welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : الملل والنحل/ج3 (الماتريديّة، والمرجئية، ...)*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الملل والنحل/ج3 (الماتريديّة، والمرجئية، ...)

(124)

خاتمة المطاف

قد تكرّر لفظ «القدريّة» في كلمات أهل الحديث و المتكلّمين و مؤلّفي الفرق والملل والنحل، ورويت حولها أحاديث وهي إحدى المصطلحات الدارجة بينهم، وتحاول كلّ طائفة أن تتبّرأ منها وتتّهم مخالفها بها. ولأجل إكمال البحث نتحدّث عن سند الحديث أوّلاً، ودلالته ثانياً على وجه الإجمال، وإليك متن الحديث بصوره:

1- روى أبو داود عن عبدالله بن عمر أنّ رسول اللّهصلَّى الله عليه و آله و سلَّم قال : «القدريّة مجوس هذه الاُمّة إن مرضوا فلا تعودوهم و إن ماتوا فلا تشهدوهم».

2- وروى أيضاً عن عبدالله بن عبّاس(1) أنّ النّبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم قال: «لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم».

3- روى الترمذي عن عبدالله بن عبّاس قال : قال رسول اللّهصلَّى الله عليه و آله و سلَّم:

«صنفان من اُمّتي ليس لهم في الإسلام نصيب: المرجئة، و القدرية»(2).

إذا عرفت متن الحديث فإنّ الكلام يقع في موردين:

الأوّل: في سند الحديث. فهل روي بسند صحيح يمكن الاحتجاج به أو لا؟

الثاني: فما هو المقصود من القدريّة على فرض صحّته؟

أمّا من ناحية السند، فيكفي في ضعف الأوّل ما قاله المنذري: «إنّه منقطع لأنّه يرويه سلمة بن دينار عن ابن عمر، ولم يدركه، وقد روى عن ابن عمر من طرق لا يثبت منها شيء».

و يكفي في ضعف سند الثاني وجود «حكم بن شريك الهذلي البصري» فيه وهو مجهول لم يعرف.


1. كذا في جامع الاُصول ولكن في سنن أبي داود، «عمر بن الخطاب» مكان «عبد الله بن عباس»، لاحظ: ج 4، ص228، الحديث 4710.

2. جامع الاُصول: ج 10 ص 526.


(125)

و في ضعف سند الثالث وجود «محمّد بن فضيل بن غزوان» وهو ضعيف(1).

أضف إلى ذلك أنّ جمعاً من الحفّاظ عدّوا أصل الحديث من الموضوعات. منهم سراج الدين القزويني قال: إنّه موضوع و تعقّبه ابن حجر(2).

و قال أبوحاتم: «هذا الحديث باطل»، وقال النسائي: «هذا الحديث باطل كذب»،وقال ابن الجوزي: «حديث لعن القدريّة لا شكّ في وضعه»(3).

هذا وضع السند، وأمّا الدلالة، فقد اختلف النّظر في مفاده، كلّ من المجبّرة والعدليّة يتبرّأ منه، ويريد تطبيقه على خصمه. فأهل الحديث و الحشويّة والسلفيّة والأشعريّة الّذين يتّسمون بسمة الجبرالجليّ أو الخفيّ، يفسّرون القدريّة بنفاة القدر، من باب إطلاق الشيء و إرادة نقيضه، والمعتزلة و أسلافهم، أعني دعاة الحريّة و الاختيار يتّهمون الجبرية بالقدريّة، لأنّهم قائلون بالقدر و التقدير، وأنّ كل شيء يتحقّق بتقدير من الله سبحانه و لا محيص عمّا قدّر وقُضي.

وهناك كلمة للعلاّمة محمّد بن علي الكراجكي (م 449) من تلاميذ الشيخ المفيد لا بأس بنقلها، قال : «ولم نجد في أسماء الفرق ما ينكره أصحابه و يتبرّأ منه سوى القدرية».

فأهل العدل يقولون لأهل الجبر : أنتم «القدريّة»، وأهل الجبر يقولون لأهل العدل: «أنتم القدريّة»،و إنّما تبرّأ الجميع من ذلك لأنّهم رووا ـ من طريق أبي هريرة ـ عن النبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم أنّه لعن القدرية وقال : «إنّهم مجوس هذه الاُمّة إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم»(4).

وقد حاول الأشعري تطبيق الحديث على المعتزلة وقال : «زعمت القدريّة ـ يريد بها المعتزلة وأسلافهم ـ أنّا نستحقّ اسم القدر، لأنّا نقول: إنّ الله عزّ و جلّ قدّر الشرّ


1. جامع الاُصول: ج 10 ص 526.

2. جامع الاُصول: ج 10 ص 526.

3. الموضوعات لابن الجوزي: ج 1 ص 275 ـ 276 واللئالي المصنوعة للسيوطي، ج 1، ص 258.

4. كنز الفوائد: ج 1 ص 123 ط بيروت.


(126)

والكفر، فمن يثبت القدر كان قدريّاً دون من لم يثبته».

ثمّ أجاب عن استدلال المعتزلة وقال : «القدريّ من يثبت القدر لنفسه دون ربّه عزّ و جلّ، وأنّه يقدّر أفعاله دون خالقه، وكذلك هو في اللّغة، لأنّ الصائغ هو من زعم أنّه يصوغ دون من يقول إنّه يصاغ له، فلمّا كانت المعتزلة تزعم أنّهم يقدّرون أعمالهم ويفعلونها دون ربّهم، وجب أن يكونوا قدريّة، ولم نكن نحن قدريّة لأنّا لم نضف الأعمال إلى أنفسنا دون ربّنا ولم نقل : إنّا نقدّرها دونه. قلنا إنّك تقدّر لنا»(1).

يلاحظ عليه: أنّ القضاء و القدر من الكلمات الواردة في الكتاب والسنّة بكثرة. والفاعل في الجميع هو الله سبحانه و تعالى، لا الإنسان قال تعالى : (والّذي قدّر فهدى)(الأعلى-3) وقال : (إنّا كلّ شيء خلقناه بقدر) (القمر/49). فلو أطلق «القدريّة» يراد به المعتقد لما جاء في المصدرين من قضاء الله و قدره، لا المعتقد بأنّ الإنسان هو الّذي يقدّر أفعاله و أعماله.

وأعجب من ذلك قياسه اسم الفاعل على المصادر المنسوبة، فالأوّل كالصائغ يراد منه الفاعل أي من يصوغ، دون الثانية. بل يراد منها المعتقد بالمصدر الّذي نسب إليه، كالجبريّة : من يعتقد بالجبر، والعدليّة : من يعتقد بالعدل، وهكذا.

ثمّ إنّ هنا محاولات اُخرى لأجل تطبيق الحديث على عقيدة دعاة الحريّة والاختيار غير ما عرفته من كلام الأشعري من أنّ الإنسان هو المقدّر لأعماله، كما عرفت ضعفه وإليك بيانها:

1- القدريّة منسوبة إلى «القدرة» بمعنى الاستطاعة، فمن قال بتأثير قدرة الإنسان في فعله و أنّها المصدر له، فهو قدريّ.

يلاحظ عليه: أنّه لو صحّ هذا الوجه لوجب ضمّ الفاء دون فتحها، والمشهور هو الأوّل ولم يسمع الثاني.


1. الابانة: ص 146.


(127)

أضف إليه أنّ المناسب على هذا الوجه هو التعبير «بالقادرية» لا «القدرية» بضمّ الفاء الّذي هو غير مأنوس للأذهان و الأفهام.

2ـ إنّ الحديث من باب إطلاق الشيء و إرادة نقيضه، أي نفاة القدر و منكروه، وسيأتي في حديث أحمد ما يوافق ذلك.

يلاحظ عليه: أنّه لم ير مثله في أمثالها، فلا تطلق الجبريّة، ولا العدليّة على نفاة الجبر والعدل.

أضف إليه أنّه لم يظهر من هؤلاء ـ أعني معبداً الجهني ولا غيلان الدمشقي ـ إنكار التقدير بالمعنى الصحيح، غير المنافي للحريّة والاختيار، فإذا أردنا أن نعرف مذهبهم في مجال القضاء و القدر، فيلزم علينا الرجوع إلى مذهب خصومهم، فإنّ الاُمور تعرف بأضدادها، و حاشا أن يكون المسلم الواعي منكراً للقضاء والقدر الواردين في الكتاب و السنّة، غير السالبين للاختيار و الحريّة، غير المنافيين لصحّة التكليف و بعث الرسل. و إنّما أنكروا القدر بالمعنى الّذي كان البلاط و مرتزقته ينتحلونه لتبرير أعمالهم الإجراميّة، ولا يرون للإنسان ولا لأنفسهم أيّة مسؤوليّة فيها، و يرفعون عقيرتهم بأنّ كلّ ما في الكون من خير و شرّ، وكظّة وسغب، إنّما يرجع إلى إرادته سبحانه. فلايصحّ الاعتراض على جوع المظلوم و شبع الظالم. وهؤلاء الأحرار قد قاموا في وجهالأمويين وأنكروا القدر بهذا المعنى الّذي يعرّف الإنسان كالريشة في مهبّ الريح.ونفي القدر بهذا المعنى، غير نفيه بالمعنى الصّحيح سواء فسّر بالعلم والارادة الأزليين، أم بتقدير الأشياء و القضاء على وجودها و تقدير الإنسان بينهما موجوداً مختاراً مسؤولاً عن فعله، والقضاء على ما يصدر منه بهذه الصورة على ما أوضحناه في محلّه.

3ـ ما نقله الشيخ أبو زهرة عن الشيخ مصطفى الصبري شيخ إسلام (تركيا) السابق وهو مقاربة رأيهم بعض عقائد المجوس، فالمجوس ينسبون الخير إلى الله والشرّ إلى الشيطان و كذلك هؤلاء القدريّة يفرقون بين الخير و الشر فيسندون الخير إلى الله


(128)

والشرّ إلى الشيطان(1).

يلاحظ عليه: أنّ نسبة الثنوية بالمعنى الّذي ذكره شيخ إسلام تركيا إلى المعتزلة رجم بالغيب، فإنّ المعروف من مذهب المعتزلة فضلاً عن أسلافهم هو نسبة الخير و الشرّ إلى الإنسان نفسه لا التّفريق بينهما.

