welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : الملل والنحل/ج3 (الماتريديّة، والمرجئية، ...)*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الملل والنحل/ج3 (الماتريديّة، والمرجئية، ...)

(392)

الأصل الثّالث

الوعد والوعيد

هذا هو الأصل الثّالث من الاُصول الّتي بني عليها الاعتزال، والمراد من الوعد هو المدح والثّواب على الطّاعات، و من الوعيد الذّمّ والعقاب على المعاصي.

والمسائل المبتنية على الوعد والوعيد في الكتاب والسنّة والعقل كثيرة طرحها المتكلِّمون و المفسِّرون في كتبهم الكلاميّة والتفسيريّة. وليست المعتزلة متفرِّدة بالرأي في هذه المسائل وإنّما تفرّدوا في بعض الفروع و لأجل ذلك نذكر عناوين المسائل الكليّة، ثمّ نركِّز على متفرِّدات المعتزلة، وإليك البيان:

1 ـ الكلام في المستحَقّ بالأفعال (الطّاعة والعصيان) فهو إمّا المدح والذّمّ، أو الثّواب والعقاب.

2 ـ الكلام في الشروط الّتي معها تستحقّ هذه الأحكام.

3 ـ هل الثّواب على وجه التفضّل كما هو المشهور لدى الشّيعة و جماعة من أهل السنّة، أو من باب الاستحقاق، كما هو المشهور لدى معتزلة البصرة؟

4 ـ هل استحقاق العقاب عقليّ و سمعيّ، أو سمعيّ فقط؟

5 ـ هل الطّاعات مؤثِّرة في سقوط العقاب، والمعاصي مؤثِّرة في سقوط الثّواب، فيعبّر عن الأوّل بالتّكفير، وعن الثاني بالإحباط؟

6 ـ تقسيم المعاصي إلى الكبائر والصّغائر.


(393)

هذه هي المسائل الّتي اختلفت فيها كلمة المتكلّمين من غير فرق بين المعتزليّ وغيره ولا نركّز البحث على هذه المسائل، وإنّما نبحث في المسائل الآتية الّتي تعدّ من متفرّدات المعتزلة.

أ ـ هل يحسن من الله تعالى عقلاً أن يعفو عن العصاة و أن لا يعاقبهم إذا ماتو بلا توبة، أو إنّه ليس له إسقاطه؟

ب ـ هل الفاسق (مرتكب الكبائر) مخلّد في العذاب أو لا؟ سواء أكان العذاب بالنّار أم بغيرها.

ج ـ إذا كان التّخليد في العذاب أمراً محقّقا، فما معنى الشّفاعة الّتي تضافر عليها الكتاب والسنّة المفسّرة بخروج الفسّاق من النّار بشفاعة الرّسول و غيره؟

د ـ هل القائلون بجواز العفو أو عدم الخلود مرجئة أم راجية؟

هـ ـ هل الطّاعات مؤثِّرة في سقوط العقاب، والمعاصي مؤثرة في سقوط الثّواب؟

هذه هي المسائل الّتي تفرّدت بها المعتزلة، واشتركت معهم فئة الخوارج في تخليد الفسّاق في العذاب، لقولهم بكفر المرتكب للكبيرة، وهذا الأصل ـ أي الوعد والوعيد ـ رمز إلى هذه المسائل الخمس الأخيرة.

أ ـ هل يحسن العفو عن العصاة من الله أو لا؟

اختلفت مدارس الاعتزال فيها، فالبصريّون و منهم القاضي عبدالجبّار على الجواز، والبغداديّون على المنع، حتّى قالوا: يجب عليه أن يعاقب المستحقّ للعقوبة، ولا يجوز أن يعفو عنه، حتّى صار العقاب عندهم أعلى حالاً في الوجوب من الثّواب. فإنّ الثّواب عندهم لا يجب إلاّ من حيث الجود. وليس هذا قولهم في العقاب فإنّه يجب فعله على كلِّ حال.


(394)

احتجّ القاضي على الجواز بأنّ العقاب حقّ الله تعالى على العبد، وليس في إسقاطه إسقاط حقّ ليس من توابعه، وإليه استبقاؤه فله إسقاطه، كالدّين فإنّه لمّا كان حقّاً لصاحب الدّين خالصا، ولم يتضمّن إسقاط حقّ ليس من توابعه وكان إليه استبقاؤه، كان له أن يسقط كما أنّ له أن يستوفيه.

استدلّ البغداديّون بوجوه:

الأوّل: إنّ العقاب لطف من جهة الله تعالى واللُّطف يجب أن يكون مفعولاً بالمكلّف على أبلغ الوجوه، ولن يكون كذلك إلاّ والعقاب واجب على الله تعالى. فمعلوم أنّ المكلّف متى علم أنّه يفعل به ما يستحقّه من العقوبة على كلِّ وجه، كان أقرب إلى أداء الواجبات و اجتناب الكبائر(1).

يلاحظ عليه: أنّ اللُّطف عبارة عمّا يقرِّب الإنسان من الطّاعة و يبعِّده عن المعصية، وهذا لا يتصوّر إلاّ في دار التّكليف لا دار الجزاء، ففي الاُولى العمل والسّعي، وفي الاُخرى الحساب والاجتناء.

وأمّا ما ذكروه أخيراً من أنّه لو علم المكلّف أنّه يفعل به ما يستحقّه من العقوبة على كلِّ وجه كان أقرب إلى أداء الواجبات و اجتناب الكبائر فيلاحظ عليه: أنّه لو تمّ لوجب سدّ باب التّوبة، لإمكان أن يقال إنّ المكلّف لو علم أنّه لا تقبل توبته، كان أقرب إلى الطّاعة، وأبعد من المعصية.

أضف إلى ذلك إنّ للرجاء آثاراً بنّاءة في حياة الإنسان، ولليأس آثاراً سلبيّة في الادامة على الموبقات، ولأجل ذلك يشتمل الذِّكر الحكيم على آيات التّرغيب كما يشتمل على آيات التّرهيب.

وأخيراً نقول: إنّ القول بجواز العفو، غير القول بحتميّته. و الأثر السّلبي ـ لو سلّمنا ـ يترتّب على الثاني دون الأوّل، والكلام في جواز العفو لا في وجوبه و حتميّته.


1. شرح الاُصول الخمسة: ص 646 و 647.


(395)

الثّاني: مانقله عنهم العلاّمة الدوّاني في (شرح العقائد)، قال: «المعتزلة والخوارج أوجبوا عقاب صاحب الكبيرة إذا مات بلا توبة، و حرّموا عليه العفو. واستدلّوا عليه بأنّ الله أوعد مرتكب الكبيرة بالعقاب، فلو لم يعاقب لزم الخلف في وعده والكذب في خبره، وهما محالان»(1).

واُجيب عنه بأنّ الوعد والوعيد مشروطان بقيود و شروط معلومة من النّصوص، فيجوز التخلّف بسبب انتفاء بعض تلك الشّروط(2).

وربّما اُجيب بوجه آخر وهو أنّ الخلف في الوعيد جائز على الله تعالى و إن كان لا يجوز أن يخلف الوعد. وروي عن أنس بن مالك أنّ رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم قال: «من وعده الله على عمله ثواباً فهو منجز له، ومن أوعده على عمله عقاباً فهو في الخيار»(3).

وروي أنّ عمرو بن عبيد (رئيس المعتزلة بعد واصل) جاء إلى أبي عمرو بن العلاء وقال: يا أبا عمرو، يخلف الله ما وعده؟ قال: لا. قال: أفرأيت من أوعده الله على عمل عقاباً، أيخلف الله وعيده فيه؟ فقال أبو عمرو: من العجمة أتيت يا أبا عثمان، إنّ الوعد غير الوعيد. إنّ العرب لا يَعدّ عيباً ولا خلفاً، أن يعد شرّاً ثمّ لم يفعل، بل يرى ذلك كرماً و فضلاً، وإنّما الخلف أن يعد خيراً ثمّ لم يفعل. قال (عمرو بن عبيد) فأوجدني هذا العرب. قال:نعم، أما سمعت قول الشاعر:

وإنّي إذا أوعدتـه أو وعدتـه * لمخلف إيعادي و منجز موعدي

وذكر الشاعر الآخر:

إذا وعد السرّاء أنجز وعده * وإن أوعد الضرّاء فالعفو مانع(4)


1. شرح العقائد العضدية: ج 2 ص 194 ـ 198. المطبوع مع حاشية اسماعيل الكلنبوي عام 1319 في الاستانة.

2. شرح العقائد العضدية: ج 2 ص 194 ـ 198. المطبوع مع حاشية اسماعيل الكلنبوي عام 1319 في الاستانة.

