welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الملل والنحل/ج3 (الماتريديّة، والمرجئية، ...)*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الملل والنحل/ج3 (الماتريديّة، والمرجئية، ...)

(367)

المسألة الرابعة:

في قبح التكليف بما لا يطاق

القول بجواز التّكليف بما لا يطاق نشأ من المسألة السابقة. ولو كانت السابقة منقّحة من حيث الموضوع والحكم، لما اندفعت الأشاعرة إلى اختيار الجواز في هذه المسألة الّتي يشهد العقل السّليم بقبحه أوّلاً وعدم إمكانه ثبوتاً ثانياً، إذ كيف يريد الإنسان بالارادة الجدّيّة الركض من الفالج، والنّكاح من الطّفل الرضيع؟

ولكنّهم لمّا فسّروا القدرة بالعلّة التامّة من جانب، واعتقدوا بلزوم اقترانها بالمقدور من جانب آخر، واستنتجوا من عدم الاعتناق عدم القدرة، فلزمهم عند تكليف الكفّار بالإيمان وعدم اعتناقهم، القول بجواز التّكليف بما لا يطاق، وإنّه كان هناك تكليف للكافر، ولم تكن له طاقة، وذلك لأنّه لو كانت له طاقة لآمن قطعاً. فبقاؤه على الكفر يكشف عن عدم قدرته، إذ لو كانت لآمن قطعاً لحديث امتناع الانفكاك. فينتج أنّ التّكليف كان موجوداً ولم يكن هناك قدرة.

غير أنّ الأشعري ومن قبله ومن بعده، لو فسّروا القدرة الّتي هي من شرائط التّكليف بمعنى العلّة الناقصة والاقتضاء، لما لزمهم الالتزام بهذه النّتيجة الفاسدة، حتّى ولو قالوا بلزوم الاقتران. ففي مورد أبي جهل و أبي لهب كان هناك تكليف أوّلاً، وطاقة بمعنى الاستعداد والاستطاعة على نحو لو أراد كلّ لآمن ثانياً، وكانت القدرة بهذا المعنى مقارنة للتّكليف ثالثاً. ولكن عدم إيمانه و إصراره على الكفر، لايكشفعنفقدان الشّرط، لأنّ الاستطاعة بمعنى الاقتضاء أعمّ من تحقّق المعلول معها وعدمه.

والعجب أنّ هؤلاء استدلّوا بآيات على ما يتبنّونه من جواز التّكليف بالقبيح. وبذلك عرّفوا الإسلام والقرآن مناقضين للفطرة و حكم العقل و إدراك العقلاء-أعاذنا الله من سوء الموقف.


(368)

وبما أنّ الاجابة عن الاستدلال بالآيات واضحة، طوينا الكلام عن استدلالاتهم، روماً للاختصار ولما سبق منّا في الجزء الثاني في تحليل عقائد الأشعري(1).

المسألة الخامسة:

في أنّ الله لا يريد المعاصي

ذهبت المعتزلة إلى أنّه لا يجوز أن يكون سبحانه مريداً للمعاصي. وأوضح القاضي وجه صلة هذا البحث بباب العدل بأنّ الارادة فعل من الأفعال، ومتى تعلّقت بالقبيح كانت واجبة لا محالة، وكونه تعالى عدلاً يقتضي أن تنفى عنه هذه الارادة(2).

المعتزلة ينظرون إلى المسألة من زاوية التّنزيه فيتصوّرون أنّ تنزيه الرّبِّ يتحقق بعدم تعلّق إرادته بالقبائح، لأنّ من أراد القبيح يتّصف فعله بالقبح و يسري إلى الفاعل، بينما يريد الأشعري تعظيم الرّبّ، وأنّه لا يكون في ملكه ما لا يريد ويذهب إلى سعة إرادته.

وقد نقل التفتازاني في «شرح المقاصد» أنّه دخل القاضي عبد الجبّار (ت415هـ) دار الصاحب بن عبّاد (ت385هـ) فرأى الاُستاذ أبا إسحاق الإسفرائيني (ت413هـ)، فقال القاضي: «سبحان من تنزّه عن الفحشاء» (مزدرياً بالاسفرائيني بأنّه لأجل القول بسعة إرادته يصفه سبحانه بالفحشاء) فأجابه الاسفرائيني بقوله: «سبحان من لا يجري في ملكه إلاّ ما يشاء» إيماءً بأنّ القاضي لأجل قوله بضيق إرادته سبحانه، يعتقد بأنّ هناك أشياء تقع في سلطانه ومملكته خارجة عن مشيئته»(3).

لكنّ القولين بين الافراط والتّفريط. وما يتبنّيانه من الغاية (التّنزيه و التّعظيم) يحصل برفض القولين، والاعتناق بالقول الثّالث الّذي هو مذهب بين المذهبين، وأمر


1. لاحظ الجزء الثاني من هذه الموسوعة: ص 193.

2. شرح الاُصول الخمسة: ص 431.

3. انظر شرح المقاصد: ج 2، ص 145.


(369)

بين الأمرين.

وهذا المذهب هو المرويّ عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ ويوافقه العقل و تؤيّده نصوص الكتاب، وهو جامع بين المزيّتين و منزّهٌ عن شناعة القولين.

فالمعتزلة، وإن أصابوا في تنزيه الرّبّ عن القبائح، لكنّهم أخطأوا في تحديد سلطنته بإخراج أفعال عباده عن إحاطة إرادته و سلطنته وملكه، فصوّروا الإنسان فاعلاً يفعل بارادته، ويعمل بمشيئته مستقلاً بلا استمداد من ارادته ومشيئته سبحانه.

والأشاعرة، وإن أصابوا في إدخال أفعال العباد في ملكه و سلطنته، لكنّهم أخطأوا في جعل أفعال العباد مرادة للّه بالارادة المباشريّة. فصار هناك مريد واحد وهو الله سبحانه و غيره من الفواعل مظاهر إرادته. وهذا يستلزم كونه سبحانه هو المسؤول عن القبائح لكونه الفاعل لها.

وأمّا القول الثالث فهو عبارة عن سعة إرادته لكلِّ ظاهرة امكانيّة، لكن لا بمعنى كونه سبحانه هو المصدر المباشر لكلِّ شيء، بل بمعنى أنّه تعلّقت إرادته على صدور كلِّ فعل عن فاعله بما فيه من الخصوصيّات، فلو صدر عنه بلا هذه الخصوصيّات لزم تخلّف مراده عن إرادته، فتعلّقت ارادته سبحانه على كون النّار مصدراً للحرارة بلا علم و شعور، بل عن جبر واضطرار. كما تعلّقت إرادته على صدور فعل الإنسان عنه باختيار ذاتيّ و حرّيّة فطريّة.

وباختصار، شاء أن يكون الإنسان مختاراً في فعله و عمله. فإذا اختار و فعل فقد فعل بارادته، كما فعل بارادة الله سبحانه. وليست الارادة الأزليّة منافية لحرّيّته و اختياره، وقد أوضحنا ذلك في أبحاثنا الكلاميّة(1). فلاحظ.

وهناك كلام للشّهيد الأجلّ محمّد بن مكّي (المتوفى عام 786هـ) عند بحثه عن تضافر الأخبار على أنّ صلة الأرحام تزيد في العمر، يقرب ممّا ذكرناه، قال (قدّس سرّه):


1. لاحظ: الالهيات على ضوء الكتاب والسنة والعقل، ص 632، والجزء الثاني من هذه الموسوعة، ص 302.


(370)

«أُشكل هذا بأنّ المقدّرات في الأزل، والمكتوبات في اللّوح المحفوظ لا تتغيّر بالزيادة والنقصان لاستحالة خلاف معلوم الله تعالى، وقد سبق العلم بوجود كلِّ ممكن أراد وجوده و بعدم كلِّ ممكن أراد بقاءه على حالة العدم أو إعدامه بعد ايجاده، فكيف يمكن الحكم بزيادة العمر و نقصانه بسبب من الأسباب؟».

