welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الملل والنحل/ج3 (الماتريديّة، والمرجئية، ...)*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الملل والنحل/ج3 (الماتريديّة، والمرجئية، ...)
نسخة مصححة و منقحة تم اضافتها في تاريخ 2018/02/14 م

صفحه 1
   
    بحوث في الملل والنحل / ج 3
بحوث
في الملل والنحل
3

صفحه 2

صفحه 3
بحوث
في
الملل والنحل
دراسة موضوعيّة مقارنة للمذاهب الإسلاميّة
الجزء الثالث
ويتناول تاريخ وعقائد: الماتريديّة، والمرجئة،
والجهميّة، والكراميّة والظاهريّة، والمعتزلة
تأليف
الفقيه المحقّق
آية الله جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
فهرستنويسى پيش از انتشار توسط : موسسه تعليماتى وتحقيقاتى امام صادق (عليه السلام)
سبحانى تبريزى ، جعفر ، 1308 ـ
      بحوث في الملل والنحل / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم: مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)، 1427 ق . = 1385 .
      ج.    ISBN 964 - 357 - 230 - 7 (ج.1)
ISBN 964 - 357 - 246 - 3(ج.2)
ISBN 964 - 357 - 248 - x(ج.3)
ISBN 964 - 357 - 247 - 1(دوره)
      كتابنامه
      كتاب حاضر قبلاً توسط جامعه مدرسين حوزه علميه قم منتشر شده است .
      فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
      1 ـ اسلام ـ ـ فرقه ها. الف. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
1385 3ب2س/ 236 BP    5 / 297
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم ; سـاحة الشهداء
?7745457 ـ 2925152
البريد الإلكترونيEmail: imamsadiq@gmail.com :
العنوان في شبكة المعلومات www.imamsadeq.org :
اسم الكتاب:   بحوث في الملل والنحل
الجزء :   الثالث
المؤلــف:   آية الله جعفر السبحاني
الموضوع:   المرجئة والكراميّة والمعتزلة وغيرها
المطبعـة:   مؤسسة الإمام الصّادق (عليه السلام)
الطبعــة:   الأُولى
تاريخ الطبع:   1427 هـ
الكمّيّـة:   1000 نسخة
الناشــر:   مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)
الصف والإخراج الفني:   مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة

صفحه 5

صفحه 6

صفحه 7
أمّا بعد، فهذا هو الجزء الثّالث من كتابنا «بحوث في الملل والنحل» نقدّمه للقرّاء الكرام ونبحث فيه عن المدرستين المعروفتين «الماتريديّة» و«المعتزلة»، والمدرسة الأُولى منبثقة من منهج أهل الحديث من الحشويّة والحنابلة، كانبثاق المنهج الأشعريّ منه، والفرعان يشتركان في كثير من الأُصول ويختلفان في بعضها الآخر، وستوافيك الفوارق الموجودة بينهما.
وأمّا المدرسة الثّانية ـ أعني: مدرسة الاعتزال ـ فهي منهج عقليّ لا يمتّ لمنهج أهل الحديث بصلة، والمدرستان تتحرّكان على محورين متخالفين، ونرجو منه سبحانه أن يوفّقنا لتحرير عقائد الطائفتين متحرّرين من كلّ نزعة، وتعصّب، ورأي مسبّق لا دليل عليه، ولنقدّم تحرير منهج الطائفة «الماتريديّة» على «المعتزلة» للصلة التامّة بينه وبين المنهج الأشعري الذي سبق عنه البحث مفصّلاً في الجزء الثّاني.
ولقد نجمت في القرنين الأوّلين مناهج كلاميّة لها صلة بالمدرستين، فلإكمال الفائدة نبحث قبل تبيين منهج الاعتزال عن الفرق التالية:

صفحه 8
المرجئة، القدريّة، الجهميّة، الكرّاميّة والظاهريّة. فالمرجوّ منه سبحانه، التوفيق لبيان الحقّ والحقيقة، والقضاء بعيداً عن التعصّب والانحياز الممقوت. إنّه وليّ التوفيق.

صفحه 9
 
1

الماتريدية

قد تعرّفت على جذور الاختلاف في عصر الرّسالة وبعدها، كما تعرّفت على حوافز الاختلاف ودوافعه في عصر الخلفاء، وخرجنا بالنتيجة التالية وهي: أنّ أهل البحث والنّقاش من المسلمين قد تفرّقوا على فرقتين مختلفتين في كثير من المبادئ والأُصول وإن اشتركتا في كثير منها أيضاً:
1ـ فرقة أهل الحديث الّتي يعبّر عنها بالحشويّة تارة، والحنابلة أُخرى، والسلفيّة ثالثة وكانوا يتّسمون بسمة الاقتفاء لكتاب الله، وسنّة رسوله، ولا يقيمون للعقل والبرهان وزناً، كما لا يتفحّصون عن مصادر الحديث تفحّصاً يكشف عن صحته، بل ويقبلون كلّ حديث وصل إليهم عن كل من هبّ ودبّ، ويجعلون في حزمتهم كلّ رطب ويابس، ولأجل هذا التساهل ظهرت فيهم آراء وعقائد تشبه آراء أهل الكتاب، كالتشبيه، والتجسيم، والجبر، وسيادة القضاء والقدر على الإنسان كإله حاكم،لا يُغيّر ولا يُبدّل، ولا يقدر الإنسان على تغيير مصيره إلى غير ذلك من البدع ولا يقصر عمّا ذكرناه

صفحه 10
القول بالرؤية تبعاً للعهدين، وكون القرآن قديماً غير مخلوق، مضاهياً لقول اليهود بقدم التوراة، أو النصارى بقدم المسيح، وقد أوضحنا الحال في هذه المباحث في الجزأين الماضيين.
2 ـ فرقة المعتزلة التي تعتمد على العقل أكثر مما يستحقّه، وتزعم أنّ ظواهر بعض النّصوص الواردة في الكتاب والسنّة، مخالفة لما يوحي إليهم عقلهم وفكرتهم، فيبادرون إلى تأويلها تأويلاً واهياً يسلب عن الكلام بلاغته، فينحطّ من ذروته إلى الحضيض، وهؤلاء هم المعروفون بالمعتزلة، وفي ألسن خصومهم بـ(القدريّة).
وقد كان الجدال بين الطّائفتين قائماً على قدم وساق بغلبة الأُولى على الثّانية تارة، وانتصار الثانية على الأُولى أُخرى، وقد كان لأصحاب السياسة والبلاط دور واضح في إشعال نار الإختلاف بإعلاء إحداهما، وحطّ الأُخرى، حسب مصالحهم الوقتية، والغايات المنشودة لهم.

الداعيان إلى منهج أهل الحديث متعاصران

كان النزاع يعلو تارة، وينخفض أُخرى، إلى أن دخل القرن الرابع الهجري، فأعلن الشيخ أبو الحسن الأشعري، في أوائل ذلك القرن، رجوعه عن الاعتزال الذي عاش عليه أربعين سنة، وجنح إلى أهل الحديث، وفي مقدّمتهم منهج إمام الحنابلة «أحمد بن حنبل»، لكن لا بمعنى اقتفاء منهجه حرفيّاً بلا تصرّف ولا تعديل فيه، بل قبوله لكن بتعديل فيه على وجه يجعله

صفحه 11
مقبولاً لكلّ من يريد الجمع بين النقل والعقل، والحديث والبرهان، وقد أسّس في ضوء هذا منهجاً معتدلاً بين المنهجين وتصرّف في المذهب الأُمّ، تصرّفاً جوهرياً وقد أسعفه حسن الحظّ ونصره رجال في الأجيال المتأخرة، حيث نضّجوا منهجه، حتى صار مذهباً عامّاً لأهل السنّة في الأُصول، كما صارت المذاهب الأربعة مذاهب رسمية في الفروع.
وفي الوقت الّذي ظهر مذهب الأشعري بطابع الفرعية لمذهب أهل الحديث، ظهر مذهب آخر بهذا اللون والشكل لغاية نصرة السنّة وأهلها، وإقصاء المعتزلة عن السّاحة الإسلاميّة.
كلّ ذلك بالتصرف في المذهب وتعديله، وذلك المذهب الآخر هو مذهب الماتريديّة للامام محمّد بن محمّد بن محمود الماتريدي السمرقندي (المتوفّى عام 333 هـ) أي بعد ثلاثة أو تسعة(1) أعوام من وفاة الإمام الأشعري.
والداعيان كانا في عصر واحد، ويعملان على صعيد واحد، ولم تكن بينهما أيّة صلة، فهذا يكافح الاعتزال ويناصر السنّة في العراق متقلّداً مذهب الشافعي في الفقه، وذاك يناضل المعتزلة في شرق المحيط الإسلامي (ما وراء النّهر)، متقلّداً مذهب أبي حنيفة في الفقه، وكانت المناظرات والتيّارات الكلامية رائجة في كلا القطرين. فكانت البصرة ـ يوم ذاك ـ بندر الأهواء والعقائد، ومعقلها، كما كانت أرض خراسان مأوى أهل الحديث ومهبطهم،

1 . على اختلاف في تاريخ وفاته بين كونه في 330 أو 324 هـ .

صفحه 12
وكانت منبتَ الكرّامية وغيرهم أيضاً، نعم كانت المعتزلة بعيدة عن شرق المحيط الإسلامي، ولكن وصلت أمواج منهجهم الى تلك الديار عن طريق اختلاف العلماء بين العراق وخراسان.
ولأجل انتماء الداعيين إلى المذهبين المختلفين نرى اهتمام الشافعية بترجمة الأشعري في طبقاتهم، واهتمام علماء الأحناف ـ أعني المتكلّمين منهم ـ بالماتريدي وإن قصروا في ترجمته في طبقاتهم، ولم يؤدّوا حقّه في كتبهم.
نعم انتماء الماتريدي للإمام أبي حنيفة في الفقهين (الأكبر والأصغر)(1) أمر واضح، فإنّه حنفيّ، كلاماً وفقهاً، وأكثر من نصره، بل جميعهم، من الأحناف، مثل فخر الاسلام أبي اليسر محمد بن عبد الكريم البزدوي (المتوفّى عام 493 هـ) والإمام النسفي (المتوفّى عام 573 هـ) وسعد الدين التفتازاني (المتوفّى عام 791 هـ) وغيرهم كأبي الهمام والبياضي كما سيوافيك في تراجمهم، بخلاف انتماء الأشعري للإمام الشافعي فإنّه ليس بهذا الحدّ من الوضوح.
   

1 . سمّى أبو حنيفة الكلام بالفقه الأكبر، وعلم الشريعة بالفقه الأصغر، وقد سمّى بعض رسائله بهذين الاسمين كما سيوافيك.

صفحه 13

 

منهج الماتريدي موروث من أبي حنيفة

المنهج الذي اختاره الماتريدي، وأرسى قواعده، وأوضح براهينه، هو المنهج الموروث من أبي حنيفة (المتوفّى 150 هـ) في العقائد، والكلام، والفقه ومبادئه، والتاريخ يحدّثنا عن كون أبي حنيفة صاحب حلقة في الكلام قبل تفرّغه لعلم الفقه، وقبل اتّصاله بحماد بن أبي سليمان الذي أخذ عنه الفقه.
وليس الماتريدي نسيج وحده في هذا الأمر، بل معاصره أبو جعفر الطّحاوي صاحب «العقيدة الطحاوية» (المتوفّى 321 هـ ) مقتف أثر أبي حنيفة حتّى عنون وصدّر رسالته المعروفة بالعقيدة الطّحاوية بقوله «بيان عقيدة فقهاء الملّة: أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمّدبن الحسن»(1).
ويذكر عبد القاهر البغدادي صاحب كتاب «الفَرْق بين الفِرَقِ» في كتابه الآخر «أُصول الدين» أنّ أبا حنيفة له كتاب في الرد على القدرية سمّاه «الفقه الأكبر»، وله رسالة أملاها في نصرة قول أهل السنّة: أنّ الاستطاعة مع الفعل... وعلى هذا قوم من أصحابنا(2)، والرسائل الموروثة من أبي حنيفة أكثر ممّا ذكره البغدادي(3).

1 . شرح العقيدة الطحاوية: 25، والشرح للشيخ عبد الغني الميداني الدمشقي (المتوفّى سنة 1298 هـ).
2 . أُصول الدين: 308 .
3 . وسيوافيك فهرس الرسائل الموروثة من أبي حنيفة، وقد طبع قسم كبير منها .

صفحه 14
ولمّا كانت المسائل الكلامية في ثنايا هذه الرسائل، غير مرتّبة قام أحد الماتريديّة في القرن الحادي عشر، أعني به كمال الدين أحمد البياضي الحنفي، باخراج المسائل الكلامية عن هذه الرسائل من غير تصرّف في عبارات أبي حنيفة وأسماه «إشارات المرام من عبارات الامام» ويقول فيه: «جمعتها من نصوص كتبه التي أملاها على أصحابه من الفقه الأكبر، والرسالة، والفقه الأبسط، وكتاب العالم والمتعلّم، والوصيّة، برواية من الإمام حمّاد بن أبي حنيفة، وأبي يوسف الأنصاري، وأبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي، وأبي مقاتل حفص بن مسلم السمرقندي.
وروى عن هؤلاء، إسماعيل بن حمّاد، ومحمّد بن مقاتل الرازي، ومحمد بن سماعة التميمي، ونصير بن يحيى البلخي، وشداد بن الحكيم البلخي، وغيرهم.
ثمّ قال: إنّ الإمام أبا منصور محمّد بن محمّد بن محمود الماتريدي روى عن الطّبقة الثانية، أعني نصير بن يحيى، ومحمّد بن مقاتل الرازي، وحقّق تلك الأُصول في كتبه بقواطع الأدلّة، وأتقن التّفاريع بلوامع البراهين اليقينيّة»(1).
هذه جذور منهجه واُسس مدرسته الكلامية.

1 . إشارات المرام من عبارات الامام للبياضي: 21 ـ 22. وهذا الكتاب من المصادر الموثقة في تبيين المنهج الماتريدى بعد كتابيه «التوحيد» و «التفسير». ومثله كتاب «أصول الدين» للامام البزدوي.

صفحه 15

 

لمحة عن حياة الماتريدي

من المؤسف جدّاً إهمال كثير من المؤرخين، وكتب التراجم، ذكر الامام الماتريدي، وتبيين خصوصيات حياته، بل ربّما أهملوا الإشارة إليه عندما يجب ذكره أو الإشارة إليه، فإنّ الرجل من أئمة المتكلّمين، وأقطاب التفسير في عصره فكان الإلمام بحياته عند ذكر طبقات المتكلّمين والمفسرين لازماً، وهذا خلاف ما نجده من العناية المؤكّدة بذكر الأشعري، وتبيين حياته، والإشارة إلى خصوصياتها، حتّى رُؤاه، وأحلامه، وغلّة ضيعته، ولعلّ إحدى الدوافع إلى هذا، هي أنّ الأشعري استوطن في مركز العالم الإسلامي (العراق)، وشهر سيف بيانه وقلمه على الاعتزال في مركز قدرتهم، وموضع سلطتهم، فصار ذلك سبباً لأن تمدّ إليه الأعين، وتشرئب(1) نحوه الأعناق، فيذكره الصديق والعدو في كتبهم بمناسبات شتّى، وأمّا عديله وقرينه فكان بعيداً عنه، مستوطناً في نقطة يغلب فيها أهل الحديث وفكرتهم، وكانت السلطة في مجالي العلم والعمل لهم، فجهل قدره،ولم تعلم قيمة نضاله مع خصومهم، فقلّت العناية به، وبعلومه، وأفكاره، والإشارة إليه.
ولأجل ذلك نرى ابن النديم (المتوفّى 385 هـ) لم يترجمه في فهرسته، وفي الوقت نفسه ترجم الشيخَ الأشعري (المتوفّى 330 هـ)،

1 . إشْرَأبّ إليه وله: مدّ عنقه أو ارتفع لينظر إليه.

صفحه 16
والامام الطحاوي شيخ الأحناف في مصر (المتوفّى 321 هـ) مؤلّف «عقائد الطحاوي » المسمى ببيان السنّة والجماعة الذي اعتنى به عدّة من الأعلام بالشرح والتعليق.
هذا وقد أهمله جمع من المتأخّرين، فلم يترجمه أحمد بن محمد بن خلكان (المتوفّى 681 هـ) في «وفيات الأعيان» مع أنّه ترجم للطحاوي، ولا صلاح الدين الصفدي (المتوفّى 764 هـ) في «الوافي بالوفيات»، ولا محمد بن شاكر الكتبي (المتوفّى 764 هـ) في «فوات الوفيات»، ولا تقي الدين محمد بن رافع السلامي (المتوفّى 774 هـ) في «الوفيات»، ولم يذكره ابن خلدون (المتوفّى 808 هـ) في مقدمته في الفصل الذي خصّه بعلم الكلام، ولا جلال الدين السيوطي (المتوفّى 911 هـ) في «طبقات المفسرين» مع كونه أحد المفسرين في أوائل القرن الرابع، إلى غير ذلك من المعنيّين بتراجم الأعيان والشخصيات، ولم تصل أيديهم إليه، وإلى كتبه، ونشاطاته العلمية، ونضالاته مع خصوم أهل السنّة.
حتى إنّ من ذكره وعنونه، لم يذكر سوى عدة كليات في حقه، لا تلقي ضوءاً على حياته، ولا تبيّن شيئاً من خصوصياته، هذا والمعلومات التي وصلت إلينا بعد الفحص عن مظانّها عبارة عن الأُمور التالية:

1ـ ميلاده:

اتّفق المترجمون له على أنّه توفّي عام (المتوفّى 333 هـ)، ولم يعيّنوا ميلاده، ولكن نتمكّن من تعيينه على وجه التقريب من جانب مشايخه

صفحه 17
الّذين تخرّج عليهم في الحديث، والفقه، والكلام، فإنّ أحد مشايخه كما سيوافيك، هو نصير بن يحيى البلخي (المتوفّى عام 268 هـ) فلو تلقّى عنه العلم وهو ابن عشرين يكون هو من مواليد عام (248 هـ)، أو ما يقاربه، فيكون أكبر سنّاً من الأشعري بسنين تزيد على عشر.

2ـ موطنه:

قد اشتهر الإمام، بالماتريدي (بضم التاء) و «ماتريد» قرية من قرى سمرقند في بلاد ما وراء النّهر (جيحون)(1).
ويوصف بالماتريدي تارة، والسمرقندي أُخرى، ويلقب بـ «علم الهدى» لكونه في خطّ الدفاع عن السنّة.

3 ـ نسبه

ينتهي نسبه إلى أبي أيّوب خالد بن زيد بن كليب الأنصاري، مضيف النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) في دار الهجرة، وقد وصفه بذلك البياضي في «إشارات المرام»(2).

4 ـ مشايخه وأساتذته:

قد أخذ العلم عن عدّة من المشايخ، هم:
1 ـ أبو بكر أحمد بن إسحاق الجوزجاني.

1 . أحد الأنهار الكبيرة المعروفة كالنيل ودجلة والفرات.
2 . إشارات المرام: 23.

صفحه 18
2 ـ أبو نصر أحمد بن العياضي.
3 ـ نصير بن يحيى، تلميذ حفص بن سالم (أبي مقاتل).
4 ـ محمد بن مقاتل الرازي(1).
قال الزبيدي: تخرّج الماتريدي على الإمام أبي نصر العياضي.. ومن شيوخه الامام أبو بكر أحمد بن إسحاق بن صالح الجوزجاني صاحب الفرق، والتمييز.. ومن مشايخه محمّد ابن مقاتل الرازي قاضي الريّ.
والأوّلان من تلاميذ أبي سليمان موسى بن سليمان الجوزجاني، وهو من تلاميذ أبي يوسف، ومحمّد بن الحسن الشيباني.
وأمّا شيخه الرابع أعني محمّد بن مقاتل، فقد تخرّج على تلميذ أبي حنيفة مباشرة، وعلى ذلك فالماتريدي يتّصل بإمامه تارة بثلاث وسائط، وأُخرى بواسطتين. فعن طريق الأوّلين بوسائط ثلاث، وعن طريق الثالث (بن مقاتل) بواسطتين(2).

5 ـ ثقافته:

إنّ ثقافته و آراءه في الفقهين، الأكبر والأصغر، ينتهي إلى إمام مذهبه «أبي حنيفة». فإنّ مشايخه الّذين أخذ عنهم العلم، عكفوا على رواية الكتب المنسوبة إليه ودراستها، وقد نقل الشيخ الكوثري أسانيد الكتب المرويّة عن

1 . المصدر نفسه.
2 . لاحظ: إتحاف السادة المتقين: 2 / 5 .

صفحه 19
أبي حنيفة عن النسخ الخطّيّة الموجودة في دار الكتب المصرية وغيرها، وفيها مشايخ الماتريدي. قال:
«ومن الكتب المتوارثة عن أبي حنيفة، كتاب الفقه الأكبر رواية عليّ بن أحمد الفارسي، عن نصير بن يحيى، عن أبي مقاتل (حفص بن سالم)، وعن عصام بن يوسف، عن حمّاد بن أبي حنيفة، عن أبيه، وتمام السند في النسخة المحفوظة ضمن مجموعة الرقم (226) بمكتبة شيخ الاسلام بالمدينة المنوّرة.
ونصير بن يحيى أحد مشايخ الماتريدي كما عرفت.
ومن هذه الكتب «الفقه الأبسط» رواية أبي زكريا يحيى بن مطرف بطريق «نصير بن يحيى» عن أبي مطيع، عن أبي حنيفة، وتمام السند في المجموعتين (24 و 215 م) بدار الكتب المصريّة.
ومن هذه الكتب «العالم والمتعلّم» رواية أبي الفضل أحمد بن علي البيكندي الحافظ، عن حاتم بن عقيل، عن الفتح بن أبي علوان، ومحمّد بن يزيد، عن الحسن بن صالح، عن أبي مقاتل حفص بن سالم السمرقندي، عن أبي حنيفة، ويرويه أبو منصور الماتريدي عن أبي بكر أحمد بن إسحاق الجوزجاني عن محمد بن مقاتل الرازي، عن أبي مقاتل، عنه، وتمام الأسانيد في مناقب الموفّق والتأنيب (73 و 85).
ومن تلك الرسائل رسالة أبي حنيفة إلى البتّي، رواية نصير بن يحيى،

صفحه 20
عن محمّد بن مقاتل الرازي، عن أبي مقاتل، عنه، وتمام الأسانيد في مناقب الموفق والتأنيب (73 و 85).
ومن تلك الرسائل رسالة أبي حنيفة إلى البتّي رواية نصير بن يحيى، عن محمّد بن سماعة، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، وبهذا السند رواية الوصيّة أيضاً، وتمام الأسانيد في نسخ دار الكتب المصرية ـ إلى أن قال: ـ فبنور تلك الرسائل سعى أصحاب أبي حنيفة وأصحاب أصحابه في إبانة الحقّ في المعتقد .. إلى أن جاء إمام السنّة في ماوراء النهر، أبو منصور محمّد بن محمّد الماتريدي المعروف بـ (امام الهدى) فتفرّغ لتحقيق مسائلها، وتدقيق دلائلها، فأرضى بمؤلّفاته جانبي العقل والنقل في آن واحد»، ثمّ ذكر مؤلفاته.(1)
ترى أنّ أسناد هذه الكتب والرسائل تنتهي إلى أحد مشايخ الماتريدي وقد طبع منها: «الفقه الأكبر، الرسالة، العالم والمتعلّم، والوصيّة» في مطبعة حيدرآباد عام (1321 هـ ).
وهذه المؤلّفات لا تتجاوز عن كونها بياناً للعقيدة وما يصحّ الاعتقاد به، من دون أن تقترن بالدليل والبرهان، ولكنّها تحوّلت من عقيدة إلى علم، على يد (الماتريدي) فهو قد حقّق الأُصول في كتبه، فكان هو متكلّم مدرسة أبي حنيفة ورئيس أهل السنّة في بلاد ماوراء النهر، ولذلك سمّيت المدرسة

1 . مقدّمة إشارات المرام: 5 ـ 6 .

صفحه 21
باسمه، وأصبح المتكلّمون على مذهب الإمام أبي حنيفة في بلاد ماوراء النهر، يسمّون بالماتريديّين، واقتصر إطلاق اسم أبي حنيفة على الأحناف المتخصّصين في مذهبه الفقهي.(1)
وفي (مفتاح السعادة) : «إنّ رئيس أهل السنّة والجماعة في علم الكلام رجلان: أحدهما حنفيّ، والآخر شافعي، أمّا الحنفي: فهو أبو منصور محمّد بن محمّد بن محمود الماتريدي، وأمّا الآخر الشافعي: فهو شيخ السنّة أبوالحسن الأشعري البصري».(2)
وفي حاشية الكستلي(3) على شرح العقائد النسفية(4) للتفتازاني: «المشهور من أهل السنّة في ديار خراسان والعراق والشام وأكثر الأقطار، هم الأشاعرة، وفي ديار ماوراءالنهر الماتريدية أصحاب أبي منصور الماتريدي تلميذ أبي نصر العياضي، تلميذ أبي بكر الجرجاني، تلميذ محمّد بن الحسن الشيباني من أصحاب الإمام أبي حنيفة».(5)

1 . مقدمة كتاب التوحيد للماتريدي: 5 بقلم الدكتور فتح الله خليفة ـ ط 1392 هـ -، وهو المراد من «التوحيد» كلما اطلق في هذا الفصل.
2 . مفتاح السعادة ومصباح السيادة: 2 / 22 ـ 23 طبعة حيدر آباد على ما في مقدمة محقق كتاب التوحيد للماتريدي.
3 . هو مصلح الدين مصطفى القسطلاني (المتوفّى 902 هـ ).
4 . وهذا الكتاب محور الدراسة في الأزهر وغيره، وما زال كذلك إلى يومنا هذا، وهو بمنزلة «شرح الباب الحادي عشر» عند الامامية، يعرض عقائد أهل السنّة على مذهب الامام «الماتريدي» بشكل واضح.
5 . بهامش شرح العقائد النسفية: 17.

صفحه 22
ويقول الزبيدي: «إذا أُطلق أهل السنّة والجماعة، فالمراد هم الأشاعرة والماتريدية»(1).

6ـ المتخرّجون عليه:

تخرّج عليه عدّة من العلماء منهم:
أ ـ أبو القاسم إسحاق بن محمّد بن إسماعيل الشهير بالحكيم السمرقندي (المتوفّى 340 هـ).
ب ـ الإمام أبواللّيث البخاري.
ج ـ الامام أبومحمّد عبد الكريم بن موسى البزدوي، جدّ محمّد بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم البزدوي مؤلّف (أُصول الدين).
يقول حفيده: «ووجدت للشيخ الامام الزاهد «أبي منصور الماتريدي السمرقندي» كتاباً في علم التوحيد على مذهب أهل السنّة، وكان من رؤساء أهل السنّة. حكى لي الشيخ الامام والدي (رحمه الله) عن جده الشيخ الامام الزاهد «عبد الكريم بن موسى» (رحمه الله) كراماته. فإنّ جدّنا كان أخذ معاني كتب أصحابنا، وكتاب التوحيد، وكتاب التأويلات من خلق(2) عن الشيخ الإمام أبي منصور الماتريدي (رحمه الله) إلا أنّ في كتاب التوحيد الذي صنّفه الشيخ أبو منصور قليل

1 . إتحاف السادة المتقين بشرح أسرار احياء علوم الدين: لمحمد بن محمد بن الحسيني: 2 / 8 .
2 . كذا في النسخة.

صفحه 23
انغلاق و تطويل، و في ترتيبه نوع تعسير لولا ذلك لاكتفينا به.(1)

7 ـ أنصار مذهبه في الأجيال اللاحقة:

إنّ للمنهج الكلاميّ الموروث من أبي منصور الماتريدي، أنصاراً وأعواناً قاموا بإنضاج المذهب ونصرته، ونشره وإشاعته، وإن لم يصل إلى ما وصل إليه مذهب الأشعري من الانتشار وكثرة الاقتفاء، وإليك ذكر بعض أنصاره:
1 ـ القاضي الإمام أبو اليسر محمّد بن محمّد بن الحسين عبد الكريم البزدوي (المولود عام 421 هـ ، والمتوفّى في «بخارى» عام 478 هـ) وقد عرفت كلامه في حقّ الماتريدي، وسيوافيك بعض كلامه عند البحث عن فوارق المنهجين، وقد ألّف كتاب أُصول الدين على غرار هذا المنهج، وسيوافيك الإيعاز إليه.
2 ـ أبوالمعين النسفي (المتوفّى 502 هـ) وهو من أعاظم أنصار ذلك المذهب فهو عند الماتريديّة كالباقلاّني بين الأشاعرة، مؤلّف كتاب «تبصرة الأدلّة» الذي مازال مخطوطاً حتّى الآن، ويعدّ الينبوع الثاني بعد كتاب «التوحيد» للماتريدية الّذين جاءوا بعده(2).
3 ـ الشيخ نجم الدين أبو حفص عمر بن محمّد (المتوفّى 537 هـ)

1 . أُصول الدين للبزدوي: 3 و 155 ـ 158.
2 . مقدمة التوحيد: 5 .

صفحه 24
مؤلف «عقائد النسفي» ويقال إنّه بمنزلة الفهرس لكتاب «تبصرة الأدلّة» ومع ذلك ما زال هذا الكتاب محور الدراسة في الأزهر، وغيره، إلى يومنا هذا، كما تقدّم.
4 ـ الشيخ مسعود بن عمر التفتازاني أحد المتضلّعين في العلوم العربيّة، والمنطق، والكلام، وهو شارح «عقائد النسفي» الّذي أُلّف على منهاج الإمام الماتريدي، ولكن لم يتحقّق لي كونه ماتريديّاً، بل الظاهر من شرح مقاصده كونه أشعريّاً. خصوصاً في مسألة خلق الأعمال، وكونه سبحانه خالقاً، والعبد كاسباً.
5 ـ الشيخ كمال الدين محمد بن همام الدين الشهير بابن الهمام (المتوفّى عام 861 هـ) صاحب كتاب «المسايرة» في علم الكلام. نشره وشرحه محمّد محيي الدين عبد الحميد وطبع بالقاهرة.
6 ـ العلامة كمال الدين أحمد البياضي الحنفي مؤلف كتاب «إشارات المرام من عبارات الإمام» أحد العلماء في القرن الحادي عشر وكتابه هذا أحد المصادر للماتريديّة.
7 ـ وأخيراً الشيخ محمد زاهد بن الحسن الكوثري المصري وكيل المشيخة الإسلاميّة في الخلافة العثمانيّة، أحد الخبراء في الحديث، والتاريخ، والملل، والنحل. له خدمات صادقة في نشر الثقافة الإسلاميّة ومكافحة الحشوية والوهابيّة، ولكنّ الحنابلة يبغضونه وما هذا إلاّ لأنّ عقليّته لا تخضع لقبول كلّ ما ينقل باسم الحديث ولا سيّما فيما يرجع إلى

صفحه 25
الصفات الخبرية لله سبحانه الذي لا يفترق عن القول بالتشبيه والتجسيم قدر شعرة.

8 ـ مؤلّفاته و آثاره العلميّة:

سجّل المترجمون للماتريدي كتباً له تعرب عن ولعه بالكتابة والتدوين والامعان والتّحقيق، غير أنّ الحوادث لعبت بها، ولم يبق منها إلاّ ثلاثة، وقد طبع منها اثنان:
1 ـ «كتاب التوحيد» وهو المصدر الأوّل لطلاّب المدرسة الماتريدية وشيوخها الّذين جاءوا بعد الماتريدي، واعتنقوا مذهبه، وهو يستمدّ في دعم آرائه من الكتاب، والسنّة، والعقل، ويعطي للعقل سلطاناً أكبر من النقل، وقد قام بتحقيق نصوصه ونشره الدكتور فتح الله خليف (عام 1970 م ، 1390 هـ) وطبع الكتاب في مطابع بيروت مع فهارسه في (412) صفحة وقد عرفت من البزدوي مؤلف «أُصول الدين» أنّ الكتاب لا يخلو من انغلاق في التّعبير، وهو لائح منه لمن سبره.
2 ـ «تأويلات أهل السنّة» في تفسير القرآن الكريم، وهو تفسير في نطاق العقيدة السنيّة، وقد مزجه بآرائه الفقهية والاُصولية وآراء اُستاذه الإمام أبي حنيفة، فصار بذلك تفسيراً عقيدياً فقهيّاً، وهو تفسير عامّ لجميع السور، والجزء الأخير منه يفسّر سورة المنافقين، إلى آخر القرآن، وقد وقفنا من المطبوع منه على الجزء الأوّل وينتهي إلى تفسير الآية (114) من سورة

صفحه 26
البقرة. حقّقه الدكتور إبراهيم عوضين والسيد عوضين، وطبع في القاهرة عام (390 هـ)، والمقارنة بين الكتابين تعرب عن وحدتهما في المنبع، والتعبير، والتركيب، فمثلاً ما ذكره في تفسير قوله: (رَبِّ أَرِني أَنْظُرْ إِلَيْكَ )من الاستدلال على جواز الرؤية، هو نفس ما ذكره في كتاب التوحيد، إلى غير ذلك من المواضيع المشتركة بين الكتابين، ولكنّ التفسير أسهل تناولاً، وأوضح تعبيراً.
وأمّا كتبه الأُخر فإليك بيانها:
3 ـ المقالات: حكى محقّق كتاب (التوحيد) وجود نسخة مخطوطة منه في المكتبات الغربيّة.
4 ـ مأخذ الشرايع.
5 ـ الجدل في أُصول الفقه.
6 ـ بيان وهم المعتزلة.
7 ـ ردّ كتاب الأُصول الخمسة للباهلي.
8 ـ كتاب ردّ الإمامة لبعض الروافض.
9 ـ الردّ على أُصول القرامطة.
10 ـ كتاب ردّ تهذيب الجدل للكعبي.
11ـ رد وعيد الفسّاق للكعبي أيضاً.
الفرق بين الأشعرية والماتريدية   
12ـ رد أوائل الأدلّة له أيضاً.

صفحه 27

 

الفرق بين المنهجين: الأشعرية والماتريدية:
لا شكّ أنّ الإمامين الأشعري والماتريدي كانا يتحرّكان في فلك واحد وكانت الغاية هي الدفاع عن عقيدة أهل السنّة، والوقوف في وجه المعتزلة و ـ مع ذلك ـ لايمكن أن يتّفقا في جميع المسائل الرئيسية، فضلاً عن التّفاريع، وذلك لأنّ الأشعري اختار منهج الإمام أحمد، وطابع منهجه هو الجمود على الظّواهر، وقلّة العناية بالعقل والبرهان، والشيخ الأشعري وإن تصرّف فيه وعدّله، ولكن لمّا كان رائده هو الفكرة الحنبليّة فقد عرقلت نطاق عقله عن التوسّع، ولو تجاوز عنها فإنّما يتجاوز مع التحفّظ على أُصولها.
وأمّا الماتريديّ فقد تربّى في منهج تلامذة الإمام أبي حنيفة، ويعلو على ذلك المنهج، الطّابع العقلي والاستدلال، كيف ومن أُسس منهجه الفقهي، هوالعمل بالمقاييس والاستحسانات، وعلى ضوء هذا فلا يمكن أن يكون التلميذان متوافقين في الأُصول، فضلاً عن الفروع، وأن يقع الحافر على الحافر في جميع المجالات، وقد أشغل هذا الموضوع بالَ المحقّقين، وحاولوا تبيين أنّ أيّاً من الداعيين أعطى للعقل سلطاناً أكبر، وتفرّقوا في ذلك إلى أقوال نذكرها:
1ـ قال أحمد أمين المصري: «لقد اتّفق الماتريدي والأشعري على كثير من المسائل الأساسية، وقد أُلِّفت كتب كثيرة وملخّصات، بعضها يشرح

صفحه 28
مذهب الماتريدي كـ (العقائد النسفية) لنجم الدين النسفي، وبعضها يشرح عقيدة الأشعري كـ (السنوسية) و (الجوهرة)، وقد أُلِّفت كتب في حصر المسائل الّتي اختلف فيها الماتريدي والأشعري، ربّما أوصلها بعضهم إلى أربعين مسألةـ ثمّ قال: إنّ لون الاعتزال أظهر في الأشعريّة بحكم تتلمذ الأشعري للمعتزلة عهداً طويلاً، واستشهد على ذلك بأنّ الأشعري يقول بوجوب المعرفة عقلاً قبل بعث الأنبياء دون الماتريدي»(1).
والظّاهر أنّ ما ذكره الكاتب من هفو القلم وسهوالفكر، إذ مضافاً إلى أنّ كتابي الماتريدي «التوحيد والتفسير» و آراء تلاميذه تشهد على خلاف ما ذكر. إنّ ما استشهد به على ما تبنّاه خلاف الواقع، فالأشعري يقول بوجوب المعرفة سمعاً لا عقلاً، والماتريدي على العكس كما ستوافيك نصوص القوم عند عرض المذهب، والعجب أنّه قد سجّل نظرية الإمامين قبيل هذا، على خلاف ما ذكره هنا وقال: يقول الماتريدية: إنّه تعالى لو لم يبعث للناس رسولاً لوجب عليهم بعقولهم معرفته تعالى، ومعرفة وحدانيّته، واتّصافه بما يليق، وكونه محدثاً للعالم، كما روي ذلك عن أبي حنيفة، وذهب مشايخ الأشاعرة إلى أنّه لا يجب إيمان، ولا يحرم كفر قبل البعث.(2)
فإذا كان أحمد أمين قائلاً بغلبة لون الاعتزال على الأشعري، فهناك من ذهب إلى خلافه، وإليك البيان:

1 . ظهر الإسلام : 4 / 91 ـ 95.
2 . المصدر نفسه.

صفحه 29
2ـ قال أبو زهرة: «إنّ منهاج الماتريدية للعقل سلطان كبير فيه من غير أيّ شطط أو إسراف، والأشاعرة يتقيّدون بالنّقل ويؤيِّدونه بالعقل، حتّى إنّه يكاد الباحث يقرّر أنّ الأشاعرة في خطّ بين الاعتزال وأهل الفقه والحديث، والماتريديّة في خطّ بين المعتزلة والأشاعرة، فإذا كان الميدان الّذي تسير فيه هذه الفرق الإسلاميّة الأربع، والّتي لا خلاف بين المسلمين في أنّها جميعاً من أهل الإيمان، ذا أقسام أربعة، فعلى طرف منه المعتزلة، وعلى الطرف الآخر أهل الحديث، وفي الربع الّذي يلي المعتزلة، الماتريديّة، وفي الربع الّذي يلي المحدّثين، الأشاعرة»(1).
يلاحظ عليه: أنّه كيف جعل أبو زهرة هؤلاء كلّهم من أهل الايمان، مع أنّ بين أهل الحديث طوائف المشبِّهة، والمجسِّمة، والقائلين بالجبر المستلزم للغوية التكليف وبعث الأنبياء، فهل يصحّ أن يعدّ من يصوّر بعث الأنبياء لغواً، وإنزال الكتب عبثاً، من أهل الإيمان؟ والحال أنّه لا تقصر عقيدة هؤلاء عن عقيدة أهل الجاهليّة الأُولى الّذين وصفهم الإمام علي (عليه السلام) في خطبة بقوله: «وأهل الأرض يومئذ (يوم بعث النّبي الأكرم) ملل متفرِّقة، وأهواء منتشرة، وطوائف متشتّتة، بين مشبِّه لله بخلقه، أو ملحد في اسمه، أو مشير به إلى غيره»(2).
ويا للعجب! إذا قسّم أبو زهرة ساحة الإيمان كلّها لهذه الطوائف

1 . تاريخ المذاهب الإسلاميّة: 1 / 199.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 1، طبعة عبده ص 25.

صفحه 30
الأربع، فأين يقع مكان أئمّة أهل البيت في هذه الساحة وليس لأحد إنكار فضيلتهم، لأنّهم الّذين أوجب الله سبحانه مودّتهم في القرآن وجعلها أجر رسالته وقال: ( قُلْ لا أسألُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاّ المَودَّةَ في القُرْبى)(1) . ؟!! وعرّفهم رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّهم أعدال الكتاب وقرناؤه، وقال: «إنّي تارك فيكم الثّقلين: كتاب الله وعترتي»(2).
وقد عرف الأبكم والأصمّ ـ فضلاً عن غيرهما ـ أنّ أئمّة أهل البيت لم يكونوا في أحد هذه المذاهب، ولا كانوا مقتفين لأحد هذه المناهج، بل كان لهم منهج خاصّ لا يفترق عن الكتاب، والسنّة، والعقل السليم، فما معنى هذا التقسيم؟ «ما هكذا تورد يا سعد الإبل» و (تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى )(2)، (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ... )(4).
3ـ قال الشّيخ محمّد زاهد الكوثري: «الماتريديّة هم الوسط بين الأشاعرة والمعتزلة، وقلّما يوجد بينهم متصوّف، فالأشعريّ والماتريدي هما إماما أهل السنّة والجماعة في مشارق الأرض ومغاربها، لهم كتب لا تحصى، وغالب ما وقع بين هذين الإمامين من الخلاف من قبيل اللّفظي»(3).
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من أنّ الماتريديّة بين الأشاعرة والمعتزلة وإن

1 . الشورى: 23.                  2 . حديث متفق عليه رواه الفريقان.
2 . النجم: 22 .   4 . الزخرف: 32 .
3 . مقدمة تبيين كذب المفتري: 19.

صفحه 31
كان متيناً، كما سيأتي عند عرض مذهبهم، لكن كون الخلاف بين الإمامين لفظيّاً واضح البطلان، إذ كيف يكون النّزاع في التحسين والتقبيح العقليّين، أمراً لفظيّاً، مع أنّه تترتّب على الإثبات والإنكار مسائل كلاميّة كثيرة؟ أو كيف يكون الاختلاف في كون فعل الانسان فعلاً له حقيقة أو مجازاً من الاختلاف اللّفظي؟.
4ـ قال محقّق كتاب «التّوحيد» للماتريدي، في مقدّمته: «إنّ شيخيّ السنّة يلتقيان على منهج واحد ومذهب واحد، في أهمّ مسائل علم الكلام الّتي وقع فيها الخلاف بين فرق المتكلّمين»(1).
ولعلّه لا يرى الخلاف في التحسين والتقبيح، وكون فعل الانسان فعلاً له حقيقة، أو مجازاً، اختلافاً جوهريّاً، كما لا يرى الاختلاف في كون صفاته عين ذاته، أو زائدة عليه، أو جواز التّكليف بما لايطاق، وعدمه كذلك. فاللازم عرض مذهبه عن طريق نصوصه الواردة في توحيده، وتفسيره، وكتب أنصاره، حتى يعلم مدى اتّفاق الداعيين، واختلافهما.
وقبل ذلك نختم البحث بكلمة الإمام البزدوي، أحد أنصار الماتريديّة في القرن الخامس، وكان جدّ والده أحد تلاميذه. قال:
«وأبو الحسن الأشعري و جميع توابعه يقولون إنّهم من أهل السنّة والجماعة، وعلى مذهب الأشعري عامّة أصحاب الشافعي، وليس بيننا وبينهم خلاف إلاّ في مسائل معدودة قد أخطأوا فيها».(2) وذكر بعد ذلك،

1 . مقدمة التوحيد، بقلم محققه الدكتور فتح الله خليف: 18.
2 . أُصول الدين : 242.

صفحه 32
تلك المسائل المعدودة وهي لا تتجاوز عن ثلاث، وسيوافيك نصّه! ولأجل وجود الاختلاف الجوهري بين المذهبين قام جماعة من المعنيّين بتبيين الفروق الموجودة فيهما، بين موجز في الكلام، ومسهب فيه، وربّما ألّفوا كتباً ورسائل، وإليك ما وقفنا عليه في هذا المجال:
أ ـ «أُصول الدين» للبزدوي، قال فيه تحت عنوان «ما خالف أبو الحسن الأشعري عامّة أهل السنّة والجماعة».
1 ـ قال أهل السنّة والجماعة: إنّ لله تعالى أفعالاً، وهي الخلق، والرزق، والرحمة، والله تعالى قديم بأفعاله كلّها، وأفعال الله ليست بحادثة، ولامحدثة، ولا ذات الله، ولا غير الله تعالى، كسائر الصِّفات.
وأبوالحسن الأشعري أنكر أن يكون لله تعالى فعل، وقال: الفعل والمفعول واحد، ووافق في هذا القدريّة والجهميّة، وعليه عامّة أصحابه، وهو خطأ محض(1).
2ـ وقال أهل السنّة والجماعة: المعاصي والكفر ليست برضى الله، ولا محبّته، و إنّما هي بمشيئة الله تعالى.
وأبوالحسن قال: إنّ الله تعالى يرضى بالكفر والمعاصي، ويحبّها، وهو خطأ محض أيضاً.
3ـ وقال أهل السنّة والجماعة: إنّ الإيمان هو التصديق والاعتقاد بالقلب، والإقرار باللسان، وقال أبو الحسن: إنّ الايمان هو التّصديق بالقلب،

1 . سيوافيك عند عرض مذهب الماتريديّة توضيح مرامهم.

صفحه 33
والإقرار بالّلسان فرض من الفروض، وهو خطأ أيضاً. وشرّ مسائله مسألة الأفعال.
وذكر أبوالحسن في كتاب «المقالات» مذهب أهل الحديث، ثمّ قال: وبه نأخذ، ومذهب أهل الحديث في هذه المسائل الثّلاث مثل مذهب
أهل السنّة والجماعة. فهذا القول يدلّ على أنّه كان يقول مثل ما قال أهل السنّة والجماعة في هذه المسائل، ولكن ذكر في الموجز الكبير كما ذكرنا هنا، فكان حبّه(1) في هذه المسائل قولان، فكأنّه رجع عن هذه المسائل الثّلاث.
وكان يقول: كلّ مجتهد مصيب في الفروع، وعامّة أهل السنّة والجماعة قالت: يخطئ ويصيب.(2)
ب ـ «إشارات المرام من عبارات الإمام» تأليف كمال الدين البياضي الحنفيّ من علماء القرن الحادي عشر، فقد طرح المسائل الخلافيّة بين الإمامين فبلغ إلى خمسين مسألة.(3)
ج: «نظم الفرائد وجمع الفوائد» في بيان المسائل الّتي وقع فيها الاختلاف بين الماتريديّة والأشعريّة تأليف عبد الرحيم بن علي المعروف بـ «شيخ زاده» طبع في القاهرة (عام 1317 هـ).

1 . كذا في الأصل وضبطه المحقق بضم الباء.
2 . أُصول الدين للبزدوي: 245 ـ 246.
3 . إشارات المرام: 53 ـ 56.

صفحه 34
د: «الروضة البهيّة في ما بين الأشعريّة والماتريديّة» تأليف أبي عذبة، طبع في حيدرآباد (عام 1332 هـ).
هـ : خلافيّات الحكماء مع المتكلّمين، وخلافيّات الأشاعرة مع الماتريديّة، تأليف عبدالله بن عثمان بن موسى مخطوطة دار الكتب المصريّة (برقم 3441 ج).(1)
و : قصيدة في الخلاف بين الأشعريّة والماتريديّة: تأليف تاج الدين السبكي، مؤلّف (طبقات الشافعيّة الكبرى) المطبوعة بمصر (عام 1324 هـ) مخطوطة الجامعة العربيّة الرقم (202) المصوّرة عن مخطوطة جامع الشيخ بالاسكندرية.(2)
وهذه العناية المؤكّدة في طول الأجيال تعرب عن كون الفرق أو الفوارق جوهريّاً، لا لفظيّاً، وإلاّ فلا وجه لتأليف الكتب والرسائل لبيان الفوارق اللّفظية أو الجزئيّة، الموجودة بين المنهجين، وسيظهر الحقّ في البحث التالي.
   

10 ـ عرض مذهب الماتريدي:

ولا نهدف في هذا الفصل إلى عرض كلّ ما يعتقد به الماتريدي في مجال العقائد والأُصول، فإنّ قسماً من عقائده هو عين عقيدة أهل الحديث

1 . انظر مقدمة كتاب التوحيد للماتريدي: 25.
2 . انظر مقدمة كتاب التوحيد للماتريدي: 25.

صفحه 35
والأشعري، وقد عرضنا عقائدهم في الجزء الأول من هذه السلسلة، وإنّما نقوم ببيان الأُصول المهمّة الّتي افترق فيها عن الأشعري، مع الاعتراف بأنّ الماتريدي يتدرّع في بعض الموارد بنفس ما يتدرّع به الأشعري، ومن هذا الباب تصحيح القول بالرؤية، فإنّ القول برؤيته في النشأة الآخرة ملازم لكونه سبحانه محاطاً وواقعاً في جهة ومكان، ومن أجل ذلك قام العلمان في دفع الإشكال على نمط واحد، وهو أنّ الرؤية تقع «بلا كيف» أو ما يفيد ذلك، حتّى يُرضيا بذلك أهل النقل والعقل.
قال ابن عساكر: «قالت الحشويّة المشبِّهة: إنّ الله سبحانه وتعالى يرى مكيّفاً محدوداً كسائر المرئيات، وقالت المعتزلة والجهمية والنجارية: إنّه سبحانه لا يرى بحال من الأحوال فسلك الأشعري طريقاً بينهما فقال: يرى من غير حلول، ولا حدود، ولا تكييف، كما يرانا هو سبحانه وتعالى، وهو غير محدود، ولا مكيّف»(1).
وقد نقلنا نصوص نفس الأشعري في موضع الرؤية عند عرض عقائده(2).
وقال الماتريدي في ذلك البحث: «فإن قيل: كيف يرى؟ قيل: بلا كيف، إذ الكيفيّة تكون لذي صورة، بل يرى بلا وصف قيام وقعود، واتّكاء وتعلّق، واتّصال وانفصال، ومقابلة ومدابرة، وقصير وطويل، ونور وظلمة،

1 . تبيين كذب المفتري : 149 ـ 150.
2 . لاحظ الجزء الثاني من هذه الموسوعة : 256، نشر مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)ـ 1427 هـ .

صفحه 36
وساكن ومتحرِّك، ومماسّ ومباين، وخارج وداخل، ولا معنى يأخذه الوهم، أو يقدره العقل، لتعاليه عن ذلك»(1).
يلاحظ عليه: أنّ الرؤية بهذه الخصوصيّات إنكار لها، وأشبه بالأسد بلا ذنب، ولا رأس.
والّذي تبيّن لي بعد التأمّل في آرائه في كثير من المسائل الكلاميّة، أنّ منهجه كان يتمتّع بسمات ثلاث:
1ـ الماتريدي أعطى للعقل سلطاناً أكبر، ومجالاً أوسع، وذلك هو الحجر الأساس للسمتين الأخيرتين.
2ـ إنّ منهج الماتريدي أبعد من التشبيه والتجسيم من الأشعري، وأقرب إلى التنزيه.
3ـ إنّه وإن كان يحمل حملة عنيفة على المعتزلة، ولكنّه إلى منهجهم أقرب من الإمام الأشعري.
وتظهر حقيقة هذا الأمر إذا عرض مذهبه في مختلف المسائل، ولمعرفة جملة من مواضع الاختلاف ودراسة نقاط القوّة والضعف، نذكر موارد عشرة ونترك الباقي روماً للاختصار.

1 . التوحيد للماتريدي: 85 .

صفحه 37

 

1 ـ استيلاؤه على العرش:

اتّفق الداعيان على أنّه يجب الإيمان بما جاء في القرآن من الصِّفات لله تبارك وتعالى، ومنها استيلاؤه على العرش، والأشعري يفسّره على نحو الإثبات ويؤمن بظاهره بلا تفويض ولا تأويل، وأنّ الله حقيقةً مستو على العرش لكن استيلاءً مناسباً له، ويقول: «إنّ الله مستو على العرش الّذي فوق السماوات» ولأجل دفع توهّم التجسيم يقول: «يستوي على عرشه كما قال، يليق به من غير طول الاستقرار» ويستشهد بما روي عن رسول الله: إذا بقي ثلث الليل ينزل الله تبارك وتعالى، فيقول: من ذا الّذي يدعوني فأستجيب له(1).
وعلى ضوء هذا فالأشعري ممّن يثبت الصفات الخبريّة لله بلا تفويض معناها إليه، غاية الأمر يتدرّع بلفظة «على نحو يليق به» أو «بلا كيف» كما في الموارد الأُخر، ولكنّ الماتريدي مع توصيفه سبحانه بالصفات الخبريّة، يفوِّض مفاد الآية إليه سبحانه، فهو يفارق الأشعري في التفويض وعدمه، ويخالف المعتزلة في التأويل وعدمه، فالأشعري من المثبتة بلا تفويض وتأويل، وهو من المثبتة مع التفويض، كما أنّ المعتزلة من المؤوِّلة، وبذلك يتّضح كونه بين الأشعري والمعتزليّ، وإليك نصّه في مورد استوائه على العرش:

1 . الإبانة: 85 .

صفحه 38
قال: «وأمّا الأصل عندنا في ذلك أنّ الله تعالى قال ليس كمثله شيء» فنفى عن نفسه شبه خلقه، وقد بيّنا أنّه في فعله وصفته متعال عن الأشباه، فيجب القول بـ (الرّحمنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوى) على ما جاء به التنزيل، وثبت ذلك في العقل، ثمّ لا نقطع تأويله على شيء، لاحتماله غيره مما ذكرنا، واحتماله أيضاً ما لم يبلغنا ممّا يعلم أنّه غير محتمل شبه الخلق، ونؤمن بما أراد الله به، وكذلك في كلّ أمر ثبت التنزيل فيه، نحو الرؤية وغير ذلك، يجب نفي الشبه عنه، والإيمان بما أراده من غير تحقيق على شيء دون شيء ، والله الموفِّق». (1)

2ـ معرفته سبحانه واجبة عقلاً:

اتّفق الداعيان على وجوب معرفة الله، واختلفا في طريق ثبوت هذا الوجوب، فالأشعري وأتباعه على أنّه سمعيّ، والمعتزلة على أنّه عقليّ، قال العضدي في المواقف: النّظر إلى معرفة الله واجب إجماعاً، واختلف في طريق ثبوته، فهو عند أصحابنا السمع، وعند المعتزلة العقل. أمّا أصحابنا فلهم مسلكان:
الأوّل: الاستدلال بالظواهر مثل قوله تعالى: (قُلِ انْظُرُوا مَاذا فِي السَّمواتِ وَالأَرْضِ)إلى آخره.(2)

1 . التوحيد للماتريدي: 74.
2 . المواقف: 28 وشرحها ج 1 / 124. والآية 101 من سورة يونس.

صفحه 39
ولا يخفى وهن النّظرية، لاستلزامها الدور، لأنّ معرفة الإيجاب تتوقّف على معرفة الموجِب، فإنّ من لا نعرفه بوجه من الوجوه، كيف نعرف أنّه أوجب؟ فلو استفيدت معرفة الموجِب من معرفة الإيجاب، لزم الدور.
وأيضاً: لو كانت المعرفة تجب بالأمر، فهو إمّا متوجّه إلى العارف بالله أو غيره، فالأوّل تحصيل للحاصل، وأمّا الثاني، فهو باطل، لاستحالة خطاب الغافل، إذ كيف يصحّ الأمر بالغافل المطلق بأنّ الله قد أمره بالنظر والمعرفة، وأنّ امتثال أمره واجب إلاّ إذا خصّ الوجوب بالشاك.
هذا ما عليه الأشاعرة، وأمّا الماتريديّة فتقول بوجوبها عقلاً مثل المعتزلة. قال البياضي: «ويجب بمجرّد العقل في مدة الاستدلال، معرفة وجوده، ووحدته، وعلمه، وقدرته، وكلامه، وإرادته، وحدوث العالم، ودلالة المعجزة على صدق الرسول، ويجب تصديقه، ويحرم الكفر، والتكذيب به، لا من البعثة وبلوغ الدعوة»(1).
القول بوجوب هذه الأُمور من جانب العقل من قبل أن يجيء الشرع دفعاً لمحذور الدور يعرب عن كون الداعي، أعطى للعقل سلطاناً أكبر ممّا أعطاه الأشعري له.

1 . إشارات المرام: 53 فصل الخلافيات بين جمهور الماتريدية والأشعرية .

صفحه 40

 

3ـ الاعتراف بالتحسين والتقبيح العقليين:

إنّ لمسألة التحسين والتقبيح العقليين دوراً مؤثّراً في المسائل الكلامية، فالأشاعرة على إنكارهما زاعمين أنّ القول باستطاعة العقل على دركهما، يستلزم نفي حرّية المشيئة الإلهيّة والتزامها بقيد وشرط، وقد أوضحنا حال هذه النظرية عند عرض عقائد الأشاعرة(1). وأمّا المعتزلة فهم على جانب مخالف، وأمّا الماتريديّة فيعترفون بالتحسين والتقبيح ببعض مراتبهما.
قال البياضي: والحسن بمعنى استحقاق المدح والثّواب، والقبح بمعنى استحقاق الذمّ والعقاب على التكذيب عنده (أبي منصور الماتريدي) إجمالاً عقلي، أي يعلم به حكم الصانع في مدّة الاستدلال في هذه العشرة(2). كما في التوضيح وغيره، لا بإيجاب العقل للحسن والقبح، ولا مطلقاً كما زعمته المعتزلة، أمّا كيفيّة الثّواب وكونه بالجنّة، وكيفيّة العقاب وكونه بالنّار، فشرعي، واختار ذلك الإمام القفّال الشاشي، والصيرفي، وأبو بكر الفارسي، والقاضي أبو حامد، وكثير من متقدّميهم، كما في القواطع للإمام أبي المظفّر السمعاني الشافعي والكشف الكبير، وهو مختار الإمام القلانسي ومن تبعه كما في (التبصرة البغدادية). ولا يجوز نسخ مالا يقبل

1 . لاحظ الجزء الثاني من هذه الموسوعة: 360ـ383، نشر مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)ـ 1427 هـ .
2 . اشارة إلى ما ذكره من المسائل العشر خلال البحث في وجوب المعرفة عقلاً.

صفحه 41
حسنه أو قبحه السقوط كوجوب الإيمان، وحرمة الكفر واختاره المذكورون ـ إلى أن قال:ـ ويستحيل عقلاً اتّصافه تعالى بالجور وما لا ينبغي، فلا يجوز تعذيب المطيع، ولا العفو عن الكفر، عقلاً، لمنافاته للحكمة، فيجزم العقل بعدم جوازه، كما في التنزيهات(1).
وغير خفيّ على النابه أنّ الشيخ الماتريدي قد اعترف بما هو المهمّ في باب التحسين والتقبيح العقليين وإليك الاشارة إليه:
1ـ استقلال العقل بالمدح والذمّ في بعض الأفعال، وهذا هو محلّ النزاع في بابهما بأن يجد العقل من صميم ذاته أنّ هنا فعلين مختلفين يستحقّ فاعل أحدهما المدحَ، وفاعل الآخر الذمَّ، سواء أكان الفاعل بشراً، أم ملكاً، أم غيرهما، وتبتنى عليه أُصول كثيرة كلاميّة أوعزنا إليها عند عرض عقائد الأشعري و آرائه.
2ـ استقلال العقل بكونه سبحانه عادلاً، فلا يجوز عليه تعذيب المطيع، وأين هو ممّا يقول به الأشعري من أنّه يجوز لله سبحانه أن يؤلم الأطفال في الآخرة وهو عادل إن فعله(2).
3 ـ نعم أنكر الشيخ إيجاب العقل للحسن والقبح، ولكنّه لو كان واقفاً على مغزى إيجاب العقل لم يعترض عليه، إذ لا يوجد في أديم الأرض إنسان عاقل عارف بمقام الربّ والخلق، يجعل العقل موجِباً ومكلِّفاً ـ

1 . إشارات المرام: 54 فصل الخلافيات بين الماتريديّة والأشاعرة.
2 . اللمع: ص 116 .

صفحه 42
بالكسر ـ والله سبحانه موجَباً ومكلَّفاً ـ بالفتح ـ، لأنّ شأن العقل هو الإدراك، ومعنى إيجابه القيام بالحسن، والاجتناب عن ضدّه، هو استكشافه لزوم القيام بالأوّل وامتناع القيام بالثاني بالنظر إلى المبادئ الموجودة في الفاعل الحكيم، فالمتّصف بكلّ الكمال، والمبرّأ عن كلّ سوء، لايصدر منه إلاّ الحسن لوجود الصارف عن غيره، ويمتنع صدور غيره عنه، وليس هذا الامتناع امتناعاً ذاتيّاً بمعنى تحديد قدرته ومشيئته، بل قدرته ومشيئته مطلقتان بالذات غير محدودتين، فهو سبحانه قادر على كلا القسمين من الفعل ـ أعني : الحسن والقبح ـ لكن بالنظر إلى أنّه عالم واقف على قبح الأفعال، وغنيُّ عن فعل القبح، يترك القبيح ولا يفعله، والله الحكيم كتب على نفسه أن لا يخلّ بالحسن ولا يفعل القبيح، وليس دور العقل إلاّ دور الكشف والتبيين، والتعبير بالإيجاب بملاك الوقوف على المبادئ الكماليّة الموجودة في المبدأ كقولك: يجب أن تكون زوايا المثلّث متساوية مع زاويتين قائمتين، فإنّ الخصوصيّة التكوينيّة الكامنة فيه مبدأ ذلك الإيجاب، والعقل كاشفه، ومع ذلك ربّما يعبّر عن ذلك بالإيجاب.
4ـ اختار الماتريدي قصور العقل عن تعيين كيفيّة الثواب وكونه بالجنّة، وكيفيّة العقاب وكونه بالنار وهو الحقّ، فإنّ أقصى ما يستقلّ به العقل هو لزوم مثوبة المطيع ومجازاة العاصي، وأمّا الكيفيّة فلا يستقلّ العقل بشيء منها (على فرض كون الثواب بالاستحقاق). نعم ما ذكره من أنّه ليس لله العفو عن الكفر عقلاً، فالظّاهر أنّه تحديد رحمته وقد سبقت غضبه،

صفحه 43
والتعذيب حقُّ له، وله الإعمال وله العفو كعصيان المؤمن الفاسق. نعم أخبر المولى سبحانه بأنّه لا يغفر الشرك، ويغفر ما دون ذلك.

4ـ التكليف بما لا يطاق غير جائز:

ذهب الأشعري إلى جواز التكليف بما لايطاق وقال: «والدليل على جواز تكليف ما لا يطاق من القرآن قوله تعالى للملائكة: (أَنْبِؤُني بِأسْماءِ هؤلاءِ)(1) يعني أسماء الخلق، وهم لا يعلمون ذلك ولا يقدرون عليه.... إلى غير ذلك من الآيات الّتي عرفت مفادها في محلّها (2).
والماتريدي مخالف صنوه الداعي ويقول: «ولا يجوز التكليف بما لا يطاق لعدم القدرة أو الشرط، واختاره الأُستاذ أبو إسحاق الاسفرائيني كما في (التبصرة) وأبوحامد الاسفرائيني كما في شرح السبكي لعقيدة أبي منصور»(3).
هذا ما نقله البياضي عن الماتريديّة، وأمّا نفس أبي منصور فقد فصّل في كتابه «التوحيد» بين مضيِّع القدرة فيجوز تكليفه، وبين غيره فلا يجوز. قال: «إنّ تكليف من مُنع عن الطاقة فاسد في العقل، وأمّا من ضيّع القوّة فهو حقّ أن يكلّف مثله، ولو كان لا يكلّف مثله لكان لا يكلّف إلاّ من يطيع». (4)

1 . البقرة: 31.
2 . لاحظ الجزء الثاني من هذه الموسوعة: 239، نشر مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)ـ 1427 هـ .
3 . إشارات المرام: 54 في فصل الخلافيات بين جمهور الماتريدية والأشعرية.
4 . التوحيد: 266 .

صفحه 44

 

يلاحظ عليه:

1ـ أنّ من الأُصول المسلّمة عند العقل، كون الامتناع بالاختيار غير مناف للاختيار، فمن ألقى نفسه من شاهق عن اختيار فقد قتل نفسه اختياراً، فالقتل بعد الإلقاء وإن كان خارجاً عن الاختيار، ولكنّه لمّا كان الإلقاء ـ الّذي يُعدّ من مبادئ القتل ـ في اختياره، يعدّ القتل فعلاً اختياريّاً لا اضطراريّاً.
2ـ أنّ من فقد القدرة، وعجز عن القيام بالعمل، سواء أكان بعامل اختياريّ أم غيره، لا يصحّ تكليفه به عن جدّ، لأنّ فاقد القدرة والجماد في هذه الجهة سواسية، فلا تظهر الارادة الجدّية في صقع الذهن، ولو خوطب العاجز فإنّما يخاطب بملاكات أُخر من التقريع، والتنديد، وغيرهما.
الماتريدية وتحليل أفعاله سبحانه بالغايات   
وفي ضوء هذين الأمرين يستنتج أنّ من ضيّع قدرته يُعذَّب، لما تقرّر من أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، ولكن لا يصحّ تكليفه بعد الضياع، للغويّة الخطاب واستهجانه، وبذلك يظهر وهن برهان المفصّل من أنّه لو لم يصحّ تكليف المضيِّع للقدرة لاختصّ التكليف بالمطيع، لما عرفت من أنّ سقوط التكليف والخطاب بالتضييع، لايستلزم سقوط العقاب والمؤاخذة، وقد اشتهر بين القوم أنّ الامتناع بالاختيار، لاينافي الاختيار عقاباً لا خطاباً، ولو كان الماتريدي واقفاً على أنّ القائلين بامتناع التكليف بما لايطاق، قائلون بصحّة عقوبة من ضيّع القدرة، وجعل نفسه في عداد العجزة، لما فصّل بين من مُنع منه الطّاقة، ومن ضيّعها، ولما ضرب الجميع بسهم واحد.

صفحه 45

 

5ـ أفعال الله سبحانه معلّلة بالغايات:

ذهبت الأشاعرة إلى أنّ أفعاله سبحانه ليست معلّلة بالأغراض، وأنّه لا يجب عليه شيء، ولا يقبح عليه شيء، واستدلّوا على ذلك بما يلي:
الأوّل: لو كان فعله تعالى لغرض، لكان ناقصاً لذاته، مستكملاً بتحصيل ذلك الغرض، لأنّه لا يصلح غرضاً للفاعل إلاّ ما هو أصلح له من عدمه، وهو معنى الكمال.(1)
وقالت الماتريديّة: أفعاله تعالى معلّلة بالمصالح والحكم تفضّلاً على العباد، فلا يلزم الاستكمال ولا وجوب الأصلح واختاره صاحب المقاصد.(2)

 

هل الغاية، غاية للفاعل أو للفعل؟

إنّ الأشعري خلط بين الغرض الراجع إلى الفاعل، والغرض الراجع إلى فعله، فالاستكمال موجود في الأوّل دون الثاني، والقائل بكون أفعاله معلّلة بالأغراض، والغايات، والدواعي، والمصالح، إنّما يعني بها الثاني دون الأوّل، والغرض بالمعنى الأوّل ينافي كونه غنيّاً بالذات، وغنيّاً في الصِّفات،

1 . المواقف: 331 .
2 . إشارات المرام: 54 .

صفحه 46
وغنيّاً في الأفعال، والغرض بالمعنى الثاني يوجب خروج فعله عن كونه عبثاً ولغواً، وكونه سبحانه عابثاً ولاغياً، فالجمع بين كونه غنيّاً غير محتاج إلى شيء، وكونه حكيماً منزّهاً عن العبث واللّغو، يتحقّق بالقول باشتمال أفعاله على مصالح وحِكم ترجع إلى العباد والنظام، لا إلى وجوده وذاته، كما لا يخفى.
   

تفسير العلّة الغائية:

العلّة الغائيّة الّتي هي إحدى أجزاء العلّة التامّة، يراد منها في مصطلح الحكماء، ما تُخرج الفاعلَ من القوّة إلى الفعل،ومن الامكان إلى الوجوب، ويكون مقدّمة صورة وذهناً، ومؤخّرة وجوداً وتحقّقاً، فهي السبب لخروج الفاعل عن كونه فاعلاً بالقوّة إلى كونه فاعلاً بالفعل، مثلاً النجّار لا يقوم بصنع الكرسيّ إلاّ لغاية مطلوبة مترتّبة عليه، ولولا تصوّر تلك الغاية لما خرج عن كونه فاعلاً بالقوّة، إلى ساحة كونه فاعلاً بالفعل، وعلى هذا فللعلّة الغائيّة دور في تحقّق المعلول، وخروجه من الإمكان إلى الفعليّة، لأجل تحريك الفاعل نحو الفعل، وسوقه إلى العمل.
ولا نتصوّر العلّة الغائيّة بهذا المعنى في ساحته سبحانه لغناه المطلق في مقام الذات، والوصف، والفعل، فكما أنّه تامّ في مقام الوجود، تامّ في مقام الفعل، فلا يحتاج في الإيجاد إلى شيء وراء ذاته، وإلاّ فلو كانت فاعليّة الحقّ كفاعليّة الإنسان، الذي لايقوم بالإيجاد والخلق، إلاّ لأجل الغاية

صفحه 47
المترتّبة عليه، لكان ناقصاً في مقام الفاعليّة، مستكملاً بشيء وراء ذاته وهو لا يجتمع مع غناه المطلق.
هذا ما ذكره الحكماء، وهو حقّ لا غبار عليه، وقد استغلّته الأشاعرة في غير موضعه واتّخذوه حجّة لتوصيف فعله عارياً عن أيّة غاية وغرض، وجعلوا فعله كفعل العابثين واللاعبين، يفعل (العياذ بالله) بلا غاية، ويعمل بلا غرض، ولكنّ الاحتجاج بما ذكره الحكماء لإثبات ما رامته الأشاعرة واضح البطلان، لأنّ إنكار العلّة الغائيّة بهذا المعنى، لا يلازم أن لا يترتّب على فعله مصالح وحكم ينتفع بها العباد، وينتظم بها النظام، وإن لم تكن مؤثّرة في فاعليّة الحقّ وعليّته، وذلك لأنّه سبحانه فاعل حكيم، والفاعل الحكيم لا يختار من الأفعال الممكنة إلاّ ما يناسب ذلك، ولا يصدر منه ما يضادّه ويخالفه.
وبعبارة ثانية، لا نعني من ذلك أنّه قادر لواحد من الفعلين دون الآخر وأنّه في مقام الفاعليّة يستكمل بالغاية، فيقوم بهذا دون ذاك، بل هو سبحانه قادر على كلا الأمرين، لا يختار منهما إلاّ ما يوافق شأنه، ويناسب حكمته، وهذا كالقول بأنّه سبحانه يعدل ولا يجور، فليس يعنى من ذلك أنّه تامّ الفاعليّة بالنسبة إلى العدل دون الجور، بل يعنى أنّه تام القادريّة لكلا العملين، لكن عدله، وحكمته، ورأفته، ورحمته، تقتضي أن يختار هذا دون ذلك مع سعة قدرته لكليهما.
هذا هي حقيقة القول بأنّ أفعال الله لا تعلّل بالأغراض والغايات

صفحه 48
المصطلحة، مع كون أفعاله غير خالية عن المصالح والحكم من دون أن يكون هناك استكمال.

دليل ثان للأشاعرة:

ثمّ إنّ أئمّة الأشاعرة لمّا وقفوا على منطق العدليّة في المقام، وأنّ المصالح والحكم ليست غايات للفاعل بل غايات للفعل، وأنّها غير راجعة إلى الفاعل، بل إلى العباد والنظام، طرحوه على بساط البحث فأجابوا عنه وإليك نصّ كلامهم:
«فان قيل: لانسلّم الملازمة، فإنّما الغرض قد يكون عائداً إلى غيره.
قيل له: نفع غيره والإحسان إليه إن كان أولى بالنسبة إليه تعالى من عدمه، جاء الالزام، لأنّه تعالى يستفيد حينئذ بذلك النفع والإحسان ما هو أولى به وأصلح، وإن لم يكن أولى بل كان مساوياً، أو مرجوحاً، لم يصلح أن يكون غرضاً له»(1).
وقد جاء بنفس هذا البيان «الفضل بن روزبهان» في ردّه على «نهج الحقّ» للعلاّمة الحلّي وقال:
«إنّه لا يصلح غرضاً للفاعل إلاّ ما هو أصلح له من عدمه، وذلك لأنّ ما يستوي وجوده وعدمه بالنظر إلى الفاعل، أو كان وجوده مرجوحاً بالقياس

1 . المواقف: 332 .

صفحه 49
إليه، لا يكون باعثاً على الفعل، وسبباً لإقدامه عليه بالضرورة، فكلّ ما يكون غرضاً وجب أن يكون وجوده أصلح للفاعل، وأليق به من عدمه، فهو معنى الكمال، فإذن يكون الفاعل مستكملاً بوجوده، ناقصاً بدونه»(1).
يلاحظ عليه: أنّ المراد من الأصلح والأولى به، ما يناسب شؤونه، فالحكيم لايقوم إلاّ بما يناسب شأنه، كما أنّ كلّ فاعل غيره يقوم بما يناسب المبادئ الموجودة فيه، فتفسير الأصلح والأولى بما يفيده ويكمِّله، تفسير في غير موضعه.
ومعنى أنّه لا يختار إلاّ الأصلح والأولى، ليس أنّ هناك عاملاً خارجاً عن ذاته، يحدِّد قدرته ومشيئته ويفرض عليه إيجاد الأصلح والأولى، بل مقتضى كماله وحكمته، هو أن لا يخلق إلاّ الأصلح والأولى، ويترك اللّغو والعبث، فهو سبحانه لمّا كان جامعاً للصفات الكماليّة ومن أبرزها كونه حكيماً، صار مقتضى ذلك الوصف، إيجاد ما يناسبه وترك ما يضادّه، فأين هو من حديث الاستكمال، والاستفادة، والالزام، والافراض، كلّ ذلك يعرب عن أنّ المسائل الكلاميّة طرحت في جوّ غير هادئ وأنّ الخصم لم يقف على منطق الطرف الآخر.
والحاصل، أنّ ذاته سبحانه تامة الفاعليّة بالنسبة إلى كلا الفعلين: الفعل المقترن مع الحكمة، والخالي عنها، وذلك لعموم قدرته سبحانه للحسن والقبيح، ولكن كونه حكيماً يصدّه عن ايجاد الثاني ويخصّ فعله بالأوّل،

1 . دلائل الصدق: 1 / 233 .

صفحه 50
وهذا صادق في كلّ فعل له قسمان: حسن وقبيح. مثلاً، الله سبحانه قادر على إنعام المؤمن وتعذيبه، وتامّ الفاعليّة بالنّسبة إلى الكلّ، ولكن لا يصدر منه إلاّ القسم الحسن منهما لا القبيح، فكما لا يستلزم القول بصدور خصوص الحسن دون القبيح (على القول بهما) كونه ناقصاً في الفاعليّة، فهكذا القول بصدور الفعل المقترن بالمصلحة دون المجرّد عنها، وإنعام المؤمن ليس مرجوحاً ولا مساوياً مع تعذيبه بل أولى به وأصلح، لكن معنى صلاحه وأولويّته لا يهدف إلى استكماله أو استفادته منه، بل يهدف إلى أنّه المناسب لذاته الجامعة للصفات الكماليّة، المنزهة عن خلافها، فجماله وكماله، وترفّعه عن ارتكاب القبيح، يطلب الفعل المناسب له، وهو المقارن للحكمة، والتجنّب عن مخالفتها.
والحاصل أنّ الله سبحانه فعل أم لم يفعل فهو كامل بلانهاية، لكن لو فعل لاختار المناسب للحكمة و أين هو من الاستكمال؟!

دليل ثالث للأشاعرة:

وهناك دليل ثالث لهم حاصله: أنّ غرض الفعل خارج عنه، يحصل تبعاً له وبتوسّطه، وبما أنّه تعالى فاعل لجميع الأشياء ابتداءً، فلا يكون شيء من الكائنات إلاّ فعلاً له، لا غرضاً لفعل آخر لا يحصل إلاّ به، ليصلح غرضاً لذلك الفعل، وليس جعل البعض غرضاً أولى من البعض(1).

1 . المواقف: 322 .

صفحه 51
وكان عليه أن يقرّر الدليل بصورة كاملة ويقول: لو كان البعض غاية للبعض فإمّا أن ينتهي إلى فعل لا غاية له فقد ثبت المطلوب، أو لا فيتسلسل وهو محال.
يلاحظ عليه: ـ أنّه لا يشكّ من أطلّ بنظره إلى الكون، أنّ بعض الأشياء بما فيها من الآثار خلق لأشياء أُخر، فالغاية من إيجاد الموجودات الدانية كونها في خدمة العالية منها، وأمّا الغاية في خلق العالية هي إبلاغها إلى حدّ تكون مظاهر ومجالي لصفات ربِّه، وكمال بارئه.
إذا نظرنا إلى الكون بالنظر التجزيئي نرى هناك أوائل الأفعال، وثوانيها، وثوالثها و... فيقع الداني في خدمة العالي، ويكون الغرض من إيجاد العالي إيصاله إلى كماله الممكن الّذي هو أمر جميل بالذات، ولا يطلب إيجاد الجميل بالذات غاية سوى وجوده لأنّ الغاية منطوية في وجوده.
هذا إذا نظرنا إلى الكون بالنظر التجزيئي. وأمّا إذا نظرنا إلى الكون بالنظر الجملي، فالغاية للنظام الجملي ليس أمراً خارجاً عن وجود النظام حتّى يسأل عنها بالنحو الوارد في الدليل، بل هي عبارة عن الخصوصيّات الموجودة فيه وهي بلوغ النظام بأبعاضه وأجزائه إلى الكمال الممكن، والكمال الممكن المتوخّى من الإيجاد خصوصيّة موجودة في نفس النظام، ويعدّ صورة فعليّة له، فالله سبحانه خلق النظام، وأوجد فعله المطلق، حتّى يبلغ ما يصدق عليه فعله كلاًّ أو بعضاً إلى الكمال الّذي يمكن أن يصل إليه. فليست الغاية شيئاً مفصولاً عن النظام، حتّى يقال ما هي الغاية لهذه الغاية

صفحه 52
حتّى تتسلسل، أو تصل إلى موجود لا غاية له.
وبما أنّ إيصال كلّ ممكن إلى كماله، غاية ذاتيّة، لأنّه عمل جميل بالذات، فيسقط السؤال عن أنّه لماذا قام بهذا، لأنّه حين أوصل كلّ موجود إلى كماله الممكن، فالسؤال يسقط إذا انتهى إلى السؤال عن الأمر الجميل بالذات.
فلو سئلنا عن الغاية لأصل الإيجاد وإبداع النظام، لقلنا: بأنّ الغرض من الإيجاد عبارة عن إيصال كلّ ممكن إلى كماله الممكن. ثمّ إذا طرح السؤال عن الهدف من إيصال كلِّ ممكن إلى كماله الممكن، لكان السؤال جزافياً ساقطاً، لأنّ العمل الحسن بالذات، يليق أن يفعل، والغاية نفس وجوده.
فالإيجاد فيض من الواجب إلى الممكن، وإبلاغه إلى كماله فيض آخر، يتمّ به الفيض الأوّل، فالمجموع فيض من الفيّاض تعالى إلى الفقير المحتاج، ولا ينقص من خزائنه شيء، فأيّ كمال أحسن وأبدع من هذا؟ وأيُّ غاية أظهر من ذلك، حتّى تحتاج إلى غاية أُخرى؟ وهذا بمثابة أن يسأل لماذا يفعل الله الأفعال الحسنة بالذات؟ فإنّ الجواب، مستتر في نفس السؤال وهو أنّه فعله لأنّه حسن بالذات، وما هو حسن بالذات نفسه الغاية، ولا يحتاج إلى غاية أُخرى.
القرآن الكريم وأفعاله سبحانه الحكيمة   
ولأجل تقريب الأمر إلى الذهن نأتي بمثال: إذا سألنا الشابّ الساعي في التحصيل وقلنا له: لماذا تبذل الجهود في طريق تحصيلك؟ فيجيب: لنيل الشهادة العلمية. فإذا أعدنا السؤال عليه وقلنا: ما هي الغاية من تحصيلها؟

صفحه 53
يجيبنا: للاشتغال في إحدى المراكز الصناعية، أو العلميّة، أو الإداريّة. فإذا أعدنا السؤال عليه وقلنا: ماهي الغاية من الاشتغال فيها؟ يقول: لتأمين وسائل العيش مع الأهل والعيال. فلو سألناه بعدها عن الغاية من طلب الرفاه وتأمين سبل العيش، لوجدنا السؤال جزافياً. لأنّ ما تقدّم من الغايات وأجاب عنها، غايات عرضية لهذه الغاية المطلوبة بالذات، فإذا وصل الكلام إلى الأخيرة يسقط السؤال.

القرآن وأفعاله سبحانه الحكيمة:

والعجب من غفلة الأشاعرة عن النصوص الصريحة في هذا المجال. يقول سبحانه: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ)(1).
وقال عزّ من قائل: (وما خَلَقْنَا السَّمواتِ والأرضَ وما بَيْنَهُما لاعِبين)(2).
وقال سبحانه: (وَ مَا خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الأرضَ وَ مَا بَيْنَهُما بَاطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ) (3) .
وقال سبحانه: (وَ مَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَ الإِنسَ إلاّ لِيَعْبُدُون)(4). إلى غير

1 . المؤمنون: 115.
2 . الدخان: 38.
3 . ص: 27.
4 . الذاريات: 56.

صفحه 54
ذلك من الآيات الّتي تنفي العبث عن فعله، وتصرّح باقترانها بالحكمة والغرض.
وأهل الحديث وبعدهم الأشاعرة الّذين اشتهروا بالتعبّد بظواهر النصوص تعبّداً حرفيّاً غير مفوّضين معانيها إلى الله سبحانه ولا مؤوّليها، لا مناص لهم إلاّ تناسي الآيات الماضية، أو تأويلها، وهم يفرّون منه، وينسبونه إلى مخالفيهم.
   