3. شرح العقائد العضدية ج 2 ص 194 ـ 199 والمتن للقاضي الايجي (المتوفى عام 756) والشرح لجلال الدين الدواني (المتوفى عام 908، أو 909هـ) طبعا مع حواشي الشيخ اسماعيل الكلنبوي المتوفى (عام 1205هـ) في استنبول (عام 1317هـ).

4. المعتزلة: ص 157، والظاهر منه أنّه نقله عن الجويني في كتابه «الارشاد الى قواطع الأدلّة إلى صحيح الاعتقاد».


(396)

يلاحظ على الجواب الأوّل أنّه احتمال محض يثبت به الامكان لا الوقوع، ويرتفع به الاستحالة. ولعلّ الغاية هي اثبات الامكان.

وأمّا الجواب الثّاني فظاهره أشبه بالبحث اللّفظي و الأدبي، مع أنّ المسألة عقليّة، ولعلّ المجيب يريد شيئاً آخر أشار إليه شيخنا المفيد في كتاب «العيون والمحاسن» وهو التّفصيل بين الوعد والوعيد، وأنّ الخلف في الأوّل قبيح عقلاً والخلف في الثّاني ليس بقبيح عقلاً. والدّليل على ذلك أنّ كلّ عاقل يستحسن العفو بعد الوعيد في ظروف خاصّة، ولا يعلِّقون بصاحبه ذمّاً. فلو كان العفو من الله تعالى مع الوعيد قبيحاً، يجب أن يكون كذلك عند كلِّ عاقل.

ولعلّ وجه ذلك أنّ الخلف في الوعد إسقاط لحقّ الغير و إمساك عن أداء ما عليه من الحقّ، وأمّا الوعيد فإنّ م آل الخلف إلى إسقاط حقّ نفسه، ومثل ذلك يعدّ مستحسناً لا قبيحاً إذا وقع الخلف في موقعه.

الثالث : إنّ في جواز ذلك إغراء للمكلّف بفعل القبيح اتّكالاً منه على عفو الله، فالعقاب ضروري، لأنّه زاجر عن ارتكاب القبائح، كما أنّ في العفو تسوية بين المطيع والعاصي و ذلك ما لا يتّفق مع العدل(1).

يلاحظ عليه: أنّ الاغراء لازم القول بالعفو قطعاً كما عليه المرجئة، لا القول به احتمالاً كما عليه الراجئة، ولو صحّ ما ذكر، لبطل الوعد بالتّوبة والشفاعة، وأمّا حديث التّسوية، فهو يرتفع باثابة المطيع دون العاصي و إنّما يلزم بتسويتهما في الثواب أيضاً.

إلى هنا تمّ الكلام في المسألة الاُولى و ثبت أنّ العفو عن العصاة من المسلمين جائز. ولأجل ذلك يقول الصّدوق في تبيين عقائد الإماميّة:

اعتقادنا في الوعد والوعيد هو أنّ من وعده الله على عمل ثواباً فهو منجزه، ومن وعده على عمل عقاباً فهو بالخيار إن عذّبه فبعدله، وإن عفا عنه فبفضله (ومَا رَبُّكَ)


1. المعتزلة: ص 157، والظاهر منه أنّه نقله عن الجويني في كتابه «الارشاد الى قواطع الأدلّة إلى صحيح الاعتقاد».


(397)

بِظَلاّم لِلْعَبِيد)) وقال عزّوجلّ: (إنّ اللّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ و يَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)(1).

هذا هو موجز الكلام في المسألة الأولى، وإليك البحث في مسألة التّخليد.

ب ـ هل الفاسق مخلد في العذاب أو لا ؟

هذا هو البحث المهمّ في هذا الأصل، ويعدّ بيت القصيد في فروعه. لا شكّ أنّ الله تعالى أوعد المجرمين التّخليد في العذاب، فهل هو مختصّ بالمشركين والمنافقين أو يعمّ مرتكب الكبائر؟ ذهبت المعتزلة إلى عمومها و صار القول بالتّخليد شارة الاعتزال وسمته، وخالفوا في ذلك جمهور المسلمين. قال المفيد: «اتّفقت الإمامية على أنّ الوعيد بالخلود في النّار متوجّه إلى الكفّار خاصّة، دون مرتكبي الذنوب من أهل المعرفة بالله تعالى و الاقرار بفرائضه من أهل الصّلاة، و وافقهم على هذا القول كافّة المرجئة سوى محمّد بن شبيب و أصحاب الحديث قاطبة. وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك و زعموا أنّ الوعيد بالخلود في النّار عامّ في الكفّار، وجميع فسّاق أهل الصّلاة»(2).

ثمّ إنّ المعتزلة استدلّت على خلود الفاسق في النّار بالسّمع وهو عدّة آيات، استظهرت من إطلاقها أنّ الخلود يعمّ الكافر و المنافق والفاسق، و إليك هذه الآيات واحدة بعد الاُخرى:

الآية الأولى: قوله سبحانه: (وَ مَنْ يَعْصِ اللّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ) (النساء/14) (3).

ولا شكّ أنّ الفاسق ممّن عصى الله و رسوله بترك الفرائض و ارتكاب المعاصي.


1. أوائل المقالات: ص 14. والآيتان من سورتي فصّلت46 والنساء 48.

2. أوائل المقالات: ص 14.

3. وأمّا قوله سبحانه: (ومن يعص الله ورسوله فان له نار جهنم خالدين فيها) (الجن 23). فهو راجع الى الكفار، كما هو واضح لمن لاحظ آيات السورة.


(398)

يلاحظ عليه: أوّلاً : إنّ دلالة الآية على خلود الفاسق في النّار لا يتجاوز حدّ الاطلاق، والمطلق قابل للتّقييد، وقد خرج عن هذه الآية باتّفاق المسلمين، الفاسق التائب. فلو دلّ دليل هنا على أنّ المسلم الفاسق ربّما تشمله عناية الله و رحمته، ويخرج عن العذاب، لكان المطلق مقيّداً بقيد آخر وراء التّائب. فيبقى تحت الآية، المشرك والمنافق.

وثانياً: إنّ الموضوع في الآية ليس مطلق العصيان، بل العصيان المنضمّ إليه تعدّي حدود الله، ومن المحتمل جدّاً أنّ المراد من التعدّي هو رفض أحكامه سبحانه، وطردها، وعدم قبولها. كيف، وقد وردت الآية بعد بيان أحكام الفرائض.

يقول سبحانه: (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الاُنْثَيَيَنِ...)(النساء/11).

ويقول سبحانه: (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ...)(النساء/12).

ويقول سبحانه: (تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَ مَنْ يُطِعِ اللّهَ وَ رَسُولَهُ...)(النساء/13).

ثمّ يقول سبحانه: (وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ...)(النساء/14).

وقوله: (ويتعدّ حدوده) وإن لم يكن ظاهراً في رفض التّشريع، لكنّه يحتمله، بل ليس الحمل عليه بعيداً بشهادة الآيات الاُخرى الدالّة على شمول غفرانه لكلِّ ذنب دون الشّرك، أو شمول رحمته للناس على ظلمهم إلى غير ذلك من الآيات الواردة في حقّ الفاسق غير التائب كما سيوافيك.

يقول الطّبرسي ـ رحمه الله ـ : «إنّ قوله: (ويتعدّ حدوده) ظاهر في تعدّي جميع حدود الله، وهذه صفة الكفّار. ولأنّ صاحب الصّغيرة بلا خلاف خارج عن عموم الآية وإن كان فاعلاً للمعصية، ومتعدّياً حدّاً من حدود الله. وإذا جاز إخراجه بدليل، جاز لغيره أن يخرج من عمومها من يشفع له النّبي، أو يتفضّل الله عليه بالعفو، بدليل آخر. وأيضاً فإنّ التائب لا بدّ من إخراجه من عموم الآية لقيام الدّليل على وجوب قبول


(399)

التّوبة. وكذلك يجب إخراج من يتفضّل الله بإسقاط عقابه منها لقيام الدّلالة على جواز وقوع التفضّل بالعفو»(1).

الآية الثّانية: قوله سبحانه: (وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنَاً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا وَ غَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً)(النساء/93).

قال القاضي: «وجه الاستدلال هو أنّه تعالى بيّن أنّ من قتل مؤمناً عمداً جازاه، وعاقبه، وغضب عليه، ولعنه وأخلده في جهنّم»(2).

يلاحظ عليه أوّلاً : أنّ دلالة الآية بالاطلاق، فكما خرج منه القاتل الكافر إذا أسلم، والمسلم القاتل إذا تاب، فليكن كذلك من مات بلا توبة ولكن اقتضت الحكمة الالهيّة أن يتفضّل عليه بالعفو. فليس التّخصيص أمراً مشكلاً.

وثانياً: إنّ المحتمل أن يكون المراد القاتل المستحلّ لقتل المؤمن، أو قتله لإيمانه. وهذا غير بعيد لمن لاحظ سياق الآيات.