ثمّ أجاب وقال: «إنّ الله تعالى كما علم كميّة العمر، علم ارتباطه بسببه المخصوص، وكما علم من زيد دخول الجنّة، جعله مرتبطاً بأسبابه المخصوصة، من إيجاده، وخلق العقل له، وبعث الأنبياء و نصب الألطاف، وحسن الاختيار، والعمل بموجب الشّرع، فالواجب على كلِّ مكلّف الاتيان بما أُمر به، ولا يتّكل على العلم، فإنّه مهما صدر منه فهو المعلوم بعينه.

وبالجملة: جميع ما يحدث في العالم، معلوم للّه تعالى على ما هو عليه واقع، من شرط أو سبب وليس نصب صلة الرحم زيادة في العمر إلاّ كنصب الإيمان سبباً في دخول الجنّة»(1).

ولو أمعنت فى أطراف كلامه تجد أنّه (قدّس الله سرّه) يشير إلى نفس الجواب الّذي بيّناه خصوصاً قوله «جعله مرتبطاً بأسبابه المخصوصة من إيجاده .. وحسن الاختيار» وقوله: «جميع ما يحدث في العالم معلوم للّه تعالى على ما هو عليه ...».

المسألة السادسة:

في وجوب اللّطف

اشتهرت العدليّة بوجوب اللّطف(2) على الله سبحانه، وخالفتهم الأشعريّة وبشر


1. القواعد والفوائد: ج 2، ص 56، القاعدة 163.

2. المراد من الوجوب كونه مقتضى الحكمة، أو الجود والكرم، لا الوجوب بالمعنى المتبادر في أوساط الناس من حاكمية العباد على الله، وكون تركه مستلزماً للذم واللوم أو العقاب، وعلى ذلك فالحكم مستكشف العقل باعتبار ملاحظة أوصافه الجميلة. وعلى أيّ تقدير فمن قال به فإنما قال به من باب الحكمة، تحصيلاً لهدف الخلقة، أو هدف التكليف، أو من باب الجود والكرم، وأما إيجابه من باب العدل فلم يعلم له معنى محصل.


(371)

ابن المعتمر من معتزلة بغداد، وإيضاح الحقّ يستدعي البحث عن أُمور:

الأوّل : تعريف اللّطف و بيان حقيقته و أقسامه.

إنّ اللّطف، في اصطلاح المتكلّمين، يوصف بوصفين:

1- اللّطف المُحَصِّل.

2- اللّطف المُقَرِّب.

وهناك مسائل تترتّب على اللّطف بالمعنى الأوّل، ومسائل أُخرى تترتّب على اللّطف بالمعنى الثاني، وربّما يؤدّي عدم التّمييز بين المعنيين إلى خلط ما يترتّب على الأوّل بما يترتّب على الثاني .. ولأجل الاحتراز عن ذلك نبحث عن كلّ منهما بنحو مستقل.

1-اللُّطف المحصِّل

اللُّطف المحصِّل: عبارة عن القيام بالمبادئ والمقدّمات الّتي يتوقّف عليها تحقّق غرض الخلقة، وصونها عن العبث واللّغو، بحيث لولا القيام بهذه المبادئ والمقدّمات من جانبه سبحانه، لصار فعله فارغاً عن الغاية، وناقَضَ حكمته الّتي تستلزم التحرّز عن العبث، وذلك كبيان تكاليف الإنسان و إعطائه القدرة على امتثالها.

ومن هذا الباب بعث الرّسل لتبيين طريق السّعادة، وتيسير سلوكها. وقد عرفت في الأدلّة السابقة، أنّ الإنسان أقصر من أن ينال المعارف الحقّة، أو يهتدي إلى طريق السّعادة في الحياة بالاعتماد على عقله، والاستغناء عن التّعليم السماوي.

و وجوب اللّطف بهذا المعنى، ليس موضع مناقشة لدى القائلين بحكمته سبحانه، وتنزيهه عن الفعل العبثي الّذي اتّفق عليه العقل والنقل(1). وإنّما الكلام في «اللّطف المقرِّب»، وإليك البيان فيه:


1. لاحظ سورة الذاريات: الآية 56 وسورة المؤمنون: الآية 115.


(372)

2ـ اللُّطف المقرِّب

اللّطف المقرِّب: عبارة عن القيام بما يكون محصِّلا لغرض التّكليف بحيث لولاه لما حصل الغرض منه و ذلك كالوعد والوعيد، والتّرغيب و التّرهيب، الّتي تستتبع رغبة العبد إلى العمل، وبعده عن المعصية(1).

وهذا النّوع من اللّطف ليس دخيلاً في تمكين العبد من الطّاعة، بل هو قادر على الطّاعة وترك المخالفة سواء أكان هناك وعد أم لا، فإنّ القدرة على الإمتثال رهن التعرّف على التّكليف عن طريق الأنبياء، مضافاً إلى إعطاء الطّاقات الماديّة، والمفروض حصول هذه المبادئ والمقدّمات، غير أنّ كثيراً من النّاس لا يقومون بواجبهم بمجرّد الوقوف على التّكليف ما لم يكن هناك وعد و وعيد و ترغيب و ترهيب، فهذا النوع من اللّطف قد وقع موقع النِّقاش بين المتكلِّمين.

والحقّ هو القول بوجوب اللّطف إذا كان غرض التّكليف (لا غرض الخلقة) موقوفاً عليه عند الأكثريّة الساحقة من المكلّفين.

مثلاً لو فرضنا أنّ غالب المكلّفين، لا يقومون بتكاليفهم بمجرّد سماعها من الرّسل ـ وان كانوا قادرين عليها ـ إلاّ إذا كانت مقرونة بالوعد والوعيد، والتّرغيب والتّرهيب، وجب على المكلِّف القيام بذلك، صوناً للتّكليف عن اللّغوية، ولو أهملها المكلِّف ترتّب عليه بطلان غرضه من التّكليف، وبالتالي بطلان غرضه من الخلقة.

وفي الكتاب والسنّة إشارات إلى هذا النوّع من اللّطف. يقول سبحانه:


1. عرّف اللطف المقرب بأنه هيئة مقربة الى الطاعة ومبعدة عن المعصية، من دون أن يكون له حظّ في التمكين وحصول القدرة، ولا يبلغ حدّ الالجاء.

فخرج بالقيد الأوّل (لم يكن له حظ...) اللطف المحصّل، فإنّ له دخالة في تمكين المكلّف من الفعل بحيث لولاه لانتفت القدرة.

وخرج بالقيد الثاني (لا يبلغ حدّ الإلجاء) الإكراه والإلزام على الطاعة والاجتناب عن المعصية، فإنّ ذلك ينافي التكليف الذي يتطلب الحرية والاختيار في المكلف (لاحظ: كشف المراد، ص 201، ط صيدا).

وقال القاضي عبد الجبار: «اللطف هو كل ما يختار عنده المرء الواجب ويتجنب القبيح، أو ما يكون عنده أقرب إمّا إلى اختيار الواجب أو ترك القبيح» (شرح الاصول الخمسة: ص 519).


(373)

(وَبَلَوناهُم بالحَسَناتِ والسّيئاتِ لعلَّهُم يَرجِعون)(سوره الأعراف/168)

والمراد من الحسنات والسّيئات، نعماء الدّنيا و ضرّاؤها، و كأنّ الهدف من ابتلائهم بهما هو رجوعهم إلى الحقّ والطّاعة.