عطف مذهب الحكماء على مذهب الأشاعرة:

ومن الخطأ الواضح، عطف مذهب الحكماء على مذهب الأشاعرة، وتصوير أنّ الطائفتين يقولون بأنّ أفعال الله سبحانه غير معلّلة بالأغراض، وهو خطأ محض. كيف وهذا صدر المتألهين يخطِّئ الأشاعرة ويقول: «إنّ من المعطِّلة قوماً جعلوا فعل الله تعالى خالياً عن الحكمة والمصلحة، مع أنّك قد علمت أنّ للطبيعة غايات».(1)
وقال أيضاً: «إنّ الحكماء ما نفوا الغاية والغرض عن شيء من أفعاله مطلقاً، بل إنّما نفوا عن فعله المطلق (إذا لوحظ الوجود الإمكاني جملة واحدة) وفي فعله الأوّل غرضاً زائداً على ذاته تعالى، وأمّا ثواني الأفعال والأفعال المخصوصة، والمقيّدة، فأثبتوا لكلّ منها غاية مخصوصة. كيف وكتبهم مشحونة بالبحث عن غايات الموجودات ومنافعها كما يعلم من

1 . الأسفار: 2 / 59 .

صفحه 55
مباحث الفلكيّات، ومباحث الأمزجة، والمركّبات، وعلم التشريح، وعلم الأدوية، وغيرها».(1)
وعلى ذلك فنظريّة الحكماء تتلخّص في أمرين:
1ـ إنّ أفعاله سبحانه غير متّصفة بالعبث واللّغو، وإنّ هنا مصالح وحِكَماً تترتّب على فعله، يستفيد بها العباد، ويقوم بها النظام.
2ـ إذا لوحظ الوجود الإمكاني على وجه الإطلاق، فليس لفعله غرض خارج عن ذاته، لأنّ المفروض ملاحظة الوجود الإمكاني جملة واحدة، والغرض الخارج عن الذات لو كان أمراً موجوداً فهو داخل في الوجود الإمكاني، وليس شيء وراءه، وعند ذاك فليس الغرض شيئاً خارجاً عن الذات وإنّما الغرض نفس ذاته، لئلاّ يكون ناقص الفاعليّة، لأنّ الحاجة إلى شيء خارج عن ذاته في القيام بالفعل، آية كونه ناقصاً في الفاعليّة، والمفروض أنّه سبحانه تامّ في فاعليّته، غنيّ في ذاته وفعله عن كل شيء سوى ذاته.
ثمّ إنّ لهم بياناً فلسفيّاً ممزوجاً بالدليل العرفاني، يهدف إلى كون الغرض من الخلق هو ذاته سبحانه، وبه فسّروا قوله سبحانه: (وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَ الإنْسَ إلاّ لِيَعْبُدُونِ) وقوله في الحديث القدسي: «كنت كنزاً مخفياً فأحببتُ أن أُعرفَ، فخلقت الخلقَ لكي أُعرف» والله سبحانه هو غاية الغايات، ومن أراد الوقوف على برهانهم فليرجع إلى أسفارهم.(2)

1 . الأسفار: 7 / 84 .   2 . الأسفار: 2 / 263 .

صفحه 56

 

6 ـ الماتريدية والصفات الخبرية:
إنّ تفسير الصفات الخبرية أوجد اختلافاً عميقاً بين المتكلّمين وجعلهم فرقاً متضادّة، وبما أنّ أهل الحديث والأشاعرة من المثبتين لها، اشتهروا بالصفاتيّة في مقابل المعتزلة الّذين يؤوِّلونها ولا يثبتونها بما يتبادر منها من ظواهرها، ولأجل أن نقف على نظريّة الماتريديّة في هذا المقام، ننقل كلام الامامين الأشعري والماتريدي ليعلم مدى الاختلاف بين المدرستين، وإليك كلام الأشعري أوّلاً، ثمّ كلام الماتريدي ثانياً:

أ ـ كلام الإمام الأشعري:

إن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟ قيل له: نقول إنّ الله عزّ وجلّ يستوي على عرشه كما قال، يليق به من غير طول الاستقرار كما قال:
(الرَّحمنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى)(1) ، وقد قال الله عزّ وجلّ: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ
الكَلِمُ الطَّيِّبُ)(2)، وقال (بَلْ رَفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ) (3)، وقال عزّ وجلّ: (يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيهِ)(4). وقال حكايةً عن فرعون:

1 . طه: 5.
2 . فاطر: 10.
3 . النساء: 158.
4 . السجدة: 5.

صفحه 57
(يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمواتِ فَأَطَّلِعُ
إِلَى إِلهِ مُوسى وَ إِنِّي لأظُنُّهُ كَاذِباً
)(1)، فكذّب فرعون نبيّ الله موسى (عليه السلام) في قوله «إنّ الله عَزّ وجلّ فوق السماوات والأرض» .
وقال عزّ وجلّ: (ءَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يخسِفَ بِكُمُ الأَرضَ)(2)فالسماوات فوقها العرش، فلمّا كان العرش فوق السماوات قال: (ءأمنتم من في السماء) لأنّه مستو على العرش الّذي فوق السماوات، وكلّ ما علا فهو سماء، فالعرش أعلى السماوات. وليس إذا قال: (ءأمنتم من في السماء)يعني جميع السماوات، وإنّما أراد العرش الّذي هو أعلى السماوات. ألاترى أنّ الله عزّ وجلّ ذكر السماوات فقال: (وجعل القمر فيهنّ نوراً)(3) ولم يرد أنّ القمر يملأهنّ جميعاً، وأنّه فيهنّ جميعاً، ورأينا المسلمين جميعاً يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء لأنّ الله مستو على العرش الّذي هو فوق السماوات. فلولا أنّ الله عزّ وجلّ على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش كما لا يحطّونها إذا دعوا إلى الأرض.(4)
ومن تأمّل في ظواهر كلماته ودلائله لا يشكّ في أنّ الشيخ يعتقد بكونه سبحانه على العرش فوق السّماوات، وأيّ كلام أصرح من قوله «فلولا أنّ الله عزّ وجلّ على العرش» فلو صحّت نسبة النسخة من (الابانة) إلى

1 . غافر: 36 ـ 37.
2 . الملك: 16.
3 . نوح: 16.
4 . الإبانة: 85 ـ 86.

صفحه 58
الشيخ، وكانت مصونة عن دسّ الحشويّة والحنابلة(1)، فهو من المشبّهة قطعاً، غير أنّه لدفع عار التشبيه والتجسيم عن نفسه، يتدرّع بلفظة «بلا كيف» أو «على نحو يليق به» أو «من غير طول الاستقرار» وقد أوضحنا حال هذه الألفاظ في الجزء الثاني.
والعجب أنّ الشيخ يفسّر الرفع الوارد في الآيات تصريحاً، أو تلويحاً، بالرفع الحسّي. مع أنّ في نفس الآيات ـ عند التدبّر ـ قرائن تدلّ على كون الرفع، هو الرفع المعنوي لا الحسّي والصعود المادّي.
وأعجب منه أنّه نسب إلى الكليم (عليه السلام) أنّه قال لفرعون: إنّ الله سبحانه فوق السماوات، فصار فرعون بصدد تكذيبه إذ قال لهامان: «ابن لي صرحاً لعلّي أطّلع إلى إله موسى» مع أنّه أشبه بالرجم بالغيب، إذ من الممكن أن يكون المصدر لاعتقاده بكون إله موسى في السماء، هو اجتهاده الشخصي الخاطئ، بأنّه إذا لم يكن إله موسى في الأرض كسائر الآلهة، فلا محالة هو

1 . إنّ الشيخ محمد زاهد الكوثري الماتريدي لا يرى للكتب المطبوعة باسم الأشعري أصالة لأنّها بحرفيتها نفس عقائد الحشوية مع أنّ المعروف أنّهم أعداء له.
      يقول: وطبع كتاب (الابانة) لم يكن من أصل وثيق، وفي (المقالات) المنشور باسمه وقفة، لأنّ جميع النسخ الموجودة اليوم من أصل وحيد كان في حيازة أحد كبار الحشوية ممن لا يؤتمن لا على الاسم، ولا على المسمّى، بل لو صحّ الكتابان عنه على وضعهما الحاضر، لما بقي وجه لمناصبة الحشوية العداء له على الوجه المعروف، على أنّه لا تخلو آراؤه من بعض ابتعاد عن النقل مرّة، وعن العقل مرة أُخرى، في حسبان بعض النظار كقوله في التحسين والتعليل، وفيما يفيده الدليل النقلي (مقدمة اشارات المرام: ص 7). أقول: إنّ الاعتزال عن العقل، وإعلان الالتحاق بأهل الحديث الّذين أعدموا العقل، والالتجاء إلى كل ماسمي حديثاً لا ينتج إلاّ ما جاء في الكتابين، فلا وجه للتشكيك في مضامينهما.

صفحه 59
في السماء، ولأجل ذلك طلب من هامان بناء الصرح.
ثمّ إنّ نقد كلام الشيخ وتفسير الآيات الّتي استدلّ بها على كونه سبحانه في العرش، يحتاج إلى بسط في الكلام، وسوف نقوم بها عند عرض عقائد المعتزلة إن شاء الله.
إنّ الصفات المتشابهة الواردة في الكتاب والسنّة، لا تتجاوز عن سبع عشرة، منها اليمين، والساق، والأعين، والجنب، والاستواء، والغضب، والرضى، والنور، على ما ورد في الآيات، والكفّ والاصبعان، والقدم، والنزول، والضحك، وصورة الرحمان، على ما ورد في الأحاديث الّتي لم تثبت صحّة أسنادها، وقد أرسلتها الحشويّة والحنابلة إرسال المسلّمات، وعلى أيّ حال فنظريّة الأشاعرة في هذه الصفات هي الإثبات متدرعّة بلفظة «بلا كيف»، أو «بلا تشبيه» أو ما يقرب ذلك.

ب ـ كلام الماتريدي :

ما ذكره أبو منصور في (توحيده) يعرب بوضوح عن كون منهجه هو التنزيه ظاهراً وباطناً، فهو بعدما نقل الآراء المختلفة صار بصدد تفسير الآية (الرَّحمنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى)فقال: إنّ الله سبحانه كان ولا مكان، وجائز ارتفاع الأمكنة، وبقاؤه على ما كان، فهو على ما كان، وكان على ما عليه الآن. جلّ عن التغيّر والزوال، والاستحالة والبطلان، إذ ذلك أمارات الحدث الّتي بها عرف حدث العالم.

صفحه 60
ثمّ ردّ على القائلين بكونه سبحانه على العرش، بأنّه ليس في الارتفاع إلى ما يعلو من مكان للجلوس أو القيام شرف ولا علوّ، ولا وصف بالعظمة والكبرياء كمن يعلو السطوح والجبال أنّه لا يستحق الرفعة على من دونه عند استواء الجوهر، فلا يجوز صرف تأويل الآية إليه مع ما فيها ذكر العظمة والجلال، إذ ذكر في قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمواتِ وَالأرْضَ)(1)، فدلّك على تعظيم العرش(2).
ولأجل اختلاف المفسّرين في مفاد الآية، التجأ هو إلى «تفويض معناها إلى الله»، وقال: «وأمّا الأصل عندنا في ذلك أنّ الله تعالى قال: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء)فنفى عن نفسه، شبه خلقه، وقد بيّنا أنّه في فعله وصفته متعال عن الأشباه، فيجب القول بأنّ الرحمن على العرش استوى على ما جاء به التنزيل، وثبت ذلك في العقل. ثمّ لا نقطع تأويله على شيء لاحتمال غيره ممّا ذكرنا»(2).
فالماتريدي ينفي بتاتاً كونه سبحانه على العرش، حتّى على النحو اللائق به الّذي ملأ كتب الأشاعرة وينزّهه عن تلك الوصمة، ولكن لمّا كانت المعاني الأُخرى متساوية عنده، لم يجزم بشيء منه، وفوّض المراد إليه سبحانه، ولأجل ذلك لخّص البياضي نظريّة الامام الماتريدي وقال: «ولا يؤوّل المتشابهات ويفوِّض علمها إلى الله مع التنزيه عن إرادة ظواهرها»(4).

1 . الأعراف : 54.   2 . التوحيد: 69 و 70 .
2 . التوحيد: 69 و 74 .   4 . إشارات المرام: 54 .

صفحه 61
ومراده من «المتشابهات» هوالصفات الخبريّة الواردة في الكتاب والسنّة.
وأمّا البزدوي ـ أحد أئمّة الماتريدية في القرن الخامس ـ فيظهر منه الجنوح إلى إمكان الوقوف على مقاصد الكتاب في هذه الصفات. قال في مسألة «أنّ الله لا يشبه شيئاً ولا يشبهه شيء»: فإن قالوا قد وجد دلائل الأجسام فإنّه يوصف بالإتيان قال الله تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَل مِنَ الغَمَامِ) (1)، وقال (وَ جَاءَ رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفّاً صَفّاً)(2).
ويوصف بالاستواء على العرش قال الله تعالى ( ثُمَّ اسْتَوى عَلَى العَرْشِ)(2). والاتيان والاستواء على المكان من صفات الجسم. وكذلك يوصف بأنّ له أيدياً وأعيناً، قال الله تعالى (ممّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعَاما)(4)
(وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا)(3) وهذا من أمارات الأجسام.
ثمّ أجاب عن كلّ واحد بأنّا نصفه بذلك كما وصف الله تعالى به نفسه وهو الصحيح من مذهب السنّة، فلا بدّ من الوصف بما وصف الله نفسه به، ولكن هذه الصِّفات ليست من صفات الأجسام، فإنّ الاتيان يذكر ويراد منه الظُّهور. قال الله تعالى: (فَأَتَى اللّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ القَواعِدِ) (4)، وقال (فَأتاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَم يَحتَسِبُوا) (5) معناه ـ والله أعلم ـ ظهرت آثار سخطه في

1 . البقرة: 210.   2 . الفجر : 22.
2 . يونس: 3.   4 . يس: 71.
3 . الطور: 48.
4 . النحل: 26.
5 . الحشر: 2.

صفحه 62
بنيانهم، وظهرت آثار قدرته وقهره فيهم ـ إلى أن قال:ـ وكذا الاستواء ليس من صفات الأجسام فإنّ الاستواء هو الاستيلاء على الشيء والقهر عليه. قال الله تعالى: ( ولمّا بَلَغَ أشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وعِلْماً)(1) معناه ـ والله أعلم ـ تقوّى حاله بتمام البِنية. واستوى أمر فلان: إذا تناهى، ومنه المستوي على الكرسي وهو القاعد عليه، عبارة عن الاستيلاء. فإنّه (لا) يقال: استوى على الكرسي ما لم يجلس مستقرّاً عليه، فالمستقرّ على العرش مستو، فكان معنى قوله: (ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرشِ الرَّحمن)(2) ـ والله أعلم ـ أي استوى عليه بعد خلقه، والله تعالى مستول على جميع العالم، إلاّ أنّه خصّ العرش بالذكر لأنّه أعظم الأشياء وأشرفها، ثمّ ذكر تفسير سائر الصفات الخبرية من اليد والعين(3).
وكلّ من كلامي الأُستاذ والتلميذ يعربان بوضوح عن اختلاف منهجهما مع منهج الامام الأشعري، فهو يثبت جميع هذه الصِّفات الخبريّة الظاهرة من كونه سبحانه جسماً وذا أعضاء، ولا يتحرّج من الإثبات، غاية الأمر يتدرّع بما عرفت، وهذا بخلاف الداعي الآخر وتلاميذ منهجه، فإنّهم لا يخرجون من خطّ التنزيه، لكن بين مفوِّض غير قاطع بمراد الآية، أو مفسِّر لها مثل تفسير العدليّة الّذين سمّتهم الأشاعرة بالمؤوِّلة.
ثمّ إنّ الشيخ البزدوي أفاض الكلام في نقد ما استدلّ به الأشعري من

1 . القصص : 14.
2 . الفرقان: 59.
3 . أُصول الدين: 25 ـ 28 .

صفحه 63
كونه سبحانه على العرش من الآيات والرِّوايات في كتابه، ومن أراد الوقوف فليرجع إلى المسألة (14) من كتابه(1).
وفي خاتمة المطاف نلفت نظر القارئ إلى ما ذكره الكاتب المصري (أحمد أمين) حول عقيدة الأشاعرة في الصِّفات الخبرية، قال: «وأمّا الأشاعرة فقالوا إنّها مجازات عن معان ظاهرة، فاليد مجاز عن القدرة، والوجه عن الوجود، والعين عن البصر، والاستواء عن الاستيلاء، واليدان عن كمال القدرة، والنزول عن البرد والعطاء، والضحك عن عفوه».(2)
وما ذكره هو نفس عقيدة المعتزلة لا الأشاعرة ولا الماتريديّة. فالمعتزلة هم المؤوّلة، يؤوّلون الصِّفات بما ذكره، والأشاعرة من المثبتة لكن بقيد «بلا كيف» والماتريديّة هم المفوِّضة، يفوِّضون معانيها إلى قائلها.
وكم لهذا الكاتب المصري من هفوات في بيان الطوائف الإسلاميّة. فقد كتب عقيدة الشيعة في كتابيه: «فجر الإسلام» و «ضحى الإسلام» وبين التقريرين في الكتابين بون بعيد. والله الحاكم. والعجب أنّه لم يعتمد على مصدر شيعيّ فيهما، وأعجب منه أنّه لم يشر إلى واحد من النقود التي وجّهها علماء الشيعة إلى كتابه «فجر الإسلام»، مع أنّ بعضها طبع في نفس القاهرة عاصمة مصر كـ «أصل الشيعة وأُصولها». حيّا الله الحريّة في القضاء، والأمانة في النّقل!!

1 . أُصول الدين: 28 ـ 31 .
2 . ظهر الإسلام: 4 / 94 .

صفحه 64

 

7ـ الاستطاعة قبل الفعل أو بعده:

اتّفق الإلهيّون على أنّ استطاعة الواجب سبحانه متقدّمة على الفعل، فهو سبحانه يوصف بالقدرة قبل إيجاد الأشياء، كما يوصف بها معه وبعده.
إنّما الكلام في استطاعة الإنسان على الفعل، فذهب الأشعريّ إلى كونها مقارنة للفعل ببيان عقليّ ذكره في اللّمع(1).
والماتريدي يفصِّل في المسألة بين العلّة النّاقصة الّتي يعبّر عنها باستطاعة الأسباب والآلات، وبين العلّة التامّة الّتي يعبّر عنها باستطاعة الفعل، وإليك نصّ عبارته في «التوحيد»:
الماتريدية والقدرة   
«الأصل عندنا في المسمّى باسم القدرة أنّها على قسمين: أحدهما: «سلامة الأسباب وصحّة الآلات» وهي تتقدّم الأفعال، وحقيقتها ليست بمجعولة للأفعال، وإن كانت الأفعال لا تقوم إلاّ بها، لكنّها نعم من الله أكرم بها من شاء، والثاني: معنى لا يقدر على تبيّن حدِّه بشيء يصار إليه، سوى أنّه ليس إلاّ للفعل لا يجوز وجوده بحال إلاّ ويقع به الفعل عندما يقع معه».
ثمّ حاول تفسير كثير من الآيات الّتي استدلّوا بها على تقدّم الاستطاعة على الفعل، بأنّ الاستطاعة الواردة فيها، هي استطاعة الأسباب والأحوال لا استطاعة الفعل(2).

1 . اللمع: 93 ـ 94 .
2 . التوحيد: 256 ـ 257 .

صفحه 65

 

8ـ القدرة صالحة للضدّين:

القدرة في مقابل «الإيجاب». فالثاني لا يصلح إلاّ للتعلّق بشيء واحد، كالنار بالنسبة إلى الإحراق، وهذا بخلاف قدرة الإنسان فإنّها يصحّ أن تتعلّق بالجلوس تارة، والقيام أُخرى.
وما ذكره من التفصيل في تقدّم الاستطاعة على الفعل، أو كونها معه، يأتي في المقام أيضاً. فالقدرة الناقصة الّتي يعبّر عنها بقابليّة الفاعل واستعداده، والّتي يعبِّر عنها الماتريدي بصحّة الأسباب والآلات، صالحة للضدّين.
وأمّا إذا وصل إلى حدّ وجب معه الفعل، فحينئذ تكون القدرة أحديّة التعلّق، لاتصلح إلاّ بشيء واحد. وقد نقل شارح (المواقف) كلاماً عن الرازي يعرب عن كون النزاع بين الطرفين لفظيّاً .(1)
وهو خيرة الماتريدي أيضاً حيث قال : «ثمّ اختلف أهل هذا القول في قوّة الطاعة، أهي تصلح للمعصية أم لا؟ قال جماعة: هي تصلح للأمرين جميعاً وهو قول أبي حنيفة وجماعته، وهذا القول أثبته جميع أهل الاعتزال». واستدلّ على ذلك بقوله «وأصل هذا أنّه لما كان سبب من أسباب القول يصلح للشيء وضدّه، فكذلك القدرة، مع ما في نفي (كذا) أن يصلح للأمرين، ] من [ فوت القدرة على فعل ضدّ الّذي جاء به، وقد يؤمر به

1 . شرح المواقف: 8 / 154 .

صفحه 66
وينهى عنه في وقته، فيلزم القول بالقدرة على الشيء وضدِّه ليكون الأمر والنهي على الوسع والقوّة».(1)
وقال البياضي: «والاستطاعة صالحة للضدّين على البدل، واختاره الإمام القلانسي، وابن شريح البغدادي كما في «التبصرة» لعبد القاهر البغدادي، وكثير منهم كما في شرح المواقف».(2)
   

الماتريدي وأفعال العباد:

اتّفق المسلمون على أنّه لا خالق إلاّ الله واختلفوا في تفسيره في أفعال العباد و آثار الموجودات فذهب أهل السنّة إلى أنّه لا صلة بين الطبائع وآثارها. والطبائع وآثارها من صنع الخالق مباشرة من دون دخالة للطّبيعة ولو بنحو الشرط، والمعدّ في سطوعها على الطبيعة، وقد اشتهر بين الأزهريّين قول القائل:
ومن يقل بالطّبع أو بالعلّة *** فذاك كفر عند أهل الملّة
هذا كلّه في غير أفعال العباد، وأمّا فيها فذهبت الجهميّة أتباع جهم بن صفوان إلى أنّ العبد لا يقدر على إحداث شيء، ولا على كسب شيء، وهذه النظرية هي نظرية الجبريّة الخالصة، ولازم ذلك لغويّة بعث الرسل، وإنزال الكتب، وإغلاق باب المناهج التربويّة في العالم.

1 . التوحيد: 263 .
2 . إشارات المرام: 55 .

صفحه 67
وأهل الدقّة من أهل السنّة حاولوا الجمع بين حصر الخلق في الله سبحانه، وصحّة تكليف العباد، فقالوا: إنّ الله هو الخالق، والعبد هو الكاسب. والتكليف، والأمر، والنهي، والثواب، والعقاب، بالملاك الثاني دون الأوّل، وقد أخذوا مصطلح الكسب من الذكر الحكيم. قال سبحانه (لهَا ما كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا ما اكْتسبَتْ)(1) لكنّهم اختلفوا في تفسير حقيقة الكسب إلى حدّ صارت النظرية إحدى الألغاز إلاّ ما نقل عن الماتريدي وإمام الحرمين من الأشاعرة، فقد استطاعوا توضيحها إلى حدّ معقول ومقبول.
ولا يعلم مدى الاختلاف بين المدرستين في تفسير الكسب إلاّ بنقل نصوصهما في هذا المجال.

معنى الكسب عند الأشعري:

قال الفاضل القوشجي وهو من أئمّة الأشاعرة: «المراد بكسبه إيّاه، مقارنته لقدرته وإرادته، من غير أن يكون هناك منه تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلا له»(2). وحاصله أنّه ليس للعبد دور في خلق الفعل وإيجاده، غير كونه ظرفاً ومحلا لخلق الله وإيجاده، غاية الأمر إنّ شرط إيجاده سبحانه هو قصد العبد وعزمه، فإذا قصد وعزم وحدثت فيه القدرة غير المؤثِّرة، خلق الله الفعل وأوجده، من دون أن يكون لقدرة العبد دور

1 . البقرة: 286.
2 . شرح التجريد للقوشجي: 444 ـ 445 .

صفحه 68
وتأثير، وهذه النظرية قد شغلت بال أئمّة الأشاعرة طوال قرون، وقد بذلوا الجهود لتبيينها فما أتوا بشيء يسكن إليه القلب.
إذ لقائل أن يسأل ويقول:
1ـ إذا كان الخالق للفعل هو الله سبحانه مباشرة، ولم يكن لقدرة العبد دور فيه، فلماذا صار الإنسان هو المسؤول عن فعله دون الله سبحانه، مع أنّ الفعل فعله، لا فعل الإنسان.
2ـ إذا كانت القدرة الحادثة في العبد، غير مؤثِّرة في الإيجاد والتكوين، فما هو الغاية في إحداثها في العبد، وإقداره على العمل، أليس هذا عملاً لغواً غير مناسب لساحة الفاعل الحكيم؟
3ـ إذا كان قصد العبد وعزمه شرطاً لإيجاده سبحانه الفعل بعده، فيسأل عن نفس ذاك القصد فمن خالقه؟ فهل هو مخلوق للقاصد، أو لله سبحانه؟ فعلى الأوّل تنتقض القاعدة « لا خالق إلاّ الله» ويثبت في صحيفة الكون، فعل مخلوق للعبد دونه سبحانه، وعلى الثاني تتّحد النظرية مع نظريّة الجهميّة الّتي عرّفوها بالجبريّة الخالصة، فإذا كان وجود العبد وقصده وقدرته غير المؤثرة فعلاً مخلوقاً لله سبحانه فبأيّ ذنب يدخل العاصي النّار؟ وبأيّ عمل حسن، يثاب المطيع ويدخل الجنّة؟
والحاصل، إنّ تفسير الكسب بإيجاده سبحانه فعل العبد عند عزمه وقصده، يدور أمره بين نقض القاعدة، أو ثبوت الجبر الخالص.
ولو تدبّر القوم في آيات الذّكر الحكيم خصوصاً في الآيات الناصّة

صفحه 69
على أنّه لا خالق إلاّ الله، لوقفوا على المعنى الصحيح من الآيات والمراد منها، وذلك لأنّ المراد من حصر الخالقيّة هو حصرها بالمعنى المناسب لشأنه سبحانه، وليس اللائق بشأنه إلاّ القيام بالايجاد مستقلاً من دون استعانة من أحد، وعليه فلا مانع من حصر الخالقيّة في الله سبحانه، وفي الوقت نفسه أن يكون العبد موجداً لفعله، بقدرة مكتسبة من الله وإذن منه سبحانه، وحصر الخالقيّة المستقلّة، غير المعتمدة على غيره، في الله سبحانه، لا ينافي نسبة الخالقيّة إلى بعض الممكنات، لكن خالقيّة مستندة إلى القدرة المكتسبة والمعتمدة إليه، وبالوقوف على اختلاف الخالقيّة المنسوبة إلى الله، مع الخالقيّة المنسوبة إلى عبده، يتحرّر المفسِّر من مشكلة الجبر وعقدته، وقد أوضحنا الحال في الجزء الثاني عند عرض عقائد الأشعري(1).

نظريّة أبي حنيفة (شيخ الماتريدي) في الكسب:

إذا كان هذا معنى الكسب لدى الشّيخ الأشعري فما معناه لدى الماتريدي؟!
أقول: يعلم مذهبه في هذا المجال مما روى عن شيخه أبي حنيفة، كيف وهو مؤسِّس منهجه واُستاذ مدرسته. قال في الفقه الأكبر: «لم يجبر أحداً من خلقه على الكفر ولا على الايمان، ولا خلقه مؤمناً ولا كافراً ولكن

1 . الجزء الثاني من هذه الموسوعة: 160 ـ 205، نشر مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)ـ 1427 هـ .

صفحه 70
خلقهم أشخاصاً، والايمان والكفر فعل العباد، وجميع أفعال العباد من الحركة والسكون، كسبهم على الحقيقة، والله خالقها»(1).
وقال في الفقه الأبسط (على ما في بعض نسخه): «والعبد معاقب في صرف الاستطاعة الّتي أحدثها الله فيه، وأمر بأن يستعملها في الطاعة دون المعصية في المعصية»(2).
ولو صحّت هذه الكلمات من شيخ الماتريدي، فالكسب عنده هو صرف العبد القدرة في طريق الطاعة والمعصية عن اختيار، وهو نفس قول العدليّة جمعاء، وأين هو من الكسب عند الأشاعرة المفسّر بإيجاد الفعل من الله سبحانه مباشرة، من دون أن يكون للعبد وقدرته الحادثة فيه دور في تحقّق الفعل غير كونه ظرفاً ومحلاًّ، وكون ظهور القصد في ضميره شرطاً لإيجاده سبحانه.

كلام الماتريدي في أفعال العباد:

هذا كلام أبي حنيفة شيخ الماتريدي، وإليك كلام الماتريدي نفسه في هذا المجال. قال: اختلف منتحلو الاسلام في أفعال العباد، فمنهم من جعلها لهم مجازاً وحقيقتها لله لوجوه:
1 ـ وجوب إضافتها إلى الله، على ما أُضيف إليه خلق كل شيء في الجملة، فلم يجز أن تكون الإضافة إلى الله مجازاً.

1 . إشارات المرام: 254 .   2 . المصدر نفسه: 259 .

صفحه 71
2 ـ إنّ بتحقيق الفعل لغيره تشابهاً في الفعل، وقد نفى الله ذلك بقوله: (أَمْ جَعَلُوا للّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِم) (1).
قال الشيخ (الماتريدي ): وعندنا لازم تحقيق الفعل لهم (العباد) بالسمع والعقل والضرورة الّتي يصير دافع ذلك مكابراً. فأمّا السمع فله وجهان: الأمر به والنهي عنه، والثاني الوعيد فيه والوعد له. على تسمية ذلك في كلّ هذا فعلاً، من نحو قوله: (وَاعْمَلُوا ما شِئْتُم)(2) وقوله: (افعَلُوا
الخَيرَ
) (2) وفي الجزاء (يُرِيهِمُ اللهُ أعْمالَهمْ حَسَرات عَلَيهِمْ)(4) وقوله:
(جزاءً بما كانوا يَعمَلون) (3) وقوله: (فَمَن يَعمَلْ مِثقالَ ذَرّة)(6) وغير ذلك
مما أثبت لهم أسماء العمّال، ولفعلهم أسماء الفعل بالأمر والنهي والوعد والوعيد، وليس في الإضافة إلى الله سبحانه نفي ذلك، بل هي لله، بأن خلقها على ما هي عليه، وأوجدها بعد أن لم تكن، وللخلق على ما كسبوها وفعلوها. على أنّ الله تعالى إذا أمر ونهى، ومحال الأمر بما لا فعل للمأمور أو المنهي. قال الله تعالى: (إنّ اللّهَ يأْمُرُ بِالعَدلِ والإحْسان)(4) ولو جاز الأمر بذلك بلا معنى الفعل في الحقيقة، لجاز اليوم الأمر بشيء يكون لأمس، أو للعام الأول أو بإنشاء الخلائق، وإن كان لا معنى لذلك في أمر الخلق. ثمّ في العقل قبيح إن انضاف إلى الله الطاعة والمعصية، وارتكاب الفواحش

1 . الرعد: 16.   2 . فصّلت: 40.
2 . الحج: 77.   4 . البقرة: 167.
3 . الواقعة: 24.   6 . الزلزلة: 7.
4 . النحل: 90 .

صفحه 72
والمناكير وأنّه المأمور، والمنهى، والمثاب، والمعاقب، فبطل أن يكون الفعل من هذه الوجوه له، ولا قوّة إلا بالله.
وأيضاً إنّ الله تعالى إنّما وعد الثّواب لمن أطاعه في الدُّنيا، والعقاب لمن عصاه، فإذا كان الأمران فعله فإذاً هو المُجزَى بما ذكر، وإذا كان الثّواب والعقاب حقيقة، فالائتمار والانتهاء كذلك، ولا قوّة إلاّ بالله.
وكذلك في أنّه محال أن يأمر أحد نفسه، أو يطيعها، أو يعصيها، ومحال تسمية الله عبداً، ذليلاً، مطيعاً، عاصياً، سفيهاً، جائراً، وقد سمّى اللهُ تعالى بهذا كلِّه أُولئك الّذين أمرهم ونهاهم، فإذا صارت هذه الأسماء في التحقيق له، فيكون هو الربّ، وهو العبد، وهو الخالق والمخلوق، ولا غير ثمّة، وذلك مدفوع في السمع والعقل، ولا قوّة إلاّ بالله.
وأيضاً إنّ كلّ أحد يعلم من نفسه أنّه مختار لما يفعله، وأنّه فاعل كاسب ـ إلى آخر ما أفاده..(1).
هذا كلام الماتريدي، ولا أظنُّ أحداً يتأمّل في أطراف كلامه، فيتصوّره موافقاً مع الشيخ الأشعري، بل هما يتحرّكان في فلكين مختلفين، كيف! ومن جاء بعده من الماتريديّة جعل كلامه في مقابل كلام الأشعري. هذا الإمام البزدوي جعل قول أهل السنّة والجماعة (يعني الماتريديّة المتّصلة إلى الامام أبي حنيفة) في مقابل قول الأشعري(2). وهو يترجم مذهبه بما يلي: «قال أهل السنّة والجماعة: أفعال العباد مخلوقة لله تعالى ومفعوله، والله

1 . التوحيد: 225 ـ 226 .   2 . أُصول الدين: 101 .

صفحه 73
هو موجدها ومحدثها، ومنشئها، والعبد فاعل على الحقيقة، وهو ما يحصل
منه باختيار وقدرة حادثين، وهذا هو فعل العبد، وفعله غير فعل الله تعالى» ثمّ يعرض عقائد سائر الطوائف من المجبِّرة، والجهميّة، والقدريّة، والأشعريّة، ويستدلّ على مختاره بالنصوص القرآنيّة ويقول: «فدلّتنا هذه النصوص على أنّ الأفعال منّا بقدرة حديثة منّا، وهي مخلوقة الله تعالى، فكانت هذه النصوص حجّة على الخصوم أجمع (حتّى الأشعرية). والله تعالى أضاف الأفعال إلينا في كتابه في مواضع كثيرة. قال الله تعالى: (جَزاءً بما كانُوا يَعْمَلُون)(1)، (وَإذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادّارَأْتُمْ فِيها) (2) وقال: (إذا قُمْتُمْ
إلى الصَّلاةِ)(2). وكذلك نهانا عن أفعال كثيرة وأمرنا بأفعال كثيرة، فلا بدّ أن يكون لنا فعل، ويجب أن يكون ذلك بهدايته، ومشيئته، وإرادته»(4).
ولقد رسّم البياضي الماتريدي عقيدة شيخه في كتاب «إشارات المرام» وبيّنه على نحو يتّحد مع ما يعتقده الإماميّة من أنّه لا جبر ولا قدر (تفويض) بل أمر بين الأمرين، فقال: «وقال قوم من العلماء: إنّ المؤثّر مجموع القدرة وقدرة العبد، وهذا المذهب وسط بين الجبر والقدر، وهو أقرب إلى الحقّ وإليه أشار (أبوحنيفة) بقوله: كسبهم على الحقيقة والله خالقها»(3).

1 . السجدة: 17.            2 . البقرة: 72.
2 . المائدة: 6.   4 . أُصول الدين : 99 و 104 ـ 105 .
3 . إشارات المرام: 256 و 257. لاحظ بقية كلامه، فهو ينقل عن الامام الباقر (عليه السلام)قوله: لا جبر ولاتفويض الخ .

صفحه 74
ويقول في فصل الخلافيّات بين جمهور الماتريديّة والأشاعرة: «واختيار العبد مؤثّر في الاتّصاف دون الإيجاد، فالقدرتان المؤثِّرتان في محلّين وهو الكسب لا مقارنة الاختيار بلا تأثير أصلاً، واختاره الباقلاّني كما في (المواقف)، وهو مذهب السلف كما في الطريقة للمحقّق البركوي، واختاره الأُستاذ أبو إسحاق الاسفرائيني وإمام الحرمين في قوله الأخير: إنّ اختياره مؤثّر في الإيجاد بمعاونة قدرة الله تعالى، فلا تجتمع القدرتان المؤثِّرتان بالاستقلال، ولا يلزم تماثل القدرتين».(1)
الماتريدية وصفاته سبحانه   

10ـ صفاته عين ذاته:

اتّفق المسلمون على إثبات صفات ذاتيّة لله سبحانه مثل العلم، والقدرة، والحياة. ولكن اختلفوا في كيفيّة الإثبات، فالإماميّة من العدليّة على أنّ صفاته سبحانه ليست زائدة على ذاته، لا بمعنى سلبها عن ذاته، كما هو القول المنسوب إلى الزنادقة، ولا بمعنى نيابة الذات مناب الصِّفات، ولم تكن واقعيّاتها متحقّقة في الذات، بل بمعنى أنّها نفس العلم، والقدرة، والحياة، لا أنّ لها العلم، والقدرة، والحياة، فالصفات على القول الأوّل نفس الذات وأنّه بلغ من الكمال والجمال رتبة صارت الذات نفس الانكشاف والاستطاعة، كما أنّها على الثاني أُمور زائدة على الذات قائمة معها، قديمة كقدمها.

1 . إشارات المرام: 55.

صفحه 75
فالشيخ الأشعري يصرّ على النظريّة الثانية، ويستدلّ عليها بوجوه طرحناها على بساط البحث في محلّه، ولكنّ الظاهر من الماتريدي حسبما ينقله النسفي هو القول بالعينيّة. يقول النسفي: «ثمّ اعلم أنّ عبارة متكلّمي أهل الحديث في هذه المسألة أن يقال: إنّ الله تعالى عالم بعلم، وكذا فيما وراء ذلك من الصّفات، وأكثر مشايخنا امتنعوا عن هذه العبارة احترازاً عما توهّم أنّ العلم آلة وأداة فيقولون: إنّ الله تعالى، عالم، وله علم، وكذا فيما وراء ذلك من الصِّفات. والشيخ أبو منصور الماتريدي (رحمه الله) يقول: إنّ الله عالم بذاته، حيّ بذاته، قادر بذاته، ولا يريد منه نفي الصِّفات، لأنّه أثبت الصّفات في جميع مصنّفاته، وأتى بالدلائل لإثباتها، ودفع شبهاتهم على وجه لا محيص للخصوم عن ذلك، غير أنّه أراد بذلك دفع وهم المغايرة، وأنّ ذاته يستحيل أن لا يكون عالماً (1).

حصيلة البحث:

هذه المسائل العشر الّتي اختلف فيها الماتريدي والأشعري تميط الستر عن وجه المنهجين، وتوقفنا على الاختلاف الهائل السائد عليهما، وتكشف عن أنّ منهج الماتريدي منهج يعلو عليه سلطان العقل، وعلى ضوء هذا لا يصحّ لمحقّق كتاب «التوحيد» للماتريدي أن يقول: «إنّ توسّط الماتريدي (بين أهل الحديث والمعتزلة) هو بعينه توسّط الأشعري، وإنّ

1 . العقائد النسفية: 76 .

صفحه 76
شيخي السنّة يلتقيان على منهج واحد، ومذهب واحد، في أهمّ مسائل الكلام الّتي وقع فيها الخلاف بين فرق المتكلّمين»(1).
لا شكّ أنّ الشيخين يلتقيان في عدّة من المسائل، كجواز رؤيته سبحانه في الآخرة، وأنّه متكلّم بالكلام النّفسي الّذي هو صفة له قديمة بذاته، وهو ليس من جنس الحروف والأصوات، إلى غير ذلك من الأُصول.
لكنّ الاتفاق فيهما، وفي بعض الأُصول الأُخر الّتي اتّفق عليها أكثر المسلمين، لا يضفي لون الوحدة للمنهجين.
نعم هناك مسائل اختلف الداعيان فيها، ولا يعدّ الاختلاف فيها جذريّاً، ونحن نشير إلى قسم منها:
اختلاف الماتريدية والأشاعرة في البقاء والقدرة   

1ـ الوجود نفس الماهية أو غيرها؟

نقل البياضي في «إشارات المرام» أنّ المختار لدى الماتريديّة هو المغايرة، ولدى الأشعري هو الوحدة.
والظاهر كون الاختلاف لفظياً، والمراد هو الوحدة في عالم العين والتحقّق، والمغايرة في عالم التصور والذهن(2).

1 . مقدمة التوحيد: 17 ـ 18 .
2 . إشارات المرام: 53 و 94 .

صفحه 77

 

2ـ البقاء هو الوجود المستمر أو وصف زائد؟

البقاء لدى الماتريدي نفس الوجود المستمرّ وليس شيئاً زائداً على وجود الذات في الزمان الثاني، خلافاً للأشعري حيث إنّ البقاء عنده صفة زائدة على الذات مثل سائر الصفات حتّى في البارئ عزّ اسمه(1).
يلاحَظ عليه: أنّ البقاء وصف انتزاعيّ من استمرار وجود الشيء الزماني، وليست له واقعيّة وراء استمراره.
وأمّا الوجود الخارج عن إطار الزمان كالمجرّدات، فإطلاق الباقي عليه بملاك آخر، ليس هنا محلّ بيانه.

3 ـ القدرة غير التكوين، والتكوين غير المكوِّن:

وممّا اختلف فيه الدّاعيان، هو أنّ القدرة نفس التكوين كما عليه الأشاعرة، أو غيره كما عليه الماتريديّة.
قالت الأشاعرة: إنّ الشأنيّ من الاستطاعة (إن شاء فعل) هو القدرة، والفعليّ منها (إذا شاء فعل) هو التكوين، فليست هنا صفتان مختلفتان، بل وصف واحد بمعنى القدرة، له حالتان تحصلان باقتران المشيئة وعدمها، فالقدرة قديمة، والتكوين حادث، وأمّا الماتريديّة فتتلقّاهما وصفين ذاتيّين

1 . لاحظ شرح المنظومة بحث أصالة الوجود : 13 .

صفحه 78
مختلفين، والصفات الفعليّة من الخلق، والرزق، والرحمة، والمغفرة، تجتمع تحت وصف التكوين دون القدرة.
وعلى أيّ تقدير فهما يختلفان في مسألة اُخرى أيضاً، وهو كون التكوين بالمعنى المصدر، هل هو نفس المكوَّن (اسم المصدر) كما عليه الأشاعرة، أو غيره كما عليه الماتريديّة، فهناك فعل بمعنى الخلق والتكوين، وهناك مخلوق ومكوّن في الخارج، والمسألتان واردتان في كلام البزدوي وغيره.
اختلاف الماتريدية والأشاعرة في القدرة والتكوين   
قال البزدوي: قال أهل السنّة والجماعة: إنّ التكوين والإيجاد صفة الله تعالى غير حادث، بل هو أزلي كالعلم والقدرة (المسألة الأُولى) والمكوّن والموجود غير التكوين، وكذا التخليق والخلق صفة الله تعالى غير حادث بل أزليّ وهو غير المخلوق (المسألة الثانية) وكذا الرحمة والإحسان وكذا الرزق والمغفرة، وجميع صفات الفعل لله.
وقالت الأشعرية: إنّ هذه الصفات ليست بصفات الله تعالى، والفعل والمفعول واحد، وقالوا في صفات الذات كالعلم والحياة مثل قولنا(1).
وقال البياضي: وصفات الأفعال راجعة إلى صفة ذاتيّة هي التكوين، أي مبدأ الإخراج من العدم إلى الوجود(2)، وليس بمعنى المكوّن(3).
والإمعان في هذه العبارات وأمثالها، يدلّ على أنّ صفات الفعل

1 . أُصول الدين للبزدوي : 69. لاحظ إشارات المرام: 69 .
2 . إشارة إلى المسألة الأُولى .
3 . إشارة إلى المسألة الثانية : 53 .

صفحه 79
كالإحسان والرزق و.. عند الماتريديّة يجمعها وصف التكوين، فالكلّ واقع تحته، لا تحت القدرة، لأنّه يكفي فيها صحّة التعليق (إن شاء فعل) وإن لم يفعل، وهذا بخلاف وصف التكوين، وهو لا يصدق إلاّ مع وجود الفعل، وبما أنّ التكوين غير المكوّن، والأوّل قائم بذاته، بخلاف المكوّن والمخلوق إذ هو موجود منفصل عنه سبحانه، يكون التكوين أو الخلق وصفاً أزليّاً، بخلاف المكوّن والمخلوق فإنّهما حادثان بحدوث الموجودات.

يلاحظ عليه:

1ـ أنّ التكوين والخلق ليس إلاّ إعمال القدرة عند تحقّق المشيئة، فلا يكون وصفاً وراء ظهورها وشأنيّة التعلّق في القدرة، وفعليّته في التكوين، لا تجعلانهما شيئين مختلفين، بل أقصى الأمر وحدتهما جوهراً، واختلافهما مرتبة.
وعلى ذلك فتكون جميع الصفات الفعليّة مجتمعة تحت القدرة إذا انضمّت إليها المشيئة والإرادة.
2 ـ لو كان التكوين وصفاً ذاتيّاً أزليّاً، لاستلزمت أزليّته، أزليةَ بعض المكوّنات وقدمتها، إذ لا يفارق وصف التكوين وجوداً عن وجود المكوّن، وهو ينافي أُصول التوحيد، ولو فسّر بشأنية التكوين، يكون بمعنى القدرة لا شيئاً غيرها، وهو بصدد تصوير المغايرة.

صفحه 80
وقد تفطّن البزدوي لهذا الإشكال، ونقله عن بعض مخالفيه وقال: «ربّما يقال: إنّ الايجاد بلا موجود مستحيل، كالكسر بلا مكسور، والضرب بلا مضروب، فلو قلنا بقدم الإيجاد (التكوين) صرنا قائلين بقدم الموجودات، وذلك مناف للتوحيد فلم يمكن القول بقدم الإيجاد».
لكنّه تخلّص عنه بقوله: «إنّ لله تعالى فعلاً واحداً غير حادث، بذلك الفعل يوجِد الأشياء في أوقاتها، كما أنّ لله تعالى قدرة واحدة، بتلك القدرة يقدر على إيجاد الأشياء في أوقاتها» (1).
علماء الماتريدية   
يلاحظ عليه: أنّ الالتزام بقدم فعل الله سبحانه ولو واحداً، يخالف التوحيد ويضادّه، لأنّ قدم الشيء يلازم استغناءه عن الفاعل والموجد، والمستغني عن العلّة واجب، كذات الواجب، وهل هذا إلاّ الشرك الصريح.
وأنا أجلّ البزدوي عن الاعتقاد بما ذكره، وإلاّ فأيّ فرق بين ذاك القول والثنويّة، ولكنّ الإصرار على تصحيح المنهج، والرأي المسبق، أقحمه في مهالك الضلال. قال الإمام علي (عليه السلام): « ألا وإنّ الخطايا خيل شُمُس حُمل عليها أهلها، وخُلعَت لجمها، فتقحّمت بهم في النّار»(2).
3ـ جعل التكوين غير المكوّن، والخلق غير المخلوق مبنيّ على التغاير الجوهريّ بين المصدر واسمه، فالايجاد هو المصدر، والموجود هو نتيجته، ولا أظنّ أن يقول به الماتريدي في سائر الموارد. فإذا ضرب زيد

1 . أُصول الدين : 73 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة: 15 .

صفحه 81
عمراً، فالصّادر من زيد، يسمّى بالمصدر، والواقع على عمرو يسمى باسمه، فهل يصحّ لنا أن نعتقد أنّ هنا أمرين، أمر قائم بالفاعل، وأمر قائم بالمفعول وهكذا غيره، أو أنّ هنا شيئاً واحداً إذا نسب إلى الفاعل يسمّى مصدرا.ً وإذا نسب إلى المفعول يصير اسم المصدر، وهذا هو الفرق بين الايجاد والموجود أيضاً.

4ـ الكلام النفسي لا يسمع:

الكلام النفسي الّذي هو غير الحروف والأصوات لا يسمع خلافاً للأشعري. قال في «إشارات المرام»: «ولا يسمع الكلام النفسي بل الدالّ عليه، واختاره الأُستاذ ومن تبعه كما في «التبصرة» للامام أبي المعين النسفي»(1).
وقد استند الأشعري في جواز السماع على الدليل الّذي استند عليه في جواز رؤيته سبحانه، وجعل الملاك للسماع هو الوجود، كما جعل الملاك لوقوع الرؤية هو كون الشيء موجوداً.
وقد عرفت في الجزء الثاني عند عرض عقيدة الأشعري أنّ الكلام النفسي ليس شيئاً وراء العلم في الإخبار، وليس وراء الإرادة والكراهة في الإنشاء، والقائل به يريد أن يثبت وصفاً مغايراً للعلم والإرادة.
كما عرفت بطلان كون المصحِّح للرؤية هو كون الشيء موجوداً، وأنّ

1 . إشارات المرام : 55 .

صفحه 82
كلّ موجود يرى. هذا، وإنّ ملاك السماع ليس هو الوجود حتّى يستنتج منه أنّ كلّ موجود يسمع، وهذا واضح لمن له أدنى إلمام بالعلوم الطبيعيّة.
هذا هو عرض إجمالي لمذهب الإمام الماتريدي، وقد وقفت على مشخِّصات المنهج، وعرفت الأُصول الّتي اختلف فيها الداعيان، والأُصول الّتي اتّفقا فيها.
والتأمّل فيما ذكرناه من النصوص من نفس الماتريدي وتلاميذ منهاجه، يدفع الإنسان إلى القول بأنّ الشيخين الأشعري والماتريدي كانا في سبيل واحد من الدعوة، وهو نصرة السنّة ومكافحة الاعتزال، ومع ذلك كلّه فلكلّ واحد أُسلوب خاصّ، والقول بوحدة المنهاجين وكون الاختلاف جزئيّاً، وأنّه في حلبة الدعوة إلى السنّة يقع الحافر على الحافر، مداهنة جدّاً وإخفاء للحقيقة، وإسدال الستر على وجهها.

أنصاره وأتباعه في الأجيال المتأخِّرة:

قد انتشر مذهب الأشعري في كثير من الحواضر الإسلاميّة لأنّه ظهر في مركز العالم الإسلامي، وكثرت أنصاره وأعوانه، بين مبيِّن مقاصده، إلى ذابّ عن براهينه ودلائله، إلى مكمِّل لأُصوله وقواعده، وأمّا مذهب الماتريدي فقد نبت في نقطة بعيدة عن الحواضر، فقلّت العناية بنقله وشرحه.
وهناك وجه آخر لقلّة انتشاره، وهو أنّ لمذهب الماتريدي مع كونه

صفحه 83
بصدد نصر السنّة، طابع التعقّل، وقد كثرت الدعاية في عصر ظهوره، على ضدّ أهل التعقّل والتفكّر، وصار العكوف على النقل المحض، وترك التعقّل والبرهنة آية القداسة، والإمام بما أنّه أعطى للعقل سلطاناً أكبر ممّا أعطاه الأشعري، ووافق في عدّة من الأُصول، منهاج المعتزلة، فصار هذا وذاك سببين لقلّة انتشاره، وندرة أنصاره.
ومع ذلك فقد شاع مذهبه بين علماء ما وراء النهر فقاموا بنشر دعوته ومعاضدته، فألّفوا حول منهاجه، كتباً ورسائل منشورة وغير منشورة.
ولأجل إيقاف القارئ على أعلام الماتريديّين نأتي بترجمة عدّة منهم:

1ـ أبواليسر محمّد البزدوي (421 ـ 493 هـ)

إنّ أرباب المعاجم من الأحناف وغيرهم قد قصّروا ولم يؤدّوا حقّ الماتريدي في كتبهم، فإذا كان هذا حال الأُستاذ فما ظنّك بحال التلامذة والأتباع، ولأجل ذلك نجد أنفسنا أمام ظلام دامس يلفّ حياة البزدوي، وأحسن مرجع للوقوف على حياته هو نفس كتابه «أُصول الدين» الّذي حقّقه وقدّم له الدكتور «هانز بيتر لنس» ونشرته عام (1383 هـ) دار إحياء الكتب العربية في القاهرة، ونقل محقّق الكتاب أنّه وجد عن طريق المصادفة في هامش كتاب خطّي لابن قطلوبغة «طبقات الحنفيّة» بجانب مَلْزَمة عن حياة البزدوي: روى السمعاني أنّه ـ أي البزدوي ـ ولد في عام (421 هـ).

صفحه 84
ويظهر من غير واحد من مواضع كتابه أنّه تلقّى العلوم على يد أبيه. يقول في مسألة: «هل الايمان مخلوق أو غير مخلوق، ولا يجوز الإطلاق بأنّ الإيمان مخلوق» ونحن نختار هذا القول، فإنّ هذا مذهب أبي حنيفة، وهو ما رواه نوح بن أبي مريم الجامع، عن «أبي حنيفة» روى لنا والدنا الشيخ الامام أبوالحسن محمّد بن الحسين بن عبد الكريم (رحمه الله) هذا الحديث عن نوح بن أبي مريم(1).
وقال في مسألة أنّ البعث حق: «وقد روى لنا الشيخ الامام محمد بن الحسين بن عبد الكريم حديثاً متّصلاً إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)» (2).
ولم يكتف في تلقّي العلم بوالده، ويظهر من موضع من كتابه أنّه أخذ العلم عن غير واحد من أعلام عصره، ومنهم أبوالخطّاب. قال في مسألة (75) : هكذا سمعت الشيخ أبا الخطّاب(2).

ثقافته:

ينتسب البزدوي إلى مدرسة الإمام أبي حنيفة، وهو يعترف بالصراحة بانتمائه إلى المذهب الحنفي، كما ينتسب في العقيدة إلى مدرسة الماتريدي، وهو أُستاذ جدّ أبيه «عبد الكريم»(3) الّذي تلقّى العلوم بدوره عن الماتريدي.

1 . أُصول الدين: 155 ـ 158 .   2 . أُصول الدين : 156 .
2 . أُصول الدين : 28 .
3 . نسبه هكذا: محمد بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم .

صفحه 85
ويظهر من مقدّمة كتاب أُصول الدين أنّه قرأ أكثر الكتب المؤلّفة في ذلك العصر في الفلسفة والكلام، لا سيّما للمعتزلة والأشاعرة. قال: «نظرت في الكتب الّتي صنّفها المتقدّمون في علم التوحيد فوجدت بعضها للفلاسفة مثل «إسحاق الكندي» و «الاسفزاري» وأمثالهما، وذلك كلّه خارج عن الطريق المستقيم،زائغ عن الدين القويم.
ووجدت أيضاً تصانيف كثيرة في هذا الفن من العلم «للمعتزلة» مثل «عبد الجبّار الرازي» و «الجبّائي» و «الكعبي» و «النظّام» وغيرهم.
وكذلك «المجسّمة» صنّفوا كتباً في هذا الفنّ مثل «محمّد بن هيصم» وأمثاله، ولا يحلّ النظر في تلك الكتب، وقد وجدت لأبي الحسن الأشعري كتباً وغيره (غيرها ظ) في هذا الفنّ من العلم، وهي قريب من مائتي كتاب، والموجز الكبير يأتي على عامّة ما في جميع كتبه، وقد صنّف الأشعري كتباً كثيرة لتصحيح مذهب «المعتزلة»، فإنّه كان يعتقد مذهب الاعتزال في الابتداء، ثمّ إنّ الله تعالى بيّن له ضلالة «المعتزلة» فتاب عمّا اعتقد من مذاهبهم، وصنّف كتاباً ناقضاً لما صنّف للمعتزلة. وقد أخذ علمه أصحاب الشافعي بما استقرّ عليه «أبو الحسن الأشعري»، وقد صنّف أصحاب الشافعي كتباً كثيرة على وفق ما ذهب إليه الأشعري، إلاّ أنّ أصحابنا من أهل السنّة والجماعة خطّأوا أبا الحسن في بعض المسائل مثل قوله: «التكوين والمكوّن واحد» ونحوه على ما نبيّن في خلال المسائل إن شاءالله. فمن وقف على المسائل الّتي أخطأ فيها أبوالحسن الأشعري، وعرف خطأه، فلا

صفحه 86
بأس بالنظر في كتبه وإمساكها، وقد أمسك كتبه كثير من أصحابنا ونظروا فيها، الّذين هم رؤساء أهل السنّة والجماعة.
وقد صنّف أبومحمّد عبد الله بن سعيد بن كلاب القطّان (1) ، كتباً كثيرة في هذا النوع من العلم وهو أقدم من أبي الحسن الأشعري، فلم يقع في يدي شيء من كتبه، وعامّة أقاويله توافق أقاويل أهل السنّة والجماعة إلاّ مسائل قلائل لاتبلغ عشرة مسائل، فإنّه خالف فيها أهل السنّة والجماعة، وقد أخطأ فيها على ما نبيّن في خلال المسائل إن شاء الله تعالى فلا بأس من إمساك كتبه، والنظر فيها لمن وقف على ما أخطأ من المسائل.
وقد وجدت للشيخ الامام الزاهد «أبي منصور الماتريدي السمرقندي» كتاباً في علم التوحيد على مذهب أهل السنّة والجماعة، وكان من رؤساء أهل السنّة والجماعة(2).
وهذا يعرب عن عكوفه على دراسة الكتب للفرق الكلاميّة وعرضها على الأُصول الّتي تلقّاها أنّها أُصول السنّة والجماعة.

تلاميــذه:

قد تلقّى عنه عدّة من أكابر علماء الحنفيّة أشهرهم نجم الدين عمر بن محمّد النسفي (460 - 537 هـ) وهو يقول في حقّ أُستاذه: «كان أبواليسر

1 . توفي عبد الله بن سعيد عام 245 هـ.
2 . أُصول الدين 1 ـ 3 وقد عرفت ذيل كلامه في ما سبق .

صفحه 87
شيخ أقراننا في بلاد ماوراءالنهر، وكان إمام الأئمّة، وكان يفد عليه الناس من كل فجّ وقد ملأ الشرق والغرب بمؤلفاته في الأُصول والفروع»(1).

مؤلفــــاته:

له مؤلفات منها:
1 ـ تعليقة على كتاب الجامع الصغير للشيباني.
2 ـ الواقعات.
3 ـ المبسوط في بعض الفروع(2).
4ـ أُصول الدين المطبوع.
***

2 ـ النسفي ميمون بن محمّد ( 418 ـ 508 هـ)

ميمون بن محمّد بن معبد بن مكحول، أبو المعين النسفي الحنفي، أحد المتكلّمين البارعين على منهاج الماتريدي، كان بسمرقند سكن «بخارى».
تآليفه: «بحر الكلام» وهو مطبوع، و «تبصرة الأدلة» مخطوط ويقال:

1 . مقدمة أُصول الدين نقلاً من طبقات الحنفية لابن قطوبغة، المخطوطة.
2 . نفس المصدر .

صفحه 88
إنّه الأصل للعقائد النسفية لأبي حفص النسفي، توجد نسخة منه في القاهرة، وغيرهما من الكتب.
وقد ترجم له في: الجواهر المضيئة ج 2 : 189، وفي الأعلام لخير الدين الزركلي ج 7: 341، و ريحانة الأدب للمدرس ج 6 ص 174، وذكر تآليفه الكاتب الجلبي في كشف الظنون.

3ـ النسفي عمر بن محمّد (460 ـ 537 هـ):

عمر بن محمّد بن أحمد بن إسماعيل، أبو حفص المعروف بـ «نجم الدين النسفي»، ولد بـ «نسف» وتوفّي بسمرقند، وكتابه المعروف «عقائد النسفي» من الكتب المشهورة الّتي يدور عليه رحى الدراسة منذ قرون إلى يومنا هذا. ولأجل ذلك كتبت عليه الشروح والتعليقات، وهو على منهاج الماتريدي. وشرحه التفتازاني.
وله ترجمة في «الفوائد البهية في تراجم الحنفية» لمحمّد بن عبد الحي، ص : 149 طبع في القاهرة عام 1324 هـ . والجواهر المضيئة ج 1: ص 394، ولسان الميزان ج 4: ص 327، والأعلام لخير الدين الزركلي ج 5 : ص 60، و ريحانة الأدب للمدرس، ج 6: ص 173، وقد تقدّم تتلمذه على البزدويّ.

صفحه 89

 

4ـ ابن الهمام: محمد بن عبد الواحد (790 ـ 816 هـ):

محمّد بن عبد الواحد بن عبد الحميد بن مسعود السيواسي ثمّ الاسكندري، كمال الدين المعروف بابن الهمام، متكلّم حنفي، له تآليف في الكلام والفقه، وقد ألّف «المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة»، في الكلام، وهو مطبوع. حقّقه محمّد محيي الدين عبد الحميد. ومن كتبه «فتح القدير» في شرح الهداية، ثمانية مجلّدات في فقه الحنفية، كما ألّف «التحرير» في أُصول الفقه وقد طبعا.
له ترجمة في: الفوائد البهية ص: 18، والجواهر المضيئة ج 2: ص 86، وشذرات الذهب ج 7: ص 289، والأعلام للزركلي ج 2: ص 255، وغيرها.

5ـ البياضي: كمال الدين أحمد بن حسن الرومي الحنفي ـ (القرن 11):

هو من بيت قضاء، وفقه، وعلم، أخذ العلم ببلاده عن والده، والعلامة يحيى المنقاري، وغيرهما من أفاضلهم، وقد أُسند إليه منصب القضاء بحاضرة حلب الشهباء سنة 1077 هـ ، كما تولّى قضاء مكّة عام 1083 هـ، ومن تآليفه «إشارات المرام من عبارات الإمام» الّذي طبع بتقديم محمّد

صفحه 90
زاهد بن الحسن الكوثري، الذي هو من دعاة الماتريديّة في العصر الحاضر وبتحقيق يوسف عبد الرزاق سنة 1368 هـ ، وقد وقفت على خصوصيات الكتاب في خلال الأبحاث السابقة.
هذا خلاصة القول في الفرقة الماتريدية الّتي انحسرت دعوتها عن الجامعات الإسلاميّة، وقلّت الدعاة إليها، ومنهاجها منهاج مزيج من منهاج أهل الحديث والمعتزلة، بل قلّ الاهتمام بهم ودراسة منهاجهم، والحقّ أنّها مدرسة فكريّة نبتت في المحيط الشرقي وترعرعت زمناً، ثمّ تراجعت إلى حدّ لا نجد داعياً إليها في العصر الحاضر، غير الشيخ الكوثري وأترابه، ولا مناص لطلاّب الحريّة من شباب أهل السنّة من دراستها واعتناق أُصولها، لكونها منهاجاً وسطاً بين العقليّة المحضة، والنّقلية الخاصّة.
إنّ الظروف والشرائط المفروضة عليهم، وإن كانت لا تسمح لهم بالاجتهاد المطلق في الأُصول والعقائد، ودراسة كلّ أصل في جوّ هادئ من دون أن يتقلّدوا رأي انسان غير معصوم من سنّة أو شيعة، لكن في وسعهم الاجتهاد في المذاهب المنسوبة إلى أهل السنّة والجماعة، فعلى طلاب الحريّة، السعي والاجتهاد، للتعرّف على الحقّ، وإزهاق الباطل، ولو في إطار المذاهب العقيديّة الرسميّة.
   

صفحه 91

 

بيان لقادة الفكر في الأُمّة:
إنّ الغزو الفكري الّذي يشنّه أعداء الإسلام كلّ يوم من المعسكرين: الشرق والغرب، لاجتياح العقيدة الاسلاميّة وإقصاء الشباب عن ساحة الإيمان، وبالتالي إفساد عقيدتهم وإحلالهم عن الدين، وعن التفاني دونه ـ إنّ هذا الغزو ـ يفرض علينا الخروج عن إطار الجمود في تحليل العقائد وتقييمها، وعدم الاقتصار على الروايات المنقولة عن «كعب الأحبار»، و«تميم الداري» وأضرابهما، وفتح باب التفكر بمصراعيه في وجه الناشئ وتدريبه وتمرينه بالبرهنة والاستدلال، على مايعتنقه من العقائد، لأنّه يضفي لأُصول الاسلام ثباتاً ودواماً وللشباب صموداً أمام الهجمات العنيفة، الّتي توجّه إليهم كلّ يوم من المدارس الفكرية المادية المهزوزة وغيرها، فإنّ في حرمان المسلم المستعدّ عن التفكر الصحيح، مظنة جعله فريسة للمناهج الضالّة، المتدرّعة بالسلاح العلمي المادي الفاتك.
ولا نهدف بذلك إلى دمج الدين بالفلسفة اليونانيّة أو الغربيّة بل الغرض هو استخدام العقل السليم الفطري ـ الذي به عرفنا ربّنا ودعا إليه كتابه ـ لدرك الدين والدفاع عنه في المجالات الّتي للعقل إليها سبيل.
ولا شكّ أنّ بعض المشايخ لا يعرفون التوسّط في الحياة، ولا الاعتدال في الرأي، فهم بين غارق في العقليّات، غير مقيم للنّقل وزناً في مجال العقيدة، وبين متزمّت لا يعرف أوضح الواضحات سوى رواية أحمد عن

صفحه 92
فلان، وإن كان على خلاف الحسّ والعقل.
هذا وذاك كلاهما مرفوضان جدّاً، وإنّما المأمول هو تقدير التعقّل، واحترام حريّة الفكر، وهذا أمر يجب علينا أن نروّض أنفسنا عليه.
ثمّ إنّ هنا كلاماً لبعض قادة الفكر، يلقي ضوءاً على ما نتوخّاه ونطلبه بحماس من حاملي لواء الفكر الاسلامي، ونخصُّ بالذكر أساتذة الجامعات الإسلاميّة حيث يقول:
ممّا لا نرتاب فيه إنّ الحياة الانسانيّة حياة فكريّة لا تتمّ له إلاّ بالإدراك الّذي نسمّيه فكراً، وكان من لوازم ابتناء الحياة على الفكر، إنّ الفكر كلّما كان أصحّ وأتمّ، كانت الحياة أقوم، فالحياة القيّمة ـ بأيّة سنّة من السنن أخذ الإنسان، وفي أيّ طريق من الطرق المسلوكة وغير المسلوكة سلك الإنسان ـ ترتبط بالفكر القيّم وتبتني عليه، وبقدر حظّها منه يكون حظّها من الاستقامة.
وقد ذكره الله سبحانه في كتابه العزيز بطرق مختلفة وأساليب متنوّعة كقوله:(أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِج مِنْهَا)(1). وقوله: (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) (2). وقوله: (يَرْفَعُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ
وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَات
)(2). وقوله: (فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ

1 . الأنعام: 122.   2 . الزمر: 9.
2 . المجادلة : 11.

صفحه 93
القَولَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الألْبَاب)(1). إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الّتي لا تحتاج إلى العرض، فأمر القرآن في الدعوة إلى الفكر الصحيح، وترويج طريق العلم، ممّا لا ريب فيه.
ولم يعيّن في الكتاب العزيز هذا الفكر الصحيح القيّم الذّي يندب إليه، إلاّ أنّه أحال فيه إلى مايعرفه الناس بحسب عقولهم الفطريّة، وإدراكهم المركوز في نفوسهم.
إنّك لو تتبّعت الكتاب الإلهي، ثمّ تدبّرت في آياته، وجدت ما لعلّه يزيد على ثلاثمائة آية تتضمّن دعوة الناس إلى التفكّر والتذكّر والتعقّل،
وتلقين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الحجّة لإثبات حقّ، أو لإبطال باطل، كقوله: (قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيئاً إنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ)(2) ; أو تحكي الحجّة عن أنبيائه وأوليائه، كنوح وإبراهيم وموسى، وسائر الأنبياء العظام، ولقمان ومؤمن آل فرعون وغيرهما (عليهم السلام) كقوله: (قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمواتِ وَالأرْضِ) (3)، وقوله: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)(4) ، وقوله: (وَقَالَ رَجُلٌ

1 . الزمر: 17 ـ 18.
2 . المائدة: 17.
3 . إبراهيم: 10.
4 . لقمان: 13.

صفحه 94
مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَونَ يَكْتُمُ إيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ
جَاءَكُمْ بِالبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ
)(1)، وقوله حكاية عن سحرة فرعون: (قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاض إِنَّمَا تَقْضِي هذِهِ الحَيَاةَ الدُّنْيَا)(2)، إلى آخر ما احتجّوا به.
ولم يأمر الله تعالى عباده في كتابه، ولا في آية واحدة أن يؤمنوا به، أو بشيء ممّا هو من عنده، أو يسلكوا سبيلاً على العمياء، وهم لا يشعرون، حتّى إنّه علّل الشرايع والأحكام الّتي جعلها لهم ممّا لا سبيل للعقل إلى
ابن تيمية وإقصاء العقل عن ساحة العقائد   
تفاصيل ملاكاته بأُمور تجري مجرى الاحتجاجات، كقوله: (إِنَّ الصَّلوةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَر) (3)، وقوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(4)، وقوله في آية الوضوء: (مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نَعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(5)، إلى غير ذلك من الآيات(6).

1 . غافر: 28.
2 . طه: 72.
3 . العنكبوت: 45.
4 . البقرة: 183.
5 . المائدة: 6.
6 . الميزان : 5 / 273 ـ 275.

صفحه 95

 

يا أُمّه اثكليه(1):
قد بلغ إقصاء العقل عن ساحة العقائد، والاكتفاء بالمرويّات الضعاف إلى حدّ استطاع أحد الشيوخ من الحنابلة أن يصعد منبر التوحيد، وهو يرى أنّ لله نزولاً كنزول الإنسان، وحركة وسكوناً كحركته وسكونه.
يعزّ على الإسلام أن يسمع قائلاً متسنّماً منصّة القيادة الروحية، في جامع دمشق يهتف: أنّ الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا ـ ثمّ نزل درجة من درج المنبر ـ وإن كنت في شكّ مما نقول فاستمع إلى ما ينقل الرحالة ابن بطوطة فهو ينقل في رحلته ويقول: «وكان بدمشق من كبار الفقهاء تقي بن تيمية كبير الشام يتكلّم في الفنون إلاّ أنّ في عقله شيئاً.. فحضرته يوم الجمعة وهو يعظ الناس على منبر الجامع ويذكِّرهم، فكان من جملة كلامه: إنّ الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا، ونزل درجة من درج المنبر، فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء. وأنكر ما تكلّم به، فقامت العامّة إلى هذا الفقيه وضربوه بالأيدي والنعال ضرباً كثيراً حتّى سقطت عمامته(2).
اُنظر إلى الوهابيّة كيف اتّخذت هذا القائل شيخاً لإسلامهم وسنداً لمذهبهم، ومعلّماً لتوحيدهم، وإليه يرحلون، وعن فتياه يصدرون، وكأنّه صار صنماً يُعبد، ويدور الحقّ مداره، وهؤلاء لا يجوِّزون لأنفسهم الخروج

1 . مثل يضرب عند الدعاء على الانسان. لاحظ مجمع الأمثال : 2 / 426 حرف الياء.
2 . رحلة ابن بطوطة: 95.

صفحه 96
عن خطوطه قدر شعرة، كأنّه تدرّع بالعصمة والمصونيّة عن الخطأ والزلل.
بالله عليكم أيّها السادة! يا قادة الفكر في الأُمّة! يا أصحاب رسالة هداية الشباب في العصر الحاضر! إذا كان الشابّ المسلم الجامعي لا يملك من العقيدة الإسلاميّة إلاّ ما تعلّمه من نظريّات ابن تيميّة، فهل يستطيع أن يرفع رأسه ويدافع عن عقيدته، وكيان نحلته، في وجه هجمات الفلسفة الماديّة الخدّاعة الّتي رفعت عقيرتها بأنّ أُصولها مستمدّة من النظريات العلميّة الّتي فرضها العلم وأثبتتها التجربة.
فإذا دار الأمر في تفسير الكون وتبيين خلق العالم، بين ما يثيره أبناء الحنابلة وأصحاب الحديث في انتهاء العوالم الوجوديّة إلى موجود كائن في العرش عال على السماوات والأرض، لا ينفكّ عن الحركة والسكون، وعن الجهة والمكان وغير ذلك من لوازم الجسم والجسمانيات، وبين القول بقدم المادّة وانطوائها تحت سنن وقوانين نابعة عن ذاتها، إمّا عن طريق الصدفة أو عن طريق آخر، فهل يمكن لمفكّر أن يرجّح الأول على الثاني؟ أو أنّ العقول النيّرة الممارسة للعلوم الطبيعية والحسية لا ينظرون إلى الأوّل إلاّ بنظر الاستهزاء والسخرية؟
وليس ابن تيميّة أوّل بادئ بهذه المهزلة المحزنة، بل سبقه أبناء لهذا المذهب كما لحقه أنصار.
ولأجل إيقاف القارئ على تطرّف الحنابلة في أقوالهم وآرائهم تطرّفاً أدّى بهم إلى التجسيم والتشبيه نأتي بأبيات لأحد شعرائهم في هذا المجال:

صفحه 97
فإن كان تجسيماً ثبوت استوائه *** على عرشه إنّي إذاً لمجسِّم
وإن كان تشبيهاً ثبوت صفاته *** فمن ذلك التشبيه لا أتكتّم
وإن كان تنزيهاً جحود استوائه *** وأوصافه أو كونه يتكلّم
فعن ذلك التنزيه نزّهت ربّنا *** بتوفيقه والله أعلى وأعظم(1)
وليس هذا الشاعر وحيداً في هذا المجال. بل الحنابلة يتشدّقون بالتجسيم ويفتخرون به بلا مبالاة، وإليك القصيدة التالية الّتي نظمها حنبلي آخر أيّام محنة ابن حنبل في السجن:
علا في السماوات العلى فوق عرشه *** إلى خلقه في البرّ والبحر ينظر
يداه بنا مبسوطتان كلاهما *** يسحّان والأيدي من الخلق تقتر
نهينا عن التفتيش والبحث رحمة *** لنا وطريق البحث يردي ويخسر
ولم نر كالتسليم حرزاً وموئلا *** لمن كان يرجو أن يثاب ويحذر
وإنّ وليّ الله في دار خلده *** إلى ربِّه ذي الكبرياء سينظر

1 . الصواعق المرسلة : 1 / 170 كما في المعتزلة : 252 .

صفحه 98
ولم يحمد الله الجدال وأهله *** وكان رسول الله عن ذاك يزجر
وسنّتنا ترك الكلام وأهله *** ومن دينه تشديقه والتقعّر(1)
ومن أراد أن يقف على كلمات هؤلاء حول التجسيم والتشبيه فعليه بمراجعة كتاب «علاقة الإثبات والتفويض» تأليف رضا بن نعسان معطى بتقديم عبد العزيز بن باز.
فقد حشا فيه كلمات أبناء الحنابلة وغيرهم في مجال الصفات، وادّعى أنّهم يقولون بكونه سبحانه فوق السماوات. وهؤلاء لغاية دفع عار التجسيم يتدرّعون بكلمة بلا كيف وتشبيه، وهو بلا شبهة واجهة اتّخذتها أبناء التجسيم لستر ما يعاب بهم.
وهذه التوالي وليدة إقصاء العقل عن ساحة العقائد، وإحلال النقل على وجه الإطلاق مكانه، وإلاّ فالنقل الصحيح لا يكافح العقل أبداً.
تم الكلام في الماتريدية
والحمد لله ربّ العالمين

1 . مناقب أحمد بن حنبل : 425 ـ 426 .

صفحه 99
   
 
2

المرجئة

المرجئة على وزن المرجعة بصيغة الفاعل من أرجأ الأمر: أخّره. وترك الهمزة لغة. قال في اللِّسان: أرجأت الأمر وأرجيته: إذا أخّرته. وقرئ أرجه، وأرجئه قال تعالى: (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَ تُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ)(1). و «الإرجاء» التأخير، والمرجئة صنف من المسلمين والنّسبة إليه مرجئيّ مثال مرجعي(2).
وقال ابن الأثير في (النِّهاية): المرجئة تهمز، ولاتهمز وكلاهما بمعنى التّأخير، يقال: أرجأته وأرجيته: إذا أخّرته فنقول من الهمز رجل مرجئي، وهم المرجئة، وفي النسب: مرجئي مثال مرجع ومرجعة ومرجعيّ، وإذا لم تهمز قلت: رجل مرج ومرجية ومرجيّ مثل معط ومعطية ومعطيّ(3).

1 . الأحزاب: 51.
2 . لسان العرب مادة «رجأ».
3 . النهاية : 2 / 206، مادة «رجأ».

صفحه 100
وظاهر كلامهما أنّها مأخوذة من الإرجاء بمعنى التّأخير، ويحتمل أن يكون مأخوذاً من الرجاء أي الأمل. والمشهور هو الأوّل. وسرّ تسميتهم بالمرجئة بمعنى المؤخِّرة أحد الوجهين:
1ـ طال التشاجر في معنى الإيمان في العصر الأوّل، وحدثت آراء وأقوال حول حقيقته بين الخوارج والمعتزلة، فذهبت المرجئة إلى أنّه عبارة عن مجرّد الإقرار بالقول والّلسان وإن لم يكن مصاحباً للعمل، فأخذوا من الإيمان جانب القول، وطردوا جانب العمل، فكأنّهم قدّموا الأوّل وأخّروا الثاني، واشتهروا بمقولتهم: «لاتضرّ مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة».
وعلى هذا، فهم والخوارج في هذه المسألة على جانبي نقيض، فالمرجئة لا تشترط العمل في حقيقة الايمان، وترى العاصي ومرتكب الذُّنوب، صغيرها وكبيرها، مؤمناً حتّى تارك الصلاة والصوم، وشارب الخمر، ومقترف الفحشاء.. والخوارج يضيّقون الأمر فيرون مرتكب الكبيرة كافراً، ولأجل ذلك قاموا بتكفير عثمان للأحداث الّتي انجرّت إلى قتله وتكفير علي (عليه السلام) لقبوله التحكيم وإن كان عن اضطرار.
ويقابلهما المعتزلة أيضاً القائلون بأنّ مرتكب الكبيرة لا مؤمن ولا فاسق بل في منزلة بين الأمرين، فزعمت أنّها أخذت بالقول الوسط بين المرجئة والخوارج.
والقول المشهور بين السنّة والشيعة أنّه مؤمن فاسق، وسيوافيك القول

صفحه 101
في حقيقة الإيمان عند البحث عن عقائد المعتزلة والخوارج.
ولعلّه إلى ذلك الوجه أيضاً يرجع ما ذكره ابن الاثير في نهايته بأنّهم سمّوا مرجئة لاعتقادهم بأنّ الله أرجأ تعذيبهم على المعاصي، أي أخّر عنهم.
يلاحظ على هذا الوجه: أنّ القوم وإن أخّروا العمل وأخرجوه عن كونه مقوّماً للايمان أو بعضه، ولم يعتبروه جزءاً و شرطاً، ولكن لم يتّفقوا على تفسيره بالقول المجرّد، والاقرار باللّسان، بل لهم آراء في ذلك.
فاليونسيّة منهم (أتباع يونس بن عون) زعمت أنّ الإيمان في القلب واللسان. وإنّه هو المعرفة بالله، والمحبّة، والخضوع له بالقلب، والإقرار باللّسان، أنّه واحد ليس كمثله شيء(1).
والغسّانية (أتباع غسّان المرجئ) زعمت أنّ الإيمان هو الإقرار أو المحبّة لله تعالى، فاكتفت بأحد الأمرين من الإقرار أو المحبّة لله(2). إلى غير ذلك من الأقوال والآراء لهم في حقيقة الإيمان(3).
وعلى ضوء هذا لا يصحّ أن يقال إنّ المرجئة هم الّذين قدّموا القول وأخّروا العمل. بل أخّروا العمل جميعاً، وأمّا غيره فقد اكتفوا في تحقّق الإيمان تارة بالاذعان القلبي، وأُخرى بالإقرار باللسان، هذه ملاحظة بسيطة

1 . الفرق بين الفرق : 202 .
2 . الفرق بين الفرق : 202 .
3 . فصّل الأشعري في المقالات اختلافهم في الايمان، وجعلهم اثنتا عشرة فرقة. لاحظ ص 135 ـ 136.

صفحه 102
حول هذه النظرية. وهناك ملاحظة أُخرى ربّما تبطل أصلها وهي:
إنّ التّاريخ يدلّ على أنّ أوّل من قال بالإرجاء هو الحسن بن محمّد بن الحنفيّة، لا بمعنى تقديم القول أو الإذعان القلبي وتأخير العمل، بل المراد تقديم القول في الشيخين وتصديقهما، وتأخير القول في حقّ عثمان وعليّ وطلحة والزبير وإرجاء أمرهم إلى الله سبحانه، والتوقّف فيهم. وإليك النصوص التاريخيّة الّتي تدلّنا على أنّ أساس الإرجاء هوالتوقّف في حق الخليفتين الأخيرين والمقاتلين لهما.
قال ابن سعد: «كان الحسن بن محمّد بن الحنفيّة أوّل من تكلّم بالإرجاء وعن زاذان وميسرة أنّهما دخلا على الحسن بن محمّد بن عليّ، فلاماه على الكتاب الّذي وضعه على الإرجاء. فقال لزاذان: «يا أبا عمرو لوددت أنّي كنت مِتُّ ولم أكتبه» وتوفّي في خلافة عمر بن عبد العزيز» ! (1).
وقال ابن كثير في ترجمة الحسن: «وكان عالماً فقيهاً عارفاً بالاختلاف والفقه. وقال أيّوب السختياني وغيره: كان أوّل من تكلّم في الإرجاء، وكتب في ذلك رسالة، ثمّ ندم عليها. وقال غيرهم: كان يتوقّف في عثمان وطلحة والزبير، فلا يتولاّهم، ولا يذمّهم. فلمّا بلغ ذلك أباه محمّد بن الحنفيّة ضربه فشجّه وقال: ويحك ألاّ تتولّى أباك عليّاً. وقال أبوعبيد: توفّي سنة خمس وتسعين. وقال خليفة: توفّي أيّام عمر بن عبد العزيز والله أعلم»(2).

1 . الطبقات الكبرى : 5 / 328.
2 . البداية والنهاية : 9 / 140.

