welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : الملل والنحل/ج3 (الماتريديّة، والمرجئية، ...)*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الملل والنحل/ج3 (الماتريديّة، والمرجئية، ...)

(193)

الفصل الثالث

الشيعة والمعتزلة أيّتهما أصل للآخر

إنّ بعض المتسرِّعين من الكتّاب المتأخّرين كأحمد أمين المصريّ ومن حذا حذوه، يصرّون على أنّ الشيعة أخذت منهجها الفكري في الاُصول والعقائد من المعتزلة، لما رأوا من وحدة العقيدة في القول بالتوحيد والعدل، وإنكار الرؤية و إثبات الحسن والقبح العقليين، وقدرة العبد و اختياره في أفعاله إلى غير ذلك من المبادئ المشتركة بين الطّائفتين.

نظريّة أحمد أمين و مناقشتها

يقول أحمد أمين : «ولقد قرأت كتاب الياقوت لأبي إسحاق إبراهيم من قدماء متكلّمي الشيعة الإماميّة، فكنت كأنّي أقرأ كتاباً من كتب اُصول المعتزلة إلاّ في مسائل معدودة كالفصل الأخير في الإمامة ولكن أيّهما أخذ من الآخر؟

أمّا بعض الشيعة فيزعم أنّ المعتزلة أخذوا عنهم، وأنّ واصل بن عطاء تتلمذ على جعفراً الصّادق ـ عليه السلام ـ وإنّي اُرجّح أنّ الشيعة أخذوا من المعتزلة تعاليمهم، ونشوء مذهب الاعتزال يدلّ على ذلك».

استدلّ أحمد أمين على ما يرتئيه بأنّ زيد بن عليّ زعيم الفرقة الشيعيّة الزيديّة تتلمذ لواصل بن عطاء.

وكان جعفر الصادق ـعليه السلامـ يتّصل بعمّه زيد. ويقول أبو الفرج في «مقاتل


(194)

الطالبيّين» : «كان جعفر بن محمّد يمسك لزيد بن عليّ بالركاب، ويسوي ثيابه على السرج» فإذا صحّ ما ذكره الشهرستاني و غيره من تتلمذ زيد لواصل، فلا يعقل كثيراً أنيتتلمذ واصل لجعفر، وكثير من المعتزلة كان يتشيّع، فالظّاهر أنّه عن طريق هؤلاء تسرّبت اُصول المعتزلة إلى الشيعة»(1).

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره الكاتب المصري اجتهاد في مقابل تنصيص أئمّة المعتزلة أنفسهم بأنّهم أخذوا اُصولهم من أبي هاشم ابن محمّد الحنفيّة، وأخذ هو عن أبيه محمّد، وهو أخذ من عليّ بن أبي طالب ومع هذا التنصيص من نفس المعتزلة فما معنى هذا الاجتهاد؟

ترى ابن المرتضى يعدّ عليّاً من الطبقة الاُولى للمعتزلة، كما يعدّ الحسنين اللّذين اشتهر منهما القول بالتوحيد والعدل من الطبقة الثانية. وهكذا يذكر عدّة من علماء أهل البيت كالنفس الزكيّة وغيره من الطّبقة الثالثة. وقد نقل في كتابه هذا كلمات أئمّة أهل البيت وعلمائهم في الاُصول والعقائد(2).

ومع هذا كيف يصحّ أن تكون الشيعة عالة على المعتزلة؟!

ونظير ذلك ما ذكره القاضي عبد الجبّار المعتزلي في «فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة»(3).

أفبعد هذا التنصيص منهم يصحّ الاجتهاد في مقابل النصّ ؟!

وأمّا ما استند إليه أحمد أمين، فالحقّ أنّه لم يثبت أوّلاً تتلمذ واصل للإمام الصادق ـعليه السلام ـ حتّى يثبت قوله: إنّ الصادق كان يمسك الركاب لتلميذ واصل وهو زيد، ولميدّع أحد من المحقّقين تتلمذه للصّادق. كما أنّه لم يثبت تتلمذ زيد بن عليّ لواصل.


1. ضحى الاسلام: ج 3، ص 267 ـ 268، الطبعة الثالثة.

2. المنية والأمل: ص 7 ـ 10.

3. فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة: ص 214.


(195)

ومن سبر تأريخ أئمّة أهل البيت و ذرّيتهم الطيّبة وقف على أنّهم لم يدقّوا باب أحد من الناس، بل تلقّوا ما تلقّوه عن نفس الأئمّة، على أنّ زيد بن عليّ قد صلب عام 121 وله من العمر في ذلك الوقت 42. فيكون من مواليد عام 79 أو 80، وكان واصل من مواليد عام 80، فمن البعيد أن يكون وليد البيت العلويّ تلميذاً لمن هو أصغر منه سنّاً أو مثله، وقد عدّه الرجاليون من أصحاب أبيه عليّ السجاد ـعليه السلامـ (م 94) وأخيه الإمام الباقر ـعليه السلامـ (م 114) والإمام الصادق ـعليه السلامـ الّذي استشهد زيد في حياته.

نظريّة بعض المستشرقين و مناقشتها

وهناك رجال آخرون قد وقعوا في نفس هذه الشبهة، وأرسلوها إرسال المسلّمات، إمّا مجرّدة عن الدّليل أو مقرونة بتلفيقات غير منتجة. فمن الطائفة الاُولى المستشرق «آدم متز» يقول:

«لم يكن للشيعة حتّى ذلك الوقت (عام 334) مذهب كلامي خاصّ بهم، فاقتبسوا عن المعتزلة اُصول الكلام و أساليبه... حتّى إنّ ابن بابويه أكبر علماء الشيعة في القرن الرابع الهجري اتّبع في كتابه «العلل» طريقة علماء المعتزلة الّذين كانوا يبحثون عن علل كلّ شيء ـ إلى أن قال ـ: إنّ الشيعة من حيث العقيدة و المذهب هم ورثة المعتزلة»(1).

يلاحظ عليه أوّلاً : أنّ ما ذكره يعرب عن قلّة اطّلاع المستشرق على الثّقافة الشيعية، وعدم تعرّفه على المتكلمين البارزين فيهم قبل السنة المذكورة. ويكفي في ذلك مراجعة كتاب «تأسيس الشيعة الكرام لعلوم الإسلام» للسيد حسن الصدر ص353 ـ 402. لقد كان للشيعة متكلّمون بارعون في الجدل و المناظرة في أبواب العقائد في القرون الثلاثة الاُول. وها نحن نأتي بأسماء نماذج من أبرع متكلّمي الشيعة في


1. الحضارة الاسلاميّة في القرن الرابع الهجري لآدم متز: ج 1 ص 102.


(196)

القرن الثاني، ونترك البحث عن غيرهم من السابقين واللاحقين إلى محلّه.

1 ـ عيسى بن روضة

يعرّفه النجاشي بقوله: «عيسى بن روضة حاجب المنصور كان متكلّماً جيّد الكلام، وله كتاب في الإمامة وقد وصفه أحمد بن أبي طاهر في كتاب بغداد، وذكر أنّه رأى الكتاب، وقال بعض أصحابنا رحمهم الله: إنّه رأى هذا الكتاب. وقرأت في بعض الكتب أنّ المنصور لما كان بالحيرة تسمّع على عيسى بن روضة وكان مولاه وهو يتكلّم في الإمامة فاُعجب به واستجاد كلامه»(1).