و يقول سبحانه: (وما أرسَلْنَا في قَرْيَة مِن نَبِىّ إلاّ أخَذْنا أهلَها بالبَأْساءِ و الضََّرّاءِ لَعَلَّهُم يَضّرّعُون)(سوره الأعراف/94) وفي الآية إشارة إلى كلا القسمين من اللّطف، ومفاد الآية أنّ الله تعالى أرسل رسله لإِبلاغ تكاليفه إلى العباد و إرشادهم إلى طريق الكمال (اللّطف المحصِّل)، غير أنّ الرّفاه و الرّخاء و التوغّل في النّعم المادّية، ربّما يسبِّب الطّغيان وغفلة الإِنسان عن هدف الخلقة وإجابة دعوة الأنبياء، فاقتضت حكمته تعالى أخذهم بالبأساء والضرّاء، لعلّهم يَضّرّعون ويبتهلون إلى الله تعالى.

ولأجل ذلك نشهد أنّ الأنبياء لم يكتفوا باقامة الحجّة والبرهان، والإتيان بالمعاجز، بل كانوا ـ مضافاً إلى ذلك ـ مبشِّرين و منذرين، وكان التّرغيب والتّرهيب من شؤون رسالتهم، قال تعالى: (رُسُلاً مُبَشِّرين و مُنذِرينَ)(سورة النساء/165) و الإنذار والتّبشير دخيلان في رغبة النّاس بالطّاعة و ابتعادهم عن المعصية.

وفي كلام الإِمام عليّ ـ عليه السلام ـ إشارة إلى هذا:

قال ـ عليه السلام ـ: «أيّها الناس، إنّ الله تبارك و تعالى لمّا خلق خلقَه أراد أن يكونوا على آداب رفيعة و أخلاق شريفة، فعلم أنّهم لم يكونوا كذلك إلاّ بأن يعرّفهم ما لهم و ما عليهم، والتّعريف لا يكون إلاّ بالأمر والنّهي(1)، والأمر والنّهي لا يجتمعان إلاّ بالوعد والوعيد، والوعد لا يكون إلاّ بالتّرغيب، والوعيد لا يكون إلاّ بالتّرهيب، والتّرغيب لايكون إلاّ بما تشتهيه أنفسهم و تلذّه أعينهم، والتّرهيب لا يكون إلاّ بضدّ ذلك ... الخ»(2).

وقوله ـ عليه السلام ـ: «والأمر والنّهي لا يجتمعان إلاّ بالوعد والوعيد» إشارة إلى أنّ


1. هذا إشارة إلى اللطف المحصل.

2. بحار الأنوار، ج 5، كتاب العدل والمعاد، الباب الخامس عشر، الحديث 13، ص 316.


(374)

امتثال الأمر و النّهي و نفوذهما في نفوس النّاس، يتوقّف على الثّواب والعقاب، فلولاهما لما كان هناك حركة إيجابيّة نحو التّكليف إلاّ من العارفين الّذين يعبدون الله تعالى، لا رغبة ولا رهبة، بل لكونه مستحقّاً للعبادة.

فتحصّل من ذلك أنّ ما هو دخيل في تحقّق الرّغبة بالطّاعة، والابتعاد عن المعصية في نفوس الأكثريّة الساحقة من البشر، يجب على الله سبحانه القيام به صوناً للتّكليف عن اللّغو، وبالتالي صوناً للخلقة عن العبث.

نعم، إذا كانت هذه المبادئ كافية في تحريك الأكثريّة نحو الطّاعة، ولكنّ القليل منهم لا يمتثلون إلاّ في ظروف خاصّة كاليسار في الرزق، أو كثرة الرفاه، فهل هو واجب على الله سبحانه؟ الظّاهر لا، إلاّ من باب الجود والتّفضّل.

وبذلك يعلم أنّ اللّطف المقرِّب إذا كان مؤثّراً في رغبة الأكثريّة بالطّاعة و ترك المعصية يجب من باب الحكمة، وأمّا إذا كان مؤثّراً في آحادهم المعدودين، فالقيام به من باب الفضل والكرم. وبذلك تقف على مدى صحّة ما استدلّ به بعضهم على اللّطف في المقام، أو سقمه.

استدلّ القاضي عبد الجبّار على وجوب اللّطف بقوله: «إنّه تعالى كلّف المكلّف، وكان غرضه بذلك تعريضه إلى درجة الثّواب، وعلم أنّ في مقدوره ما لو فعل به لاختار عنده الواجب، واجتنب القبيح، فلا بدّ من أن يفعل به ذلك الفعل و إلاّ عاد بالنّقض على غرضه، وصار الحال فيه كالحال في أحدنا إذ أراد من بعض أصدقائه أن يجيبه إلى طعام قد اتّخذه، وعلم من حاله أنّه لا يجيبه، إلاّ إذا بعث إليه بعض أعزّته من ولد أو غيره، فإنّه يجب عليه أن يبعث، حتّى إذا لم يفعل عاد بالنّقض على غرضه و كذلك هيهنا»(1).

قال الشّهرستاني: «اللّطف عبارة عن كلِّ ما يوصل الإنسان إلى الطّاعة و يبعِّده عن المعصية، ولمّا كان الله عادلاً في حكمه، رؤوفاً بخلقه، ناظراً لعباده، لا يرضى لعباده


1. شرح الاصول الخمسة: ص 521.


(375)

الكفر، ولا يريد ظلماً للعالمين، فهو لم يدّخر عنهم شيئاً ممّا يعلم أنّه إذا فعل بهم، أتوا بالطّاعة والصّلاح»(1).

وقال العلاّمة الحلي: «إنّ المكلِّف ـ بالكسر ـ إذا علم أن المكلّف ـ بالفتح ـ لايطيع إلاّ باللّطف، فلو كلّفه من دونه، كان ناقضاً لغرضه، كمن دعا غيره إلى طعام، وهو يعلم أنّه لا يجيبه إلاّ أن يستعمل معه نوعاً من التّأدّب، فإن لم يفعل الداعي ذلك النّوع من التأدّب كان ناقضاً لغرضه، فوجوب اللّطف يستلزم تحصيل الغرض»(2).

وقال الفاضل المقداد: «إنّا بيّنّا أنّه تعالى مريد للطّاعة و كاره للمعصية، فإذا علم أنّ المكلّف لا يختار الطّاعة، أو لا يترك المعصية، أو لا يكون أقرب إلى ذلك إلاّ عند فعل يفعله به، وذلك الفعل ليس فيه مشقّة ولا غضاضة، فإنّه يجب في حكمته أن يفعله، إذ لو لم يفعله لكشف ذلك، إمّا عن عدم إرادته لذلك الفعل، وهو باطل لما تقدّم، أو عن نقض غرضه إذا كان مريداً له، لكن ثبت كونه مريداً له فيكون ناقضاً لغرضه.

ويجري ذلك في الشّاهد مجرى من أراد حضور شخص إلى وليمة، وعرف أو غلب على ظنِّه أنّ ذلك الشّخص لا يحضر إلاّ مع فعل يفعله، من إرسال رسول، أو نوع، أدب، أو بشاشة، أو غير ذلك من الأفعال، ولا غضاضة عليه في فعل ذلك، فمتى لم يفعل عُدّ ناقضاً لغرضه، ونقض الغرض باطل، لأنّه نقص، والنّقص عليه تعالى محال، ولأنّ العقلاء يعدّونه سَفَهاً وهو ينافي الحكمة»(3).

وهذه البيانات تدلّ على أنّ اللّطف واجب من باب الحكمة.

هذا كلام القائلين بوجوب اللّطف، وهو على إطلاقه غير تامّ، بل الحقّ هو التّفصيل بين ما يكون مؤثِّراً في تحقّق التّكليف بشكل عامّ بين المكلّفين، فيجب من


1. الملل والنحل: ج 1، ص 107.

2. كشف المراد: الفصل الثاني، المسألة الثانية عشرة، ص 325، ط قم 1407.

3. ارشاد الطالبين: ص 277 ـ 278.


(376)

باب الحكمة، وإلاّ فيرجع إلى جوده و تفضّله من دون إيجاب عليه.

