينقلونه عن أبي الهذيل و أتباعه، وقد اعتذر أبو الحسين الخيّاط عن هذه النسبة في كتابه «الانتصار» وبما


1. وفيات الأعيان: ج 4 ص 267.

2. تأويل مختلف الحديث: ص 43.

3. تاريخ بغداد: ج 3، ص 366.


(248)

أنّ كتب الرجل قد ضاعت و عبث بها الزمان فلا يصحّ في منطق العقل الجزم بذلك إلاّ إذا تواتر النّقل وهو مفقود.

وأمّا النسبة الثانية فقد غفل عن مغزاها الخطيب فتصوّره أمراً شنيعاً مع أنّ أبا الهذيل يقصد بذلك الوصول إلى قمّة التوحيد، وهو نفي كون صفاته سبحانه زائدة على ذاته. لأنّ القول بالزيادة يستلزم التركيب (تركيب ذاته مع صفاته السبع الكماليّة) وقد أوضحناه في الجزء الثاني من كتابنا فراجع(1).

والّذي يندي الجبين أن يقذف الشيخ بأمر شنيع. نقل الخطيب عن أبي حذيفة: كان أبو الهذيل يشرب عند ابن لعثمان بن عبدالوهاب، قال: فراود غلاماً في الكنيف ... إلى آخر ما ذكره في الوقيعة به الّتي يجب أن يحدّ القاذف و يبرء المرمىّ بها، ولكنّ الطائفيّة البغيضة دفعت الخطيب إلى نقل القصّة بلا اكتراث.

(إنّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الفَاحِشَةَ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَليمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ).

4 ـ النظّام (ت 160هـ ـ م 231 هـ)(2)

إبراهيم بن سيّار بن هانئ النظّام

النظّام: هو الشخصيّة الثالثة للمعتزلة ومن متخرّجي مدرسة البصرة للاعتزال.

قال ابن النديم: يكنّى أبا إسحاق، كان متكلّماً شاعراً أديباً وكان يتعنّف أبا نؤاس وله فيه عدّة مقطّعات و إيّاه عنى أبو نؤاس بقوله:

فقل لمن يدّعي في العلم فلسفة * حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء

لا تحظر العفو إن كنت امرءاً حرجاً * فـــانّ حــظركه بــالـدين إزراء(3)


1. ص 78 ـ 79 وسيوافيك بيانه في الفصل المختص ببيان الاُصول الخمسة للمعتزلة.

2. في ميلاده ووفاته أقوال اُخر وما ذكرناه هو المؤيد بالقرائن.

3. فهرست ابن النديم: الفن الأوّل من المقالة الخامسة ص 205 ـ 206 .


(249)

وذكره الكعبي في «ذكر المعتزلة» وقال: «هو من أهل البصرة ثمّ نقل آراءه الّتي تفرّد بها»(1).

وقال الشريف المرتضى: «كان مقدّماً في علم الكلام، حسن الخاطر، شديد التدقيق والغوص على المعاني، وإنّما أدّاه إلى المذاهب الباطلة الّتي تفرّد بها واستشنعت منه، تدقيقه وتغلغله وقيل: إنّه مولى الزياديين من ولد العبيد و إنّ الرّق جرى على أحد آبائه»(2).

وذكره القاضي عبدالجبّار في «طبقات المعتزلة» وقال: «إنّه من أصحاب أبي الهذيل و خالفه في أشياء»(3).

ذكاؤه المتوقّد

1 ـ روى الشّريف المرتضى أنّ أبا النظّام جاء به وهو حدث إلى الخليل بن أحمد (م170 هـ) ليعلِّمه فقال له الخليل يوماً يمتحنه ـ وفي يده قدح زجاج ـ: يا بني، صف لي هذه الزّجاجة، فقال: أبمدح أم بذمّ؟ قال: بمدح، قال: نعم، تريك القذى، لا تقبل الأذى، ولا تستر ما وراء، قال: فذمّها، قال: سريع كسرها، بطيء جبرها، قال: فصف هذه النّخلة، و أومأ إلى نخلة في داره، فقال: أبمدح أم بذم؟ قال: بمدح، قال: هي حلو مجتناها، باسق منتهاها، ناظر أعلاها، قال: فذمّها، قال: هي صعبة المرتقى، بعيدة المجتنى، محفوفة بالأذى، فقال الخليل: با بنيّ، نحن إلى التعلم منك أحوج.

قال الشّريف المرتضى بعد نقل هذه القصّة: «وهذه بلاغة من النظّام حسنة، لأنّ البلاغة هي وصف الشيء ذمّاً أو مدحاً بأقصى ما يقال فيه»(4).

2 ـ قال أبوعبيدة: «ما ينبغي أن يكون فى الدّنيا مثله، فإنّي امتحنته فقلت: ما


1. فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة: ص 70.

2. أمالي المرتضى: ج 1، ص 187.

3. فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة: ص 264.

4. أمالي المرتضى: ج 1، ص 189.


(250)

عيب الزجاج؟ فقال على البديهة: يسرع إليه الكسر ولا يقبل الجبر»(1).

3 ـ روي أنّه كان لا يكتب ولا يقرأ وقد حفظ القرآن والتوراة والانجيل والزبور وتفسيرها مع كثرة حفظه الأشعار والأخبار واختلاف النّاس في الفتيا(2).

4 ـ قال الجاحظ: «الأوائل يقولون: في كلّ ألف سنة رجل لا نظير له. فان كان ذلك صحيحاً فهو: أبو إسحاق النظّام»(3).

ولو صحّ ما نقلناه في حقّه، فهو يحكي عن كون المترجم له ذا نبوغ مبكر، و ذكاء وقّاد، وقابليّة كبيرة،ومثل هذا لو وقع تحت رعاية صحيحة و تربّى على يدي اُستاذ بارع يتجلّى نبوغه بأحسن ما يمكن و تتفجّر طاقاته لصالح الحقائق، و إدراك الواقعيّات، وإذا فقد مثل ذلك الاُستاذ البارع وهو على ما ذكرناه من المواهب والقابليّات انحرف انحرافاً شديداً، و تحرّكت طاقاته في اتّجاه الجناية على الحقائق و ظلم الواقعيات.

ولعلّ ما يحكى عن النظام من بعض الأفكار المنحرفة ـ إن صحّت ـ فذلك نتيجة النبوغ غير الموجّه، والقابليّة غير الخاضعة للارشاد والهداية.

وسيوافيك بعض أفكاره غير الصّحيحة، غير أنّ أكثر مصادرها هي كتب الأشاعرة كـ «مقالات الإسلاميين» للأشعري، و«الفرق بين الفرق» و غيرهما من كتب الأشاعرة الّذين ينظرون إلى المعتزلة بعين العداء و مخالفي السنّة.

نعم هجوم الأشاعرة عليه، وردّ بعض المعتزلة عليه(4) يعرب عن شذوذ في منهجه، وانحراف في فكره.

