welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الملل والنحل/ج3 (الماتريديّة، والمرجئية، ...)*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الملل والنحل/ج3 (الماتريديّة، والمرجئية، ...)

بحوث
في الملل والنحل

دراسة موضوعيّة مقارنة للمذاهب الإسلاميّة

الجزء الثالث

ويتناول تاريخ وعقائد الماتريديّة، والمرجئة، والجهميّة، والكراميّة والظاهريّة، والمعتزلة

تأليف

الشيخ جعفر السبحاني


(2)

هويت الكتاب

أسم الكتاب :   بحوث في المِلل والنِحل (ج 3)

تأليف: العلاّمة آية الله الشيخ جعفر السبحاني

الموضوع:    المرجئة والكراميّة والمعتزلة وغيرها

الجزء:    الثالث

مؤسسة النشر الإسلامي

التابعة لجامعة المدرّسين بقم المشرّفة


(3)



(4)

بسم الله الرحمن الرحيم


(5)

بسم الله الرحمن الرحيم

أمّا بعد، فهذا هو الجزء الثّالث من كتابنا «بحوث في الملل والنحل» نقدّمه للقرّاء الكرام ونبحث فيه عن المدرستين المعروفتين «الماتريديّة» و«المعتزلة»، والمدرسة الاُولى مشتقّة من منهج أهل الحديث من الحشويّة والحنابلة، كاشتقاق المنهج الأشعريّ منه، والفرعان يشتركان في كثير من الاُصول ويختلفان في بعضها الآخر، وستوافيك الفوارق الموجودة بينهما.

وأمّا المدرسة الثّانية ـ أعني مدرسة الاعتزال ـ فهي منهج عقليّ لا يمتّ لمنهج أهل الحديث بصلة، والمدرستان تتحرّكان على محورين متخالفين، ونرجو منه سبحانه أن يوفّقنا لتحرير عقائد الطائفتين متحرّرين من كلّ نزعة، وتعصّب، ورأي مسبّق لا دليل عليه، ولنقدّم تحرير منهج الطائفة «الماتريديّة» على «المعتزلة» للصّلة التامّة بينه وبين المنهج الأشعري الذي سبق عنه البحث مفصّلاً في الجزء الثّاني.

ولقد نجمت في القرنين الأوّلين مناهج كلاميّة لها صلة بالمدرستين، فلإكمال الفائدة نبحث قبل تبيين منهج الإعتزال عن الفرق التالية:

المرجئة، القدريّة، الجهميّة، الكرّاميّة والظاهريّة. فالمرجوّ منه سبحانه، التّوفيق لبيان الحقّ والحقيقة والقضاء، بعيداً عن التعصّب والانحياز الممقوت. إنّه وليّ التوفيق.


(6)

(7)


1


الماتريدية


قد تعرّفت على جذور الاختلاف في عصر الرّسالة وبعدها، كما تعرّفت على حوافز الاختلاف ودوافعه في عصر الخلفاء، وخرجنا بالنّتيجة التالية وهي: أنّ أهل البحث والنّقاش من المسلمين قد تفرّقوا على فرقتين مختلفتين في كثير من المبادئ والاُصول وإن اشتركتا في كثير منها أيضاً:

1ـ فرقة أهل الحديث الّتي يعبّر عنها بالحشويّة تارة، والحنابلة اُخرى، والسلفيّة ثالثة وكانوا يتّسمون بسمة الاقتفاء لكتاب الله، وسنّة رسوله، ولا يقيمون للعقل والبرهان وزناً، كما لا يتفحّصون عن مصادر الحديث تفحّصاً يكشف عن صحته، بل ويقبلون كلّ حديث وصل إليهم عن كل من هبّ ودبّ، ويجعلون في حزمتهم كلّ رطب ويابس، ولأجل هذا التّساهل ظهرت فيهم آراء وعقائد تشبه آراء أهل الكتاب، كالتشبيه، والتجسيم،والجبر، وسيادة القضاء والقدر على الإنسان كإله حاكم،لا يُغيّر ولا يُبدّل، ولا يقدر الإنسان على تغيير مصيره إلى غير ذلك من البدع ولا يقصر عمّا ذكرناه القول بالرؤية تبعاً للعهدين، وكون القرآن قديماً غير مخلوق، مضاهياً لقول اليهود بقدم التّوراة، أو النّصارى بقدم المسيح، وقد أوضحنا الحال في هذه المباحث في الجزأين الماضيين.

2 ـ فرقة المعتزلة التي تعتمد على العقل أكثر مما يستحقّه، وتزعم أنّ ظواهر بعض


(8)

النّصوص الواردة في الكتاب والسنّة، مخالفة لما يوحي إليهم عقلهم وفكرتهم، فيبادرون إلى تأويلها تأويلاً واهياً يسلب عن الكلام بلاغته، فينحطّ من ذروته إلى الحضيض، وهؤلاء هم المعروفون بالمعتزلة، وفي ألسن خصومهم بـ(القدريّة).

وقد كان الجدال بين الطّائفتين قائماً على قدم وساق بغلبة الاُولى على الثّانية تارة، وانتصار الثانية على الاُولى اُخرى، وقد كان لأصحاب السّياسة والبلاط دور واضح في إشعال نار الإختلاف بإعلاء إحداهما، وحطّ الاُخرى، حسب مصالحهم الوقتية، والغايات المنشودة لهم.

الداعيان إلى منهج أهل الحديث متعاصران

كان النزاع يعلو تارة، وينخفض اُخرى، إلى أن دخل القرن الرابع الهجري، فأعلن الشيخ أبو الحسن الأشعري، في أوائل ذلك القرن، رجوعه عن الاعتزال الذي عاش عليه أربعين سنة، وجنح إلى أهل الحديث، وفي مقدّمتهم منهج إمام الحنابلة «أحمد بن حنبل»، لكن لا بمعنى اقتفاء منهجه حرفيّاً بلا تصرّف ولا تعديل فيه، بل قبوله لكن بتعديل فيه على وجه يجعله مقبولاً لكلّ من يريد الجمع بين النّقل والعقل، والحديث والبرهان، وقد أسّس في ضوء هذا منهجاً معتدلاً بين المنهجين وتصرّف في المذهب الاُمّ، تصرّفاً جوهرياً وقد أسعفه حسن الحظّ ونصره رجال في الأجيال المتأخرة، حيث نضّجوا منهجه، حتى صار مذهباً عامّاً لأهل السنّة في الاُصول، كما صارت المذاهب الأربعة مذاهب رسمية في الفروع.

وفي الوقت الّذي ظهر مذهب الأشعري بطابع الفرعية لمذهب أهل الحديث، ظهر مذهب آخر بهذا اللون والشكل لغاية نصرة السنّة وأهلها، وإقصاء المعتزلة عن السّاحة الإسلاميّة.

كلّ ذلك بالتصرف في المذهب وتعديله، وذلك المذهب الآخر هو مذهب


(9)

الماتريديّة للامام محمّد بن محمّد بن محمود الماتريدي السمرقندي (المتوفّى عام 333 هـ) أي بعد ثلاثة أو تسعة(1) أعوام من وفاة الإمام الأشعري.

والداعيان كانا في عصر واحد، ويعملان على صعيد واحد، ولم تكن بينهما أيّة صلة، فهذا يكافح الاعتزال ويناصر السنّة في العراق متقلّداً مذهب الشافعي في الفقه، وذاك يناضل المعتزلة في شرق المحيط الإسلامي (ما وراءالنّهر)، متقلّداً مذهب الإمام أبي حنيفة في الفقه، وكانت المناظرات والتيّارات الكلامية رائجة في كلا القطرين. فكانت البصرة ـ يوم ذاك ـ بندر الأهواء والعقائد، ومعقلها، كما كانت أرض خراسان مأوى أهل الحديث ومهبطهم، وكانت منبتَ الكرّامية وغيرهم أيضاً، نعم كانت المعتزلة بعيدة عن شرق المحيط الإسلامي، ولكن وصلت أمواج منهجهم الى تلك الديار عن طريق اختلاف العلماء بين العراق وخراسان.

ولأجل انتماء الداعيين إلى المذهبين المختلفين نرى اهتمام الشافعية بترجمة الأشعري في طبقاتهم، واهتمام علماء الأحناف ـ أعني المتكلّمين منهم ـ بالماتريدي وإن قصروا في ترجمته في طبقاتهم، ولم يؤدّوا حقّه في كتبهم.

