welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الملل والنحل/ج3 (الماتريديّة، والمرجئية، ...)*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الملل والنحل/ج3 (الماتريديّة، والمرجئية، ...)

(295)

الفصل السابع

في الاُصول الخمسة عند المعتزلة

اشتهرت المعتزلة باُصولها الخمسة، فمن دان بها فهو معتزلي ومن نقص منها أو زاد عليها فليس منهم. وتلك الاُصول المرتّبة حسب أهمّيتها، عبارة عن : التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فمن دان بها ثمّ خالف بقيّة المعتزلة في تفاصيلها أو في فروع اُخر لم يخرج بذلك عنهم.

قال الخيّاط : «فليس يستحقّ أحد منهم الاعتزال حتى يجمع القول بالاُصول الخمسة : التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا اكملت في الإنسان هذه الخصال الخمس فهو معتزلي»(1).

قال المسعودي (م 345) بعد سرد الاُصول الخمسة حسب ما سمعت منّا :«فهذا ما اجتمعت عليه المعتزلة ومن اعتقد ما ذكرناه من الاُصول الخمسة، كان معتزليّاً، فان اعتقد الأكثر أو الأقلّ لم يستحقّ اسم الاعتزال، فلا يستحقّه إلا باعتقاد هذه الاُصول الخمسة. وقد تنوزع فيما عدا ذلك من فروعهم»(2).

والعجب من ابن حزم (م 456) حيث زعم أنّ الاُصول الخمسة عبارة عن القول بخلق القرآن، ونفي الرؤية، والتشبيه ونفي القدر، والقول بالمنزلة بين المنزلتين، ونفي


1. الانتصار للخيّاط: ص 126.

2. مروج الذهب: ج 3، ص 222.


(296)

الصفات(1).

فقد ذكر من الاُصول ثلاثة، حيث إنّ نفي القدر و خلق القرآن إيعاز إلى العدل(2) كما أنّ نفي الصفات والرؤية إشارة إلى التوحيد أي تنزيهه سبحانه عمّا لا يليق، وأهمل اثنتين منها أعني الوعد والوعيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فإذا كان هذا مبلغ علم الرجل بأصول الاعتزال الّذي هو أقرب إليه من الشيعة، فما ظنّك بعلمه بطوائف أخرى كمعتقدات الشّيعة الّذين يعيشون في بيئة بعيدة منه، ولأجل ذلك رماهم بنسب مفتعلة.

إيعاز إلى الاُصول الخمسة

وقبل كلّ شيء نطرح هذه الاُصول على وجه الاجمال حتّى يعلم ماذا يريد منها المعتزلة، ثمّ نأخذ بشرحها واحداً بعد واحد فنقول:

1- التوحيد: ويراد منه العلم بأنّ الله واحد لا يشاركه غيره فيما يستحقُّ من الصفات نفياً و إثباتا على الحدّ الّذي يستحقّه. وسيوافيك تفصيله فيما بعد، والتوحيد عندهم رمز لتنزيهه سبحانه عن شوائب الامكان ووهم المثليّة و غيرهما ممّا يجب تنزيه ساحته عنه كالتجسيم والتشبيه و إمكان الرؤية و طروء الحوادث عليه، غير أنّ المهمّ في هذا الأصل هو الوقوف على كيفيّة جريان صفاته عليه سبحانه ونفي الروية، وغيرهما يقع في الدّرجة الثانية من الأهمية في هذا الأصل، لأنّ كثيراً منها لم يختلف المسلمون فيه إلاّ القليل منهم.

2- العدل: إذا قيل إنّه تعالى عادل، فالمراد أنّ أفعاله كلّها حسنة، وأنّه لا يفعل القبيح، وأنّه لا يخلّ بما هو واجب عليه. وعلى ضوء هذا لا يكذب في خبره، ولا يجور في حكمه ولا يعذِّب أطفال المشركين بذنوب آبائهم، ولا يُظهر المعجزة على أيدي


1. الفصل: ج 2، ص 113.

2. سيأتي في الأصل الثاني أنّ القاضي أدخل البحث عن خلق القرآن تحت ذلك. و إن كان غير صحيح.


(297)

الكذّابين، ولا يكلِّف العباد ما لا يطيقون، وما لا يعلمون، بل يقدرهم على ما كلّفهم، ويعلِّمهم صفة ما كلّفهم، ويدلّهم على ذلك ويبيّن لهم (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَة وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَة) (1) و أنّه إذا كلّف المكلّف و أتى بما كلّف على الوجه الّذي كلف فإنّه يثيبه لا محالة، وأنّه سبحانه إذا آلم و أسقم فإنّما فعله لصلاحه و منافعه و إلاّ كان مخلاّ ً بواجب...

3- الوعد و الوعيد: والمراد منه أنّ الله وعد المطيعين بالثواب، وتوعّد العصاة بالعقاب، وأنّه يفعل ما وعد به وتوعّد عليه لا محالة. ولا يجوز الخلف لأنّه يستلزم الكذب. فإذا أخبر عن الفعل ثمّ تركه يكون كذباً، ولو أخبر عن العزم، فبما أنّه محال عليه كان معناه الإخبار عن نفس الفعل، فيكون الخلف كذباً، وعلى ضوء هذا الأصل حكموا بتخليد مرتكب الكبائر في النار إذا مات بلا توبة.

4- المنزلة بين المنزلتين: وتلقّب بمسألة الأسماء و الأحكام، وهي أنّ صاحب الكبيرة ليس بكافر كما عليه الخوارج، ولا منافق كما عليه الحسن البصري، ولا مؤمن كما عليه بعضهم، بل فاسق لا يحكم عليه بالكفر ولا بالإيمان.

5- الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر: والمعروف كلّ فعل عرف فاعله حسنه أو دلّ عليه، والمنكر كلّ فعل عرف فاعله قبحه أو دلّ عليه، ولا خلاف بين المسلمين في وجوبهما، إنّما الخلاف في أنّه هل يعلم عقلاً أو لا يعلم إلاّ سمعاً؟ ذهب أبو عليّ (م303) إلى أنّه يعلم عقلاً وسمعاً، وأبو هاشم (م 321) إلى أنّه يعلم سمعاً، ولوجوبه شروط تذكر في محلّها، ومنها أن لا يؤدّي إلى مضرّة في ماله أو نفسه إلاّ أن يكون في تحمّله لتلك المذلّة إعزاز للدّين.

قال القاضي: «وعلى هذا يحمل ما كان من الحسين بن عليّ ـ عليهما السلام ـ لما كان في صبره على ما صبر إعزاز لدين الله عزّوجلّ ولهذا نباهي به سائر الاُمم فنقول: لم يبق من ولد الرّسول صلَّى الله عليه و آله و سلَّم إلاّ سبط واحد، فلم يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتّى


1. الأنفال/42.


(298)

قتل دون ذلك»(1).

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ضربين:

أحدهما: إقامة ما لا يقوم به إلاّ الأئمّة كإقامة الحدود و حفظ بيضة الإسلام وسدّ الثغور و إنفاذ الجيوش و نصب القضاة والاُمراء وما أشبه ذلك.

والثاني: ما يقوم به كافة الناس، وفي المسلمين-كالإماميّة-من يقول بأنّ بعض المراتب منه كالجهاد الابتدائي مع الكفّار مشروط بوجود إمام معصوم مفترض الطاعة.

وهذا إلماع إلى معرفة الاُصول الخمسة الّتي يدور عليها فلك الاعتزال وقد أخذناها من شرح الاُصول الخمسة وقد أتى بها في الفصل الّذي عقده لبيان اُصول المعتزلة على وجه الاختصار. ثمّ أخذ بالتفصيل في ضمن فصول.

والمعتزلة قد اتّفقوا على هذه الاُصول و إن اختلفوا في تفاصيلها. نعم، إنّ هناك اختلافات فيها بين أصحاب المدرستين: أصحاب مدرسة البصرة وعلى رأسهم واصل ابن عطاء، وعمرو بن عبيد، والنظّام والجبائيان والقاضي، وأصحاب مدرسة بغداد وفي مقدّمهم بشر بن المعتمر، وأبو الحسين الخيّاط، وأبو القاسم البلخي، وقد عرفت في الفصول السابقة ترجمة حياتهم.

هذه الاُصول الخمسة الّتي بها يناط دخول الرجل في سلك المعتزلة.

وقد ذكر الشهرستاني الاُصول الّتي اتّفقت المعتزلة عليها، من دون أن يفرّق بين ما يدخل في الاُصول الخمسة وما هو خارج عنها، وإليك نصّه:

«القول بأنّ الله تعالى قديم، والقدم أخصّ وصف ذاته، ونفوا الصفات القديمة أصلاً فقالوا: هو عالم بذاته، قادر بذاته، حيّ بذاته، لا بعلم وقدرة وحياة. هي صفات قديمة، ومعان قائمة به، لأنّه لو شاركته الصفات في القدم الّذي هو أخصّ الوصف،


1. الاُصول الخمسة ص 142.


(299)

لشاركته في الإلهيّة.

واتّفقوا على أنّ كلامه محدث مخلوق في محلِّ، وهو حرف وصوت كتب أمثاله في المصاحف حكايات عنه. فإنّ ما وجد في المحلّ عرض قد فني في الحال. واتّفقوا على أنّ الإرادة والسمع والبصر ليست معاني قائمة بذاته، لكن اختلفوا في وجوه وجودها، ومحامل معانيها كما سيأتي.

واتّفقوا على نفي روية الله تعالى بالأبصار في دار القرار، ونفي التشبيه عنه من كلّ وجه: جهة، ومكاناً، وصورة و جسماً، وتحيّزاً، وانتقالاً، وزوالاً و تغيّراً و تأثّراً. وأوجبوا تأويل الآيات المتشابهة فيها، وسمّوا هذا النّمط توحيداً.

واتّفقوا على أنّ العبد قادر خالق لأفعاله خيرها و شرّها مستحقّ على ما يفعله ثواباً و عقاباً في الدار الآخرة. والربّ تعالى منزّه أن يضاف إليه شرّ وظلم، وفعل هو كفر ومعصية، لأنّه لو خلق الظّلم كان ظالماً، كما لو خلق العدل كان عادلاً.

واتّفقوا على أنّ الله تعالى لا يفعل إلاّ الصّلاح والخير، ويجب من حيث الحكمة رعاية مصالح العباد، وأمّا الأصلح واللّطف ففي وجوبه عندهم خلاف. وسمّوا هذا النّمط عدلاً.

واتّفقوا على أنّ المؤمن إذا خرج من الدنيا على طاعة و توبة، استحقّ الثّواب والعوض. والتّفضل معنى آخر وراء الثّواب و إذا خرج من غير توبة عن كبيرة ارتكبها، استحقّ الخلود في النار، لكن يكون عقابه أخفّ من عقاب الكفّار و سمّوا هذا النمط وعداً و وعيداً.

واتّفقوا على أنّ اُصول المعرفة، وشكر النعمة واجبة قبل ورود السّمع، والحسن والقبح يجب معرفتهما بالعقل، واعتناق الحسن واجتناب القبيح واجب كذلك وورود التّكاليف ألطاف للبارىء تعالى أرسلها إلى العباد بتوسط الأنبياء ـ عليهم السلام ـ امتحاناً واختباراً (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَة وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَة)(الانفال/42).

واختلفوا في الإمامة، والقول فيها نصّاً و اختياراً، كما سيأتي عند مقالة كلّ


(300)

طائفة»(1).

يلاحظ عليه: أنّ المعتزلة لم تقل في الإمامة بالنصّ، وإنّما يقولون بالاختيار. ونسبة نظرية النصّ إليهم مبنيّ على عدّ الشيعة القائلين بالنص منهم، وهو خطأ.

ولا يخفى على القارئ بعد الاحاطة بما حقّقنا حول الاُصول الخمسة تفكيك الاُصول عمّا يترتب عليها من الأحكام، وقد خلط هو وقبله الأشعري بين المبني و ما يترتب عليه من البناء وغيرهما من الاُصول.

***

وتحقيق الحقّ حول هذه الاُصول يستدعي رسم اُمور تلقي ضوءاً على الأبحاث التالية:

1- أصلان أو اُصول خمسة؟

إنّ القاضي عبدالجبّار ليس أوّل من ألّف في عقائد المعتزلة باسم الاُصول الخمسة بل سبق في ذلك شخصان آخران من خرّيجي المدرستين، أحدهما: أبو الهذيل العلاّف البصري، والثاني: جعفر بن حرب البغدادي.

قال النّسفي في «بحر الكلام»: «خرج أبو الهذيل فصنّف لهم كتابين و بيّن مذهبهم، وجمع علومهم، وسمّى ذلك: «الخمسة الاُصول»، وكلّما رأوا رجلاً قالوا له:هل قرأت «الاُصول الخمسة» فإن قال: نعم، عرفوا أنّه على مذهبهم»(2).

وقال ابن المرتضى: «ومنهم جعفر بن حرب (م 236) الّذي عدّه المرتضى من الطّبقة السابعة فقال: له الاُصول الخمسة»(3).