لاحظ قوله سبحانه: (سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَ يَأْمَنُوا قَومَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَ يُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَ يَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَ أُولئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً)(النساء/91).

ثمّ ذكر سبحانه بعد هذه الآية حكم قتل المؤمن خطأً و تعمّداً، وفي ضوء هذا يمكن أن يستظهر أنّ الآية ناظرة إلى القتل العمديّ الّذي يقوم به القاتل لعداء دينيّ لاغير، فيكون ناظراً إلى غير المسلم.

الآية الثّالثة: قوله سبحانه: (بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَ أَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولِئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)(البقرة/81).


1. مجمع البيان: ج 2، ص 20، طبعة صيدا.

2. شرح الاصول الخمسة: ص 659.


(400)

والاستدلال بهذه الآية إنّما يصحّ مع غضِّ النّظر عن سياقها، وأمّا مع النّظر إليه فإنّها واردة في حقِّ اليهود، أضف إليه أنّ قوله سبحانه: (وأحاطت به خطيئته)لايهدف إلاّ إلى الكافر، فإنّ المسلم المؤمن مهما كان عاصياً لا تحيط به خطيئة، ففي قلبهنقاط بيضاء يشعّ عليها إيمانه و اعتقاده بالله سبحانه و أنبيائه و كتبه على أنّ دلالة الآية بالاطلاق، فلو ثبت ما تقوله جمهرة المسلمين، يخرج الفاسق من الآية بالدّليل.

الآية الرابعة:قوله سبحانه:(إِنَّ المُجْرِمِينَ فِي عَذَاب جَهَنَّمَ خَالدُونَ* لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فَيْهِ مُبْلِسُون )* وما ظَلَمْنَاهُمْ ولكِنْ كَانُوا هُمُ الظّالمين)) (الزخرف/74 ـ 76).

إنّ دلالة الآية بالإطلاق فهي قابلة للتّقييد أوّلاً. وسياق الآية في حقِّ الكفّار ثانياً، بشهادة قوله سبحانه قبل هذه الآية : ( الَّذِينَ آمَنُوا بِ آيَاتِنَا وَ كَانُوا مُسْلِمِين) *ادخُلُوا الجَنَّةَ أَنْتُمْ وَ أَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ)) (الزخرف/69ـ 70).

ثمّ يقول : (إنّ المجرمين في عذاب جهنّم خالدون)» فـ «المجرمين» في مقابل «الّذين آمنوا» فلايعمّ المسلم.

هذه هي الآيات الّتي استدلّت بها المعتزلة على تخليد الفاسق في النّار. وقد عرفت أنّ دلالتها بالاطلاق لا بالصِّراحة، وتقييد المطلق أمر سهل، مثل تخصيص العام، مضافاً إلى انصراف أكثرها أو جميعها إلى الكافر والمنافق. وهناك آيات(1) أظهر ممّا سبق تدلّ على شمول الرّحمة الإلهيّة للفسّاق غير التّائبين، وإليك بيانها:

1 ـ قوله سبحانه: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ وَإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَة للنّاس عَلَى ظُلمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقَابِ)(الرعد/6).

قال الشريف المرتضى: «في هذه الآية دلالة على جواز المغفرة للمذنبين من أهل القبلة، لأنّه سبحانه دلّنا على أنّه يغفر لهم مع كونهم ظالمين. لأنّ قوله: (على ظلمهم)


1. كما تدلّ هذه الآيات على عدم الخلود في النار، تدلّ على جواز العفو عن الفاسق من بدء الأمر، وأنّه يعفى عنه ولا يعذّب من رأس، فهذا الصنف من الآيات كما تحتجُّ بها في هذه المسألة، تحتج بها في المسألة السالفة أيضاً فلاحظ.


(401)

إشارة إلى الحال الّتي يكونون عليها ظالمين، ويجري ذلك مجرى قول القائل: أنا أودّ فلاناً على غدره، وأصِلُه على هجره»(1).

وقد قرّر القاضي دلالة الآية و أجاب عنه بأنّ الأخذ بظاهر الآية ممّا لا يجوز بالاتّفاق، لأنّه يقتضي الاغراء على الظّلم، وذلك ممّا لا يجوز على الله تعالى، فلا بدّ من أن يؤوّل، وتأويله هو أنّه يغفر للظّالم على ظلمه إذا تاب(2).

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من الإشكال، جار في صورة التّوبة أيضاً، فإنّ الوعد بالمغفرة مع التّوبة يوجب تمادي العاصي في المعصية برجاء أنّه يتوب. فلو كان القول بعدم خلود المؤمن موجباً للاغراء، فليكن الوعد بالغفران مع التّوبة كذلك.

والّذي يدلّ على أنّ الحكم عامّ للتّائب و غيره هو التّعبير بلفظ «الناس» مكان «المؤمنين». فلو كان المراد هو التّائب لكان المناسب أن يقول سبحانه: «وإنّ ربّك لذو مغفرة للمؤمنين على ظلمهم» مكان قوله للناس. وهذا يدلّ على أنّ الحكم عامّ يعمّ التائب و غيره.

وفي الختام، إنّ الآية تعد المغفرة للنّاس ولا تذكر حدودها و شرائطها، فلا يصحّ عند العقل الاعتماد على هذا الوعد و ارتكاب الكبائر. فإنّه وعد إجماليّ غير مبيّن من حيث الشّروط و القيود.

2 ـ قوله سبحانه: (إِنَّ اللّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَ مَنْ يُشْرِك بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً)(النساء/48).

وجه الاستدلال بهذه الآية على أنّ رحمته تشمل غير التّائب من الذنوب، أنّه سبحانه نفى غفران الشِّرك دون غيره من الذٌّنوب، وبما أنّ الشرك يغفر مع التّوبة فتكون الجملتان ناظرتين إلى غير التائب، فمعنى قوله: «إنّ اللّهَ لا يغفِرُ أن يشركَ» أنّه لا يغفر إذا مات بلا توبة، كما أنّ معنى قوله: «و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء» أنّه يغفر ما دون


1. مجمع البيان: ج 3، ص 278.

2. شرح الاُصول الخمسة: ص 684.


(402)

الشِّرك من الذنوب بغير توبة لمن يشاء من المذنبين. ولو كانت سائر الذنوب مثل الشِّرك غير مغفورة إلاّ بالتّوبة، لما حسن التّفصيل بينهما، مع وضوح الآية في التّفصيل(1).

وقد أوضح القاضي دلالة الآية على ما يتبنّاه الجمهور بوجه رائع، ولكنّه تأثّراً بعقيدته الخاصّة في الفاسق قال: «إنّ الآية مجملة مفتقرة إلى البيان لأنّه قال: «و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء» ولم يبيِّن من الّذي يغفر له. فاحتمل أن يكون المراد به أصحاب الصغائر، واحتمل أن يكون المراد به أصحاب الكبائر. فسقط احتجاجهم بالآية(2).

أقول: عزب عن القاضي أنّ الآية مطلقة تعمّ كلا القسمين، فأيّ إجمال في الآية حتّى نتوقّف. والعجب أنّه يتمسّك بإطلاق الطّائفة الاُولى من الآيات، ولكنّه يتوقّف في إطلاق هذا الصِّنف.

نعم، دفعاً للاغراء، وقطعاً لعذر الجاهل، قيّد سبحانه غفرانه بقوله: «لمن يشاء» حتّى يصدّه عن الإرتماء في أحضان المعصية بحجّة أنّه سبحانه وعد له بالمغفرة.

ثمّ إنّ القاسم بن محمّد بن عليّ الزّيدي العلويّ المعتزلي تبع القاضي في تحديد مداليل هذه الآيات وقال: آيات الوعيد لا إجمال فيها، وهذه الآيات و نحوها مجملة فيجب حملها على قوله تعالى (وإني لغفّارٌ لمن تابَ و آمَنَ و عَمِلَ صَالحاً ثُمَّ اهْتَدى)(طه/82) ثمّ ساق بعض الآيات الواردة في غفران العباد في مجال التّوبة(3).

ويظهر النّظر في كلامه ممّا قدّمناه في نقد كلام القاضي فلا نعيد.

إلى غير ذلك من الآيات الّتي استدلّ بها جمهور المسلمين على شمول مغفرته سبحانه لعصاة المسلمين، وعدم تعذيبهم، أو إخراجهم من العذاب، بعد فترة خاصّة.

هذا، والبحث أشبه بالبحث التّفسيري منه بالكلامي. ومن أراد الاستقصاء في هذا المجال فعليه جمع الآيات الواردة حول الذّنوب والغفران، حتّى يتّضح الحال فيها، ويتّخذ موضعاً حاسماً بإزاء اختلافاتها الأوّليّة.