2 ـ علي بن إسماعيل بن ميثم التمّار البغداديّ

يقول ابن النديم: «أوّل من تكلّم في مذهب الإمامة: علي بن إسماعيل بن ميثم التمّار، وميثم من جلّة أصحاب عليّ ـ عليه السلام ـ ولعليّ من الكتب كتاب الإمامة وكتاب الاستحقاق»(2).

وقال النجاشي: «عليّ بن إسماعيل ...كوفيّ سكن البصرة، وكان من وجوه المتكلّمين من أصحابنا، كلّم أبا الهذيل والنظام، له مجالس و كتب منها كتاب الإمامة...وكتاب مجالس هشام بن الحكم»(3).

3 ـ أبو جعفر محمّد بن عليّ بن النعمان الملقّب بمؤمن الطاق

قال النجاشي: «وأمّا منزلته في العلم وحسن الخاطر فأشهر،...وله كتاب إفعل لا تفعل...كتاب كبير حسن...وله كتاب الاحتجاج في إمامة أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ وكتاب كلامه على الخوارج وكتاب مجالسه مع أبي حنيفة و المرجئة....الخ»(4).


1. فهرست النجاشي: رقم الترجمة 796.

2. فهرست ابن النديم: الفن الثاني من المقالة الخامسة ص 223.

3. فهرست النجاشي: رقم الترجمة 661.

4. فهرست النجاشي: رقم الترجمة 886.


(197)

وقال ابن النديم: «كان حسن الاعتقاد والهدى حاذقاً في صناعة الكلام، سريع الحاضر والجواب، وله مع أبي حنيفة مناظرات . ثمّ ذكر مناظرته مع أبي حنيفة في المتعة و الرجعة»(1).

4 ـ هشام بن الحكم

يقول ابن النديم: «هو من جلّة أصحاب أبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق ـعليهما السلام ـ وهو من متكلّمي الشيعة الإماميّة و بطائنهم وهو الّذي فتق الكلام في الإمامة، وهذّب المذهب، وسهّل طريق الحجاج فيه، وكان حاذقاً بصناعة الكلام حاضر الجواب. وكان أوّلاً من أصحاب الجهم بن صفوان، ثمّ انتقل إلى القول بالإمامة بالدّلائل والنظر»(2).

يقول أحمد أمين: «أمّا هشام بن الحكم فيظهر أنّه أكبر شخصيّة شيعيّة في علم الكلام ... جدلاً، قويّ الحجّة، ناظر المعتزلة و ناظروه، ونقلت له في كتب الأدب مناظرات كثيرة متفرّقة تدلّ على حضور بديهته وقوة حجّته قد ناظر أبا الهذيل العلاّف المعتزلي»(3).

أفبعد هذه الشخصيات البارزة (4) في علم الكلام يصحّ قول هذا المستشرق الحاقد إنّه لم يكن للشيعة مذهب كلامي خاصّ بهم؟

وثانياً : إنّ الاستدلال على تأثّر الشيعة بالمعتزلة بتأليف الشيخ الصدوق «علل الشرائع» على غرار كتب المعتزلة الّذين يبحثون عن علل كلّ شيء، يكشف عن أنّ المستشرق لم يرجع إلى نفس الكتاب رجوعاً دقيقاً، فإنّ الكتاب فسّر علل الشرائع والأحكام، بالأحاديث المرويّة عن النّبيّ والوصيّ والأئمّة من بعدهما ـ عليهم السلام ـ وليس


1. فهرست ابن النديم: الفن الثاني من المقالة الخامسة، ص 264.

2. نفس المصدر .

3. ضحى الاسلام: ج 3 ص 268.

4. هذا قليل من كثير وقدجئنا بأسماء لفيف من متكلمي الشيعة في القرون الثلاثة في رسالتنا «الشيعة و علم الكلام عبر القرون الأربعة».


(198)

الكتاب تفسيراً للأحكام من نفس المؤلّف حتّى يقال إنّه ألّفه على غرار كتب المعتزلة.

وثالثاً : إنّ المناظرات الّتي دارت بين الشيعة و المعتزلة من عصر الإمام الباقر ـعليه السلامـ إلى العصر الّذي ارتمت فيه المعتزلة في أحضان آل بويه أدلّ دليل على أنّ النظام الفكري للشيعة لا يتّفق مع المعتزلة من لدن تكوّن المذهبين، ومن أراد الوقوف على تلك المساجلات فعليه الرجوع إلى المصادر(1).

وهذا محمّد بن عبدالرحمان بن قبة (المتوفّى قبل سنة 317) له كتاب الردّ على الجبّائي. ونقل النّجاشي عن أبي الحسين السوسنجردي، أنّه قال: «مضيت إلى أبي القاسم البلخي إلى بلخ بعد زيارتي الرضا ـعليه السلامـ بطوس فسلّمت عليه وكان عارفاً بي و معي كتاب أبي جعفر ابن قبة في الإمامة المعروف بالانصاف فوقف عليه و نقضه بـ«المسترشـد في الإمامـة» فعدت إلى الريّ فدفعت الكتاب إلى ابن قبة فنقضه بـ«المستثبت في الإمامة» فحملته إلى أبي القاسم فنقضه بـ «نقض المستثبت» فعدت إلى الري فوجدت أبا جعفر قد مات ـ رحمه الله ـ »(2).

وهذا الحسن بن موسى النوبختي من أكابر متكلّمي الشيعة له ردود على المعتزلة:

1 ـ الردّ على الجبّائي 2 ـ الرد على أبي الهذيل العلاّف في أنّ نعيم الجنّة منقطع 3ـالنقض على أبي الهذيل في المعرفة 4 ـ النقض على جعفر بن حرب 5 ـ الردّ على أصحاب المنزلة بين المنزلتين(3).

وقد قام الشيخ المفيد (ت 336 ـ م 413) بنقض كثير من كتب المعتزلة، فله الكتب التالية و كلّها ردود عليهم.

1 ـ الردّ على الجاحظ العثمانية 2 ـ نقض المروانيّة له أيضاً 3 ـ نقض فضيلة المعتزلة له أيضاً 4 ـ النقض على ابن عبّاد في الإمامة 5 ـ النقض على عليّ بن عيسى


1. لاحظ: الفصول المختارة من العيون والمحاسن، للشيخ المفيد (م 413) وكنز الفوائد، للعلامة الكراجكي (م / 449) ومناظرات هشام ومؤمن الطاق وغيرهم الواردة في بحار الأنوار.

2. رجال النجاشي: رقم 1023.

3. رجال النجاشي: رقم 146.


(199)

الرماني 6ـالنقض على أبي عبدالله البصري في المتعة 7 ـ نقض الخمس عشرة مسألة للبلخي 8ـ نقض الإمامة على جعفر بن حرب 9 ـ الكلام على الجبائي في المعدوم 10 ـ نقض كتاب الأصمّ في الإمامة 11 ـ كتاب الردّ على الجبّائي في التفسير 12 ـ عمد مختصرة على المعتزلة في الوعيد. إلى غير ذلك من كتبه حول الإمامة الّتي أكثر ردودها على ما ألّفته المعتزلة في هذا المجال(1).

