welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الملل والنحل/ج3 (الماتريديّة، والمرجئية، ...)*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الملل والنحل/ج3 (الماتريديّة، والمرجئية، ...)

(421)

الأصل الرابع

المنزلة بين المنزلتين

إنّ هذا الأصل يهدف إلى أنّ صاحب الكبيرة لا يسمّى مؤمناً، كما عليه جمهور المسلمين ولا كافراً، كما عليه الخوارج، وإنّما يسمّى فاسقاً. فهو من حيث الإيمان والكفر في منزلة بين المنزلتين.

قال القاضي: «لا يكون اسمه اسم الكافر ولا اسمه اسم المؤمن، وإنّما يسمّى فاسقاً. وكذلك فلا يكون حكمه حكم الكافر ولا حكم المؤمن، بل يفرد له حكم ثالث و هذا الحكم الّذي ذكرناه هو سبب تلقيب المسألة بالمنزلة بين المنزلتين. فإنّ صاحب الكبيرة له منزلة تتجاذبها هاتان المنزلتان، فليست منزلته منزلة الكافر، ولا منزلة المؤمن، بل له منزلة بينهما»(1).

ثمّ إنّه قسّم المكلّف من حيث استحقاق الثّواب والعقاب إلى قسمين: إمّا أن يكون مستحقّاً للثّواب فهو من أولياء الله، وإمّا أن يكون مستحقّاً للعقاب فهو من أعداء الله.

ثمّ الثّاني إمّا أن يكون مستحقّاً للعقاب العظيم فهو الكافر والمنافق والمرتدّ. وإن استحقّ عقاباً دون ذلك سمّي فاسقاً «وهو المرتكب للكبيرة».

ثمّ إنّ الأساس لاخراج الفاسق عن المؤمن هو جعل العمل جزءاً من الإيمان،


1. شرح الأصول الخمسة: ص 697.


(422)

وعلى هذا فإذا ترك فريضة أو ارتكب حراماً يخرج من عداد المؤمنين و فيه تشترك المعتزلة والخوارج، ولكن تنشعب المعتزلة عن الخوارج بقولهم إنّه لا مؤمن ولا كافر، بل في منزلة ـأو له ـ بين المنزلتين، ولكنّه عند الخوارج ليس بمؤمن بل كافر.

ثمّ إنّهم استدلّوا على كونه ليس بمؤمن بوجوه نأتي بها مع تحليلها:

الدّليل الأوّل: ما مرّ في مناظرة واصل بن عطاء مع عمرو بن عبيد من اختلاف المسلمين في سائر الأسماء و اتّفاقهم على كونه فاسقاً، فنأخذ بالمجمع عليه و نطرح ما اختلفوا فيه، حيث إنّهم اختلفوا في كونه مؤمناً أو كافراً أو منافقاً، ولكن اتّفقوا في كونه فاسقاً، فنأخذ بالمتيقّن و نطرح المختلف فيه. وقد عرفت ضعف هذا الدّليل فلا نعيده.

الدّليل الثّاني: ما ذكره القاضي من أنّ «المؤمن» نقل عن معناه اللّغوي إلى معنى آخر وصار بالشّرع اسماً لمن يستحقّ المدح والتّعظيم، والدّليل على ذلك أنّه تعالى لم يذكر اسم المؤمن إلاّ وقد قرن إليه المدح و التّعظيم. ألا ترى إلى قوله تعالى: (قد أفلح المؤمنون) و قوله: (إنّما المؤمنون الّذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم)وقوله: (إنّما المؤمنون الّذين آمنوا بالله و رسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتّى يستأذنوه) إلى غير ذلك من الآيات.

ومثله لفظ المسلم فهومنقول إلى من يستحقّ المدح و التّعظيم.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره ادّعاء محض غير مقترن بالدّليل ناش من خلط الأثر بذي الأثر، ولو صحّ لوجب أن يقول القاضي: إنّ الصّلاة موضوع لمعراج المؤمن، والصّوم للجُنّة من النار، والزّكاة لتنمية المال، لقوله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم : «الصّلاة معراج المؤمن» و «الصّوم جُنّة من النار» و «الزّكاة تنمية للمال».

والّذي يدلّ على فساد ما ذكره أنّه لو صحّ لوجب أن يصحّ وضع الممدوح مكان المؤمن في الآيات التّالية، مع أنّه لا يقبله أيّ ذوق سليم.

1 ـ قال سبحانه: (ولعبد مؤمن خير من مشرك) (البقرة/221).


(423)

2 ـ وقال سبحانه: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ) (النساء/92).

3 ـ وقال سبحانه: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله و رسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة) (الأحزاب/36) إلى غير ذلك من الآيات.

والعجب من القاضي كيف غفل عن الآيات الّتي ذكر فيها متعلّق الإيمان، ومعه لا يمكن حمله إلاّ على أنّه بمعنى الاذعان. قال سبحانه: (وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر)(النساء/39).

و قال سبحانه: (والّذين آمنوا بالله و رسله و لم يفرّقوا بين أحد منهم)(النساء/251)

وقال سبحانه:(فأمّا الّذين آمنوا بالله واعتصموا به) (النساء/175).

إلى غير ذلك من الآيات الّتي لا تبقي شكّاً في أنّ الإيمان بمعنى الاذعان مطلقاً، وفي المقام بمعنى الإيمان بالله واليوم الآخر و رسوله.

وأمّا ما ذكر من أنّه سبحانه لم يذكر اسم المؤمن إلاّ وقد قرن إليه المدح و التّعظيم منقوض بقوله سبحانه: (ومن يؤمن بالله و يعمل صالحاً يكفّر عنه سيّئاته)(التغابن/9).

وقال سبحانه: (الّذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن)(الأنعام/82) و الظّاهر أنّ القيد «ولم يلبسوا إيمانهم بظلم» احترازيّ لا توضيحيّ.

أضف إليه أنّ الإيمان ذو درجات و مراتب، فالمدح المطلق للدّرجة العليا و المدح النّسبي للدرجات التالية لها.

ثمّ إنّ تقسيم النّاس إلى قسمين: من يستحقّ الثّواب، ومن يستحقّ العقاب، لا يصدقه القرآن، بل هناك قسم ثالث و هو عبارة عمّن يستحقّ كلا الأمرين. قال سبحانه: (وآخرون (من الأعراب) اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً و آخر سيّئاً عسى الله أن يتوب عليهم إنّ الله غفور رحيم) (التوبة/102) فلأجل كونه ذا عمل


(424)

صالح يستحقّ الثّواب قطعاً لقوله: (من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينّه حيوة طيَّبة و لنجزينّهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون)(النحل/97) ويستحقّ العقاب لكونه ذا عمل سَيّىء.

ثمّ إنّ القاضي عطف على دليله السابق قوله:

1 ـ لو كان لفظ المؤمن باقياً على ما كان عليه في اللّغة لكان يجب إذا صدّق المرء غيره أو آمنه من الخوف أن يسمّى مؤمناً و إن كان كافراً.

2 ـ ولكان يجب أن لا يسمّى الأخرس مؤمناً.

3 ـ ولكان أن لا يجري على النّائِم والسّاهي، لأنّ الانقياد غير مقصود منهما.

4 ـ ولكان يجب أن لا يسمّى الآن بهذا الاسم إلاّ المشتغل به دون من سبق منه الإسلام، ولازمه أن لا نسمّي أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم مؤمنين(1).

يلاحظ عليه: أنّ هذه الوجوه عليلة جدّاً لا تليق بمقام القاضي. أمّا الأوّل، فالمؤمن هو المذعن المصدّق، ويختلف متعلّقه بحسب اختلاف الموارد، فإذا أطلق في عرف اللّغة يراد منه نفس المذعن، سواء كان متعلّقه هو الله سبحانه أو غيره. قال سبحانه: (وما أنت بمؤمن لنا)(يوسف/17).

وأمّا في عرف الشّرع والمتشرّعة و مصطلح القرآن و الحديث، فالمراد هو الاذعان بالله واليوم الآخر و رسالة رسوله، فالّذي يصدق شخصاً مؤمن حسب اللّغة، ولا يطلق عليه المؤمن في مصطلح الشّرع و المتشرّعة بهذا الملاك.

وأمّا الأخرس فهو مؤمن لكشف إشاراته عن إذعانه، والنّائم والسّاهي مؤمنان لوجود الاذعان في روحهما، غاية الأمر يكون النّوم و السّهو مانعين عن بروزهما. وأمّا من مات مؤمناً فهو أيضاً مؤمن بلحاظ حال النّسبة، لا حال التكلّم، فالضّارب والقاتل في اليوم الماضي يطلق عليهما المشتقّ باعتبار زمان النّسبة لا باعتبار زمان التكلّم، والشّجرة


1. شرح الاصول الخمسة: ص 703 ـ 705.


(425)

المثمرة في الشّتاء مثمرة بلحاظ حال النّسبة.

ثمّ إنّ القاضي استدلّ بآيات ربّما يستظهر منها دخول الأعمال في الإيمان، فقد أوضحنا مداليلها عند البحث عن عقائد المرجئة، فلا نطيل.

ثمّ إنّ هناك اختلافاً بين نفس المعتزلة، فذهب أبو الهذيل إلى أنّ الإيمان عبارة عن أداء الطّاعات، الفرائض و النّوافل، واجتناب المقبّحات. وهو أيضاً خيرة القاضي.

