welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الملل والنحل/ج2 (الأشعرية)*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الملل والنحل/ج2 (الأشعرية)

(243)

4. نظرية الأشاعرة

إنّ مسلك الأشاعرة هو مسلك الحنابلة، لكن بصورة معدّلة نزيهة عمّا لا يقبله العقل السليم. فذهب أبو الحسن الأشعري إلى كونه من صفات الذات، لا بالمعنى السخيف الذي تتبنّاه الحنابلة، بل بمعنى آخر، وهو القول بالكلام النفسي القائم بذات المتكلّم.

وهذه النظرية مع اشتهارها من الشيخ أبي الحسن الأشعري، لم نجدها في «الإبانة» و«اللمع» وإنّما ركّز فيهما على البحث عن المسألة الثانية، وهي أنّ كلامه سبحانه غير مخلوق، ولم يبحث عن حقيقة كلامه، ومع ذلك فقد نقلها عنه الشهرستاني وقال: وصار أبو الحسن الأشعري إلى أنّ الكلام معنى قائم بالنفس الإنسانية، وبذات المتكلّم، وليس بحروف ولا أصوات، وإنّما هو القول الذي يجده القائل في نفسه ويجيله في خلده، وفي تسمية الحروف التي في اللسان كلاماً حقيقياً تردد، أهو على سبيل الحقيقة أم على طريق المجاز؟ و إن كان على طريق الحقيقة فإطلا ق اسم الكلام عليه وعلى النطق النفسي بالاشتراك.(1)

وقال الآمدي: ذهب أهل الحقّ من الإسلاميين إلى كون الباري تعالى متكلّماً بكلام قديم أزلي نفساني، أحدي الذات، ليس بحروف ولا أصوات وهو ـ مع ذلك ـ ينقسم بانقسام المتعلقات، مغاير للعلم والإرادة وغير ذلك من الصفات.(2)

وقال العضدي: ـ بعد نقل نظرية المعتزلة ـ و هذا لا ننكره،لكنّا نثبت أمراً وراء ذلك،وهو المعنى القائم بالنفس، ونزعم أنّه غير العبارات، إذ قد


1. نهاية الإقدام:320.

2. غاية المرام: 88.


(244)

تختلف العبارات بالأزمنة والأمكنة والأقوام، بل قد يدلّ عليه بالإشارة والكتابة كما يدلّ عليه بالعبارة ـ إلى أن قال ـ : وإنّه غير العلم، إذ قد يخبر الرجل عمّا لا يعلمه بل هو يعلم خلافه أو يشكّ فيه، وغير الإرادة، لأنّه قد يأمر بما لا يريده كالمختبر لعبده هل يطيعه أم لا، فإذا هو صفة ثالثة غير العلم والإرادة، قائمة بالنفس، ثمّ نزعم أنّه قديم لامتناع قيام الحوادث بذاته تعالى ـ إلى أن قال ـ: الأدلّة الدالّة على حدوث الألفاظ إنّما تفيدهم بالنسبة إلى الحنابلة، وأمّا بالنسبة إلينا فيكون نصّاً للدّليل في غير محلّ النزاع. وأمّا ما دلّ على حدوث القرآن مطلقاً، فحيث يمكن حمله على حدوث الألفاظ، لا يكون لهم فيه حجّة علينا،ولا يجدي عليهم إلاّ أن يبرهنوا على عدم المعنى الزائد على العلم والإرادة.(1)

فقد أحسن العضدي وأنصف. وستوافيك البرهنة على أنّ ما يسمونه كلاماً نفسياً أمر صحيح، لكنّه ليس خارجاً عن إطار العلم والإرادة، وليس وصفاً ثالثاً وراءهما.

ثمّ إنّ الشهرستاني قد قام بتبيين المقصود من الكلام النفساني في كلام مبسوط. وبما أنّ الكلام النفسي قد أحاط به الإجمال والإبهام، فنأتي بنصّ كلامه، وإن كان لايخلو عن تعقيد في الإنشاء، حتّى يتبيّن المقصود منه قال:

العاقل إذا راجع نفسه وطالع ذهنه وجد من نفسه كلاماً وقولاً يجول في قلبه، تارةً إخباراً عن أُمور رآها على هيئة وجودها أو سمعها من مبتداها إلى منتهاها على وفق ثبوتها، وتارةً حديثاً مع نفسه بأمر ونهي ووعد ووعيد لأشخاص على تقدير وجودهم ومشاهدتهم، ثمّ يعبّر عن تلك الأحاديث وقت المشاهدة، وتارةً نطقاً عقلياً إمّا بجزم القول أنّ الحقّ والصدق كذا، وإمّا بترديد الفكر أنّه هل يجوز أن يكون الشيء كذا أو يستحيل أو يجب، إلى غير ذلك من الأفكار حتّى أنّ كلّ صانع يحدث نفسه أوّلاً بالغرض الذي توجهت


1. المواقف:294.


(245)

إليه صنعته، ثمّ تنطق نفسه في حال الفعل محادثة مع الآلات والأدوات والمواد والعناصر، ومن أنكر أمثال هذه المعاني فقد جحد الضرورة، وباهَتَ العقل، وأنكر الأوائل التي في ذهن الإنسان، وسبيله سبيل السوفسطائية، كيف وإنكاره ذلك ممّا لم يدر في قلبه ولا جال في ذهنه، ثمّ لم يعبّر عنه بالإنكار ولا أشار إليه بالإقرار، فوجد أنّ المعنى معلوم بالضرورة وإنّما الشكّ في أنّه هو العلم بنفسه أو الإرادة والتقدير والتفكير والتصوير والتدبير، والتمييز بينه و بين العلم هين، إذ العلم تبين محض تابع للمعلوم على ما هو به، وليس فيه إخبار ولا اقتضاء وطلب، ولا استفهام ولا دعاء ولا نداء، وهي أقسام معلومة وقضايا معقولةوراء التبيين،والتمييز بينه و بين الإرادة أسهل وأهون، فإنّ الإرادة قصد إلى تخصيص الفعل ببعض الجائزات(الممكنات) ولا قصد في هذه القضايا ولا تخصيص، وأمّا التقدير والتفكير والتدبير فكلّ ذلك عبارات عن حديث النفس، وهو الذي يعنى به من النطق النفساني، ومن العجب أنّ الإنسان يجوز أن يخلو ذهنه عن كلّ معنى ولا يجد نفسه قط خالياًعن حديث النفس حتى في النوم فإنّه في الحقيقة يرى في منامه أشياء وتحدّث نفسه بالأشياء ولربما يطاوعه لسانه وهو في منامه حتّى يتكلّم وينطق متابعة لنفسه فيما يحدث وينطق.(1)

نرى أنّ ما ذكره الآمدي الذي نقلناه آنفاً في تفسير الكلام النفسي وارد في كلمات المتأخرين عنه، كالفاضل القوشجي والفضل بن روزبهان، وإليك نصوصهما:

1. قال الفاضل القوشجي في شرح التجريد: إنّ من يورد صيغة أمر أو نهي أو نداء أو إخبار أو استخبار أو غير ذلك، يجد في نفسه معاني يعبر عنها، نسمّيها بالكلام الحسي، والمعنى الذي يجده ويدور في خلده ولا يختلف باختلاف العبارات بحسب الأوضاع والاصطلاحات ويقصد المتكلّم حصوله في نفس السامع على موجبه، هو الذي نسمّيه الكلام.(2)


1. نهاية الإقدام: 321ـ 322.

2. شرح التجريد للقوشجي: 420.


(246)

2. وقال الفضل في نهج الحق: إنّ الكلام عندهم لفظ مشترك يطلقونه على المؤلف من الحروف المسموعة، وتارة يطلقونه على المعنى القائم بالنفس الذي يعبّر عنه بالألفاظ، ويقولون هو الكلام حقيقة، وهو قديم قائم بذاته، ولابدّ من إثبات هذا الكلام، فإنّ العرف لا يفهمون من الكلام إلاّ المؤلّف من الحروف والأصوات فنقول:

ليرجع الشخص إلى نفسه أنّه إذا أراد التكلّم بالكلام فهل يفهم من ذاته أنّه يزور ويرتب معاني فيعزم على التكلّم بها، كما أنّ من أراد الدخول على السلطان أو العالم فإنّه يرتب في نفسه معاني وأشياء ويقول في نفسه سأتكلم بهذا. فالمنصف يجد من نفسه هذا ألبتة. فهذا هو الكلام النفسي. ثمّ نقول ـ على طريقة الدليل ـ إنّ الألفاظ التي نتكلّم بها مدلولات قائمة بالنفس، فنقول لهذه المدلولات: هي الكلام النفسي.(1)

حصيلة البحث

دلّت النصوص المذكورة عن أقطاب الأشاعرة على أنّ في مورد كل كلام صادر من أيّ متكلم ـ خالقاً كان أو مخلوقاً ـ وراء العلم في الجمل الخبرية، ووراء الإرادة والكراهة في الجمل الإنشائية، معاني قائمة بنفس المتكلّم، وهو الكلام النفسي، يتبع حدوثه وقدمه، حدوث المتكلّم وقدمه.