كما أنّ تلميذه السيّد المرتضى (ت 355 ـ م 436) نقض بعض كتب المعتزلة، فألّف الشافي ردّاً على الجزء العشرين من كتاب المغني للقاضي عبد الجبّار (م 415)(2).

كلّ ذلك يعرّف موقف الطّائفتين في المسائل الكلاميّة و أنّهما و إن اجتمعتا في مسائل، اختلفتا في مسائل كثيّرة أخرى.

نظرية مؤلف كتاب «المعتزلة» و مناقشتها

إنّ هنا وجوهاً اُخر لفّقها مؤلف كتاب «المعتزلة» تبعاً لأحمد أمين ربّما يستظهر منها عيلولة الشيعة في العقائد على المعتزلة و إليك تحليلها:

1 ـ إنّ المقدّسي نظر في كتب الفاطميّين الشيعة فى شمال أفريقيا فوجد أنّهم يوافقون المعتزلة في أكثر الاُصول (3) .

يلاحظ عليه: أنّه وجد الشيعة في بلاد العجم يقولون بالتوحيد والعدل كما تقول به المعتزلة، وهو لا يدلّ على أنّ الشيعة أخذتهما من المعتزلة لو لم نقل بالعكس.

نعم، إنّ المعتزلة بعد النكبة وطرق النّكسة في حياتهم لجأوا الى اُمراء آل بويه في أوائل القرن الرابع لما وجدوا فيهم من سعة الصدر، واستعادوا في ظلّ حكمهم شيئاً من القوّة والسيطرة، ولعلّنا نتحدّث عنه في محلّه، ولم تكن تلك الالفة موجودة قبل النّكبة. كيف ومن قرأ تأريخ المعتزلة يقف على أنّهم كانوا خصماء الشيعة في العصور السابقة،


1. رجال النجاشي: رقم 1067 .

2. المصدر نفسه: رقم 708.

3. يأتي سائر الوجوه ص 216 فانتظر .


(200)

فكانت الطّائفتان تتصارعان صراع الأقران و ربّما يقتتلان قتال موت وحياة، فكيف يمكن أنّ تكون الشّيعة عالة على المعتزلة في عقائدهم. فمن نسب ذلك إلى الشيعة فقد جهل تأريخ علم الكلام. فأين مبادئ الشيعة من مبادئ الاعتزال؟ فهما و إنّ كانا يشتركان في التوحيد والعدل ونفى الرؤية و التجسيم و القول بالتحسين و التقبيح العقليّين، ولكن يفترق

أنّ في كثير من الاُصول و تكفي في ذلك المراجعة لكتاب «أوائل المقالات»(1) للشيخ المفيد، فقد عنون فيه بعض الفوارق الموجودة بين عقيدة الشيعة وسائر الفرق و منهم المعتزلة.

الفوارق الفكرية بين الشيعة والمعتزلة

إنّ بين المنهجين الكلاميين مشتركات ومعترقات، وقد تعرفت على قسم من المشتركات، فها نحن نلمح إلى الفوارق بينهما، الّتي جعلهما منهجين كلاميين مختلفين لكّل ميزة وخصوصيّة، وإليك رؤوسها على وجهه الإجمال:

1ـ عينية الصفات مع الذات :

اتفقت الطاتئفتان على أنّ صفاته الذاتية ليست زائدة على الذات، بمعنى أنّ تكون هناك ذات، وصقة وراءها، كما في المكنات فإنّ الإنسان له ذات وله علم وقدرة، هذا ممّا اتّفقتا عليه، ولكنّهما اختلفتا في تفسير ذلك، فالعيشة الإميّة ذهبت إلى أنّ الوجود في مقام الواجب بالغ من الكمال على حدّ يعد نفس العلم والضابطة الكلية حتى في مقام الواجب بل الموصوف هناك لأجلّ الكمال المفرط نفس الصفة، ولا مانع من كون العلم في درجة، قائماً بالذات، وفي اُخرى نفس الذات، وما هذا إلاَ لأنَ زيادة الوصف على الذات توجب حاجتها إلى شيء وراءها، وهو ينافي وجوب


1. اوائل المقالات: ص 8 ـ 16.


(201)

الوجود والغناء المطلق. هذه هي نظرية الشيعة مقرونة بالدليل الإجمالي، وقد اقتفوا في ذلك مارسمه علي ـ عليه السلام ـ فقال:«وكمال الإخلاص له نفي الصفات (الزائدة) عنه، لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف، وشهادة كل موصوف أنّه غير الصفة، فمن وصف الله (بوصف زائد على ذاته) فقد قرنه (قرن ذاته بشيء غيرها) ومن قرنه فقد ثنّاه، ومن ثنّاه فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد جهله(1)

وقال الإمام الصادق: «لم يزل الله جلّ وعزّ، ربّنا والعلم ذاته، ولا معلوم، والسمع ذاته، ولا مسموع والبصر ذاته ولا مبصر، و القدرة ذاته ولا مقدور»(2)

هذا ما لدى الشيعة، وأمّا المعتزلة فقد اضطرب كلامهم في المقام، فالقول المشهور عندهم هي نظرية نيابة الذات عن الصفات، من دون أنّ تكون هناك صفة، وذلك لأنّهم رأواأنّ الاّمر في أوصافه سبحانه يدور بين محذورين .

1ـ لو قلنا بأنّ له سبحانه صفات كالعلم، وجب الاعتراف بالتعدد و الإثنينية، لأنّ واقع الصفات هو المغايرة للموصوف .

2ـ إنّ نفي العلم والقدرة و سائر الصفات الكمالية يستلزم النقص في ذاته أولاً ويكذبه اتقان آثاره وأفعاله ثانياً.

فالمخلَص والفر من هذين المحذورين يتلخّص عندهم في انتخاب نظرية النيابة، وهي القول بأنّ الذات نائبة مناب الصفات، و إنّ لم تكن هناك واقعية للصفات وراء الذات، فما يترقب من الذات المقرونة بالصفة، يترتب على تلك الذات النائبة مقامها، هذا هو المشهور عن المعتزلة وإليك نصّ كلام عباد بن سليمان في ذلك المجال قال:«هو عالم قادر، حىّ، ولاأثبت له علماً، ولاقدرةً، ولا حياةً، ولا أثبت سمعاً، ولا أثبت بصراً وأقول هو عالم لابعلم، قادر لابقدرة، حىّ لا بحياة، وسميع لا بسمع، وكذلك سائر مايسمّى من الأسماء الّتي يسمّى بها(3)

يلاحظ: أنّ نظرية النياية المشهورة عن المعتزلة، مبنية على تخيّل كون الشيء وصفاً ملازم للزيادة دائماً، فوقعوا بين المحذورين وتخلّصوا بالنيابة، ومن المعلوم أنّ موجع النيابة إلى خلو الذات عن الكمال أولاً، وكون الذات الفاقدة للعلم، نائبة عن الذات المقرونة بها أشبه باللغز.

نعم، بعض المعتزلة كأبي هذيل العلاف (130ـ235)ذهب إلى نفس ماذهب الشيعة إليه، وقد ذكرنا كلامه في الجزء الثاني(4)


1.الرضي: نهج البلاغة: الخطبة (1)

2. الصدوق: الاتوحيد: 139.

3. الأشعري: مقالات الإسلاميين 1: 335.