واختار الجبّائيان أنّه عبارة عن أداء الطّاعات، الفرائض دون النوافل، واجتناب المقبّحات.

وقد عرفت ضعف الكلّ عند البحث عن المرجئة.

بقي هنا بحث وهو الاجابة عن الاستدلالات الّتي تمسّك بها الخوارج على

أنّ مرتكب الكبائر كافر. ونبحث عنها في الجزء (1) المختصّ بعقائدهم،

فانتظر.


1. لاحظ الجزء الخامس من هذه الموسوعة.


(426)

الأصل الخامس

الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر

هذا هو الأصل الخامس من الأُصول الخمسة. والأُصول المتقدّمة تتعلّق بالنّظر والاعتقاد بخلافه، فهو بالعمل ألصق و على هذا الأصل بعث واصل بن عطاء و غيره دعاته إلى الأقطار المختلفة كما عرفته في ترجمته. ويبحث فيه عن المسائل التّالية.

1 ـ هل الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر واجب أو لا؟

2 ـ هل وجوبهما سمعيّ أو عقلي؟

3 ـ ما هي شرائط وجوبهما؟

4 ـ هل وجوبهما عيني أو كفائي؟

5 ـ مراتب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.

أمّا الأُولى، فقد ذكر القاضي أنّه لاخلاف بين الأُمّة في وجوب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر إلاّ ما يحكى عن شرذمة من الإماميّة لا يقع بهم و بكلامهم اعتداد(1).

يلاحظ عليه: أنّه ماذا يريد من قوله «من الإماميّة»؟ هل كلمة من تبعيضيّة أو بيانيّة؟ فإن كان الأوّل كما هو الظّاهر، فلا نعرف تلك الشّرذمة من الإماميّة، فإنّهم عن بكرة أبيهم مقتفون للكتاب والسنّة، وصريح الكتاب و أحاديث العترة الطّاهرة على


1. شرح الاصول الخمسة: ص 741.


(427)

وجوبهما. فمن أراد فليرجع إلى جوامعهم الحديثيّة(1).

ونكتفي برواية واحدة من عشرات الرّوايات. روى جابربن عبدالله الأنصاري عن أبي جعفر الباقر ـ عليه السلام ـ أنّه قال: «إنّ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر سبيل الأنبياء و منهاج الصلحاء، فريضة عظيمة بها تقام الفرائض و تؤمن المذاهب، وتحلّ المكاسب، وتردّ المظالم، و تعمّر الأرض، و ينتصف من الأعداء، و يستقيم الأمر»(2).

وإن كان الثّاني، فهو غير صحيح. وهذه كتب الإماميّة في الكلام والتّفسير والفقه مشحونة بالبحث عن فروع المسألة بعد تسليم و جوبهما.

قال الشّيخ المفيد (م413هـ): «إنّ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر باللّسان فرض على الكفاية بشرط الحاجة إليه، لقيام الحجّة على من لا علم لديه إلاّ بذكره أو حصول العلم بالمصلحة به أو غلبة الظّنّ بذلك»(3).

وهذا المحقّق الطّوسي نصير الدّين (م672هـ) يقول في «تجريد الاعتقاد»: «والأمر بالمعروف واجب، وكذا النّهي عن المنكر. وبالمندوب مندوب»(4).

نعم، بعض مراتب الأمر بالمعروف كالجهاد الابتدائي مع العدوّ الكافر مشروط بوجود الإمام العادل. قال الإمام عليّ بن موسى الرّضا ـ عليه السلام ـ في كتابه إلى المأمون: «والجهاد واجب مع إمام عادل، ومن قاتل فقتل دون ماله ورحله و نفسه فهو شهيد»(5).

وقد استظهر بعض الفقهاء من هذا الحديث و غيره أنّ المراد هو الإمام المعصوم المنصوص على ولايته من جانب الله سبحانه بواسطة النّبي. غير أنّ في دلالة الرّوايات على هذا الشرط نوع خفاء، بل عموم ولاية الفقيه في زمان الغيبة كاف في تسويغ ذلك


1. لاحظ: وسائل الشيعة، ج 11، الباب الأول من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ص 393.

2. المصدر السابق، الحديث السابع.

3. أوائل المقالات: ص 98.

4. كشف المراد: ص 271، ط صيدا.

5. الوسائل: ج 11، الباب الثاني عشر من أبواب جهاد العدو، الحديث 10.


(428)

للفقيه الجامع للشّرائط(1).

وأمّا سائر مراتب الأمر بالمعروف من الإنكار بالقلب و التّذكير باللّفظ والعمل باليد فسيأتي البحث عنه في المسألة الخامسة.

نعم، كان على القاضي أن يذكر خلاف الحنابلة و الأشاعرة في مجابهة الظّالمومكافحته. قال إمام الحنابلة: «السّمع والطّاعة للأئمّة و أمير المؤمنين البرّ و الفاجر».

وقال الشيخ أبو جعفر الطّحاوي الحنفي: «ولا نرى الخروج على أئمّتنا ولاة أمرنا، وإن جاروا، ولا ندعو على أحد منهم، ولا ننزع يداً من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعات الله فريضة علينا ما لم يأمروا بمعصية»(2).

وهؤلاء يرون إطاعة السّلطان الجائر، مع أنّ النّبي الأكرم صلَّى الله عليه و آله و سلَّم قال: «ومن أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر»(3).

وروى أبوبكر أنّه سمع رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم يقول: «إنّ النَاس إذا رأوا الظّالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمّهم الله بعقاب منه»(4).

ومع ذلك كلّه فقد نسي القاضي أن ينسب عدم وجوب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر إلى هذه الجماهير، ونسبه إلى الإماميّة وقد عرفت كيفيّة النسبة.

والمسألة من الوضوح بمكان لا تحتاج معه إلى تكثير المصادر.

وامّا الثانية، فقد ذهب أبو عليّ الجبّائي إلى أنّ ذلك يعلم عقلاً. وقال ابنه أبو هاشم: «بل لا يعلم عقلا إلاّ في موضع واحد، وهو أن يرى أحدنا غيره يظلم أحداً فيلحقه بذلك غمّ، فإنّه يجب عليه النّهي و دفعه، دفعاً لذلك الضرر الّذي لحقه من


1. جواهر الكلام: ج 21، ص 13 ـ 14.

2. قد ذكرنا عبارات القوم في وجوب طاعة السلطان الظالم في الجزء الأول من كتابنا هذا.

3. صحيح الترمذي، ج 4، كتاب الفتن، الباب 14، ص 471، رقم الحديث 2174.

4. المصدر السابق، الباب 8، رقم الحديث 2168.


(429)

الغمّ عن نفسه. فإمّا فيما عدا هذا الموضع فلا يجب إلاّ شرعاً» وقال القاضي: «وهو الصّحيح من المذهب»(1).

يلاحظ عليه: أنّ أبا هاشم يصوّر حياة الفرد منقطعة عن سائر النّاس، فلأجل ذلك أخذ يستثني صورة واحدة. ولو وقف على كيفيّة حياة الفرد في المجتمع لحكم على الكلّ بحكم واحد، وذلك أنّ أعضاء المجتمع الواحد الّذين يعيشون في بيئة واحدة مشتركون في المصير، فلو كان هناك خير لعمّ الجميع ولم يقتصر على فاعله، ولو كان هناك شرّ يشمل الجميع أيضاً و لم يختصّ بمرتكبه، ومن هنا يجب أن تحدّد تصرّفات الأفراد في المجتمع و تحدّد حرّياتهم بمصالح الأُمّة ولا تتخطّاها. ولأجل ذلك يشبّه النّبىُّ صلَّى الله عليه و آله و سلَّم وحدة المجتمع بركّاب سفينة في عرض البحر إذا تهدّدها خطر تهدّد الجميع ولم يختصّ بأحد دون أحد.

ولذلك لا يجوز لأحد ركّابها أن يثقب موضع قدمه، بحجّة أنّه مكان يختصّ به ولا يرتبط بالآخرين، لأنّ ضرر هذا العمل يعود إلى الجميع ولا يعود إليه خاصّة.

روى البخاري عن النّعمان بن بشير أنّه قال: سمعت عن النّبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم قال: «مثل القائم على حدود الله، والواقع فيها، كمثل قوم استهمّوا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها و بعضهم أسفلها. فكان الّذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرّوا على من فوقهم فقالوا: لو أنّا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا. فإن يتركوهم وما أرادوا، هلكوا جميعاً و إن أخذوا على أيديهم نجوا و نجوا جميعاً»(2).

وروى الترمذي نظيره في سننه كتاب الفتن:

روى جعفر بن محمّد عن آبائه، عن رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم : «إنّ المعصية إذا عمل بها العبد سرّاً لم تضرّ إلاّ عاملها فإذا عمل علانية ولم يغيّر عليه أضرّت بالعامّة» قال جعفر


1. شرح الاصول الخمسة: ص 742.

2. صحيح البخاري: ج 3، باب هل يقرع في القسمة والاستهام فيه، ص 139. المطبوع على النسخة الاميرية، ورواه الجاحظ في البيان والتبيين ج 2 ص 49.


