welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الملل والنحل/ج2 (الأشعرية)*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الملل والنحل/ج2 (الأشعرية)

(125)

نظرية الكسب ومشكلة الجبر

ولما كان القول بأنّ أفعال العباد مخلوقة لله سبحانه مستلزماً للجبر، حاول الأشعري أن يعالجه بإضافة «الكسب» إلى «الخلق» قائلاً بأنّ الله هو الخالق، والعبد هو الكاسب،وملاك الطاعة والعصيان، والثواب والعقاب هو «الكسب» دون الخلق، فكلّ فعل صادر عن كلّ إنسان مريد، يشتمل على جهتين«جهة الخلق» و «جهة الكسب» فالخلق والإيجاد منه سبحانه، والكسب والاكتساب من الإنسان.

والظاهر أنّ بعض المتكلّمين سبق الأشعري في القول بالكسب.

قال القاضي عبد الجبار: إنّ جهم بن صفوان ذهب إلى أنّ أفعال العباد لا تتعلق بنا. وقال: إنّما نحن كالظروف لها حتى أنّ ماخلق فينا، كان، وإن لم يخلق لم يكن.

وقال ضرار بن عمرو(1): إنّها متعلّقة بنا ومحتاجة إلينا، ولكن جهة الحاجة إنّما هي الكسب، فقد شارك جهماً في المذهب،وزاد عليه الإحالة.(2)

أقول: إنّ نظرية الكسب التي انتشرت عن جانب الإمام الأشعري مأخوذة عن ذلك المتكلّم المجبر، ونقلها العلاّمة الحلي في «كشف المراد» عن


1. ضرار: من رجال منتصف القرن الثالث وهو ضرار بن عمرو العيني قال القاضي في طبقاته: ص 13: كان يختلف إلى واصل، ثمّ صار مجبراً وعنه نشأ هذا المذهب.

2. شرح الأُصول الخمسة: 363، وقد نقل الشيخ مقالة ضرار في كتابه مقالات الإسلاميين: 313 وقال: والذي فارق (ضرار بن عمرو) المعتزلة قوله: إنّ أعمال العباد مخلوقة وإن فعلاً واحداً لفاعلين، أحدهما خلقه وهو الله، والآخر اكتسبه وهو العبد، وإنّ الله عزّوجلّ فاعل لأفعال العباد في الحقيقة، وهم فاعلون لها في الحقيقة....


(126)

النجار و حفص الفرد أيضاً.(1) وأخذ عنهم الأشعري على الرغم من ادّعائه أنّه يخالف المجبره ولا يوافقهم. غير أنّ الذي يجب التركيز عليه أمران:

الأوّل: ما هو الداعي لإضافة الكسب إلى أفعال العباد؟

الثاني: ما هو المقصود من كون الإنسان كاسباً والله سبحانه خالقاً؟

أمّا الأوّل: فلأنّ الأشعري من أهل التنزيه، وهو يناضل أهل التشبيه والتجسيم كما يخالف المجبرة. ولمّا كان القول بأنّ أفعال العباد مخلوقة لله سبحانه لا غير، مستلزماً لوقوع الشيخ الأشعري و من لفّ لفّه في مشكلة عويصةـ إذ لقائل أن يقول: إذا كان الخالق هو الله سبحانه فلابدّ أن يكون هو المسؤول لا غير، وحينئذ يبطل الأمر والنهي والوعد والوعيد، وكلّ ما جاءت به الشرائع السماوية ـ لجأ الأشعري وأضرابه لأجل الخروج عن ذلك المضيق إلى نظرية «ضرار» معتقدين بأنّهم يقدرون بها على حل العقدة، وقالوا: إنّ الله سبحانه هو الخالق، والإنسان هو الكاسب، فلو كان هناك مسؤولية متوجّهة إلى الإنسان فهي لأجل كسبه وقيامه بهذا العمل.

هذا هو الحافز والداعي لتبنّي نظرية الكسب لا غير.

وأمّا الثاني: ـ أعني: ما هي حقيقة تلك النظرية ـ فقد اختلفت كلمات الأشاعرة في توضيح تلك النظرية اختلافاً عجيباً، فنحن ننقل ما ذكروه باختصار:

1. نظرية الكسب والشيخ الأشعري

قبل أن نقوم بنقل ما ذكره تلاميذه نأتي بنص عبارة الشيخ في «اللمع»، يقول عند إبداء الفرق بين الحركة الاضطرارية والحركة الاكتسابية: لماّ كانت القدرة موجودة في الحركة الثانية وجب أن يكون كسباً، لأنّ حقيقة الكسب هي أنّ الشيء وقع من المكتسب له بقوة محدثة.(2)


1. كشف المراد: 189 الفصل الثالث من الإلهيات، ط لبنان.

2. اللمع: 76.


(127)

وحاصله أنّ صدور الفعل من الإنسان في ظل قوة محدثة هو الكسب.

يلاحظ عليه: أنّ ظاهر العبارة هو صدور الفعل بسبب قوة محدثة من الله في العبد، وعليه يكون الفعل مقدوراً للعبد ومخلوقاً له،ومعه: كيف يمكن أن يكون في عرضه مقدوراً لله ومخلوقاً له؟!

وبعبارة ثانية: إمّا أن يكون للقوة المحدثة في العبد تأثير في تحقّق الفعل أو لا؟فعلى الأوّل يكون الفعل مخلوقاً للعبد، لا لله سبحانه، وهو ينافي الأصل المسلّم عند الأشعري ومن قبله من الحنابلة، من أنّ الخلق بتمام معنى الكلمة راجع إليه سبحانه،ولا تصحّ نسبته إلى غيره، وعلى الثاني:يكون الفعل مقدوراً مخلوقاً لله سبحانه،من دون أن يكون لقدرة العبد دور في الفعل والإيجاد. وعندئذ يعود الإشكال وهو: إذا كان الفعل مخلوقاً لله كيف يكون المسؤول هو العبد؟!

وباختصار: إنّ العبارة المذكورة عبارة مجملة، وهي على فرض القول بتأثير قوة العبد في عرض قدرة الله سبحانه أو طولها، يستلزم إمّا اجتماع القدرتين على مقدور واحد ـ إذا كانت القدرتان في عرض واحد ـ أو كون الفعل مقدوراً للقدرة الثانية، أعني: قدرة العبد ـ إذا كانت القدرتان طوليتين ـ و على فرض عدم تأثير قدرة العبد، و كون الفعل متحقّقاً بقدرته سبحانه عند حدوث القدرة في العبد، يعود الإشكال بعينه، ولا تكون للكسب واقعية أبداً.

والظاهر من المحقّق التفتازاني ترجيح الشق الأوّل في تفسير كلام الأشعري، حيث قال في شرح العقائد النسفية: فإن قيل: لا معنى لكون العبد فاعلاً بالاختيار إلاّكونه موجداً لأفعاله بالقصد الإرادة،وقد سبق أنّ الله تعالى مستقل بخلق الأفعال وإيجادها، ومعلوم أنّ المقدور الواحد لا يدخل تحت قدرتين مستقلتين، قلنا:لا كلام في قوّة هذا الكلام ومتانته، إلاّ أنّه لما ثبت بالبرهان أنّ الخالق هو الله تعالى (هذا من جانب)و (من جانب آخر) ثبت بالضرورة أنّ لقدرة العبد وإرادته مدخلاً في بعض الأفعال، كحركة اليد، دون البعض كحركة الارتعاش، احتجنا في التقصي عن هذا المضيق إلى


(128)

القول بأنّ الله تعالى خالق،والعبد كاسب.(1)

ولا يخفى أنّ القول بتأثير قدرة العبد لا يجتمع مع ما ثبت بالبرهان عندهم من أنّ الخالق هو الله تعالى، فعلى مذهبه يقع التعارض بين ما ثبت بالبرهان ومااختاره من الأصل.

ثمّ الظاهر من الفاضل القوشجي هو اختيار الشق الثالث. أي عدم تأثير قدرة العبد في الفعل حيث قال: والمراد بكسبه إيّاه مقارنته لقدرته و إرادته، من غير أن يكون هناك منه تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلاً لهو.(2)

وعلى ما ذكره ذلك الفاضل لا يكون هنا للعبد دور إلاّ كون الفعل صادراً من الله وموجداً بإيجاده، غاية الأمر كون الإصدار منه تقارن مع صفة من صفات العبد، وهما صيرورته ذا قدرة غير مؤثرة بل معطلة،عن إيجاد الله تعالى الفعل في الخارج.

أنشدك بوجدانك الحر،هل يصحّ تعذيب العبد، بحديث المقارنة، ألا بعد ذلك من أظهر ألوان الظلم، المنزة سبحانه عنه؟!

قال القاضي عبد الجبار: : إنّ أوّل من قال بالجبر وأظهره معاوية، وإنّه أظهر أنّما يأتيه بقضاء الله ومن خلقه ليجعله عذراً فيما يأتيه، و يوهم أنّه مصيب فيه، وأنّ الله جعله إماماً وولاّه الأمر،ومشى ذلك في ملوك بني أُمية.

وعلى هذا القول قتل هشام بن عبد الملك غيلان ـ رحمه الله ـ ، ثمّ نشأ بعدهم يوسف السمني فوضع لهم القول بتكليف ما لايطاق.(3)

وقال الدكتور«مدكور» في تصديره للجزء الثامن لكتاب المغني للقاضي عبد الجبار : إنّ هناك صلة وثيقة بين الحياة السياسية ونشأة الفرق والآراء الكلامية، ولكن الوشاية والدس هما الّلذان قضيا على غيلان ـ فيما يظهر ـ أكثر


1. شرح العقائد النسفية: 115.

2. شرح التجريد للفاضل القوشجي: 445.

3. المغني:8/4.


(129)

من قوله بالاختيار، بدليل أنّ عمر بن عبد العزيز سبق له أن جادله ولم يوقع عليه عقاباً، ولعلّ من هذا أيضاً ما قيل عن معبد الجهني، وجهم بن صفوان، وأغلب الظن أنّهما قتلا لأسباب سياسية لا صلة لها باللدين.(1)

قال الراغب في محاضراته: خطب معاوية يوماً فقال:إنّ الله تعالى يقول:(وَمامِنْ شَيء إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَر مَعْلُوم) فلم نلام نحن؟ فقام إليه الأحنف فقال: إنّا لا نلومك على ما في خزائن الله، ولكن نلومك على ما أنزل الله علينامن خزائنه، فأغلقت بابك دونه يا معاوية.(2)

2. نظرية الباقلاني في تفسير الكسب

«تأثير قدرة الإنسان في ترتّب العناوين على أفعاله».

قد قام القاضي الباقلاني (3) من أئمّة الأشاعرة بتفسير نظرية صاحب المنهج بشكل آخر، وقال ما هذا حاصله: الدليل قد قام على أنّ القدرة الحادثة لا تصلح للإيجاد، لكن ليست الأفعال أو وجوهها واعتباراتها تقتصر على وجهة الحدوث فقط، بل هاهنا وجوه أُخر هي وراء الحدوث.

ثمّ ذكر عدّة من الجهات والاعتبارات وقال: إنّ الإنسان يفرّق فرقاً ضرورياً بين قولنا: أوجد،وبين قولنا: صلّى و صام وقعد و قام. وكما لا يجوز أن تضاف إلى الباري تعالى جهة ما يضاف إلى العبد، فكذلك لا يجوز أن تضاف إلى العبد، جهة ما يضاف إلى الباري تعالى.

فأثبت القاضي تأثيراً للقدرة الحادثة، وأثرها هو الحالة الخاصة، وهو جهات من جهة الفعل، حصلت نتيجة تعلّق القدرة الحادثة بالفعل، وتلك الجهة هي المتعيّنة لأن تكون مقابلة بالثواب والعقاب، فإنّ الوجود من حيث هو


1. المغني:8/هـ، المقدّمة.

2. الكشكول لبهاء الدين العاملي: 429، ط عام 1321هـ ـ الحجرية.

3. القاضي أبو بكر الباقلاني (المتوفّى عام 403 هـ ) من مشاهير أئمّة الأشاعرة في بغداد، وله تأليفات، وقد طبع منها: 1. التمهيد، 2. الإنصاف في أسباب الخلاف، 3. إعجاز القرآن.


(130)

وجود لا يُستحق عليه ثواب وعقاب، خصوصاً على أصل المعتزلة، فإنّ جهة الحسن والقبح هي التي تقابل بالجزاء، والحسن والقبح صفتان ذاتيتان وراء الوجود، فالوجود من حيث هو وجود ليس بحسن ولا قبيح.

قال: فإذا جاز لكم إثبات صفتين هما حالتان، جاز لي إثبات حالة هي متعلّق القدرة الحادثة، ومن قال هي حالة مجهولة، فبيّنا بقدر الإمكان جهتها،وعرّفنا أيّ شيء هي، ومثّلناها كيف هي.(1)

وحاصل كلامه الذي قمنا بتلخيصه: هو أنّ للقدرة الحادثة تأثيراً في حدوث العناوين والخصوصيات التي هي ملاك الثواب والعقاب، وهذه العناوين وليدة قدرة العبد، حادثة بها، وإن كان وجود الفعل حادثاً سبحانه.

فوجود الفعل مخلوق لله سبحانه، لكن تعنونه بعنوان الصوم والصلاة والأكل والشرب راجع إلى العبد والقدرة الحادثة فيه.

يلاحظ عليه: أنّ هذه العناوين والجهات التي صارت ملاكاً للطاعة والعصيان لا تخلو من صورتين: إمّا أن تكون من الأُمور الوجودية، وعندئذ تكون مخلوقة لله سبحانه حسب الأصل المسلم.

وإمّا أن تكون من الأُمور العدمية، فعندئذ لا تكون للكسب واقعية خارجية، بل يكون أمراً ذهنياً غنياً عن الإيجاد والقدرة. ومثل ذلك كيف يكون ملاكاً للثواب والعقاب.

وباختصار: إنّ واقعية الكسب إمّا واقعية خارجية موصوفة بالوجود،فحينئذيكون مخلوقاً لله سبحانه، ولا يكون للعبد نصيب في الفعل; أو لا تكون له تلك الواقعية، بل يكون أمراً وهمياً ذهنياً، فحينئذ لا يكون العبد مصدراً لشيء حتى يثابه أو يعاقب.

3. نظرية الغزالي في تفسير الكسب

«صدور الفعل من الله عند حدوث القدرة في العبد».


1. الملل والنحل:1/97ـ 98.


(131)

إنّ الغزالي من مشاهير الأشاعرة في أواخر القرن الخامس وأوائل القرن السادس، وقد اختار في تفسير الكسب نظرية صاحب المنهج، وقام بتوضيحه بكلام مبسوط نذكره باختصار، قال: ذهبت المجبرة إلى إنكار قدرة العبد فلزمها إنكار ضرورة التفرقة بين حركة الرعدة، والحركة الاختيارية، ولزمها أيضاً استحالة تكاليف الشرع. وذهبت المعتزلة إلى إنكار تعلّق قدرة الله تعالى بأفعال العباد والحيوانات والملائكة والجن والشياطين، و زعمت أنّ جميع ما يصدر منها، من خلق العباد واختراعهم، لا بقدرة الله تعالى عليها بنفي ولا إيجاد، فلزمتها شناعتان عظيمتان:

إحداهما: إنكار ما أطبق عليه السلف من أنّه لا خالق إلاّ الله، ولا مخترع سواه.

والثانية: نسبة الاختراع والخلق إلى قدرة من لا يعلم ما خلقه، كأعمال النحل والعنكبوت وغيرهما من الحيوانات التي تقوم بأعاجيب الأعمال وغرائبها، ثمّ قال: وإنّما الحقّ إثبات القدرتين على فعل واحد، والقول بمقدور منسوب إلى قادرين، فلا يبقى إلاّ استبعاد توارد القدرتين على فعل واحد. وهذا إنّما يبعد إذا كان تعلّق القدرتين على وجه واحد، فإن اختلفت القدرتان واختلف وجه تعلّقهما فتوارد المتعلقتين على شيء واحد غير محال، كما نبينّه.

ثمّ إنّه حاول بيان تغاير الجهتين، وحاصل ما أفاد هو: إنّ الجهة الموجودة في تعلّق قدرته سبحانه على الفعل غير الجهة الموجودة في تعلّق قدرة العبد. والجهة في الأُولى جهة إيجادية تكون نتيجتها وقوع الفعل في الخارج، وحصوله في العين. والجهة في القدرة الثانية جهة أُخرى،وهي صدور الفعل من الله سبحانه عند حدوث القدرة في العبد.(1)

فلأجل ذلك تُسمّى الأُولى خالقاً ومخترعاً، دون الثاني، فاستعير لها


1. وأوضح التفتازاني تلكما الجهتين في مقاصده وقال: لما بطل الجبر المحض بالضرورة، وكون العبد خالقاً لأفعاله بالدليل، وجب الاقتصاد في الاعتقاد. وهو أنّها مقدورة بقدرة الله تعالى اختراعاً وبقدرة العبد على وجه آخر من التعلّق يعبر عنه عندنا بالاكتساب. وليس من ضرورة تعلّق القدرة بالمقدور أن يكون على وجه الاختراع... شرح المقاصد: 127.


(132)

النمط من النسبة اسم الكسب تيمّناً بكتاب الله تعالى.(1)

ثمّ اعترض على نفسه بما هذا حاصله: كيف تصحّ تسمية القدرة المخلوقة في العبد قدرة، إذا لم يكن لها تعلّق بالمقدور، فإنّ تعلّق القدرة بالمقدور ليس إلاّ من جهة التأثير والإيجاد و حصول المقدور بها .

وأجاب عنه : بأنّ التعلّق ليس مقصوراً على الوقوع بها، بل هناك تعلّق آخر غير الوقوع، نظير تعلّق الإرادة بالمراد، والعلم بالمعلوم، فإنّهما يتعلّقان بمتعلّقهما بتعلّق غير الوقوع ضرورة أنّ العلم ليس علّة للمعلوم، فإذاً لابدّ من إثبات أمر آخر من التعلّق سوى الوقوع.(2)

يلاحظ عليه: أنّ الغزالي لم يأت في تفسير نظرية الكسب جديدوحاصله يتلخّص في كلمتين:

1. إنّ دور قدرة العبد ليس إلاّ دور المقارنة، فعند حدوث القدرة في العبد يقوم سبحانه بخلق الفعل.

2. إنّ للتعلّق أنواعاً ولا تنحصر في الإيجاد والوجود، والإيقاع والوقوع، بل هناك جهة أُخرى نعبر عنها بالكسب ـ فالعبد مصدر لهذه الجهة، وبذلك يسمّى كاسباً ـ .

ومع هذا التطويل فالإشكال باق بحاله، فإنّ وقوع الفعل مقارناً لقدرة العبد، لا يصحح نسبة الفعل إلى العبد، ومعه لا يتحمّل مسؤولية، فإنّ نسبة المقارن إلى المقارن كنسبة تكلّم الإنسان إلى نزول المطر إلى الصحراء، فإذا لم يكن لقدرة العبد تأثير في وقوع الفعل، كيف يصحّ في منطق العقل التفكيك بين الحركة الاختيارية، والحركة الاضطرارية؟ والغزالي بكلامه هذا نقض ما ذكره في صدر البحث حيث رد على المجبرة بوجدان الفرق بين


1. وإليك نصّ عبارة الغزالي: لما كانت القدرة (قدرة العبد) والمقدور جميعاً بقدرة الله تعالى: سُمّي خالقاً ومخترعاً، ولما لم يكن المقدور بقدرة العبد وإن كان معه، فلم يسم خالقاً ولا مخترعاً. الاقتصاد في الاعتقاد: 92.

2. الاقتصاد:92ـ 93.


(133)

الحركتين، وهذا الفرق لا يتعقّل إلاّفي ظل تأثير قدرة العبد على الوقوع والوجود.

وأضعف من ذلك تنزيل تعلّق قدرة العبد بتعلّق العلم على المعلوم، مع أنّ واقعية العلم وماهيته هي الكشف التابع للمكشوف، فلا يصحّ أن يكون مؤثراً في المعلوم وموجداً له، ولكن واقعية القدرة والسلطة واقعية الإفاضة والإيجاد، فلا يتصور خلعها عن التأثير مع فرضها قدرة كاملة وبصورة علة تامة.

والمنشأ لهذه الاشتباهات والتناقضات هو العجز عن تفسير الأصل المسلّم من أنّه لا خالق إلاّ الله تعالى، حيث إنّ الأشاعرة فسّروه بحصر الخلق والإيجاد والتأثير في ذاته سبحانه، ونفي أيّ تأثير ظلي أو إيجاد حرفي لغيره. فصوّروه سبحانه وتعالى، الفاعل المباشر لكلّ ماجلّ ودقّ في عالم المجرّدات والماديات، فصارت ذاته قائمة مقام العلل الطبيعية والأسباب المادية، فعند ذلك وقعوا في ورطة الجبر ومشكلة إضطرار العبد.

ولكن الحقّ في تفسير الأصل المذكور هو غير ذلك، وحاصله: إنّ قصر الخالقية المستقلة بالله سبحانه، لا ينافي قيام غيره بأمر الخلق والإيجاد بإذنه سبحانه وإقداره، وقد شهدت الدلائل العقلية بصحّة هذا التفسير، كما نطقت الآيات في الذكر الحكيم بتأثير جملة من العلل الطبيعية في معاليلها، لكن بإذن منه سبحانه وإقدار له، فليس للتوحيد في الخالقية معنى غير ذلك، وسيوافيك تفسيره.

4. نظرية التفتازاني في تفسير الكسب

«توجه قدرة العبد على الفعل عند صدوره من الله».

إنّ المحقّق التفتازاني جنح في تفسيره إلى ما نقلناه عن الغزالي، ولخّص كلامه على ما عرفت في التعليقة.

ولكنّه في «العقائد النسفية» قام بتفسير الكسب بوجه واضح. وهو أنّ


(134)

صرف العبد قدرته وإرادته إلى الفعل كسب، وإيجاد الله تعالى الفعل عقيب ذلك خلق. والمقدور الواحد داخل تحت قدرتين، لكن بجهتين مختلفتين. فالفعل مقدور الله تعالى بجهة الإيجاد، ومقدور العبد بجهة الكسب، وهذا القدر من المعنى ضروري وإن لم نقدر على أزيد من ذلك في تلخيص العبارة المفصحة عن تحقيق كون فعل العبد بخلق الله تعالى وإيجاده، مع ما فيه للعبد من القدرة والاختيار.(1)

ومراده من الصرف هو توجه القدرة إلى الفعل وإن لم تكن مؤثرة في المقدور، فمجرّد التوجيه من غير دخل في وجود الفعل، كسب.

ويرد عليه ما أوردناه على الغزالي من أنّ القدرة غير المؤثرة لا تورث المسؤولية ولا تصحح العقاب والثواب، إلاّ أن يكون الجزاء على نفس العزم والإرادة، لا على الفعل وهو كما ترى.

ثمّ إنّ نظرية الكسب بلغت من الإبهام إلى حدّ أنّ القمة من مشايخ الأشاعرة كالتفتازاني يعترف بعجزه عن تفسيره حيث قال: «وإن لم نقدر على أزيد من ذلك في تلخيص العبارة المفصحة...».

5. نظرية تخصيص ما دلّ على حصر الخلق بالله

إنّ هناك نظرية خامسة في حلّ مشكلة الجبر نقلها شارح العقيدة الطحاوية عن صاحب كتاب «المسايرة»(2) وحاصلها: إنّ ما دلّ على حصر الخلق بالله يخصص بما سوى العزم، فكلّ شيء مخلوق لله سبحانه، وهو خالقه، إلاّ العزم على الطاعة والعصيان، فالخالق له هو العبد.

وقال في ذلك المجال ما هذا نصّه: فإن قيل: لا شكّ أنّه تعالى خلق للعبد قدرة على الأفعال، ولذا يدرك تفرقة ضرورية بين الحركة المقدورة


1. شرح العقائد النسفية: 117.

2. تأليف الشيخ كمال الدين محمد بن همام الدين الشهير بابن الهمام ( المتوفّى م 861هـ) ولكتابه هذا شروح.


(135)

والرعدة الضرورية، والقدرة ليست خاصيتها إلاّ التأثير، فوجب تخصيص عمومات النصوص بما سوى أفعالالعباد الاختيارية، فيكونون مستقلين بإيجاد أفعالهم بقدرتهم الحادثة بخلق الله تعالى إيّاها كما هو رأي المعتزلة والفلاسفة. وإلاّ كان جبراً محضاً فيبطل الأمر والنهي.

قلنا: إنّ براهين وجوب استناد كلّ الحوادث إلى القدرة القديمة بالإيجاد، إنّما تلجئ إلى القول بتعلّق القدرة بالفعل بلا تأثير، لو لم تكن عمومات تحتمل التخصيص. فأمّا إذا وجد ما يوجب التخصيص فلا. لكن الأمر كذلك. وذلك المخصص أمر عقلي، هو أنّ إرادة العموم فيها يستلزم الجبر المحض المستلزم لضياع التكليف وبطلان الأمر والنهي. ثمّ أوضح ذلك بقوله: لو عرف الله تعالى العبد العاقل أفعال الخير والشر، ثمّ خلق له قدرة أمكنه بها من الفعل والترك، ثمّ كلّفه بالإتيان بالخير ووعده عليه. وترك الشر وأوعده عليه، بناء على ذلك الإقدار لم يوجب ذلك نقصاً في الألوهية. إذ غاية ما فيه أنّه أقدره على بعض مقدوراته لحكمة صحة التكليف واتجاه الأمر والنهي. غير أنّ السمع ورد بما يقتضي نسبة الكل إليه تعالى بالإيجاد وقطعها عن العباد. فلنفي الجبر المحض وصحة التكليف وجب التخصيص، وهو لا يتوقف على نسبة جميع أفعال العباد إليهم بالإيجاد، بل يكفي لنفيه أن يقال: جميع ما يتوقف عليه أفعال الجوارح من الحركات وكذا التروك التي هي أفعال النفس من الميل والداعية التي تدعو والاختيار، بخلق الله تعالى، لا تأثير لقدرة العبد فيه. وإنّما محل قدرته، عزمه عقيب خلق الله تعالى هذه الأُمور في باطنه عزماً مصمماً بلا تردد، فإذا أوجد العبد ذلك العزم خلق الله تعالى له الفعل. فيكون منسوباً إليه تعالى من حيث هو حرّكه، وإلى العبد من حيث هو زنى و نحوه. فعن ذلك العزم الكائن بقدرة العبد المخلوقة لله تعالى، صحّ تكليفه وثوابه وعقابه. وكفى في التخصيص تصحيح التكليف هذا الأمر الواحد. أعني: العزم المصمّم، وما سواه ممّا لا يحصى من الأفعال الجزئية والتروك كلّها مخلوقة لله تعالى و متأثرة عن قدرته ابتداءً بلا واسطة القدرة الحادثة.(1)


1. شروح العقيدة الطحاوية: 122 ـ126 نقلاً عن «المسايرة» لاحظ شرحها 98.


(136)

يلاحظ عليه: أنّ المجيب تصوّر أنّ القول بانحصار الخلق بالله سبحانه يستند إلى دليل سمعي قابل للتخصيص كسائر عمومات الكتاب والسنّة. ولكن القول به يستند إلى برهان عقلي غير قابل للتخصيص،وهو أنّ الممكن في ذاته وفعله قائم بالله سبحانه، متدلّ به، وليس يملك لنفسه ذاتاً ولا فعلاً. ولا فرق في ذلك بين الأفعال الخارجية و الأفعال القلبية، أعني: العزم والجزم، فالكل ممكن، والممكن يحتاج إلى واجب في وجوده وتحقّقه، فينتج أنّ العزم والجزم في وجوده وتحقّقه محتاج إلى الواجب ومعلول لوجوده.

نعم، لو كان صاحب المسايرة وأساتذته وتلامذته ممّن يفرّقون بين الخالق على وجه الاستقلال والخالق على الوجه التبعي لما صعب عليهم المقام.

6. نظرية ابن الخطيب في تفسير الكسب

«قدرة الله مانعة عن قدرة العبد».

وإليك نصّ عبارته: إنّ الطاعة والمعصية للعبد من حيث الكسب، ولا طاعة ولا معصية من حيث الخلق، والخلق لا يصحّ أن يضاف إلى العبد، لأنّه إيجاد من عدم، والفعل موجود بالقدرة القديمة لعموم تعلّق القدرة الحادثة بها.(1)

فالقدرة الحادثة تتعلّق ولا تؤثر، وهي ـ أي القدرة الحادثة ـ تصلح للتأثير لولا المانع، وهو وجود القدرة القديمة، لأنّهما إذا تواردتا لم يكن للقدرة الحادثة تأثير.(2)


1. العبارة لا تخلو من حزازة، والصحيح أن يقال: لعموم تعلّق القدرة القديمة به، أي بالفعل.

2. القضاء والقدر لعبد الكريم الخطيب: 187 نقلاً عن «الفلسفة والأخلاق» للسان الدين بن الخطيب قال: يرى لسان الدين بن الخطيب أنّ الكسب فعل يخلقه الله تعالى في العبد كما يخلق القدرة والإرادة والعلم، فيضاف الفعل إلى الله خلقاً لأنّه خالقه، وإلى العبد كسباً لأنّه محلّه الذي قام به، ثمّ نقل العبارة التي نقلناها في المتن.

ولا يخفى أنّه لو كان الكسب أيضاً فعلاً مخلوقاً لله سبحانه، تكون المحاولة المذكورة فاشلة، إذ عندئذ يكون الخلق والكسب كلاهما من جانبه سبحانه، فلاحظ.


(137)

وحاصل هذه النظرية أنّ لقدرة العبد شأناً في التأثير لولا المانع، ولكن وجود القدرة القديمة مانع عن تأثير قدرة العبد الحادثة. ولولا سبق القدرة القديمة لكان المجال للقدرة الحادثة مفتوحاً.

يلاحظ عليه: أوّلاً: إذا كان دور الإنسان في مجال أفعاله دور الظرف والمحل، فلا معنى لإلقاء المسؤولية في الشرائع السماوية والأنظمة البشرية على عاتقه، لأنّ مكان الفعل لا يكون مسؤولاً عن الفعل المحقّق فيه، وقد صرح صاحب النظرية بكون الإنسان محلاً لإعمال قدرته سبحانه.

ثانياً: أنّ ما جاء في هذا البيان يغاير ما عليه الأشعري وأتباعه، فإنّهم لا يقيمون لقدرة الإنسان وزناً ولا قيمة، ولكن ابن الخطيب يعتقد بكونها قابلة للتأثير لولا سبق المانع وهو القدرة القديمة، ومع ذلك ليس بتام.

وذلك لأنّ فرض المانعية لإحدى القدرتين بالنسبة إلى الأُخرى إنّما يتم لو صحّ فرض كونه سبحانه هو الفاعل المباشر لكلّ ما ظهر على صفحة الوجود الإمكاني، فعند ذاك يصحّ جميع ما يتصوّر من أنّ القدرة في الإنسان مغلوبة لقدرة الخالق، وأنّها عاطلة وباطلة خلقت عبثاً وسدى، ولكنّه لم يثبت،بل الثابت خلافه، وأنّ النظام الإمكاني نظام مؤلّف من أسباب ومسببات، وكلّ مسبب يستمد ـ بإذنه سبحانه ـ عمّا تقدّمه من السبب تقدّماً زمانياً أو تقدّماً رتبياً وكمالياً.

وعلى ذاك الأصل يسقط حديث مانعية إحدى القدرتين، بل تصبح قدرة العبد بالنسبة إلى قدرته تعالى، مجلى لإرادته ومظهراً لمشيئته، كيف وقد تعلّقت مشيئته بصدور فعل كلّ فاعل عن مبادئه التي أفاضها عليه، حتى تكون النار مبدأً للحرارة عن إجبار واضطرار، والإنسان مصدراً لأفعاله عن قدرة واختيار، فلو قام كلّ بفعله فقد قام في الجهة الموافقة لإرادة الله لا المضادّة والمخالفة، فقيام هؤلاء أشبه بقيام الجنود بأمر آمرهم :(وَللّهِ جُنُودُ السَّمواتِ وَالأَرضِ وَكانَ اللّهُ عَليماً حَكيماً) (1)، (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ)


1. الفتح:4.


(138)

هُوَ) .(1)

ثالثاً: أنّ هذه المحاولات والتمحّلات ناشئة عن تصوير القدرتين في عرض واحد، فلأجل ذلك يتصور تارة كون قدرته سبحانه مانعاً عن تأثير قدرة العبد،وأُخرى بأنّه لو تعلّقت قدرة العبد على ما تعلّقت به قدرته، يلزم توارد القدرتين على مقدور واحد.

ولكن الحقّ كون فعل العبد مقدوراً ومتعلّقاً بهما، ولا يلبزم من ذلك أيّ واحد من المحذورين، لا محذور التزاحم والتمانع، ولا محذور اجتماع القدرتين التامّتين على مقدور واحد، وذلك لأنّ قدرة العبد في طول قدرة الله سبحانه، فالله سبحانه بقدرته الواسعة أوجد العبد وأودع في كيانه القدرة، وأعطاه الإرادة والحرية والاختيار، فلو اختار أحد الجانبين فقد أوجده بقدرة مكتسبة من الله سبحانه، واختيار نابع عن ذاته، وحرية هي نفس واقعيته وشخصيته، فالفعل منتسب إلى الله لكون العبد مع قدرته وإرادته، وما يحف به من الخصوصيات قائمة بذاته سبحانه، متدلّية بها، كما أنّه منتسب إلى الإنسان لكونه باختياره الذاتي وحريته النابعة منها، اختار أحد الجانبين وصرف قدرته المكتسبة في تحقّقه، كما قال سبحانه:(وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللّهَ رَمى)(2)، (وَما تَشاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ الله).(3)

فنفى عنه الرمي بعد إثباته له، وأثبت له المشيئة في ظل المشيئة الإلهية.

وما جاء في هذه الآيات من المعارف الإلهية لا يصل إليها إلاّ المتأمّل في آي الذكر الحكيم، وما نشر عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ حولها،وعليه «فالفعل فعل الله وهو فعلنا».(4)


1. المدثر:31.

2. الأنفال:17.

3. الإنسان:30.

4. شرح المنظومة للسبزواري: ص 175 اقتباس من قوله فيها:

لكن كما الوجود منسوب لنا والفعل فعل الله وهو فعلنـا


(139)

حصيلة البحث

هذه هي النظريات المطروحة حول قدرة العبد على الكسب، وقدعرفت أنّ في الجميع إبهاماً وإجمالاً، ولا تسمن ولا تغني من جوع، ولا تحل بها عقدة الجبر. وقد بلغت نظرية الكسب من الإبهام إلى حدّ عدّت من إحدى المبهمات الثلاثة التي لم يقف أحد على حقيقتها. وفي ذلك يقول الشاعر:

ممّـا يقـال ولا حقيقـة عنــده * معقـولة تـدنـو إلـى الأفهـام

الكسب عند الأشعري والحال * عند البهشمي وطفرة النظام(1)

فعد الشاعر نظرية الكسب في إحاطة الإبهام بها في عداد نظرية «الحال» عند المعتزلة و«الطفرة» عند النظام. وهذا دليل على قصور النظرية وعدم كفايتها لحلّ العقدة، وهناك كلام متين للقاضي عبد الجبار نأتي بنصه:

قال: إنّ فساد المذهب يعلم بأحد طرفين:

أحدهما: بأن يتبيّن فساده بالدلالة.

والثاني: بأن يتبيّن أنّه غير معقول في نفسه، وإذا تبيّن أنّه غير معقول في نفسه كفيت نفسك مؤونة الكلام عليه، لأنّ الكلام على ما لا يعقل لا يمكن... والذي يبيّن لك صحّة ما نقوله أنّه لو كان معقولاً لكان يجب أن يعقله مخالف المجبرة في ذلك، من الزيدية والمعتزلة والخوارج والإمامية. فإنّ دواعيهم متوفرة، وحرصهم شديد في البحث عن هذا المعنى، فلمّ في واحد من هذه الطوائف، على اختلاف مذاهبهم، وتنائي ديارهم، وتباعد أوطانهم، وطول مجادلتهم في هذه المسألة، من ادّعى أنّه عقل هذا المعنى أو ظنه أو توهّمه، دلّ على أنّ ذلك ممّا لا يمكن اعتقاده والإخبار عنه ألبتة.

وممّا يدلّ على أنّ الكسب غير معقول، هو أنّه لو كان معقولاً لوجب ـ كما عقله أهل اللغة وعبروا عنه ـ أن يعقله غيرهم من أهل اللغات، وأن يضعوا له عبارة تنبئ عن معناه. فلمّا لم شيء من اللغات ما يفيده هذه الفائدة،


1. القضاء والقدر لعبد الكريم الخطيب: 185.


(140)

دلّ على أنّه غير معقول.(1)

قال الشيخ المفيد:

ثلاثة أشياء لا تعقل،وقد اجتهد المتكلّمون في تحصيل معانيها من معتقديها بكلّ حيلة فلم يظفروا منهم إلاّ بعبارات يتناقض المعنى فيها على مفهوم الكلام:

1. اتحاد النصرانية.

2. كسب النجارية.

3. أحوال البهشمية.

وقال الشيخ: ومن ارتاب فيما ذكرناه في هذا الباب فليتوصل إلى إيراد معنى ـ في واحد منها ـ معقول، والفرق [كذا] بينها في التناقض والفساد، ليعلم أنّ خلاف ما حكما به هو الصواب وهيهات.(2)

7. مالبرانس الفرنسي ونظرية الكسب (1631ـ 1715م)

ثمّ إنّ المنقول عن الفيلسوف الفرنسي«مالبرانس» يتحد مع نظرية الأشعري حرفاً بحرف و من المظنون أنّه وقف على بعض الكتب الكلامية للأشاعرة، فأفرغ نظرية الكسب حسب ما تلقّاه من تلك الكتب،وحاصل ما قال:

إنّ كلّ فعل إنّما هو في الحقيقة لله،ولكن يظهر على نحو ما يظهر، إذا تحقّقت ظروف خاصة إنسانية أو غير إنسانية حتى لكأنّها يخيل للإنسان أنّ الظروف هي التي أوجدته.

فهذه النظرية أولى بأن تسمّى بنظرية الاتفاقية، أو نظرية الظروف


1. شرح الأُصول الخمسة للقاضي عبد الجبار: 364ـ 366.

2. حكايات الشيخ المفيد برواية الشريف المرتضى لاحظ مجلة «تراثنا» العدد3، من السنة الرابعة، ص118.


(141)

والمناسبات، وهي نفس نظرية الأشعري حيث يرى أنّه لا تأثير للقدرة الحادثة في الأحداث،وإنّما جرت سنّة الله بأن يلازم بين الفعل المحدث وبين القدرة المحدثة(بالكسر) له إذا أراد العبد وتجرد له، ويسمّى هذا الفعل كسباً. فيكون خلقاً من الله، وكسباً من العبد، عندما يقع في متناول قدرته واستطاعته، من غير تعلّقه عليه».(1)

وقد نقل ذكاء الملك نظرية ذلك الفيلسوف الفرنسي في موسوعته الفلسفية. وهي تبتني على إنكار قانون العلية والمعلولية بين الأشياء، وأنّ كلّ ما يعدّ علّة لشيء فهو من باب المقارنة. فلو رأينا أنّ جسماً يحرك جسماً آخر، فذلك إدراك سطحي، والمحدث هو الله سبحانه، وتلاقي الجسمين ظرف لقيامه بالتحريك،ومثله تحريك النفس عضواً من أعضاء البدن، فالمحرك هو الله سبحانه و إرادة النفس ظرف ومحلّ لظهور فعله سبحانه.(2)

ولا نعلّق على هذه النظرية سوى القول بأنّها مخالفة للبراهين الفلسفية القائمة على وحدة حقيقة الوجود في جميع المراتب، واختلافها بالشدة والضعف، فعندئذ لا معنى لأن يختص التأثير ببعض المراتب دون آخر مع الوحدة في الحقيقة.

إنّ إنكار التأثير على وجه الإطلاق بين الظواهر الطبيعية وما فوقها يخالف البرهان العقلي الفلسفي أوّلاً، وصريح الذكر الحكيم ثانياً، والفطرة السليمة الإنسانية ثالثاً، والتفصيل في الجهات الثلاث موكول إلى محله.

8. نظرية إمام الحرمين

«الاعتراف بتأثير قدرة العبد في طول قدرة الله».

إنّ الأشاعرة، وإن أصرّوا على نظريتهم في أفعال العباد طوال قرون، ولم يتجاوزوا ما رسمه لهم شيخهم في هذه المسألة إلاّ شيئاً يسيراً، كما عرفته عند


1. القضاء والقدر للكاتب المصري عبد الكريم الخطيب: 182.

2. سير الحكمة في أُوروبا:2/24ـ 25.


(142)

البحث عن نظرية الباقلاني، غير أنّه وجد فيهم من أدرك خطورة الموقف، وجفاف النظرية، ومضاعفاتها السيئة، وتخبّط القوم تخبّطاً واضحاً في المسألة، فنقض كلّ ما أبرموه وأجهر بالحقيقة، ونخص بالذكر هنا شخصيات جليلة يعدّون من مشاهير العلم ورجال الفكر:

أ. إمام الحرمين أبو المعالي الجويني، وهو من أعلام القرن الخامس. فقد صرح ـ كما يظهر من العبارة التالية ـ بتأثير قدرة العباد في أفعالهم، وأنّ قدرتهم ستنتهي إلى قدرة الله سبحانه و إقداره، وأنّ عالم الكون مجموعة من الأسباب والمسببات،وكلّ مسبب يستمد من سببه المقدم عليه، وفي الوقت نفسه، ذاك السبب يستمد من آخر، إلى أن يصل إلى الله سبحانه، وإليك نصّ عبارته:

إنّ نفي هذه القدرة والاستطاعة ممّا يأباه العقل والحس، وأمّا إثبات قدرة لا أثر لها بوجه، فهو كنفي القدرة أصلاً. وأمّا إثبات تأثير في حالة لا يفعل، فهو كنفي التأثير، فلابدّ إذاً من نسبة فعل العبد إلى قدرته حقيقة لا على وجه الإحداث والخلق، فإنّ الخلق يشعر باستقلال إيجاده من العدم، والإنسان كما يحس من نفسه الاقتدار، يحس من نفسه أيضاً عدم الاستقلال فالفعل يستند وجوده إلى القدرة، والقدرة يستند وجودها إلى سبب آخر تكون نسبة القدرة إلى ذلك السبب، كنسبة الفعل إلى القدرة، وكذلك يستند سبب إلى سبب آخر حتى ينتهي إلى مسبب الأسباب، وهو الخالق للأسباب، ومسبباتها ـ المستغني على الإطلاق ـ فإنّ كلّ سبب مهما استغنى من وجه، محتاج من وجه، والباري تعالى هو الغني المطلق الذي لا حاجة له ولا فقر.(1)

قال الشهرستاني بعد ما نقل كلامه هذا:وهذا الرأي إنّما أخذه من الحكماء الإلهيين، وأبرزه في معرض الكلام. وليس تختص نسبة السبب إلى المسبب ـ على أصله ـ بالفعل والقدرة (قدرة الإنسا من الحوادث فذلك حكمة، وحينئذ يلزم القول بالطبع وتأثير الأجسام في الأجسام إيجاداً، وتأثير الطبائع في الطبائع إحداثاً، وليس ذلك مذهب الإسلاميين،


1. الملل والنحل:1/98ـ 99.


(143)

كيف، ورأي المحقّقين من العلماء أنّ الجسم لا يؤثر في الجسم.(1)

هذا هو ما علّق به الشهرستاني على كلام إمام الحرمين وآخذه عليه، وهو غير صحيح. فإنّ المراد من العلية الطبيعية بين الأجسام والمظاهر المادية، ليس هو الإيجاد والإحداث من كتم العدل، بل المراد هو تفاعل الأجسام الطبائع، بعضها مع بعض بإذنه سبحانه، كانقلاب الماء إلى البخار، والمواد الأرضية إلى الأزهار والأشجار، وغير ذلك ممّا كشف عنه الحس والعلم.

وأمّا الصور الطارئة على الطبائع عند التفاعل والانقلاب كصور الزهر والشجر، فليست مستندة إلى نفس الطبائع، بل الطبائع معدّات وممهّدات لنزول هذه الصور من علل عليا، كشف عنها الذكر الحكيم عندما صرح بأنّ لعالم الكون مدبّرات يدبّرونه بإذنه سبحانه، قال: (فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً).(2)

إنّ كون العبد فاعلاً لفعله، وعالم الطبائع مؤثراً في آثاره فإنّما هو بمعنى كونهما «ما به الوجود» لا «ما منه الوجود»، وكم من فرق بين التعبيرين. فمن اعترف بالتأثير فقد اعترف بالمعنى الأوّل والسببية الناقصة، لا بالمعنى الثاني، أعني: إفاضة الوجود والخلق بالمعنى القائم بالله سبحانه، فإنّ الخلق فيض يبتدئ منه سبحانه، ويجري في القوابل والقوالب فيتجلّى في كلّ مورد بصورة وشكل، والإنسان بما أنّه مجبول على الاختيار، يصرف باختياره ما أُفيض عليه في مكان دون مكان وفي صورة دون صورة. نعم ليس لغيره من الطبائع إلاّ طريق واحد وتجلّ فارد.

وأظن أنّ الشهرستاني لو وقف على الفرق بين الفاعلين، لما اعترض على كلام إمام الحرمين ـ بأنّه ليس من مذهب الإسلاميين ـ نعم هو ليس من مذاهب الحنابلة والأشاعرة، وأمّا العدلية بعامة طوائفها فهم قائلون بذلك، وقد عرفت قضاء القرآن العقل في ذاك المجال.


1. المصدر نفسه.

2. النازعات:5.


(144)

9. نظرية الشعراني

ب: إنّ الشيخ الشعراني ـ و هو من أقطاب الحديث والكلام في القرن العاشر ـ أحد من وقف على أنّ العقيدة بالكسب لا تفارق الجبر قدر شعرة، فلأجل ذلك يقول: «اعلم يا أخي أنّ هذه المسألة من أدق مسائل الأُصول وأغمضها، ولا يزيل أشكالها إلاّ الكشف الصوفي، أمّا أرباب العقول من الفرق فهم تائهون في إدراكها، وآراؤهم فيها مضطربة. إذ كان أبو الحسن الأشعري يقول: ليس للقدرة الحادثة (قدرة العبد) أثر، وإنّما تعلّقها بالمقدور مثل تعلّق العلم بالمعلوم في عدم التأثير.

وقد اعترض عليه بأنّ القدرة الحادثة إذا لم يكن لها أثر فوجودها وعدمها سواء، فإنّ قدرة لا يقع بها المقدور، بمثابة العجز. ولقوة هذا الاعتراض لجأ أصحاب الأشعري إلى القول بالجبر. وقال آخرون: إنّ لها تأثيراً ما، وهو اختيار الباقلاني، لكنّه لما سئل عن كيفية هذا التأثير في حين التزامه باستقلال القدرة القديمة في خلق الأفعال، لم يجد جواباً. وقال: إنّا نلتزم بالكشف لأنّه ثابت بالدليل، غير أنّي لا يمكنني الإفصاح عنه بعبارة. وتمثّل الشيخ أبو طاهر بقول الشاعر:

إذا لم يكـن إلاّالأسنّـة* مركبـاً فلا رأي للمضطر إلاّ ركوبها

ثمّ قال:ملخّص الأمر: أنّ من زعم أنّه لا عمل للعبد، فقد عاند، ومن زعم أنّه مستبد بالعمل، فقد أشرك; فلابدّ أنّه مضطر على الاختيار.(1)

هذا، وقد أحسن الشيخ في نقد الكسب. ولكن الاجالة إلى الكشف الصوفي إحالة إلى المجهول. أو إحالة إلى إدراك شخصي لا يكون حجّة للغير.

10. نظرية مفتي الديار المصرية

«الإنسان يقدر فعله ويصدرها بقدرته المتكسبة».

ج. الشيخ محمد عبده(1266ـ 1323هـ) قد خالف الرأي العام عند الأشاعرة، وصرح بتأثير قدرة العبد في فعله، ولم يبال في ذلك بأحد من معاصريه، ولا بأحد من رجال الأزهر الذين كانوا يرددون في ألسنتهم قول القائل:

ومن يقل بالطبع أو بالعلّة * فـذاك كفر عند أهـل الملة

أقول: إنّ الشيخ الأزهري«عبده» كان يعيش في عصر رفعت فيه المادية الغربية عقيرتها ضد الإلهيين عامة والإسلاميين خاصة، وشنّت حملة شعواء على عقائدهم. وكانت أرض مصر أوّل نقطة من الأراضي الإسلامية عانت من بث سموم المادية القادمة من الغرب مع احتلال


1. اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر: للشعراني: 139ـ 141.


(145)

الفرنسيين لها بقيادة نابليون.

كانت العقيدة الإسلامية في مصر تتجلّى في المذهب الأشعري، وكان إنكار العلية والمعلولية والرابطة الطبيعية بين الطبائع وآثارها من أبرز سمات ذاك المذهب، وكان التفوّه بخلافه آية الإلحاد والكفر، وقد شن الماديون على هذه العقيدة أُمور ملأوا بها صحفهم وكتبهم، منها:

1. أنّ الإلهيين لا يعترفون بناموس العلية والمعلولية، وينكرون الروابط الطبيعية بين الأشياء وآثارها، مع أنّ العلم ـ بأساليبه التجريبية المختلفة ـ يثبت ذلك بوضوح.

2. أنّ الإلهيين يعترفون بعلّة واحدة وهي الله تعالى، وهم يقيمونه مقام جميع العلل، وينسبون كلّ ظاهرة مادية إليه سبحانه، وأحياناً إلى العوالم العلوية التي يعبر عنها بالملك والجن والروح.

3. أنّ الإلهيين ـ بسبب قولهم بأنّ أفعال العباد مخلوقة لله سبحانه ـ لا يعتقدون بدور للإنسان في حياته وعيشه، فهو مجبور في السير على الخط الذي يرسمه له خالقه، ومكتوف الأيدي أمام تلاطم أمواج الحوادث، فلأجل ذلك لا يؤثر في الإنسان شيء من الأساليب التربوية ولا يغيّره إلى حال.

إلى غير ذلك من الإشكالات والمضاعفات والتوالي الفاسدة، التي لا تقف عند حد.

وقد وقف الشيخ على خطورة الموقف، وأنّه ممّا يستحقّ أن يشتري بنفسه


(146)

اللوم والذم، بل الأمر الأشد من ذلك، في سبيل إظهاره الحقيقة، حتى يدفع الهجمات الشعواء عن وجه الإسلام والمسلمين بقوة ورصانة.

نعم، قد أثر في تفكير الشيخ عبده وأوجد فيه هذا الحافز والاندفاع عاملان كبيران، كان لهما الأثر البالغ في بناء شخصيته الفكرية والفلسفية والاجتماعية والسياسية، وهما:

1. اطّلاعه على نهج البلاغة للإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ .

2. اتّصاله بالسيد المجاهد جمال الدين الأسد آبادي (1254ـ 1316هـ).

فعلى ضوء هذين العاملين، خالف الرأي العام في كثير من الموارد، ومنها أفعال العباد، فقال في رسالة التوحيد التي كتبها عام 1303هـ للتدريس في المدارس الإسلامية في بيروت سنة إقصائه من مصر إلى بيروتـ :

«يشهد سليم العقل والحواس من نفسه أنّه موجود ولا يحتاج في ذلك إلى دليل يهديه،ولا معلم يرشده، كذلك يشهد أنّه مدرك لأعماله الاختيارية، يزن نتائجها بعقله ويقدرها بإرادته، ثمّ يصدرها بقدرة ما فيه، ويعدّ إنكار شيء من ذلك مساوياً لإنكار وجوده في مجافاته لبداهة العقل.

كما يشهد ذلك في نفسه يشهده أيضاً في بني نوعه كافة، متى كانوا مثله في سلامة العقل والحواس... وعلى ذلك قامت الشرائع،وبه استقامت التكاليف،ومن أنكر شيئاً منه فقد أنكر مكان الإيمان من نفسه، وهو عقله الذي شرّفه الله بالخطاب في أوامره ونواهيه.

أمّا البحث في ما وراء ذلك من التوفيق بين ما قام عليه الدليل من إحاطة علم الله وإرادته، و بين ما تشهد به البداهة من عمل المختار في ما وقع عليه الاختيار، فهو من طلب سر القدر الذي نهينا عن الخوض فيه، و الاشتغال بما لا تكاد تصل العقول إليه. وقد خاض فيه الغالون من كلّ ملة، خصوصاًمن المسيحيين والمسلمين، ثمّ لم يزالوا بعد طول الجدال وقوفاً حيث ابتدأوا، وغاية ما فعلوه أن فرّقوا وشتّتوا، فمنهم القائل بسلطة العبد على جميع أفعاله


(147)

واستقلاله المطلق، وهو غرور ظاهر(1)، ومنهم من قال بالجبر وصرح به. ومنهم من قال به و تبرّأ من اسمه.(2) وهو هدم للشريعة، ومحو للتكاليف،وإبطال لحكم العقل البديهي، وهو عماد الإيمان.

ودعوى أنّ الاعتقاد بكسب العبد لأفعاله يؤدّي إلى الإشراك بالله ـ و هو الظلم العظيم ـ دعوى من لم يلتفت إلى معنى الإشراك على ما جاء به الكتاب والسنّة، فالإشراك اعتقاد أنّ لغير الله أثراً فوق ما وهبه الله من الأسباب الظاهرة، وأنّ لشيء من الأشياء سلطاناً على ما خرج عن قدرة المخلوقين، وهو اعتقاد من يعظم سوى الله مستعيناً به في مالا يقدر العبد عليه...

جاءت الشريعة لتقرير أمرين عظيمين،هما ركنا السعادة وقوام الأعمال البشرية:

الأوّل: أنّ العبد يكسب بإرادته وقدرته ما هو وسيلة لسعادته.

والثاني: أنّ قدرة الله هي مرجع لجميع الكائنات، وأنّ من آثارها ما يحول بين العبد وإنفاذ ما يريده، وأن لا شيء سوى الله يمكنه أن يمد العبد بالمعونة فيما لم يبلغه كسبه.

وقد كلّفه سبحانه أن يرفع هّمته إلى استمداد العون منه وحده، بعد أن يكون قد أفرغ ما عنده من الجهد في تصحيح الفكر وإجادة العمل. وهذا الذي قررناه قد اهتدى إليه سلف الأُمّة، فقاموا من الأعمال بما عجبت له الأُمم،وعوّل عليه من متأخّري أهل النظر إمام الحرمين الجويني ـ رحمه الله ـ ، وإن أنكر عليه بعض من لم يفهمه.(3)

ثمّ إنّ الركب بعد لم يقف، وإنّ هناك لفيفاً من المفكّرين أدركوا مرارة القول بالجبر، وأنّ القول بالكسب لا يسمن ولا يغني من جوع، فرجعوا إلى القول بالأمر بين الأمرين،وإن لم يصرحوا باسمه، ونأتي في المقام بنصّ عالمين كبيرين من شيوخ الأزهر وعلمائه:


1. يريد المعتزلة.

2. يريد الأشاعرة.

3. رسالة التوحيد: 59ـ 62 بتلخيص.


(148)

11. الزرقاني وأفعال العباد

د. وممّن اعترف بالحق، الشيخ عبد العظيم الزرقاني قال:

ولنقف برهة بجانب هذا المثال، مثال خلق الأفعال، ليتضح الحال، ولنقيس عليه النظائر والأشباه عند الاختلاف والاشتباه، ولنعلم أنّ المتخالفين في ذلك ما زالوا مع خلافهم، إخواناً مسلمين، تظلّهم راية القرآن، ويضمّهم لواء الإسلام.