وما ذكروا في توضيحه حقّ لا ينكره أحد، إنّما الكلام في إثبات مغايرته للعلم في الجمل الخبرية، وللإرادة في الجمل الإنشائية، وهو غير ثابت، بل الثابت خلافه، وإنّ المعاني التي تدور في خلد المتكلّم ليست إلاّ تصور المعاني المفردة أو المركبة أو الإذعان بالنسبة، فيرجع


1. نهج الحق المطبوع ضمن دلائل الصدق: 1/146، ط النجف.


(247)

الكلام النفسي في الجمل الخبرية إلى التصورات والتصديقات، فأي شيء هنا وراء العلم حتى نسمّيه بالكلام النفسي، كما أنّه عندما يرتب المتكلّم المعاني الإنشائية، فلا يرتب إلاّ إرادته وكراهته أو ما يكون مقدمة لهما، كتصور الشيء والتصدّيق بالفائدة، فيرجع الكلام النفسي في الإنشاء إلى الإرادة والكراهة، فأيّ شيء هنا غيرهما حتّى نسميه بالكلام النفسي، وعند ذلك لا يكون التكلّم وصفاً وراء العلم في الإخبار، ووراءه مع الإرادة في الإنشاء، مع أنَّ الأشاعرة يصرون على إثبات وصف ذاتي باسم التكلّم وراء العلم والإرادة، ولأجل ذلك يقولون: كونه متكلّماً بالذات، غير كونه عالماً ومريداً بالذات.

والأولى أن نستعرض ما استدلّوا به على أنّ الكلام النفسي وراء العلم، فإليك بيانه:

الأوّل: أنّ الكلام النفسي غير العلم، لأنّ الرجل قد يخبر عمّا لا يعلمه بل يعلم خلافه أو يشكّ فيه، فالإخبار عن الشيء غير العلم به. قال السيد الشريف في شرح المواقف: والكلام النفسي في الإخبار معنى قائم بالنفس لا يتغير بتغير العبارات، وهو غير العلم، إذ قد يخبر الرجل عمّا لا يعلمه، بل يعلم خلافه، أو يشكّ فيه.(1)

يلاحظ عليه: أنّ المراد من رجوع كلّ ما في الذهن في ظرف الإخبار إلى العلم، هو الرجوع إلى العلم الجامع بين التصور والتصديق. فالمخبر الشاك أو العالم بالخلاف يتصور الموضوع والمحمول والنسبة الحكمية ثمّ يخبر، فما في ذهنه من هذه التصوّرات الثلاثة لا يخرج عن إطار العلم، وهو التصوّر.

نعم، ليس في ذهنه الشق الآخر من العلم وهو التصديق. ومنشأ الاشتباه هو تفسير العلم بالتصديق فقط، فزعموا أنّه غير موجود عند الإخبار في ذهن المخبر الشاك أو العالم بالخلاف، والغفلة عن أنّ عدم وجود العلم بمعنى التصديق لا يدلّ على عدم وجود القسم الآخر من العلم وهو التصوّر.

الثاني: ما استدلوا به في مجال الإنشاء قائلين بأنّه يوجد في ظرف الإنشاء شيء غير الإرادة والكراهة، وهو الكلام النفسي، لأنّه قد يأمر الرجل بما لا يريده كالمختبر لعبده هل يطيعه أو لا، فالمقصود هو الاختبار دون الإتيان.(2)

أوّلاً: إنّ الأوامر الاختبارية على قسمين:

قسم تتعلّق الإرادة فيه بنفس المقدّمة ولا تتعلّق بنفس الفعل، كما في أمره سبحانه الخليل بذبح إسماعيل. ولأجل ذلك لما أتى الخليل بالمقدّمات نودي (أن قد صدّقت الرؤيا).


1. شرح المواقف:2/94.

2. شرح المواقف:2/94.


(248)

وقسم تتعلّق الإرادة فيه بالمقدّمة وذيلها، غاية الأمر، أنّ الداعي إلى الأمر مصلحة مترتبة على نفس القيام بالفعل، لا على ذات الفعل، كما إذا أمر الأمير أحد وزرائه في الملأ العام بإحضار الماء لتفهيم الحاضرين بأنّه مطيع غير متمرد. وفي هذه الحالة ـ كالحالة السابقة ـ لا يخلو المقام عن إرادة، غاية الأمر، أنّ القسم الأوّل تتعلّق الإرادة فيه بالمقدّمة فقط، وهنا بالمقدّمة مع ذيلها. فما صحّ قولهم إنّه لا توجد الإرادة في الأوامر الاختبارية.

وثانياً: الظاهر أنّ المستدل تصور أنّ إرادة الآمر تتعلّق بفعل الغير، أي المأمور، فلأجل ذلك حكم بأنّه لا إرادة متعلّقة بفعل الغير في الأوامر الامتحانية، ويستنتج أنّ فيها شيئاً غير الإرادة، ربما يسمّى بالطلب (في مقابل الإرادة) عندهم أو بالكلام النفسي، ولكن الحقّ غير ذلك، فإنّ إرادة الآمر لا تتعلّق بفعل الغير مطلقاً، لأنّ فعله خارج عن إطار اختيار الأمر، وما هو كذلك لا يقع متعلّقاً للإرادة، فلأجل ذلك ما اشتهر من «تعلّق إرادة الآمر والناهي بفعل المأمور به» كلام صوري، إذ هي لا تتعلّق إلاّ بالفعل الاختياري، وليس فعل الغير من أفعال الأمر الاختيارية، فلا محيص من القول بأنّ إرادة الآمر متعلّقة بفعل نفسه وهو الأمر والنهي. وإن شئت قلت: إنشاء البعث إلى الفعل أو الزجر عنه، والكلّ واقع في إطار اختيار الآمر ويعدّان من أفعاله الاختيارية.

نعم، الغاية من البعث والزجر هي انبعاث المأمور إلى ما بعث إليه، أو انتهاؤه عمّا زجر عنه، لعلم المكلّف المأمور بأنّ في التخلّف مضاعفات دنيوية أو أُخروية.

وعلى ذلك يكون تعلّق إرادة الآمر في الأوامر الجدية والاختيارية على


(249)

وزان واحد، وهو تعلّق إرادته ببعث المأمور وزجره، لا فعل المأمور ولا انزجاره، فإنّه غاية للآمر لا مراد له، فالقائل خلط بين متعلّق الإرادة، وما هو غاية الأمر والنهي.

وباختصار: إنّ فعل الغير لمّا كان خارجاً عن اختيار الآمر لا تتعلّق به الإرادة.

وربما يبدو في الذهن أن يعترض على ما ذكرنا بأنّ الآمر إذا كان إنساناً لا تتعلّق إرادته بفعل الغير لخروجه عن اختياره، وأمّا الواجب سبحانه فهو آمر قاهر، وإرادته نافذة في كلّ شيء: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمواتِوَالأَرْض إِلاّ آتي الرَّحْمن عَبْداً).(1)

ولكن الإجابة عن هذا الاعتراض واضحة، فإنّ المقصود من الإرادة هنا هو الإرادة التشريعية، وأمّا الإرادة التكوينية القاهرة على العباد المخرجة لهم عن وصف الاختيار، الجاعلة لهم كآلة بلا إرادة، فهي خارجة عن مورد البحث، قال سبحانه: (وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَميعاً) (2) فهذه الآية تعرب عن عدم تعلّق مشيئته سبحانه بإيمان من في الأرض، ولكن من جانب آخر تعلّقت مشيئته بإيمان كلّ مكلّف واع، قال سبحانه: (وَاللّهُ يَقُولُ الحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبيلَ)(3) فقوله«الحق» عام، كما أنّ هدايته السبيل عامة مثله لكلّ الناس. وقال سبحانه: (يُريدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مَنْ قَبْلِكُمْ)(4)، إلى غير ذلك من الآيات الناصة على عموم هدايته التشريعية.

الثالث: إنّ العصاة والكفّار مكلّفون بما كلّف به أهل الطاعة والإيمان بنصّ القرآن الكريم، والتكليف عليهم لا يكون ناشئاً من إرادة الله سبحانه


1. مريم:93.

2. يونس:99.

3. الأحزاب:4.

4. النساء:26.


(250)

وإلاّ لزم تفكيك إرادته عن مراده، ولابدّ أن يكون هناك منشأ آخر للتكليف وهو الذي نسمّيه بالكلام النفسي تارة، وبالطلب أُخرى. فيستنتج من ذلك أنّه يوجد في الإنشاء شيء غير الإرادة.

وقد أجابت عنه المعتزلة بأنّ إرادته سبحانه لو تعلّقت بفعل نفسه فلا تنفك عن المراد، وأمّا إذا تعلّقت بفعل الغير فبما أنّها تعلّقت بالفعل الاختياري الصادر من العبد عن حرية واختيار، فلا محالة يكون الفعل مسبوقاً باختيار العبد، فإن أراد واختار العبد يتحقّق الفعل، وإن لم يرد فلا يتحقّق.