(430)

بن محمّد ـعليهما السلام ـ : وذلك أنّه يذلُّ بعمله دين الله و يقتدي به أهل عداوة الله(1) و بهذا يعرف قيمة كلام أبي هاشم حيث إنّه نظر إلى حقيقة المجتمع بنظرة فرديّة، ولأجل ذلك لم يقل بوجوب الأمر بالمعروف عقلاً إلاّ في مورد واحد وهو ما إذا عرضه الغمّ من ظلم أحد أحداً، مع أنّه لو كان هذا هو الملاك لوجب في كثير من الموارد بنفس الملاك، غاية الأمر ربّما يكون الضّرر مشهوداً و ربّما يكون مستوراً.

ثمّ إنّ البحث عن وجوبه سمعيّاً أو عقليّاً بحث كلامي لا صلة له بكتاب تاريخ العقائد، غير أنّا إكمالاً للفائدة نأتي بنكتة وهي: أنّ الظاهر من القول بوجوب اللّطف هو أنّ وجوب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر عقليّ، وذلك لأنّ اللُّطف ليس إلاّ تقريب العباد إلى الطّاعة و ابعادهم عن المعصية، ومن أوضح ما يحقّق تلك الغاية هو الأمر بالمعروف بعامّة مراتبه.

غير أنّ المحقّق الطّوسي استشكل على وجوبهما عقلاً وقال: «لو كانا واجبين عقلاً، لزم ما هو خلاف الواقع أو الاخلال بحكمته».

وأوضحه شارح كلامه العلاّمة الحلّي وقال: «إنّهما لو وجبا عقلاً لوجبا على الله تعالى. فإنّ كلّ واجب عقليّ يجب على كلّ من حصل في حقّه وجه الوجوب، ولو وجبا عليه تعالى لكان إمّا فاعلاً لهما، فكان يلزم وقوع المعروف قطعاً، لأنّه تعالى يحمل المكلّفين عليه، وانتفاء المنكر قطعاً، لأنّه تعالى يمنع المكلّفين منه، وهذا خلاف ما هو الواقع في الخارج. و إمّا غير فاعل لهما فيكون مخلاّ ً بالواجب وذلك محال لما ثبت من حكمته تعالى»(2).

يلاحظ عليه: أنّ وجوبهما عقلاً لا يلازم وجوبهما على الله سبحانه بعامّة مراتبه،لأنّه لو وجب عليه بعامّة مراتبه يلزم إخلال الغرض و إبطال التّكليف. وهذا يصدّ العقل عن إيجابهما على الله سبحانه فيما لو استلزم الإلجاء و الإخلال بالغرض،


1. الوسائل: ج 11، كتاب الجهاد، الباب 4 من أبواب الأمر بالمعروف، الحديث 1.

2. كشف المراد: ص 271، ط صيدا.


(431)

فيكتفي فيه بالتّبليغ و الانذار و غيرهما ممّا لا ينافي حريّة المكلّف في مجال التّكليف. وإلى ذلك يشير شيخنا الشّهيد الثاني بقوله: «لاستلزام القيام به على هذا الوجه (من وجوبه قولاً و فعلاً) الالجاء الممتنع في التّكليف، ويجوز اختلاف الواجب باختلاف محالّه، خصوصاً مع ظهور المانع، فيكون الواجب في حقّه تعالى الانذار والتّخويف بالمخالفة لئلاّ يبطل التّكليف، والمفروض أنّه قد فعل»(1).

وأمّا الثّالثة، وهي شرائط وجوبهما، فقد فصِّل فيه الكلام المتكلّمون والفقهاء فقالوا: شرائط الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر ثلاثة:

الأوّل: علم فاعلهما بالمعروف والمنكر.

الثّاني: تجويز التّأثير، فلو عرف أنّ أمره و نهيه لا يؤثّران لم يجبا.

الثّالث: انتفاء المفسدة، فلو عرف أو غلب على ظنّه حصول مفسدة له أو لبعض إخوانه في أمره و نهيه سقط وجوبهما دفعاً للضرر(2).

وهناك شروط أُخر لم يذكرها العلاّمة في كلامه. منها:

الرابع : تنجّز التّكليف في حقّ المأمور والمنهيّ، فلو كان مضطرّاً إلى أكل الميتة لا تكون الحرمة في حقّه منجّزة، فلا يكون فعله حراماً ولا منكراً، وإن كان في حقّ الآمر والنّاهي منجّزاً.

وعلى كلّ تقدير فالشّرط الثّالث ـ أي عدم المفسدة ـ شرط في موارد خاصّة لا مطلقاً. فربّما يجب على الآمر و النّاهي تحمّل المضرّة و عدم ترك الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، كما إذا كان تركه لهما لغاية دفع المفسدة موجباً لخروج النّاس عن الدّين وتزلزلهم و غير ذلك ممّا أوضحنا حاله فى أبحاثنا الفقهيّة(3).

وأمّا الرّابعة، وهي كون وجوبهما عينيّاً أو كفائياً، فالأكثر على أنّه كفائيّ، لأنّ


1. الروضة البهية: ج 1، كتاب الجهاد، الفصل الخامس، ص 262، الطبعة الحجرية.

2. كشف المراد: ص 271، ط صيدا.

3. لاحظ: رسالتنا الفقهية في التقية. فقد قلنا إنّ التقية ربّما تحرم إذا كان الفساد في تركها أوسع.


(432)

الغرض شرعاً وقوع المعروف وارتفاع المنكر، من غير اعتبار مباشر معيّن، فإذا حصلا ارتفع الوجوب وهو معنى الكفائي. والاستدلال على كونه عينيّاً بالعمومات غير كاف كما حقّق في محلّه.

وأمّا الخامسة، أعني مراتبهما، فتبتدئ من القلب، ثمّ اللّسان، ثمّ اليد و تنتهي باجراء الحدود و التّعزيرات. قال الباقر ـ عليه السلام ـ : «فانكروا بقلوبكم، والفظوا بألسنتكم، وصكّوا بها جباههم، ولا تخافوا في الله لومة لائم»(1).

وعلى هذا يصبح الأمر بالمعروف على قسمين: قسم لا يحتاج إلى جهاز و قدرة، وهذا ما يرجع إلى عامّة الناس. وقسم يحتاج إلى الجهاز والقوّة و يتوقّف على صدور الحكم، وهذا يرجع إلى السّلطة التنفيذيّة القائمة بالدّولة الإسلاميّة بأركانها الثّلاثة.

وقد بسط الفقهاء الكلام في بيان مراتبهما. فمن لاحظ الروايات وكلمات الفقهاء يقف على أنّ بعض المراتب واجب على الكلّ والبعض الآخر يجب على أصحاب القوّة والسّلطة.

إلى هنا تمّ البحث عن الأُصول الخمسة للمعتزلة، وبقي هنا بحوث نجعلها

خاتمة المطاف.


1. الوسائل: ج 11، كتاب الجهاد، الباب الثالث من أبواب الأمر بالمعروف، الحديث 1.


(433)

خاتمة المطاف

الأوّل: تحليل بعض ما رمي به مشايخ المعتزلة من الانحلال الأخلاقي، فإنّ في ذلك توضيحاً للحقّ، بل دفاعاً عنه.

الثاني: تبيين تاريخ المعتزلة من حيث تدرّجهم من القدرة إلى الضّعف، وذلك بحث تاريخيّ يهمّنا من بعض الجهات، وسيظهر في طيّات البحث.

الثالث: الآثار العلميّة الباقية من المعتزلة.

1 ـ دفاع عن الحقّ

الاعتزال ظهر في أوساط المسلمين بطابعه العقلي لتحقيق العقائد الإسلاميّة، ودعمها على ضوء الدّليل و البرهان. فكانوا يدافعون عنها حسب طاقاتهم الفكريّة، يشهد بذلك حياة مشايخهم و أئمّتهم و تلاميذهم.

ولعلّ تصلّبهم في المناظرة، وعدم السّكوت في مقابل الملاحدة وأهل الكتاب من اليهود والنّصارى، لأجل عنايتهم بالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، حتّى صار ذلك أحد أُصولهم الّتي بها يتميّزون عن غيرهم، وقد عرفت نماذج من مناظراتهم مع المخالفين فلا نعيد.

ولم يكن دفاعهم عن الإسلام منحصراً بالمناقشات اللّفظية، بل كانوا يستعملون القوّة إذا أُتيح لهم ذلك.

مثلاً: إنّ بشّار بن برد كان متّهماً بالالحاد، فهدّده واصل بالقتل، ولم يكتف بذلك حتّى نفاه من البصرة، فذهب إلى حرّان و بقي فيها إلى أن توفّي واصل ثمّ عاد إلى البصرة.


(434)

و في ذلك يقول صفوان الأنصاري مخاطباً لبشّار:

كأنّك غضبان على الدّين كلّه * وطالب دخل لا يبيت على حقد

رجعت إلى الأمصار من بعد واصل * وكنت شريراً في التّهائم والنّجد(1)

ومن مظاهر دعمهم لأُصول العقائد الإسلاميّة و مكافحة التّجسيم والتّشبيه هو أنّ واصل بن عطاء بعث تلاميذه إلى الأطراف و الأكناف لتبليغ رسالة التّنزيه و رفض التّشبيه، وقد أتينا بأسماء المبعوثين في ترجمته(2).

وروى عمر الباهلي أنّه قرأ الجزء الأوّل من كتاب «الألف مسألة في الردّ على المانويّة» لواصل، كان فيها نيّف و ثلاثون مسألة، وهو الّذي أوفد حفص بن سالم إلى خراسان، فناظر جهم بن صفوان و قطعه وجعله يرجع إلى القول الحقّ. وعلى ذلك درج أصحاب واصل و تلاميذه من بعده(3).