نعم انتماء الماتريدي للإمام أبي حنيفة في الفقهين (الأكبر والأصغر)(2) أمر واضح، فإنّه حنفيّ، كلاماً وفقهاً، وأكثر من نصره، بل جميعهم، من الأحناف، مثل فخر الاسلام أبي اليسر محمد بن عبد الكريم البزدوي (المتوفّى عام 493 هـ) والإمام النّسفي (المتوفّى عام 573 هـ) وسعد الدّين التّفتازاني (المتوفّى عام 791 هـ) وغيرهم كإبن الهمام والبياضي كما سيوافيك في تراجمهم، بخلاف انتماء الأشعري للامام الشافعي فإنّه ليس بهذا الحدّ من الوضوح.


1. على اختلاف في تاريخ وفاته بين كونه في 330 أو 324 .

2. سمّى أبو حنيفة الكلام بالفقه الأكبر، وعلم الشريعة بالفقه الأصغر، وقد سمّى بعض رسائله بهذين الاسمين كما سيوافيك.


(10)

منهج الماتريدي موروث من أبي حنيفة

المنهج الذي اختاره الماتريدي، وأرسى قواعده، وأوضح براهينه، هو المنهج الموروث من أبي حنيفة (م 150 هـ) في العقائد، والكلام، والفقه ومبادئه، والتاريخ يحدّثنا عن كون أبي حنيفة صاحب حلقة في الكلام قبل تفرّغه لعلم الفقه، وقبل اتّصاله بحماد بن أبي سليمان الذي أخذ عنه الفقه.

وليس الماتريدي نسيج وحده في هذا الأمر، بل معاصره أبو جعفر الطّحاوي صاحب «العقيدة الطحاوية» (م 321 هـ ) مقتف أثر أبي حنيفة حتّى عنون وصدّر رسالته المعروفة بالعقيدة الطّحاوية بقوله «بيان عقيدة فقهاء الملّة: أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمّدبن الحسن»(1).

ويذكر عبد القاهر البغدادي صاحب كتاب «الفَرْق بين الفِرَقِ» في كتابه الآخر «اُصول الدين» أنّ أبا حنيفة له كتاب في الرد على القدرية سمّاه «الفقه الأكبر»، وله رسالة أملاها في نصرة قول أهل السنّة: أنّ الاستطاعة مع الفعل... وعلى هذا قوم من أصحابنا(2)، والرسائل الموروثة من أبي حنيفة أكثر ممّا ذكره البغدادي(3).

ولمّا كانت المسائل الكلامية في ثنايا هذه الرسائل، غير مرتّبة قام أحد الماتريديّة في القرن الحادي عشر، أعني به كمال الدين أحمد البياضي الحنفي، باخراج المسائل الكلامية عن هذه الرسائل من غير تصرّف في عبارات أبي حنيفة وأسماه «إشارات المرام من عبارات الامام» ويقول فيه: «جمعتها من نصوص كتبه التي أملاها على أصحابه من الفقه الأكبر، والرسالة، والفقه الأبسط، وكتاب العالم والمتعلّم، والوصيّة، برواية من الإمام حمّاد بن أبي حنيفة، وأبي يوسف الأنصاري، وأبي مطيع الحكم بن عبد الله


1. شرح العقيدة الطحاوية: ص 25، والشرح للشيخ عبد الغني الميداني الدمشقي (المتوفى سنة 1298 هـ).

2. اُصول الدين: ص 308 .

3. وسيوافيك فهرس الرسائل الموروثة من أبي حنيفة، وقد طبع قسم كبير منها .


(11)

البلخي، وأبي مقاتل حفص بن مسلم السمرقندي.

وروى عن هؤلاء، إسماعيل بن حمّاد، ومحمّد بن مقاتل الرازي، ومحمد بن سماعة التميمي، ونصير بن يحيى البلخي، وشداد بن الحكيم البلخي، وغيرهم.

ثمّ قال: إنّ الامام أبا منصور محمّد بن محمّد بن محمود الماتريدي روى عن الطّبقة الثانية، أعني نصير بن يحيى، ومحمّد بن مقاتل الرازي، وحقّق تلك الاُصول في كتبه بقواطع الأدلّة، وأتقن التّفاريع بلوامع البراهين اليقينيّة»(1).

هذه جذور منهجه واُسس مدرسته الكلامية.

لمحة عن حياة الماتريدي

من المؤسف جدّاً إهمال كثير من المؤرخين، وكتب التراجم، ذكر الامام الماتريدي، وتبيين خصوصيات حياته، بل ربّما أهملوا الإشارة إليه عندما يجب ذكره أو الإشارة إليه، فإنّ الرجل من أئمة المتكلّمين، وأقطاب التفسير في عصره فكان الإلمام بحياته عند ذكر طبقات المتكلّمين والمفسرين لازماً، وهذا خلاف ما نجده من العناية المؤكّدة بذكر الأشعري، وتبيين حياته، والإشارة إلى خصوصياتها، حتّى رُؤاه، وأحلامه، وغلّة ضيعته، ولعلّ إحدى الدوافع إلى هذا، هي أنّ الأشعري استوطن في مركز العالم الاسلامي (العراق)، وشهر سيف بيانه وقلمه على الاعتزال في مركز قدرتهم، وموضع سلطتهم، فصار ذلك سبباً لأن تمدّ إليه الأعين، وتشرئب(2)نحوه الأعناق،فيذكره الصديق والعدو في كتبهم بمناسبات شتّى، وأمّا عديله وقرينه فكان بعيداً عنه، مستوطناً في نقطة يغلب فيها أهل الحديث وفكرتهم، وكانت السلطة في مجالي العلم والعمل لهم، فجهل قدره،ولم تعلم قيمة نضاله مع خصومهم، فقلّت العناية به،


1. إشارات المرام من عبارات الامام للبياضي: ص 21 ـ 22، وهذا الكتاب من المصادر الموثقة في تبيين المنهج الماتريدى بعد كتابيه «التوحيد» و «التفسير». ومثله كتاب «أصول الدين» للامام البزدوي.

2. إشْرَأبّ إليه وله: مدّ عنقه أو ارتفع لينظر إليه.


(12)

وبعلومه، وأفكاره، والإشارة إليه.

ولأجل ذلك نرى ابن النديم (م 389) لم يترجمه في فهرسته، وفي الوقت نفسه ترجم الشيخَ الأشعري (م33هـ)، والامام الطحاوي شيخ الأحناف في مصر (م321هـ) مؤلّف «عقائد الطحاوي » المسمى ببيان السنّة والجماعة الذي اعتنى به عدّة من الأعلام بالشرح والتعليق.

هذا وقد أهمله جمع من المتأخّرين، فلم يترجمه أحمد بن محمد بن خلكان (م681هـ) في «وفيات الأعيان» مع أنّه ترجم للطحاوي، ولا صلاح الدين الصفدي (م764هـ) في «الوافي بالوفيات»، ولا محمد بن شاكر الكتبي (م764هـ) في «فوات الوفيات»، ولا تقي الدين محمد بن رافع السّلامي (م 774هـ) في «الوفيات»، ولم يذكره ابن خلدون (م808) في مقدمته في الفصل الذي خصّه بعلم الكلام، ولا جلال الدين السيوطي (م911هـ) في «طبقات المفسرين» مع كونه أحد المفسرين في أوائل القرن الرابع، إلى غير ذلك من المعنيّين بتراجم الأعيان والشخصيات، ولم تصل أيديهم إليه، وإلى كتبه، ونشاطاته العلمية، ونضالاته مع خصوم أهل السنّة.

حتى إنّ من ذكره وعنونه، لم يذكر سوى عدة كليات في حقه، لا تلقي ضوءاً على حياته، ولا تبيّن شيئاً من خصوصياته، هذا والمعلومات التي وصلت إلينا بعد الفحص عن مظانّها عبارة عن الاُمور التالية:

1ـ ميلاده:

اتّفق المترجمون له على أنّه توفّي عام (م333هـ)، ولم يعيّنوا ميلاده، ولكن نتمكّن من تعيينه على وجه التقريب من جانب مشايخه الّذين تخرّج عليهم في الحديث، والفقه، والكلام، فإنّ أحد مشايخه كما سيوافيك، هو نصير بن يحيى البلخي (المتوفّى عام 268هـ) فلو تلقّى عنه العلم وهو ابن عشرين يكون هو من مواليد عام (248هـ)، أو ما يقاربه، فيكون أكبر سنّاً من الأشعري بسنين تزيد على عشر.