والأولى في الجواب أن يقول: إنّ المستدل خلط بين الإرادة التكوينية المتعلّقة بالإيجاد مباشرة أو تسبيباً، فإنّ إرادته في ذلك المجال لا تنفك عن المراد، قال سبحانه (إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).(1)، و بين الإرادة التشريعية المتجلّية بصورة التقنين في القرآن والحديث فإنّها تتعلّق بنفس إنشائه وبعثه، وجعله الداعي للانبعاث والانزجار، والمراد فيها (الإنشاء والبعث) غير متخلّف عن الإرادة، وأمّا فعل الغير، أي انبعاث العبد وانتهاؤه فهو من غايات الإرادة التقنينية لا من متعلّقاتها، فتخلّفهما عن الإرادة التقنينية لا يكون نقضاً للقاعدة، أي امتناع تخلف مراده سبحانه عن إرادته، لما عرفت من أنّ فعل الغير ليس متعلّقاً لإرادته في ذلك المجال.

الرابع: ما ذكره «الفضل بن روزبهان» من أنّ كلّ عاقل يعلم أنّ المتكلّم من قامت به صفة التكلّم، ولو كان معنى كونه سبحانه متكلّماً هو خلقه الكلام فلا يقال لخالق الكلام متكلّم، كما لا يقال لخالق الذوق إنّه ذائق.(2)

يلاحظ عليه: أنّ قيام المبدأ بالفاعل ليس قسماً واحداً وهو القسم الحلولي، بل له أقسام، فإنّ القيام منه ما هو صدوري كالقتل والضرب في القاتل والضارب، ومنه حلولي كالعلم والقدرة في العالم والقادر، والتكلّم


1. يس:82.

2. دلائل الصدق:1/147، طبعة النجف الأشرف.


(251)

كالضرب ليس من المبادئ الحلولية في الفاعل، بل من المبادئ الصدورية، فلأجل أنّه سبحانه موجد الكلام يطلق عليه أنّه متكلّم وِزانَ إطلاق الرزّاق عليه سبحانه. بل ربما يصحّ الإطلاق وإن لم يكن المبدأ قائماً بالفاعل أبداً لا صدورياً ولا حلولياً، بل يكفي نوع ملابسة بالمبدأ، كالتمّار واللبان لبائع التمر واللبن، وأمّا عدم إطلاق الذائق على خالق الذوق فلأجل أنّ صدق المشتقات بإحدى أنواع القيام ليس قياسياً حتى يطلق عليه سبحانه الذائق والشام بسبب إيجاده الذوق والشم، وربما احترز الإلهيون عن توصيفه بهما لأجل الابتعاد عمّا يوهم التجسيم ولوازمه.

الخامس: أنّ لفظ الكلام كما يطلق على الكلام اللفظي، يطلق على الموجود في النفس. قال سبحانه: (وأََسِرُّوا قَولَكُمْ اَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَليمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ).(1)

يلاحظ عليه: أنّ إطلاق«القول» على الموجود في الضمير من باب العناية المشاكلة، فإنّ «القول» من التقول باللسان، فلا يطلق على الموجود في الذهن الذي لا واقعية له، إلاّ الصورة العلمية، إلاّ من باب العناية.

حصيلة البحث

إنّ الأشاعرة زعموا أنّ في ذهن المتكلّم في الجملة الخبرية والإنشائية وراء التصورات والتصديقات في الأُولى، ووراء الإرادة والكراهة في الثانية، شيئاً يسمّونه بالكلام النفسي، وربما خصّوا لفظ «الطلب» بالكلام النفسي في القسم الإنشائي; وبذلك صححوا كونه سبحانه متكلماً، ككونه عالماً وقادراً، وأنّ الكلّ من الصفات الذاتية.

ولكن البحث والتحليل ـ كما مرّ عليك ـ أوقفنا على خلاف ما ذهبوا إليه، لما عرفت من أنّه ليس وراء العلم في الجمل الخبرية، ولا وراء الإرادة


1. الملك:13.


(252)

والكراهة في الجمل الإنشائية، شيء نسمّيه كلاماً نفسياً، كما عرفت أنّ الطلب أيضاً هو نفس الإرادة.

وبذلك نقف على أنّ ما يقوله المحقّق الطوسي من أنّ «النفسانية غير معقولة»(1) أمر متين لا غبار عليه.

إلى هنا تمّ بيان النظريات الثلاث للمعتزلة والحكماء والأشاعرة.

وبه تمّ الكلام في المقام الأوّل. وحان أوان البحث في المقام الثاني وهوحدوث كلامه أو قدمه.


1. كشف المراد: 178، ط صيدا.


(253)

(14)

كلام الله غير مخلوق أو قديم

لقد شاع في أواخر القرن الثاني، كون كلام الله غير مخلوق وقد اعتنقه أهل الحديث وفي مقدمهم إمام الحنابلة، وتحمل في طريق عقيدته هذه ألوان التعذيب، وقد اعتنقوا هذه الفكرة مع الاعتراف بأنّه لم يرد فيها نصّ من رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، ولا جاء من الصحابة فيها كلام.

وقد تسربت تلك العقيدة مثل القول بالتشبيه والتجسيم إلى المسلمين من اليهودية والنصرانية، حيث قال اليهود بقدم التوراة(1) والنصرانية بقدم الكلمة (المسيح).

يقول أبو زهرة: كثر القول حول القرآن الكريم في كونه مخلوقاً أو غير مخلوق، وقد عمل على إثارة هذه المسألة، النصارى الذين كانوا في حاشية البيت الأموي وعلى رأسهم يوحنا الدمشقي، الذ ي كان يبث بين علماء النصارى في البلاد الإسلامية طرق المناظرات التي تشكّك المسلمين في دينهم، وينشر بين المسلمين الأكاذيب عن نبيّهم، مثل زعمه عشق النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لزينب بنت جحش، فقد جاء في القرآن أنّ عيسى بن مريم كلمته ألقاها إلى مريم، فكان يبث بين المسلمين أنّ كلمة الله قديمة، فيسألهم أكلمته قديمة أم لا؟ فإن قالوا: لا...فقد قالوا: إنّ كلامه مخلوق(2)،


1. اليهودية: ص 222 تأليف أحمد شلبي كما في بحوث مع السلفيين: 153.

2. يراد أنّه مختلق و مزور.


(254)

وإن قالوا: قديمة... ادّعى أنّ عيسى قديم.(1)

وعلى ذلك وجد من قال إنّ القرآن مخلوق، ليرد كيد هؤلاء، فقال ذلك الجعد بن درهم، وقاله الجهم بن صفوان، وقالته المعتزلة واعتنق ذلك الرأي المأمون.

وقد أعلن في سنة 212، أنّ المذهب الحقّ هو أنّ القرآن مخلوق، وأخذ يدعو لذلك في مجلس مناظراته، وأدلى في ذلك بما يراه حججاً قاطعة في هذا الموضوع، وقد ترك المناقشة حرة، والناس أحراراً فيما يقولون.

ولكن في سنة 218 وهي السنة التي توفي فيها، بدا له أن يدعو الناس بقوة السلطان إلى اعتناق هذه الفكرة، ومن الغريب أنّه ابتدأ بهذا وهو خارج بغداد، وقد خرج مجاهداً فكتب هذه الكتب وهو بمدينة الرقة، وأخذ يرسل الكتب لحمل الناس على اعتناق عقيدة أنّ القرآن مخلوق، إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم، وقد جاء في بعض كتبه:وأعلمهم أنّ أمير المؤمنين غير مستعين في عمله، ولا واثق فيمن قلده واستحفظه من أُمور رعيته بمن لا يوثق بدينه، وخلوص توحيده ويقينه، فإذا أقروا بذلك ووافقوا أمير المؤمنين فيه وكانوا على سبيل الهدى والنجاة، فمرهم بنصّ من يحضرهم من الشهود على الناس ومسألتهم عن علمهم في القرآن وترك شهادة من لم يقر بأنّه مخلوق محدث.(2)

وقد سارع نائبه ببغداد إلى تنفيذ ما أمر به، لكنّه تجاوز الحدّ السلبي إلى الحدّ الإيجابي فأحضر المحدثين والفقهاء فسألهم عن عقيدتهم حول القرآن،


1. «ولا شكّ أنّ ذلك تلبيس، لأنّ معنى كلمة الله، أنّ الله خلقه بكلمة منه، كما نصّ على ذلك في آيات أُخرى، لا أنّه هو ذات كلمة الله». هذا ما أفاده أبو زهرة في تعليقته على كتابه. والحقّ أنّ المسيح كلمة الله نفسها، وليس المسيح وحده كذلك، بل الموجودات الإمكانية كلّها كلامه تعالى. قال سبحانه: (وَلو أنّ ما فِي الأَرض مِنْ شَجَرة أَقلام وَالبَحر يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَة أَبْحُر ما نَفِدَتْ كَلمات الله) (لقمان:27).

2. تاريخ الطبري: 7/196، والرسالة مبسوطة.