4. لاحظ بحوث في الملل والنحل 2:84 نقلا عن شرح الاُصل الخمسة للقاضي عبدالجبار: 183، ومقالات الإسلاميين: 225.


(202)

2ـ إحباط الأعمال الصالحة بالطالحة

الإحباط في عرف المتكلمين عبارة عن بطلان الحسنة، وعدم ترتب مايتوقع منها عليها، ويقابله التفكير وهو إسقاط السيئة بعدم جريان مقتضاها عليها فهو في المعصية نقيض الإحباط في الطاعة، والمعروف عن الإماميّة والأشاعرة هو أنّه لاتحابط بين المعاصي والطاعات والثواب والعقاب، والمعروف من المعتزلة هو التحاط(1)، ثمّ إنهم اختلفوا في كيفيته فمنهم من قال :من أنّ الإساءة الكثيرة تسقط الحسنات القليلة وتمحوها بالكلية من دون أنّ يكون لها تأثير في تقليل الإساءة وهو المحكي عن أبي علي الجبائي.

ومنهم من قال: بأنّ الإحسان القليل يسقط بالإساءة الكثيرة ولكنه يقلل في تأثير الإساءة فينقص الإحسان من الإساءة فيجري العبد بالمقدار الباقي بعد التنقيص، وهو المنسوب إلى أبي هاشم.

ومنهم من قال :إنّ الإساءة المتأخرة تحبط جميع الطاعات وإنّ كانت الإساءة أقل منها، حتى قيل :إنّ الجمهور من المعتزلة ذهبوا إلى أنّ الكبيرة الواحدة، تحبط ثواب


1. المفيد: أوائل المقالات: 57. وسيوافيك نصوص المعتزلة في محلها.


(203)

جميع العبادات (1)

هذا على قول المعتزلة. وأمّا على قول نفاة الإحباط فالمطيع والعاصي يستحق الثواب والعقاب معاً فيعاقب مدّة ثم يخرج من النار فيثاب بالجنّة.

نعم، ثبت الإحباط في موارد نادرة، كالإرتداد بعد الإسلام، والشرك المقارن للعمل، والصدّ عن سبيل الله، ومجادلة الرسول ومشاقته، وقتل الأنبياء، وقتل الآمرين بالقسط، وإساءة الأدب مع النبي، والنفاق، وغير ذلك ممّا شرحناه في الإلهيات (2).

3ـ خلود مرتكب الكبيرة في النار

اتّفقت الإماميّة على أنّ الوعيد بالخلود في النار متوجّه إلى الكفّار خاصّة دون مرتكبي الذنوب من أهل المعرفة بالله تعالى والإقرار بفرائضه من أهل الصلات، و وافقهم على هذا القول كافة المرجئة سوى محمد بن شبيب وأصحاب الحديث قاطبة، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك، وزعموا أنّ الوعيد بالخلود في النار عامّ في الكفار و جميع فساد أهل الصلاة .

ويظهر من العلاّمة الحلي أنّ الخلود ليس هو مذهب جميع المعتزلة حيث قال :أجمع المسلمون كافة على أنّ عذاب الكافر مؤبّد لاينقطع، وأمّا أصحاب الكبائر من المسلمين، فالوعيدية على أنّه كذلك. وذهبت الإماميّة وطائفة كثيرة من المعتزلة والأشاعره إلى أنّ عذاب منقطع (3).

والظاهر من القاضي عبد الجبار هو الخلود، واستدل بقوله سبحانه: (وَ مَنْ يَعْصِ اللهَ ورسُولَهُ وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا) (النساء/14). فالله تعالى


1. التفتازاني: شرح المقاصد 2: 232، القاضي عبدالجبار: شرح الاُصول الخمسة: 625.

2. حسن مكي العاملي: الإلهيات 1: 870 ـ 874.

3. العلامة الحلي: كشف المراد:265.


(204)

أخير أنّ العصاة يعذّبون بالنار ويخلدون فيها، والعاصي اسم يتناول الفاسق والكافر جميعاً فيجب حمله عليها لأنّه تعالى لو أراد أحدهما دون الآخر لبينة فلمّا لم يبيّنه دلّ على ما ذكرناه.

فإن قيل: إنّماأراد الله تعالى بالآية الكافر دون الفاسق، ألاترى إلى قوله تعالى: (وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ) وذلك لايصيوّر إلاّفي الكفرة إلاّفالفاسق لابتعدى حدود الله تعالى أجمع. ثم أجاب عنه فلاحظ كلامه(1)

4 ـ لزوم العمل بالوعيد وعدمه

المشهور عن المعتزلة أنّهم لا يجوّزون العفو عن المسيء لاستلزامه الخلف، وأنّه يجب العمل بالوعيد كالعمل بالوعيد، والظاهر من القاضي أنها نظرية البغدادين من المعتزلة قال: اعلم أنّ البغدادية من أصحابنا أوجبت على الله أنّ يفعل بالعصاة ما يستحقونه لا محال، وقالت: لايجوز أنّ يعفو عنهم، فصار العقاب عندهم أعلى حالاً في الوجوب من الثواب، فإن الثواب عندهم لايجب إلامن حيث الجود، وليس هذا قولهم في العقاب فإنّه يجب فعله بكل حال (2).

وذهبت الإماميّة إلى جواز العفو عن المسيء إذا مات بلاتوبة، واستدل الشريف المرتضى بقوله سبحانه:(وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وَ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبِلِهمُ المَثُلتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَة للنَّاسِ َعلَى ظُلْمِهِمْ َوإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الِعقَابِ) (الرعد /6).وقال: في هذه الآية دلالة على جواز المغفرة للمذنبين من أهل القبلة لإنّه سبحانه دلّنا على أنّه يغفر لهم مع كونهم ظالمين لأنّ قوله:(على ظلمهم) جملة حالية إشارة إلى الحال الّتي يكونون عليها ظالمين، ويجري ذلك مجرى قول القائل:


1. القاضي عبدالجبار: شرح الاُصول الخمسة: 675.

2. القاضي عبدالجبار: شرح الاُصول الخمسة:644.


(205)

«أنا أودّ فلانا على غدره (و) وأصله على هجره» (1).

وقد أوضحنا الحال في دلالة الآية وأجبنا عن إشكال القاضي على دلالتها في الإلهيات (2).

5 ـ الشفاعة حطّ الذنوب أوترفيع الدرجة :

لما ذهبت المعتزلة إلى خلود مرتكب الكبيرة في النار، وإلى لزوم العمل بالوعيد، ورأت أنّ آيات الشفاعة الفسّاق الّذين ماتوا على الفسوق ولم يتوبوا تتنزّل منزلة الشفاعة لمن قتل ولد الغير وترصّد للآخر حتى يقتله، فكما أنّ ذلك يقبح فكذلك هاهنا(3).

فالشفاعة عندهم عبارة عن ترفيع الدرجة، فخصوها بالتائبين من المؤمنين وصار أثرها عندهم ترفيع المقام لا الإنقاذ من العذاب أو الخروج منه، قال القاضي: إنّ فائدة الشفاعة رفع مرتبة الشفيع والدلالة على منزلة من المشفوع (4).