(13)

2ـ موطنه:

قد اشتهر الامام، بالماتريدي (بضم التاء) و«ماتريد» قرية من قرى سمرقند في بلاد ما وراء النّهر (جيحون)(1).

ويوصف بالماتريدي تارة، والسمرقندي اُخرى، ويلقب بـ «علم الهدى» لكونه في خطّ الدفاع عن السنّة.

3 ـ نسبه

ينتهي نسبه إلى أبي أيّوب خالد بن زيد بن كليب الأنصاري، مضيف النّبي الأكرمصلَّى الله عليه و آله و سلَّم في دار الهجرة، وقد وصفه بذلك البياضي في «إشارات المرام»(2).

4 ـ مشايخه وأساتذته:

قد أخذ العلم عن عدّة من المشايخ هم:

1 ـ أبو بكر أحمد بن إسحاق الجوزجاني.

2 ـ أبو نصر أحمد بن العياضي.

3 ـ نصير بن يحيى، تلميذ حفص بن سالم (أبي مقاتل).

4 ـ محمد بن مقاتل الرازي(3).

قال الزبيدي: تخرّج الماتريدي على الإمام أبي نصر العياضي.. ومن شيوخه الامام أبو بكر أحمد بن إسحاق بن صالح الجوزجاني صاحب الفرق، والتمييز.. ومن مشايخه محمّد ابن مقاتل الرازي قاضي الريّ.


1. أحد الأنهار الكبيرة المعروفة كالنيل ودجلة والفرات.

2. اشارات المرام: ص 23.

3. المصدر نفسه.


(14)

والأوّلان من تلاميذ أبي سليمان موسى بن سليمان الجوزجاني، وهو من تلاميذ أبي يوسف، ومحمّد بن الحسن الشيباني.

وأمّا شيخه الرابع أعني محمّد بن مقاتل، فقد تخرّج على تلميذ أبي حنيفة مباشرة، وعلى ذلك فالماتريدي يتّصل بإمامه تارة بثلاث وسائط، واُخرى بواسطتين. فعن طريق الأوّلين بوسائط ثلاث، وعن طريق الثالث(بن مقاتل) بواسطتين(1).

5 ـ ثقافته:

إنّ ثقافته و آراءه في الفقهين، الأكبر والأصغر، ينتهي إلى إمام مذهبه «أبي حنيفة». فإنّ مشايخه الّذين أخذ عنهم العلم، عكفوا على رواية الكتب المنسوبة إليه ودراستها، وقد نقل الشيخ الكوثري أسانيد الكتب المرويّة عن أبي حنيفة عن النسخ الخطّيّة الموجودة في دار الكتب المصرية وغيرها، وفيها مشايخ الماتريدي. قال:

«ومن الكتب المتوارثة عن أبي حنيفة، كتاب الفقه الأكبر رواية عليّ بن أحمد الفارسي، عن نصير بن يحيى، عن أبي مقاتل (حفص بن سالم)، وعن عصام بن يوسف، عن حمّاد بن أبي حنيفة، عن أبيه، وتمام السند في النسخة المحفوظة ضمن المجموعة الرقم (226) بمكتبة شيخ الاسلام بالمدينة المنوّرة.

ونصير بن يحيى أحد مشايخ الماتريدي كما عرفت.

ومن هذه الكتب «الفقه الأبسط» رواية أبي زكريا يحيى بن مطرف بطريق «نصير بن يحيى» عن أبي مطيع، عن أبي حنيفة، وتمام السند في المجموعتين (24 و215 م) بدار الكتب المصريّة.

ومن هذه الكتب «العالم والمتعلّم» رواية أبي الفضل أحمد بن علي البيكندي الحافظ، عن حاتم بن عقيل، عن الفتح بن أبي علوان، ومحمّد بن يزيد، عن الحسن بن


1. لاحظ: اتحاف السادة المتقين، ج 2 ص 5 .


(15)

صالح، عن أبي مقاتل حفص بن سالم السمرقندي، عن أبي حنيفة، ويرويه أبو منصور الماتريدي عن أبي بكر أحمد بن إسحاق الجوزجاني عن محمد بن مقاتل الرازي، عن أبي مقاتل، عنه، وتمام الأسانيد في مناقب الموفّق والتّأنيب (73 و85).

ومن تلك الرسائل رسالة أبي حنيفة إلى البتّي، رواية نصير بن يحيى، عن محمّد بن مقاتل الرازي، عن أبي مقاتل، عنه، وتمام الأسانيد في مناقب الموفق والتّأنيب (73 و85).

ومن تلك الرسائل رسالة أبي حنيفة إلى البتّي رواية نصير بن يحيى، عن محمّد بن سماعة، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، وبهذا السند رواية الوصيّة أيضاً، وتمام الأسانيد في نسخ دار الكتب المصرية ـ إلى أن قال: فبنور تلك الرسائل سعى أصحاب أبي حنيفة وأصحاب أصحابه في إبانة الحقّ في المعتقد .. إلى أن جاء إمام السنّة في ماوراء النهر، أبو منصور محمّد بن محمّد الماتريدي المعروف بـ (امام الهدى) فتفرّغ لتحقيق مسائلها، وتدقيق دلائلها، فأرضى بمؤلّفاته جانبي العقل والنقل في آن واحد»، ثمّ ذكر مؤلفاته(1).

ترى أنّ أسناد هذه الكتب والرسائل تنتهي إلى أحد مشايخ الماتريدي وقد طبع منها: «الفقه الأكبر، الرسالة، العالم والمتعلّم، والوصيّة» في مطبعة حيدرآباد عام (1321هـ).

وهذه المؤلّفات لا تتجاوز عن كونها بياناً للعقيدة وما يصحّ الإعتقاد به، من دون أن تقترن بالدليل والبرهان، ولكنّها تحوّلت من عقيدة إلى علم، على يد (الماتريدي) فهو قد حقّق الاُصول في كتبه، فكان هو متكلّم مدرسة أبي حنيفة ورئيس أهل السنّة في بلاد ماوراء النّهر، ولذلك سمّيت المدرسة باسمه، وأصبح المتكلّمون على مذهب الإمام أبي حنيفة في بلاد ماوراء النّهر، يسمّون بالماتريديّين، واقتصر إطلاق اسم أبي حنيفة على


1. مقدمة اشارات المرام: ص 5 ـ 6 .


(16)

الأحناف المتخصّصين في مذهبه الفقهي(1).

وفي (مفتاح السعادة) : «إنّ رئيس أهل السنّة والجماعة في علم الكلام رجلان: أحدهما حنفيّ، والآخر شافعي، أمّا الحنفي: فهو أبو منصور محمّد بن محمّد بن محمود الماتريدي، وأمّا الآخر الشافعي: فهو شيخ السنّة أبوالحسن الأشعري البصري»(2).

وفي حاشية الكستلي(3) على شرح العقائد النسفية(4) للتفتازاني: «المشهور من أهل السنّة في ديار خراسان والعراق والشام وأكثر الأقطار، هم الأشاعرة، وفي ديار ماوراءالنهر الماتريدية أصحاب أبي منصور الماتريدي تلميذ أبي نصر العياضي، تلميذ أبي بكر الجرجاني، تلميذ محمّد بن الحسن الشيباني من أصحاب الإمام أبي حنيفة»(5).

ويقول الزبيدي: «إذا اُطلق أهل السنّة والجماعة، فالمراد هم الأشاعرة والماتريدية»(6).

6ـ المتخرّجون عليه:

تخرّج عليه عدّة من العلماء منهم:

أ ـ أبو القاسم إسحاق بن محمّد بن إسماعيل الشهير بالحكيم السمرقندي (ت340 هـ)


1. مقدمة كتاب التوحيد للماتريدي: ص 5 بقلم الدكتور فتح اللّه خليفة ـ ط 1392 هـ -، وهو المراد من «التوحيد» كلما اطلق في هذا الفصل.

2. مفتاح السعادة ومصباح السيادة: ج 2 ص 22ـ23 طبعة حيدر آباد على ما في مقدمة محقق كتاب التوحيد للماتريدي.

3. هو مصلح الدين مصطفى القسطلاني (م 902).

4. وهذا الكتاب محور الدراسة في الأزهر وغيره، وما زال كذلك إلى يومنا هذا، وهو بمنزلة «شرح الباب الحادي عشر» عند الامامية، يعرض عقائد أهل السنة على مذهب الامام «الماتريدي» بشكل واضح.