(255)

وأعلن الكلّ عن اعتناق ما كتبه المأمون سوى أربعة، فأصرّوا على عدم كون القرآن مخلوقاً وهم:«أحمد بن حنبل»، و«محمد بن نوح»، و«القواريري»، و«سجادة» فشدوا بالوثاق. لكن الكلّ رجعوا عن عقيدتهم إلاّ اثنان وهما: ابن نوح وأحمد بن حنبل، فسيقا إلى طرطوس ليلتقيا بالمأمون، ومات الأوّل في الطريق، وبقي أحمد، وبينا هم في الطريق مات المأمون وترك وصية بها من بعده أن يؤخذ بسيرته في خلق القرآن، وقد تولى الحكم المعتصم ثمّ الواثق فكانا على سيرة المأمون في مسألة خلق القرآن.(1)

ولمّا تولّى المتوكّل الحكم انقلب الأمر وصارت الظروف مناسبة لصالح المحدثين، وفي هذا الجو أعلن إمام الحنابلة عقيدته في القرآن بالقول بعدم كونه مخلوقاً.

وقال محقّق كتاب«الأُصول الخمسة» للقاضي عبد الجبار: الحديث في القرآن وكلام الله من أهمّ المشاكل التي عرضت لمفكري الإسلام. وقد أثارت ضجة كبيرة في صفوف العلماء والعامة، وارتبطت بها محنة كبيرة تعرف بمحنة الإمام أحمد بن حنبل، وكان شعار النظريتين المتنازعتين«هل القرآن مخلوق أم غير مخلوق؟». فتزعم المعتزلة جهة المنادين بخلق القرآن واستجلبوا لصفهم خليفة من أعظم الخلفاء وهو المأمون، ووزيراً من أعظم وزراء بني العباس هو أحمد بن أبي دؤاد، وذهب ضحية الخلاف كثيرون، وثبت القائلون بأنّه غير مخلوق على رأيهم وليس لهم من أُمور الحكم بشيء. وتراجع القائلون بخلق القرآن تحت ضغط الناس، وخرج أحمد بن حنبل من المحنة ظافراً يضرب به المثل في الثبات على العقيدة، كما سجل المعتزلة بموقفهم ومحاولتهم أخذ الناس بالعنف على القول برأيهم أسوأ مثال على التدخل في الحرية الفكرية، مع أنّهم روّادها الأوائل.

أقول: و(2)ليس هذا أوّل قارورة كسرت في الإسلام، وكم في تاريخ خلفاء


1. تاريخ المذاهب الإسلامية: 294ـ 296 بتلخيص.

2. الأُصول الخمسة للقاضي عبد الجبار: 527.


(256)

الإسلام من ضغط وعنف وتدخل في الحرية الفكرية!!

هؤلاء هم شيعة أهل البيت عاشوا قروناً بين إخوانهم المسلمين تحت ستار التقية خوفاً على نفوسهم ودمائهم وأموالهم.

وعلى أي تقدير فقد قال المحقّق المزبور: إنّ أوّل من تفوّه بقدم القرآن هو عبد الله بن كلاب، لأنّ السلف كانوا يتحرجون من وصف القرآن بأنّه قديم و قالوا فقط غير مخلوق، لكن المعتزلة زادوا بأنّ كلام الله مخلوق محدث، وميز الأشعري متابعاً لابن كلاب بين الكلام النفسي الأزلي القديم، والكلام المتعلّق بالأمر والنهي والخبر وهو حادث.(1)

وأمّا ابن تيمية ففرّق بين كونه غير مخلوق وكونه قديماً وقال: وكما لم يقل أحد من السلف إنّه (أي كلام الله) مخلوق، لم يقل أحد منهم إنّه قديم، ولم يقل واحداً من القولين أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا من بعدهم من الأئمّة الأربعة ولا غيرهم... وأوّل من عرف أنّه قال هو قديم عبد الله بن سعيد بن كلاب.(2)

والظاهر الواضح أنّ القول بأنّ السلف القائلين بعدم خلق القرآن، لا يقولون بقدم القرآن، والتفريق بين عدم الخلق والقدم لا يعدو عن أن يكون كذباً وغير صحيح.

فأوّلاً: إنّ ابن الجوزي يصرّح بأنّ الأئمّة المعتمد عليهم قالوا إنّ القرآن كلام الله قديم.(3)

وثانياً: إنّ معنى كون شيء غير مخلوق هو أنّه قديم، إذ لو فرض كونه غير قديم مع كونه غير مخلوق ، فلابدّ و أن يكون قد حدث ووجد من العدم بنفسه، وهو واضح البطلان، قال سبحانه: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ)


1. الأُصول الخمسة: 528.

2. مجموعة الرسائل:3/20.

3. المنتظم في ترجمة الأشعري: 6/332.


(257)

شَيْء) ) (1).(2)

ولأجل إيضاح الحال نأتي بما جاء به أحمد بن حنبل وأبو الحسن الأشعري في ذلك المجال.

قال أحمد بن حنبل: والقرآن كلام الله ليس بمخلوق، فمن زعم أنّ القرآن مخلوق فهو جهمي كافر، ومن زعم أنّ القرآن كلام الله عزّوجلّ ووقف، ولم يقل مخلوق ولا غير مخلوق، فهو أخبث من الأوّل. ومن زعم أنّ ألفاظنا بالقرآن وتلاوتنا له مخلوقة، والقرآن كلام الله، فهو جهمي، ومن لم يكفِّر هؤلاء القوم كلّهم فهو مثلهم.

وكلّم الله موسى تكليماً، من الله، سمع موسى يقيناً، وناوله التوراة من يده، ولم يزل الله متكلماً عالماً، تبارك الله أحسن الخالقين.(3)

وقال أبو الحسن الأشعري: ونقول إنّ القرآن كلام الله غير مخلوق وإنّ من قال بخلق القرآن فهو كافر.(4)

وقد نقل عن إمام الحنابلة أنّه قيل له: هاهنا قوم يقولون: القرآن لا مخلوق ولا غير مخلوق. فقال: هؤلاء أضر من الجهمية على الناس، ويلكم فإن لم تقولوا: ليس بمخلوق فقولوا مخلوق. فقال أحمد: هؤلاء قوم سوء، فقيل له: ما تقول؟ قال: الذي اعتقد وأذهب إليه ولا أشك فيه أنّ القرآن غير مخلوق. ثمّ قال: سبحان الله، ومن شكّ في هذا؟(5)

هذا ما لدى المحدثين والحنابلة والأشاعرة. وأمّا المعتزلة: فيقول القاضي عبد الجبار: أما مذهبنا في ذلك: أنّ القرآن كلام الله تعالى ووحيه وهو


1. الطور:35.

2. بحوث مع أهل السنّة والسلفية: 158.

3. كتاب السنة: 49.

4. الإبانة: 21، ولاحظ مقالات الإسلاميين: 321.

5. الإبانة: 69، وقد ذكر في: ص 76 أسماء المحدثين القائلين بأنّ القرآن غير مخلوق.


(258)

مخلوق حدث، أنزله الله على نبيّه ليكون علماً ودالاً على نبوته، وجعله دلالة لنا على الأحكام، لنرجع إليه في الحلال والحرام واستوجب منّا بذلك الحمد والشكر، وإذاً هو الذي نسمعه اليوم و نتلوه، وإن لم يكن محدثاً من جهة الله تعالى فهو مضاف إليه على الحقيقة، كما يضاف ما ننشده اليوم من قصيدة امرئ القيس على الحقيقة، وإن لم يكن امرؤ القيس محدثاً لها الآن.(1)

وقبل الخوض في تحليل المسألة نقدّم أُموراً:

1. إذا كانت مسألة خلق القرآن أو قدمه بمثابة أوجدت طائفتين يكفّر كلّ منهما عقيدة الآخر فإمام الحنابلة يقول: إنّ من زعم أنّ القرآن مخلوق فهو جهمي كافر. وقالت المعتزلة: إنّ القول بكون القرآن غير مخلوق أو قديم، شرك بالله سبحانه، فيجب تحليلها على ضوء العقل والكتاب والسنة بعيداً عن كلّ هياج ولغط. وممّا لا شكّ فيه أنّ المسألة قد طرحت في أجواء خاصة، عزّ فيها التفاهم وساد عليها التناكر، وإلاّ فلا معنى لمسلم يؤمن بالله ورسوله، وكتابه وسنته، التنازع في أمر تزعم إحدى الطائفتين أنّه ملاك الكفر وأنّ التوحيد في خلافه، وتزعم الطائفة الأُخرى عكس ذلك.

ولو كانت مسألة خلق القرآن بهذه المثابة لكان على الوحي، التصريح بأحد القولين، ورفع الستار عن وجه الحقيقة، مع أنّا نرى أنّه ليس في الشريعة الإسلامية نصّ في المسألة، وإنّما طرحت في أوائل القرن الثاني. نعم، استدلت الأشاعرة ببعض الآيات، غير أنّ دلالتها خفية، لا يقف عليها ـ على فرض الدلالة ـ إلاّ الأوحدي. وما يعد ملاك التوحيد والشرك يجب أن يرد فيه نصّ لا يقبل التأويل، ويقف عليه كلّ حاضر وباد...