صفحه 103
وقال ابن عساكر في تاريخه: «قال عثمان بن إبراهيم بن حاطب: أوّل من تكلّم في الإرجاء هو الحسن بن محمّد. كنت حاضراً يوم تكلّم، وكنت مع عمّي في حلقته، وكان في الحلقة جحدب وقوم معه. فتكلّموا في عليّ وعثمان وطلحة والزبير، فأكثروا، والحسن ساكت، ثمّ تكلّم فقال: قد سمعت مقالكم. أرى أن يرجأ عليّ وعثمان وطلحة والزبير فلا يتولّى ولايتبرّأ منهم. ثمّ قال: فقمنا، فقال لي عمر: يا بنيّ ليتخذنّ هؤلاء هذا الكلام إماماً. فبلغ أباه محمّد بن الحنفيّة ما قال، فضربه بعصا فشجّه وقال: ألا تتولّى أباك عليّاً!! ودخل ميسرة عليه فلامه على الكتاب الّذي وضعه في الإرجاء، فقال: لوددت أنّي كنت مِتّ ولم أكتبه»(1).
وقال ابن حجر في «تهذيب التهذيب» في ترجمة الحسن ما هذا خلاصته:
«قال ابن حبان: كان الحسن من علماء الناس بالاختلاف، وقال سلام بن أبي مطيع عن أيّوب: أنا أتبرّأ من الإرجاء. إنّ أوّل من تكلّم فيه رجل من أهل المدينة يقال له الحسن بن محمّد. وقال عطاء بن السائب عن زاذان وميسرة أنّهما دخلا على الحسن بن محمّد فلاماه على الكتاب الّذي وضعه في الإرجاء، فقال لزاذان: يا أبا عمرو لوددت أنّي كنت مِتُّ ولم أكتبه. قلت (ابن حجر): المراد بالإرجاء الّذي تكلّم الحسن بن محمّد فيه، غير الإرجاء الّذي يعيبه أهل السنّة المتعلّق بالإيمان، وذلك أنّي وقفت على كتاب الحسن

1 . تاريخ ابن عساكر : 4 / 246 .

صفحه 104
بن محمّد المذكور، أخرجه ابن أبي عمر العدني في كتاب الإيمان له في آخره قال: حدّثنا إبراهيم بن عيينة عن عبد الواحد بن أعين قال: كان الحسن بن محمّد يأمرني أن أقرأ هذا الكتاب على الناس: أما بعد، فإنا نوصيكم بتقوى الله. فذكر كلاماً في الموعظة والوصيّة لكتاب الله واتّباع ما فيه وذكر اعتقاده ـ ثمّ قال في آخره: ونوالي أبا بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ ونجاهد فيهما، لأنّهما لم تقاتل عليهما الأُمّة ولم نشكّ في أمرهما، ونرجئ من بعدهما ممّن دخل الفتنة، فنكل أمرهم إلى الله ـ إلى آخر الكلام. فمعنى الّذي تكلّم فيه الحسن أنّه كان يرى عدم القطع على إحدى الطائفتين المقتتلتين في الفتنة بكونه مخطئاً أو مصيباً وكان يرى أنّه يرجئ الأمر فيهما، وأمّا الإرجاء الّذي يتعلّق بالإيمان فلم يعرج عليه فلا يلحقه بذلك عاب»(1).

هذا التاريخ المتضافر يدلّنا على أُمور:

1ـ إذا كان الحسن بن محمّد الحنفيّة هو الأصل في الإرجاء فيرجع أصل الإرجاء وتاريخه إلى الربع الأخير من القرن الأوّل للهجرة، وقد توفّي محمّد بن الحنفيّة والد المؤسِّس عام ثمانين أو إحدى وثمانين، عن عمر يناهز خمساً وستين سنة، وقد توفّي ولده الحسن (أصل الإرجاء) عام تسعة وتسعين أو قبله أو بعده بقليل، وعليه يعود ظهور الإرجاء إلى حوالي عام سبعين من الهجرة، أو ما يقاربه.

1 . تهذيب التهذيب: 2 / 320 ـ 321.

صفحه 105
2ـ إنّ الحسن بن محمّد هو وليد البيت الهاشمي العريق في الولاء والمحبّة لأميرالمؤمنين وشيعته ومحبّيه وأصحابه، وعند ذاك كيف يكون مثل هذا الشخص أساساً للإرجاء بهذا المعنى، ولعلّه أظهر هذه الفكرة في بداية الأمر (وإن ندم عليه في أواخر عمره وتمنّى الموت قبل كتابة ما كتبه) لغاية توحيد الكلمة، وإيقاف الهجمة على جدّه أمير المؤمنين (عليه السلام)حيث كان الخطباء و وعّاظ السلاطين يسبّونه على صهوات المنابر أعواماً مديدة، فأراد وليد البيت الهاشمي إيقاف السبّ بهذه الفكرة، وإلاّ فمن البعيد جدّاً أن لا يطّلع الحسن بن الحنفيّة على انحراف الناكثين والقاسطين والمارقين الّذين ابتزّوا أمر الخلافة، وتطلّعوا إلى أمر، هم أقصر منه فحاول لنيل غايته بالقول بأنّا نتكلّم في الشيخين ولا نتكلّم في غيرهما ممّن جاءوا بعدهما بشيء من المدح والقدح.
والرجل وإن كان حسن النيّة لكنّه كان سيِّئ العمل لما ترتّبت على هذا العمل من التوالي الفاسدة، ولعلّ ندامته في آخر العمر لأجل ما رأى من المفاسد الّتي ترتّبت على هذه الفكرة.
3ـ لو كان الحسن بن محمّد بن الحنفيّة هو الأصل في الإرجاء، فقد عرفت تاريخ حياته وأنّه قام بزرعه في الربع الأخير من القرن الأوّل، وعلى ذلك لايصحّ ما نقله أحمد أمين المصري عن ابن عساكر: «أنّهم هم الشكّاك الّذين شكّوا وكانوا في المغازي، فلمّا قدموا المدينة بعد قتل عثمان وكان عهدهم بالناس وأمرهم واحد، ليس بينهم اختلاف قالوا: تركناكم وأمركم

صفحه 106
واحد ليس بينكم اختلاف، وقدمنا عليكم وأنتم مختلفون فبعضكم يقول: قتل عثمان مظلوماً، وكان أولى بالعدل أصحابه، وبعضكم يقول: كان عليّ أولى بالحقّ، وأصحابه كلّهم ثقة وعندنا مصدّق، فنحن لا نتبرّأ منهما، ولا نلعنهما، ولا نشهد عليهما، ونرجئ أمرهما إلى الله حتّى يكون الله هو الذي يحكم بينهما»(1).
يلاحظ عليه: أنّه قتل عثمان أواخر عام (35) من الهجرة، واستشهد الإمام أميرالمؤمنين في شهر رمضان عام (40 هـ)، ومقتضى ما ذكره الدكتور، تكوّن الإرجاء في العقد الرابع من القرن الأوّل. وهذا لايتّفق مع ذلك التاريخ المتضافر في أنّ أصل الإرجاء هو الحسن بن محمّد بن الحنفيّة لتأخّر عصره، وقد كان لوالده محمّد بن الحنفية يوم قتل عثمان من العمر خمس عشرة ويوم استشهد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) عشرون سنة، وكان الحسن بن محمّد في أصلاب الآباء و أرحام الأُمّهات، وغاية ما يمكن أن يوجّه به هذا النقل، هو أنّ الأحوال الحاضرة بعد قتل الخليفتين وقدوم المسلمين الغزاة، أوجدت أرضيّة لتكوّن هذه الفكرة، ولكنّها كانت خاملة تدور في الذاكرة، وأوّل من أظهرها و طرحها بصورة علميّة وكتب فيها رسالة هو الحسن بن محمّد ولذلك قال عمّ عثمان بن ابراهيم بن حاطب لابن أخيه:يا بنيّ: ليتخذنّ هؤلاء هذا الكلام إماماً.
4ـ وأبعد من هذا الكلام ما ذكره ذلك الكاتب حيث قال:إنّ نواة هذه

1 . فجر الاسلام: 279، نقلاً عن تاريخ ابن عساكر.

صفحه 107
الطائفة كانت موجودة في الصحابة في الصدر الأوّل، بحجّة أنّنا نرى أنّ جماعة من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) امتنعوا أن يدخلوا في النزاع الذي كان في آخر عهد عثمان مثل «أبي بكرة» و «عبدالله بن عمر» و «عمران بن حصين» وروى أبوبكرة أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ستكون فتن القاعد فيها خير من الماشي..(1).
5 ـ قد عرفت أنّ من المحتمل أن يكون الحافز لمؤسّس هذه الفكرة، هو إيقاف الهجمة على جدّه أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولكنّ العامل المؤثّر في نشوء هذه البذرة ونموّها هو اشتداد الدعاية من جانب الأمويين لتبرئة عثمان من الأحداث المؤلمة المنسوبة إليه، وتنزيه الناكثين ومن انضمّت إليهم من أُمّهات المؤمنين في نقض البيعة، والخروج على الإمام المفترض الطاعة، وإكثار الوقيعة في الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقد أثّرت تلك الدعايات والروايات الّتي كذبوا بها على لسان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في بسطاء القوم وسذّاجهم بحيث أخذت تلك الأكاذيب صورة الحجاج، فلم يكن لهم بدّ أمام هذه الدعايات من أحد أمرين: إمّا الاجتهاد، وخرق الحجب، وشهود الحقائق بعين الفكر والعقل. وإمّا الوقوف على الرأي الوسط والتوقّف عن التكلّم في حقّ هؤلاء، وإرجاء الأمر إلى الله، والفرض الأوّل كان أمراً غير ميسور لبساطة الفهم وسذاجته، فصار الثاني متعيّناً.
يقول أحد المصريين حول الدعايات الفارغة بعد عهد عثمان: «ومن

1 . فجر الإسلام: 280.

صفحه 108
هنا وهناك تألّفت سلسلة الموضوعات والخرافات والأساطير الّتي ابتلى بها المسلمون، وانتشرت بينهم التلبيسات الملتوية والشبه، فشوّهت جمال الشريعة المطهّرة، حتى أصبحت وبالاً على الدين، وشرّاً على المسلمين، وحائلاً دون نهضتهم وتقدّمهم، وعائقاً أمام الوصول إلى كثير من الحقائق التاريخيّة والعلميّة والدينية»(1).
6ـ يعتقد الكاتب المصري «أحمد أمين» أنّ المرجئة تكوّنت، بصورة حزب سياسي لا يريد أن يغمس يده في الفتن ولايريق دماء حزب، بل ولا يحكم بتخطئة فريق وتصويب آخر.
وما ذكره حدس لا أساس له، ولقد استنتجه ممّا نقلناه عنه سابقاً من أنّ فكرة الإرجاء ترجع إلى الغزاة القادمين إلى المدينة بعد قتل الخليفتين.. وعرفت أنّه لا ينطبق مع ما تضافر في التاريخ.
والظاهر أنّ فكرة الإرجاء نشأت في أحضان الدعايات الأُمويّة، والفضائل المفتعلة لجملة من أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فغشيت وجه الحقيقة، وعاقت البسطاء عن الخوض في الأبحاث الخطيرة، واقتحام المعارك المدلهمّة، ممّا نقم به على هؤلاء من الطامّات والأحداث وما قيل في براءتهم، فتخيّل لهم أنّ الأصلح والرأي الأوسط هو عدم الجنوح إلى جانب دون آخر. وهؤلاء وإن كانوا غير معذورين في هذا الأمر، لكنّهم ـ في زعمهم ـ أخذوا جانب الاحتياط في مقابل الناقمين.

1 . عثمان بن عفان للأُستاذ صادق إبراهيم عرجون : 41 ، كما في الغدير: 9 / 256 .

صفحه 109
7ـ إنّ أصل الإرجاء هو التوقّف وترك الكلام في حقّ بعض الصحابة. لكنّ هذا الأصل قد نسي في الآونة اللاحقة، وأخذ أصل آخر مكانه، بحيث لم يبق من الأصل الأوّل أثر بين المرجئة اللاحقة وفرقهم المختلفة، وهو البحث عن تحديد الإيمان والكفر، والمؤمن والكافر.
فصار تحديد الإيمان بالاقرار دون العمل، أو المعرفة القلبيّة دون القيام بالأركان، ركناً ركيناً لهذه الطائفة بحيث كلّما أطلقت المرجئة، لا يتبادر من هذه الكلمة إلاّ من تبنّى هذا المعنى.
وقد أنهاهم أبو الحسن الأشعري في «مقالات الإسلاميين» في فصل خاصّ إلى اثنتي عشرة طائفة اختلفوا في حقيقة الإيمان بعد اتّفاقهم على إبعاد العمل عن ساحته وحقيقته.
وهذا يوضح صحّة ما قلناه من أنّ الإرجاء ـ يوم تكوُّنه ـ لم يظهر بصورة حزب سياسيّ. بل ظهر بصورة منهج فكري دينيّ التجأ إليه أصحابه، خضوعاً للدعايات الفارغة، وتسليماً لها، وبما أنّ الإرجاء على كلا الأصلين كان لصالح السلطة من الأمويين، كانت السلطة يومذاك تؤيّدهم لأنّ في تبنّي كل من الأصلين، صلاحهم ودعم عروشهم.
فالأصل الأوّل يدعو إلى أنّ الإنسان قاصر عن تشخيص المصيب والمخطئ، بل يترك أمر المخطئين إلى الله، وهذا التسليم هو نفس ما يطلبه أصحاب السلطة، حتّى يجتنب الناس عن القضاء في يزيد الخمور، وعبد الملك السفّاك، وعامله الحجّاج بن يوسف الثقفي، ممّن عاشوا قبل الفكرة

صفحه 110
أو بعدها، وسوّدوا صحيفة تاريخهم.
   
والأصل الثاني يعرب عن أنّ الشهادة اللّفظية بالتوحيد أو المعرفة القلبيّة يكفي في دخول الإنسان في عداد المؤمنين، فيحرم قتاله ونضاله بل تكون نفسه وماله مصونين من الاعتداء، وهذا أيضا كان أُمنية الأمويين، إذ على ضوء ذلك، يكون يزيد الخمور والحجّاج الظلوم من المؤمنين، ويكون دمهما ومالهما مصونين من الاعتداء.

عقيدة المرجـئة:

لا تجد للمرجئة رأياً خاصّاً في أبواب المعارف والعقائد سوى باب الإيمان والكفر، فكلامهم يدور حول هذين الموضوعين وأُسّ نظريّتهم أنّ الإيمان هوالتصديق بالقلب، أو التصديق بالقلب والإقرار باللسان، أو ما يقرب من ذلك، فأخرجوا العمل من حقيقة الإيمان، واكتفوا بالتصديق القلبي ونحوه ويترتّب على ذلك الأصل أُمور:
1ـ إنّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص، لأنّ أمر التصديق دائر بين الوجود والعدم، ومثله تفسير الإيمان بالإقرار باللسان، فهو أيضاً كذلك وليس العمل داخلاً في حقيقته حتّى يقال: إنّ العمل يكثر ويقلّ، وسيوافيك نظرنا فيه.
2ـ إنّ مرتكب الكبيرة مؤمن حقيقة، لكفاية التصديق القلبي أو الإقرار باللسان في الاتّصاف بالإيمان، وهؤلاء في هذه العقيدة يخالفون الخوارج والمعتزلة. أمّا الأُولى: فلأنّهم يعدّون العمل عنصراً مؤثراً في الإيمان بحيث

صفحه 111
يكون تارك العمل كافراً، وقد اشتهر عنهم بأنّ مرتكب الكبائر كافر، وليس المؤمن إلاّ من تحرّز من الكبائر.
وأماّ الثانية: فلأنهّم يعتقدون أنّ مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر. والمعتزلة أخفّ وطأة من الخوارج، وإن كانت الطائفتان مشتركتين في إدخال العمل في حقيقة الإيمان.
3ـ إنّ مرتكب الكبيرة لا يخلّد في النار وإن لم يتب، ولا يحكم عليه بالوعيد والعذاب قطعاً لاحتمال شمول عفوه سبحانه له، خلافاً للمعتزلة الّذين يرون أنّ صاحب الكبيرة يستحقّ العقوبة إذا لم يتب وإنّ من مات بلا توبة يدخل النّار، وقد كتبه الله على نفسه فلا يعفو(1).
هذه عقيدة المرجئة عرضناها على وجه الإجمال. وقد تأثّر أهل السنّة ببعض هذه الفروع كالقول بعدم تخليد عصاة المؤمنين في النار، وجواز تخلّف الوعيد دون الوعد.
وهاهنا سؤال وهو أنّه إذا كانت حقيقة الإرجاء هو الاكتفاء في الحكم بالإيمان بالتصديق القلبي، أو الإقرار باللسان، فما هو الوجه في لعنهم والتبرّي منهم، إذ ليست هذه النظرية بمجرّدها سبباً للّعن والتحاشي والتبرّي بهذه الدرجة.
والإجابة عنه: هي إنّ التبرّي منهم ليس لأجل هذه النظرية، بل لأجل

1 . ذكر الشيخ الأشعري فروعاً أُخر لهم في هذا المجال. لاحظ مقالات الإسلاميين: 126 ـ 147.

صفحه 112
أنهّم جرّدوا الأعمال من الإيمان ولم يعتقدوها من الفرائض(1) ولم يتقيّدوا بها في مجال الفعل والترك،ولأجل ذلك أصبح الإيمان عندهم يتلخّص في التصديق القلبي،والإقرار اللّفظي.
ولا يخفى أنّ هذه العقيدة خاطئة جدّاً، إذ لو صحّت فعندئذ لا يتجاوز الإيمان عن التصديق القلبي أو الإقرار باللسان، فما أسهل الإسلام وأيسره لكلّ من انتسب إليه ولو انتساباً شكليّاً.
قال الصاحب بن عبّاد: ادّعت المرجئة أنّ قاتل النفس بغير الحقّ، وسارق المال، ومخيف السبل، ومرتكب الزنا، وشارب الخمر، لايقطع أنّهم من أهل النار، وإن ماتوا مصرّين. وقالت العدليّة: بل هم من أهل النار
مخلّدون لا يجدون عنها حولاً، لأنّ الله أخبر ( وَ إِنَّ الفُجَّارَ لَفِي جَحِيم)(2)ولم يخصّ فاجراً عن فاجر، فقال عزّ وجلّ: (إِنَّ الأبْرَارَ لَفِي نَعِيم * وَإِنَّ الفُجّارَ لَفِي جَحِيمٌ * يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدّين * وَ مَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ)(3)، وقال تعالى: (وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا وَ غَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً)(4).
فإن قالوا فقد قال الله تعالى: (إِنَّ اللّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مَا

1 . كنز الفوائد : 125 .
2 . الانفطار: 14.
3 . الانفطار: 13 ـ 16 .
4 . النساء: 93.

صفحه 113
دُونَ ذِلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (1) فالجواب أنّه تعالى قال في هذه الآية: « لمن يشاء» والمشيئة مغيّبة عنّا، إلى أن نعرفها بالأدلّة، وقد بيّن «من يشاء» بقوله:
(إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) (2)، فهو يكفّر الصغائر بتجنّب الكبائر، والكبائر بالتوبة، قال سبحانه : (وَ أَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ)(2).(3)
وهنا وجه آخر للعنهم وهو يرجع إلى قولهم بالإرجاء بالمعنى الأوّل أعني التوقّف في أمر الإمام عليّ أمير المؤمنين (عليه السلام) وعدم الحكم بشيء فيه من الإيمان وضدّه. وأيّ مصيبة أعظم من التوقّف في إيمان أخي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وصنوه ووزيره، وهو الصدّيق الأكبر، وأوّل المؤمنين. قال ـ صلوات الله عليه ـ: «ولقد كنت أتّبعه (الرسول) اتّباع الفصيل أثر أُمّه، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه علماً، ويأمرني بالاقتداء به. ولقد كان يجاور في كلّ سنة بـ(حراء)، فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وخديجة وأنا ثالثهما. أرى نور الوحي والرسالة وأشمّ ريح النبوّة»(4).
أفي مثله يتوقّف الإنسان المنصف في الحكم بإيمانه؟!

1 . النساء: 48.   2 . النساء: 31.
2 . الزمر: 54.
3 . الإبانة عن مذهب أهل العدل بحجج القرآن والعقل للصاحب (المتوفّى 385 هـ) : 23، المطبوع ضمن نفائس المخطوطات.
4 . نهج البلاغة: 3 / 161 ـ 182، الرقم 187، الخطبة القاصعة.

صفحه 114
فإن كنت لاتدري فتلك مصيبة *** وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
إذا عرفت هذا فلنرجع إلى تبيين حقيقة الإيمان وتحديده لغةً وكتاباً وسنّةً.

آراء ونظريات حول الإيمان:

اختلف العلماء في ماهيّة الإيمان ولهم أقوال أربعة نعرضها مع التحليل:
1ـ الإيمان هو معرفة الله بالقلب فقط، وإن أظهر اليهوديّة، والنصرانية، وسائر أنواع الكفر بلسانه، فإذا عرف الله بقلبه فهو مؤمن. نسب إلى الجهم بن صفوان وغيره.
2ـ إنّ الإيمان هو إقرار باللّسان بالله تعالى وشريعته، وإن اعتقد الكفر بقلبه، فإذا فعل ذلك فهو مؤمن، وهو قول محمد بن كرّام السجستاني.
3ـ الإيمان معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وأنّ الأعمال ليست إيماناً، ولكنّها شرائع الإيمان، وهو قول جماعة من الفقهاء، وهو الأقوى كما سيوافيك.
4ـ الايمان هو المعرفة بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح، وأنّ كلّ طاعة واجبة، بل الأعمّ منها ومن النافلة فهي إيمان، وكلّما ازداد

صفحه 115
الإنسان عملاً، إزداد ايماناً، وكلّما نقص نقص إيمانه.(1)
وإليك تحليل الآراء والأقوال:

ما هو الإيمان لغةً وكتاباً:

إنّ الإيمان لغة هو التصديق، وهو على وزن «إفعال» من الأمن بمعنى سكون النفس واطمئنانها لعدم وجود سبب الخوف، فحقيقة قوله «آمن به» : أذعن به، وسكنت نفسه، واطمأنّت بقبوله فيؤول «الباء» في الحقيقة إلى السببية، وهو تارة يتعدّى بالباء كما في قوله تعالى: (آمنّا بما أنْزَلْت)(2)، وأُخرى باللام كقوله سبحانه: (وما أنتَ بِمُؤْمِن لَنا)(3)، وقوله تعالى: (فآمَنَ لَهُ لُوطٌ)(4) .
فإذا كان الإيمان بمعنى التصديق لغة، فهل يكفي التصديق لساناً فقط، أو جناناً فقط، أو لا يكفي هذا ولا ذاك، بل يشترط الجمع، والظّاهر من الكتاب العزيز هو الأخير. فالإيمان بمقتضى الآيات عبارة عن التّصديق بالقلب، الظّاهر باللسان، أو ما يقوم مقامه، ولا يكفي واحد منهما وحده. أمّا
عدم كفاية التصديق القلبي فلقوله تعالى: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُم

1 . الفصل : 3 / 188، ونسب إلى محمد بن زياد الحريري الكوفي قول خامس ساقط جداً، ومن شاء فليرجع إليه.
2 . آل عمران: 53.
3 . يوسف: 17.
4 . العنكبوت: 26.

صفحه 116
ظُلْماً وَ عُلُوّاً) (1)، وقوله سبحانه: (فَلَمّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ)(2)، فأثبت لليهود المعرفة وفي الوقت نفسه الكفر. وهذا يعرب عن أنّ الاستيقان النفساني لا بدّ له من مظهر كالإقرار باللسان، أو الكتابة، أو الإشارة كما في الأخرس.
ويمكن أن يقال: إنّه يكفي التّصديق القلبي، ولكنّ الإنكار باللسان مانع، فلو علم أنّه مذعن قلباً، ولم ينكره لساناً، لكفى في الحكم بالإيمان، كما كفى في تحقّقه واقعاً.
وأمّا عدم كفاية التصديق اللّساني فلقوله تعالى : (قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَ لمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلوبِكُمْ)(3)، والأعراب صدّقوا بألسنتهم، وأنكروه بقلوبهم أو شكّوا فيه. وهؤلاء جروا في توصيف أنفسهم بالإيمان على مقتضى اللّغة، وادّعوا أنّهم مصدّقون قلباً وجناناً، فردّ الله عليهم بأنّهم مصدّقون لساناً، لا جناناً، وأسماهم مسلمين، ونفى كونهم مؤمنين.
وعلى ضوء هذه الآيات يتبيّن فساد القولين الأوّلين وتظهر قوةّ القول الثالث وهو كون الإيمان لغة: هو التّصديق القلبي، لكنّ الكتاب العزيز دلّ على عدم كفاية التصديق القلبي وأنّه يشترط أن يكون معه إقرار أو ما يقوم

1 . النمل: 14.
2 . البقرة: 89.
3 . الحجرات: 14.

صفحه 117
مقامه من الكتابة والإشارة يدلّ على التسليم الباطني، وقد عرفت ما احتملناه أخيراً.
وأمّا الأثر المترتّب على الإيمان بهذا المعنى في الدنيا، فهو حرمة دمه وعرضه وماله إلاّ أن يرتكب قتلاً أو يأتي بفاحشة.وأمّا الأثر المترتّب عليه في الآخرة فهو صحّة أعماله واستحقاق الثواب عليها ـ لو قام بها ـ وعدم الخلود في النار، واستحقاق العفو والشفاعة.
وأمّا السعادة الأُخرويّة فهي رهن العمل كما يأتي بيانه. فمن صدّق لساناً وجناناً، ولكن تجرّد عن العمل والامتثال، فهو مؤمن فاسق، وليس بكافر (خلافاً للخوارج)، ولا هو في منزلة بين المنزلتين أي بين الايمان والكفر (خلافاً للمعتزلة)، ولا يكفي في النّجاة، بل ـ إن لم يتب ـ يدخل النار ويعذّب فيها.
وهذه هي النقطة الّتي يفترق فيها أهل الحقّ عن المرجئة، فإنّهم يقولون إنّ التصديق لساناً أو جناناً أو معاً، يكفي في النجاة من النار و دخول الجنّة، ويثيرون في العصاة روح الطغيان على المُثل والأخلاق، اعتماداً على أنّهم مؤمنين وإن فعلوا الكبائر وارتكبوا الموبقات. وإليك تحليل أدلّة سائر الأقوال على ضوء الأقوال الّتي سردناها في صدر البحث.

صفحه 118

 

هل الإيمان هو التصديق القلبي؟

استدلّ القائل بأنّ الإيمان هو التصديق القلبي مضافاً إلى ما مرّ من الآيات في صدر البحث(1) بأنّ القرآن نزل بلسان عربيّ مبين، وخاطبنا الله بلغة العرب، وهو في اللغة التصديق، والعمل بالجوارح لايسمّى إيماناً.
يلاحظ عليه: أنّه يكفي في إثبات خروج العمل عن حقيقة الإيمان، وأمّا كون التصديق بالقلب كافياً في صدق الإيمان فلا يثبته، كيف وقد دلّت الآية على أنّ الجحد لساناً أو بغيره، والاستيقان قلباً يوجب دخول الجاحد في عداد الكفّار. قال سبحانه: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أنفُسُهُم ظُلْماً وَعُلُوّاً)(2) .
غاية ما يمكن أن يقال ما عرفت من أنّ التصديق القلبي كاف في تحقّق الايمان، والجحد لساناً مانع، فلو تحقّق التصديق القلبي ولم يقترن بالجحد عناداً لكفى في كون الرجل مؤمناً ثبوتاً وواقعاً، وأمّا الحكم بكونه مؤمناً إثباتاً فيحتاج إلى إظهاره باللسان، أو بالعمل، أو العلم بكونه معتقداً بطريق من الطرق.
ثمّ إنّ ابن حزم الظاهري (المتوفّى 456 هـ) أورد على هذا القول بوجهين:

1 . (وَ مَا أَنْتَ بِمُؤْمِن ) (يوسف : 17)، (فَأَمَنَ لَهُ لُوطٌ) (العنكبوت : 26).
2 . النمل: 14.

صفحه 119
الأوّل: أنّ الإيمان في اللغة ليس هو التصديق، لأنّه لا يسمّى التصديق بالقلب دون التصديق باللسان إيماناً في لغة العرب، وما قال قطّ عربيّ إنّ من صدّق شيئاً بقلبه فأعلن التكذيب بلسانه، أنّه يسمّى مصدّقاً به ولا مؤمناً به. وكذلك ما سمّي قطّ التصديق باللسان دون التصديق بالقلب إيماناً في لغة العرب أصلاً.
الثاني: لو كان ما قالوه صحيحاً لوجب أن يطلق اسم الإيمان لكلّ من صدّق بشيء ما، ولكان من صدّق بإلهيّة الحلاّج والمسيح والأوثان مؤمنين، لأنّهم مصدّقون بما صدّقوابه(1).
يلاحظ عليه: أنّ الوجه الأوّل صحيح لو رجع إلى ما ذكرنا من كون الإنكار باللسان مانعاً، وإلاّ فلو صدّق قلباً ولم ينكره بلسانه فهو مؤمن لغةً وقرآناً. غير أنّ الحكم في مقام الإثبات يحتاج إلى الدليل من الإقرار باللسان، أو الكتابة باليد، أو الإشارة بالجوارح.
وأمّا الوجه الثاني، فهو من الوهن بمكان لا يحتاج إلى البيان وكم لهذا الرجل من كلمات واهية. أضف إليه ما في كتابه من بذاءة في الكلام .

هل الإيمان هو الإقرار باللسان؟

إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه ومن بعدهم، اتّفقوا على أنّ من أعلن بلسانه بشهادة الإسلام فإنّه عندهم مسلم محكوم له بحكم الإسلام.

1 . الفصل: 3 / 190.

صفحه 120
أضف إليه قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في السوداء «اعتقها فإنّها مؤمنة»(1).
يلاحظ عليه: أنّ الحكم لهم بالإيمان كان بحسب الظّاهر لا الحكم بأنّه مؤمن عند الله واقعاً، ولذلك لو علم عدم مطابقة اللّسان مع الجنان يحكم عليه بالنفاق. قال سبحانه: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَ بِاليَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤمِنِينَ)(2). ولمّا كان الرسول وأصحابه مأمورين بالحكم بحسب الظاهر قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «أُمرت أن أُقاتل الناس حتّى يشهدوا أن لا إله الاّ الله ويؤمنوا بما أُرسلت به، فإذا عصموا منّي دماؤهم وأموالهم إلاّ بحقّها، وحسابهم على الله» وبذلك يظهر وجه حكمه(صلى الله عليه وآله وسلم)في السوداء «بأنّها مؤمنة».
روى ابن حزم عن خالد بن الوليد أنّه قال: ربّ رجل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّي لم أُبعث لأشقّ عن قلوب الناس.
إلى هنا تبيّن فساد القولين الأوّلين، وأنّ الحقّ هو القول الثالث، وعرفت الأثر المترتّب عليه، إنّما المهم هو نقد القول الرابع الّذي يجعل العمل جزءاً من الإيمان وإليك البحث فيه:
هل العمل جزء من الإيمان ؟   

ليس العمل جزءاً من الايمان:

إذا كانت المرجئة في جانب التفريط، فالخوارج المكفّرة لمرتكبي الكبائر، والمعتزلة القائلة بأنّ من فقد العمل، فهو في منزلة بين المنزلتين، لا

1 . نفس المصدر : 206.   2 . البقرة: 8 .

صفحه 121
مؤمن ولا كافر، في جانب الإفراط. فإنّ الذكر الحكيم ـ مع الدعوة المؤكّدة إلى العمل ـ لايرى العمل جزءاً من الإيمان بل يعطفه عليه، ويراه كمالاً له، لا عنصراً دخيلاً فيه. ويكفي في ذلك الآيات التالية:
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحَاتِ)(1) ، فالعطف يقتضي المغايرة، فلو كان العمل داخلاً فيه لزم التكرار، واحتمال كون المقام من قبيل ذكر الخاص بعد العام يحتاج إلى وجود نكتة لذكره بعده، إلاّ أن يقال: إنّ الصالحات جمع معرّف يشمل الفرض والنفل، والقائل بكون العمل جزءاً من الإيمان يريد بها خصوص فعل الواجبات واجتناب المحرّمات، فحينئذ يصحّ عطف الخاص على العام لحصول المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه.
نعم، الآية تصلح دليلاً على ردّ مقالة من جعل مطلق العمل ـ فرضاً كان أو نفلاً ـ جزءاً من الإيمان.
(وَ مَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ) (2)، والجملة حالية والمقصود: عمل صالحاً حال كونه مؤمناً، وهذا يقتضي المغايرة.
(وَ إِنْ طِائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إْحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللّهِ)(2)،

1 . البقرة: 277.   2 . طه: 112.
2 . الحجرات: 9.

صفحه 122
فأطلق المؤمن على الطائفة العاصية وقال ما هذا معناه: «فإن بغت إحدى الطائفتين من المؤمنين على الطائفة الأُخرى منهم» إلاّ أن يقال: إنّ إطلاق المؤمن بلحاظ حال التلبّس أي بما أنّهم كانوا مؤمنين قبل القتال، لا بلحاظ حال الجري والتكلّم.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ) (1). فأمر الموصوفين بالإيمان، بالتقوى، أي الإتيان بالطاعات والاجتناب عن المحرّمات، فدلّ على أنّ الإيمان يجتمع مع عدم التقوى وإلاّ كان الأمر به لغواً وتحصيلاً للحاصل، إلاّ أن يحمل الأمر على الاستدامة فيخرج عن كونه تحصيلاً للحاصل.
5ـ الآيات الدالّة على كون القلب محلاًّ للإيمان.
منها قوله تعالى: (أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ)(2) . ولو كان العمل جزءاً منه لما كان القلب محلاً لجميعه. وقوله سبحانه : (وَلمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ)(3)، وقوله تعالى: (وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالإيمَانِ)(4).
6 ـ آيات الطبع والختم، فإنّها تشعر بأنّ محلّ الإيمان هو القلب، ولأجل ذلك من طبع أو ختم على قلبه لا يؤمن أبداً.

1 . التوبة: 119.
2 . المجادلة: 22.
3 . الحجرات: 14.
4 . النحل: 106.

صفحه 123
قال تعالى: (أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِم)(1) ، وقال سبحانه: (وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللّهِ)(2).
فإن قلت: دلّ الكتاب على أنّ الإيمان عبارة عن التصديق الظاهر بالإقرار باللّسان أو نحوه. فعندئذ كيف يكون محلّه هو القلب مع أنّ جزءاً منه الإظهار باللّسان ونحوه؟
قلت: قد عرفت أنّ الايمان لغة هو التّصديق قلباً، غاية الأمر دلّ الدليل على عدم كفايته إذا أنكره وجحده باللّسان وإن أذعن به في القلب. بل يمكن أن يقال: إنّ الايمان هو التصديق المورث للسكون والسكينة والتسليم. والجاحد بلسانه لا تحصل له تلك الحالة وإن حصل له العلم، لكن ليس كلّ علم ملازماً للإيمان بل هو أخصّ منه. ولأجل ذلك قال سبحانه: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)(3)، فالإيمان هو المعرفة المورثة للسكون، الباعثة إلى التسليم، ولا تحصل تلك الحالة للجاحد الحاقد.
هذا هو مقتضى الكتاب، ويؤيّده الإجماع حيث جعلوا الإيمان شرطاً

1 . النحل: 108.
2 . الجاثية: 23.
3 . النساء: 65.

صفحه 124
لصحّة العبادات، ولا يكون الشيء شرطاً لصحّة جزئه.
وأمّا السنّة فهناك روايات تدلّ على أنّ الإقرار المقترن بالعرفان، إيمان. وإليك بعضها:
روى الصدوق بسند صحيح عن جعفر الكناسي قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما أدنى ما يكون به العبد مؤمناً؟ قال: يشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً عبده ورسوله، ويقرّ بالطّاعة، ويعرف إمام زمانه، فإذا فعل ذلك فهو مؤمن(1).
ومثله غيره.
وأمّا زيادة الإيمان ونقصانه، فالظّاهر من المتكلّمين أنّ الإيمان لو كان هو التصديق فلا يزيد ولا ينقص، بخلاف ما لو جعلنا العمل جزءاً منه فهو يزيد وينقص بزيادته ونقصانه.
والتحقيق ـ كما سيأتي ـ خلافه، فهو على كلا القولين يزيد وينقص، لأنّ التصديق ذو مراتب، والتسليم مثله ذو درجات، وليس تسليم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وآله(عليهم السلام)لله ولأحكامه ولفروضه ولسننه أو معرفتهم وإذعانهم، كتسليم ومعرفة سائر الناس، ومن أنكر ذلك فإنّما ينكره بلسانه ولكن قلبه مطمئنّ ببطلانه.
   

1 . البحار : 66 / 16، كتاب الإيمان والكفر نقلاً عن (معاني الأخبار).

صفحه 125

 

هل العمل جزء من الايمان؟

احتجّ القائل بأنّ العمل جزء من الإيمان بآيات:
1 ـ قوله سبحانه: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيماناً مَعَ إِيْمَانِهِمْ) (1). ولو كانت حقيقة الإيمان هي التّصديق، لما قبل الزيادة والنقيصة، لأنّ التصديق أمره دائر بين الوجود والعدم. وهذا بخلاف ما لو كان العمل جزءاً من الايمان. فعندئذ يزيد وينقص حسب زيادة العمل ونقيصته. والزيادة لا تكون إلاّ في كمّية عدد لا في ما سواه، ولا عدد للاعتقاد ولا كمّية له (2).
يلاحظ عليه: أنّ الإيمان بمعنى الإذعان أمر مقول بالتشكيك. فلليقين مراتب، فيقين الإنسان بأنّ الاثنين نصف الأربع، يفارق يقينه في الشدّة والظهور، بأنّ نور القمر مستفاد من الشمس، كما أنّ يقينه الثاني، يختلف عن يقينه بأنّ كلّ ممكن فهو زوج تركيبي له ماهيّة ووجود، وهكذا يتنزّل اليقين من القوّة إلى الضعف، إلى أن يصل إلى أضعف مراتبه الّذي لو تجاوز عنه لزال وصف اليقين، ووصل إلى حدّ الظنّ، وله أيضاً مثل اليقين درجات ومراتب، ويقين الإنسان بالقيامة ومشاهدها في هذه النشأة ليس كيقينه بعد
الحشر والنشر، ومشاهدتها بأُمّ العين. قال سبحانه: (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَة مِنْ

1 . الفتح: 4.
2 . الفصل : 3 / 194.

صفحه 126
هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَومَ حَدِيد) (1) ، فمن ادّعى بأنّ أمر الإيمان بمعنى التصديق والإذعان، دائر بين الوجود والعدم، فقد غفل عن حقيقته ومراتبه. فهل يصحّ لنا أن ندّعي أنّ إيمان الأنبياء بعالم الغيب، كإيمان الإنسان العادي، مع أنّ مصونيّتهم من العصيان والعدوان رهن علمهم بآثار المعاصي وعواقبه، الّذي يصدّهم عن اقتراف المعاصي وارتكاب الموبقات. فلو كان إذعانهم كإذعان سائر الناس، لما تميّزوا بالعصمة عن المعصية. وما ذكره من أنّ الزيادة تستعمل في كميّة العدد منقوض بآيات كثيرة استعملت الزيادة فيها في غير زيادة الكمّية. قال سبحانه: (وَ يَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً)(2). وقال: (وَ لَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا القُرآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَ مَا يَزِيدُهُمْ إلاّ نُفُوراً)(3). والمراد شدّة خشوعهم ونفورهم، لا كثرة عددهما، إلى غير ذلك من الآيات الّتي استعمل فيها ذلك اللّفظ في القوّة والشدّة لا الكثرة العدديّة.
2 ـ قوله سبحانه: (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) (4)، وإنّما عنى بذلك صلاتهم إلى بيت المقدس قبل أن تنسخ بالصّلاة إلى الكعبة.
يلاحظ عليه: أنّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة، ولا نشكّ في أنّ العمل أثر للإذعان وردّ فعل له، ومن الممكن أن يطلق السبب ويراد به المسبّب. إنّما

1 . ق: 22.
2 . الإسراء: 109.
3 . الإسراء: 41.
4 . البقرة: 143.

صفحه 127
الكلام في أنّ الإيمان لغةً وكتاباً موضوع لشيء جزؤه العمل وهذا ممّا لا يثبته الاستعمال. أضف إليه أنّه لو أخذنا بظاهرها الحرفي، لزم أن يكون العمل نفس الإيمان لا جزءاً منه، ولم يقل به أحد.
3ـ قوله سبحانه: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً ممّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)(1) . أقسم سبحانه بنفسه أنّهم لا يؤمنون إلاّ بتحكيم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والتسليم بالقلب وعدم وجدان الحرج في قضائه. والتحكيم غير التصديق والتسليم، بل هو عمل خارجي.
يلاحظ عليه: أنّ المنافقين ـ كما ورد في شأن نزول الآية ـ كانوا يتركون النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ويرجعون في دعاويهم إلى الأحبار و ـ مع ذلك ـ كانوا يدّعون الإيمان بمعنى الإذعان والتسليم للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فنزلت الآية بأنّه لايقبل منهم ذلك الإدّعاء حتّى يرى أثره في حياتهم، وهو تحكيم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في المرافعات، والتسليم العملي أمام قضائه، وعدم إحساسهم بالحرج ممّا قضى. وهذا ظاهر متبادر من الآية وشأن نزولها. فمعنى قوله سبحانه: (فلا وربّك لا يؤمنون)، أنّه لا يقبل ادّعاء الإيمان منهم إلاّ عن ذلك الطريق. وبعبارة ثانية; إنّ الآية وردت في سياق الآيات الآمرة بإطاعة النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال سبحانه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إلاّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ)(2)، والمنافقون كانوا

1 . النساء: 65.
2 . النساء: 64.

صفحه 128
يدّعون الإيمان، وفي الوقت نفسه كانوا يتحاكمون إلى الطاغوت. فنزلت الآية، وأعلنت أنّ مجرّد التصديق لساناً ليس إيماناً. بل الايمان تسليم تامّ باطني وظاهري.فلا يستكشف ذلك التسليم التامّ، إلاّ بالتسليم للرسول ظاهراً، وعدم التحرّج من حكم الرّسول باطناً، وآية ذلك ترك الرُّجوع إلى الطاغوت ورفع النزاع إلى النبي، وقبول حكمه بلا حرج. فأين هو من كون نفس التحكيم جزءاً من الإيمان؟
4ـ قوله سبحانه: (وَللّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إليهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ) (1) سمّى سبحانه تارك الحجّ كافراً.
يلاحظ عليه: أنّ المراد إمّا كفران النّعمة وأنّ ترك المأمور به كفران لنعمة الأمر، أو كفر الملة لأجل جحد وجوبه.
5ـ قوله سبحانه: (وَمَا أُمِرُوا إلاّ لِيَعْبُدُوا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَ يُقِيمُوا الصَّلوةَ وَ يُؤْتُوا الزَّكَوةَ وَ ذَلِكَ دِينُ القَيِّمَة)(2) . والمشار إليه بلفظة «ذلك» جميع ما جاء بعد «إلاّ» من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فدلّت هذه الآية على دخول العبادات في ماهية الدين.
والمراد من الدين، هو الإسلام لقوله سبحانه (إنّ الدِّينَ عِنْدَ اللّهِ الإسلام)(3).

1 . آل عمران: 97.
2 . البيّنة: 5.
3 . آل عمران: 19.

صفحه 129
وعلى ضوء هذا، فالعبادات داخلة في الدين حسب الآية الأُولى، والمراد من الدين هو الإسلام حسب الآية الثانية، فيثبت أنّ العبادات داخلة في الإسلام، وقد دلّ الدليل على وحدة الإسلام والإيمان وذلك بوجوه:
الف ـ الإسلام هو المبتغى لقوله: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ)(1)، والإيمان أيضاً هو المبتغى، فيكون الإسلام والإيمان متّحدين.
ب ـ قوله سبحانه: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ بَلِ اللّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ للإيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)(2)، فجعل الإسلام مرادفاً للإيمان.
ج ـ قوله سبحانه: (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ المؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْت مِنَ المُسْلِمِينَ) (3)، وقد أُريد من المؤمنين والمسلمين معنى واحداً، فهذه الآيات تدلّ على وحدة الإسلام والإيمان. فإذا كانت الطاعات داخلة في الإسلام فتكون داخلة في الإيمان أيضاً لحديث الوحدة(4).
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه من المحتمل قوياً أن يكون المشار إليه في قوله (وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) هو الجملة الأُولى بعد «إلاّ» أعني: (لِيَعْبُدُوا اللهَ

1 . آل عمران : 85.
2 . الحجرات : 17.
3 . الذاريات : 35 ـ 36.
4 . الفصل: 3 / 234 ; البحار: 66 / 16 ـ 17.

صفحه 130
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)لا جميع ما وقع بعدها من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والمراد من قوله: (لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) هو إخلاص العبادة لله، كإخلاص الطاعة(1) له، والشّاهد على ذلك قوله سبحانه: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللّهِ الَّتِي فَطَرَ الناسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّهِ ذلِكَ الدّينُ القَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ)(2). فإنّ وزان قوله: (ذلك الدّين القيّم) وزان قوله: (ذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)والمشار إليه في الجملة الأُولى هو الدين الحنيف الخالص عن الشرك، بإخلاص العبادة والطاعة له سبحانه.
ثانياً : يمنع كون العبادات داخلة في الإسلام حتّى في قوله سبحانه: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللّهِ الإسلام)، وقوله تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلامِ دِيناً...)، لأنّ المراد منه هو التسليم أمام الله وتشريعاته، بإخلاص العبادة والطاعة له في مقام العمل دون غيره من الأوثان والأصنام، وبهذا المعنى سمّي إبراهيم «مسلماً» في قوله تعالى: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً ولانَصْرانِياً وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَ مَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ)(3)، وبهذا المعنى طلب يوسف من ربّه أن يميته مسلماً قال سبحانه حكاية عنه: (تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ)(4)، إلى غير ذلك من الآيات الواردة حول إخلاص العبادة له، والتجنّب من الشّرك، فلو فرض أنّ العبادة داخلة في مفهوم

1 . المراد من الدين في قوله: (مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) هو الطاعة.
2 . الروم : 30.
3 . آل عمران : 67.
4 . يوسف : 101.

صفحه 131
الدين، فلا دليل على دخولها في مفهوم الإسلام.
ثالثاً: نمنع كون الإسلام والإيمان بمعنى واحد، فالظاهر من الذكر الحكيم اختلافهما مفهوماً. قال سبحانه: (قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلِكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَ لمّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلوبِكُمْ)(1)، فلو استعمل الإسلام أو المسلمين وأُريد منهما الإيمان والمؤمنين في مورد أو موردين، فهو لوجود قرينة تدلّ على أنّ المراد من العامّ هو الخاصّ.
إلى غير ذلك من الآيات الّتي جمعها ابن حزم في «الفصل»(2)، ولا دلالة فيها على ما يرتئيه، والإستدلال بهذه الآيات يدلّ على أنّ الرّجل ظاهريّ المذهب إلى النهاية يتعبّد بحرفيّة الظواهر، ولا يتأمّل في القرائن الحافّة بالكلام وأسباب النزول.
نعم هناك روايات عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) تعرب عن كون العمل جزءاً من الإيمان وإليك بعضها:
1 ـ روى الكراجكي عن الصادق أنّه قال: «ملعون ملعون من قال: الإيمان قول بلا عمل».(3)
2 ـ روى الكليني عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: «قيل لأمير

1 . الحجرات : 13.
2 . الفصل: بكسر الفاء وفتح الصاد بمعنى النخلة المنقولة من محلّها الى محلّ آخر لتثمر، كقصعة وقصع.
3 . البحار : 69 / 19، الحديث 1.

صفحه 132
المؤمنين (عليه السلام): من شهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله كان مؤمناً؟ قال: فأين فرائض الله؟ قال: وسمعته يقول: كان عليّ (عليه السلام) يقول: لو كان الإيمان كلاماً لم ينزل فيه صوم، ولا صلاة، ولا حلال، ولا حرام، قال: وقلت لأبي جعفر (عليه السلام): إنّ عندنا قوماً يقولون: إذا شهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله فهو مؤمن قال: فلم يضربون الحدود؟ ولم تقطع أيديهم؟ وما خلق الله عزّ وجلّ خلقاً أكرم على الله عزّ وجلّ من المؤمن، لأنّ الملائكة خدّام المؤمنين وأنّ جوار الله للمؤمنين، وأنّ الجنّة للمؤمنين، وأنّ الحور العين للمؤمنين، ثمّ قال: فما بال من جحد الفرائض كان كافراً».(1)
والمراد من «جحد الفرائض» تركها عمداً بلا عذر، لا جحدها قلباً وإلاّ لما صلح للاستدلال.
3 ـ روى الكليني عن محمّد بن حكيم قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): الكبائر تخرج من الإيمان؟ فقال: «نعم وما دون الكبائر، قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): لا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق وهو مؤمن».(2)
4 ـ وروى أيضاً عن عبيد بن زرارة قال: دخل ابن قيس الماصر وعمر بن ذرّ ـ وأظنّ معهما أبو حنيفة ـ على أبي جعفر (عليه السلام)، فتكلّم ابن قيس الماصر فقال: إنّا لا نخرج أهل دعوتنا وأهل ملّتنا من الإيمان في المعاصي والذنوب. قال: فقال له أبو جعفر (عليه السلام): «يا ابن قيس أمّا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقد قال: لا يزني

1 . الكافي : 2 / 33، الحديث 2; البحار : 66 / 19، الحديث 2.
2 . الكافي : 2 / 284 ـ 285، الحديث 21.

صفحه 133
الزاني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق وهو مؤمن، فاذهب أنت وأصحابك حيث شئت».(1)
5 ـ وعن الرضا عن آبائه ـ صلوات الله عليهم ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ: «الإيمان معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان».(2)
إلى غير ذلك من الروايات الّتي جمعها العلاّمة المجلسي (قدس سره)في بحاره، باب «الإيمان مبثوث على الجوارح».(3)
أقول: الظاهر أنّها وردت لغاية ردّ المرجئة الّتي تكتفي في الحياة الدينية بالقول والمعرفة، وتؤخّر العمل وترجو رحمته وغفرانه مع عدم القيام بالوظائف، وقد تضافر عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) لعن المرجئة.
روى الكليني عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «لعن الله القدريّة، لعن الله الخوارج، لعن الله المرجئة، لعن الله المرجئة»، فقلت: لعنت هؤلاء مرّة مرّة ولعنت هؤلاء مرّتين؟ قال: «إنّ هؤلاء يقولون: إنّ قَتَلَتَنا مؤمنون، فدماؤنا
متلطّخة بثيابهم إلى يوم القيامة. إنّ الله حكى عن قوم في كتابه: (ألاّ نُؤْمِنُ لِرَسُول حَتّى يَأْتِينَا بِقُرْبَان تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُموهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)قال: كان بين القاتلين

1 . الكافي : 2 / 285، الحديث 22.
2 . عيون أخبار الرضا : 1 / 226.
3 . بحار الأنوار : 69 / 18 ـ 149، الباب 30 من كتاب الكفر والإيمان .

صفحه 134
والقائلين خمسمائة عام فألزمهم الله القتل برضاهم ما فعلوا».(1)
وروى أيضاً عن أبي مسروق قال:سألني أبو عبدالله (عليه السلام) عن أهل البصرة ما هم؟ فقلت: مرجئة وقدريّة وحروريّة، قال: «لعن الله تلك الملل الكافرة المشركة الّتي لا تعبد الله على شيء».(2)
إلى غير ذلك من الرِّوايات الواردة في ذمّ هذه الفرقة الّتي كانت تثير روح العصيان والتمرّد على الأخلاق والمثل بين الشباب، وتحرّضهم على اقتراف الذنوب والمعاصي رجاء المغفرة.
والّذي يظهر من ملاحظة مجموع الأدلّة، هو أنّ الايمان ذو مراتب ودرجات، ولكل أثره الخاصّ.
1 ـ مجرّد التصديق بالعقائد الحقّة، وقد عرفت ثمرته وهي حرمة دمه وعرضه وماله، وبه يناط صحّة الأعمال واستحقاق الثّواب، وعدم الخلود في النار، واستحقاق العفو والشفاعة.
2 ـ التصديق بها مع الاتيان بالفرائض الّتي ثبت وجوبها بالدليل القطعي كالقرآن، وترك الكبائر الّتي أوعد الله عليها النار، وبهذا المعنى أطلق الكافر على تارك الصلاة، ومانع الزكاة، وتارك الحجّ، وعليه ورد قوله (صلى الله عليه وآله وسلم)«لا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق وهو مؤمن» وثمرة هذا الإيمان عدم استحقاق الإذلال والإهانة والعذاب في الدنيا والآخرة.

1 . الكافي : 2 / 409، الحديث 1. والآية 183 من سورة آل عمران.
2 . الكافي: 2 / 409، الحديث 2.

صفحه 135
3 ـ التصديق بها مع القيام بفعل جميع الواجبات وترك جميع المحرّمات. وثمرته اللّحوق بالمقرّبين، والحشر مع الصديقين وتضاعف المثوبات، ورفع الدرجات.
4 ـ نفس ما ذكر في الدرجة الثالثة لكن بإضافة القيام بفعل المندوبات، وترك المكروهات، بل بعض المباحات، وهذا يختصّ بالأنبياء والأوصياء(1).
ويعرب عن كون الإيمان ذا درجات ومراتب، ما رواه الكليني عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث قال: «قلت: ألا تخبرني عن الإيمان؟ أقول هو وعمل، أم قول بلا عمل؟ فقال: «الإيمان عمل كلّه، والقول بعض ذلك العمل، بفرض من الله بيّن في كتابه، واضح نوره، ثابتة حجّته، يشهد له به الكتاب، ويدعوه إليه»، قال: قلت: صفه لي جعلت فداك حتّى أفهمه، قال: «الإيمان حالات ودرجات وطبقات، ومنازل: فمنه التامّ المنتهى تمامه، ومنه الناقص البيّن نقصانه، ومنه الراجح الزائد رجحانه».
قلت: إنّ الإيمان ليتمّ وينقص ويزيد؟ قال: «نعم»، قلت: كيف ذلك؟ قال: «لأنّ الله تبارك وتعالى فرض الإيمان على جوارح ابن آدم وقسّمه عليها وفرّقه فيها، فليس من جوارحه جارحة إلاّ وقد وكلت من الإيمان بغير ما وكلت به أُختها...».(2)

1 . البحار : 69 / 126 ـ 127.
2 . البحار : 69 / 23 ـ 24. لاحظ تمام الرواية وقد شرحها العلامة المجلسي.

صفحه 136
ويعرب عنه أيضاً ما رواه الصدوق عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «ليس الايمان بالتحلّي، ولا بالتمنّي، ولكنّ الإيمان ما خلص في القلب، وصدّقه الأعمال».(1)
والمراد بالتحلّي التزيّن بالأعمال من غير يقين بالقلب، كما أنّ المراد من التمنّي هو تمنّي النجاة بمحض العقائد من غير عمل.
وفي ما رواه النعماني في كتاب القرآن عن أمير المؤمنين (عليه السلام)شواهد على ذلك التقسيم.(2)

خاتمة المطاف

إنّ البحث في أنّ العمل هل هو داخل في الإيمان أم لا، وإن كان مهمّاً قابلاً للمعالجة في ضوء الكتاب والسنّة، كما عالجناه، إلاّ أنّ للبحث وجهاً آخر لا تقلّ أهميته عن الوجه الأوّل وهو تحديد موضوع ما نطلبه من الآثار. فإذا دلّ الدليل على أنّ الموضوع لهذا الأثر أو لهذه الآثار هو نفس الاعتقاد الجازم، أو هو مع العمل، يجب علينا أن نتّبعه سواء أصدق الإيمان على المجرّد أم لا ؟ سواء كان العمل عنصراً مقوّماً أم لا ؟
مثلاً; إنّ حقن الدماء وحرمة الأعراض والأموال يترتّب على الإقرار باللسان سواء أكان مذعناً في القلب أم لا، ما لم تعلم مخالفة اللسان مع

1 . البحار : 69 / 72، نقلاً عن معاني الأخبار : 187.
2 . البحار : 69 / 73 ـ 74، نقلاً عن تفسير النعماني.

صفحه 137
الجنان. ولأجل ذلك نرى أنّ كلّ عربيّ وعجميّ وأعرابيّ وقرويّ أقرّ بالشهادتين عند الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)حكم عليه بحقن دمه واحترام ماله. قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «أُمرت أن أُقاتل الناس حتّى يقولوا لا إله إلاّ الله، فإذا قالوها فقد حرم عليّ دماؤهم وأموالهم»(1).
فهذه الآثار لا تتطلّب أزيد من الإقرار باللّسان ما لم تعلم مخالفته للجنان، سواء أصحّ كونه مؤمناً أم لا.
وأمّا غير هذه من الآثار التي نعبّر عنه بالسعادة الأُخروية فلا شكّ أنّها رهن العمل، وأنّ مجرّد الاعتقاد والإقرار باللسان لا يسمن ولا يغنى من
جوع. وهذا يظهر بالرجوع إلى الكتاب والسنّة. قال سبحانه: (إِنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ)(2). نرى أنّه ينفي الإيمان عن غير العامل.
وما هذا إلاّ لأنّ المراد منه، الإيمان المؤثّر في السعادة الأُخرويّة، وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «لأنسبنّ الإسلام نسبة لم ينسبها أحد قبلي، الإسلام هو التسليم، والتسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق، والتصديق هو الإقرار، والإقرار هو الأداء، والأداء هو العمل»(3).
فالإمام (عليه السلام) بصدد بيان الإسلام الناجع في الحياة الأُخروية، ولأجل

1 . بحار الأنوار : 68 / 242.
2 . الحجرات: 15.
3 . نهج البلاغة : قسم الحكم ، الرقم 125.

صفحه 138
ذلك فسّره نهايةً بالعمل. ولكنّ الإسلام الّذي ينسلك به الإنسان في عداد المسلمين، ويحكم له وعليه ظاهراً ما يحكم للسائرين من المسلمين، تكفي فيه الشهادة باللّفظ ما لم تعلم المخالفة بالقلب، وعلى ذلك جرت سيرة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه.
فلو أوصلَنا السبر والدقّة إلى تحديد الإيمان فهو المطلوب، وإلاّ فالمهمّ هو النظر إلى الآثار المطلوبة وتحديد موضوعاتها حسب الأدلّة، سواء أصدق عليه الإيمان أم لا،سواء أدخل العمل في حقيقته أم لا كما تقدّم. هذا ما ذكرناه هنا عجالة، وسوف نميط الستر عن وجه الحقيقة عند البحث عن عقيدة الطائفتين ـ المعتزلة والخوارج ـ في مورد مرتكب الكبيرة، ونحدّد مفهوم الإيمان في ضوء الكتاب والسنّة.

المرجئة والفرق الأُخرى:

الإنسان يتصوّر بادئ بدء أنّ المرجئة كسائر الطوائف لهم آراء في جميع المجالات الكلاميّة، خاصّة بهم، يفترقون بها عن غيرهم، ولكن سرعان ما يتبيّن له أنّ الأصل المقوّم للمرجئة هو مسألة تحديد الإيمان والكفر. وأمّا الموضوعات الأُخرى فليس لهم فيها رأي خاصّ. ولأجل ذلك تفرّقوا في آخر أمرهم إلى فرق متبدّدة ومتضادّة. فترى مرجئياً يتّبع منهج الخوارج، ومرجئياً آخر يقتفي أثر القدريّة، وثالثاً يشايع الجبريّة. وما هذا إلاّ لأنّ الإرجاء قام على أصل واحد وهو تحديد الإيمان بالإقرار أو باللسان أو

صفحه 139
المعرفة القلبية. وأمّا الأُصول الأُخرى فليس لهم فيها رأي خاصّ قطّ. وصار هذا سبباً لذوبانهم في الفرق الأُخرى وتفرّقوا على الفرق التالية:
1 ـ مرجئة الخوارج.
2 ـ مرجئة القدرية.
3 ـ مرجئة الجبرية.
4 ـ المرجئة الخالصة.
وهذه الطوائف بعضها بالنسبة إلى بعض على نقيض، فمرجئة القدريّة تقول بالاختيار والحريّة للإنسان، ومرجئة الجبريّة تنكره. ومع ذلك كلّه فالطائفتان تستظلاّن تحت سقف واحد، وهو الإرجاء، وإن اختلفوا في سائر المسائل. نعم يوجد هناك مرجئة خالصة لم يتكلّموا بشيء في بقيّة المسائل وذكر الشهرستاني لهم طوائف ستّ وهي:
1 ـ اليونسيّة .
2 ـ العبيديّة .
3 ـ الغسّانيّة .
4 ـ الشعبانيّة .
5 ـ التومينية .
6 ـ الصالحيّة.
وهؤلاء لم يتكلّموا إلاّ في الإرجاء واختلفوا في تحديد الإيمان بعد

صفحه 140
إخراج العمل منه، وتركوا البحث عن سائر الموضوعات، بخلاف الطوائف الثلاث المتقدّمة. فإنّهم اشتركوا في الإرجاء واختلفوا في سائر الموضوعات. فمن مرجئيّ سلك مسلك الخوارج، يبغض عثماناً وعليّاً، ويناضل ضدّ الحكّام، إلى آخر يتفيّأ بفيء القدريّة يحترم الخلفاء الأربع، ويرى الإنسان فاعلاً مختاراً وفعله متعلّقاً بنفسه. إلى ثالث يركب مطيّة الجبر ويرى الإنسان أداة طيّعة للقضاء والقدر.

شعراء المرجئة:

قد وجد بين المرجئة شعراء عبّروا عن عقيدتهم في قصائدهم ونذكر هنا شاعرين:
1 ـ ثابت بن قطنة. كان في صحابة يزيد بن المهلّب يولّيه أعمالاً من أعمال الثغور، وقد روى أبو الفرج الإصفهاني قصيدة له في أغانيه مستهلّها:
يا هند فاستمعي لي أنّ سيرتنا *** أن نعبد الله لم نشرك به أحداً
نرجى الأُمور إذا كانت مشبهة *** و نصدق القول فيمن جار أو عندا
المسلمون على الاسلام كلّهموا *** والمشركون استووا في دينهم قددا
و لا أرى أنّ ذنباً بالغ أحداً *** مِ النّاس شركا إذا ما وحّدوا الصمدا
لانسفك الدم إلاّ أن يراد بنا *** سفك الدماء طريقاً واحداً جددا
من يتّق الله في الدنيا فإنّ له *** أجر التقيّ إذا وفّى الحساب غدا

صفحه 141
و ماقضى الله من أمر فليس له *** ردّ و مايقض من شيء يكن رشدا
كلّ الخوارج مُخط في مقالته *** ولو تعبّد فيما قال و اجتهدا
أمّا عليّ و عثمان فانّهما *** عبدان لم يشركا بالله مذ عبدا
و كان بينهما شغب وقد شهدا *** شقّ العصا و بعين الله ما شهدا
يجزى عليّاً و عثماناً بسعيهما *** و لست أدري بحق آيةً وردا
الله يعلم ماذا يحضران به *** وكلّ عبد سيلقى الله منفردا(1)
2 ـ عون بن عبدالله بن علقبة بن مسعود: وقد وصف بكونه من أهل الفقه والأدب وكان يقول بالإرجاء ثم عدل عنه وقال مخطئاً ما اعتقده:
فأوّل ما أُفارق غير شكّ *** أُفارق ما يقول المرجئونا
وقالوا مؤمن من آل جور *** وليس المؤمنون بجائرينا
وقالوا مؤمن دمه حلال *** وقد حرمت دماء المؤمنينا(2)

خطر المرجئة على أخلاق المجتمع:

قد عرفت التطوّر في فكرة الإرجاء وأنّه استقرّ رأي المرجئة أخيراً على أنّ الإيمان عبارة عن الإقرار باللّسان أو الإذعان بالقلب، وهذا يكفي في

1 . فجر الإسلام : 281 ـ 282، نقلاً عن الأغاني : 4 / 204.
2 . نفس المصدر: 282، نقلاً عن الأغاني : 8 / 92.

صفحه 142
اتّصاف الإنسان بالإيمان. ولو صحّ ما نسب إليهم في شرح المواقف «من عدم العقاب على المعاصي» (1) فالمصيبة أعظم.
وهذه الفكرة فكرة خاطئة تسير بالمجتمع ـ وخصوصاً الشباب ـ إلى الخلاعة والإنحلال الأخلاقي وترك القيم، بحجّة أنّه يكفي في اتّصاف الإنسان بالإيمان، وانسلاكه في سلك المؤمنين، الإقرار باللّسان أو الإذعان بالقلب، ولا نحتاج وراء ذلك إلى شيء من الصوم والصلاة، ولا يضرّه شرب الخمر وفعل الميسر، ويجتمع مع حفظ العفاف وتركه.
ولو قدر لهذه الفكرة أن تسود في المجتمع، لم يبق من الإسلام إلاّ رسمه، ومن الدين إلاّ اسمه. ويكون المتديّن بهذه الفكرة كافراً واقعياً، اتّخذ هذه الفكرة واجهة لما يكنّ في ضميره.
ولقد شعر أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) بخطورة الموقف، وعلموا بأن إشاعة هذه الفكرة عند المسلمين عامّة، والشيعة خاصّة، سترجعهم إلى الجاهليّة، فقاموا بتحذير الشيعة وأولادهم من خطر المرجئة فقالوا:
«بادروا أولادكم بالحديث قبل أن يسبقكم إليهم المرجئة» (2).

1 . شرح المقاصد للتفتازاني : 2 / 229 و 238.
2 . الكافي : 6 / 47، الحديث 5. قال المجلسي في المرآة: 21 / 82 ـ 83 عند شرح هذا الحديث: «أي علموهم في بدو شبابهم بل في أوائل إدراكهم وبلوغهم التميز من الحديث ما يهتدون به الى معرفة الأئمة (عليهم السلام) والتشيع قبل أن يغويهم المخالفون ويدخلوهم في ضلالتهم، فيعسر بعد ذلك صرفهم عن ذلك. والمرجئة في مقابلة الشيعة من الإرجاء بمعنى التأخير، لتأخيرهم عليّاً (عليه السلام)عن مرتبته، وقد يطلق في مقابلة الوعيديّة إلاّ أن الأول هو المراد هنا».
ويحتمل أن يكون المراد هو الثاني بقرينة «أولادكم» فإنّ فكرة الإرجاء بالمعنى الأوّل تضرّ الكلّ، وبالمعنى الثاني تضر الشباب الّذين تهدّدهم الغرائز الجامحة كما أوعزنا إليه في المتن.

صفحه 143
وفكرة الإرجاء فكرة خاطئة تضرّ بالمجتمع عامّة. وإنّما خصّ الإمام منهم الشباب لكونهم سريعي التقبّل لهذه الفكرة، لما فيها من إعطاء الضوء الأخضر للشباب لاقتراف الذنوب والانحلال الأخلاقي والانكباب وراء الشهوات مع كونهم مؤمنين.
ولو صحّ ما ادّعته المرجئة من الإيمان والمعرفة القلبيّة، والمحبّة لإله العالم، لوجب أن تكون لتلك المحبّة القلبيّة مظاهر في الحياة، فإنّها رائدة الإنسان وراسمة حياته، والإنسان أسير الحبّ وسجين العشق، فلو كان عارفاً بالله، محبّاً له، لاتّبع أوامره ونواهيه، وتجنّب ما يسخطه ويتّبع ما يرضيه، فما معنى هذه المحبّة للخالق وليس لها أثر في حياة المحبِّ.
ولقد وردت الإشارة إلى التأثير الذي يتركه الحبّ والودّ في نفس المحبّ في كلام الإمام الصادق (عليه السلام) حيث قال: «ما أحبّ الله عزّ وجلّ من عصاه» ثم أنشد الإمام (عليه السلام) قائلاً:
تعصي الإله وأنت تظهر حبّه *** هذا محالٌ في الفعال بديع
لو كان حبّك صادقاً لأطعته *** إنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع(1)
إنّ للإمام الصادق (عليه السلام) احتجاجاً على المرجئة، علّمه لأحد أصحابه

1 . سفينة البحار: 1 / 199، مادة «حبب».

صفحه 144
وأبطل فيه حجّة القائل بكفاية الإقرار بالإيمان قياساً على كفاية الإنكار باللسان في الكفر، وإليك الحديث:روى محمّد بن حفص بن خارجة قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: وسأله رجل عن قول المرجئة في الكفر والإيمان وقال: إنّهم يحتجّون علينا ويقولون: كما أنّ الكافر عندنا هو الكافر عند الله، فكذلك نجد المؤمن إذا أقرّ بإ يمانه أنّه عند الله مؤمن، فقال: سبحان الله; وكيف يستوي هذان، والكفر إقرار من العبد فلا يكلّف بعد إقراره ببيّنة، والإيمان دعوى لا يجوز إلاّ ببيّنة، وبيّنته عمله ونيّته، فإذا اتّفقا فالعبد عند الله مؤمن، والكفر موجود بكلّ جهة من هذه الجهات الثلاث، من نيّة، أو قول، أو عمل. والأحكام تجري على القول والعمل، فما أكثر من يشهد له المؤمنون بالإيمان، ويجري عليه أحكام المؤمنين، وهو عند الله كافر، وقد أصاب من أجرى عليه أحكام المؤمنين بظاهر قوله وعمله (1).
توضيح الرواية; أنّ الامام (عليه السلام) شبّه الإقرار الظاهري بالدعوة كسائر الدعاوى، كما أنّ الدعوة في الدعاوى لا تقبل إلاّ ببيّنة، فكذا جعل الله تعالى هذه الدعوة غير مقبولة إلاّ بشاهدين من قلبه وجوارحه فلا يثبت إلاّ بهما.

المرجئة وعلماء الشيعة

إنّ علماء الشيعة الإماميّة تبعاً لأئمتهم، قاموا في وجه المرجئة وحذّروا الأُمّة من ألوان خدعهم، علماً منهم بأنّ في نفوذ فكرة الإرجاء،

1 . الكافي: 2 / 39 ـ 40، الحديث 8.

صفحه 145
مسخ الإسلام ومحوه من أديم الأرض، وإليك كلمة قيّمة لفضل بن شاذان الأزدي النيسابوري (المتوفّى عام 260 هـ) من أصحاب الأئمة الثلاثة: ـ الجواد والهادي والعسكري (عليهم السلام) ذكرها في كتابه (الإيضاح: 20) قال: «ومنهم المرجئة الّذين يروي منهم أعلامهم مثل إبراهيم النخعي، وإبراهيم بن يزيد التيمي، ومن دونهما مثل سفيان الثوري، وابن المبارك ووكيع، وهشام، وعلي بن عاصم عن رجالهم أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «صنفان من أُمّتي ليس لهما في الإسلام نصيب; القدريّة والمرجئة». فقيل لهم: ما المرجئة؟ قالوا: الّذين يقولون: الإيمان قول بلا عمل. وأصل ما هم عليه أنّهم يدينون بأنّ أحدهم لو ذبح أباه وأُمّه وابنه وبنته وأخاه وأُخته، وأحرقهم بالنار، أو زنى، أو سرق، أوقتل النفس الّتي حرّم الله، أو أحرق المصاحف، أو هدم الكعبة، أو نبش القبور، أو أتى أيّ كبيرة نهى الله عنها، إنّ ذلك لا يفسد عليه إيمانه،
ولا يخرجه منه، وأنّه إذا أقرّ بلسانه بالشهادتين إنّه مستكمل الإيمان،
إيمانه كإيمان جبرئيل وميكائيل ـ صلّى الله عليهما ـ فعل ما فعل، وارتكب
ما ارتكب ممّا نهى الله عنه، ويحتجّون بأنّ النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: أُمرنا أن نقاتل الناس حتّى يقولوا: لا إله إلا الله، وهذا قبل أن يفرض سائر الفرائض وهو منسوخ.
وقد روى محمد بن الفضل، عن أبيه، عن المغيرة بن سعيد، عن أبيه، عن مقسم، عن سعيد بن جبير قال: المرجئة يهود هذه الأُمّة. وقد نسخ احتجاجهم قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حين قال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا

صفحه 146
إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحجّ البيت، وصوم شهر رمضان»(1) .
وله (رحمه الله) احتجاج و مناشدة مع المرجئة في كتابه، فمن أراد فليرجع إليه(2).

هل كان أبو حنيفة مرجئياً؟

إنّ المشهور بين أرباب الملل والنحل أنّ الامام أبا حنيفة كان مرجئيّاً، وممّن نقل ذلك، الشيخ أبو الحسن الأشعري في كتابه «مقالات الإسلاميين» فقال: «الفرقة التاسعة من المرجئة: أبو حنيفة وأصحابه يزعمون أنّ الإيمان المعرفة بالله، والإقرار بالله والمعرفة بالرسول والإقرار بما جاء به من عند الله في الجملة دون التفصيل».
ثمّ ينقل عن غسّان وأكثر أصحاب أبي حنيفة أنّهم ينقلون عن أسلافهم أنّ الإيمان هو الإقرار والمحبّة لله والتعظيم له والهيبة منه، وترك الاستخفاف بحقّه، وأنّه يزيد ولا ينقص(3).
والظاهر هو الأوّل لتنصيصه في كتاب «العالم والمتعلّم» الذي أملاه وكتبه تلاميذه على ذلك وإليك النصّ:

1 . الإيضاح: 20 ـ 21.
2 . الإيضاح : 47 ـ 66.
3 . مقالات الإسلاميين: 132.

صفحه 147
قال العالم (رضي الله عنه): الإيمان هو التصديق والمعرفة واليقين والإقرار والإسلام. والناس في التصديق على ثلاث منازل:
فمنهم: من يصدِّق بالله وبما جاء منه بقلبه ولسانه.
ومنهم: من يصدِّق بلسانه ويكذّب بقلبه.
ومنهم: من يصدّق بقلبه ويكذّب بلسانه.
قال المتعلّم (رحمه الله): لقد فتحت لي باب مسألة لم أهتد إليه، فأخبرني عن أهل هذه المنازل الثلاث أهم عند الله مؤمنون؟
قال العالم (رضي الله عنه): من صدّق بالله وبما جاء من عند الله بقلبه ولسانه فهو عند الله وعند الناس مؤمن.
ومن صدّق بلسانه وكذّب بقلبه كان عند الله كافراً وعند الناس مؤمناً، لأنّ الناس لا يعلمون ما في قلبه. وعليه يسمّونه مؤمناً بما ظهر لهم من الإقرار بهذه الشهادة، وليس لهم أن يتكلّفوا علم ما في القلوب.
ومنهم من يكون عند الله مؤمناً وعند الناس كافراً، وذلك بأنّ الرجل يكون مؤمناً بالله وبما جاء عنه. ويظهر الكفر بلسانه في حال التقيّة، أي الإكراه، فيسمّيه من لا يعرف أنّه يتّقي، كافراً، وهو عند الله مؤمن.(1)
وفي «الفقه الأكبر» المنسوب له ما هذا نصّه: «الإيمان هو الإقرار

1 . العالم والمتعلم للإمام أبي حنيفة: 52 ـ 53 ، تحقيق عمر رواس قلعة جى وعبد الوهاب الهندي الندوي.

صفحه 148
والتصديق» وجاء فيه: «ويستوي المؤمنون كلّهم في المعرفة واليقين
والتوكّل والمحبّة والرضا والرجاء ويتفاوتون فيما دون الإيمان في ذلك كلّه». وجاء فيه: «الله متفضّل على عباده عادل قد يعطي في الثّواب أضعاف ما يستوجبه العبد، تفضّلاً منه وقد يعاقب على الذنب عدلاً منه وقد يعفو فضلاً منه»، وجاء فيه: «ولا نكفّر أحداً بذنب ولا ننفي أحداً عن الإيمان»(1).
أقول: إنّ القول بأنّ الإيمان هو التصديق القلبي فقط، لا يُدخل القائل في عداد المرجئة إذا كان مهتمّاً بالعمل ويرى النجاة والسعادة فيه، وأنّه لولاه لكان خاسراً غير رابح. فالمرجئة هم الّذين يهتمّون بالعقيدة ولا يهتمّون بالعمل ولا يعدّونه عنصراً مؤثراً في الحياة الأُخرويّة، ويعيشون على أساس العفو والرجاء، وبالجملة يهتمّون بالرغبة دون الرهبة والله سبحانه يقول:
(إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَ يَدْعُونَنَا رَغَباً وَ رَهَباً)(2) .
وعلى ذلك; فرمي كلّ من قال بأنّ الإيمان هو التصديق بالإرجاء، رمي في غير محلّه، فإذا كان المرميّ ذا عناية خاصّة بالعمل بالأركان، والقيام
بالجوارح، وكان شعاره قوله سبحانه: (إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْر * إلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصالِحَاتِ وَ تَواصَوْا بِالحَقّ وَ تَواصَوْا بِالصَّبْرِ)(3) فهو على
طرف النقيض منهم، خصوصاً على ما نقله شارح المواقف من المرجئة

1 . ضحى الإسلام: 3 / 321.
2 . الأنبياء : 90.
3 . العصر: 2 ـ 3 .

صفحه 149
بأنّهم ينفون العقاب على الكبائر إذا كان المرتكب مؤمناً على مذهبهم.
هذا إجمال القول في عقيدة المرجئة وما يترتّب عليها من المفاسد، ولأئمّة أهل البيت (عليهم السلام) كلمات في حقّهم حذّروا المجتمع فيها من تلك الطائفة يجدها المتتبّع في محلّه(1) . ويظهر من الأمير نشوان الحميري (المتوفّى عام 573 هـ) شيوع المرجئة في عصره في الأوساط الإسلاميّة قال: «وليس كورة من كور الإسلام إلاّ والمرجئة غالبون عليها إلاّ القليل».(2)أعاذنا الله من شرّ الأبالسة.

1 . بحار الأنوار: 18 / 392، فصل المعراج، وغيره.
2 . شرح الحور العين : 203، كما في «بحوث مع أهل السنّة».

صفحه 150
نسبة الإرجاء إلى الحسن بن محمد ابن الحنفية   

 

إكمال :

قد عرفت التطوّر في استعمال لفظ «المرجئة» وأنّها تستعمل تارة في تأخير القول في عثمان وعليّ، وعدم القضاء في حقّهما بشيء، وإرجاع أمرهما إلى الله. وأُخرى في تقديم القول على العمل وتأخيره عنه قائلاً بأنّه لا تضرّ مع الإيمان المعصية، كما لا تنفع مع الكفر الطاعة، والحسن بن محمّد بن الحنفيّة مبدع الإرجاء بالمعنى الأوّل، لا الثاني. وإطلاقها على المعنيين لاشتراكهما في التأخير.
غير أنّ الدكتور جلال محمّد عبد الحميد موسى نسب الإرجاء بالمعنى الثاني الى الحسن وقال: «إنّنا نجد بذور هذا المذهب عند الحسن بن محمّد الحنفيّة (المتوفّى 101 هـ) وهو عالم من علماء أهل البيت، قد تصدّى للردّ على الخوارج حين نشروا مبدأهم الخطير «لا عقد بدون عمل» وهو يستلزم تكفير مرتكب الكبيرة واستحلال قتله، فأعلن «الحسن» أنّه لا يضرّ مع الإيمان معصية وأنّ الطاعات وترك المعاصي ليست من أصل الإيمان، حتى يزول الإيمان بزوالها»(1).
وما ذكره خلط بين معنيي الإرجاء فلاحظ، وقد تقدّم في كلام ابن حجر التصريح بذلك(2).
تمّ الكلام في المرجئة

1 . نشأة الأشعرية وتطورها: 20.
2 . تهذيب التهذيب: 2 / 321.

صفحه 151
   
 
3

القدريّة

القدريّة أسلاف المعتزلة

خرج المسلمون من الجزيرة العربيّة بدافع نشر الإسلام وبسط نفوذه، فلمّا استولوا على البلاد واستتبّ لهم الأمر، تفاجأوا بثقافات وحضارات، وشرائع وديانات، لم يكن لهم بها عهد، ففرضت الظروف عليهم الاختلاط والتعايش مع غير المسلمين، وربّما انتهى الأمر إلى التفاعل والتأثر بمبادئهم وأفكارهم، فوقفوا على أُصول ومبادئ تخالف دينهم، فأوجد ذلك اضطراباً فكريّاً بين الأوساط الإسلاميّة. كيف لا، وقد كان الخصم متدرّعاً بالسلاح العلمي، ومجهّزاً بأساليب كلاميّة، والمسلمون الغزاة بسطاء غير مجيدين كيفيّة البرهنة، والمجادلة العلميّة مع خصمائهم، فصار ذلك سبباً لطرح أسئلة ونموّ إشكالات في أذهان المسلمين خارج الجزيرة العربيّة وداخلها، وقد كان الغزاة ينقلون ما سمعوا أو ما تأثّروا به في حلّهم وترحالهم داخل المدن وخارجها.

صفحه 152
وهذا التلاقح الفكري بين المسلمين وغيرهم أدّى إلى افتراق الأُمّة الإسلاميّة إلى طائفتين:
الطائفة الأُولى: وهم يشكّلون الأكثريّة الساحقة بين المسلمين، جنحت إلى الجانب السلبي وأراحت نفسها من الخوض في تلك المباحث، وإن كانت لها صلة بصميم الدين كالقضاء والقدر، وعينيّة الصفات للذات أو زيادتها عليها، وكيفيّة الحشر والنشر، ووجود الشرّ في العالم، مع كون خالقه حكيماً إلى غير ذلك ممّا لا يمكن فصلها عن الدين، وأقصى ما كان لدى هؤلاء المتزمّتين، دعوة المسلمين إلى التعبّد بما جاء من النصوص في القرآن والسنّة، وقد تصدّر هذه الطائفة الفقهاء وأهل الحديث ولقد أثر عنهم قول وعمل يعرِّفان موقفهم في هذه التيّارات، ويرجع مغزى ذلك إلى الأخذ بالجانب السلبي وترك الكلام الّذي هو أسهل الأمرين، ولأجل ذلك قامت تلك الطائفة بتحريم علم الكلام والمنطق والفلسفة، وإن كان يهدف إلى تقرير العقائد الإسلاميّة عن طريق العقل والبرهان.
وإليك نماذج من أقوالهم في هذا المضمار:
1 ـ عن أبي يوسف القاضي (المتوفّى 192 هـ): طلب علم الكلام هو الجهل، والجهل بالكلام هو العلم(1).
2 ـ وعن الشافعي: لأن يلقى الله تبارك وتعالى بكلّ ذنب ما خلا

1 . تاريخ بغداد : 14 / 253.