وتبع واصلاً و عمرو بن عبيد، أبو الهذيل العلاّف و قد قرأت في ترجمته بعض مناظراته.

ولا تنس ما ذكرناه في ترجمة «معمر بن عباد» وقد بعثه الرّشيد إلى مناظرة السمنى، وهو يدلّ على أنّ المعتزلة كانوا هم المتحمّسين للمناظرة بين أهل السنّة، وأمّا غيرهم فلا يملكون في مقام المناظرة سوى القول بأنّ البحث حرام.

هذا هو القاضي عبد الجبّار قد قام في وجوه الملحدين والشاكّين في إعجاز القرآن، فألّف كتابه «تنزيه القرآن عن المطاعن» و كتاباً آخر في نبوّة النّبيّ الأكرم صلَّى الله عليه و آله و سلَّم أسماه «تثبيت دلائل نبوّة سيّدنا محمّد صلَّى الله عليه و آله و سلَّم » قال محقّق كتاب «شرح الأُصول الخمسة» بأنّه أعدّه للطّبع.


1. البيان والتبيين: ج 1، ص 25.

2. المنية والامل: ص 20، ط توماارنلد.

3. المنية والامل: ص 21.


(435)

ونحن إذا قرأنا في حياتهم هذه البطولات الفكريّة و العمليّة، يشكل علينا قبول ما نسبه إليهم أعداؤهم من المجون و الانحلال الأخلاقي.

لا أقول إنّ كلّ عالم معتزلي، عادل لا يعصي ولا يخطأ، غير أنّ الكلام في أنّ تنزيه طائفة خاصّة كالحنابلة و الأشاعرة، ورمى طائفة أُخرى بضدّه، ممّا لا يؤيّده الإنصاف، فلو قلنا إنّما حكمهم حكم سائر الطوائف الإسلاميّة حيث في كلّ طائفة ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخير(1) لكان أقرب إلى الواقع والحقيقة.

ولأجل إيقاف القارىء على بعض ما رميت به تلك الطائفة نذكر مايلي:

ما زلت آخذ روح الزقّ في لطف * و أستبيح دماً من غير مجروح

حتّى انثنيت ولي روحان في جسد * و الزق منطرح جسم بلا روح(2)

1 ـ روى ابن قتيبة أنّ النّظام كان يغدو على سكر و يروح على سكر و يبيت على حرائرها، ويدخل في الأدناس و يرتكب الفواحش والشائنات، وله في الشّراب شعر.

2 ـ نقل البغدادي عن كتاب «المضاحك» للجاحظ، أنّ المأمون ركب يوماً فرأى ثمامة سكران قد وقع على الطّين، فقال المأمون له: ألا تستحيي؟ قال: لا والله. قال: عليك لعنة الله. قال ثمامة: تترى ثمّ تترى(3).

3 ـ وذكر أيضاً أنّ أبا هاشم الجبّائي كان أفسق أهل زمانه و كان مصرّاً على شرب الخمر وقيل: إنّه مات في سكره حتّى قال فيه بعض المرجئة:

يعيب القول بالإرجاء حتّى * يرى بعض الرجاء من الجرائر

وأعظم من ذوي الارجاء جرماً * وعيديّ أصرّ على الكبائر(4)


1. اقتباس من قوله سبحانه : (فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات)(فاطر / 32).

2. تأويل مختلف الحديث: ص 18.

3. الفرق بين الفرق: ص 173.

4. المصدر السابق: ص 191.


(436)

يلاحظ عليه: أنّ ابن قتيبة والبغدادي تفرّدا في نقل هذه النّقول والنسب، وأمّا غيرهما من الأشاعرة فنزّهوا أقلامهم عن ذكرها، ولو كانت لهذه النّسب مسحة من الحقّ أو لمسة من الصّدق لما تورّعوا عن ذكرها، على أنّ من سبر كتاب «الفرق بين الفرق» للبغدادي يرى فيه قسوة عجيبة في حقّ الطّوائف الإسلاميّة لا سيّما المعتزلة.

وعلى ذلك، فما أحسن قول القائل إذا تمثّل به في حقّ هذه الطائفة:

حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه * فالكلّ أعداء له و خصوم

كضرائر الحسناء قلن لوجهها * حسداً و بغياً إنّه لدميم(1)

(ربّنا اغفر لنا ولإخواننا الّذين سَبَقُونا بالإيمان)(الحشر/10)

المعتزلة من القوّة إلى الضّعف

إنّ فكرة الاعتزال كانت فكرة بدائية، ونبتة غرسها واصل بن عطاء في أوائل القرن الثّاني، وأخذت تتكامل عن طريق تلاميذه و بعض زملائه كعمرو بن عبيد. وقد كان له تأثير في بدء ظهورها إلى أن استطاع أن يستجلب إليه بعض الخلفاء الأمويين المتأخّرين، كيزيد بن وليد بن عبدالملك (م126هـ)، ومروان بن محمّد بن مروان آخر خلفائهم (م132هـ)، حيث اشتهر أنّ الأخير كان يقول بخلق القرآن و نفي القدر(2).

ولمّا اندلعت نيران الثورات ضدّ الأمويين، وقضت على خلافة تلك الطغمة الأثيمة، لمع نجم المعتزلة في عصر أبي جعفر المنصور (136 ـ 158هـ) وقد عرفت في ترجمة عمرو بن عبيد وجود الصلة الوثيقة بينه و بين المنصور.

ولمّا هلك المنصور، أخذ المهدي ابنه زمام الحكم، ولم ير للمعتزلة في زمنه أيّ نشاط يذكر، خصوصاً أنّ المهدي كان شديداً على أصحاب الأهواء، حسب ما يقولون.


1. الشعر لأبي الأسود الدؤلي صاحب الامام أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ راجع ملحق ديوانه.

2. الكامل لابن الاثير: ج 4، ص 332 قال: «وكان مروان يلقب بالحمار، والجعدي لأنّه تعلم من الجعد بن درهم مذهبه في القول بخلق القرآن والقدر وغير ذلك.


(437)

روى الكشّي عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن يونس، عن هشام ... أنّه لمّا كان أيّام المهدي، شدّد على أصحاب الأهواء، وكتب له ابن المفضّل صنوف الفرق، صنفاً صنفاً، ثمّ قرأ الكتاب على النّاس، فقال يونس: «قد سمعت الكتاب يقرأ على النّاس على باب الذّهب بالمدينة، مرّة أُخرى بمدينة الوضّاح»(1).

وبما أنّ أهل الحديث كانوا يشكّلون الأكثريّة الساحقة، فيكون المراد من أصحاب الأهواء الّذين شدّد عليهم المهدي، غيرهم من سائر الفرق فيعمّ المعتزلة و المرجئة والمحكّمة والشيعة و غيرهم.

ولأجل ذلك لم ير أيّ نشاط للمعتزلة أيّامه، حتّى مضى المهدىُّ لسبيله، و جاء عصر الرّشيد (170 ـ 193هـ) فيحكي التّاريخ عن وجود نشاط لهم في أيّامه، حتّى انّه لم يوجد في عصره من يجادل السمنية غيرهم(2) ومع ذلك لم يكن الرّشيد يفسح المجال للمتكلّمين. يقول ابن المرتضى: «وكان الرّشيد نهى عن الكلام، وأمر بحبس المتكلّمين»(3).

نعم ابتسم الدّهر للمعتزلة أيّام المأمون، لأنّه كان متعطّشاً إلى العلم و التعقّل، والبحث والجدال، فنرى في عصره أنّ رجال المعتزلة يتّصلون ببلاطه، وكان لهم تأثير كبير في نفسيّته.

يقول الطّبري: «وفي هذه السّنة (212هـ) أظهر المأمون القول بخلق القرآن وتفضيل عليّ بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ وقال: هو أفضل النّاس بعد رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم وذلك في شهر ربيع الأوّل(4) و لمّا استفحلت دعوة المحدّثين إلى قدم القرآن و اشتدّ أمرهم كتب المأمون عام (218هـ) إلى إسحاق بن إبراهيم في امتحان القضاة و المحدّثين،


1. رجال الكشي: ترجمة هشام بن الحكم، الرقم 131، ص 227. ولعل هذا الكتاب أوّل كتاب أُلِّف في الملل والنحل بين المسلمين.

2. لاحظ: طبقات المعتزلة، لابن المرتضى، ص 55.

3. طبقات المعتزلة، لابن المرتضى، ص 56.

4. تاريخ الطبري: ج 7، ص 188، حوادث سنة 212.


(438)

وممّا جاء في تلك الرسالة:

فاجمع من بحضرتك من القضاة، و اقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين هذا إليك، فابدأ بامتحانهم فيما يقولون، و تكشيفهم عمّا يعتقدون في خلق الله القرآن و إحداثه، وأعلمهم أنّ أمير ألمؤمنين غير مستعين في عمله، ولا واثق فيما قلّده الله و استحفظه من أُمور رعيّته، بمن لا يوثق بدينه و خلوص توحيده و يقينه، فإذا أقرّوا بذلك و وافقوا أمير المؤمنين فيه، وكانوا على سبيل الهدى والنّجاة، فمرهم بنصّ من يحضرهم من الشّهود على الناس، ومسألتهم عن علمهم في القرآن، و ترك إثبات شهادة من لم يقرّ أنّه مخلوق محدث ولم يره، والامتناع من توقيعها عنده، واكتب إلى أمير المؤمنين بما يأتيك عن قضاة أهل عملك فى مسألتهم و الأمر لهم بمثل ذلك. ثمّ أشرف عليهم و تفقّد آثارهم حتّى لا تنفذ أحكام الله إلاّ بشهادة أهل البصائر في الدّين و الإخلاص للتّوحيد و اكتب إلى أمير المؤمنين بما يكون في ذلك إن شاء الله، و كتب في شهر ربيع الأوّل سنة (218هـ)»(1).