وأمّا عند الشيعة الإماميّة فهو عبارة عن إسقاط العذاب، قال الشيخ المفيد: اتفقت الإماميّة على أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يشفع يوم القيامة لجماعة من مرتكبي الكبائر من اُمته، وأنّ أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ يشفع في أصحاب الذنوب من شيعته وأنّ أئمة آل محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)يشفعون كذلك وينجي الله بشفاعنهم كثيراً من الخاطئين، و وافقهم على شفاعة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)المرجئة سوى ابن شبيب وجماعة من أصحاب الحديث، وأجمعت المعتزلة على خلاف وزعمت أنّ شفاعة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)للمطيعين دون العاصين


1. الطبرسي 3: 287.

2. حسن مكي العاملي: الإلهيات 1: 910.

3. القاضي عبدالجبار: شرح الاُصول الخمسة :688.

4. القاضي عبدالجبار: شرح الاُصول الخمسة: 689.


(206)

وأنّه لايشفع في مستحقي العقاب من الخلق أجمعين (1).

6 ـ مرتكب الكبيرة لا مؤمن ولا كافر

إنّ مقترف الكبيرة عند الشيعة والأشاعرة مؤمن فاسق خرج عن طاعة الله. وهو عند الخوارج، كافر كفر ملة عند جميع فرقهم إلاّ الأباضية فهو عند كافر كفر النعمة، وأمّا المعتزلة فهو عندهم في منزلة بين المنزلتين قال القاضي: إنّ صاحب الكبيرة له اسم بين الاسمين، وحكم بين الحكمين لايكون اسمه اسم الكافر، ولا اسم المؤمن فلا يكون حكمه حكم الكافر ولاحكم المؤمن بل يفرد له حكم ثالث. وهذا الحكم الّذي ذكرناه هو سبب تلقيب المسألة بالمنزلة بين المنزلتين، قال صاحب الكبيرة له منزلة تتجاذبها هاتان المنزلتان (2).

وهذا أحد الاُصول الخمسة الّتي عليها يدور رمى الاعتزال ومن أنكر واحداً منها فليس بمعتزلي(3).

7 ـ النسخ جائزٌ ممتنع عند المعتزلة

اتفق المسلمون على جواز النسخ خلافاً لليهود، واختلفوا في البداء، ذهبت الشيعة إلى إمكانه و وقوعه، خلافاً لغيرهم فقالوا بالامتناع .

ثم إنّ الّذي صار سبباً للتفريق عند القاضي هو أنّه اشترط في النسخ اُموراً أهمها: أنّ النسخ لايتعلّق بعين ما كان ثابتاً، بل يتعلّق بمثل ما كان ثابتاً أشار إليها بقوله : النسخ إزالة مثل الحكم الثابت بدلالة شرعية، بدليل آخر شرعي على وجه لولاه لثبت، ولم يزل مع تراخيه عنه.


1. المفيد: أوئل المقالات: 14 ـ 15.

2. القاضي عبدالجبار: شرح الاُصول الخمسة: 697.

3. الخياط: الانصار / 126، ومروج الذهب 3 / 222.


(207)

قال: فاعتبرنا أنّ يكون إزالة مثل الحكم الثابت لأنه لو زال عين ما كان ثابتاً من قبل لم يكن نسخاً بل كان نقضاً، وهذا بخلاف البداء فإنه يتعلّق بعين ما كان ثابتاً. ومثاله أنّ يقول أحدنا لغلامه: إذا زالت الشمس و دخلت السوق فاشتر اللحم. ثم يقول له: إذا زالت الشمس ودخلت السوق فلا تشتر اللحم، وهذا هو البدء وإنما سمي به لأنه يقتضي أنّه قد ظهر له من حال اشتراء اللحم ما كان خايفاً عليه كم قبل (1).

وقال أيضاً: الّذي يدل على البداء، أنّ يأمر الله جلّ وعزّ بنفس مانهى عنه في وقت واحد على وجه واحد وهذا محال لانجيزه البتة (2).

نحن لانحوم حول البداء وما هو الفرق بينه وبين النسخ، فقد أشبعنا الكلام فيه في نحوثنا الكلامية(3).غير أنّ الّذي يتوجّه على كلام القاضي أنّ ما أحاله هو أيضاً من أقسام النسج لا من أقسام البداء المصطلح فإنه على قسمين:

1ـ النسخ بعد حضور وقت العمل .

2ـ النسخ قبل حضور وقت العمل.

والّذي أحاله هو القسم الثاني، وأمّا الوجه الّذي اعتمد عليه فموهون بأنه ربّما تترتّب المصلحة على نفس إنشاء الحكم وإنّ لم يكن العمل به مراداً جدياً كما هو الحال في أمر إبراهيم بذبح ولده، والأوامر الامتحانية كلها من هذا القبيل فإذا شوهد من الإنسان القيام بمقدّمات الواجب، ينسخ الحكم، وعلى كل تقدير فما سماه بداء، ليس هو محل النزاع بين الإماميّة وغيرهم.

والبداء عندهم عبارة عن تغيير المصير الأعمال الصالحة أو الطاعة وهو شيء


1. القاضي عبدالجبار: شرح الاُصول الخمسة: ص 584، 585.

2. رسائل العدل والتوحيد 1، رسالة القاضي عبد الجبار / 241.

3. لاحظ الالهيات :ج 1،ص 565.


(208)

اتفق عليه المسلمون، ورد به النص في القرآن و النسنة.

هذه هي حقيقة البداء في عالم الثبوت، وله أثر في عالم الإثبات وهو أنّه

ربّما يقف النبي على مقتضي المصير ولايقف على مايغيره، فيخير به على حسب العلم بالمقتضى ولكن لا يتحقّق لأجلّ تحقّق ما يغيّره، فيقال هنا: بدا لله والمقصود بداء من الله للعباد كما هو الحال في إخبار يونس عن تعذيب القوم وغير ذلك، وقد وردت جملة «بدا لله» في صحيح البخاري (1).

قال الشيخ المفيد: أقول في معنى البداء ما يقوله المسلمون بأجمعهم في النسخ وأمثاله من الإفقار بعد الإغناء، والأمراض بعد الإعفاء وما يذهب إليه أهل العدل خاصّة من الزيادة في الآجال والأرزاق والنقصان منها بالأعمال وأمّا إطلاق لفظ البداء، فإنّما صرت إليه لأجلّ السمع الوارد عن الوسائط بين العباد وبين الله ـ

عزّ وجلّ ـ وليس بيني وبين كافة المسلمين في هذا الباب خلاف، وإنّما خالف من خالفهم في اللفظ دون ما سواه (2).

وهذا يعرب عن أنّ القوم لم يقفوا على مصطلح الإماميّة في البداء وإلاّ لأصفقوا على جوازه.

8 ـ الواسطة بين الوجود والعدم

اتفق المفكرون من الفلاسفة و المتكلمين على أنه لاواسطة بين الوجود والعدم كما لا واسطة بين الموجود والعدم، وإنّ الماهيات قبل اتصفاها بالوجود معدومات حقيقة، غير أنّ المعتزلة ذهبت إلى انها في حال العدم غير موجود ولا معدوم، بل متوسط بينهما و هذا هو العروف منهم بالقول بألأحوال .

قال الشيخ المفيد: المعدوم هو المنفي العين، الخارج عن صفحة الموجود، ولا


1. البخاري: الصحيح 4 / 172 باب حديث «أبرص وأعمى وأاقرع في بني إسرائيل».

2. المفيد: أوائل المقالات، ص 53 .