والظاهر أنّ القاضي أملى شرح الاُصول الخمسة على غرار الكتابين الماضيين وكتبه عدد من تلاميذه، وقد اختلفت كلمة القاضي في عدّ الاُصول، فجعلها في شرح


1. الملل والنحل: ج 1، ص 44 ـ 46، طبعة دار المعرفة.

2. نقله محقق شرح الاُصول الخمسة للقاضي، ص 26، عن مخطوط دار الكتب المصرية لبحر الكلام، ورقة 57.

3. المنية والامل: ص 41. والصحيح «الخمسة».


(301)

الاُصول خمسة على الوجه الّذي عرفت، وجعلها في «المغني»(1) اثنين: التوحيد والعدل. وجعل غيرهما داخلاً في ذينك الأصلين. وجعلها في كتاب «مختصر الحسنى»، أربعة: التوحيد والعدل والنبوّات والشرائع، وأدخل الوعد والوعيد والمنزلة بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الشرائع. ويظهر من كلمات تلاميذه الّذين أملى لهم القاضي كتاب «الاُصول الخمسة» أنّ ما فعله في «المغني» هو الأرجح، قالوا:

إنّ النبوّات والشرائع داخلان في العدل، لأنّه كلام في أنّه تعالى إذا علم أنّ صلاحنافي بعثة الرُّسل و أن نتعبّد بالشريعة، وجب أن يبعث ونتعبّد، ومن العدل أن لا يُخلّ بما هو واجب عليه. وكذلك الوعد والوعيد داخل في العدل. لأنّه كلام في أنّه تعالى إذا وعد المطيعين بالثّواب، وتوعّد العصاة بالعقاب فلا بدّ من أن يفعل ولا يخلف في وعده ولا في وعيده، ومن العدل أن لا يُخلف ولا يكذب، وكذلك المنزلة بين المنزلتين داخل في باب العدل، لأنّه كلام في أنّ الله تعالى إذا علم أنّ صلاحنا في أن يتعبّدنا بإجراء أسماء و أحكام على المكلّفين وجب أن يتعبّدنا به، ومن العدل أن لا يُخلّ بالواجب وكذا الكلام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالأولى أن يقتصر على ما أورده «في المغني»(2).

يلاحظ عليه:أوّلاً: ـ أنّه لو صحّ إدخال المنزلة بين المنزلتين في باب العدل، حسب البيان الّذي سمعت، لصحّ إدخال المعارف العقليّة كلّها تحته بنفس البيان، بأن يقال إنّ الله تعالى إذا علم أنّ صلاحنا أن يتعبّدنا بالمعارف وجب أن يتعبّدنا بها، ومن العدل أن لا يُخلّ بالواجب، ولا أرى أنّ واحداً من المعتزلة يقبل ذلك.

وثانياً ـ إنّ الاُصول الاعتقاديّة على قسمين:

قسم يجب الاعتقاد به بنفس عنوانه ولا يكفي الاعتقاد بالجامع البعيد الّذي يشمله، وذلك كالاعتقاد بنبوّة النّبيّ الأكرم صلَّى الله عليه و آله و سلَّم وعموميّة رسالته وخاتميتها، فالكلّ ممّا


1. من أبسط كتب القاضي وأهمها، يقع في عشرين جزءاً، طبع منه أربعة عشر جزءاً ولم يعثر على الباقي.

2. شرح الاُصول الخمسة: ص 123.


(302)

تجب معرفته بنفس عنوانه ولا يكفي في معرفته عرفان عدله سبحانه، بحجّة أنّ النبوّات والشرائع داخلة تحته، فمن عرف الله سبحانه بالعدل كفى في معرفة ما يقع تحته.

ولعلّ المعارف العقليّة الّتي يستقلّ العقل بعنوانها من مقولة القسم الأوّل.

وقسم آخر يكفي فيه الاعتقاد بالعنوان البعيد ولا يلزم الاعتقاد بشخصه، كالاعتقاد ببعض الخصوصيّات الواردة في الحياة البرزخيّة والأخروية.

***

2-ما يلزم المكلّف عرفانه من اُصول الدين

عرّف المتكلّمون اُصول الدين بــ«ما يجب الاعتقاد به على وجه التفصيل أو الاجمال» ويقابلها الفروع فهي ما يجب العمل به. ويظهر من القاضي أنّه يجب على كلّ مسلم، عالماً كان أو غيره، الاعتقاد بالاُصول الخمسة أمّا التوحيد و العدل فذلك لوجهين:

1- إنّ في ترك الاعتقاد بالتوحيد والعدل مظنّة الضرر ويخاف الإنسان من تركه.

2- إنّهُ لطف في أداء الواجبات واجتناب المقبّحات.

وأمّا الاُصول الاُخر فيجب الاعتقاد بها، لأنّ العلم بكمال التوحيد والعدل موقوف على ذلك، ألا ترى أنّ من جوّز على الله تعالى في وعده و وعيده الخلف والاخلال بما يجب عليه من إزاحة علّة المكلّفين و غيره فإنّه لا يتكامل له العلم بالعدل، ولا فرق في ذلك بين من يسلك طريقة العلماء وبين من لا يكون كذلك، لأنّ العامي أيضاً يلزمه معرفة هذه الاُصول على سبيل الجملة، وإن لم يلزمه معرفتها على سبيل التّفصيل، لأنّ من لم يعرف هذه الاُصول، لا على الجملة، ولا على التّفصيل، لم يتكامل علمه بالتوحيد والعدل(1).

يلاحظ عليه أوّلاً : - أنّ القول بلزوم معرفة الاُصول الخمسة على النّحو الّذي


1. شرح الاُصول الخمسة: ص 123 ـ 124.


(303)

تسرده المعتزلة قول بلا دليل. كيف والنّبيّ الأكرم صلَّى الله عليه و آله و سلَّم كان يقبل إسلام من شهد الشهادتين وإن لم يشهد على بعض هذه الاُصول، ومعنى الشهادة الثانية هو التصديق بكلّ ما جاء به وهذا يكفي في تسمية الشاهد مسلماً إذا اعترف بلسانه، ومؤمناً إذا اعترف بقلبه. وعلى ضوء ذلك فلا يلزم عرفان هذه الاُصول، لا على وجه التفصيل أي بالبرهنة والاستدلال، ولا على وجه الاجمال أي تلقّيها اُصولاً مسلّمة.

وثانياً: أنّه لو صحّ ما ذكره من البيان بطل الاقتصار على الاُصول الخمسة، لأنّ الاعتقاد بالنبوّات والشرائع والمعاد وحشر الأجساد ممّا يتكامل به العلم بالعدل، فمن لم يعرفها، لا على وجه الجملة ولا على وجه التفصيل، لم يتكامل اعتقاده بالتوحيد والعدل، وقس عليه سائر الاُصول.

والّذي يمكن أن يقال في المقام أنّ ما يجب تحصيله من هذه الاُصول الخمسة هو وجوب معرفة و حدانيّته على الوجه اللائق به، وأمّا الاُصول الأربعة فلا دليل على وجوب عرفانها بعينها استدلالاً أو تعبّداً.

***

3- سبب الاقتصار على الاُصول الخمسة

قد تعرّفت على أنّه لا وجه للاقتصار على الاُصول الخمسة، لما مرّ من أنّ أمر النبوّات والشرائع والمعاد أولى بأن يعدّ من الاُصول، غير أنّ القاضي حاول أن يبيّن وجه الاقتصار على الخمسة فقال: «إنّ المخالف في هذه الاُصول ربّما كفر و ربّما فسق و ربّما كان مخطئاً.

أمّا من خالف في التّوحيد ونفى عن الله تعالى ما يجب إثباته، وأثبت ما يجب نفيه عنه، فإنّه يكون كافراً.

وأمّا من خالف في العدل و أضاف إلى الله تعالى القبائح كلّها من الظّلم والكذب و إظهار المعجزات على الكذّابين و تعذيب أطفال المشركين بذنوب آبائهم


(304)

والإخلال بالواجب، فإنّه يكفّر أيضاً.

وأمّا من خالف في الوعد والوعيد وقال: إنّه تعالى ما وعد المطيعين بالثّواب، ولاتوعّد العاصين بالعقاب البتّة، فإنّه يكون كافراً، لأنّه ردّ ما هو معلوم ضرورة من دين النّبيّ صلَّى الله عليه و آله و سلَّم.

وكذا لو قال: إنّه تعالى وعد وتوعّد ولكن يجوز أن يخلف في وعيده، لأنّ الخلف في الوعيد كرم، فإنّه يكون كافراً لاضافة القبيح إلى الله تعالى.

فان قال: إنّ الله تعالى وعد و توعّد، ولا يجوز أن يخلف في وعده و وعيده، ولكن يجوز أن يكون في عمومات الوعيد شرط أو استثناء لم يبيّنه الله تعالى، فإنّه يكون مخطئاً.

وأمّا من خالف في المنزلة بين المنزلتين، فقال: إنّ حكم صاحب الكبيرة حكم عبدة الأوثان والمجوس و غيرهم فإنّه يكون كافراً، لأنّا نعلم خلافه من دين النّبيّ والاُمّة ضرورة.

فان قال: حكمه حكم المؤمن في التعظيم والموالاة في الله تعالى، فإنّه يكون فاسقاً، لأنّه خرق إجماعاً مصرّحاً به على معنى أنّه أنكر ما يعلم ضرورة من دين الاُمّة.

فان قال: ليس حكمه حكم المؤمن ولا حكم الكافر ولكن اُسمّيه مؤمناً، فإنّه يكون مخطئاً.

وأمّا من خالف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصلاً، وقال: إنّ الله تعالى لميكلّف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصلاً، فإنّه يكون كافراً، لأنّه ردّ ما هو معلوم ضرورة من دين النّبىّّ و دين الاُمّة.

فان قال: إنّ ذلك ممّا ورد به التّكليف، ولكنّه مشروط بوجود الإمام فإنّه يكون مخطئاً»(1).

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من الوجوه الثلاثة من الكفر والفسق والخطاء، لاتختصّ


1. شرح الاُصول الخمسة، ص 125 ـ 126، يريد من العبارة الأخيرة الشيعة الامامية القائلين بأنّ بعض المراتب من الأمر بالمعروف مشروط بوجود الامام المعصوم مع بسط اليد.


(305)

بهذه الخمسة، فهناك اُصول حالها حال الخمسة.فإنّ منكر نبوّة النّبيّ الأعظمصلَّى الله عليه و آله و سلَّم أو عالميّة رسالته أو خاتميّتها كافر. ومنكر عصمته بلا شبفاسق، ومعها مخطىء.

وهناك وجه آخر لتخصيص الخمسة من الاُصول بالذكر أشار إليه القاضي في كلامه وقال:«إنّ خلاف المخالفين لنا لا يعدو أحد هذه الاُصول. ألا ترى أنّ خلاف الملحدة والمعطّلة والدهرية والمشبّهة قد دخل في التوحيد. وخلاف المجبّرة بأسرهم دخل في باب العدل. وخلاف المرجئة دخل في باب الوعد والوعيد. وخلاف الخوارج دخل تحت المنزلة بين المنزلتين. وخلاف الإماميّة دخل في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»(1).

وهذا الوجه وإن صحّح سبب الاقتصار على الخمسة، لكنّه يدلّنا على شيء آخر غريب في باب العقائد والاُصول، وهو أن السابر في كتب الحنابلة و الأشاعرة والمعتزلة يقف بوضوح على أنّ أكثر الاُصول الّتي اتخّذتها الطوائف الإسلاميّة اُصولاً عقائدية ليست إلاّ اُصولاً كلاميّة ناتجة من المعارك العلمية، وليست اُصولاً للدين أعني ما يجب على كلِّ مؤمن الإيمان به بالتفصيل والبرهنة أو بالاجمال وإن لم يقترن بالبرهان.

والاُصول الخمسة الّتي يتبنّاها المعتزلة مؤلّفة من اُمور تعدُّ من اُصول الدين كالتوحيد والعدل على وجه، ومن اُصول كلاميّة أنتجوها من البحث والنقاش، وأقحموها في الاُصول لغاية ردّ الفرق المخالفة الّتي لا توافقهم في هذه المسائل الكلاميّة.

وعند ذاك يستنتج القارئ أنّ ما اتّخذته المعتزلة من الاُصول، وجعلته في صدر آرائها ليست إلاّ آراء كلاميّة لهذه الفرقة، تظاهروا بها للردّ على المجبّرة والمشبّهة والمرجئة والإمامية و غيرهم من الفرق على نحو لولا تلكم الفرق لما سمعت من هذه الاُصول ذكراً، «وليس هذه أوّل قارورة كسرت في الإسلام»، فإنّ السلفيّين و أهل الحديث والحنابلة وبعدهم الأشاعرة ذهبوا هذا المذهب فقاموا بتنظيم قائمة بيّنوا فيها «قولهم


1. شرح الاُصول الخمسة، ص 124.