1. مجمع البيان: ج 2 ص 57 بتلخيص.

2. شرح الاُصول الخمسة: ص 678.

3. الأساس لعقائد الأكياس: ص 198.


(403)

ج ـ هل الشّفاعة للتائبين من المؤمنين أو للفسّاق منهم؟

إنّ هذه المسألة مبنيّة على المختار في المسألة السابقة، ولمّا كان المختار عند جمهور المسلمين جواز العفو عن الفاسق، أو عدم تخليده بعد تعذيبه مدّة، قالوا بأنّ الشّفاعة للفسّاق وأنّ شفاعة الشّفعاء تجلب عفوه سبحانه إليهم، فيعفو عنهم من بدء الأمر، أو بعد ما يعذِّبهم فترة.

وأمّا المعتزلة، فلمّا كان المختار عندهم في المسألة السابقة خلود الفاسق في العذاب، خصّوا الشّفاعة بالتّائبين من المؤمنين، وصار أثرها عندهم ترفيع المقام لا الانقاذ من العذاب، أو الخروج منه.

وهذه هي النّقطة الحسّاسة في الأبحاث الكلاميّة الّتي لها صلة بكتاب الله و سنّته. فالمعتزلة في المقام أوّلوا صريح القرآن و الروايات وقالوا: إنّ شفاعة الفسّاق الّذين ماتوا على الفسوق ولم يتوبوا، يتنزّل منزلة الشّفاعة لمن قتل ولد الغير و ترصّد للآخر حتّى يقتله;، فكما أنّ ذلك يقبح فكذلك هيهنا(1).

والخطأ في تفسير آيات الشّفاعة، و رفض الروايات المتواترة، حدث من الخطأ في المسألة السّابقة. وهكذا شيمة الخطأ و خاصّته فلا يقف عند حد، قال أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ : «ألا و إنّ الخطايا خيل شمس، حمل عليها أهلها، و خلعت لجمها»(2).

وما ذكره القاضي غفلة عن شروط الشّفاعة، المحرّرة في محلِّها، فإنّ بعض الذّنوب الكبيرة ربّما تقطع العلائق الإيمانيّة بالله سبحانه، كما تقطع الأواصر الروحيّة مع النّبي الأكرم صلَّى الله عليه و آله و سلَّم فأمثال هؤلاء العصاة لا تشملهم الشّفاعة، وقد وردت الروايات الإسلاميّة حول شروط الشّفاعة، و في حرمان طوائف من الناس منها.

والعجب أنّ القاضي يستدلّ على أنّ العقوبة على طريق الدّوام، ولا يخرج الفاسق


1. شرح الاُصول الخمسة: ص 688.

2. نهج البلاغة: الخطبة 61.


(404)

من النّار بشفاعة النّبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم بقوله سبحانه: (واتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفُسٌ عَنْ نَفْس شيئاً) (البقرة/48)، وقوله سبحانه: (ما للظّالمين من حميم ولا شَفِيع يُطَاعُ)(غافر/18)(1).

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الاُسلوب الصّحيح لتفسير القرآن الكريم هو تجريد المفسِّر نفسه عن كلِّ رأي سابق أوّلاً، وجمع الآيات المربوطة بموضوع واحد ثانياً. فعند ذلك يقدر على فهم المراد. والقاضي نظر إلى الآيات بمنظار الاعتزال أوّلاً، ولم يجمع الآيات الراجعة إلى الشّفاعة ثانياً، مع أنّ الآيات الراجعة إلى الشّفاعة على سبعة أصناف(2) فأخذ صنفاً واحداً و ترك الأصناف الاُخر.

ثانياً: ما ذكره من الآيتين في نفي الشفاعة راجعتان الى الكفّار. فالآية الاُولى ناظرة إلى نفي الشّفاعة الّتي كانت اليهود يتبنّونها كما هو صريح سياقها، والآية الثانية الّتي وردت في السّورة المكّية ناظرة إلى الشّفاعة الّتي كان المشركون يعتقدون بها. قال سبحانه حاكياً عنهم: (إذ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ العالمين* وما أَضَلَّنَا إلاّ المُجْرِمُون )* فَما لَنَا مِن شَافِعِين)* ولا صَدِيق حَمِيم))(الشعراء/98 ـ 101).

وقال سبحانه: (وكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ* حَتَّى أَتَينَا اليَقِينُ )* فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشّافِعِين))(المدثر/46 ـ 48).

ثالثاً: أنّ مسألة الشّفاعة لم تكن فكرة جديدة ابتكرها الإسلام وانفرد بها، بل كانت فكرة رائجة بين أمم العالم من قبل، و خاصّة الوثنيّين واليهود، والإسلام طرحها مهذّبة من الخرافات، و ممّا نسج حولها من الأوهام، و قرّرها على اُسلوب يوافق اُصول العدل والعقل، وصحّحها تحت شرائط في الشّافع والمشفوع له، و هي الّتي تجرّ العصاة إلى الطّهارة من الذّنوب، وكفّ اليد عن الآثام والمعاصي، ولا توجد فيهم جرأة وجسارة على هتك السّتر.

و من امعن النظر في آراء اليهود والوثنيّين في أمر الشّفاعة أنّ الشّفاعة تقف على


1. الاصول الخمسة: ص 689.

2. لاحظ في الوقوف على هذه الأصناف الجزء الرابع من مفاهيم القرآن 177 ـ 199.


(405)

الدّارجة بينهم، خصوصاً اليهود، كانت مبنيّة على رجائهم لشفاعة أنبيائهم و آبائهم في حطِّ ذنوبهم، وغفران آثامهم. ولأجل هذا الاعتقاد كانوا يقترفون المعاصي، ويرتكبون الذّنوب تعويلاً على ذلك الرّجاء.

وفي هذا الموقف يقول سبحانه ردّاً على تلك العقيدة الباعثة على الجرأة: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلاّ بِإِذْنِهِ)(البقرة/55)، ويقول أيضاً رفضاً لتلك الشّفاعة المحرّرة من كلِّ قيد: (ولا يَشْفَعُونَ إلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى) (الأنبياء/28).

وحاصل الآيتين أنّ أصل الشّفاعة الّتي تدّعيها اليهود و يلوذ بها الوثنيّون حقّ ثابت في الشّريعة السماويّة، غير أنّ لها شروطاً أهمّها إذنه سبحانه للشّافع، و رضاه للمشفوع له.

وعلى ذلك فكيف يصحّ لنا تخصيص الآيات بقسم خاصّ من الشّفاعة و هي شفاعة الأولياء لرفع الدّرجة و زيادة الثّواب.

وأوضح دليل على عموميّة الشّفاعة ما أصفق على نقله المحدِّثون من قوله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم : «ادّخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أُمّتي». والقاضي رمى هذا الحديث بأنّه خبر واحد لا يصحّ به الاحتجاج في باب العقائد. وما ذكره يعرب عن قصور باعه في مجال الحديث. فقد رواه من أئمّة الحديث أبو داود في سننه، والتّرمذي في صحيحه، وابن حنبل في مسنده، وابن ماجة في صحيحه (1) .

وليس حديث الشّفاعة الدالّ على شمولها لأصحاب الكبائر منحصراً به، بل أحاديث الشّفاعة في هذا المجال متواترة، وقد جمعنا ما رواه السنّة والشيعة في هذا المجال في كتابنا «مفاهيم القرآن»(2).


1. راجع سنن ابي داود، ج 4، ص 236. وصحيح الترمذي، ج 4، ص 45. وصحيح ابن ماجة، ج 2، ص 144. ومسند احمد، ج 3 ص 213.

2. لاحظ: ج 4، فصل الشفاعة في الأحاديث الاسلاميّة، ص 289 ـ 311. فتجد في تلك الصحائف (112) حديثاً عن النبي وعترته. وقد قام العلامة المجلسي بجمع احاديث الشفاعة في موسوعته بحار الانوار (ج 8،ص 29 ـ 63) وروى بعضها الآخر في سائر أجزائه. كما روى علاء الدين المتقي احاديث الشفاعة في كنز العمال ج 14ص 628ـ640.


(406)

د ـ القائلون بجواز العفو أو عدم الخلود، مرجئة أو راجية؟

قد تعرّفت على عقيدة المرجئة في الفصول السّابقة و أنّ شعارهم أنّه لا تضرّ مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الشِّرك طاعة. وقد عرّفناك منهجهم و أنّ هؤلاء بهذا الشعار يغرّون الجهّال بالمعصية واقتراف الذنوب ولا يعتنون بالعمل بحجّة أنّهم مؤمنون في كلِّ حال، ويعيشون في جميع الأحوال بإرجاء العمل و يقولون: إنّ إيمان واحد منّا يعدل إيمان جبرائيل والنّبيّ الأكرم. هذه هي المرجئة.