(209)

أقول: إنّه جسم ولاجوهر ولا عرض، ولا شيء على الحقيقة، وإنّ سميته بشيء من هذه الأسماء، فإنما تسميه به مجازا وهذا مذهب جماعة من بغدادية المعتزلة وأصحاب المخلوق )كذا(، والبلخي يزعم أنّه شيء ولا يسميه بجسم ولا جوهر ولا عرض، والجبائي وابنه يزرعان أنّ المعدوم شيء وجوهر وعرض، والخياط يزعم أنّه شيء وعرض وجسم (1).

وبما أنّه المسألة واضحة جداً لانحوم حولها.

9 ـ التوفيض في الأفعال

ذهبت المعتزلة الا من شذ كالنجار و أبي الحسين البصري (2)إلى أنّ أفعال العباد واقعة بقدرتهم وحدها على سبيل الاستقلال ايجاب (3) بل باختيار .

قال القاضي: أفعل العباد لايجوز أنّ توصف بأنها من الله تعالى ومن عنده و من قبله 000(4).

قال السيد الشريف إنّ المعتزلة اسدلوا بوجوه كثيرة مرجعها إلى أمر واحد وهو أنّه لو لا استقلال العبد بالفعل على سبيل الاختيار، لبطل التكليف وبطل التأديب الّذي ورد به الشرع وارتفع المدح والذم إذليس للفعل استناد إلى العبد أصلا، ولم يبق للبعثة فائدة لأن العباد ليسوا موحدين أفعالهم، فمن أين لهم استحقاق الثواب والعقاب (5).


1. المفيد: أوائل المقالات / 79.

2. لاحظ حاشية شرح المواقف لعبد الحليم السيالكوتي، ج 2، ص 156.

3. ولعل قولهم بلا إيجاد اشارة إلى أنّ حال الصدور لايتصف بالوجوب أيضاً. والقاعدة الفلسفية «الشيء مالم يجب لم يوجد» غير مقبولة عندهم .

4. القاضي عبدالجبار: شرح الأصول الخمسة 778، وفي ذيله ما ربّما يوهم خلاف ما هو المشهور غنهم .

5. السيد الشريف الجرجاني (ت 886): شرح المواقف، ج 8، ص 156.


(210)

ثم إنّ نظريتهم في استقلال العبد في الفعل مبنية على مسألة فليسفسة وهو أنّ حاجة الممكن إلى العلّة تنصر في حدوثه، لافيه وفي بقائه، وعلى ضوء ذلك قالوا با ستقلال العبد في مقام الإيجاد.

والمبنى والبناء كلاهما باطلان. أما الافتقار حدوثاً فقط، فهو لا يجتمع مع كون الإمكان من لوازم الماهية وهي محفوظة حدوثاً وبقاء، فكيف يجوز الغناء عن الفاعل بقاء.

قال الحكيم الشيخ محمد حسين الإصفهاني:

والافتقار لازم الإمكان * من دون حاجة إلى البرهان

لافرق مابين الحدوث والبقاء * في لازم الذات ولن يفترقا

هذا كله حول المبنى في التخلص عن الجبر استناد الفعل إلى الفاعل والخالق معاً، لكن يكون قدرة المخلوق في طول قدرة الخلق، ومنشعبة عنها، وهذا يكفي في الاستناد وصحة الامر والنهي والتأديب والتثويب، فالجبر والتوفيض باطلان، والامر بين الامرين هو الحق الصراح، وقد تواتر عن أئمة أهل

البيت قولهم :لاجبر وتفويض لكن أمر بين الأمرين (1).

ثم إنّ الدافع إلى القول بالتفويض هو صيانة عدله سبحانه فزعموا أنّ الصيانه لها رهن ما ذهبت إليه الإماميّة، ثم انهم و إنّ نزهوا العبد عن الظلم ولكن صورواله شريكا في الايجاد، ولأجل ذلك قال الامام الرضا ـ عليه السلام:

«مساكين القدرية أرادوا أنّ يصفوا الله ـ عزّ وجلّ ـ بعدله، فأخرجوه من قدرته وسلطانه (2).


1. الصدق: التوحيث 8، ولاحظ الأحاديث الاُخرى .

2. نفس المصدر، ص 54، الحديث 93.


(211)

10 ـ قبول التوبة واجب على الله أو تفضّل منه ؟ اتفق المسلمون على أنّ التوبة تسقط العقاب، وإنّما الخلاف في أنّه هل يجب على الله قبولها فلو عاقب بعد التوبة كان ظالماَ أو هو تفضل منه سبحانه ؟فالمعتزلة على الأوّل، والأشاعره والإماميّة على الثاني(1).

قال المفيد:

«اتفقت الإماميّة على أنّ قول التوبة بفضل من الله عزّ وجلّ، وليس بواجب في العقول اسقاطها لما سلف من استحقاق العقاب، ولولا أنّ السمع ورد بإسقاطها لجاز في العقول بقاء التائبين على شرط الإستحقاق، و وافقهم على ذلك أصحاب الحديث، وأجمعت المعتزلة على خلافهم و زعموا أنّ التوبة مسقطة لما سلف من العقاب على الواجب (2).

و لقد أحسن ـ قدّس الله سره ـ حيث جعل محور المسألة قبول التوبة وعدمه بما هو هو لابلحاظ آخر كما في صورة الأخبار بقبول التوبة قال سبحانه:(يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ) (التوبة / 104). إذ عندئذ يجب قبول التوبة عقلا وإلالزم الخلف في الوعد. قال الطبرسي في تفسير قوله سبحانه:(إلاّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فاُولئكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَ أَنَا التَّوّاُب الرَّحِيمُ) ( البقوة / 160). وصفحه بالرحيم عقيب التوّاب يدل على أنّ إسقاط العقاب بعد التوبة تفضل منه سبحانه ورحمة من جهته، على ما قاله أصحابنا، وأنّه غير واجب عقلاً على خلاف ماذهب إليه المعتزلة (3).

ومن أراد أنّ يقف على دلائل المعتزلة في المقام فليرجع إلى كشف المراد شرح المقاصد.


1. لاحظ: التفتازاني: شرح المقاصد، ج 2، 242، العلامة الحلّي: كشف المراد، ص 268، القاضي عبدالجبار: شرح الاُصول الخمسة، ص 798 .

2. المفيد: أوئل المقالات ص 15.

3. الطبرسي: ومجمع البيان 1 / 242.


(212)

11 ـ عصمة الأنبياء قبل البعثة و بعدها اتفقت الإمامية على أنّ جميع أنبياء الله ـ صلوات الله عليهم أجمعين ـ معصومون من الكبائر قبل النبوة وبعدها، وممّا يستخف فاعله من الصغائر وأما ماكان من صغير لا يستخف فاعله فجائز و قوعة منهم قبل النبوة وعلى غير تعمد وممتنع منهم بعدها، على كل حال هذا مذهب جمهور الإمامية والمعتزلة بأسرها تخالف فيه (1).

والمقول عن أبي علي الجبائي التفصيل في الكبائر بين قبل البعثة وبعدها فيجوز في الأول دون الثاني، والمختار عند القاضي في الكبائر عدم الجواز مطلقاً وأمّا المفرات فاتفقوا على عدم جواز(2).