صفحه 153
الشرك خير له من أن يلقاه بشيء من علم الكلام.(1)
3 ـ وهذا الإمام مالك (المتوفّى 179 هـ) لمّا سئل عن كيفيّة الاستواء على العرش؟ فقال: الاستواء معقول، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.(2)
فهؤلاء صوّروا البحث عن قوانين الكون، وصحيفة الوجود جهلاً، والجهل بها علماً، والبرهنة على وجوده سبحانه أمراً مذموماً، والسؤال عن مفاد الآية ومرماها بدعة.فكأنّ القرآن أُنزل للتلاوة والقراءة دون الفهم والتدبّر، وكأنّ القرآن لم يأمر النّاس بسؤال أهل الذكر إذا كانوا جاهلين. فإذا كان هذا حال قادة الأُمّة وفقهائها، فكيف حال من يَقتدي بهم؟!
4 ـ سأل رجل عن مالك وقال: ينزل الله سماء الدنيا؟ قال: نعم. قال: نزوله بعلمه أم بماذا؟ فصاح مالك: اسكت عن هذا. وغضب غضباً شديدا .(3)
5 ـ قد بلغ تطرّف إمام الحنابلة إلى حدّ أنّ أبا ثور (المتوفّى 240 هـ) فسّر حديث رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ الله خلق آدم على صورته» على وجه لا يستلزم التجسيم والتشبيه بإرجاع الضمير إلى آدم حتّى يتخلّص من

1 . حياة الحيوان للدميري : 1 / 11، كما في كتاب «المعتزلة» : 242.
2 . طبقات الشافعية: 3 / 126.
3 . الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن قيم الجوزية: 2 / 251 ، طبع مكة المكرمة، عام 1348 ، كما في «المعتزلة» : 245.

صفحه 154
مغبّتهما، فهجره أحمد، فأتاه أبو ثور، فقال أحمد: أيّ صورة كانت لآدم يخلق عليها، كيف تصنع بقوله: «خلق آدم على صورة الرحمان» فاعتذر أبو ثور وتاب بين يديه.(1)
فالدواء عنده لكلّ داء هو الدعوة إلى التعبّد بالنصوص تعبّداً حرفياً من غير تحليل ولا تفسير.
6 ـ إنّ أحد أصحابه، الحارث المحاسبي (المتوفّى 243 هـ) ألّف كتاباً في الردّ على المعتزلة، فأنكره أحمد وهجره. ولمّا اعترض عليه المحاسبي بأنّ الردّ على البدعة فرض، أجاب أحمد بقوله: إنّك حكيت شبهتهم أوّلاً ثمّ أجبت عنها فلم تأمن أطالع الشبهة ولا ألتفت إلى الجواب أو أنظر إلى الجواب ولا أفهم كنهها(2).
يلاحظ عليه: أنّه لا شكّ في أنّ الردود على أصحاب البدع والضلالات، يجب أن تكون بشكل تهدي الأُمّة ولا تضلّها، وتقمع الإشكال ولا ترسّخه. فمن كانت له تلك الصلاحية فعليه القيام بالردّ والنقد. فهذا هو القرآن الكريم الأُسوة المباركة، ينقل آراء المشركين ثمّ ينقضها ويدمِّرها، وإلاّ فمعنى ذلك أن يفسح المعنيّون من علماء الإسلام للأبالسة أن يهاجموا الإسلام و يضعضعوا أركانه، ويتّخذوا الأحداث والشبّان فريسة لأفكارهم يفتكون بهم، ويكون الغيارى من المسلمين القادرون على دفع هجومهم،

1 . نفح الطيب : 3 / 153، كما في كتاب «المعتزلة».
2 . المنقذ من الضلال : 45. راجع كتاب المعتزلة : 245 ـ 251.

صفحه 155
متفرّجين في مقابل جرأة العاصي وحملة الماجن «ما هكذا تورد يا سعد الإبل». وكيف يرضى الشارع الّذي جعل الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر فريضة على المسلمين بهذه النكسة.
هذا حال الطائفة الأُولى وإليك نبذة عن وضع الطائفة الأُخرى.
الطائفة الثانية: وهم الأقليّة من أصحاب الفكر، وقد عاينوا المشاكل عن كثب وحاولوا حلّها بالدراسة والتحليل. فلأجل تلك الغاية تدرّعوا بمنطق الخصم وأساليبه الكلاميّة، فقلعوا بها الشبه وصانوا دينهم وإيمان أحداثهم عن زيغ المبطلين. كلّ ذلك بدافع الذبّ عن حريم الدين وصيانته، وتجسيداً للأصل الأصيل في الكتاب والسنّة ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ وأُسوةً بالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) الّذي كان يدافع عن دين الله بسيفه وسنانه، وبنانه وبيانه، وكتبه ورسائله.
وقد نجم بين الأُمّة في هذه الطائفة علماء أخيار اشتروا رضا الله سبحانه بغضب المخلوق، فكانوا يحمون جسد الإسلام من النّبال المرشوقة والموجّهة من السلطة الحاكمة إليه، تحت ستار الدفاع عن الدين ومكافحة المضلّين، وقد أساء لهم التاريخ فأسماهم بالقدريّة، حطّاً من شأنهم، وإدخالاً لهم تحت الحديث المرويّ عن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم): «القدريّة مجوس هذه الأُمّة». وكان العصر الأموي (من الوقت الّذي استولى فيه معاوية على عرش الملك إلى آخر من تولّى منهم)، يسوده القول بالجبر، الّذي يصوِّر الإنسان والمجتمع أنّهما مسيّران لا مخيّران، وأنّ كلّ ما يجري في الكون من صلاح

صفحه 156
وفساد، وسعة وضيق، وجوع وكظّة، وصلح وقتال بين الناس أمر حتمي قضى به عليهم، وليس للبشر فيه أيّ صنع وتصرّف.
وقد اتّخذت الطغمة الأمويّة هذه الفكرة غطاءً لأفعالهم الشنيعة حتّى يسدّوا بذلك باب الاعتراض على أفعالهم بحجّة أنّ الاعتراض عليهم إعتراض على صنعه سبحانه وقضائه وقدره، وأنّ الله سبحانه فرض على الإنسان حكم ابن آكلة الأكباد وابنه السكّير . وأبناء البيت الأموي الخبيث يعيشون عيشة رغد ورخاء وترف، ويعيش الآخرون على بطون غرثى وأكباد حرّى.
وقد كانت هذه الفكرة تروّج بالخطباء ووعّاظ السلاطين مرتزقة البلاط الأموي.
ففي هذه الظروف نهض رجال ذوو بصيرة لا يستسيغون هذه الفكرة، بل يرونها من حبائل الشيطان، أُلقيت لاصطياد المستضعفين، وسلب حرّياتهم ونهب إمكانيّاتهم، فثاروا على الفكرة وأصحابها وناضلوا من أجل ذلك بصمود وحماس، وكان عملهم هذا انتفاضة في وجه المجبّرة تنزيهاً لساحته سبحانه عمّا وصفه به الجاهلون، وسكت عنه الآخرون رهباً أو رغباً، فكان جزاؤهم القتل والصّلب والتنكيل بعد الحكم بتكفيرهم من جانب قضاة الجور، بدعوى مروقهم عن الدّين وخروجهم على أمير المؤمنين!! عبد الملك بن مروان!! وسيفه الشاهر الحجّاج بن يوسف.
ونقدّم إليك لمحات من حياتهم ونضالهم في طريق عقيدتهم،وأنّهم

صفحه 157
لم يكونوا يدينون بشيء ممّا رموا به إلاّ القول بأنّ الإنسان مختار في حياته، وأنّه ليس له إلاّ ما سعى، ولم تكن عندهم فكرة التفويض التّي تعادل الشرك الخفيّ، وإنّما حدثت فكرة التفويض بعدهم بين المعتزلة. وعلى ذلك فهؤلاء المسمّون بالقدريّة ظلماً وعدوانا، أسلاف المعتزلة في الدعوة إلى حريّة الإنسان، لا في الدعوة إلى التفويض البغيض.
واستغلّت الأشاعرة ومؤلّفو الملل والنّحل لفظ «القدريّة»، فاستعملوها في مخالفيهم تبعاً لأهل الحديث في هذه الظروف، فأطلقوها على كلِّ من ادّعى للانسان حريّة في العمل واختياراً في الفعل الّذي هو مناط صحّة التكليف، ومدار بعث الرسل، فدعاة الحريّة عندهم قدرية إمّا لاتّهامهم ـ كذباً وزوراً ـ بإنكار تقدير الله وقضائه، من باب إطلاق الشيء (القدريّة) وإرادة نقيضه (إنكار القدر ونفيه)، أو لاتّهامهم بأنّهم يقولون نحن نقدّر أعمالنا وأفعالنا و... وسيوافيك بحث حول هذه اللفظة عند خاتمة البحث.

دعاة الحرية

1 ـ معبد بن عبدالله الجهني البصري (المتوفّى 80 هـ): أوّل من قال بالقدر في البصرة. سمع الحديث من ابن عبّاس، وعمران بن حصين وغيرهما وحضر يوم التحكيم، وانتقل من البصرة إلى المدينة فنشر فيها مذهبه، وكان صدوقاً ثقة في الحديث ومن التّابعين، وخرج مع ابن الأشعث على الحجّاج بن يوسف، فخرج وأقام بمكّة فقتله الحجّاج صبراً بعد أن عذّبه، وقيل صلبه

صفحه 158
عبد الملك بن مروان في دمشق على القول بالقدر ثمّ قتله.(1)
وقال المقريزي في خططه: «أوّل من قال بالقدر في الإسلام معبد بن خالد الجهني، وكان يجالس الحسن بن الحسين البصري، فتكلّم بالقدر في البصرة، وسلك أهل البصرة مسلكه لمّا رأوا عمرو بن عبيد ينتحله، وأخذ معبد هذا الرأي عن رجل من الأساورة يقال له أبو يونس سنسويه ويعرف بالأسواري، فلمّا عظمت الفتنة به عذّبه الحجّاج وصلبه بأمر عبد الملك بن مروان، سنة ثمانين من الهجرة ـ إلى أن قال: وكان عطاء بن يسار قاضياً يرى القدر وكان يأتي هو ومعبد الجهني إلى الحسن البصري، فيقولان له إنّ هؤلاء يسفكون الدماء ويقولون إنّما تجري أعمالنا على قدر الله فقال: كذب أعداء الله، فطعن عليه بهذا».(2)
2 ـ غيلان بن مسلم الدمشقي: وهو ثاني من تكلّم بالقدر ودعا إليه ولم يسبقه سوى معبد الجهني. قال الشهرستاني في «الملل والنحل»: «كان غيلان يقول بالقدر خيره وشرّه من العبد، وقيل تاب عن القول بالقدر على يد عمر بن عبد العزيز، فلمّا مات عمر جاهر بمذهبه فطلبه هشام بن عبد الملك وأحضر الأوزاعي لمناظرته. فأفتى الأوزاعي بقتله، فصلب على باب كيسان بدمشق وقتل عام (105 هـ).(3)

1 . الأعلام للزركلي : 8 / 177 ناقلاً عن تهذيب التهذيب: 10 / 225; ميزان الاعتدال : 3 / 183 ; شذرات الذهب : 1 / 88 ; البداية والنهاية : 9 / 34.
2 . الخطط المقريزية: 2 / 356. سيوافيك نظرنا في كلامه فانتظر .
3 . الملل والنحل: 1 / 47 ; لسان الميزان : 4 / 424; والأعلام للزركلي : 5 / 320.

صفحه 159
قال القاضي عبد الجبّار: «ومنهم (الطبقة الرابعة من المعتزلة) غيلان بن مسلم، أخذ العلم عن الحسن بن محمّد بن الحنفيّة»(1).
وقال ابن المرتضى نقلاً عن الحاكم: «أخذ غيلان الدمشقي المذهب عن الحسن بن محمّد بن الحنفيّة ولم تكن مخالفته (الحسن) لأبيه ولأخيه إلاّ في شيء من الإرجاء. روى أنّ الحسن كان يقول ـ إذا رأى غيلان في الموسم ـ: أترون هذا، هو حجّة الله على أهل الشام، ولكنّ الفتى مقتول، وكان وحيد دهره في العلم والزهد والدعاء إلى الله وتوحيده وعدله، قتله هشام بن عبد الملك وقتل صاحبه. وسبب قتله أنّ غيلان كتب إلى عمر بن عبد العزيز كتاباً يحذِّره فيه من انطفاء السنّة وظهور البدعة(2). فلمّا وصلت الرسالة إلى عمر بن عبد العزيز دعاه وقال: أعنّي على ما أنا فيه. فقال غيلان: ولّني بيع الخزائن وردّ المظالم فولاّه فكان يبيعها وينادي عليها ويقول: تعالوا إلى متاع الخونة، تعالوا إلى متاع الظلمة، تعالوا إلى متاع من خلَف الرسول في أُمّته بغير سنّته وسيرته، وكان فيما نادى عليه جوراب خزّ فبلغ ثلاثين ألف درهم، وقد أتكل بعضها. فقال غيلان: من يعذرني ممّن يزعم أنّ هؤلاء كانوا أئّمة هدى وهكذا يأتكل والناس يموتون من الجوع. فمرّ به هشام بن عبد الملك قال: أرى هذا يعيبني ويعيب آبائي وإن ظفرت به لأُقطّعنّ يديه ورجليه، فلمّا ولي هشام قتله على النّحو الّذي وعده».(3)

1 . طبقات المعتزلة: 229. ولكلامه ذيل يجيء عن ابن المرتضى عند البحث عن جذور الاعتزال.
2 . ستوافيك رسالته فانتظر.   3 . المنية والأمل: 26.

صفحه 160
وما ذكرناه من النُّصوص يوقفنا على أُمور:
1 ـ إنّ القول بكون الإنسان مخيّراً لا مسيّراً يتّصل جذورها بالبيت الهاشمي. فقد عرفت أنّ معبداً الجهني كان تلميذاً لابن عبّاس، وغيلان الدمشقي تتلمذ للحسن بن محمّد بن الحنفيّة. فما ذكره المقريزي من أنّه أخذ ذلك الرأي من أبي يونس سنسويه لا يركن إليه، بعد ثبوت تتلمذهما لقادة الفكر من البيت الهاشمي ولعمران بن حصين الصحابي الجليل ومن أعلام أصحاب علي (عليه السلام).
2 ـ إنّ نضال الرجلين في العهد الأموي كان ضدّ ولاة الجور الّذين كانوا يسفكون الدماء وينسبونه إلى قضاء الله وقدره، فهؤلاء الأحرار قاموا في وجههم وأنكروا القدر بالمعنى الّذي استغلّته السلطة وبرّرت به أعمالها الشنيعة، وإلاّ فمن البعيد جدّاً من مسلم واع أن ينكر القضاء والقدر الواردين في الكتاب والسنّة على وجه لا يسلب الحريّة من الإنسان ولا يجعله مكتوف الأيدي.
3 ـ إنّ هذا التاريخ يدلنا على أنّ رجال العيث والفساد إذا أرادوا إخفاء دعوة الصالحين اتّهموهم بالكفر والزندقة ومخالفة الكتاب والسنّة.
4 ـ إنّ صلب معبد الجهني بيد الحجّاج السفّاك بأمر عبد الملك أوضح دليل على أنّ الرجل كان من دعاة الإصلاح، ولكن ثقل أمره على الطغمة الأمويّة فاستفزّوه من أديم الأرض وقطعوا جذوره بالصلب والقتل، كما أنّ قيام غيلان في وجه هشام بن عبد الملك يعرب عن صموده في سبيل الحقّ

صفحه 161
وإزهاق الباطل وقتله به يدلّ على قداسة ما كان يذهب إليه.
وعلى أيّ تقدير; فهذان الرجلان، في الطليعة من دعاة الحريّة والاختيار، ويعدّان أسلافاً للاعتزال ولا يمتّان له بصلة غير الاشتراك في نفي الجبر و التسيير.
5ـ إنّ هؤلاء الأحرار و إن رُموا بالقدرية بمعنى إنكار القضاء و القدر، ولكنّهم كانوا بصدد إثبات الاختيار و الحريّة للإنسان في مقابل الجبر وإغلال الأيدي الّذي كانت السلطة تشجّعه، والاختيار هو الّذي بُنيت عليه الشرائع و عليه شرّعت التكاليف، فإنكاره إنكار للأمر الضّروري.
ولكنّ السلطة لأجل إخماد ثورتهم اتّهمتهم بالقدريّة حتّى تطعن بهم أنّهم خالفوا الكتاب و السنّة الدالّين على تقدير الأشياء من جانبه سبحانه وقضائه عليها، و أين هذه التهمة ممّا تمسّك به القوم من الدعوة إلى الاختيار و الحريّة؟
وأمّا تفسير القدريّة في حقّ هؤلاء بتفويض الإنسان إلى نفسه و أفعاله، أنّه ليس لله سبحانه أي صنع في فعله فهو تفسير جديد حدث بعد هؤلاء، وبه رُميت المعتزلة كما سيأتي الكلام فيه.
و في الحقيقة كانت دعوة هؤلاء ردّ فعل لاسطورة الجبر الّتي كانت ذائعة في الصدر الأوّل عن طريق أهل الكتاب الّذين تلبّسوا بالإسلام، وكانت الأكثريّة الساحقة من المسلمين يؤمنون بالقدر على وجه يجعل

صفحه 162
الإنسان مغلول اليدين. و قد قال أحد رجّاز ذلك الزمان معبّراً عن تلك العقيدة:
يا أيّها المضمِر همّاً لا تَهُم *** إنّك إن تُقْدَر لك الحمّى تُحَم
ولو علوت شاهقاً من العلم *** كيف توقِّيك و قد جفّ القلم(1)
فإذا كان الرأي العام عند المسلمين هذا، فعلى العالم أن يظهر علمه. فلأجل ذلك نرى أنّ معبداً الجهني و غيلان الدمشقي و القاضي عطاء بن يسار و غيرهم كعمر المقصوص (المتوفّى 80 هـ) الّذي ظهر بدمشق و كان أُستاذاً للخليفة معاوية بن يزيد بن معاوية و قتله الأمويّون بتهمة إفساد الخليفة(2) انتفضوا ضدّ هذه الفكرة الفاسدة فلقوا ما لقوا من القتل و التنكيل، و قد أدّوا رسالتهم.
ولو أنّ علماء الإسلام في السنّة والجماعة قاموا بواجبهم في تلك الحقبة التأريخيّة وما هابوا السلطة، لما ظهرت الحركات الرجعيّة بين الأُمّة الإسلاميّة في أوائل القرن الثاني، الّتي كانت تدعو إلى الجاهليّة الأُولى، ولأجل إيقاف القارئ على هذه الحركات ومبادئها سنعرض عليه بعض الحركات الرجعية الّتي ظهرت في القرن الثاني و الثالث بعد إكمال البحث في المقام، فانتظر.

1 . تأويل مختلف الحديث: 28 .
2 . مختصر الدول لابن العبري: 151. لاحظ كتاب المعتزلة : 91.

صفحه 163

 

رسالة غيلان إلى عمر بن عبدالعزيز

الرسالة الّتي بعث بها غيلان إلى عمر بن عبدالعزيز توقفنا:
أوّلاً: على مكانته من الصمود في وجه المخالفين، وممّا جاء في تلك الرسالة : «أبصرت يا عمر ..... و ماكدت أعلم يا عمر، أنّك أدركت من الإسلام خلقاً بالياً، و رسماً عافياً، فيا ميّت بين الأموات، لا ترى أثراً فتتبع، ولا تسمع صوتاً فتنتفع، طفئ أمر السنّة، وظهرت البدعة، أُخيف العالم فلا يتكلّم، ولا يعطى الجاهل فيسأل، و ربّما نجحت الأُمة بالإمام، و ربّما هلكت بالإمام، فانظر أيّ الإمامين أنت، فإنّه تعالى يقول : (وَ جَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) (1) فهذا إمام هدى، ومن اتّبعه شريكان; وأمّا الآخر: فقال تعالى (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّار وَ يَوْمَ القِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ)(2)، ولن تجد داعياً يقول : تعالوا إلى النار ـ إذاً لا يتبعه أحد ـ ولكنّ الدعاة إلى النار هم الدعاة إلى معاصي الله، فهل وجدت يا عمر حكيماً يعيب ما يصنع، أو يصنع ما يعيب، أو يعذّب على ماقضى، أو يقضي ما يعذّب عليه، أم هل وجدت رشيداً يدعو إلى الهدى ثمّ يضل عنه، أم هل وجدت رحيماً يكلّف العباد فوق الطاقة، أو يعذّبهم على الطاعة، أم هل وجدت عدلاً يحمل الناس على الظلم و التظالم، و هل وجدت صادقاً يحمل الناس على الكذب أو التكاذب

1 . الأنبياء: 73 .
2 . القصص: 41.

صفحه 164
بينهم؟ كفى ببيان هذا بياناً، و بالعمى عنه عمى»(1) .
و هذه الرسالة الّتي نقلها ابن المرتضى تعرب أوّلاً : عن أنّ الرّجل كان ذا همّة قعساء، و غيرة لا يرضى معها بتدهور الأُمور في المجتمع و رجوعه القهقرى، أنّه بلغ من الإصحار بالحقيقة أن خاطب خليفة الزمان بما جاء في هذه الرسالة.. وأين كلامه هذا «أُنظر أيّ الإمامين أنت» من كلام مرتزقة البلاط الأموي من حيث تقريظهم للخلفاء والثناء على أعمالهم القبيحة، ووصفهم بالسير على خطى الرسول محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم). هذا هو جرير بن عطية الخطفي يمدح بني أُميّة بقوله:
ألستم خير من ركب المطايا *** وأندى العالمين بطون راح
و هذه ليلى الأخيلية تمدح الحجّاج بن يوسف بقولها :
إذا هبط الحجاج أرضاً مريضة *** تتبّع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العضال الّذي بها *** غلام إذا هزّ القناة سقاها
وقال الآخر:
رأيت الوليد بن اليزيد مباركاً *** شديداً بأعباء الخلافة كاهله

1 . المنية والأمل : 25 ـ 26.

صفحه 165
إلى غيرهم من الشعراء والأُدباء الّذين يمدحون الطغاة بشعرهم لابشعورهم، ونثرهم لا بعقولهم.
ثانياً : إنّ المتبادر من قوله: «أو يعذّب على ما قضى ... » إنمّا هو إنكار القضاء الدارج في ألسن الأمويين من غلّ الأيدي و جعل الإنسان كالريشة في مهبّ الريح، وأمّا القضاء بمعنى العلم الأزلي بالأشياء والحوادث فلم يعرف إنكاره له.

محاكمة غيلان

ومن العجب «وما عشت أراك الدهر عجباً» أنّ هشام بن عبدالملك قبض على غيلان الدمشقي فقال له: قد كثر كلام الناس فيك، فبعث إلى الأوزاعي، فلمّا حضر قال له هشام : يا أبا عمر ناظر لنا هذا القدريّ، فقال الأوزاعي مخاطباً غيلان : اختر إن شئت ثلاث كلمات و إن شئت أربع كلمات و إن شئت واحدة. فقال غيلان : بل ثلاث كلمات.
فقال الأوزاعي : أخبرني عن الله عزّ و جلّ هل قضى على مانهى؟
فقال غيلان : ليس عندي في هذا شيء.
فقال الأوزاعي : هذه واحدة. ثمّ قال : أخبرني عن الله عزّ و جلّ أحال دون ما أمر؟
فقال غيلان : هذه أشدّ من الأُولى، ما عندي في هذا شيء.

صفحه 166
فقال الأوزاعي : هذه اثنتان يا أمير الموٌمنين ثمّ قال : أخبرني عن الله عزّ و جلّ هل أعان على ما حرّم؟
فقال غيلان : هذه أشدّ من الأُولى و الثانية، ما عندي في هذا شيء.
فقال الأوزاعي : هذه ثلاث كلمات. فأمر هشام فضربت عنقه(1).
ثمّ إنّ هشاماً طلب من الأوزاعيّ أن يفسّر له هذه الكلمات الثلاث. فقال الأوزاعي: أمّا الأوّل فإنّ الله تعالى قضى على ما نهى، نهى آدم عن الأكل من الشجرة ثمّ قضى عليه بأكلها. أمّا الثاني فإنّ الله تعالى حال دون ما أمر، أمر إبليس بالسجود لآدم ثمّ حال بينه و بين السجود، وأمّا الثالث، فإنّ الله تعالى أعان على ما حرّم، حرّم الميتة و الدم و لحم الخنزير، ثمّ أعان عليها بالاضطرار...(2).

يلاحظ على هذه المناظرة:

أوّلاً: أنّ الجهل بهذه الأسئلة الثلاثة لوكان مبرّراً لضرب العنق، فهشام بن عبد الملك خليفة الزمان أولى بهذا، لأنّه كان أيضاً جاهلاً بها بدليل سأل الأوزاعي عنها. فلماذا لا تضرب عنقه أيضاً؟ وهذا يعرب عن أنّ الحكم بالإعدام كان صادراً قبل المناظرة، و إنّما كانت المناظرة بين يدي الأوزاعي

1 . لا تنس أن هشاماً قد يمّم قتله قبل القاء القبض عليه وقبل هذه المناظرة المسرحيّة.
2 . تاريخ المذاهب الإسلاميّة : 1 / 127 ـ 128 نقلاً عن العقد الفريد وشرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون.

صفحه 167
تبريراً للإعدام حتّى لا يقال إنّ الحكم صدر اعتباطاً.
ثانياً : ما سأله الأوزاعي عنه ثمّ أجاب عنه، يدل على أنّه كان يمشي على خطّ الجبر، و أنّه كان معتقداً بأنّ قضاء الله يسلب عن الإنسان الحريّة و الاختيار. فكان أكل آدم من الشجرة بقضاء من الله و ما كان له محيص عن الأكل، كما أنّ تخلّف إبليس عن السجود كان بقضاء الله و لم يكن له مفرّ عن المعصية. وقد حال سبحانه بينه و بين السجود لآدم، ومن المعلوم أنّ غيلان الدمشقي و كلّ موحّد يعتقد بصحّة بعث الرسل وصحّة التكليف ... لا يراه صحيحاً.
ثالثاً : إنّ المناظرة لم تكن مبنيّة على أُصولها. فإنّ من أدب المناظرة أن يطرح السؤال أو الإشكال على وجه واضح، حتى يتدبّر الآخر فيما يرتئيه المناظر من الجواب، وأمّا الأسئلة الّتي طرحها الفقيه الأوزاعي فإنّها أشبه بالأحاجي واللّغز، لا يستفاد منها إلاّ في مواضع خاصّة لاختبار ذكاء الإنسان، ولم يكن المقام إلاّ مقام السيف والدم لا الاختبار للذكاء.
وفي حدسي أنّ غيلان الدمشقي قد وقف على نيّة الأوزاعي و أنّه يريد أن يأخذ منه الاعتراف بأحد الأمرين إمّا بالجبر إذا أجاب بمثل ما يريد، و عندئذ يكون مناقضاً لعقيدته.
وإمّا بالاختيار و الحريّة فيكون محكوماً بالإعدام و ضرب العنق. فاختار السكوت و عدم الإجابة حتّى يتخلّص من كلتا المغبّتين. وما كان المسكين عارفاً بأنّ الحكم بالإعدام قد سبق السؤال والجواب، وهذه

صفحه 168
المناظرة مسرحيّة رُتّبت لتبرير إراقة دمه تحت غطاء السؤال و الجواب.
هذا وقد قام بعض المعنيّين بالملل والنحل، بنشر ما وصل إليه من الوثائق عن بدايات علم الكلام في الاسلام، فنشر ضمن مجموعةِ رسالتين : رسالة الحسن بن محمّد ابن الحنفيّة في القدر، و رسالة عمر بن عبدالعزيز فيه أيضاً. وسيوافيك الكلام حولهما في آخر المطاف.
وللكتاب ملحق يهدف إلى تبيان بعض القضايا المتعلّقة بشخصيّة من شخصيات القدريّة المفكّرين وهو غيلان الدمشقي، وخاصة تلك القضايا المتعلّقة بحياته وإعدامه في زمن خلافة هشام بن عبدالملك (المتوفّى 125 هـ).
القدرية في الروايات والأحاديث   
قال محقّق الكتاب : وتدلّ معظم الروايات على أنّها أقاصيص موضوعة اختلقتها رواتها ليبرهنوا على أنّ غيلان كان خارجاً عن الجماعة، و أنّ حججه كانت غير مقنعة، وأنّ السلطة السياسيّة كانت على حقّ عندما أعدمته. و هذا كلّه مما يجعل استخلاص ما حدث على وجه الدقّة أمراً صعباً، على أنّني حاولت توضيح الأمر بمعلومات استقيتها من كتاب «أنساب الأشراف» للبلاذري، بالاضافة إلى المصادر الأُخرى.(1)

1 . بدايات علم الكلام في الإسلام: رسالتان في الرد على القدرية مع ملحق في أخبار غيلان الدمشقي حققها وترجمها وعلّق عليها «يوسف فان اسّ» نشرها المعهد الالماني للأبحاث الشرقية في بيروت. وقد وقفنا على تصوير الرسالتين الأُوليين دون الملحق واكتفينا ببيان كلام المحقّق.

صفحه 169

 

خاتمة المطاف

قد تكرّر لفظ «القدريّة» في كلمات أهل الحديث و المتكلّمين ومؤلّفي الفرق والملل والنحل، ورويت حولها أحاديث وهي إحدى المصطلحات الدارجة بينهم، وتحاول كلّ طائفة أن تتبّرأ منها وتتّهم مخالفها بها. ولأجل إكمال البحث نتحدّث عن سند الحديث أوّلاً، ودلالته ثانياً على وجه الإجمال، وإليك متن الحديث بصوره:
1- روى أبو داود عن عبدالله بن عمر أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)قال : «القدريّة مجوس هذه الأُمّة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم».
2- وروى أيضاً عن عبدالله بن عبّاس(1) أنّ النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم».
3- روى الترمذي عن عبدالله بن عبّاس قال : قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم):
«صنفان من أُمّتي ليس لهم في الإسلام نصيب: المرجئة، و القدرية»(2).
إذا عرفت متن الحديث فإنّ الكلام يقع في موردين:

1 . كذا في جامع الأُصول ولكن في سنن أبي داود، «عمر بن الخطاب» مكان «عبد الله بن عباس»، لاحظ: 4 / 228، الحديث 4710.
2 . جامع الأُصول: 10 / 526.

صفحه 170
الأوّل: في سند الحديث. فهل روي بسند صحيح يمكن الاحتجاج به أو لا؟
الثاني: فما هو المقصود من القدريّة على فرض صحّته؟
أمّا من ناحية السند، فيكفي في ضعف الأوّل ما قاله المنذري: «إنّه منقطع لأنّه يرويه سلمة بن دينار عن ابن عمر، ولم يدركه، وقد روى عن ابن عمر من طرق لا يثبت منها شيء».
ويكفي في ضعف سند الثاني وجود «حكم بن شريك الهذلي البصري» فيه وهو مجهول لم يعرف.
وفي ضعف سند الثالث وجود «محمّد بن فضيل بن غزوان» وهو ضعيف(1).
أضف إلى ذلك أنّ جمعاً من الحفّاظ عدّوا أصل الحديث من الموضوعات. منهم سراج الدين القزويني قال: إنّه موضوع و تعقّبه ابن حجر(2).
وقال أبوحاتم: «هذا الحديث باطل»، وقال النسائي: «هذا الحديث باطل كذب»، وقال ابن الجوزي: «حديث لعن القدريّة لا شكّ في وضعه»(3).

1 . جامع الأُصول: 10 / 526.
2 . جامع الأُصول: 10 / 526.
3 . الموضوعات لابن الجوزي: 1 / 275 ـ 276 ; اللآلي المصنوعة للسيوطي: 1 / 258.

صفحه 171
هذا وضع السند، وأمّا الدلالة، فقد اختلف النظر في مفاده، كلّ من المجبّرة والعدليّة يتبرّأ منه، ويريد تطبيقه على خصمه. فأهل الحديث و الحشويّة والسلفيّة والأشعريّة الّذين يتّسمون بسمة الجبرالجليّ أو الخفيّ، يفسّرون القدريّة بنفاة القدر، من باب إطلاق الشيء وإرادة نقيضه، والمعتزلة و أسلافهم، أعني: دعاة الحريّة والاختيار يتّهمون الجبرية بالقدريّة، لأنّهم قائلون بالقدر والتقدير، وأنّ كل شيء يتحقّق بتقدير من الله سبحانه و لا محيص عمّا قدّر وقُضي.
وهناك كلمة للعلاّمة محمّد بن علي الكراجكي (المتوفّى 449 هـ) من تلاميذ الشيخ المفيد لا بأس بنقلها، قال : «ولم نجد في أسماء الفرق ما ينكره أصحابه و يتبرّأ منه سوى القدرية».
فأهل العدل يقولون لأهل الجبر : أنتم «القدريّة»، وأهل الجبر يقولون لأهل العدل: «أنتم القدريّة»، وإنّما تبرّأ الجميع من ذلك، لأنّهم رووا ـ من طريق أبي هريرة ـ عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه لعن القدرية وقال : «إنّهم مجوس هذه الأُمّة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم»(1).
وقد حاول الأشعري تطبيق الحديث على المعتزلة وقال : «زعمت القدريّة ـ يريد بها المعتزلة وأسلافهم ـ أنّا نستحقّ اسم القدر، لأنّا نقول: إنّ الله عزّ و جلّ قدّر الشرّ والكفر، فمن يثبت القدر كان قدريّاً دون من لم يثبته».

1 . كنز الفوائد: 1 / 123 .

صفحه 172
ثمّ أجاب عن استدلال المعتزلة وقال : «القدريّ من يثبت القدر لنفسه دون ربّه عزّ و جلّ، وأنّه يقدّر أفعاله دون خالقه، وكذلك هو في اللّغة، لأنّ الصائغ هو من زعم أنّه يصوغ دون من يقول إنّه يصاغ له، فلمّا كانت المعتزلة تزعم أنّهم يقدّرون أعمالهم ويفعلونها دون ربّهم، وجب أن يكونوا قدريّة، ولم نكن نحن قدريّة لأنّا لم نضف الأعمال إلى أنفسنا دون ربّنا ولم نقل : إنّا نقدّرها دونه. قلنا إنّك تقدّر لنا».(1)
يلاحظ عليه: أنّ القضاء و القدر من الكلمات الواردة في الكتاب والسنّة بكثرة. والفاعل في الجميع هو الله سبحانه و تعالى، لا الإنسان قال تعالى : (وَ الذِي قَدَّرَ فَهَدَى )(2) وقال : (إِنَا كُلَّ شَيءْ خَلَقْنَاهُ بِقَدَر)(3) . فلو أطلق «القدريّة» يراد به المعتقد لما جاء في المصدرين من قضاء الله وقدره، لا المعتقد بأنّ الإنسان هو الّذي يقدّر أفعاله و أعماله.
وأعجب من ذلك قياسه اسم الفاعل على المصادر المنسوبة، فالأوّل كالصائغ يراد منه الفاعل أي من يصوغ، دون الثانية. بل يراد منها المعتقد بالمصدر الّذي نسب إليه، كالجبريّة : من يعتقد بالجبر، والعدليّة : من يعتقد بالعدل، وهكذا.
ثمّ إنّ هنا محاولات أُخرى لأجل تطبيق الحديث على عقيدة دعاة

1 . الإبانة: 146.
2 . الأعلى: 3.
3 . القمر: 49.

صفحه 173
الحريّة والاختيار غير ما عرفته من كلام الأشعري من أنّ الإنسان هو المقدّر لأعماله، كما عرفت ضعفه وإليك بيانها:
1- القدريّة منسوبة إلى «القدرة» بمعنى الاستطاعة، فمن قال بتأثير قدرة الإنسان في فعله و أنّها المصدر له، فهو قدريّ.
يلاحظ عليه: أنّه لو صحّ هذا الوجه لوجب ضمّ الفاء دون فتحها، والمشهور هو الأوّل ولم يسمع الثاني.
أضف إليه أنّ المناسب على هذا الوجه هو التعبير «بالقادرية» لا «القدرية» بضمّ الفاء الّذي هو غير مأنوس للأذهان و الأفهام.
2ـ إنّ الحديث من باب إطلاق الشيء و إرادة نقيضه، أي نفاة القدر ومنكروه، وسيأتي في حديث أحمد ما يوافق ذلك.
يلاحظ عليه: أنّه لم ير مثله في أمثالها، فلا تطلق الجبريّة، ولا العدليّة على نفاة الجبر والعدل.
أضف إليه أنّه لم يظهر من هؤلاء ـ أعني: معبداً الجهني ولا غيلان الدمشقي ـ إنكار التقدير بالمعنى الصحيح، غير المنافي للحريّة والاختيار، فإذا أردنا أن نعرف مذهبهم في مجال القضاء و القدر، فيلزم علينا الرجوع إلى مذهب خصومهم، فإنّ الأُمور تعرف بأضدادها، و حاشا أن يكون المسلم الواعي منكراً للقضاء والقدر الواردين في الكتاب و السنّة، غير السالبين للاختيار والحريّة، غير المنافيين لصحّة التكليف و بعث الرسل. وإنّما أنكروا القدر بالمعنى الّذي كان البلاط و مرتزقته ينتحلونه لتبرير

صفحه 174
أعمالهم الإجراميّة، ولا يرون للإنسان ولا لأنفسهم أيّة مسؤوليّة فيها، و يرفعون عقيرتهم بأنّ كلّ ما في الكون من خير و شرّ، وكظّة وسغب، إنّما يرجع إلى إرادته سبحانه. فلايصحّ الاعتراض على جوع المظلوم و شبع الظالم. وهؤلاء الأحرار قد قاموا في وجه الأمويين وأنكروا القدر بهذا المعنى الّذي يعرّف الإنسان كالريشة في مهبّ الريح.ونفي القدر بهذا المعنى، غير نفيه بالمعنى الصحيح سواء فسّر بالعلم والارادة الأزليين، أم بتقدير الأشياء و القضاء على وجودها و تقدير الإنسان بينهما موجوداً مختاراً مسؤولاً عن فعله، والقضاء على ما يصدر منه بهذه الصورة على ما أوضحناه في محلّه.
3ـ ما نقله الشيخ أبو زهرة عن الشيخ مصطفى الصبري شيخ إسلام (تركيا) السابق وهو مقاربة رأيهم بعض عقائد المجوس، فالمجوس ينسبون الخير إلى الله والشرّ إلى الشيطان و كذلك هؤلاء القدريّة يفرقون بين الخير و الشر فيسندون الخير إلى الله والشرّ إلى الشيطان(1).
يلاحظ عليه: أنّ نسبة الثنوية بالمعنى الّذي ذكره شيخ إسلام تركيا إلى المعتزلة رجم بالغيب، فإنّ المعروف من مذهب المعتزلة فضلاً عن أسلافهم هو نسبة الخير والشرّ إلى الإنسان نفسه لا التّفريق بينهما.
وهذا كلام قاضي القضاة عبد الجبّار، يمنع بتاتاً عن انتساب فعل الإنسان إلى الله خيره وشرّه ويقول : «إنّ أفعال العباد لا يجوز أن توصف

1 . تاريخ المذاهب الإسلاميّة: 1 / 124.

صفحه 175
بأنّها من الله ومن عنده ومن قبله، وذلك واضح، فإنّ أفعالهم حدثت من جهتهم و حصلت بدواعيهم وقصودهم، واستحقّوا عليها المدح والذّم، والثواب و العقاب فلو كانت من جهته تعالى أو من عنده أو من قبله لما جاز ذلك ...»(1).
هذا بعض الكلام حول الحديث ومفاده، ومن أراد البسط والاستيعاب فعليه المراجعة إلى «شرح الأُصول الخمسة: 772 ـ 778; وشرح التجريد للعلاّمة الحلّي: 196 ط صيدا ; وشرح المقاصد للتفتازاني ج 2، ص 122 ; والتمهيد للباقلاني الفصل الثامن والعشرين».
ولو أنّ الرسول يعدّ القدريّة في هذا الحديث مجوس هذه الأُمّة، ففي بعض ما روي عن ابن عمر عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) عدّت نفاة القدر مجوس الأُمّة، وإليك نزراً منه:
روى أحمد في مسنده عن ابن عمر عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال : «لكلّ أُمّة مجوس، ومجوس أُمّتي الّذين يقولون لا قدر، إن مرضوا فلا تعودوهم و إن ماتوا فلا تشهدوهم»(2).
وروى الترمذي و أبو داود عن نافع مولى ابن عمر أنّ رجلاً جاء ابن عمر فقال: «إنّ فلاناً يقرأ عليك السلام، فقال ابن عمر : بلغني أنّه قد أحدث التكذيب بالقدر، فإن كان قد أحدث فلا تقرأ مني السلام فإنّي سمعت رسول

1 . شرح الأُصول الخمسة: 778.
2 . مسند أحمد: 2 / 86 .

صفحه 176
اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول : «ويكون في هذه الأُمّة، أو في أُمّتي ـ الشكّ منه ـ خسف ومسخ و ذلك بالمكذّبين بالقدر».(1)
ولا يخفى وجود التعارض الصريح بين كون القدريّة مجوس الأُمّة، وكون نافي القدر مجوسها. وتفسير الأوّل بنفاة القدر تفسير بلا دليل، بل تفسير على خلاف اللّغة والعرف.
ويكفي في ضعف الحديث الثاني أنّه وقع التكذيب وصدر الشك في القدر في العصور الماضية، ولم يعمّ الخسف والمسخ للمكذّبين والشاكّين فيه.
إنّ السابر في كتب الحديث والتاريخ والملل والنحل يرى العناية التامّة من أصحاب الحديث وغيره لمسألة القدر. وقد كانت تحتلّ في تلك العصور، المكانة العليا بين المسائل العقيديّة حتّى كان مدار الإيمان والكفر فكان المثبت مؤمناً و النافي كافراً.
هذا مع أنّ الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقبل إسلام آلاف القائلين بالشهادتين من دون أن يسألهم ولو في مورد عن القضاء والقدر، وأنّه هل يعتقد القائل، بأنّ الله سبحانه يقدّر أفعال الإنسان و أعماله، فيحكم عليه بالإسلام أو لا، فيحكم عليه بالكفر.
إذن فما معنى هذه العناية الحادثة بعد رحلة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)بهذه المسألة؟

1 . جامع الأُصول: 10 / 526 ـ 527.

صفحه 177
أليس هذا يدفع الإنسان إلى القول بأنّها كانت مسألة مستوردة، زرعها الأحبار والرهبان، وغذّتها السلطة الأموية و ... وبالتالي شقّ بها عصا المسلمين و صاروا يكفّر بعضهم بعضاً.
هذا و إنّ الشيخ البخاري يروي عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال : «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزّكاة، والحجّ، وصوم رمضان».(1)
وروى عبادة بن الصامت وكان شهد بدراً وهو أحد النقباء ليلة العقبة: أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال ـ وحوله عصابة من أصحابه ـ : «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف، فمن وفّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب في الدنيا فهو كفّارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً ثمّ ستره الله، فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه و إن شاء عاقبه» فبايعناه على ذلك.(2)
فلو كان للاعتقاد بالقدر، تلك المكانة العظمى، فلماذا لم يذكره رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ولو في مورد، ولماذا تركه سبحانه عند أمره رسوله بأخذ البيعة عن النساء؟(3)

1 . صحيح البخاري: 1 / 7 من كتاب الإيمان.
2 . صحيح البخاري: 1 / 8 ـ 9، من كتاب الإيمان.
3 . الممتحنة : 12.

صفحه 178
ثلاث رسائل حول القدر   
كلّ ذلك يشرف الإنسان على القطع بأنّ البحث عن القدر و المغالاة فيه، كان بحثاً سياسياً وراءه غاية سياسية لأصحاب السلطة والإدارة. وإلاّ فلا وجه لأن يتركه الوحي في أخذ البيعة من النساء. ولا الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)في عرض الإسلام و تبيينه وقبوله من الآلاف المؤلفة من المتشرفين بالإسلام.

رسائل ثلاث حول القدر

ولو طلب القارئ الكريم التعرّف على التشاجر الّذي كان قائماً على قدم و ساق في بيان معنى القدر و أنّه ماذا كان يراد منه، وأنّه هل كان الاعتقاد به يوم ذاك ملازماً للجبر أو لا؟ فعليه بدراسة ثلاث رسائل في هذا المجال، تعدّ من بدايات علم الكلام في الإسلام وقد نشرت تلك الرسائل حديثاً وهي:
1- الرسالة المنسوبة إلى الحسن بن محمّد بن الحنفيّة، والرسالة كتبت بإيحاء من الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان (المتوفّى 86 هـ)، ويرجع تأريخ تأليفها إلى عام 73 هـ ، فتكون أقدم رسالة في هذا المجال إن صحّت النسبة إليه.
2- ما كتبه الخليفة الأموي عمر بن عبدالعزيز (المتوفّى 101 هـ) إلى بعض القدريّة المجهول الهوية، وقد جاء القدر في الرسالتين مساوقاً للجبر. وقد فرض الحاكم الأموي قدريّاً ينكر علمه سبحانه الأزلي بالأشياء و أفعال العباد، فيردّ عليه بحماس على نحو يستنتج منه الجبر، والرسالة جديرة

صفحه 179
بالقراءة حتّى يعلم أنّ الأمويين من صالحهم إلى طالحهم كيف شوّهوا الإسلام، وصاروا أصدق موضوع لقول القائل: «ولولاكم لعمّ الإسلام العالم كلّه».
وقدنشرت هذه الرسالة بصورة مستقلّة. وطبعت ضمن ترجمة عمر بن عبد العزيز في كتاب حلية الأولياء ج 5 ص 346 ـ 353.
3- ما كتبه الحسن بن يسار المعروف بالحسن البصري (المتوفّى 110 هـ) حيث إنّ الحجّاج بن يوسف كتب إلى الحسن: «بلغنا عنك في القدر شيء» فكتب إليه رسالة طويلة ذكر أطرافاً منها ابن المرتضى في «المنية و الأمل» ص 13 ـ 14.
قال الشهر ستاني : «ورأيت رسالة(1) نسبت إلى الحسن البصري كتبها إلى عبدالملك بن مروان و قد سأله عن القول بالقدر والجبر. فأجابه فيها بما يوافق مذهب القدريّة، واستدلّ فيها بآيات من الكتاب و دلائل من العقل. وقال: ولعلّها لواصل بن عطاء فما كان الحسن ممّن يخالف السلف في أنّ القدر خيره و شرّه من الله تعالى. فإنّ هذه الكلمات كالمجمع عليها عندهم. والعجب أنّه حمل هذا اللّفظ الوارد في الخبر على البلاء و العافية، والشدّة والرخاء، والمرض والشفاء، والموت والحياة، إلى غير ذلك من أفعال الله تعالى دون الخير والشرّ، والحسن والقبيح، الصادرين من اكتساب العباد.

1 . نقل القاضي عبد الجبار نصّ الرسالة في كتابه «فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة» : 215 ـ 223.

صفحه 180
وكذلك أورده جماعة من المعتزلة في المقالات عن أصحابهم»(1).
رسالة الصاحب بن عباد في الرد على المجبّرة   
ولا وجه لما احتمله من كون الرسالة لواصل، إلاّ تصلّبه في مذهب الأشعري، وأنّ فاعل الخير والشر مطلقاً ـ حتّى الصادر من العبد ـ هو الله سبحانه دون العبد، ومن كان هذا مذهبه، يستبعد أن ينسب ما في الرسالة إلى الحسن البصري ـ ذلك الإمام المقدّم عند أهل السنّة ـ .
وأمّا على المذهب الحقّ من أنّ الفاعل الحقيقي لأفعال الإنسان هو نفسه، لا على وجه التفويض من الله إليه، بل بقدرة مفاضة منه إليه في كلّ حين، واختيار كُوِّنت ذاته به، و حريّة فطرت بها فالفعل فعل الإنسان، وفي الوقت نفسه فعل الله تسبيباً، بل أدقّ وأرقّ منه كما حقّق في محلّه.
وأخيراً نلفت نظر القارئ إلى ما كتبه كافي الكفاة الصاحب إسماعيل بن عبّاد (326 ـ 385 هـ) في الردّ على القدريّة أسماها «الإبانة عن مذهب أهل العدل بحجج القرآن والعقل».
وبما أنّ هذه الرّسالة طريفة في بابها نأتي بنصّ ما يخصّ بردّ القدريّة، ويريد من هذه اللّفظة القائلين بالقدر على وجه يستلزم الجبر وإليك نصّها:

رسالة الصاحب في الرد على القدريّة (المجبّرة)

زعمت المجبّرة القدريّة : أنّ الله يريد الظلم والفساد، ويحبُّ الكفر والعدوان، ويشاء أن يشرك به ولا يعبد، ويرضى أن يجحد و يسبّ ويشتم،

1 . الملل والنحل : 1 / 47. لاحظ نصّ الرسالة في الجزء الأوّل من هذه الموسوعة ثمّ اقض.

صفحه 181
وقالت العدليّة : بل الله لا يرضى إلاّ الصلاح ولا يريد إلاّ الاستقامة والسداد، وكيف يريد الفساد و قد نهى عنه وتوعّد، وكيف لا يريد الصلاح وقد أمر به ودعا إليه، ولو لم يفعل العباد إلاّ ما أراد الله تعالى لكان كلّهم مطيعاً لله تعالى، فإن كان الكافر قد فعل ما أراد منه مولاه فليس بعاص، وأطوع ما يكون العبد لمولاه إذا فعل ما يريده، وأيضاً فليس بحكيم من أراد أن يشتم، ولم يرد أن يعظّم، ورضى أن تجحد نعمه، وأحبّ أن لا تشكر مننه، قال الله تعالى : (وَمَا اللّهُ يُريدُ ظُلماً لِلْعِبادِ)(1)، وقال تعالى : (ولا يَرضى لِعبَادِهِ الكُفْرَ) (2)،
وقال تعالى : (وَاللّهُ لا يُحِبُّ الفَسَادَ)(2)، وقال تعالى في تكذيب من زعم أنّ الكفّار كفروا بمشيئة الله : (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيء كَذَلِكَ ـ إلى قوله ـ و إِنْ أَنْتُمْ إلاّ تَخْرُصُونَ) (4)، أي تكذبون.
فإن قالوا : وقال الله (وَمَا تَشَاءُونَ إلاّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ) (3) فقل: هذه الآية وردت على الخير دون الشرّ. وقال تعالى : (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ *
وَمَا تَشَاءُونَ إلاّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ
)(6). وقال تعالى في سورة أُخرى: (فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً * وَمَا تَشَاءُونَ إلاّ أنْ يَشَاءَ اللهُ) (4).

1 . المؤمن : 31.   2 . الزمر : 9.
2 . البقرة : 205.   4 . الأنعام : 148 .
3 . الدهر : 30.   6 . التكوير : 28 ـ 29 .
4 . الدهر : 29 ـ 30.

صفحه 182
فإن قالوا : لو أراد من العبد شيئاً ولم يفعل لكان العبد قد غلبه، فهذا ينقلب في الأمر، لأنّه قد خولف ولم يكن مغلوباً، وكذلك الإرادة. ألا ترى إلى من قال و أراد من مملوك شيئاً ولم يفعله، وأمر آخر بفعل فخالف لكان المخالف في الأمر أعظم في النفوس عصيانا، كلاّ... بل هو الغالب، و إنّما أمهل العصاة حلماً ولم يجبرهم على الإيمان، لأنّ المكره لا يستحقّ ثواباً، بل أزاح عللهم، وأقدرهم و أمكنهم، فمن أحسن فإلى ثوابه، ومن أساء فإلى
عقابه، ولو شاء لأكرههم على الإيمان أجمعين، كما قال تعالى: (وَلَو شَاءَ رَبُّكَ لاَمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنينَ)(1)، وكقوله تعالى: (وَلَو شِئْنَا لأتَيْنَا كُلَّ نَفْس هُداهَا ـ إلى قوله ـ
أَجْمَعِينَ)(2) ، وقال تعالى: (لاإِكْرَاهَ فِي الدّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ)(2).
وزعمت القدريّة: أنّ الله تعالى خالق الكفر و فاعله، و منشئ الزنا ومخترعه ومتولّي القيادة و موجدها، ومبتدع السرقة و محدثها، و كلّ قبائح العباد من صنعته، وكلّ تفاوت فمن عنده، وكلّ فساد فمن تقديره، وكلّ خطأ فمن تدبيره.
فإن قالوا على سبب التلبيس : إنّ العبد يكتسب ذلك، فإذا طولبوا بمعنى الكسب لم يأتوا بشيء معقول، وقالت العدليّة: معاذالله أن يكون فعله إلاّ حكمة و حقّاً، وصواباً وعدلاً، فالزنا فعل الزاني انفرد بفعله، فكلّ قبيح

1 . يونس : 99 .   2 . السجدة : 13.
2 . البقرة : 256 .

صفحه 183
منسوب إلى المذموم به، و إنّما تولّى المذمّة العاصي، إذ باع الآخرة بالدُّنيا، ولم يعلم أنّ ما عندالله خير وأبقى، ولو كان قد خلق أعمال العباد لما جاز أن يأمر بها وينهاهم عنها كما لم يجز أن يأمرهم بتطويل جوارحهم و تقصيرها، إذ خلقها على ما خلقها، ولو خلق الكفر لما جاز أن يعيب ما خلق، ولو كان فاعل الكفر لما جاز أن يذمّ و يعيب ما خلق و يذمّ مافعل، ولو كان مخترعَ الفساد لما جاز أن يعاقب على ما اخترع، ولا تنفكّ القبائح من أن تكون من الله تعالى فلا حجّة على العبد، أو من الله و من العبد فمن الظلم أن يفرده بعقاب ما شارك في فعله، أو من العبد فهو يستحقّ العقاب، وقال تعالى : (يَلْوون أَلْسِنَتَهُمْ بِالكِتَابِ ـ إلى قوله ـ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ)(1) فلو كان لوي ألسنتهم من خلق الله تعالى لما قال: (وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ)(2).
وبعد، فالكفر قبيح و أفعال الله حسنة، فعلمنا أنّ الكفر ليس منها، وهكذا أخبر تعالى بقوله : (الّذي أحْسَنَ كُلَّ شَيْء خَلَقَهُ)(3)، وقوله تعالى: (صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْء )(4).
فإن سألوا عن قوله تعالى: (وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) (5)، فقل: هذه الآية لو تلوتم صدرها لعلمتم أن لا حجّة لكم فيها، لأنّه تعالى أراد بالأعمال

1 . آل عمران : 78.
2 . آل عمران : 78.
3 . السجدة : 7 .
4 . النمل : 88.
5 . الصافات : 96 .

صفحه 184
هاهنا الأصنام، والأصنام أجساد، وليس من مذهبنا أنّا خلقنا الأصنام، بل الله خلقها، ألا ترى أنّه قال تعالى : (أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللّهُ خَلَقَكُمْ وَ مَا تَعْمَلُونَ)(1) .
فإن قالوا: (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْأَلُونَ)(2)، فقل: إنّه أدلّ على العدل، لأنّ العباد يُسألون عن أفعالهم لما كان فيها العبث و الظلم والقبيح، والله تعالى لمّا كانت أفعاله كلّها حسنة لا قبيح فيها، وعدلاً لا ظلم معها، تنزّه عن أن يسأل، ولم يرد بهذا ما تريده الفراعنة إذ قالت لرعيّتها: وقد سألناكم فلا تسألونا لم أظلمكم وأفسقكم (كذا)، كلاّ ... فإنّه تعالى لم يدع للسؤال موضعاً بإحسانه الشامل، وعدله الفائض، ولولا ذلك لم يقل: (لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ)(2) فنحن نقول: إنّ أفعالنا الصالحة من الله ليس بمعنى أنّه فعلها، وكيف يفعلها و فيها خضوع وطاعة، والله تعالى لا يكون خاضعاً ولا مطيعاً، بل نقول: إنّها منه، بمعنى أنّه مكّن منها، ودعا إليها وأمر بها و حرّض عليها، و نقول: إنّ القبائح ليست منه لأنّه نهى عنها، وزجر وتوعّد عليها، وخوّف منها و أنذر، ونقول: إنّها من الشيطان بمعنى أنّه دعا إليها و أغوى، و مَنّى في الغرور (وَمَا رَبُّكَ بِظَلاّم لِلْعَبِيدِ )(4)، (أنَّ اللهَ يَأْمُرُ
بِالعَدْلِ وَالإحْسَانِ
ـ إلى قوله ـ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (3) ، وقال تعالى في صفة الشيطان: (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إلاّ غُرُوراً) (6). فإن قالوا:

1 . الصافات : 95 ـ 96.   2 . الأنبياء : 23 .
2 . النساء : 165.   4 . فصلت : 46 .
3 . النحل : 90.   6 . النساء : 120 .

صفحه 185
فقد قال تعالى: (كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ) (1) قلنا: معنى الآية غير ما قدّرت ولو
قدّرتها كما نقدّر لعلمت أن لا حجّة فيها لك، لأنّه تعالى يقول: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هِذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ ـ إلى قوله ـ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ)(2)، فإنّما هذا في الكفّار حيث تطيّروا بنبيّ الله (عليه السلام) وكانوا إذا أتاهم الخصب يقولون هذا من عندالله و إذا أتاهم الجدب يقولون: هذا من عندك، كما قال تعالى: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ ـ إلى قوله ـ لا يَعْلَمُونَ)(2)، فبيّن الله تعالى أنّ ذلك كلّه ـ يعني الخصب والجدب ـ من عنده، إلاّ أنّه لم يقل: و إن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندنا على ما تذكره المجبّرة، وقد دلّ الله على بطلان قولهم: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَة فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَة فَمِنْ نَفْسِكَ) (4) .
وزعمت المجبّرة القدريّة أنّ الله خلق أكثر العباد للنّار، وخلقهم أشقياء بلا ذنب ولا جرم، وغضب عليهم و هو حليم من غير أن يغضبوه، وخذلهم من قبل أن يعصوه، وأضلّهم عن الطريق الواضح من غير أن خالفوه، وقالت العدليّة: خلق الله الخلق لطاعته، ولم يخلقهم لمخالفته، وأوضح الدلالة والرسل لصلاح الجماعة، ولم يضلّ عن دينه و سبيله.
وكذا أخبر بقوله تعالى:(وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإنْسَ إلاّ لِيَعْبُدُون )(3)،

1 . النساء : 78.   2 . النساء : 78.
2 . الاعراف : 131 .   4 . النساء : 79.
3 . الذاريات : 56.

صفحه 186
وكيف يمنع إبليس من السجدة ثمّ يقول: (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ )(1).
فإن سألوا عن قوله تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الجِنَّ وَالإنْسِ) (2) قيل: «لام العاقبة» معناها أنّ مصيرهم إلى النار، كما قال تعالى: (فَالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَونَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَ حَزَناً ) (2) وإن كانوا التقطوه ليكون لهم قرّة عين، وقد بيّن ذلك بقوله تعالى: (وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَونَ قُرَّتُ عَيْن لِي وَلَكَ)(3) ـ إلى آخره ـ وكذلك الجواب بقوله تعالى: (أنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إثْماً ) (4).
وزعمت المجبّرة القدريّة أنّ الله يضلّ أكثر عباده من دينه، فأنّه ما هدى أحداً من العصاة إلى ما أمرهم به، وأنّ الأنبياء (عليهم السلام) أراد الله ببعثهم الزيادة في عمى الكافرين، وقالت العدليّة: أنّ الله لا يضلّ عن دينه أحداً، ولم يمنع أحداً الهدى الّذي هو الدلالة، وقد هدى ومن لم يهتد فبسوء اختياره غوى. قال الله تعالى: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا العَمَى عَلَى الهُدَى) (5) على أنّا نقول أنّ الله يضلّ من شاء ويهدي، و أنّه يضلّ الظالمين عن ثوابه وجنّاته، وذلك جزاء على سيئاتهم، وعقاب على جرمهم، قال الله

1 . ص : 75 .   2 . الأعراف : 179 .
2 . القصص : 8 .
3 . القصص : 9 .
4 . آل عمران : 178 .
5 . فصلت : 16.

صفحه 187
تعالى: (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلاّ الفَاسِقِينَ ـ إلى قوله ـ أُولئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ)(1)، فأمّا الضلال عن الدين فهو فعل شياطين الجنّ والإنس، ألا ترى أنّ الله تعالى ذمّ عليهم فقال: (وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ )(2)، وقد حكى عن أهل النّار أنّهم يقولون: (وَمَا أَضَلَّنَا إلاّ المُجْرِمُونَ) (3) وما يقولون: وما أضلّنا إلاّ ربّ العالمين.
وقالت المجبّرة القدريّة: أنّ الله كلّف العباد ما لا يطيقون، وذلك بادّعائها أنّ الله خلق الكفر في الكفّار، ولا يُقدرهم على الإيمان ثمّ يأمرهم به، فإذا لم يفعلوا الإيمان الّّذي لم يُقدره عليهم، وفعلوا الكفر الّذي خلقه فيهم، وأراده منهم، وقضاه عليهم، عاقبهم عذاباً دائماً.
وقالت العدليّة: معاذ الله! إنّ الله لا يكلّف العباد ما لا يتّسعون له (الوسع: دون الطاقة) إذ تكليف ما لا يطاق ظلم و عبث، و أنّه لا يظلم ولا يعبث ولو جاز أن يكلّف من لا يُقدره على الإيمان لجاز أن يكلّف من لا مال له بإخراج الزكاة، وأن يكلّف المُقعد بالمشي والعدو وقال تعالى: (لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا) (4)، فهو لايكلّف من لا يستطيع قبل الفعل أن يفعل، قال تعالى: (وللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إليهِ سبِيلاً )(5) ـ

1 . البقرة : 26 ـ 27 .
2 . طه : 85 .
3 . الشعراء : 99.
4 . البقرة : 286 .
5 . آل عمران : 97.

صفحه 188
إلى آخره ـ فهو يأمر بالحجّ قبل الحجّ، فكذلك استطاعته قبل أن يحجّ،
ولو لم يستطيعوا الإيمان لم يقل لهم: (فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ)(1)، ولو نصرهم على الإفك لم يقل: (فَأَنّى يُؤْفَكُونَ) (2).
وادّعت المجبّرة أنّ الأقدار المذمومة حتم من الله، ونفيناها عنه سبحانه، لأنّ تقديره لا يكون باطلاً ولا متناقضاً، فلمّا وجدنا الأشياء المتناقضة الباطلة علمنا أنّه لا يقدّرها و كفى القدريّة إذا أثبتوا ما تنازعنا فيه و نفيناه، ولو جاز لجاز أن يكون من ينفي التنصّر نصرانيّاً، ومن ينفي التهوّد يهوديّاً.
فإن قالوا: إنّكم أثبتّم ذلك لأنفسكم، ومثبت الشيء لنفسه أولى ممّن ينسبه إليه، فالجواب: أنّ التنازع بيننا لم يقع في كوننا قادرين، فأنّما تنازعنا في أنّ الأقدار المذمومة تثبت لله سبحانه و تعالى أوينزّه عنها، فأثبتوها إن كنتم قدريّة.
وبعد: فلوكان من أثبتها لنفسه قدريّاً لكان على زعمكم قد أثبته الله لنفسه فهو قدريّ و بعد هذا القول، فلو كان هذا اسم ذمّ فهو لكم أليق، لأنّكم فعلتم القبائح وأضفتموها إلى الله تعالى البريء منها، وقد قال عزّ من قائل : (وَمَنْ يَكْسِبُ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمَاً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَريئاً)(2) ـ إلى آخرها ـ .
تمّ الكلام في القدريّة

1 . التكوير : 26 .   2 . العنكبوت : 61.
2 . النساء : 112.

صفحه 189
   
 
4

الجهميّة

الحركات الرجعية

الحركات الرجعية ونعني بها الحركات الفكرية الّتي ظهرت بين المسلمين بين القرنين الثاني والثالث، وهي ترمي إلى إرجاع الأُمّة إلى العقائد السائدة في العصر الجاهلي بين المشركين وأهل الكتاب، من القول بالجبر والتجسيم إلى غير ذلك من البضائع الفكريّة المستوردة منهم إلى أوساط المسلمين .
ولأجل إيقاف القارىء على نماذج من هذه الحركات، نبحث عن عدّة مناهج زرعت شروراً في المجتمع الإسلامي، وبقيت آثارها إلى العصر الحاضر لكن بتغيير الاسم والعنوان، وتحت غطاء مخدع. والسبب الوحيد لبثّ هذه السموم هو إقصاء العقل عن ساحة العقائد وإخضاعه لكلّ رطب ويابس يتّسم بسمة الحديث، وليس بحديث، بل يعدّ من مرويات العهدين

صفحه 190
وأقاصيص الأحبار والرهبان. ومن هذه الحركات الرجعية: الجهمية، والكرامية، والظاهرية. وإليك بيانها واحدة تلو الأُخرى:

الجهميّة وسماتها: الجبر والتعطيل

مؤسّسها جهم بن صفوان السمرقندي (المتوفّى 128 هـ). قال الذهبي: «جهم بن صفوان، أبو محرز السمرقندي الضالّ المبتدع، رأس الجهميّة، هلك في زمان صغارالتّابعين، و ما علمته روى شيئاً، لكنّه زرع شرّاً عظيماً» (1).
قال المقريزي: «الجهميّة أتباع جهم بن صفوان التّرمذي مولى راسب، و قتل في آخر دولة بني أُميّة، و هو:
1- ينفي الصفات الإلهية كلّها، ويقول: لا يجوز أن يوصف الباري بصفة يوصف بها خلقه.
2- أنّ الإنسان لا يقدر على شيء ولا يوصف بالقدرة، ولا الاستطاعة.
3- أنّ الجنّة والنار يفنيان، وتنقطع حركات أهلهما.
4- أنّ من عرف الله ولم ينطق بالإيمان لم يكفر، لأنّ العلم لا يزول بالصمت، وهو مؤمن مع ذلك.
وقد كفّره المعتزلة في نفي الاستطاعة. وكفّره أهل السنّة بنفي الصفات وخلق القرآن ونفي الرؤية.

1 . ميزان الاعتدال: 1 / 426 رقم الترجمة 1584.

صفحه 191
5- وانفرد بجواز الخروج على السلطان الجائر.
6- وزعم أنّ علم الله حادث لا بصفة يوصف بها غيره(1).
وقد ذكر ابن الأثير في حوادث سنة (128 هـ) كيفيّة قتله بيد نصر بن سيّار، ومن أراد فليرجع إليه(2).
وقد نسب إليه عبد القاهر البغدادي، أُصولاً تقرب ممّا نسب إليه المقريزي في خططه على ما عرفت.
وقال : «وكان جهم مع ضلالاته الّتي ذكرناها يحمل السلاح و يقاتل السلطان وخرج مع السريج بن حارث(3) على نصر بن سيّار و قتله سلم بن أحوز المازني في آخر زمان بني مروان، وأتباعه اليوم بـ (نهاوند)، وخرج إليهم في زماننا إسماعيل بن إبراهيم بن كبوس الشيرازي الديلمي، فدعاهم إلى مذهب شيخنا أبي الحسن الأشعري، فأجابه قوم منهم وصاروا مع أهل السنّة.(4)
وقد نسب إليه الشهرستاني عدّة أُمور نذكر منها أمرين:
1- إنّ الإنسان لا يقدر على شيء، ولا يوصف بالاستطاعة و إنّما هو مجبور على أفعاله لا قدرة له، والله هو الّذي يخلق الأفعال فيه على حسب ما

1 . الخطط المقريزية: 3 / 349. ولاحظ ص 351.
2 . الكامل لابن الأثير: 5 / 342 ـ 345.
3 . في تاريخ الطبري: الحارث بن سريج وهو الصحيح.
4 . الفرق بين الفرق: 212.

صفحه 192
يخلق في سائر الجمادات، وتنسب إليه الأفعال مجازاً كما تنسب إلى الجمادات، كما يقال أثمرت الشجرة، وجرى الماء، و تحرّك الحجر، وطلعت الشّمس و غربت، و تغيّمت السماء و أمطرت، واهتزّت الأرض وأنبتت، إلى غير ذلك، والثواب و العقاب جبر. كما أنّ الأفعال كلّها جبر. قال : وإذا ثبت الجبر فالتكليف إذاً جبر.
2- إنّ حركات أهل الخلدين تنقطع، و الجنّة والنار تفنيان بعد دخول أهلهما فيهما، وتلذّذ أهل الجنّة بنعيمها، وتألّم أهل النار بجحيمها، إذ لا تتصوّر حركات لا تتناهى آخراً، كما لا تتصوّر حركات لا تتناهى أوّلاً. وحمل قوله تعالى: (خَالِدِينَ فِيهَا) على المبالغة والتأكيد دون الحقيقة في التخليد. كما يقال خلد الله ملك فلان، واستشهد على الانقطاع بقوله تعالى: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمواتُ وَالأرضُ إلاّ ما شاءَ رَبُّكَ)(1)، فالآية اشتملت على شريطة واستثناء، والخلود و التأبيد لا شرط فيه ولااستثناء(2).
وقد نقل الشهرستاني عنه أُموراً أُخر، مضى بعضها في كلام غيره.
أقول: قاعدة مذهبه أمران:
الأوّل: الجبر ونفي الاستطاعة و القدرة، فالجهم بن صفوان رأس الجبر و أساسه، ويطلق عليه و على أتباعه الجبريّة الخالصة في مقابل غير الخالص منها.

1 . هود : 107.
2 . الملل والنحل: 1 / 87 ـ 88 .

صفحه 193
قال الشهرستاني: «الجبر هو نفي الفعل حقيقة عن العبد و إضافته إلى الربّ تعالى، والجبريّة أصناف، فالجبرية الخالصة هي الّتي لا تثبت للعبد فعلاً و لا قدرة على الفعل أصلاً. والجبريّة المتوسطة هي الّتي تثبت للعبد قدرة غير مؤثّرة أصلاً. فأمّا من أثبت للقدرة الحادثة أثراً مّا في الفعل وسمّى ذلك كسباً فليس بجبري».(1)
يلاحظ عليه: أنّ الفرق الثلاث كلّهم جبريّون من غير فرق بين نافي القدرة والاستطاعة كما عليه «الجهم» أو مثبتها، لكن قدرة غير مؤثّرة، بل مقارنة لإيجاده سبحانه فعل العبد وعمله، أو مؤثّرة في اتّصاف الفاعل بكونه كاسباً و الفعل كسباً، لما عرفت من أنّ القول بالكسب نظريّة مبهمة جدّاً لا ترجع إلى أصل صحيح، وأنّ القول بأنّه سبحانه هو الخالق المباشر لكلّ شيء لا يترك لنظريّة الكسب مجالاً للصحّة، لأنّ الكسب لو كان أمراً وجوديّاً فالله هو خالقه و موجده (أخذاً بانحصار الخلق في الله)، وإن كان أمراً عدميّاً اعتبارياً، فلا يخرج الفاعل من كونه فاعلاً مجبوراً.(2)
وعلى أيّ تقدير، فالقول بالجبر و إذاعته بين الناس وانقيادهم له كان حركة رجعيّة إلى العصر الجاهلي، وقدكان الجبر سائداً على مشركي العرب و غيرهم.(3)

1 . الملل والنحل: 1 / 86 .
2 . راجع: الجزء الثاني من كتابنا هذا ص 147 وما بعدها، نشر مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)ـ 1427 هـ .
3 . راجع: الجزء الأوّل من هذه الموسوعة: 388، نشر مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)ـ 1427 هـ .

صفحه 194
الثاني: تعطيل ذاته سبحانه عن التوصيف بصفات الكمال والجمال ومن هنا نجمت المعطّلة. ولكنّه لم يتبيّن لي صدق ما نسبه إليه البغداديّ والشهرستاني من أنّه قال : لا يجوز أن يوصف الباري تعالى بصفة
يوصف بها خلقه، لأنّ ذلك يقتضي تشبيهاً، فنفى كونه حيّاً عالماً و أثبت كونه قادراً، فاعلاً، خالقاً، لأنّه لا يوصف شيء من خلقه بالقدرة والفعل والخلق(1).
وأظنّ أنّ مراده من قوله: «بصفة يوصف بها خلقه» هي الصفات الخبرية، كاليد، والعين، والرجل، وما أشبهها، مما أصرّ أهل الحديث والحشوية على توصيفه سبحانه بها، بالمعنى اللغوي الملازم للتجسيم والتشبيه.
هاتان قاعدتا مذهب الجهم، وأمّا غيرهما ممّا نسب إليه، فمشكوك جدّاً، وبما أنّه استدلّ لمذهبه في مورد عدم الخلود في الجنّة والنار بما عرفت من الآية، فنرجع إلى توضيح الآية فنقول:
جعل الجهم الاستثناء في الآية دليلاً على عدم الخلود.
يلاحظ عليه: أنّه استدلّ بالآية على عدم الخلود بوجهين:
الأوّل: تحديد الخلود بمدّة دوام السماوات والأرض وهما غير مؤبّدتين بالضرورة قال سبحانه: (مَا خَلَقْنَا السَّمواتِ وَالأرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا

1 . الملل والنحل: 1 / 86 .

صفحه 195
إلاّ بِالحقِّ وَ أَجَلٌ مُسَمَّى) (1)، وقال تعالى: (وَالسَّمواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ)(2) .
الثاني: الاستثناء الوارد في الآية من الخلود بقوله: (إلاّ ما شاء ربّك)في كلا الموردين: نعيم الجنّة و عذاب الجحيم.
أمّا الأوّل: فالإجابة عنه واضحة، لأنّ المراد من السماوات والأرض فيها، ليس سماء الدنيا و أرضها، بل سماء الآخرة و أرضها، والأُوليتان فانيتان، والأُخريتان باقيتان والله سبحانه يذكر للنظام الآخر أرضاً و سماءً غير ما في الدنيا. قال تعالى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ وَالسَّمواتُ وَبَرَزُوا للهِ الوَاحِدِ القَهّارِ)(2)، وقال حاكياً عن أهل الجنّة: (وَقَالُوا الحَمْدُ للهِ الّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثنَا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ)(3)، فللآخرة سماء وأرض، كما أنّ فيها جنّة وناراً ولهما أهل، وتحديد بقاء الجنّة والنار وأهلها بمدّة دوام السماوات والأرض راجع إلى سماء الآخرة وأرضها وهما مؤبّدتان غير فانيتين، و إنّما تفنى سماء الدنيا وأرضها، وأمّا السماوات الّتي تظلّل الجنّة مثلاً والأرض الّتي تقلّها وقد أشرقت بنور ربّها فهما ثابتتان غير زائلتين.
أضف إلى ذلك أنّه سبحانه وصف الجنّه بأنّها عنده وقال: (مَا عِنْدَكُمْ

1 . الأحقاف: 3.   2 . الزمر : 67.
2 . إبراهيم: 48.
3 . الزمر: 74.

صفحه 196
يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللّهِ بَاق) (1)، فالجنّة باقية غير فانية، ولا يفترق عنها الجحيم ونارها.
وأمّا الإشكال الثاني فالجواب عنه في مورد الجنّة أوضح من الآخر، لأنّه يذكر فيها قوله: (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذ) الظّاهر في دوام النعمة وعدم تحقّق المشيئة.
توضيح ذلك أنّه سبحانه يقول في مورد أهل النار:
(فَأَمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمواتُ وَالأَرْضُ إلاّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِمَا يُريدُ) (2).
ويقول في أهل الجنّة:
(وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمواتُ وَالأرْضُ إلاّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذ) (3).
ترى أنّه سبحانه يذيّل المشيئة في آية الجنّة بقوله: (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذ)(4) الدالّ على عدم انقطاع النعمة، وأنّ تلك المشيئة أي مشيئة الخروج لا تتحقّق.
وعلى كلّ تقدير، فالجواب عن الاستثناء في الآيتين هو أنّ الاستثناء

1 . النحل: 96.
2 . هود: 106 ـ 107.
3 . هود : 108.
4 . مقالات الاسلاميين: 2 / 494 ; الفرق بين الفرق : 211.

صفحه 197
مسوق لإثبات قدرة الله المطلقة، وأنّ قدرة الله سبحانه لا تنقطع عنهم بإدخالهم الجنّة والنار، وملكه لا يزول ولا يبطل، وأنّ قدرته على الإخراج باقية، فله تعالى أن يخرجهم من الجنّة و إن وعد لهم البقاء فيها دائماً، لكنّة سبحانه لا يخرجهم لمكان وعده، و الله لا يخلف الميعاد.
نعم قوله سبحانه في آية النّار (إِنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِمَا يُريدُ) يشير إلى تحقّق المشيئة في جانب النار كما في المسلمين العصاة دون المشركين والكفّار.

التطوير في لفظ «الجهمي»

لمّا كان نفي الصفات عن الله، والقول بخلق القرآن ونفي الرؤية، ممّا نسب إلى منهج الجهم وقد عرفت أساس مذهبه فيما مرّ، صار لفظ «الجهميّ» رمزاً لكلّ من قال بأحد هذه الأُمور، وإن كان غير قائل بالجبر ونفي القدر. ولأجل ذلك ربّما تطلق الجهميّة و يراد منها المعتزلة أو القدريّة، وعلى هذا الأساس يقول أحمد بن حنبل:
«والقرآن كلام الله ليس بمخلوق، فمن زعم أنّ القرآن مخلوق فهو جهمي كافر، ومن زعم أنّ القرآن كلام الله و وقف ولم يقل مخلوق ولا غير مخلوق، فهو أخبث من الأوّل، ومن زعم أنّ ألفاظنا بالقرآن و تلاوتنا له مخلوقة، والقرآن كلام الله، فهو جهميّ، ومن لم يكفِّر هؤلاء القوم كلّهم فهو مثلهم»(1).

1 . السنّة لأحمد بن حنبل: 49.

صفحه 198
نعم، القوم و إن نسبوا إلى الجهم كون القرآن مخلوقاً، لكنّه بعيد جدّاً، لأنّه مات في آخر دولة الأمويين ولم تكن المسألة معنونة في تلك الأيّام، وإنّما طرحت في العصر العبّاسي خصوصاً في عصر المأمون.
وقد ألّف البخاري والإمام أحمد(1) كتابين في الردّ على الجهمية وعنيا بهم المعتزلة. والمعتزلة يتبرّأون من هذا الاسم. ويتبرّأ بشر بن المعتمر ـ أحد رؤساء المعتزلة ـ من الجهميّة في ارجوزته إذ يقول:
ننفيهم عنّا ولسنا منهم *** ولا هم منّا ولا نرضاهم
إمامهم جهم وما لجهم *** وصحب عمرو ذي التقى والعلم(2)
ويريد عمرو بن عبيد الرئيس الثاني للمعتزلة بعد واصل بن عطاء.
وعلى كلِّ تقدير، فعدُّ المعتزلة «جهميّة» ظلم و اعتساف، ولم يذكر أحد منهم الجهم من رجالهم، وقد أرسل واصل بن عطاء، حفص بن سالم إلى خراسان، وأمره بلقائه فمناظرته و إنّه لقيه في مسجد «ترفد» حتّى قطعه(3).
***

1 . طبع مع كتاب السنّة له.
2 . فجر الإسلام : 287 ـ 288.
3 . طبقات المعتزلة للقاضي عبد الجبار: 97 ـ 163.

صفحه 199

 

مقاتل بن سليمان المجسِّم

إنّ القضاء على العقل في ساحة العقائد، والاعتماد على النّقل المحض ـ الّذي انقطع أثره بعد رحلة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى عصر أبي جعفر المنصور ـ إلاّ شيئاً لا يذكر أيّد هذه الحركات الرجعيّة لو لم نقل إنّة أنتجها.
ومن رافع ألوية التشبيه والتجسيم، وناقل أقاصيص الأحبار والرهبان في القرن الثاني، هو مقاتل بن سليمان الذي كان هو و جهم بن صفوان في مسألة التنزيه والتشبيه على طرفي نقيض، فالأوّل غلا في التنزيه حتى عطّل، وذاك غلا في الاثبات حتى شبّه، فهذا معطّل وذاك مشبّه، وقد مُلئت كتب التفاسير بأقوال مقاتل و آرائه فليعرف القارئ مكانه في الوثاقة وتنزيه الربّ عن صفات الخلق.
قال ابن حبّان: «كان يأخذ من اليهود والنصارى في علم القرآن
الّذي يوافق كتبهم، وكان يشبّه الربّ بالمخلوقات، و كان يكذب في الحديث».
قال أبو حنيفة: «أفرط جهم في نفي التشبيه، حتّى قال إنّه تعالى ليس بشيء، وأفرط مقاتل في الإثبات حتّى جعله مثل خلقه».
وقال وكيع: «كان كذّاباً».
وقال البخاري: «قال سفيان بن عيينة: سمعت مقاتلاً يقول: إن لم

صفحه 200
يخرج الدجّال في سنة خمسين و مائة فاعلموا أنّي كذّاب»(1).
وقال النسائي: «كان مقاتل يكذب».
وقال الجوزجاني: «كان دجّالاً جسوراً. سمعت أبا اليمان يقول: قدم هيهنا فلمّا أن صلّى الإمام أسند ظهره إلى القبلة وقال: سلوني عمّا دون العرش، وحدّثت أنّه قال مثلها بمكّة، فقام إليه رجل، فقال: أخبرني عن النملة أين أمعاؤها؟
تم الكلام في الجهمية

1 . لم يخرج الدجال في هذه السنة ولا بعدها، فهل يبقى الشك في أنه كذّاب؟ نعم، مات هو في تلك السنة فبموته مات الدجل والكذب القائم به.