وأمّا جمهرة المسلمين القائلون بجواز العفو وعدم الخلود، فهم راجية، يعتقدون بالعقاب والثّواب، يدعون ربّهم رغباً و رهباً، ولا يتّكلون في حياتهم على العفو و الرجاء من دون عمل، غير أنّهم يبثّون بذور الرجاء في قلوب العباد لما فيه من آثار تربويّة. وقد ذكرنا في محلِّه أنّ في القول بالعفو عن العصاة و خروجهم من النّار بالشّفاعة و غيرها، بصيص من الرجاء، و نافذة من الأمل فتحه القرآن في وجه العصاة حتّى لا ييأسوا من روح الله و رحمته، ولئلاّ يغلبهم الشّعور بالحرمان من عفوه، فيتمادوا في العصيان.

فالمرجئة من قدّموا الإيمان و أخّروا العمل، بخلاف الراجية، فإنّهم جعلوا الإيمان غير منفكّ عن العمل و ينادون بأعلى أصواتهم أنّ الإيمان بلا عمل كشجرة بلا ثمر، لا يغني ولا يسمن من جوع، ويخافون ربّهم بالغيب، ومع ذلك يرجون رحمته. فلا ينفكّ الخوف عن الرجاء، والرّهبة عن الرغبة.

هـ ـ هل الطاعات مؤثِّرة في سقوط العقاب، والمعاصي مؤثِّرة في سقوط الثّواب، و هذا ما يعبّر عنه بالإحباط و التكفير.

الاحباط في اللّغة بمعنى: الإبطال، يقال: أحبط الله عمل الكافر. أي أبطله(1).

والكفر بمعنى «السّتر» و «التّغطية»، يقال لمن غطّى درعه بثوب: قد كفر درعه،


1. المقاييس: ج 2، مادة حبط، ص 129.


(407)

والمكفّر: الرّجل المتغطّي بسلاحه، ويقال للزّارع: كافر، لأنّه يغطي الحَبّ بتراب الأرض، قال الله تعالى: (كمثلِ غيث أَعْجَبَ الكُفَّارَ نَبَاتُهُ)(سورة الحديد، الآية 20). والكفر ضدّ الإيمان، سمّي بذلك لأنّه تغطية الحقّ(1).

والمراد من الحبط هو: سقوط ثواب العمل الصالح المتقدَّم، بالذّنوب المتأخّرة، كما أنّ المراد من التّكفير هو سقوط الذّنوب المتقدَّمة، بالطّاعة المتأخِّرة.

وبعبارة اُخرى: إنّ الاحباط في عرف المتكلّمين: عبارة عن إبطال الحسنة بعدم ترتّب ما يتوقّع منها عليها، ويقابله التّكفير وهو: إسقاط السيّئة بعدم جريان مقتضاها عليها، فهو في المعصية نقيض الاحباط في الطّاعة و لنقدّم الكلام في الإحباط أوّلاً.

1 ـ الاحباط

المعروف عن المعتزلة هو القول بالإحباط، كما أنّ المعروف عن الاماميّة و الأشاعرة هو أنّه لا تحابط بين المعاصي و الطّاعات والثّواب والعقاب(2).

قال القاضي عبد الجبّار: «إنّ المكلّف لا يخلو إمّا أن تخلص طاعاته و معاصيه، أو يكون قد جمع بينهما، فلا يخلو إمّا أن تتساوى طاعاته و معاصيه، أو يزيد أحدهما على الآخر، فإنّه لا بدّ من أن يسقط الأقلّ بالأكثر....وهذا هو القول بالإحباط و التّكفير على ما قاله المشايخ، وقد خالفنا في ذلك المرجئة، وعبّادبن سليمان الصّيمري»(3).

قال التفتازاني: «لا خلاف في أنّ من آمن بعد الكفر والمعاصي فهو من أهل الجنّة بمنزلة من لا معصية له، ومن كفر بعد الإيمان والعمل الصّالح، فهو من أهل النّار بمنزلة من لا حسنة له. وإنّما الكلام فيمن آمن و عمل صالحاً و آخر سيّئاً، واستمرّ على


1. المقاييس: ج 5، مادة كفر، ص 91.

2. أوائل المقالات: ص 57.

3. الأصول الخمسة: ص 624، وقد ذهب القاضي إلى عدم جواز استحقاق المكلّف الثواب والعقاب إذا كانا مساويين، فانحصر الأمر في المطيع المحض والعاصي كذلك ومن خلط أحدهما بالآخر على وجه لا يتساويان، وهذا القسم هو مورد نظريّة الإحباط والتكفير. فلاحظ.


(408)

الطّاعات والكبائر، كما يشاهد من النّاس، فعندنا م آله إلى الجنّة ولو بعد النّار، واستحقاقه للثّواب والعقاب، بمقتضى الوعد والوعيد من غير حبوط. والمشهور من مذهب المعتزلة أنّه من أهل الخلود في النّار إذا مات قبل التّوبة، فأشكل عليهم الأمر في إيمانه و طاعته و ما يثبت من استحقاقاته، أين طارت؟ وكيف زالت؟ فقالوا بحبوط الطّاعات، ومالوا إلى أنّ السيّئات يذهبن الحسنات»(1).

أقول: اشتهر بين المتكلّمين أنّ المعتزلة يقولون بالإحباط و التّكفير، وأمّا الأشاعرة والإماميّة فهم يذهبون إلى خلافهم. غير أنّ هنا مشكلة وهي أنّ نفيهما على الاطلاق يخالف ما هو مسلّم عند المسلمين من أنّ الإيمان يُكفِّر الكفر، ويُدخل المؤمن الجنّة خالداً فيها، و أنّ الكفر يُحبط الإيمان و يخلِّد الكافر في النار. وهذا النّوع من الإحباط و التّكفير ممّا أصفقت عليه الاُمّة، ومع ذلك كيف يمكن نفيهما في مذهب الأشاعرة و الإماميّة؟ ولأجل ذلك، يجب الدقّة في فهم مرادهما من نفيهما على الاطلاق، وسوف يتبيّن الحال في هذين المجالين. هذا، وإنّ القائلين بالإحباط اختلفوا في كيفيّته، فمنهم من قال بأنّ الإساءة الكثيرة تسقط الحسنات القليلة، وتمحوها بالكليّة، من دون أن يكون لها تأثير في تقليل الإساءة، وهو المحكيّ عن أبي عليّ الجبّائي.

ومنهم من قال بأنّ الإحسان القليل يسقط بالإساءة الكثيرة، ولكنّه يؤثّر في تقليل الإساءة فينقص الإحسان من الاساءة، فيجزى العبد بالمقدار الباقي بعد التّنقيص، وهو المنسوب إلى أبي هاشم.

وهناك قول آخر في الإحباط وهو عجيب جدّاً، حكاه التّفتازاني في «شرح المقاصد» وهو أنّ الإساءة المتأخِّرة تحبط جميع الطّاعات و إن كانت الإساءة أقلّ منها قال: حتّى ذهب الجمهور منهم إلى أنّ الكبيرة الواحدة تحبط ثواب جميع العبادات.

وعلى هذا(2) ففي الإحباط أقوال ثلاثة:


1. شرح المقاصد: ج 2، ص 232.

2. شرح المقاصد: ج 2، ص 232.


(409)

1 ـ الإساءة الكثيرة تسقط الحسنة القليلة من دون تأثير في تقليل الإساءة.

2 ـ الإساءة الكثيرة تسقط الحسنة القليلة، مع تأثير الإحسان في تقليل الإساءة.

3 ـ إنّ الإساءة المتأخِّرة عن الطّاعات، تبطل جميع الطّاعات من دون ملاحظة القلّة والكثرة.

إذا عرفت موضع النّزاع في كلام القوم، فلننقل أدلّة الطّرفين:

أدلّة نفاة الإحباط

استدلّ النافون بوجهين: عقليّ و نقليّ.

أمّا الوجه العقليّ: فهو أَنّ القول بالإِحباط يستلزم الظّلم، لأنّ من أساء و أطاع و كانت إساءته أكثر، يكون بمنزلة من لم يُحسن. وإن كان إحسانه أَكثر، يكون بمنزلة من لم يسىء. وإن تساويا يكون مساوياً لمن يصدر عنه أحدهما، وهو نفس الظّلم(1).