5 ـ روى القاضي أنّه كان يقول عندما يجود بنفسه: «اللّهمّ إن كنت تعلم أنّي لم اُقصّر في نصرة توحيدك ولم أعتقد مذهباً إلاّ سنده التوحيد، اللّهمّ إن كنت تعلم ذلك فاغفر لي ذنوبي و سهِّل عليّ سكرات الموت». قال: فمات من ساعته(5).


1. المنية والأمل، لابن المرتضى: ص 29.

2. المنية والأمل، لابن المرتضى: ص 29.

3. المنية والأمل، لابن المرتضى: ص 29.

4. لاحظ الفرق بين الفرق ص 132 ترى ردود المعتزلة عليه. فقد ذكر أنّ لأبي الهذيل والجبائي والاسكافي وجعفر بن حرب ردوداً عليه.

5. فضل الاعتزال للقاضي: ص 264 ـ المنية والأمل ص 29 ـ 30.


(251)

ولو صحّ هذا فلا يصحّ ما ينسب إليه البغدادي من أنّ النظّام كان أفسق خلق الله عزّوجلّ و أجرأهم على الذنوب العظام و على إدمان شرب المسكر. وقد ذكر عبدالله بن قتيبة في كتاب «مختلف الحديث» أنّ النظّام كان يغدو على مسكر و يروح على مسكر وأنشد قوله في المسكر:

ما زلت آخذ روح الزقّ في لطف * وأستبيح دماً من غير مذبوح

حتّى انثنيت ولي روحان في بدن * والزقّ مـــطّرح جســم بلا روح

ثمّ أخذ البغدادي في ذمِّه بكلمات رديئة لا تصلح للنقل، وقد عدّ البغدادي له أزيد من عشرين فضيحة و جعل بعضها سبباً لكفره، غير أنّ بعضها ليس بفضيحة و بعضها الآخر لا يوجب الكفر(1) و البغداديّ في هذه التّهم و النّسب ـ كما قال ـ تبع شيخ أصحاب الحديث ابن قتيبة حيث قال: «وجدنا النظّام شاطراً من الشطّار يغدو على سكر و يروح على سكر و يبيت على جرائرها و يدخل في الأدناس و يرتكب الفواحش والشائنات» ثمّ ذكر البيتين(2).

أفي ميزان النّصفة الاعتماد على قول الخصم عند القضاء عليه؟.

وذكر الشهرستاني له مسائل انفرد بها وأنهاها إلى ثلاث عشرة مسألة(3) و في قلمه نزاهة قابلة للتقدير بخلاف البغدادي في الفرق و نذكر نموذجين من هذه الفضائح المزمومة:

1 ـ قوله بانقسام كلِّ جزء لا إلى نهاية. فزعم البغدادي أنّ نتيجة ذلك القول إحالة كون الله تعالى محيطاً بأجزاء العالم، عالماً بها، وذلك قول الله تعالى: (وَ أَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَ أَحْصَى كُلَّ شَيْء عَدَداً) (الجن/28)(4).


1. الفرق بين الفرق: ص 131 ـ 150.

2. تأويل مختلف الحديث: ص 17 و 18.

3. الملل والنحل: ج 1 ص 54 ـ 58.

4. الفرق بين الفرق: ص 139.


(252)

يلاحظ عليه : أنّ القائل ببطلان تركّب الجسم من أجزاء لا يتجزّأ، وأنّ كلّ جزء مفروض ينقسم إلى ما لا نهاية له، لا يعنى به انقسام كلِّ جزء إلى ما لا نهاية له بالفعل، بحيث يكون في كلِّ ذرة أجزاء فعليّة مترتبة متسلسلة، بل المراد هو الانقسام بالقوّة، بمعنى أنّ الانقسام لا ينتهي إلى جزء لا يمكن تقسيمه عقلاً، لأنّ ما نفرضه جزءاً غير متجزّئ، شرقه غير غربه، فيكون منقسماً بهذا الشّكل إلى ما لا نهاية له، وإن كان ينتهي إلى جزء لا يمكن تقسيمه حسّاً لأجل ضعف أدوات التّقسيم، ولكن هذا لا يصدّ التقسيم العقلي و لا يمنع منه.

وهذا واضح لمن أمعن النّظر في أدلّة القائلين ببطلان الجزء الّذي لا يتجزّأ. فالبغدادي خلط بين مسألة أجزاء غير متناهية بالفعل و مسألة أجزاء غير متناهية بالقوّة، وما فرضه إشكالاً ـ على فرض صحّته في نفسه ـ إنّما يترتّب على الأوّل دون الثّاني، لأنّ العالم على الفرض الثّاني يكون متناهياً بالفعل، ويكون سبحانه محيطاً بأجزاء العالم، عالماً به، وإن كان غير متناه بالقوّة، لكن مناط العلم هو الأوّل لا الثّاني.

و ثانياً: نفرض أنّ العالم له أجزاء غير متناهية، ولكنّه سبحانه أيضاً موجود غير متناه، على ما برهن عليه في محلّه، فلا يشذّ عن حيطة وجوده شيء، نعم من خصّ وجوده سبحانه بالعرش فوق السّماوات لا محيص له عن توصيفه بالتّناهي والله سبحانه منزّه عن التّناهي وأحكام الممكنات.

2 ـ قوله بأنّ الإنسان هو الروح و هو جسم لطيف تداخل بهذا الجسم، ثمّ رتّب عليه على زعمه إشكالات: منها; أنّ الإنسان على هذا لا يرى على الحقيقة و إنّما يرى الجسد الّذي فيه الإنسان.

ومنها; أنّه يوجب أنّ الصّحابة ما رأوا رسول الله و إنّما رأوا قالباً فيه الرّسول، إلى غير ذلك من الاشكالات الواهية.

أقول: لايظهر من القرآن كون الروح هو الجسم اللّطيف المتداخل في البدن، ولكنّه يظهر منه كون حقيقة الإنسان هي روحه، وأنّ واقعيَّته و شخصيّته بروحه لا


(253)

بجسده. قال سبحانه: (قُلْ يَتَوَفَّيكُمْ مَلَكُ المَوتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُون)(السجدة/11). إنّ كلمة «التوفّي» لا تعني الاماتة كما هو معروف، بل تعني الأخذ و القبض، فقوله سبحانه (يتوفّاكم) بمعنى يأخذكم و يقبضكم، فالآية ظاهرة في أنّ ملك الموت يأخذ الإنسان كلّه، ويكون محفوظاً عند ربّه، وهذا إنّما يتمّ ولو كان حقيقة الإنسان هو روحه و نفسه، لا روحه و جسمه، وإلاّ يكون المأخوذ بعض الإنسان و جزئه، لوضوح أنّ ملك الموت يأخذ أحد الجزأين وهو الرّوح و يترك الجزء الآخر وهو يودع في القبر الّذي لا علاقة لملك الموت به.

وما رتّب البغدادي على نظريّة النظّام من الاشكالات لا يستحقّ الردّ والنّقد.