وهذا كلام قاضي القضاة عبد الجبّار، يمنع بتاتاً عن انتساب فعل الإنسان إلى الله خيره و شرّه و يقول : «إنّ أفعال العباد لا يجوز أن توصف بأنّها من الله و من عنده و من قبله، وذلك واضح، فإنّ أفعالهم حدثت من جهتهم و حصلت بدواعيهم و قصودهم، واستحقّوا عليها المدح و الذّم، والثواب و العقاب فلو كانت من جهته تعالى أو من عنده أو من قبله لما جاز ذلك ...»(2).

هذا بعض الكلام حول الحديث و مفاده و من أراد البسط والاستيعاب فعليه المراجعة إلى «شرح الاُصول الخمسة ص 772 ـ 778، وشرح التجريد للعلاّمة الحلّي، ص 196، ط صيدا و شرح المقاصد للتفتازاني ج 2، ص 122 والتمهيد للباقلاني الفصل الثامن والعشرين».

ولو أنّ الرّسول يعدّ القدريّة في هذا الحديث مجوس هذه الاُمّة، ففي بعض ما روي عن ابن عمر عن الرسولصلَّى الله عليه و آله و سلَّم عدّت نفاة القدر مجوس الاُمّة، وإليك نزراً منه:

روى أحمد في مسنده عن ابن عمر عن النّبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم أنّه قال : «لكلّ أُمّة مجوس، ومجوس أُمّتي الّذين يقولون لا قدر، إن مرضوا فلا تعودوهم و إن ماتوا فلا تشهدوهم»(3).

وروى الترمذي و أبو داود عن نافع مولى ابن عمر أنّ رجلاً جاء ابن عمر فقال: «إنّ فلاناً يقرأ عليك السلام، فقال ابن عمر : بلغني أنّه قد أحدث التكذيب بالقدر،


1. تاريخ المذاهب الاسلاميّة: ج 1 ص 124.

2. شرح الاُصول الخمسة: ص 778.

3. مسند أحمد: ج 2 ص 86.


(129)

فإن كان قد أحدث فلا تقرأ مني السّلام فإنّي سمعت رسول اللّهصلَّى الله عليه و آله و سلَّم يقول : «ويكون في هذه الأُمّة، أو في أمّتي ـ الشكّ منه ـ خسف و مسخ و ذلك بالمكذّبين بالقدر»(1).

ولا يخفى وجود التعارض الصّريح بين كون القدريّة مجوس الاُمّة، و كون نافي القدر مجوسها. و تفسير الأوّل بنفاة القدر تفسير بلا دليل، بل تفسير على خلاف اللّغة والعرف.

و يكفي في ضعف الحديث الثاني أنّه وقع التكذيب و صدر الشك في القدر في العصور الماضية، ولم يعمّ الخسف والمسخ للمكذّبين و الشاكّين فيه.

إنّ السابر في كتب الحديث والتاريخ والملل والنحل يرى العناية التامّة من أصحاب الحديث و غيره لمسألة القدر. و قد كانت تحتلّ في تلك العصور، المكانة العليا بين المسائل العقيديّة حتّى كان مدار الإيمان و الكفر فكان المثبت مؤمناً و النافي كافراً.

هذا مع أنّ الرسول الأعظمصلَّى الله عليه و آله و سلَّم كان يقبل إسلام آلاف القائلين بالشهادتين من دون أن يسألهم ولو في مورد عن القضاء والقدر، وأنّه هل يعتقد القائل، بأنّ الله سبحانه يقدّر أفعال الإنسان و أعماله، فيحكم عليه بالإسلام أو لا، فيحكم عليه بالكفر.

إذن فما معنى هذه العناية الحادثة بعد رحلة الرسولصلَّى الله عليه و آله و سلَّم بهذه المسألة؟

أليس هذا يدفع الإنسان إلى القول بأنّها كانت مسألة مستوردة، زرعها الأحبار والرّهبان، وغذّتها السلطة الأموية و ... وبالتالي شقّ بها عصا المسلمين و صاروا يكفّر بعضهم بعضاً.

هذا و إنّ الشيخ البخاري يروي عن رسول اللّهصلَّى الله عليه و آله و سلَّم أنّه قال : «بني الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلاّ الله و أنّ محمّداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزّكاة والحجّ وصوم رمضان»(2).


1. جامع الاُصول: ج 10 ص 526 ـ 527.

2. صحيح البخاري: ج 1 ص 7 من كتاب الايمان.


(130)

وروى عبادة بن الصامت و كان شهد بدراً و هو أحد النقباء ليلة العقبة: أنّ رسول اللّهصلَّى الله عليه و آله و سلَّم قال ـ وحوله عصابة من أصحابه ـ : «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً و لا تسرقوا و لا تزنوا و لا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم و أرجلكم ولا تعصوا في معروف، فمن وفّى منكم فأجره على الله و من أصاب من ذلك شيئاً فعوقب في الدّنيا فهو كفّارة له، و من أصاب من ذلك شيئاً ثمّ ستره الله، فهو إلى الله إن شاء عفا عنه و إن شاء عاقبه» فبايعناه على ذلك(1).

فلو كان للاعتقاد بالقدر، تلك المكانة العظمى، فلماذا لم يذكره رسول اللّهصلَّى الله عليه و آله و سلَّمولو في مورد، ولماذا تركه سبحانه عند أمره رسوله بأخذ البيعة عن النساء؟(2)

كلّ ذلك يشرف الإنسان على القطع بأنّ البحث عن القدر و المغالاة فيه، كان بحثاً سياسياً وراء ه غاية سياسية لأصحاب السلطة و الإدارة. و إلاّ فلا وجه لأن يتركه الوحي في أخذ البيعة عن النساء. ولا الرسول الاكرمصلَّى الله عليه و آله و سلَّم في عرض الإسلام و تبيينه وقبوله من الآلاف المؤلفة من المتشرفين بالإسلام.

رسائل ثلاث حول القدر

ولو طلب القارئ الكريم التعرّف على التشاجر الّذي كان قائماً على قدم و ساق في بيان معنى القدر و أنّه ماذا كان يراد منه، وأنّه هل كان الاعتقاد به يوم ذاك ملازماً للجبر أو لا؟ فعليه بدراسة ثلاث رسائل في هذا المجال، تعدّ من بدايات علم الكلام في الإسلام وقد نشرت تلك الرسائل حديثاً وهي:

1- الرسالة المنسوبة إلى الحسن بن محمّد بن الحنفيّة، والرسالة كتبت بايحاء من الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان (م 86 هـ) و يرجع تأريخ تأليفها إلى عام 73 هـ فيكون أقدم رسالة في هذا المجال إن صحّت النسبة إليه.


1. صحيح البخاري: ج 1 ص 8 ـ 9 من كتاب الايمان.

2. الممتحنة / 12.


(131)

2- ما كتبه الخليفة الأموي عمر بن عبدالعزيز (م 101 هـ) إلى بعض القدريّة المجهول الهوية وقد جاء القدر في الرسالتين مساوقاً للجبر. وقد فرض الحاكم الأموي قدريّاً ينكر علمه سبحانه الأزلي بالأشياء و أفعال العباد، فيردّ عليه بحماس على نحو يستنتج منه الجبر، والرسالة جديرة بالقراءة حتّى يعلم أنّ الأمويين من صالحهم إلى طالحهم كيف شوّهوا الإسلام، وصاروا أصدق موضوع لقول القائل «ولولاكم لعمّ الإسلام العالم كلّه».

وقدنشرت هذه الرسالة بصورة مستقلّة. وطبعت ضمن ترجمة عمر بن عبدالعزيز في كتاب حلية الأولياء ج 5 ص 346-353.

3- ما كتبه الحسن بن يسار المعروف بالحسن البصري (م 110 هـ) حيث إنّ الحجّاج بن يوسف كتب إلى الحسن: «بلغنا عنك في القدر شيء» فكتب إليه رسالة طويلة ذكر أطرافاً منها ابن المرتضى في المنية و الأمل ص 13-14.

قال الشهر ستاني : «ورأيت رسالة(1) نسبت إلى الحسن البصري كتبها إلى عبدالملك ابن مروان و قد سأله عن القول بالقدر والجبر. فأجابه فيها بما يوافق مذهب القدريّة واستدلّ فيها بآيات من الكتاب و دلائل من العقل. وقال: ولعلّها لواصل بن عطاء فما كان الحسن ممّن يخالف السلف في أنّ القدر خيره و شرّه من الله تعالى. فإنّ هذه الكلمات كالمجمع عليها عندهم. والعجب أنّه حمل هذا اللّفظ الوارد في الخبر على البلاء و العافية، والشدّة والرخاء، والمرض والشفاء، والموت والحياة، إلى غير ذلك من أفعال الله تعالى دون الخير والشرّ، والحسن والقبيح، الصادرين من اكتساب العباد. وكذلك أورده جماعة من المعتزلة في المقالات عن أصحابهم»(2).

ولا وجه لما احتمله من كون الرسالة لواصل، إلاّ تصلّبه في مذهب الأشعري و أنّ فاعل الخير والشر مطلقاً ـ حتّى الصادر من العبد ـ هو الله سبحانه دون العبد، ومن


1. نقل القاضي عبد الجبار نصّ الرسالة في كتابه «فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة» ص 215 ـ 223.

2. الملل والنحل ج 1 ص 47، لاحظ نصّ الرسالة في الجزء الأوّل من هذه الموسوعات ثمّ اقض.


(132)

كان هذا مذهبه، يستبعد أن ينسب ما في الرسالة إلى الحسن البصري ـ ذلك الإمام المقدّم عند أهل السنّة ـ.

وأمّا على المذهب الحقّ من أنّ الفاعل الحقيقي لأفعال الإنسان هو نفسه، لا على وجه التفويض من الله إليه، بل بقدرة مفاضة منه إليه في كلّ حين، واختيار كُوِّنت ذاته به، و حريّة فطرت بها فالفعل فعل الإنسان، وفي الوقت نفسه فعل الله تسبيباً، بل أدقّ وأرقّ منه كما حقّق في محلّه.

وأخيراً نلفت نظر القارئ إلى ما كتبه كافي الكفاة الصاحب إسماعيل بن عبّاد (ت: 326 ـ م ـ 385) في الردّ على القدريّة أسماها «الابانة عن مذهب أهل العدل بحجج القرآن والعقل».