يلاحظ عليه: أنّ الإِحباط إنّما يعدّ ظلماً، و يشمُلُه هذا الدّليل، إذا كان الأكثر من الإِساءة مؤثِّراً في سقوط الأقلّ من الطّاعة بالكلّية، من دون أن تؤثّر الطّاعة القليلة في تقليل الإساءة الكثيرة، كما عليه أبو عليّ الجبّائي. وأمّا على القول بالموازنة، كما هو المحكيّ عن ابنه أبي هاشم، فلا يلزم الظّلم، وصورته أن يأتي المكلّف بطاعة استحقّ عليها عشرة أجزاء من الثّواب، وبمعصية استحقّ عليها عشرين جزءً من العقاب، فلو قلنا بأنّه يَحسُن من الله سبحانه أَن يفعل به عشرين جزءً من العقاب، ولا يكون لما استحقّه من الطّاعة أيّ تأثير للزم منه الظّلم. وأَمّا إذا قلنا بأنّه يقبح من الله تعالى ذلك، ولا يحسن منه أَن يفعل به من العقاب إلاّ عشرة أجزاء، وأَمّا العشرة الاُخرى فإنّها تسقط بالثّواب الّذي استحقّه على ما أتى به من الطّاعة، فلا يلزم ذلك.

يقول القاضي عبدالجبّار بعد نقل مذهب أبي هاشم: «وَ لَعَمري إنّه القول اللاّئق بالله تعالى. دون ما يقوله أبو عليّ و الّذي يدلّ على صحّته هو أَنّ المكلّف أتى


1. كشف المراد: ص 260.


(410)

بالطاعات على الحدّ الذي أُمر به، وعلى الحدّ الّذي لو أتى به منفرداً عن المعصية لكان يستحقّ عليها الثّواب، فيجب أن يستحقّ عليها الثّواب وإن دَنّسها بالمعصية، إلاّ أَنّه لا يمكن والحالة هذه أَن يوفّر عليه، على الحدّ الّذي يستحقّه، لاستحالته، فلا مانع من أَن يزول من العقاب بمقداره، لأنّ دفع الضّرر كالنّفع في أنّه مما يعدّ من المنافع.

ثمّ قال: فأَمّا على مذهب أبي عليّ فيلزم أن لا يكون قد رأى صاحب الكبيرة شيئاً ممّا أتى به من الطّاعات. وقد نصّ الله تعالى على خلافه»(1).

والأولى أن يستدلّ على بطلان الإحباط بأَنّه يستلزم خُلف الوعد إذا كان الوعد منجّزاً، كما هو في محلّ النّزاع، وأمّا إذا كان مشروطاً بعدم لحوق العصيان به، فهو خارج عن محلِّ البحث هذا، من غير فرق بين قول الوالد والولد.

وأمّا الوجه النّقلي، فقوله سبحانه: (فَمَن يَعْمَل مِثْقالَ ذَرَّة خَيْراً يَرَهُ)(سورة الزلزلة: الآية 7).

يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال بالآية إنّما يتمّ على القولين الأوّل والثّالث، حيث لا يكون للإحسان القليل دور، وأمّا على القول الثّاني، فالآية قابلة للانطباق عليه، لأنّه إِذا كان للإحسان القليل، تأثير في تقليل الإِساءة الكثيرة، فهو نحو رؤية له، لأنّ دفع المضرّة كالنّفع في أنّه مما يُعَدّ منفعة. وهذا كما إذا ربح إنسان في تجارة قليلاً، وخسر في تجارة أُخرى أكثر فأَدّى بعض ديونه من الرِّبح القليل.

نعم الظّاهر من الآية رؤية جزاء الخير،وهو بالقول بعدم الإِحباط اَلصق و اَطبق.

سؤال و إجابة

السؤال: لو كان القول بالاحباط مستلزماً للظّلم، أو كان مستلزماً لخلف الوعد، فما هو المخلص فيما يدلّ على حبط العمل، في غير مورد من الآيات الّتي ورد فيها أنّ


1. شرح الأصول الخمسة: ص 629.


(411)

الكفر والارتداد والشرك و الإِساءة إلى النّبي و غير ذلك ممّا يحبط الحسنات(1). ما هو الجواب عن هذه الآيات؟ وما هو تفسيرها؟

الجواب: إنّ القائلين ببطلان الإحباط يفسِّرون الآيات بأنّ الاستحقاق في مواردها كان مشروطاً بعدم لحوق العصيان بالطّاعات، فإذا عصى الإِنسان ولم يحقِّق الشرط، انكشف عدم الاستحقاق.

ويمكن أن يقال بأنّ الإستحقاق في بدء صدور الطّاعات لم يكن مشروطاً بعدم لحوق العصيان، بل كان استقرار الإستحقاق في مستقبل الأيّام، هو المشروط بعدم لحوق المعصية، فإن فُقِد الشرط فُقِد استقرار الاستحقاق و استمراره.

يقول الشيخ الطّوسي في تفسير قوله سبحانه: (وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَ هُوَ كافِرٌ، فأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعمالُهُمْ في الدّنيا والآخرةِ و أُولئِكَ أَصْحَابُ النّارِ هُمْ فِيْهَا خالِدُونَ)(2)«معناه أنّها صارت بمنزلة ما لم يكن، لإيقاعهم إيّاها على خلاف الوجه المأمور به، وليس المراد أنّهم استحقّوا عليها الثّواب ثمّ انحبطت، لأنّ الإحباطَ ـ عندنا باطلُ على هذا ال(3)وجه».

ويقول الطّبرسي في تفسير قوله سبحانه: (وَمَنْ يَكْفُر بالإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُو في الآخِرةِ مِنَ الخاسِرينَ)(المائدة: الآية 5). «وفي قوله: (فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ)هنا دلالة على أنّ حبوط الأعمال لا يترتّب على ثبوت الثّواب. فإنّ الكافر لا يكون له عمل قد ثبت عليه ثواب، وإنّما يكون له عمل في الظّاهر لو لا كفره لكان يستحقّ الثّواب عليه، فعبّر سبحانه عن هذا العمل بأنّه حبط، فهو حقيقة معناه»(4).

ويقول في تفسير قوله سبحانه: (وَ يَقولُ الّذين آمنوا أهؤلاءِ الّذينَ أقسموا باللّهِ)


1. سنذكرها في آخر البحث.

2. سورة البقرة: الآية 217.

3. التبيان: ج 2، ص 208، ولاحظ: مجمع البيان، ج 1، ص 313.

4. مجمع البيان: ج 2، ص 163.


(412)

جَهْدَ أَيْمانِهِم إنَّهُم لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُم فَأَصْبَحُوا خَاسِرينَ))(سورة المائدة:الآية53). «أي ضاعت أَعمالهم الّتي عملوها لأنّهم أَوقعوها على خلاف الوجه المأمور به، وبَطَلَماأظهروه من الإِيمان، لأنّه لم يوافق باطنُهم ظاهرَهُم، فلم يستحقّوا به الثّواب»(1).

وبما ذكره الطبرسي يظهر جواب سؤال آخر، وهو أنّه إذا كان الاستحقاق مشروطاً بعدم صدور العصيان، فإذا صدر يكشف عن عدم الإستحقاق أبداً، فكيف يطلق عليه الإِحباط، وما الإحباط إلاّ الإِبطال والإسقاط، ولم يكن هناك شيء حتّى يبطل أو يسقط؟

وذلك لأنّ نفس العمل في الظّاهر سبب و مقتض، فالإبطال و الإسقاط كما يصدقان مع وجود العلّة التامّة، فهكذا يصدقان مع وجود جزء العلّة و سببها ومقتضيها، وهذا كمن ملك أَرضاً صالحة للزراعة فأَحدث فيها ما أفقدها هذه الصّلاحيّة.

وبعبارة أُخرى، إنّ الموت على الكفر، وإن كان يُبطل ثواب جميع الأعمال، لكن ليس هذا بالإحباط، بل بشترط الموافاة على الإِيمان في استحقاق الثّواب على القول بالاستحقاق. أو في إنجاز الوعد بالثّواب على القول بعدم الاستحقاق. وهكذا القول في المعاصي الّتي ورد أنّها حابطة لبعض الحسنات من غير قول بالحبط، بل يكون الإستحقاق أَو الوعد مشروطاً بعدم صدور تلك المعصية.

والّذي يبدو لنا من هذه الكلمات إنّ النّزاع بين نافي الاحباط و مثبته في هذه الموارد الخاصّة، أشبه بنزاع لفظي، لأنّهما متّفقان على النّتيجة وهي عدم ترتّب الثّواب على الإيمان و الأعمال الحسنة إذا لحقها الكفر أو بعض الكبائر، غير أنّ النافي يقول بأنّه لم يكن هناك ثواب فعليّ حتّى يحبطه الكفر أو بعض الكبائر، لأنّ ترتّب الثّواب أو الاستحقاق كان مشروطاً بشرط غير حاصل، والمثبت له يقول بوجوده فعلاً، لكنّه يسقط


1. مجمع البيان: ج 2، ص 207.


(413)

بهما. وعلى كلّ واحدة من النّظريّتين فالكافر و المرتكب للكبائر، صفر اليد يوم القيامة.