(306)

الّذي يقولون به، وديانتهم الّتي يدينون بها»(1). و بيّنوا «مذاهب أهل العلم و أصحاب الأثر و أهل السنّة، فمن خالف شيئاً منها في هذه المذاهب أو طعن فيها، أو عاب قائلها فهو مخالف مبتدع وخارج عن الجماعة، زائل عن منهج أهل السنّة وسبيل ا(2)لحقّ».

وفي الوقت نفسه إنّ أكثر ما جاء في قائمتي الشيخين اُصول كلاميّة نتجت من البحث والنزاع، و صفت لدى الشيخين بعد عراك، ومن تلك الاُصول القول بقدم القرآن و كونه غير مخلوق، مع تصريح أئمّة الحديث بعدم ورود نصّ في ذلك من الرسول ومنها كون خير الاُمّة الخلفاء الراشدين و يتفاضلون بحسب تقدّم تصدّيهم للخلافة، فالأوّل منهم هو الأفضل ثمّ الثاني ... ومعنى هذا أنّ الاُصول الّتي يدين بها أهل السنّة لم تكن منتظمة ولا مرتّبة في عصر الرسول والصحابة ولا التابعين، وإنّما انتظمت بعد احتكاك الآراء و اختلاف الأفكار حتّى أنتج البحث والنقاش هذه الاُصول والكلّيات. وإنّ ذا من العجب.

إنّ الاُصول الّتي يدين بها أهل الحديث والأشاعرة هي الّتي مزّقت الاُمّة الواحدة تمزيقاً، وصيّرتها فرقاً شتى، وما هذا إلاّ لأجل إصرارهم على أنّ هذه الاُصول اُصول الديانة، والزائل عنها خارج عن الجماعة. وكان في وسعهم التفريق بين الاُصول العقائدية الّتي لا منتدح لمسلم عن عرفانها والإيمان بها إجمالاً أو تفصيلاً، والاُصول الكلاميّة الّتي وصل إليها البحث الكلامي بفضل النقاش في ضوء الكتاب والسنّة والبرهان العقلي القائم على اُصول موضوعية مبرهنة.

وعند ذلك تتجلّى عندك حقيقة ناصعة وهي أنّ أكثر الفرق الّتي عدّها أصحاب الملل والنحل والمقالات فرقاً إسلاميّة، فإنّما هي فرق كلامية وليست فرقاً دينية إسلاميّة داخلة في الثلاث والسبعين فرقة بحيث تكون الواحدة منها ناجية والبواقي هلكى، لأنّ الإذعان بحكم مرتكب الكبيرة ليس ملاكاً للنجاة والهلاك حتّى تكون فرقة منهم من


1. هذه نفس عبارة الشيخ الأشعري في «الابانة» الباب الثاني، ص 17.

2. وهذه نفس عبارة إمام الحنابلة في كتابه «السنة»، ص 44.


(307)

أهل النجاة و غيرهم من أهل النار، ويكون الإيمان منوطاً بالإذعان به، وعدم الإيمان موجباً للخروج عنها، بل أقصى ما يقال في حقّ هذه الاُصول أنّها اُصول حقّة صحيحة دلّ على صحّتها الدليل، ولكن ليس كلّ حقّ ممّا يجب الإذعان به أو يؤاخذ على عدم الاعتقاد به.

هذا هو الشيخ أبو جعفر الطحاوي المصري (م 321) كتب رسالة حول عقيدة أهل السنّة تشتمل على مائة و خمسة اُصول زعم أنّها عقيدة الجماعة والسنّة على مذهب فقهاء الاُمّة: أبي حنيفة، وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وأبي عبدالله محمّد ابن الحسن الشيباني(1)وقد كتب على هذه الرسالة شروح و تعاليق، واحتلّت مكانها ـبعد زمن ـ «العقائد النسفية». واللأسف أنّ كلّ أصل من الكتابين ردّ على فرقة وملّة. فصارت الاُصول الإسلاميّة عبارة عن عدّة اُصول يرد بكلِّ أصل ملّة و نحلة، كالملاحدة والمجبِّرة والقدرية والرافضة من الفرق الكلامية الّتي أنجبتها الأبحاث والتيّارات الفكرية.

ثم إنّي وقفت بعد ما حرّرته على ما نقلته المستشرقة «سوسنه ديفلد» محقّقة كتاب «طبقات المعتزلة» لابن المرتضى عن الاُستاذ «هـ.ريتر»: «من أراد أن يفهم إحدى العقائد السنّية فعليه أن يستحضر في خاطره أنّ كلّ جملة منها إنّما هي ردّ على إحدى الفرق المخالفة لها من الشيعة والخوارج والمرجئة والجهمية والمعتزلة، ولقد تشكّلت عقيدة أهل السنّة بردّ الفرق الضاّلة الّتي لم تسمّ «ضالّة» إلاّ بعد غلبة أصحاب السنّة والجماعة»(2).

فواجب على الباحث المنصف الّذي يبتغي الحقيقة، التفكيك بين اُصول الدين والاُصول الكلامية. وعند ذلك تحصل الوحدة بين الاُمّة أو تقرّب الخطى بين الفرق، ويقلّ التشاحّ والنزاع المؤدّي إلى الهلاك.

إذا عرفت هذه الاُمور فلنأخذ بتفصيل الاُصول الخمسة واحداً بعد آخر:


1. شرح العقائد الطحاوية: ص 25.

2. طبقات المعتزلة لابن المرتضى: المقدمة. ط بيروت.


(308)

الأصل الأوّل

التوحيد

عرِّف التوحيد في مصطلح المتكلّمين بأنّه العلم بأنّ الله سبحانه واحد لا يشاركه غيره في الذات والصفات و الأفعال والعبادة وبالجملة (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء)(الشورى/11). والّذي يصلح للبحث عنه في هذا الأصل عبارة عن الاُمور التالية:

1-إثبات وجوده سبحانه في مقابل الدهريّة والماديّة القائلين بأصالة المادّة وقدمها و غناها في الفعل والانفعال و إيجاد الأنواع عن قدرة خارجة عن نطاقها.

2- إنّه سبحانه واحد لا ثاني له، بسيط لا جزء له، فهو الواحد الأحد، خلافاً للثنويّة والمانويّة في الواحديّة، وللنّصارى في الأحديّة.

3- عرفان صفاته سبحانه سواء أكانت من صفات الذات ككونه عالماً قادراً حيّاً سميعاً بصيراً مدركاً، أم من صفات الأفعال ككونه خالقاً رازقاً غافراً.

4- كيفيّة استحقاقه لهذه الصّفات وتبيّن وجه حملها عليه سبحانه، فهل تحمل عليه كحملها على سائر الممكنات أو لا؟

5- تنزيهه سبحانه عمّا لا يليق به كالحاجة وكونه جسماً أو جسمانيّاً، عرضاً أو جوهراً أو غير ذلك.

6- تنزيهه سبحانه عن إمكان الرؤية الّتي يتبنّاها أهل الحديث والأشاعرة


(309)

بحماس.

فمع أنّ هذه الأبحاث الستّة صالحة للبحث في هذا الأصل، لكن نرى أنّ المعتزلة يركّزون على البحث عن الرابع والسادس أكثر من غيرهما، و يمرّون على الأبحاث الباقية مروراً إجمالياً. وما هذا إلاّ لأنّ أهل الحديث والأشاعرة متّفقون معهم فيها. وهذا أيضاً يؤيّد ما ذكرنا من أنّ الاُصول العقائدية إنّما رتّبت ونظمت بين كلّ فرقة لأجل الردّ على مخالفيها لا لبيان الاُصول الّتي يناط بها الإسلام والإيمان في عصر النّبيّ والصحابة.

و لأجل ذلك صار التوحيد عند المعتزلة رمزاً للتنزيه، فكلّما أطلقت هذه الكلمة، انصرفت أذهانهم إلى تنزيهه سبحانه عمّا لا يليق به في باب الصّفات و مجال الروية.

وبما أنّهم ينفون الصفات الزائدة على ذاته سبحانه، وتثبته الأشاعرة و قبلهم أهل الحديث، صارت الصفاتية شعاراً لهذه الفرقة.

إذا وقفت على ذلك فلنركّز على النّقاط الّتي يرجى تبيينها في زاوية فكر الاعتزال ونطوي الكلام عن غيرها لعدم الخلاف، فنقول:

إنّ البحث عن صفاته سبحانه يتمركز على نقاط ثلاث:

الاُولى: تبيين كيفيّة استحقاقه سبحانه لصفاته الكماليّة وحملها عليه، فهل هذه الصّفات حادثة أو قديمة، زائدة على الذات أم لا؟

الثانية: تبيين كيفية حمل الصفات الخبرية عليه الواردة في الذكر الحكيم من اليد والوجه والعين، فهل تحمل على الله سبحانه بظواهرها الحرفيّة كما عليه السّلفية والأشاعرة، أو تحمل عليه بظواهرها التصديقيّة، أو لا هذا ولا ذاك بل تؤوّل لقرائن عقليّة؟

الثالثة: نفي الرؤية الحسية الّتي يدّعيها أهل الحديث.

فلنرجع إلى تبيين النقطة الاُولى أعني تبيين كيفيّة حمل الصّفات عليه.


(310)

أ - نفي الصفات الزائدة على ذاته

اتّفق أهل الحديث والكلابيّة وتبعهم الشيخ الأشعري على أنّ لله سبحانه صفات ذات كماليّة قديمة، زائدة على ذاته.

قال القاضي: «وعند الكلابيّة إنّه تعالى يستحقّ هذه الصفات لمعان أزليّة، وأراد بالأزلي القديم، إلاّ أنّه لمّا رأى المسلمين متّفقين على أنّه لا قديم مع الله تعالى لم يتجاسر على إطلاق القول بذلك، ثمّ نبغ الأشعري و أطلق القول بأنّه تعالى يستحقُّ هذه الصّفات لمعان قديمة لوقاحته و قلّة مبالاته بالإسلام والمسلمين»(1) ورائدهم في هذه العقيدة هو الظّواهر القرآنية. قال سبحانه: (أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ) (النساء/166)، وقال تعالى: (وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إلاّ بِعِلْمِهِ)(فاطر/11). وقال عزّ من قائل: (ذو القوّة المتين) (الذاريات/58).

قالوا: إنّ ظواهر هذه الآيات تعرب عن أنّ هنا ذاتاً ولها علم ولها قدرة كلاهما يغايران ذاته. ولو كانا نفس ذاته لما صحّ التعبير بقوله (أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ) أو (ذُو القوة المتين) ومثلها سائر الآيات الظاهرة في مغايرة الصّفات للذات(2).

هذا دليل أهل الحديث و الكلابيّة و الأشاعرة و نرجع إلى تبيين مفاد الآيات بعد الفراغ من دليل المعتزلة.

تثنية القديم في نظريّة أهل الحديث

إنّ هذه النظريّة الّتي يتبنّاها أهل الحديث اغتراراً بظواهر النّصوص، تؤدّي إلى تعدّد القديم المنتهي إلى تعدّد الواجب حسب عدد الصفات، وأيّ ثنويّة أسوأ من هذه؟ فلو قالت الثنويّة بأصلين أزليّين هما النور و الظلمة، وقالت المانويّة بأنّ العالم مركّب من أصلين قديمين أحدهما نور والآخر ظلمة، أو قالت النّصارى بالأقانيم


1. شرح الاُصول الخمسة: ص 183.

2. لاحظ: الابانة للشيخ الأشعري: ص 107.


(311)

الثّلاثة فقد قال هؤلاء الأشاعرة بقدماء كثيرين بحسب تعدّد الصفات.

وبذلك تقف على أنّ الحافز على التركيز على نفي الصّفات الزائدة، هو التحفّظ على التوحيد و وحدانيّة الواجب والقديم، ونفي المثيل و النّظير له أخذاً بقوله سبحانه (ليس كمثله شيء) و (قل هو الله أحد).

فمن المحتمل عند البعض أنّ المعتزلة أرادوا بهذا، الردّ على فكرة الأقانيم لدى النّصارى، فإنّ القول بأنّ الذات الإلهيّة جوهر يتقوّم بأقانيم أي صفات هي الوجود والعلم والحياة، قد أدى إلى الاعتقاد باستقلال الأقانيم عن الجوهر، وإلى اعتبار الصّفات أشخاصاً، وإلى تجسّد «الاقنوم الثاني» ـ اقنوم العلم ـ في الابن. فلموا جهة هذا الاعتقاد نفى المعتزلة وصف الله بأنّه جوهر واعتبروا الصّفات هي الذات غير مغايرة لها، فصفات الله ليست حقائق مستقلّة و إنّما هي اعتبارات ذهنيّة، ويمكن أن تختلف وجوه الاعتبارات في النظر إلى الشيء الواحد دون أن يلزم من ذلك التعدّد في ذاته، فيقال عالم و نعني إثبات علم هو ذاته، ونفي الجهل عن ذاته، ويقال: قادر ونعني إثبات ذاته ونفي العجز، فالله حيّ عالم قادر بذاته لا بحياة وعلم وقدرة زائدة على ذاته(1).