وبما أنّ هذه الرّسالة طريفة في بابها نأتي بنصّ ما يخصّ بردّ القدريّة، ويريد من هذه اللّفظة القائلين بالقدر على وجه يستلزم الجبر و إليك نصّها:

رسالة الصاحب في الرد على القدريّة (المجبّرة)

زعمت المجبّرة القدريّة : أنّ الله يريد الظلم والفساد، ويحبُّ الكفر والعدوان، ويشاء أن يشرك به ولا يعبد، ويرضى أن يجحد و يسبّ و يشتم، وقالت العدليّة : بل الله لا يرضى إلاّ الصّلاح و لا يريد إلاّ الاستقامة والسّداد، وكيف يريد الفساد و قد نهى عنه و توعّد، وكيف لا يريد الصّلاح و قد أمر به ودعا إليه، ولو لم يفعل العباد إلاّ ما أراد الله تعالى لكان كلّهم مطيعاً لله تعالى، فإن كان الكافر قد فعل ما أراد منه مولاه فليس بعاص، وأطوع ما يكون العبد لمولاه إذا فعل ما يريده، وأيضاً فليس بحكيم من أراد أن يشتم، ولم يرد أن يعظّم، ورضى أن تجحد نعمه، وأحبّ أن لا تشكر مننه، قال الله تعالى : (وَمَا اللّهُ يُريدُ ظُلماً لِلْعِبادِ)(1) وقال تعالى : (ولا يَرضى لِعبَادِهِ الكُفْرَ)(2))


1. المؤمن / 31.

2. الزمر / 9.


(133)

وقال تعالى : (وَاللّهُ لا يُحِبُّ الفَسَادَ)(1) وقال تعالى في تكذيب من زعم أنّ الكفّار كفروا بمشيئة الله : (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَ لاآبَاؤُنَا وَ لا حَرَّمْنَا مِنْ شَيء كَذَلِكَ ـ إلى قوله ـ و إِنْ أَنْتُمْ إلاّ تَخْرُصُونَ) (2) أي تكذبون.

فإن قالوا : وقال الله (وَمَا تَشَاءُونَ إلاّ أَنْ يَشَاءَ اللّهُ) (3) فقل: هذه الآية وردت على الخير دون الشرّ. وقال تعالى : (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إلاّ أَنْ يَشَاءَ اللّهُ)(4) )وقال تعالى في سورة اُخرى: (فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً * وَ مَا تَشَاءُونَ إلاّ أنْ يَشَاءَ اللّهُ)) (5).

فإن قالوا : لو أراد من العبد شيئاً ولم يفعل لكان العبد قد غلبه، فهذا ينقلب في الأمر، لأنّه قد خولف ولم يكن مغلوباً، وكذلك الارادة. ألا ترى إلى من قال و أراد من مملوك شيئاً ولم يفعله، وأمر آخر بفعل فخالف لكان المخالف في الأمر أعظم في النفوس عصيانا، كلاّ...بل هو الغالب، و إنّما أمهل العصاة حلماً ولم يجبرهم على الإيمان، لأنّ المكره لا يستحقّ ثواباً، بل أزاح عللهم، وأقدرهم و أمكنهم، فمن أحسن فإلى ثوابه، ومن أساء فإلى عقابه، ولو شاء لأكرههم على الإيمان أجمعين كما قال تعالى: (وَلَو شَاءَ رَبُّكَ لاَمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنينَ)(6) وكقوله تعالى: (وَلَو شِئْنَا لاََتَيْنَا كُلَّ نَفْس هُداهَا ـ إلى قوله ـ )أَجْمَعِينَ)(7) وقال تعالى: (لاإِكْرَاهَ فِي الدّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ)(8).

وزعمت القدريّة: أنّ الله تعالى خالق الكفر و فاعله، و منشئ الزنا و مخترعه ومتولّي القيادة و موجدها، ومبتدع السرقة و محدثها، و كلّ قبائح العباد من صنعته، وكلّ تفاوت فمن عنده، وكلّ فساد فمن تقديره، وكلّ خطأ فمن تدبيره.

فإن قالوا على سبب التلبيس : إنّ العبد يكتسب ذلك، فإذا طولبوا بمعنى


1. البقرة / 205.

2. الأنعام / 148 .

3. الدهر / 30.

4. التكوير / 28 ـ 29 .

5. الدهر / 29 ـ 30.

6. يونس / 99 .

7. السجدة / 13.

8. البقرة / 256 .


(134)

الكسب لم يأتوا بشيء معقول، وقالت العدليّة: معاذالله أن يكون فعله إلاّ حكمة و حقّاً، وصواباً وعدلاً، فالزنا فعل الزاني انفرد بفعله، فكلّ قبيح منسوب إلى المذموم به، و إنّما تولّى المذمّة العاصي، إذ باع الآخرة بالدُّنيا، ولم يعلم أنّ ما عندالله خير وأبقى، ولو كان قد خلق أعمال العباد لما جاز أن يأمر بها وينهاهم عنها كما لم يجز أن يأمرهم بتطويل جوارحهم و تقصيرها، إذ خلقها على ما خلقها، ولو خلق الكفر لما جاز أن يعيب ما خلق، ولو كان فاعل الكفر لما جاز أن يذمّ و يعيب ما خلق و يذمّ مافعل، ولو كان مخترعَ الفساد لما جاز أن يعاقب على ما اخترع، ولا تنفكّ القبائح من أن تكون من الله تعالى فلا حجّه على العبد، أو من الله و من العبد فمن الظلم أن يفرده بعقاب ما شارك في فعله، أو من العبد فهو يستحقّ العقاب، وقال تعالى : (يَلْوون أَلْسِنَتَهُمْ بِالكِتَابِ ـإلى قوله ـ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ)(1) )فلو كان لوي ألسنتهم من خلق الله تعالى لما قال: (وما هو )من عند الله )(2).

وبعد، فالكفر قبيح و أفعال الله حسنة، فعلمنا أنّ الكفر ليس منها، و هكذا أخبر تعالى بقوله : (الّذي أحْسَنَ كُلَّ شَيْء خَلَقَهُ)(3) وقوله تعالى: (صُنْعَ اللّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْء)(4) ).

فإن سألوا عن قوله تعالى: (وَاللّهُ خَلَقَكُمْ وَ مَا تَعْمَلُونَ) (5) فقل: هذه الآية لو تلوتم صدرها لعلمتم أن لا حجّة لكم فيها، لأنّه تعالى أراد بالأعمال هيهنا الأصنام، والأصنام أجساد، وليس من مذهبنا أنّا خلقنا الأصنام، بل الله خلقها، ألا ترى أنّه قال تعالى : (أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ) *وَاللّهُ خَلَقَكُمْ وَ مَا تَعْمَلُونَ))(6) .

فإن قالوا: (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْأَلُونَ)(7) فقل: إنّه أدلّ على العدل، لأنّ العباد يُسألون عن أفعالهم لما كان فيها العبث و الظلم والقبيح، والله تعالى لمّا كانت أفعاله كلّها حسنة لا قبيح فيها، وعدلاً لا ظلم معها، تنزّه عن أن يسأل، ولم يرد بهذا ما


1. آل عمران / 78.

2. آل عمران / 78.

3. السجدة / 7 .

4. النمل / 88.

5. الصافات / 96 .

6. الصافات / 95 ـ 96.

7. الأنبياء / 23 .


(135)

تريده الفراعنة إذ قالت لرعيّتها: وقد سألناكم فلا تسألونا لم أظلمكم وأفسقكم (كذا)، كلاّ ... فإنّه تعالى لم يدع للسؤال موضعاً بإحسانه الشامل، وعدله الفائض، ولولا ذلك لم يقل: (لئلا يكون للنّاس على الله حجّة بعد الرسل)(1) فنحن نقول: إنّ أفعالنا الصالحة من الله ليس بمعنى أنّه فعلها، وكيف يفعلها و فيها خضوع وطاعة، والله تعالى لا يكون خاضعاً ولا مطيعاً، بل نقول: إنّها منه، بمعنى أنّه مكّن منها، ودعا إليها وأمر بها و حرّض عليها، و نقول: إنّ القبائح ليست منه لأنّه نهى عنها، وزجر وتوعّد عليها، وخوّف منها و أنذر، ونقول: إنّها من الشيطان بمعنى أنّه دعا إليها و أغوى، و مَنّى في الغرور (وَمَا رَبُّكَ بِظَلاّم لِلْعَبِيدِ)(2) ) (أنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَ الإحْسَانِ ـ إلى )قوله ـ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (3) و قال تعالى في صفة الشيطان: (يَعِدُهُمْ وَ يُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ )الشَّيْطَانُ إلاّ غُرُوراً) (4).

فإن قالوا: فقد قال تعالى: (كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللّهِ) (5) قلنا: معنى الآية غير ما قدّرت ولو قدّرتها كما نقدّر لعلمت أن لا حجّة فيها لك، لأنّه تعالى يقول: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هِذِهِ مِنْ عِنْدِ اللّهِ ـ إلى قوله ـ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللّهِ)(6) فإنّما هذا في الكفّار حيث تطيّروا بنبيّ الله ـ عليه السلام ـ وكانوا إذا أتاهم الخصب يقولون هذا من عندالله و إذا أتاهم الجدب يقولون: هذا من عندك، كما قال تعالى: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةً يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَ مَنْ مَعَهُ ـ إلى قوله ـ لا يَعْلَمُونَ) (7)فبيّن الله تعالى أنّ ذلك كلّه ـ يعني الخصب والجدب ـ من عنده،إلاّ أنّه لم يقل: و إن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندنا على ما تذكره المجبّرة وقد دلّ الله على بطلان قولهم: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَة فَمِنَ اللّهِ وَ مَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَة فَمِنْ نَفْسِكَ) (8) .

وزعمت المجبّرة القدريّة أنّ الله خلق أكثر العباد للنّار، وخلقهم أشقياء بلا ذنب


1. النساء / 165.

2. فصلت / 46 .

3. النحل / 90.

4. النساء / 120 .

5. النساء / 78.

6. النساء / 78.

7. الاعراف / 131 .

8. النساء / 79.


(136)

ولا جرم، وغضب عليهم و هو حليم من غير أن يغضبوه، وخذلهم من قبل أن يعصوه، وأضلّهم عن الطّريق الواضح من غير أن خالفوه، وقالت العدليّة: خلق الله الخلق لطاعته، ولم يخلقهم لمخالفته، وأوضح الدّلالة والرّسل لصلاح الجماعة، ولم يضلّ عن دينه و سبيله.

وكذا أخبر بقوله تعالى:(وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَ الإنْسَ إلاّ لِيَعْبُدُون ) (1) وكيف يمنع إبليس من السّجدة ثمّ يقول: (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ )(2).