نعم، هذا التّفسير إنّما نحتاج إليه في جانب الاحباط، وأمّا في جانب التّكفير فلا حاجة إليه، بل لنا أَن نقول إنّ التّوبة و الأعمال المكفِّرة يذهبان العقاب المكتوب على المعاصي من دون حاجة إلى القول بكون الإستحقاق مشروطاً بالموافاة على الكفر، لجواز تفضّله سبحانه بالعفو.

هذا، ولا يصحّ القول بالإِحباط و التّكفير في كلِّ المعاصي عند النافي، بل يجب عليه تَتَبُّعُ النّصوص، فكلّ معصية وردت في الكتاب أو في الآثار الصّحيحة إنّها مذهبة لأثر الإيمان و الحسنة نقول بالاحباط فيها على التّفسير الّذي ذكرناه. وهكذا في جانب التّكفير فلا يمكن لنا أَن نقول إِنّ كلّ حسنة تُذهب السيّئة إلاّ بالنّص. وأمّا على قول المثبت فالظاهر أنّه يقول بأنّ كلّ كبيرة توجب الإحباط للأصل الّذي افترضه صحيحاً وهو خلود مرتكب الكبيرة في النّار على الإطلاق.

إلى هنا تمّ بيان دليل النّافين للإحباط على الوجه اللاّئق بكلامهم، والإجابة عليه.

أدلّة مُثبِتي الإِحباط

استدلّ القاضي على ثبوت الإحباط بوجه عقليّ فقال: «قد ثبت أَنّ الثّواب(1) والعقاب يستحقّان على طريق الدّوام. فلا يخلو المكلّف إمّا أن يستحقّ الثّواب فيثاب، أَو يستحقّ العقاب فيعاقب، أَو لا يستحقّ الثّواب ولا العقاب، فلا يثاب ولا يعاقب، أَو يستحقّ الثّواب والعقاب، فيثاب و يعاقب دفعة واحدة، أَو يؤثّر الأكثر في الأقلّ على ما نقوله:

لا يجوز أن لا يستحقّ الثّواب ولا العقاب، فإنّ ذلك خلاف ما اتّفقت عليه الاُمّة. ولا أَن يستحقّ الثّواب والعقاب معاً فيكون مثاباً و معاقباً دفعة واحدة، لأنّ ذلك


1. يكفي في ذلك كونه مستحقاً للعقاب دائماً فقط ولا يتوقف على استحقاقه للثواب كذلك فلاحظ.


(414)

مستحيل والمستحيل ممّا لا يستحقّ...

فلا يصحّ إلاّ ما ذكرناه من أنّ الأقلّ يسقط بالأكثر. و هذا هو الّذي يقوله الشّيخان أبو عليّ و أبو هاشم ولا يختلفان فيه، وإنّما الخلاف بينهما في كيفيّة ذلك»(1).

يلاحظ عليه: إنّه مبنيّ على أنّ استحقاق العقاب على وجه الدّوام، وهو مبنيّ على أنّ مرتكب الكبيرة مُخلّد في النّار، وبما أنّ الأساس باطل، فيبطل ما بنى عليه، فلا دليل على دوام استحقاق العقاب، وعلى ذلك فالحصر غير حاصر، وأنّ هنا شقّاً سادساً ترك في كلامه وهو أنّه يستحقّ الثّواب والعقاب معاً لكن لا دفعة واحدة، بل يعاقب مدّة ثمّ يخرج من النّار فيثاب بالجنّة على ما عليه جمهور المسلمين.

وقد نقل القاضي عبدالجبّار وجهاً عقليّاً آخر للإِحباط عن الشّيخ أبي عليّ و أجاب عنه، فلاحظ(2).

تحليل لمسألة الإِحباط

وهيهنا تحليل آخر للمسألة و هو أَنّ في الثّواب والعقاب أقوال:

1 ـ الثّواب والعقاب في الآخرة من قبيل الأمور الوضعيّة الجعليّة، كجعل الاُجرة للعامل، والعقاب للمتخلّف في هذه النشأة.

2 ـ الثّواب والعقاب في الآخرة مخلوقان لنفس الإنسان حسب الملكات الّتي اكتسبها في هذه الدّنيا، بحيث لا يمكن لصاحب هذه الملكة، السُّكون والهدوء إلاّ بفعل ما يناسبها.

3 ـ الثّواب و العقاب في الآخرة عبارة عن تمثّل العمل في الآخرة و تجلّيه فيها


1. شرح الاصول الخمسة: ص 625. وترك تعليل الوجه الأول (وهو أن يستحق الثواب فقط) والثاني (وهو أن يستحق العقاب فقط) لوضوحه.

2. شرح الاصول الخمسة: ص 630 ـ 631، وحاصل هذا الدليل أنّ المكلّف، بارتكاب الكبيرة يخرج نفسه من صلاحيّة استحقاق الثواب. وهو كما ترى دعوى بلا دليل، إذ لا دليل على أنّ كلّ معصية لها هذا الشأن، وليست كلّ معصية كالكفر والارتداد والنفاق.


(415)

بوجوده الاُخروي من دون أَن يكون للنّفس دور في تلك الحياة في تجلّي هذه الأعمال بتلك الصور، بل هي من ملازمات وجود الإنسان المحشور.

فلو قلنا بالوجه الأوّل، كان لما نقلناه من نفاة الحبط (من أنّ الاستحقاق أو استمراره مشروط بعدم الإتيان بالمعصية) وجه حسن، لأنّ الاُمور الوضعيّة، رفعها ووضعها و تبسيطها و تضييقها، بيد المقنِّن و المشرع، وعندئذ يُجمع بين حكم العقل بلزوم الوفاء بالوعد، وما دلّ من الآيات على وجود الإحباط في موارد مختلفة، كما سيوافيك.

وقد عرفت حاصل الجمع، وهو أَنّ إطلاق الإحباط ليس لإبطال استحقاق الإنسان الثّواب، بل لم يكن مستحقّاً من رأس لعدم تحقُّق شرط الثّواب، وأمّا مصحِّح تسميته بالإحباط فقد عرفته أَيضاً، وهو أَنّ ظاهر العمل كان يحكي عن الثّواب وكان جزء علّة له.

ولو قلنا بالوجه الثاني، وحاصله أَنّ الملكات الحسنة و السيّئة الّتي تعدّ فعليّات للنّفس، تحصل بسبب الحسنات و السيّئات الّتي كانت تصدر من النّفس. فإذا قامت بفعل الحسنات، تحصل فيها صورة معنويّة مقتضية لخلق الثّواب. كما أَنّه إذا صدر منها سيّئة، تقوم بها صورة معنويّة تصلح لأن تكون مبدأ لخلق العقاب. وبما أَنّ الإنسان في معرض التّحوّل والتغيّر من حيث الملكات النفسانيّة، حسب ما يفعل من الحسنات والسيّئات، فإنّ من الممكن بُطلان صورة موجودة في النّفس و تبدُّلها إلى صورة غيرها ما دامت تعيش في هذه النشأة الدّنيوية.

نعم، تقف الحركة و يبطل التّحوّل عند موافاة الموت، فعند ذلك تثبت لها الصّور بلا تغيير أصلاً.

فلو قلنا بهذا الوجه، كان الإحباط على وفق القاعدة، لأنّ الجزاء في الآخرة، إِذا كان فعل النّفس و إِيجادها، فهو يتبع الصّورة الأخيرة للنّفس، الّتي اكتسبتها قبل الموت، فإن كانت صورة معنويّة مناسبة للثّواب فالنّفس منعّمة في الثّواب من دون


(416)

مقابلة بالعقاب، لأنّ الصّورة المناسبة للعقاب قد بطلت بصورة أُخرى. وإذا انعكست الصّورة انعكس الحُكم.

وأمّا لو قلنا بالوجه الثالث، وهو تَجَسّم الأعمال و تمثّلها في الآخرة بالوجود المماثل لها، فالقول بعدم الاحباط هو الموافق للقاعدة، إذ لا معنى للإِبطال في النشأة الاُخرى.

غير أَنّ الكلام كلّه في انحصار الثّواب والعقاب بهذين الوجهين الأخيرين(1).

عوامل الإحباط و أَسبابه

البحث عن عوامل الإِحباط و أَسبابه، بحثُ نقليّ يتوقّف على السّبر و الفحص في الكتاب والسنّة، ونكتفي في المقام بما جاء في الكتاب العزيز.

1 ـ الإرتداد بعد الإِسلام

قال سبحانه: (وَ مَن يرتَدِد مِنكُم عَن دِيِنِه فَيَمُت وَ هُوَ كافِرٌ، فأُولئكَ حَبِطَت أَعْمالُهُم في الدنيا و الآخرة، وَ أُولئكَ أَصحابُ النّارِ هُمْ فيها خالِدُونَ)(سورة البقرة: الآية 217) .