5. بهامش شرح العقائد النسفية: ص 17.

6. اتحاف الســادة المتقين بشرح أســرار احــياء علوم الدين:تأليف محمد بن محمد بن الحسيني، طبع القاهرة ج2 ص8.


(17)

ب ـ الإمام أبواللّيث البخاري.

ج ـ الامام أبومحمّد عبد الكريم بن موسى البزدوي، جدّ محمّد بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم البزدوي مؤلّف (اُصول الدين).

يقول حفيده: «ووجدت للشيخ الامام الزاهد «أبي منصور الماتريدي السمرقندي» كتاباً في علم التوحيد على مذهب أهل السنّة، وكان من رؤساء أهل السنّة. حكى لي الشيخ الامام والدي ـ رحمه الله ـ عن جده الشيخ الامام الزاهد «عبد الكريم بن موسى» ـ رحمه الله ـ كراماته. فإنّ جدّنا كان أخذ معاني كتب أصحابنا، وكتاب التوحيد، وكتاب التأويلات من خلق(1) عن الشيخ الإمام أبي منصور الماتريدي ـ رحمه الله ـ إلا أنّ في كتاب التوحيد الذي صنّفه الشيخ أبو منصور قليل انغلاق و تطويل، و في ترتيبه نوع تعسير لولا ذلك لاكتفينا به(2).

7 ـ أنصار مذهبه في الأجيال اللاحقة:

إنّ للمنهج الكلاميّ الموروث من أبي منصور الماتريدي، أنصاراً وأعواناً قاموا بإنضاج المذهب ونصرته، ونشره وإشاعته، وإن لم يصل إلى ما وصل إليه مذهب الأشعري من الانتشار وكثرة الإقتفاء، وإليك ذكر بعض أنصاره:

1 ـ القاضي الإمام أبو اليسر محمّد بن محمّد بن الحسين عبد الكريم البزدوي (المولود عام 421 هـ، والمتوفّى في «بخارى» عام 478 هـ) وقد عرفت كلامه في حقّ الماتريدي، وسيوافيك بعض كلامه عند البحث عن فوارق المنهجين، وقد ألّف كتاب اُصول الدين على غرار هذا المنهج، وسيوافيك الإيعاز إليه.

2 ـ أبوالمعين النسفي (م502 هـ) وهو من أعاظم أنصار ذلك المذهب فهو


1. (كذا في النسخة).

2. اُصول الدين للبزدوي: ص 3و 155ـ 158.


(18)

عند الماتريديّة كالباقلاّني بين الأشاعرة، مؤلّف كتاب «تبصرة الأدلّة» الذي مازال مخطوطاً حتّى الآن، ويعدّ الينبوع الثاني بعد كتاب «التوحيد» للماتريدية الّذين جاءوا بعده(1).

3 ـ الشيخ نجم الدّين أبو حفص عمر بن محمّد (م 537 هـ) مؤلف «عقائد النّسفي» ويقال إنّه بمنزلة الفهرس لكتاب «تبصرة الأدلّة» ومع ذلك ما زال هذا الكتاب محور الدّراسة في الأزهر، وغيره، إلى يومنا هذا، كما تقدّم.

4 ـ الشيخ مسعود بن عمر التفتازاني أحد المتضلّعين في العلوم العربيّة، والمنطق، والكلام، وهو شارح «عقائد النسفي» الّذي أُلّف على منهاج الإمام الماتريدي، ولكن لم يتحقّق لي كونه ماتريديّاً، بل الظاهر من شرح مقاصده كونه أشعريّاً. خصوصاً في مسألة خلق الأعمال، وكونه سبحانه خالقاً، والعبد كاسباً.

5 ـ الشيخ كمال الدين محمد بن همام الدين الشهير بابن الهمام (المتوفّى عام 861 هـ) صاحب كتاب «المسايرة» في علم الكلام. نشره وشرحه محمّد محيي الدين عبد الحميد وطبع بالقاهرة.

6 ـ العلامة كمال الدين أحمد البياضي الحنفي مؤلف كتاب «إشارات المرام من عبارات الإمام» أحد العلماء في القرن الحادي عشر وكتابه هذا أحد المصادر للماتريديّة.

7 ـ وأخيراً الشيخ محمد زاهد بن الحسن الكوثري المصري وكيل المشيخة الإسلاميّة في الخلافة العثمانيّة، أحد الخبراء في الحديث، والتاريخ، والملل، والنحل. له خدمات صادقة في نشر الثقافة الإسلاميّة ومكافحة الحشوية والوهابيّة، ولكنّ الحنابلة يبغضونه وما هذا إلاّ لأنّ عقليّته لا تخضع لقبول كلّ ما ينقل باسم الحديث ولا سيّما فيما يرجع إلى الصفات الخبرية لله سبحانه الذي لا يفترق عن القول بالتشبيه والتجسيم قدر شعرة.


1. مقدمة التوحيد: ص 5 .


(19)

8 ـ مؤلّفاته و آثاره العلميّة:

سجّل المترجمون للماتريدي كتباً له تعرب عن ولعه بالكتابة والتدوين والامعان والتّحقيق، غير أنّ الحوادث لعبت بها، ولم يبق منها إلاّ ثلاثة، وقد طبع منها اثنان:

1 ـ «كتاب التوحيد» وهو المصدر الأوّل لطلاّب المدرسة الماتريدية وشيوخها الّذين جاءوا بعد الماتريدي، واعتنقوا مذهبه، وهو يستمدّ في دعم آرائه من الكتاب، والسنّة، والعقل، ويعطي للعقل سلطاناً أكبر من النقل، وقد قام بتحقيق نصوصه ونشره الدكتور فتح اللّه خليف (عام 1970 م ، 1390 هـ) وطبع الكتاب في مطابع بيروت مع فهارسه في (412) صفحة وقد عرفت من البزدوي مؤلف «اُصول الدين» أنّ الكتاب لا يخلو من انغلاق في التّعبير، وهو لائح منه لمن سبره.

2 ـ «تأويلات أهل السنّة» في تفسير القرآن الكريم، وهو تفسير في نطاق العقيدة السنيّة، وقد مزجه بآرائه الفقهية والاُصولية وآراء اُستاذه الإمام أبي حنيفة، فصار بذلك تفسيراً عقيدياً فقهيّاً، وهو تفسير عامّ لجميع السور، والجزء الأخير منه يفسّر سورة المنافقين، إلى آخر القرآن، وقد وقفنا من المطبوع منه على الجزء الأوّل وينتهي إلى تفسير الآية (114) من سورة البقرة. حقّقه الدكتور إبراهيم عوضين والسيد عوضين، وطبع في القاهرة عام (390هـ)، والمقارنة بين الكتابين تعرب عن وحدتهما في المنبع، والتعبير، والتركيب، فمثلاً ما ذكره في تفسير قوله: (رَبِّ أَرِني أَنْظُرْ إِلَيْكَ ) من الاستدلال على جواز الرؤية، هو نفس ما ذكره في كتاب التوحيد، إلى غير ذلك من المواضيع المشتركة بين الكتابين، ولكنّ التفسير أسهل تناولاً، وأوضح تعبيراً.

وأمّا كتبه الاُخر فإليك بيانها:

3 ـ المقالات: حكى محقّق كتاب (التوحيد) وجود نسخة مخطوطة منه في المكتبات الغربيّة.

4ـ مأخذ الشرايع، 5ـ الجدل في اُصول الفقه، 6ـ بيان وهم المعتزلة، 7ـ ردّ كتاب


(20)

الاُصول الخمسة للباهلي، 8ـ كتاب ردّ الإمامة لبعض الروافض، 9ـ الردّ على اُصول القرامطة، 10ـ كتاب ردّ تهذيب الجدل للكعبي، 11ـ رد وعيد الفسّاق للكعبي أيضاً، 12ـ رد أوائل الأدلّة له أيضاً.

9ـ الفرق بين المنهجين: الأشعرية والماتريدية:

لا شكّ أنّ الإمامين، الأشعري والماتريدي كانا يتحرّكان في فلك واحد وكانت الغاية هي الدفاع عن عقيدة أهل السنّة، والوقوف في وجه المعتزلة و ـ مع ذلك ـ لايمكن أن يتّفقا في جميع المسائل الرئيسية، فضلاً عن التّفاريع، وذلك لأنّ الأشعري اختار منهج الإمام أحمد، وطابع منهجه هو الجمود على الظّواهر، وقلّة العناية بالعقل والبرهان، والشيخ الأشعري وإن تصرّف فيه وعدّله، ولكن لمّا كان رائده هو الفكرة الحنبليّة فقد عرقلت نطاق عقله عن التوسّع، ولو تجاوز عنها فإنّما يتجاوز مع التحفّظ على اُصولها.