فإن سألوا عن قوله تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الجِنَّ وَ الإنْسِ ) (3) قيل: «لام العاقبة» معناها أنّ مصيرهم إلى النار، كما قال تعالى: (فَالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَونَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَ حَزَناً ) (4) و إن كانوا التقطوه ليكون لهم قرّة عين، وقد بيّن ذلك بقوله تعالى: (وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَونَ )قُرَّتُ عَيْن لِي وَلَكَ ) ـ إلى(5) آخره ـ وكذلك الجواب بقوله تعالى: (أنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إثْماً ) (6).

وزعمت المجبّرة القدريّة أنّ الله يضلّ أكثر عباده من دينه، فأنّه ما هدى أحداً من العصاة إلى ما أمرهم به، وأنّ الأنبياء ـ عليهم السلام ـ أراد الله ببعثهم الزيادة في عمى الكافرين، و قالت العدليّة: أنّ الله لا يضلّ عن دينه أحداً، ولم يمنع أحداً الهدى الّذي هو الدلالة، وقد هدى ومن لم يهتد فبسوء اختياره غوى. قال الله تعالى: (وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا العَمَى عَلَى الهُدَى )(7) على أنّا نقول أنّ الله يضلّ من شاء ويهدي، و أنّه يضلّ الظالمين عن ثوابه وجنّاته، وذلك جزاء على سيئاتهم، وعقاب على جرمهم، قال الله تعالى: (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلاّ الفَاسِقِينَ ـ إلى قوله ـ أُولئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ)(8) فأمّا الضلال عن الدين فهو فعل

شياطين الجنّ والإنس، ألا ترى أنّ الله تعالى ذمّ عليهم فقال: (وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ )(9)وقد حكى عن أهل النّار أنّم يقولون:


1. الذاريات / 56.

2. ص / 75 .

3. الأعراف / 179 .

4. القصص / 8.

5. القصص / 9 .

6. آل عمران / 178 .

7. فصلت / 16.

8. البقرة / 26 ـ 27 .

9. طه / 85 .


(137)

(وَمَا أَضَلَّنَا إلاّ المُجْرِمُونَ) (1) وما يقولون: وما أضلّنا إلاّ ربّ العالمين.

وقالت المجبّرة القدريّة: أنّ الله كلّف العباد ما لا يطيقون، وذلك بادّعائها أنّ الله خلق الكفر في الكفّار، ولا يُقدرهم على الإيمان ثمّ يأمرهم به، فإذا لم يفعلوا الإيمان الّّذي لم يُقدره عليهم، وفعلوا الكفر الّذي خلقه فيهم، وأراده منهم، وقضاه عليهم، عاقبهم عذاباً دائماً.

وقالت العـدليـّـة :معاذالله! إنّ الله لايكلّف العباد ما لايتّسعون له (الوسع: دون الطاقة) إذ تكليف ما لا يطاق ظلم و عبث، و أنّه لا يظلم ولا يعبث ولو جاز أن يكلّف من لا يُقدره على الإيمان لجاز أن يكلّف من لا مال له باخراج الزّكاة، وأن يكلّف المُقعد بالمشي والعدو وقال تعالى: (لايكلّف الله نفساً إلاّ وسعها) (2) فهو لايكلّف من لا يستطيع قبل الفعل أن يفعل، قال تعالى: (ولله عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إليهِ سبِيلاً ) ـ إلى آخره(3) ـ فهو يأمر بالحجّ قبل الحجّ، فكذلك استطاعته قبل أن يحجّ، ولو لم يستطيعوا الإيمان لم يقل لهم: (فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ)(4) ولو نصرهم على الإفك لم يقل: (فَأَنّى يُؤْفَكُونَ) (5).

و ادّعت المجبّرة أنّ الأقدار المذمومة حتم من الله، ونفيناها عنه سبحانه، لأنّ تقديره لا يكون باطلاً ولا متناقضاً، فلمّا وجدنا الأشياء المتناقضة الباطلة علمنا أنّه لا يقدّرها و كفى القدريّة إذا أثبتوا ما تنازعنا فيه و نفيناه، ولو جاز لجاز أن يكون من ينفي التنصّر نصرانيّاً، ومن ينفي التهوّد يهوديّاً.

فإن قالوا: إنّكم أثبتّم ذلك لأنفسكم، ومثبت الشيء لنفسه أولى ممّن ينسبه إليه، فالجواب: أنّ التنازع بيننا لم يقع في كوننا قادرين، فأنّما تنازعنا في أنّ الأقدار المذمومة تثبت لله سبحانه و تعالى أوينزّه عنها، فأثبتوها إن كنتم قدريّة.


1. البقرة / 286 .

2. الشعراء / 99.

3. آل عمران / 97.

4. التكوير / 26 .

5. العنكبوت / 61.


(138)

وبعد: فلوكان من أثبتها لنفسه قدريّاً لكان على زعمكم قد أثبته الله لنفسه فهو قدريّ و بعد هذا القول، فلو كان هذا اسم ذمّ فهو لكم أليق، لأنّكم فعلتم القبائح وأضفتموها إلى الله تعالى البريء منها، وقد قال عزّ من قائل : (وَمَنْ يَكْسِبُ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمَاً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَريئاً ) ـ إلى آخرها ـ (1).

تمّ الكلام في القــدريّة


1. النساء / 112.


(139)


4


الجهميّة


الحركات الرجعية

الحركات الرجعية ونعني بها الحركات الفكرية الّتي ظهرت بين المسلمين بين القرنين الثاني والثالث، وهي ترمي إلى إرجاع الاُمّة إلى العقائد السائدة في العصر الجاهلي بين المشركين وأهل الكتاب، من القول بالجبر والتجسيم إلى غير ذلك من البضائع الفكريّة المستوردة منهم إلى أوساط المسلمين .

ولأجل إيقاف القارىء على نماذج من هذه الحركات، نبحث عن عدّة مناهج زرعت شروراً في المجتمع الإسلامي، وبقيت آثارها إلى العصر الحاضر لكن بتغيير الاسم والعنوان، وتحت غطاء مخدع. والسبب الوحيد لبثّ هذه السموم هو إقصاء العقل عن ساحة العقائد وإخضاعه لكلّ رطب ويابس يتّسم بسمة الحديث، وليس بحديث، بل يعدّ من مرويات العهدين وأقاصيص الأحبار والرهبان. وإليك بيان هذه الحركات واحدة تلو الاُخرى:

الجهميّة وسماتها: الجبر والتعطيل

مؤسّسها جهم بن صفوان السمرقندي(ت 128 هـ). قال الذهبي: «جهم بن صفوان، أبو محرز السمرقندي الضالّ المبتدع، رأس الجهميّة، هلك في زمان


(140)

صغارالتّابعين، و ما علمته روى شيئاً، لكنّه زرع شرّاً عظيماً » (1).

قال المقريزي: «الجهميّة أتباع جهم بن صفوان التّرمذي مولى راسب، و قتل في آخر دولة بني أُميّة، و هو:

1- ينفي الصفات الإلهية كلّها، ويقول: لا يجوز أن يوصف الباري بصفة يوصف بها خلقه.

2- أنّ الإنسان لا يقدر على شيء و لا يوصف بالقدرة، ولا الإستطاعة.

3- أنّ الجنّة و النار يفنيان، و تنقطع حركات أهلهما.

4- أنّ من عرف اللّه ولم ينطق بالإيمان لم يكفر، لأنّ العلم لا يزول بالصمت، و هو مؤمن مع ذلك.

وقد كفّره المعتزلة في نفي الاستطاعة. وكفّره أهل السنّة بنفي الصفات و خلق القرآن ونفي الرؤية.

5- وانفرد بجواز الخروج على السلطان الجائر.

6- وزعم أنّ علم الله حادث لا بصفة يوصف بها غيره(2).

وقد ذكر ابن الأثير في حوادث سنة (128هـ) كيفيّة قتله بيد نصر بن سيّار، ومن أراد فليرجع إليه(3).

وقد نسب إليه عبد القاهر البغدادي، أُصولاً تقرب ممّا نسب إليه المقريزي في خططه على ما عرفت.

وقال : «وكان جهم مع ضلالاته الّتي ذكرناها يحمل السّلاح و يقاتل السلطان


1. ميزان الاعتدال: ج 1 ص 426 رقم الترجمة 1584.

2. الخطط المقريزية: ج 3، ص 349 ولاحظ ص 351.

3. الكامل لابن الأثير: ج 5 ص 342 ـ 345.


(141)

وخرج مع السريج بن حارث(1) على نصر بن سيّار و قتله سلم بن أحوز المازني في آخر زمان بني مروان، وأتباعه اليوم بـ(نهاوند)، وخرج إليهم في زماننا إسماعيل بن إبراهيم بن كبوس الشيرازي الديلمي، فدعاهم إلى مذهب شيخنا أبي الحسن الأشعري، فأجابه قوم منهم وصاروا مع أهل ا(2)لسنّة.

وقد نسب إليه الشهرستاني عدّة أُمور نذكر منها أمرين:

1- إنّ الإنسان لا يقدر على شيء، ولا يوصف بالإستطاعة و إنّما هو مجبور على أفعاله لا قدرة له، والله هو الّذي يخلق الأفعال فيه على حسب ما يخلق في سائر الجمادات، وتنسب إليه الأفعال مجازاً كما تنسب إلى الجمادات، كما يقال أثمرت الشّجرة، وجرى الماء، و تحرّك الحجر، وطلعت الشّمس و غربت، و تغيّمت السماء و أمطرت، واهتزّت الأرض و أنبتت، إلى غير ذلك، والثّواب و العقاب جبر. كما أنّ الأفعال كلّها جبر. قال : وإذا ثبت الجبر فالتكليف إذاً جبر.

2- إنّ حركات أهل الخلدين تنقطع، و الجنّة والنار تفنيان بعد دخول أهلهما فيهما، وتلذّذ أهل الجنّة بنعيمها، وتألّم أهل النار بجحيمها، إذ لا تتصوّر حركات لا تتناهى آخراً، كما لا تتصوّر حركات لا تتناهى أوّلاً. وحمل قوله تعالى (خالدين فيها) على المبالغة و التأكيد دون الحقيقة في التخليد. كما يقال خلد الله ملك فلان، واستشهد على الانقطاع بقوله تعالى: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمواتُ وَالأرضُ إلاّ ما شاءَ رَبُّكَ) (هود / 107) فالآية اشتملت على شريطة واستثناء، والخلود و التأبيد لا شرط فيه ولااستثناء(3).