إذا عرفت هذين النموذجين الّذين عدّهما البغدادي من فضائح النظّام ـ وليسا منها ـ فعند ذا يتبيّن وجوب دراسة آراء ذلك الرجل في جوّ هادىء بعيد عن الحقد والبغض حتّى يتّضح الحقّ عن الباطل، مع أنّه لا مصدر لنسبة هذه الآراء إلاّ كتب الأشاعرة و بصورة ناقصة «الانتصار» لأبي الحسين الخيّاط، وليس كتابنا هذا كتاباً كلاميّاً و إنّما هو كتاب تأريخ العقائد ولأجل ذلك نكتفي بهذا المقدار، غير أنّه نرى من الواجب التعرّض لعقيدة منسوبة إليه في إعجاز القرآن المعروفة بمذهب الصِّرفة.

النظّام و مذهب الصرفة في إعجاز القرآن

من الآراء الباطلة الّتي نسبت إلى النظّام، هو حصر إعجاز القرآن في الاخبار عن المغيبات، وأمّا التأليف والنّظم فقد كان يجوِّز أن يقدر عليه العباد لولا أنّ الله منعهم بمنع(1). وقد نقل عنه البغدادي في «الفرق» بقوله: «إنّه أنكر إعجاز القرآن فى(2) نظمه».

وقال الشهرستاني: «قوله في إعجاز القرآن إنّه من حيث الاخبار عن الاُمور الماضية والآتية ومن جهة صرف الدواعي عن المعارضة، ومنع العرب عن الاهتمام به


1. مقالات الاسلاميين: ص 225.

2. الفرق بين الفرق: ص 132.


(254)

جبراً وتعجيزاً، حتّى لو خلاّهم لكانوا قادرين على أن يأتوا بسورة من مثله بلاغة و فصاحة و نظماً»(1).

أقول: لا شكّ أنّ مذهب الصرفة في إعجاز القرآن مذهب مردود بنصّ القرآن وإجماع الاُمّة، لأنّ مذهب الصرف يرجع إلى أنّ القرآن لم يبلغ في مجال الفصاحة والبلاغة حدّ الإعجاز، حتّى لا يتمكّن الإنسان العادي من مباراته و مقابلته، بل هو في هذه الجهة لا يختلف عن كلام الفصحاء و البلغاء، ولكنّه سبحانه يحول بينهم وبين الإتيان بمثله، إمّا بصرف دواعيهم عن المعارضة، أو بسلب قدرتهم عند المقابلة.

ومن المعلوم أنّ تفسير إعجاز القرآن بمثل هذا باطل جدّاً لأنّ القرآن عند المسلمين معجز لكونه خارق للعادة لما فيه من ضروب الإعجاز في الجوانب الأربعة: 1 ـ الفصاحة القصوى 2 ـ البلاغة العليا 3 ـ النظم المخصوص 4 ـ الاُسلوب البديع. فقد تجاوز عن حدِّ الكلام البشري و وصل إلى حدّ لا تكفي في الاتيان بمثله القدرةُ البشريّة.

يقول الطّبرسى في تفسير قوله: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَ الجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض ظَهِيراً) (الإسراء/88) «معناه قل يا محمد لهؤلاء الكفّار: لئن اجتمعت الإنس و الجنّ متعاونين متعاضدين على أن يأتوا بمثل هذا القرآن من فصاحته و بلاغته و نظمه على الوجوه الّتي هو عليها من كونه في الطبقة العليا من البلاغة و الدرجة القصوى من حسن النظم وجودة المعاني و تهذيب العبارة.. لعجزوا عن ذلك ولم يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً»(2).

إنّ مذهب الصرفة كمذهب الصّدفة لدى المادِّيين في الوهن و البطلان، فإنّه سبحانه أرفع شأناً من أن يأمر الإنسان والجنّ بأن يباروا القرآن، ويرضى منهم بمباراة بعضه لو تعذّر عليهم الكلّ، ثمّ يعترض سبيلهم و يصرف منهم القوّة والهمّة و يمنعهم


1. الملل والنحل: ج 1 ص 56 ـ 57.

2. مجمع البيان: ج 6 ص 676.


(255)

من أن يأتوا بما أراد منهم مع قدرتهم عليه قبل عزم المباراة والمقابلة.

ولو صحّ وجه إعجازه في الصّرفة، فيتمّ حتّى مع كونه كلاماً مغسولاً من الفصاحة، ومبذولاً مرذولاً للغاية، وكلّما حاول الإنسان أن يقابله، صرفت دواعيه وسلبت قدرته عن الاتيان بمثله، هوكما ترى(1).

مؤلّفاتـه

مع أنّه كثر اللّغط والصّياح حول آراء النظّام(2) فطبع الحال يقتضي أن يكون له عشرات المؤلّفات، غير أنّه لم يصل من أسماء مؤلّفاته إلينا أزيد ممّا يلي:

1 ـ التّوحيد2 ـ العالم(3) 3 ـ الجزء (4) 4 ـ كتاب الردّ على الثنويّة(5).

ومن أراد أن يرجع إلى متفرِّداته ـ إن صحّت النّسبة ـ فليرجع إلى «الملل والنحل» للشهرستاني، فإنّه جمعها تحت ثلاث عشرة مسألة، مع النزاهة و رعاية أدب البحث، خلافاً للبغدادي، فإنّ كلامه بعيد عن الأدب.

5 ـ أبو علي محمّد بن عبدالوهّاب الجبّائي (ت 235 ـ م 303)

هو أحد أئمّة المعتزلة في عصره، وإماماً في كلامه و يعرّفه ابن النديم في فهرسته بقوله: «هو من معتزلة البصرة، ذلّل الكلام و سهّله و يسّر ما صعب منه، وإليه انتهت رئاسة البصريّين في زمانه، لا يدافع في ذلك. وأخذ عن أبي يعقوب الشحّام. ورد البصرة


1. ومن أراد البحث حول تلك النظرية فعليه الرجوع إلى المصادر التالية: أوائل المقالات للشيخ المفيد ص 31، بحار الأنوار: ج 12، ص 1 ـ 32. المعجزة الخالدة للعلامة الشهرستاني ص 92 ـ 93. مقال للكاتب الفكيكي في مجلّة رسالة الإسلام، العدد الثالث من السنة الثالثة، والعدد الأول من السنة الرابعة. الجزء الثاني من الإلهيات من محاضراتنا الكلامية التي قام بتحريرها الشيخ الفاضل حسن مكي العاملي.

2. ألّف محمد عبد الهادي أبو ريدة كتاباً مستقلاً حول آراء النظام وأسماه «إبراهيم بن سيار النظام» وطبع عام 1365 بالقاهرة وقد جمع آراءه عن مصادر مطبوعة ومخطوطة.

3. ذكرهما أبو الحسين الخياط (م 311) في الانتصار ص 14 ـ 172.

4. مقالات الاسلاميين: ج 2 ص 316.

5. الفرق بين الفرق: ص 134.