صفحه 201
 
5

الكراميّة

وهذه الفرقة منسوبة إلى محمّد بن كرّام السجستاني شيخ الكرامية (المتوفّى 255 هـ ).
قال الذهبي: «ساقط الحديث على بدعته، أكثر عن أحمد الجويباري ومحمّد بن تميم السعدي وكانا كذّابين».
قال ابن حبّان: «خذل، حتّى التقط من المذاهب أردأها، ومن الأحاديث أوهاها...وجعل الإيمان قولاً بلا معرفة».
وقال ابن حزم: «قال ابن كرّام: الإيمان قول باللسان، وإن اعتقد الكفر بقلبه فهو مؤمن. ومن بدع الكرّاميّة قولهم في المعبود تعالى إنّه جسم لا كالأجسام و قد سُقت أخبار ابن كرّام في تأريخي الكبير. وله أتباع ومريدون وقد سجن في نيسابور لأجل بدعته ثمانية أعوام، ثم أخرج وسار إلى بيت المقدس، ومات بالشام سنة 255 هـ »(1).

1 . ميزان الاعتدال: 4 / 21.

صفحه 202
يلاحظ عليه: أنّ ما أسماه مؤمناً سمّاه القرآن منافقاً. قال سبحانه ( إِذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)(1).
وقاعدة مذهبه التجسيم، وتوصيف الواجب بأُمور حادثة، وكلّ ما يذكره أصحاب الملل والنحل يرجع إلى هذا الأصل، وأمّا أصنافهم فقد ذكر البغدادي أنّ للكرّامية بخراسان ثلاثة أصناف:حقائقية، والطزائقية و إسحاقية(2). وذكر الشهرستاني لها اثنتي عشرة فرقة و أنّ أُصولها ستّة.
وكانت الحركة الكرّامية، حركة رجعية بحتة حيث دعا أتباعه إلى تجسيم معبوده، وأنّه جسم له حدّ ونهاية من تحت والجهة الّتي منها يلاقي عرشه. وقال البغدادي: وهذا شبيه بقول الثنوية: إنّ معبودهم الّذي سمّوه نوراً، يتناهى من الجهة التي تُلاقي الظلام وإن لم يتناه من خمس جهات.
ومن عقائده: أنّ معبودهم محلّ للحوادث و زعموا أنّ أقواله و إراداته، و إدراكاته للمرئيات، وإدراكاته للمسموعات، وملاقاته للصفحة العليا من العالم، أعراض حادثة فيه، وهو محلّ لتلك الحوادث الحادثة فيه(3).
ومن غرائب آرائه أنّه وصف معبوده بالثِّقل و ذلك أنّه قال في كتاب «عذاب القبر» في تفسير قول الله عزّ وجلّ: (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ): أنّها انفطرت من ثقل الرحمان عليها.

1 . المنافقون: 1.
2 . الفرق بين الفرق: 215.
3 . الملل والنحل: 1 / 108.

صفحه 203
إلى غير ذلك من المضحكات والمبكيات في الأُصول والفقه. وقد ذكر البغدادي آراءه الفقهيّة أيضاً و ذكر فيه قصّة عجيبة من أرادها فليرجع إليه(1).
إنّ للكرّامية نظريات في موضوعات أُخر، ذكرها البغدادي، وقد بلغت جرأتهم في باب النبوّة حتّى قال بعضهم: إنّ النّبيّ أخطأ في تبليغ قوله «ومناة الثالثة الأُخرى» حتّى قال بعده: «تلك الغرانيق العلى، وإنّ شفاعتها ترتجى»(2).
مع أنّ قصّة الغرانيق اقصوصة ابتدعها قوم من أهل الضلالة وقد أوضحنا حالها في محاضراتنا باسم سيّد المرسلين (صلى الله عليه وآله وسلم) فلاحظ.
ونكتفي بهذا النزر في بيان عقائدهم وكلّها وليد إقصاء العقل والمنطق عن ساحة العقائد والاكتفاء بالروايات، مع ما فيها من أباطيل و ترّهات وضعها الأعداء، واختلقتها الأهواء فهي من أسوأ الحركات الرجعية، الظاهرة في أواسط القرن الثالث.
تم الكلام في الكرّامية

1 . الفرق بين الفرق: 218 ـ 225.
2 . الفرق بين الفرق: 222.

صفحه 204
 

6 الظاهرية (1)

وهذا المسلك الفقهي منسوب إلى داود بن علي الاصفهاني الظاهري (200 ـ 270 هـ) وسمع من سليمان بن حرب و أبي ثور.
قال الخطيب: «كان إماماً ورعاً، زاهداً ناسكاً، وفي كتبه حديث كثير لكنّ الرواية عنه عزيزة جدّاً»(2).
وقال ابن خلّكان: «كان من أكثر النّاس تعصّباً للإمام الشافعي وصنّف في فضائله والثناء عليه كتابين، وكان صاحب مذهب مستقلّ و تبعه جمع كثير ـ يعرفون بالظّاهرية ـ وكان ولده ـ أبوبكر محمّد ـ على مذهبه، وانتهت إليه رئاسة العلم ببغداد»(3).

1 . التعرّض للمذهب الظاهري في المقام مع أنّه مذهب فقهي لا كلامي، لاشتراكه مع الحركات الرجعية الكلامية في طرد العقل والتفكير عن ساحة العلم، وقد ظهر ذلك المذهب في نفس الوقت الذي ظهرت فيه سائر المناهج الفكرية الكلامية، والكل يحمل طابعاً واحداً وهو اعدام العقل واقصاؤه عن الأوساط العلمية فناسب ذكره في المقام.
2 . ميزان الاعتدال : 2 / 15.
3 . وفيات الأعيان : 2 / 255.

صفحه 205
وقد بسط الخطيب الكلام في تأريخه ونقل بعض ما رواه وأشار إلى جوانب من حياته (1).
وما أسّسه من المذهب يرتبط بالفروع و الأحكام، لا العقائد والأُصول فالمصدر الفقهي عنده هو النصوص، بلا رأي في حكم من أحكام الشرع، فهم يأخذون بالنصوص وحدها و إذا لم يكن النصّ أخذوا بالإباحة الأصليّة.
أقول: إنّ إقصاء العقل عن ساحة العقائد يستلزم طرده عن ساحة الفقه بوجه أولى، لأنّ أساسه هو التعبّد بالنصوص، وعدم الإفتاء بشيء لا يوجد له أصل في الكتاب والسنّة، لكنّ الجمود على حرفيّة النصوص شيء والتعبّد بالنصوص و عدم الإفتاء في مورد لا يوجد فيه أصل و دلالة في المصدرين الرئيسيين شيء آخر. فالظاهرية على الأوّل، والفقهاء على الثاني، ولأجل إيضاح الحال نأتي بمثالين:
1 ـ إنّ الشكل الأوّل من الأشكال الأربعة ضروريّ الإنتاج من غير فرق بين الأُمور التكوينيّة أو الأحكام الشرعيّة، فكما أنّ الحكم بحدوث العالم نتيجة حتميّة لقولنا: العالم متغيّر وكلّ متغيّر حادث، فهكذا الحكم بحرمة كلّ مسكر، نتيجة قطعيّة لقولنا: الفقاع مسكر، وكلّ مسكر حرام، فالفقاع حرام. لكنّ الظاهري يقبل المقدّمتين و لكن لا يفتي بالنتيجة بحجّة أنّها غير مذكورة في النصوص.

1 . تاريخ بغداد للخطيب : 8 / 369.

صفحه 206
2 ـ ما يسمّيه الفقهاء بلحن الخطاب و إن كان شيئاً غير مذكور في نفس الخطاب، لكنّه من اللوازم البيِّنة له، بحيث يتبادر إلى الذّهن من سماعه، فإذا خاطبنا سبحانه بقوله: (فَلا تَقُلْ لَهُما أُفّ)(1) يتوجّه الذهن إلى حرمة ضربهما و شتمهما بطريق أولى، ولكنّ الفقيه الظاهري يأبى عن الأخذ به بحجّة كونه غير منصوص.
قال سبحانه: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يَغْفِرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَ إِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأوَّلِينَ) (2)، فالموضوع للحكم «مغفرة ما سلف عند الانتهاء» و إن كان هو الكافر، لكن الذهن السليم يتبادر إلى فهم شيء آخر لازم لهذا الحكم بالضّرورة و هو تعميم الحكم إلى المسلم أيضاً بوجه آكد. ولكنّ الظاهري يتركه بحجّة أنَّه غير مذكور في النصّ.
وهذا النوع من الجمود يجعل النُّصوص غير كافلة لاستخراج الفروع الكثيرة وتصبح الشريعة ناقصة من حيث التشريع و التقنين، وغير صالحة لجميع الأجيال والعصور، وفاقدة للمرونة اللازمة الّتي عليها أساس خاتمية نبوّة نبيّنا محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) وكتابه وسنتّه و....
وهؤلاء بين السنّة كالاخباريين بين الشيعة، غير أنّ الظاهرية ظهرت في القرن الثالث وقد عمل فيما لا نصّ فيه بالإباحة الأصليّة، والأخباريّة ظهرت في الشيعة في القرن العاشر وهم يعملون فيما لانصّ فيه بالاحتياط.

1 . الإسراء: 23.
2 . الأنفال : 38.

صفحه 207
إنّ الاكتفاء بظاهر الشريعة وأخذ الأحكام من ظواهر النصوص له تفسيران; أحدهما صحيح جدّاً، والآخر باطل، فإن أُريد منه نفي الظنون الّتي لم يدلّ على صحّة الاحتجاج بها دليل، فهو نفس نصّ الكتاب العزيز. قال سبحانه: (قُلْ ءَاللّهُ أذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ)(1)، فالشيعة الإماميّة بفضل النصوص الوافرة عن أئمّة أهل البيت المتصلة أسنادها إلى الرسول الإكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) استطاعت أن تستخرج أحكام الحوادث والموضوعات الكثيرة منها، وامتنعت عن العمل بالقياس والاستحسان وغيرهما من الأدلّة الظنّية الّتي لم يقم الدليل القطعي على صحّة الاحتجاج بها، بل قام الدّليل على حرمة العمل على بعضها كالقياس وقد ورد في نصوص أئمّتهم (عليهم السلام) : «و إنّ السنّة إذا قيست محق الدين»(2).
و إن أُريد بها لوازم الخطاب أي ما يكون في نظر العقلاء كالمذكور أخذاً بقولهم: «الكناية أبلغ من التصريح» ويكون التفكيك بينهما أمراً غير صحيح، فليس ذلك عملاً بغير النصوص. نعم ليس عملاً بالظاهر الحرفي، ولكنّه عمل بها بما يفهمه المخاطبون بها.
وعلى ذلك الأساس يكون لوازم الخطاب حجّة إذا كانت الملازمة ثابتة بيّنة في نظر العقلاء الّذين هم المعنيّون بهذه الخطابات، كادّعائها بين وجوب الشيء و وجوب مقدّمته، أو حرمة ضدّه، أو امتناع اجتماع وجوبه

1 . يونس: 59.
2 . الوسائل ج 18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 10.

صفحه 208
مع حرمته، إلى غير ذلك من المداليل الالتزامية كمفاهيم الجمل الشرطية أو الوصفيّة أو المغيّاة بغاية.
ولأجل كون هذه المداليل على فرض ثبوت الملازمة، بحكم المنطوق، ذهب المحقّقون في باب «المفاهيم» إلى أنّ النزاع في باب «حجّية المفاهيم» صغروي ـ أي في ثبوت أصل المفهوم والملازمة، وأنّه إذا قال المولى: إن سلّم زيد فأكرمه، هل يتبادر منه إلى الأذهان الصافية وجوب الإكرام عند التسليم، وارتفاعه عند انتفائه أو لا؟ ـ لا كبروي، بمعنى البحث عن حجّية هذه الملازمة بعد ثبوتها، إذ لا كلام في الحجية بعد ثبوتها.
وبذلك يتبيّن الحقّ الصراح في مسألة «تبعية النصوص الشرعية» وعدم الخروج عن إطارها، وأنّ أهل السنّة فيها بين مفرط و مفرّط. والطريق الوسطى هي الجادة(1).
فأصحاب القياس والاستحسان مفرطون في الخروج عن النُّصوص الشرعيّة، ويعملون بما لم يدلّ على الاحتجاج به دليل.
كما أنّ الظاهرية مفرِّطة في عدم الخروج عن ظواهر النصوص بحرفيتها، وإن كان العقلاء على خلافهم في محاوراتهم العرفيّة، ومن المعلوم أنّه ليست للشارع طريقة للمفاهمة غير الطريقة الدارجة.
ابن حزم آخر تلميذ فكري لداود الظاهري   

1 . اقتباس من كلام الإمام علي (عليه السلام) في النهج قال: «اليمين والشمال مضلة، والطريق الوسطى هي الجادة». نهج البلاغة قسم الخطب، الرقم 15، ط عبده.

صفحه 209

 

تلاميذه ومدى سلطان مذهبه

قال الخطيب في تأريخه: «روى عنه ابنه محمّد، وزكريّا بن يحيى الساجي، ويوسف بن يعقوب بن مهران الداودي، والعباس بن أحمد المذكّر، وهؤلاء رووا عنه و انتحلوا مذهبه» (1).
«ولكن عامّة الفقهاء والمحدّثين تركوا الرواية عنه كما تركوا مذهبه، وكثرت المعارضة، وقلّ التأييد، ولم يكن لمذهبه سلطان إلاّ في بلاد الشرق (نيسابور وضواحيها) في القرنين الثالث والرابع. و نقل عن صاحب «أحسن التقاسيم» أنّه كان رابع مذهب في القرن الرابع في الشرق، وكان الثّلاثة الّتي هو رابعها:مذهب الشافعي، ومذهب أبي حنيفة، ومالك، فكأنّه كان في الشرق أكثر انتشاراً أو تابعاً من مذهب أحمد إمام السنّة في القرن الرابع الهجري، ولكن في القرن الخامس جاء أبو يعلى وجعل المذهب الحنبلي مكانه، و بذلك زحزح المذهب الظاهري و حلّ محلّه»(2).

ابن حزم (384 ـ 458 هـ ) آخر تلميذ فكري لداود الظاهري

قد عرفت أنّ أبا يعلى الحنبلي (المتوفّى 458 هـ) قد زحزح المذهب الظاهري، وأحلّ محلّه مذهب إمامه أحمد في أواسط القرن الخامس وبذلك

1 . تاريخ بغداد : 8 / 370.
2 . تاريخ المذاهب الإسلاميّة: 2 / 351، نقلاً عن مقدمة «النبذ» للشيخ الكوثري.

صفحه 210
خبا ضوؤه وانحسر عن المدارس الفقهيّة، ولم يبق له وجود إلاّ في ثنايا الكتب، لولا أنّ عليّ بن أحمد بن حزم الأندلسي أعاد ذكره بلسانه و قلمه، وألّف حول ذلك المذهب كتباً و رسائل و انتقل المذهب الظاهري من الشرق إلى الغرب، ودخل الأندلس وقد حمل العبء وحده وخدم المذهب الظاهري بتأليفه:
1 ـ الإحكام في أُصول الأحكام: بيّن فيه أُصول المذهب الظاهري.
2 ـ النبذ: وهو خلاصة ذلك الكتاب.
3 ـ المحلّى: وهو كتاب كبير انتشر في عشرة أجزاء، جمع أحاديث الأحكام وفقه علماء الأمصار. طبع في بيروت، بتحقيق أحمد محمّد شاكر.

نزر من آرائه الشاذّة

1 ـ بطلان الاجتهاد :

أفتى ببطلان الاجتهاد في استخراج الأحكام الفقهيّة مستدلاً بقوله سبحانه: (مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيء) (1)، ولو كان ثمّة موضع للرأي لكان الكتاب قد فرّط في شيء، وقوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيء فَرُدُّوه إلى اللّهِ


1 . الأنعام: 38.

صفحه 211
وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ)(1).(2)
يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال بهاتين الآيتين يعرب عن كون ابن حزم فقيهاً ظاهريّاً بحتاً، ينظر إلى الظواهر بحرفيّتها ولا يتأمّل حتّى في القرائن الموجودة في نفس الآيات.
أمّا الآية الأُولى; فالمراد من الكتاب فيها، هو صحيفة الكون لقوله سبحانه في صدرها: (وَمَا مِنْ دَابَّة فِي الأرْضِ وَلا طَائِر يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إلاّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيْء ثُمَّ...) (3). لأنّ التفريط في المقام بمعنى التضييع و التقصير، والمعنى أنّ الدوابّ والطيور لـمّا كانت أُمماً أمثال الإنسان، فما قصّر سبحانه في حقّهم من إعطاء الكمال بمقدار ما لها من اللّياقة والشأن.
وأقصى ما يمكن أن يقال: إنّ المراد منه، هو اللّوح المحفوظ الّذي يسمّيه سبحانه في موارد من كلامه كتاباً مكتوباً فيه كلّ شيء، وأمّا تفسيره بالقرآن فضعيف لا يركن إليه بعد ملاحظة جمل الآية.
وأمّا الآية الثانية; فهي راجعة إلى القضاء في المنازعات والمرافعات فالمرجع هو الله سبحانه ورسوله، ولا صلة للآية بحصر المصادر في الكتاب والسنّة.

1 . النساء: 59.
2 . تاريخ المذاهب الإسلاميّة: 2 / 388.
3 . الأنعام: 38.

صفحه 212
ولأجل ذلك لم يذكر فيه الإجماع الّذي هو حجّة عند ابن حزم ومؤسّس منهجه، وما هذا إلاّ أنّ الآية وردت في مجال القضاء في المرافعات، دون الإفتاء في الأحكام الكلّية.
توضيح ذلك: أنّ القضاء في المنازعات يشترك مع الاجتهاد في الأحكام الشرعيّة في أنّ كلاًّ من القاضي والمجتهد يسعى لكسح الجهل ورفع الشبهة، غير أنّ الشبهة في مجال القضاء، موضوعيّة على الأغلب مع كون الحكم الكلّي معلوماً، كاختلاف الناس في الأموال والديون، بخلاف الشبهة في مجال الاجتهاد فإنّ الحكم الكلّي مشتبه غير معلوم، والمجتهد يسعى بكلّ حول وقوّة لدفع الشبهة، وإراءة مُحيّا الحقيقة.
والآية كما هو صريح سياقها، ناظرة إلى المقام الأوّل، ولا صلة لها بالمقام الثاني. يقول سبحانه بعد هذه الآية (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يَضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً) (1)، وقد ورد في أسباب نزولها ما يؤيّد ما ذكرناه فلاحظ.

2 ـ يجوز للجنب مسُّ المصحف

قال في المحلّى: «وأمّا مسّ المصحف، فإنّ الآثار الّتي احتجّ بها من لم يجز للجنب مسّه، فإنّه لا يصحّ منها شيء، لأنّها إمّا مرسلة، وإمّا ضعيفة لا

1 . النساء: 60.

صفحه 213
تسند، وإمّا عن مجهول... فإن ذكروا قول الله: (فِي كِتَاب مَكْنُون * لا يَمَسُّهُ إلاّ المُطَهَّرُونَ)(1). فهذا لا حجّة لهم فيه، لأنّه ليس أمراً، وإنّما هو خبره والله تعالى لا يقول إلاّ حقّاً، ولا يجوز أن يصرف لفظ الخبر إلى معنى الأمر إلاّ بنصّ جلي أو إجماع متيقّن. فلمّا رأينا المصحف يمسّه الطّاهر وغير الطّاهر علمنا أنّه عزّوجلّ لم يعن المصحف وإنّما عنى به كتاباً آخر»(2).
واستدلّ على الجواز بعمل النبي وأنّه كتب كتاباً إلى عظيم «بصرى» ليدفعه إلى هرقل وفيه قوله سبحانه: (قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَة سَواء بَيْنَنَا وَ بَيْنَكُمْ ألاّ نَعْبُدَ إلاّ اللّهَ وَ لا نُشْرِكَ بِهِ شَيئاً)(3) . وقد أيقن أنّهم يمسّون ذلك الكتاب(4).
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ قوله (في كِتاب مَكْنُون) وصف ثان للقرآن في قوله: (بَل هوَ قُرآنٌ مجِيدٌ) والمراد أنّ القرآن في كتاب محفوظ من التّغيير والتبديل، والمراد من الكتاب هو اللّوح المحفوظ بشهادة قوله: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْح مَحْفُوظ) (5). وليس المراد منه المصحف، لاستلزامه وحدة الظرف و المظروف.
وثانياً: أنّ الظّاهر من ابن حزم الظاهري، أنّ الاستدلال على حرمة

1 . الواقعة: 78 ـ 79.
2 . المحلى: 1 / 83 .
3 . آل عمران: 64.
4 . الدر المنثور: 1 / 40.
5 . البروج: 21 ـ 22.

صفحه 214
مسّ المصحف للجنب مبنيّ على تعيين المراد من الكتاب في قوله: (في كِتاب مَكْنُون)فهل المراد منه هو المصحف أو غيره؟ فعلى الأوّل يثبت حرمة مسّ المصحف لغير المتطهّر بخلاف الثاني.
فرجّح كون المراد منه هو غيره، لما ذكر من الدليل ولكن خفى عليه أنّ الاستدلال ليس مبنيّاً على ما ذكره، بل الاستدلال مبنيّ على كون الضمير في قوله: (لا يمسّه) هل هو عائد إلى القرآن، أو إلى الكتاب، المتقدّمين عليه في الآية؟ فإن قلنا بالأوّل يكون المراد من المسّ هو مسّ كتابة القرآن، ومن التطهير هو الطهارة من الخبث والحدث. ولا مناص عندئذ من حمل النفي على النهي لصيانة كلامه عن الكذب، نظير قوله سبحانه: (فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَ لا جِدَالَ فِي الحَجِّ)(1). وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا ضرر ولا ضرار» على القول الحق(2).
وإن قلنا بالثاني، يكون المراد من المسّ، هو العلم به، ويكون المراد من المطهّرين، من طهّر الله نفوسهم من أرجاس المعاصي و أقذار الذنوب.
وأمّا تعيين أحد الاحتمالين فخارج عن موضوع البحث، وإنّما الهدف إراءة نماذج من تفكير ابن حزم.
أمّا الاستدلال بكتابة الآية و بعثها إلى عظيم «بصرى» والنبيّ يعلم أنّ الكافر سيمسّها.

1 . البقرة: 197.
2 . لاحظ محاضرات المؤلف باسم «قاعدتان فقهيتان» تقف على اسناد الحديث ومضمونه.

صفحه 215
فيلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الاستدلال مبنيّ على كون الكفّار مكلّفين بالفروع كما هم مكلّفون بالأُصول وهو بعدُ أمر متنازع فيه.
وثانياً: أنّ التسبيب إنّما يحرم إذا كان مؤدّياً إلى مسّ الجاهل القاصر، كما إذا وضع الإنسان يد غير المتطهّر على كتابة القرآن وهو جاهل أو غافل، لا ما إذا كان غير معذور كعظيم «بصرى» و غيره من الطغاة غير المعذورين في ترك الأُصول و مخالفة الفروع، إذ في وسعهم أن يعتنقوا الإسلام ويدخلوا تحت السلم و يتعرّفوا على أُصوله و يعملوا بفروعه ويجتنبوا محرّماته. وهذا الجواب سائد في تمكين الكافرين من الكتب الّتي فيها أسماؤه سبحانه بعد إتمام الحجّة عليهم وإن كان في جريانه في المقام خفاء.
وثالثاً: أنّ المصالح الكبرى الّتي تتبلور في بثّ الدعوة الإسلاميّة في المناطق المعمورة وإنقاذ الأجيال عن الوثنيّة وعبادة الطغاة ربّما ترخّص للرسول أن يقوم بعمل ربّما ينتهي إلى مسّ غير المتطهّر آية من الكتاب العزيز وله نظائر في الشريعة الإسلاميّة.

3 ـ قاتل الإمام عليّ (عليه السلام) كان مجتهدا

وهذا هو النموذج الثالث من آراء الرجل نأتي بنصّه من كتاب المحلّى، فقال: «مسألة، مقتول كان في أوليائه غائب أو صغير أو مجنون اختلف الناس في هذا: فقال أبو حنيفة: إذا كان للمقتول بنون وفيهم واحد كبير وغيرهم صغار، أنّ للكبير أن يقتل ولا ينتظر بلوغ الصغار. ثمّ أورد على

صفحه 216
الشافعيّة القائلة بعدم الجواز بأنّ الحسن بن عليّ(عليهما السلام) قد قتل عبدالرحمن بن ملجم، ولعليّ بنون صغار. ثمّ قال: هذه القصة ـ يعني: قتل ابن ملجم ـ عائدة على الحنفيّين بمثل ما شنّعوا على الشافعيين سواء سواء، لأنّهم والمالكيّين لا يختلفون في أنّ من قتل آخر على تأويل فلا قود في ذلك، ولا خلاف بين أحد من الأُمّة في أنّ عبدالرحمن بن ملجم لم يقتل عليّاً (عليه السلام) إلاّ متأوّلاً مجتهداً مقدّراً أنّه على صواب، وفي ذلك يقول عمران بن حطّان شاعر الصفرية:
يا ضربة من تقي ما أراد بها *** إلاّ ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إنّي لأذكره حيناً فأحسبه *** أوفى البريّة عندالله ميزانا
أي لأُفكّر فيه ثمّ أحسبه، فقد حصل الحنفيّون من خلاف الحسن بن عليّ على مثل ما شنّعوا به على الشافعيّين وما ينقلون أبداً في رجوع سهامهم عليهم، ومن الوقوع فيما حفروه(1).
يلاحظ عليه: أنّ الفقيه الأندلسي قد خرج في فتياه هذه عن مسلكه وهو التقيّد بالنصوص الشرعية تعبّداً حرفيّاً غير معتمد على العقل والاجتهاد، مع أنّه هو طرح النصّ ولجأ إلى الاجتهاد الخاطئ. فهذا هو النّبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول لعليّ: «ألا أخبرك بأشدّ الناس عذاباً يوم القيامة؟ قال: أخبرني يا رسول الله قال: فإنّ أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة عاقر ناقة ثمود وخاضب لحيتك بدم رأسك».(2)

1 . المحلى: 10 / 482 ـ 484.   2 . العقد الفريد: 2 / 298.

صفحه 217
وقد وصف النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قاتل عليّ في غير واحد من أحاديثه بأنّه أشقى الآخرين وأشقى هذه الأُمّة. (1).... إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في هذا السياق.
والحقّ أنّ الاجتهاد الّذي يؤدّي إلى وجوب قتل الإمام المفترض طاعته بالنصّ، اجتهاد يهتزّ منه العرش، ونحن أيضاً نصافق ابن حزم وأُستاذه داود الاصفهاني في ردّ هذا القسم من الاجتهاد الّذي تكون نتيجته نجاح الخوارج المارقين عن الدين، وما ذكره من الشعر هو لعمران بن حطّان رأس الخوارج في عصره، وقد أجابه معاصره القاضي أبوالطيب طاهر بن عبدالله الشافعي قائلاً:
يا ضربة من شقي ما أراد بها *** إلاّ ليهدم للاسلام أركاناً
إنّي لأذكره يوماً فألعنه *** ديناً وألعن عمراناً وحطّاناً
عليه ثم عليه الدهر متّصلاً *** لعائن الله إسراراً و إعلانا
فأنتما من كلاب الدهر *** جاء به نصّ الشريعة برهاناً وتبيانا(2)
وله في كتابه «الفصل» كلام يشبه ما ذكره في قاتل الإمام حيث عدّ فيه

1 . مسند أحمد: 4 / 263.
2 . مروج الذهب: 2 / 415.

صفحه 218
قاتل عمّار وهو أبو الغادية يسار بن سبع السلمي متأوّلاً مجتهداً مخطئاً مأجوراً بأجر واحد، وعدّ عمّاراً الثائر على الخليفة فاسقاً محارباً سافكاً دماً حراماً عمداً بلا تأويل على سبيل الظلم والعدوان (1).
وما تلك المذاهب إلاّ نتيجة تقاعس العلماء الأخيار عن وظيفتهم، ونتيجة طرد العقل الصحيح الفطري عن مناهج الحياة.
ولا أظنّ أنّ إنساناً منصفاً يفكّر في هذه المناهج والمسالك، يعدّ دعاة الحرية والاختيار والتعقّل ضلاّلاً كفّاراً، ودعاة الجبرية والتشبية والتجسيم والجمود الفكري علماء وعاة.
(وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَاب فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْم هُدًى وَ رَحْمَةً لِقَوْم يُؤْمِنُونَ)(2).
تمّ الكلام حول الحركات الرجعية الثلاث

1 . الفصل: 4 / 161.
2 . الأعراف: 52.

صفحه 219
   
 
7

المعتزلة

المعتزلة بين المدارس الكلاميّة المختلفة، مدرسة فكريّة عقليّة، أعطت للعقل القسط الأوفر والسهم الأكبر حتّى فيما لا سبيل له للقضاء فيه، ولها من نتائج الفكر والمعرفة ما شهد له التأريخ، ودلّت عليه كتب القوم ورسائلهم الباقية. وما نقله عنهم خصومهم و أعداؤهم. وباختصار، إنّه مذهب فكري كبير يزخر بمعارف حول المبدأ والمعاد، وبأنظار عقليّة أو تجريبيّة حول صحيفة الكون.
ومن المؤسف جدّاً أنّ هوى العصبيّة بل يد الخيانة و الجناية لعبت بكثير من مخلّفاتهم الفكريّة و أطاحت به فأضاعتها بالخرق و المزق و إن كان فيما بقى و ما كشفت عنه بعثة وزارة المعارف المصريّة إلى اليمن ونشرتها(1) كفاية لمن أراد التعرّف على المذهب عن لسان شيوخهم، ثمّ

1 . أصدرت دار الكتب المصرية عام 1967 قائمة المخطوطات العربية المصوّرة بالميكروفيلم من الجمهورية العربية اليمنية. كما قامت بنشر كتب القاضي عبد الجبار رئيس الاعتزال في أوائل القرن الخامس فطبعت منها كتاب شرح الأُصول الخمسة وكتاب المغني له أيضاً في أربعة عشر جزءاً وغيرهما.

صفحه 220
دراستها، وسنتلو عليك قائمة الكتب الباقية أو المنشورة في هذه الآونة الأخيرة عنهم، وبالنظر إليها يعلم أنّ الباقي يشكل طفيفاً من الكثير المضاع ـ ومع ذلك ـ فهو يستطيع أن يرسم لنا معالم هذا المذهب بوضوح بحيث يغني عن المراجعة إلى كتب خصومهم و أعدائهم.
إنّ ضياع كتب المعتزلة في القرون السابقة وعدم عثور الباحثين عليها، ألجأهم في كتابة عقائدهم و تحليل أُصولهم إلى الاعتماد على كتب الأشاعرة في مجال علم الكلام والملل و النحل، ومن الواضح جدّاً أنّ كثيراً من الخصوم ليسوا بمنصفين و موضوعيين وقد نسبوا إليهم ما لا يوافق الأُصول الموثوق بها(1).
إنّ الدراسة الموضوعيّة الهادفة تكلّف الباحث الرجوع إلى الكتب المؤلفة بيد أعلام المذاهب و خبرائه المعروفين بالحذق والوثاقة، والاعتماد على كتب الخصوم خارج عن أدب الجدل و رسم التحقيق.
بيد أنّنا نرى كثيراً من الكتّاب المعاصرين يعتمدون في تحليل عقائد الطوائف الإسلاميّة على «مقالات الإسلاميّين» للشيخ الأشعري و «الفرق

1 . مثلاً نسب إليهم أنّهم لا يقولون بعذاب القبر مع أنّ القاضي في شرح الأُصول الخمسة : 732 يقول: إنّ المعتزلة تقول بعذاب القبر ولا تنكره قال: وأمّا فائدة عذاب القبر وكونه مصلحة للمكلّفين فإنّهم متى علموا أنّهم إن أقدموا على المقبحات وأخلوا بالواجبات عذِّبوا في القبر... وسيأتي البحث عنه في محلّه.

صفحه 221
بين الفرق» لعبد القادر البغدادي و «الملل و النحل» للشهرستاني، وهؤلاء كلّهم من أعلام الأشاعرة و يرجع إليهم في الوقوف على التفكير الأشعري، وأمّا في غيره فلا يكون قولهم و نقلهم حجّة في حقّهم، إلاّ إذا طابق الأصل، فإنّ الكاتب مهما يكون أميناً ـ إذا كان في موقف الجدال والنِّقاش وحاول إثبات مقاله و تدمير مقالة الخصم ـ لا يصحّ الرُّكون إلى نقله، إلاّ إذا أتى بنصّ عبارة الخصم بلا تصرّف ولا تبديل. ومن المعلوم أنّ الكتب المؤلّفة في العصور الماضية لا تسير على هذا المنهاج، كما هو واضح لمن سبر.
إنّ من الظلم البارز الاعتماد في تحليل عقائد الطوائف الإسلاميّة على كتب ابن حزم الأندلسي (المتوفى عام 456 هـ) وابن خلدون المغربي (المتوفّى عام 808 هـ) وغيرهما خصوصاً فيما كتبوه حول الشيعة لبعدهم عن البيئة الشيعيّة و مؤلّفاتهم، ولذلك ترى فيها الخبط والخطاء...وهذا مبلغ علم الشهرستاني و اطّلاعه عنهم حيث يذكر الأئمّة الاثني عشر ويقول: إنّ عليّ بن محمّد النقي مشهده بقم.(1) ويكفيك فيما ذكرناه ما قاله أحد معاصريه (أبو محمّد الخوارزمي) قال بعد ذكر مشايخه في الفقه وأُصوله والحديث: «ولولا تخبّطه في الاعتقاد وميله إلى الإلحاد لكان هو الإمام، وكثيراً ما كنّا نتعجّب في وفور فضله وكمال عقله، وكيف مال إلى شيء لا أصل له و اختار أمراً لا دليل عليه لا معقولاً ولا منقولاً، ونعوذ بالله من الخذلان والحرمان من نور الإيمان».(2)

1 . الملل والنحل: 1 / 169.
2 . معجم البلدان: 3 / 377، مادة شهرستان.

صفحه 222
   

 

اهتمام المستشرقين بتراث المعتزلة

اهتمّ المستشرقون في العصور الأخيرة بدراسة مذهب الاعتزال وما فيه من الخطوط والأُصول في الكون وحياة الإنسان و اختياره و حرّيته، ولقد أعجبتهم فكرتهم في أفعال العباد وصار ذلك سبباً لاهتمام الجدد من أهل السنّة و بالأخص المصريّين منهم إلى دراسة مذهبهم و نشر كتبهم و تقدير فكرتهم و الدفاع عنهم قدر الإمكان وردّ الاعتبار إليهم.
ولأجل ذلك نشرت في العهد القريب كتب تتناول البحث عن ذلك المذهب مثل:
1 ـ تأريخ الجهمية والمعتزلة: لجمال الدين القاسمي الدمشقي، طبع في القاهرة عام 1331 هـ .
2 ـ المعتزلة: تأليف زهدي حسن جار اللّه طبع في القاهرة عام 1366 هـ ، وهي رسالة تبحث في تأريخ المعتزلة وعقائدهم وأثرهم في تطوّر الفكر الإسلامي. قدّمها مؤلّفها إلى دائرة التأريخ العربي في كلّية العلوم والآداب بجامعة بيروت الأمريكيّة. ونال عليه رتبة أُستاذ في العلوم وله في الكتاب مواقف موضوعيّة.
3 ـ فجر الإسلام: لأحمد أمين المصري، الفصل الرابع، ص 283 ـ 303.

صفحه 223
4 ـ ضحى الإسلام: له أيضاً، الفصل الأوّل ص 21 ـ 107.
5 ـ تأريخ المذاهب الإسلاميّة: تأليف محمّد أبو زهرة فصل القدريّة، ص 123 ـ 179.
6 ـ فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة: تحقيق فؤاد السيّد، نشرته الدار التونسيّة للنشر، عام 1406 هـ ، الطبعة الثّانية، وهو يضمّ كتباً ثلاثة لأئمّة الاعتزال: أبي القاسم البلخي، والقاضي عبد الجبّار، و الحاكم الجشمي، والكتاب مزدان بتحقيقات نافعة.
وهذه العناية الكبيرة المؤكّدة من أبناء الأشاعرة لبيان تأريخ المعتزلة وعقائدهم وإظهار الأسف و الأسى لذهاب ثروتهم العلميّة، و إنشاء بعثة علميّة لأخذ الصّور من مخلّفاتهم الخطّية المبعثرة في بلاد اليمن والقيام بنشرها، عمل مبارك وجهد مقدّر، لكن أثاره أبناء الاستشراق في نفوس هؤلاء. هذا هو (آلفرد جيوم) أُستاذ الدراسات الشّرقية في جامعة لندن يقول :
«إنّ ما انتهى إلينا من كتابات رجال الاعتزال قليل جدّاً إلى حدّ أنّنا مضطرّون إلى أن نعتمد على ما يقوله مخالفوهم عنهم، وقد كانوا يحملون لهم ذكريات مريرة لما قام به المعتزلة من أعمال تعسّفيّة لذلك، فإنّ أملنا لكبير، إذا كانت مكتبات الشيعة في اليمن أو في غير اليمن تحوي مخطوطات من أصل معتزلي أن نقوم بنشرها. هذا، وإنّ أُولئك الّذين يرغبون في الوقوف على نتاج العقل العربي في عصور الخلافة الذهبية،

صفحه 224
يحسنون صنعاً إذا أقدموا على درس هذه الرسالة اللمّاعة في تأريخ حركة عظيمة في حركات الفكر العربي»(1).
وهذا «شتيز» المستشرق وصفهم بأنّهم المفكِّرون الأحرار في الإسلام، وألّف كتاباً بهذا الاسم.
ووصفهم «آدم ميت» و «هاملتون» بأنّهم دعاة الحريّة الفكرية والاستنارة (2).
وقال «جولد تسيهر»: «إنّ المعتزلة وسّعوا معين المعرفة الدينية بأن أدخلوا فيها عنصراً مهمّاً آخر قيّماً وهو العقل الّذي كان حتّى ذلك الحين مبعداً بشدّة عن هذه الناحية»(3).
وربّما يرد على الأخير بأنّه تجاسر على قلب الحقائق مسقطاً الواقع الّذي يثبت اجتهاد الرسول والصحابة والتابعين... وكتب السنّة والسيرة والتاريخ والفقه والخلاف والمقارنات الفقهيّة حافلة بما يؤيِّد اجتهادهم وتعويلهم على العقل.
يلاحظ عليه: أنّ كلام هذا الرادّ أقرب إلى قلب الواقع ممّا ذكره «جولد تسيهر» ذلك المستشرق الحاقد على الإسلام ونبيّه، وذلك لأنّ أهل الحديث

1 . من مقدمة كتاب المعتزلة، تأليف زهدي حسن جار الله، قدّم له «آلفرد جيوم» أُستاذ الدراسات الشرقية في جامعة لندن. عام 1947 م = 1366 هـ.
2 . أدب المعتزلة: 172.
3 . المعتزلة بين العمل والفكر: 103، تأليف: علي الشابي، أبو لبابة حسن، عبد المجيد النجار. طبع الشركة التونسية.

صفحه 225
والحنابلة ينكرون الحسن والقبح العقليّين، وإنكار ذلك مساوق لإنكارّ كثير من المعارف الدينيّة، والمعارف الدينيّة عندهم قائمة على السنّة فقط، وأحيانا على الكتاب. وأمّا العقل فهو محكوم عندهم بالإعدام، حتّى أنّ طريق الإمام أبي الحسن الأشعري غير مقبول لدى أهل الحديث والحنابلة، ولأجل ذلك ما ذكروه في طبقاتهم، قائلين بأنّ الشيخ الأشعري يستدلّ على العقائد، مكان أن يعتمد فيها على الحديث والسنّة.
وأمّا الاعتماد على العقل في الفقه، فلو أُريد منه القياس والاستحسان فهو من قبيل العقل الظنّي الذي لا يغني من الحقّ شيئاً، وإن أُريد منه الحكم القطعي من العقل، فهو مبنيّ على التحسين والتقبيح العقليين، وأهل الحديث والحنابلة حتّى الأشاعرة ينكرون إمكان هذا الإدراك العقلي.
هذا وللمستشرقين كلمات أُخر في تحسين منهج الاعتزال ضربنا عنها صفحاً.

أحمد أمين و مدرسة الاعتزال

إنّ أحمد أمين (الكاتب الشهير المصري) مع أنّه لم يقف من كتب المعتزلة إلاّ على الأقل القليل، كالانتصار لأبي الحسين الخيّاط (المتوفّى 311 هـ)، والكشّاف للزمخشري (المتوفّى 538 هـ)، وبعض كتب الجاحظ (المتوفّى 255 هـ) وقد اعتمد في نقل عقائد المعتزلة على كتب الأشاعرة، كمقالات الإسلاميين للشيخ الأشعري (المتوفّى 324 هـ)، ونهاية الاقدام

صفحه 226
للشهرستاني (المتوفّى 548 هـ)، والاقتصاد للغزالي (المتوفّى 505 هـ)، والمواقف للعضدي (المتوفّى 775 هـ) إلى غير ذلك، وهؤلاء كلّهم أعداء المعتزلة ولا يستطيعون تقرير مواقف خصومهم في المسائل مجرّدين عن كلّ انحياز، ـ مع أنّه لم يقف ـ تأثّر كثيراً بمنهج الاعتزال تبعاً لأساتذته الغربيّين، ولولاهم لما خرج الأُستاذ أحمد أمين عمّا حاكت عليه البيئة المصريّة الأشعريّة من الشباك الفكري قدر أنملة، ولا بأس بنقل جمل من إطرائه للمعتزلة في فصول مختلفة.
1 ـ يقول حول توحيد المعتزلة و تنزيههم: «وقد كانت نظرتهم في توحيد الله نظرة في غاية السموّ والرفعة، فطبّقوا قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء) أبدع تطبيق، وفصّلوه خير تفصيل وحاربوا الأنظار الوضعيّة من مثل أنظار الّذين جعلوا الله تعالى جسماً»(1).
2 ـ يقول حول نظريّتهم في حرّية العباد: «وقالت المعتزلة بحرّية الإرادة وغلوا فيها أمام قوم سلبوا الإنسان إرادته حتّى جعلوه كالريشة في مهبّ الريح أو كالخشبة في اليمّ. وعندي أنّ الخطأ في القول بسلطان العقل وحرّية الإرادة والغلوّ فيهما خير من الغلوّ في أضدادهما، وفي رأيي أنّه لو سادت تعاليم المعتزلة إلى إليوم لكان للمسلمين موقف آخر في التأريخ غير موقفهم الحالي، وقد أعجزهم التسليم وشلّهم الجبر وقعد بهم التواكل»(2).

1 . ضحى الإسلام : 3 / 68.
2 . نفس المصدر : 3 / 70.

صفحه 227
3 ـ يقول في حقّ إبراهيم بن سيّار المعروف بالنظّام، الشخصيّة الرابعة بين المعتزلة بعد واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، وأبي الهذيل العلاف، أُستاذ الجاحظ وقد توفّي عام 231: «أمّا ناحيته العقليّة ففيها الركنان الأساسيّان اللّذان سبّبا النهضة الحديثة في أروبا وهما الشكّ والتجربة، وأمّا الشكّ فقد كان يعتبره النظّام أساساً للبحث فكان يقول: الشاكّ أقرب إليك من الجاحد، ولم يكن يقين قطّ حتّى صار فيه شكّ، ولم ينتقل أحد من اعتقاد إلى اعتقاد غيره حتّى يكون بينهما حال شك.
وأمّا التجربة فقد استخدمها كما يستخدمها الطبيعي أو الكيمياوي اليوم في معمله»(1).
وقال أحمد أمين في مقال خاصّ تحت عنوان «المعتزلة والمحدثون»:
كان للمعتزلة منهج خاصّ أشبه ما يكون بمنهج من يسمّيهم الإفرنج العقليين، عمادهم الشكّ أوّلاً والتجربة ثانياً، والحكم أخيراً. وللجاحظ فى كتابه «الحيوان» مبحث طريف عن الشكّ، وكانوا وفق هذا المنهج لا يقبلون الحديث إلاّ إذا أقرّه العقل، ويؤوّلون الآيات حسب ما يتّفق والعقل كما فعل الزمخشري في الكشّاف، ولا يؤمنون برؤية الإنسان للجنّ لأنّ الله تعالى يقول: (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ)(2) ويهزأون بمن يخاف من الجنّ، ولا يؤمنون بالخرافات والأوهام، و يؤسّسون دعوتهم إلى

1 . ضحى الإسلام : 3 / 112.
2 . الأعراف: 27 .

صفحه 228
الإسلام حسب مقتضيات العقل و فلسفة اليونان، ولهم في ذلك باع طويل، ولا يؤمنون بأقوال أرسطو لأنّه أرسطو، بل نرى في « الحيوان » أنّ الجاحظ يفضّل أحياناً قول أعرابيّ جاهلي بدويّ على قول أرسطو الفيلسوف
الكبير.
هكذا كان منهجهم، وهو منهج لا يناسب إلاّ الخاصّة، ولذلك لم يعتنق الاعتزال إلاّ خاصّة المثقّفين، أمّا العوام فكانوا يكرهونه.
ويقابل هذا المنهج منهج المحدِّثين، وهو منهج يعتمد على الرواية لا على الدراية، ولذلك كان نقدهم للحديث نقد سند لا متن، ومتى صحّ السند صحّ المتن ولو خالف العقل، وقلّ أن نجد حديثاً نُقد من ناحية المتن عندهم، و إذا عُرض عليهم أمر رجعوا إلى الحديث ولو كان ظاهره لا يتّفق والعقل، كما يتجلّى ذلك في مذهب الحنابلة.
وكان من سوء الحظّ أن تدخل المعتزلة في السياسة ولم يقتصروا
على الدين، والسياسة دائماً شائكة، فنصرهم على ذلك المأمون والواثق والمعتصم، وامتحنوا الناس وأكرهوهم على الاعتزال، فكرههم العامّة واستبطلوا الإمام ابن حنبل الّذي وقف في وجههم، فلمّا جاء المتوكّل
انتصر للرأي العام ضدّهم، وانتصر للإمام أحمد بن حنبل على الجاحظ وابن أبي دؤاد وأمثالهما، و نكّل بهم تنكيلاً شديداً، فبعد أن كان يتظاهر الرجل بأنّه معتزلي، كان الرجل يعتزل ويختفي حتّى عدّ جريئاً كلّ الجراءة الزمخشري الّذي كان يتظاهر بالاعتزال و يؤلّف فيه، ولم يكن له كلّ هذا

صفحه 229
الفضل، لأنّه أتى بعد هدوء الفورة الّتي حدثت ضدّ الاعتزال.
فلنتصوّر الآن ماذا كان لو سار المسلمون على منهج الاعتزال إلى اليوم؟. أظنّ أنّ مذهب الشكّ والتجربة وإليقين بعدهما كان يكون قد ربى وترعرع و نضج في غضون الألف سنة الّتي مرّت عليه، وكنّا نفضّل الأروبيّين في فخفختهم و طنطنتهم بالشكّ والتجربة الّتي ينسبانها إلى «بيكن» مع أنّه لم يعمل أكثر من بسط مذهب المعتزلة. وكان هذا الشكّ وهذه التجربة مما يؤدّي حتماً إلى الاختراع وبدل تأخّر الاختراع إلى ما بعد بيكن وديكارت، كان يتقدم مئات من السنين، وكان العالم قد وصل إلى ما لم يصل إليه إلى اليوم، وكان وصوله على يد المسلمين لا على يد الغربيّين، وكان لا يموت خلق الابتكار في الشرق و يقتصر على الغرب.
فقد عهدنا المسلمين بفضل منهج المحدِّثين يقتصرون على جمع متفرّق أو تفريق مجتمع، وقلّ أن نجد مبتكراً كابن خلدون الّذي كانت له مدرسة خاصّة، تلاميذها الغربيّون لا الشرقيون.
فالحقّ أن خسارة المسلمين بإزالة المعتزلة من الوجود كانت خسارة كبرى لا تعوّض.
ثمّ بدأ المسلمون ينهجون منهج الحضارة الغربيّة تقليداً من الخارج لا بعثاً من الداخل، وشتّان ما بينهما، فالتقليد للخارج بثّ فيهم ما يسمّيه علماء النفس مركب النقص، فهم يرون أنّهم عالة على الغربيّين في منهجهم، ولو

صفحه 230
كان من أنفسهم لاعتزّوا به وافتخروا، ولكن ما قُدّر لا بدّ أن يكون، ولله في خلقه شؤون»(1).
هذا بعض ما تأثّر به الأُستاذ المصري بمنهج الاعتزال فأطلق قلمه بمدحهم، ولكن لمّا وقف في غضون التأريخ على أنّ المعتزلة تربّت في أحضان البيت العلوي وأنّ واصل بن عطاء مؤسّس المنهج تتلمذ على أبي هاشم بن محمّد الحنفيّة، وأنّهم أخذوا التوحيد والعدل من الأُصول الخمسة من خطب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، ثارت ثورته وثقل عليه البحث لما يكنّه في نفسه من عداء وحقد للشيعة وأئمّتهم، فانبرى لتحريف التأريخ و إسدال الستر على الحقيقة وإنكار كون الأصل لبعض أُصول المعتزلة هو البيت العلوي. ولنا معه في ذلك الفصل بحث ضاف فانتظر. هذا والكلام حول هذه الطائفة يأتي في فصول:

1 . رسالة الإسلام التي تصدرها «دار التقريب بين المذاهب الإسلاميّة» بالقاهرة: العدد الثالث من السنة الثالثة.

صفحه 231
   

الفصل الأوّل

سبب تسميتهم بالمعتزلة

لقد شغل بال الباحثين من المسلمين و المستشرقين سبب تسمية هذه الطائفة بالمعتزلة، فاختار كلّ مذهباً، ونحن نأتي بجميع الآراء أو أكثرها على وجه الإجمال، مع التحليل والقضاء بينها.

1 ـ اعتزالهم عن علي (عليه السلام) في محاربته لمخالفيه

قال أبو محمّد الحسن بن موسى النوبختي من أعلام القرن الثالث في كتابه «فرق الشيعة» عندالبحث عن الأحداث الواقعة بعد قتل عثمان: «فلمّا قُتِل بايع الناس عليّاً فسمّوا الجماعة، ثمّ افترقوا بعد ذلك و صاروا ثلاث فرق: فرقة أقامت على ولايته (عليه السلام)، وفرقة خالفت عليّاً وهم طلحة والزبير وعائشة; وفرقة اعتزلت مع سعد بن مالك وهو سعدبن أبي وقّاص، وعبدالله بن عمر بن الخطّاب، ومحمّد بن مسلمة الأنصاري، وأُسامة بن زيد بن حارثة الكلبي مولى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّ هؤلاء اعتزلوا عن علي (عليه السلام)وامتنعوا عن محاربته والمحاربة معه بعد دخولهم في بيعته والرضا به.

صفحه 232
فسمّوا المعتزلة، وصاروا أسلاف المعتزلة إلى آخر الأبد، وقالوا: لا يحلّ قتال عليّ ولا القتال معه.
وذكر بعض أهل العلم أنّ الأحنف بن قيس التميمي اعتزل بعد ذلك في خاصّة قومه من بني تميم لا على التديّن بالاعتزال. ولكن على طلب السلامة في القتل و ذهاب المال وقال لقومه: اعتزلوا الفتنة أصلح لكم».(1)
وذكر نصر بن مزاحم المنقري أنّ المغيرة بن شعبة كان مقيماً بالطائف لم يشهد صفّين. فقال معاوية: يا مغيرة: ما ترى؟ قال: يا معاوية لو وسعني أن أنصرك لنصرتك، ولكن عليّ أن آتيك بأمر الرجلين (أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص) فركب حتّى أتى دومة الجندل، فدخل على أبي موسى كأنّه زائر له، فقال: يا أبا موسى! ما تقول فيمن اعتزل هذا الأمر وكره الدماء؟ قال: أُولئك خيار الناس خفّت ظهورهم من دمائهم و خمصت بطونهم من أموالهم.
ثمّ أتى عمراً فقال: يا أبا عبدالله ! ما تقول فيمن اعتزل هذا الأمر وكره الدماء؟
فقال: أُولئك شرّ الناس لم يعرفوا حقّاً ولم ينكروا باطلا(2).
غير أنّ شيوخ المعتزلة يردّون هذه الرواية ولا يقيمون لها وزناً. بل يقول البلخي: «ومن الناس من يقول سمّوا معتزلة لاعتزالهم عليّ بن أبي

1 . فرق الشيعة: 5 .
2 . وقعة صفين : 620 ـ 621 .

صفحه 233
طالب في حروبه، وليس كذلك، لأنّ جمهور المعتزلة بل أكثرهم إلاّ القليل الشاذّ منهم يقولون إنّ عليّاً (عليه السلام) كان على صواب، وإنّ من حاربه فهو ضالّ، وتبرّأوا ممّن لم يتب عن محاربته، ولا يتولّون أحداً ممّن حاربه إلاّ من صحّت عندهم توبته منهم، و من كان بهذه الصفة فليس بمعتزل عنه (عليه السلام)، ولا يجوز أن يسمّى بهذا الاسم»(1).
أقول: لولا أنّ النوبختي ذكر بعد نقل هذه الرواية قوله: «وأنّهم صاروا أسلاف المعتزلة إلى آخر الأبد» لأمكن المناقشة في كونه وجه التّسمية، و أنّ الاعتزال بالطابع الفكري والعقلي كان استمراراً للاعتزال بطابعه السياسي. إذ من الممكن أن تستعمل كلمة واحدة في طائفتين يجمعهما جامع وهو العزلة وترك الجماعة. فهؤلاء الّذين خذلوا عليّاً بترك البيعة والحرب معه ضدّ الناكثين والقاسطين معتزلون، كما أنّ واصل بن عطاء و تلاميذه معتزلون لأجل تركهم مجلس درس أُستاذه و تلاميذه كما يأتي في الرواية الأُخرى. وإطلاق كلمة واحدة على الطائفتين اللّتين لهما طابعان مختلفان لا يدلّ على أنّ الطائفة الثانية هي استمرار للأُولى. و إنّما يمنعنا عن ردّ هذه النظرية على وجه القطع هو صراحة كلام النوبختي في ذلك.

1 . فضل الاعتزال : 13 ـ 14.

صفحه 234

 

2 ـ اعتزالهم عن الحسن بن علي (عليهما السلام)
وهناك رواية أُخرى تدلّ على أنّ تسميتهم بهذا اللّقب لاعتزالهم عن الحسن بن عليّ و معاوية، نقله الملطي (المتوفّى عام 373 هـ) في «التنبيه والردّ» واستحسنه الكوثري(1) وحسب أنّه وقف على أمر بديع. يقول الملطي: «وهم سمّوا أنفسهم معتزلة وذلك عندما بايع الحسن بن عليّ (عليهما السلام)معاوية وسلّم إليه الأمر اعتزلوا الحسن بن علي و معاوية وجميع الناس، وذلك أنّهم كانوا من أصحاب علي ولزموا منازلهم ومساجدهم وقالوا نشتغل بالعلم والعبادة و سمّوا بذلك معتزلة»(2).
أقول: هذا الرأي قريب من جهة، لأنّ المعتزلة أخذوا تعاليمهم في التوحيد والعدل عن عليّ (عليه السلام) كما سيأتي، فليس ببعيد أن يرجع وجه التسمية إلى زمن تصالح الإمام الحسن (عليه السلام) مع معاوية.
ومع ذلك كلّه، يمكن أن يقال فيه مثل ما قلناه في النظرية السابقة، وهو أنّه كانت طائفتان مختلفتان لا صلة بينهما سوى الاشتراك الاسمي، ظهرت إحداهما بعد صلح الحسن (عليه السلام) وكان لها طابع سياسي; وظهرت الأُخرى في زمن الحسن البصري عند اعتزال واصل عن حلقة بحثه كما سيأتي بيانه، لها طابع عقلي.

1 . تعليق «تبيين كذب المفتري» : 10.
2 . التنبيه والرد : 26.

صفحه 235
وهناك إشكال آخر يتوجّه على رواية الملطي حيث قال: «وهم سمّوا أنفسهم معتزلة» وهو أنّ لفظ الاعتزال ليس لفظاً يعرب عن المنهج حتّى يطلقوا هذا الاسم على أنفسهم، إن لم يكن فيه دلالة على ذمّ ما.

3 ـ اعتزال عامر عن مجلس الحسن البصري

وهناك رواية ثالثة رواها ابن دريد يتحدّث عن بني العنبر قال: «ومن رجالهم في الإسلام عامر بن عبدالله يقال له عامر بن عبد قيس، وكان عثمان بن عفّان كتب إلى عبدالله بن عامر أن يسيّره إلى الشام، لأنّه يطعن عليهم وكان من خيار المسلمين وله كلام في التوحيد كثير، وهو الّذي اعتزل الحسن البصري فسمّوا المعتزلة»(1).
وروى أبو نعيم بالإسناد عن الحسن البصري أنّه قال: «كان لعامر بن عبدالله بن عبد قيس مجلس في المسجد فتركه حتّى ظننّا أنّه قد ضارع أصحاب الأهواء، قال: فأتيناه فقلنا له: كان لك مجلس في المسجد فتركته؟ قال: أجل، إنّه مجلس كثير اللغط والتخليط، قال: فأيقنّا أنّه قد ضارع أصحاب الأهواء، فقلنا: ما تقول فيهم؟ قال: وما عسى أن أقول فيهم ... الخ» .
ونقل أبو نعيم الاصفهاني أيضاً أنّه عتب أبو موسى الأشعري(2)

1 . الاشتقاق : 1 / 213، كما في تعاليق «فضل الاعتزال» : 15.
2 . كان أبو موسى والي الكوفة أواخر خلافة عثمان إلى عام 36، حتّى عزله علي (عليه السلام)لأجل قعوده عن نصرة الامام.

صفحه 236
عامربن عبد قيس اعتزاله مجلسه الّذي اعتاده في المسجد، فكتب إليه قائلاً:
«فإنّي عهدتك على أمر وبلغني أنّك تغيّرت فاتّق الله و عد»(1).
وقال المعلِّق على كتاب «فضل الاعتزال»: إذا كان ابن دريد و أبو نعيم لم يحدّدا لنا زمن اعتزال عامر بن عبد قيس، فمن الممكن أن نستنتج أنّه تمّ في خلال تسع سنوات من سنة 35 وهو تأريخ اعتزال جماعة سعد بن أبي وقّاص إذ عناهم الحسن البصري في حديثه، إلى سنة 44 وهو تأريخ وفاة أبي موسى الأشعري إذ أفاد أبو نعيم أنّه عاتب عامر لاعتزاله مجلسه».
يلاحظ عليه: أنّ الحسن البصري ولد بالمدينة عام (21)، ثمّ سكن البصرة وتوفّي عام (110)، فمن البعيد أن يكون له مجلس بحث في المسجد وهو من أبناء العشرين أو دونه، فلو صحّ ما حدّده المعلّق من زمن الاعتزال يلزم أن يكون له مجلس بحث في المسجد بين أعوام 35 ـ 44، ويكون عامر بن عبدالله الشخصيّة المعروفة أحد حضّار بحثه، وقد قدّر الزركلي في كتابه «الأعلام» وفاة عامر نحو سنة (55)(2).
ثمّ إنّ عتب أبي موسى لا يصحّ أن يكون في خلال تسع سنوات بين أعوام 35 ـ 44 لأنّه عزل عن الولاية عام 36 و غادر الكوفة ولم يرجع إليها، ولـمّا أصدر حكمه الجائر في دومة الجندل ضدّ عليّ (عليه السلام) خاف من انتفاضة الناس و ثورتهم عليه، وغادرها إلى مكّة المكرّمة ومات بها عام 43 أو 44.

1 . حلية الأولياء: 2 / 93 ـ 95.
2 . الأعلام: 4 / 21.

صفحه 237
ولو صحّ عتابه لكان قبل سنة 36، وهذا يستلزم أن تكون للحسن حلقة بحث في أوان البلوغ، وهو بعيد، مع وجود وجوه الصحابة وأكابر التابعين في الكوفة.
ثمّ لو صحّت الرواية لما صحّ أن يكون عامر بن عبدالله، المؤسّس الأوّل لمذهب الاعتزال و إن استعمل في حقّه كلمة الاعتزال، لأنّ كلمة الاعتزال في تلك العصور كانت رمزاً للتخلّف عن الفكرة السائدة في المجتمع، فمن خالف الفكرة و انحاز عنها، أُطلق على فعله الاعتزال و على نفسه المعتزل، ازدراءً به، وتلك الكلمة بمنزلة الرجعية في أعصارنا هذه، وما جاء في تلك الروايات إشارة إلى أنّ هؤلاء اعتزلوا عن السياسة السائدة على المجتمع كما في اعتزال سعدبن أبي وقّاص و نظائره. أو اعتزال جماعة عن الحسن بن عليّ (عليهما السلام) أو عن الفكرة الدينيّة كما في الرواية الثالثة. والحقّ في التسمية ما نذكره في القول الرابع وقد تواتر نقله.

4 ـ اعتزال واصل عن مجلس الحسن البصري

قد عرفت أنّ حكم مرتكب الكبيرة قد أوجد ضجّة كبيرة في الأوساط الإسلاميّة في عصر عليّ (عليه السلام) وبعده، حيث عدّ الخوارج مرتكب الكبيرة كافراً، كما عدّه غيرهم مؤمناً فاسقاً، وعدّت المرجئة من شهد بالتوحيد والرسالة لساناً أو جناناً مؤمناً. وقد أخذت المسألة لنفسها مجالاً خاصّاً للبحث عدّة قرون. وكان للمسألة في زمن الحسن البصري دويّ خاصّ.

صفحه 238
نقل الشهرستاني أنّه دخل واحد على الحسن البصري فقال: يا إمام الدين! لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفّرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم لا تضرّ مع الإيمان، بل العمل على مذهبهم ليس ركناً من الإيمان، ولا يضرّ مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة وهم مرجئة الأُمّة فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقاداً؟
فتفكّر الحسن في ذلك و قبل أن يجيب، قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول إنّ صاحب الكبيرة مؤمن مطلقاً ولا كافر مطلقاً، بل هو في منزلة بين المنزلتين لا مؤمن و لا كافر. ثمّ قام و اعتزل إلى اسطوانة المسجد يقرّر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزل عنّا واصل، فسمّي هو وأصحابه: معتزلة(1).
وربّما نسبت هذه الواقعة بشكل آخر إلى «عمرو بن عبيد». قال ابن خلّكان في ترجمة قتادة السدوسي: «كان قتادة من أنسب الناس كان قد أدرك ذعفلاً و كان يدور البصرة أعلاها و أسفلها بغير قائد فدخل مسجد البصرة، فإذا بعمرو بن عبيد و نفر معه قد اعتزلوا من حلقة الحسن البصري و حلّقوا و ارتفعت أصواتهم، فأمّهم وهو يظن أنّها حلقة الحسن، فلمّا صار معهم عرف أنّها ليست هي. فقال: إنّما هؤلاء المعتزلة، ثمّ قام عنهم فمذ يومئذ سمّوا المعتزلة»(2).

1 . الفرق بين الفرق: 21، وفي ذيل عبارته ما يدل على أنّ تسميتهم بها لأمر آخر سيوافيك بيانه.
2 . وفيات الأعيان : 4 / 85 رقم الترجمة 541.

صفحه 239
وتظهر تلك النظرية من الشيخ المفيد في «أوائل المقالات» حيث قال: «وأمّا المعتزلة وما وسمت به من اسم الاعتزال، فهو لقب حدث لها عند القول بالمنزلة بين المنزلتين، وما أحدثه واصل بن العطاء من المذهب في ذلك ونصب من الاحتجاج له، فتابعه عمرو بن عبيد، ووافقه على التديّن به من قال بها و من اتّبعهما عليه، إلى اعتزال الحسن البصري وأصحابه والتحيّز عن مجلسه فسمّاهم الناس المعتزلة لاعتزالهم مجلس الحسن بعد أن كانوا من أهله و تفرّدهم بما ذهبوا إليه من هذه المسألة من جميع الأُمّة وسائر العلماء ولم يكن قبل ذلك يعرف الاعتزال ولا كان علماً على فريق من الناس»(1).
ولولا قوله: «وتفرّدهم بما ذهبوا إليه في هذه المسألة من جميع الأُمّة وسائر العلماء» لكان نصّاً في هذه النظرية، إلاّ أنّ هذا الذيل يمكن أن يكون إشارة إلى النظرية الأُخرى الّتي ستبيّن.
قد نقل اعتزال واصل حلقة الحسن جماعة كثيرة، فنقلها المرتضى في أماليه ج 1 ص 167، والبغدادي في الفرق بين الفرق ص 118، والشهرستاني في الملل و النحل ج 1 ص 48، وابن خلكان في وفيات الأعيان ج 6 ص 8، والمقريزي في خططه ج 2 ص346.
وعلى كلّ تقدير فقد ناقش الدكتور «نيبريج» المستشرق هذه النظرّية بأنّه وردت تسمية هذه المدرسة بأهل الاعتزال بمن قال بالاعتزال، ولو كان

1 . أوائل المقالات : 5 ـ 6.

صفحه 240
معنى الكلمة ما زعموه لما جاز مثل هذه التسمية، ثم إنّ لها عدّة نظائر في عرف ذلك الزمان كالمرجئة يرادفها أهل الإرجاء وهم الّذين قالوا بالإرجاء، والرافضة يرادفها أهل الرفض ومن قال بالرفض(1).
ولعلّ المناقشة في محلّها كما سيظهر ممّا ننقله عن المسعودي في النظرية السادسة.

5 ـ الاعتزال عن القولين السائدين في ذلك العصر

وهناك رأي خامس في تسميتهم بالاعتزال يظهر من شيخ المعتزلة أبي القاسم البلخي (المتوفّى 317 هـ) يقول: «والسبب الّذي له سمّيت المعتزلة بالاعتزال; أنّ الاختلاف وقع في أسماء مرتكبي الكبائر من أهل الصلاة، فقالت الخوارج: إنّهم كفّار مشركون وهم مع ذلك فسّاق، وقال بعض المرجئة: إنّهم مؤمنون لإقرارهم بالله و رسوله و بكتابه و بما جاء به رسوله وإن لم يعملوا به، فاعتزلت المعتزلة جميع ما اختلف فيه هؤلاء وقالوا نأخذ بما اجتمعوا عليه من تسميتهم بالفسق وندع ما اختلفوا فيه من تسميتهم بالكفر والإيمان والنفاق و الشرك، قالوا: لأنّ المؤمن وليّ الله، والله يجب تعظيمه و تكريمه وليس الفاسق كذلك، والكافر والمشرك و المنافق يجب قتل بعضهم و أخذ الجزية من بعض، وبعضهم يعبد في السرّ إلهاً غير الله، وليس الفاسق بهذه الصفة.

1 . مقدمة كتاب الانتصار لأبي الحسين الخياط : 54.

صفحه 241
قالوا: فلمّا خرج من هذه الأحكام، خرج من أن يكون مسمّى بأسماء أهلها وهذا هو القول بالمنزلة بين المنزلتين، أي الفسق منزلة بين الكفر والإيمان»(1).
و يظهر هذا من البغدادي أيضاً قال: «ومنها اتّفاقهم على دعواهم في الفاسق من أُمّة الإسلام بالمنزلة بين المنزلتين، وهي أنّه فاسق لا مؤمن ولا كافر، ولأجل هذا سمّاهم المسلمون «معتزلة» لاعتزالهم قول الأُمّة بأسرها».(2) وفي الوقت نفسه نقل البغدادي، قصّة اعتزال «واصل» حلقة الحسن بنحو يوهم كون وجه التسمية هو اعتزال واصل مجلس الحسن. لاحظ ص 118.
ويظهر من ابن المرتضى تأييده. قال في ذيل كلامه: «سمّي وأصحابه معتزلة لاعتزالهم كلّ الأقوال المحدّثة والمجبّرة». ثمّ ردّ على من زعم أنّ إطلاق المعتزلة لمخالفتهم الإجماع بقوله: «لم يخالفوا الإجماع، بل عملوا بالمجمع عليه في الصدر الأوّل ورفضوا المحدثات المبتدعة»(3).
ويظهر هذا أيضاً من نشوان بن سعيد اليمني حيث قال:
«وسمّيت المعتزلة معتزلة لقولهم بالمنزلة بين المنزلتين، وذلك أنّ المسلمين اختلفوا في أهل الكبائر فقالت الخوارج: هم كفّار مشركون، وقال

1 . باب ذكر المعتزلة من مقالات الاسلاميين للبلخي : 115.
2 . الفرق بين الفرق: 21 و 115 .
3 . المنية والأمل: 4 .

صفحه 242
بعض المرجئة: إنّهم مؤمنون، وقالت المعتزلة: لا نسمّيهم بالكفر و لا بالإيمان، ولا نقول إنّهم مشركون ولا مؤمنون بل فسّاق، فاعتزلوا القولين جميعاً و قالوا بالمنزلة بين المنزلتين فسمّوا بالمعتزلة»(1).

6 ـ جعل الفاسق معتزلاً عن الإيمان والكفر

وهذه النظرية غير النظرية الماضية، فإنّ الاعتزال فيها كان وصفاً لنفس المعتزلة فهم اعتزلوا عن جميع ما اختلفت فيه من الآراء وأخذوا بالمتّفق عليه، ولكنّه في هذه النظرية وصف لمورد الخلاف، أعني: الفاسق، فجعلوه معتزلاً عن الإيمان والكفر، فلا هو مؤٌمن ولا كافر، وتظهر تلك النظرية من المسعودي في مروجه، قال في بيان الأُصل الرابع من الأُصول الخمسة: «وأمّا القول بالمنزلة بين المنزلتين وهو الأصل الرابع، فهو أنّ الفاسق المرتكب للكبائر ليس بمؤمن ولا كافر، بل يسمّى فاسقاً على حسب ما ورد التوقيف بتسميته وأجمع أهل الصلاة على فسوقه».
قال المسعودي: «وبهذا الباب سمّيت المعتزلة، وهو الاعتزال، وهو الموصوف بالأسماء والأحكام مع ما تقدّم من الوعيد في الفاسق من الخلود في النار»(2).
وقال أيضاً: «مات واصل بن عطاء ـ ويكنّى بأبي حذيفة ـ في سنة

1 . شرح رسالة الحور العين: 204 ـ 205.
2 . مروج الذهب: 3 / 222 .

صفحه 243
إحدى و ثلاثين و مائة وهو شيخ المعتزلة و قديمها، وأوّل من أظهر القول بالمنزلة بين المنزلتين وهو أنّ الفاسق من أهل الملّة ليس بمؤمن ولا كافر، وبه سمّيت المعتزلة وهو الاعتزال»(1).
والدقّة في قوله: «وبه سمّيت...» (أي بعزل الفاسق عن الإيمان والكفر) تعطي أنّ وجه التسمية يعود إلى جعل الفاسق منعزلاً عنهما.
وهناك نظريّة سابعة ذكرها أحمد أمين المصري في فجر الإسلام ص 344، ولكنّها من الوهن بمكان لم يرتضها هو نفسه في كتبه اللاحقة فلنضرب عنها صفحاً.
إلى هنا خرجنا بهذه النتيجة أنّه لو كان أساس الاعتزال هو واصل بن عطاء أو عمرو بن عبيد، فتسميتهم بالمعتزلة، إمّا لاعتزال المؤسّس عن مجلس البحث أو باعتزاله عن الرأيين السائدين، أو لاعتقادهم بكون الفاسق منعزلاً عن الكفر والإيمان، وخروج مرتكب الكبيرة عن عداد المؤمنين والكافرين.
والعجب أنّ أُستاذ واصل كان يذهب إلى أنّه منافق، وأراد بذلك تخفيف أمره بالنسبة إلى الكافر، مع أنّ جزاء المنافق في الآخرة لو لم يكن أشدّ من الكافر ليس بأقلّ منه.
أرى أنّ إفاضة الكلام في تحقيق وجه التسمية أزيد من هذا خروج عن وضع الرسالة، فلنرجع إلى سائر أسمائهم.

1 . نفس المصدر : 4 / 22 .

صفحه 244
   

 

سائر ألقاب المعتزلة

فقد ذكر ابن المرتضى لهم أسماء أُخر.
1 ـ العدليّة: لقولهم بعدل الله و حكمته.
2 ـ الموحّدة: لقولهم لا قديم مع الله (1).
ولأجل هذا يطلق على هذه الطائفة أهل العدل و التوحيد، ولعلّهم يعنون بالعدل مضافاً إلى ما ذكر ابن المرتضى نفي القدر بالمعنى المستلزم للجبر، أو يريدون بذلك نفي كونه سبحانه خالقاً لأفعال العباد، إذ فيه الظلم والقبح والجور، وأمّا التوحيد فإنّهم يريدون منه نفي الصفات الزائدة القديمة، فإنّ في الاعتقاد بزيادة الصفات اعتراف بقدماء معه سبحانه، وتنزيهه سبحانه عن التشبيه و التجسيم، وسيأتي أنّ هذين الأصلين اللّذين يعدّان الركنين الأساسيين لمدرسة الاعتزال مأخوذان من خطب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).
3 ـ أهل الحق: المعتزلة يعتبرون أنفسهم أهل الحقّ، والفرقة الناجية من ثلاث وسبعين فرقة، وقد فرغنا الكلام عن هذا الحديث وتعيين الفرقة الناجية في الجزء الأوّل.
4 ـ القدرية: يعبّر عن المعتزلة في الكتب الكلاميّة بالقدريّة. والمعتزلة

1 . المنية و الأمل : 1.

صفحه 245
يطلقونها على خصمائهم، وذلك لما روي عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): أنّ القدريّة مجوس هذه الأُمّة. فلو قلنا بأنّ القدريّة منسوبة إلى القدر عِدْل القضاء، فتنطبق على خصماء المعتزلة القائلين بالقدر السالب للاختيار. ولو قلنا بأنّها منسوبة إلى القدرة، أي القائلين بتأثير قدرة الإنسان في فعله واختياره وتمكّنه في إيجاده، فتنطبق ـ على زعم الخصماء ـ على المعتزلة لقولهم بتأثير قدرة الإنسان في فعله. وقد طال الكلام بين المتكلّمين في تفسير الحديث و ذكر كلّ طائفة وجهاً لانطباقه على خصمها(1).
والحقّ أنّ المتبادر من الحديث هو القدريّة المنسوبة إلى القدر الّذي هو بمعنى التقدير، و إطلاقه على مثبت القدر كأهل الحديث والحنابلة متعيّن، إذ لا يطلق الشيء و يراد منه ضدّه.
فلو كان المراد منه المعتزلة يجب أن يراد منها نفي القدر. وقد روي عن زيد بن عليّ أنّه قال ـ حين سأله أبو الخطّاب عمّا يذهب إليه ـ : «أبرأ من القدريّة الّذين حملوا ذنوبهم على الله ومن المرجئة الّذين أطمعوا الفسّاق». هذا، ولقد أوضحنا المراد من الحديث في محلّه(2).
5 ـ الثنوية: المعتزلة يدعون بالثنوية و لعلّ وجهه ما يتراءى من

1 . لاحظ في الوقوف على هذه الوجوه كشف المراد للعلامة الحلي : 195، وشرح المقاصد للتفتازاني : 2 / 143 . وقد مضى الكلام في سند الحديث ودلالته في فصل القدرية من هذا الجزء، فلاحظ.
2 . لاحظ الجزء الأول من الملل والنحل للمؤلف : 153 ـ 161، نشر مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)ولاحظ الإلهيات في ضوء الكتاب والسنة والعقل: محاضراتنا الكلامية بقلم الفاضل الشيخ حسن مكي.

صفحه 246
بعضهم لقولهم الخير من الله والشرّ من العبد.
وهناك وجه آخر لتسميتهم بالثنويّة، أو المجوسيّة، وهو أنّ المعتزلة قالت باستقلال الإنسان في إيجاد فعله، بل نقل عن بعضهم القول بحاجة الموجود في حدوثه إلى الواجب دون بقائه و استمراره، فصيّروا الإنسان كأنّه مستقلّ في فعله، بل صيّروا الممكنات كواجب غنىّ عن العلّة في بقائه واستمراره، دون حدوثه.
ولكنّ النسبة غير صحيحة، إلاّ إلى بعض المتأخّرين من المعتزلة، ولم يظهر لنا أنّ المتقدّمين منهم كانوا على هذا الرأي.
6 ـ الوعيديّة: و إنّما أُطلقت عليهم هذه الكلمة لقولهم بالوعد والوعيد، وأنّ الله صادق في وعده، كما هو صادق في وعيده و أنّه لا يغفر الذنوب إلاّ بعد التوبة، فلو مات بدونها يكون معذّباً قطعاً ولا يغفر له جزماً ويخلّد في النار ويعذّب عذاباً أضعف من عذاب الكافر.
7 ـ المعطّلة: أي تعطيل ذاته سبحانه عن الصفات الذاتية، وهذا ألصق بالجهميّة الّذين يعدّون في الرعيل الأوّل في نفي الصفات.وأمّا المعتزلة فلهم في الصفات مذهبان:
أ ـ القول بالنيابة، أي خلوّ الذات عن الصفات ولكن تنوب الذات مكان الصفات في الآثار المطلوبة منها، وقد اشتهر قولهم: «خذ الغايات واترك المبادئ»، وهذا مخالف لكتاب الله و السنّة والعقل. فإنّ النقل يدلّ بوضوح على اتّصافه سبحانه بالصفات الكماليّة، وأمّا العقل، فحدث عنه ولا

صفحه 247
حرج، لأنّ الكمال يساوق الوجود وكلّما كان الوجود أعلى وأشرف يكون الكمالات فيه آكد.
ب ـ عينيّة الصفات مع الذات و اشتمالها على حقائقها. من دون أن يكون ذات وصفة، بل الذات بلغت في الكمال إلى درجة صار نفس العلم والقدرة.
وهذا هو الظاهر من خطب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وتعضده البراهين العقليّة وإطلاق المعطّلة على هذه الطائفة لا يخلو من تجنّ وافتراء.
والأولى بهذا الاسم أهل الحديث والحنابلة، فإنّهم المعطِّلة حقيقة،
إذ عطّلوا العقول عن معرفة الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، ومنعوا الخوض
في المسائل العقليّة، وكأنّ العقل خلق لا لغاية إلاّ للسعي وراء الحياة
الماديّة.
8 ـ الجهميّة:(1) وهذا اللّقب منحه أحمد بن حنبل لهم، فكلّما يقول: قالت الجهميّة، أو يصف القائل بأنّه جهمي يريد به المعتزلة لما وجد من موافقتهم الجهميّة في بعض المسائل، وإن كانت الجهمية متقدّمة على المعتزلة، لكنّها على زعمهم مهّدت السبيل للمعتزلة ، مع أنّك عرفت أنّ واصلاً أرسل أحد تلاميذه إلى معارضته وأنّهم لا يعدّون الجهم من رجالهم أو طبقاتهم لاختلافهم معه في بعض المسائل الجوهرية، فإنّ الجهم جبريّ

1 . نسبة إلى الجهم بن صفوان، وقد عرفت القول في عقائده وآرائه وأنّ المهم منه أمران: نفي الرؤية والجبر.

صفحه 248
والمعتزلة قائلة بالاختيار، ولعلّ بعض هذه التسميات من مصاديق قوله سبحانه (وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ)(1).
9ـ المفنية.
10 ـ اللفظيّة.
11 ـ القبريّة.
هذه الالقاب ذكرها المقريزي وقال: إنّهم يوصفون بالمفنية لما نسب إلى أبي الهذيل من فناء حركات أهل الجنّة والنار، واللّفظيّة لقولهم: ألفاظ القرآن مخلوقة، والقبريّة، لإنكارهم عذاب القبر.(2)

1 . الحجرات: 11.
2 . الخطط للمقريزي: 4 / 169.

صفحه 249
المبادئ الفكرية للاعتزال وخطب الإمام عليّ (عليه السلام)   

الفصل الثاني

المبادئ الفكرية للاعتزال

و خطب الإمام عليّ (عليه السلام)

قد تعرّفت فيما مضى على تأريخ ظهور المعتزلة و أنّ الاعتزال بعنوان المنهج الفكري العلمي لا السياسي يرجع إلى أوائل القرن الثاني، وذلك عندما اعتزل واصل بن عطاء عن حلقة الحسن البصري و شكّل حلقة دراسية فكريّة في مقابل أُستاذه، والقرائن القطعيّة تؤكّد ظهوره في أوائل ذلك القرن، فإنّ واصل بن عطاء من مواليد عام 80 من الهجرة، وقد توفّي أُستاذه الحسن البصري عام 110، وليس من البعيد أن يشكّل حلقة دراسية قابلة للذكر وله من العمر دون الثلاثين. وهذا يؤكّد على أنّ الاعتزال ظهر في أوائل القرن الثاني.
ثمّ إنّ القول بالمنزلة بين المنزلتين و إن كان يعدُّ منطلق الاعتزال، ومغرس بذره، ولكن حقيقة الاعتزال لا تقوم بهذا الأصل، ولا يعدّ الدرجة

صفحه 250
الأُولى من أُصوله، فإنّ الأصلين التوحيد والعدل يعدّان حجر الأساس لهذا المنهج، وسائر الأُصول في الدرجة الثانية.
وفي ضوء هذا يقف القارئ بفضل النصوص الآتية على أنّ الاعتزال أخذ ذينك الأصلين من البيت العلويّ عامّة، ومن خطب الإمام عليّ (عليه السلام)وكلماته خاصّة، ولأجل ذلك يجب أن يعترف بأنّ الاعتزال أخذ الأُصول الأصليّة لمنهجه من بيت الولاية.
ولأجل إيقاف القارئ على هذا الاستنتاج، نضع أمامه شواهد من التأريخ والاعترافات الّتي أجهر بها شيوخ المعتزلة:
1 ـ هذا هو الكعبي إمام المعتزلة في أوائل القرن الرابع يقول: «والمعتزلة يقال إنّ لها و لمذهبها أسناداً تتّصل بالنبيّ وليس لأحد من فرق الأُمّة مثلها، وليس يمكن لخصومهم دفعهم عنه، وهو أنّ خصومهم يقرّون بأنّ مذهبهم يسند إلى واصل بن عطاء، وأنّ واصلاً يسند إلى محمّد بن عليّ بن أبي طالب و ابنه أبي هاشم عبدالله بن محمد بن علي، وأنّ محمّداً أخذ عن أبيه عليّ و أنّ علياً عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم).(1)
2 ـ كان واصل بن عطاء من أهل المدينة ربّاه محمّد بن عليّ بن أبي طالب و علّمه، وكان مع ابنه أبي هاشم عبدالله بن محمّد في الكتاب، ثمّ صحبه بعد موت أبيه صحبة طويلة، وحكي عن بعض السلف أنّه قيل له: كيف كان علم محمّد بن عليّ؟ فقال: إذا أردت أن تعلم ذلك فانظر إلى أثره

1 . ذكر المعتزلة من مقالات الإسلاميين للبلخي: 68.