12ـ وجوب الأمر بالمعروف عقلاًوعدمه

اتفقت الاُمّة على و جوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلا استثناء غير أنهم اختلفوا في وجوبه عقلاً وسمعاً، أو سمعاً فقط، فالمعتزلة على الأوّل والاماميّة على الثاني .

قال المفيد: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللسان فرض على الكفاية بشرط الحاجة إليه لقيام الحجة على من لايعلم لديه إلأبذكره أو حصول العلم بالمصلحة به أو غلبه الظن وبذلك (3).

ثم إنّ المحقق الطوسي ذكر في متن التريد دلائل العتزلة على وجوبهما عقلاً، ثم عقب عليها بنقد وتحليل (4).


1. المفيد: أوائل المقالات / 30.

2. القاضي عبدالجبار :شرح الاُصول الخمسة: 573.

3. المفيد: أوائل المقالات / 98، وبذلك يظهر وهن ما ذكره القاضي في شرح الاُصول الخمسة من نسبة عدم الوجوب على الإطلاق إلى الإماميّة لاحظ ص 741.

4. العلامة الحلّي: المراد / 271 طبع صيدا.


(213)

13 ـ آباء رسول الله كلهم موحّدون اتفقت الإماميّة على أنّ آباء رسول الله من لدن آدم إلى عبد الله بن عبد المطلب مؤمنون بالله عزّ وجلّ ـ موحّدون له، وخالفهم على هذا القول جميع الفرق (1).

14 ـ تفضيل الأنبياء على الملائكة

اتفقت الإماميّة على ذلك أنّ أنبياء الله عزّ وجلّ ورسله من البشر أفضل من الملائكة و وافقهم على ذلك أصحاب الحديث، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك و زعم الجمهور منهم أنّ الملائكة أفضل من الأنبياء والرسول (2).

15ـ الرجعة: إمكانها و وقوعها قضية الرجعة الّتي تحدثت عنها بعض الآيات القرآنية و الأحاديث المروية عن أهل بيت الرسالة ممّا تعتقد به الشيعة من بين الامة الإسلاميّة قال الشيخ المفيد: إنّ الله يحشر قوماً من اُمّةُ محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد موتهم قبل يوم القيامة وهذا مذهب

يختص به آله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) والقرآن شاهد به (3).

وخالفت المعتزلة والأشاعرة وأهل الحديث في ذلك.

16ـ الجنّة والنار مخلوقتان أو لا؟

إنّ الله سبحانه وعد المتقين بالجنّة أو عد العصاة بالنار فهل هما مخلوقتان أو لا؟

والمسألة نقلية محضة فالإماميّة إلاّمن شذ، ذهب إلى أنّ الجنّة والنار في هذا الوقت مخلوقتان قال الشيخ المفيد: وبذلك جاءت الأخبار وعليه إجماع أهل الشرع


1. المفيد: أوائل المقالات، ص 12.

2. المفيد: أوائل المقالات، ص 16.

3. المجلسي: البحار شرح 53 / 36، نقلاالمسائل السرورية للشيخ المفيد.


(214)

والآثار(1).

وقال التفتازاني: «جمهور المسلمين على أنّ الجنّة والنار مخلوقتان الآن خلافاً لأبي هاشم والقاضي عبدالجبار ومن يجري مجراهما من المعتزلة حيث زعموا أنهما إنما يخلقان يوم الجزاء »(2).

والظاهر من السيد الرضي من الشيعة (359 ـ 406) أنهما غير مخلوقتين الآن حيث قال: الصحيح أنهما إنما تخلقان بعده (3).

17ـ تأويل النصوص اعتماداً على القواعد العقلية:

إنّ الاصول الخمسة عند المعتزل توصف بالصحة والاتقان على درجة تقدم على النصوص الشرعية الواردة في القرآن الكريم والسنّة، فقد أعطوا للعقل أكثر ممّا يستحقه، فقالوا: إنّ المراد في الشفاعة هو ترفيع الدرجة لا رفع العقاب وقس على ذلك سائر تأويلاتهم في الكتاب والسنّة .

إنّ النص الوارد في القرآن الكريم دليل قطعي لايعادله شيء فعند ذلك تجب تخطئة العقل لاتأويل القرآن، والتعارض بين القطعيين غير معقول، وتأويل النص القطعي كرفضه، نعم لو كان النص ظني السند أو كان الدليل الشرعي ظنّي الدلالة فللتأويل مجال، هذا وللبحث صلة تطلب في مجالها.

18ـ الإمامة بالتنصيص أو بالشورى:

اتفقت الإماميّة على أنّ الامامه بالتنصيص خلافاً للأشاعرة والمعتزلة وقالوا


1. المفيد: أوائل المقلات / 102 .

2. التفتازاني: شرح المقاصد /2 318 ولاحظ شرح التجريد للقوشجي / 507 وعبارة الأخيرين واحدة.

3. تارضي: حقائق التأويل 5 / 245 .


(215)

بالشورى وغيرها، ويتفرع على ذلك أمر آخر وهو: أنّ النبي نص على خليفة بالذات عند الإمامية، وقال الآخرون: سكت وترك الأمر شورى بين المسلمين.

قال القاضي عند البحث عن طرق الإمامة (عند المعتزلة): إنها العقد والاختيار (1).

19 ـ هل يشرط في الإمام كونه معضوماً

اتقضت الإمامية على أنّ الامام يجب أنّ يكون معصوماً عن الخطأ والمعصية خلافاً للمعتزلة حيث اكتفت أنه يجب أنّ يكون مبرزاً في العلم مجتهداً ذا ورع شديد، يوثق بقوله ويؤمن منه ويعتمد عليه (2).

قال المفيد: إنّ الئمة القائمين مقام الأنبياء في تنفيذ الاحكام، وإقامة الحدود، وحفظ الشرائع، وتأديب الأنام، معصومون كعصمة الأنبياء، وانهم لايجوز منهم صغيرة إلأ ما قدّمت ذكر جوازه على الأنبياء، وانه لايجوز منه سهو في شيء في الدين و الاينسون شيئأ من الأحكام، و على هذا مذهب سائر الإماميّة إلأمن شذّ منهم وتعلّق بظاهر روايات لها تأويلات على خلاف ظنّه الفاسد في الباب، والمعتزلة بأسرها تخالف في ذلك ويجوّزون من الأئمّة وقوع الكبائر والردّه عن إسلام (3).

20 ـ حكم محارب الإمام علي أمير المؤمنين:

اتفقت الإمامية على أنّ الناكثين والقاسطين من أهل البصرة والشام أجمعين كفار ضلاّل ملعونون بحربهم أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ وانّهم بذلك في النار مخلدون وأجمعيت المعتزلة سوى الغزال منهم وابن باب، والمرجئة والحشوية من أصحاب


1. القاضي عبدالجبار شرح الاُصول الخمسة: 753.

2. نفس المصدر: 754.

3. الشيخ المفيد: أوائل المقلات: 35 .


(216)

الحديث على خلاف ذلك، فزعمت المعتزلة كافّة إلاّ من سمّيناه وجماعة من المرجئة وطائفة من أصحاب الحديث، انّهم فسّاق ليسوا بكفار، وقطعت المعتزلة من بينهم على أنّهم لفسقهم في النار خالدون (1).

هذه جملة من الاُصول الّتي يختلف فيها المنهجان وبقيت هناك اُصول اُخرى تضاربت فيها آراء الفريقين لم نذكرها روماً للإختصار.