يلاحظ عليه: أنّه إنّما يصح لو كانت الصّفات الذاتيّة منحصرة في الثلاث: العلم والقدرة و الحياة حتّى يقال إنّ الهدف من القول بالعينيّة نفي توهّم التثليث، بل الصفات الذاتية أكثر من ذلك.

أضف إلى ذلك أنّ تفسير عقيدة المعتزلة في باب الصّفات بأنّها ليست حقائق مستقلّة و إنّما هي اعتبارات ذهنيّة، غير تامّة ناشئة من تفسير خصومهم بما ذكر، بل الحقُّ أنّ مرادهم هو أنّ واقعيّة خارجيّة بسيطة تجمع هذه الواقعيات ببساطتها و وحدتها، لا أنّها اعتبارات ذهنيّة، و ليست للصفات واقعيّة خارجية، فإنّه لا ينطبق إلاّ على القول بالنيابة.


1. نهاية الاقدام في علم الكلام للشهرستاني: ص 192 ـ 194، و «في علم الكلام» قسم المعتزلة للدكتور أحمد محمود صبحي، ص 123.


(312)

محاولة الأشاعرة لتصحيح تثنية القديم

لمّا كان ما استند إليه أهل الاعتزال من البرهان في نفي الصفات الزائدة برهاناًدامغاً قاطعاً للنزاع، حاول أهل التفكير من الأشاعرة نقده، ولكن أتوا بالعجب العجاب. فهذا هو القاضي عضد الدين الإيجي يجيب عن البرهان في مواقفه بقوله: «إنّ الكفر إثبات ذوات قديمة لا ذات وصفات»(1) وقد أقرّه شارحه الشريف الجرجاني.

وهو من الوهن بمكان، إذ هو أشبه بتخصيص القاعدة العقليّة، والقاعدة العقليّة لا تخصّص. إذ لسائل أن يسأل: أيّ فرق بين الذات والوصف حتّى يكون القول بتعدّد الأوّل موجباً للكفر دون الثاني، مع أنّ ملاك الكفر موجود في كلا الموضعين، فإنّ القول بتعدّد القدماء قول بتعدّد الواجب، قول بتعدد الغنيّ بالذات المستغني عن غيره، قول بتعدّد من يكون وجوده عن ذاته لا عن غيره، وهذا كلّه من صفات الباري عزّ اسمه، فلو كانت صفاته غير ذاته و كانت قديمة، تكون واجبة غنيّة عن كلّ شيء، واجدة لوجودها.

وهناك محاولة ثانية للتخلّص عن تعدّد القدماء وهي القول بأنّ الصفات لا هو ولا غيره(2) وهذا أشبه باللّغز مع أنّ العقائد الإسلاميّة تتّسم بسمة الوضوح والسهولة، لا التعقيد والغموض الّذي ربّما ينتهي في المقام إلى رفع النقيضين.

ولو قال بحدوث الصفات ـ ولن يقول أبداً ـ يكون الفساد أفحش، والمصيبة أعظم، لأنّ اتّصافه بالقدرة الحادثة مثلاً إمّا بالاختيار وإمّا بالإيجاب. والأوّل محال لاستلزامه محذور التسلسل في صفاته، لأنّ الكلام ينتقل إلى القدرة الثانية. فهل اتّصافه بها عن اختيار أو بايجاب؟ فعلى الأول يعود السؤال فيلزم التسلسل. وعلى الثاني يلزم أن يكون فاعلاً موجباً بالذات، وأىُّ نقص أعظم من تصوير مبدأ الكمال والجمال وخالق


1. المواقف: ص 280.

2. أوائل المقالات: ص 17.


(313)

القدرة والاختيار في الإنسان، فاعلاً موجباً في اتّصافه بصفاته، فلو صحّ كونه موجباً في مورد، فليصحّ في سائر الموارد ككونه فاعلاً موجباً بالقياس إلى مصنوعاته.

وهذه الاُمور هي الحوافز الحقيقية الّتي دعت المعتزلة إلى القول بالتوحيد والتنزيه في باب الصفات ونفي الصفات الزائدة والمعاني القائمة بذاته، ولم يكن الحافز إلاّ الفرار عن الثنويّة و توابعها.

ومن الجسارة الواضحة بل الظلم الفاحش اتّهام هذه الفرقة بما كتبهم عنه أهل الملل والمقالات. فهذا الأشعري يتّهمهم بقوله «أرادت المعتزلة أن تنفي أنّ الله عالم قادر حيّ سميع بصير، فمنعهم خوف السيف من إظهارهم نفي ذلك، فأتوا بمعناه، لأنّهم إذا قالوا: لا علم لله ولا قدرة له، فقد قالوا: إنّه ليس بعالم ولا قادر و وجب ذلك عليهم، وهذا إنّما أخذوه عن أهل الزندقة والتعطيل، لأنّ الزنادقة قال كثير منهم إنّ الله ليس بعالم ولا قادر ولا حيّ ولا سميع ولا بصير، فلم تقدر المعتزلة أن تفصح بذلك فأتت بمعناه و قالت: إنّ الله عالم قادر حيّ سميع بصير من طريق التسمية (الكتاب والسنّة) من غير أن يثبتوا له حقيقة العلم والقدرة والسّمع والبصر.

وحاصل (1)تحليل الشيخ أنّ المعتزلة كانت بصدد نفي الأسماء والصفات وفاقاً للزنادقة، فلم يقدروا عليه خوفاً من السلطة، ولكنّهم نفوا العلم والقدرة والحياة حتّى يتسنّى لهم نفي الأسماء والصفات (العالم والقادر) بالملازمة، فمثلهم كمثل من خرج من الباب موهماً للانصراف ثمّ دخل من النافذة.

تلك والله جرأة في الدين و جسارة بلا مبرّر، والآثار الباقية من المعتزلة تبيّن لنا جهة إصرارهم على نفي الصفات الزائدة على الذات. وليست الغاية نفي أسمائه وصفاته وتصوير كونه سبحانه غير عالم ولا قادر، بل الغاية نفي الثنويّة وتعدُّد الواجب.

قال القاضي: «لو كان عالماً بعلم، لكان لا يخلو إمّا أن يكون موجوداً أو معدوماً،


1. الابانة: ص 107 ـ 108.


(314)

لا يجوز أن يكون معدوماً، وإن كان موجوداً فلا يخلو إمّا أن يكون قديماً أو محدثاً، والأقسام كلُّها باطلة، فلم يبق إلاّ أن يكون عالماً بذاته على ما نقوله»(1).

وقال أيضاً: «لو كان يستحقّ هذه الصفات لمعان قديمة، وجب أن تكون هذه المعاني مثلاً لله تعالى...إلى آخر ما أفاده»(2).

كلّ ذلك يعرب عن أنّ الداعي لنفي الصفات الأزليّة هو تنزيهه سبحانه عن المثل بل الأمثال. تعالى عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً.

نعم هناك حافزان آخران صارا سببين لنفي الصفات الزائدة على الذات نشير إليهما:

1- تركيب الذات مع الصّفات، فإنّه سبحانه كما هو واحد لا نظير له ولا مثيل فهو عزّ وجلّ «أحد» بسيط لا جزء له، والتركيب حليف الامكان، لأنّ المركّب متقوّم بالأجزاء، والمتقوّم لا يكون واجباً ولا غنياً.

2- استلزام القول بالصفات الزائدة على الذات كونه سبحانه ناقصاً مستكملاً بالخارج عن ذاته و حيطة وجوده، مع أنّه سبحانه كلّ الجمال والكمال، لا يشذُّ كمال عن حيطة وجوده، ولاجمال عن حدِّ ذاته.

ولأجل هذين الأمرين مع ما تقدّم من حديث تعدّد القدماء اشتهرت المعتزلة بنفاة الصفات «الصفات الزائدة على الذات» كما اشتهرت الأشاعرة بالصفاتية، متظاهرين بأنّ هناك ذاتاً و وصفاً، والذات غير الوصف، وكلاهما قديمان.

إذا عرفت موقف المعتزلة في نفي الصفات الزائدة على الذات، فهلمّ معي نقرأ بحثاً آخر من هذا المقام وهو تبيين كيفيّة حمل الصّفات على ذاته سبحانه على مذهبهم، إذ كيف يمكن توصيفه سبحانه بأنّه عالم و قادر مع القول بعدم الصفات الزائدة على


1. شرح الاُصول الخمسة: ص 183.

2. المصدر نفسه: ص 195، ولاحظ ص 197. ولاحظ الملل والنحل: ج 1 ص 46 في تبيين القاعدة الأولى من القواعد الأربع الّتي اختارها واصل بن عطاء، ترى فيها التصريح منه بأنّ الغاية لنفي الصفات هو التنزيه.


(315)

الذات أي عدم العلم والقدرة المغايرين لها.

وهذا هو البحث المهمّ في المقام، فنقول: إنّ لهم في تبيين كيفيّة الحمل آراء مختلفة بين صحيح و زائف و إليك الاشارة إلى عناوين مذاهبهم إلى أن نأخذ بالتّفصيل.

أ - مذهب أبي الهذيل: إنّه عالم بعلم هو هو.

ب - مذهب أبي عليّ الجبّائي: إنّه يستحقُّ هذه الصفات الأربع الّتي هي كونه قادراً، عالماً، حيّاً، موجوداً لذاته.

ج - مذهب أبي هاشم: إنّه يستحقّها لما هو عليه في ذاته(1).

هذه هي مذاهبهم الثلاثة في تبيين كيفيّة الحمل، وقد حاق بها الابهام، وإليك التوضيح:

توضيح مذهب أبي الهذيل

إنّ أبا الهذيل من كبار رجال الاعتزال و أحد شيوخ مدرسة البصرة، توفّي سنة 235 هـ، و يعتبر أوّل من نظم قواعد الاعتزال و وضع اُصوله، ولكنّ الزّمان عبث بكتبه، ولأجل ذلك طرأ على مذهبه الابهام حتّى إنّ القاضي عبدالجبّار أرجعه إلى مذهب أبي عليّ الجبّائي و قال: «أراد أبو الهذيل ما ذكره الشيخ أبو عليّ إلاّ أنّه لم تتلخّص له العبارة»(2).

لكن ما نقل عنه حول مذهبه في علم الباري يدفعنا إلى القول بأنّ مذهبه في باب الصفات يغاير مختار الجبّائي و إليك هذه الكلمات:

قال الشيخ الأشعري: «والفرقة الهذيليّة يزعمون أنّ لله علماً هو هو، وقدرة هي هو، وحياة هي هو، وسمعاً هو هو، وكذلك قالوا في سائر صفات الذات»(3).


1. شرح الاُصول الخمسة: ص 182.

2. المصدر نفسه: ص 183.

3. مقالات الاسلاميين: ص 179.


(316)

قال الشهرستاني: «انفرد أبو الهذيل بعشر قواعد، الاُولى: إنّ الباري تعالى عالم بعلم و علمه ذاته، قادر بقدرة و قدرته ذاته، حيّ بحياة و حياته ذاته، وإنّما اقتبس هذا الرأي من الفلاسفة الّذين اعتقدوا أنّ ذاته واحدة لا كثرة فيها بوجه، وإنّما الصفات ليست وراء الذات معاني قائمة بذاته بل هي ذاته»(1).

ولو صحّ نقل هذه الكلمات عن أبي الهذيل فهو لا يهدف إلى إنكار أسمائه كالعالم و القادر والحيّ، ولا إلى إنكار صفاته من العلم و القدرة والحياة، بل يعترف بهما معاً، غير أنّه يقول باتّحاد الصفات مع الذات وجوداً و عينيّة، وتغايرهما مفهوماً دفعاً للاشكالات المتوجّهة إلى القول بالزيادة.

ولأجل إيقاف القارئ على مرام الشيخ أبي الهذيل نأتي بالتوضيح التالي:

إنّ المتبادر من قولنا «عالم، قادر، حيّ» في نظر أهل اللّسان هو الذات الموصوفة بالعلم والقدرة و الحياة، بمعنى أنّه يتبادر مفهوم بسيط ينحلّ إلى ذلك المركّب م آلاً. فتكون هناك اثنينيّة باعتبار أنّ هناك موصوفاً و معروضاً و وصفاً و عرضاً.

هذا هو المتبادر في الاستعمالات العرفيّة، ولا يمكن إنكار ذلك أبداً. ولكنّه بهذا المعنى لا يصحّ إطلاقه على الله، لاستلزامه تثنية الواجب أوّلاً، وتركّبه من شيئين ثانياً، واستكماله بغيره ثالثاً. فلأجل ذلك يجب أن يصار في توصيفه سبحانه إلى فرض آخر يحفظ معه أمران:كونه سبحانه واجداً لحقيقة العلم والقدرة و الحياة حتّى لا يلزم التّعطيل، وكونه واحداً بسيطاً غير مركّب من شيء و شيء حتّى لا ترد الاشكالات الثلاثة الماضية، والتحفّظ على هذين الأمرين لا يحصل إلاّ بالقول بأنّ أوصافه سبحانه و نعوته كلّها موجودة بوجود واحد وهو وجود الذات، وهي بمفردها مصداق لهذه النعوت، و يكفي نفس وجودها في حمل هذه الصفات الكماليّة عليها بلا طروء تعدُّد في مرحلة الذات. ولأجل تقريب المطلب وأنّه يمكن أن تحمل صفات كثيرة على شيء


1. الملل والنحل: ج 1، ص 49 ـ 50.