رسالة ثانية من المأمون في إشخاص سبعة نفر إليه

ثمّ إنّ المأمون كتب إلى إسحاق بن إبراهيم رئيس الشرطة في بغداد أن يشخص إليه سبعة نفر من المحدّثين. منهم:

1 ـ محمّد بن سعد كاتب الواقدي 2 ـ أبو مسلم، مستملي يزيد بن هارون 3ـيحيي بن معين 4 ـ زهير بن حرب أبو خثيمة 5 ـ إسماعيل بن داود 6 ـ إسماعيل بن أبي مسعود 7 ـ أحمد بن الدورقي، فامتحنهم المأمون و سألهم عن خلق القرآن، فأجابوا جميعاً أنّ القرآن مخلوق فأشخصهم إلى مدينة السّلام و أحضرهم إسحاق بن إبراهيم دارَه فشهّر أمرهم و قولهم بحضرة الفقهاء و المشايخ من أهل الحديث، فأقرّوا بمثل ما


1. تاريخ الطبري: ج 7 ص 197، حوادث سنة 218.


(439)

أجابوا به المأمون فخلّى سبيلهم. فقد فعل ذلك إسحاق بن إبراهيم بأمر المأمون.

رسالة ثالثة للمأمون إلى إسحاق بن إبراهيم

ثمّ إنّ المأمون كتب بعد ذلك إلى إسحاق بن إبراهيم رسالة مفصّلة و ممّا جاء فيه:

«وممّا بيّنه أمير المؤمنين برويّته و طالعه بفكره، فتبيّن عظيم خطره و جليل ما يرجع في الدّين من وكفه و ضرره، ما ينال المسلمون بينهم من القول في القرآن الّذي جعله الله إماماً لهم. و أثراً من رسول الله و صفيّه محمّد ـ صلّى الله عليه و آله ـ باقياً لهم و اشتباهه على كثير منهم حتّى حسن عندهم و تزيّن في عقولهم أن لا يكون مخلوقاً، فتعرّضوا لذلك لدفع خلق الله الّذي بان به عن خلقه، و تفرّد بجلالته من ابتداع الأشياء كلّها بحكمته، وأنشأها بقدرته، والتقدّم عليها بأوّليّته الّتي لا يبلغ أولاها ولا يدرك مداها، وكان كلّ شيء دونه خلقاً من خلقه و حدثاً هو المحدِث له، وإن كان القرآن ناطقاً به ودالاً عليه و قاطعاً للاختلاف فيه وضاهوا به قول النّصارى في ادّعائهم في عيسى بن مريم أنّه ليس بمخلوق إذ كان كلمة الله.

والله عزّوجلّ يقول: (إنّا جعلناه قرآناً عربيّاً) و تأويل ذلك أنّا خلقناه كما قال جلّ جلاله: (وجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسكنَ إليها) وقال: (وجَعَلْنا اللّيلَ لباساً و جَعَلْنا النّهارَ معاشاً)و (جَعَلْنا مِنَ الماءِ كلّ شيء حيّ) فسوّى عزّ وجلّ بين القرآن وبين هذه الخلائق الّتي ذكرها في شية الصّنعة و أخبر أنّه جاعله وحده فقال: (إنّه لقرآنٌ مجيدٌ* في لوح محفوظ)) فقال ذلك على إحاطة اللّوح بالقرآن ولا يحاط إلاّ بمخلوق، وقال لنبيّه : (لا تُحرِّك بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ) وقال: (مَا يَأتِيهم مِن ذِكْر مِن َربِّهِم مُحْدَث) و قال: (ومَن أَظْلَمُ ممّنِ افترى على اللّهِ كذباً أو كذَّب بآياتِه) و أخبر عن قوم ذمّهم بكذبهم أنّهم قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء، ثمّ أكذبهم على لسان رسوله فقال لرسوله: (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الكتابَ الّذي جاءَ بهِ موسى)فسمّى الله تعالى القرآن قرآناً


(440)

و ذكراً و إيماناً و نوراً و هدىً و مباركاً و عربياً و قصصاً فقال: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القُصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِليكَ هذا القرآن) و قال: (قُلْ لِئنِ اجْتَمَعَت الإنْسُ و الجنُّ على أَن يأْتُوا بِمِثلِ هذا القرآن لا يأَتُونَ بمثلهِ) و قال: (قُلْ فَأْتُوا بعشرِ سِوَر مَثْلهُ مُفْتَريات) وقال: (لا يَأْتيهِ الباطل مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ)فجعل له أوّلاً و آخراً، ودلّ عليه أنّه محدود مخلوق، وقد عظّم هؤلاء الجهلة بقولهم في القرآن الثلم في دينهم والحرج في أمانتهم، وسهّلوا السّبيل لعدوّ الإسلام، واعترفوا بالتّبديل والالحاد على قلوبهم حتّى عرّفوا و وصفوا خلق الله و فعله بالصّفة الّتي هي للّه وحده و شبّهوه به، والأشباه أولى بخلقه وليس يرى أمير المؤمنين لمن قال بهذه المقالة حظّاً في الدّين ولا نصيباً من الإيمان واليقين....إلى أن قال: فاقرأ على جعفر بن عيسى وعبدالرحمن بن إسحاق القاضي كتابَ أمير المؤمنين بما كتب به إليك و انصصهما عن علمهما في القرآن و أعلمهما أنّ أميرالمؤمنين لا يستعين على شيء من أُمور المسلمين إلاّ بمن و ثق بإخلاصه و توحيده، و أنّه لاتوحيد لمن لم يقرّ بأنّ القرآن مخلوق. فإن قالا: بقول أميرالمؤمنين في ذلك فتقدّم إليهما في امتحان من يحضر مجالسهما في الشّهادات على الحقوق و نصّهم عن قولهم في القرآن، فمن لمن يقل منهم إنّه مخلوق أبطلا شهادته ولم يقطعا حكماً بقوله و إن ثبت عفافه بالقصد والسّداد في أمره، وافعل ذلك بمن في سائر عملك من القضاة و أشرف عليهم إشرافاً يزيد الله به ذا البصيرة في بصيرته و يمنع المرتاب من إغفال دينه واكتب إلى أمير المؤمنين بما يكون منك في ذلك إن شاء الله»(1).

دعوة المحدّثين والقضاة لسماع كتاب الخليفة

ولما جاءت الرسالة الثالثة إلى إسحاق بن إبراهيم، أحضر لفيفاً من المحدّثين منهم 1ـ أبو حسّان الزيادي، 2ـ وبشر بن وليد الكندي، 3ـ وعليّ بن أبي مقاتل،


1. تاريخ الطبري: ج 7، ص 198 و 199و 200، حوادث سنة 218.


(441)

4ـوالفضل بن غانم، 5ـ والذيال بن الهيثم، 6ـ وسجّادة، 7ـ والقواريري، 8ـ وأحمد بن حنبل، 9ـوقتيبة، 10ـ وسعدويه الواسطي، 11ـ وعليّ بن الجعد، 12ـ وإسحاق بن أبي إسرائيل، 13ـ وابن الهرش، 14ـ وابن عليّة الأكبر، 15ـ ويحيى بن عبدالرحمان العمري، 16ـ وشيخاً آخر من ولد عمر بن الخطّاب، كان قاضي الرقّة، 17ـ وأبو نصر التمّار 18ـ وأبو معمر القطيعي، 19ـ ومحمّد بن حاتم بن ميمون، 20ـ ومحمّدبن نوح المضروب، 21ـ وابن الفرخان، 22ـ والنّضر بن شميل، 23ـ وابن عليّ بن عاصم، 24ـوأبو العوام البزاز، 25ـ وابن شجاع، 26ـ وعبدالرّحمان بن إسحاق.

فقرأ عليهم رسالة المأمون مرّتين حتّى فهموه، ثمّ سأل كلّ واحد عن رأيه في خلق القرآن.

فنجد في الأجوبة عيّاً و غباوة، لا يتطلّبون الحقّ. و إليك نصّ محاورة إسحاق مع بعض هؤلاء.

1 ـ إسحاق بن إبراهيم، مخاطباً بشر بن الوليد: ما تقول في القرآن؟

بشر: القرآن كلام الله.

إسحاق: لم أسألك عن هذا، أمخلوق هو، قال الله: (خالق كلّ شيء) ما القرآن شيء؟

بشر: هو شيء.

إسحاق: فمخلوق ؟

بشر: ليس بخالق.

إسحاق: ليس أسألك عن هذا، أمخلوق هو؟

بشر: ما أُحسن غير ما قلتُ لك، وقد استعهدت أمير المؤمنين أن لا أتكلّم فيه، وليس عندي غير ما قلت لك.

محاورته مع عليّ بن أبي مقاتل

إسحاق بن إبراهيم: القرآن مخلوق؟


(442)

عليّ بن أبي مقاتل: القرآن كلام الله.

إسحاق: لم أسألك عن هذا.

ابن أبي مقاتل: هو كلام الله.