وقد نقل الشهرستاني عنه أُموراً أُخر، مضى بعضها في كلام غيره.

أقول: قاعدة مذهبه أمران:


1. في تاريخ الطبري: الحارث بن سريج وهو الصحيح.

2. الفرق بين الفرق: ص 212.

3. الملل والنحل: ج 1، ص 87 ـ 88.


(142)

الأوّل: الجبر ونفي الاستطاعة و القدرة، فالجهم بن صفوان رأس الجبر و أساسه، ويطلق عليه و على أتباعه الجبريّة الخالصة في مقابل غير الخالص منها.

قال الشهرستاني: «الجبر هو نفي الفعل حقيقة عن العبد و إضافته إلى الربّ تعالى، والجبريّة أصناف، فالجبرية الخالصة هي الّتي لا تثبت للعبد فعلاً و لا قدرة على الفعل أصلاً. والجبريّة المتوسطة هي الّتي تثبت للعبد قدرة غير مؤثّرة أصلاً. فأمّا من أثبت للقدرة الحادثة أثراً مّا في الفعل وسمّى ذلك كسباً فليس بجبري»(1).

يلاحظ عليه: أنّ الفرق الثلاث كلّهم جبريّون من غير فرق بين نافي القدرة والاستطاعة كما عليه «الجهم» أو مثبتها، لكن قدرة غير مؤثّرة، بل مقارنة لإيجاده سبحانه فعل العبد وعمله، أو مؤثّرة في اتّصاف الفاعل بكونه كاسباً و الفعل كسباً، لما عرفت من أنّ القول بالكسب نظريّة مبهمة جدّاً لا ترجع إلى أصل صحيح، وأنّ القول بأنّه سبحانه هو الخالق المباشر لكلّ شيء لا يترك لنظريّة الكسب مجالاً للصحّة، لأنّ الكسب لو كان أمراً وجوديّاً فالله هو خالقه و موجده (أخذاً بانحصار الخلق في الله)، وإن كان أمراً عدميّاً اعتبارياً، فلا يخرج الفاعل من كونه فاعلاً مجبوراً(2).

وعلى أيّ تقدير، فالقول بالجبر و إذاعته بين الناس وانقيادهم له كان حركة رجعيّة إلى العصر الجاهلي، وقدكان الجبر سائداً على مشركي العرب و غيرهم(3).

الثاني: تعطيل ذاته سبحانه عن التوصيف بصفات الكمال و الجمال ومن هنا نجمت المعطّلة. ولكنّه لم يتبيّن لي صدق ما نسبه إليه البغداديّ والشهرستاني من أنّه قال : لا يجوز أن يوصف الباري تعالى بصفة يوصف بها خلقه، لأنّ ذلك يقتضي تشبيهاً، فنفى كونه حيّاً عالماً و أثبت كونه قادراً، فاعلاً، خالقاً، لأنّه لا يوصف شيء من خلقه بالقدرة والفعل والخلق(4).


1. الملل والنحل: ج 1، ص 86.

2. راجع: الجزء الثاني من كتابنا هذا ص 130 ـ 153.

3. راجع: الجزء الأول ص 232.

4. الملل والنحل: ج 1 ص 86.


(143)

وأظنّ أنّ مراده من قوله «بصفة يوصف بها خلقه» هي الصفات الخبرية، كاليد، والعين، والرجل، وما أشبهها، مما أصرّ أهل الحديث والحشوية على توصيفه سبحانه بها، بالمعنى اللغوي الملازم للتجسيم و التشبيه.

هاتان قاعدتا مذهب الجهم، وأمّا غيرهما ممّا نسب إليه، فمشكوك جدّاً، وبما أنّه استدلّ لمذهبه في مورد عدم الخلود في الجنّة والنار بما عرفت من الآية، فنرجع إلى توضيح الآية فنقول:

جعل الجهم الاستثناء في الآية دليلاً على عدم الخلود.

يلاحظ عليه: أنّه استدلّ بالآية على عدم الخلود بوجهين:

الأوّل: تحديد الخلود بمدّة دوام السماوات والأرض وهما غير مؤبّدتين بالضّرورة قال سبحانه: (مَا خَلَقْنَا السَّمواتِ وَالأرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا إلاّ بِالحقِّ وَ أَجَلٌ مُسَمَّى) (الأحقاف/3) وقال تعالى: (وَالسَّمواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) (الزمر / 67).

الثاني: الاستثناء الوارد في الآية من الخلود بقوله: (إلاّ ما شاء ربّك) في كلا الموردين: نعيم الجنّة و عذاب الجحيم.

أمّا الأوّل: فالإجابة عنه واضحة، لأنّ المراد من السماوات والأرض فيها، ليس سماء الدنيا و أرضها، بل سماء الآخرة و أرضها، والاُوليتان فانيتان، والاُخريتان باقيتان والله سبحانه يذكر للنظام الآخر أرضاً و سماءً غير ما في الدنيا. قال تعالى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ وَالسَّمواتُ وَبَرَزُوا للّهِ الوَاحِدِ القَهّارِ)(إبراهيم/48) وقال حاكياً عن أهل الجنّة: (وَقَالُوا الحَمْدُ للّهِ الّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَ أَوْرَثنَا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ) (الزمر/74) فللآخرة سماء وأرض، كما أنّ فيها جنّة وناراً ولهما أهل، وتحديد بقاء الجنّة والنار وأهلها بمدّة دوام السماوات والأرض راجع إلى سماء الآخرة و أرضها وهما مؤبّدتان غير فانيتين، و إنّما تفنى سماء الدنيا و أرضها، وأمّا السماوات الّتي تظلّل الجنّة مثلاً و الأرض الّتي تقلّها وقد أشرقت بنور ربّها فهما ثابتتان غير زائلتين.


(144)

أضف إلى ذلك أنّه سبحانه وصف الجنّه بأنّها عنده وقال: (مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللّهِ بَاق) (النحل/96) فالجنّة باقية غير فانية، ولا يفترق عنها الجحيم ونارها.

وأمّا الإشكال الثاني فالجواب عنه في مورد الجنّة أوضح من الآخر، لأنّه يذكر فيها قوله (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذ) الظّاهر في دوام النعمة وعدم تحقّق المشيئة.

توضيح ذلك أنّه سبحانه يقول في مورد أهل النار:

(فَأَمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمواتُ وَالأَرْضُ إلاّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِمَا يُريدُ)) (هود 106-107).

و يقول في أهل الجنّة:

(وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمواتُ وَالأرْضُ إلاّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذ) (هود / 108).

ترى أنّه سبحانه يذيّل المشيئة في آية الجنّة بقوله: (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذ)(1) الدالّ على عدم انقطاع النعمة، وأنّ تلك المشيئة أي مشيئة الخروج لا تتحقّق.

وعلى كلّ تقدير، فالجواب عن الاستثناء في الآيتين هو أنّ الاستثناء مسوق لاثبات قدرة الله المطلقة، وأنّ قدرة الله سبحانه لا تنقطع عنهم بإدخالهم الجنّة والنار، وملكه لا يزول ولا يبطل، وأنّ قدرته على الاخراج باقية، فله تعالى أن يخرجهم من الجنّة و إن وعد لهم البقاء فيها دائماً، لكنّة سبحانه لا يخرجهم لمكان وعده، و الله لا يخلف الميعاد.

نعم قوله سبحانه في آية النّار (إِنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِمَا يُريدُ) يشير إلى تحقّق المشيئة في جانب النار كما في المسلمين العصاة دون المشركين و الكفار.

التطوير في لفظ «الجهمي»

لمّا كان نفي الصفات عن الله، والقول بخلق القرآن ونفي الروٌية، ممّا نسب إلى


1. مقالات الاسلاميين: ج 2 ص 494 ، والفرق بين الفرق ص 211.


(145)

منهج الجهم وقد عرفت أساس مذهبه فيما مرّ، صار لفظ «الجهميّ» رمزاً لكلّ من قال بأحد هذه الاُمور، وإن كان غير قائل بالجبر ونفي القدر. ولأجل ذلك ربّما تطلق الجهميّة و يراد منها المعتزلة أو القدريّة، وعلى هذا الأساس يقول أحمد بن حنبل:

«والقرآن كلام الله ليس بمخلوق، فمن زعم أنّ القرآن مخلوق فهو جهمي كافر، ومن زعم أنّ القرآن كلام الله و وقف ولم يقل مخلوق ولا غير مخلوق، فهو أخبث من الأوّل، ومن زعم أنّ ألفاظنا بالقرآن و تلاوتنا له مخلوقة، والقرآن كلام الله، فهو جهميّ، ومن لم يكفِّر هؤلاء القوم كلّهم فهو مثلهم»(1).

نعم، القوم و إن نسبوا إلى الجهم كون القرآن مخلوقاً، لكنّه بعيد جدّاً، لأنّه مات في آخر دولة الأمويين ولم تكن المسألة معنونة في تلك الأيّام، وإنّما طرحت في العصر العبّاسي خصوصاً في عصر المأمون.

وقد ألّف البخاري والإمام أحمد(2) كتابين في الردّ على الجهمية وعنيا بهم المعتزلة. والمعتزلة يتبرّأون من هذا الاسم. ويتبرّأ بشر بن المعتمر ـ أحد رؤساء المعتزلة ـ من الجهميّة في ارجوزته إذ يقول:

ننفيهم عنّا ولسنا منهم * ولا هم منّا ولا نرضاهم

إمامهم جهم وما لجهم * وصحب عمرو ذي التقى والعلم(3)

ويريد عمرو بن عبيد الرئيس الثاني للمعتزلة بعد واصل بن عطاء.

وعلى كلِّ تقدير، فعدُّ المعتزلة «جهميّة» ظلم و اعتساف، ولم يذكر أحد منم الجهم من رجالهم، وقد أرسل واصل بن عطاء، حفص بن سالم إلى خراسان، وأمره


1. السنّة لأحمد بن حنبل: ص 49.

2. طبع مع كتاب السنّة له.

3. فجر الاسلام: ص 287 ـ 288.


(146)

بلقائه فمناظرته و إنّه لقيه في مسجد «ترفد» حتّى قطعه(1).