(317)

واحد، وينتزع منه مفاهيم عديدة، نأتي بمثال و إن كان الفرق بين المثل والممثّل عظيماً، ولكنّ الهدف هو التقريب لا التشبيه.

إذا تصوّرنا الإنسان الخارجي و فرضنا له ماهيّة، فلها ذاتيات ـ كالحيوان والناطقـ يعدّان من الاُمور الذاتية بالنسبة إلى ماهيته، فهذه الذاتيات موجودة بوجود واحد شخصي من دون أن تكون حيثيّة الحيوان في الخارج غير حيثيّة الناطق، بل الإنسان الخارجي كلّه بوحدته مصداق للحيوان، كما هو كلّه مصداق للناطق.

فهنا شيء واحد و هو الشخصية الخارجية الّتي هي مصداق الإنسان، يصحّ أن ينتزع منه مفاهيم كثيرة من دون أن تنثلم وحدته.

وعلى ضوء هذا المثال نقول : إنّ ذاته سبحانه بوحدتها و بساطتها، مصداق لكونه عالماً وقادراً و حيّاً، وليست حقيقة العلم في ذاته تغاير واقعيّة القدرة فيه. كما أنّ كليهما لا يغايران حقيقة الحياة. بل الذات الواحدة بما أنّها موجود بسيط، مصداق لهذه الكمالات من دون أن تضمّ إلى الذات ضميمة أو تطرأ كثرة.

وبهذا البيان تحفظ على بساطته، كما تحفظ على كونه واجداً لحقيقة الصفات الكماليّة. ولا يهدف هذا البيان إلى إخلاء الذات عن حقيقة هذه الصّفات، ولا تعطيلها عن الاتّصاف بها، بل يريد أنّ الذات لأجل كونها كلّ الكمال و كلّ الجمال، وليس فوقها موجود أكمل و أجمل، بوحدتها و بساطتها واجدة لحقيقة هذه الصفات. والفرق بين كونه سبحانه عالماً و كون زيد عالماً، بعد اشتراكهما في كونهما واجدين لحقيقة هذا الوصف، هو أنّه سبحانه ببساطته واجد لهذا الكمال، وذاته مصداق للعلم، ولكنّ زيداً بذاته غير واجد لهذا الكمال و إنّما وصل إليه في مرتبة بعدها.

نعم، كونه سبحانه عالماً بهذا المعنى يخالف ما هو المتبادر منه لفظ «العالم» وأشباهه، فإنّ المتبادر منه هو الذات المتّصفة بالمبدأ لا الذات البسيطة المتحقّق فيها المبدأ، والقسم الثاني مصداق جديد لم يتعرّف عليه العرف كما لم يتعرّف عليه الواضع، وإنّما هو مصداق كشف عنه العقل بدقّته و غفل عنه العرف لمسامحته، ولكنّه لا يضر


(318)

بالاطلاق، لأنّ العرف لا يتوجّه إلى هذه الدّقائق، وأهل الدقّة غير غافلين عن هذا الفرق، وارتكاب خلاف الظواهر بهذا المقدار فراراً عن الاشكالات العقليّة كثير النظير(1).

ثمّ إنّ القائلين بوحدة الصّفات مع الذات لا يعنون منها الوحدة من حيث المفهوم والموضوع له، بداهة أنّ ما يفهم من لفظ الجلالة في قولنا «الله عالم» غير ما يفهم من المحمول كلفظ «العالم» و إنّما يعنون بها الوحدة من حيث العينيّة والتحقّق، بمعنى أنّ ما هو المصداق للفظ الجلالة هو المصداق للفظ العالم، وهكذا سائر الصفات.

برهان بديع لاثبات الوحدة

ثمّ إنّ لأهل التّحقيق في إثبات الوحدة العينيّة براهين دقيقة نكتفي بذكر واحد منها:

«إنّ بديهة العقل حاكمة بأنّ ذاتاً ما إذا كان لها من الكمال ما هو بحسب نفس ذاتها، فهي أفضل و أكمل من ذات لها كمال زائد على ذاتها، لأنّ تجمّل الاُولى بذاتها، وتجمّل الثانية بصفاتها. وما تجمّل بذاته أشرف ممّا يتجمّل بغير ذاته، وإن كان ذلك الغير صفاته. وواجب الوجود يجب أن يكون في أعلى ما يتصوّر من البهاء و الشّرف والجمال، لأنّ ذاته مبدأ سلسلة الوجودات و واهب كلّ الخيرات و الكمالات، والواهب المفيض لا محالة أكرم و أمجد من الموهوب المفاض عليه، فلو لم يكن كماله بنفس حقيقته المقدّسة، بل مع اللّواحق لكان المجموع من الذات و اللّواحق أشرف من الذات المجرّدة، والمجموع معلول فيلزم أن يكون المعلول أشرف و أكمل من علّته وهو محال بيّن الاستحالة»(2).

هذا هو واقع النّظرية و حقيقتها، وأنت إذا لاحظت دليلها وما أوضحناها به


1. قال سبحانه (الآن خفف الله عنكم وعلم أنّ فيكم ضعفاً) (الانفال / 66) فهل يمكن الأخذ بظاهره البدئي في أنّه لم يكن عالماً قبله.

2. الاسفار: ج 6، ص 134 ـ 135.


(319)

تقف على أنّ ما ردّ به تلك النظرية ناش عن عدم الوقوف على مراد القائل، ولو أنّهم كانوا واقفين على مصدر هذه النظريّة لما وجّهوا إليها سهامهم المرقوشة، وإليك تلك الردود واحداً بعد الآخر.

1- قال الأشعري: «وألزم أبو الهذيل فقيل له: إذا قلت إنّ علم الله هو الله فقل: يا علم الله اغفر لي و ارحمني فأبى ذلك، فلزمته المناقضة».

2- وقال: «إنّ من قال عالم ولا علم، كان مناقضاً، كما أنّ من قال علم ولا عالم كان مناقضاً»(1).

يلاحظ عليه: أمّا أوّلاً: فإنّ أبا الهذيل لم يقل بالوحدة من حيث المفهوم و إنّما قال بالوحدة من حيث التحقق و العينيّة وما ذكره من النّقض إنّما يرد على الوجه الأوّل لا على الوجه الثاني. فلا يصحّ أن يقال «يا علم الله اغفرلي»، لأنّ المفهوم من لفظ علم الله غير المفهوم من لفظ الجلالة، فلا يصحّ أن يوضع «علم الله» من حيث المفهوم مكان لفظ «الله» و يدعى بمفهوم غيره، ولأجل ذلك لا يصحّ أن يقال يا موجود، ويقصد به الله سبحانه، بحجّة أنّ ماهيّته إنيّته، ووجوده نفس ماهيّته.

وأمّا ثانياً: فبأنّ الشيخ الأشعري خلط بين نظريّة أبي الهذيل و نظرية الجبّائي الّذي تتلمذ عليه الشيخ الأشعري سنين متمادية إلى أن رفضه و رفض مذهبه، وانسلك في عداد الحنابلة. فتصوّر أنّ مذهب أبي عليّ نفس مذهب أبي الهذيل. ففي مذهب أبي عليّ، الذات خالية من الصّفات الحقيقيّة، غير أنّها نائبة منابها، ولأجل هذه النيابة يصحّ الحمل، ويجيء توضيحه عمّا قريب، بخلافه على مذهب أبي الهذيل.

3- قال البغدادي: «الفضيحة الرابعة من فضائحه (أبي الهذيل) قوله بأنّ علم الله سبحانه و تعالى هو الله و قدرته هي هو، ويلزمه على هذا القول أن يكون الله تعالى علماً و قدرة، ولو كان هو علماً وقدرة لاستحال أن يكون عالماً قادراً، لأنّ العلم لا يكون


1. الابانة: ص 108.


(320)

عالماً والقدرة لا تكون قادرة»(1).

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من الاشكال مبنىُّ على اقتناص المعارف الإلهية من اللّغة والعرف، أو من باب مقايسة الواجب بالممكن، فيما أنّ العلم والقدرة في الإنسان عرض والإنسان معروض لهما، تخيّل أنّ العلم والقدرة في جميع المراتب أعراض لا تخرج عن حدِّها، ولكنّه غفل عن أنّ للعلم والقدرة والحياة مراتب و درجات. فالعلم منه عرض كعلمنا بالأشياء الخارجيّة، و منه جوهر كعلمنا بذاتنا و حضور ذاتنا لدى ذاتنا، ومنه واجب قائم بنفسه كعلم الله سبحانه بذاته. فعند ذلك لا مانع من أن يكون هناك علم قائم بالذات و قدرة مثلها و حياة كذلك.

وهناك كلمة قيّمة للحكيم الفارابي حيث يقول: «يجب أن يكون في الوجود وجود بالذات، وفي العلم علم بالذات، وفي القدرة قدرة بالذات، وفي الارادة إرادة بالذات، حتّى تكون هذه الاُمور في غيره لا بالذات».

ومصدر ه(2)ذه الكلمات العجيبة هو مقايسة الغائب بالشاهد و تصوّر أنّ علمه سبحانه أو قدرته و حياته كعلم الممكنات و قدرتها و حياتها. فذلك هو التشبيه الّذي هو الأساس لمذهب أهل الحديث ومن لفّ لفّهم.

4- ذكر الشهرستاني أنّ أبا الهذيل اقتبس هذا الرأي من الفلاسفة الّذين اعتقدوا أنّ ذاته واحدة لا كثرة فيها بوجه(3).

يلاحظ عليه: أنّه رجم بالغيب ومن الممكن أنّه وصل إليه من خطب الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ كما سيوافيك كلامه، وقد عرفت أنّ المعتزلة في التوحيد والعدل عالة على خطب الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ .

5- قال القاضي الايجي: «لو كان مفهوم كونه عالماً حيّاً قادراً نفس ذاته، لم يفد


1. الفرق بين الفرق: ص 127.

2. تعاليق الاسفار: ج 6، ص 135.

3. الملل والنحل: ج 1، ص 50.


(321)

حملها على ذاته، وكان قولنا:«الله الواجب» بمثابة حمل الشيء على نفسه».

6- وقال أيضاً: «لو كان العلم نفس الذات والقدرة نفس الذات لكان العلم نفس القدرة فكان المفهوم من العلم والقدرة واحداً»(1).

يلاحظ عليه: أنّ الاشكالين من الوهن بمكان، حتّى إنّ المستشكل لم يقبله. وأساس الاشكال هو الخلط بين الوحدة المفهوميّة والوحدة المصداقيّة، والقائل يقول بالثاني لا بالأوّل. ولأجل ذلك يقول الايجي في دفع الاشكال الأوّل: «وفيه نظر، فإنّه لا يفيد إلاّ زيادة هذا المفهوم على مفهوم الذات، وأمّا زيادة ما صدق عليه هذا المفهوم على حقيقة الذات فلا».

وعند ذلك يصحّ لشيخ الاعتزال أن يتمثّل و يقول:

وكم من عائب قولاً صحيحاً * وآفتـه مـن الفهـم السقيــم

كلام الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ في عينيّة الصفات مع الذات

قد ورد في خطب الإمام ـ عليه السلام ـ ما يدلّ على نفي زيادة الصفات لله تعالى بأبلغ وجه و آكده حيث قال في خطبة من خطبه المشهورة: «أوّل الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الاخلاص له، وكمال الاخلاص له نفي الصِّفات عنه، لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف، وشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصِّفة، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثنّاه، ومن ثنّاه فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد جهله، ومن جهله فقد أشار إليه، ومن أشار إليه فقد حدّه، ومن حدّه فقد عدّه، ومن قال فيم فقد ضمّنه، ومن قال علام فقد أخلى منه»(2).

وتوضيح هذه الجمل الدّريّة تدفعنا إلى البسط في الكلام ولكنّ المقام لا يقتضيه وإنّما نشير إلى بعضها.


1. المواقف: ص 280.

2. نهج البلاغة: الخطبة الاُولى.


(322)

قال ـ عليه السلام ـ : «وكمال توحيده الاخلاص له»، يريد تخليصه سبحانه من الزوائد والثواني حتّى لا يكون خليطاً مع غيره، ثمّ فرّع على ذلك قوله: «وكمال الاخلاص له نفي الصّفات عنه» يريد نفي الصّفات الّتي وجودها غير وجود الذات لا نفي حقائقها عن ذاته، فإنّ ذاته بذاته مصداق لجميع النعوت الكماليّة و الأوصاف الإلهيّة من دون قيام أمر زائد على ذاته، فعلمه وقدرته و .... كلُّها موجودة بوجود ذاته الأحديّة مع أنّ مفاهيمها متغايرة.