محاورته مع أبي حسّان الزيادي

إسحاق: القرآن مخلوق هو؟

أبو حسّان: القرآن كلام الله، والله خالق كلّ شيء، وما دون الله مخلوق، وأمير المؤمنين إمامنا و بسببه سمعنا عامّة العلم، وقد سمع ما لم نسمع، وعلم ما لم نعلم، وقد قلّده الله أمرنا، فصار يقيم حجّنا وصلاتنا و نؤدّي إليه زكاة أموالنا، ونجاهد معه، ونرى إمامته إمامة، وإن أمرنا ائتمرنا، وإن نهانا انتهينا، وإن دعانا أجبنا.

إسحاق: القرآن مخلوق هو؟

أبو حسّان: (أعاد كلامه السابق).

إسحاق: إنّ هذه مقالة أمير المؤمنين.

أبو حسّان: قد تكون مقالة أمير المؤمنين و لا يأمر بها الناس ولا يدعوهم إليها، وإن أخبرتني أنّ أمير المؤمنين أمرك أن أقول، قلت ما أمرتني به، فإنّك الثقة المأمون عليه فيما أبلغتني عنه من شيء فإن أبلغتني عنه بشيء صرت إليه.

إسحاق: ما أمرني أن أبلغك شيئاً.

قال «علي بن أبي مقاتل: قد يكون قوله كاختلاف أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم في الفرائض و المواريث، ولم يحملوا النّاس عليها».

أبو حسّان: ما عندي إلاّ السّمع والطاعة، فمرني أئتمر.

إسحاق: ما أمرني أن آمرك و إنّما أمرني أن أمتحنك.

محاورته مع أحمد حنبل إسحاق: ما تقول في القرآن؟


(443)

أحمد: هو كلام الله.

إسحاق: أمخلوق هو؟

أحمد: هو كلام الله، لا أزيد عليها.

إسحاق: (قرأ عليه رقعة و فيها: أشهد أن لا إله إلاّ الله أحداً فرداً لم يكن قبله شيء ولا بعده شيء، ولا يشبهه شيء من خلقه في معنى من المعاني ولا وجه من الوجوه). فلمّا أتى إسحاق إلى قوله: «ليس كمثله شيء وهو السّميع البصير»(1)، وأمسك عن قوله: «لا يشبهه شيء، من خلقه في معنى من المعاني ولا وجه من الوجوه»، فاعترض عليه ابن البكاء الأصغر(2) فقال: أصلحك الله، إنّه (أحمد) يقول: سميع من اذن، بصير من عين.

فقال إسحاق: ما معنى قوله سميع بصير؟

أحمد: هو كما وصف نفسه.

إسحاق: فما معناه؟

أحمد: لا أدري، هو كما وصف نفسه.

ثمّ إنّ إسحاق دعا بهم رجلاً رجلاً، كلّهم يقولون: القرآن كلام الله إلاّ هؤلاء النفر: قتيبة وعبيد الله بن محمّد بن الحسن، وابن علية الأكبر، وابن البكاء، وعبدالمنعم بن إدريس، والمظفّر بن مرجا، ورجلاً ضريراً ليس من أهل الفقه ولا يعرف بشيء منه إلاّ أنّه دسّ في ذلك الموضع، ورجلاً من ولد عمر بن الخطّاب قاضي الرّقة، وابن الأحمر. فأمّا ابن البكاء الأكبر فإنّه قال: القرآن مجعول لقول الله تعالى: (إنّا جعلناه قرآناً عربيّاً) والقرآن محدث لقوله: (ما يأتيهم من ذكر من ربّهم محدث).

قال له إسحاق: فالمجعول مخلوق؟

قال: نعم.


1. سقط قوله: «ليس كمثله شيء وهو السميع البصير» من الرقعة التي نقلها ص200 و لكن نقله ص201.

2. في المصدر «أصغر» والصحيح ما أثبتناه.


(444)

قال إسحاق: فالقرآن مخلوق؟

قال: لا أقول مخلوق، ولكنّه مجعول، فكتب مقالته.

فلمّا فرغ من امتحان القوم و كتبت مقالاتهم رجلاً رجلاً و وجّهت إلى المأمون، فمكث القوم تسعة أيّام ثمّ دعا بهم وقد ورد كتاب المأمون جواب كتاب إسحاق بن إبراهيم في أمر هؤلاء.

الرسالة الرابعة للمأمون إلى إسحاق

كتب المأمون في جواب رسالته كتاباً مفصّلاً نأخذ منها مايلي:

«أمّا بعد فقد بلغ أمير المؤمنين كتابك، جوابَ كتابه كان إليك فيما ذهب إليه متصنّعة أهل القبلة و ملتمسو الرِّئاسة فيما ليسوا له بأهل من أهل الملّة من القول في القرآن و أمرك به أمير المؤمنين من امتحانهم و تكشيف أحوالهم و إحلالهم محالّهم».

ثمّ تكلّم المأمون في حقِّ الممتنعين عن الاعتراف بكون القرآن مخلوقاً و الرِّسالة مفصّلة(1) والملفَت للنّظر فيها أمران:

الأوّل: أمر المأمون رئيس الشّرطة بضرب عنق بشر بن الوليد، وإبراهيم المهدي إذا لم يتوبا بعد الاستتابة، وحمل الباقين موثّقين إلى عسكر أمير المؤمنين و تسليمهم إلى من يؤمن بتسليمهم إليه لينصّهم أمير المؤمنين، فإن لم يرجعوا و يتوبوا حملهم جميعاً على السّيف.

الثاني: تذكّر بعض أفعال الممتنعين بالاعتراف بخلق القرآن، بوجه يعرب أنّهم لم يكونوا أهل صلاح و فلاح، بل كانوا من مقترفي المعاصي نقتطف منها مايلي:

«وأمّا الذيّال بن الهيثم فأعلمه أنّه كان فى الطّعام الّذي كان يسرقه في الأنبار، وفيما يستوي عليه من أمر مدينة أمير المؤمنين أبي العبّاس ما يشغله و أنّه لو كان مقتفياً


1. لاحظ تاريخ الطبري 7: 202ـ 203.


(445)

آثار سلفه و سالكاً مناهجهم و مهتدياً سبيلهم لما خرج إلى الشرّك بعد إيمانه.

وأمّا أحمد بن حنبل و ما تكتب عنه فاعلمه أنّ أمير المؤمنين قد عرف فحوى تلك المقالة وسبيله فيها و استدلّ على جهله و آفته بها.

وأمّا الفضل بن غانم فأعلمه أنّه لم يخف على أمير المؤمنين ما كان منه بمصر، وما اكتسب من الأموال في أقلّ من سنة، وما شجر بينه و بين المطّلب بن عبدالله في ذلك، فإنّه من كان شأنُه شأنَه، وكانت رغبته في الدّنيا و الدِّرهم رغبته فليس بمستنكر أن يبيع إيمانه طمعاً فيهما و ايثاراً لعاجل نفعهما.

وأمّا الزّيادي فأعلمه أنّه كان منتحلاً، ولا أوّل دعيّ كان في الإسلام خولف فيه حكم رسول الله وكان جديراً أن يسلك مسلكه.

وأمّا الفضل بن الفرخان فأعلمه أنّه حاول بالقول الّذي قاله في القرآن أخذ الودائع الّتي أودعها إيّاه عبدالرّحمان بن إسحاق و غيره تربّصاً بمن استودعه و طمعاً في الاستكثار لما صار في يده ولا سبيل عليه عن تقادم عهده و تطاول الأيّام به.

وأمّا محمد بن حاتم وابن نوح والمعروف بأبي معمر فأعلمهم أنّهم مشاغيل بأكل الرّبا عن الوقوف على التوحيد، وإنّ أمير المؤمنين لو لم يستحلّ محاربتهم في الله ومجاهدتهم إلا لإربائهم و ما نزل به كتاب الله في أمثالهم لاستحلّ ذلك، فكيف بهم وقد جمعوا مع الإرباء شركاً و صاروا للنصارى مثلاً».

ثمّ وقّع في الوقيعة في كلّ واحد من الممتنعين ما يشمئزّ القلم من نقله، فلو كانت تلك النّسب على وجهها فويل لهم مما كسبت أيديهم من عظائم المحرّمات و ما كسبت قلوبهم من الشِّرك (1).

فلمّا وصل كتاب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم دعا القوم و قرأ عليهم كتاب المأمون، فأجاب القوم الممتنعون كلّهم، واعترفوا بأنّ القرآن مخلوق إلاّ أربعة نفر منهم


1. تاريخ الطبري: 7/ 203ـ 204.


(446)

أحمد بن حنبل، وسجادة، والقواريري، ومحمّد بن نوح المضروب، فأمر بهم إسحاق بن إبراهيم فشدّوا في الحديد. فلمّا كان من الغد دعا بهم جميعاً يساقون في الحديد فأعاد عليهم المحنة فأجابه سجادة إلى أنّ القرآن مخلوق فأمر باطلاق قيده و خلّى سبيله وأصرّ الآخرون على قولهم.

فلمّا كان من بعد الغد عاودهم أيضاً فأعاد عليهم القول، فأجاب القواريري إلى أنّ القرآن مخلوق فأمر بإطلاق قيده و خلّى سبيله، و أصرّ أحمد بن حنبل و محمّد بن نوح على قولهما ولم يرجعا فشدّا جميعاً في الحديد و وجِّها إلى طرسوس و كتب معهما كتاباً بإشخاصهما.