واستدلّ القائل بعدم وجوبه بقوله: «لو وجب اللّطف على الله تعالى لكان لا يوجد في العالم عاص، لأنّه ما من مكلّف إلاّ وفي مقدور الله تعالى من الألطاف ما لو فعله به لاختار عنده الواجب و اجتنب القبيح، فلمّا وجدنا في المكلّفين من أطاع وفيهم من عصى، تبيّن أنّ الألطاف غير واجبة على الله تعالى»(1).

يلاحظ عليه: أنّ هذا المستدلّ لم يقف على حقيقة اللّطف، ولذلك استدلّ بوجود العصاة على عدم وجوبه، فهو تصوّر أنّ اللّطف عبارة عمّا لا يتخلّف معه المكلّف عن الإتيان بالطّاعة وترك المعصية، فنتيجته كون وجود العصيان دليلاً على عدم وجوبه، وعدم وجوده دليلاً على وجوبه، مع أنّك قد عرفت في أدلّة القائلين به بأنّه ما يكون مقرِّباً إلى الطّاعة و مبعِّداً عن المعصية من دون أن يبلغ حدّ الإلجاء.

يقول القاضي عبد الجبّار: «إنّ العباد على قسمين، فإنّ فيهم من يعلم الله تعالى من حاله أنّه إن فعل به بعض الأفعال كان عند ذلك يختار الواجب و يتجنّب القبيح، أو يكون أقرب إلى ذلك، وفيهم من هو خلافه حتّى إن فعل به كلّ ما فعل لم يختر عنده واجباً ولا اجتنب قبيحاً»(2).

ويؤيِّده ما ورد في الذِّكر الحكيم من أنّ هناك أُناساً لا يؤمنون أبداً ولو جاءهم نبيّهم بكلِّ أنواع الآيات والمعاجز.

قال سبحانه: (وما تُغني الآياتُ و النُذُرُ عَن قول لا يُؤْمنون)(3).

وقال سبحانه: (ولَئِن أَتَيْتَ الّذين أُوتُوا الكِتابَ بكلِّ آية ما تَبِعوا قِبلَتَك)(4).

وفي الختام نقول: إنّ اللُّطف سواء أكان المراد منه اللّطف المحصِّل أم اللّطف المقرِّب، من شؤون الحكمة، فمن وصفه سبحانه بالحكمة والتنزّه عن اللّغو والعبث، لامناص له عن الاعتقاد بهذه القاعدة، غير أنّ القول بوجوب اللّطف في المحصِّل


1. شرح الاُصول الخمسة: ص 523.

2. شرح الاُصول الخمسة: ص 520.

3. سورة يونس: الآية 101.

4. سورة البقرة: الآية 145.


(377)

أوضح من القول به في المقرِّب.

ولكن يظهر من الشّيخ المفيد أنّ وجوب اللّطف من باب الجود والكرم، قال: «إنّ ماأوجبه أصحاب اللّطف من اللّطف، إنّما وجب من جهة الجود والكرم، لا من حيث ظنّوا أنّ العدل أوجبه، وأنّه لو لم يفعل لكان ظالماً»(1).

يلاحظ عليه: أنّ إيجابه من باب الجود والكرم يختّص باللّطف الراجع إلى آحاد المكلّفين، لا ما يرجع إلى تجسيد غرض الخلقة، أو غرض التّكليف، عند الأكثريّة الساحقة من المكلّفين، كما عرفت.

ثمّ إنّ المراد من وجوب اللّطف على الله سبحانه ليس ما يتبادر إلى أذهان السطحيّين من الناس، من حاكميّة العباد على الله، مع أنّ له الحكم والفصل، بل المراد استكشاف الوجوب من أوصافه تعالى، فإنّ أفعاله مظاهر لأوصافه تعالى، كما أنّ أوصافه مظاهر لذاته تبارك وتعالى. فإذا علمنا-بدليل عقليّ قاطع-أنّه تعالى حكيم، استتبع ذلك واستلزم العلم بأنّه لطيف بعباده، حيثما يَبطل غرض الخلقة أو غرض التّكليف لولا اللّطف.

المسألة السابعة:

في حدوث كلامه تعالى

من المسائل الّتي أثارت ضجّة كبرى بين العلماء وانتهت إلى محنة تعرف في التأريخ بمحنة الإمام أحمد بن حنبل، هي البحث عن حدوث القرآن و قدمه، وعن كونه مخلوقاً أو لا. فالمعتزلة على حدوث القرآن و نفي قدمه تنزيهاً له سبحانه عن المثل القديم و غير المخلوق، وأصحاب الحديث و الحنابلة و بعدهم الأشاعرة على ضدّهم و أنّه قديم أو ليس بمخلوق فراراً عن سمة الحدوث الطارئ على صفاته مثل التكلّم.

ولمّا وصلت المعتزلة في عصر المأمون و بعده في عصر الواثق إلى قمّة القدرة و


1. أوائل المقالات: ص 25 ـ 26.


(378)

كانت الخلافة العبّاسية تؤازرهم و تؤيّدهم، خرجوا عن منهجهم السّابق ـ منهج الحرّيّة في الرأي والتفكّر ـ وسلكوا في هذه المسألة مسلك الضّغط. فطفقوا يحملون النّاس على عقيدتهم (خلق القرآن) بالقوّة والاكراه، فمن خالفهم ولم يقرّ به يحكم عليه بالحبس تارة والضّرب أُخرى. وأوجد ذلك في حياتهم العلميّة نقطة سوداء، وسيوافيك تفصيل حمل الناس على اعتناق عقيدتهم في هذا المجال في فصل خاصّ.

هذا من جانب و من جانب آخر، لمّا أخذ أحمد بن حنبل في هذا المجال موقف الصّمود والثّبات في عقيدته صار بطلاً في حياته، و بعدها يضرب به المثل في الصّمود على العقيدة، و قد استبطلته المعتزلة و صار إماماً في عقائد أهل السنّة بصموده في طريق عقيدته. و لإيضاح الحقّ نرسم اُموراً:

1- مسلك أهل الحديث

إنّ مسلك أهل الحديث في اتّخاذ العقيدة في مسائل الدّين هو اقتفاء كتاب الله وسنّة رسوله. فما جاء فيها يؤخذ به و ما لم يجئ فيها يسكت عنه ولا يبحث فيه، ولأجل ذلك كان أهل الحديث يحرِّمون علم الكلام، ويمنعون البحث عن كلِّ ما ليس وارداً في الكتاب والسنّة.

وعلى ضوء هذا كان اللازم على أهل الحديث السّكوت وعدم النّبس ببنت شفة في هذه المسألة، لأنّ البحث فيها حرام على اُصولهم، سواء أكان الموقف هو قدم القرآن أم حدوثه، لأنّه لم يرد فيه نصّ عن رسول الله، ولا عن أصحابه، ومع الأسف كان موقفهم ـوفي مقدّمهم أحمد بن حنبل ـ موقف الايجاب وتكفير المخالف.

يقول الإمام أحمد بن حنبل في كتاب «السنّة»: «والقرآن كلام الله ليس بمخلوق، فمن زعم أنّ القرآن مخلوق فهو جهميّ كافر، ومن زعم أنّ القرآن كلام الله عزّوجلّ ووقف ولم يقل مخلوق ولا غير مخلوق فهو أخبث من الأوّل، ومن زعم أنّ ألفاظنا بالقرآن و تلاوتنا له مخلوقة والقرآن كلام اللّه، فهو جهميّ، ومن لم يكفِّر هؤلاء القوم كلّهم فهو


(379)

مثلهم»(1).

إنّ السّلفيين و حتّى أتباعهم في هذه الأيّام يتحرّجون من القول بأنّ الله ليس بجسم، قائلين بأنّه لم يرد نصّ فيه في الشّريعة، ولكن يتشدّقون بقدم القرآن وعدم حدوثه، بلا اكتراث سالفهم و لاحقهم حتّى جعلوه أصلاً يدور عليه إسلام المرء وكفره.