(256)

و تكلّم مع من بها من المتكلّمين، وصار إلى بغداد، فحضر مجلس أبي...الضّرير و تكلّم فتبيّن فضله و علمه، وعاد إلى العسكر ومولده سنة 235 هـ وتوفّي سنة 303 هـ »(1).

وقال ابن خلّكان: «إنّه أحد أئمّة المعتزلة، كان إماماً في علم الكلام، وأخذ هذا العلم عن أبي يوسف يعقوب بن عبدالله الشحّام البصري رئيس المعتزلة بالبصرة في عصره. له في مذهب الاعتزال مقالات مشهورة و عنه أخذ الشيخ أبو الحسن الأشعري علم الكلام وله معه مناظرة روتها العلماء»(2).

قال الياقوت: «الجبّائي منسوب إلى «جبّا» بضمّ الجيم و تشديد الباء: بلد أو كورة من خوزستان، و من الناس من جعل عبّادان من هذه الكورة و هي في طرف من البصرة و الأهواز، حتّى جعل من لا خبرة له «جبّا» من أعمال البصرة و ليس الأمر كذلك ـ إلى أن قال ـ: «جبّا» في الأصل عجمي وكان القياس أن ينسب إليها جُبّوي، فنسبوا إليها جبّائي على غير قياس مثل نسبتهم إلى الممدود، وليس فى كلام العجم ممدود، وجبّا أيضاً من أعمال النّهروان»(3).

وقد أثنى عليه ابن المرتضى في «المنية والأمل» بما لا مزيد عليه فقال: «وهو الّذي سهّل علم الكلام و يسّره و ذلّله وكان مع ذلك فقيهاً ورعاً زاهداً جليلاً نبيلاً، ولم يتّفق لأحد من إذعان سائر طبقات المعتزلة له بالتقدّم و الرئاسة بعد أبي الهذيل مثله، بل ما اتّفق له هو أشهر أمراً و أظهر أثراً، وكان شيخه أبا يعقوب الشحّام، ولقى غيره من متكلّمي زمانه و كان على حداثة سنّه معروفاً بقوّة الجدل»(4).

مناظراته

1 ـ حضر من علماء المجبِّرة رجل يقال له صقر. فإذا غلام أبيض الوجه زجّ


1. فهرست ابن النديم الفن الأول من المقالة الخامسة ص 217 ـ 218.

2. لاحظ الجزء الثاني من كتابنا هذا ص 18.

3. معجم البلدان: ج 2 ص 96 ـ 97 طبع التراث العربي.

4. المنية والأمل: ص 45.


(257)

نفسه في صدر صقر و قال له: أسألك؟ فنظر إليه الحاضرون و تعجّبوا من جرأته مع صغر سنّه. فقال له: سل، فقال: هل الله تعالى يفعل العدل؟ قال: نعم، قال: أفتسمّيه بفعله العدل عادلاً ؟ قال: نعم، قال: فهل يفعل الجور؟ قال: نعم، قال: أفتسمّيه جائراً؟ قال: لا، قال: فيلزم أن لا تسمّيه بفعله العدل عادلاً، فانقطع صقر، وجعل الناس يسألون من هذا الصّبي؟ فقيل: هو غلام من جبّاء(1).

يلاحظ على تلك المناظرة: أنّه في وسع المجبِّر أن يقول: إن أسماءه سبحانه توقيفيّة ولا يصحّ لنا تسميته بما لا يسمّي به نفسه.

2 ـ روى ابن المرتضى أنّ أبا عليّ ناظر بعضهم في الإرجاء و أبو حنيفة و الزبير حاضران، فقال أبو حنيفة: إنّ أبا عمرو بن العلاء لقي عمرو بن عبيد، فقال له: يا أبا عثمان إنّك أعجميّ ولست بأعجميّ اللّسان و لكنّك أعجميّ الفهم. إنّ العرب إذا وعدت أنجزت، وإذا أوعدت أخلفت و أنشد شعراً:

إنّـي و إن أوعدتـه و وعدتــه * لمخلف إيعادي، ومنجز موعدي

فقال أبو عليّ: إنّ أبا عثمان أجابه بالمسكت وقال له: إنّ الشاعر قد يكذب وقد يصدق، ولكن حدّثني عن قول الله عزّ و جلّ: (لأََمْلأََنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)(هود/119، السجدة/13) إن ملأها أتقول صدق؟ قال: نعم، وإن لم يملأها أفتقول صدق ؟ فسكت أبو حنيفة.

يلاحظ عليه: أنّه سبحانه إنّما يخلف بما أوعده إذا عفا عن الكافر والمشرك والمسلم جميعاً، وأمّا إذا عفا عن المسلمين خاصّة فلا يلزم الكذب، لأنّه لا يستلزم خلف الايعاد الوارد في الآية المباركة، ولا يلزم خلوّ جهنّم من الجنّة و النّاس الّذي أشار الله إليه بقوله: (لأََمْلأََنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)، لأنّ من يجري عليه العفو أقلّ ممّن يكون محكوماً بدخول الجحيم، وليس القائل بالعفو يقول بأنّ العفو يعمّ كلّ


1. المنية والأمل: ص 46.


(258)

كافر و مشرك ومسلم، وإنّما يتحقّق في إطار محدود و مضيّق. كيف وقد وعد سبحانه على وجه الجزم و القطع بقوله: (إِنَّ اللّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ) (النساء/48) وليس المراد من الغفران هو المغفرة لأجل التّوبة، لأنّ الغفران بعد التوبة يعمّ المشرك و غيره، وإنّما المراد هو الغفران و المغفرة بلا توبة و إنابة، والمشرك و المنافق لا يعمّهما العفو أبداً و يكفي ذلك في تحقّق وعيد الربّ و صدق إخباره(لأََمْلأََنَّ جَهَنَّمَ).

وخلاصة القول: أنّ القائل بالعفو في مورد الايعاد يدّعي قضيّة جزئيّة لا قضيّة كلّيّة استيعابيّة، وللبحث صلة تمرّ عليك عند البحث عن اُصول المعتزلة فارتقب.

ثمّ إنّ في وسع أبي عليّ أن يقابل شعر المناظر بشعر شاعر آخر وينشد قوله:

إنّ أبا ثابت لمجتمع الرأي * شـــريـــــف الآبـــاء و الـبيت

لا يخلف الوعد والوعيد ولا * يبيت من ثاره على فوت(1)

تأليفاتـه

يظهر ممّا نقله ابن المرتضى أنّه غزير الإنتاج. قال: قال أبو الحسين:«وكان أصحابنا يقولون: إنّهم حرّروا ما أملاه أبو عليّ فوجدوه مائة ألف و خمسين ألف ورقة، قال: وما رأيته ينظر في كتاب إلاّ يوماً نظر في زيج الخوارزمي، ورأيته يوماً أخذ بيده جزءاً من الجامع الكبير لمحمّد بن الحسن و كان يقول: إنّ الكلام أسهل شيء، لأنّ العقل يدلّ عليه»(2) .