ولنعد إلى تحليل سائر الوجوه لمؤلف كتاب المعتزلة.

2 ـ قال الذّهبي: «وجد الرفض والاعتزال في زمانه متصادقين مت آخيين»(2).

3 ـ وقال المقريزي: «قلّما يوجد معتزلي إلاّ وهو رافضي»(3).

4 ـ يقول الشيخ جمال الدين القاسمي الدمشقي (م 1331): «إنّ المعتزلة اليوم كفرقة أهل السنّة والجماعة، من أعظم الفرق رجالاً و أكثرها تابعاً، لأنّ شيعة العراق على الإطلاق معتزلة. وكذلك شيعة الأقطار الهندية و الفارسية و الشامية، ومثلهم الشيعة الزيديّة باليمن»(4).

إنّ هذه الكلمات لا تدلّ على عيلولة الشيعة في عقائدهم على المعتزلة، فإنّ الشيعة الإماميّة تقتدي فى اُصولها و فروعها بأئمّة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ الّذين جعلهم الرسول الأعظمصلَّى الله عليه و آله و سلَّم عدلاً للقرآن الكريم و قال: «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي»، ولا ترجع إلى غيرهما. ولم نر شيعيّاً إمّاميّا أخذ عقيدته من عالم معتزلي.

ومع هذين المصدرين الصحيحين لا حاجة للرجوع إلى غيرهما.

والمعتزلة كما أقرّ أعلامهم اقتفوا في التّوحيد والعدل أثر خطب الإمام أمير


1. نفس المصدر: 10 .

2. ميزان الاعتدال: ج 2 ص 235، كما في «المعتزلة»، ص 218.

3. الخطط: ج 4 ص 169، كما في المصدر نفسه، ص 218.

4. تاريخ الجهمية والمعتزلة: ص 42، كما في المصدر نفسه، ص 219.


(217)

المؤمنين ـعليه السلام ـ وتتلمذوا على حفيده أبي هاشم ابن محمّد بن الحنفيّة.

وما ذكره القاسمي الدمشقي من أنّ شيعة العراق على الإطلاق معتزلة، صحيحة إنّ أراد أنّ شيعة العراق بل الشيعة في جميع الأقطار قائلون بالتوحيد والعدل، اقتفاءً لأثر الكتاب والسنّة الصحيحة المرويّة عن أئمّة أهل البيت لا سيّما خطب الإمام عليّ ـعليه السلام ـ ، كما أنّ المعتزلة أيضاً قائلون بهما مقتفين أثر ما أخذوه من البيت العلوي.

نعم إنّ المعتزلة أقرب إلى الشيعة من الحنابلة والأشاعرة، فإنّ ولاء كثير منهم لأهل البيت لا ينكر، كما أنّ تمسّكهم بالاُصول العقلية المبرهنة، ورفض الآخرين لها، جعلهم متّحدين في كثير من الاُصول مع الشيعة، ومع ذلك فإنّ لجميع الطّوائف الإسلاميّة، اُصولاً مشتركة، واُصولاً يتميّز بها بعضهم عن بعض فلكلّ طائفة إسلاميّة مشتركات ومميّزات.

رمي الاعتزال بالتشيّع

إنّ من عجائب الدّهر ـ وما عشت أراك الدّهر عجباً ـ رمي المعتزلة بالتشيّع، وترى تلك النسبة في كتب الأشاعرة والحنابلة، خصوصاً الرجاليّين منهم، فلم تكن الشيعة وحدها متّهمة بالاعتزال، بل صارت المعتزلة متّهمة بنظيرتها، غير أنّ رمي الشيعة بالاعتزال لايختصّ بقوم دون قوم، حتّى إنّ أصحاب الطبقات من المعتزلة عدّوا أئمّة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ وكبار علماء الشيعة من المعتزلة، حتّى قالوا: إنّ الحسن بن موسى النوبختي من المعتزلة، ولم يكتفوا بذلك،بل عدّوا المرتضى والرضي منهم(1).

وقد عرفت مدى صدق هذه النسبة، و أنّ كثيراً من أعلام الشيعة نقدوا كتب المعتزلة، حتّى إنّ الشّيخ المفيد نقض كتاب «فضيلة المعتزلة» للجاحظ.

إنّما الكلام في التهمة الاُخرى، وهو رمي الاعتزال بالتشيّع، والحقّ

أنّه لو فسِّر التشيّع بحبّ عليّ وأهل بيته ـ عليهم السلام ـ فأعلام السنّة من الأشاعرة والمعتزلة والحنابلة


1. طبقات المعتزلة: أحمد بن يحيى المرتضى، ص 9 و 15 و 117، الطبعة الثانية (1407).


(218)

كلّهم شيعة إلاّ من له هوى العثمانيّة، الّذين يكثرون من الوقيعة في عليّ وأولاده ـ عليهم السلام ـ . أمّا لو فسّر بتقديم عليّ على سائر الخلفاء في العلم والزهد و سائر المثل الأخلاقيّة، فمعتزلة بغداد إلاّ من شذّ شيعة، فإنّهم و إن اعترفوا بخلافة الخلفاء، لكن يعترفون بفضل عليّ ـ عليه السلام ـ وتقدّمه على أقرانه، وهذا هو الّذي صار سبباً لجرح كثير من الرواة العدول، وما ذنبهم إلاّ تقديم عليّ على غيره فى الفضائل، أخذاً بنصوص الآيات والروايات فى حقّه.

نعم، لو فسّر التشيع بالاعتراف بخلافة عليّ بتنصيب من النّبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم وأمر منه سبحانه فالشيعة تنحصر بمن يعتقد بهذا المبدأ، والمعتزلة كلّهم يخالفون ولا يعترفون به.

والّذي أوقع جمعاً من مؤلّفي المقالات في الوهم الأوّل هوالتقاء التشيّع مع الاعتزال في بعض المواضع والنقاط كالتوحيد والعدل، ولو صار ذلك سبباً لرمي الشيعة بالاعتزال، صحّ عدّ الأشاعرة منهم لالتقائهم معهم في عدّة من الاُصول.

وأمّا الّذي أوقعهم في الوهم الثّاني هو انحيازهم إلى عليّ في كثير من المبادئ خصوصاً التوحيد والعدل.

وعلى أيّ تقدير، فلفظ التشيع قد تطوّر من جهة المعنى بعد ما كان معناه في اليوم الأوّل، بعد رحلة الرسول، هو من شايع عليّاً دون غيره، وقال بخلافته دون سائر الخلفاء، فأطلق على من أحبّ عليّاً و أولاده، وناضل العثمانيّة و أهوائها، وعلى من قدّم عليّاً في الفضائل والمناقب، لا في الخلافة، فلأجلّ هذا التطوّر فربّما يشتبه المراد منه في كلمات الرّجاليين و أصحاب المقالات، وربّما تعدّ اُناس شيعةً بالمعنى الأوّل، مع أنّهم شيعة بالمعنيين الأخيرين، فلاحظ، وسيوافيك التوضيح عن البحث عن عقائد الشيعة الزيدية والاسماعيليّة و الإماميّة.

«رزقهم الله توحيد الكلمة كما رزقهم كلمة التوحيد»

«وبنى الإسلام على دعامتين»

«كلمة التوحيد، وتوحيد الكلمة»

Website Security Test