وأمّا الماتريديّ فقد تربّى في منهج تلامذة الإمام أبي حنيفة، ويعلو على ذلك المنهج، الطّابع العقلي والإستدلال، كيف ومن اُسس منهجه الفقهي، هوالعمل بالمقاييس والاستحسانات، وعلى ضوء هذا فلا يمكن أن يكون التلميذان متوافقين في الاُصول، فضلاً عن الفروع، وأن يقع الحافر على الحافر في جميع المجالات، وقد أشغل هذا الموضوع بالَ المحقّقين، وحاولوا تبيين أنّ أيّاً من الداعيين أعطى للعقل سلطاناً أكبر، وتفرّقوا في ذلك إلى أقوال نذكرها:

1ـ قال أحمد أمين المصري: «لقد اتّفق الماتريدي والأشعري على كثير من المسائل الأساسية، وقد أُلِّفت كتب كثيرة وملخّصات، بعضها يشرح مذهب الماتريدي كـ(العقائد النسفية) لنجم الدين النسفي، وبعضها يشرح عقيدة الأشعري كـ(السنوسية) و(الجوهرة)، وقد أُلِّفت كتب في حصر المسائل الّتي اختلف فيها الماتريدي والأشعري، ربّما أوصلها بعضهم إلى أربعين مسألةـ ثمّ قال: إنّ لون الإعتزال


(21)

أظهر في الأشعريّة بحكم تتلمذ الأشعري للمعتزلة عهداً طويلاً، واستشهد على ذلك بأنّ الأشعري يقول بوجوب المعرفة عقلاً قبل بعث الأنبياء دون الماتريدي»(1).

والظّاهر أنّ ما ذكره الكاتب من هفو القلم وسهوالفكر، إذ مضافاً إلى أنّ كتابي الماتريدي «التوحيد والتفسير» و آراء تلاميذه تشهد على خلاف ما ذكر. إنّ ما استشهد به على ما تبنّاه خلاف الواقع، فالأشعري يقول بوجوب المعرفة سمعاً لا عقلاً، والماتريدي على العكس كما ستوافيك نصوص القوم عند عرض المذهب، والعجب أنّه قد سجّل نظرية الإمامين قبيل هذا، على خلاف ما ذكره هنا وقال: يقول الماتريدية: إنّه تعالى لو لم يبعث للناس رسولاً لوجب عليهم بعقولهم معرفته تعالى، ومعرفة وحدانيّته، واتّصافه بما يليق، وكونه محدثاً للعالم، كما روي ذلك عن أبي حنيفة، وذهب مشايخ الأشاعرة إلى أنّه لا يجب إيمان، ولا يحرم كفر قبل البعث.

فإذا(2) كان أحمد أمين قائلاً بغلبة لون الإعتزال على الأشعري، فهناك من ذهب إلى خلافه، وإليك البيان:

2ـ قال أبو زهرة: «إنّ منهاج الماتريدية للعقل سلطان كبير فيه من غير أيّ شطط أو إسراف، والأشاعرة يتقيّدون بالنّقل ويؤيِّدونه بالعقل، حتّى إنّه يكاد الباحث يقرّر أنّ الأشاعرة في خطّ بين الإعتزال وأهل الفقه والحديث، والماتريديّة في خطّ بين المعتزلة والأشاعرة، فإذا كان الميدان الّذي تسير فيه هذه الفرق الإسلاميّة الأربع، والّتي لا خلاف بين المسلمين في أنّها جميعاً من أهل الإيمان، ذا أقسام أربعة، فعلى طرف منه المعتزلة، وعلى الطرف الآخر أهل الحديث، وفي الربع الّذي يلي المعتزلة، الماتريديّة، وفي الربع الّذي يلي المحدّثين، الأشاعرة»(3).

يلاحظ عليه: أنّه كيف جعل أبو زهرة هؤلاء كلّهم من أهل الايمان، مع أنّ بين


1. ظهر الاسلام: ج 4 ص 91 ـ 95.

2. المصدر نفسه.

3. تاريخ المذاهب الاسلاميّة: ج 1 ص 199.


(22)

أهل الحديث طوائف المشبِّهة، والمجسِّمة، والقائلين بالجبر المستلزم للغوية التكليف وبعث الأنبياء، فهل يصحّ أن يعدّ من يصوّر بعث الأنبياء لغواً، وإنزال الكتب عبثاً، من أهل الإيمان؟ والحال أنّه لا تقصر عقيدة هؤلاء عن عقيدة أهل الجاهليّة الاُولى الّذين وصفهم الإمام علي (عليه السلام) في خطبة بقوله «وأهل الأرض يومئذ (يوم بعث النّبي الأكرم) ملل متفرِّقة، وأهواء منتشرة، وطوائف متشتّتة، بين مشبِّه للّه بخلقه، أو ملحد في اسمه، أو مشير به إلى غيره»(1).

ويا للعجب! إذا قسّم أبو زهرة ساحة الإيمان كلّها لهذه الطوائف الأربع، فأين يقع مكان أئمّة أهل البيت في هذه الساحة وليس لأحد إنكار فضيلتهم، لأنّهم الّذين أوجب الله سبحانه مودّتهم في القرآن وجعلها أجر رسالته وقال: ( قُلْ لا أسألُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاّ المَودَّةَ في القُرْبى) . (الشورى/23)؟!! وعرّفهم رسول اللّهصلَّى الله عليه و آله و سلَّم بأنّهم أعدال الكتاب وقرناؤه، وقال: «إنّي تارك فيكم الثّقلين: كتاب الله وعترتي»(2).

وقد عرف الأبكم والأصمّ ـ فضلاً عن غيرهما ـ أنّ أئمّة أهل البيت لم يكونوا في أحد هذه المذاهب، ولا كانوا مقتفين لأحد هذه المناهج، بل كان لهم منهج خاصّ لا يفترق عن الكتاب، والسنّة، والعقل السليم، فما معنى هذا التقسيم؟ «ما هكذا تورد يا سعد الإبل» و«تلك إذاً قسمة ضيزى»، «أهم يقسمون رحمة ربّك ...».

3ـ قال الشّيخ محمّد زاهد الكوثري: «الماتريديّة هم الوسط بين الأشاعرة والمعتزلة، وقلّما يوجد بينهم متصوّف، فالأشعريّ والماتريدي هما إماما أهل السنّة والجماعة في مشارق الأرض ومغاربها، لهم كتب لا تحصى، وغالب ما وقع بين هذين الإمامين من الخلاف من قبيل اللّفظي»(3).

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من أنّ الماتريديّة بين الأشاعرة والمعتزلة وإن كان متيناً،


1. نهج البلاغة: الخطّبة 1 طبعة عبده ص 25.

2. حديث متفق عليه رواه الفريقان.

3. مقدمة تبيين كذب المفتري: ص19.


(23)

كما سيأتي عند عرض مذهبهم، لكن كون الخلاف بين الإمامين لفظيّاً واضح البطلان، إذ كيف يكون النّزاع في التحسين والتقبيح العقليّين، أمراً لفظيّاً، مع أنّه تترتّب على الإثبات والإنكار مسائل كلاميّة كثيرة؟ أو كيف يكون الاختلاف في كون فعل الانسان فعلاً له حقيقة أو مجازاً من الاختلاف اللّفظي؟.

4ـ قال محقّق كتاب «التّوحيد» للماتريدي، في مقدّمته: «إنّ شيخيّ السنّة يلتقيان على منهج واحد ومذهب واحد، في أهمّ مسائل علم الكلام الّتي وقع فيها الخلاف بين فرق المتكلّمين»(1).

ولعلّه لا يرى الخلاف في التّحسين والتّقبيح، وكون فعل الانسان فعلاً له حقيقة، أو مجازاً، اختلافاً جوهريّاً، كما لا يرى الاختلاف في كون صفاته عين ذاته، أو زائدة عليه، أو جواز التّكليف بما لايطاق، وعدمه كذلك. فاللازم عرض مذهبه عن طريق نصوصه الواردة في توحيده، وتفسيره، وكتب أنصاره، حتى يعلم مدى اتّفاق الداعيين، واختلافهما.