2. قد عرفت أنّ بعض السلف كانوا يتحرّجون من وصف القرآن بأنّه قديم، وقالوا فقط إنّه غير مخلوق. ثمّ إنّ القائلين بهذا القول تدرّجوا فيه ووصفوا كلام الله بأنه قديم، ومن المعلوم أنّ توصيف شيء بأنّه غير مخلوق أو قديم ممّا لا يتجرّأ عليه العارف، لأنّ هذين الوصفين من خصائص ذاته


1. شرح الأُصول الخمسة: 258.


(259)

سبحانه، فلو كان كلامه سبحانه غير ذاته فكيف يمكن أن يتصف بكونه غير مخلوق، أو كونه قديماً. ولو فرضنا صحّة تلك العقيدة التي لا ينالها إلاّ الأوحدي في علم الكلام، فكيف يمكن أن تكون هذه المسألة الغامضة ممّا يجب الاعتقاد به على كلّ مسلم، مع أنّ الإنسان البسيط بل الفاضل لا يقدر أن يحلل ويدرك كون شيء غير الله سبحانه، وفي الوقت نفسه غير مخلوق.

إنّ سهولة العقيدة ويسر التكليف من سمات الشريعة الإسلامية وبهما تفارق سائر المذاهب السائدة على العالم، مع أنّ تصديق كون كلامه تعالى ـ و هو غير ذاته ـ غير مخلوق أو قديم، شيء يعسر فهمه على الخاصة، فكيف على العامة.

3. إنّ الظاهر من أهل الحديث هو قدم القرآن المقروء، الأمر الذي تنكره البداهة والعقل ونفس القرآن. وقد صارت تلك العقيدة بمنزلة من البطلان حتى تحامل عليها الشيخ محمد عبده إذ قال: «والقائل بقدم القرآن المقروء أشنع حالاً وأضلّ اعتقاداً عن كلّ ملّة جاء القرآن نفسه بتضليلها والدعوة إلى مخالفتها».(1)

ولمّا رأى ابن تيمية الذي يظن نفسه مروّجاً لعقيدة أهل الحديث، أنّها عقيدة تافهة، صرح بحدوث القرآن المقروء وحدوث قوله تعالى: (يا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ) و (يا أَيُّهَا المُدَّثِّر) وقوله: (قَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الّتي تُجادِلُكَ في زَوْجِها)... إلى غير ذلك من الآيات الدالّة على حدوث النداء والسمع من حينه لا من الأزل.(2)

والعجب أنّه استدلّ بدليل المعتزلة على حدوث القرآن المقروء، وقال : إنّ ترتيب حروف الكلمات الجمل يستلزم الحدوث آنَ تحقُّقِ كلمة «بسم الله»، يتوقف على حدوث الباء وانعدامها، ثمّ حدوث السين كذلك إلى آخر


1. رسالة التوحيد، الطبعة الأُولى وقد حذف نحو صفحة من الرسالة في الطبعات اللاحقة لاحظ: ص 49 من طبعة مكتبة الثقافة العربية.

2. مجموعة الرسائل الكبرى: 3/97.


(260)

الكلمة، فالحدوث والانعدام ذاتي لمفردات الحروف لا ينفك عنها، وذلك حتى يمكن أن توجد كلمة، فإذاً كيف يمكن أن يكون مثل هذا قديماً أزلياً مع الله تعالى؟!

4. لمّا كانت فكرة عدم خلق القرآن أو القول بقدمه شعار أهل الحديث وسمتهم،ومن جانب آخر كان القول بقدم القرآن المقروء والملفوظ شيئاً لا يقبله العقل السليم، جاءت الأشاعرة بنظرية جديدة أصلحوا بها القول بعدم خلق القرآن وقدمه، والتجأوا إلى أنّ المراد من كلام الله ليس هو القرآن المقروء بل الكلام النفسي، وقد عرفت مدى صحّة القول بالكلام النفسي. وليس هذا أوّل مورد تقوم الأشاعرة فيه بإصلاح عقيدة أهل الحديث بشكل يقبله العقل، وعلى كلّ تقدير فالقول بقدم الكلام النفسي ليس بمنزلة القول بقدم القرآن المقروء.

5. كيف يكون القول بخلق القرآن وحدوثه ملاكاً للكفر مع أنّه سبحانه يصفه بأنّه محدث أي أمر جديد. قال سبحانه: (اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَة مُعْرِضُونَ* ما يَأْتيهِمْ مِنْ ذِكْر مِنْ رَبِّهِمْ مُحَدَث إِلاّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُون)(1). والمراد من الذكر هو القرآن الكريم لقوله سبحانه: (إِنّا نَحْنُ نَزّلْنا الذِّكْر وَإِنّا لَهُ لَحافِظُون)(2). وقال سبحانه: (وَإِنَّهُ لَذِكرٌ لَكَ وَلِقَومِك) .(3)

والمراد من «محدث» هو الجديد، وهو وصف للذكر، ومعنى كونه جديداً أنّه أتاهم بعد الإنجيل. كما أنّ الإنجيل جديد لأنّه أتاهم بعد التوراة. وكذلك بعض سور القرآن وآياته «ذكرجديد» أتاهم بعد بعض. وليس المراد كونه محدثاً من حيث نزوله، بل المراد كونه محدثاً بذاته بشهادة أنّه وصف لـ«ذكر» فالذكر ـ بذاته وشؤونه ـ محدث، فلا معنى لإرجاع الوصف إلى النزول، بعد كونه محدثاً بالذات.


1. الأنبياء:1ـ2.

2. الحجر:9.

3. الزخرف:44.


(261)

وكيف يمكن القول بقدم القرآن مع أنّه سبحانه يقول في حقّه: (وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبنَّ بِالَّذي أَوحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكيلاً)(1). فهل يصحّ توصيف القديم بالإذهاب والإعدام؟

6. العجب أنّ محط النزاع لم يحدد بشكل واضح يقدر الإنسان معه على القضاء فيه، فهاهنا احتمالات نطرحها على بساط البحث ونطلب حكمها من العقل والقرآن:

أ. الألفاظ والجمل الفصيحة البليغة التي عجز الإنسان في جميع القرون عن الإتيان بمثلها، وقد جاء بها أمين الوحي إلى النبي الأكرم وقرأها الرسول فتلقتها الأسماع وحرّرتها الأقلام على الصحف المطهرة.

ب. المعاني السامية والمفاهيم الرفيعة في مجالات التكوين والتشريع والحوادث والأخلاق والأدب أو غيرها.

ج. ذاته سبحانه وصفاته من العلم والقدرة والحياة التي بحث عنها القرآن وأشار إليها بألفاظه وجمله.

د. علمه سبحانه بكلّ ما ورد في القرآن الكريم.

هـ. الكلام النفسي القائم بذاته.

و. كون القرآن ليس مخلوقاً للبشر «وما هو قول البشر».

وهذه المحتملات لا تختص بالقرآن الكريم بل تطَّرد في جميع الصحف السماوية النازلة إلى أنبيائه ورسله، وإليك بيان حكمها من حيث الحدوث والقدم:

أمّا الأوّل: فلا أظن إنساناً يملك شيئاً من الدرك والعقل يعتقد بكونه غير مخلوق أو كونه قديماً، كيف وهو شيء من الأشياء، وموجود من الموجودات، ممكن غير واجب. فإذا كان غير مخلوق وجب أن يكون واجباً


1. الإسراء:86.


(262)

بالذات، وهو نفس الشرك بالله سبحانه. حتى لو فرض أنّه سبحانه تكلم بهذه الألفاظ والجمل، فلا يخرج تكلمه عن كونه فعله، فهل يمكن أن يقال إنّ فعله غير مخلوق أو قديم؟

وأمّا الثاني: فهو قريب من الأوّل في البداهة، فإنّ القرآن يشتمل ـ و كذا سائر الصحف ـ على الحوادث المحقّقة في زمن النبي من محاجّة أهل الكتاب والمشركين وما جرى في غزواته وحروبه من الحوادث المؤلمة أوالمسرّة، فها يمكن أن نقول بأنّ الحادثة التي يحكيها قوله سبحانه: (قَدْ سَمِعَ اللّهُ قَول الَّتي تُجادِلُكَ في زَوجِها وَتَشْتَكي إِلَى اللّهِ وَاللّهُ يَسْمَعُ تَحاوُركُما إِنَّ اللّهَ سَميعٌ بَصيرٌ)(1)، قديمة؟

وقد أخبر الله تبارك و تعالى في القرآن والصحف السماوية عمّا جرى على أنبيائه من الحوادث، وما جرى على سائر الأُمم من ألوان العذاب، كما أخبر عمّا جرى في التكوين من الخلق والتدبير، فهذه الحقائق واردة في القرآن الكريم، حادثة بلا شك لا قديمة.