وقال ـ عليه السلام ـ: «لشهادة كلِّ صفة أنّها غير الموصوف ... الخ» إشارة إلى برهان نفي الصفات العارضة، سواء فرضت قديمة كما عليه الكلابيّة و الأشاعرة أو حادثة. فإنّ الصفة إذا كانت عارضة كانت مغايرة للموصوف بها.

فعندئذ يترتّب عليه قول: «فمن وصفه فقد قرنه» أي من وصفه بصفة زائدة فقد قرنه بغيره، فان كان ذلك الغير مستقلاّ ً في الوجود يلزم أن يكون له ثان في الوجود، وإن كان غير مستقلّ فبما أنّه جزء له فقد جعله مركّباً ذا جزأين و إليه يشير بقوله: «ومن ثنّاه فقد جزّأه» ومن المعلوم أنّ من جزّأه فقد جهله، ولم يعرفه على ما هو عليه. ومن جهله بهذا المعنى فقد أشار إليه، ومن أشار إليه فقد حدّه، لأنّ الاشارة إلى الشيء حسّيّة كانت أو عقليّة تستلزم جعله محدوداً بحدّ خاصّ، ومن حدّه بحد معيّن فقد جعله واحداً بالعدد ـ إلى آخر ما أفاده.

هذا هو توضيح نظريّة أبي الهذيل وهو المختار لدى الإماميّة وعليه خطب الإمام وكلمات أئمّة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ وعندئذ يحين وقت إيضاح النظرية الثانية المنسوبة إلى أبي علي الجبّائي.

توضيح مذهب أبي عليّ الجبّائي

إنّ أبا عليّ الجبّائي يقول: إنّه تعالى يستحقّ هذه الصّفات الأربع الّتي هي كونه قادراً عالماً حيّاً موجوداً لذاته. فهو يهدف إلى نظريّة اُخرى يليق أن يتّهم معها


(323)

بالتعطيـل.

وقد أوضح الشهرستاني الفرق بين هذه النظرية و النظرية السابقة بقوله: «والفرق بين قول القائل: «عالم بذاته لا بعلم» وبين قول القائل: «عالم بعلم هو ذاته»، أنّ الأوّل هو نفي الصفة، والثاني إثبات ذات هو بعينه صفة، أو إثبات صفة هي بعينها ذات»(1).

ولقد أحسن في التّوضيح و أصاب الغرض. فعلى هذا القول ليست الذات واجدة لواقعيات الصّفات، غير أنّ ما يترقّب من الذات المتصفة بها، يترتّب على ذاته سبحانه و إن لم تكن هناك تلك الصفات. مثلاً أثر الذات الموصوفة بالعلم هو إتقان الفعل وهو يترتّب على ذاته سبحانه بلا وجود وصف العلم فيه، وقد اشتهر عندهم «خذ الغايات واترك المبادئ».

وصاحب النظريّة توفّق في الجمع بين الأمرين الخطيرين. فمن جانب اتّفقت الشرائع السماويّة على أنّه سبحانه عالم حيّ قادر. ومن جانب آخر واقعية الصفة لا تنفكّ عن القيام بالغير بحيث لو لم تكن قائمة به لما صدق عليه الوصف. فعندئذ يدور الأمر بين الاُمور التالية:

1- نفي كونه عالماً قادراً حيّاً .... وهذا يكذّبه اتّفاق الشرائع السماوية ووجود آثار الصفات في أفعاله من الإتقان والنظم البارزين.

2- كون صفاته زائدة على ذاته وهو يستلزم المفاسد السابقة من تعدّد القدماء وغيره.

3- كون صفاته عين ذاته كما عليه شيخ المعتزلة في عصره «أبي الهذيل» وهو لا يتّفق مع واقعيّة الصِّفات، فإنّ واقعيّتها نفس قيامها بالغير لا صيرورتها نفسه، فتعيّن القول التالي:

4- كون ذاته نائبة مناب الصّفات وإن لم تكن هناك واقعيّتها. وممّن اختار هذا


1. الملل والنحل: ج 1 ص 50.


(324)

القول قبل الجبّائي هو عبّاد بن سليمان المعتزلي. قال: «هو عالم، قادر، حيّ، ولا أثبت له علماً، ولا قدرة، ولا حياة ولا أثبت سمعاً ولا أثبت بصراً. وأقول: هو عالم لا بعلم، وقادر لا بقدرة، وحىُّ لا بحياة، وسميع لا بسمع، وكذلك سائر ما يسمّى به من الأسماء الّتي يسمّى بها»(1).

تقييم نظريّة النيابة

إنّ هذه النظريّة من الوهن بمكان، فإنّ أبا عليّ لو تأمّل في واقعيّة الصفات الكماليّة لما أصرّ على أنّ واقعيّتها في جميع المجالات و المراحل، واقعية القيام بالغير. وإنّما هي واقعيتها في بعض المراتب كعلم الإنسان و قدرته و حياته، وليس في جميع المراتب كذلك. وذلك لأنّ الكمالات ترجع إلى الوجود، وله شؤون و عرض عريض. فكما أنّ منه وجوداً رابطاً و رابطيّاً و جوهراً، فكذا العلم. فمنه عرض قائم بالغير، ومنه جوهر قائم في نفسه كعلم الإنسان المدرك بذاته، ومنه ممكن ومنه واجب، وهكذا سائر الصفِّات. وعلى ذلك فالاصرار على واقعيّة واحدة تجمع شتات العلم، إصرار في غير محلِّه. فإنّ للعلم و كلّ كمال مثله، إطارات و قوالب و مظاهر و مجالات تختلف حسب اختلاف المراتب.

إذا وقفت على مذهب الوالد (أبي عليّ) فهلمّ معي ندرس مذهب الولد في باب حمل الصفِّات الذاتية عليه سبحانه.

مذهب أبي هاشم

إنّ لأبي هاشم في كيفيّة استحقاق الصفِّات مذهباً خاصّاً عبّر عنه القاضي بقوله: «وعند أبي هاشم يستحقّها لما هو عليه في ذاته» وعبّر عن نظرية أبيه بقوله: «إنّه


1. مقالات الاسلاميين: ج 1، ص 225. نعم نقل القاضي في شرح الاُصول الخمسة ص 183 رأياً آخر لسليمان بن جرير وهو غير عباد بن سليمان فلا يختلط عليك الأمر.


(325)

يستحقّها القديم تعالى لذاته»(1).

وقد حاول البغدادي تبيين الفرق بقوله: «إنّ أبا عليّ جعل نفس الباري علّة لكونه عالماً و قادراً، وخالف أبو هاشم أباه و زعم أنّ الله عالم لكونه على حال، قادر لكونه على حال وزعم أنّ له في كلِّ معلوم حالاً مخصوصاً، وفي كلِّ مقدور حالاً مخصوصاً. وزعم أنّ الأحوال لا موجودة ولا معدومة ولا معلومة ولا أشياء»(2).

و أوضحه الشهرستاني بقوله: «قال الجبّائي: عالم لذاته، قادر حيّ لذاته، ومعنى قوله:«لذاته» أي لا يقتضي كونه عالماً، صفة هي علم أو حال توجب كونه عالماً، وعند أبي هاشم: «هو عالم لذاته» بمعنى أنّه ذو حالة هي صفة معلومة وراء كونه ذاتاً موجوداً، وإنّما تعلم الصِّفة على الذات، لا بانفرادها. فأثبت أحوالاً هي صفات لا موجودة ولا معدومة ولا معلومة ولا مجهولة، أي هي على حيالها لا تعرف كذلك بل مع الذّات»(3).

وأنت تعلم أنّ هذه المحاولات تزيد في الغموض، وقد أصبحت نظريّته لغزاً من الألغاز لم يقف عليه أحد. قال الشريف المرتضى: «سمعت الشيخ المفيد يقول: ثلاثة أشياء لا تعقل وقد اجتهد المتكلّمون في تحصيل معانيها من معتقديها بكلِّ حيلة، فلم يظفروا منهم إلاّ بعبارات يناقض المعنى فيها مفهوم الكلام: اتّحاد النّصرانية (التثليت مع ادّعاء الوحدة)، وكسب النّجارية و أحوال البهشميّة»(4).

ممّا يقال ولا حقيقة عنده * معقولة تدنو إلى الأفهام

الكسب عند الأشعري والحال * عند البهشمي وطفرة النظام(5)


1. شرح الاُصول الخمسة: ص 129.

2. اُصول الدين للبغدادي: ص 92.

3. الملل والنحل: ج 1، ص 82.

4. الفصول المختارة: ص 128.

5. القضاء والقدر، لعبد الكريم الخطيب: ص 185.


(326)

وبما أنّ تحقيق نظريته مبنيّ على تحقيق «الأحوال» الّتي يتبنّاها أبو هاشم فلنكتف بهذا المقدار.

هذا كلّه حول المسألة الاُولى الّتي تركِّز المعتزلة عليها عند البحث عن الأصل الأوّل (التوحيد) وإليك البحث في المسألة الثانية الّتي يركّزون عليها في إطار هذا الأصل، وهي تبيين كيفيّة حمل الصفّات الخبريّة عليه سبحانه.

***

ب - المعتزلة وحمل الصفات الخبريّة (1)

قسّم الباحثون صفاته سبحانه إلى صفات ذاتيّة و صفات خبريّة، فتوصيفه سبحانه بالعلم والقدرة توصيف بصفات ذاتيّة، كما أنّ توصيفه بما دلّ عليه ظواهر الآيات والأحاديث كالوجه واليدين صفات خبريّة.

وأمّا عقيدة المعتزلة في هذه الصفِّات، فقد وصفها الشيخ الأشعري فى كتابه بأحسن وجه. وإليك نصّ كلامه:

«أجمعت المعتزلة على أنّ الله واحد ليس كمثله شيء وهو السّميع البصير، وليس بجسم، ولا شبح، ولا جثّة، ولا صورة لحم ولا دم، ولا شخص ولا جوهر ولا عرض، ولا بذي لون ولا طعم ولا رائحة ولا مجسّة، ولا بذي حرارة ولا برودة ولا رطوبة ولا يبوسة، ولا طول ولا عرض ولا عمق، ولا اجتماع ولا افتراق. ولا يتحرّك ولا يسكن ولا يتبعّض، ولا بذي أبعاض و أجزاء و جوارح وأعضاء، وليس بذي جهات ولا بذي يمين و شمال وأمام وخلف وفوق وتحت، ولا يحيط به مكان ولا يجري عليه زمان ولا تجوز عليه المماسّة ولا العزلة ولا الحلول في الأماكن، ولا يوصف بشيء من صفات الخلق الدالة على حدوثهم، ولا يوصف بأنّه متناه، ولا يوصف بمساحة ولا ذهاب في الجهات، وليس بمحدود، ولا والد ولا مولود، ولا تحيط به الأقدار، ولا تحجبه الأستار، ولا تدركه


1 . هذه هي النقطة الثانية التي تركّز عليها المعتزلة في هذا الأصل.


(327)

الحواسّ ولا يقاس بالناس، ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ولا تجري عليه الآفات، ولا تحلّ به العاهات، وكلّ ما خطر بالبال، وتصوّر بالوهم فغير مشبه له. لم يزل أوّلاً، سابقاً، متقدّما للمحدثات، موجوداً قبل المخلوقات، ولم يزل عالماً قادراً حيّاً ولا يزال كذلك. لا تراه العيون، ولا تدركه الأبصار، ولا تحيط به الأوهام، ولا يسمع بالأسماع، شيء لا كالأشياء، عالم قادر حيّ لا كالعلماء القادرين الأحياء. وإنّه القديم وحده ولا قديم غيره ولا إله سواه، ولا شريك له في ملكه، ولا وزير له في سلطانه ولا معين على إنشاء ما أنشأ وخلق ما خلق. لم يخلق الخلق على مثال سبق، وليس خلق شيء بأهون عليه من خلق شيء آخر ولا بأصعب عليه منه، ولا يجوز عليه اجترار المنافع ولا تلحقه المضارّ، ولا يناله السرور واللذات، ولا يصل إليه الأذى و الآلام، ليس بذي غاية فيتناهى، ولا يجوز عليه الفناء، ولا يلحقه العجز والنقص، تقدّس عن ملامسة النساء، وعن اتّخاذ الصاحبة والأبناء، قال: فهذه جملة قولهم في التّوحيد»(1).

والسابر في نهج البلاغة يقف على أنّ المعتزلة أخذت جلّ هذه الكلمات من خطب الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ لكن باختلاف في التعبير والألفاظ.

وقد ذكرت المعتزلة وغيرهم دليلاً عقليّاً على تنزيهه سبحانه عن هذه الصفِّات، خلاصته: أنّه سبحانه ليس مادّة ولا ماديّاً ولا مركّباً منهما، وما ليس كذلك يمتنع عليه هذه الصفات. فمن يُثبت له حركة أو سكوناً أو يداً أو رجلاً فلا منتدح له عن القول بكونه جسماً أو جسمانياً.