ثمّ لمّا اعترض على الرّاجعين من عقيدتهم برّروا عملهم بعمل عمّار بن ياسر حيث أكره على الشِّرك و قلبه مطمئنّ بالإيمان(1) و قد كُتب تأويلهم إلى المأمون، فلأجل ذلك ورد كتاب مأمون بأنّه قد فهم أمير المؤمنين ما أجاب القوم إليه، وأنّ بشر بن الوليد تأوّل الآية الّتي أنزل الله تعالى في عمّار بن ياسر وقد أخطأ التّأويل إنّما عني الله عزّوجلّ بهذه الآية من كان معتقد الإيمان مظهر الشرك، فأمّا من كان معتقد الشِّرك مظهر الإيمان فليس هذه له، فأشخصهم جميعاً إلى طرسوس ليقيموا بها إلى خروج أمير المؤمنين من بلاد الرّوم.

فأخذ إسحاق بن إبراهيم من القوم الكفلاء ليوافوا بالعسكر بطرسوس، فأشخص كلّ من ذكرنا أسماءهم، فلمّا صاروا إلى الرّقة بلغتهم وفاة المأمون، فأمر بهم عنبسة بن إسحاق ـ وهو والي الرقة ـ إلى أن يصيروا إلى الرقة، ثمّ أشخصهم إلى إسحاق بن إبراهيم بمدينة السّلام (بغداد) مع الرّسول المتوجّه بهم إلى أمير المؤمنين، فسلّمهم إليه فأمرهم إسحاق بلزوم منازلهم ثمّ رخّص لهم ذلك في الخروج(2).

وما ذكرناه هو خلاصة محنة أحمد و من كان على فكرته في زمن المأمون وليس فيه


1. إشارة الى قوله سبحانه (إلاّ من أكره وقلبه مطمئن بالايمان) (النمل / 106).

2. تاريخ الطبري: ج 7، ص 195 إلى 206 بتلخيص منّا.


(447)

إلاّ إشخاص أحمد و محمّد بن نوح موثّقين في الحديد إلى طرسوس و إشخاص غيرهما مطلقين، ولمّا بلغهم وفاة المأمون رجعوا من الرقّة ولم يسيروا إلى طرسوس.

هذا وقد ذكر القصّة اليعقوبي بصورة مختصرة و قال:

«وصار المأمون إلى دمشق سنة (218هـ) و امتحن النّاس في العدل والتّوحيد وكتب في إشخاص الفقهاء من العراق و غيرها فامتحنهم في خلق القرآن و أكفر من امتنع أن يقول ـ : القرآن غير مخلوق، وكتب أن لا تقبل شهادته، فقال كلّ بذلك إلاّ نفراً يسيراً»(1).

هذا تفصيل المحنة أيّام المأمون، وأمّا ما وقع في أيّام الخليفتين: المعتصم والواثق، فسيوافيك بيانه بعد تعليقتنا.

تعليق على محنة خلق القرآن

إنّ هنا أُموراً لا بدّ من الإلفات إليها:

1 ـ لم يظهر من كتب الخليفة إلى صاحب الشّرطة وجه إصراره على أخذ الاعتراف من المحدِّثين بخلق القرآن. فهل كان الحافز إخلاصه للتوحيد، وصموده أمام الشِّرك، أو كان هناك مرمى آخر لإثارة هذه المباحث، حتّى ينصرف المفكِّرون بسبب الاشتغال بهذه المباحث عن نقد أفعالهم و انحرافاتهم، وبالتّالي إيقاف الثّورة أو إضمارها. فإنّ القلوب إذا اشتغلت بشيء، منعت عن الاشتغال بشيء آخر.

2 ـ لو كانت الرِّسالة مكتوبة بيد الخليفة أو باملائه، فهي تحكي عن عمق تفكيره في المباحث الكلاميّة، وإحاطته بأكثر الايات وقد جاء في المقام بأسدِّ الدّلائل و أتقنها، حيث استدلّ تارة بتعلّق الجعل بالقرآن، وأُخرى باحاطة اللّوح المحفوظ به، ولا يحاط إلاّ بمخلوق، وثالثة بتوصيفه بـ «محدث»، و رابعة بتوصيفه بصفات كلّها صفات


1. تاريخ اليعقوبي: ج 2، ص 468، ط دار صادر.


(448)

المخلوق من تعلّق النّزول به ونهي النّبي عن العجلة بقراءته، والدّعوة إلى الاتيان بمثله، وأنّ له أماماً و خلفاً، إلى غير ذلك.

3 ـ إنّ الرِّسالة كشفت القناع عن السّبب الّذي أدخل هذه المسألة في أوساط المسلمين، وقال: «إنّ القائلين بقدم القرآن يضاهئون قول النّصارى في أنّ المسيح كلمة وليس بمخلوق»، وهو يعرب عن أنّ الفكرة دخلت إلى أوساط المسلمين بسبب احتكاك المسلمين بهم. وما يقال من أنّ اليهود هم المصدر لدخول هذه الفكرة بينهم غير تامّ والمأمون أعرف بمصدر هذه الفكرة.

4 ـ لو صحّ ما ذكره الطّبري من صورة المحاورة الّتي دارت بين رئيس الشّرطة والمحدِّثين، فإنّه يكشف عن جمود المجيبين و عيّهم في الجواب، فإنّهم اتّفقوا على أنّ القرآن ليس بخالق، ولكنّهم امتنعوا عن الاعتراف بأنّه مخلوق، وبالتّالي جعلوا واسطة بين الخالق والمخلوق أو بين النّفي والاثبات، وهو كما ترى.

ولو كان عذرهم في عدم الاعتراف بأنّ القرآن مخلوق، هو الخوف من أن يكون هذا الاعتراف ذريعة للملاحدة حتّى ينسبوا إلى المسلمين بأنّهم يقولون إنّ القرآن مخلوق أي مختلق و مزوّر أو مخلوق للبشر، فيمكن التخلّص منه بالتّصريح بأنّه مخلوق لله سبحانه لاغير، والله هو خالقه و جاعله ليس غير.

5 ـ لا شكّ أنّ عمل الخليفة كان أشبه بعمل محاكم التّفتيش في القرون الوسطى حيث كان البابا والبطارقة والقساوسة، يتحرّون عقائد الناس لا سيّما المكتشفين أمثال غاليلو، وكان ذلك و صمة عار على حياة الخليفة و بالتّالي على المعتزلة الّذين كان الخليفة يلعب بحبالهم، ويلحقهم وزر أعماله، وما يترك في المجتمع من ردّ فعل سيّىء. ومن المعلوم أنّ أخذ الاعتراف بكون القرآن مخلوقاً في جوّ رهيب، لا يوافق تعاليم المعتزلة، كما لا يوافق تعاليم الإسلام، على أنّه لا قيمة لهذا الاعتراف عند العقل و النّقل فكيف رضي القوم بهذا العمل.

6 ـ العجب من تلوّن الخليفة في قضائه في حقّ الممتنعين عن الاعتراف بخلق


(449)

القرآن، فيرى أنّ بشر بن الوليد، وإبراهيم المهدي مستحقّان لضرب العنق إذا استتيبا ولم يتوبا، والباقين مستحقّون للإشخاص إلى عسكره، مع أنّ الجرم واحد، والكلّ كانوا محدِّثين فهماء، ولم يكن الأوّلان قائدي الشرك، والباقون مقتفيه. فلو كان القول بعدم خلق القرآن أو قدمه موجباً للردّة والرجوع إلى الشرّك فالحكم الإلهي هو القتل وإلاّ فلا، وهذا يعرب عن أنّ جهاز القضاء كان أداة طيّعة بأيدي الخلفاء، يستغلّونه حسب أهوائهم.

7 ـ إنّ محنة القائلين بعدم خلق القرآن، تمّت في زمن الخليفة المأمون بالإشخاص والإبعاد من دار السّلام إلى طرسوس. غير أنّ التأريخ يذكر إشخاص اثنين موثّقين إلى عسكر الخليفة، وإشخاص الباقين بلا قيود ولا ضرب ولا قتل إلى الخليفة. ولم يحدّث التاريخ هنا عن ضرب وقتل.

ولكنّ المحنة لم تنته بموت المأمون، بل استمرّت في خلافة أخيه المعتصم، فالواثق ابنه ولكن بصورة سيّئة، حدث عنها التّاريخ.

قضى المأمون نحبه وجاء بعده أخوه المعتصم (218 ـ 227هـ) فضيّق الأمر على القائلين بعدم خلق القرآن.

يقول اليعقوبي: «وامتحن المعتصم أحمد بن حنبل في خلق القرآن، فقال أحمد: أنا رجل علمت علماً ولم أعلم فيه بهذا، فأحضر له الفقهاء و ناظره عبدالرّحمان بن إسحاق و غيره، فامتنع أن يقول إنّ القرآن مخلوق، فضرب عدّة سياط. فقال إسحاق بن إبراهيم: ولِّني يا أمير المؤمنين مناظرته فقال: شأنك به.

إسحاق بن ابراهيم: هذا العلم الّذي علمته نزل به عليك ملك أو علمته من الرجال؟

ابن حنبل: علمته من الرِّجال.

إسحاق: علمته شيئاً بعد شيء أو جملة؟

ابن حنبل: علمته شيئاً بعد شيء.


(450)

إسحاق: فبقي عليك شيء لم تعلمه؟

ابن حنبل: بقي عليّ.

إسحاق: فهذا ممّا لم تعلمه وقد علّمكه أمير المؤمنين.