وأمّا الثالث: فلا شكّ أنّ ذاته وصفاته من العلم والقدرة والحياة وكلّ ما يرجع إليها كشهادته أنّه لاإله إلاّ هو، قديم بلا إشكال، وليس بمخلوق بالبداهة، ولكنّه لا يختصّ بالقرآن، بل كلّما يتكلّم به البشر ويشير به إلى هذه الحقائق. فحقائقه المشار إليها بالألفاظ والأصوات قديمة، وفي الوقت نفسه ما يشير به من الكلام والجمل، حادث.

وأمّا الرابع: أي علمه سبحانه بما جاء في هذه الكتب وما ليس فيها ـ فلا شكّ أنّه قديم بنفس ذاته، ولم يقل أحد من المتكلّمين الإلهيين ـ إلاّمن شذّ من الكرامية ـ بحدوث علمه.

وأمّا الخامس: أعني كونه سبحانه متكلماً بكلام قديم أزلي نفساني ليس بحروف ولا أصوات، مغاير للعلم والإرادة ـ فقد عرفت أنّ ما أسماه الشيخ


1. المجادلة:1.


(263)

الأشعري بكلام نفسي لا يخرج عن إطار العلم والإرادة، ولا شكّ أنّ علمه وإرادته البسيطة قديمان.

وأمّا السّادس: أعني كون الهدف من نفي كونه غير مخلوق القرآن غير مخلوق للبشر، وفي الوقت نفسه هو مخلوق لله سبحانه، فهذا أمر لا ينكره مسلم، فإنّ القرآن مخلوق لله سبحانه، والناس بأجمعهم لا يقدرون على مثله قال سبحانه: (قُلْ لَئِنِ اجَتَمَعتِ الإِنْس وَالجِنّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرآن لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض ظَهيراً).(1)

وقد نقل سبحانه عن بعض المشركين الألداء أنّ القرآن قول البشر وقال: (فَقالَ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ يُؤْثَر* اِنْ هذا إِلاّ قَولُ الْبَشَر) ـ ثمّ أوعده بقوله: ـ (سَأُصليه سَقَر* وَما أَدْراكَ ما سَقَر)* لا تُبْقي ولا تَذرَ) .(2)

وهذا التحليل يعرب عن أنّ المسألة كانت مطروحة في أجواء مشوّشة اختلط فيها الحابل بالنابل، ولم يكن محط البحث محرراً على وجه الوضوح حتى يعرف المثبت عن المنفي، ويمخّض الحقّ من الباطل، ومع هذا التشويش في تحرير محل النزاع، نرى أهل الحديث والأشاعرة يستدلّون بآيات وغيرها على قدم كلامه، وكونه غير مخلوق، وإليك هذه الأدلة واحداً بعد واحد:

أدلّة الأشاعرة على كون القرآن غير مخلوق

استدلّ الأشعري على قدم القرآن بوجوه:

الأوّل: قوله سبحانه: (إِنَّما قُولُنا لِشيء إِذا أرْدناهُ اَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون)(3) قال الأشعري: وممّا يدلّ من كتاب الله على أنّ كلامه غير مخلوق قوله عزّوجلّ: (إِنَّما قُولُنا لِشيء إِذا أَرْدناهُ اَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون). فلوكان القرآن مخلوقاً لوجب أن يكن مقولاً له: «كن فيكون». ولو كان الله عزّوجلّ


1. الإسراء:88.

2. المدثّر:24ـ 28.

3. النحل:40.


(264)

قائلاً للقول«كن» لكان القول قولاً، وهذا يوجب أحد أمرين:

إمّا أن يؤول الأمر إلى أنّ قول الله غير مخلوق.

أو يكون كلّ قول واقعاً بقول لا إلى غاية،وذلك محال،وإذااستحال ذلك، صحّ وثبت أنّ لله عزّ وجلّ قولاً غير مخلوق.(1)

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ الاستدلال مبني على كون الأمر بالكون في الآية ونظائرها أمراً لفظياً مؤلّفاً من الحروف والأصوات، وأنّه سبحانه كالسلطان الآمر، فكما أنّه يتوسل عند أمر وزرائه وأعوانه باللفظ فهكذا سبحانه يتوسل عند خلق السماوات والأرض باللفظ والقول، فيخاطب المعدوم المطلق بلفظة «كن».

ولا شكّ أنّ هذا الاحتمال باطل جدّاً، إذ لا معنى لخطاب المعدوم. وما يقال في تصحيحه بأنّ المعدوم معلوم لله تعالى ـ فهو يعلم الشيء قبل وجوده، وأنّه سيوجد في وقت كذا ـ غير مفيد، لأنّ العلم بالشيء لا يصحح الخطاب الجدي، وإنّما المراد من الأمر في الآية كما فهمه جمهور المسلمين، هو الأمر التكويني المعبر به عن تعلّق الإرادة القطعية بإيجاد الشيء، والمقصود من الآية: إنّ تعلّق إرادته سبحانه بشيء يستعقب وجوده، ولا يأبى عنه الشيء، وأنّ ما قضاه من الأُمور وأراد كونه، فإنّه يتكون ويدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف، كالمأمور المطيع الذي يؤمر فيمتثل، لا يتوقف ولا يمتنع ولا يكون منه الإباء. وبذلك تقف على الفرق بين الأمر التكليفي التشريعي الوارد في الكتاب والسنّة، والأمر التكويني، فالأوّل يخاطب به الإنسان العاقل القابل للتكليف ولا يخاطب به غيره فضلاً عن المعدوم، وهذا بخلاف الأمر التكويني فإنّه رمز إلى تعلّق الإرادة القطعية بإيجاد المعدوم.

وهذا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ يفسر الأمر التكويني بقوله: «يقول لمن أراد كونه، كن، فيكون لا بصوت يقرع، ولا بنداء


1. الإبانة: 52ـ 53.


(265)

يسمع، وإنّما كلامه سبحانه فعل منه، أنشأه ومثله، لم يكن من قبل ذلك كائناً، ولو كان قديماً لكان إلهاً ثانياً».(1)

وثانياً: نحن نختار الشق الثاني، ولا يلزم التسلسل، ونلتزم بأنّ هنا قولاً سابقاً على القرآن هو غير مخلوق، أوجد به سبحانه مجموع القرآن وأحدثه، حتّى كلمه «كن» الواردة في تلك الآية ونظائرها، فتكون النتيجة حدوث القرآن وجميع الكتب السماوية وجميع كلمه وكلامه إلاّ قولاً واحداً سابقاً على الجميع، فينقطع التسلسل بالالتزام بعدم مخلوقية لفظ واحد، فتدبر.

وثالثاً: كيف يمكن أن تكون كلمة «كن» الواردة في الآية وأمثالها قديمة، مع أنّها إخبار عن المستقبل فتكون حادثة. يقول سبحانه مخبراً عن المستقبل: ( إنّما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) و لأجل ذلك التجأ المتأخرون من الأشاعرة إلى أنّ لفظ «كن» حادث، والقديم هو المعنى الأزلي النفساني.(2)

***

الثاني: قوله سبحانه: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذي خَلَقَ السَّمواتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّام ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَيَطْلُبُهُ حَثيثاً والشَّمْسَ وَالْقَمَرَوَالنُّجُومَ مُسَخَّرات بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبارَكَ الله رَبُّ الْعالَمينَ) .(3)

قال الأشعري: «فالخلق» جميع ما خلق داخل فيه، ولما قال«الأمر» ذكر أمراً غير جميع الخلق. فدلّ ما وصفناه على أنّ الله غير مخلوق. وأمّا أمر الله فهو كلامه.

وباختصار: انّه سبحانه أبان الأمر من الخلق، وأمر الله كلامه، وهذا


1. نهج البلاغة: الخطبة 186.

2. دلائل الصدق حاكياً عن ابن روزبهان الأشعري: 1/153.

3. الأعراف:54.


(266)

يوجب أن يكون كلام الله غير مخلوق.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال مبني على أنّ «الأمر» في الآية بمعنى كلام الله، وهو غير ثابت، بل القرينة تدلّ على أنّ المراد منه غير ذلك، كيف وقد قال سبحانه في نفس الآية: (والنُّجُوم مُسَخَّرات بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الخَلْق وَالأَمْر) والمراد من اللفظين واحد، والأوّل قرينة على الثاني. وهدف الآية هو أنّ الخلق بمعنى الإيجاد وتدبير الموجد كلاهما من الله سبحانه، وليس شأنه سبحانه خلق العالم والأشياء ثمّ الانصراف عنها وتفويض تدبيره إلى غيره، حتّى يكون الخلق منه، والتدبير على وجه الاستقلال من غيره، بل الكلّ من جانبه سبحانه.

وباختصار: المراد من الخلق هو إيجاد ذوات الأشياء، والمراد من الأمر، النظام السائد عليها: فكأنّ الخلق يتعلّق بذواتها، والأمر بالأوضاع الحاصلة فيها والنظام الجاري بينها. وتدلّ على ذلك بعض الآيات التي يذكر فيها «تدبير الأمر» بعد الخلق.