* * *

مقاتل بن سليمان المجسِّم

إنّ القضاء على العقل في ساحة العقائد، والاعتماد على النّقل المحض ـ الّذي انقطع أثره بعد رحلة رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم إلى عصر أبي جعفر المنصور ـ إلاّ شيئاً لا يذكر أيّد هذه الحركات الرجعيّة لو لم نقل إنّة أنتجها.

ومن رافع ألوية التشبيه والتجسيم، وناقل أقاصيص الأحبار والرهبان في القرن الثاني، هو مقاتل بن سليمان الذي كان هو و جهم بن صفوان في مسألة التنزيه والتشبيه على طرفي نقيض، فالأوّل غلا في التنزيه حتى عطّل، وذاك غلا في الاثبات حتى شبّه فهذا معطّل وذاك مشبّه، وقد مُلئت كتب التفاسير بأقوال مقاتل و آرائه فليعرف القارئ مكانه في الوثاقة وتنزيه الربّ عن صفات الخلق.

قال ابن حبّان: «كان يأخذ من اليهود والنصارى في علم القرآن الّذي يوافق كتبهم، وكان يشبّه الربّ بالمخلوقات، و كان يكذب في الحديث».

قال أبو حنيفة: «أفرط جهم في نفي التشبيه، حتّى قال إنّه تعالى ليس بشيء، وأفرط مقاتل في الاثبات حتّى جعله مثل خلقه».

وقال وكيع: «كان كذّاباً».

وقال البخاري: «قال سفيان بن عيينة: سمعت مقاتلاً يقول: إن لم يخرج الدجّال في سنة خمسين و مائة فاعلموا أنّي كذّاب»(2).


1. طبقات المعتزلة للقاضي عبد الجبار: 97 ـ 163.

2. لم يخرج الدجال في هذه السنة ولا بعدها، فهل يبقى الشك في أنه كذّاب؟ نعم، مات هو في تلك السنة فبموته مات الدجل والكذب القائم به.


(147)

وقال النسائي: «كان مقاتل يكذب».

وقال الجوزجاني: «كان دجّالاً جسوراً. سمعت أبا اليمان يقول: قدم هيهنا فلمّا أن صلّى الإمام أسند ظهره إلى القبلة وقال: سلوني عمّا دون العرش، وحدّثت أنّه قال مثلها بمكّة، فقام إليه رجل، فقال: أخبرني عن النّملة أين أمعاؤها؟ تم الكلام في الجهمية


(148)

(149)


5



الكراميّة


الحركات الرجعيّة

وهذه الفرقة منسوبة إلى محمّد بن كرّام السجستاني شيخ الكرامية (م 255).

قال الذهبي: «ساقط الحديث على بدعته، أكثر عن أحمد الجويباري ومحمّد بن تميم السعدي وكانا كذّابين».

قال ابن حبّان: «خذل، حتّى التقط من المذاهب أردأها، ومن الأحاديث أوهاها...وجعل الإيمان قولاً بلا معرفة».

و قال ابن حزم: «قال ابن كرّام: الإيمان قول باللسان، و إن اعتقد الكفر بقلبه فهو مؤمن. ومن بدع الكرّاميّة قولهم في المعبود تعالى إنّه جسم لا كالأجسام و قد سُقت أخبار ابن كرّام في تأريخي الكبير. وله أتباع و مريدون وقد سجن في نيسابور لأجل بدعته ثمانية أعوام، ثم أخرج وسار إلى بيت المقدس، ومات بالشام سنة 255 هـ.»(1).

يلاحظ عليه: أنّ ما أسماه مؤمناً سمّاه القرآن منافقاً. قال سبحانه ( إِذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللّهِ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)(المنافقون/1).


1. ميزان الاعتدال: ج 4 ص 21.


(150)

وقاعدة مذهبه التجسيم، وتوصيف الواجب باُمور حادثة، وكلّ ما يذكره أصحاب الملل والنحل يرجع إلى هذا الأصل، وأمّا أصنافهم فقد ذكر البغدادي أنّ للكرّامية بخراسان ثلاثة أصناف:حقائقية، والطزائقية و اسحاقية(1) وذكر الشهرستاني لها اثنتي عشرة فرقة و أنّ اُصولها ستّة.

وكانت الحركة الكرّامية، حركة رجعية بحتة حيث دعا أتباعه إلى تجسيم معبوده، وأنّه جسم له حدّ ونهاية من تحت والجهة الّتي منها يلاقي عرشه. وقال البغدادي: وهذا شبيه بقول الثنوية: إنّ معبودهم الّذي سمّوه نوراً، يتناهى من الجهة التي تُلاقي الظلام وإن لم يتناه من خمس جهات.

ومن عقائده: أنّ معبودهم محلّ للحوادث و زعموا أنّ أقواله و إراداته، و إدراكاته للمرئيات، وإدراكاته للمسموعات، وملاقاته للصفحة العليا من العالم، أعراض حادثة فيه، وهو محلّ لتلك الحوادث الحادثة فيه(2).

ومن غرائب آرائه أنّه وصف معبوده بالثِّقل و ذلك أنّه قال في كتاب «عذاب القبر» في تفسير قول الله عزّ وجلّ: ( إذا السماء انفطرت ) : أنّها انفطرت من ثقل الرحمان عليها.

إلى غير ذلك من المضحكات والمبكيات في الاُصول والفقه. وقد ذكر البغدادي آراءه الفقهيّة أيضاً و ذكر فيه قصّة عجيبة من أرادها فليرجع إليه(3).

إنّ للكرّامية نظريات في موضوعات اُخر، ذكرها البغدادي، وقد بلغت جرأتهم في باب النبوّة حتّى قال بعضهم: إنّ النّبيّ أخطأ في تبليغ قوله «ومناة الثالثة الاُخرى» حتّى قال بعده: «تلك الغرانيق العلى، وإنّ شفاعتها ترتجى»(4).


1. الفرق بين الفرق: ص 215.

2. الملل والنحل: ج 1 ص 108.

3. الفرق بين الفرق: ص 218 ـ 225.

4. الفرق بين الفرق: ص 222.


(151)

مع أنّ قصّة الغرانيق اقصوصة ابتدعها قوم من أهل الضلالة وقد أوضحنا حالها في محاضراتنا باسم سيّد المرسلين صلَّى الله عليه و آله و سلَّم» فلاحظ.

ونكتفي بهذا النزر في بيان عقائدهم وكلّها وليد إقصاء العقل والمنطق عن ساحة العقائد والاكتفاء بالروايات، مع ما فيها من أباطيل و ترّهات وضعها الأعداء، واختلقتها الأهواء فهي من أسوأ الحركات الرجعية، الظاهرة في أواسط القرن الثالث.

تم الكلام في الكرّامية


(152)

(153)


6



الظاهرية (1)


الحركات الرجعية

وهذا المسلك الفقهي منسوب إلى داود بن علي الاصفهاني الظاهري (ت 200 ـ م 270) وسمع من سليمان بن حرب و أبي ثور.

قال الخطيب: «كان إماماً ورعاً، زاهداً ناسكاً، وفي كتبه حديث كثير لكنّ الرواية عنه عزيزة جدّاً»(2).

وقال ابن خلّكان: «كان من أكثر النّاس تعصّباً للإمام الشافعي وصنّف في فضائله والثناء عليه كتابين، وكان صاحب مذهب مستقلّ و تبعه جمع كثير ـ يعرفون بالظّاهرية ـ وكان ولده ـ أبوبكر محمّد ـ على مذهبه، وانتهت إليه رئاسة العلم ببغداد»(3).

وقد بسط الخطيب الكلام في تأريخه ونقل بعض ما رواه وأشار إلى جوانب من حياته (4).


1 . التعرّض للمذهب الظاهري في المقام مع أنّه مذهب فقهي لا كلامي، لاشتراكه مع الحركات الرجعية الكلامية في طرد العقل والتفكير عن ساحة العلم، وقد ظهر ذلك المذهب في نفس الوقت الذي ظهرت فيه سائر المناهج الفكرية الكلامية والكل يحمل طابعاً واحداً وهو اعدام العقل واقصاؤه عن الأوساط العلمية فناسب ذكره في المقام.

2. ميزان الاعتدال ج 2 ص 15.

3. وفيات الأعيان ج 2 ص 255.

4. تاريخ بغداد للخطيب ج 8 ص 369.


(154)

وما أسّسه من المذهب يرتبط بالفروع و الأحكام، لا العقائد والاُصول فالمصدر الفقهي عنده هو النّصوص، بلا رأي في حكم من أحكام الشرع، فهم يأخذون بالنصوص وحدها و إذا لم يكن النصّ أخذوا بالاباحة الأصليّة.

أقول: إنّ إقصاء العقل عن ساحة العقائد يستلزم طرده عن ساحة الفقه بوجه أولى، لأنّ أساسه هو التعبّد بالنصوص، وعدم الافتاء بشيء لا يوجد له أصل في الكتاب والسنّة، لكنّ الجمود على حرفيّة النصوص شيء والتعبّد بالنصوص و عدم الافتاء في مورد لا يوجد فيه أصل و دلالة في المصدرين الرئيسيين شيء آخر. فالظاهرية على الأوّل، والفقهاء على الثّاني، ولأجل إيضاح الحال نأتي بمثالين:

1 ـ إنّ الشكل الأوّل من الأشكال الأربعة ضروريّ الإنتاج من غير فرق بين الاُمور التكوينيّة أو الأحكام الشرعيّة، فكما أنّ الحكم بحدوث العالم نتيجة حتميّة لقولنا: العالم متغيّر وكلّ متغيّر حادث، فهكذا الحكم بحرمة كلّ مسكر، نتيجة قطعيّة لقولنا: الفقاع مسكر، وكلّ مسكر حرام، فالفقاع حرام. لكنّ الظاهري يقبل المقدّمتين و لكن لا يفتي بالنتيجة بحجّة أنّها غير مذكورة في النصوص.

2 ـ ما يسمّيه الفقهاء بلحن الخطاب و إن كان شيئاً غير مذكور في نفس الخطاب، لكنّه من اللوازم البيِّنة له، بحيث يتبادر إلى الذّهن من سماعه، فإذا خاطبنا سبحانه بقوله: (فَلا تَقُلْ لَهُما اُفّ) (الإسراء/ 23) يتوجّه الذهن إلى حرمة ضربهما و شتمهما بطريق أولى، ولكنّ الفقيه الظّاهري يأبى عن الأخذ به بحجّة كونه غير منصوص.