وقبل ذلك نختم البحث بكلمة الامام البزدوي، أحد أنصار الماتريديّة في القرن الخامس، وكان جدّ والده أحد تلاميذه. قال:

«وأبو الحسن الأشعري و جميع توابعه يقولون إنّهم من أهل السنّة والجماعة، وعلى مذهب الأشعري عامّة أصحاب الشافعي، وليس بيننا وبينهم خلاف إلاّ في مسائل معدودة قد أخطأوا فيها»(2) وذكر بعد ذلك، تلك المسائل المعدودة وهي لا تتجاوز عن ثلاث، وسيوافيك نصّه! ولأجل وجود الإختلاف الجوهري بين المذهبين قام جماعة من المعنيّين بتبيين الفروق الموجودة فيهما، بين موجز في الكلام، ومسهب فيه، وربّما ألّفوا كتباً ورسائل، وإليك ما وقفنا عليه في هذا المجال:

أ ـ اُصول الدين للامام البزدوي، قال فيه تحت عنوان «ما خالف أبو الحسن


1. مقدمة التوحيد، بقلم محققه الدكتور فتح اللّه خليف: ص 18.

2. اُصول الدين للامام محمد بن محمد بن عبد الكريم البزدوي: ص 242.


(24)

الأشعري عامّة أهل السنّة والجماعة».

1 ـ قال أهل السنّة والجماعة: إنّ للّه تعالى أفعالاً، وهي الخلق، والرزق، والرحمة، واللّه تعالى قديم بأفعاله كلّها، وأفعال اللّه ليست بحادثة، ولامحدثة، ولا ذات الله، ولا غير الله تعالى، كسائر الصِّفات.

وأبوالحسن الأشعري أنكر أن يكون للّه تعالى فعل، وقال: الفعل والمفعول واحد، ووافق في هذا القدريّة والجهميّة، وعليه عامّة أصحابه، وهو خطأ محض(1).

2ـ وقال أهل السنّة والجماعة: المعاصي والكفر ليست برضى اللّه، ولا محبّته، و إنّما هي بمشيئة اللّه تعالى.

وأبوالحسن قال: إنّ اللّه تعالى يرضى بالكفر والمعاصي، ويحبّها، وهو خطأ محض أيضاً.

3ـ وقال أهل السنّة والجماعة: إنّ الايمان هو التّصديق والإعتقاد بالقلب، والإقرار باللّسان، وقال أبو الحسن: إنّ الايمان هو التّصديق بالقلب، والإقرار بالّلسان فرض من الفروض، وهو خطأ أيضاً. وشرّ مسائله مسألة الأفعال.

وذكر أبوالحسن في كتاب «المقالات» مذهب أهل الحديث، ثمّ قال: وبه نأخذ، ومذهب أهل الحديث في هذه المسائل الثّلاث مثل مذهب أهل السنّة والجماعة. فهذا القول يدلّ على أنّه كان يقول مثل ما قال أهل السنّة والجماعة في هذه المسائل، ولكن ذكر في الموجز الكبير كما ذكرنا هنا، فكان حبّه(2) في هذه المسائل قولان، فكأنّه رجع عن هذه المسائل الثّلاث.

وكان يقول: كلّ مجتهد مصيب في الفروع، وعامّة أهل السنّة والجماعة قالت: يخطىء ويصيب(3).


1. سيوافيك عند عرض مذهب الماتريديّة توضيح مرامهم.

2. كذا في الأصل وضبطه المحقق بضم الباء.

3. اُصول الدين للبزدوي: ص 245 ـ 246.


(25)

ب ـ «إشارات المرام من عبارات الامام» تأليف كمال الدين البياضي الحنفيّ من علماء القرن الحادي عشر، فقد طرح النّقاط الخلافيّة بين الإمامين فبلغ إلى خمسين مسألة(1).

ج: نظم الفرائد وجمع الفوائد في بيان المسائل الّتي وقع فيها الاختلاف بين الماتريديّة والأشعريّة تأليف عبد الرحيم بن علي المعروف بـ «شيخ زاده» طبع في القاهرة (عام1317 هـ).

د: الروضة البهيّة في ما بين الأشعريّة والماتريديّة تأليف أبي عذبة، طبع في حيدرآباد (عام 1332 هـ).

هـ: خلافيّات الحكماء مع المتكلّمين، وخلافيّات الأشاعرة مع الماتريديّة، تأليف عبدالله بن عثمان بن موسى مخطوطة دار الكتب المصريّة (بالرقم 3441ج)(2).

و: قصيدة في الخلاف بين الأشعريّة والماتريديّة تأليف تاج الدين السبكي، مؤلّف (طبقات الشافعيّة الكبرى) المطبوعة بمصر (عام 1324 هـ) مخطوطة الجامعة العربيّة الرقم (202) المصوّرة عن مخطوطة جامع الشيخ بالاسكندرية(3).

وهذه العناية المؤكّدة في طول الأجيال تعرب عن كون الفرق أو الفوارق جوهريّاً، لا لفظيّاً، وإلاّ فلا وجه لتأليف الكتب والرسائل لبيان الفوارق اللّفظية أو الجزئيّة، الموجودة بين المنهجين، وسيظهر الحقّ في البحث التالي.

10 ـ عرض مذهب الماتريدي:

ولا نهدف في هذا الفصل إلى عرض كلّ ما يعتقد به الماتريدي في مجال العقائد والاُصول، فإنّ قسماً من عقائده هو عين عقيدة أهل الحديث والأشعري، وقد عرضنا


1. اشارات المرام: ص 53 ـ 56.

2. انظر مقدمة كتاب التوحيد للماتريدي: ص 25.

3. انظر مقدمة كتاب التوحيد للماتريدي: ص 25.


(26)

عقائدهم في الجزء الأول من هذه السلسلة، وإنّما نقوم ببيان الاُصول المهمّة الّتي افترق فيها عن الأشعري، مع الاعتراف بأنّ الماتريدي يتدرّع في بعض الموارد بنفس ما يتدرّع به الأشعري، ومن هذا الباب تصحيح القول بالرؤية، فإنّ القول برؤيته في النشأة الآخرة ملازم لكونه سبحانه محاطاً وواقعاً في جهة ومكان، ومن أجل ذلك قام العلمان في دفع الإشكال على نمط واحد، وهو أنّ الرؤية تقع «بلا كيف» أو ما يفيد ذلك، حتّى يُرضيا بذلك أهل النقل والعقل.

قال ابن عساكر: «قالت الحشويّة المشبِّهة: إنّ اللّه سبحانه وتعالى يرى مكيّفاً محدوداً كسائر المرئيات، وقالت المعتزلة والجهمية والنجارية: إنّه سبحانه لا يرى بحال من الأحوال فسلك الأشعري طريقاً بينهما فقال: يرى من غير حلول، ولا حدود، ولا تكييف، كما يرانا هو سبحانه وتعالى، وهو غير محدود، ولا مكيّف»(1).

وقد نقلنا نصوص نفس الأشعري في موضع الرؤية عند عرض عقائده(2).

وقال الماتريدي في ذلك البحث: «فإن قيل: كيف يرى؟ قيل: بلا كيف، إذ الكيفيّة تكون لذي صورة، بل يرى بلا وصف قيام وقعود، واتّكاء وتعلّق، واتّصال وانفصال، ومقابلة ومدابرة، وقصير وطويل، ونور وظلمة، وساكن ومتحرِّك، ومماسّ ومباين، وخارج وداخل، ولا معنى يأخذه الوهم، أو يقدره العقل، لتعاليه عن ذلك»(3).

يلاحظ عليه: أنّ الرؤية بهذه الخصوصيّات إنكار لها، وأشبه بالأسد بلا ذنب، ولارأس.

والّذي تبيّن لي بعد التأمّل في آرائه في كثير من المسائل الكلاميّة، أنّ منهجه كان يتمتّع بسمات ثلاث:

1ـ الماتريدي أعطى للعقل سلطاناً أكبر، ومجالاً أوسع، وذلك هو الحجر الأساس


1. تبيين كذب المفتري لابن عساكر: ص 149 ـ 150.

2. لاحظ الجزء الثاني: ص 201.

3. التوحيد للماتريدي: ص 85.


(27)

للسمتين الأخيرتين.

2ـ إنّ منهج الماتريدي أبعد من التّشبيه والتّجسيم من الأشعري، وأقرب إلى التّنزيه.

3ـ إنّه وإن كان يحمل حملة عنيفة على المعتزلة، ولكنّه إلى منهجهم أقرب من الإمام الأشعري.