يقول سبحانه: (إِنَّ رَبّكُمُ الله الَّذي خَلَقَ السَّمواتِ وَالأَرْضَ في سِتَّةِ أَيّام ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ ما مِنْ شَفيع إِلاّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِه).(2)

وقال تعالى: (اللّهُ الَّذي رَفَعَ السَّمواتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَونها ثُمَّ اسْتَوى عَلى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْري لأَجَل مُسَمّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ) .(3)

فليس المراد من الأمر ما يقابل النهي، بل المراد الشؤون الراجعة إلى التكوين، فيكون المقصود إنّ الإيجاد أوّلاً، والتصرف والتدبير ثانياً، منه سبحانه، فهو الخالق المالك لا شريك له في الخلق والإيجاد، ولا في الإرادة والتدبير.


1. الإبانة:51ـ 52.

2. يونس:3.

3. الرعد:2.


(267)

وفي الختام نضيف أنّه سبحانه يصف الروح بكونه من مقولة الأمر ويقول: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) (1) فهل الأشعري يسمح لمسلم أن يعتقد بكون الروح (بأيّ وجه فسر) المسؤول عنه في الآية غير مخلوق؟!

***

الثالث: قوله سبحانه:(إِنْ هذا إِلاّ قَولُ الْبَشَرِ) (2) قال الأشعري: فمن زعم أنّ القرآن مخلوق فقد جعله قولاً للبشر، وهذا ما أنكره الله على المشركين.(3)

يلاحظ عليه: أنّ من يقول بأنّ القرآن مخلوق لا يريد إلاّ كونه مخلوقاً لله سبحانه. فالله سبحانه خلقه وأوحى به إلى النبي، ونزّله عليه نجوماً في مدة ثلاث وعشرين سنة، وجعله فوق قدرة البشر، فلن يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً.

نعم، كون القرآن مخلوقاً لله سبحانه لا ينافي أن يكون ما يقرأه الإنسان مخلوقاً له، لبداهة أنّ الحروف والأصوات التي ينطق بها الناس مخلوقة لهم، وهذا كمعلّقة امرئ القيس وغيرها، فأصلها مخلوق لنفس الشاعر، لكن المقروء مثال له، ومخلوق للقارئ.

والعجب أنّ الأشعري ومن قبله ومن بعده لم ينقّحوا موضع النزاع، فزعموا أنّه إذا قيل «القرآن مخلوق» فإنّما يراد منه كون القرآن مصنوعاً للبشر، مع أنّ الضرورة قاضية بخلافه، فكيف يمكن لمسلم يعتنق القرآن ويقرأ هتاف الباري سبحانه فيه:(نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالْحَقِّ)(4)أن يتفوّه بأنّ القرآن مخلوق للبشر. بل المسلمون جميعاً يقولون في القرآن نفس ما قاله سبحانه في


1. الإسراء:85.

2. المدثر:25.

3. الإبانة:56.

4. آل عمران:3.


(268)

حقّه، غير أنّ المقروء على ألسنتهم مخلوق لأنفسهم، فيكون مثال ما نزّله سبحانه مخلوقاً للإنسان. وكون المثال مخلوقاً ليس دليلاً على أنّ الممثَّل مخلوق لهم. والناس بأجمعهم عاجزون عن إيجاد مثل القرآن، ولكنّهم قادرون على إيجاد مثاله، فلاحظ وتدبّر.

وبذلك تقف على أنّ أكثر ما استدل به الأشعري في كتاب «الإبانة» غير تام من جهة الدلالة، ولا نطيل المقام بإيراده ونقده، وفيما ذكرنا كفاية.

بقيت هنا نكتة ننبه عليها وهي: أنّ المعروف من إمام الحنابلة أنّه ما كان يرى الخوض في المسائل التي لم يخض فيها السلف الصالح، لأنّه ما كان يرى علماً إلاّ علم السلف. فما يخوضون فيه يخوض فيه، وما لا يخوضون فيه من أُمور الدين يراه ابتداعاً يجب الإعراض عنه. وهذه مسألة لم يتكلم فيها السلف فلا يتكلّم فيها. والمبتدعون هم الذين يتكلمون، وعلى هذا ، كان عليه أن يسير وراءهم،وكان من واجبه حسب أُصوله، التوقّف وعدم النبس في هذا الموضوع ببنت شفة. نعم، نقل عنه ما يوافق التوقف ـ رغم ما نقلناه عنه من خلافه ـ وأنّه قال: من زعم أنّ القرآن مخلوق فهو جهمي، ومن زعم أنّه غير مخلوق فهو مبتدع.

ويرى المحقّقون أنّ إمام الحنابلة كان في أوليات حياته يرى البحث حول القرآن ـ بأنّه مخلوق أو غير مخلوق ـ بدعة، ولكنّه بعد ما زالت المحنة وطلب منه الخليفة العباسي المتوكل، المؤيد له، الإدلاء برأيه، اختار كون القرآن ليس بمخلوق. ومع ذلك لم يؤثر عنه أنّه قال إنّه قديم.(1)

موقف أهل البيت

ـ عليهم السَّلام ـ

إنّ تاريخ البحث وما جرى على الفريقين من المحن، يشهد بأنّ التشدد فيه لم يكن بهدف إحقاق الحقّ وإزاحة الشكوك. بل استغلت كلّ طائفة تلك المسألة للتنكيل بخصومها. فلأجل ذلك نرى أنّ أئمّة أهل البيت


1. تاريخ المذاهب الإسلامية: 300.


(269)

ـ عليهم السَّلام ـ منعوا أصحابهم عن الخوض في تلك المسألة، فقد سأل الريان بن الصلت، الإمام الرضا ـ عليه السَّلام ـ وقال له: ما تقول في القرآن؟ فقال: «كلام الله لا تتجاوزوه ولا تطلبوا الهدى في غيره فتضّلوا».

وروى علي بن سالم، عن أبيه قال: سألت الصادق جعفر بن محمد فقلت له: يابن رسول الله ما تقول في القرآن؟ فقال: «هو كلام الله، وقول الله، وكتاب الله، ووحي الله، وتنزيله، وهو الكتاب العزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل حكيم حميد».

وحدّث سليمان بن جعفر الجعفري قال: «قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر ـ عليهم السَّلام ـ : يابن رسول الله، ما تقول في القرآن؟ فقد اختلف فيه من قبلنا، فقال قوم إنّه مخلوق، وقال قوم إنّه غير مخلوق؟ فقال ـ عليه السَّلام ـ : «أمّا إنّي لا أقول في ذلك ما يقولون، ولكنّي أقول إنّه كلام الله».

فإنّا نرى أنّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ يبتعد عن الخوض في تلك المسألة لمّا رأى أنّ الخوض فيها ليس لصالح الإسلام، وأنّ الاكتفاء بأنّه كلام الله أحسم لمادة الخلاف. ولكنّهم ـ عليهم السَّلام ـ عندما أحسّوا بسلامة الموقف، وهدوء الأجواء أدلوا برأيهم في الموضوع، وصرّحوا بأنّ الخالق هو الله، وغيره مخلوق، والقرآن ليس نفسه سبحانه، وإلاّ يلزم اتحاد المنزل(بالكسر) والمنزل، فهو غيره، فيكون لا محالة مخلوقاً.

فقد روى محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني قال: كتب علي بن محمد بن علي بن موسى الرضا ـ عليهم السَّلام ـ إلى بعض شيعته ببغداد: «بسم الله الرّحمن الرّحيم، عصمنا الله وإيّاك من الفتنة، فإن يفعل فقد أعظم بها نعمة، وإن لا يفعل فهي الهلكة، نحن نرى أنّ الجدال في القرآن بدعة اشترك فيها السائل والمجيب، فيتعاطى السائل ما ليس له، ويتكلّف المجيب ما ليس عليه، وليس الخالق إلاّ الله عزّوجلّ، وما سواه مخلوق، والقرآن كلام الله، لا تجعل له اسماً من عندك فتكون من الضالّين، جعلنا الله وإيّاك من الّذين


(270)

يخشون ربّهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون».(1)

في الروايات المروية إشارة إلى المحنة التي نقلها المؤرّخون، فقد كان أحمد بن أبي دؤاد في عصر المأمون كتب إلى الولاة في العواصم الإسلامية أن يختبروا الفقهاء والمحدّثين في مسألة خلق القرآن، وفرض عليهم أن يعاقبوا كلّ من لا يرى رأي المعتزلة في هذه المسألة. وجاء المعتصم والواثق فطبقا سيرته وسياسته مع خصوم المعتزلة، وبلغت المحنة أشدّها على المحدثين،وبقي أحمد بن حنبل ثمانية عشر شهراً تحت العذاب فلم يتراجع عن رأيه. ولماجاء المتوكل العباسي نصر مذهب الحنابلة وأقصى خصومهم، فعند ذلك أحس المحدّثون بالفرج، وأحاطت المحنة بأُولئك الذين كانوا بالأمس القريب يفرضون آراءهم بقوة السلطان.

فهل يمكن عدّ مثل هذا الجدال جدالاً إسلامياً، وقرآنياً، لمعرفة الحقيقة وتبيينها، أو أنّه كان وراءه شيء آخر. والله العالم بالحقائق وضمائر القلوب.