يلاحظ عليه: أنّ علم الكلام كما يستمدّ من العقل، يستمدّ من الكتاب و السنّة الصّحيحة خصوصاً فيما يرجع إلى ما بعد الموت، وأنّ الاستبداد بالعقل الشخصي من دون المراجعة لآراء من سبق من الأعاظم لا ينتج شيئاً ناضجاً. فكما أنّ التقاء الأسلاك


1. المنية والأمل: ص 48.

2. نفس المصدر : ص 47.


(259)

الكهربائيّة يوجب تفجّر النور والطاقة، فهكذا التقاء الأفكار والآراء يوجب اكتساح ظلمات الجهل عن أمام المفكّر.

ويظهر من ابن المرتضى في ترجمة الأصمّ أنّ لأبي عليّ تفسيراً، قال: «وكان أبو عليّ لا يذكر أحداً في تفسيره إلاّ الأصمّ»(1) ومن المحتمل أن يكون المقصود أنّه لا يذكر من آراء الرجال في التفسير شيئاً إلاّ عن الأصمّ.

ويظهر أيضاً منه ـ في ترجمة أبي محمّد عبدالله بن العبّاس الرامهرمزي تلميذه ـ أنّ لأبي عليّ كتباً في الردّ على أهل النجوم، ويذكر أنّ كثيراً منها يجري مجرى الأمارات الّتي يغلب الظنّ عندها(2).

كما يظهر منه ـ في ترجمة الخراسانيّين الثّلاثة الّذين خرّجوا على أبي عليّ و أخذوا عنهـ أنّ أبا عليّ أملى كتاب «اللّطيف» لأبي الفضل الخجندي، ثالث الخراسانيّين(3).

ونقل ابن عساكر في «تبيين كذب المفتري» عن الشيخ الأشعري أنّ له كتاباً في الردّ على كتاب «الاُصول» لاُستاذه أبي عليّ الجبّائي(4).

إلى غير ذلك ممّا أهمل أرباب التراجم ذكره في ترجمته.

لمحة من أحواله

روى ابن المرتضى وقال: قال أبو الحسن: «وكان من أحسن الناس وجهاً وتواضعاً ـ إلى أنّ قال ـ: وكان إذا روى عن النّبيّ صلَّى الله عليه و آله و سلَّم أنّه قال لعليّ والحسن والحسين وفاطمة: «أنا حرب لمن حاربكم، وسلم لمن سالمكم» يقول: العجب من هؤلاء النوابت(5)يروون هذا الحديث ثمّ يقولون بمعاوية»(6).

وروى عن عليّ ـ عليه السلام ـ أنّ رجلين أتياه فقالا: ائذن لنا أن نصير إلى معاوية


1. المنية والأمل: ص 33.

2. نفس المصدر : ص 58.

3. نفس المصدر : ص 65.

4. تبيين كذب المفتري: ص 130.

5. تطلق على الحشوية ومن لفّ لفّهم.

6. المنية والأمل: ص 47.


(260)

فنستحلّه من دماء من قتلنا من أصحابه. فقال عليّ ـ عليه السلام ـ : «أما إنّ الله قد أحبط عملكما بندمكما على ما فعلتما»(1).

قال أبو الحسن: «والرافضة لجهلهم بأبي عليّ و مذهبه يرمونه بالنّصب و كيف وقد نقض كتاب عبّاد في تفضيل أبي بكر، ولم ينقض كتاب الاسكافي المسمّى «المعيار والموازنة في تفضيل عليّ على أبي بكر»(2).

إنّ العالم العابد رضي الدين بن طاووس (المتوفّى سنة 664) نقل كثيراً من آرائه في كتاب «سعد السعود» و نقضه، ولو صحّت نسبة تلك الآراء إليه فهو مبغض للشيعة وقد أنكر كثيراً من الحقائق التأريخية فراجعه.

5 ـ أبو هاشم الجبائي (ت 277 ـ م 321)

عبدالسلام بن محمّد بن عبدالوهّاب بن أبي عليّ الجبائي، قال الخطيب: «شيخ المعتزلة و مصنّف الكتب على مذاهبهم. سكن بغداد إلى حين وفاته»(3).

وقال ابن خلّكان: «المتكّلم المشهور، العالم بن العالم، كان هو وأبوه من كبار المعتزلة ولهما مقالات على مذهب الاعتزال، وكتب الكلام مشحونة بمذاهبهما واعتقادهما. وكان له ولد يسمّى أبا عليّ و كان عامّياً لا يعرف شيئاً. فدخل يوماً على الصاحب بن عبّاد فظنّه عالماً فأكرمه ورفع مرتبته. ثمّ سأله عن مسألة، فقال: «لا أعرف نصف العلم»، فقال له الصاحب: «صدقت يا ولدي، إلاّ أنّ أباك تقدّم بالنصف الآخر»(4).

وقد حكى الخطيب عنه تأريخ ولادته، أنّه قال: «ولدت سنة سبع و سبعين ومائتين و ولد أبي أبو عليّ سنة خمس و ثلاثين و مائتين و مات في شعبان سنة ثلاث


1. المنية والأمل: ص 47.

2. المنية والأمل: ص 47.

3. تاريخ بغداد: ج 11، ص 55.

4. وفيات الأعيان: ج 3، ص 183.


(261)

وثلاثمائة». قال أبو الحسن: ومات أبو هاشم في رجب سنة إحدى و عشرين و ثلاثمائة ببغداد و تولّيت دفنه في مقابر باب البستان من الجانب الشرقي، وقد توفّي في اليوم الّذي توفّي أبو بكر بن دريد. وعن الحسن بن سهل القاضي: بينا نحن ندفن أبا هاشم إذ حملت جنازة اُخرى ومعها جُميعَة عرفتهم بالأدب. فقلت لهم: جنازة من هذه؟ فقالوا: جنازة أبي بكر ابن دريد، فذكرت حديث الرشيد لمّا دفن محمّد بن الحسن و الكسائي بالري في يوم واحد. قال: وكان هذا في سنة ثلاث و عشرين وثلاثمائة، فأخبرت أصحابنا بالخبر، وبكينا على الكلام والعربيّة طويلاً ثم افترقنا.

وعلّق عليه الخطيب: «الصّحيح أنّ أبا هاشم مات في ليلة السبت الثالث والعشرين من رجب سنة إحدى و عشرين، قال: وكان عمره ستّاً و أربعين سنة وثمانية أشهر وإحدى وعشرين يوماً»(1).

وقال القاضي نقلاً عن أبي الحسن بن فرزويه أنّه بلغ من العلم ما لم يبلغه رؤساء علم الكلام. وذكر أنّه كان من حرصه يسأل أبا عليّ (والده) حتّى يتأذّى منه، فسمعت أبا عليّ في بعض الأوقات يسير معه لحاجة وهو يقول لا تؤذنا و يزيد فوق هذا الكلام.