2 ـ الشرك المقارن بالعمل

يقول سبحانه: (ما كانَ للمُشركينَ أَنْ يَعمُرُوا مساجِدَ اللّهِ شاهدينَ على أَنْفُسِهِمْ بالكُفْرِ أُولئكَ حَبِطَتْ أَعّْمالُهُم و في النّارِ هُمْ خالِدونَ)(سورة التوبة: الآية 17) .

وقدكان المشركون يزعمون أَنّ العمل الصالح بنفسه موجب للثّواب، غير أنّ القرآن شطب على هذه العقيدة، و صرّح بأنّ الثّواب يترتّب على العمل الصالح، إذا صدر من فاعل مؤمن.

ولأجل ذلك أتبع سبحانه الآية السابقة بقوله: (إنّما يَعْمُرُ مساجِدَ الله مَنْ آمَنَ)


1. لاحظ: «الالهيات» ج 1، ص 299.


(417)

باللّهِ واليَوْمِ الآخِرِ))(سورة التوبة: الآية 18) .

3 ـ كراهة ما أنزل الله

قال سبحانه: (وَالّذينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُم وَأَضَلّ أَعّْمالَهُم * ذَلِكَ بأَنّهُمّْ كَرِهُوا ما أَنزَلَ اللّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ)) ( سورة محمد: الآيتان 8 و 9).

4 ـ الكُفر

5 ـ الصدُّ عن سبيل الله

6 ـ مجادلة الرسول و مشاقّته

وقد جاءَت هذه العوامل الثّلاثة في قوله سبحانه: (إنّ الّذينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سبيلِ الله وَ شَاقُّوا الرّسولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيّنَ لَهُمُ الهُدى لَنّْ يَضُرُّوا اللّهَ شَيْئاً وَ سَيُحبِطُ أَعْمالَهُم)(سورة محمد: الآية 32. ولاحظ في عامل الكفر، سورة التوبة: الآية 69).

وهل كلُّ منها عاملٌ مستقلٌٌّ، أَو أَنّ هنا عاملاً واحداً هو الكفر، ويكون حينئذ الصّدُّ عن سبيل الله و مشاقّة الرّسول من آثار الكفر، فهم كفروا، فصّدوا و شاقّوا؟ وجهان.

وتظهر الثّمرة فيما لو صَدّ إنسانٌّ عن سبيل الله لأغراض دنيويّة، أَو شاقّ الرّسولَ لحالة نفسانيّة مع اعتقاده التّام بنبوّة ذاك الرّسول و قبح عمل نفسه. فلو قلنا باستقلال كل منها في الحبط، يحبط عمله، وإلاّ فلا، و بما أَنّ الآية ليست في مقام البيان، بل تحكي عمل قوم كانت لهم هذه الشؤون فلا يمكن استظهار استقلال كلّ منها في الحبط نعم، يمكن القول بالاستقلال من باب الأولويّة، وذلك أنّه إذا كان رفع الصّوت فوق صوت النّبي من عوامل الإحباط كما سيأتي فكيف لا يكون الصدّ و القتل من عوامله؟

7 ـ قتل الأنبياء

8 ـ قتل الآمرين بالقِسط من الناس

قال سبحانه: (إنّ الّذينَ يَكْفُرونَ بآياتِ اللّهِ، و يَقْتُلونَ النّبِييّنَ بغير حقّ،)


(418)

وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشْرْهُمْ بِعَذَاب أَلِيم)* أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَ مَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرينَ)) (آل عمران: الآيتان 21 ـ 22).

9 ـ إساءة الأدب مع النّبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم

قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَ لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْض أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَ أَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ)(سورة الحجرات: الآية 2).

وربّما يُتصوّر أَنّ رفع الصّوت ليس عاملاً مستقلاّ ً فى الإحباط، بل هو كاشف عن كفر الرافع، ولكنّه احتمال ضعيف، لأنّ الآية تخاطب المؤمنين به بقولها: (يا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنوُا).

نعم، لا يمكن الالتزام بأنّ كلّ إساءة بالنّسبة إلى النّبي تُحبط الأعمال الصّالحة(1)، إِلاّ إِذا كانت هتكاً في نظر العامّة، و تحقيراً له في أَوساط المسلمين، كما هوالظّاهر من أَسباب نزول الآية.

10 ـ الإقبال على الدُنيا و الاعراض عن الاخرة

قال سبحانه: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَ زِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَ هُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ* اُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إلاّ النَّارُ وَ حَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَ بَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)) (سورة هود: الآيتان 15 و 16).

ويمكن أَن يقال إنّ الاقبال على الدّنيا بهذا النّحو الّذي جاء في الآية يساوق الكفر، أَو يساوق ترك الفرائض، والتوغّل في الموبقات، فتكون إِرادة الحياة الدّنيا وزينتها إشارة إلى العامل الواقعي.


1. كالغضب في محضره ـ صلوات الله عليه وآله.


(419)

11 ـ إنكار الآخرة

قال سبحانه: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِ آيَاتِنَا وَ لِقَاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ)(سورة الأعراف: الآية 147. ولاحظ سورة الكهف: الآية 105).

وهو فرع من فروع الكفر وليس عاملاً مستقلاّ ً.

12 ـ النِفاق

قال سبحانه: (قَدْ يَعْلَمُ اللّهُ المَعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَ القَائِلِينَ لإخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إَلَيْنَا وَ لا يَأْتُونَ البَأْسَ إلاّ قَلِيلاً* أُولِئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ وَ كَانَ ذلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً)) (سورة الاحزاب: الآيتان 18 و 19).

وقوله: «لإخوانهم»، يدلّ على أَنّهم لم يكونوا مؤمنين، بل كانوا منافقين. ويصرّح به قوله: «أُولئك لم يُؤّْمِنوا». وعلى ذلك فيَرجع النّفاق إلى عامل الكفر و عدم الإِيمان، وليس سبباً مستقلاً.

هذه هي أبرز أسباب الإِحباط في الذّكر الحكيم، وقد عرفت إمكان إذعام البعض في البعض، وعلى كلِّ تقدير، فالإحباط هنا هو بطلان أَثر المقتضي، لا إبطال أَثر ثابت بالفعل، كما تقدّم(1).

2 ـ التكفير

التّكفير هو إسقاط ذنوب الأفعال المتقدّمة بثواب الطّاعات المتأَخِّرة، وهو لا يعدّ ظلماً، لأنّ العقاب حقّ للمولى، وإسقاط الحقّ ليس ظلماً بل إحسان، وقد عرفت أَنّ خلف الوعيد ليس بقبيح و إنّما القبيح خلف الوعد. فلأجل ذلك لا حاجة إلى تقييد استحقاق العقاب أو استمرار استحقاقه بعدم تعقّب الطّاعات. بل الاستحقاق


1. وأمّا بيان عوامل الإحباط في السنّة فهو موكول الى محل آخر.


(420)

واستمراره ثابتان، غير أَنّ المولى سبحانه، تَفَضّلاً منه، عفا عن عبده لفعله الطّاعات.

قال سبحانه: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَونَ عَنْهُ نُكَفِّر عَنْكُمْ سَيّئَاتِكُمْ وَ نُدْخِلُكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً)(سورة النساء: الآية 31) .

وقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَ يُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَالله ذُو الفَضْلِ العَظِيم)(سورة الأنفال: الآية 29).

وقال سبحانه: (والّذينَ آمَنوُا وَ عَمِلوا الصالحاتِ و آمَنُوا بما نُزِّلَ على مُحَمّد وَ هُوَ الحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفّرَ عَنْهُمْ سيِّئاتِهِمْ و أَصْلَحَ باَلُهمْ) (سورة محمد صلَّى الله عليه و آله و سلَّم الآية 2).

ولا يمكن استفادة الإطلاق من هذه الآيات، و أَنّ كلّ معصية تكفَّر، لأنّها بصدد بيان تشريع التّكفير، و أمّا شروطه و بيان المعاصي الّتي تكفّر دون غيرها، فلا يستفاد منها، وإنّما الظاهر من الآية الأُولى هو اشتراط تكفير الذنوب الصغيرة باجتناب الكبيرة منها، ومن الآية الثانية، اشتراط تكفير السّيئات بالتّقوى و من الثالثة، تكفير السيّئات للّذين آمنوا وعملوا الصالحات و آمنوا بما نُزِّل على الرّسول الأكرم صلَّى الله عليه و آله و سلَّم .

روى الكراجكي بسنده عن الإمام علي عليه السلام أنّه قال: «وإنْ كان عليه فضل، وهو من أَهل التّقوى، ولم يشرك بالله تعالى، واتّقى الشرك به، فهو من أَهل المغفرة، يغفر الله له برحمته إن شاء و يتفضّل عليه بعفوه»(1).


1. البحار، ج 5، ص 335.

Website Security Test