هذا هو الحقّ القراح الّذي لا يشكّ فيه مسلم واع. إنّما الكلام في تفسير ما ورد من النُّصوص المشتملة بظواهرها على هذه الصفِّات. وهذه النقطة هي المخمصة الكبرى للمعتزلة. فلابدّ لهم من الجمع ما بين العقل والنّقل بوجه يقبله العقل، ولا


1. مقالات الاسلاميين للاشعري: ص 155 ـ 156. وقد كتب أبو الفتح محمد بن علي الكراجكي (م 449) قائمة تشتمل على اُصول التنزيه على مذهب الامامية أسماها «البيان عن جمل اعتقاد أهل الايمان» فمن أراد فليرجع إلى كنز الفوائد، ج 1، ص 240 ط بيروت.


(328)

يكذّبه النقل.

ثمّ إنّ للباحثين من المتكلِّمين و أهل الحديث في المقام طرقاً نشير إليها:

الأوّل : الإثبات مع التّشبيه والتّكييف.

الثّاني : الإثبات بلا تشبيه ولا تكييف.

الثالث : التفويض.

الرابع : التّأويل.

وقد بحثنا عن الوجوه الثّلاثة الاُول في الجزء الثاني، وهي خيرة أهل الحديث والأشاعرة. والأمر الرابع هو خيرة المعتزلة. ولأجل ذلك يسمّون المؤوّلة، فيؤوّلون الآيات المشتملة على اليد والوجه والاستيلاء وغير ذلك، ولنا هنا كلمة موجزة وهي:

إنّ التأويل على قسمين: قسم يرفضه الكتاب ولا يرضى به العقل وهو تأويل النصوص القرآنيّة والأحاديث المتواترة بحجّة أنّها تخالف العقل الصّريح فقط، وهذا رأي عازب، بل فكرة خاطئة. فإنّ ظواهر الكتاب والنصوص الصحيحة لا يمكن أن تكون مخالفة للعقل.

ولقد كذب من قال من المؤوّلة: إنّ الأخذ بظواهر الكتاب والسنّة من اُصول الكفر أو إنّ التمسّك في اُصول العقائد بمجّرد ظواهر الكتاب والسنّة من غير بصيرة في العقل هو أصل ضلالة الحشوية(1).

فإنّ هؤلاء لم يعرفوا موقف الكتاب والسنّة الصحيحة، فإنّ من الممتنع أن يشتمل الكتاب الهادي على ما يضادّ العقل الصحيح. وهو القائل (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرآنَ أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفَالُهَا)(محمد/24).

وقسم يراد منه تمييز الظاهر التصديقي عن الظاهر الحرفي، وتمييز الظاهر البدوي عن الظاهر الاستمراري (ما يستقرّ في الذهن بعد التدبّر) ومثل هذا لا يتحقّق إلاّ


1. علاقة الاثبات والتفويض: ص 67، نقلاً عن الصاوي على تفسير الجلالين ج 3، ص 10 وغيره.


(329)

بالتأمّل في نفس الآية الكريمة و ما احتفّ بها من القرائن اللفظية أو ما جاء في الآيات الأخر. وهذا القسم لو صحّت تسميته بالتأويل، تأويل مقبول. كيف وهو ليس بتأويل بمعنى صرف الكلام عن ظاهره والأخذ بخلاف الظاهر، بل واقعيته تحديد ظاهر الكلام، وتعيينه. وهذا من خواصّ كلِّ كلام مشتمل على نكات بديعة و معاني رفيعة ألقي لهداية الناس باختلاف طبقاتهم و تعدّد ثقافاتهم. ومثل هذا لو صحّ عليه أنّه أخذ بخلاف الظاهر فإنّما هو أخذ بخلاف الظاهر الحرفي و رفض لظاهره الابتدائي. وأمّا الظاهر التصديقي والاستمراري فهو عين الأخذ به. ونمثِّل لك مثالاً:

إذا قال القائل في تبيين سماحة شخص وجوده: «فلان كثير الرّماد» فهناك ظاهر حرفي و ظاهر تصديقي، كما أنّ هناك ظاهراً بدئياً و ظاهراً استمراريّاً.

فالأوّل مرفوض جدّاً، فإنّ كثرة الرّماد في البيت لو لم يكن ذمّاً لا يكون مدحاً، مع أنّ القائل بصدد المدح.

والثاني مقبول عند العقلاء وعليه يدور رحى الفصاحة والبلاغة و إلقاء الخطب الرنانّة و إنشاء الكلم اللّذيذة على الأسماع.

المعتزلة بين التأويل المرفوض و المقبول

إنّ المعتزلة في تفسير الآيات الواردة في مجال الصفِّات بين تأويل مرفوض، وتأويل مقبول. فتارة يؤوّلون الكلام بحجّة أنّه يخالف العقل ولا يذكرون للتّأويل قرينة مقاليّة أو شاهداً من سائر الآيات. وهذا يعرب عن أنّ الغاية منه هو التخلّص من مخالفة النقل مع العقل، وهذا هو التأويل المرفوض، فحاشا أن يكون النقل مخالفاً للعقل. بل المخالفة تتراءى إمّا لعدم تشخيص حقيقة النّقل و تخيّل ما ليس بظاهرها ظاهراً، أو لاشتباه العقل فيما يحكم و يبرم.

وأخرى يؤوّلون معتمدين على القرائن و الشّواهد الّتي تثبت الظهور التصديقي وتوقفنا على أنّ الظهور البدائي أو التصوّري ليس بمراد. وهذا هو التّأويل المقبول،


(330)

وإليه الاستناد في تأويل المتشابهات بالمحكمات و تعيين الظهور التصديقي.

ولأجل إيقاف القارئ على نماذج من التأويلين نأتي بمثالين:

1- قول سبحانه: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ اسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ العَالِينَ) (ص/75).

ترى أنّ القاضي يبادر إلى تأويل الآية بأنّ اليد هنا بمعنى القوّة(1).

يلاحظ عليه: أنّ اليد و إن كانت تستعمل في القوّة والنعمة ، قال سبحانه (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُد ذَا الأيدِ إِنَّهُ أَوّاب)(ص/17) فإنّ اليد في هذه الآية مردّدة ابتداء بين النعمة والقوّة والعضو المخصوص، إلاّ أنّ القرينة في الآيات تدلُّ على أنّها كناية عن النعمة أو القوّة، والقرينة عليه ورودها في قصّة داود المشهورة في القرآن. فقد كان ذا نعمة و قوّة، أشار إليهما سبحانه في تلك ا لسورة وقال: (إنّا سَخَّرْنَا الجِبَالَ مَعَهُ...) (ص/19-29) و هذه الآيات قرينة على أنّ اليد إنّما كنّى بها عن النّعمة والقوّة. إلاّ أنّ الآية السابقة تفارق هذه الآية و ليس مثلها وذلك لأجل أمرين:

أوّلاً: إنّ من المعلوم أنّ الخالق لا يخلق شيئاً إلاّ عن قوّة، فلا معنى لذكرها إلاّ أن تكون هنا نكتة، مثل دفع توهّم العجز في المتكلّم و ليس المقام كذلك كما سيأتي في قوله سبحانه (وَالسَّماءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْد).

وثانياً : أنّه لو كان المراد منها هو القوّة، فما هو وجه التثنية؟

فلأجل ذلك كان اللاّزم على القاضي و أمثاله، الامعان في الآية حتّى يقفوا على الظهور التصديقي، ليستغنوا به عن مخالفة العقل. فنقول:

إنّ اليد في الآية استعملت في العضو المخصوص، ولكنّها كنّى بها عن الاهتمام بخلقة آدم حتّى يتسنّى بذلك ذمّ إبليس على ترك السجود لآدم. فقوله سبحانه: (مَامَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) كناية عن أنّ آدم لم يكن مخلوقاً لغيري حتّى


1. شرح الاصول الخمسة: ص 228.


(331)

يصحّ لك يا شيطان التجنّب عن السجود له، بحجّة أنّه لا صلة له بي، مع أنّه موجود خلقته بنفسي، ونفخت فيه من روحي. فهو مصنوعي و مخلوقي الّذي قمت بخلقه، فمع ذلك تمرّدت عن السجود له.

فاُطلقت الخلقة باليد و كنّى بها عن قيامه سبحانه بخلقه، وعنايته بايجاده، وتعليمه إيّاه أسماءه، لأنّ الغالب في عمل الإنسان هو القيام به باستعمال اليد، يقول: هذا ما بنيته بيدي، أو ما صنعته بيدي، أو ربّيته بيدي و يراد من الكل هو القيام المباشري بالعمل، و ربّما استعان فيه بعينه و سمعه و غيرهما من الأعضاء، لكنّه لا يذكرها و يكتفي باليد. وكأنّه سبحانه يندِّد بالشيطان بأنّك تركت السجود لموجود اهتممت بخلقه و صنعه.

و نظير ذلك قوله سبحانه: (أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ) (يس/71) فالأيدي كناية عن تفرّده تعالى بخلقها، لم يشركه أحد فيه. فهي مصنوعة لله تعالى والناس يتصرّفون فيها تصرف المّلاك كأنّها مصنوعة لهم، فبدل أن يشكروا يكفرون بنعمته. وأنت إذا قارنت بين الآيتين تقف على أنّ المقصود هو المعنى الكنائي، والمدار في الموافقة والمخالفة هو الظهور التّصديقي لا التصوّري.

قال الشريف المرتضى: «قوله تعالى:( لما خلقت بيديّ)» جار مجرى قوله «لما خلقت أنا» و ذلك مشهور في لغة العرب. يقول أحدهم: هذا ما كسبت يداك، وما جرت عليك يداك. و إذا أرادوا نفي الفعل عن الفاعل استعملوا فيه هذا الضّرب من الكلام فيقولون: فلان لا تمشي قدمه، ولا ينطق لسانه، ولا تكتب يده، وكذلك في الاثبات، ولا يكون للفعل رجوع إلى الجوارح في الحقيقة بل الفائدة فيه النفي عن الفاعل»(1).

وأمّا قوله سبحانه (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْد وَ إِنَّا لَمُوسعونَ) (لذاريات/47)، فالمراد من الأيدي هو القوّة و الإحكام، والقرينة عليه قوله: (لموسعون) وكأنّه سبحانه


1. امالي المرتضى: ج 1، ص 565.


(332)

يقول: والسماء بنيناها بقدرة لا يوصف قدرها و إنّا لذو سعة في القدرة لا يعجزها شيء، أو بنيناها بقدرة عظيمة و نوسعها في الخلقة. ومن أراد أن يقف على تأويل غير مقبول في تفسير الآية فعليه أن يرجع إلى كلام الزمخشري في هذاالباب، فإنّ تأويله أردأ من تأويل القاضي، وهو من ذلك العالم البارع الأديب بعيد جدّا(1).

هذا نموذج من التّأويل المردود، وأمّا التأويل المقبول فحدّث عنه ولا حرج، وإليك نموذجاً منه:

2- قوله سبحانه: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمواتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوى عَلَى العَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ مَا مِنْ شَفِيع إلاّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللّهُ رَبّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ)(يونس/3).

وقوله سبحانه: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمواتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوى عَلَى العَرْشِ يُغْشِي الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرات بِأَمْرِهِ ألا لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ العَالَمِينَ) (الأعراف/54).

وقد شغل بال المفسّرين و أهل الكلام استواؤه سبحانه على العرش، فأقصى ما عند أهل التنزيه من الأشاعرة أنّه سبحانه مستو على عرشه (جالس أو مستقرّ عليه) ولكن من غير كيف(2).

وأمّا المشبّهة فهم يقولون بالجلوس على العرش على الكيف والتّشبيه.

ولو أنّ القوم تدبّروا في نفس الآيتين الماضيتين والآيات الاُخر(3) التّي ورد فيها قوله سبحانه: (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى العَرْشِ)، لوقفوا على أنّ الظهور التصوّري وهو كونه سبحانه ذا سرير متربّعاً عليه، غير مراد قطعاً، إذ لا مناسبة لهذا المعنى مع ما جاء في الآيات من بيان عظمة قدرته وسعة ملكه و تدبيره، وإنّه لا يشذّ عن علمه شيء، بل


1. لاحظ الكشاف: ج 3 ص 21.

2. الابانة: باب ذكر الاستواء على العرش، ص 85.

3. الرعد / 2، الفرقان / 59، السجدة / 5، الحديد / 5، غافر / 15، طه / 8 باختلاف يسير .


(333)

المراد هو الظهور التصديقي، وأنّ الاستواء بمعنى التمكّن والاستيلاء التام، لا الجلوس ولا الاستقرار بعد التزلزل، كما أنّ المراد من العرش، عرش التدبير و عرش الملك لا الّذي يجلس عليه الملوك. وليس هذا شيئاً غير موجود في الأدب العربي بل هو مملوء من هذه المعاني.

أمّا الاستواء بمعنى الاستيلاء فقد قال الأخطل يمدح بشراً أخا عبدالملك بن مروان حين ولى إمرة العراقين:

قد استـوى بشر على العراق * من غيـر سيـف ودم مهـراق

فالحمد للمهيمن الخلاّق

فليس المراد من الاستواء الجلوس أو الاستقرار، بل التمكّن والاستيلاء التام والسيطرة على العراقين وكسح كلِّ مزاحم ومخالف.