وتظهر حقيقة هذا الأمر إذا عرض مذهبه في مختلف المسائل، ولمعرفة جملة من مواضع الاختلاف ودراسة نقاط القوّة والضّعف، نذكر موارد عشرة ونترك الباقي روماً للإختصار.

1 ـ استيلاؤه على العرش:

اتّفق الداعيان على أنّه يجب الإيمان بما جاء في القرآن من الصِّفات للّه تبارك وتعالى، ومنها استيلاؤه على العرش، والأشعري يفسّره على نحو الإثبات ويؤمن بظاهره بلا تفويض ولا تأويل، وأنّ الله حقيقةً مستو على العرش لكن استيلاءً مناسباً له، ويقول: «إنّ الله مستو على العرش الّذي فوق السّماوات» ولأجل دفع توهّم التجسيم يقول: «يستوي على عرشه كما قال، يليق به من غير طول الإستقرار» ويستشهد بما روي عن رسول الله: إذا بقي ثلث الليل ينزل اللّه تبارك وتعالى، فيقول: من ذا الّذي يدعوني فأستجيب له(1).

وعلى ضوء هذا فالأشعري ممّن يثبت الصفات الخبريّة للّه بلا تفويض معناها إليه، غاية الأمر يتدرّع بلفظة «على نحو يليق به» أو «بلا كيف» كما في الموارد الاُخر، ولكنّ الماتريدي مع توصيفه سبحانه بالصفات الخبريّة، يفوِّض مفاد الآية إليه سبحانه، فهو يفارق الأشعري في التّفويض وعدمه، ويخالف المعتزلة في التّأويل وعدمه، فالأشعري من المثبتة بلا تفويض وتأويل، وهو من المثبتة مع التّفويض، كما أنّ المعتزلة


1. الابانة: ص 85 .


(28)

من المؤوِّلة، وبذلك يتّضح كونه بين الأشعري والمعتزليّ، وإليك نصّه في مورد استوائه على العرش:

قال: «وأمّا الأصل عندنا في ذلك أنّ اللّه تعالى قال ليس كمثله شيء» فنفى عن نفسه شبه خلقه، وقد بيّنا أنّه في فعله وصفته متعال عن الأشباه، فيجب القول بـ(الرّحمنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوى) على ما جاء به التنزيل، وثبت ذلك في العقل، ثمّ لا نقطع تأويله على شيء، لاحتماله غيره مما ذكرنا، واحتماله أيضاً ما لم يبلغنا ممّا يعلم أنّه غير محتمل شبه الخلق، ونؤمن بما أراد اللّه به، وكذلك في كلّ أمر ثبت التنزيل فيه، نحو الرؤية وغير ذلك، يجب نفي الشبه عنه، والإيمان بما أراده من غير تحقيق على شيء دون شيء ، واللّه الموفِّق » (1).

2ـ معرفته سبحانه واجبة عقلاً:

اتّفق الداعيان على وجوب معرفة الله، واختلفا في طريق ثبوت هذا الوجوب، فالأشعري وأتباعه على أنّه سمعيّ، والمعتزلة على أنّه عقليّ، قال العضدي في المواقف: النّظر إلى معرفة اللّه واجب إجماعاً، واختلف في طريق ثبوته، فهو عند أصحابنا السمع، وعند المعتزلة العقل. أمّا أصحابنا فلهم مسلكان:

الأوّل: الاستدلال بالظّواهر مثل قوله تعالى: (قُلِ انْظُرُوا مَاذا فِي السَّمواتِ وَالأَرْضِ)إلى آخره(2).

ولا يخفى وهن النّظرية، لاستلزامها الدور، لأنّ معرفة الإيجاب تتوقّف على معرفة الموجِب، فإنّ من لا نعرفه بوجه من الوجوه، كيف نعرف أنّه أوجب؟ فلو استفيدت معرفة الموجِب من معرفة الإيجاب، لزم الدور.

وأيضاً: لو كانت المعرفة تجب بالأمر، فهو إمّا متوجّه إلى العارف باللّه أو غيره،


1. التوحيد للماتريدي: ص 74.

2. المواقف: ص 28 وشرحها ج 1 ص 124و الآية 101 من سورة يونس.


(29)

فالأوّل تحصيل للحاصل، وأمّا الثاني، فهو باطل، لاستحالة خطاب الغافل، إذ كيف يصحّ الأمر بالغافل المطلق بأنّ الله قد أمره بالنّظر والمعرفة، وأنّ امتثال أمره واجب إلاّ إذا خصّ الوجوب بالشّاك.

هذا ما عليه الأشاعرة، وأمّا الماتريديّة فتقول بوجوبها عقلاً مثل المعتزلة. قال البياضي: «ويجب بمجرّد العقل في مدة الاستدلال، معرفة وجوده، ووحدته، وعلمه، وقدرته، وكلامه، وإرادته، وحدوث العالم، ودلالة المعجزة على صدق الرّسول، ويجب تصديقه، ويحرم الكفر، والتّكذيب به، لا من البعثة وبلوغ الدعوة»(1).

القول بوجوب هذه الاُمور من جانب العقل من قبل أن يجيء الشرع دفعاً لمحذور الدور يعرب عن كون الداعي، أعطى للعقل سلطاناً أكبر مما أعطاه الأشعري له.

3ـ الاعتراف بالتحسين والتقبيح العقليين:

إنّ لمسألة التحسين والتقبيح العقليين دوراً مؤثّراً في المسائل الكلامية، فالأشاعرة على إنكارهما زاعمين أنّ القول باستطاعة العقل على دركهما، يستلزم نفي حرّية المشيئة الإلهيّة والتزامها بقيد وشرط، وقد أوضحنا حال هذه النّظرية عند عرض عقائد الأشاعرة(2). وأمّا المعتزلة فهم على جانب مخالف، وأمّا الماتريديّة فيعترفون بالتحسين والتقبيح ببعض مراتبهما.

قال البياضي: والحسن بمعنى استحقاق المدح والثّواب، والقبح بمعنى استحقاق الذمّ والعقاب على التكذيب عنده (أبي منصور الماتريدي) إجمالاً عقلي، أي يعلم به حكم الصانع في مدّة الاستدلال في هذه العشرة(3). كما في التوضيح وغيره، لا بإيجاب العقل للحسن والقبح، ولا مطلقاً كما زعمته المعتزلة، أمّا كيفيّة الثّواب وكونه


1. اشارات المرام: فصل الخلافيات بين جمهور الماتريدية والأشعرية ص 53.

2. لاحظ الجزء الثاني: ص 310 ـ 332.

3. اشارة إلى ما ذكره من المسائل العشر خلال البحث في وجوب المعرفة عقلاً.


(30)

بالجنّة، وكيفيّة العقاب وكونه بالنّار، فشرعي، واختار ذلك الامام القفّال الشاشي، والصيرفي، وأبو بكر الفارسي، والقاضي أبو حامد، وكثير من متقدّميهم، كما في القواطع للامام أبي المظفّر السمعاني الشافعي والكشف الكبير، وهو مختار الامام القلانسي ومن تبعه كما في (التبصرة البغدادية). ولا يجوز نسخ مالا يقبل حسنه أو قبحه السقوط كوجوب الايمان، وحرمة الكفر واختاره المذكورون ـ إلى أن قال:ـ ويستحيل عقلاً اتّصافه تعالى بالجور وما لا ينبغي، فلا يجوز تعذيب المطيع، ولا العفو عن الكفر، عقلاً، لمنافاته للحكمة، فيجزم العقل بعدم جوازه، كما في التنزيهات(1).

وغير خفيّ على النابه أنّ الشيخ الماتريدي قد اعترف بما هو المهمّ في باب التحسين والتقبيح العقليين وإليك الاشارة إليه:

1ـ استقلال العقل بالمدح والذمّ في بعض الأفعال، وهذا هو محلّ النزاع في بابهما بأن يجد العقل من صميم ذاته أنّ هنا فعلين مختلفين يستحقّ فاعل أحدهما المدحَ، وفاعل الآخر الذمَّ، سواء أكان الفاعل بشراً، أم انساناً، أم ملكاً، أم غيرهما، وتبتنى عليه اُصول كثيرة كلاميّة أوعزنا إليها عند عرض عقائد الأشعري و آرائه.

2ـ استقلال العقل بكونه سبحانه عادلاً، فلا يجوز عليه تعذيب المطيع، وأين هو ممّا يقول به الأشعري من أنّه يجوز للّه سبحانه أن يؤلم الأطفال في الآخرة وهو عادل إن فعله(2).