ابن حنبل: فإنّي أقول بقول أمير المؤمنين.

إسحاق: في خلق القرآن؟

ابن حنبل: في خلق القرآن.

فأشهد عليه وخلع عليه و أطلقه إلى منزله(1).

هذا ما كتبه ذلك المؤرخ المتوفّى (عام 290هـ).

وأمّا الطبري فلم يذكر في حياة المعتصم ما يرجع إلى مسألة خلق القرآن.

وقال المسعودي: «وفيها (سنة 219هـ) ضرب المعتصم أحمد بن حنبل ثمانية وثلاثين سوطاً ليقول بخلق القرآن»(2).

نعم ذكر الجزري في كامله في حوادث سنة (219هـ) و قال: «وفيها أحضر المعتصم أحمد بن حنبل و امتحنه بالقرآن، فلم يجب إلى القول بخلقه، فأمر به فجلد جلداً عظيماً حتّى غاب عقله و تقطّع جلده و حبس مقيّداً»(3).

وروى الجاحظ أنّه لم يكن في مجلس الامتحان ضيق، ولا كانت حاله حالاً مؤيساً، ولا كان مثقّلاً بالحديد، ولا خلع قلبه بشدّة الوعيد، ولقد كان ينازع بألين الكلام ويجيب بأغلظ الجواب و يرزنون و يخفّ و يحلمون و يطيش»(4).

هذا ولكن المتحيّزين إلى الحنابلة يذكرون المحنة بشكل فظيع. هذا أبو زهرة قد لخّص مقالهم بقوله:

«وقد تبيّن أنّ أحمد بن حنبل كان مقيّداً مسوقاً عند ما مات المأمون، فأُعيد إلى


1. تاريخ اليعقوبي: ج 2، ص 472.

2. مروج الذهب: 3/464 ط دار الاندلس.

3. الكامل، ج 5، ص 233.

4. الفصول المختارة على هامش الكامل للمبرد: ج 2، ص 139.


(451)

السجن ببغداد حتّى يصدر في شأنه أمر، ثمّ سيق إلى المعتصم و اتّخذت معه ذرايع الاغراء و الارهاب، فما أجدى في حمله ترغيب و لا ترهيب، فلمّـا لم يجد القول رغباً و رهباً، نفّذوا الوعيد فأخذوا يضربونه بالسياط، المرّة بعد الأُخرى، ولم يترك في كلِّ مرّة حتّى يغمى عليه و ينخس بالسيف فلا يحسّ. فتكرّر ذلك مع حبسه نحواً من ثمانية وعشرين شهراً فلمّا استيأسوا منه و ثارت في نفوسهم بعض نوازع الرّحمة أطلقوا سراحه وأعادوه إلى بيته وقد أثخنه الجراح و أثقله الضّرب المبرح المتوالي والالقاء في غيابات السِّجن»(1).

وليس لما ذكره أبو زهرة مصدر سوى «مناقب الامام أحمد بن حنبل» للحافظ أبي الفرج عبدالرّحمان بن الجوزي ومن تبعه مثل الحافظ ابن كثير في «البداية و النهاية»(2).

والنّاظر في هذين الكتابين يرى تحيّزهما لأحمد بن حنبل و أنّهما يريدان نحت الفضائل له و عند ما قصرت أيديهما عنها لجأوا إلى المنامات، فلا يمكن الاعتماد عليهما فيما يرويان من التّفاصيل في هذه المحنة. وقد عرفت التضارب في التاريخ بين قائل بأنّ أحمد رجع عن رأيه أثناء الضّرب كاليعقوبي، وقائل بأنّه بقي على إنكاره.

محنة خلق القرآن والواثق

قضى المعتصم نحبه و خلفه ابنه الواثق (223 ـ 227هـ)(3) وكان للمعتزلة في عصره قوّة و قدرة و نشاط و سيطرة.

قال اليعقوبي: «وامتحن الواثق النّاس في خلق القرآن فكتب إلى القضاة أن يفعلوا ذلك في سائر البلدان و أن لا يجيزوا إلاّ شهادة من قال بالتوحيد، فحبس بهذا السبب عالماً كثيراً»(4).


1. ابن حنبل ـ حياته وعصره ـ أبو زهرة، ص 65.

2. البداية والنهاية، ج 10، ص 230 الى 343.

3. البداية والنهاية: ج 10، ص 297.

4. تاريخ اليعقوبي: ج 2، ص 482.


(452)

يقول الحافظ ابن كثير:

«وأمر الواثق بامتحان الأسارى الّذين فودوا من أسر الفرنج، بالقول بخلق القرآن و أنّ الله لا يرى في الآخرة، فمن أجاب إلى القول بخلق القرآن وأنّ الله لا يرى في الآخرة فودى و إلاّ ترك في أيدي الكفّار. وهذه بدعة صلعاء، شنعاء، عمياء، صمّاء لا مستند لها من كتاب ولا سنّة ولا عقل صحيح»(1).

ولكن تحيّز ابن كثير للحنابلة و أصحاب القول بعدم خلق القرآن واضح في كتابه. فالاعتماد على ما ينقل من المحنة في حقِّ الحنابلة إن لم تؤيّده سائر الآثار مشكل، وبما أنّ في الكتاب، مغالاة في الفضائل، و محاولة لجعله اسطورة في التّأريخ بنقول مختلفة، نكتفي بما يذكره الطبري في المقام.

يقول: «إنّ مالك بن هيثم الخزاعي كان أحد نقباء بني العبّاس، وكان حفيده أحمد بن نصر بن مالك، يغشاه أصحاب الحديث كيحيى بن معين و ابن الدورقي و ابن خيثمة، وكان يظهر المباينة لمن يقول: القرآن مخلوق، مع منزلة أبيه من السّلطان في دولة بني العبّاس، ويبسط لسانه فيمن يقول ذلك مع غلظة الواثق على من يقول ذلك. فحرّك أصحاب الحديث و كلّ من ينكر القول بخلق القرآن أحمد بن نصر و حملوه على الحركة لانكار القول بخلق القرآن، والغاية من هذه الحركة، الثورة في بغداد على الخليفة الواثق، وخلعه من الخلافة، غير أنّ هذه المحاولة فشلت فأخذوا و حملوا إلى سامراء، الّتي كانت مقرّاً للواثق، فحضر القوم واجتمعوا عنده، فلمّا اُتي بأحمد بن نصر قال له: ياأحمد ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله، قال أفمخلوق هو؟ قال: هو كلام الله، قال:فما تقول في ربِّك أتراه يوم القيامة؟ قال: يا أمير المؤمنين جاءت الآثار عن رسول الله أنّه قال: ترون ربّكم يوم القيامة كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته، فنحن على الخبر.

فقال الواثق لمن حوله: ما تقولون فيه؟ فقال عبدالرحمان بن إسحاق: يا أمير


1. البداية والنهاية: ج 10، ص 307.


(453)

المؤمنين هو حلال الدم. وقال ابن أبي دؤاد: يا أمير المؤمنين، كافر يستتاب لعلّ به عاهة، أو تغيّر عقليّ، فقال الواثق، إذا رأيتموني قد قمت إليه فلا يقومنّ أحد معي، فإنّي أحتسب خطاي إليه، ودعا بالصمصامة، سيف عمرو بن معديكرب، فمشى إليه وهو في وسط الدّار، ودعا بنطع فصير في وسطه حبل فشدّ رأسه، ومدّ الحبل، فضربه الواثق ضربة، فوقعت على حبل العاتق، ثمّ ضربه أُخرى على رأسه، ثمّ انتضى سيما الدمشقي سيفه، فضرب عنقه و حزّ رأسه»(1).

هذه خلاصة القصّة. ومن المعلوم أنّ هذه القسوة من الخليفة كانت مبرّرة عنده، لا لأجل قوله بخلق القرآن و رؤية الله، بل لما قام به من الثّورة عليه.

ويقول أيضاً: «أمر الواثق بامتحان أهل الثّغور في القرآن، فقالوا بخلقه جميعاً إلاّ أربعة نفر، فأمر الواثق بضرب أعناقهم إن لم يقولوه»(2).

وقام الواثق بنفس العمل الّذي قام به أبوه في امتحان أسرى المسلمين، فمن قال إنّ القرآن مخلوق فودي به، ومن أبى ذلك ترك في أيدي الرّوم و أمر لطالب بخمسة آلاف درهم، وأمر أن يعطوا جميع من قال إنّ القرآن مخلوق ممن فودي به ديناراً لكلِّ إنسان من مال حمل معهم(3).

وكانت المحنة مستمرّة، والضيق على أصحاب القول بعدم خلق القرآن متواصلاً إلى أن وافاه الأجل ومات الواثق عام 232.

وقد اتّفقت كلمة أهل السّير على أنّ الخلفاء كانوا يلعبون بحبال عدّة من المعتزلة الّذين كسبوا منزلة عظيمة لدى الخلفاء، وهم ثمامة بن أشرس و أحمد بن أبي دؤاد الزيّات و غيرهم. وبموت الخليفة و تسنّم ابنه المتوكّل على الخلافة، غاب نجم المعتزلة و انحدروا من الأوج إلى الحضيض و من العزِّ إلى الذّلّة، وإليك هذا القسم من التّاريخ.


1. تاريخ الطبري: ج 7، حوادث سنة 231، ص 328، 329.

2. المصدر السابق: ص 331.

3. المصدر السابق: ص 332.

Website Security Test