2- النّصارى و قدم الكلمة

إنّ القول بقدم القرآن تسرّب إلى أوساط المسلمين من المسيحيّين، حيث كانوا يقولون بقدم الكلمة. وقد صرّح بذلك الخليفة العبّاسي في كتابه الّذي بعثه من الرقّة إلى رئيس شرطة بغداد إسحاق بن إبراهيم يقول : «وضاهوا به قول النّصارى في ادّعائهم في عيسى بن مريم أنّه ليس بمخلوق إذ كان كلمة الله»(2).

قال أبو العبّاس البغوي: «دخلنا على «فثيون» النّصراني وكان في دار الروم بالجانب الغربي، فجرى الحديث إلى أن سألته عن ابن كلاب (الّذي كان يقول بأنّ كلام الله هو الله) فقال: «رحم الله عبدالله كان يجيء فيجلس إلى تلك الزّاوية و أشار إلى ناحية من البيعة وعنى أخذ هذا القول (كلام الله هو الله) ولو عاش لنصّرنا المسلمين قال البغوي: وسأله محمّد بن إسحاق الطّالقاني، فقال: ما تقول في المسيح؟ قال: ما يقوله أهل السنّة من المسلمين في القرآن»(3).

قال أبو زهرة: «إنّ النّصارى الّذين كانوا في حاشية البيت الأموي وعلى رأسهم يوحنّا الدمشقي و غيرهم، كانوا يبثّون الشّكوك بين المسلمين. فقد جاء في القرآن أنّ عيس بن مريم كلمة الله ألقاها إلى مريم. فكان يبثّ بين المسلمين أنّ كلمة الله قديمة فيسألهم: أ كلمته قديمة أم لا؟ فان قالوا:لا، فقد قالوا: إنّ كلامه مخلوق. وإن قالوا:


1. كتاب السنّة: ص 49.

2. تاريخ الطبري: ج 7، ص 198، حوادث سنة 218.

3. فهرست ابن النديم: الفن الثالث من المقالة الخامسة ص 230.


(380)

قديمة، ادّعى أنّ عيسى قديم»(1).

وبعد ذلك لا يعبأ بما قاله مؤلّف كتاب «المعتزلة» من أنّ القول بخلق القرآن جاء من اليهود، وأنّ أوّل من نشرها منهم لبيد بن الأعصم عدوّ النّبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم اللّدود الّذي كان يقول بخلق القرآن، ثمّ أخذ ابن اُخته طالوت هذه المقالة عنه، وصنّف في خلق القرآن(2).

هذا، وإنّ المشهور بين اليهود هو قدم التّوراة(3).

وعلى كلِّ تقدير، فالمسألة مستوردة وليست نابتة من صميم الدّين و اُصوله. وقد طرحت في أواخر القرن الثّاني في عصر المأمون، وامتدّت إلى عصر المتوكّل ومن بعده الّذين يضغطون على المعتزلة وينكِّلون بهم.

إنّ تأريخ البحث يعرب عن أمرين:

أ-إنّ المسألة طرحت في جوّ غير هادئ و مشحون بالعداء، ولم يكن البحث لكشف الحقيقة وابتداعها، بل كلُّ يصرّ على إثبات مدّعاه.

ب- لم يكن موضوع البحث منقّحاً حتّى يتوارد عليه النّفي والاثبات، وأنّهم لماذا يفرّون من القول بحدوث القرآن ولماذا يكفّرون القائل به. أهم يريدون من قدم القرآن، قدم الآيات الّتي يتلوها القارئ، أو النّبي الأكرم، أو أمين الوحي. أم يريدون قدم معانيه والمفاهيم الواردة فيه. أو يريدون قدم علمه، سبحانه إلى غير ذلك من الاحتمالات الّتي لم يركّز البحث على واحد منها.

يقول القاضي: «ذهبت الحشويّة من الحنابلة إلى أنّ هذا القرآن المتلوّ في المحاريب والمكتوب في المصاحف، غير مخلوق ولا محدث، بل قديم مع الله تعالى».

وقال ابن قتيبة: «اتّفقوا على أنّ القرآن كلام الله غير مخلوق و إنّما اختلفوا في


1. تاريخ المذاهب الاسلاميّة: ج 2، ص 394.

2. المعتزلة: ص 22، زهدي حسن جار الله.

3. اليهودية: ص 222، تأليف أحمد شلبي، كما في بحوث مع أهل السنة والسلفية ص 153.


(381)

اللّفظ بالقرآن لغموض وقع في ذلك وكلّهم يجمعون على أنّ القرآن بكلّ حال ـ مقروءاً و مكتوباً ومسموعاً و محفوظاً ـ غير مخلوق»(1).

وذهبت الكلابيّة(2) إلى أنّ كلام الله تعالى هو معنى أزليّ قائم بذاته مع أنّه شيء واحد.

وأمّا مذهبنا في ذلك فهو أنّ القرآن كلام الله تعالى و وحيه وهو مخلوق محدث أنزله الله على نبيِّه ليكون علماً و دالاً على نبوّته، و جعله دلالة لنا على الأحكام لنرجع إليه في الحلال و الحرام واستوجب منّا بذلك الحمد و الشّكر والتّحميد والتّقديس، واذن هو الّذي نسمعه اليوم ونتلوه و إن لم يكن محدثاً من جهة الله تعالى فهو مضاف إليه على الحقيقة كما يضاف ما ننشده اليوم من قصيدة امرئ القيس على الحقيقة، وإن لم يكن مُحدِثاً لها من جهته الآن(3).

3- استدلالهم على حدوث القرآن

إذا كان محلّ النزاع هو القرآن المتلوّ كما يظهر من كلام القاضي فحدوثه أمر واضح، فإنّ الكلام هو الحروف المنظومة الّتي تظهر بالأصوات المقطّعة وليس حدوثه شيئاً يحتاج إلى دليل ولو احتاج حدوث مثل هذا إلى دليل إذاً احتاج النّهار إلى دليل. كيف وإنّ ترتيب حروف الكلمات والجمل يستلزم الحدوث، لأنّ تحقّق كلمة بسم الله يتوقّف على حدوث الباء وانعدامها، ثمّ حدوث السين كذلك، ثمّ حدوث الميم وهكذا إلى آخر البسملة. فالحدوث ثمّ الانعدام لا يفارقان مفردات الحروف. وفي ضوء هذا توجد الكلمة فكيف يمكن أن يكون مثل هذا قديماً أزليّاً مع الله تعالى؟.

وهذا الاستدلال متين لا مفرّ منه.


1. تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة: ص 16 طبع دار الجيل، .

2. المؤسس هو عبدالله بن محمد بن كلاب، وله مع عباد بن سليمان مناظرات، وكان يقول: إنّ كلام الله هو الله، وكان عباد يقول: إنّه نصراني بهذا القول: فلاحظ فهرست ابن النديم الفن الثالث من المقالة الخامسة ص 230.

3. شرح الاُصول الخمسة: ص 528.


(382)

ثمّ إنّ القاضي استدلّ على حدوث القرآن بآيات:

1- (وَ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْر مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَث)(الأنبياء/2) والذِّكر هو القرآن بدليل قوله: (إنّا نَحْنُ نَزَّلنا الذِّكْرَ و إنَّا لَهُ لَحَافِظُون). فقد وصفه بأنّه محدث، ووصفه بأنّه منزّل، والمنزّل لا يكون إلاّ محدثاً. وفيه دلالة على حدوثه من وجه آخر، لأنّه قال: (وإنّا له لحافظون)) فلو كان قديماً لما احتاج إلى حافظ يحفظه.

2-(الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُه ثُمَّ فُصِّلَتْ)(هود/1).