صفحه 251
في واصل. ثمّ انتقل واصل إلى البصرة فلزم الحسن ابن أبي الحسن (1).
3 ـ وقال القاضي عبد الجبّار في «طبقات المعتزلة»: «وأخذ واصل العلم عن محمّد بن الحنفيّة وكان خالاً لأبي هاشم وكان يلازم مجلس الحسن»(2).
وما ذكره القاضي لا ينطبق على الحقيقة، فإنّ واصل بن عطاء الغزّال ولد بالمدينة سنة ثمانين، وقد مات محمّد بن الحنفيّة عام 80 أو 81، فلا يصحّ أخذ العلم منه، والصحيح أن يقال أخذ واصل العلم من أبي هاشم بن محمّد بن الحنفيّة، وقد نقل المحقّق أنّ في حاشية الأصل «من أبي هاشم».
والصحيح ما في عبارته التالية، قال:
4 ـ وقال: «إنّ أبا الهذيل قد أخذ هذا العلم عن عثمان الطويل، وأخذ هو عن واصل بن عطاء و عمرو بن عبيد، وأخذ واصل و عمرو عن أبي هاشم بن محمّد بن الحنفيّة، وأخذ أبو هاشم عن أبيه محمّد بن الحنفيّة، وأخذ محمّد عن أبيه عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) وأخذ عليّ عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)»(3).
وقد تنبّه الشريف المرتضى لما ذكرنا. قال: «وذكر أبو الحسين الخيّاط أنّ واصلاً كان من أهل مدينة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ومولده سنة ثمانين و مات سنة إحدى و ثلاثين و مائة. وكان واصل ممّن لقى أبا هاشم عبدالله بن محمّد بن

1 . ذكر المعتزلة للكعبي: 64.
2 . طبقات المعتزلة: 234.
3 . المصدر نفسه: 164.

صفحه 252
الحنفيّة وصحبه، و أخذ عنه. وقال قوم: إنّه لقى أباه محمّداً و ذلك غلط، لأنّ محمّداً توفّي سنة ثمانين أو إحدى و ثمانين و واصل ولد في سنة ثمانين»(1).
5 ـ وقال القاضي أيضاً: «فأمّا أبو هاشم عبدالله بن محمّد بن عليّ، فلو لم يظهر علمه و فضله إلاّ بما ظهر عن واصل بن عطاء لكفى، وكان يأخذ العلم عن أبيه.
فكان واصل بما أظهر بمنزلة كتاب مصنّفه أبو هاشم، وذكر قوله فيه. وكذلك أخوه، فإنّ غيلان يقال إنّه أخذ العلم من الحسن بن محمّد بن الحنفيّة أخي أبي هاشم»(2).
6 ـ وقال الشهرستاني: «يقال أخذ واصل عن أبي هاشم عبدالله بن محمّد بن الحنفيّة»(3).
7 ـ وقال ابن المرتضى: «وسند المعتزلة لمذهبهم أوضح من الفلق، إذ يتّصل إلى واصل و عمرو اتّصالاً شاهراً ظاهراً. وهما أخذا عن محمّد بن علي بن أبي طالب وابنه أبي هاشم عبدالله بن محمد، ومحمّد هو الذي ربّى واصلاً و علّمه حتّى تخرّج واستحكم. ومحمّد أخذ عن أبيه عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)».

1 . أمالي المرتضى: 1 / 164 ـ 165.
2 . طبقات المعتزلة: 226.
3 . الملل والنحل: 1 / 49.

صفحه 253
8 ـ وقال أيضاً: «ومن أولاد عليّ (عليه السلام) أبو هاشم عبدالله بن محمّد بن الحنفيّة وهو الّذي أخذ عنه واصل وكان معه في المكتب فأخذ عنه
وعن أبيه، وكذلك أخوه الحسن بن محمّد أُستاذ غيلان و يميل إلى الإرجاء»(1).
9 ـ وقال ابن أبي الحديد: «إنّ أشرف العلوم هوالعلم الإلهي،
لأنّ شرف العلم بشرف المعلوم و معلومه أشرف الموجودات، فكان هو أشرف العلوم و من كلامه (عليّ (عليه السلام)) اقتبس و عنه نقل، ومنه ابتدأ وإليه انتهى. فإنّ المعتزلة ـ الّذين هم أهل التوحيد والعدل و أرباب النظر، ومنهم تعلّم الناس هذا الفنّ ـ تلامذته و أصحابه، لأنّ كبيرهم واصل بن عطاء تلميذ أبي هاشم عبدالله بن محمّد بن الحنفيّة. وأبو هاشم تلميذ أبيه، وأبوه تلميذه (عليه السلام)»(2).
10 ـ وقال المرتضى في أماليه: «اعلم أنّ أُصول التوحيد والعدل مأخوذة من كلام أمير المؤمنين ـ صلوات الله عليه ـ و خطبه، فإنّها تتضمّن من ذلك ما لا زيادة عليه ولا غاية وراءه، و من تأمّل المأثور في ذلك من كلامه، علم أنّ جميع ما أسهب المتكلّمون من بعد في تصنيفه و جمعه، إنّما هو تفصيل لتلك الجمل و شرح لتلك الأُصول، وروي عن الأئمّة (من أبنائه (عليهم السلام)) من ذلك ما يكاد لا يحاط به كثرة، ومن أحبّ الوقوف عليه وطلبه

1 . المنية والأمل: 5 ـ 6 وص 11.
2 . الشرح الحديدي: 1 / 17.

صفحه 254
من مظانّه أصاب منه الكثير الغزير الّذي في بعضه شفاء للصدور السقيمة، ونتاج للعقول العقيمة»(1).
11 ـ وقال القاضي عبدالجبّار: «وهذا المذهب ـ أعني: صاحب الكبيرة لايكون مؤمناً ولا كافراً ولا منافقاً بل يكون فاسقاً ـ أخذه واصل بن عطاء عن أبي هاشم عبدالله بن محمّد بن الحنفيّة وكان من أصحابه»(2).
12 ـ وقال الدكتور حسن إبراهيم حسن: «فقد نسبت المعتزلة عقائدها إلى عليّ بن أبي طالب، و قلّما نجد كتاباً من كتبهم و على الأخصّ كتب المتـأخّرين منهم إلاّ ادّعوا فـيه أنّهُ ليس ثمّة مؤسّس لمذهب الاعـتزال و علم الكـلام غير الإمام عليّ (عليه السلام) »(3).
13 ـ يقول محقّق كتاب شرح الأُصول الخمسة: «ويؤكّد المعتزلة أنّهم تلقّوا هذه الأُصول عن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ ويذكرون سندهم في ذلك و نحن نثبت فيما يلي هذا السند ـ كما على أوّل ورقة من شرح الأُصول(4) ـ تعليق الفرزاذي .
يقول: أخذ هذه الأُصول من الفقيه الإمام الأوحد نجم الدين أحمد بن أبي الحسين الكني، وهو عن الفقيه الإمام الأجلّ محمّد بن أحمد الفرزاذي،

1 . أمالي المرتضى: 1 / 148.
2 . شرح الأُصول الخمسة: 138.
3 . تاريخ الإسلام : 2 / 156، الطبعة السابعة.
4 . النسخة المخطوطة.

صفحه 255
وهو عن عمّه الشيخ السعيد البارع إسماعيل بن عليّ الفرزاذي، وهو عن محمّد بن مزدك، وهو عن أبي محمّد بن متّويه، وهو عن الشيخ أبي رشيد النيسابوري، وهو عن قاضي القضاة عماد الدين عبد الجبار بن أحمد ـ رحمه الله ـ وهو عن الشيخ المرشد أبي عبدالله البصري، و هو عن الشيخ أبي علي ابن خلاّد، وهو عن الشيخ أبي هاشم، وهو عن أبيه الشيخ أبي علي الجبائي، وهو عن أبي يعقوب الشحّام، وهو عن عثمان الطويل، وهو عن الشيخ أبي الهذيل، وهو عن واصل بن عطاء، وهو عن أبي هاشم (1)محمّد بن الحنفية، وهو عن أبيه أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) ، وهو عن خير الأوّلين والآخرين و خاتم النبيّين محمد المصطفى ـ صلوات اللّه عليه ـ وهو عن جبرئيل (عليه السلام)، وهو عن الله تعالى وليس لأحد من أرباب المذاهب مثل هذا الإسناد.(2) أفبعد هذه التصريحات يبقى شكّ في أنّ المعتزلة في أُصولهم عالة لعلوم أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) .
وسيوافيك التصريح من القاضي عبد الجبّار أنّ أُصول الاعتزال ترجع إلى أصلين : التوحيد والعدل، وأمّا الأُصول الثلاثة فهي داخلة تحت الأصلين، وقد عرفت أنّ المعتزلة أخذت الأصلين من أئمّة أهل البيت (عليهم السلام).
14ـ وقال أبو سعيد بن نشوان الحميري (المتوفّى 573 هـ ) إنّ لمذهب المعتزلة أسانيد تتصل بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) و ليس لأحد من فرق الأُمّة مثلهم، و لا

1 . وفي العبارة سقط والصحيح: «عبدالله بن محمد عن أبيه».
2 . مقدمة شرح الأُصول الخمسة : 24.

صفحه 256
يمكن لخصومهم دفعه، و ذلك ان مذهبهم مستند إلى واصل بن عطاء، وأنّ واصلاً يستند إلى محمد بن علي بن أبي طالب و هو ابن الحنفية، و إلى ابنه أبي هاشم عبد الله بن محمد بن علي، وأنّ محمداً يسند إلى أبيه علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ و إن علياً يسند إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)(1) .
15ـ و قال ابن المرتضى: و سند مذهبهم أصح أسانيد أهل القبلة إذ يتصل إلى واصل و عمرو...، عن عبد الله بن محمد، عن أبيه محمد بن علي بن الحنفيه، عن أبيه علي (عليه السلام)، عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)، و ما ينطق عن الهوى. (2)
(كَلاّ إِنَّهَا تَذْكِرَةً * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَه).

1 . الحور العين: 206.
2 . البحر الزخار 1: 44.

صفحه 257
   

الفصل الثالث

الشيعة والمعتزلة أيّتهما أصل للآخر

إنّ بعض المتسرِّعين من الكتّاب المتأخّرين كأحمد أمين المصريّ ومن حذا حذوه، يصرّون على أنّ الشيعة أخذت منهجها الفكري في الأُصول والعقائد من المعتزلة، لما رأوا من وحدة العقيدة في القول بالتوحيد والعدل، وإنكار الرؤية و إثبات الحسن والقبح العقليين، وقدرة العبد و اختياره في أفعاله إلى غير ذلك من المبادئ المشتركة بين الطّائفتين.

نظريّة أحمد أمين و مناقشتها

يقول أحمد أمين : «ولقد قرأت كتاب الياقوت لأبي إسحاق إبراهيم من قدماء متكلّمي الشيعة الإماميّة، فكنت كأنّي أقرأ كتاباً من كتب أُصول المعتزلة إلاّ في مسائل معدودة كالفصل الأخير في الإمامة، ولكن أيّهما أخذ من الآخر؟
أمّا بعض الشيعة فيزعم أنّ المعتزلة أخذوا عنهم، وأنّ واصل بن عطاء تتلمذ على جعفر الصادق (عليه السلام)، وإنّي أُرجّح أنّ الشيعة أخذوا من المعتزلة

صفحه 258
تعاليمهم، ونشوء مذهب الاعتزال يدلّ على ذلك».
استدلّ أحمد أمين على ما يرتئيه بأنّ زيد بن عليّ زعيم الفرقة الشيعيّة الزيديّة تتلمذ لواصل بن عطاء.
وكان جعفر الصادق (عليه السلام) يتّصل بعمّه زيد. ويقول أبو الفرج في «مقاتل الطالبيّين» : «كان جعفر بن محمّد يمسك لزيد بن عليّ بالركاب، ويسوي ثيابه على السرج» فإذا صحّ ما ذكره الشهرستاني و غيره من تتلمذ زيد لواصل، فلا يعقل كثيراً أن يتتلمذ واصل لجعفر، وكثير من المعتزلة كان يتشيّع، فالظّاهر أنّه عن طريق هؤلاء تسرّبت اُصول المعتزلة إلى الشيعة»(1).
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره الكاتب المصري اجتهاد في مقابل تنصيص أئمّة المعتزلة أنفسهم بأنّهم أخذوا أُصولهم من أبي هاشم ابن محمّد الحنفيّة، وأخذ هو عن أبيه محمّد، وهو أخذ من عليّ بن أبي طالب، ومع هذا التنصيص من نفس المعتزلة فما معنى هذا الاجتهاد؟!
ترى ابن المرتضى يعدّ عليّاً من الطبقة الأُولى للمعتزلة، كما يعدّ الحسنين اللّذين اشتهر منهما القول بالتوحيد والعدل من الطبقة الثانية. وهكذا يذكر عدّة من علماء أهل البيت كالنفس الزكيّة وغيره من الطبقة الثالثة. وقد نقل في كتابه هذا كلمات أئمّة أهل البيت وعلمائهم في الأُصول والعقائد(2).

1 . ضحى الاسلام: 3 / 267 ـ 268، الطبعة الثالثة.
2 . المنية والأمل: 7 ـ 10.

صفحه 259
ومع هذا كيف يصحّ أن تكون الشيعة عالة على المعتزلة؟!
ونظير ذلك ما ذكره القاضي عبد الجبّار المعتزلي في «فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة»(1).
أفبعد هذا التنصيص منهم يصحّ الاجتهاد في مقابل النصّ ؟!
وأمّا ما استند إليه أحمد أمين، فالحقّ أنّه لم يثبت أوّلاً تتلمذ واصل للإمام الصادق (عليه السلام) حتّى يثبت قوله: إنّ الصادق كان يمسك الركاب لتلميذ واصل وهو زيد، ولم يدّع أحد من المحقّقين تتلمذه للصادق. كما أنّه لم يثبت تتلمذ زيد بن عليّ لواصل.
ومن سبر تأريخ أئمّة أهل البيت و ذرّيتهم الطيّبة وقف على أنّهم لم يدقّوا باب أحد من الناس، بل تلقّوا ما تلقّوه عن نفس الأئمّة، على أنّ زيد بن عليّ قد صلب عام 121 وله من العمر في ذلك الوقت 42. فيكون من مواليد عام 79 أو 80، وكان واصل من مواليد عام 80، فمن البعيد أن يكون وليد البيت العلويّ تلميذاً لمن هو أصغر منه سنّاً أو مثله، وقد عدّه الرجاليون من أصحاب أبيه عليّ السجاد (عليه السلام) (المتوفّى 94 هـ) وأخيه الإمام الباقر (عليه السلام)(المتوفّى 114 هـ ) والإمام الصادق (عليه السلام) الّذي استشهد زيد في حياته.

1 . فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة: 214.

صفحه 260
متكلّموا الشيعة في القرن الثاني   

 

نظريّة بعض المستشرقين و مناقشتها

وهناك رجال آخرون قد وقعوا في نفس هذه الشبهة، وأرسلوها إرسال المسلّمات، إمّا مجرّدة عن الدليل أو مقرونة بتلفيقات غير منتجة. فمن الطائفة الأُولى المستشرق «آدم متز» يقول:
«لم يكن للشيعة حتّى ذلك الوقت (عام 334 هـ) مذهب كلامي خاصّ بهم، فاقتبسوا عن المعتزلة أُصول الكلام و أساليبه... حتّى إنّ ابن بابويه أكبر علماء الشيعة في القرن الرابع الهجري اتّبع في كتابه «العلل» طريقة علماء المعتزلة الّذين كانوا يبحثون عن علل كلّ شيء ـ إلى أن قال ـ : إنّ الشيعة من حيث العقيدة و المذهب هم ورثة المعتزلة»(1).
يلاحظ عليه أوّلاً : أنّ ما ذكره يعرب عن قلّة اطّلاع المستشرق على الثقافة الشيعية، وعدم تعرّفه على المتكلمين البارزين فيهم قبل السنة المذكورة. ويكفي في ذلك مراجعة كتاب «تأسيس الشيعة الكرام لعلوم الإسلام» للسيد حسن الصدر ص353 ـ 402. لقد كان للشيعة متكلّمون بارعون في الجدل و المناظرة في أبواب العقائد في القرون الثلاثة الأُول. وها نحن نأتي بأسماء نماذج من أبرع متكلّمي الشيعة في القرن الثاني، ونترك البحث عن غيرهم من السابقين واللاحقين إلى محلّه.

1 . الحضارة الاسلاميّة في القرن الرابع الهجري لآدم متز: 1 / 102.

صفحه 261

 

1 ـ عيسى بن روضة

يعرّفه النجاشي بقوله: «عيسى بن روضة حاجب المنصور كان متكلّماً جيّد الكلام، وله كتاب في الإمامة وقد وصفه أحمد بن أبي طاهر في كتاب بغداد، وذكر أنّه رأى الكتاب، وقال بعض أصحابنا رحمهم الله: إنّه رأى هذا الكتاب. وقرأت في بعض الكتب أنّ المنصور لما كان بالحيرة تسمّع على عيسى بن روضة وكان مولاه وهو يتكلّم في الإمامة فأُعجب به واستجاد كلامه».(1)

2 ـ علي بن إسماعيل بن ميثم التمّار البغداديّ

يقول ابن النديم: «أوّل من تكلّم في مذهب الإمامة: علي بن إسماعيل بن ميثم التمّار، وميثم من جلّة أصحاب عليّ (عليه السلام) ولعليّ من الكتب كتاب الإمامة وكتاب الاستحقاق».(2)
وقال النجاشي: «عليّ بن إسماعيل ...كوفيّ سكن البصرة، وكان من وجوه المتكلّمين من أصحابنا، كلّم أبا الهذيل والنظام، له مجالس و كتب منها كتاب الإمامة...وكتاب مجالس هشام بن الحكم».(3)

1 . رجال النجاشي: رقم الترجمة 796.
2 . فهرست ابن النديم: الفن الثاني من المقالة الخامسة، ص 223.
3 . رجال النجاشي: رقم الترجمة 661.

صفحه 262

 

3 ـ أبو جعفر محمّد بن عليّ بن النعمان الملقّب بمؤمن
الطاق
قال النجاشي: «وأمّا منزلته في العلم وحسن الخاطر فأشهر...، وله كتاب إفعل لا تفعل...كتاب كبير حسن...وله كتاب الاحتجاج في إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) وكتاب كلامه على الخوارج وكتاب مجالسه مع أبي حنيفة والمرجئة....الخ»(1).
وقال ابن النديم: «كان حسن الاعتقاد والهدى، حاذقاً في صناعة الكلام، سريع الحاضر والجواب، وله مع أبي حنيفة مناظرات . ثمّ ذكر مناظرته مع أبي حنيفة في المتعة و الرجعة»(2).

4 ـ هشام بن الحكم

يقول ابن النديم: «هو من جلّة أصحاب أبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (عليهما السلام) وهو من متكلّمي الشيعة الإماميّة و بطائنهم وهو الّذي
فتق الكلام في الإمامة، وهذّب المذهب، وسهّل طريق الحجاج فيه، وكان حاذقاً بصناعة الكلام حاضر الجواب. وكان أوّلاً من أصحاب الجهم بن

1 . رجال النجاشي: رقم الترجمة 886.
2 . فهرست ابن النديم: الفن الثاني من المقالة الخامسة، ص 264.

صفحه 263
صفوان، ثمّ انتقل إلى القول بالإمامة بالدلائل والنظر»(1).
يقول أحمد أمين: «أمّا هشام بن الحكم فيظهر أنّه أكبر شخصيّة شيعيّة في علم الكلام ... جدلاً، قويّ الحجّة، ناظر المعتزلة و ناظروه، ونقلت له في كتب الأدب مناظرات كثيرة متفرّقة تدلّ على حضور بديهته وقوة حجّته قد ناظر أبا الهذيل العلاّف المعتزلي»(2).
أفبعد هذه الشخصيات البارزة (3) في علم الكلام يصحّ قول هذا المستشرق الحاقد إنّه لم يكن للشيعة مذهب كلامي خاصّ بهم؟
وثانياً : إنّ الاستدلال على تأثّر الشيعة بالمعتزلة بتأليف الشيخ الصدوق «علل الشرائع» على غرار كتب المعتزلة الّذين يبحثون عن علل كلّ شيء، يكشف عن أنّ المستشرق لم يرجع إلى نفس الكتاب رجوعاً دقيقاً، فإنّ الكتاب فسّر علل الشرائع والأحكام، بالأحاديث المرويّة عن النّبيّ والوصيّ والأئمّة من بعدهما (عليهم السلام) وليس الكتاب تفسيراً للأحكام من نفس المؤلّف حتّى يقال إنّه ألّفه على غرار كتب المعتزلة.
وثالثاً : أنّ المناظرات الّتي دارت بين الشيعة و المعتزلة من عصر الإمام الباقر (عليه السلام) إلى العصر الّذي ارتمت فيه المعتزلة في أحضان آل بويه أدلّ دليل على أنّ النظام الفكري للشيعة لا يتّفق مع المعتزلة من لدن تكوّن

1 . نفس المصدر .
2 . ضحى الاسلام: 3 / 268.
3 . هذا قليل من كثير وقدجئنا بأسماء لفيف من متكلمي الشيعة في القرون الثلاثة في رسالتنا «الشيعة و علم الكلام عبر القرون الأربعة».

صفحه 264
المذهبين، ومن أراد الوقوف على تلك المساجلات فعليه الرجوع إلى المصادر(1).
وهذا محمّد بن عبدالرحمان بن قبة (المتوفّى قبل سنة 317 هـ) له كتاب الردّ على الجبّائي. ونقل النّجاشي عن أبي الحسين السوسنجردي، أنّه قال: «مضيت إلى أبي القاسم البلخي إلى بلخ بعد زيارتي الرضا (عليه السلام)بطوس فسلّمت عليه وكان عارفاً بي و معي كتاب أبي جعفر ابن قبة في الإمامة المعروف بالإنصاف فوقف عليه و نقضه بـ«المسترشـد في الإمامـة»، فعدت إلى الريّ فدفعت الكتاب إلى ابن قبة فنقضه بـ«المستثبت في الإمامة»، فحملته إلى أبي القاسم فنقضه بـ «نقض المستثبت»، فعدت إلى الري فوجدت أبا جعفر قد مات (رحمه الله) »(2).
وهذا الحسن بن موسى النوبختي من أكابر متكلّمي الشيعة له ردود على المعتزلة:
ردود علماء الشيعة على المعتزلة   
1 ـ الردّ على الجبّائي .
2 ـ الرد على أبي الهذيل العلاّف في أنّ نعيم الجنّة منقطع .
3 ـ النقض على أبي الهذيل في المعرفة .

1 . لاحظ: الفصول المختارة من العيون والمحاسن، للشيخ المفيد (المتوفّى 413 هـ)، وكنز الفوائد للعلامة الكراجكي (المتوفّى 449 هـ) ومناظرات هشام ومؤمن الطاق وغيرهم الواردة في بحار الأنوار.
2 . رجال النجاشي: رقم 1023.

صفحه 265
4 ـ النقض على جعفر بن حرب .
5 ـ الردّ على أصحاب المنزلة بين المنزلتين(1).
وقد قام الشيخ المفيد (336 ـ 413 هـ) بنقض كثير من كتب المعتزلة، فله الكتب التالية و كلّها ردود عليهم.
1 ـ الردّ على الجاحظ العثمانية .
2 ـ نقض المروانيّة له أيضاً .
3 ـ نقض فضيلة المعتزلة له أيضاً .
4 ـ النقض على ابن عبّاد في الإمامة .
5 ـ النقض على عليّ بن عيسى الرماني .
6 ـ النقض على أبي عبدالله البصري في المتعة .
7 ـ نقض الخمس عشرة مسألة للبلخي .
8 ـ نقض الإمامة على جعفر بن حرب .
9 ـ الكلام على الجبائي في المعدوم .
10 ـ نقض كتاب الأصمّ في الإمامة .
11 ـ كتاب الردّ على الجبّائي في التفسير .
12 ـ عمد مختصرة على المعتزلة في الوعيد. إلى غير ذلك من كتبه حول الإمامة الّتي أكثر ردودها على ما ألّفته المعتزلة في هذا المجال(2).

1 . رجال النجاشي: رقم 146.
2 . رجال النجاشي: رقم 1067 .

صفحه 266
كما أنّ تلميذه السيّد المرتضى (355 ـ 436 هـ) نقض بعض كتب المعتزلة، فألّف الشافي ردّاً على الجزء العشرين من كتاب المغني للقاضي عبد الجبّار (المتوفّى 415 هـ)(1).
كلّ ذلك يعرّف موقف الطائفتين في المسائل الكلاميّة وأنّهما وإن اجتمعتا في مسائل، اختلفتا في مسائل كثيرة أُخرى.

نظرية مؤلف كتاب «المعتزلة» و مناقشتها

إنّ هنا وجوهاً أُخر لفّقها مؤلف كتاب «المعتزلة» تبعاً لأحمد أمين ربّما يستظهر منها عيلولة الشيعة في العقائد على المعتزلة وإليك تحليلها:
إنّ المقدسي نظر في كتب الفاطميّين الشيعة في شمال أفريقيا فوجد أنّهم يوافقون المعتزلة في أكثر الأُصول. (2)
يلاحظ عليه: أنّ موافقة الشيعة للمعتزلة في القول بالتوحيد والعدل لا يدلّ على أنّ الشيعة أخذتهما من المعتزلة، لما عرفت من أنّ الفريقين في القول بهما عيال على خطب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).
   
نعم، إنّ المعتزلة بعد النكبة وطرق النّكسة في حياتهم لجأوا الى أُمراء آل بويه في أوائل القرن الرابع لما وجدوا فيهم من سعة الصدر، واستعادوا

1 . المصدر نفسه: رقم 708.
2 . يأتي سائر الوجوه ص 289 فانتظر .

صفحه 267
في ظلّ حكمهم شيئاً من القوّة والسيطرة، ولعلّنا نتحدّث عنه في محلّه،
ولم تكن تلك الأُلفة موجودة قبل النكبة. كيف ومن قرأ تأريخ المعتزلة
يقف على أنّهم كانوا خصماء الشيعة في العصور السابقة، فكانت الطائفتان تتصارعان صراع الأقران و ربّما يقتتلان قتال موت وحياة، فكيف يمكن
أنّ تكون الشيعة عالة على المعتزلة في عقائدهم؟! فمن نسب ذلك إلى الشيعة فقد جهل تأريخ علم الكلام. فأين مبادئ الشيعة من مبادئ الاعتزال؟ فهما وإنّ كانا يشتركان في التوحيد والعدل ونفى الرؤية و التجسيم و القول بالتحسين و التقبيح العقليّين، ولكن يفترقان أنّ في كثير من الأُصول و تكفي في ذلك المراجعة لكتاب «أوائل المقالات»(1) للشيخ المفيد، فقد عنون
فيه بعض الفوارق الموجودة بين عقيدة الشيعة وسائر الفرق و منهم المعتزلة.

الفوارق الفكرية بين الشيعة والمعتزلة

إنّ بين المنهجين الكلاميين مشتركات ومفترقات، وقد تعرفت على قسم من المشتركات، فها نحن نلمح إلى الفوارق بينهما، الّتي جعلهما منهجين كلاميين مختلفين لكلّ ميزة وخصوصيّة، وإليك رؤوسها على وجهه الإجمال:

1 . أوائل المقالات: 8 ـ 16.

صفحه 268

 

1ـ عينية الصفات مع الذات :

اتفقت الطائفتان على أنّ صفاته الذاتية ليست زائدة على الذات، بمعنى أنّ تكون هناك ذات، وصفة وراءها، كما في الممكنات فإنّ الإنسان له ذات وله علم وقدرة، هذا ممّا اتّفقتا عليه، ولكنّهما اختلفتا في تفسير ذلك، فالشعية الإمامية ذهبت إلى أنّ الوجود في مقام الواجب بالغ من الكمال على حدّ يعد نفس العلم والقدرة، وكون الصفة في الموجودات الإمكانية زائداً على الذات لا يكون دليلاً على الضابطة الكلية حتى في مقام الواجب بل الموصوف هناك لأجل الكمال المفرط نفس الصفة، ولا مانع من كون العلم في درجة، قائماً بالذات، وفي أُخرى نفس الذات، وما هذا إلاّ لأنّ زيادة الوصف على الذات توجب حاجتها إلى شيء وراءها، وهو ينافي وجوب الوجود والغناء المطلق. هذه هي نظرية الشيعة مقرونة بالدليل الإجمالي، وقد اقتفوا في ذلك مارسمه علي (عليه السلام) فقال:«وكمال الإخلاص له نفي الصفات (الزائدة) عنه، لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف، وشهادة كل موصوف أنّه غير الصفة، فمن وصف الله (بوصف زائد على ذاته) فقد قرنه (قرن ذاته بشيء غيرها) ومن قرنه فقد ثنّاه، ومن ثنّاه فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد جهله».(1)
وقال الإمام الصادق: «لم يزل الله جلّ وعزّ، ربّنا والعلم ذاته، ولا

1 . نهج البلاغة: الخطبة (1).

صفحه 269
معلوم، والسمع ذاته، ولا مسموع، والبصر ذاته ولا مبصر، و القدرة ذاته ولا مقدور».(1)
هذا ما لدى الشيعة، وأمّا المعتزلة فقد اضطرب كلامهم في المقام، فالقول المشهور عندهم هي نظرية نيابة الذات عن الصفات، من دون أنّ تكون هناك صفة، وذلك لأنّهم رأوا أنّ الأمر في أوصافه سبحانه يدور بين محذورين :
1ـ لو قلنا بأنّ له سبحانه صفات كالعلم، وجب الاعتراف بالتعدّد والاثنينية، لأنّ واقع الصفات هو المغايرة للموصوف .
2ـ إنّ نفي العلم والقدرة و سائر الصفات الكمالية يستلزم النقص في ذاته أولاً ويكذبه اتقان آثاره وأفعاله ثانياً.
فالمخلَص والمفرّ من هذين المحذورين يتلخّص عندهم في انتخاب نظرية النيابة، وهي القول بأنّ الذات نائبة مناب الصفات، و إن لم تكن هناك واقعية للصفات وراء الذات، فما يترقب من الذات المقرونة بالصفة، يترتب على تلك الذات النائبة مقامها، هذا هو المشهور عن المعتزلة وإليك نصّ كلام عباد بن سليمان في ذلك المجال قال: «هو عالم قادر، حىّ، ولاأثبت له علماً، ولاقدرةً، ولا حياةً، ولا أثبت سمعاً، ولا أثبت بصراً وأقول هو عالم لا بعلم، قادر لا بقدرة، حىّ لا بحياة، وسميع لا بسمع،

1 . توحيد الصدوق: 139.

صفحه 270
وكذلك سائر ما يسمّى من الأسماء الّتي يسمّى بها».(1)
يلاحظ عليه: أنّ نظرية النيابة المشهورة عن المعتزلة، مبنية على تخيّل كون الشيء وصفاً ملازم للزيادة دائماً، فوقعوا بين المحذورين وتخلّصوا بالنيابة، ومن المعلوم أنّ مرجع النيابة إلى خلو الذات عن الكمال أوّلاً، وكون الذات الفاقدة للعلم، نائبة عن الذات المقرونة بها أشبه باللغز.
نعم، بعض المعتزلة كأبي هذيل العلاف (130 ـ 235 هـ) ذهب إلى نفس ماذهب الشيعة إليه، وقد ذكرنا كلامه في الجزء الثاني(2).

2ـ إحباط الأعمال الصالحة بالطالحة

الإحباط في عرف المتكلّمين عبارة عن بطلان الحسنة، وعدم ترتّب مايتوقع منها عليها، ويقابله التكفير وهو إسقاط السيئة بعدم جريان مقتضاها عليها فهو في المعصية نقيض الإحباط في الطاعة، والمعروف عن الإماميّة والأشاعرة هو أنّه لاتحابط بين المعاصي والطاعات والثواب والعقاب، والمعروف من المعتزلة هو التحابط (3)، ثمّ إنّهم اختلفوا في كيفيته .
فمنهم من قال: من أن الإساءة الكثيرة تسقط الحسنات القليلة

1 . مقالات الإسلاميين: 1 / 335.
2 . لاحظ بحوث في الملل والنحل: 2 / 111، نشر مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)ـ 1427 هـ ، نقلا عن شرح الأُصول الخمسة للقاضي عبدالجبار: 183، ومقالات الإسلاميين: 225.
3 . أوائل المقالات: 57. وسيوافيك نصوص المعتزلة في محلها.

صفحه 271
وتمحوها بالكلية من دون أنّ يكون لها تأثير في تقليل الإساءة وهو المحكي عن أبي علي الجبائي.
ومنهم من قال: بأنّ الإحسان القليل يسقط بالإساءة الكثيرة، ولكنّه يقلل في تأثير الإساءة فينقص الإحسان من الإساءة فيجزي العبد بالمقدار الباقي بعد التنقيص، وهو المنسوب إلى أبي هاشم.
ومنهم من قال :إنّ الإساءة المتأخّرة تحبط جميع الطاعات وإن كانت الإساءة أقل منها، حتى قيل :إنّ الجمهور من المعتزلة ذهبوا إلى أنّ الكبيرة الواحدة، تحبط ثواب جميع العبادات. (1)
هذا على قول المعتزلة. وأمّا على قول نفاة الإحباط فالمطيع
والعاصي يستحق الثواب والعقاب معاً فيعاقب مدّة ثم يخرج من النار فيثاب بالجنّة.
نعم، ثبت الإحباط في موارد نادرة، كالارتداد بعد الإسلام، والشرك المقارن للعمل، والصدّ عن سبيل الله، ومجادلة الرسول ومشاقّته، وقتل الأنبياء، وقتل الآمرين بالقسط، وإساءة الأدب مع النبي، والنفاق، وغير ذلك ممّا شرحناه في الإلهيات (2).

1 . شرح المقاصد: 2 / 232 ; شرح الأُصول الخمسة: 625.
2 . الإلهيات: 1 / 870 ـ 874 .

صفحه 272

 

3ـ خلود مرتكب الكبيرة في النار

اتّفقت الإماميّة على أنّ الوعيد بالخلود في النار متوجّه إلى الكفّار خاصّة دون مرتكبي الذنوب من أهل المعرفة بالله تعالى والإقرار بفرائضه من أهل الصلات، و وافقهم على هذا القول كافة المرجئة سوى محمد بن شبيب وأصحاب الحديث قاطبة، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك، وزعموا أنّ الوعيد بالخلود في النار عامّ في الكفّار وجميع فساق أهل الصلاة .
ويظهر من العلاّمة الحلي أنّ الخلود ليس هو مذهب جميع المعتزلة حيث قال :أجمع المسلمون كافة على أنّ عذاب الكافر مؤبّد لاينقطع، وأمّا أصحاب الكبائر من المسلمين، فالوعيدية على أنّه كذلك. وذهبت الإماميّة وطائفة كثيرة من المعتزلة والأشاعره إلى أنّ عذابه منقطع. (1)
والظاهر من القاضي عبد الجبار هو الخلود، واستدل بقوله سبحانه: (وَ مَنْ يَعْصِ اللهَ ورسُولَهُ وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا)(2) . فالله تعالى أخبر أنّ العصاة يعذّبون بالنار ويخلدون فيها، والعاصي اسم يتناول الفاسق والكافر جميعاً فيجب حمله عليهما، لأنّه تعالى لو أراد أحدهما دون الآخر لبيّنه فلمّا لم يبيّنه دلّ على ما ذكرناه.

1 . كشف المراد: 265.
2 . النساء: 14.

صفحه 273
فإن قيل: إنّما أراد الله تعالى بالآية الكافر دون الفاسق، ألاترى إلى قوله تعالى: (وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ)، وذلك لا يتصوّر إلاّ في الكفرة وإلاّ فالفاسق لا يتعدى حدود الله تعالى أجمع. ثم أجاب عنه، فلاحظ كلامه(1).

4 ـ لزوم العمل بالوعيد وعدمه

المشهور عن المعتزلة أنّهم لا يجوّزون العفو عن المسيء لاستلزامه الخلف، وأنّه يجب العمل بالوعيد كالعمل بالوعد، والظاهر من القاضي أنّها نظرية البغداديين من المعتزلة قال: اعلم أنّ البغدادية من أصحابنا أوجبت على الله أنّ يفعل بالعصاة ما يستحقونه لا محال، وقالت: لايجوز أنّ يعفو عنهم، فصار العقاب عندهم أعلى حالاً في الوجوب من الثواب، فإن الثواب عندهم لايجب إلامن حيث الجود، وليس هذا قولهم في العقاب فإنّه يجب فعله بكل حال. (2)
وذهبت الإماميّة إلى جواز العفو عن المسيء إذا مات بلا توبة، واستدلّ الشريف المرتضى بقوله سبحانه:(وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وَ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبِلِهمُ المَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَة للنَّاسِ علَى ظُلْمِهِمْ َوإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الِعقَابِ)(2). وقال: في هذه الآية دلالة على جواز المغفرة للمذنبين من أهل القبلة، لأنّه سبحانه دلّنا على أنّه يغفر لهم مع

1 . شرح الأُصول الخمسة: 675.   2 . شرح الأُصول الخمسة: 644.
2 . الرعد: 6.

صفحه 274
كونهم ظالمين، لأنّ قوله: (علَى ظُلْمِهِمْ) جملة حالية إشارة إلى الحال الّتي يكونون عليها ظالمين، ويجري ذلك مجرى قول القائل:
«أنا أودّ فلاناً على غدره (و) وأصله على هجره» (1).
وقد أوضحنا الحال في دلالة الآية وأجبنا عن إشكال القاضي على دلالتها في الإلهيات (2).

5 ـ الشفاعة حطّ الذنوب أوترفيع الدرجة :

لما ذهبت المعتزلة إلى خلود مرتكب الكبيرة في النار، وإلى لزوم العمل بالوعيد، ورأت أنّ آيات الشفاعة تضاد تلك الفكرة، التجأت إلى تفسيرها بغير ما هو المعروف والمتبادر منها، فقالوا: إنّ شفاعة الفسّاق الّذين ماتوا على الفسوق ولم يتوبوا تتنزّل منزلة الشفاعة لمن قتل ولد الغير وترصّد للآخر حتى يقتله، فكما أنّ ذلك يقبح فكذلك هاهنا(2).
فالشفاعة عندهم عبارة عن ترفيع الدرجة، فخصوها بالتائبين من المؤمنين وصار أثرها عندهم ترفيع المقام لا الإنقاذ من العذاب أو الخروج منه، قال القاضي: إنّ فائدة الشفاعة رفع مرتبة الشفيع والدلالة على منزلة من المشفوع (3).

1 . مجمع البيان: 3 / 287.   2 . الإلهيات: 1 / 910.
2 . شرح الأُصول الخمسة: 688.
3 . شرح الأُصول الخمسة: 689.

صفحه 275
وأمّا عند الشيعة الإماميّة فهو عبارة عن إسقاط العذاب، قال الشيخ المفيد: اتفقت الإماميّة على أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يشفع يوم القيامة لجماعة من مرتكبي الكبائر من أُمّته، وأنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) يشفع في أصحاب الذنوب من شيعته، وأنّ أئمة آل محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)يشفعون كذلك وينجي الله بشفاعتهم كثيراً من الخاطئين، و وافقهم على شفاعة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)المرجئة سوى ابن شبيب وجماعة من أصحاب الحديث، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك وزعمت أنّ شفاعة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)للمطيعين دون العاصين وأنّه لايشفع في مستحقي العقاب من الخلق أجمعين (1).

6 ـ مرتكب الكبيرة لا مؤمن ولا كافر

إنّ مقترف الكبيرة عند الشيعة والأشاعرة مؤمن فاسق خرج عن طاعة الله. وهو عند الخوارج، كافر كفر ملة عند جميع فرقهم إلاّ الأباضية فهو عندهم كافر كفر النعمة، وأمّا المعتزلة فهو عندهم في منزلة بين المنزلتين قال القاضي: إنّ صاحب الكبيرة له اسم بين الاسمين، وحكم بين الحكمين لايكون اسمه اسم الكافر، ولا اسمه اسم المؤمن فلا يكون حكمه حكم الكافر ولاحكم المؤمن بل يفرد له حكم ثالث. وهذا الحكم الّذي ذكرناه هو سبب تلقيب المسألة بالمنزلة بين المنزلتين، قال: صاحب الكبيرة له منزلة تتجاذبها هاتان المنزلتان (2).

1 . أوئل المقالات: 14 ـ 15.   2 . شرح الأُصول الخمسة: 697.

صفحه 276
وهذا أحد الأُصول الخمسة الّتي عليها يدور رحى الاعتزال ومن أنكر واحداً منها فليس بمعتزلي(1).

7 ـ النسخ جائزٌ والبداء ممتنع عند المعتزلة

اتفق المسلمون على جواز النسخ خلافاً لليهود، واختلفوا في البداء حيث ذهبت الشيعة إلى إمكانه و وقوعه، خلافاً لغيرهم فقالوا بالامتناع .
ثم إنّ الّذي صار سبباً للتفريق عند القاضي هو أنّه اشترط في النسخ أُموراً أهمها: أنّ النسخ لايتعلّق بعين ما كان ثابتاً، بل يتعلّق بمثل ما كان ثابتاً أشار إليها بقوله : النسخ إزالة مثل الحكم الثابت بدلالة شرعية، بدليل آخر شرعي على وجه لولاه لثبت، ولم يزل مع تراخيه عنه.
قال: فاعتبرنا أنّ يكون إزالة مثل الحكم الثابت، لأنّه لو زال عين ما كان ثابتاً من قبل لم يكن نسخاً بل كان نقضاً، وهذا بخلاف البداء فإنه يتعلّق بعين ما كان ثابتاً. ومثاله أنّ يقول أحدنا لغلامه: إذا زالت الشمس و دخلت السوق فاشتر اللحم. ثم يقول له: إذا زالت الشمس ودخلت السوق فلا تشتر اللحم، وهذا هو البداء وإنما سمّي به لأنه يقتضي أنّه قد ظهر له من حال اشتراء اللحم ما كان خافياً عليه من قبل (2).
وقال أيضاً: الّذي يدل على البداء، أن يأمر الله جلّ وعزّ بنفس مانهى

1 . الانتصار للخياط: 126 ; مروج الذهب: 3 / 222.
2 . شرح الأُصول الخمسة: 584، 585.

صفحه 277
عنه في وقت واحد على وجه واحد، وهذا محال لانجيزه البتة (1).
نحن لا نحوم حول البداء وما هو الفرق بينه وبين النسخ، فقد أشبعنا الكلام فيه في بحوثنا الكلامية(2). غير أنّ الّذي يتوجّه على كلام القاضي أنّ ما أحاله هو أيضاً من أقسام النسج لا من أقسام البداء المصطلح فإنه على قسمين:
1ـ النسخ بعد حضور وقت العمل .
2ـ النسخ قبل حضور وقت العمل.
والّذي أحاله هو القسم الثاني، وأمّا الوجه الّذي اعتمد عليه فموهون بأنّه ربّما تترتّب المصلحة على نفس إنشاء الحكم وإن لم يكن العمل به مراداً جدياً كما هو الحال في أمر إبراهيم بذبح ولده، والأوامر الامتحانية كلّها من هذا القبيل، فإذا شوهد من الإنسان القيام بمقدّمات الواجب، ينسخ الحكم، وعلى كل تقدير فما سماه بداء، ليس هو محل النزاع بين الإماميّة وغيرهم.
والبداء عندهم عبارة عن تغيير المصير بالأعمال الصالحة أو الطالحة وهو شيء اتفق عليه المسلمون، وورد به النص في القرآن و السنّة.
هذه هي حقيقة البداء في عالم الثبوت، وله أثر في عالم الإثبات وهو أنّه ربّما يقف النبي على مقتضي المصير ولا يقف على ما يغيره، فيخبر به

1 . رسائل العدل والتوحيد 1، رسالة القاضي عبد الجبار : 241.
2 . لاحظ الالهيات: 1 / 565.

صفحه 278
على حسب العلم بالمقتضي ولكن لا يتحقّق لأجل تحقّق ما يغيّره، فيقال هنا: بدا لله والمقصود بداء من الله للعباد، كما هو الحال في إخبار يونس عن تعذيب القوم وغير ذلك، وقد وردت جملة «بدا لله» في صحيح البخاري (1).
قال الشيخ المفيد: أقول في معنى البداء ما يقوله المسلمون بأجمعهم في النسخ وأمثاله من الإفقار بعد الإغناء، والإمراض بعد الإعفاء، وما يذهب إليه أهل العدل خاصّة من الزيادة في الآجال والأرزاق والنقصان منها بالأعمال، وأمّا إطلاق لفظ البداء، فإنّما صرت إليه لأجل السمع الوارد عن الوسائط بين العباد وبين الله ـ عزّ وجلّ ـ وليس بيني وبين كافة المسلمين في هذا الباب خلاف، وإنّما خالف من خالفهم في اللفظ دون ما سواه. (2)
وهذا يعرب عن أنّ القوم لم يقفوا على مصطلح الإماميّة في البداء وإلاّ لأصفقوا على جوازه.

8 ـ الواسطة بين الوجود والعدم

اتفق المفكرون من الفلاسفة والمتكلمين على أنه لاواسطة بين الوجود والعدم كما لا واسطة بين الموجود والعدم، وإنّ الماهيات قبل اتصافها بالوجود معدومات حقيقة، غير أنّ المعتزلة ذهبت إلى أنّها في حال

1 . البخاري: الصحيح: 4 / 172 باب حديث «أبرص وأعمى وأقرع في بني إسرائيل».
2 . أوائل المقالات: 53 .

صفحه 279
العدم غير موجودة ولا معدومة، بل متوسط بينهما، وهذا هو المعروف منهم بالقول بالأحوال .
قال الشيخ المفيد: المعدوم هو المنفي العين، الخارج عن صفة الموجود، ولا أقول: إنّه جسم ولاجوهر ولا عرض، ولا شيء على الحقيقة، وإن سميته بشيء من هذه الأسماء، فإنّما تسميه به مجازا. وهذا مذهب جماعة من بغدادية المعتزلة وأصحاب المخلوق (كذا)، والبلخي يزعم أنّه شيء ولا يسميه بجسم ولا جوهر ولا عرض، والجبائي وابنه يزعمان أنّ المعدوم شيء وجوهر وعرض، والخياط يزعم أنّه شيء وعرض وجسم. (1)
وبما أنّه المسألة واضحة جداً لانحوم حولها.

9 ـ التفويض في الأفعال

ذهبت المعتزلة إلاّ من شذّ كالنجار و أبي الحسين البصري (2) إلى أنّ أفعال العباد واقعة بقدرتهم وحدها على سبيل الاستقلال بلا إيجاب (3) بل باختيار .

1 . أوائل المقالات : 79.
2 . لاحظ حاشية شرح المواقف لعبد الكريم السيالكوتي: 2 / 146.
3 . ولعل قولهم: «بلا إيجاب» إشارة إلى أنّ الفعل حال الصدور لا يوصف بالوجوب أيضاً. والقاعدة الفلسفية: «الشيء مالم يجب لم يوجد» غير مقبولة عندهم .

صفحه 280
قال القاضي: أفعل العباد لايجوز أنّ توصف بأنها من الله تعالى ومن عنده و من قبله...(1).
قال السيد الشريف إنّ المعتزلة استدلوا بوجوه كثيرة مرجعها إلى أمر واحد وهو أنّه لو لا استقلال العبد بالفعل على سبيل الاختيار، لبطل التكليف وبطل التأديب الّذي ورد به الشرع وارتفع المدح والذم، إذ ليس للفعل استناد إلى العبد أصلاً، ولم يبق للبعثة فائدة لأن العباد ليسوا موحدين أفعالهم، فمن أين لهم استحقاق الثواب والعقاب (2).
ثم إنّ نظريتهم في استقلال العبد في الفعل مبنية على مسألة فلسفية وهو أنّ حاجة الممكن إلى العلّة تنحصر في حدوثه، لا فيه وفي بقائه، وعلى ضوء ذلك قالوا با ستقلال العبد في مقام الإيجاد.
والمبنى والبناء كلاهما باطلان. أمّا الافتقار حدوثاً فقط، فهو لا يجتمع مع كون الإمكان من لوازم الماهية، وهي محفوظة حدوثاً وبقاء، فكيف يجوز الغناء عن الفاعل بقاء؟!
قال الحكيم الشيخ محمد حسين الإصفهاني:
والافتقار لازم الإمكان *** من دون حاجة إلى البرهان

1 . شرح الأُصول الخمسة: 778، وفي ذيله ما ربّما يوهم خلاف ما هو المشهور عنهم .
2 . شرح المواقف: 8 / 156.

صفحه 281
لا فرق ما بين الحدوث والبقاء *** في لازم الذات ولن يفترقا
هذا كلّه حول المبنى وأمّا البناء فيكفي في التخلص عن الجبر استناد الفعل إلى الفاعل والخالق معاً، لكن يكون قدرة المخلوق في طول قدرة الخالق، ومنشعبة عنها، وهذا يكفي في الاستناد وصحّة الأمر والنهي والتأديب والتثويب، فالجبر والتفويض باطلان، والأمر بين الأمرين هو الحق الصراح، وقد تواتر عن أئمة أهل البيت قولهم: «لا جبر ولا تفويض لكن أمر بين الأمرين». (1)
ثم إنّ الدافع إلى القول بالتفويض هو صيانة عدله سبحانه فزعموا أنّ الصيانة لها رهن القول بالتفويض واستقلال العبد بالفعل، وغفلوا عن
أنّ هناك طريقاً آخر، وهو ما ذهبت إليه الإماميّة، ثم إنّهم و إن نزّهوا العبد
عن الظلم ولكن صوّروا له شريكاً في الإيجاد، ولأجل ذلك قال الإمام
الرضا (عليه السلام):
«مساكين القدرية أرادوا أن يصفوا الله ـ عزّ وجلّ ـ بعدله، فأخرجوه من قدرته وسلطانه. (2)

1 . توحيد الصدوق: 362، الحديث 8، ولاحظ الأحاديث الأُخرى .
2 . نفس المصدر: 54، الحديث 93.

صفحه 282

 

10 ـ قبول التوبة واجب على الله أو تفضّل منه ؟

اتّفق المسلمون على أنّ التوبة تسقط العقاب، وإنّما الخلاف في أنّه هل يجب على الله قبولها فلو عاقب بعد التوبة كان ظالماً، أو هو تفضّل منه سبحانه ؟فالمعتزلة على الأوّل، والأشاعرة والإماميّة على الثاني(1).
قال المفيد:
«اتفقت الإماميّة على أنّ قبول التوبة بفضل من الله عزّ وجلّ، وليس بواجب في العقول إسقاطها لما سلف من استحقاق العقاب، ولولا أنّ السمع ورد بإسقاطها لجاز في العقول بقاء التائبين على شرط الاستحقاق، ووافقهم على ذلك أصحاب الحديث، وأجمعت المعتزلة على خلافهم و زعموا أنّ التوبة مسقطة لما سلف من العقاب على الوجوب. (2)
و لقد أحسن ـ قدّس الله سره ـ حيث جعل محور المسألة قبول التوبة وعدمه بما هو هو لابلحاظ آخر كما في صورة الأخبار بقبول التوبة قال سبحانه:(يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ)(3) . إذ عندئذ يجب قبول التوبة عقلاً وإلاّ لزم الخلف في الوعد. قال الطبرسي في تفسير قوله سبحانه:(إلاّ الَّذِينَ تَابُوا

1 . لاحظ: شرح المقاصد: 2 / 242; كشف المراد: 268; شرح الأُصول الخمسة: 798 .
2 . أوئل المقالات : 15.
3 . التوبة : 104.

صفحه 283
وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فأُولئكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَ أَنَا التَّوّابُ الرَّحِيمُ)(1) . ووصفه بالرحيم عقيب التوّاب يدل على أنّ إسقاط العقاب بعد التوبة تفضل منه سبحانه ورحمة من جهته، على ما قاله أصحابنا، وأنّه غير واجب عقلاً على خلاف ماذهب إليه المعتزلة. (2)
ومن أراد أنّ يقف على دلائل المعتزلة في المقام فليرجع إلى كشف المراد وشرح المقاصد.

11 ـ عصمة الأنبياء قبل البعثة و بعدها

اتفقت الإمامية على أنّ جميع أنبياء الله ـ صلوات الله عليهم أجمعين ـ معصومون من الكبائر قبل النبوة وبعدها، وممّا يستخف فاعله من الصغائر وأما ماكان من صغير لا يستخف فاعله فجائز و قوعه منهم قبل النبوة وعلى غير تعمد وممتنع منهم بعدها، على كل حال هذا مذهب جمهور الإمامية، والمعتزلة بأسرها تخالف فيه. (2)
والمقول عن أبي علي الجبائي التفصيل في الكبائر بين قبل البعثة وبعدها فيجوز في الأوّل دون الثاني، والمختار عند القاضي في الكبائر عدم الجواز مطلقاً، وأمّا المنفّرات فاتفقوا على عدم جوازه.(3)

1 . البقرة : 160.   2 . مجمع البيان: 1 / 242.
2 . أوائل المقالات : 30.
3 . شرح الأُصول الخمسة: 573.

صفحه 284

 

12ـ وجوب الأمر بالمعروف عقلاً وعدمه

اتفقت الأُمّة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلا استثناء غير أنهم اختلفوا في وجوبه عقلاً وسمعاً، أو سمعاً فقط، فالمعتزلة على الأوّل والإماميّة على الثاني .
قال المفيد: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللسان فرض على الكفاية بشرط الحاجة إليه لقيام الحجة على من لايعلم لديه إلاّ بذكره أو حصول العلم بالمصلحة به أو غلبه الظن بذلك. (1)
ثم إنّ المحقق الطوسي ذكر في متن التجريد دلائل المعتزلة على وجوبهما عقلاً، ثم عقب عليها بنقد وتحليل (2).

13 ـ آباء رسول الله كلّهم موحّدون

اتفقت الإماميّة على أنّ آباء رسول الله من لدن آدم إلى عبد الله بن عبد المطلب مؤمنون بالله عزّ وجلّ ـ موحّدون له، وخالفهم على هذا القول جميع الفرق (3).

1 . أوائل المقالات : 98. وبذلك يظهر وهن ما ذكره القاضي في شرح الأُصول الخمسة من نسبة عدم الوجوب على الإطلاق إلى الإماميّة. لاحظ ص 741.
2 . كشف المراد : 271 .
3 . أوائل المقالات: 12.

صفحه 285

 

14 ـ تفضيل الأنبياء على الملائكة

اتفقت الإماميّة على أنّ أنبياء الله عزّ وجلّ ورسله من البشر أفضل من الملائكة و وافقهم على ذلك أصحاب الحديث، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك وزعم الجمهور منهم أنّ الملائكة أفضل من الأنبياء والرسل.(1)

15ـ الرجعة: إمكانها و وقوعها

قضية الرجعة الّتي تحدثت عنها بعض الآيات القرآنية والأحاديث المروية عن أهل بيت الرسالة ممّا تعتقد به الشيعة من بين الأُمّة الإسلاميّة قال الشيخ المفيد: إنّ الله يحشر قوماً من أُمّة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد موتهم قبل يوم القيامة وهذا مذهب يختص به آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) والقرآن شاهد به. (2)
وخالفت المعتزلة والأشاعرة وأهل الحديث في ذلك.

16ـ الجنّة والنار مخلوقتان أو لا؟

إنّ الله سبحانه وعد المتقين بالجنّة وأوعد العصاة بالنار، فهل هما مخلوقتان أو لا؟

1 . أوائل المقالات: 16.
2 . البحار : 53 / 136، نقلاً عن المسائل السرورية للشيخ المفيد.

صفحه 286
والمسألة نقلية محضة فالإماميّة إلاّ من شذ، ذهبت إلى أنّ الجنّة والنار في هذا الوقت مخلوقتان. قال الشيخ المفيد: وبذلك جاءت الأخبار وعليه إجماع أهل الشرع والآثار.(1)
وقال التفتازاني: «جمهور المسلمين على أنّ الجنّة والنار مخلوقتان الآن خلافاً لأبي هاشم والقاضي عبدالجبار ومن يجري مجراهما من المعتزلة حيث زعموا أنّهما إنما يخلقان يوم الجزاء».(2)
والظاهر من السيد الرضي من الشيعة (359 ـ 406 هـ) أنّهما غير مخلوقتين الآن حيث قال: الصحيح أنّهما إنّما تخلقان بعده. (3)

17ـ تأويل النصوص اعتماداً على القواعد العقلية:

إنّ الأُصول الخمسة عند المعتزلة توصف بالصحة والإتقان على درجة تقدّم على النصوص الشرعية الواردة في القرآن الكريم والسنّة، فقد أعطوا للعقل أكثر ممّا يستحقّه، ولذلك نرى أنّهم لما بنوا على أنّ مرتكب الكبيرة مخلّد في النار أوّلوا النصوص القرآنية، فقالوا: إنّ المراد في الشفاعة هو ترفيع الدرجة لا رفع العقاب، وقس على ذلك سائر تأويلاتهم في الكتاب والسنّة .

1 . أوائل المقالات : 102 .
2 . شرح المقاصد: 2 / 318. ولاحظ شرح التجريد للقوشجي : 507، وعبارة الأخيرين واحدة.
3 . حقائق التأويل: 5 / 245 .

صفحه 287
إنّ النص الوارد في القرآن الكريم دليل قطعي لا يعادله شيء فعند ذلك تجب تخطئة العقل لا تأويل القرآن، والتعارض بين القطعيين غير معقول، وتأويل النص القطعي كرفضه، نعم لو كان النص ظني السند أو كان الدليل الشرعي ظنّي الدلالة فللتأويل مجال، هذا وللبحث صلة تطلب في مجالها.

18ـ الإمامة بالتنصيص أو بالشورى:

اتفقت الإماميّة على أنّ الإمامة بالتنصيص خلافاً للأشاعرة والمعتزلة فقالوا بالشورى وغيرها، ويتفرع على ذلك أمر آخر وهو: أنّ النبي نص على خليفته بالذات عند الإمامية، وقال الآخرون: سكت وترك الأمر شورى بين المسلمين.
قال القاضي عند البحث عن طرق الإمامة (عند المعتزلة): إنها العقد والاختيار (1).

19 ـ هل يشترط في الإمام كونه معصوماً

اتفقت الإمامية على أنّ الامام يجب أنّ يكون معصوماً عن الخطأ والمعصية خلافاً للمعتزلة حيث اكتفت أنه يجب أنّ يكون مبرزاً في العلم

1 . شرح الأُصول الخمسة: 753.

صفحه 288
مجتهداً ذا ورع شديد، يوثق بقوله ويؤمن منه ويعتمد عليه (1).
قال المفيد: إنّ الأئمة القائمين مقام الأنبياء في تنفيذ الأحكام، وإقامة الحدود، وحفظ الشرائع، وتأديب الأنام، معصومون كعصمة الأنبياء، وانّهم لا يجوز منهم صغيرة إلاّ ما قدّمت ذكر جوازه على الأنبياء، وانه لايجوز منه سهو في شيء في الدين ولا ينسون شيئاً من الأحكام، و على هذا مذهب سائر الإماميّة إلاّ من شذّ منهم وتعلّق بظاهر روايات لها تأويلات على خلاف ظنّه الفاسد في الباب، والمعتزلة بأسرها تخالف في ذلك ويجوّزون من الأئمّة وقوع الكبائر والردّه عن إسلام. (2)

20 ـ حكم محارب الإمام علي أمير المؤمنين:

اتّفقت الإمامية على أنّ الناكثين والقاسطين من أهل البصرة والشام أجمعين كفّار ضلاّل ملعونون بحربهم أمير المؤمنين (عليه السلام) وانّهم بذلك في النار مخلدون وأجمعت المعتزلة سوى الغزّال منهم وابن باب، والمرجئة والحشوية من أصحاب الحديث على خلاف ذلك، فزعمت المعتزلة كافّة إلاّ من سمّيناه وجماعة من المرجئة وطائفة من أصحاب الحديث، انّهم فسّاق ليسوا بكفار، وقطعت المعتزلة من بينهم على أنّهم لفسقهم في النار خالدون. (3)

1 . نفس المصدر: 754.
2 . أوائل المقالات: 35 .
3 . نفس المصدر: 10 .

صفحه 289
هذه جملة من الأُصول الّتي يختلف فيها المنهجان وبقيت هناك أُصول أُخرى تضاربت فيها آراء الفريقين لم نذكرها روماً للاختصار.
ولنعد إلى تحليل سائر الوجوه لمؤلف كتاب المعتزلة.
1 ـ قال الذهبي: «وجد الرفض والاعتزال في زمانه متصادقين متآخيين»(1).
2 ـ وقال المقريزي: «قلّما يوجد معتزلي إلاّ وهو رافضي»(2).
3 ـ يقول الشيخ جمال الدين القاسمي الدمشقي (المتوفّى 1331 هـ): «إنّ المعتزلة اليوم كفرقة أهل السنّة والجماعة، من أعظم الفرق رجالاً وأكثرها تابعاً، لأنّ شيعة العراق على الإطلاق معتزلة. وكذلك شيعة الأقطار الهندية و الفارسية و الشامية، ومثلهم الشيعة الزيديّة باليمن»(3).
إنّ هذه الكلمات لا تدلّ على عيلولة الشيعة في عقائدهم على المعتزلة، فإنّ الشيعة الإماميّة تقتدي في أُصولها وفروعها بأئمّة أهل البيت (عليهم السلام)الّذين جعلهم الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) عدلاً للقرآن الكريم وقال: «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي»، ولا ترجع إلى غيرهما. ولم نر شيعيّاً إماميّاً أخذ عقيدته من عالم معتزلي.
ومع هذين المصدرين الصحيحين لا حاجة للرجوع إلى غيرهما.

1 . ميزان الاعتدال: 2 / 235، كما في «المعتزلة»: 218.
2 . الخطط: 4 / 169، كما في المصدر نفسه: 218.
3 . تاريخ الجهمية والمعتزلة: 42، كما في المصدر نفسه: 219.

صفحه 290
والمعتزلة كما أقرّ أعلامهم اقتفوا في التّوحيد والعدل أثر خطب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وتتلمذوا على حفيده أبي هاشم ابن محمّد بن الحنفيّة.
وما ذكره القاسمي الدمشقي من أنّ شيعة العراق على الإطلاق معتزلة، صحيحة إن أراد أنّ شيعة العراق بل الشيعة في جميع الأقطار قائلون بالتوحيد والعدل، اقتفاءً لأثر الكتاب والسنّة الصحيحة المرويّة عن أئمّة أهل البيت لا سيّما خطب الإمام عليّ (عليه السلام) ، كما أنّ المعتزلة أيضاً قائلون بهما مقتفين أثر ما أخذوه من البيت العلوي.
نعم إنّ المعتزلة أقرب إلى الشيعة من الحنابلة والأشاعرة، فإنّ ولاء كثير منهم لأهل البيت لا ينكر، كما أنّ تمسّكهم بالأُصول العقلية المبرهنة، ورفض الآخرين لها، جعلهم متّحدين في كثير من الأُصول مع الشيعة، ومع ذلك فإنّ لجميع الطوائف الإسلاميّة، أُصولاً مشتركة، وأُصولاً يتميّز بها بعضهم عن بعض فلكلّ طائفة إسلاميّة مشتركات ومميّزات.

رمي الاعتزال بالتشيّع

إنّ من عجائب الدهر ـ وما عشت أراك الدهر عجباً ـ رمي المعتزلة بالتشيّع، وترى تلك النسبة في كتب الأشاعرة والحنابلة، خصوصاً الرجاليّين منهم، فلم تكن الشيعة وحدها متّهمة بالاعتزال، بل صارت المعتزلة متّهمة بنظيرتها، غير أنّ رمي الشيعة بالاعتزال لايختصّ بقوم دون قوم، حتّى إنّ أصحاب الطبقات من المعتزلة عدّوا أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) وكبار علماء الشيعة

صفحه 291
من المعتزلة، حتّى قالوا: إنّ الحسن بن موسى النوبختي من المعتزلة، ولم يكتفوا بذلك، بل عدّوا المرتضى والرضي منهم.(1)
وقد عرفت مدى صدق هذه النسبة، و أنّ كثيراً من أعلام الشيعة نقدوا كتب المعتزلة، حتّى إنّ الشيخ المفيد نقض كتاب «فضيلة المعتزلة» للجاحظ.
إنّما الكلام في التهمة الأُخرى، وهو رمي الاعتزال بالتشيّع، والحقّ أنّه لو فسِّر التشيّع بحبّ عليّ وأهل بيته (عليهم السلام) فأعلام السنّة من الأشاعرة والمعتزلة والحنابلة كلّهم شيعة إلاّ من له هوى العثمانيّة، الّذين يكثرون من الوقيعة في عليّ وأولاده (عليهم السلام) . أمّا لو فسّر بتقديم عليّ على سائر الخلفاء في العلم والزهد و سائر المثل الأخلاقيّة، فمعتزلة بغداد إلاّ من شذّ شيعة، فإنّهم و إن اعترفوا بخلافة الخلفاء، لكن يعترفون بفضل عليّ (عليه السلام)وتقدّمه على أقرانه، وهذا هو الّذي صار سبباً لجرح كثير من الرواة العدول، وما ذنبهم إلاّ تقديم عليّ على غيره فى الفضائل، أخذاً بنصوص الآيات والروايات في حقّه.
نعم، لو فسّر التشيع بالاعتراف بخلافة عليّ بتنصيب من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وأمر منه سبحانه، فالشيعة تنحصر بمن يعتقد بهذا المبدأ، والمعتزلة كلّهم يخالفون ولا يعترفون به.
والّذي أوقع جمعاً من مؤلّفي المقالات في الوهم الأوّل هو التقاء

1 . طبقات المعتزلة لأحمد بن يحيى المرتضى، ص 9 و 15 و 117.

صفحه 292
التشيّع مع الاعتزال في بعض المواضع والنقاط كالتوحيد والعدل، ولو صار ذلك سبباً لرمي الشيعة بالاعتزال، صحّ عدّ الأشاعرة منهم لالتقائهم معهم في عدّة من الأُصول.
وأمّا الّذي أوقعهم في الوهم الثّاني هو انحيازهم إلى عليّ في كثير من المبادئ خصوصاً التوحيد والعدل.
وعلى أيّ تقدير، فلفظ التشيع قد تطوّر من جهة المعنى بعد ما كان معناه في اليوم الأوّل، بعد رحلة الرسول، هو من شايع عليّاً دون غيره، وقال بخلافته دون سائر الخلفاء، فأُطلق على من أحبّ عليّاً و أولاده، وناضل العثمانيّة و أهوائها، وعلى من قدّم عليّاً في الفضائل والمناقب، لا في الخلافة، فلأجل هذا التطوّر فربّما يشتبه المراد منه في كلمات الرّجاليين وأصحاب المقالات، وربّما تعدّ أُناس شيعةً بالمعنى الأوّل، مع أنّهم شيعة بالمعنيين الأخيرين، فلاحظ، وسيوافيك التوضيح عند البحث عن عقائد الشيعة الزيدية والإسماعيليّة و الإماميّة.
«رزقهم الله توحيد الكلمة كما رزقهم كلمة التوحيد»
«وبني الإسلام على دعامتين:
«كلمة التوحيد، وتوحيد الكلمة»

صفحه 293
   

الفصل الرابع

أئمّة المعتزلة

دلّت النصوص التأريخيّة على أنّ «واصل بن عطاء» هو المؤسّس الأوّل لمنهج الاعتزال، وقد طرح أُصولاً نضجت و تكاملت بأيدي تلامذته و مقتفي منهجه عبر العصور والقرون.
ومن أراد أن يكتب تأريخ المعتزلة و طبقاتهم، فعليه أن يجعل «واصلاً» رأس مخروط الاعتزال إلى أن يصل بالتدريج إلى قاعدته.
وأمّا من تقدّم عليه من الصحابة و التابعين حتّى القدريّة المتبلورة في «معبد الجهني» و «غيلان الدمشقي» وغيرهم...فلا يمتّون للاعتزال بصلة، وإن اتّفقوا مع المعتزلة في القول بالتوحيد والعدل، وحريّة الإنسان واستطاعته على الفعل والترك. وذلك لأنّ التوحيد والعدل، كان شعار المسلمين من عصر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الزمان الّذي طلع فيه منهج الاعتزال، كما أنّ القول بالحريّة واستطاعة الإنسان على أحد الطرفين قول بأمر فطري جبل عليه الإنسان طوال القرون والأدوار قبل الإسلام و بعده، فلا يعدّ الاعتقاد به إحداثاً للمنهج و تأسيساً له.
نعم، القول بكون الإنسان مسيّراً لا مخيّراً، وأنّ فاعل الخير والشرّ هو

صفحه 294
الله سبحانه، وأنّ كلّ إنسان خلق لما قدّر له في علمه الأزلي، وأنّ التقدير لا يتغيّر حكمه وقضاؤه، إحداث منهج جديد رغم أنّ العقلاء ونصوص الكتّاب على خلافه في جميع الأدوار.
وعلى ضوء هذا، فلا يصحّ عدّ كلّ من قال بواحد من هذه الأُصول سلفاً للاعتزال، وشيخاً للمعتزلة، وإن اتّفق معهم فيها.
وعلى هذا الخطّ الّذي رسمناه مشى أبو القاسم البلخي (المتوفّى 317 هـ) في كتابه «مقالات الإسلاميين ـ باب ذكر المعتزلة» فابتدأ في ذكر طبقاتهم بـ «واصل بن عطاء» و «عمروبن عبيد» وانتهى إلى أعلامهم في عصره وقال: «وفي زماننا هذا شيخنا أبوالحسين الخيّاط عبدالرحيم بن محمّد (المتوفّى 311 هـ) وأحمد بن الشنطوي»(1).
نعم، خالفه القاضي عبدالجبّار (المتوفّى 415 هـ) فعدّ للمعتزلة طبقات قبل واصل، فعدّ الخلفاء من الطبقة الأُولى، والحسن والحسين (عليهما السلام)ومحمّد (بن الحنفيّة) بن عليّ من الطبقة الثانية، وأبا هاشم عبدالله بن محمّد (بن الحنفيّة) بن عليّ و أخاه الحسن بن محمّد والحسن البصري وابن سيرين ومن في طبقتهم ممّن حكي العدل عنه من الطبقة الثالثة، وعدّ غيلان بن مسلم وواصل بن عطاء وعمرو بن عبيد من الطبقة الرابعة إلى أن أنهاهم إلى عشر طبقات(2).

1 . مقالات الاسلاميين: باب ذكر المعتزلة ص 64 ـ 74. وقد طبع من المقالات خصوص هذا الباب بتحقيق فؤاد سيد، ط.تونس.
2 . فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة: 214 ـ 333.

صفحه 295
وقد كتب الحاكم الجشمي اليمني الزيدي (413 ـ 494 هـ) ذيلاً له فأضاف إليها طبقتين أُخريين وهو جزء من كتابه «شرح العيون»(1).
وأمّا أحمد بن يحيى بن المرتضى، فقد مشى على ضوء القاضي فأعاد ما ذكره هو وغيره في باب خاصّ، أسماه «باب ذكر المعتزلة» وهو جزء من كتابه «المنية والأمل» في شرح كتاب الملل والنحل، وقد طبع منه خصوص ذلك الباب كراراً، فنحن ننقل عن النسخة الّتي حقّقها المستشرق «توما أرنلد» طبع دار صادر، بيروت.
ولقد أجاد أبوالحسين الخيّاط، حيث جعل الاعتقاد بالأُصول الخمسة ملاكاً لصدق الاعتزال وكون المعتقد معتزلياً. قال: «الاعتزال قائم على أُصول خمسة عامّة، من اعتقد بها جميعاً كان معتزلياً، ومن نقص منها أو زاد عليها ولو أصلاً و احداً لم يستحقّ اسم الاعتزال، وتلك الأُصول مرتّبة حسب أهميتها وهي:
1 ـ التوحيد.
2 ـ العدل.
3 ـ الوعد والوعيد.
4 ـ المنزلة بين المنزلتين.
5 ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(2).

1 . طبع هذا الجزء مع كتاب فضل الاعتزال بتحقيق فؤاد سيد.
2 . الانتصار: 5، ومقالات الاسلاميين للأشعري: 1 / 278.

صفحه 296
إنّ عدّ أمثال الشريف المرتضى من المعتزلة بحجّة قوله بالتوحيد والعدل، يستلزم أن يعدّ شيخه المفيد و تلميذه الطوسي منهم. مع أنّ موقف هؤلاء من تلك الطائفة موقف النقد والردّ. وقد ردّ الشيخ المفيد (المتوفّى 413 هـ) في أكثر كتبه عليهم، لا سيمّا في كتابه «أوائل المقالات» كما نقد الشريف المرتضى (المتوفّى 436 هـ) خصوص الجزء العشرين من «المغني» للقاضي عبد الجبّار وأسماه «الشافي» واختصره تلميذه شيخ الطّائفة الطوسي (المتوفّى 460 هـ) وأسماه «تلخيص الشافي» وقد انتشر الجميع بطباعة قديمة وحديثة، ومن طالع تلك الكتب يقف على أنّ موقف الشيعة الإماميّة من المعتزلة موقف الموافقة في بعض الأُصول والمخالفة في البعض الآخر، كشأنهم مع الأشاعرة وغيرهم من الطوائف الإسلاميّة.
والعجب أنّ أكثر من كتب عن المعتزلة من المتأخّرين اشتبه عليهم الأمر، وربّما عدّوا أعلام الإماميّة من مشايخ الاعتزال وروّاد منهجه، والشيعة الإماميّة بفضل علوم أئمّتهم ونصوص رواياتهم في غنى عن كلّ منهج لا يمتّ للكتاب والعترة (أعداله وقرناؤه) بصلة.
وهذا الفصل الّذي نقدّمه للقرّاء يختص بتعريف أئمّة المعتزلة ومشايخهم الكبار، الّذين نضج المذهب بأفكارهم وآرائهم ووصل إلى القمّة في الكمال.
من أئمّة المعتزلة: واصل بن عطاء   
وأمّا أعلام الطائفة الّذين كان لهم دور في تبنّي هذا الخطّ من دون أنّ

صفحه 297
يتركوا أثراً يستحقّ الذكر، في الأصول الخمسة نذكرهم في فصل لاحق حتّى تتميّز الطائفتان.
نعم، انطفأت دعوة الاعتزال وضعفت شوكتهم بعد سادس القرون أو سابعها، فلا تسمع لهم ذكراً في الأجيال اللاّحقة فلا إمام ولا علم ولا.... فقد انقرضوا بسيف السلطة وقسوة الحنابلة والأشاعرة، وتركوا آثاراً وكتباً عبث بها الزمان، فلم يبق إلاّ النزر اليسير. ولكن آثارهم...
إنّ آثارنا تدلّ علينا *** فانظروا بعدنا إلى الآثار

1 ـ واصل بن عطاء (80 ـ 131 هـ )

أبو حذيفة واصل بن عطاء مؤسس الاعتزال، المعروف بالغزّال. يقول ابن خلّكان: «كان واصل أحد الأعاجيب ذلك أنّه كان ألثغ، قبيح اللثغة في الراء فكان يخلّص كلامه من الراء ولا يُفطَن لذلك، لاقتداره على الكلام وسهولة ألفاظه، ففي ذلك يقول أبو الطروق يمدحه بإطالة الخطب واجتنابه الراء على كثرة تردّدها في الكلام حتّى كأنها ليست فيه .
عليم بإبدال الحروف وقامع *** لكلّ خطيب يغلب الحقّ باطله
وقال الآخر:
ويجعل البرّ قمحاً في تصرّفه *** وخالف الرّاء حتّى احتال للشعر

صفحه 298
ولـم يطـق مطــراً والقـول يعجـلـه *** فعاذ بالغيث إشفاقاً من المطر
قد ذكر عنده بشر بن برد (المتّهم بالزندقة) فقال: «أما لهذا الأعمى المكنّى بأبي معاذ من يقتله؟ أما والله لولا أنّ الغيلة خلق من أخلاق الغالية لبعثت إليه من يبعج بطنه على مضجعه، ثمّ لا يكون إلاّ سدوسياً أو عقيليّاً».
فلاحظ أنّه قال: «هذا الأعمى» ولم يقل: بشّار ولا ابن برد، ولا الضرير. وقال: «من أخلاق الغالية» ولم يقل: المغيرية ولا المنصورية، وقال: «لبعثت» ولم يقل: لأرسلت، وقال: «على مضجعه» ولم يقل: على مرقده ولا على فراشه، وقال: «يبعج» ولم يقل: يبقر (1).
يقول ابن العماد الحنبلي: «كان واصل ألثغ يبدل الراء غيناً في كلامه، وكان يخلِّص كلامه بحيث لا تسمع منه الراء حتّى يظنّ خواصّ جلسائه أنّه غير ألثغ، حتّى يقال: إنّه دفعت إليه رقعة مضمونها: أمر أمير الأُمراء الكرام أنّ يحفر بئراً على قارعة الطريق، فيشرب منه الصادر والوارد.
فقرأ على الفور: حكم حاكم الحكّام الفخام، أنّ ينبش جُبّاً على جادّة الممشي فيسقى منه الصادي والغادي.
فغيّر كلّ لفظ برديفه وهذا من عجيب الاقتدار، وقد أشارت الشعراء إلى عدم تكلّمه بالراء. من ذلك قول بعضهم:

1 . وفيات الأعيان: 6 / 8 ; أمالي المرتضى: 1 / 139 ـ 140.

صفحه 299
نعم تجنّب لا يوم العطاء كما *** تجنّب ابن عطاء لفظة الرّاء(1)
وقد كانت بينه وبين بشّار بن برد قبل اظهاره ما يخالف عقيدة واصل أواصر الصداقة وقد ذكر بشّار خطبته الّتي ألقى فيها الرّاء وقال:
تكـلّف القـول والأقوام قد حلفوا *** وحبّروا خطباً ناهيك من خطب
وقال مرتجلاً تغلى بداهته *** كمرجل القين لما حفّ باللّهب
وجانب الرّاء ولم يشعر به أحد *** قبل التصفّح والإغراق في الطلب
ولمّا تبرّأ منه واصل لما ظهر منه ما لا يرضيه، هجاه بشّار وقال:
مالي أُشايع غزّالاً له عنق *** كنِقْنِق الدَوّ إن ولّي وإن مَثلا
عنق الزرافة ما بالي وبالكم *** تُكفّرون رجالاً كفّروا رجلا(2)

بثّ الدعاة في البلاد

كان واصل صموداً في عقيدته، ولـمّا تمكّن من إنفاذ الدعاة إلى الآفاق، فرّق أصحابه في البلاد حتّى يكونوا دعاة إلى طريقه. فبعث عبدالله بن الحارث إلى المغرب، فأجابه خلق كثير، وبعث إلى خراسان حفص بن سالم، فدخل «ترمذ» ولزم المسجد حتّى اشتهر، ثمّ ناظر جهماً فقطعه،

1 . شذرات الذهب: 1 / 182 و 183 حوادث عام 131 هـ .
2 . المنية والأمل: 19 .

صفحه 300
وبعث القاسم إلى اليمن، وبعث أيّوب إلى الجزيرة، وبعث الحسن بن ذكوان إلى الكوفة، وعثمان الطويل إلى أرمينية.(1)

يقول صاحب كتاب «المعتزلة»:

«درج أصحاب واصل وتلاميذه من بعده على هذه الخطة (المناظرة) في الردّ على المخالفين، فكان عمرو بن عبيد حيث التقى بأحدهم لا يتركه حتّى يناظره. ناظر جريربن حازم الأزدي السمني في البصرة وقطعه، واشترك مع واصل بن عطاء في مناظرة بشاربن برد، وصالح بن عبد القدوس، وكلاهما من الثنوية المعروفين فقطعاهما، وتناظر عمرو بن عبيد مع مجوسي على ظهر سفينة فقطعه المجوسيّ. ] كذا[ قال له عمرو: لما لا تسلم؟ فقال: لأنّ الله لم يرد إسلامي، فإذا أراد الله إسلامي أسلمت. قال عمرو: إنّ الله تعالى يريد إسلامك ولكنّ الشياطين لا يتركونك.
فأجاب المجوسي: فأنا أكون مع الشريك الأغلب!»(2).
يلاحظ عليه: أنّه كان اللازم على عمرو أنّ يقول: إنّ الله تعالى أراد إسلامك ولكن بحرّية واختيار، لا بإلجاء واضطرار. فلو أسلمت كان إسلامك على طبق ما يريد، وإنّ كفرت لم يكن كفرك آية غلبتك عليه، وقد أوضحنا كيفيّة تعلّق إرادته سبحانه بأفعال العباد.

1 . المنية والأمل: 19 ـ 20.
2 . كتاب المعتزلة: 39 ـ 40.

صفحه 301

 

من آرائه و مناظراته

إنّ واصل هو أوّل من أظهر المنزلة بين المنزلتين، لأنّ الناس كانوا في أسماء أهل الكبائر من أهل الصلاة على أقوال. كانت الخوارج تسمّيهم بالكفر والشرك. والمرجئة تسمّيهم بالإيمان. وكان الحسن وأصحابه يسمّونهم بالنفاق.