قال سبحانه: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يَغْفِرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَ إِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأوَّلِينَ) (الأنفال / 38) فالموضوع للحكم «مغفرة ما سلف عند الانتهاء» و إن كان هو الكافر، لكن الذهن السليم يتبادر إلى فهم شيء آخر لازم لهذا الحكم بالضّرورة و هو تعميم الحكم إلى المسلم أيضاً بوجه آكد. ولكنّ الظّاهري يتركه بحجّة أنَّه غير مذكور في النصّ.


(155)

وهذا النوع من الجمود يجعل النُّصوص غير كافلة لاستخراج الفروع الكثيرة وتصبح الشريعة ناقصة من حيث التشريع و التقنين، وغير صالحة لجميع الأجيال والعصور، وفاقدة للمرونة اللازمة الّتي عليها أساس خاتمية نبوّة نبيّنا محمدصلَّى الله عليه و آله و سلَّم وكتابه وسنتّه و....

وهؤلاء بين السنّة كالاخباريين بين الشيعة، غير أنّ الظاهرية ظهرت في القرن الثالث وقد عمل فيما لا نصّ فيه بالإباحة الأصليّة، والأخباريّة ظهرت في الشيعة في القرن العاشر وهم يعملون فيما لانصّ فيه بالاحتياط.

إنّ الاكتفاء بظاهر الشريعة وأخذ الأحكام من ظواهر النصوص له تفسيران; أحدهما صحيح جدّاً، والآخر باطل، فإن اُريد منه نفي الظنون الّتي لم يدلّ على صحّة الاحتجاج بها دليل، فهو نفس نصّ الكتاب العزيز. قال سبحانه: (قُلْ ءَاللّهُ أذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ)(يونس/59)، فالشيعة الإماميّة بفضل النصوص الوافرة عن أئمّة أهل البيت المتصلة أسنادها إلى الرسول الإكرمصلَّى الله عليه و آله و سلَّم استطاعت أن تستخرج أحكام الحوادث والموضوعات الكثيرة منها، وامتنعت عن العمل بالقياس والاستحسان وغيرهما من الأدلّة الظنّية الّتي لم يقم الدليل القطعي على صحّة الاحتجاج بها، بل قام الدّليل على حرمة العمل على بعضها كالقياس وقد ورد فى نصوص أئمّتهم ـ عليهم السلام ـ : «و إنّ السنّة إذا قيست محق الدين»(1).

و إن اُريد بها لوازم الخطاب أي ما يكون في نظر العقلاء كالمذكور أخذاً بقولهم: «الكناية أبلغ من التصريح» ويكون التفكيك بينهما أمراً غير صحيح، فليس ذلك عملاً بغير النصوص. نعم ليس عملاً بالظّاهر الحرفي، ولكنّه عمل بها بما يفهمه المخاطبون بها.

وعلى ذلك الأساس يكون لوازم الخطاب حجّة إذا كانت الملازمة ثابتة بيّنة في نظر العقلاء الّذين هم المعنيّون بهذه الخطابات، كادّعائها بين وجوب الشيء و وجوب


1. الوسائل ج 18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 10.


(156)

مقدّمته، أو حرمة ضدّه، أو امتناع اجتماع وجوبه مع حرمته، إلى غير ذلك من المداليل الالتزامية كمفاهيم الجمل الشرطية أو الوصفيّة أو المغيّاة بغاية.

ولأجل كون هذه المداليل على فرض ثبوت الملازمة، بحكم المنطوق، ذهب المحقّقون في باب «المفاهيم» إلى أنّ النزاع في باب «حجّية المفاهيم» صغروي، أي في ثبوت أصل المفهوم والملازمة، وأنّه إذا قال المولى: إن سلّم زيد فأكرمه، هل يتبادر منه إلى الأذهان الصافية وجوب الاكرام عند التسليم، وارتفاعه عند انتفائه أو لا؟ لا كبروي، بمعنى البحث عن حجّية هذه الملازمة بعد ثبوتها، إذ لا كلام في الحجية بعد ثبوتها.

وبذلك يتبيّن الحقّ الصراح في مسألة «تبعية النصوص الشرعية» و عدم الخروج عن إطارها، وأنّ أهل السنّة فيها بين مفرط و مفرّط. والطريق الوسطى هي الجادة(1).

فأصحاب القياس والاستحسان مفرطون في الخروج عن النُّصوص الشرعيّة، ويعملون بما لم يدلّ على الاحتجاج به دليل.

كما أنّ الظاهرية مفرِّطة فى عدم الخروج عن ظواهر النصوص بحرفيتها، وإن كان العقلاء على خلافهم في محاوراتهم العرفيّة، ومن المعلوم أنّه ليست للشارع طريقة للمفاهمة غير الطريقة الدارجة.

تلاميذه ومدى سلطان مذهبه

قال الخطيب في تأريخه: «روى عنه ابنه محمّد، وزكريّا بن يحيى الساجي، ويوسف بن يعقوب بن مهران الداودي، والعباس بن أحمد المذكّر، وهؤلاء رووا عنه و انتحلوا مذهبه» (2).


1. اقتباس من كلام الامام علي عليه السلام في النهج قال: اليمين والشمال مضلة، والطريق الوسطى هي الجادة. نهج البلاغة قسم الخطب الرقم 15 ط عبده.

2. تاريخ بغداد ج 8 ص 370.


(157)

«ولكن عامّة الفقهاء والمحدّثين تركوا الرّواية عنه كما تركوا مذهبه، وكثرت المعارضة، وقلّ التأييد، ولم يكن لمذهبه سلطان إلاّ في بلاد الشرق (نيسابور وضواحيها) في القرنين الثالث والرابع. و نقل عن صاحب «أحسن التقاسيم» أنّه كان رابع مذهب في القرن الرابع في الشرق، وكان الثّلاثة الّتي هو رابعها:مذهب الشافعي، ومذهب أبي حنيفة، ومالك، فكأنّه كان في الشرق أكثر انتشاراً أو تابعاً من مذهب أحمد إمام السنّة في القرن الرابع الهجري، ولكن في القرن الخامس جاء أبو يعلى وجعل المذهب الحنبلي مكانه، و بذلك زحزح المذهب الظاهري و حلّ محلّه»(1).

ابن حزم (ت 384ـ م 458) آخر تلميذ فكري لداود الظاهري

قد عرفت أنّ أبا يعلى الحنبلي (م 458) قد زحزح المذهب الظاهري، وأحلّ محلّه مذهب إمامه أحمد في أواسط القرن الخامس و بذلك خبا ضوءه وانحسر عن المدارس الفقهيّة، ولم يبق له وجود إلاّ في ثنايا الكتب، لولا أنّ عليّ بن أحمد بن حزم الأندلسي أعاد ذكره بلسانه و قلمه، وألّف حول ذلك المذهب كتباً و رسائل و انتقل المذهب الظاهري من الشرق إلى الغرب، ودخل الأندلس وقد حمل العبء وحده وخدم المذهب الظاهري بتأليفه:

1 ـ الاحكام في اُصول الأحكام: بيّن فيه اُصول المذهب الظاهري.

2 ـ النبذ: وهو خلاصة ذلك الكتاب.

3 ـ المحلّى: وهو كتاب كبير انتشر في عشرة أجزاء، جمع أحاديث الأحكام وفقه علماء الأمصار. طبع في بيروت، بتحقيق أحمد محمّد شاكر.

نزر من آرائه الشاذّة

1 ـ أفتى ببطلان الاجتهاد في استخراج الأحكام الفقهيّة مستدلاً بقوله سبحانه:


1. تاريخ المذاهب الاسلاميّة: ج 2 ص 351 نقلاً عن مقدمة «النبذ» للشيخ الكوثري.


(158)

(مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيء) (الأنعام/38) ولو كان ثمّة موضع للرأي لكان الكتاب قد فرّط في شيء، وقوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ اُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيء فَرُدُّوه إلى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ) (النساء/59)(1).

يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال بهاتين الآيتين يعرب عن كون ابن حزم فقيهاً ظاهريّاً بحتاً، ينظر إلى الظّواهر بحرفيّتها ولا يتأمّل حتّى في القرائن الموجودة في نفس الآيات.

أمّا الآية الاُولى; فالمراد من الكتاب فيها، هو صحيفة الكون لقوله سبحانه في صدرها: (وَمَا مِنْ دَابَّة فِي الأرْضِ وَلا طَائِر يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إلاّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيْء ثُمَّ...) (الأنعام/38). لأنّ التفريط في المقام بمعنى التضييع و التقصير، والمعنى أنّ الدوابّ والطيور لـمّا كانت أُمماً أمثال الإنسان، فما قصّر سبحانه في حقّهم من إعطاء الكمال بمقدار ما لها من اللّياقة والشأن.

وأقصى ما يمكن أن يقال: إنّ المراد منه، هو اللّوح المحفوظ الّذي يسمّيه سبحانه في موارد من كلامه كتاباً مكتوباً فيه كلّ شيء، وأمّا تفسيره بالقرآن فضعيف لا يركن إليه بعد ملاحظة جمل الآية.

وأمّا الآية الثانية; فهي راجعة إلى القضاء في المنازعات و المرافعات فالمرجع هو الله سبحانه و رسوله، ولا صلة للآية بحصر المصادر في الكتاب والسنّة.

ولأجل ذلك لم يذكر فيه الإجماع الّذي هو حجّة عند ابن حزم و مؤٌسّس منهجه، وما هذا إلاّ أنّ الآية وردت في مجال القضاء في المرافعات، دون الافتاء في الأحكام الكلّية.

توضيح ذلك: أنّ القضاء في المنازعات يشترك مع الاجتهاد في الأحكام الشرعيّة في أنّ كلاّ ً من القاضي والمجتهد يسعى لكسح الجهل و رفع الشبهة، غير أنّ الشّبهة في


1. تاريخ المذاهب الاسلاميّة: ج 2 ص 388.


(159)

مجال القضاء، موضوعيّة على الأغلب مع كون الحكم الكلّي معلوماً، كاختلاف الناس في الأموال والديون، بخلاف الشبهة في مجال الاجتهاد فإنّ الحكم الكلّي مشتبه غير معلوم، والمجتهد يسعى بكلّ حول وقوّة رفع الشبهة، و إراءة مُحيّا الحقيقة.

والآية كما هو صريح سياقها، ناظرة إلى المقام الأوّل، ولا صلة لها بالمقام الثاني. يقول سبحانه بعد هذه الآية (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا اُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ مَا اُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يَضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً) (النساء/60) وقد ورد في أسباب نزولها ما يؤيّد ما ذكرناه فلاحظ.