3 ـ نعم أنكر الشيخ إيجاب العقل للحسن والقبح، ولكنّه لو كان واقفاً على مغزى إيجاب العقل لم يعترض عليه، إذ لا يوجد في أديم الأرض إنسان عاقل عارف بمقام الربّ والخلق، يجعل العقل موجِباً ومكلِّفاً ـ بالكسر ـ واللّه سبحانه موجَباً ومكلَّفاً ـبالفتح ـ، لأنّ شأن العقل هو الادراك، ومعنى إيجابه القيام بالحسن، والاجتناب عن ضدّه، هو استكشافه لزوم القيام بالأوّل وامتناع القيام بالثّاني بالنّظر إلى


1. اشارات المرام: فصل الخلافيات بين الماترديّة والأشاعرة، ص 54 .

2. اللمع: ص 116 .


(31)

المبادىء الموجودة في الفاعل الحكيم، فالمتّصف بكلّ الكمال، والمبرّأ عن كلّ سوء، لايصدر منه إلاّ الحسن لوجود الصارف عن غيره، ويمتنع صدور غيره عنه، وليس هذا الامتناع امتناعاً ذاتيّاً بمعنى تحديد قدرته ومشيئته، بل قدرته ومشيئته مطلقتان بالذّات غير محدودتين، فهو سبحانه قادر على كلا القسمين من الفعل أعني الحسن والقبح، لكن بالنّظر إلى أنّه عالم واقف على قبح الأفعال، وغنىُّ عن فعل القبح، يترك القبيح ولا يفعله، واللّه الحكيم كتب على نفسه أن لا يخلّ بالحسن ولا يفعل القبيح، وليس دور العقل إلاّ دور الكشف والتبيين، والتعبير بالإيجاب بملاك الوقوف على المبادئ الكماليّة الموجودة في المبدأ كقولك: يجب أن تكون زوايا المثلّث متساوية مع زاويتين قائمتين، فإنّ الخصوصيّة التكوينيّة الكامنة فيه مبدأ ذلك الإيجاب، والعقل كاشفه، ومع ذلك ربّما يعبّر عن ذلك بالإيجاب.

4ـ اختار الماتريدي قصور العقل عن تعيين كيفيّة الثواب وكونه بالجنّة، وكيفيّة العقاب وكونه بالنار وهو الحقّ، فإنّ أقصى ما يستقلّ به العقل هو لزوم مثوبة المطيع ومجازاة العاصي، وأمّا الكيفيّة فلا يستقلّ العقل بشيء منها (على فرض كون الثّواب بالاستحقاق). نعم ما ذكره من أنّه ليس للّه العفو عن الكفر عقلاً، فالظّاهر أنّه تحديد رحمته وقد سبقت غضبه، والتّعذيب حقُّ له، وله الإعمال وله العفو كعصيان المؤمن الفاسق. نعم أخبر المولى سبحانه بأنّه لا يغفر الشرك، ويغفر ما دون ذلك.

4ـ التكليف بما لا يطاق غير جائز:

ذهب الأشعري إلى جواز التكليف بما لايطاق وقال: «والدليل على جواز تكليف ما لا يطاق من القرآن قوله تعالى للملائكة: (أَنْبِؤُني بِأسْماءِ هؤلاءِ) (البقرة /31) يعني أسماء الخلق، وهم لا يعلمون ذلك ولا يقدرون عليه.... إلى غير ذلك من الآيات الّتي عرفت مفادها في محلّها (1).


1. لاحظ الجزء الثاني من هذا الكتاب: 185 .


(32)

والماتريدي مخالف صنوه الداعي ويقول: «ولا يجوز التكليف بما لا يطاق لعدم القدرة أو الشرط، واختاره الاُستاذ أبو إسحاق الاسفرائيني كما في (التبصرة) وأبوحامد الاسفرائيني كما في شرح السبكي لعقيدة أبي منصور»(1).

هذا ما نقله البياضي عن الماتريديّة، وأمّا نفس أبي منصور فقد فصّل في كتابه «التوحيد» بين مضيِّع القدرة فيجوز تكليفه، وبين غيره فلا يجوز. قال: «إنّ تكليف من مُنع عن الطاقة فاسد في العقل، وأمّا من ضيّع القوّة فهو حقّ أن يكلّف مثله، ولو كان لا يكلّف مثله لكان لا يكلّف إلاّ من يطيع» (2).

يلاحظ عليه:

1ـ أنّ من الاُصول المسلّمة عند العقل، كون الامتناع بالإختيار غير مناف للإختيار، فمن ألقى نفسه من شاهق عن اختيار فقد قتل نفسه اختياراً، فالقتل بعد الإلقاء وإن كان خارجاً عن الاختيار، ولكنّه لمّا كان الإلقاء ـ الّذي يُعدّ من مبادئ القتل ـ في اختياره، يعدّ القتل فعلاً اختياريّاً لا اضطراريّاً.

2ـ أنّ من فقد القدرة، وعجز عن القيام بالعمل، سواء أكان بعامل اختياريّ أم غيره، لا يصحّ تكليفه به عن جدّ، لأنّ فاقد القدرة والجماد في هذه الجهة سواسية، فلا تظهر الارادة الجدّية في صقع الذهن، ولو خوطب العاجز فإنّما يخاطب بملاكات أُخر من التقريع، والتنديد، وغيرهما.

وفي ضوء هذين الأمرين يستنتج أنّ من ضيّع قدرته يُعذَّب، لما تقرّر من أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، ولكن لا يصحّ تكليفه بعد الضياع، للغويّة الخطاب واستهجانه، وبذلك يظهر وهن برهان المفصّل من أنّه لو لم يصحّ تكليف المضيِّع للقدرة لاختصّ التكليف بالمطيع، لما عرفت من أنّ سقوط التكليف والخطاب


1. اشارات المرام: ص 54 في فصل الخلافيات بين جمهور الماتريدية والأشعرية.

2. التوحيد: ص 266 .


(33)

بالتضييع، لايستلزم سقوط العقاب والمؤاخذة، وقد اشتهر بين القوم أنّ الامتناع بالاختيار، لاينافي الاختيار عقاباً لا خطاباً، ولو كان الماتريدي واقفاً على أنّ القائلين بامتناع التكليف بما لايطاق، قائلون بصحّة عقوبة من ضيّع القدرة، وجعل نفسه في عداد العجزة، لما فصّل بين من مُنع منه الطّاقة، ومن ضيّعها، ولما ضرب الجميع بسهم واحد.

5ـ أفعال اللّه سبحانه معلّلة بالغايات:

ذهبت الأشاعرة إلى أنّ أفعاله سبحانه ليست معلّلة بالأغراض، وأنّه لا يجب عليه شيء، ولا يقبح عليه شيء، واستدلّوا على ذلك بما يلي:

1ـ لو كان فعله تعالى لغرض، لكان ناقصاً لذاته، مستكملاً بتحصيل ذلك الغرض، لأنّه لا يصلح غرضاً للفاعل إلاّ ما هو أصلح له من عدمه، وهو معنى الكمال(1).

وقالت الماتريديّة: أفعاله تعالى معلّلة بالمصالح والحكم تفضّلاً على العباد، فلا يلزم الاستكمال ولا وجوب الأصلح واختاره صاحب المقاصد(2).

هل الغاية، غاية للفاعل أو للفعل؟

إنّ الأشعري خلط بين الغرض الراجع إلى الفاعل، والغرض الراجع إلى فعله، فالاستكمال موجود في الأوّل دون الثاني، والقائل بكون أفعاله معلّلة بالأغراض، والغايات، والدواعي، والمصالح، إنّما يعني بها الثاني دون الأوّل، والغرض بالمعنى الأوّل ينافي كونه غنيّاً بالذات، وغنيّاً في الصِّفات، وغنيّاً في الأفعال، والغرض بالمعنى الثاني يوجب خروج فعله عن كونه عبثاً ولغواً، وكونه سبحانه عابثاً ولاغياً، فالجمع بين كونه غنيّاً غير محتاج إلى شيء، وكونه حكيماً منزّهاً عن العبث واللّغو، يتحقّق بالقول باشتمال أفعاله على مصالح وحِكم ترجع إلى العباد والنظام، لا إلى وجوده وذاته، كما لا يخفى.


1. المواقف: ص 331 .

2. اشارات المرام: ص 54 .

Website Security Test