وكان يسأله طول نهاره ما قدر على ذلك، فاذا جاء اللّيل سبق إلى موضع مبيته لئلاّ يغلق أبو عليّ دونه الباب، فيستلقي أبو عليّ على سريره، ويقف أبو هاشم بين يديه قائماً يسأله حتّى يضجره، فيحوّل وجهه عنه، فيتحوّل إلى وجهه، ولا يزال كذلك حتّى ينام، وربّما سبق أبو عليّ فأغلق الباب دونه. قال: ومن هذا حرصه على ما اختصّ به من الذكاء، لم يتعجّب من تقدّمه(2).

كان أبو هاشم أحسن الناس أخلاقاً و أطلقهم وجهاً، واستنكر بعض الناس خلافه مع أبيه (في المسائل الكلاميّة) وليس خلاف التابع للمتبوع في دقيق الفروع بمستنكر، فقد خالف أصحاب أبي حنيفة إياه. وقال أبو الحسن بن فرزويه في ذلك


1. تاريخ بغداد: ج 11، ص 56.

2. طبقات المعتزلة للقاضي: ص 304.


(262)

شعراً وهو قوله:

يقولون بين أبي هاشم * وبين أبيه خلاف كبير

فقلت وهل ذاك من ضائر * وهل كان ذلك ممّا يضير

فخلّوا عن الشيخ لا تعرضوا * لبحر تضايق عنه البحور

فان أبا هاشم تلوه * إلى حيث دار أبوه يدور

ولكن جرى في لطيف الكلام(1) * كلام خفي وعلم غزير

فإيّاك إيّاك من مظلم * ولا تعد عن واضح مستنير(2)

تأليفاته

ذكر ابن النديم لأبي هاشم كتباً، و قال: «أبو هاشم عبدالسلام بن محمّد الجبّائي، قدم مدينة السّلام سنة 314 وكان ذكيّاً حسن الفهم، ثابت الفطنة، صانعاً للكلام، مقتدراً عليه، قيّماً به، وتوفّي سنة 321 وله من الكتب:

1 ـ الجامع الكبير، 2 ـ كتاب الأبواب الكبير، 3 ـ كتاب الأبواب الصغير، 4 ـ الجامع الصغير، 5 ـ كتاب الإنسان، 6 ـ كتاب العوض، 7 ـ كتاب المسائل العسكريات، 8 ـ النقض على أرسطو طاليس في الكون والفساد، 9 ـ كتاب الطبايع والنقض على القائلين بها، 10 ـ كتاب الاجتهاد كلام (3).

انتشار مذهبه

يظهر من البغدادي أنّ مذهبه كان منتشراً في أوائل القرن الخامس في بغداد وقد سمّى أتباعه بالبهشميّة وقال: هؤلاء أتباع أبي هاشم الجبّائي، وأكثر معتزلة عصرنا على


1. المراد من لطيف الكلام، المباحث التي لها صلة لاثبات بعض العقائد الاسلاميّة وليست منها، كالبحث عن الجوهر والعرض والأكوان والأفلاك وفي الحقيقة كان البحث عنها تبعاً للفلاسفة.

2. طبقات المعتزلة للقاضي: ص 305.

3. فهرست ابن النديم: الفن الأوّل من المقالة الخامسة ص 222.


(263)

مذهبه، لدعوة ابن عبّاد وزير آل بويه إليه(1).

تلاميذه

قد ذكر ابن المرتضى أبا هاشم في الطبقة التاسعة، وذكر تلاميذه في الطبقة العاشرة، وقال:«اعلم أنّ هذه الطّبقة تشتمل على من أخذ عن أبي هاشم وعمّن هو في طبقته مع اختلاف درجاتهم وتفاوت أحوالهم وقدّمنا أصحاب أبي هاشم لكثرتهم وبراعتهم». ثمّ ذكر أسماء تلاميذه، فمن أراد فليرجع إليه.

7 ـ قاضي القضاة عبد الجبّار (ت نحو 324 ـ م 415 أو 416)

هو عبدالجبّار بن أحمد بن عبدالجبّار الهمداني الأسدآبادي، الملقّب بقاضي القضاة ولا يطلق ذلك اللّقب على غيره.

قال الخطيب: «كان ينتحل مذهب الشافعي في الفروع و مذاهب المعتزلة في الاُصول، وله في ذلك مصنّفات و ولي قضاء القضاة بالري و ورد بغداد حاجّاً وحدّثبها.

وقال: مات عبدالجبّار بن أحمد قبل دخولي الري في رحلتي إلى خراسان و ذلك في سنة 415»(2).

وترجمه الحاكم الجشمي (المتوفّى عام 494 هـ) في كتاب «شرح عيون المسائل» وعدّه من الطبقة الحادية عشرة من طبقات المعتزلة وقال: «يعدّ من معتزلة، البصرة من أصحاب أبي هاشم لنصرته مذهبه».

قرأ على أبي إسحاق بن عيّاش أوّلاً، ثمّ على الشيخ أبي عبدالله البصري(3).


1. تاريخ بغداد: ج 11، ص 113.

2. المصدر نفسه.

3. كلاهما من الطبقة العاشرة من طبقات المعتزلة.


(264)

وليست تحضرني عبارة تنبئ عن محلِّه في الفضل وعلوّ منزلته في العلم، فإنّه الّذي فتق الكلام و نشره و وضع فيه الكتب الجليلة الّتي سارت بها الركبان و بلغ المشرق والمغرب، وضمّنها من دقيق الكلام و جليله ما لم يتّفق لأحد قبله، وطال عمره مواظباً على التّدريس والاملاء حتّى طبّق الأرض بكتبه و أصحابه. وبَعُدَ صوته وعظم قدره وإليه انتهت الرئاسة في المعتزلة حتّى صار شيخها و عالمها غير مدافع، وصار الاعتماد على كتبه و مسائله حتّى نسخ كتب من تقدّم من المشايخ و قرب عهده، و شهرة حاله تغني عن الاطناب من وصفه. وفيه يقول أبو الأسعد الآبي في قصيدة له في التوحيد والعدل:

ويعدّ من مشايخ أهل العدل.

أم لكم مثل إمام الاُمّة * قاضي القضاة سيّد الأئمّة

من بثّ دين الله في الآفاق * وبتّ حبل الكفر والنفاق

وأصله من أسدآباد همدان، ثمّ خرج إلى البصرة و اختلف إلى مجالس العلماء وكان يذهب في الاُصول مذهب الأشعريّة وفي الفروع مذهب الشافعي، ولما حضر المجالس و ناظر ونظر عرف الحقّ، وانقاد وانتقل إلى أبي إسحاق بن عيّاش فقرأ عليه مدّة ثمّ رحل إلى بغداد وأقام عند الشيخ أبي عبدالله مدّة مديدة حتّى فاق الأقران وخرج واحد دهره وفريد زمانه، وصنّف وهو بحضرته كتباً كثيرة وكان ربّما يدرس بها وبالعسكر(1) ورامهرمز(2) .