2 ـ يجوز للجنب مسُّ المصحف

قال في المحلّى: «وأمّا مسّ المصحف، فإنّ الآثار الّتي احتجّ بها من لم يجز للجنب مسّه، فإنّه لا يصحّ منها شيء، لأنّها إمّا مرسلة، وإمّا ضعيفة لا تسند، وإمّا عن مجهول... فإن ذكروا قول الله: (فِي كِتَاب مَكْنُون * لا يَمَسُّهُ إلاّ المُطَهَّرُونَ))(الواقعة/78 ـ 79). فهذا لا حجّة لهم فيه، لأنّه ليس أمراً، وإنّما هو خبره والله تعالى لا يقول إلاّ حقّاً، ولا يجوز أن يصرف لفظ الخبر إلى معنى الأمر إلاّ بنصّ جلي أو إجماع متيقّن. فلمّا رأينا المصحف يمسّه الطّاهر و غير الطّاهر علمنا أنّه عزّوجلّ لم يعن المصحف و إنّما عنى به كتاباً آخر»(1).

واستدلّ على الجواز بعمل النّبي و أنّه كتب كتاباً إلى عظيم «بصرى» ليدفعه إلى هرقل وفيه قوله سبحانه: (قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَة سَواءٌ بَيْنَنَا وَ بَيْنَكُمْ ألاّ نَعْبُدَ إلاّ اللّهَ وَ لا نُشْرِكَ بِهِ شَيئاً) (آل عمران/64). وقد أيقن أنّهم يمسّون ذلك الكتاب(2).


1. المحلى: ج 1 ص 83.

2. الدر المنثور: ج 1 ص 40.


(160)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ قوله (في كِتاب مَكْنُون) وصف ثان للقرآن في قوله: (بَل هوَ قُرآنٌ مجِيدٌ) والمراد أنّ القرآن في كتاب محفوظ من التّغيير و التبديل، والمراد من الكتاب هو اللّوح المحفوظ بشهادة قوله: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْح مَحْفُوظ)) (البروج/21 ـ 22). وليس المراد منه المصحف، لاستلزامه وحدة الظرف و المظروف.

وثانياً: أنّ الظّاهر من ابن حزم الظاهري، أنّ الاستدلال على حرمة مسّ المصحف للجنب مبنيّ على تعيين المراد من الكتاب في قوله: (في كِتاب مَكْنُون)فهل المراد منه هو المصحف أو غيره؟ فعلى الأوّل يثبت حرمة مسّ المصحف لغير المتطهّر بخلاف الثاني.

فرجّح كون المراد منه هو غيره، لما ذكر من الدّليل ولكن خفى عليه أنّ الاستدلال ليس مبنيّاً على ما ذكره، بل الاستدلال مبنيّ على كون الضمير في قوله: (لا يمسّه) هل هو عائد إلى القرآن، أو إلى الكتاب، المتقدّمين عليه في الآية؟ فإن قلنا بالأوّل يكون المراد من المسّ هو مسّ كتابة القرآن، ومن التّطهير هو الطهارة من الخبث والحدث. ولا مناص عندئذ من حمل النّفي على النّهي لصيانة كلامه عن الكذب نظير قوله سبحانه: (فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَ لا جِدَالَ فِي الحَجِّ)(البقرة/197). وقولهصلَّى الله عليه و آله و سلَّم: «لا ضرر ولا ضرار» على القول الحق(1).

وإن قلنا بالثّاني، يكون المراد من المسّ، هو العلم به ويكون المراد من المطهّرين، من طهّر الله نفوسهم من أرجاس المعاصي و أقذار الذنوب.

وأمّا تعيين أحد الاحتمالين فخارج عن موضوع البحث، وإنّما الهدف إراءة نماذج من تفكير ابن حزم.

أمّا الاستدلال بكتابة الآية و بعثها إلى عظيم «بصرى» والنبيّ يعلم أنّ الكافر سيمسّها.


1. لاحظ محاضرات المؤلف باسم «قاعدتان فقهيتان» تقف على اسناد الحديث ومضمونه.


(161)

فيلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الاستدلال مبنيّ على كون الكفّار مكلّفين بالفروع كما هم مكلّفون بالاُصول وهو بعدُ أمر متنازع فيه.

وثانياً: أنّ التسبيب إنّما يحرم إذا كان مؤدّياً إلى مسّ الجاهل القاصر، كما إذا وضع الإنسان يد غير المتطهّر على كتابة القرآن وهو جاهل أو غافل، لا ما إذا كان غير معذور كعظيم «بصرى» و غيره من الطغاة غير المعذورين في ترك الاُصول و مخالفة الفروع، إذ في وسعهم أن يعتنقوا الإسلام و يدخلوا تحت السلم و يتعرّفوا على اُصوله و يعملوا بفروعه ويجتنبوا محرّماته. وهذا الجواب سائد في تمكين الكافرين من الكتب الّتي فيها أسماؤه سبحانه بعد إتمام الحجّة عليهم وإن كان في جريانه في المقام خفاء.

وثالثاً: أنّ المصالح الكبرى الّتي تتبلور في بثّ الدّعوة الإسلاميّة في المناطق المعمورة و إنقاذ الأجيال عن الوثنيّة و عبادة الطغاة ربّما ترخّص للرسول أن يقوم بعمل ربّما ينتهي إلى مسّ غير المتطهّر آية من الكتاب العزيز وله نظائر في الشّريعة الإسلاميّة.

3 ـ قاتل الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ كان مجتهدا

وهذا هو النموذج الثالث من آراء الرّجل نأتي بنصّه من كتاب المحلّى، فقال: «مسألة، مقتول كان في أوليائه غائب أو صغير أو مجنون اختلف الناس في هذا: فقال أبو حنيفة: إذا كان للمقتول بنون وفيهم واحد كبير وغيرهم صغار، أنّ للكبير أن يقتل ولا ينتظر بلوغ الصغار. ثمّ أورد على الشافعيّة القائلة بعدم الجواز بأنّ الحسن بن عليّـعليهما السلام ـ قد قتل عبدالرحمن بن ملجم، ولعليّ بنون صغار. ثمّ قال: هذه القصة (يعني قتل ابن ملجم) عائدة على الحنفيّين بمثل ما شنّعوا على الشافعيين سواء سواء، لأنّهم والمالكيّين لا يختلفون في أنّ من قتل آخر على تأويل فلا قود في ذلك، ولا خلاف بين أحد من الاُمّة في أنّ عبدالرحمن بن ملجم لم يقتل عليّاً ـ رضي الله عنه ـ إلاّ متأوّلاً مجتهداً مقدّراً أنّة على صواب و في ذلك يقول عمران بن حطّان شاعر الصفرية:


(162)

يا ضربة من تقي ما أراد بها * إلاّ ليبلغ من ذي العرش رضوانا

إنّي لأذكره حيناً فأحسبه * أوفى البريّة عندالله ميزانا

أي لاُفكّر فيه ثمّ أحسبه، فقد حصل الحنفيّون من خلاف الحسن بن عليّ على مثل ما شنّعوا به على الشافعيّين و ما ينقلون أبداً في رجوع سهامهم عليهم، ومن الوقوع فيما حفروه(1).

يلاحظ عليه: أنّ الفقيه الأندلسي قد خرج في فتياه هذه عن مسلكه وهو التقيّد بالنصوص الشرعية تعبّداً حرفيّاً غير معتمد على العقل والاجتهاد، مع أنّه هو طرح النصّ ولجأ إلى الاجتهاد الخاطئ. فهذا هو النّبيّ الأكرمصلَّى الله عليه و آله و سلَّم يقول لعليّ: ألا أخبرك بأشدّ الناس عذاباً يوم القيامة؟ قال: أخبرني يا رسول الله قال: فإنّ أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة عاقر ناقة ثمود و خاضب لحيتك بدم رأسك(2).

وقد وصف النبيّ صلَّى الله عليه و آله و سلَّم قاتل عليّ في غير واحد من أحاديثه بأنّه أشقى الآخرين وأشقى هذه الاُمّة(3).... إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في هذا السياق.

والحقّ أنّ الاجتهاد الّذي يؤدّي إلى وجوب قتل الإمام المفترض طاعته بالنصّ، اجتهاد يهتزّ منه العرش ونحن أيضاً نصافق ابن حزم واُستاذه داود الاصفهاني في ردّ هذا القسم من الاجتهاد الّذي تكون نتيجته نجاح الخوارج المارقين عن الدين، وما ذكره من الشعر هو لعمران بن حطّان رأس الخوارج في عصره وقد أجابه معاصره القاضي أبوالطيب طاهر بن عبدالله الشافعي قائلاً:

يا ضربة من شقي ما أراد بها * إلاّ ليهدم للاسلام أركاناً

إنّي لأذكره يوما فألعنه * ديناً وألعن عمراناً و حطّاناً


1. المحلى: ج 10 ص 482 ـ 484.

2. العقد الفريد: ج 2 ص 298.

3. مسند أحمد: ج 4 ص 263.


(163)

عليه ثم عليه الدّهر متّصلا * لعائن الله إسراراً و إعلانا

فأنتما من كلاب الدّهر * جاء به نصّ الشريعة برهاناً وتبيانا(1)

وله في كتابه «الفصل» كلام يشبه ما ذكره في قاتل الإمام حيث عدّ فيه قاتل عمّار وهو أبو الغادية يسار بن سبع السلمي متأوّلاً مجتهداً مخطئاً مأجوراً بأجر واحد، وعدّ عمّاراً الثائر على الخليفة فاسقاً محارباً سافكاً دماً حراماً عمداً بلا تأويل على سبيل الظلم والعدوان (2).

وما تلك المذاهب إلاّ نتيجة تقاعس العلماء الأخيار عن وظيفتهم، ونتيجة طرد العقل الصحيح الفطري عن مناهج الحياة.

ولا أظنّ أنّ إنساناً منصفاً يفكّر في هذه المناهج والمسالك، يعدّ دعاة الحرية والاختيار والتعقّل ضلاّلاً كفّارا، ودعاة الجبرية والتشبية والتجسيم والجمود الفكري علماء وعاة.

(وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَاب فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْم هُدًى وَ رَحْمَةً لِقَوْم يُؤْمِنُونَ)(الأعراف/52).

تمّ الكلام حول الحركات الرجعية الثلاث


1. مروج الذهب: ج 2 ص 415.

2. الفصل: ج 4 ص 161.

Website Security Test