1. توحيد الصدوق، باب القرآن ما هو، الأحاديث: 2و 3و 4و 5.


(271)

(15)

عموم إرادته لكلّ شيء

إنّ من آرائه هو عموم إرادة الله سبحانه لكلّ شيء، ويعد ذلك من المسائل الرئيسية في مذهبه، وحاصله: أنّ كلّ ما في الكون من جواهر وأعراض حتى الإنسان وفعله، مراد لله سبحانه، تعلّقت إرادته بوجوده، وليس شيء في صفحة الوجود خارجاً عن سلطان إرادته، ولا يقع شيء من صغير وكبير إلاّ بإرادة منه سبحانه. ويقابل ذلك مذهب المعتزلة حيث جعلوا أفعال العباد خارجة عن حريم إرادته، فإيمان العبد وكفره وعصيانه وإطاعته لم تتعلّق بها إرادته سبحانه، وإنّما خلقه وفوض إليه إرادته. وإنّما اختلف المذهبان في عموم الإرادة وعدمه، لأجل التحفّظ على عدله سبحانه والتخلّص عن الجبر وعدمهما، فالأشعري ومن حذا حذوه لا يتحاشون عن الاعتقاد بالأصل أو الأُصول التي تساند الجبر وتستلزمه، بناءً على ما أسّسه من كون الحسن ما حسّنه الشرع، والقبح ما قبّحه الشارع، وليس للعقل دور في تشخيص الحسن والقبح. وهذا بخلاف المعتزلة فإنّ للتحسين والتقبيح دوراً عظيماً في تكييف مذهبهم، وعلى هذا الأساس ذهب الأشعري إلى عموم إرادته سبحانه لكلّ شيء من وجوده وفعله، من غير فرق بين الإنسان وفعله، سواء أوافق العدل أم خالفه، استلزم الجبر أم لا.

وزعمت المعتزلة أنّ القول بعموم الإرادة يستلزم الجبر في أفعال البشر، وهو ينافي عدله سبحانه. ولا معنى لأن يريد سبحانه كفر العبد وهو يأمر بالإيمان به، ويعذبه على ما أراده منه، وسيوافيك الكلام في استلزام عموم


(272)

إرادته الجبر وعدمه. وعلى كلّ تقدير فقد استدل الأشعري على مقالته بوجوه عقلية ونقلية، نشير إلى أُمهاتها:

الأدلّة العقلية على عموم إرادته

1. إنّ الإرادة إذا كانت من صفات الذات بالدلالة التي ذكرناها وجب أن تكون عامة لكلّ ما يجوز أن يراد على حقيقته.(1)

يلاحظ عليه: أنّه لم يبيّن وجه الملازمة بين كون الإرادة من صفات الذات وعموميتها لجميع المحدثات، فكون الإرادة من صفات الذات لا يستلزم تعلّقها بكلّ ما يجوز أن يراد.

اللّهمّ إلاّ أن يرجع إلى وجه آخر، وهو كون الإرادة من صفاته الذاتية، والذات علّة تامّة بلا واسطة لكلّ شيء، فيستنتج عموم إرادته لكلّ شيء من عموم علّيّة ذاته لكلّ شيء كما سيذكره.

2. دلّت الدلالة على أنّ الله تعالى خالق كلّ شيء حادث، ولا يجوز أن يخلق ما لا يريده.(2)

3. قد دلّت الدلالة على أنّ كلّ المحدثات مخلوقات لله تعالى، فلمّا استحال أن يفعل الباري تعالى مالا يريده، استحال أن يقع من غيره ما لا يريده، إذ كان ذلك أجمع أفعالاً لله تعالى.(3)

ويلاحظ على الوجهين: أنّهما مبنيان على أصل غير مسلَّم عند المعتزلة وهو أنّ أفعال العباد مخلوقة لله سبحانه، وأنّه سبحانه علّة تامة لها،وفاعل مباشري لكلّ شيء، وقائم مقام جميع العلل والأسباب.

4. إنّه لا يجوز أن يكون في سلطان الله تعالى مالا يريده، لأنّه لو كان في سلطان الله تعالى مالا يريده لوجب أحد أمرين: إمّا إثبات سهو وغفلة، أو


1. اللمع: 47.

2. نفس المصدر.

3. نفس المصدر.


(273)

إثبات ضعف وعجز ووهن وتقصير عن بلوغ ما يريده، فلمّا لم يجز ذلك على الله تعالى استحال أن يكون في سلطانه مالا يريده.(1)

5. لو كان في العالم مالا يريده الله تعالى لكان ما يكره كونه، ولو كان ما يكره كونه، لكان يأبى كونه. وهذا يوجب أنّ المعاصي كانت، شاء الله أم أبى. وهذه صفة الضعيف المقهور. وتعالى ربّنا عن ذلك علوّاً كبيراً.(2)

يلاحظ على الوجهين: أنّ عدم تعلّق إرادته ليس بمعنى تعلّق إرادته بعدمه، فلا يكون صدور الفعل عن الغير دليلاً على سهوه أو عجزه كما زعم، كما لا يكون دليلاً على كونه مقهوراً، إذ عدم كراهية وجود المعاصي لا يلازم كراهية عدمه، حتى يستدلّ بوقوعها على المقهورية.

وفي الختام، إنّ القول بعموم إرادته سبحانه لكلّ ما لا يجوز أن يراد عند الأشاعرة، يتفرع على أصل آخر، وهو أنّه سبحانه خالق لكلّ شيء مباشرة، وأنّه لا سبب ولا علّة في دار الوجود إلاّ هو، وليس لغيره أي سببية وتأثير استقلالاً وتبعاً. فلازم ذلك القول إنكار النظام السببي والمسببي، والاعتراف بعلة واحدة قائمة مقام جميع العلل الطبيعية والمجردة، وهذا القول لا ينفك عن عموم إرادته لكلّ شيء، فكان الأصل هو مسألة خلق الأعمال عندهم، ويترتب عليها القول بعموم إرادته. ويشهد لذلك بعض ما مرّ من أدلّة الشيخ الأشعري كالدليل الثاني.

قال الرازي في المحصل:«إنّه تعالى مريد لجميع الكائنات خلافاً للمعتزلة.[وسبق] لنا أن بيّنا أنّه تعالى خالقها، وقد تقدّم أنّ خالق الشيء مريد لوجوده».(3)

وقال القاضي عضد الدين الإيجي في المواقف: إنّه تعالى مريد لجميع الكائنات، غير مريد لما لا يكون لنا، أمّا أنّه مريد للكائنات فلأنّه خالق


1. اللمع: 49.

2. اللمع: 57ـ 58.

3. تلخيص المحصل: 334.


(274)

الأشياء كلّها لما مرّ من استناد جميع الحوادث إلى قدرته تعالى ابتداء، وخالق الشيء بلا إكراه مريد له بالضرورة.(1)

ثمّ إنّ الأشاعرة زعمت أنّ في ذلك القول تعظيماً لقدرة الله تعالى وتقديساً لها عن شوائب النقصان والقصور في التأثير، ولكن غفلوا عن أنّ تفسير إرادته عن طريق خلق الأعمال مباشرة وبلا واسطة، وإنكار سلسلة العلل والمعاليل في دار الوجود، يستلزم نسبة كلّ عيب وشين إلى الله سبحانه، فكفر الكافر مراد لله سبحانه لأنّه خالقه، وإن كان المسؤول هو الكافر المجبور المكتوف الأيدي.

نعم، تفسير عموم إرادته بهذا الوجه في جانب الإفراط، كما أنّ قول المعتزلة بإخراج أفعال العباد عن حريم إرادته في جانب التفريط، حيث زعموا أنّه سبحانه أوجد العباد وأقدرهم على تلك الأفعال، ففوض إليهم الأمر، فهم مستقلون بإيجاد أفعالهم على طبق مشيئتهم وقدرتهم متمسكين بالقول المعروف: «سبحان من تنزّه عن الفحشاء» ناسين القول الآخر: سبحان من لا يجري في ملكه إلاّ ما يشاء» وقد ندّد أئمّة الإمامية بكلا الرأيين فقد سأل محمد بن عجلان الصادق ـ عليه السَّلام ـ فقال له: فوض الله الأمر إلى العباد؟ فقال:« الله أكرم من أن يفوّض إليهم». قلت: فأجبر الله العباد على أفعالهم؟ فقال: «الله أعدل من أن يجبر عبداً على فعل ثمّ يعذّبه عليه».(2)

وقال الإمام موسى الكاظم ـ عليه السَّلام ـ في ذم المفوضة:

«مساكين القدرية أرادوا أن يصفوا الله عزّوجلّ بعدله، فأخرجوه من قدرته وسلطانه».(3)

وعلى ضوء ذلك فيجب تفسير عموم إرادته على وجه يليق بساحته، مع

التحفّظ على الأُصول المسلّمة العقلية فنقول:


1. شرح المواقف: 8/174.

2. التوحيد للصدوق: 361، الحديث6.

3. بحار الأنوار:5/54، الحديث93، ط طهران.

Website Security Test