بيّن كونه مركّباً من هذه الحروف وذلك دلالة حدوثه، ثمّ وصفه بأنّه كتاب، أي مجتمع من كتب، ومنه سمّيت الكتيبة كتيبة، وما كان مجتمعاً لا يجوز أن يكون قديماً.

3- (اللّهُ نزَّل أحْسَنَ الحديثِ كِتاباً مُتشابِهاً مَثانِيَ)(الزمر/23).

وصفه بأنّه «منزّل» أوّلاً، ثمّ قال: «أحسن الحديث». وصفه بالحسن، والحسن من صفات الأفعال. ووصفه بأنّه «حديث» وهو والمحدث واحد. فهذا صريح ما ادّعيناه. وسمّاه «كتاباً»، وذلك يدلّ على حدوثه كما تقدّم. وقال: «متشابهاً» أي يشبه بعضه بعضاً في الاعجاز والدّلالة على صدق من ظهر عليه. وما هذا حاله لا بدّ من أن يكون محدثاً(1).

4- محاولة بعض الحنابلة لإثبات القدم

ولمّا كانت العقيدة بقدم القرآن منافية لتوحيده سبحانه، حاول ابن تيميّة تصحيح عقيدة الحنابلة ـ الّتي صارت متروكة و مندرسة بعد ثورة الإمام الأشعري على الطّائفتينـ بالتّفريق بين القدم و عدم المخلوقيّة و قال:

«وكما لم يقل أحد من السّلف إنّ كلام الله مخلوق، فلم يقل أحد منهم إنّه قديم، ولم يقل واحداً من القولين أحد من الصّحابة، ولا التّابعين لهم بإحسان، ولا من بعدهم من الأئمّة الأربعة ولا غيرهم. وأوّل من عرف أنّه قال «هو قديم»، عبدالله بن سعيد بن


1. شرح الاُصول الخمسة: ص 532.


(383)

كلاب»(1).

ولا يخفى أنّ التّفريق بين عدم الخلقة و القدم، كالتّفريق بين المترادفين مثل «الإنسان» و«البشر» فكما لا يصحّ أن يقال: هذا بشر لا إنسان، فهكذا لا يصحّ أن يقال: «القرآن غير مخلوق و لكن ليس بقديم» لأنّ الشّيء إذا لم يكن مخلوقاً يكون وجوده لذاته، وما كان كذلك لا يكون مسبوقاً بالعدم فيكون قديماً.

أضف إلى ذلك أنّ ابن الجوزي صرّح بأنّ الأئمّة المعتمد عليهم قالوا: إنّ القرآن كلام الله قديم(2).

فكما أنّ هذه المحاولة فاشلة، فهكذا محاولته الثّانية الّتي لا يليق بها أن تسطر. وهي القول بقدم حروف المعجم الّتي هي موادّ كلمة الله، حيث قال: «وما تكلّم الله به فهو قائم به، ليس مخلوقاً منفصلاً عنه، فلا تكون الحروف التي هي مباني أسماء الله سبحانه وكتبه المنزلة مخلوقة، فقول القائل بأنّ الحروف قديمة، أو حروف المعجم قديمة، فإن أراد جنسها فهذا صحيح. وإن أراد الحرف المعيّن فقد أخطأ»(3).

إنّ القول بقدم موادِّ القرآن ـ أعني حروف المعجم ـ أشبه بالقول بقدم الماهيّات المنفكّة عن الوجود. وهذه الحروف بجنسها، كما أنّ الماهيّات بنوعها، ليست إلاّ مفاهيم بحتة معدومة و إنّما تتشخّص بالوجود، وتتحقّق بالكينونة، ولا يكون ذلك إلاّ فرداً و هو حادث قطعاً حسب ما اعترف به.

هذه المسائل صارت سبباً لسقوط عقيدة الحنابلة في أعين المفكِّرين والمحقّقين من علماء الإسلام. ولأجل ذلك التجأ الأشعري لتصحيح العقيدة إلى الكلام النّفسي القائم بذاته سبحانه. وقد عرفت في تبيين عقيدة الأشعري أنّ مرجع الكلام النّفسي إلى العلم، وليس شيئاً غيره.


1. مجموعة الرسائل: ج 3 ص 20.

2. المنتظم في ترجمة الأشعري، ج 6، ص 332.

3. مجموعة الرسائل: ج 3، ص 45.


(384)

ثمّ إنّ هيهنا أدلّة سمعيّة للحنابلة في إثبات قدم القرآن نأتي بها على وجه الاجمال، وقد طرحها القاضي في كتبه وقام بتحليلها.

5- نقد أدلّة القائلين بالقدم

إنّ القاضي يذكر أدلّة القائلين بقدم القرآن و يقول: «وللمخالف في قدم القرآن شبه، من جملتها:

الشبهة الأولى: قولهم: قد ثبت أنّ القرآن مشتمل على أسماء الله تعالى والاسم والمسمّى واحد، فيجب في القرآن أن يكون قديماً مثل: الله تعالى. قالوا: والّذي يدلّ على أنّ الاسم والمسمّى واحد، هو أنّ أحدنا عند الحلف يقول: تالله و والله. وهكذا يقول: بسم الله. ولا يكون كذلك إلاّ و الأمر على ما قلناه. وكذلك فقد قال لبيد:

إلى الحول ثمّ اسم السّلام عليكما * ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر

أي السّلام عليكما.

وهكذا فإنّ أحدنا إذا قال: طلّقت زينب، كان الطّلاق واقعاً عليها. فلو لم يكن الاسم والمسمّى واحداً لا يكون كذلك».

وأجاب عنه القاضي بأنّ الاسم غير المسمّى و إلاّ فمن قال: ناراً، يجب أن يحترق فمه.

وعلى هذا قال بعضهم:

لو كان من قال ناراً أُحرقت فمه * لما تفـوّه باســم النّــار مخلــوق

فكيف يكون الاسم و المسمّى واحداً، مع أنّ الاسم عرض و المسمّى جسم؟.

أقول: يجب إلفات نظر القارئ إلى اُمور:

1- إنّ اتّحاد الاسم مع المسمّى صحيح على وجه و باطل على وجه آخر. فإن أرادوا اتّحاد واقعيّة العالم مع ذاته سبحانه فذلك صحيح، لما قلنا من أنّ ذاته سبحانه


(385)

بلا ضمّ ضميمة مصداق للعالم، وليست ذاته شيئاً و عالميّته شيئاً آخر، ولأجل ذلك، الاسم هو واقعيّة العالميّة، ولفظ (العالم) إسم للاسم.

وإن أرادوا اتّحاد لفظ (العالم) الّذي حدوثه ذاتيّ، و تدرّجه عين تحقّقه، مع المسمّى فذلك من البطلان بمكان.

2- إنّ المعارف الإلهيّة لا تبتنى على المسائل الفقهيّة، فإنّ لكلِّ علم منهجاً خاصّاً لتحليل مسائله. فالمعارف الإلهيّة مسائل حقيقيّة تطرح على بساط البحث، و ينظر إليها من زاوية البرهان العقلي. وأمّا المسائل الفقهيّة فهي مسائل اعتباريّة، اعتبرها الشّارع موضوعاً لأمره ونهيه و طاعته و عصيانه، فلا يصحّ الاستدلال عليها إلاّ من زاوية العلوم الاعتباريّة.

فالعالم كلُّ العالم من يحلِّل كلّ مسألة بمنهجها الخاصّ، ولا يخلط هذا بذاك. ولكنّ الحنابلة طفقوا يستدلّون على اتّحاد الاسم مع المسمّى بمسألة فقهيّة، وهذا مثل من أنكر كرويّة الأرض بحجّة أنّ كرويّتها لا توافق كون ليلة القدر ليلة واحدة، بل تستلزم أن تكون ليلتين. وقد أوضحنا حال هذه الشّبهة في أبحاثنا الفقهيّة.