1 ـ رأيه في مرتكب الكبيرة

ذهب واصل بن عطاء إلى القول بأنّهم فسّاق غير مؤمنين، لا كفّار ولا منافقون. واستدلّ على ذلك بما نقله المرتضى عنه في أماليه من أنّنا نجد أهل الفرق على اختلافهم يسمّون صاحب الكبيرة فاسقاً، ويختلفون في ما عدا ذلك من أسمائه، لأنّ الخوارج تسمّيه مشركاً فاسقاً، والشيعة الزيدية تسمّيه كافر نعمة فاسقاً، والحسن يسمّيه منافقاً فاسقاً، والمرجئة تسمّيه مؤمناً فاسقاً. فاجتمعوا على تسميته بالفسق. واختلفوا فيما عدا ذلك من أسمائه فالواجب أن يسمّى بالاسم الّذي اتّفق عليه وهو الفسق. ولا يسمّى بما عدا ذلك من الأسماء الّتي اختلف فيها. فيكون صاحب الكبيرة فاسقاً، ولا يقال فيه إنّه مؤمن ولا منافق ولا مشرك، ولا كافر نعمة، فهذا أشبه بأهل الدّين(1).

1 . أمالي المرتضى: 1 / 161.

صفحه 302
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره لا يثبت أزيد من أنّ المسلمين اتّفقوا على كون مرتكب الكبيرة فاسقاً ولم يتّفقوا على غيره من سائر الأسماء. لكن عدم اتّفاقهم على شيء منها لا يدلّ على أنّه ليس منها أبداً، كما هو ظاهر قوله: «ولا يقال فيه إنّه مؤمن...» فإنّ عدم وجود الإجماع على واحدة من تلك الأسماء لا يلازم عدم وجود دليل آخر على وجود واحد منها فيه. فكان اللاّزم على واصل أنّ يقيم الدّليل على أنّه لا يسمّى بواحد منها.
وإلى ما ذكرنا ينظر قول السيّد المرتضى في أماليه حيث قال: «إنّ الإجماع وإنّ لم يوجد في تسمية صاحب الكبيرة بالنفاق، ولا في غيره من الأسماء، كما وجد في تسميته بالفسق، ولكنّه غير ممتنع أن يسمّى بذلك لدليل غير الإجماع، ووجود الإجماع في الشيء، وإن كان دليلاً على صحّته لكن ليس فقده دليلاً على فساده»(1).
وقد اعترض ابن المرتضى صاحب «المنية والأمل» على كلام السيّد المرتضى بكلام واه، يشبه كلام الهازل حيث قال: «يصحّ الاستدلال بالإجماع المركّب و صورته هنا أنّه أجمعوا على تسميته فاسقاً واختلفوا فيما عداه، وهو حكم شرعي فلا يثبت إلاّ بدليل ولا دليل على ما عدا المجمع عليه هاهنا»(2).
يلاحظ عليه: أنّه اشتبه عليه معنى الإجماع المركّب، لأنّ معناه أنّه إذا

1 . أمالي المرتضى: 1 / 167. ولكلامه ذيل فراجع.
2 . المنية والأمل: 24.

صفحه 303
كانت المسألة بين الأُمّة ذات قولين ، مثلاً قالت طائفة من الفقهاء: الحبوة للولد الأكبر، وقالت الأُخرى: الحبوة لجميع الورثة، فيقال: لا يجوز إحداث قول ثالث، أخذاً بالإجماع المركّب، لأنّ الأُمّة اتّفقت على نفي الثالث. وأين هو في المقام؟ إذ لم تتّفق الأُمّة على نفي هذه الأسماء، بل اختلفوا على أقوال، فالرجل غير عارف بمصطلح الأُصوليين فاستعمله في غير محلّه.

2 ـ مناظرته مع عمرو في مرتكب الكبيرة

إنّ عمرو بن عبيد كان من أصحاب الحسن وتلاميذه. فجمع بينه وبين واصل ليناظره فيما أظهر من القول بالمنزلة بين المنزلتين، فلمّا وقفوا على الاجتماع ذكر أنّ واصلاً أقبل ومعه جماعة من أصحابه إلى حلقة الحسن، وفيها عمروبن عبيد جالس. فلمّا نظر إلى واصل وكان في عنقه طول واعوجاج، قال: أرى عنقاً لا يفلح صاحبها، فسمع ذلك واصل فلمّا
سلّم عليه قال له: يابن أخي إنّ من عاب الصنعة عاب الصانع، فقال له
عمرو بن عبيد: يا أبا حذيفة قد وعظت فأحسنت ولن أعود إلى مثل الّذي كان منّي.
وجلس واصل في الحلقة وسأل أنّ يكلّم عمراً، فقال واصل لعمرو: لم قلت: إنّ من أتى كبيرة من أهل الصّلاة استحقّ اسم النفاق؟ فقال عمرو: لقول
الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ

صفحه 304
الفَاسِقُونَ) (1). ثمّ قال في موضع آخر: (إِنَّ المُنَافِقِينَ هُمُ الفَاسِقُونَ)(2) فكان كلّ فاسق منافقاً. إذ كانت ألف ولام المعرفة موجودتين في الفاسق.
فقال له واصل: أليس قد وجدت الله تعالى يقول: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ) (2)، وأجمع أهل العلم على أنّ صاحب الكبيرة يستحقّ اسم الظالم، كما يستحق اسم الفاسق، فألاّ كفّرت صاحب الكبيرة من أهل الصلاة بقول الله تعالى: (وَالكَافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ)(4)،
فعرّف بألف و لام التعريف.(3)
يلاحظ عليه: أنّ «واصلاً» دفع دليل خصمه بالنقض، ولأجل ذلك يقول السيّد المرتضى في حقّه: «أمّا ما ألزمه واصل بن عطاء لعمرو بن عبيد فسديد لازم» ولكن كان في وسعه الإجابة عنه بشكل جليّ، وهو أنّ ما استدلّ به «عمرو » من الآيات غير كاف في إثبات ما يرتئيه. لأنّ آية النور وإنّ حكمت بفسق مرتكب الكبيرة، ولكن آية التوبة لم تحكم بأنّ كلّ فاسق منافق، وإنّما حكم بأنّ كلّ منافق فاسق، وبعبارة واضحة حصرت الآية، المنافقين بالفاسقين ولا العكس. ومن المحتمل أنّ يكون المنافق أخصّ من الفاسق. والفاسق أعمّ منه فيكون استدلاله عقيماً. قال سبحانه: ( إنّ المنافقين هم الفاسقون ) ولم يقل: إنّ الفاسقين هم المنافقون.

1 . النور: 4.   2 . التوبة: 67.
2 . المائدة: 45.   4 . البقرة: 254.
3 . أمالي المرتضى: 1 / 166. ولكلامه ذيل لا حاجة لنقله، وربّما أوجد تشويشاً في الاستدلال وقد نقله ابن المرتضى في المنية والأمل بصورة واضحة ص 23.

صفحه 305
وبذلك تقف على مغزى ما نقض به واصل دليل عمرو، فإنّه صحيح إذا كان الهدف إفحام الخصم بالجواب النقضي.
وأمّا إذا كانت الإجابة على الوجه الحلّي فهي ساقطة جدّاً، لأنّه سبحانه حصر الكافرين في الظالمين لا العكس. فقال: (والكافرون هم الظالمون)فمن الممكن أنّ يكون كلّ كافر ظالماً ولا العكس. وصاحب الكبيرة وإن استحقّ اسم الظالم، كما استحقّ اسم الفاسق، ولكنّه لا يستحقّ اسم الكافر بحجّة أنّه سبحانه قال: (والكافِرونَ هُمُ الظّالمون ) ، ولم يقل: (والظالمون هم الكافرون).

3 ـ من لطائف تفسيره للقرآن

حكي أنّ واصلاً كان يقول: «أراد الله من العباد أن يعرفوه ثمّ يعملوا ثمّ يعلّموا. قال الله تعالى (يا مُوسى إنّي أَنَا اللّهُ) فعرّفه نفسه، ثمّ قال: ( اخلَعْ نَعْلَيْكَ)(1)، فبعد أنّ عرّفه نفسه أمره بالعمل قال: والدّليل على ذلك قوله تعالى: (وَالعَصْرِ * إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْر * إلاّ الَّذِينَ آمَنُوا ـ يعني صدقوا ـ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَ تَواصَوْا بِالحقِّ وَ تَواصَوْا بِالصَّبْرِ ) علموا و عملوا وعلّموا(2).
يلاحظ عليه: أنّ الآية الاُولى دلّت على تقدّم العلم على العمل، وأمّا

1 . طه: 12.
2 . أمالي المرتضى : 1 / 168.

صفحه 306
تقدّم العمل على تعليم الغير فهي ساكتة عنها. نعم الآية الثالثة ربّما تكون ظاهرة فيما يدّعيه بحجّة النظم والترتيب في الذكر، وإنّ كانت واو العاطفة لا تدلّ على الترتيب.

4 ـ من نوادر حكاياته

روى المبرّد قال : حُدّثتُ أنّ واصل بن عطاء أقبل في رفقة فأحسّوا بالخوارج، وكانوا قد أشرفوا على العطب. فقال واصل لأهل الرفقة : إنّ هذا ليس من شأنكم فاعتزلوا ودعوني وإيّاهم، فقالوا : شأنك. فقال الخوارج له : ما أنت و أصحابك؟ قال : مشركون مستجيرون ليسمعوا كلام الله، ويقيموا حدوده فقالوا : قد أجرناكم، قال : فعلّمونا أحكامه، فجعلوا يعلّمونه أحكامهم، وجعل يقول : قد قبلت أنا ومن معي، قالوا: فامضوا مصاحبين فإنّكم إخواننا، قال لهم : ليس ذلك لكم. قال الله تعالى : (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ )(1)، فأبلغونا مأمننا، فساروا بأجمعهم حتّى بلغوا الأمن.(2)

5 ـ تهجّده ولقبه بالغزّال

ينقل ابن المرتضى عن أُخت «عمرو بن عبيد» ـ وكانت زوجة واصل ـ أنّها قالت : «كان واصل إذا جنّه اللّيل صفّ قدميه يصلّي ولوح ودواة

1 . التوبة: 6.   2 . المصدر نفسه .

صفحه 307
موضوعان، فإذا مرّت به آية فيه حجّة على مخالف، جلس فكتبها ثمّ عاد في صلاته.
ونقل أيضاً: أنّ واصلاً كان يلزم أبا عبدالله الغزّال ـ وكان صديقاً له ـ ليعرف المتعفّفات من النساء فيجعل صدقته لهنّ وكان يعجبه ذلك، وقال الجاحظ: لم يشكّ أصحابنا أنّ واصلاً لم يقبض ديناراً ولا درهماً، وفي ذلك قال بعضهم في مرثيته:
ولا مسّ ديناراً ولا مسّ درهماً *** ولا عرف الثوب الّذي هو قاطعه(1)

مؤلّفاته

ذكر ابن النديم في «الفهرست» ـ و تبعه ابن خلّكان ـ أنّ لواصل التصانيف التالية:
1 ـ كتاب أصناف المرجئة.
2 ـ كتاب التوبة.
3 ـ كتاب المنزلة بين المنزلتين.
4 ـ كتاب خطبته الّتي أخرج منها الراء. وقد نشرت هذه الخطبة عام 1951 م في المجموعة الثانية من نوادر المخطوطات بتحقيق عبدالسلام هارون.

1 . المنية والأمل: 18.

صفحه 308
5 ـ كتاب معاني القرآن.
6 ـ كتاب الخطب في التوحيد والعدل.
ومن المحتمل أنّه قام بجمع خطب الإمام عليّ (عليه السلام) في التوحيد والعدل فأفرده تأليفاً.
7 ـ كتاب ما جرى بينه وبين عمرو بن عبيد.
8 ـ كتاب السبيل إلى معرفة الحقّ.
9 ـ كتاب في الدعوة.
10 ـ كتاب طبقات أهل العلم والجهل(1). وغيرذلك.

القواعد الأربع لواصل بن عطاء

إنّ الاعتزال مذهب عقلي أُلقيت نواته في أوائل القرن الثاني بيد واصل بن عطاء، ثمّ نمت عبر العصور، فكلّما تقدّم الاعتزال إلى الأمام، وربّى في أحضانه ذوي الحصافة، والأدمغة الكبيرة، أخذ يتكامل في ضوء البحث والنقاش، وكان الاعتزال في زمن المؤسّس يدور على أربع قواعد فقط، وهي بالنسبة إلى ما تركنه المعتزلة من التراث الكلامي إلى فترة الانقراض شيء قليل، وأين هو من الاعتزال الّذي تريه لنا كتب القاضي عبد الجبّار في كتاب المغني أو غيره من البسط في تلك القواعد، وتأسيس أُصول وقواعد أُخر، لم تخطر ببال المؤسّس.

1 . فهرست ابن النديم: 203، الفن الأول من المقالة الخامسة.

صفحه 309
قال الشهرستاني: «الواصليّة هم أصحاب واصل بن عطاء واعتزالهم يدور على أربع قواعد:
القاعدة الأُولى: القول بنفي صفات الباري من العلم والقدرة والإرادة والحياة، وكانت هذه المقالة في بدئها غير نضيجة، وكان واصل بن عطاء يشرع فيها على قول ظاهر، وهو الاتفاق على استحالة وجود إلهين قديمين أزليّين(1) قال: ومن أثبت معنى، وصفة قديمة فقد أثبت إلهين.
القاعدة الثانية: القول بالقدر، وحاصلها أنّ العبد هو الفاعل للخير والشرّ والإيمان والكفر والطاعة والمعصية، والربّ أقدره على ذلك.
القاعدة الثالثة: المنزلة بين المنزلتين، وأنّ مرتكب الكبيرة ليس كافراً ولا مؤمناً، بل فاسق مخلّد في النّار إن لم يتب.
القاعدة الرابعة: قوله في الفريقين من أصحاب الجمل وصفّين،
أنّ أحدهما مخطئ لا بعينه، وكذلك قوله في عثمان وخاذليه، أنّ أحد الفريقين فاسق لا محالة، كما أنّ أحد المتلاعنين فاسق لا محالة، لكن لا بعينه».
ثمّ رتّب الشهرستاني على تلك القاعدة وقال: «وقد عرفت قوله في الفاسق وأقلّ درجات الفريقين أنّه لا تقبل شهادتهما كما لا تقبل شهادة

1 . وهذا يعرب بوضوح عن أنّ الداعي لتأسيس هذه القاعدة ليس إنكار صفاته سبحانه كالملاحدة المنكرين لكونه عالماً قادراً، بل الداعي هو تنزيه الرب عن وجود قديم مثله، وما نسب إليه الأشعري في كتاب الإبانة : 107 من الداعي ليس في محله.

صفحه 310
المتلاعنين، فلم يجوِّز شهادة عليّ و طلحة والزبير على باقة بقل، وجوّز أنّ يكون عثمان وعليّ على الخطأ»(1).
أقول: إنّ القاعدة الأُولى إشارة إلى الأصل الأوّل من الأُصول الخمسة، أعني التّوحيد، وهذا الأصل عندهم رمز إلى تنزيهه سبحانه عن التشبيه والتجسيم، كما أنّ القاعدة الثانية من فروع الأصل الثاني، أعني القول بالعدل، فتوصيفه سبحانه به يقتضي القول بالقدر، أي إنّ الانسان يفعل بقدرته واستطاعته المكتسبة، ولا معنى لأن يكون خالق الفعل هو الله سبحانه، ويكون العبد هو المسؤول. نعم دائرة الأصل الثاني (العدل) أوسع من هذه القاعدة.
والقاعدة الثالثة نفس أحد الأُصول الخمسة، وبقي منها أصلان ـ الوعد والوعيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ ولم يأت ذكر منهما في كلام «واصل».
وأمّا القاعدة الرابعة فقد خالف فيها واصل وتلميذه عمرو بن عبيد جمهور المعتزلة.
قال ابن حزم: «اختلف الناس في تلك الحرب على ثلاث فرق:
1 ـ فقال جميع الشيعة وبعض المرجئة و جمهور المعتزلة وبعض أهل السنّة: إنّ عليّاً كان هو المصيب في حربه، وكلّ من خالفه على خطأ. وقال واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد و أبوالهذيل و طوائف من المعتزلة:

1 . الملل والنحل: 1 / 49.

صفحه 311
إنّ عليّاً مصيب في قتاله مع معاوية و أهل النهروان، ووقفوا في قتاله مع أهل الجمل، وقالوا: إحدى الطائفتين مخطئة ولا نعرف أيّهما هي، وقالت الخوارج: عليّ المصيب في قتال أهل الجمل و أهل صفّين وهو مخطىء في قتاله أهل النهر.(1)
ولا يخفى وجود الاختلاف بين النقلين، فعلى ما نقله الشهرستاني كانت الواصليّة متوقّفة في محاربي الإمام في وقعتي «الجمل وصفّين» وعلى ما نقله ابن حزم يختصّ التوقّف بمحاربيه في وقعة «الجمل» ويوافق ابن حزم عبد القاهر البغدادي، وقال: «ثمّ إنّ واصلاً فارق السلف ببدعة ثالثة، وذلك أنّه وجد أهل عصره مختلفين في عليّ وأصحابه، وفي طلحة والزبير وعائشة، وسائر أصحاب الجمل ـ إلى ما ذكره»(2).
ويوافقهما نقل المفيد حيث قال ما هذا خلاصته:
« اتّفقت الإماميّة و الزيديّة والخوارج، على أنّ الناكثين والقاسطين من أهل البصرة والشام كفّار ضلاّل، ملعونون بحربهم أمير المؤمنين. وزعمت المعتزلة كلّهم أنّهم فسّاق ليسوا بكفّار، وقطعت المعتزلة من بينهم على أنّهم لفسقهم في النار خالدون، وزعم واصل الغزّال و عمرو بن عبيد بن باب من بين كافّة المعتزلة أنّ طلحة و الزبير و عائشة ومن كان فى حربهم، من
عليّ بن أبي طالب والحسن والحسين و محمّد ومن كان في حزبهم

1 . الفصل في الملل والأهواء والنحل: 4 / 153.
2 . الفرق بين الفرق: 119.

صفحه 312
كعمّار بن ياسر وغيره من المهاجرين، و وجوه الأنصار وبقايا أهل بيعة الرضوان، كانوا في اختلافهم كالمتلاعنين وأنّ إحدى الطائفتين فسّاق ضلاّل مستحقّون للخلود في النّار إلاّ أنّه لم يقم دليل عليها»(1).

نقد النظرية

إنّ واصل بن عطاء ومن لفّ لفّه في هذا الباب، يلوكون في أشداقهم ما يضادّ نصّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) فقد أخبر عليّاً بأنّه يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، وقد عهد له الرسول وأمره بقتالهم.
روى أبو سعيد الخدري قال: «أمرنا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين.
قلنا: يا رسول الله أمرتنا بقتال هؤلاء فمع من؟ قال: مع عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ».
روى أبو اليقظان عمّار بن ياسر قال: «أمرني رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين».
وقد رواه الحفاظ من أهل الحديث و أرباب المعاجم والتأريخ،
ومن أراد الوقوف على تفصيله فعليه الرجوع إلى «الغدير: ج 3 ص 192 ـ 195».

1 . أوائل المقالات: 10 ـ 11.

صفحه 313
ويكفي في ذلك ما نقله ابن عساكر في تأريخه عن أبي صادق أنّه قال: قدم أبو أيّوب الأنصاري العراق، فأهدت له الأزد «جزراً» فبعثوا بها معي فدخلت فسلّمت إليه وقلت له: قد أكرمك الله بصحبة نبيّه ونزوله عليك، فمالي أراك تستقبل الناس تقاتلهم؟ تستقبل هؤلاء مرّة وهؤلاء مرّة؟ فقال: إنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) عهد إلينا أنّ نقاتل مع عليّ الناكثين، فقد قاتلناهم، وعهد إلينا أنّ نقاتل معه القاسطين فهذا وجهنا إليهم ـ يعني معاوية وأصحابه ـ ، وعهد إلينا أنّ نقاتل مع عليّ المارقين فلم أرهم بعد(1).
وقد تجاهل واصل وأتباعه الحقّ وأنكروه، فإنّ حكم الخارج
على الإمام المفترض طاعته ليس أمراً مخفياً على رئيس المعتزلة، ولا أرى باغياً أخسر من الزبير، ولا أشقى من طلحة، غير ابن آكلة الأكباد حزب الشيطان.
(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوّاً فانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُفْسِدِينَ)(2).
وفي نهاية المطاف نقول: إنّه من مواليد عام الثمانين في المدينة وتوفّي في البصرة عام 131، كما أرّخه المسعودي وغيره.(3)

1 . الغدير: 3 / 192.
2 . النحل: 14.
3 . وفيات الأعيان: 6 / 11 ; المنية والأمل: 18 .

صفحه 314
من أئمّة المعتزلة: عمرو بن عبيد   

 

2 ـ عمرو بن عبيد (80 ـ 143 هـ) (1)
الشخصيّة الثانية للمعتزلة بعد واصل بن عطاء هو عمرو بن عبيد وكان من أعضاء حلقة الحسن، مثل واصل، لكنّه التحق به بعد مناظرة جرت بينهما في مرتكب الكبيرة كما نقلناها.
يقول السيّد المرتضى في أماليه: «يكنّى أبا عثمان مولى لبني العدوية من بني تميم. قال الجاحظ: وهو عمرو بن عبيد بن باب. و«باب» نفسه من سبي كابل من سبي عبد الرحمان بن سمرة، وكان باب مولى لبني العدوية قال: وكان عبيد شرطيّاً، وكان عمرو متزهّداً، فكان إذا اجتازا معاً على الناس قالوا هذا أشرّ الناس، أبو خير الناس، فيقول عبيد: صدقتم هذا إبراهيم وأنا تارخ».
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره عبيد من التشبيه إنّما يتمُّ على عقيدة أهل السنّة، بأنّ أبا إبراهيم كان وثنيّاً، وأمّا على عقيدة الشيعة، وهي الّتي تؤيّدها الآيات القرآنية، أنّ أباه كان مؤمناً موحّداً وأنّ «آزر» كان عمّه لا والده(2) فلا يتمّ.
وقد روى السيّد في أماليه وغيره من أرباب المعاجم قصصاً في زهده وورعه غير أنّ قسماً منها يعدّ مغالاة في الفضائل و إليك نموذجاً منها:

1 . فهرست ابن النديم: الفن الأول من المقالة الخامسة، ص 203.
2 . مجمع البيان: 3 / 319 ، في تفسير قوله (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَ لِوَالِدَىَّ ) إبراهيم : 41.

صفحه 315
روى ابن المرتضى عن الجاحظ أنّه قال: صلّى عمرو أربعين عاماً صلاة الفجر بوضوء المغرب. وحجّ أربعين حجّة ماشياً، وبعيره موقوف على من أحصر، وكان يحيي اللّيل بركعة واحدة، ويرجِّع آية واحدة.(1)
وقد روى نظيره في حقّ الشيخ أبي الحسن الأشعري، وقد قلنا إنّه من المغالاة في الفضائل،(2) إذ قلّما يتّفق لإنسان ألاّ يكون مريضاً ولا مسافراً ولا معذوراً طيلة أربعين سنة، حتّى يصلّي فيها صلاة الصبح بوضوء العتمة.

ما اثر عنه في مجالي التفسير والعقيدة

1 ـ روى المرتضى في أماليه أنّ ابن لهيعة أتى عمرو بن عبيد في المسجد الحرام فسلّم عليه و جلس إليه وقال له: يا أبا عثمان ما تقول في قوله تعالى: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ)(3)، فقال: ذلك في محبّة القلوب الّتي لا يستطيعها العبد ولم يكلّفها، فأمّا العدل بينهنّ في القسمة من النفس والكسوة والنفقة، فهو مطيق لذلك، وقد كلّفه بقوله تعالى: (فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيلِ)فيما تطيقون (فَتَذَرُوها كَالمُعَلَّقَةِ )بمنزلة من ليست أيّماً ولا ذات زوج. فقال ابن لهيعة: هذا والله هو الحق(4).

1 . المنية والأمل: 22.
2 . لاحظ الجزء الثاني من كتابنا : 26.
3 . النساء: 129.
4 . أمالي المرتضى: 1 / 170 ـ 171.

صفحه 316
أقول: ما سأله ابن لهيعة كان سؤالاً دارجاً في ذلك العصر، وقد طرحه بعض الزنادقة، كابن أبي العوجاء في البصرة ـ بندر الأهواء والآراء ـ ليوهم أنّ في القرآن تناقضاً. ولأجل ذلك سأل عنها هشام بن الحكم تارة و أبا جعفر الأحول مؤمن الطّاق، اُخرى، فغادر الرجلان البصرة، لزيارة الإمام الصادق (عليه السلام) في المدينة في غير موسم الحجّ والعمرة للتعرّف على الجواب وقد عرضا السؤال عليه، فأجاب بنفس الجواب الّذي مرّ في كلام عمرو بن عبيد، فلمّا سمع ابن أبي العوجاء الجواب قال: هذا ما حملته الإبل من الحجاز(1).
ولعلّ ما أجاب الإمام (عليه السلام) كان منتشراً في البصرة من جانب تلميذيه، وانتهى إلى عمرو بن عبيد، فأجاب بنفس ما أجاب به الإمام، ويظهر من كلام ابن أبي العوجاء، تقدّم إجابة الإمام على جواب عمرو بن عبيد زماناً وإلاّ لما صحّ أنّ يقال «هذا ما حملته الإبل من الحجاز» بل كان له أنّ يحتمل أنّ الجواب أُخذ من عمرو بن عبيد، عميد الاعتزال.
نعم يحتمل أنّ تكون الإجابتان من قبيل توارد الخاطر و مجيئهما على سبيل الاتّفاق، بلا أخذ أحدهما من الآخر.
2 ـ روى السيّد المرتضى في أماليه و قال: « إنّ هشام بن الحكم قدم البصرة فأتى حلقة عمرو بن عبيد فجلس فيها و عمرو لا يعرفه فقال لعمرو: أليس قد جعل الله لك عينين؟ قال: بلى، قال: ولم؟ قال: لأنظر بهما في

1 . البرهان في تفسير القرآن: 1 / 420، الحديث 2 ـ 3.

صفحه 317
ملكوت السماوات والأرض فأعتبر، قال: وجعل لك فماً؟ قال: نعم، قال: ولِمَ؟ قال: لأذوق الطعوم وأُجيب الداعي، ثمّ عدّد عليه الحواسّ كلّها، ثمّ قال: وجعل لك قلباً؟ قال: نعم، قال: ولِمَ؟ قال لتؤدّي إليه الحواسّ ما أدركته فيميّز بينها. قال: فأنت لم يرض لك ربّك تعالى إذ خلق لك خمس حواسّ حتّى جعل لها إماماً ترجع إليه، أترضى لهذا الخلق الّذين جشأ بهم العالم ألاّ يجعل لهم إماماً يرجعون إليه؟ فقال له عمرو: ارتفع حتّى ننظر في مسألتك وعرفه. ثم دار هشام في حلق البصرة فما أمسى حتّى اختلفوا»(1).
أقول: ما أجاب به عمرو بن عبيد هشام بن الحكم، يدلّ على دماثة في الخلق وسماحة في المناظرة مع أنّه طعن في السنّ، وهشام بن الحكم كان يعدّ في ذلك اليوم من الأحداث، وقد استمهل حتّى يتأمّل في مسألته ولم يرفع عليه صوته وعقيرته بالشتم والسبّ، كما هو عادة أكثر المتعصّبين، ولم يرمه بالخروج عن المذهب.
3 ـ قال الجاحظ: «نازع رجل عمرو بن عبيد في القدر فقال له عمرو: إنّ الله تعالى قال في كتابه ما يزيل الشك عن قلوب المؤمنين في القضاء والقدر قال تعالى:
(فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (2). ولم يقل لنسألنّهم عمّا قضيت عليهم، أو قدّرته فيهم، أو أردته منهم، أو شئته لهم،

1 . أمالي المرتضى: 1 / 176 ـ 177.
2 . الحجر : 92 ـ 93.

صفحه 318
وليس بعد هذا الأمر، إلاّ الإقرار بالعدل، أو السكوت عن الجور الّذي لا يجوز على الله تعالى»(1).
أقول: روي نظير ذلك من الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) وقد سئل عن القدر؟ فقال: «ما استطعت أنّ تلوم العبد عليه فهو فعله، وما لم تستطع فهو فعل الله، يقول الله للعبد: لم كفرت ولا يقول لم مرضت»(2).
و أخيراً روى السيّد المرتضى أنّ أبا جعفر المنصور مرّ على قبره بمرّان ـ وهو موضع على ليال من مكّة على طريق البصرة ـ فأنشأ يقول:
صلّى الإله عليك من متوسّد *** قبراً مررت به على مَرّان
قبراً تضمّن مؤمناً متخشّعاً *** عبد الإله ودان بالفرقان
وإذا الرجال تنازعوا في شبهة *** فصل الخطاب بحكمة وبيان
فلو أنّ هذا الدهر أبقى صالحاً *** أبقى لنا عمراً أبا عثمان(3)
4 ـ قال الخطيب: «كان عمرو يسكن البصرة، وجالس الحسن البصري، وحفظ عنه، واشتهر بصحبته، ثمّ أزاله واصل بن عطاء عن مذهب أهل السنّة فقال بالقدر ودعا إليه، واعتزل أصحاب الحسن وكان له سمعة و إظهار زهد ـ ثمّ نقل بعض ما يدلّ على زهده أو إظهاره»(4).

1 . أمالي المرتضى: 1 / 177.
2 . المنية والأمل: 21 .
3 . أمالي المرتضى: 1 / 178 ; وفيات الأعيان: 2 / 462.
4 . تاريخ بغداد: 12 / 166، رقم الترجمة 6652.

صفحه 319
ما ذكره الخطيب من تخصيص أهل السنّة باتّباع مذهبه تخصيص بلا دليل، فإنّ الفرق الإسلاميّة يحترمون السنّة الصّحيحة، والكلّ بهذا المعنى أهل السنّة. ولو كان وجه إزالته عنهم قوله بالقدر،فقد سبقه أُستاذه الحسن إلى هذا القول، كما تدلّ عليه رسالته إلى عمر بن عبدالعزيز، الّتي أتى بنصّها القاضي عبدالجبّار في «فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة»(1) ، فلو خرج عمرو بالقول بالقدر عن مذهب أهل السنّة، فهذه شنشنة أعرفها من عبد القاهر في كتابه «الفرق بين الفرق»، والخطيب في تأريخه، وغيرهما من الكتّاب المتعصّبين الّذين يفتحون أبواب الجنّة على مصاريعها على وجوه أصحابهم، ويقفلونها بإحكام أمام الفرق الأُخرى.
نعم، تطرّف من قال: «إنّ تسمية جمهرة المسلمين بأهل السنّة، تسمية متأخِّرة يرجع تأريخها إلى حوالي القرن السابع الهجري، إلى بعد عصر آخر الأئمّة المشهورين وهو ابن حنبل بحوالي أربعة قرون».(2)
فإنّ أهل الحديث كانوا يسمّونهم أهل السنّة، وهذا أحمد بن حنبل يقول في ديباجة كتابه «السنّة»: «هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السنّة المتمسّكين بعروتها المعروفين بها».(3) وهذا الشيخ الأشعري يعرض عقائد أهل الحديث باسم أهل السنّة.(4)

1 . طبقات المعتزلة: 215 ـ 223. مرّ نصّ الرسالة في الجزء الأول: ص 441 ـ 451، نشر مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)ـ 1427 هـ .
2 . الإباضية بين القرون الإسلاميّة: 2 / 128 تأليف علي يحيى معمر.
3 . السنّة: ص 44.   4 . مقالات الإسلاميين: 290.

صفحه 320
إنّما الإشكال في احتكار هذا الاسم في طائفة خاصّة من المسلمين، مشعراً به إلى أنّ غيرهم رفضوا السنّة و عملوا بالبدعة.
نعم، لم تكن هذه التسمية في عصر النبي، ولا الخلفاء، ولا في أوائل القرن الثاني، وإنّما حدثت في أواسطه. وقد ألّفنا رسالة حول مفهوم «أهل السنّة» وتطوره عبر القرون طبعت في الجزء السادس من موسوعتنا «رسائل والمقالات» فراجعها.
5 ـ نقل الخطيب بسنده عن معاذ قال: سمعت عمرو بن عبيد يقول: «إن كانت (تَبَّتْ يدا أَبِي لَهَب) في اللّوح المحفوظ، فما على أبي لهب من لوم».
و ينقله أيضاً عن معاذ بصورة أُخرى قال: «كنت جالساً عند عمرو بن عبيد، فأتاه رجل يقال له عثمان أخو السمري فقال: يا أبا عثمان! سمعت والله اليوم بالكفر فقال: لا تعجل بالكفر، وما سمعت؟ قال: سمعت هاشماً الأوقصي يقول: إنّ (تَبَّتْ يدا أَبِي لَهَب)(1) وقوله: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً) (2) و: (سَأُصْلِيهِ سَقَر)(3) إنّ هذا ليس في أُمّ الكتاب، والله تعالى يقول: (حم * وَالكِتَابِ المُبِين * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِياً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِ الكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌ حَكِيمٌ) (2) فما الكفر إلاّ هذا يا أبا عثمان. فسكت عمرو هنيئة، ثمّ أقبل عليّ فقال: والله لو كان القول كما يقول، ما كان على أبي لهب من لوم، ولا على الوحيد من لوم. قال: يقول عثمان ذاك؟ هذا

1 . المسد: 1 .   2 و 3 . المدثر: 11 و 26 .
2 . الزخرف: 1 ـ 4 .

صفحه 321
والله الدين يا أبا عثمان. قال معاذ: فدخل بالإسلام وخرج بالكفر»(1).
ثمّ ينقل عن معاذ أنّه نقل مقالة عمرو لوكيع بن الجرّاح فقال: «من قال هذا القول استتيب، فإن تاب وإلاّ ضربت عنقه».
يلاحظ عليه: أنّ تأريخ بغداد عيبة الأعاجيب والموضوعات. إنّه يروي في بداية ترجمة «عمرو بن عبيد» قصصاً في زهده و تمرّده على الطواغيت، كأبي جعفر المنصور العبّاسي على وجه يليق أنّ تنسب إلى الأنبياء و الأولياء، ولا يلبث فيأتي بهذه الأعاجيب الّتي لا يليق أنّ تنسب إلى مسلم عادي، فضلاً عن شيخ الكلام في عصره. لأنّ المعتزلة وفي مقدّمهم الشيخان، اعترفوا بأنّ علمه سبحانه بالأشياء والحوادث أزلي لا حادث.(2)ومعه كيف يمكن لمثل عمرو شيخ المنهج أنّ ينكر علمه سبحانه بما يصدر من الوليد ابن المغيرة، أو أبي لهب من الأفعال و الأقوال؟ وكيف يمكن لمسلم أنّ ينكر كون القرآن موجوداً في الكتاب (لدينا لعليّ حكيم) مع وروده فيه على وجه الصراحة. كلّ ذلك يعرب عن أنّ ما نسب إليه من السفاسف أخيراً، وليد العداء والبغضاء. فالمسلم الّذي يأخذ عقائده وآراءه من الكتاب والسنّة الصحيحة والعقل السليم، يعترف بأنّ كلّ شيء معلوم لله سبحانه في الأزل. غير أنّ علمه الأزلي لا يصيِّر الإنسان مسيّراً مكتوف

1 . تاريخ بغداد: ج 12 ص 170 ـ 172.
2 . قال القاضي عبد الجبار : فاعلم أنّ تلك الصفة التي يقع بها الخلاف والوفاق (عالم، لا عالم) يستحقها لذاته وهذه الصفات الأربع التي هي كونه قادراً عالماً حياً موجوداً لما هو عليه في ذاته... إلى آخر ما ذكر في شرح الأُصول الخمسة: 129.

صفحه 322
الأيدي، لأنّ علمه سبحانه لم يتعلّق بصدور كلّ فعل عن الإنسان على الإطلاق و بأيّ وجه كان، وإنّما تعلّق بصدوره منه في ظلّ المبادئ الموجودة فيه، ومنها الإرادة والاختيار و الحريّة والانتخاب و باختصار; علمه سبحانه تعلّق بأنّ الإنسان فاعل مختار يفعل كلّ شيء بإرادته ومثل هذا العلم لو لم يؤكّد الاختيار لما كان سبباً للجبر.
وقد أوضحنا هذا الجواب عند البحث عن عموم مشيئته سبحانه وعلمه في الجزء الثاني من هذه الموسوعة:
نعم، عمرو بن عبيد وكلّ من يعتقد بعدله سبحانه لا يجنح إلى روايات القدر الّتي تعرِّف الإنسان كالريشة في مهبِّ الريح. ولقد ذكرنا نزراً من تلك الأحاديث في كتابنا هذا.

وفود عمرو على الإمام الباقر (عليه السلام)

روي أنّ عمرو بن عبيد وفد على محمّد بن عليّ الباقر (عليه السلام)لامتحانه بالسؤال عن بعض الآيات، فقال له: «جعلت فداك، ما معنى قوله تعالى: (أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمواتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا)(1)، ما هذا الرتق والفتق؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): كانت السّماء رتقاً لا ينزل القطر وكانت الأرض رتقاً لا تخرج النّبات، ففتق الله السّماء بالقطر، وفتق الأرض بالنبات». فانطلق عمرو ولم يجد اعتراضاً و مضى.

1 . الأنبياء: 30.

صفحه 323
ثمّ عاد إليه فقال: أخبرني جعلت فداك عن قوله تعالى: (وَ مَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبي فَقَدْ هَوَى)(1) ما غضب الله؟ فقال له أبو جعفر (عليه السلام): «غضب الله تعالى عقابه يا عمرو. من ظنّ أنّ الله يغيّره شيء فقد كفر»(2).

 

وفود عمرو على الإمام الصادق (عليه السلام)
روى الطبرسي في «الاحتجاج» عن عبدالكريم بن عتبة الهاشمي قال: كنت عند أبي عبدالله (عليه السلام) بمكّة إذ دخل عليه أناس من المعتزلة فيهم عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء وحفص بن سالم، وأناس من رؤسائهم وذلك حين قتل الوليد(3) واختلف أهل الشّام بينهم فتكلّموا وأكثروا، وخطبوا فأطالوا فقال لهم أبوعبدالله (عليه السلام): «إنّكم قد أكثرتم عليّ وأطلتم فأسندوا أمركم إلى رجل منكم فليتكلّم بحجّتكم و ليوجز، فأسندوا أمرهم إلى عمرو بن عبيد فأبلغ و أطال، فكان فيما قال: قتل أهل الشام خليفتهم، وضرب الله بعضهم ببعض، وتشتّت أمرهم. فنظرنا فوجدنا رجلاً له دين وعقل ومروّة ومعدن للخلافة وهو محمّد بن عبدالله بن الحسن(4) فأردنا أن نجتمع معه فنبايعه ثمّ نظهر أمرنا معه، وندعو الناس إليه، فمن بايعه كنّا معه وكان معنا...

1 . طه: 81.
2 . بحار الأنوار: 46 / 354 نقلاً عن المناقب لابن شهر آشوب. وغيره.
3 . الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان. قتل في جمادى الآخرة عام 126 وكان فاسقاً شرّيباً للخمر.
4 . الملقّب بالنفس الزكية، قتل بالمدينة في خلافة المنصور عام 145 هـ .

صفحه 324
إلى آخر ما قال. فلمّا تمّ كلامه أجابه الإمام بكلام مسهب. وفي آخر كلامه: «اتّق الله يا عمرو وأنتم أيها الرّهط، فاتّقوا الله، فإنّ أبي حدّثني وكان خير أهل الأرض وأعلمهم بكتاب الله وسنّة رسوله أنّ رسول الله قال: من ضرب الناس بسيفه ودعاهم إلى نفسه وفي المسلمين من هو أعلم منه فهو ضالّ متكلِّف».(1)
روى الصدوق في عيونه عن عليّ الرضا (عليه السلام)، عن أبيه، عن جدّه (عليهم السلام)قال: «دخل عمرو بن عبيد البصري على أبي عبدالله، فلمّا سلّم وجلس عنده تلا هذه الآية: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ)(2) ثمّ سأل عن الكبائر فأجابه (عليه السلام)فخرج عمرو بن عبيد وله صراخ من بكائه وهو يقول: هلك والله من قال برأيه ونازعكم في الفضل والعلم».(3)
من أئمّة المعتزلة: أبو الهذيل العلاّف   

3 ـ أبو الهذيل العلاّف (135 ـ 235 هـ)

أبو الهذيل محمّد بن الهذيل العبدي ـ نسبة إلى عبدالقيس ـ وكان مولاهم وكان يلقّب بالعلاّف، لأنّ داره في البصرة كانت في العلاّفين(4).
قال ابن النديم: «كان شيخ البصريّين في الاعتزال و من أكبر علمائهم

1 . بحار الأنوار: 47 / 213 ـ 215 .
2 . الشورى: 37.
3 . بحار الأنوار: 47 / 19 ، باب مكارم أخلاقه، الحديث 13.
4 . أمالي المرتضى: 1 / 178; وفيات الأعيان: 4 / 265 ـ 267 رقم الترجمة 606. وقد قيل في تاريخ وفاته غير هذا نقله المرتضى في أماليه.

صفحه 325
وهو صاحب المقالات في مذهبهم و مجالس و مناظرات.
نقل ابن المرتضى عن صاحب المصابيح أنّه كان نسيج وحده وعالم دهره ولم يتقدّمه أحد من الموافقين ولا من المخالفين. كان إبراهيم النظّام من أصحابه، ثمّ انقطع عنه مدّة و نظر في شيء من كتب الفلاسفة، فلمّا ورد البصرة كان يرى أنّه قد أورد من لطيف الكلام ما لم يسبق إلى أبي الهذيل. قال إبراهيم: فناظرت أبا الهذيل في ذلك فخيّل إليّ أنّه لم يكن متشاغلاً إلاّ به لتصرّفه فيه وحذقه في المناظرة فيه.(1)
قال القاضي: «ومناظراته مع المجوس والثنويّة و غيرهم طويلة ممدودة وكان يقطع الخصم بأقلّ كلام. يقال إنّه أسلم على يده زيادة على 3000 رجل».
قال المبرّد: «ما رأيت أفصح من أبي الهذيل والجاحظ، وكان أبو الهذيل أحسن مناظرة. شهدته في مجلس وقد استشهد في جملة كلامه بثلاثمائة بيت...وفي مجلس المأمون استشهد في عرض كلامه بسبعمائة بيت»(2).
وما ناظر به المخالفين دليل على نبوغه المبكر وتضلّعه في هذا الفن، فلنذكر بعضه:
1 ـ مات ابن لصالح بن عبد القدّوس الّذي يرمى بالزندقة، فجزع

1 . فهرست ابن النديم: 225 ـ 226.
2 . المنية والأمل: 26 ـ 27.

صفحه 326
عليه، فقال له أبو الهذيل: «لا أعرف لجزعك عليه وجهاً، إذ كان الناس عندك كالزرع، فقال صالح:
يا أبا الهذيل إنّما أجزع عليه لأنّه لم يقرأ كتاب «الشكوك». فقال: ما هذا الكتاب يا صالح؟
قال: هو كتاب قد وضعته، من قرأه يشك ّ فيما كان حتّى يتوهّم أنّه لم يكن، ويشكّ فيما لم يكن حتّى يتوهّم أنّه قد كان. فقال له أبو الهذيل: فشكّ أنت في موت ابنك، واعمل على أنّه لم يمت وإن كان قد مات. وشكّ أيضاً في قراءته كتاب «الشكوك» وإن كان لم يقرأه»(1).
2 ـ بلغ أبا الهذيل في حداثة سنّه أنّ رجلاً يهوديّاً قدم البصرة وقطع جماعة من متكلّميها، فقال لعمّه: «يا عمّ امض بي إلى هذا اليهودي حتّى أُكلّمه. فقال له عمّه: يا بنيّ كيف تكلّمه وقد عرفت خبره، وأنّه قطع مشايخ المتكلّمين! فقال: لا بدّ من أن تمضي بي إليه. فمضى به. قال: فوجدته يقرّر الناس على نبوّة موسى (عليه السلام)، فإذا اعترفوا له بها قال: نحن على ما اتّفقنا عليه إلى أن نجمع على ما تدّعونه، فتقدّمت إليه، فقلت: أسألك أم تسألني؟ فقال: بل أسألك، فقلت: ذاك إليك، فقال لي: أتعترف بأنّ موسى نبيّ صادق أم تنكر ذلك فتخالف صاحبك؟ فقلت له: إن كان موسى الّذي تسألني عنه هو الّذي بشّر بنبيّي (عليه السلام) وشهد بنبوّته وصدّقه فهو نبيّ صادق، وإن كان غير من وصفت، فذلك شيطان لا أعترف بنبوّته; فورد عليه ما لم يكن في حسابه، ثمّ

1 . الفهرست لابن النديم: الفن الأوّل من المقالة الخامسة ص 204 ; وفيات الأعيان: 4 / 265 ـ 266.

صفحه 327
قال لي: أتقول إنّ التوراة حقّ؟ فقلت: هذه المسألة تجري مجرى الأُولى، إن كانت هذه التوراة الّتي تسألني عنها هي الّتي تتضمّن البشارة بنبيّي (عليه السلام)فتلك حقّ، وإن لم تكن كذلك فليست بحقّ، ولا أقرّ بها.
فبهت و أُفحم ولم يدر ما يقول. ثمّ قال لي: أحتاج أن أقول لك شيئاً بيني و بينك، فظننت أنّه يقول شيئاً من الخير، فتقدّمت إليه فسارّني فقال لي: أُمّك كذا وكذا وأُمّ من علّمك، لا يكنّي، وقدّر أنّي أثب به، فيقول: وثبوا بي وشغبوا عليّ، فأقبلت على من كان في المجلس فقلت: أعزّكم الله، ألستم قد وقفتم على سؤاله إيّاي وعلى جوابي إيّاه؟ قالوا:بلى، قلت: أفليس عليه أن يردّ جوابي أيضاً؟ قالوا: بلى، قلت لهم: فإنّه لـمّا سارّني شتمني بالشتم الّذي يوجب الحدّ، وشتم من علّمني، وإنّما قدّر أنّني أثب عليه، فيدّعي أنّنا واثبناه وشغبنا عليه، وقد عرّفتكم شأنه بعد الانقطاع فانصروني، فأخذته الأيدي من كلّ جهة فخرج هارباً من البصرة».(1)
أقول: إنّ ما طرحه الرجل اليهودي من الشبهة كانت شبهة دارجة لأهل الكتاب يتمسّكون بها كلّ منهم من غير فرق بين اليهودي والمسيحي. وقد سأل الجاثليق النصراني الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) في مجلس المأمون عن هذه الشبهة، فقال الجاثليق: ما تقول في نبوّة عيسى و كتابه هل تنكر منهما شيئاً؟ قال الرضا (عليه السلام) : «أنا مقرّ بنبوّة عيسى وكتابه... وكافر بنبوّة كلّ عيسى لم يقرّ بنبوّة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وكتابه ولم يبشّر به أُمّته»(2).

1 . أمالي المرتضى: 1 / 178 ـ 179.
2 . الاحتجاج للشيخ الطبرسي: 2 / 202 وللمناظرة صلة، من أراد فليراجع.

صفحه 328
إنّ الإمام الطاهر عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) قدم خراسان عام 199، وتوفّي بها عام 203 هـ ، وكانت المناظرات خلال هذه السنوات دائرة ومجالسها بالعلماء والأُدباء حافلة، فنقلوا ما دار بين الإمام والجاثليق إلى العواصم الإسلاميّة. فليس من البعيد أن يكون أبو الهذيل قد اقتبس كلامه من الإمام (عليه السلام) ، كما أنّ من المحتمل أن يكون من باب توارد الخاطر.
3 ـ أتى إليه رجل فقال: «أُشكل عليّ أشياء من القرآن فقصدت هذا البلد فلم أجد عند أحد ممّن سألته شفاء لما أردته، فلمّا خرجت في
هذا الوقت قال لي قائل: إنّ بغيتك عند هذا الرجل فاتّق الله و أفدني، فقال
أبو الهذيل ماذا أشكل عليك؟ قال: آيات من القرآن توهمني أنّها متناقضة وآيات توهمني أنّها ملحونة. قال: فماذا أحبّ إليك، أُجيبك بالجملة
أو تسألني عن آية آية؟ قال: بل تجيبني بالجملة، فقال أبو الهذيل: هل
تعلم أنّ محمّداً كان من أوساط العرب و غير مطعون عليه في لغته، وأنّه
كان عند قومه من أعقل العرب فلم يكن مطعوناً عليه؟ فقال: اللّهمّ نعم،
قال أبو الهذيل: فهل تعلم أنّ العرب كانوا أهل جدل؟ قال: اللّهمّ نعم، قال: فهل اجتهدوا عليه بالمناقضة واللّحن؟ قال: اللّهمّ لا، قال أبو الهذيل: فتدع قولهم على علمهم باللّغة وتأخذ بقول رجل من الأوساط؟ قال: فأشهد أن لا إله إلاّ الله و أنّ محمّداً رسول الله، قال: كفاني هذا و انصرف و تفقّه في الدين»(1).

1 . طبقات المعتزلة للقاضي: 254.

صفحه 329

 

تآليفــه

بينما لم يذكر ابن النديم أيّ تأليف لأبي الهذيل يحكي ابن المرتضى عن يحيى بن بشر أنّ لأبي الهذيل ستّين كتاباً في الردّ على المخالفين في دقيق الكلام.(1)
نعم، ذكر ابن النديم في باب الكتب المؤلّفة في متشابه القرآن أنّ لأبي الهذيل العلاّف كتاباً في ذلك الفن.(2)
قال ابن خلّكان: «ولأبي الهذيل كتاب يعرف بالميلاس، وكان «ميلاس» رجلاً مجوسياً وأسلم، وكان سبب إسلامه أنّه جمع بين أبي الهذيل وبين جماعة من الثنويّة، فقطعهم أبو الهذيل فأسلم ميلاس عند ذلك».(3)
وذكر البغدادي كتابين لأبي الهذيل هما «الحجج» و «القوالب» والثاني ردّ على الدهريّة.(4)
أقول: إنّ من سبر كتاب «الفرق بين الفرق» لعبد القاهر البغدادي يعرف حقده على المعتزلة وعلى ذوي الفكر ولذلك ترجمه بصورة تكشف عن عمق غيظ له، فقال: «كان مولى لعبد القيس وقد جرى على منهاج أبناء

1 . المنية والأمل: 25.
2 . الفهرست لابن النديم: الفن الثالث من المقالة الأُولى ص 39.
3 . وفيات الأعيان: 4 / 266.
4 . الفرق بين الفرق: 124.

صفحه 330
السبايا لظهور أكثر البدع منهم، وفضائحه تترى تكفِّره فيها سائر فرق الأُمّة من أصحابه في الاعتزال ومن غيرهم، وللمعروف بالمزدار من المعتزلة كتاب كبير فيه فضائح أبي الهذيل، وفي تكفيره بما انفرد به من ضلالته. وللجبّائي أيضاً كتاب في الردّ على أبي الهذيل في المخلوق، يكفّره فيه، ولجعفر بن حرب المشهور في زعماء المعتزلة أيضاً كتاب سمّاه «توبيخ أبي الهذيل» وأشار بتكفير أبي الهذيل، وذكر فيه أنّ قوله يجرّ إلى قول الدهريّة»(1).

تشيّعه

قال ابن المرتضى: «ذكروا أنّه صلّى عليه أحمد بن أبي دؤاد القاضي فكبّر عليه خمساً، ثمّ لمّا مات هشام بن عمرو فكبّر عليه أربعاً،فقيل له في ذلك (ما وجه ذلك)؟ فقال: «إنّ أبا الهذيل كان يتشيع لبني هاشم فصلّيت عليه صلاتهم. وأبو الهذيل كان يفضّل عليّاً على عثمان. وكان الشيعي في ذلك الزمان من يفضّل عليّاً على عثمان» (2).
وهذا يكشف عن أنّ التشيّع ربّما يستعمل في تفضيل الإمام (عليه السلام)على خليفة أو على الخلفاء الثلاث فقط، ولا يلازم التشيّع القول بكون عليّ هو خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بلافصل. فإنّ هذا هو التشيّع بالمعنى الأخصّ.
قال ابن أبي الحديد: «سئل شيخنا أبو الهذيل أيّما أعظم منزلة عند الله:

1 . الفرق بين الفرق: 121 ـ 122.
2 . المنية والأمل: 28.

صفحه 331
عليّ (عليه السلام) أم أبوبكر؟ فقال: والله لمبارزة عليّ عمراً يوم الخندق تعدل أعمال المهاجرين والأنصار وطاعاتهم كلّها، فضلاً عن أبي بكر»(1).

وفاته

إذا كانت ولادة أبي الهذيل 135 و وفاته 235، فقد توفّي الرجل عن عمر يناهز المائة.
ويقول ابن خلّكان: «وكان قد كفّ بصره، وخرف في آخر عمره إلاّ أنّه كان لا يذهب عليه شيء من الأُصول، لكنّه ضعف عن مناهضة المناظرين و حجاج المخالفين و ضعف خاطره»(2).
وجرى ابن قتيبة في كتابه «تأويل مختلف الحديث» على ذمّ مشايخ المعتزلة ورميهم بقصص خرافيّة، فنقل أوّلاً عن بعض أصدقاء أبي الهذيل أنّه بذل مائة ألف درهم على الإخوان. ثمّ قال ردّاً على هذه القصّة: «وكان أبو الهذيل أهدى دجاجة إلى موسى بن عمران فجعلها تأريخاً لكلّ شيء، فكان يقول: فعلت كذا وكذا قبل أن أهدي إليك تلك الدجاجة أو بعد أن أهديت إليك تلك الدجاجة». ثمّ فرّع على ذلك وقال: «هذا نظر من لا يقسم على الاخوان عشرة أفلس فضلاً عن مائة ألف»(2).
«اللّهمّ لا تجعل في قلوبنا غلاّ للذين آمنوا».

1 . شرح نهج البلاغة: 19 / 60.   2 . وفيات الأعيان: 4 / 267.
2 . تأويل مختلف الحديث: 43.

صفحه 332

 

كلمة بذيئة

عنون الخطيب شيخ المعتزلة محمّداً أبا الهذيل، ولكنّه جرى فيه كعادته فيهم بتسليط لسانه عليهم فقال: «شيخ المعتزلة»، ومصنّف الكتب في مذاهبهم وهو من أهل البصرة. ورد بغداد وكان خبيث القول. فارق إجماع المسلمين وردّ نصّ كتاب الله عزّوجلّ إذ زعم أنّ أهل الجنّة تنقطع حركاتهم فيها، حتّى لا ينطقوا نطقة ولا يتكلّموا بكلمة، فلزمه القول بانقطاع نعيم الجنّة عنهم والله تعالى يقول: (أُكلُها دائِم).(1)
وجحد صفات الله الّتي وصف بها نفسه، وزعم أنّ علم الله هو الله، وقدرة الله هي الله. فجعل الله علماً وقدرة ـ تعالى الله عمّا وصفه به علوّاً كبيراً ـ »(2).
من أئمّة المعتزلة: النظّام   
يلاحظ عليه: أنّ النسبة الأُولى لم تثبت بعد، وهؤلاء هم الأشاعرة ينقلونه عن أبي الهذيل و أتباعه، وقد اعتذر أبو الحسين الخيّاط عن
هذه النسبة في كتابه «الانتصار» وبما أنّ كتب الرجل قد ضاعت و عبث
بها الزمان، فلا يصحّ في منطق العقل الجزم بذلك إلاّ إذا تواتر النقل وهو مفقود.

1 . الرعد: 35 .
2 . تاريخ بغداد: 3 / 366.

صفحه 333
وأمّا النسبة الثانية فقد غفل عن مغزاها الخطيب فتصوّره أمراً شنيعاً مع أنّ أبا الهذيل يقصد بذلك الوصول إلى قمّة التوحيد، وهو نفي كون صفاته سبحانه زائدة على ذاته. لأنّ القول بالزيادة يستلزم التركيب (تركيب ذاته مع صفاته السبع الكماليّة) وقد أوضحناه في الجزء الثاني من كتابنا فراجع.(1)
والّذي يندي الجبين أن يقذف الشيخ بأمر شنيع. نقل الخطيب عن أبي حذيفة: كان أبو الهذيل يشرب عند ابن لعثمان بن عبدالوهاب، قال: فراود غلاماً في الكنيف ... إلى آخر ما ذكره في الوقيعة به الّتي يجب أن يحدّ القاذف و يبرأ المرميّ بها، ولكنّ الطائفيّة البغيضة دفعت الخطيب إلى نقل القصّة بلا اكتراث.
(إنّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الفَاحِشَةَ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَليمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ).(2)

4 ـ النظّام (160 ـ 231 هـ )(3)

إبراهيم بن سيّار بن هانئ النظّام
النظّام: هو الشخصيّة الثالثة للمعتزلة ومن متخرّجي مدرسة البصرة للاعتزال.

1 . ص 111 ـ 112، نشر مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)ـ 1427 هـ . وسيوافيك بيانه في الفصل المختص ببيان الأُصول الخمسة للمعتزلة.
2 . النور: 19 .
3 . في ميلاده ووفاته أقوال أُخر وما ذكرناه هو المؤيد بالقرائن.

صفحه 334
قال ابن النديم: يكنّى أبا إسحاق، كان متكلّماً شاعراً أديباً وكان يتعنّف أبا نؤاس، وله فيه عدّة مقطّعات، وإيّاه عنى أبو نؤاس بقوله:
فقل لمن يدّعي في العلم فلسفة *** حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء
لا تحظر العفو إن كنت امرءاً حرجاً *** فانّ حظركه بالدين إزراء(1)
وذكره الكعبي في «ذكر المعتزلة» وقال: «هو من أهل البصرة ثمّ نقل آراءه الّتي تفرّد بها».(2)
وقال الشريف المرتضى: «كان مقدّماً في علم الكلام، حسن الخاطر، شديد التدقيق والغوص على المعاني، وإنّما أدّاه إلى المذاهب الباطلة الّتي تفرّد بها واستشنعت منه، تدقيقه وتغلغله وقيل: إنّه مولى الزياديين من ولد العبيد و إنّ الرق جرى على أحد آبائه»(3).
وذكره القاضي عبدالجبّار في «طبقات المعتزلة» وقال: «إنّه من أصحاب أبي الهذيل و خالفه في أشياء».(4)

1 . فهرست ابن النديم: الفن الأوّل من المقالة الخامسة ص 205 ـ 206 .
2 . فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة: 70.
3 . أمالي المرتضى: 1 / 187.
4 . فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة: 264.

صفحه 335

 

ذكاؤه المتوقّد

1 ـ روى الشريف المرتضى أنّ أبا النظّام جاء به وهو حدث إلى الخليل بن أحمد (المتوفّى 170 هـ) ليعلِّمه فقال له الخليل يوماً يمتحنه ـ وفي يده قدح زجاج ـ : يا بني، صف لي هذه الزجاجة، فقال: أبمدح أم بذمّ؟ قال: بمدح، قال: نعم، تريك القذى، لا تقبل الأذى، ولا تستر ما وراء، قال: فذمّها، قال: سريع كسرها، بطيء جبرها، قال: فصف هذه النخلة، و أومأ إلى نخلة في داره، فقال: أبمدح أم بذم؟ قال: بمدح، قال: هي حلو مجتناها، باسق منتهاها، ناظر أعلاها، قال: فذمّها، قال: هي صعبة المرتقى، بعيدة المجتنى، محفوفة بالأذى، فقال الخليل: يا بنيّ، نحن إلى التعلّم منك أحوج.
قال الشريف المرتضى بعد نقل هذه القصّة: «وهذه بلاغة من النظّام حسنة، لأنّ البلاغة هي وصف الشيء ذمّاً أو مدحاً بأقصى ما يقال فيه».(1)
2 ـ قال أبوعبيدة: «ما ينبغي أن يكون فى الدنيا مثله، فإنّي امتحنته فقلت: ما عيب الزجاج؟ فقال على البديهة: يسرع إليه الكسر ولا يقبل الجبر»(2).
3 ـ روي أنّه كان لا يكتب ولا يقرأ وقد حفظ القرآن والتوراة

1 . أمالي المرتضى: 1 / 189.
2 . المنية والأمل: 29.

صفحه 336
والانجيل والزبور وتفسيرها مع كثرة حفظه الأشعار والأخبار واختلاف الناس في الفتيا.(1)
4 ـ قال الجاحظ: «الأوائل يقولون: في كلّ ألف سنة رجل لا نظير له. فإن كان ذلك صحيحاً فهو: أبو إسحاق النظّام»(2).
ولو صحّ ما نقلناه في حقّه، فهو يحكي عن كون المترجم له ذا نبوغ مبكر، وذكاء وقّاد، وقابليّة كبيرة،ومثل هذا لو وقع تحت رعاية صحيحة وتربّى على يدي أُستاذ بارع يتجلّى نبوغه بأحسن ما يمكن و تتفجّر طاقاته لصالح الحقائق، و إدراك الواقعيّات، وإذا فقد مثل ذلك الأُستاذ البارع وهو على ما ذكرناه من المواهب والقابليّات انحرف انحرافاً شديداً، وتحرّكت طاقاته في اتّجاه الجناية على الحقائق وظلم الواقعيات.
ولعلّ ما يحكى عن النظام من بعض الأفكار المنحرفة ـ إن صحّت ـ فذلك نتيجة النبوغ غير الموجّه، والقابليّة غير الخاضعة للإرشاد والهداية.
وسيوافيك بعض أفكاره غير الصحيحة، غير أنّ أكثر مصادرها هي كتب الأشاعرة كـ «مقالات الإسلاميين» للأشعري، و«الفرق بين الفرق» وغيرهما من كتب الأشاعرة الّذين ينظرون إلى المعتزلة بعين العداء ومخالفي السنّة.

1 . المنية والأمل: 29.
2 . المنية والأمل: 29.

صفحه 337
نعم هجوم الأشاعرة عليه، وردّ بعض المعتزلة عليه(1) يعرب عن شذوذ في منهجه، وانحراف في فكره.
5 ـ روى القاضي أنّه كان يقول عندما يجود بنفسه: «اللّهمّ إن كنت تعلم أنّي لم أُقصّر في نصرة توحيدك ولم أعتقد مذهباً إلاّ سنده التوحيد، اللّهمّ إن كنت تعلم ذلك فاغفر لي ذنوبي و سهِّل عليّ سكرات الموت». قال: فمات من ساعته.(2)
ولو صحّ هذا فلا يصحّ ما ينسب إليه البغدادي من أنّ النظّام كان أفسق خلق الله عزّوجلّ و أجرأهم على الذنوب العظام و على إدمان شرب المسكر. وقد ذكر عبدالله بن قتيبة في كتاب «مختلف الحديث» أنّ النظّام كان يغدو على مسكر و يروح على مسكر وأنشد قوله في المسكر:
ما زلت آخذ روح الزقّ في لطف *** وأستبيح دماً من غير مذبوح
حتّى انثنيت ولي روحان في بدن *** والزقّ مطرح جسم بلا روح
ثمّ أخذ البغدادي في ذمِّه بكلمات رديئة لا تصلح للنقل، وقد عدّ البغدادي له أزيد من عشرين فضيحة، وجعل بعضها سبباً لكفره، غير أنّ بعضها ليس بفضيحة، وبعضها الآخر لا يوجب الكفر.(3) والبغداديّ في هذه

1 . لاحظ الفرق بين الفرق : 132 ترى ردود المعتزلة عليه. فقد ذكر أنّ لأبي الهذيل والجبائي والاسكافي وجعفر بن حرب ردوداً عليه.
2 . فضل الاعتزال : 264 ; المنية والأمل : 29 ـ 30.
3 . الفرق بين الفرق: 131 ـ 150.

صفحه 338
التهم والنسب ـ كما قال ـ تبع شيخ أصحاب الحديث ابن قتيبة حيث قال: «وجدنا النظّام شاطراً من الشطّار يغدو على سكر ويروح على سكر ويبيت على جرائرها و يدخل في الأدناس و يرتكب الفواحش والشائنات» ثمّ ذكر البيتين(1).
أفي ميزان النّصفة الاعتماد على قول الخصم عند القضاء عليه؟.
وذكر الشهرستاني له مسائل انفرد بها وأنهاها إلى ثلاث عشرة مسألة.(2) وفي قلمه نزاهة قابلة للتقدير بخلاف البغدادي في الفرق ونذكر نموذجين من هذه الفضائح المذمومة:
1 ـ قوله بانقسام كلِّ جزء لا إلى نهاية. فزعم البغدادي أنّ نتيجة ذلك القول إحالة كون الله تعالى محيطاً بأجزاء العالم، عالماً بها، وذلك قول الله تعالى: (وَ أَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَ أَحْصَى كُلَّ شَيْء عَدَداً)(3).(4)
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ القائل ببطلان تركّب الجسم من أجزاء لا يتجزّأ، وأنّ كلّ جزء مفروض ينقسم إلى ما لا نهاية له، لا يعني به انقسام كلِّ جزء إلى ما لا نهاية له بالفعل، بحيث يكون في كلِّ ذرة أجزاء فعليّة مترتبة متسلسلة، بل المراد هو الانقسام بالقوّة، بمعنى أنّ الانقسام لا ينتهي إلى جزء لا يمكن تقسيمه عقلاً، لأنّ ما نفرضه جزءاً غير متجزّئ، شرقه غير غربه،

1 . تأويل مختلف الحديث: 17 و 18.
2 . الملل والنحل: 1 / 54 ـ 58.
3 . الجن: 28.   4 . الفرق بين الفرق: 139.

صفحه 339
فيكون منقسماً بهذا الشكل إلى ما لا نهاية له، وإن كان ينتهي إلى جزء لا يمكن تقسيمه حسّاً لأجل ضعف أدوات التقسيم، ولكن هذا لا يصدّ التقسيم العقلي و لا يمنع منه.
وهذا واضح لمن أمعن النظر في أدلّة القائلين ببطلان الجزء الّذي لا يتجزّأ. فالبغدادي خلط بين مسألة أجزاء غير متناهية بالفعل ومسألة أجزاء غير متناهية بالقوّة، وما فرضه إشكالاً ـ على فرض صحّته في نفسه ـ إنّما يترتّب على الأوّل دون الثاني، لأنّ العالم على الفرض الثاني يكون متناهياً بالفعل، ويكون سبحانه محيطاً بأجزاء العالم، عالماً به، وإن كان غير متناه بالقوّة، لكن مناط العلم هو الأوّل لا الثاني.
وثانياً: نفرض أنّ العالم له أجزاء غير متناهية، ولكنّه سبحانه أيضاً موجود غير متناه، على ما برهن عليه في محلّه، فلا يشذّ عن حيطة وجوده شيء، نعم من خصّ وجوده سبحانه بالعرش فوق السماوات لا محيص له عن توصيفه بالتناهي والله سبحانه منزّه عن التناهي وأحكام الممكنات.
2 ـ قوله بأنّ الإنسان هو الروح وهو جسم لطيف تداخل بهذا الجسم، ثمّ رتّب عليه على زعمه إشكالات: منها; أنّ الإنسان على هذا لا يرى على الحقيقة وإنّما يرى الجسد الّذي فيه الإنسان.
ومنها; أنّه يوجب أنّ الصحابة ما رأوا رسول الله وإنّما رأوا قالباً فيه الرسول، إلى غير ذلك من الإشكالات الواهية.
أقول: لا يظهر من القرآن كون الروح هو الجسم اللطيف المتداخل في

صفحه 340
البدن، ولكنّه يظهر منه كون حقيقة الإنسان هي روحه، وأنّ واقعيَّته وشخصيّته بروحه لا بجسده. قال سبحانه: (قُلْ يَتَوَفَّيكُمْ مَلَكُ المَوتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُون)(1). إنّ كلمة «التوفّي» لا تعني الإماتة كما هو معروف، بل تعني الأخذ والقبض، فقوله سبحانه (يتوفّاكم)بمعنى يأخذكم و يقبضكم، فالآية ظاهرة في أنّ ملك الموت يأخذ الإنسان كلّه، ويكون محفوظاً عند ربّه، وهذا إنّما يتمّ ولو كان حقيقة الإنسان هو روحه ونفسه، لا روحه وجسمه، وإلاّ يكون المأخوذ بعض الإنسان وجزءه، لوضوح أنّ ملك الموت يأخذ أحد الجزأين وهو الروح ويترك الجزء الآخر وهو يودع في القبر الّذي لا علاقة لملك الموت به.
وما رتّب البغدادي على نظريّة النظّام من الإشكالات لا يستحقّ الردّ والنقد.
إذا عرفت هذين النموذجين الّذين عدّهما البغدادي من فضائح النظّام ـ وليسا منها ـ فعند ذا يتبيّن وجوب دراسة آراء ذلك الرجل في جوّ هادئ بعيد عن الحقد والبغض حتّى يتّضح الحقّ عن الباطل، مع أنّه لا مصدر لنسبة هذه الآراء إلاّ كتب الأشاعرة و بصورة ناقصة «الانتصار» لأبي الحسين الخيّاط، وليس كتابنا هذا كتاباً كلاميّاً وإنّما هو كتاب تأريخ العقائد ولأجل ذلك نكتفي بهذا المقدار، غير أنّه نرى من الواجب التعرّض لعقيدة منسوبة إليه في إعجاز القرآن المعروفة بمذهب الصِّرفة.

1 . السجدة: 11.

صفحه 341

 

النظّام و مذهب الصرفة في إعجاز القرآن

من الآراء الباطلة الّتي نسبت إلى النظّام، هو حصر إعجاز القرآن في الاخبار عن المغيبات، وأمّا التأليف والنّظم فقد كان يجوِّز أن يقدر عليه العباد لولا أنّ الله منعهم بمنع.(1)
وقد نقل عنه البغدادي في «الفرق» بقوله: «إنّه أنكر إعجاز القرآن في نظمه».(2)
وقال الشهرستاني: «قوله في إعجاز القرآن إنّه من حيث الإخبار عن الأُمور الماضية والآتية ومن جهة صرف الدواعي عن المعارضة، ومنع العرب عن الاهتمام به جبراً وتعجيزاً، حتّى لو خلاّهم لكانوا قادرين على أن يأتوا بسورة من مثله بلاغة و فصاحة ونظماً».(3)
أقول: لا شكّ أنّ مذهب الصرفة في إعجاز القرآن مذهب مردود
بنصّ القرآن وإجماع الأُمّة، لأنّ مذهب الصرف يرجع إلى أنّ القرآن لم
يبلغ في مجال الفصاحة والبلاغة حدّ الإعجاز، حتّى لا يتمكّن الإنسان العادي من مباراته ومقابلته، بل هو في هذه الجهة لا يختلف عن كلام الفصحاء والبلغاء، ولكنّه سبحانه يحول بينهم وبين الإتيان بمثله، إمّا بصرف

1 . مقالات الإسلاميين: 225.
2 . الفرق بين الفرق: 132.
3 . الملل والنحل: 1 / 56 ـ 57.

صفحه 342
دواعيهم عن المعارضة، أو بسلب قدرتهم عند المقابلة.
ومن المعلوم أنّ تفسير إعجاز القرآن بمثل هذا باطل جدّاً، لأنّ القرآن عند المسلمين معجز لكونه خارق للعادة لما فيه من ضروب الإعجاز في الجوانب الأربعة:
1 ـ الفصاحة القصوى .
2 ـ البلاغة العليا .
3 ـ النظم المخصوص .
4 ـ الأُسلوب البديع. فقد تجاوز عن حدِّ الكلام البشري و وصل إلى حدّ لا تكفي في الإتيان بمثله القدرةُ البشريّة.
يقول الطبرسى في تفسير قوله: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَ الجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض ظَهِيراً).(1) «معناه قل يا محمد لهؤلاء الكفّار: لئن اجتمعت الإنس والجنّ متعاونين متعاضدين على أن يأتوا بمثل هذا القرآن من فصاحته وبلاغته ونظمه على الوجوه الّتي هو عليها من كونه في الطبقة العليا من البلاغة والدرجة القصوى من حسن النظم وجودة المعاني وتهذيب العبارة.. لعجزوا عن ذلك ولم يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً»(2).
إنّ مذهب الصرفة كمذهب الصّدفة لدى المادِّيين في الوهن

1 . الإسراء: 88.
2 . مجمع البيان: 6 / 676.

صفحه 343
والبطلان، فإنّه سبحانه أرفع شأناً من أن يأمر الإنسان والجنّ بأن يباروا القرآن، ويرضى منهم بمباراة بعضه لو تعذّر عليهم الكلّ، ثمّ يعترض سبيلهم ويصرف منهم القوّة والهمّة ويمنعهم من أن يأتوا بما أراد منهم مع قدرتهم عليه قبل عزم المباراة والمقابلة.
ولو صحّ وجه إعجازه في الصرفة، فيتمّ حتّى مع كونه كلاماً مغسولاً من الفصاحة، ومبذولاً مرذولاً للغاية، وكلّما حاول الإنسان أن يقابله، صرفت دواعيه وسلبت قدرته عن الإتيان بمثله، وهو كماترى.(1)

مؤلّفاتـه

مع أنّه كثر اللّغط والصياح حول آراء النظّام(2) فطبع الحال يقتضي أن يكون له عشرات المؤلّفات، غير أنّه لم يصل من أسماء مؤلّفاته إلينا أزيد ممّا يلي:
1 ـ التوحيد.

1 . ومن أراد البحث حول تلك النظرية فعليه الرجوع إلى المصادر التالية: أوائل المقالات للشيخ المفيد : 31، بحار الأنوار: 12 / 1 ـ 32. المعجزة الخالدة للعلامة الشهرستاني : 92 ـ 93. مقال للكاتب الفكيكي في مجلّة رسالة الإسلام، العدد الثالث من السنة الثالثة، والعدد الأول من السنة الرابعة. الجزء الثاني من الإلهيات من محاضراتنا الكلامية التي قام بتحريرها الشيخ الفاضل حسن مكي العاملي.
2 . ألّف محمد عبد الهادي أبو ريدة كتاباً مستقلاً حول آراء النظام وأسماه «إبراهيم بن سيار النظام» وطبع عام 1365 بالقاهرة وقد جمع آراءه عن مصادر مطبوعة ومخطوطة.

صفحه 344
2 ـ العالم.(1)
3 ـ الجزء. (2)
4 ـ كتاب الردّ على الثنويّة(3).
ومن أراد أن يرجع إلى متفرِّداته ـ إن صحّت النّسبة ـ فليرجع إلى «الملل والنحل» للشهرستاني، فإنّه جمعها تحت ثلاث عشرة مسألة، مع النزاهة و رعاية أدب البحث، خلافاً للبغدادي، فإنّ كلامه بعيد عن الأدب.
من أئمّة المعتزلة: أبو علي الجبّائي   

5 ـ أبو علي محمّد بن عبدالوهّاب الجبّائي (235 ـ 303 هـ)

هو أحد أئمّة المعتزلة في عصره، وإماماً في الكلام ويعرّفه ابن النديم في فهرسته بقوله: «هو من معتزلة البصرة، ذلّل الكلام وسهّله ويسّر ما صعب منه، وإليه انتهت رئاسة البصريّين في زمانه، لا يدافع في ذلك. وأخذ عن أبي يعقوب الشحّام. وورد البصرة وتكلّم مع من بها من المتكلّمين، وصار إلى بغداد، فحضر مجلس أبي... (كذا) الضّرير و تكلّم فتبيّن فضله و علمه، وعاد إلى العسكر. ومولده سنة 235 هـ وتوفّي سنة 303 هـ».(4)
وقال ابن خلّكان: «إنّه أحد أئمّة المعتزلة، كان إماماً في علم الكلام،

1 . ذكرهما أبو الحسين الخياط في الانتصار : 14 ـ 172.
2 . مقالات الإسلاميين: 2 / 316.
3 . الفرق بين الفرق: 134.
4 . فهرست ابن النديم الفن الأول من المقالة الخامسة ص 217 ـ 218.

صفحه 345
وأخذ هذا العلم عن أبي يوسف يعقوب بن عبدالله الشحّام البصري رئيس المعتزلة بالبصرة في عصره. له في مذهب الاعتزال مقالات مشهورة و عنه أخذ الشيخ أبو الحسن الأشعري علم الكلام وله معه مناظرة روتها العلماء».(1)
قال الياقوت: «الجبّائي منسوب إلى «جبّا» بضمّ الجيم و تشديد الباء: بلد أو كورة من خوزستان، ومن الناس من جعل عبّادان من هذه الكورة وهي في طرف من البصرة والأهواز، حتّى جعل من لا خبرة له «جبّا» من أعمال البصرة وليس الأمر كذلك ـ إلى أن قال ـ: «جبّا» في الأصل عجمي وكان القياس أن ينسب إليها جُبّوي، فنسبوا إليها جبّائي على غير قياس مثل نسبتهم إلى الممدود، وليس في كلام العجم ممدود، وجبّا أيضاً من أعمال النهروان».(2)
وقد أثنى عليه ابن المرتضى في «المنية والأمل» بما لا مزيد عليه فقال: «وهو الّذي سهّل علم الكلام و يسّره وذلّله وكان مع ذلك فقيهاً ورعاً زاهداً جليلاً نبيلاً، ولم يتّفق لأحد من إذعان سائر طبقات المعتزلة له بالتقدّم والرئاسة بعد أبي الهذيل مثله، بل ما اتّفق له هو أشهر أمراً وأظهر أثراً، وكان شيخه أبا يعقوب الشحّام، ولقى غيره من متكلّمي زمانه وكان على حداثة سنّه معروفاً بقوّة الجدل».(3)

1 . لاحظ الجزء الثاني من كتابنا هذا ص 21، نشر مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)ـ 1427 هـ .
2 . معجم البلدان: 2 / 96 ـ 97 .
3 . المنية والأمل: 45.

صفحه 346

 

مناظراته

1 ـ حضر من علماء المجبِّرة رجل يقال له صقر. فإذا غلام أبيض الوجه زجّ نفسه في صدر صقر و قال له: أسألك؟ فنظر إليه الحاضرون وتعجّبوا من جرأته مع صغر سنّه. فقال له: سل، فقال: هل الله تعالى يفعل العدل؟ قال: نعم، قال: أفتسمّيه بفعله العدل عادلاً ؟ قال: نعم، قال: فهل يفعل الجور؟ قال: نعم، قال: أفتسمّيه جائراً؟ قال: لا، قال: فيلزم أن لا تسمّيه بفعله العدل عادلاً، فانقطع صقر، وجعل الناس يسألون من هذا الصّبي؟ فقيل: هو غلام من جبّاء.(1)
يلاحظ على تلك المناظرة: أنّه في وسع المجبِّر أن يقول: إن أسماءه سبحانه توقيفيّة ولا يصحّ لنا تسميته بما لا يسمّي به نفسه.
2 ـ روى ابن المرتضى أنّ أبا عليّ ناظر بعضهم في الإرجاء وأبو حنيفة و الزبير حاضران، فقال أبو حنيفة: إنّ أبا عمرو بن العلاء لقي عمرو بن عبيد، فقال له: يا أبا عثمان إنّك أعجميّ ولست بأعجميّ اللسان ولكنّك أعجميّ الفهم. إنّ العرب إذا وعدت أنجزت، وإذا أوعدت أخلفت وأنشد شعراً:
إنّي وإن أوعدته ووعدته *** لمخلف إيعادي، ومنجز موعدي

1 . المنية والأمل: 46.

صفحه 347
فقال أبو عليّ: إنّ أبا عثمان أجابه بالمسكت وقال له: إنّ الشاعر قد يكذب وقد يصدق، ولكن حدّثني عن قول الله عزّ و جلّ: (لأََمْلأََنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)(1) إن ملأها أتقول صدق؟ قال: نعم، وإن لم يملأها أفتقول صدق ؟ فسكت أبو حنيفة.
يلاحظ عليه: أنّه سبحانه إنّما يخلف بما أوعده إذا عفا عن الكافر والمشرك والمسلم جميعاً، وأمّا إذا عفا عن المسلمين خاصّة فلا يلزم الكذب، لأنّه لا يستلزم خلف الإيعاد الوارد في الآية المباركة، ولا يلزم خلوّ جهنّم من الجنّة و الناس الّذي أشار الله إليه بقوله: (لأََمْلأََنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)، لأنّ من يجري عليه العفو أقلّ ممّن يكون محكوماً بدخول الجحيم، وليس القائل بالعفو يقول بأنّ العفو يعمّ كلّ كافر ومشرك ومسلم، وإنّما يتحقّق في إطار محدود و مضيّق. كيف وقد وعد سبحانه على وجه الجزم والقطع بقوله: (إِنَّ اللّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ)(2) وليس المراد من الغفران هو المغفرة لأجل التّوبة، لأنّ الغفران بعد التوبة يعمّ المشرك و غيره، وإنّما المراد هو الغفران والمغفرة بلا توبة وإنابة، والمشرك والمنافق لا يعمّهما العفو أبداً، ويكفي ذلك في تحقّق وعيد الربّ و صدق إخباره (لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ).
وخلاصة القول: أنّ القائل بالعفو في مورد الإيعاد يدّعي قضيّة جزئيّة

1 . هود: 119; السجدة: 13.
2 . النساء: 48.

صفحه 348
لا قضيّة كلّيّة استيعابيّة، وللبحث صلة تمرّ عليك عند البحث عن أُصول المعتزلة فارتقب.
ثمّ إنّ في وسع أبي عليّ أن يقابل شعر المناظر بشعر شاعر آخر وينشد قوله:
إنّ أبا ثابت لمجتمع الرأي *** شريف الآباء والبيت
لا يخلف الوعد والوعيد ولا *** يبيت من ثاره على فوت(1)

تأليفاتـه

يظهر ممّا نقله ابن المرتضى أنّه غزير الإنتاج. قال: قال أبو الحسين: «وكان أصحابنا يقولون: إنّهم حرّروا ما أملاه أبو عليّ فوجدوه مائة ألف و خمسين ألف ورقة، قال: وما رأيته ينظر في كتاب إلاّ يوماً نظر في زيج الخوارزمي، ورأيته يوماً أخذ بيده جزءاً من الجامع الكبير لمحمّد بن الحسن و كان يقول: إنّ الكلام أسهل شيء، لأنّ العقل يدلّ عليه»(2) .
يلاحظ عليه: أنّ علم الكلام كما يستمدّ من العقل، يستمدّ من الكتاب و السنّة الصحيحة خصوصاً فيما يرجع إلى ما بعد الموت، وأنّ الاستبداد بالعقل الشخصي من دون المراجعة لآراء من سبق من الأعاظم لا ينتج شيئاً

1 . المنية والأمل: 48.
2 . نفس المصدر : 47.