وابتدأ بها إملاء «المغني» في مسجد عبدالله بن عبّاس متبرّكاً به. فلمّا قدم الريّ سألوه أن يجعله باسم بعض الكبار فأبى و استدعاه الصاحب إلى الريّ بعد سنة ستّين و ثلاثمائة فبقى بها مواظباً على التدريس إلى أن توفّي سنة 415 أو 416 فكان يدرس ويملي وكثر الانتفاع به و طار ذكره في الآفاق.


1. عسكر مكرم بلد مشهور من نواحي خوزستان.

2. مدينة من بلاد خوزستان.


(265)

وروي أنّه كان في التفضيل بمذهب الشيخين(1) في التوقف، ثمّ رجع في آخر عمره إلى تفضيل أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ وهو المذكور في كتبه.

وكان الصاحب يقول فيه مرّة: هو أفضل أهل الأرض، واُخرى: هو أعلم أهل الأرض(2) .

اسلوبه في الكتابة

يظهر من ترجمة حياته أنّ كتابه الكبير «المغني» الّذي يقع في عشرين جزءاً ممّا أملاه على تلاميذه ولم يكتبه ببنانه. يقول الحاكم: كان ـ رحمه الله ـ يختصر في الاملاء و يبسط في الدرس على ضدّ ما كان يفعله الشيخ أبو عبدالله (3) فكان من حسن طريقته ترك الناس كتب من تقدّم. ولما فرغ من كتاب «المغني» بعث به إلى (الصاحب) فكتب (الصاحب) إليه كتاباً هذه صورته:

بسم الله الرّحمن الرّحيم

أتمّ الله على قاضي القضاة نعمته، وأجزل لديه منّته،لقد أتمّ من كتاب «المغني» ذخيرة للموحّد، وشجى للملحد، وعتاداً للحق، وسداداً للباطل، وإنّه كتاب تفخر به شرعتنا على الشرع، و نحلتنا على النحل، واُمّتنا على الاُمم و ملّتنا على الملل، وفّقه الله له حين نامت الخواطر وكلّت الأوهام و ظنّ الظانّون بالله أنّ العلم قد قبض ونخاعه قد ضعف، وأنّ شيوخه الأعلون (كذا) قد شالت نعامتهم و خفّت بضاعتهم، ووهن كاهلهم، ودرج أفاضلهم، ولم يدروا أنّ في سرّ الغيب إن كان آخراً بالاضافة إليهم، إنّه الأوّل بالامامة عليهم، كذلك يفعل الله ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون. فليقرّ قاضي القضاة ـ أدام الله تمكينه ـ عيناً بما قدّم لنفسه و أخّر و اكتسب لغده و ذخر،


1. هما الجبائيان أبو علي وأبو هاشم.

2. مقدّمة فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة: ص 131.

3. هو الشيخ أبو عبدالله الحسين بن علي البصري من الطبقة العاشرة.


(266)

وليرينّ في ميزانه ـ إن شاء الله ـ من ثواب ما دأب فيه و احتسب و سهر ليله و انتصب، صابراً على كدّ الخواطر و معانياً برد الأصايل إلى حرّ الهواجر، أثقل من أحد و أرزن، وأوفى من الرمل و أوزن (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْس مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْر مُحْضَراً)و ورد محمّد ولدنا بالنباء العظيم و الصّراط المستقيم من الجزء الأخير من كتاب «المغني» فقلت يا بشراي، هذا زاد المسافر، وكفاية الحاضر و تحفة المرتاد و طفقت أنشئ و أقول:

ولو أنشر الشيخان عمرو و واصل * لقالا جوزيت الخير عنّا و أنعما

فأتمّ على قاضي القضاة نعمه، كما أورد علينا ديمه و السلام(1) .

ثمّ إنّ الحاكم بسط الكلام في أسماء تآليفه، و قال: «إنّ له 400 ألف ورقة ممّا صنّف في كلّ فنًّ و كان موفّقاً في التصنيف والتدريس، وكتبه تتنوّع أنواعاً فله كتب في الكلام لم يسبق إلى تصنيف مثلها في ذلك الباب.

ثمّ سرد أسماء كتبه البالغة إلى ثلاثة و أربعين، نأتي بها ملخّصاً:

1 ـ الدواعي و الصوارف،2 ـ الخلاف و الوفاق، 3 ـ الخاطر، 4 ـ الاعتماد، 5 ـ المنع والتمانع، 6 ـ كتاب ما يجوز فيه التزايد وما لا يجوز، 7 ـ المغني، 8 ـ الفعل والفاعل، 9 ـ المبسوط، 10 ـ المحيط، 11 ـ الحكمة والحكيم، 12 ـ شرح الاُصول الخمسة، 13 ـ شرح الجامعين، 14 ـ شرح الاُصول، 15 ـ شرح المقالات، 16 ـ شرح الأعراض وهذا كلّه في الكلام.

ومنها في اُصول الفقه:

17 ـ النهاية، 18 ـ العمدة، 19 ـ شرحها.

وهناك كتب في النّقض على المخالفين:20 ـ نقض اللمع، 21 ـ نقض الامامة.

وهناك جوابات مسائل وردت عليه من الآفاق: 22 ـ الرازيات، 23ـالعسكريات، 24 ـ القاشانيات، 25 ـ الخوارزميات، 26 ـ النيسابوريات.


1. الطبقتان 11 و 12 من كتاب شرح العيون ص 369 ـ 371 للحاكم الجشمي.


(267)

وهناك كتب في الخلاف والمواعظ:

27 ـ الخلاف بين الشيخين، 28 ـ نصيحة المتفقّهة.

وله كتب تكلّم فيها على أهل الأهواء الخارجين عن الإسلام و غيرهم أوضح فيها الحقّ: 29 ـ شرح الآراء.

وله كتب في علوم القرآن:

30 ـ المحيط، 31 ـ الأدلّة، 32 ـ التنزيه، 33 ـ المتشابه، 34 ـ شهادات القرآن».

ثمّ قال الحاكم: «له كتب في كلّ فنّ بلغني اسمه أو لم يبلغ، أحسن فيها غاية الاحسان، نحو كتابه:

35 ـ التجريد، 36 ـ المكّيات، 37 ـ الكوفيات، 38 ـ الجمل، 39 ـ العهود، 40 ـ المقدّمات، 41 ـ الجدل، 42 ـ الحدود، إلى غير ذلك مما يكثر تعداده، وذكر جميع مصنّفاته يتعذّر»(1) .

ومن حسن حظّ القاضي دون سائر المعتزلة أنّه قد طبعت كميّة هائلة من كتبه في الآونة الأخيرة، وهذه الكتب رفعت الستار عن وجه عقائد المعتزلة و أغنتنا عن الرجوع إلى كتب خصومهم، فنذكر ما طبع:

1 ـ «تنزيه القرآن عن المطاعن»: طبع في بيروت طبع دار النّهضة الحديثة.

واسمه يحكي عن محتواه و يجيب فيه عن كثير من الأسئلة الّتي تدور حول الآيات.