3- إنّ الحلف في قول «تالله» و «والله»، واقع على الاسم لا على المسمّى، لوضوح أنّ المقسم به هو لفظ الجلالة لا مصداقه، غاية الأمر اللّفظ طريق و مرآة إلى المسمّى، ومع ذلك فالمحلوف به لفظه واسمه، لا مصداقه و ذاته مباشرة، فأين للإنسان النّاقص شهود ذاته حتّى يحلف بها. فلو تصعّد و تصوّب لا يكون حلفه خارجاً عن الحلف باللّفظ. فإذا كان الحلف هنا على الاسم، يكون الحلف في قوله «باسم الله» أيضاً على الاسم بحجّة أنّ الاضافة بيانيّة، بمعنى أحلف على الاسم الّذي هو الله. ففي كلا القسمين الحلف واقع على الاسم، دون المسمّى، وليس الحلف في الأوّل على المسمّى حتّى يستدلّ بصحّة الحلف في الثّاني المشتمل على لفظ الاسم، على أنّ الاسم هو المسمّى و يستنتج من قدم المسمّى قدم الاسم و منه قدم القرآن لاشتماله على أسمائه.

إنّ اتّحاد الاسم مع المسمّى من الأفكار الباطلة الّتي شطب العلم، والفكر


(386)

الصحيح، عليها طيلة قرون. ومع الأسف إنّ الشّيخ الأشعري جعله من جملة عقائد أصحاب الحديث و أهل السنّة، وقال في قائمة عقائد تلك الطّائفة: «إنّ أسماء الله لا يقال إنّها غير الله، كما قالت المعتزلة والخوارج»(1).

يحكى أنّ بعض الحنابلة ناظر أبا الهذيل في هذه المسألة فأخذ لوحاً و كتب عليه «الله». قال: أفتنكر أن يكون هذا هو الله و تدفع المحسوس؟ فأخذ أبو الهذيل اللّوح من يده و كتب بجنبه: «الله» آخر. فقال للحنبليّ: أيّهما الله إذن؟-فانقطع المدبر(2).

فلو صحّت هذه الوحدة لوجب تعدّد الآلهة حسب تعدُّد أسمائه و كثرتها في لغة العرب وسائر اللّغات.

الشبهة الثانية: إنّ القوم تعلّقوا بآيات من القرآن في إثبات قدمه. منها قوله تعالى: (ألا لَهُ الخَلْقُ وَ الأمْرُ) (الاعراف/54) قالوا: إنّه تعالى فصّل بين الخلق والأمر، وفي ذلك دلالة على أنّ الأمر غير مخلوق(3). والقرآن مشتمل على الأمر فيكون غير مخلوق.

وأجاب عنه القاضي بأنّ ذلك من قبيل عطف الخاصِّ على العامّ، مثل قوله سبحانه: (فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَ نَخْلٌ وَ رُمّانٌ)(الرحمن/68).

ويمكن أن يجاب بالنّقض والحلّ.

أمّا نقضاً فبقوله سبحانه: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّي))(الإسراء/85).

فلو كان الأمر غير مخلوق يلزم أن يكون الروح الّذي من الأمر غير مخلوق و قديماً.

وأمّا حلاّ ً فبوجهين:

أ ـ المراد من الخلق هنا هو التّقدير، قال في اللّسان: «الخلق: التقدير، وخلَق الأديم يخلقه خلقاً: قدّره لما يريد قبل القطع. قال زهير يمدح رجلاً:


1. المقالات: ص 290. وفي هذا المصدر تكلّم عن أصحاب الحديث حول اتحاد الاسم مع المسمى، فراجعه.

2. شرح الاصول الخمسة: ص 544.

3. المصدر نفسه


(387)

ولأنــت تَفــري مــا خلقــتَ * و بعض القوم يَخلق ثمّ لا يفري(1).

والمراد من الأمر هو الايجاد، لقوله سبحانه: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذْا أَرَادَ شَيْئَاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون)(يس/82). وعلى ذلك يعود معنى الآية إلى أنّ التقدير والايجاد في عالم الكون من السّماوات و الأرض و ما بينهما له سبحانه. ويشهد عليه ملاحظة نفس الآية: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمواتِ وَ الأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوى عَلَى العَرْشِ، يُغْشِى الَّيْلَ النّهارَ يَطْلُبُهُ حَثيثاً و الشَّمسَ والقَمَرَ و النُّجومَ مُسَخّرات بِأَمْرِهِ، ألا لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ العَالَمِين)(الأعراف/54).

فخلق العالم من الذّرّة إلى المجرّة، رهن التّقدير و الايجاد، ولا شريك له سبحانه في واحد من هذين الأمرين، و عندئذ لا صلة لكلمة الأمر، بالأوامر الشّرعية الواردة في القرآن الكريم حتّى يستدلّ من حديث المقابلة أنّ الأمر غير الخلق.

ب- المراد من الخلق هو الايجاد، كما هو الشائع، والمراد من الأمر السنن السائدة على العالم، الحاكمة عليه والوسيلة للتدبير. و يشهد له قوله قبل ذلك: (مسخّرات بأمره) أي مسخّرات بسننه و قوانينه سبحانه. فيعود معنى الآية أيضاً إلى أنّ الخلق و التّدبير بالسنن له سبحانه، لا يشاركه فيهما شيء.

ويظهر ذلك إذا علمنا أنّ «الألف واللام» في «له الأمر» إشارة إلى الأمر الوارد قبله أي: (مسخّرات بأمره) ومن المعلوم أنّ التّسخير قائم بوضع سنن و قوانين على عالم الخلق.

الشبهة الثالثة: إنّ توصيف القرآن بأنّه مخلوق ربّما يوهم وصف القرآن بالكذب والاختلاق، ولهذا يقال: قصيدة مخلوقة و مختلقة، إذا كانت مشتملة على أكاذيب وأباطيل.

قال سبحانه: (إن هذا إلاّ خلق الأوّلين) (الشعراء/137).

وقال سبحانه: (إن هذا إلاّ اختلاق) (ص/7).

والإجابة عنه واضحة، فإنّ المراد من كونه مخلوقاً، كونه مخلوقاً لله سبحانه.


1. لسان العرب: مادة «خلق».


(388)

ويشهد له أنّه سبحانه وصفه بـ «أنزله»، و «جعله»، وغيرذلك من الأفعال الدالّة على انتسابه إلى الله سبحانه.

واستغلال الملحد لهذه الكلمة بتفسيرها بالكذب و الاختلاق لا يغيِّر الواقع، فالمراد أنّ القرآن المتلوّ على لسان النّبي والصّحابة و التّابعين والمسلمين، شيء موجود و لا بدّ له من محدث و خالق، و خالقه هو الله سبحانه.

قال المفيد ـ رحمه الله ـ: «إنّ كلام الله تعالى محدث، وبذلك جاءت الآثار عن آل محمّد ـ عليهم السلام ـ والمراد أنّ القرآن كلام الله و وحيه و أنّه محدث كما وصفه الله تعالى. وأمنع من إطلاق القول عليه بأنّه مخلوق. وبهذا جاءت الآثار عن الصّادقين، وعليه كافّة الإماميّة إلاّ من شذّ»(1).

والحاصل إنّ إطلاق لفظة «الخلق» على القرآن، لمـّا كان موهماً لكونه كذباً و مختلقاً، منع من إطلاقه في هذا المقام، وأجيز إطلاق ما لا يوهم مثل هذا المعنى. كلفظ «محدث». وأنّه كلام الله و كتابه و تنزيله، مما يفيد أنه غير أزليّ، وليس بقديم. فإذن، يكون من قبيل:

عباراتنا شتّى' و حسنك واحد * وكلّ إلى ذاك الجمال يشير

وقد وردت الروايات في النّهي عن إطلاق الخلق على القرآن ـ لصدّ استغلال الملاحدة ـ في (توحيد الصّدوق)(2).