صفحه 349
ناضجاً. فكما أنّ التقاء الأسلاك الكهربائيّة يوجب تفجّر النور والطاقة، فهكذا التقاء الأفكار والآراء يوجب اكتساح ظلمات الجهل من أمام المفكّر.
ويظهر من ابن المرتضى في ترجمة الأصمّ أنّ لأبي عليّ تفسيراً، قال: «وكان أبو عليّ لا يذكر أحداً في تفسيره إلاّ الأصمّ».(1) ومن المحتمل
أن يكون المقصود أنّه لا يذكر من آراء الرجال في التفسير شيئاً إلاّ عن الأصمّ.
ويظهر أيضاً منه ـ في ترجمة أبي محمّد عبدالله بن العبّاس الرامهرمزي تلميذه ـ أنّ لأبي عليّ كتباً في الردّ على أهل النجوم، ويذكر أنّ كثيراً منها يجري مجرى الأمارات الّتي يغلب الظنّ عندها.(2)
كما يظهر منه ـ في ترجمة الخراسانيّين الثلاثة الّذين خرّجوا على أبي عليّ وأخذوا عنه ـ أنّ أبا عليّ أملى كتاب «اللّطيف» لأبي الفضل الخجندي، ثالث الخراسانيّين.(3)
ونقل ابن عساكر في «تبيين كذب المفتري» عن الشيخ الأشعري أنّ له كتاباً في الردّ على كتاب «الأُصول» لأُستاذه أبي عليّ الجبّائي.(4)
إلى غير ذلك ممّا أهمل أرباب التراجم ذكره في ترجمته.

1 . المنية والأمل: 33.
2 . نفس المصدر : 58.
3 . نفس المصدر : 65.
4 . تبيين كذب المفتري: 130.

صفحه 350

 

لمحة من أحواله

روى ابن المرتضى وقال: قال أبو الحسن: «وكان من أحسن الناس وجهاً وتواضعاً ـ إلى أنّ قال ـ : وكان إذا روى عن النّبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال لعليّ والحسن والحسين وفاطمة: «أنا حرب لمن حاربكم، وسلم لمن سالمكم» يقول: العجب من هؤلاء النوابت(1) يروون هذا الحديث ثمّ يقولون بمعاوية».(2)
من أئمّة المعتزلة: أبو هاشم الجبّائي   
وروى عن عليّ (عليه السلام) أنّ رجلين أتياه فقالا: ائذن لنا أن نصير إلى معاوية فنستحلّه من دماء من قتلنا من أصحابه. فقال عليّ (عليه السلام) : «أما إنّ الله قد أحبط عملكما بندمكما على ما فعلتما».(3)
قال أبو الحسن: «والرافضة لجهلهم بأبي عليّ و مذهبه يرمونه بالنصب، وكيف وقد نقض كتاب عبّاد في تفضيل أبي بكر، ولم ينقض كتاب الاسكافي المسمّى «المعيار والموازنة في تفضيل عليّ على أبي بكر».(4)
إنّ العالم العابد رضي الدين ابن طاووس (المتوفّى سنة 664 هـ) نقل كثيراً من آرائه في كتاب «سعد السعود» و نقضه، ولو صحّت نسبة تلك

1 . تطلق على الحشوية ومن لفّ لفّهم.
2 . المنية والأمل: 47.
3 . المنية والأمل: 47.
4 . المنية والأمل: 47.

صفحه 351
الآراء إليه فهو مبغض للشيعة، وقد أنكر كثيراً من الحقائق التأريخية فراجعه.

6 ـ أبو هاشم الجبّائي (277 ـ 321 هـ)

عبدالسلام بن محمّد بن عبدالوهّاب بن أبي عليّ الجبائي، قال الخطيب: «شيخ المعتزلة و مصنّف الكتب على مذاهبهم. سكن بغداد إلى حين وفاته».(1)
وقال ابن خلّكان: «المتكلّم المشهور، العالم بن العالم، كان هو وأبوه من كبار المعتزلة ولهما مقالات على مذهب الاعتزال، وكتب الكلام مشحونة بمذاهبهما واعتقادهما. وكان له ولد يسمّى أبا عليّ و كان عامّياً لا يعرف شيئاً. فدخل يوماً على الصاحب بن عبّاد فظنّه عالماً فأكرمه ورفع مرتبته. ثمّ سأله عن مسألة، فقال: «لا أعرف نصف العلم»، فقال له الصاحب: «صدقت يا ولدي، إلاّ أنّ أباك تقدّم بالنصف الآخر».(2)
وقد حكى الخطيب عنه تأريخ ولادته، أنّه قال: «ولدت سنة سبع وسبعين ومائتين، وولد أبي أبو عليّ سنة خمس وثلاثين ومائتين ومات في شعبان سنة ثلاث وثلاثمائة». قال أبو الحسن: ومات أبو هاشم في رجب سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة ببغداد وتولّيت دفنه في مقابر باب البستان من الجانب الشرقي، وقد توفّي في اليوم الّذي توفّي أبو بكر بن دريد. وعن

1 . تاريخ بغداد: 11 / 55.
2 . وفيات الأعيان: 3 / 183.

صفحه 352
الحسن بن سهل القاضي: بينا نحن ندفن أبا هاشم إذ حملت جنازة أُخرى ومعها جُميعَة عرفتهم بالأدب. فقلت لهم: جنازة من هذه؟ فقالوا: جنازة أبي بكر ابن دريد، فذكرت حديث الرشيد لمّا دفن محمّد بن الحسن والكسائي بالري في يوم واحد. قال: وكان هذا في سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، فأخبرت أصحابنا بالخبر، وبكينا على الكلام والعربيّة طويلاً ثم افترقنا.
وعلّق عليه الخطيب: «الصحيح أنّ أبا هاشم مات في ليلة السبت الثالث والعشرين من رجب سنة إحدى و عشرين، قال: وكان عمره ستّاً وأربعين سنة وثمانية أشهر وإحدى وعشرين يوماً».(1)
وقال القاضي نقلاً عن أبي الحسن بن فرزويه أنّه بلغ من العلم ما لم يبلغه رؤساء علم الكلام. وذكر أنّه كان من حرصه يسأل أبا عليّ (والده) حتّى يتأذّى منه، فسمعت أبا عليّ في بعض الأوقات يسير معه لحاجة وهو يقول لا تؤذنا و يزيد فوق هذا الكلام.
وكان يسأله طول نهاره ما قدر على ذلك، فاذا جاء اللّيل سبق إلى موضع مبيته لئلاّ يغلق أبو عليّ دونه الباب، فيستلقي أبو عليّ على سريره، ويقف أبو هاشم بين يديه قائماً يسأله حتّى يضجره، فيحوّل وجهه عنه، فيتحوّل إلى وجهه، ولا يزال كذلك حتّى ينام، وربّما سبق أبو عليّ فأغلق الباب دونه. قال: ومن هذا حرصه على ما اختصّ به من الذكاء، لم يتعجّب من تقدّمه.(2)

1 . تاريخ بغداد: 11 / 56.   2 . طبقات المعتزلة للقاضي: 304.

صفحه 353
كان أبو هاشم أحسن الناس أخلاقاً وأطلقهم وجهاً، واستنكر بعض الناس خلافه مع أبيه (في المسائل الكلاميّة) وليس خلاف التابع للمتبوع في دقيق الفروع بمستنكر، فقد خالف أصحاب أبي حنيفة إياه. وقال أبو الحسن بن فرزويه في ذلك شعراً وهو قوله:
يقولون بين أبي هاشم *** وبين أبيه خلاف كبير
فقلت وهل ذاك من ضائر *** وهل كان ذلك ممّا يضير
فخلّوا عن الشيخ لا تعرضوا *** لبحر تضايق عنه البحور
فان أبا هاشم تلوه *** إلى حيث دار أبوه يدور
ولكن جرى في لطيف الكلام(1) *** كلام خفي وعلم غزير
فإيّاك إيّاك من مظلم *** ولا تعد عن واضح مستنير(2)

تأليفاته

ذكر ابن النديم لأبي هاشم كتباً، و قال: «أبو هاشم عبدالسلام بن محمّد الجبّائي، قدم مدينة السلام سنة 314 وكان ذكيّاً حسن الفهم، ثابت الفطنة، صانعاً للكلام، مقتدراً عليه، قيّماً به، وتوفّي سنة 321 هـ . وله من الكتب:

1 . المراد من لطيف الكلام، المباحث التي لها صلة لاثبات بعض العقائد الاسلاميّة وليست منها، كالبحث عن الجوهر والعرض والأكوان والأفلاك وفي الحقيقة كان البحث عنها تبعاً للفلاسفة.
2 . طبقات المعتزلة للقاضي: 305.

صفحه 354
1 ـ الجامع الكبير.
2 ـ كتاب الأبواب الكبير.
3 ـ كتاب الأبواب الصغير.
4 ـ الجامع الصغير.
5 ـ كتاب الإنسان.
6 ـ كتاب العوض.
7 ـ كتاب المسائل العسكريات.
8 ـ النقض على أرسطو طاليس في الكون والفساد.
9 ـ كتاب الطبايع والنقض على القائلين بها.
10 ـ كتاب الاجتهاد كلام (1).

 

انتشار مذهبه

من أئمّة المعتزلة: القاضي عبد الجبار   
يظهر من البغدادي أنّ مذهبه كان منتشراً في أوائل القرن الخامس في بغداد وقد سمّى أتباعه بالبهشميّة وقال: هؤلاء أتباع أبي هاشم الجبّائي، وأكثر معتزلة عصرنا على مذهبه، لدعوة ابن عبّاد وزير آل بويه إليه.(2)

1 . فهرست ابن النديم: الفن الأوّل من المقالة الخامسة ، ص 222.
2 . تاريخ بغداد: 11 / 113.

صفحه 355

 

تلاميذه

قد ذكر ابن المرتضى أبا هاشم في الطبقة التاسعة، وذكر تلاميذه في الطبقة العاشرة، وقال: «اعلم أنّ هذه الطبقة تشتمل على من أخذ عن أبي هاشم وعمّن هو في طبقته مع اختلاف درجاتهم وتفاوت أحوالهم وقدّمنا أصحاب أبي هاشم لكثرتهم وبراعتهم». ثمّ ذكر أسماء تلاميذه، فمن أراد فليرجع إليه.

7 ـ قاضي القضاة عبد الجبّار (ت نحو 324 ـ م 415 أو 416 هـ)

هو عبد الجبّار بن أحمد بن عبد الجبّار الهمداني الأسدآبادي، الملقّب بقاضي القضاة، ولا يطلق ذلك اللّقب على غيره.
قال الخطيب: «كان ينتحل مذهب الشافعي في الفروع و مذاهب المعتزلة في الأُصول، وله في ذلك مصنّفات، وولي قضاء القضاة بالري وورد بغداد حاجّاً وحدّث بها.
وقال: مات عبدالجبّار بن أحمد قبل دخولي الري في رحلتي إلى خراسان، وذلك في سنة 415»(1).
وترجمه الحاكم الجشمي (المتوفّى عام 494 هـ) في كتاب «شرح

1 . المصدر نفسه.

صفحه 356
عيون المسائل» وعدّه من الطبقة الحادية عشرة من طبقات المعتزلة وقال: «يعدّ من معتزلة البصرة من أصحاب أبي هاشم لنصرته مذهبه».
قرأ على أبي إسحاق بن عيّاش أوّلاً، ثمّ على الشيخ أبي عبد الله البصري.(1)
وليست تحضرني عبارة تنبئ عن محلِّه في الفضل وعلوّ منزلته في العلم، فإنّه الّذي فتق الكلام و نشره و وضع فيه الكتب الجليلة الّتي سارت بها الركبان و بلغ المشرق والمغرب، وضمّنها من دقيق الكلام و جليله ما لم يتّفق لأحد قبله، وطال عمره مواظباً على التدريس والاملاء حتّى طبق الأرض بكتبه و أصحابه. وبَعُدَ صوته وعظم قدره وإليه انتهت الرئاسة في المعتزلة حتّى صار شيخها و عالمها غير مدافع، وصار الاعتماد على كتبه ومسائله حتّى نسخ كتب من تقدّم من المشايخ و قرب عهده، و شهرة حاله تغني عن الإطناب من وصفه. وفيه يقول أبو الأسعد الآبي في قصيدة له في التوحيد والعدل:
ويعدّ من مشايخ أهل العدل.
أم لكم مثل إمام الأُمّة *** قاضي القضاة سيّد الأئمّة
من بثّ دين الله في الآفاق *** وبتّ حبل الكفر والنفاق
وأصله من أسدآباد همدان، ثمّ خرج إلى البصرة و اختلف إلى مجالس

1 . كلاهما من الطبقة العاشرة من طبقات المعتزلة.

صفحه 357
العلماء وكان يذهب في الأُصول مذهب الأشعريّة وفي الفروع مذهب الشافعي، ولما حضر المجالس و ناظر ونظر عرف الحقّ، وانقاد وانتقل إلى أبي إسحاق بن عيّاش فقرأ عليه مدّة ثمّ رحل إلى بغداد وأقام عند الشيخ أبي عبدالله مدّة مديدة حتّى فاق الأقران وخرج واحد دهره وفريد زمانه، وصنّف وهو بحضرته كتباً كثيرة وكان ربّما يدرس بها وبالعسكر(1)ورامهرمز(2) .
وابتدأ بها إملاء «المغني» في مسجد عبدالله بن عبّاس متبرّكاً به. فلمّا قدم الريّ سألوه أن يجعله باسم بعض الكبار فأبى و استدعاه الصاحب إلى الريّ بعد سنة ستّين و ثلاثمائة فبقى بها مواظباً على التدريس إلى أن توفّي سنة 415 أو 416، فكان يدرس ويملي وكثر الانتفاع به و طار ذكره في الآفاق.
وروي أنّه كان في التفضيل بمذهب الشيخين(3) في التوقف، ثمّ رجع في آخر عمره إلى تفضيل أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو المذكور في كتبه.
وكان الصاحب يقول فيه مرّة: هو أفضل أهل الأرض، وأُخرى: هو أعلم أهل الأرض.(4)

1 . عسكر مكرم بلد مشهور من نواحي خوزستان.
2 . مدينة من بلاد خوزستان.
3 . هما الجبائيان أبو علي وأبو هاشم.
4 . مقدّمة فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة: 131.

صفحه 358

 

اسلوبه في الكتابة

يظهر من ترجمة حياته أنّ كتابه الكبير «المغني» الّذي يقع في عشرين جزءاً ممّا أملاه على تلاميذه ولم يكتبه ببنانه. يقول الحاكم: كان (رحمه الله)يختصر في الإملاء و يبسط في الدرس على ضدّ ما كان يفعله الشيخ أبو عبدالله (1)فكان من حسن طريقته ترك الناس كتب من تقدّم. ولما فرغ من كتاب «المغني» بعث به إلى (الصاحب) فكتب (الصاحب) إليه كتاباً هذه صورته:
بسم الله الرحمن الرحيم
أتمّ الله على قاضي القضاة نعمته، وأجزل لديه منّته،لقد أتمّ من كتاب «المغني» ذخيرة للموحّد، وشجى للملحد، وعتاداً للحق، وسداداً للباطل، وإنّه كتاب تفخر به شرعتنا على الشرع، و نحلتنا على النحل، وأُمّتنا على الأُمم و ملّتنا على الملل، وفّقه الله له حين نامت الخواطر وكلّت الأوهام وظنّ الظانّون بالله أنّ العلم قد قبض ونخاعه قد ضعف، وأنّ شيوخه الأعلون (كذا) قد شالت نعامتهم و خفّت بضاعتهم، ووهن كاهلهم، ودرج أفاضلهم، ولم يدروا أنّ في سرّ الغيب إن كان آخراً بالاضافة إليهم، إنّه الأوّل بالامامة عليهم، كذلك يفعل الله ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون. فليقرّ قاضي القضاة ـ أدام الله تمكينه ـ عيناً بما قدّم لنفسه و أخّر و اكتسب لغده وذخر، وليرينّ في ميزانه ـ إن شاء الله ـ من ثواب ما دأب فيه و احتسب

1 . هو الشيخ أبو عبدالله الحسين بن علي البصري من الطبقة العاشرة.

صفحه 359
وسهر ليله و انتصب، صابراً على كدّ الخواطر و معانياً برد الأصايل إلى حرّ الهواجر، أثقل من أحد و أرزن، وأوفى من الرمل و أوزن (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْس مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْر مُحْضَراً)(1) وورد محمّد ولدنا بالنبأ العظيم و الصراط المستقيم من الجزء الأخير من كتاب «المغني» فقلت يا بشراي، هذا زاد المسافر، وكفاية الحاضر و تحفة المرتاد و طفقت أنشئ و أقول:
ولو أنشر الشيخان عمرو وواصل *** لقالا جوزيت الخير عنّا وأنعما
فأتمّ على قاضي القضاة نعمه، كما أورد علينا ديمه و السلام(2) .
ثمّ إنّ الحاكم بسط الكلام في أسماء تآليفه، و قال: «إنّ له 400 ألف ورقة ممّا صنّف في كلّ فنًّ و كان موفّقاً في التصنيف والتدريس، وكتبه تتنوّع أنواعاً فله كتب في الكلام لم يسبق إلى تصنيف مثلها في ذلك الباب.
ثمّ سرد أسماء كتبه البالغة إلى ثلاثة و أربعين، نأتي بها ملخّصاً:
1 ـ الدواعي و الصوارف.
2 ـ الخلاف و الوفاق.
3 ـ الخاطر.
4 ـ الاعتماد.
5 ـ المنع والتمانع.

1 . آل عمران: 30 .
2 . الطبقتان 11 و 12 من كتاب شرح العيون ص 369 ـ 371 للحاكم الجشمي.

صفحه 360
6 ـ كتاب ما يجوز فيه التزايد وما لا يجوز.
7 ـ المغني.
8 ـ الفعل والفاعل.
9 ـ المبسوط.
10 ـ المحيط.
11 ـ الحكمة والحكيم.
12 ـ شرح الأُصول الخمسة.
13 ـ شرح الجامعين.
14 ـ شرح الأُصول.
15 ـ شرح المقالات.
16 ـ شرح الأعراض وهذا كلّه في الكلام.

ومنها في اُصول الفقه:

17 ـ النهاية.
18 ـ العمدة.
19 ـ شرحها.
وهناك كتب في النقض على المخالفين:

صفحه 361
20 ـ نقض اللمع.
21 ـ نقض الامامة.
وهناك جوابات مسائل وردت عليه من الآفاق:
22 ـ الرازيات.
23 ـ العسكريات.
24 ـ القاشانيات.
25 ـ الخوارزميات.
26 ـ النيسابوريات.

وهناك كتب في الخلاف والمواعظ:

27 ـ الخلاف بين الشيخين.
28 ـ نصيحة المتفقّهة.
وله كتب تكلّم فيها على أهل الأهواء الخارجين عن الإسلام و غيرهم أوضح فيها الحقّ:
29 ـ شرح الآراء.
وله كتب في علوم القرآن:
30 ـ المحيط.

صفحه 362
31 ـ الأدلّة.
32 ـ التنزيه.
33 ـ المتشابه.
34 ـ شهادات القرآن».
ثمّ قال الحاكم: «له كتب في كلّ فنّ بلغني اسمه أو لم يبلغ، أحسن فيها غاية الاحسان، نحو كتابه:
35 ـ التجريد.
36 ـ المكّيات.
37 ـ الكوفيات.
38 ـ الجمل.
39 ـ العهود.
40 ـ المقدّمات.
41 ـ الجدل.
42 ـ الحدود، إلى غير ذلك مما يكثر تعداده، وذكر جميع مصنّفاته يتعذّر».(1)
ومن حسن حظّ القاضي دون سائر المعتزلة أنّه قد طبعت كميّة هائلة من كتبه في الآونة الأخيرة، وهذه الكتب رفعت الستار عن وجه عقائد

1 . الطبقتان 11 و 12 من شرح العيون : 267 ـ 269. للحاكم الجشمي تحقيق فؤاد سيّد. ط تونس.

صفحه 363
المعتزلة و أغنتنا عن الرجوع إلى كتب خصومهم، فنذكر ما طبع:
1 ـ «تنزيه القرآن عن المطاعن»: طبع في بيروت، دار النهضة الحديثة.
واسمه يحكي عن محتواه و يجيب فيه عن كثير من الأسئلة التي تدور حول الآيات.
قال في ديباجته: «فقد أملينا كتاباً يفصِّل بين المحكم والمتشابه. عرضنا فيه سور القرآن على ترتيبها و بينّا معاني ما تشابه من آياتها، مع بيان وجه خطأ فريق من الناس في تأويلها، ليكون النفع به أعظم».
وطبع أيضاً في القاهرة سنة 1326 هـ .
2 ـ «طبقات المعتزلة»: وهو أساس «طبقات المعتزلة» لابن المرتضى. نشره فؤاد سيّد، و أسماه «فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة» مع كتاب «ذكر المعتزلة» للكعبي و«الطبقات الحادية عشرة و الثانية عشرة من شرح العيون» للحاكم الجشمي طبع سنة 1406 هـ .
3 ـ «شرح الأُصول الخمسة»: نشره عبدالكريم عثمان في القاهرة سنة 1384 هـ .
وهو كتاب مختصر جامع يعرض عقائد المعتزلة عامّة و عقيدة القاضي خاصّة، وهو أحسن كتاب لمن أراد أن يطّلع على عقائدهم، وقد أملاه على تلاميذه.
4 ـ «المغني»: وهو من الكتب المبسوطة في عقائد المعتزلة. اكتشفته البعثة المصريّة في اليمن عام 1952 م وقد عثر منه حتّى الآن على 14 جزءاً.

صفحه 364
والكتاب يقع في عشرين جزءاً، وإليك الأجزاء المطبوعة 4 ـ 5 ـ 6 ـ 7 ـ 8 ـ 9 ـ 11 ـ 12 ـ 13 ـ 14 ـ 15 ـ 16 17 ـ 20. والجزء الأخير يختصّ بالإمامة وهو الّذي نقضه السيّد المرتضى و أسماه «الشافي» وطبع في مجلّد كبير، ولخّصه الشيخ الطوسي و أسماه «تلخيص الشافي» وطبع في جزأين.
5 ـ «المحيط بالتكليف»: تحقيق السيّد عزمي، طبع الدار المصريّة للتأليف، جمعه الحسن بن أحمدبن متّويه (المتوفّى 683 هـ). لاحظ مقدّمة المحقّق.
6 ـ «متشابه القرآن»: تحقيق عدنان محمّد زر زور، طبع دار التراث في القاهرة في جزأين.

تلاميذه

وقد فصّل الكلام ابن المرتضى في تلاميذه وجعلهم من الطبقة 12 وأسماهم واحداً بعد آخر، منهم: أبو رشيد سعيد بن محمّد النيسابوري والشريف المرتضى أبو القاسم عليّ بن الحسين الموسوي. أخذ عن قاضي القضاة عند انصرافه من الحجّ، إلى غير ذلك من تلاميذه.(1)
وقال الرضي في «شرح المجازات النبويّة» عند البحث عن حديث الرؤية: «ترون ربّكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر» قال: «وممّا علّقته

1 . المنية والأمل: 69 ـ 71.

صفحه 365
عن قاضي القضاة أبي الحسن عبد الجبّار بن أحمد عند بلوغي في القراءة عليه إلى الكلام في الرؤية أنّ من شروط قبول خبر الواحد أن يكون راويه عدلاً، وراوي هذا الخبر: قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبدالله البجلي، وكان منحرفاً عن أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) ويقال إنّه كان من الخوارج، وذلك يقدح في عدالته و يوجب تهمته في روايته، وأيضاً فقد كان رمي في عقله قبل موته وكان مع ذلك يكثر الرواية، فلا يعلم هل روى هذا الخبر في الحال الّتي كان فيها سالم التمييز أو في الحال الّتي كان فيها فاسد المعقول، وكلّ ذلك يمنع من قبول خبره، ويوجب إطراحه. ثمّ قال: وأقول أنا: ومن شرط قبول خبر الواحد أيضاً مع ما ذكره قاضي القضاة من اعتبار كون راويه عدلاً، أن يعرى الخبر المرويّ من نكير السلف، وقد نقل نكير جماعة من السلف على راوي هذا الخبر. منهم العرباض بن سارية السلمي وهو من مختصّي الصحابة، روى عنه أنّه قال: من قال: إنّ محمّداً رأى ربّه فقد كذب. وروى أيضاً عن بعض أزواج النبيّ ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنّها قالت: من زعم أنّ محمّداً رأى ربّه فقد أعظم الفرية على الله.
وقالت ذلك عند ذهاب بعض الناس إلى أنّ قوله تعالى (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى) (1) إنّما أُريد بها رؤية الله سبحانه لا رؤية جبرائيل كما يقوله أهل العدل. وأيضاً ففي هذا الخبر كاف التشبيه، لأنّه قال: «ترونه كما ترون القمر» الذي هو في جهة مخصوصة وعلى صفة معلومة. وإذا كان الأمر كما

1 . النجم: 13 .

صفحه 366
قلنا لم يكن للخبر ظاهر واحتجنا إلى تأويله كما احتجنا إلى ذلك في غيره»(1).
وقال أيضاً في تفسير قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) «قيّدوا العلم بالكتاب»: «وذكر لي قاضي القضاة أبو الحسن عبدالجبّار بن أحمد عند قراءتي عليه ما قرأته من كتابه الموسوم بالعمد في أُصول الفقه: إنّ هذه العلوم المخصوصة (العلوم العقليّة العمليّة كالتّحسين والتّقبيح العقليّين) إنّما سمّيت عقلاً، لأنّها تعقل من فعل المقبّحات، لأنّ العالم بها إذا دعته نفسه إلى ارتكاب شيء من المقبّحات، منعه علمه بقبحه من ارتكابه والإقدام على طرق بابه، تشبيهاً بعقال الناقة المانع لها من الشرود، والحائل بينها وبين النهوض. ولهذا المعنى لم يوصف القديم تعالى بأنّه عاقل، لأنّ هذه العلوم غير حاصلة له، إذ هو عالم بالمعلومات كلّها لذاته.
قال: وقيل أيضاً إنّما سمِّيت هذه العلوم المخصوصة عقلاً، لأنّ ما سواها من العلوم يثبت بثباتها و يستقرّ باستقرارها تشبيهاً بعقال الناقة الّذي به تثبت في مكانها، ولمثل ذلك قيل معقل الجبل للمكان الذي يلجأ إليه و يعتصم به، وله سمّيت المرأة عقيلة، وهي الّتي يمنعها شرف بيتها و كرم أهلها وقوّة حزمها من الإقدام على ما يشينها، والتعرّض لما يعيبها. والكلام في تفصيل هذه العلوم وبيان ما لأجله احتيج إلى كلّ واحد منها يطول وليس هذا الكتاب من مظانّ ذكره و مواضع شرحه»(2).

1 . المجازات النبوية : 48 ـ 49.    2 . المجازات النبوية: 180 ـ 181.

صفحه 367

الفصل الخامس

أعلام المعتزلة

قد تعرّفت على أئمّة المعتزلة الّذين رسموا معالم المذهب. وهناك شخصيّات لامعة شاركوا الأئمّة في نضج المذهب و نشره، ولكنّهم دون الأئمّة في العلم والتفكير. ولأجل إيقاف القارئ على حياتهم وآرائهم وآثارهم نورد ترجمة قسم قليل منهم:

1 ـ أبوسهل بشر بن المعتمر (المتوفّى 210 هـ) مؤسّس مدرسة اعتزال بغداد

قال الشريف المرتضى: «هو من وجوه أهل الكلام ويقال: إنّ جميع المعتزلة بعده من مستجيبيه.
وقال أبو القاسم البلخي : إنّه من أهل بغداد وقيل من أهل الكوفة...وله أشعار كثيرة يحتجّ فيها على أهل المقالات».(1)

1 . أمالي المرتضى: 1 / 186 ـ 187.

صفحه 368
وقال القاضي : «إنّه زعيم البغداديين من المعتزلة وله قصيدة طويلة يقال إنّها أربعون ألف بيت، ردّ فيها على جميع المخالفين، ويقال إنّ الرشيد حبسه حين قيل له : إنّه رافضيّ. فقال في السجن أبياتاً بعثها إليه فأفرج عنه». توفّي عام 210 هـ . (1) كما أرّخه الذهبي في «لسان الميزان».
من أعلام المعتزلة: معمّر بن عبّاد السلمي   

2ـ معمّر بن عبّاد السلمي (المتوفّى 215 هـ) خريج مدرسة البصرة

يكنّى أبا عمرو وكان عالماً عدلاً و تفرّد بمذاهب وكان بشر بن المعتمر وهشام بن عمرو وأبو الحسين المدائني من تلامذته.
قال القاضي عبدالجبّار: «لمّا منع الرشيد من الجدال في الدين وحبس أهل علم الكلام، كتب إليه ملك السند: إنّك رئيس قوم لا ينصفون ويقلِّدون الرجال و يغلبون بالسيف، فإن كنت على ثقة من دينك فوجّه إليّ من أُناظره، فإن كان الحقّ معك تبعناك، وإن كان معي تبعتني. فوجّه إليه قاضياً، وكان عند الملك رجل من السمنية وهو الّذي حمله على هذه المكاتبة، فلمّا وصل القاضي إليه أكرمه ورفع مجلسه، فسأله السمني فقال: أخبرني
عن معبودك هل هو القادر؟ قال: نعم، قال: أفهو قادر على أن يخلق
مثله؟ فقال القاضي: هذه المسألة من علم الكلام وهو بدعة، وأصحابنا ينكرونه.

1 . فضل الاعتزال للقاضي: 265.

صفحه 369
فقال السمني: من أصحابك؟ فقال: فلان وفلان وعدّ جماعة من الفقهاء، فقال السمني للملك: قد كنت أعلمتك دينهم وأخبرتك بجهلهم وتقليدهم وغلبتهم بالسيف، قال: فأمر ذلك الملك القاضي بالانصراف، وكتب معه إلى الرشيد: إنّي كنت بدأتك بالكتاب وأنا على غير يقين ممّا حكي لي عنكم، فالآن قد تيقّنت ذلك بحضور هذا القاضي ـ وحكى له في الكتاب ما جرى.
فلمّا ورد الكتاب على الرشيد قامت قيامته، وضاق صدره، وقال: أليس لهذا الدين من يناضل عنه؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين، هم الذين نهيتهم عن الجدال في الدين و جماعة منهم في الحبس. فقال: أحضروهم، فلمّا حضروا قال: ما تقولون في هذه المسألة؟ فقال صبي من بينهم: هذا السؤال محال، لأنّ المخلوق لا يكون إلاّ محدثاً، والمحدث لا يكون مثل القديم، فقد استحال أن يقال: يقدر على أن يخلق مثله أو لا يقدر، كما استحال أن يقال: يقدر أن يكون عاجزاً أو جاهلاً، فقال الرشيد: وجّهوا بهذا الصبي إلى السند حتّى يناظرهم. فقالوا: إنّه لا يؤمّن أن يسألوه عن غير هذا، فيجب أن توجّه من يفي بالمناظرة في كلّ العلم. قال الرشيد: فمن لهم ؟ فوقع اختيارهم على معمّر، فلمّا قرب من السند بلغ خبره ملك السند فخاف السمني أن يفتضح على يديه وقد كان عرفه من قبل، فدسّ من سمّه في الطريق فقتله».(1)

1 . ذكر المعتزلة من كتاب المنية والأمل: 31 و 32.

صفحه 370
أقول: ما أجاب به الصبي صحيح، غير أنّ العبارة غير وافية، والمقصود: ما سألته (خلق المثل) محال لا نفس السؤال محال.
قال صاحب كتاب «المعتزلة»: «فلئن صحّت هذه القصّة فإنّها تعني
أنّ الرشيد لم يجد في مملكته الواسعة من يدافع عن الإسلام غير
المعتزلة.
والواقع أنّ المعتزلة تحمّسوا لهذه القضية كثيراً، فلم يكتفوا بالردّ على المخالفين وتقطيعهم بل تعدّوا ذلك إلى التبشير بالدين الإسلامي و حمل الناس على اعتناقه فكانوا لا ينفكّون يرسلون وفودهم لهذا الغرض إلى البلاد التي يكثر فيها المجوس أو غيرهم من الوثنيين».(1)
ويقول صفوان الأنصاري شاعر المعتزلة في مدح واصل وصحبه ما يظهر حقيقة الجهود الّتي بذلوها في سبيل الدفاع عن حوزة الدين و التبشير به:
من أعلام المعتزلة: ثمامة بن الأشرس النميري   
رجال دعاة لا يفلّ عزيمهم *** تحكّم جبّار ولا كيد ساحر
إذا قال مرّوا في الشتاء تطاوعوا *** وإن كان صيفاً لم يخف شهر ناجر(2)

1 . المعتزلة: 44.
2 . البيان والتبيين: 1 / 37، نقلاً عن «المعتزلة» : 45. والناجر: أشدّ أشهر الصيف حرّاً.

صفحه 371

 

3- ثمامة بن الأشرس النميري (المتوفّى 213 هـ) خرّيج مدرسة بغداد

قال ابن النديم: «نبيه من جلّة المتكلّمين المعتزلة، كاتب بليغ، بلغ من المأمون منزلة جليلة وأراده على الوزارة فامتنع».(1)
قال البغدادي: «كان زعيم القدريّة في زمن المأمون والمعتصم والواثق، وقيل: إنّه هو الّذي دعا المأمون إلى الاعتزال».(2)
وقال ابن المرتضى: «ثمامة ابن الأشرس، يكنّى أبا معن النميري وكان واحد دهره في العلم والأدب، وكان جدلاً حاذقاً. قال أبو القاسم: قال ثمامة يوماً للمأمون: أنا أُبيّن لك القدر بحرفين وأزيد حرفاً للضعيف. قال: ومن الضعيف؟ قال: يحيى بن أكثم، قال: هات، قال: لا تخلو أفعال العباد من ثلاثة أوجه: إمّا كلّها من الله ولا فعل لهم، لم يستحقُّوا ثواباً ولا عقاباً ولا مدحاً ولا ذمّاً. أو تكون منهم ومن الله، وجب المدح والذمّ لهم جميعاً; أو منهم فقط، كان لهم الثواب والعقاب والمدح والذّم. قال: صدقت.(3)
أقول: ذهب عنه أنّ استناد الفعل إلى الله و العبد إنّما يقتضي الاشراك في الثّواب والعقاب أو المدح والذّم إذا كانا فاعلين بالسويّة في جميع

1 . الفهرست لابن النديم، الفن الاول من المقالة الخامسة: 207.
2 . الفرق بين الفرق: 172.
3 . المنية والأمل: 35.

صفحه 372
المراحل، حتّى في مرحلة الجزء الأخير من العلّة التامّة للفعل كما إذا اشترك الفاعلان معاً في إنقاذ غريق أو قتل إنسان، وأمّا إذا كان أحدهما هو الجزء المؤثّر دون الآخر فيكون هو المسؤول، وعليه الثواب والعقاب، وهذا هو الأمر بين الأمرين، والعبد غير مجبور ولا مفوّض، والتّفصيل في محله.
روى المرتضى أنّه سأل مجبر بشر بن المعتمر وقال له: «أنتم تحمدون الله على إيمانكم؟ قال: نعم، فقال له: فكأنّه (الله) يحبُّ أن يحمد على ما لم يفعل وقد ذمّ ذلك في كتابه. فقال له: إنّما ذمّ من أحبّ أن يحمد على ما لم يفعل ممّن لم يعن عليه، ولم يدع إليه. وهو يشغب إذ أقبل ثمامة بن أشرس، فقال بشر للمجبر: قد سألت القوم وأجابوك، وهذا أبو معن فاسأله عن المسألة، فقال له: هل يجب عليك أن تحمد الله على الإيمان؟ فقال: لا، بل هو يحمدني عليه، لأنّه أمرني به ففعلته، وأنا أحمده على الأمر به، والتقوية عليه، والدعاء إليه، فانقطع المجبر، فقال بشر: شنُعتْ فسهُلت»(1).
وقال يوماً للمأمون: «إذا وقف العبد بين يدي الله تعالى يوم القيامة فقال الله تعالى: ما حملك على معصيتي؟ فيقول على مذهب الجبر: يا ربِّ أنت خلقتني كافراً وأمرتني بما لم أقدر عليه، وحلت بيني وبين ما أمرتني به ونهيتني عمّا قضيته عليّ وحملتني عليه أليس هو بصادق؟ قال: بلى، قال: فإنّ الله تعالى يقول: (يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ )(2) أفينفعه هذا الصدق؟

1 . أمالي المرتضى: 1 / 186; فضل الاعتزال: 273 وفي المصدر الأخير: «سهّلت بعد ما صعبت».
2 . المائدة: 119 .

صفحه 373
فقال بعض الهاشميّين: ومن يدعه يقول هذا أو يحتجّ (به). فقال ثمامة: أليس إذا منعه الكلام والحجّة يعلم أنّه قد منعه من إبانة عذره، وأنّه لو تركه لأبان عذره؟ فانقطع»(1).
وقد ترجم له الخطيب في تأريخه، ومن ظريف ما نقل عنه أنّه قال: شهدت رجلاً يوماً من الأيّام وقد قدّم خصماً إلى بعض الولاة فقال: أصلحك الله ناصبيّ رافضيّ جهمىُّ مشبِّه مجبّر قدريّ يشتم الحجّاج بن الزبير الّذي هدم الكعبة على عليّ بن أبي سفيان و يلعن معاوية بن أبي طالب. فقال له الوالي: ما أدري ممّا أتعجّب؟ من علمك بالأنساب أو من معرفتك بالمقالات؟ فقال: أصلحك الله ما خرجت من الكتاب حتّى تعلّمت هذا كلّه».(2)
وقال الذهبي: «من كبار المعتزلة ومن رؤوس الضلالة، كان له اتّصال بالرشيد، ثمّ بالمأمون وكان ذا نوادر وملح».(3)
ومن أراد الوقوف على نوادره فعليه الرجوع إلى «المنية والأمل» و «فضل الاعتزال» وقد اتّفقا على أنّ وجه اتّصاله بالخلفاء صار سبباً لوجود بعض الهزل في كلامه وقد اتّخذه طريقاً إلى ميلهم إليه ليتوصّل به إلى المعونة في الدين.

1 . فضل الاعتزال: 273; المنية والأمل: 35 و 36.
2 . تاريخ بغداد: 7 / 146.
3 . ميزان الاعتدال: 1 / 371.

صفحه 374
من أعلام المعتزلة: عيسى بن صبيح المردار   

 

4- أبوبكر عبدالرحمن بن كيسان الأصمّ (المتوفّى قريباً من 225 هـ) خرّيج مدرسة البصرة
قال القاضي: «كان من أفصح الناس وأفقههم وأورعهم. لكنّه ينفي الأعراض وله تفسير عجيب، وكان جليل القدر يكاتبه السلطان، وعنه أخذ ابن عليّة(1) العلم، والذي نقم عليه أصحابنا بعد نفي الأعراض، ازوراره عن عليّ (عليه السلام) وكان أصحابنا يقولون: بلى بمناظرة هشام بن الحكم فيعلوه هذا ويعلوه هذا».(2)

5- أبو موسى عيسى بن صبيح المردار (المتوفّى 226 هـ)

قال القاضي: «كان متكلّماً عالماً زاهداً وكان يسمّى راهب المعتزلة لعبادته، ويقال: إنّ أبا الهذيل حضر مجلسه و سمع قصصه بالعدل وحسن بيانه على الله تعالى وعدله وتفضّله، فقال: هكذا شهدت أصحاب أبي حذيفة واصل بن عطاء، وأبي عثمان عمرو، وله كتب في الجليّ من الكلام ولمّا حضرته الوفاة ذكر أنّ ما كان في يديه من المال شبهة لم يدر ما حكمها، فأخرجها إلى المساكين تحرّزاً وإشفاقاً، وقيل فيه شعر:

1 . إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي، توفي 193 أو 194.
2 . فضل الاعتزال: 267.

صفحه 375
لكنّ من جمع المحاسن كلّها *** كهلٌ يقال لشيخه المردار(1)

تلاميذه

ذكر القاضي أنّ من تلاميذه الجعفرين والمراد: جعفر بن حرب وجعفر بن مبشر وذكر ترجمتهما في الطبقة السابعة.

تأثير كلامه

إنّ جعفر بن حرب كان من الجند وكان في جنديّته (ن خ حداثته) يمرّ على أصحاب أبي موسى ويعبث بهم ويؤذيهم، فشكوا إلى أبي موسى فقال: تعهّدوا إلى أن يصير إلى مجلسي، فلمّا صار إلى مجلسه وسمع كلامه ووعظه مرّ (ظ خرج) حتى دخل الماء عارياً من ثيابه، وبعث إلى أبي موسى أن يبعث له ثياباً ليلبسها ففعل، ثمّ لزمه فخرج في العلم ما عرف به.
وكان أبو الوليد بشر بن وليد بن خالد الكندي قاضياً على مدينة للخليفة المأمون، وكان شديد القسوة على أبي موسى وأصحابه، فدخل إبراهيم بن أبي محمّد اليزيدي وهو رضيع المأمون عليه فأنشد هذه الأبيات:
يا أيّها الملك الموحِّد ربّه *** قاضيك بشر بن الوليد(2) حمار

1 . المصدر نفسه: 277 و 278.
2 . هو أبو الوليد، بشر بن الوليد بن خالد الكندي قاضي مدينة منصور كما عرفت. توفّي سنة 238. لاحظ تاريخ بغداد: 7 / 80.

صفحه 376
ينفي شهادة من يبثّ بما به *** نطق الكتاب وجاءت الآثار
فالنفي للتشبيه عن ربِّ العلا *** سبحانه وتقْدس الجبّار
ويعدّ عدلاً من يدين بأنّه *** شيخ تحيط بجمسه الأقطار
إنّ المشبِّه كافر في دينه *** والدائنون بدينه كفّار
فاعزله واختر للرعية قاضياً *** فلعلّ من يرضي ومن يختار
عند المريسى (1) اليقين بربِّه *** لو لم يشب توحيده اجبار
والدين بالارجاء مبنى أصله *** جهل وليس له به استبشار
لكن من جمع المحاسن كلّها *** كهل يقال لشيخه المزدار(2)
من أعلام المعتزلة: محمد بن عبد الله الإسكافي   

6- أبو جعفر محمّد بن عبدالله الاسكافي (المتوفّى 240 هـ)

قال الخطيب: «محمد بن عبدالله أبو جعفر المعروف بالاسكافي أحد المتكلّمين من معتزلة البغداديّين، له تصانيف معروفة، وكان الحسين بن عليّ بن يزيد الكرابيسي صاحب الشافعي يتكلّم معه و يناظره و بلغني أنّه مات في سنة أربعين ومائتين».(3)

1 . هو بشر بن غياث المريسي العدوي، كان يسكن بغداد وأخذ الفقه عن أبي يوسف القاضي صاحب أبي حنيفة وكان الشافعي من أصدقائه مدّة إقامته ببغداد. توفّي سنة 219 . لاحظ تاريخ بغداد: 7 / 56.
2 . وقد ضبطه بعض المحقّقين بالزاء وبعده الدال. راجع فضل الاعتزال: 277 ـ 279.
3 . تاريخ بغداد: 5 / 416.

صفحه 377
وقال ابن أبي الحديد: «كان شيخنا أبو جعفر الاسكافي (رحمه الله) من المتحقّقين بموالاة عليّ (عليه السلام) والمبالغين في تفضيله، وإن كان القول بالتفضيل عامّاً شائعاً في البغداديّين من أصحابنا كافّة إلاّ أنّ أبا جعفر أشدُّهم في ذلك قولاً وأخلصهم فيه اعتقاداً».(1)
وقال أيضاً: «وأمّا أبو جعفر الاسكافي وهو شيخنا محمّد بن عبد الله الاسكافي، عدّه قاضي القضاة في الطبقة السابعة من طبقات المعتزلة، مع عبّاد بن سليمان الصيمري، ومع زرقان، ومع عيسى بن الهيثم الصوفي، وجعل أوّل الطبقة ثمامة بن أشرس أبا معن، ثمّ أبا عثمان الجاحظ، ثمّ أبا موسى عيسى بن صبيح المردار، ثمّ أبا عمران يونس بن عمران... إلى أن قال: كان أبو جعفر فاضلاً عالماً صنّف سبعين كتاباً في علم الكلام».(2)
وهو الّذي نقض كتاب «العثمانيّة» على أبي عثمان الجاحظ في حياته، ودخل الجاحظ الورّاقين ببغداد، فقال: من هذا الغلام السواري الّذي بلغنا أنّه يعرض لنقض كتبنا والاسكافي جالس، فاختفى حتّى لم يره».(3)
وكان أبو جعفر يقول بالتفضيل على قاعدة معتزلة بغداد و يبالغ في ذلك وكان علوي الرأي، محقّقاً منصفاً، قليل العصبيّة.(4)

1 . شرح ابن أبي الحديد: 4 / 63. ولكلامه ذيل نافع ولكنّه خارج عن موضوع البحث.
2 . لم نجد هذا النص في ترجمته في طبقات القاضي المطبوع والذي حققه «فؤاد سيد». وهذا يعرب عن كون المطبوع ناقصاً محرّفاً. نعم ما بعد هذا النص موجود فيها.
3 . فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة: 276.
4 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد; 17 / 133.

صفحه 378
وظاهر نصّ القاضي أنّه ألّف تسعين كتاباً في علم الكلام.(1)
وهذه صورة بعض كتبه: كتاب اللّطيف، كتاب البدل، كتاب الردّ على النظّام في أنّ الطّبعين المختلفين يفعل بهما فعلاً واحداً، كتاب المقامات في تفضيل عليّ (عليه السلام)، كتاب إثبات خلق القرآن، كتاب الردّ على المشبّهة، كتاب المخلوق على المجبِّرة، كتاب بيان المشكل على برغوث، كتاب التمويه نقض كتاب حفص، كتاب النقض لكتاب أبي الحسين النجّار، كتاب الردّ على من أنكر خلق القرآن، كتاب الشرح لأقاويل المجبِّرة، كتاب إبطال قول من قال بتعذيب الأطفال، كتاب جمل قول أهل الحقّ، كتاب النعيم، كتاب ما اختلف فيه المتكلّمون، كتاب الردّ على أبي حسين في الاستطاعة، كتاب فضائل عليّ (عليه السلام) ، كتاب الأشربة، كتاب العطب، كتاب الردّ على هشام، كتاب نقض كتاب أبي شبيب في الوعيد(2).
وقداشتهر من بين كتبه كتاب «النقض على العثمانيّة» للجاحظ، وهذا يدلّ على أنّ الرجل كان مبدئياً متحمّساً حيث قام بالمحاماة عن أكبر شخصيّة إسلاميّة من أهل بيت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في العصر الذي استفحل الانحراف عن أهل البيت، وشاع التكالب على الدُّنيا بين الناس، وراج التقرّب إلى أرباب السلطة من بني العبّاس أعداء أهل البيت.
من أعلام المعتزلة: أحمد بن أبي دؤاد   
ولكن هذا الكتاب لم يصل لحدّ الآن إلى أيدي المحقّقين في عصرنا

1 . فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة: 285.
2 . المعيار والموازنة: 4.

صفحه 379
هذا، غير ما نقله ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، وقد استقصى محمّد هارون المصري محقِّق كتاب العثمانيّة للجاحظ ما رواه ابن أبي الحديد عن كتاب النقض في شرحه، فجمعه وطبعه في آخر كتاب «العثمانيّة».
هذا، وقد نقل المقريزي في خططه آراء خاصّة عنه وهي ساقطة وضعها أعداؤه عليه. قال: «الاسكافيّة أتباع أبي جعفر محمّد بن عبدالله الاسكافي، ومن قوله: إنّ الله تعالى لا يقدر على ظلم العقلاء، ويقدر على ظلم الأطفال والمجانين ... »(1).

7- أحمد بن أبي دؤاد (160ـ 240 هـ) خريج مدرسة بغداد

قال ابن النديم: «هو من أفاضل المعتزلة وممّن جرّد في إظهار المذهب و الذّب عن أهله والعناية به، وهو من صنايع يحيى بن أكثم و به اتّصل بالمأمون، ومن جهة المأمون اتّصل بالمعتصم ولم ير في أبناء جنسه أكرم منه ولا أنبل ولا أسخى».(2)
قال الذهبي: «أحمد بن أبي دؤاد القاضي جهمي بغيض، هلك سنة 240. قلّ ما روى».(3)
وفي «العبر» أنّه قال: «قاضي القضاة كان فصيحاً مفوّهاً شاعراً جواداً

1 . الخطط المقريزيّة: 2 / 246.
2 . الفهرست لابن النديم: الفنّ الأوّل من المقالة الخامسة، ص 212.
3 . ميزان الاعتدال: 1 / 97، رقم الترجمة: 374.

صفحه 380
وكان مع ذلك رأساً من رؤوس الجهميّة والمعتزلة، وهو الّذي شغب على إمام أهل السنّة أحمد بن حنبل وأفتى بقتله، وقد غضب عليه وعلى آله المتوكّل العبّاسي سنة 237 فصادرهم وأخذ منهم ستّة عشر ألف ألف درهم وحبسه ومرض بالفالج، ومات سنة 240 هـ».(1)
بذل القاضي أحمد بن دؤاد أقصى جهده في نشر الاعتزال واستغلّ السلطة الّتي جعلت له في ذلك السبيل بالترغيب تارة و بالترهيب أُخرى. والحنابلة والأشاعرة يواجهونه بالسبِّ والشتم، لأنّه هو الّذي حاكم الإمام أحمد في قوله بقدم القرآن أو كونه غير مخلوق فأفحمه.
وقد استخرج مؤلّف كتاب «المعتزلة» صورة المحاكمة من «الفصول المختارة» المطبوعة بهامش «الكامل» للمبرّد، وإليك بيانه:
ابن أبي دؤاد: أليس لا شيء إلاّ قديم أو حديث؟
ابن حنبل: نعم.
ابن أبي دؤاد: أو ليس القرآن شيئاً؟
ابن حنبل: نعم.
من أعلام المعتزلة: الجاحظ   
ابن أبي دؤاد: أو ليس لا قديم إلاّ الله؟
ابن حنبل: نعم.
ابن أبي دؤاد: القرآن إذاً حديث.

1 . العبر في خبر من غبر: 1 / 339.

صفحه 381
ابن حنبل: لست أنا بمتكلّم.(1)
وهذه إحدى صور المحاكمة، ولها صور أُخر طوينا الكلام عن ذكرها وتأتي عند البحث عن محنة أحمد. وهذا يعرب عن براعة الرجل في مقام قطع الطريق على الخصم، وهذا وأشباهه ممّا دفع الحنابلة والأشاعرة على التحامل والازدراء بالرجل، وسيوافيك أنّ أكثر ما نقل في محنة الإمام من التشديد والتغليظ عليه، ودوسه بالأقدام و سحبه، يرجع إلى أبي الفرج ابن الجوزي الحنبلي المتعصّب لإمامه وليس له مصدر في التأريخ سواه.
وقد نقل البغدادي حول و فاته قصّة أشبه بالاسطورة(2)، وكم له في كتابه «الفرق بين الفرق» من نظائر.

8 - أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (المتوفّى 255 هـ)

قال القاضي نقلاً عن «المصابيح»: «إنّه نسيج وحده في العلوم، لأنّه جمع إلى علم الكلام والفصاحة، العلم بالأخبار والأشعار والفقه و تأويل الكلام وهو متقدّم في الجدّ والهزل، وله كتب في التوحيد و إثبات النبوّة ونظم القرآن و حدثه، وفي فضائل المعتزلة».(3)
أقول: كتابه الأخير هو كتاب «فضيلة المعتزلة» الّذي ردّ عليه ابن

1 . المعتزلة: 175.
2 . الفرق بين الفرق: 174 ـ 175.
3 . فضل الاعتزال: 275.

صفحه 382
الراوندي في كتاب خاصّ أسماه «فضيحة المعتزلة» ثمّ إنّ أبا الحسين الخيّاط (المتوفّى 311 هـ) ألّف كتاب «الانتصار» وانتصر فيه للجاحظ، وقد طبع الانتصار لأوّل مرّة في القاهرة عام 1925 م.
ومن أحسن تصانيفه و أمتنها كتاب «الحيوان» في أربعة أجزاء، و«البيان والتبيين» في جزأين، و«البخلاء»، و «مجموع الرسائل»، وأردأها كتاب «العثمانيّة». وقد كتبت عن الجاحظ دراسات كثيرة بأقلام المستشرقين والعرب ومن أراد فليرجع إلى:
كتاب: «الجاحظ معلّم العقل والأدب» لشفيق جبري.
وكتاب: «أدب الجاحظ» لحسن السندوبي.
وكتاب: «الجاحظ» لفؤاد أفرام البستاني... وغيرها.
وإنّ أدب الرجل و اطّلاعه الوسيع شيء لا ينكر وتشهد عليه آثاره المطبوعة، ولكنّ الكلام في ورعه وتقاه ونفسيّته و روحيّته، فلا يشكّ من سبر حياته في طيّات المعاجم والكتب أنّه لم يكن رجلاً مبدئيّاً أبداً، بل كان متقرّباً لفراعنة عصره، وكفى أنّه كان ملازماً لمحمّد بن عبدالملك المعروف بالوزير الزيّات. يقول ابن خلّكان: «كان محمّد المذكور شديد القسوة، صعب العريكة، لا يرقّ لأحد ولا يرحمه، وكان يقول: الرحمة خور في الطبيعة. ووقع يوماً على رقعة رجل توسّل إليه بقرب الجوار منه، فقال: الجوار للحيطان والتعطّف للنسوان.
فلمّا أراد المتوكّل قتله أحضره وأحضر تنّورَ خشب فيه مسامير من

صفحه 383
حديد، أطرافها إلى داخل التنور تمنع من يكون فيه من الحركة، كان محمّد اتّخذه ليعذّب فيه من يطالبه ـ وهو أوّل من عمل ذلك وعذّب فيه ابن أسباط المصري ـ وقال: أجرينا فيك حكمك في الناس.
فأجلس فيه. فمات بعد ثلاث و ذلك في سنة ثلاث و ثلاثين ومائتين، وقيل: إنّه كتب في التنّور بفحمة:
من له عهد بنوم *** يرشد الصبَّ إليه
رحم الله رحيماً *** دلّ عينيَّ عليه
ودفن ولم يعمق قبره فنبشته الكلاب و أكلته».(1)
هذا حال صديق الرّجل و زميله، فاعرف حاله من حاله. فإنّ الرجل على دين جليسه.

تلوّن الرجل في حياته

تدلّ آثاره على أنّ الرجل كان متلوّناً في حياته غير جانح إلى فئة، بل كان كالريشة في مهبّ الريح يميل مع كلّ ريح، فتارة يكون عثماني الهوى ويؤلّف كتاباً في ذلك، ويدعمه بكتاب آخر في إمامة المروانيّة و خلافة الشجرة الملعونة في القرآن، وأُخرى علويّاً يجمع الكلم القصار لعليّ (عليه السلام)يفضّل عليّاً على غيره. قال ابن قتيبة في شأنه: «تجده يحتجّ مرّة للعثمانيّة

1 . وفيات الأعيان: 5 / 102 .

صفحه 384
على الرافضة، ومرّة للزيديّة على العثمانيّة و أهل السنّة، ومرّة يفضّل عليّاً ـ رضي الله عنه ـ ومرّة يؤخّره... إلى أن قال: ويعمل كتاباً يذكر فيه حجج النصارى على المسلمين، فإذا صار إلى الردّ عليهم تجوّز في الحجّة كأنّه انما أراد تنبيههم على ما لا يعرفون وتشكيك الضعفة من المسلمين. وتجده يقصد في كتبه المضاحيك والعبث، يريد بذلك استمالة الأحداث و شرّاب النبيذ.
ويستهزئ من الحديث استهزاءً لا يخفى على أهل العلم كذكره كبد الحوت و قرن الشيطان وذكر الحجر الأسود وأنّه كان أبيض فسوّده المشركون، وقدكان يجب أن يبيّضه المسلمون حين أسلموا ويذكر الصحيفة الّتي كان فيها المنزل في الرضاع تحت سرير عائشة فأكلتها
الشاة.
وهو مع هذا من أكذب الأُمّة و أوضعهم للحديث وأنصرهم للباطل»(1).
وقال المسعودي في «مروج الذهب» عند ذكر الدولة العبّاسية: «وقد صنّف الجاحظ كتاباً استقصى فيه الحجاج عند نفسه، و أيّده بالبراهين وعضده بالأدلّة فيما تصوّره من عقله و ترجمه بكتاب «العثمانيّة» يحلّ فيه عند نفسه فضائل عليّ (عليه السلام)ومناقبه، ويحتجّ فيه لغيره طلباً لإماتة الحقّ ومضادّة لأهله، والله متمّ نوره ولو كره الكافرون.

1 . تأويل مختلف الحديث: 59 ـ 60.

صفحه 385
ثمّ لم يرض بهذا الكتاب المترجم بكتاب «العثمانيّة» حتّى أعقبه بتصنيف كتاب آخر في إمامة المروانيّة وأقوال شيعتهم، ورأيته مترجماً بكتاب إمامة أمير المؤمنين معاوية في الانتصار له من عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)وشيعته الرافضة، يذكر فيه رجال المروانيّة ويؤيّد فيه إمامة بني أُميّة وغيرهم.
ثمّ صنّف كتاباً آخر ترجمه بكتاب «مسائل العثمانيّة» يذكر فيه ما
فاته ذكره و نقضه عند نفسه من فضائل أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)ومناقبه
فيما ذكرنا. وقد نقضت عليه ما ذكرنا من كتبه لكتاب العثمانيّة
وغيره.
وقد نقضها جماعة من متكلّمي الشيعة كأبي عيسى الورّاق والحسن بن موسى النّخعي(1)، وغيرهما من الشيعة ممّن ذكر ذلك في كتبه في الإمامة مجتمعة ومتفرّقة».(2)
ومن أراد أن يقف على ضعف الرجل في مجال العفاف والورع فعليه أن يرجع إلى ما نقله عنه ابن خلّكان في «وفيات الأعيان».(3)

1 . كذا في النسخة والصحيح: النوبختي.
2 . مروج الذهب: 3 / 237 ـ 238 .
3 . وفيات الأعيان: 3 / 471 ـ 473.

صفحه 386
من أعلام المعتزلة: أبو الحسين الخيّاط   

 

9- أبو الحسين عبدالرّحيم بن محمّد المعروف بالخيّاط (المتوفّى 311 هـ)، خريج مدرسة بغداد
ترجمه القاضي في «فضل الاعتزال» وقال: «كان عالماً فاضلاً من أصحاب جعفر(1)، وله كتب كثيرة في النقوض على ابن الراوندي و غيره. وهو أُستاذ أبي القاسم البلخي (رحمه الله) وذكر أنّه لمّا أراد العود إلى خراسان من عنده أراد أن يجعل طريقه على أبي عليّ (الجبّائي) فسأله أبو الحسين بحقّ الصحبة أن لا يفعل ذلك، لأنّه خاف أن ينسب إلى أبي عليّ وهو من أحفظ الناس باختلاف المعتزلة في الكلام و أعرفهم بأقاويلهم.
وقدكان الشيخ أبو القاسم يكاتبه بعد العود من عنده حالاً بعد حال فيعرف من جهته ما خفى عليه».(2)
ومن أشهر كتبه: «الانتصار» ردّ فيه على كتاب «فضيحة المعتزلة» لابن الراوندي، وطبع بالقاهرة ـ 1925 م.
وسأل أبو العبّاس الحلبي أبا الحسين الخيّاط فقال: «أخبرني عن إبليس هل أراد أن يكفر فرعون؟ قال: نعم، قال الحلبي: فقد غلب إبليس

1 . يريد: جعفر بن مبشر بن أحمد بن محمد أبو محمد الثقفي المتكلم (المتوفّى سنة 234 هـ) من معتزلة بغداد له ترجمة في تاريخ بغداد: 7 / 162; ولسان الميزان: 2 / 121.
2 . فضل الاعتزال: 29.

صفحه 387
إرادة الله؟ قال أبو الحسين: هذا لا يجب فإنّ الله تعالى قال: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ وَ يَأْمُرُكُمْ بِالفْحْشَاءِ وَ اللّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَ فَضْلاً) (1)، وهذا لا يوجب أن يكون أمر إبليس غلب أمر الله، فكذلك الإرادة، وذلك لأنّ الله تعالى لو أراد أن يؤمن فرعون كرهاً لآمن.(2)
وبعبارة واضحة: إنّ إرادة كلّ منهما (الله سبحانه وإبليس المطرود) ليست إرادة تكوينيّة قاهرة سالبة للاختيار، بل إرادة أشبه بإرادة تشريعيّة يتراءى أنّها تعلّقت بفعل الغير، وهو مختار في فعله وعمله وتطبيقه على كلّ من الطّلبين، فليس في موافقته أو مخالفته أيّ غلبة من المريدين على الآخر. نعم لو كانت إرادة كلّ منهما إرادة تكوينيّة تعلّقت واحدة بإيمان فرعون والأُخرى بكفره فكفر ولم يؤمن لزمت غلبة إرادة إبليس على إرادة الله تعالى.
وسئل عن أفضل الصحابة فقال: أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، لأنّ الخصال الّتي فضّل الناس بها متفرّقة في الناس وهي مجتمعة فيه، وعدّ الفضائل فقيل فما منع الناس من العقد له بالإمامة؟ فقال: هذا باب لا علم لي به إلاّ بما فعل الناس وتسليمه الأمر على ما أمضاه عليه الصحابة، لأنّي لمّا وجدت الناس قد عملوا ولم أره أنكر ذلك ولا خالف، علمت صحّة ما فعلوا»(2).

1 . البقرة: 268 .   2 . المنية والأمل: 49.
2 . المنية والأمل: 49 و 50.

صفحه 388
يلاحظ عليه: إذا أثبت كونه أفضل الصحابة، فتقدّم المفضول على الفاضل قبيح عقلاً، وبه ردّ سبحانه اعتراض بني إسرائيل على جعل طالوت
ملكاً. قال سبحانه: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالمُلْكِ مِنْهُ وَ لَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَ زَادَهُ بَسْطَةً فِي العِلْمِ وَ الجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَ اللّهُ وَاسِعٌ عَليمٌ) (1).
وأمّا تسليم الإمام لعمل الصحابة فهو غير صحيح، فقد اعترض على عملهم مرّة بعد مرّة، ويكفي في ذلك خطبه وقصار حكمه وما نقله عنه المؤرّخون(2).
هذا وأشباهه قابل للإغماض، وإنّما الكلام فيما نسب إلى الشيعة من النسب المفتعلة والأكاذيب الشائنة. وإليك نماذج من قذائفه و طامّاته في كتاب «الانتصار»:
من أعلام المعتزلة: أبو القاسم البلخي الكعبي   
1- الرافضة تعتقد أنّ ربّها ذو هيئة وصورة يتحرّك ويسكن و يزول وينتقل، وأنّه كان غير عالم فعلم...إلى أن قال: هذا توحيد الرافضة بأسرها إلاّ نفراً منهم يسيراً صحبوا المعتزلة واعتقدوا التوحيد، فنفتهم الرافضة عنهم وتبرّأت منهم. فأمّا جملتهم ومشايخهم مثل هشام بن سالم، وشيطان الطاق،

1 . البقرة: 247.
2 . لاحظ: الامامة والسياسة: 11 لابن قتبية وغيره.

صفحه 389
وعليّ بن ميثم، وهشام بن الحكم بن منصور، والسكاك فقولهم ما حكيت عنهم.
2- فهل على وجه الأرض رافضي إلاّ وهو يقول: إنّ لله صورة، ويروي في ذلك الروايات ويحتجّ فيه بالأحاديث عن أئمّتهم، إلاّ من صحب المعتزلة منهم قديماً، فقال بالتوحيد فنفته الرافضة عنها ولم تقربه.
3- يرون الرافضة أن يطأ المرأة الواحدة في اليوم الواحد مائة رجل من غير استبراء ولا قضاء عدّة. وهذا خلاف ما عليه أُمّة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)(1).
نحن لا نعلّق على تلك الأساطير شيئاً وإنّما نمرّ عليها كراماً.

10- أبو القاسم البلخي الكعبي (273 - 317 أو 319) خريج مدرسة بغداد

عبدالله بن أحمد بن محمود أبو القاسم البلخي. قال الخطيب: من متكلّمي المعتزلة البغداديين، صنّف في الكلام كتباً كثيرة وأقام ببغداد مدّة طويلة و انتشرت بها كتبه، ثمّ عاد إلى بلخ فأقام بها إلى حين وفاته. أخبرني القاضي أبو عبدالله الصيمري، (حدّثنا) أبو عبدالله محمّد بن عمران المرزباني، قال: كانت بيننا وبين أبي القاسم البلخي صداقة قديمة وكيدة، وكان إذا ورد مدينة السلام قصد أبي وكثر عنده، وإذا رجع إلى بلده لم تنقطع

1 . لاحظ: الانتصار : 8، 144، 89.

صفحه 390
كتبه عنّا، وتوفّي أبو القاسم ببلخ في أوّل شعبان سنة تسع عشرة وثلاثمائة».(1)
وقال ابن خلّكان: «العالم المشهور كان رأس طائفة من المعتزلة يقال لهم «الكعبيّة» وهو صاحب مقالات، ومن مقالته: أنّ الله سبحانه وتعالى ليست له إرادة، وأنّ جميع أفعاله واقعة منه بغير إرادة ولا مشيئة منه لها، وكان من كبار المتكلّمين، وله اختيارات في علم الكلام، توفّي مستهلّ شعبان سنة سبع عشرة وثلاثمائة. والكعبي نسبة إلى بني كعب، والبلخي نسبة إلى بلخ إحدى مدن خراسان».(2)
وقد خفي على الخطيب وابن خلّكان ما يهدف إليه الكعبي من نفي الإرادة والمشيئة عنه سبحانه، وقد اختار من أنظاره تلك النظريّة للازدراء عليه، ولكنّهما غفلا عن أنّ الكعبي لا يهدف إلى نفي الإرادة عن الله سبحانه حتّى يعرّفه كالفواعل الطبيعية، بل له هناك هدف سام لا يقف عليه إلاّ العارف بالأُصول الكلاميّة، وهو أنّ الإرادة أو المشيئة حسب طبعها من الأُمور الحديثة الجديدة المسبوقة بالعدم فلا تتصوّر مثل هذه الإرادة لله، أي الإرادة الحادثة القائمة بذاته.
وبعبارة واضحة: إنّ حقيقة الإرادة تلازم التجدّد والحدوث والتجزي والتقضي، ومثل ذلك لا يليق بساحته سبحانه. فلأجل ذلك يرى الكعبي

1 . تاريخ بغداد: 9 / 384.
2 . وفيات الاعيان: 3 / 45 رقم الترجمة 330.

صفحه 391
تنزيهه سبحانه عن وصمة الحدوث والتجدّد. ومع ذلك لا يسلب عنه ما يعدّ كمالاً للإرادة، فإنّ الإرادة من الصفات العالية الكماليّة بما أنّها رمز للاختيار، وآية الحرّيّة، وهذا غير منفيّ عن الله سبحانه عند البلخي. ويدلّ على ذلك ما نقله ابن شاكر الكتبي في «عيون التواريخ» ما هذا لفظه، قال: «كان الكعبي تلميذ أبي الحسين الخيّاط وقد وافقه في اعتقاداته جميعاً، وانفرد عنه بمسائل. منها قوله: إنّ إرادة الرّبّ تعالى ليست قائمة بذاته، ولا هو يريد إرادته و (لا) إرادته حادثة في محلّ، بل إذا أطلق عليه: إنّه يريد، فمعناه أنّه عالم قادر غير مكره في فعله ولا كاره. وإذا قيل: إنّه مريد لأفعاله، فالمراد أنّه خالق لها على وفق علمه، وإذا قيل إنّه مريد لأفعال عباده، فالمراد أنّه راض بما أمر به».(1)

مؤلفّاتـه

قال ابن حجر في «لسان الميزان»: «عبدالله بن أحمد بن محمود البلخي أبو القاسم الكعبي من كبار المعتزلة، وله تصانيف في الطعن على المحدِّثين تدلّ على كثرة اطّلاعه وتعصّبه».(2)
غير أنّ أكثر هذه الكتب قد بطش بها الزمان وأضاعها كما أضاع أكثر

1 . باب ذكر المعتزلة من مقالات الاسلاميين، لأبي القاسم البلخي: 44، المقدمة، نقلاً عن عيون التواريخ : 7 / 106 مخطوطة دار الكتب.
2 . لسان الميزان: 3 / 252.

صفحه 392
كتب المعتزلة وقد استقصى فؤاد سيّد في مقدّمته على كتاب «ذكر المعتزلة» لأبي القاسم البلخي أسماء كتبه و أنهاها إلى ستّة و أربعين كتاباً.
وقال النجاشي في ترجمة محمّد بن عبدالرحمان بن قبة: «وأخذ عنه ابن بطّة وذكره في فهرسه وقال: وسمعت من محمّد بن عبدالرحمان بن قبة، له كتاب الانصاف في الإمامة وكتاب المستثبت نقض كتاب أبي القاسم البلخي» ثمّ قال: «سمعت أبا الحسين المهلوس العلوي الموسوي (رضي الله عنه) يقول في مجلس الرضي أبي الحسن محمّد بن الحسين بن موسى وهناك شيخنا أبو عبدالله محمّد بن محمّد بن النعمان ـ رحمهم الله أجمعين ـ : سمعت أبا الحسين السوسنجردي (رحمه الله)وكان من عيون أصحابنا وصالحيهم المتكلّمين وله كتاب في الإمامة معروف به وكان قد حجّ على قدميه خمسين حجّة ـ يقول: مضيت إلى أبي القاسم البلخي إلى بلخ بعد زيارتي الرضا (عليه السلام)بطوس فسلّمت عليه وكان عارفاً، ومعي كتاب أبي جعفر ابن قبة في الإمامة المعروف بالانصاف، فوقف عليه ونقضه بـ «المسترشد في الإمامة» فعدت إلى الري، فدفعت الكتاب إلى ابن قبة فنقضه بـ «المستثبت في الإمامة» فحملته إلى أبي القاسم فنقضه بـ «نقض المستثبت» فعدت إلى الري فوجدت أبا جعفر قدمات(رحمه الله)».(1)

1 . رجال النجاشي: الرقم 1023.

صفحه 393

 

مناظرته مع رجل سوفسطائي

حكى في كتابه «مقالات أبي القاسم» أنّه وصل إليه رجل من السوفسطائية راكباً على بغل، فدخل عليه فجعل ينكر الضروريات ويلحقها بالخيالات، فلمّا لم يتمكّن من حجّة يقطعه قام من المجلس موهماً أنّه قام في بعض حوائجه، فأخذ البغل وذهب به إلى مكان آخر ثمّ رجع لتمام الحديث، فلمّا نهض السوفسطائي للذهاب ولم يكن قد انقطع بحجّة عنده طلب البغل حيث تركه فلم يجده، فرجع إلى أبي القاسم وقال: إنّي لم أجد البغل، فقال أبوالقاسم: لعلّك تركته في غير هذا الموضع الّذي طلبته فيه، وخيِّل لك أنّك وضعته في غيره، بل لعلّك لم تأت راكباً على بغل وإنّما خيِّل اليك تخييلاً وجاءه بأنواع من هذا الكلام، فأظن أنّه ذكر أنّ ذلك كان سبباً في رجوع السوفسطائي عن مذهبه وتوبته عنه.(1)
تلك عشرة كاملة من أعلام المعتزلة وفطاحلهم. ولعلّ هذا المقدار في ترجمة أئمّتهم ومشايخهم يوقفنا على موقفهم في الفضل والفضيلة وهذا البحث الضافي يوقفك على أنّ تدمير تلك الطائفة ـ مع ما فيها، ما فيها ـ كانت خسارة لا تجبر.

1 . المنية والأمل: 51.

صفحه 394

صفحه 395
   

الفصل السادس

في طبقات المعتزلة و مدارسهم

المعتزلة تنقسم تارة بحسب الطبقات و أُخرى بحسب المدارس.
أمّا الأوّل، فقد قسمها القاضي عبدالجبّار (المتوفّى 415 هـ) إلى طبقات
عشر. ثمّ جاء بعده الحاكم(1) فأضاف عليها طبقتين فصارت اثنتي عشرة طبقة.
وقد أدرجها ابن المرتضى في كتابه «المنية و الأمل» الّذي طبع منه هذا القسم فقط. ولأجل رفع الاشتباه في الاسم نعبّر عن كتاب القاضي بالطبقات، وعن هذا القسم باسم كلِّ الكتاب: المنية والأمل.
إنّ ملاك التقسيم في ترتيب الطبقات هو التسلسل الزمني والترتيب التأريخي. فالأساتذة في طبقة والتلامذة في طبقة بعدها. ومن أراد الوقوف على أسمائهم وحياتهم فعليه المراجعة إلى المصادر السابقة بإضافة «ذكر

1 . المراد منه المتكلم المعتزلي الزيدي أبو سعد المحسن بن محمد كرامة الجشمي البيهقي صاحب المؤلفات، توفّي مقتولاً بمكة في شهر رجب سنة 465، أو 445. وتوهمت المستشرقة سوسنه « ديفلد ملزر» أنّ المراد منه هو المحدث المشهور محمد بن عبداللّه الحاكم النيسابوري صاحب المستدرك المتوفّى عام 405 هـ وهو وهم.

صفحه 396
المعتزلة» للكعبي. وبما أنّ الاكتفاء بذكر الأسماء وحده لا يفيد شيئاً والتفصيل خارج عن موضوع البحث، فنحيل القارئ إلى الكتب المذكورة ونكتفي بذكر مدارس الاعتزال و بعض الفروق الموجودة بينها.

مدارس الاعتزال

إنّ مدارس الاعتزال لا تتجاوز مدرستين: مدرسة البصرة، ومدرسة بغداد. والأُولى منهما مهد الاعتزال ومغرسه، وفيها برز واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، وأبو الهذيل العلاّف والنظّام.
غير أنّه تأسّست في أواخر القرن الثاني مدرسة أُخرى في عاصمة الخلافة العبّاسيّة «بغداد» بمهاجرة أحد خرّيجي مدرسة البصرة إليها وهو بشر بن المعتمر (المتوفّى 210 هـ). فظهر هناك رجال مفكّرون على منهج الاعتزال، وأثار التعدّد والبعد المكاني خلافات بين خرّيجي المدرستين في كثير من المسائل الفرعيّة بعد الاتفاق على المسائل الرئيسيّة.
ولكلّ من المدرستين مميّزات ومشخّصات يقف عليها من تدبّر في أفكار أصحابها وآرائهم. ولبعض المعتزلة رسائل مخصوصة في هذا المضمار.
غير أنّ الناظر فيما ينقل ابن أبي الحديد المعتزلي من مشايخه البغداديّين أنّهم يوافقون الشيعة أكثر من معتزلة البصرة. وقد ألّف الشيخ

صفحه 397
المفيد (المتوفّى 413 هـ) رسالة باسم «المقنعة» في وفاق البغداديين من المعتزلة لما روى عن الأئمّة(عليهم السلام).(1)
وإليك بعض مشايخ المدرستين :

مشايخ مدرسة البصرة

1- واصل بن عطاء (المتوفّى 131 هـ).
2- عمرو بن عبيد (المتوفّى 143 هـ).
3- أبو الهذيل العلاّف (المتوفّى 235 هـ).
4- إبراهيم بن سيّار النظّام (المتوفّى 231 هـ).
5- عليّ الأسوار (المتوفّى حوالى المائتين).
6- معمر بن عباد السلمي (المتوفّى 220 هـ).
7- عبّاد بن سليمان (المتوفّى 220 هـ).
8- هشام الفوطي (المتوفّى 246 هـ).
9- عمرو بن بحر الجاحظ (المتوفّى 255 هـ).
10- أبو يعقوب الشحّام (المتوفّى 230 هـ).
11- أبو عليّ الجبّائي (المتوفّى 303 هـ).

1 . أوائل المقالات: 25. وهذا الكتاب غير كتابه الآخر بهذا الاسم في الفقه.

صفحه 398
12- أبو هاشم الجبّائي (المتوفّى 321 هـ).
13- أبو عبدالله الحسين بن عليّ البصري (المتوفّى 367 هـ).
14- أبو إسحاق بن عياش (شيخ القاضي).
15- القاضي عبد الجبّار (المتوفّى 415 هـ).

مشايخ مدرسة بغداد

1- بشر بن المعتمر (المتوفّى 210 هـ)، مؤسّس المدرسة.
2- ثمامة بن الأشرس (المتوفّى 234 هـ).
3- جعفر بن المبشر (المتوفّى 234 هـ).
4- جعفر بن حرب (المتوفّى 236 هـ).
5- أحمد بن أبي دؤاد (المتوفّى 240 هـ) .
6- محمّد الاسكافي (المتوفّى 240 هـ).
7- أبو الحسين الخيّاط (المتوفّى 311 هـ).
8- أبوالقاسم البلخي الكعبي ( المتوفّى 317 هـ).
من أراد أن يقف على بعض آرائهم الّتي يخالفون فيها مشايخهم البصريّين فعليه بمطالعة شرح النهج لابن أبي الحديد، فإنّه يعرض آراءهم في شرحه في مجالات مختلفة.

صفحه 399

الفصل السابع

في الأُصول الخمسة عند المعتزلة

اشتهرت المعتزلة بأُصولها الخمسة، فمن دان بها فهو معتزلي ومن نقص منها أو زاد عليها فليس منهم. وتلك الأُصول المرتّبة حسب أهمّيتها، عبارة عن : التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فمن دان بها ثمّ خالف بقيّة المعتزلة في تفاصيلها أو في فروع أُخر لم يخرج بذلك عنهم.
قال الخيّاط : «فليس يستحقّ أحد منهم الاعتزال حتى يجمع القول بالأُصول الخمسة : التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا كملت في الإنسان هذه الخصال الخمس فهو معتزلي».(1)
قال المسعودي (المتوفّى 345 هـ) بعد سرد الأُصول الخمسة حسب ما سمعت منّا: «فهذا ما اجتمعت عليه المعتزلة ومن اعتقد ما ذكرناه من الأُصول الخمسة، كان معتزليّاً، فان اعتقد الأكثر أو الأقلّ لم يستحقّ اسم

1 . الانتصار للخيّاط: 126.

صفحه 400
الاعتزال، فلا يستحقّه إلا باعتقاد هذه الأُصول الخمسة. وقد تنوزع فيما عدا ذلك من فروعهم».(1)
والعجب من ابن حزم (المتوفّى 456 هـ) حيث زعم أنّ الأُصول الخمسة عبارة عن القول بخلق القرآن، ونفي الرؤية، والتشبيه ونفي القدر، والقول بالمنزلة بين المنزلتين، ونفي الصفات.(2)
فقد ذكر من الأُصول ثلاثة، حيث إنّ نفي القدر و خلق القرآن إيعاز إلى العدل(2)، كما أنّ نفي الصفات والرؤية إشارة إلى التوحيد أي تنزيهه سبحانه عمّا لا يليق، وأهمل اثنتين منها، أعني: الوعد والوعيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فإذا كان هذا مبلغ علم الرجل بأُصول الاعتزال الّذي هو أقرب إليه من الشيعة، فما ظنّك بعلمه بطوائف أُخرى كمعتقدات الشيعة الّذين يعيشون في بيئة بعيدة منه، ولأجل ذلك رماهم بنسب مفتعلة.

إيعاز إلى الأُصول الخمسة

وقبل كلّ شيء نطرح هذه الأُصول على وجه الإجمال حتّى يعلم ماذا يريد منها المعتزلة، ثمّ نأخذ بشرحها واحداً بعد واحد فنقول:
1- التوحيد: ويراد منه العلم بأنّ الله واحد لا يشاركه غيره فيما

1 . مروج الذهب: 3 / 222.   2 . الفصل: 2 / 113.
2 . سيأتي في الأصل الثاني أنّ القاضي أدخل البحث عن خلق القرآن تحت ذلك. و إن كان غير صحيح.

صفحه 401
يستحقُّ من الصفات نفياً و إثباتاً على الحدّ الّذي يستحقّه. وسيوافيك تفصيله فيما بعد، والتوحيد عندهم رمز لتنزيهه سبحانه عن شوائب الإمكان ووهم المثليّة و غيرهما ممّا يجب تنزيه ساحته عنه كالتجسيم والتشبيه وإمكان الرؤية و طروء الحوادث عليه، غير أنّ المهمّ في هذا الأصل هو الوقوف على كيفيّة جريان صفاته عليه سبحانه ونفي الرؤية، وغيرهما يقع في الدّرجة الثانية من الأهمية في هذا الأصل، لأنّ كثيراً منها لم يختلف المسلمون فيه إلاّ القليل منهم.
2- العدل: إذا قيل إنّه تعالى عادل، فالمراد أنّ أفعاله كلّها حسنة، وأنّه لا يفعل القبيح، وأنّه لا يخلّ بما هو واجب عليه. وعلى ضوء هذا لا يكذب في خبره، ولا يجور في حكمه، ولا يعذِّب أطفال المشركين بذنوب آبائهم، ولا يُظهر المعجزة على أيدي الكذّابين، ولا يكلِّف العباد ما لا يطيقون، وما لا يعلمون، بل يقدرهم على ما كلّفهم، ويعلِّمهم صفة ما كلّفهم، ويدلّهم على ذلك ويبيّن لهم (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَة وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَة) (1)، وأنّه إذا كلّف المكلّف و أتى بما كلّف على الوجه الّذي كلف فإنّه يثيبه لا محالة، وأنّه سبحانه إذا آلم وأسقم فإنّما فعله لصلاحه ومنافعه وإلاّ كان مخلاًّ بواجب...
3- الوعد والوعيد: والمراد منه أنّ الله وعد المطيعين بالثواب، وتوعّد العصاة بالعقاب، وأنّه يفعل ما وعد به وتوعّد عليه لا محالة. ولا يجوز

1 . الأنفال: