welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الملل والنحل/ج2 (الأشعرية)*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الملل والنحل/ج2 (الأشعرية)

(185)

التكليف بما لا يطاق

إنّ الوجدان السليم والعقل الفطري يحكم بامتناع تكليف ما لا يطاق، أمّا إذاكان الآمر إنساناً فلأنّه بعد وقوفه على أنّ المأمور غير مستطيع لإيجاد الفعل، وغير قادر عليه، فلا تنقدح الإرادة في لوح نفسه وضمير روحه، ولا يبلغ تصوّر الفعل والتصديق بفائدته إلى مرحلة العزم والجزم بطلبه من المأمور، وبعثه من صميم القلب نحو الشيء المطلوب، إذ كيف يمكن أن يطلب شيئاً بطلب جدي ممّن يعلم أنّه عاجز، وهل يمكن لإنسان أن يطلب الثمرة من الشجرة اليابسة، أو المطر من الأحجار والأتربة الجامدة، ولأجل ذلك يقول المحقّقون: إنّ مرجع التكليف بما لا يطاق إلى كون نفس التكليف محالاً، وإنّ الإرادة الجدية لا تنقدح في ضمير الأمر هذا كلّه إذا كان الآمر إنساناً، وأمّا إذا كان الآمر هو الله سبحانه، فالأمر فيه واضح من جهتين:

1. إنّ التكليف بمالا يطاق أمر قبيح عقلاً، فيستحيل عليه سبحانه من حيث الحكمة أن يكلّف العبد مالا قدرة له عليه ولا طاقة له به، ويطلب منه فعل ما يعجز عنه ويمتنع منه، فلا يجوز له أن يكلّف الزمن، الطيران إلى السماء، ولا الجمع بين الضدين، ولا إدخال الجمل في خرم الإبرة، إلى غير ذلك من المحالات الممتنعة.

2. الآيات الصريحة في أنّه سبحانه لا يكلّف الإنسان إلاّ بمقدار قدرته وطاقته، قال سبحانه: (لا يُكَلّفُ الله نَفساً إِلاّ وُسْعَها). (1)

وقال تعالى: (وَما رَبُّكَ بِظَلاّم لِلْعَبيدِ). (2)

وقال عزّ من قائل:(ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحداً) .(3)

والظلم هو الإضرار بغير المستحق، وأيّ إضرار أعظم من هذا، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.

ومع هذه البراهين المشرقة سلك الأشعري غير هذا الصراط السوي، وجوز التكليف بمالا يطاق، واستدلّ عليه بالآيات التالية:

1. (أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزينَ فِي الأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ مِنْ أَولياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ) (4) وقد أُمروا أن يسمعوا الحقّ وكلّفوه، فدلّ ذلك على جواز تكليف مالا يطاق، وأنّ من لم يقبل الحقّ ولم يسمعه على طريق القبول لم يكن مستطيعاً.

2.(وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَها عَلى المَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسماءِ هؤلاءِإِنْ كُنْتُمْ صادِقينَ).(5) قال: الآية تدل على جواز تكليف ما لا يطاق،فقد أُمروا بإعلام وهم لا يعلمون ذلك ولا يقدرون عليه.

3. (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساق وَيُدْعَونَ إِلى السُّجُود فَلا يَسْتَطيعُونَ* خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَونَ إِلى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ) (6) قال: فإذا جاز تكليفه إيّاهم في الآخرة مالا يطيقون، جاز ذلك في الدنيا.


1. البقرة:286.

2. فصلت:46.

3. الكهف:49.

4. هود:20.

5. البقرة:31.

6. القلم:42ـ 43.


(186)

4.(وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَو حَرَصْتُمْ فَلا تَميلُوا كُلَّ الْمَيلِ فَتَذرُوها كالمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللّهَ كانَ غَفُوراً رَحيماً).(1) قال: وقد أمر اللّه تعالى بالعدل، ومع ذلك أخبر عن عدم الاستطاعة على أن يعدل.(2)

يلاحظ عليه:

أمّا الآية الأُولى: فيظهر ضعف الاستدلال بها بتفسير مجموع جملها:

(أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزينَ فِي الأَرْضِ ): إنّهم لم يكونوا معجزين لله سبحانه في حياتهم الأرضية وإن خرجوا عن زي العبودية وافتروا على الله الكذب، ولكن ماغلبت قدرتهم قدرة الله.

( وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ مِنْ أَولياءَ) : إنّهم وإن اتّخذوا أصنامهم أولياء ولكنّها ليست أولياء حقيقة، وليس لهم من دون الله تعالى.

( يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ): يجازون بما أتوا به من الغي والظلم والأعمال السيّئة».

( ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ) هذه الجملة في مقام التعليل يريد أنّهم لم يكفروا ولم يعصوا أمر الله، لأجل غلبة إرادتهم على إرادة الله، ولا لأنّ لهم أولياء من دون الله، بل لأنّهم ما كانوا يستطيعون أن يسمعوا ما يأتيهم من إنذار وتبشير، أو يذكر لهم من البعث والزجر من قبله سبحانه، وما كانوا يبصرون آياته، حتى يؤمنوا بها، ولكن كلّ ذلك لا لأجل أنّهم كانوا غير مستطيعين أن يسمعوا ويبصروا من بداية الأمر، بل لأنّهم أنفسهم سلبوا هذه النعم بالذنوب فصارت وسيلة لكونهم ذوي قلوب لا يفقهون بها، وذوي أعين لا يبصرون بها، وذوي آذان لا يسمعون بها، فصاروا كالأنعام بل أضلّ منها.(3)


1. النساء:129.

2. لاحظ اللمع: 99، 113، 114.

3. اقتباس من قوله سبحانه:(لهم قلوب لا يفقهون بها...) الأعراف:179.


(187)

إنّ الآيات الكريمة صريحة في أنّ عمل الإنسان وتماديه في الغي ينتهي إلى صيرورة الإنسان أعمى وأصم وأبكم، قال سبحانه: (فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ الله قُلُوبَهُمْ).(1)

وقال سبحانه: (وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاّ الفاسِقينَ) .(2)

وعلى ذلك فالآية التي استدلّ بها الشيخ، نظير قوله سبحانه: (خَتَمَ الله عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِم وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ) (3) و قوله سبحانه: (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوّل مَرَّة) .(4)

ولكن كل ذلك في نهاية حياتهم بعد تماديهم في الغي.وأمّا في ابتداء حياتهم فقد أعطى للجميع قدرة الإبصار والاستماع والتفكّر والتعقّل. قال سبحانه: (وَاللّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (5) ولكن الإنسان ربما يبلغ به الغي إلى درجة ينادي فيها ويقول: (لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أَصْحابِ السَّ عيرِ*فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصحابِ السَّعيرِ).(6)

وباختصار، الآية تحكي عن عدم استطاعتهم السمع، ولكن السبب في حصول هذه الحالة لهم، هو أنفسهم باختيارهم، وهذا لا ينافي وجود الاستطاعة قبل التمادي في الغي، وما يتوقّف عليه التكليف هو القدرة الموجودة قبل سلبها عن أنفسهم.

ومن القواعد المسلّمة في علم الكلام قولهم: «الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار».


1. الصف:5.

2. البقرة:26.

3. البقرة:7.

4. الأنعام:110.

5. النحل:78.

6. الملك:10ـ 11.


(188)

إلى هنا تعرفت على مفاد الآية، ووقفت على أنّها لا تمت إلى ما يدّعيه الشيخ بصلة، وهلم معي ندرس الآيات الباقية:

وأمّا الآية الثانية، أعني قوله سبحانه: (أَنْبِئُوني بِأَسماءِ هؤلاءِ) فليس الأمر فيها للتكليف والبعث نحو المأمور به، بل للتعجيز، مثل قوله سبحانه: (وَإِنْ كُنْتُمْ في رَيْب مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَة مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقينَ) .(1)

إنّ لصيغة الأمر معنى واحداً وهو إنشاء الطلب، لكن الغايات من الإنشاء تختلف حسب اختلاف المقامات، فتارة تكون الغاية من الإنشاء، هي بعث المكلف نحو الفعل جداً، وهذا هو الأمر الحقيقي الذي يثاب فاعله ويعاقب تاركه، ويشترط فيه القدرة الاستطاعة، وأُخرى تكون الغاية أُموراً غيره، وعند ذلك لا ينتزع منه التكليف الجدي، وذلك كالتعجيز في الآية السابقة، وكالتسخير في قوله سبحانه: (كُونُوا قِرَدَةً خاسِئينَ) (2) والإهانة، مثل قوله: (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزيزُ الكَريمُ)(3)، أو التمنّي، مثل قول امرئ القيس في معلّقته:

ألا أيّها الليل الطويل ألا انجلي * بصبح وما الإصباح منك بأمثل

إلى غير ذلك من الغايات والحوافز التي تدعو المتكلّم إلى التعبير عن مقاصده بصيغة الأمر، وذلك واضح لمن ألقى السمع وهو شهيد.

وأمّا الآية الثالثة فليست الدعوة إلى السجود فيها عن جد وإرادة حقيقية، بل الغاية من الدعوة إيجاده الحسرة في المشركين التاركين للسجود حال استطاعتهم في الدنيا. والآية تريد أن تبين أنّهم في أوقات السلامة رفضوا الإطاعة والامتثال، وعند العجز ـ بعد ما كشف الغطاء عن أعينهم ورأوا العذاب ـ همّوا بالسجود، ولكن أنّى لهم ذلك، وإليك تفسير جمل الآية.


1. البقرة:23.

2. البقرة:65.

3. الدخان:49.


(189)

(يوم يكشف عن ساق) الجملة كناية عن اشتداد الأمر وتفاقمه، وإن لم يكن هناك كشف ولا ساق،وذلك لأنّ الإنسان عند الشدة يكشف عن ساقيه،ويخوض غمار الحوادث. وهذا كما يقال للأقطع الشحيح: يده مغلولة،وإن لم يكن هناك يد ولا غل.

(ويدعون إلى السجود) : لا طلباً ولا تكليفاً جدّياً، كما زعمه الشيخ أبو الحسن، بل لازدياد الحسرة على تركهم السجود في الدنيا مع سلامتهم.

(فلا يستطيعون) : لسلب السلامة منهم(1) أو لاستقرار ملكة الاستكبار في سرائرهم، واليوم تبلى السرائر.(2)

(خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلّة) : تكون أبصارهم خاشعة ويغشاهم في ذلك اليوم ذلّة.

(وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون) : إنّهم لماّ دعوا إلى السجود في الدنيا فامتنعوا عنه مع صحتهم وصحّة أبدانهم، يدعون إلى السجود في الآخرة ولكن لا يستطيعون،وذلك لتزداد حسرتهم وندامتهم على ما فرطوا حين دعوا إليه في الدنيا وهم سالمون أصحاء.

ومجموع جمل الآية تعرب بوضوح عن أنّ الدعوة فيها لا تكون عن تكليف جدي، بل لغايات أُخرى لا يشترط فيها القدرة.

وأمّا الآية الرابعة، فلا شكّ أنّ الله سبحانه أمر بالعدالة من يتزوج أكثر من واحدة قال سبحانه: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةٌ) (3) وفي الوقت نفسه أخبر في آية أُخرى عن عدم استطاعة المتزوّجين أكثر من واحدة على أن يعدلوا. ولكن نهى عن التعلّق التام بالمحبوبة منهن،والإعراض عن الأُخرى رأساً، حتى تصير كالمعلّقة لا متزوّجة ولا مطلّقة، قال سبحانه: (وَلَنْ)


1. الكشاف:3/261.

2. الميزان:20/46، والمعنى الأوّل الذي قال به صاحب الكشاف أظهر لما في الآية التالية من قوله:(وهم سالمون) .

3. النساء:3.


(190)

تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَميلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوها كَالمُعَلَّقةِ وَأَنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً) .(1)

وبالتأمّل في جمل الآية، يظهر أنّ العدالة التي أمر بها،غير العدالة التي أخبر عن عدم استطاعة المتزوج القيام بها. فالمستطاع منها هو الذي يقدر عليه كلّ متزوج بأكثر من واحدة،وهو العدالة في الملبس و المأكل والمسكن،وغيرها من الحقوق الزوجية التي يقوم بها الزوج بجوارحه،ولا صلة لها بباطنه.

وأمّا غير المستطاع منها فهو المساواة في إقبال النفس والبشاشة والأنس، لأنّ الباعث عليها الوجدان النفسي والميل القلبي، وهو ممّا لا يملكه المرء ولا يحيط به اختياره.

والآية بصدد التنبيه على أنّ العدل الكامل بين النساء غير مستطاع،ولا يتعلّق به التكليف،ومهما حرص الإنسان على أن يجعل المرأتين كالغرارتين المتساويتين في الوزن لا يستطيعه،وهذا هو العدل الحقيقي التام.(2)

وباختصار: إنّ المنفي هو العدل الحقيقي الواقعي من غير تطرّف أصلاً، وهو ليس محلاً للتكليف، والمثبت المشروع الذي أمر به هو العدل التقريبي الذي هو في وسع كلّ متزوج بأكثر من واحدة.(3)


1. النساء:129.

2. المنار:5/448.

3. الميزان:5/106.


(191)

(12)

رؤية الله بالأبصار

إنّ رؤية الله تعالى في الآخرة ممّا اهتم الأشعري بإثباته اهتماماً بالغاً في كتابيه: «الإبانة» و «اللمع» وركز عليها في الأوّل من ناحية السمع، وفي الثاني من ناحية العقل.

قال في «الإبانة»: و ندين بأنّ الله تعالى يُرى في الآخرة بالأبصار كما يرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون، كما جاءت الروايات عن رسول الله.(1)

وقال في «اللمع»: إن قال قائل: لم قلتم إنّ رؤية الله بالأبصار جائزة من باب القياس؟

قيل له: قلنا ذلك لأنّ ما لا يجوز أن يوصف به الله تعالى ويستحيل عليه، لا يلزم في القول بجوازالرؤية.(2)

ولإيقاف القارئ على حقيقة الحال نبحث عن الأُمور التالية:

1.سرد الأقوال وتعيين محلّ النزاع.

2. دليل القائلين بجواز الرؤية من العقل.

3. دليل القائلين بالجواز من القرآن.

4. دليل القائلين بالجواز من السنّة.


1. الإبانة: 21.

2. اللمع: 61 بلتخيص.


(192)

5. استدلال المنكرين بالعقل.

6. استدلال المنكرين بالسمع.

الأمر الأوّل: في نقل الآراء حول الرؤية

المشهور بين أهل الحديث، وصرح به إمامهم أحمد بن حنبل، هو القول بجواز الرؤية في الآخرة، قال: والأحاديث في أيدي أهل العلم عن النبي: أنّ أهل الجنّة يرون ربّهم، لا يختلف فيها أهل العلم فينظرون إلى الله.(1)

وقال الأشعري في بيان عقائد أهل الحديث والسنّة: يقولون إنّ الله سبحانه يرى بالأبصار يوم القيامة كما يُرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون، لا يراه الكافرون لأنّهم عن الله محجوبون، قال الله تعالى: (كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَومَئِذ لَمَحْجُوبُون) وإنّ موسى سأل الله سبحانه الرؤية في الدنيا، وإنّ الله سبحانه تجلّى للجبل فجعله دكّاً، فأعلمه بذلك أنّه لا يراه في الدنيا، بل يراه في الآخرة.(2)

ولكن الظاهر من الآمدي أنّ القائلين بالجواز لا يخصونه بالآخرة بل يقولون بجوازها في الدنيا أيضاً، وإنّما اختلفوا في أنّه هل ورد دليل سمعي على جوازها في الدنيا أو لاً، بعد ما اتّفقوا على وروده في الآخرة، قال: «اجتمعت الأئمة من أصحابنا على رؤية الله تعالى في الدنيا والآخرة جائزة عقلاً، واختلفوا في جوازها سمعاً، فأثبته بعضهم ونفاه آخرون».(3)

وعلى كلّ تقدير فقد نقل الأشعري في مقالات الإسلاميين أقوالاً كثيرة حول الرؤية لا يستحقّ أكثرها أن يذكر، ونشير إلى بعضها إجمالاً:

إنّ جماعة يقولون: يجوز أن نرى الله بالأبصار في الدنيا، ولسنا ننكر أن يكون بعض من نلقاه في الطرقات.


1. الرد على الزنادقة: 29.

2. مقالات الإسلاميين: 322.

3. شرح المواقف: 8/115.


(193)

وأجاز عليه بعضهم في الأجسام، وأصحاب الحلول إذا رأوا إنساناً يستحسنونه لم يدروا لعلّ آلهتهم فيه.

وأجاز كثير ممّن جوّز رؤيته في الدنيا، مصافحته وملامسته ومزاورته إيّاه، وقالوا إنّ المخلصين يعانقونه في الدنيا والآخرة إذا أرادوا ذلك، حكي ذلك عن بعض أصحاب «مظهر» و «كهمس».

وقال «ضرار» و «حفص الفرد»: إنّ الله لا يُرى بالأبصار، ولكن يخلق لنا يوم القيامة حاسة سادسة، غير حواسنا فندركه بها.(1)

يقول ابن حزم: إنّ الرؤية السعيدة ليست بالقوة الموضوعة في العين، بل بقوة أُخرى موهوبة من الله.(2)

هذه هي بعض الأقوال المطروحة في المسألة من جانب بعض أهل الحديث، وليس ذلك بعجيب من أهل التجسيم، وإنّما العجب ممّن يتجنب التجسيم ويعد نفسه من أهل التنزيه والبراءة من التشبيه، ويقول ـ مع ذلك ـ بالرؤية، كالأشاعرة عامة.

ولأجل ذلك ذهبت المعتزلة والإمامية والزيدية إلى امتناع رؤيته سبحانه في الدنيا والآخرة، وقالوا بأنّ القول لا يفارق التجسيم والتشبيه، كما ستقف عليه عند سرد براهينهم إن شاء الله.

أهل الكتاب ومسألة الرؤية

وقد يدين بالرؤية أهل الكتاب قبل أهل الحديث والأشاعرة، ووردت رؤيته في العهد القديم،وإليك مقتطفات منها:

1. «رأيت السيد جالساً على كرسي عال. فقلت: ويل لي لأنّ عينيّ قد رأتا الملك رب الجنود»(أشعيا ج6 ص 1ـ6). والمقصود من السيد هو الله جلّ ذكره.


1. مقالات الإسلامين: 261ـ 265و 314.

2. الفصل:3/2.


(194)

2.«كنت أرى أنّه وضعت عروش وجلس القديم الأيام، لباسه أبيض كالثلج، وشعر رأسه كالصوف النقي وعرشه لهيب نار»(دانيال 7:9).

3. «أما أنا فبالبر أنظر وجهك»(مزامير داود:17:15).

4. «فقال منوح لامرأته: نموت موتاً لأنّنا قد رأينا الله»(القضاة13:23).

5. «فغضب الرب على سليمان، لأنّ قلبه مال عن الرب، إله إسرائيل الذي تراءى له مرتين»(الملوك الأوّل 11:9).

6.«وقد رأيت الرب جالساً على كرسيه وكلّ جند البحار وقوف لديه»(الملوك الأوّل 22:19).

7. «كان في سنة الثلاثين في الشهر الرابع في الخامس من الشهر وأنا بين المسبيين عند نهر خابور، أنّ السماوات انفتحت فرأيت رؤى الله ـ إلى أن قال: ـ هذا منظر شبه مجد الرب، ولما رأيته خررت على وجهي وسمعت صوت متكلم»(حزقيال1:1و28).

والقائلون بالرؤية من المسلمين، وإن استندوا إلى الكتاب والسنّة ودليل العقل، لكن غالب الظن أنّ القول بالرؤية، تسرب إلى المسلمين من المتظاهرين بالإسلام كالأحبار والرهبان، وربما صاروا مصدراً لبعض الأحاديث في المقام، وصار ذلك سبباً لجرأة طوائف من المسلمين على جوازها، واستدعاء الأدلّة عليها من النقل والعقل.

ما هو محلّ النزاع؟

إنّ محلّ النزاع هو رؤية الله سبحانه بالأبصار رؤية حقيقية، ولكن المجسمة يقولون بها بلا تنزيه، والأشاعرة يقولون بها مع التنزيه، أي بدون استلزام ما يمتنع عليه سبحانه، من المكان والجهة.

وأمّا الرؤية القلبية، ومشاهدة الواجب من غير الطرق الحسية فخارج


(195)

عن مصب البحث، إذ لم يقل أحد بامتناعها.

والقائلون بالرؤية مع التنزيه على فرقتين: فرقة تعتمد على الأدلة العقلية دون السمعية، وفرقة أُخرى على العكس.

فمن الأُولى: سيف الدين الآمدي، أحد مشايخ الأشاعرة في القرن السابع(551ـ631هـ)، يقول: لسنا نعتمد في هذه المسألة على غير المسلك العقلي الذي أوضحناه، إذ ما سواه لا يخرج عن الظواهر السمعية، وهي ممّا يتقاصر عن إفادة القطع واليقين، فلا يذكر إلاّ على سبيل التقريب.(1)

ومن الثانية: الرازي في عديد من كتبه كمعالم الدين ص 67 والأربعين ص 198،والمحصل ص 138، فقال: إنّ العمدة في جوازالرؤية ووقوعها هو السمع،وعليه الشهرستاني في «نهاية الأقدام» ص 369.

هذه هي الأقوال الدارجة حول الرؤية، وقد عرفت ما هو محلّ النزاع.

الأمر الثاني: الأدلّة العقلية على جواز الرؤية

قد عرفت أنّ طرف النزاع في المقام هو الأشاعرة، وفي مقدّمهم الشيخ الأشعري، وهم من أهل التنزيه، فلأجل ذلك يطرحون المسألة بشكل يناسب مذهبهم.

يقول التفتازاني: ذهب أهل السنة إلى أنّ الله تعالى يجوز أن يرى وأنّ المؤمنين في الجنّة يرونه منزّهاً عن المقابلة والجهة والمكان.(2)

وهذه القيود التي ذكرها التفتازاني، وإن كانت غير واردة في كلام صاحب المنهج، ولكن الفكرة بهذه الصورة قد نضجت في طوال قرون متمادية، إنّما الكلام في إمكان وقوع هذه الرؤية، أي أن تتحقّق الرؤية بالأبصار، ولكن


1. غاية المرام في علم الكلام: 174.

2. شرح المقاصد:2/111.


(196)

مجرّدة عن المقابلة والجهة والمكان، وهذا ما يصعب تصوّره للإنسان. فتحقّق الرؤية ـ سواء قلنا بأنّها تتحقّق بانطباع صورة المرئي في العين كما عليه العلم الحديث، أو بخروج الشعاع كما عليه بعض القدماء ـ في غير هذه الظروف أشبه بترسيم أسد بلا رأس ولا ذنب على جسم بطل; ولأجل ذلك يحاول التفتازاني أن يصحّح هذا النوع من الرؤية ويقول:

إنّا إذا عرفنا الشمس مثلاً بحدّ أو رسم، كان نوعاً من المعرفة، ثمّ إذا أبصرناها وغمضنا العين، كان نوعاً آخر فوق الأوّل، ثمّ إذا فتحنا العين حصل نوع آخر من الإدراك فوق الأوّلين نسميه الرؤية، ولا تتعلّق في الدنيا إلاّبما هو في جهة ومكان، فمثل هذه الحالة الإدراكية، هل تصحّ أن تقع بدون المقابلة والجهة، وأن تتعلّق بذات الله تعالى منزهاً عن الجهة والمكان، أو لا؟.(1)

يلاحظ عليه:

أوّلاً: أنّ الرؤية الأُولى أيضاً قبل الغمض، تصدق عليها الرؤية، وليس الاختلاف بين الرؤيتين إلاّ في الوضوح والخفاء والقصر والطول، ولكنّه إنّما خصّ النزاع بالرؤية الثانية لأجل ما ورد في الروايات، من أنّ المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة كفلق البدر.

ثانياً: أنّ الرؤية قائمة بأُمور ثمانية: 1. سلامة الحاسة 2. المقابلة أو حكمها كما في رؤية الصور المنطبعة في المرآة 3. عدم القرب المفرط 4. عدم البعد كذلك5. عدم الحجاب بين الرائي والمرئي6. عدم الشفافية، فإنّ ما لا لون له كالهواء لا يرى 7. قصد الرؤية 8. وقوع الضوء على المرئي وانعكاسه منه إلى العين.

فلو قلنا بأنّ هذه الشرائط ليست إلزامية بل هي تابعة لظروف خاصة، ولكن قسماً منها يعد مقوماً للرؤية بالأبصار، وهو كون المرئي في حيز خاص،


1. شرح المقاصد:2/111.


(197)

وتحقّق نوع مقابلة بين الرائي والمرئي وعند ذلك كيف يمكن أن تتحقّق الرؤية بلا بعض هذه الشرائط.

ثمّ إنّ بعض المثقفين من الأشاعرة لما وقعوا في مخمصة إزاء هذه الإشكالات، التجأوا إلى أمر آخر، وهو القول بأنّ كلّ شيء في الآخرة غيره في الدنيا. وهذا الكلام وإن كانت عليه مسحة من الحقّ، لكن لا يعنى به أنّ حقيقة الأشياء في الآخرة تباين حقيقتها في الدنيا، وهذا مثل أن يقال: إنّ حقيقة المربع والمثلث في الآخرة غيرهما في الدنيا، أو إنّ نتيجة «2*2» تصير في الآخرة خمسة، بحجّة أنّ كلّ شيء في الآخرة غيره في الدنيا، وإنّما المراد من القاعدة هو أنّ كلّ ما يوجد من الأشياء في الآخرة يكون بأكمل الوجود وأمثله، لا أنّه يباينه على وجه الإطلاق. يقول سبحانه: (كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَة رِزْقاً قالُوا هذا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً).(1)

ثمّ إنّ الأشعري وبعده تلاميذ منهجه استدلّوا على الجواز بوجهين: أحدهما يرجع إلى الجانب السلبي، وأنّه لا يترتب على القول بالرؤية شيء محال، والآخر إلى الجانب الإيجابي، وأنّ مصحح الرؤية في الأشياء هو الوجود، وهو مشترك بين الخالق والمخلوق.

ثمّ أكّدوا الأدلّة العقلية بالأدلة السمعية، وعلى ذلك فيقع الكلام في تحرير أدلّتهم في مقامين: الأدلّة العقلية، والأدلة السمعية. ونقدّم العقلية:

الدليل العقلي الأوّل لجواز الرؤية

إنّ تجويز الرؤية لا يستلزم شيئاً ممّا يستحيل عليه سبحانه، فلا يلزم كونه حادثاً أو إثبات حدوث معنى فيه، أو تشبيهه أو تجنيسه، أو قلبه عن حقيقته، أو تجويره أو تظليمه، أو تكذيبه. ثمّ أخذ الأشعري في شرح نفي هذه اللوازم على وجه مبسوط، ونحن نقتطف منه جملتين:

1. «ليس في جواز الرؤية إثبات حدث، لأنّ المرئي لم يكن مرئياً لأنّه


1. البقرة:25.


(198)

محدث، ولو كان مرئياً لذلك للزم أن يرى كلّ محدث، وذلك باطل».

2. «ليس في إثبات الرؤية لله تعالى تشبيه».(1)

يلاحظ على الفقرة الأُولى: أنّ الملازمة ممنوعة، إذ لقائل أن يقول: إنّ الحدوث ليس شرطاً كافياً في الرؤية حتى يلزم رؤية كلّ محدث، بل هو شرط لازم يتوقف على انضمام سائر الشروط، وبما أنّ بعضها غير متوفّر في المجردات المحدثات، لا تقع عليه الرؤية.

ويلاحظ على الفقرة الثانية: أنّه اكتفى بمجرّد ذكر الدعوى، ولم يعززها بالدليل، مع أنّ مشكلة البحث هي التشبيه الذي أشار إليه، فإنّ حقيقة الرؤية قائمة بالمقابلة ولو بالمعنى الوسيع، ولولاها لا تتحقّق،والمقابلة لا تنفك عن كون المرئي في جهة ومكان، وهذا يستلزم كونه سبحانه ذا جهة ومكان، وهو نفس التشبيه والتجسيم. وكيف يقول إنّ تجويز الرؤية لا يستلزم التشبيه؟! «ما هكذا تورد يا سعد الإبل»!

وهناك إشكال آخر التفت إليه الشيخ، فعرضه وأجاب عنه، ونحن نعرض الإشكال والجواب بنصّهما،قال:

فإن عارضونا بأنّ اللمس والذوق والشم، ليس فيه إثبات الحدث، ولا حدوث معنى في الباري تعالى، قيل لهم: قد قال بعض أصحابنا إنّ اللمس ضرب من ضروب المماسات، وكذلك الذوق وهو اتصال اللسان و اللهوات بالجسم الذي له الطعم، وإنّ الشمّ هو اتصال الخيشوم بالمشموم الذي يكون عنده الإدراك له، وإنّ المتماسين إنّما يتماسان بحدوث مماسين فيهما، وإنّ في إثبات ذلك إثبات حدوث معنى في الباري.

يلاحظ عليه: أنّ التفريق بين الأبصار وسائر الإدراكات الحسية تفريق بلا جهة، وما ذكره من أنّ المتماسّين إنّما يتماسّان بحدوث مماسّين فيهما... مجمل جداً، وذلك لأنّه إن أراد أنّ اللمس يوجب حدوث نفس المماسين وذاتهما فهو ممنوع، لأنّ ذاتهما كانتا موجودتين قبل تحقّق اللمس، وإن أراد حدوث


1. اللمع: 61ـ 62.


(199)

وصف مادي ورابطة جسمانية، وهي التي عبر عنها بقوله:«إنّ اللمس ضرب من ضروب المماسات» فتلك الحالة أيضاً حادثة عند الإبصار، غاية الأمر أنّ اللمس ضرب من ضروب المماسات، والإبصار ضرب من ضروب المقابلات، وبإعمال كلّ واحد من الحواس تتحقّق إضافة بين الحاسة والمحسوس، وفي ظلها يتحقّق الإبصار واللمس والشمّ والذوق.

وأضف إلى ذلك ما نقله عن بعض أصحابه في نقد السؤال الماضي وحاصله:

إنّ لمسنا أو ذوقنا أو شمنا إياه سبحانه، يتصور على صورتين:

1. أن يحدث الله تعالى للذائق أو الشام أو اللامس إدراكاً من غير أن يحدث في الباري تعالى معنى.

2. تلك الصورة لكن يحدث فيه سبحانه معنى، فالثاني غير جائز، والأوّل جائز، ولكن الأمر في التسمية إلى الله، إن أمرنا أن نسمّيه لمساً وذوقاً وشماً سمّيناه، وإن منعنا امتنعنا.(1)

يلاحظ عليه:

أوّلاً: أنّ معنى ذلك أن يكون سبحانه مشموماً ملموساً، مذوقاً، إذا لم يحدث فيه معنى بشمنا، وذوقنا، ولمسنا، وهذا في نهاية الضعف لا تجترئ عليه المجسّمة، فكيف بالمنزّهة؟!

وثانياً: أنّ إيجاده سبحانه في جوارحنا إدراكاً، حتى يتحقّق في ظله لمسه وذوقه، وشمّه، بلا حدوث معنى فيه، أشبه بترسيم الأسد على عضد البطل، من غير رأس ولا ذنب، لأنّ واقعية أعمال هذه الحواس لا تنفك عن تحقّق إضافة ورابطة بينها و بين المحسوس من غير فرق بين الإبصار وغيره، وهذه الإضافة إضافة مقولية قائمة بالطرفين. وقد التزم المجيب بامتناع هذا القسم، وإنّما سوغ قسماً آخر، غير معقول ولا متصوّر.


1. اللمع: 62.


(200)

وباختصار: إنّ الدليل السلبي الذي اعتمد عليه الشيخ الأشعري غير كاف، لأنّ الرؤية تستلزم التشبيه، أي ما يستحيل عليه سبحانه من كونه طرف الإضافة المقولية الحاصلة بينه و بين الحواس.

الدليل العقلي الثاني لجواز الرؤية

إنّ الوجود هو المصحح للرؤية، وهو مشترك بين الواجب وغيره وقد نسبه في المواقف إلى الشيخ الأشعري والقاضي وأكثر أئمّة الأشاعرة.(1)

وحاصله: أنّ الرؤية مشتركة بين الجوهر والعرض، ولابدّ للرؤية المشتركة من علّة واحدة وهي إمّا الوجود أو الحدوث، والحدوث لا يصلح للعلية، لأنّه أمر عدمي، فتعيّن الوجود، والوجود مشترك بين الواجب والممكن، فينتج أنّ صحّة الرؤية مشتركة بين الواجب والممكن.

وقد اعترض على ذلك البرهان في الكتب الكلامية، حتى من جانب نفس الأشاعرة(2)، بكثير ولكنّا نعتمد في نقض هذا البرهان على ما يبطله من أساسه، فنقول:

إنّ الحصر في كلامه غير حاصر، فمن أين علم أنّ مصحّح الرؤية هو الوجود؟ إذ من المحتمل أن يكون الوجود شرطاً لازماً، لا شرطاً كافياً، ويكون الملاك هو الوجود الممكن، وليس المراد من الممكن في قولنا «الوجود الممكن» الإمكان الذاتي، الذي يقع وصفاً للماهية، حتى يقال بأنّ الماهية ووصفها «الإمكان» من الأُمور العدمية والاعتبارية لا تصلح أن تكون جزء العلّة، بل المراد هو الإمكان الذي يقع وصفاً للوجود، ومعناه كون الوجود متعلقاً بالغير قائماً به، كقيام المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي، وليس الإمكان بهذا المعنى شيئاً غير حقيقة الوجود الإمكاني، كما أنّ الوجوب ليس وراء نفس حقيقة


1. شرح المواقف:8/115.

2. تلخيص المحصل: 317، غاية المرام:160، شرح التجريد للقوشجي: 431 وغيره.


(201)

الوجود في الواجب شيئاً طارئاً عليه، ومع قيام هذا الاحتمال لا يصحّ للمستدلّ أن يجعل مصحّح الرؤية نفس الوجود، ثمّ يدّعي اشتراكه بين الواجب وغيره.

بل هناك احتمال ثالث، هو أن يكون الملاك ومصحّح الرؤية هو الوجود الإمكاني المادي، الذي يقع في إطار شرائط خاصة لتحقّقها، وهي عبارة عن المقابلة وكونه طرف الإضافة المقولية بين البصر والمبصر، بضميمة وجود الضوء بينهما، فادّعاء كون الملاك أمراً وسيعاً (الوجود)، يحتاج إلى دليل.

ولو أردنا أن نقف على ما هو الملاك ـ من زاوية العلوم الطبيعية ـ فإنّ الإبصار حسب هذه العلوم رهن ظروف خاصة، ولا تعدو عن كون المبصر موجوداً ممكناً مادياً، يقع في أُفق الحس حيث يوجد هناك ضوء، وادّعاء إمكان الإبصار في غير هذه الظروف يحتاج إلى دليل، وليس الاحتمال كافياً في مقام البرهان.

والعجب أنّه يدّعي أنّ مصحّح الرؤية هو الوجود، وعليه أن يعترف بصحّة رؤية الأفكار والعقائد، والروحيات والنفسانيات من القدرة والإرادة، إلى غير ذلك من الموجودات التي لا يشكّ أحد في امتناع رؤيتها.

ولكن الشيخ حسب نقل شارح المواقف أجاب عن هذا النقض بقوله: إنّنا لا نرى هذه الأشياء التي ذكرتموها لجريان العادة من الله بعدم الرؤية، فإنّه أجرى عادته بعدم خلق رؤيتها فينا، ولكن لا يمتنع أن يخلق فينا رؤيتها كما خلق رؤية غيرها.(1)

ولا يخفى أنّ كلامه يتضمن المصادرة على المطلوب، إذ من أين وقف على إمكان رؤيتها حتى يصحّ تعليل عدم وقوعها بقوله: «أجرى عادته بعدم خلق رؤيتها فينا مع إمكانها» فإنّ الكلام في نفس الإمكان، والخصم يدّعي الامتناع وهو يدّعي خلافه.

أضف إلى ذلك أنّ اللجوء إلى عادة الله في كلمات الشيخ الأشعري


1. شرح المواقف:8/123.


(202)

وأتباعه، يرجع لبه إلى إنكار السببية والمسببية بين عوالم الوجود ودرجات العالم، وأنّ كلّ حادثة طارئة تستند إليه سبحانه مباشرة، وأنّه هو المحرق والمبرد، وما يتبادر إلى الأذهان والحواس من كون النار محرقة ليس إلاّ جريان عادة الله على إيجاد الحرارة بعد وجود النار، ولا صلة بين النار والحرارة.

وهذا الأصل الذي يعتمد عليه الأشاعرة في كثير من المواضع يضاد الكتاب العزيز والبرهان القويم. كيف و قد صرّح سبحانه في الذكر الحكيم بتأثير العلل الطبيعية في معلولاتها بإذن منه سبحانه، ونكتفي من الآيات الكثيرة بآية واحدة: (الّذي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَبِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا للّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (1). أنظر إلى قوله سبحانه(فَأخرج به)أي بسبب الماء، فللماء سببية وتأثير في خروج الثمرات.(2)

الأمر الثالث: دليل القائلين بالجواز من القرآن

استدل القائلون بجواز الرؤية بآيات كثيرة نذكر المهم منها:

الأُية الأُولى

قوله سبحانه: (كَلاّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ* وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ)* وُجُوهٌ يَومَئِذ ناضِرَةٌ) *إِلى رَبِّها ناظِرَة)* وَوُجُوهٌ يَومَئِذ باسِرَةٌ)* تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ) .(3)

تمسّكت الأشاعرة لجواز رؤية الله بهذا الدليل السمعي، قائلين بأنّ النظر إذا كان بمعنى الانتظار، يستعمل بغير صلة، ويقال انتظرته، وإذا كان بمعنى التفكر يستعمل بلفظة «في»، وإذا كان بمعنى الرأفة يستعمل باللام، وإذا كان بمعنى الرؤية يستعمل بـ«إلى» و النظر في الآية استعمل بلفظ «إلى»، فيحمل


1. البقرة:22.

2. تقدّم الكلام فيه.لاحظ: ص 161.

3. القيامة:20ـ 25.


(203)

على الرؤية.(1)

قال الشيخ أبو الحسن: والدليل على أنّ الله تعالى يُرى بالأبصار قوله تعالى: (وُجُوهٌ يَومَئِد ناضِرَة* إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ) (2) ولا يجوز أن يكون معنى قوله (إِلى ربّها ناظرة)معتبرة، كقوله تعالى: (أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ)(3). لأنّ الآخرة ليست بدار اعتبار، ولا يجوز أن يعني متعطفة راحمة كما قال: «ولا ينظر إليهم» أي لا يرحمهم ولا يتعطف عليهم، لأنّ الباري لا يجوز أن يتعطف عليه(4). ولا يجوز أن يعني منتظرة، لأنّ النظر إذا قرن النظر بذكر القلب لم يكن معناه نظر العين، لأنّ القائل إذا قال: أنظر بقلبك في هذا الأمر، كان معناه نظر القلب، وكذلك إذا قرن النظر بالوجه لم يكن معناه إلاّ نظر الوجه.

والنظر بالوجه هو نظر الرؤية الذي يكون بالعين التي في الوجه، فصحّ أنّ معنى قوله تعالى :(إِلى رَبِّها ناظرةٌ) رائية. إذا لم يجز أن يعني شيئاً من وجوه النظر الأُخرى.(5)

قال أيضاً حول دلالة الآية على الرؤية:

إنّ النظر في هذه الآية لا يمكن أن يكون نظر الانتظار، لأنّ الانتظار معه تنقيص وتكدير، وذلك لا يكون يوم القيامة، لأنّ الجنّة دار نعيم وليست دار ثواب أو عقاب، ولا يمكن أن يكون نظر الاعتبار، لأنّ الآخرة ليست دار الاعتبار بل دار ثواب أو عقاب، ولا يمكن أن يكون نظر القلب، لأنّ الله تعالى ذكر النظر مع الوجه، فاتضح أنّه نظر العينين، وإذا بطلت هذه المعاني


1. شرح التجريد للقوشجي: 334.

2. القيامة: 22ـ 23.

3. الغاشية: 17.

4. هذا سهو من قلمه، لأنّ الآية تتضمن نفي نظره سبحانه إليهم بالرحمة والعطف، لا نظرهم إليه بالعطف والحنان حتى يصح قوله: «لأنّ الباري لا يجوز أن يتعطف عليه» فلاحظ.

5. اللمع: 64.


(204)

للنظر لم يبق إلاّ حالة واحدة وهي نظر الرؤية.

يلاحظ عليه: من أين وقف الشيخ الأشعري على أنّ الآيات تحكي عن أحوال المؤمنين بعد دخول الجنّة والكافرين بعد الاقتحام في النار؟

والظاهر بقرينة قوله: (تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ) أنّ الآيات تحكي عن أحوالهم قبل دخولهم في مستقرهم ومأواهم، فلا مانع من أن يكون انتظار من دون أن يكون هناك تكدير وتنقيص.

قد شغلت هذه الآية بال الأشاعرة والمعتزلة، فالفرقة الأُولى تصرُّ على أنّ النظر هنا بمعنى الرؤية، والثانية تصر على أنّها بمعنى الانتظار لا الرؤية، ويقولون: إنّ النظر إذا استعمل مع «إلى» يجيء بمعنى الانتظار أيضاً، يقول الشاعر:

وجوه ناظرات يـوم بـدر * إلى الرحمن يأتي بالفلاح(1)

أي منتظرة إتيانه تعالى بالنصرة والفلاح.

إلى غير ذلك من الآيات والروايات والأشعار العربية، الواردة فيها تلك اللفظة بمعنى الانتظار، حتى فيما إذا كانت مقرونة بـ«إلى».

غير أنّ الحقّ أنّ الآية لا تدلّ على نظرية الأشاعرة، حتى ولو قلنا إنّ النظر في الآية بمعنى الرؤية، فإنّ الآية على كلا المعنيين تهدف إلى أمر آخر، لا صلة له بمسألة الرؤية، ويعرف مفاد الآيات بمقارنة بعضها ببعض، وإليك بيانه:

إنّ الآية الثالثة تقابل الآية الأُولى، كما أنّ الرابعة تقابل الثانية، وعند المقابلة يرفع إبهام الثانية بالآية الرابعة، وإليك تنظيم الآيات حسب المقابلة:

أ. (وجوه يومئذ ناضرة) ـ يقابلها قوله: (وجوه يومئذ باسرة) .

ب. (إلى ربّها ناظرة) ـ يقابلها قوله: (تظن أن يفعل بها فاقرة) .

وبما أنّ المقابل للآية الثانية واضح المعنى، فيكون قرينة على المراد منها،


1. وفي رواية: تنتظر الخلاصا.


(205)

فإذا كان المقصود من المقابل أنّ الطائفة العاصية تظن وتتوقع أن ينزل بها عذاب يكسر فقارها، ويقصم ظهرها، يكون المراد من عدله وقرينه عكسه وضدّه، وليس هو إلاّ أنّ الطائفة المطيعة تكون مستبشرة برحمته،ومتوقعة لفضله وكرمه، لا النظر إلى جماله وذاته وهويته، وإلاّ لخرج المقابلان عن التقابل وهو خلف.

وبعبارة أُخرى: يجب أن يكون المقابلان ـ بحكم التقابل ـ متحدي المعنى والمفهوم، ولا يكونا مختلفين في شيء سوى النفي والإثبات، فلو كان المراد من المقابل الأو،ّل أعني: (إلى ربّها ناظرة)، هو رؤية جماله سبحانه وذاته، فيجب أن يكون الجزاء في قرينه، أعني: (تظن أن يفعل بها فاقرة) هو حرمان هؤلاء عن الرؤية، أخذاً بحكم التقابل. وبما أنّ تلك الجملة ـ أعني: القرين الثاني ـ لا تحتمل ذلك المعنى، أعني: الحرمان من الرؤية، بل صريحة في انتظار العذاب الفاقر، يكون ذلك قرينة على المراد من القرين الأوّل، هو رجاء رحمته وانتظار فرجه وكرمه.

بيان آخر

إنّ المراد من «ناظرة» سواء أفسرت بمعنى الانتظار أم النظر المرادف مع الرؤية، هو توقّع المطيعين المتقين الرحمة الإلهية، في مقابل توقع العصاة عذابه الفاقر، فإذا كان هو المراد من الآية حسب التقابل، فلو قلنا بأنّ لفظة «ناظرة» بمعنى الانتظار تسقط دلالة الآية على الرؤية ـ ولو كانت بمعنى النظر المرادف مع الرؤية ـ فهي كناية عن انتظار الرحمة، مثلاً يقال: فلان ينظر إلى يد فلان، يراد أنّه رجل معدم محتاج ليس عنده شيء، وإنّما يتوقع أن يعطيه ذلك الشخص، فما أعطاه ملكه، وما منعه حرم منه، وهذا ممّا درج عليه الناس في محاوراتهم العرفية، إذ يقول إنسان في حقّ آخر«فلان ينظر إلى الله ثمّ إليك» فالنظر، وإن كان هنا بمعنى الرؤية بلا شك، لكنّه كناية عن انتظار فضله سبحانه وكرمه، كانتظاره بعد الله فضل سيده، ويفسره في «أقرب الموارد» بقوله«يتوقع فضل الله ثمّ كرمك» و الآية نظير قول القائل:

إنّي إليك لمـا وعـدت لناظـر * نظر الفقير إلى الغنيّ الموسر


(206)

فمحور البحث والمراد، في أمثال المورد، هو توقّع الرحمة وحصولها، أو عدم توقّعها وشمولها، فالطغاة يظنون شمول عذاب يفقرهم ويكسر ظهورهم، والصالحون يظنّون عكسه وضدّه. وأمّا رؤية الله سبحانه ووقوع النظر إلى ذاته فخارج عن مدار البحث في هذه المواقع، والأشعري وكلّ من استدلّ بهذه الآية على الرؤية خلط المعنى المكنّى به بالمعنى المكنّى عنه. فقد كنّى بالنظر إلى الله عن الانتظار لرحمته وشمول فضله وكرمه.

ولذلك نظائر في الكتاب العزيز، يقول سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيمانِهِمْ ثَمَناً قَليلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَليم) (1). والمراد من قوله: «لا ينظر إليهم» هو المعنى المكنّى عنه، وهو طردهم عن ساحته، وعدم شمول رحمته لهم، وعدم تعطّفه عليهم،وتدلّ على ذلك الآية المتقدّمة عليها، حيث قال عزّ من قائل: (بَلى مَنْ أَوفى بِعَهْدِهِ وَاتّقى فَإنَّ الله يُحِبُّ المُتَّقينَ) .(2)

فلو قمنا بالمقابلة يكون سياق الآيات بالشكل التالي:

(مَن أَوفى بِعَهدِهِ وَاتّقى) يكون جزاؤه قوله:(يحبّه الله فإنّ الله يحبّ المتقين).

و(إِنَّ الَّذينَ يَشترون بِعَهْدِ الله وَأَيمانِهِمْ ثَمَناً قَليلاً) يكون جزاؤهم قوله: (لا يُكَلّمُهُمُ اللّهوَلا يَنْظُر إِليهِمْ يَومَ القِيامةِ) .

فالإبهام الموجود في الجزاء الثاني يرتفع بالمعنى المتبادر من الجزاء الأوّل، فبما أنّ المراد منه هو عموم رحمته وشمول فضله يكون المراد من الجزاء الثاني هو قبض رحمته وعدم شموله لهم.

وإن شئت قلت: إنّ المراد من «لا ينظر إليهم» ليس هو عدم رؤية الله وعدم مشاهدته إيّاهم، لأنّ رؤيتهم أو عدم رؤيته ليس أمراً مطلوباً لهم حتى


1. آل عمران: 77.

2. آل عمران: 76.


(207)

يُهَدَّدوا بعدم النظر إليهم وإنّما النافع بحالهم هو وصول رحمته إليهم، والمضر بحالهم عدم شمول لطفه لهم، فيكون المراد عدم تعطّفه إليهم.

هذا هو مفتاح حل المشكل المتوهم في الآية، فتفسير الآية برؤية الله أخذاً بالمعنى المكنّى به غفلة عن محور البحث فيها.

ويدلّ على أنّ المراد من النظر ـ حتى ولو كان بمعنى الرؤية ـ ليس هو الرؤية البصرية، بل المقصود انتظار الرحمة، تقديم المفعول، أعني: «إلى ربّها» على الفعل والفاعل أعني: «ناظرة»، فإنّ تقديمه يدلّ على معنى الاختصاص، والاختصاص صحيح لو قلنا بأنّ المراد هو انتظار رؤيته، لأنّ الإنسان في هذا الظرف الهائل لا يتوقع إلاّ رحمة الله وعنايته ولطفه فقط، ولا يتوقع شيئاً سواها حتى يتخلص من أهوال القيامة، وأمّا رؤية الله سبحانه فليست بهذه المنزلة في تلك الأحوال، فليس الناس بحالة لا يطلبون فيها إلاّ النظر إليه وعدم النظر إلى غيره. وإن عمّهم العذاب بعد الرؤية ليصحّ وجه الحصر. لأنّ ما ينجيهم من الأهوال هو رحمته،لا رؤية وجهه.

يقول صاحب الكشاف: إنّ المؤمنين ينظرون إلى أشياء لا يحيط بها الحصر ولا تدخل تحت العدد. فاختصاصه سبحانه بنظرهم إليه لو كان منظوراً إليه، محال أو غير واقع، فوجب حمله على معنى يصحّ معه الاختصاص. والذي يصحّ معه أن يكون من قبيل قول الناس«أنا إلى فلان ناظر ما يصنع بي» يريد معنى التوقّع والرجاء ومن هذا القبيل قوله:

وإذا نظرت إليك من ملك والبحر دونـك زدتني نعماً(1)

إنّ هنا كلمة أُخرى للزمخشري في كشافه، يقول:

«وسمعت سروية مستجدية بمكة وقت الظهر حين يغلق الناس أبوابهم ويأوون إلى مقائلهم، تقول: «عيينتي نويظرة إلى الله وإليكم».تقصد راجية ومتوقعة لإحسانهم إليها، كما هو معنى قولهم: «أنا أنظر إلى الله ثمّ إليك»: «أتوقع فضل الله ثمّ فضلك».(2)


1. الكشاف:4/662.

2. الكشاف:3/294، في تفسير قوله سبحانه:(إلى ربّها ناظرة) .


(208)

فلو أنّ القوم تجرّدوا عن انتحال مسلك مسبق، ونظروا إلى القرآن بعين التفهّم والاستفادة، لما شكّ أحد في أنّ المراد من النظر إلى الله سبحانه في ذلك المشهد الرهيب هو رجاء رحمته وفضله وكرمه.

وممّا ذكرنا تعرف أنّ ما أتعب به الشيخ نفسه لا يفيد شيئاً. فإنّ غاية ما أثبته هو أنّ النظر هنا بقرينة «وجوه» بمعنى الرؤية، ولكنّه لم يستدلّ على أنّ الرؤية هل هي المقصود بالذات، أو هي كناية عن معنى آخر وهو انتظار رحمته، واليقين بفضله وكرمه؟ مع أنّ هنا فرقاً واضحاً بين قولنا:«عيون يومئذ ناظرة» و (وجوه يومئذ ناظرة) فلو كان الأوّل ظاهراً في الرؤية فليس الثاني كذلك. فهو في الانتظار أوضح وأبين. وليس الفاعل في قوله سبحانه :(إِلى ربّها ناظرة) هو العيون، بل الوجوه المذكورة في الآية المتقدمة، أعني قوله: (وجوه يومئذ ناظرة) فالنظر منسوب إلى الوجوه لا إلى العيون، فافهم.

وباختصار، إنّا لا نقول بأنّ النظر هنا نظر القلب، حتى يستدلّ الشيخ على عدم صحّته بأنّ النظر إذا قرن بالوجوه لم يكن معناه نظر القلب، الذي هو انتظاره، وإنّما نقول بأنّ المراد منه هو النظر بالعين، ولكن هذا المعنى المطابقي كناية عن معنى التزامي. والمقصود في الكنايات هو المعنى الثاني لا المعنى الأوّل. فإذا قلت «فلان كثير الرماد» فصدقه يتوقّف على كثرة ضيوفه ووفرة من ينزل في بيته، لا على وجود رماد في بيته.

وعلى ذلك فالذي يجب التركيز عليه هو الوقوف على ما هو مقصود المتكلّم من قوله: (إِلى ربّهاناظرة) فهل هو يريد أنّ جزاء المطيعين ذوي الوجوه الناظرة هو النظر إلى ذات الله ورؤيته؟ أو أنّه كناية عن جزاء آخر، هو انتظار رحمته وفضله وكرمه، في مقابل الطغاة ذوي الوجوه الباسرة الظانين بنزول العذاب الفاقر.

وهذه هي النكتة المهمة في فهم الآية وقد غفل عنها الأشعري وروّاد منهجه.

الآية الثانية

قوله سبحانه: (وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبّهُ قالَ رَبِّ أَرِني أَنْظُرْ)


(209)

إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَراني وَلكِنِ انْظُر إِلَى الجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوفَ تَراني فَلَمّا تَجلّى رَبُّهُ لِلْجَبَل جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوّلُ المُؤْمِنينَ) (1).(2)

احتجت الأشاعرة بهذه الآية بوجهين:

الوجه الأوّل:أنّ موسى سأل الرؤية ولو كانت ممتنعة لما سألها، لأنّه إمّا يعلم امتناع الرؤية أو يجهله، فإن علم فالعاقل لا يطلب المحال،وإن جهله فهو لا يجوز في حقّ موسى، فإنّ مثل هذا الشخص لا يستحقّ أن يكون نبيّاً.

يلاحظ عليه: أنّ المستدلّ أخذ بآية واحدة، وترك التدبّر في سائر الآيات الواردة حول الموضوع، وتصور أنّ الكليم ابتدأ بالسؤال وأُجيب بالنفي،وعلى ذلك بنى استدلاله بأنّه لو كان ممتنعاً لما سأله الكليم، ولكن الحقيقة غير ذلك، وإليك بيانه:إنّ الكليم لماأخبر قومه بأنّ الله كلّمه وقرّبه وناجاه، قالوا لن نؤمن بك حتى نسمع كلامه كما سمعت، فاختار منهم سبعين رجلاً لميقات ربّه، فخرج بهم إلى طور سيناء وسأله سبحانه أن يكلّمه، فلمّا كلّمه الله، وسمعوا كلامه، قالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فعند ذلك أخذتهم الصاعقة بظملهم وعتوهم واستكبارهم.

وإلى هذه الواقعة تشير الآيات الثلاث التالية:

1.(وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) .(3)

2.(يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِم) .(4)

3. (وَاخْتارَ مُوسى قَومَهُ سَبْعينَ رَجُلاً لِميقاتِنا فَلمّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ)


1. الأعراف:143.

2. وقد استدلّت به الأشاعرة ولم يستدلّ به الشيخ أبو الحسن في لمعه وإنّما ذكرناه تتميماً للبحث.

3. البقرة:55.

4. النساء:153.


(210)

رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِر لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيرُ الغافِرين).(1)

إلى هذه اللحظة الحسّاسة لم يَحُمْ الكليم حول الرؤية، ولم ينبس فيها ببنت شفة، ولم يطلب شيئاً، بل طلب منه سبحانه أن يحييهم، حتى يدفع اعتراض قومه عن نفسه إذا رجع إليهم، فلربما قالوا إنّك لما لم تكن صادقاً في قولك:إنّ الله يناجيك، ذهبت بهم فقتلتهم، فعند ذلك أحياهم الله وبعثهم معه. وهذا هو مقاله. يقول سبحانه عنه(قال ربّ لو شئت أهلكتهم من قبل وإيّاي أتهلكنا بما فعل السُّفهاء منّا إن هي إلاّفتنتك) .

فلو كان هناك سؤال من موسى فإنّما كان بعد هذه المرحلة، وبعد إصابة الصاعقة للسائلين وعودهم إلى الحياة بدعاء موسى.

وعند ذلك يطرح السؤال الآتي:

هل يصحّ أن ينسب إلى الكليم ـ بعد ما رأى بأُمّ عينه ما أصاب القوم من الصاعقة والدمار، إثر سؤالهم الرؤية ـ أنّه قام بالسؤال لنفسه بلا داع وسبب مبرر أو بلا ضرورة؟ أو أنّه ما قام بالسؤال ثانياً إلاّ بعد إصرار قومه وإلحاحهم عليه أن يسأل الرؤية لا لهم بل لنفسه، حتى تحصل رؤيته لله مكان رؤيتهم، فيؤمنوا به بعد إخباره بالرؤية؟

لا شكّ أنّ الأوّل بعيد جداً لا تصحّ نسبته إلى من يملك شيئاً من العقل والفكر، فضلاً عن نبي عظيم مثل الكليم. كيف وقد رأى جزاء من سأل الرؤية، فالثاني هو المتعين، وفي نفس الآية قرائن تدلّ على أنّ السؤال في المرة الثانية كان بإصرار القوم وإلحاحهم،وكفى في القرينة قوله (أَتُهلكنا بما فعل السُّفهاء)حيث يعد السؤال من فعل السفهاء، ومعه كيف يصحّ له الإقدام بلا ملزم و مبرر أو بلا ضرورة وإلجاء،وبما أنّ الله سبحانه يعلم بأنّه لم يقدم إلى


1. الأعراف:155.


(211)

السؤال إلاّ بإصرار قومه حتى يكبت هؤلاء ويسكتهم، لم يوجّه إلى الكليم أي مؤاخذة، بل خاطبه بقوله( لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني) .

وهناك كلام للإمام الطاهر علي بن موسى الرضا ـ عليه السَّلام ـ يعرب عن صحّة ما ذكرناه، وأنّ سؤال الكليم لم يكن من جانب نفسه، بل من جانب قومه. قال الإمام ـ عليه السَّلام ـ «إنّ كليم الله موسى بن عمران ـ عليه السَّلام ـ علم أنّ الله، تعالى عن أن يرى بالأبصار، ولكنّه لما كلّمه الله عزّوجلّ وقرّبه نجياً، رجع إلى قومه فأخبرهم أنّ الله عزّوجلّ كلّمه وقرّبه وناجاه، فقالوا: لن نؤمن لك حتى نسمع كلامه كما سمعت.

وكان القوم سبعمائة ألف رجل، فاختار منهم سبعين ألفاً، ثمّ اختار منهم سبعة آلاف، ثمّ اختار منهم سبعمائة، ثمّ اختار منهم سبعين رجلاً لميقات ربّه، فخرج بهم إلى طور سيناء، فأقامهم في سفح الجبل،وصعد موسى ـ عليه السَّلام ـ إلى الطور وسأل الله تبارك وتعالى أن يكلّمه، ويسمعهم كلامه، فكلّمه الله، تعالى ذكره، وسمعوا كلامه من فوق وأسفل ويمين وشمال ووراء وأمام. لأنّ الله عزّ وجلّ أحدثه في الشجرة، ثمّ جعله منبعثاً منها حتى سمعوه من جميع الوجوه فقالوا: لن نؤمن لك بأنّ هذا الذي سمعناه كلام الله حتى نرى الله جهرة، فلمّا قالوا هذا القول العظيم واستكبروا وعتَوا، بعث الله عزّوجلّ عليهم صاعقة فأخذتهم بظلمهم فماتوا.

فقال موسى: يا ربّ ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم وقالوا: إنّك ذهبت به فقتلتهم، لأنّك لم تكن صادقاً فيما ادعيت من مناجاة الله إيّاك، فأحياهم الله وبعثهم معه. فقالوا: إنّك لو سألت الله أن يريك أن تنظر إليه لأجابك، وكنت تخبرنا كيف هو فنعرفه حقّ معرفته، فقال موسى ـ عليه السَّلام ـ : «يا قوم إنّ الله لا يُرى بالأبصار ولا كيفية له، وإنّما يُعرف بآياته ويُعلم بأعلامه.

فقالوا لن نؤمن لك حتى تسأله، فقال موسى ـ عليه السَّلام ـ : يا ربّ قد سمعت مقالة بني إسرائيل وأنت أعلم بصلاحهم، فأوحى الله جلّ جلاله إليه: يا


(212)

موسى اسألني ما سألوك فلن أُؤاخذك بجهلهم، فعند ذلك قال موسى ـ عليه السَّلام ـ : ربّ أرني أنظر إليك. قال: لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه (وهو يهوي) فسوف تراني، فلما تجلّى ربّه للجبل (بآية من آياته) جعله دكاً وخرّ موسى صعقاً، فلمّا أفاق قال: سبحانك تبت إليك(يقول: رجعت إلى معرفتي بك عن جهل قومي) وأنا أوّل المؤمنين (منهم بأنّك لا تُرى)، فقال المأمون: لله درك يا أبا الحسن.(1)

ثمّ إنّ للعّلامة الزمخشري كلاماً حول تفسير الآية هو فصل الخطاب، يقرب كلامه ممّا نقلناه عن الإمام الطاهر أبي الحسن الرضا ـ عليه السَّلام ـ ، فإلى القارىء نصه: «فإن قلت: كيف طلب موسى ـ عليه السَّلام ـ ذلك وهو من أعلم الناس بالله وصفاته و مايجوز عليه ومالا يجوز، وبتعاليه عن الرؤية التي هي إدراك ببعض الحواس، وذلك إنّما يصحّ فيما كان في جهة،وما ليس بجسم ولا عرض فمحال أن يكون في جهة.

قلت: ما كان طلب الرؤية إلاّ ليبكِّت هؤلاء الذين دعاهم سفهاء وضُلاّلاً، وتبرأ من فعلهم،وليلقمهم الحجر; وذلك أنّهم حين طلبوا الرؤية أنكر عليهم،وأعلمهم الخطأ ونبّههم على الحقّ، فلجّوا وتمادوا في لجاجهم، وقالوا: لابدّ، ولن نؤمن حتى نرى الله جهرة. فأراد أن يسمعوا النصّ من عند الله باستحالة ذلك،وهو قوله: «لن تراني» ليتيقّنوا وينزاح عنهم ما دخلهم من الشبهة، فلذلك قال: (ربِّ أرني أَنظر إليك).

فإن قلت: فهلاّ قال: أرهم ينظروا إليك؟ قلت: لأنّ الله سبحانه إنّما كلّم موسى ـ عليه السَّلام ـ وهم يسمعون، فلمّا سمعوا كلام ربّ العزّة أرادوا أن يري موسى ذاته فيبصروه معه، كما أسمعه كلامه فسمعوه معه،إرادة مبنية على قياس فاسد، فلذلك قال موسى:(أَرني أَنظر إليك) ولأنّه إذا زجر عمّا طلب وأنكر عليه في نبوته واختصاصه وزلفته عند الله، وقيل له: لن يكون ذلك، كان غيره أولى بالإنكار، ولأنّ الرسول إمام أُمّته فكان ما يخاطب به أو ما


1. توحيد الصدوق:121ـ 122.


(213)

يخاطب، راجعاً إليهم، وقوله: (أَنظر إليك) وما فيه من معنى المقابلة التي هي محض التشبيه والتجسيم، دليل على أنّه ترجمة عن مقترحهم،وحكاية لقولهم، وجلّ صاحب الجمل أن يجعل الله منظوراً إليه، مقابلاً بحاسة النظر، فكيف بمن هو أعرف في معرفة الله تعالى من واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد والنظام وأبي الهذيل والشيخين وجميع المتكلّمين.

فإن قلت: ما معنى «لن»؟

قلت: تأكيد النفي الذي تعطيه «لا» و ذلك أنّ «لا» تنفي المستقبل، تقول: لا أفعل غداً، فإذا أكدت نفيها قلت: لن أفعل غداً. والمعنى أنّ فعله ينافي حالي، كقوله: (لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلو اجْتَمعوا له) ، فقوله: (لا تُدركه الأَبصار) نفي للرؤية فيما يستقبل و (لن تراني) تأكيد و بيان، لأنّ النفي مناف لصفاته.(1)

ذلك كلام الإمام الطاهر علي بن موسى الرضا ـ عليه السَّلام ـ ، أحد قرناء الكتاب وأعداله حسب تنصيص النبي الأكرمصلَّى الله عليه و آله و سلَّم.(2) وهذا تحليل علاّمة المعتزلة، ولو تأمل الإنسان المحايد فيما ذكر، لعرف دلالة الآية على امتناع الرؤية.

وبذلك يعلم أنّ الميقات الوارد في قوله تعالى: (وَلَمّا جاءَمُوسى لِميقاتِنا وَكَلّمَهُ رَبّهُ قالَ رَبِّ أَرِني أَنْظُر إِليك) نفس الميقات الوارد في الآية الأُخرى، أعني قوله: (وَاخْتارَمُوسى قومهُ سَبْعينَ رَجُلاً لِميقاتِنا فَلَمّا أَخَذتهُمُ الرّجْفَة)ولم يكن لموسى مع قومه أي ميقات غير هذا. غير أنّ الرجوع في سورة الأعراف إلى مسألة الميقات ثانياً بعد ذكره في بدء القصة، لأجل العناية بهذه القطعة من القصة، والقرآن ليس كتاب قصة، وإنّما هو كتاب هداية يكرر من القصة ما يهمّه.

وبعبارة أُخرى: إنّ موضوع طلب الرؤية ذكر في ثنايا القصة مرّة


1. الكشاف:1/573ـ 574 ط مصر. كذا في المطبوع، والصحيح: أنّ الرؤية منافية، كما في جوامع الجامع.

2. في حديث الثقلين المتواتر عند الفريقين، قال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي».


(214)

(الأعراف:143) لأجل حفظ تسلسل فصول القصة، وذكر في نهايتها ثانياً (الأعراف:155) لأجل إبراز العناية، وأنّه كان مسألة مهمة في حياة بني إسرائيل.

لقاء أو لقاءان؟

قد استظهرنا أنّه لم يكن لموسى حول مسألة الرؤية إلاّ ميقات واحد، ولم يكن هنا إلاّ طلب واحد لأجل إصرار قومه. وربما يحتمل تعدد اللقاءين، وأنّ الأوّل منهما كان عند اصطفائه سبحانه لكلامه، وتشريفه بإعطاء التوراة، وإرساله إلى قومه; وكان الثاني بعد رجوعه من الميقات ومشاهدة اتخاذ قومه العجل إلهاً، فعند ذاك اختار من قومه سبعين رجلاً وذهب بهم إلى الميقات، فأصروا على أنّهم لا يؤمنون به إلاّ بعد رؤية الله جهرة. فالآية الأُولى (وَلَمّاجاء مُوسى لميقاتنا)ناظرة إلى اللقاء الأوّل والآية الثانية (واختار موسى قومه) إلى اللقاء الثاني. وكان في كلّ، طلب وسؤال خاص.

هذا هو المفترض، ولكنّه بعيد جداً، وعلى فرض ثبوته لا يدلّ على المطلوب المدّعى ثانياً.

أمّا الأوّل: فلأنّه لو كان للكليم لقاءان، وقد سأل في الأُولى منهما الرؤية لنفسه وحده وأُجيب بالنفي، ولمّا شاهد اندكاك الجبل عند تجلي الرب صعق ووقع على الأرض، كان عليه تذكير قومه بما وقع وتخويفهم من الطلب، مع أنّه لم يذكر منه شيء في الآية الثانية. ولو نبّههم بذلك ـ و مع ذلك ألّحوا على الرؤية ـ لأشار إليه الذكر الحكيم إيعازاً إلى لجاجهم وعنادهم.

وكلّ ذلك يعرب عن وحدة اللقاء، وأنّ مجيئه لميقات ربّه لإخذ الألواح كان مع من اختارهم من قومه، ولم يكن إلاّ طلب واحد في حضرة القوم.

تفسير الآية بوجه آخر

وعلى فرض التعدّد فالرؤية التي طلبها موسى لنفسه وقال: (أَرني أَنْظُر إِليك) غير الرؤية التي طلبها قومه، فالمراد من الثانية هو الرؤية البصرية


(215)

المستحيلة، وقد أعقب السؤال نزول الصاعقة وإهلاك القوم، ولكن المراد من الأوّل هوحصول العلم الضروري، وإنّما سمي بالرؤية للمبالغة في الظهور. وله نظائر في القرآن كقوله سبحانه: (وَكَذلِكَ نُري إِبْراهيمَ مَلَكُوتَ السَّمواتِ وَالأَرْض ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنين) (1)وقوله عزّ من قائل:(كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقينِ) *لَتَرَوُنَّ الجَحيم) .(2)

فالكليم أجلّ من أن يجهل امتناع الرؤية الحسية بالأبصار، خصوصاً في الدنيا التي يسلّم الخصم امتناعه فيها. فهذا قرينة على أنّ مقصوده منها هو العلم الضروري من دون استعمال آلة حسية أو فكرية. فالله سبحانه لما اصطفاه برسالته وتكليمه وهو العلم بالله من جهة السمع، رجا أن يزيده بالعلم من جهة الرؤية، وهو كمال العلم الضروري، فأُجيب بالنفي، وأنّ الإنسان ما دام شاغلاً بتدبير بدنه، لا ينال ذاك العلم.

هذا، والأصح هو الجواب الأوّل، وأنّه لم يكن هنا إلاّ طلب واحد بإصرار من قومه.

إكمال

بقي الكلام في ارتباط قوله سبحانه: (وَلكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني) بما قبله (لن تراني) وقد قيل في وجه ارتباطه وجهان، والثاني هو المتعيّن، وإليك بيانه:

الأوّل ما ذكره صاحب الكشاف، وحاصله، أنّ اندكاك الجبل كان ردّ فعل لطلب الرؤية حتى يقف موسى على استعظام ما أقدم عليه من السؤال، وإن كان بإلحاح قومه وإصرارهم، وكأنّه عزّ وجلّ حقّق عند طلب الرؤية ما ذكره في مورد آخر، أعني: نسبة الولد إليه، أعني قوله: (وتخرّ الجبال هداً* أن دعوا للرّحمن ولداً).(3)


1. الأنعام:75.

2. التكاثر:5ـ6.

3. الكشاف:1/575.


(216)

يلاحظ عليه: أنّ سياق الآية، سياق الهداية والبرهنة على أنّه لا يُرى، وعلى ما ذكره يكون الكلام وارداً موضع العتاب الخفيف على موسى، لأجل طلب الرؤية من جانب قومه، ليقف على استعظام عمله وعظم أثره، وهو اندكاك الجبل وانخراره وصيرورته تراباً، وهذا لا ينطبق على ظاهر الآية وإن استحسنه الزمخشري وقال:

«وهذا كلام وارد في أُسلوب عجيب ونمط بديع، فقد تخلص من النظر إليه إلى النظر إلى الجبل بكلمة الاستدراك».

الثاني: أنّ الاستدراك بمنزلة التعليل لقوله:«لن تراني» والمقصود بيان ضعف الإنسان وعدم طاقته لرؤيته سبحانه، وقد بين ذلك بتجلّيه على الجبل فصار دكاً،وهوأقوى من الإنسان وأرسخ منه، فإذا كان هذا حال الجبل فكيف حال الإنسان الذي يشاركه في كونه موجوداً مادياً خاضعاً للسنن الكونية، وقد (خلق الإنسان ضعيفاً)؟!

وبذلك يحفظ على سياق الآية وارتباط أجزائها بعضها ببعض.

وأمّا ما هو المقصود من تجلّيه سبحانه، فالتجلّي هو الانكشاف والظهور بعد الخفاء، قال سبحانه: (وَاللّيلِ إِذا يَغْشى* وَالنَّهارِ إِذا تَجَلّى) (1) فالليل يغشى النهار ويستره، ثمّ يتجلّى النهار ويظهر بالتدريج. والمقصود من تجلّيه سبحانه هو تجلّيه بآثاره وأفعاله. وبما أنّ نتيجة التجلّي كانت اندكاك الجبل وصيرورته تراباً، كان التجلّي بنزول الصاعقة على الجبل التي تقلع الأشجار، وتهدم البيوت وتذيب الحديد، وتحدث الحرائق، وتقتل من تصيبه من الناس، وليست هي إلاّ شرارة كهربائية تنتج من اتحاد كهربائية سحابة في الجو مع الكهربائية الأرضية، فتكون نتيجة الاتحاد هي الصاعقة وبروز الشرارة، وما يرى من نورها هو البرق، وما يسمع هو الرعد، وهو صوت الشرارة الكهربائية التي تخرق طبقات الهواء.

فإذا كان الإنسان عاجزاً وفاقداً للطاقة في مقابل تجلّيه بفعله وأثره، فأولى


1. الليل:1ـ2.