قال في ديباجته: «فقد أملينا كتاباً يفصِّل بين المحكم والمتشابه. عرضنا فيه سور القرآن على ترتيبها و بينّا معاني ما تشابه من آياتها، مع بيان وجه خطأ فريق من الناس في تأويلها، ليكون النفع به أعظم».


1. الطبقتان 11 و 12 من شرح العيون ص 267 ـ 269. للحاكم الجشمي تحقيق فؤاد سيّد. ط تونس.


(268)

وطبع أيضاً في القاهرة سنة 1326.

2 ـ «طبقات المعتزلة»: وهو أساس «طبقات المعتزلة» لابن المرتضى. نشره فؤاد سيّد، و أسماه «فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة» مع كتاب «ذكر المعتزلة» للكعبي و«الطبقات الحادية عشرة و الثانية عشرة من شرح العيون» للحاكم الجشمي طبع سنة 1406.

3 ـ «شرح الاُصول الخمسة»: نشره عبدالكريم عثمان في القاهرة سنة 196 مـ1384 هـ.

وهو كتاب مختصر جامع يعرض عقائد المعتزلة عامّة و عقيدة القاضي خاصّة، وهو أحسن كتاب لمن أراد أن يطّلع على عقائدهم، وقد أملاه على تلاميذه.

4 ـ «المغني»: وهو من الكتب المبسوطة في عقائد المعتزلة. اكتشفته البعثة المصريّة في اليمن عام 1952 وقد عثر منه حتّى الآن على 14 جزءاً. والكتاب يقع في عشرين جزءاً و إليك الأجزاء المطبوعة 4 ـ 5 ـ 6 ـ 7 ـ 8 ـ 9 ـ 11 ـ 12 ـ 13 ـ 14 ـ 15 ـ 16 17 ـ 20 والجزء الأخير يختصّ بالإمامة وهو الّذي نقضه السيّد المرتضى و أسماه «الشافي» وطبع في مجلّد كبير، ولخّصه الشيخ الطوسي و أسماه «تلخيص الشافي» وطبع في جزأين.

5 ـ «المحيط بالتكليف»: تحقيق السيّد عزمي، طبع الدار المصريّة للتأليف، جمعه الحسن بن أحمدبن متّويه(ت683). لاحظ مقدّمة المحقّق.

6 ـ «متشابه القرآن»: تحقيق عدنان محمّد زر زور، طبع دار التراث في القاهرة في جزأين.

تلاميذه

وقد فصّل الكلام ابن المرتضى في تلاميذه وجعلهم من الطّبقة 12 و أسماهم واحداً بعد آخر، منهم أبو رشيد سعيد بن محمّد النيسابوري والشريف المرتضى


(269)

أبوالقاسم عليّ بن الحسين الموسوي. أخذ عن قاضي القضاة عند انصرافه من الحجّ، إلى غير ذلك من تلاميذه(1) .

وقال الرضي في «شرح المجازات النبويّة» عند البحث عن حديث الرؤية: «ترون ربّكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر» قال: «وممّا علّقته عن قاضي القضاة أبي الحسن عبد الجبّار بن أحمد عند بلوغي في القراءة عليه إلى الكلام في الرؤية أنّ من شروط قبول خبر الواحد أن يكون راويه عدلاً، وراوي هذا الخبر: قيس بن أبي حازم عن جرير ابن عبدالله البجلي، وكان منحرفاً عن أمير المؤمنين عليّ ـعليه السلامـ ويقال إنّه كان من الخوارج، وذلك يقدح في عدالته و يوجب تهمته في روايته، وأيضاً فقد كان رمي في عقله قبل موته وكان مع ذلك يكثر الرواية، فلا يعلم هل روى هذا الخبر في الحال الّتي كان فيها سالم التمييز أو في الحال الّتي كان فيها فاسد المعقول، وكلّ ذلك يمنع من قبول خبره، وبوجب إطراحه. ثمّ قال: وأقول أنا: ومن شرط قبول خبر الواحد أيضاً مع ما ذكره قاضي القضاة من اعتبار كون راويه عدلاً، أن يعرى الخبر المرويّ من نكير السّلف، وقد نقل نكير جماعة من السّلف على راوي هذا الخبر. منهم العرباض بن سارية السلمي وهو من مختصّي الصّحابة، روى عنه أنّه قال: من قال: إنّ محمّداً رأى ربّه فقد كذب. وروى أيضاً عن بعض أزواج النبيّ ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنّها قالت: من زعم أنّ محمّداً رأى ربّه فقد أعظم الفرية على الله.

وقالت ذلك عند ذهاب بعض الناس إلى أنّ قوله تعالى (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى) إنّما اُريد بها رؤية الله سبحانه لا رؤية جبرائيل كما يقوله أهل العدل. وأيضاً ففي هذا الخبر كاف التّشبيه، لأنّه قال: «ترونه كما ترون القمر» الّذي هو في جهة مخصوصة وعلى صفة معلومة. وإذا كان الأمر كما قلنا لم يكن للخبر ظاهر واحتجنا إلى تأويله كما احتجنا إلى ذلك في غيره»(2).


1. المنية والأمل: ص 69 ـ 71.

2. المجازات النبوية تحقيق طه محمد ص 48 ـ 49.


(270)

وقال أيضاً في تفسير قوله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم «قيّدوا العلم بالكتاب»: «وذكر لي قاضي القضاة أبو الحسن عبدالجبّار بن أحمد عند قراءتي عليه ما قرأته من كتابه الموسوم بالعمد في اُصول الفقه: إنّ هذه العلوم المخصوصة (العلوم العقليّة العمليّة كالتّحسين والتّقبيح العقليّين) إنّما سمّيت عقلاً، لأنّها تعقل من فعل المقبّحات، لأنّ العلم بها إذا دعته نفسه إلى ارتكاب شيء من المقبّحات، منعه علمه بقبحه من ارتكابه والاقدام على طرق بابه، تشبيهاً بعقال الناقة المانع لها من الشرود، والحائل بينها وبين النهوض. ولهذا المعنى لم يوصف القديم تعالى بأنّه عاقل، لأنّ هذه العلوم غير حاصلة له، إذ هو عالم بالمعلومات كلّها لذاته.

قال: وقيل أيضاً إنّما سمِّيت هذه العلوم المخصوصة عقلاً، لأنّ ما سواها من العلوم يثبت بثباتها و يستقرّ باستقرارها تشبيهاً بعقال الناقة الّذي به تثبت في مكانها، ولمثل ذلك قيل معقل الجبل للمكان الذي يلجأ إليه و يعتصم به، وله سمّيت المرأة عقيلة، وهي الّتي يمنعها شرف بيتها و كرم أهلها وقوّة حزمها من الإقدام على ما يشينها، والتعرّض لما يعيبها. والكلام في تفصيل هذه العلوم وبيان ما لأجله احتيج إلى كلّ واحد منها يطول وليس هذا الكتاب من مظانّ ذكره و مواضع شرحه»(1).


1. المجازات النبوية للشريف الرضي تحقيق طه محمد طه ص 180 ـ 181.

Website Security Test