وقال الطرمّاح بن حكيم:

طال على رسـم مهـدد أبـده * وعفــى واستــوى بـه بلــده

والمراد استقام له الأمر واستتبّ.

وقال آخر:

فلمّا علونا و استوينا عليهم * تركناهم صرعى لنسر و كاسر

هذا حول الاستواء. وأمّا العرش، فالمتبادر منه تصوّراً هو السرير يجلس عليه الملوك، و يدبّرون منه ملكهم و يصدرون الأوامر والنواهي. غير أنّه هناك كناية عن الملك والسّلطة. يقال: ثلّ عرش بني فلان، إذا زال ملكهم. يقول الشاعر:

إذا ما بنو مروان ثلّت عروشهم * وأودت كما أودت أيـاد وحميـر

فليس المراد تهدّم العروش الّتي كانوا يجلسون عليها، بل كناية عن زوال الملك والسيطرة وانقطاع سلطتهم. والدقة في الآيات الّتي ورد فيها استيلاؤه سبحانه على العرش يثبت بوضوح أنّ المراد من الآية هو السيطرة والتمكّن على صحيفة الكون


(334)

والخلقة، وأنّها بعد الخلقة في قبضة قدرته و حوزة سلطنته لم تفوّض لغيره، ولأجل ذلك يذكر في سورة يونس بعد هذه الجملة قوله: (يدبِّر الأمر ما من شفيع إلاّ من بعد إذنه) معرباً عن أنّه المدبِّر لأمر الخلقة، وذلك لاستيلائه على عرش ملكه. فمن استولى على عرش ملكه يقوم بتدبيره، ومن ثلّ عرشه أو زال ملكه أو انقطع عنه لا يقدر على التدبير. كما أنّه سبحانه يذكر بعد هذه الجملة في سورة الأعراف كيفيّة التدبير و يقول: >>ِ يُغْشِي الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرات بِأَمْرِهِ ألا لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ ) فهذه الجمل تعابير عن تدبيره صحيفة الكون. وكونه مصدراً لهذه التدبيرات الشامخة، دليل على أنّه مستول على ملكه، مهيمن عليه، مسيطر على ما خلق ولم يخرج الكون عن حوزة قدرته، ومثله سائر الآيات الواردة فيها تلك الجملة، فإنّك ترى أنّه جاء في ضمن بيان فعل من أفعاله سبحانه. ففيها دلالات على «التوحيد في التدبير» الّذي هو أحد مراتبه.

وأمّا إذا فسّرنا الاستواء بالجلوس والاستقرار، والعرش بالكرسي الّذي يتربّع عليه الملوك، يكون المعنى غير مرتبط بما ورد في الآية من المفاهيم، إذ أيّ مناسبة بين التربّع على الكرسي المادي والقيام بهذه التدابير الرفيعة. فإن المصحِّح للتدبير هو السيطرة والهيمنة على الملك وهو لا يحتاج إلى التربّع والجلوس على الكرسي، بل يتوقّف على سعة ملكه و نفوذ سلطته.

وقد قام القاضي بتأويل الآية بمثل ما ذكرنا-بعبارات قليلة-وهو نموذج واضح للتأويل المقبول.

وإذا وقفت على هذا المقياس تقدر على تمييز المقبول عن الزائف في الصفات الخبريّة، وعليك بالآيات الوارد فيها الألفاظ التالية:

الوجه، العين، الساق، مجيئه سبحانه.

وفي الأحاديث المرويّة عن طرق ضعاف ورد: الرجل، والقدم.

فالمعتزلة بل العدليّة عامّة يصفونه سبحانه بكلِّ ما وصف نفسه به. ولكنّ


(335)

الاختلاف في تمييز المراد الجدّي عن الصّوري، والظاهر التصديقي عن الظاهر الحرفي. فالمشبِّهة والأشاعرة مصّرون على الأخذ بالأوّل مع أنّ سيرة العقلاء العارفين بالكلام وأساليب البلاغة على الثاني. وعند ذلك لا تجد أيّ مخالفة بين العقل والنّقل الصحيح كالقرآن الكريم. وأمّا الروايات فأكثرها إسرائيليات دسّت في الأحاديث الإسلاميّة من طريق الأحبار والرهبان و نقلها السذّج من أصحاب الحديث زاعمين أنّها حقائق راهنة يلزم الأخذ بها، وقد استوفينا الكلام فيها عند البحث عن عقائد أهل الحديث.

***

ج- نفي الرؤية الحسية

هذه هي النقطة الثالثة الّتي تركز عليها المعتزلة عند البحث عن التوحيد، وقد عرفت أنّ التوحيد رمز للتنزيه، أي تنزيهه سبحانه عن الجسم والجسمانيّات و أحكامها. وقد شغلت هذه المسألة بال المفسِّرين و المتكلِّمين وقد بحث عنها القاضي في كتابيه «شرح الاُصول الخمسة»، و «المغني» على وجه البسط.

يقول القاضي: «وممّا يجب نفيه عن الله تعالى الرؤية، وهذه مسألة خلاف بين الناس، وفي الحقيقة الخلاف في هذه المسألة إنّما يتحقّق بيننا وبين هؤلاء الأشاعرة الّذين لا يكيّفون الرؤية. وأمّا المجسّمة فهم يسلِّمون أنّ الله تعالى لو لم يكن جسماً لم صحّ أن يرى، ونحن نسلِّم لهم أنّ الله تعالى لو كان جسماً لصحّ أن يرى والكلام معهم في هذه المسألة لغو».

وبما أنّا استوفينا دراسة أدلّة المجوّزين للرؤية في الجزء الثاني، فلنكتف في المقام بدراسة أدلّة النافين على وجه الإجمال. فنقول:

استدلّت المعتزلة على نفي الرؤية بالأدلّة العقليّة والسّمعية. أمّا العقلية، فهي ما أثبتها الحسّ والعلوم الطبيعية من أنّ الرائي بالحاسّة لا يرى الشيء إلاّ إذا كان مقابلاً أو حاّلاً في المقابل أو في حكم المقابل. وقد ثبت أنّ الله تعالى لا يجوز أن يكون كذلك، لأنّ المقابلة من أحكام الأجسام والأعراض وهو سبحانه فوق الممكنات والمادّيات.


(336)

هذا ما استدلّ به القاضي تبعاً لمشايخه. ثمّ أجاب عمّا ربّما يتمسّك به المجوّز من أنّه يمكن أن نرى القديم تعالى بحاسّة سادسة من دون الحاجة إلى المقابلة. وقال: إنّه لو جاز أن يرى القديم بحاسّة سادسة لجاز أن يذاق بحاسّة سابعة، وأن يلمس بحاسّة ثامنة، وأن يشمّ بحاسّة تاسعة، ويسمع بحاسّة عاشرة. تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً(1).

أقول: كان على القاضي أن يعترض أيضاً بأنّ الرؤية بحاسّة سادسة مضافاً إلى أنّه رجم بالغيب، خروج عن الموضوع.

وأمّا السمعيّة: فقد استدلّ القاضي بقوله تعالى: (لاتُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الخَبِير)(الأنعام/103).

قال: «وجه الدّلالة في الآية هو ما قد ثبت من أنّ الإدراك إذا قرن بالبصر، لا يحتمل إلاّ الرؤية. وثبت أنّه تعالى نفى عن نفسه إدراك البصر، ونجد في ذلك تمدّحاً راجعاً إلى ذاته. وما كان نفيه تمدّحاً راجعاً إلى ذاته كان إثباته نقصاً، والنقائص غير جائزة على الله تعالى في حال من الأحوال.

ثمّ قال: فإن قيل: أليس يقولون: «أدركت ببصري حرارة الميل» فكيف يصحّ قولكم إنّ الادراك إذا قرن بالبصر لا يحتمل إلاّ الرؤية؟ اُجيب بأنّ هذا ليس من اللّغة في شيء، و إنّما اخترعه ابن أبي بشر الأشعري ليصحّح مذهبه به، إذ لم يرد في كلامهم لا المنظوم ولا المنثور».

أقول: إنّ العرب في هذا المجال تقول: «أحسست ببصري حرارة الميل» على أنّ الباء إنّما تدخل على الآلة كقولهم: «مشيت برجلي و كتبت بقلمي» والبصر ليس بآلة في إدراك الحرارة، بل يستوي فيه البصر والسّمع، فلو اُطلق البصر فلا يراد منه إلاّ العضو الحاسّ لا العضو الّذي يرى به.

ثمّ إنّ القاضي أفاض الكلام في دلالة الآية وردّ ما اُثير حولها من الشبهات بوجه


1. شرح الاُصول الخمسة: ص 248 ـ 253.


(337)

ممتاز، فمن أراد فليرجع إليه(1).

ومن لطيف ما أفاده في المقام، هو الاجابة عن احتجاج المثبتين بما رووه عن النّبيّ صلَّى الله عليه و آله و سلَّم قال: «إنّكم سترون ربّكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر»(2). فأجاب عن الاستدلال بوجوه:

الأوّل: إنّ الأخذ بظاهر الخبر يستلزم أن نرى الله سبحانه مثلما نرى القمر، فإنّا لا نرى القمر إلاّ مدوّراً عالياً منوّراً، والله سبحانه أعلى من هذه الصفات.

يلاحظ عليه: أنّ وجه الشّبه هو الرؤية الحسيّة اليقينيّة. فكما أنّ الإنسان لا يشكّ ـ بعد ما رأى القمر ـ أنّه رآه، فهكذا فيه سبحانه لاتمام الخصوصيات.

الثاني: أنّ هذا الخبر يروى عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبدالله البجلي، عن النّبيّ صلَّى الله عليه و آله و سلَّم. وقيس هذا مطعون فيه من وجهين:

أحدهما: أنّه كان يرى رأى الخوارج. يروى أنّه قال: «منذ سمعت عليّاً على منبر الكوفة يقول: انفروا إلى بقيّة الأحزاب ـ يعني النّهروان ـ، دخل بغضه على قلبي» ومن دخل بغض أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ قلبه فأقلّ أحواله أن لا يعتمد على قوله، ولا يحتجّ بخبره.

وثانيهما: قيل إنّه خولط في عقله آخر عمره، والكتبة يكتبون عنه على عادتهم في حال عدم التّمييز، ولا ندري أنّ هذا الخبر رواه وهو صحيح العقل أو مختلطه.

الثالث: إن صحّ هذا الخبر فأكبر ما فيه أن يكون خبراً من أخبار الآحاد. وخبر الواحد ممّا لا يقتضي العلم. ومسألتنا طريقها القطع والثبات.

ثمّ إنّ هذا الخبر معارض بأخبار رويت. ثمّ ذكر بعض الأخبار(3).


1. شرح الاُصول الخمسة: ص 248 ـ 253.

2. صحيح البخاري، كتاب المواقيت، الباب 16، الحديث 26 ج 1 ص 111، وباب الاذان وغيره.

3. شرح الاُصول الخمسة: ص 269.


(338)

الاجابة عن الشّبه الثلاث

إنّ للمثبتين، شبهاً ثلاثاً أشبه ما تكون بشبهات الأحداث:

الأولى:إنّ القديم تعالى عندكم راء لذاته، فيجب أن يرى نفسه فيما لم يزل. وكلّ من قال إنّه يرى نفسه، قال إنّه يراه غيره.

يلاحظ عليه: أنّ الصغرى والكبرى ممنوعتان. فإن اُريد من رؤيته لذاته حضور ذاته لذاته وعدم غيبوبتها عنها، فهو صحيح ولا صلة له بالرؤية الحسّيّة، وإن اُريد الرؤية بالبصر فالصغرى ممنوعة. وأمّا الكبرى فزعم المستدلّ أنّ المسألة مسألة فقهيّة لا يصحّ التفكيك بينهما.

الثانية:إنّ مصحِّح الرؤية هو الوجود، بدليل أنّ الشيء متى كان موجوداً كان مرئياً. ومتى لم يكن كذلك لم يكن مرئيّاً.

يلاحظ عليه: أنّ الوجود شرط الرؤية لا العلّة التامّة. ولأجل ذلك لا يرى الإنسان الارادات والكراهات ولا غير ذلك. فللرؤية شرائط قد حقِّقت في العلوم الطّبيعية.

الثالثة:إنّ إثبات الرؤية للّه تعالى لا تؤدّي إلى حدوثه، ولا إلى حدوث معنى فيه، ولا إلى تشبيهه بخلقه.

وأجاب القاضي أنّ إثبات الرؤية تؤدّي إلى تشبيهه بخلقه، لأنّ الشّيء إنّما يرى إذا كان مقابلاً، أو حالاً في المقابل، وهذه من صفات الأجسام، فيجب أن يكون تعالى جسماً، وإذا كان جسماً يجب أن يكون محدثاً (1).


1. كان على القاضي و غيره البحث عن حدوث كلامه سبحانه أو قدمه في المقام، لأنّ نفي قدمه من شئون توحيده، ولكنه غفل عن ذلك.

Website Security Test