هذا، وقد أشار القاضي عبد الجبّار إلى هذا الوجه و قال:

«فان قيل: أليس قوله تعالى' «و تخلقون إفكاً» أريد به كونه كذباً فما أنكرتم، أليس من أنّ القرآن لا يوصف بذلك من إيهام كونه كذباً... أليس يقولون قصيدة مخلوقة مختلقة يعني أنّها كذب، و على هذا الوجه يقول القائل: خلقت حديثاً و اختلقته»(3).


1. اوائل المقالات: ص 18 ـ 19.

2. لاحظ: توحيد الصدوق، باب القرآن، الأحاديث 2 و 3 و 4 و 5، ص 221 ـ 222.

3. المغنى: أبواب التوحيد والعدل، ج 7، ص 216 ـ 217.


(389)

ولكنّ الإجابة عنه واضحة، لما عرفت من أنّه يمكن التّعبير عنه بوجه لا يستلزم ذلك الوهم ككونه محدثاً، أو إنّه غير قديم.

والظّاهر أنّ الوجه في عدم توصيفه بكونه مخلوقاً هو تصوّر الملازمة بين كونه مخلوقاً وكون علمه سبحانه حادثاً.

وهناك وجه آخر لعدم التزامهم بكونه مخلوقاً وهو تصوّر أنّ كلِّ مخلوق فان، فيلزم فناء القرآن و موته مع أنّه سبحانه يقول: (إنّا نحن نزّلنا الذِّكر و إنّا له لحافظون)(1).

الشّبهة الرابعة: إنّ الله سبحانه خلق العالم بلفظ «كن»، يقول: (إنّما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) (يس/74) و يقولون لو لم يكن هذا الـ «كن» قديماً، لوجب أن يكون محدثاً. فكان لا يحدث إلاّ بـ «كن» آخر. والكلام في ذلك الـ «كن» كالكلام فيه، فيتسلسل إلى ما لا نهاية له(2).

وأجاب عنه القاضي: ليس المراد من هذه اللّفظة هو المركّب من الكاف و النّون، إذ لا شكّ في حدوثه، فيجب أن يكون المراد هو الارادة(3).

ثمّ قال: «والغرض من هذه الآية و ما جرى مجراها إنّما هو الدّلالة على سرعة استجابة الأشياء له من غير امتناع، نظيرها قوله تعالى: (وقال لها و للأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً)(فصلت/11). ومنه قول الشاعر:

و قالت له العينان سمعاً و طاعة * وحدرتــا كالـدُّرّ لمـّا يثقّــب

والّذي يدلّ على أنّ المراد هنا ليس لفظة «كن»، أنّه ليس في المقام مخاطب ذو سمع يسمع الخطاب فيوجد به، وعندئذ تصير الآية تمثيلاً لحقيقة فلسفيّة، وهي أنّ إفاضته سبحانه وجود الشّيء لا تتوقّف على شيء وراء ذاته المتعالية. فمشيئته سبحانه


1. المغنى: ج 7، ص 121 وهو أيضاً كما ترى.

2. شرح الاصول الخمسة: ص 560.

3. المصدر السابق. ولمّا كان القول بالارادة الحادثة في ذاته مستلزماً لحدوث الذات، التجأ القاضي وأتباعه إلى أنّ للّه سبحانه إرادة غير قائمة بذاته، وهو كما ترى.


(390)

مساوقة لوجود الشّىء بلا تخلّف. وأمّا حقيقة إرادته فلبيانها مقام آخر.

وفي نفس الآيات إشارات لطيفة إلى هذا المعنى.

قال سبحانه: (وما أمرنا إلاّ واحدة كلمح بالبصر) (القمر/50) فيكون الهدف من الآية ونظائرها بيان أنّ إرادته و مشيئته المتعلِّقة بتحقّق الشيء يساوق وجوده و ليست كارادة الإنسان. فإنّ الارادة والمشيئة فيه لا تساوق وجود الشّيء، بل يحتاج إلى مقدّمات و أسباب.

المسألة الثامنة:

ما تتعلّق بالنبوّات و الشّرائع و معاجز الأنبياء

إنّ القاضي رتّب على القول بالعدل عدّة مسائل زعم أنّها من نتائج القول به، وبما أنّ الاختلاف فيها بين المعتزلة و غيرهم بسيط، نكتفي بإيرادها إجمالاً:

1- بعث الأنبياء: قال: «ووجه اتّصاله بباب العدل هو أنّه سبحانه إذا علم أنّ صلاحنا يتعلّق بالشّرعيات، فلا بدّ من أن يعرِّفناها، لكي لا يكون مُخلاًّ بما هو واجب عليه، ومن العدل أن لا يخلّ بما هو واجب عليه».

2- لزوم اقتران النبوّة بالمعجز: قال: «إذا بعث إلينا رسولاً ليعرِّفنا المصالح، فلا بدّ من أن يدّعي النبوّة و يظهر عليه العلم المعجز الدّالّ على صدقه عقيب دعواه النُّبوة».

ثمّ فصّل حقيقة المعجز.

يلاحظ عليه: إنّ مقتضى العدل بعث الأنبياء بالدّلائل و البيّنات المثبتة لدعواهم النّبوّة، ولا تنحصر البيّنات بالمعجزات، بل المعجز إحدى الطّرق إلى التعرّف على صدق النّبي. وهناك طريقان آخران نشير إلى عنوانيهما:

أ-تصديق النبّيّ السابق (الّذي ثبتت نبوّته قطعيّاً) نبوّة النّبىِّ اللاّحق.


(391)

ب- جمع القرائن والشّواهد الّتي تدلّ على صدق دعواه صدقاً قطعيا(1).

3- صفات النّبي: يقول: «الرّسول لا بدّ أن يكون منزّهاً عن المنفِّرات جملة، كبيرة أو صغيرة، لأنّ الغرض من البعثة ليس إلاّ لطف العباد و مصالحهم. فلا بدّ من أن يكون مقبولاً للمكلّف.

ثمّ جوّز صدور الصّغائر عن الأنبياء الّتي لا حظّ لها إلاّ في تقليل الثّواب دون التنفير...، لأنّ قلّة الثّواب ممّا لا يقدح في صدق الرُّسل ولا في القبول منهم»(2).

يلاحظ عليه: أنّ صدور الذّنب من النّبي يوجب زوال الثّقة بصدق قوله، فيقال: لو كان صادقاً فيما يرويه فلماذا يتخلّف عنه.

4- نسخ الشرائع: فقد ذكر جملة من الأدلّة على جواز النّسخ في الشّرائع وطرح القول بالبداء و بيّن الفرق بينه و بين النّسخ.

5- نبوّة نبيّ الإسلام و دلائل نبوّته وأنّ القرآن معجز: ثمّ بسط الكلام في إعجاز القرآن إلى أن وصل بحثه إلى القول بالتّحريف في القرآن.

ومن أعجب ما أتى به قوله إنّ الإماميّة جوّزوا فى القرآن الزّيادة و النّقصان حتّى قالوا: إنّ سورة الاحزاب كانت بحمل جمل، وإنّه قد زيد فيها، ونقص، وغيِّر و حرِّف(3).

أقول: غاب عن القاضي أنّ الإماميّة على بكرة أبيهم لم يصدر منهم هذا الكلام الرّكيك.

نعم، روى القرطبي عند تفسيره سورة الأحزاب من عائشة قالت: كانت سورة الأحزاب تعدل على عهد رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم مائتي آية، فلمّا كتب المصحف لم يقدر منها إلاّ على ما هي الآن(4).

تمّ الكلام حول الأصل الثّاني والفروع الّتي تترتّب عليه.


1. قد فصلنا تلك الطرق في بحوثنا الكلامية لاحظ الالهيات ج3 ص 61ـ114.

2. شرح الاصول الخمسة: ص 574 ـ 575.

3. شرح الاصول الخمسة: ص 601.

4. تفسير القرطبي: ج 14، ص 113.

Website Security Test