في القرآن الكريم والسنّة النبوية نصوص كثيرة على أنّ الله تعالى خالق كلّ شيء، وأنّ مرجع كلّ شيء إليه وحده، وأنّ هداية الخلق وضلالهم بيده سبحانه، مثل قوله عزّوجلّ:

(اللّهُ خالِقُ كُلِّ شَيء* هَلْ مِنْ خالِق غَيْرُ اللّه يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالأَرْضِ)* وَاللّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ)* وَإِليهِ يَرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ)* مَنْ يشأ اللّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشأ يَجْعَلْهُ عَلى صِراط مُسْتَقيم) *وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ) *ولَو شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمّةً واحِدة)* وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كلُّهُمْ جَميعاً)* وَلَوْ أَنّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وَكَلَّمهُمُ المَوتى وَحَشَرنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيء قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاّ أَنْ يَشاءَ الله)* إِنّا جَعَلنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفي آذانِهِمْ وَقْراً) *وَجَعَلنا مِنْ بَيْنِ أَيدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ)* سَواءٌ عَلَيهِمْ أَ أَنْذَرتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ)* كَذلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّة عَمَلَهُمْ)* فَمَنْ يرِد الله أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإِسلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماء)* لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيءٌ)* وَما رَمَيْتَ إِذ رَمَيْتَ وَلكِنّ الله رَمى)

وكذلك يقول النبي:

«إن أصابك شيء فلا تقل لو أنّي فعلت كذا كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل» .

ويقول: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره».

و يقول: «يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك» إلى غير ذلك.


(149)

هذه النصوص وأمثالها، إذا نظر العبد إليها لا يسعه إلاّ أن يرد الأُمور كلّها إلى الله معتقداً أنّه الواحد الأحد، لا شريك له في ملكه ولا في ناحية من ملكه، وهي أفعال التكليف من عباده، وكأنّ نسبة الأفعال إلى العباد هي الأُخرى محض فضل من الله، على حدّ ما قال ابن عطاء الله: من فضله وكرمه عليك، أن خلق العمل ونسبه إليك.

ويظاهر هذه الأدلّة النقلية أدلّة أُخرى عقلية، ناطقة بوحدانية الله في كلّ شيء وبأنّ العبد لا يعقل أن يكون خالقاً لما اختاره من أفعاله، لأنّه لو كان خالقاً لها لكان عالماً بتفاصيلها، ولكنّه يشعر من نفسه بأنّه تصدر عنه أشياء كثيرة جداً من عمله الاختياري دون أن يعرف تفاصيلها، كخطوات المشي وحركات المضغ في الأكل ونحوها. وإذاً فليس العبد هو الخالق لها(أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ) ؟

بجانب هذا توجد نصوص كثيرة أيضاً من الكتاب والسنّة، تنسب أعمال العباد إليهم، وتعلن رضوان الله وحبه للمحسنين فيها، كما تعلن غضبه وبغضه للمسيئين منهم من ذلك قوله سبحانه:

(مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها* إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها)* أَمْ حَسِبَ الَّذينَ يَعْمَلُونَ السَّيئاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا)* أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواء مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ)* إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللّهَ غَنِيٌّ عَنْكُُمْ وَلا يَرضَى لِعِبادِهِ الكُفْرِ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرضَهُ لَكُمْ)* وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لي عَمَلي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَريئُونَ مِمّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَريءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ)* قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْأَلُ عَمّا تَعْمَلُون)*قُلْ يا قَومِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنّي عامِلٌ فَسَوفَ تَعَلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّار إِنّه لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ) *وَمَاكانَ رَبُّكَ لِيُهِلكَ القُرى بِظُلْم وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ) *وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِم الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَيُنَّبِئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) *وَتِلْكَ الجَنّة الّتي أُورِثْتُمُوها بِماكُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) .

وكذلك نقرأ في السنة النبوية: «اعملوا فكلُّ مُيَسَّر لما خلق له. بادروا


(150)

بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، يا عباس بن عبد المطلب، اعمل لا أُغني عنك من الله شيئاً، يا فاطمة بنت محمد، اعملي لا أغني عنك من الله شيئاً، إلى غير ذلك.

وهذه نصوص إذا نظر العبد إليها لا يسعه إلاّ أن يرد أعمال العباد الاختيارية إليهم، معتقداً أنّهم لا يستحقّون ثوابها إن أحسنوا، وعقابها إن أساءوا. ويظاهر هذه الأدلّة النقليّة أدلّة عقليّة أيضاً شاهدة بعدالة الله وحكمته، لأنّ العبد لو لم يكن موجداً لما اختار من أعماله، لما كان ثمة وجه لاستحقاقه المثوبة أو العقوبة. وكيف يثاب أو يعاقب على ما ليس له ولم يصدر منه.

غيري جنى وأنا المعذّب فيكم * فكـأنّني سبــابــة المتنــدم

أهل السنة بهرتهم النصوص الأُولى والأدلّة العقلية التي بجانبها، فرجّحوها وقالوا:

إنّ العبد لا يخلق أفعال نفسه الاختيارية، إنّما هي خلق الله وحده. وإذا قيل لهم: كيف يثاب المرء أو يعاقب على عمل لم يوجده هو؟ وكيف يتفق هذا و ما هو مقرر من عدالة الله وحكمته في تكليف خلقه؟ قالوا: إنّ العباد ـ و إن لم يكونوا خالقين لأعمالهم ـ كاسبون لها. وهذا الكسب هو مناط التكليف ومدار الثواب والعقاب. وبه يتحقق عدل الله وحكمته فيما شرع للمكلّفين.

وهكذا حملوا النصوص الأُولى على الخلق، وحملوا الثانية على الكسب، جمعاً بين الأدلّة. ثمّ إذا قيل لهم: ما هذا الكسب؟ اختلف الأشعري والماتريدي في تحديده، أهو مقارنة القدرة القديمة للحادثة أم هو العزم المصمّم؟ولكلّ وجهة نظر، يطول شرحها وتوجيهها.

أمّا المعتزلة فقد بهرتهم النصوص الثانية وما يظاهرها من برهان العقل، فرجّحوها وقالوا:

إنّ العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية. وإذا قيل لهم: أليس الله خالق كلّ شيء ومنها أعمال العبد؟

قالوا: بلى إنّه خالق كلّ شيء حتى أعمال عباده


(151)

الاختيارية، بيد أنّه خلق بعض الأشياء بلا واسطة وخلق بعضها الآخر بواسطة، وأعمال المكلّفين من القبيل الثاني، خلقها الله بوساطة خلق آلاتها فيه، وآلاتها هي القدرة الكلية والإرادة الكلية الصالحتان للتعلّق بكلّ من الطرفين. وليس لنا من حول ولا قوة سوى أنّنا استعملناها على أحد وجهيها، إمّا بحسن الاختيار وإمّا بسوء الاختيار. ثمّ لا مانع عندنا من القول بأنّه سبحانه خالق لأفعال عباده، ولكن على سبيل المجاز، باعتبار أنّه خالق أسبابها ووسائلها.

وإذا قيل لهم: إنّ مذهبكم يستلزم أن يكون لله شركاء كثيرون في فعله، وهم عباده المكلّفون،وهذا يناقض عقيدة التوحيد وبرهان الوحدانية.

قالوا: لا نسلّم هذا ولا نقول به، فإنّ الوحدانية ليس معناها نفي وجود ذوات أو صفات أو أفعال لغيره، إنّما معناها نفي أن يكون لغيره شبه به في ذاته أو صفاته أو أفعاله. وأنتم يا أهل السنّة لا تمنعون وجود ذوات لا تشبه ذاته، ولا تمنعون وجود صفات لا تشبه صفاته، فلم تمنعون وجود أفعال من العباد لا تشبه أفعاله؟ وهو ما نقول به في خلق العباد لأعمالهم، فإنّها لا تشبه أفعال الله بحال.

هكذا تجد لكلتا الطائفتين وجهة نظر قوية وتأويلاً سائغاً فيما تؤوِّله من النصوص المقابلة للنصوص التي بهرتها فرجّحتها،ونجد أيضاً أنّ كلتا الطائفتين لا تلتزم المحظور التي تحاول الأُخرى أن تلزمها إيّاه في مقام الحجاج والجدال، بل توجه رأيها توجيهاً ينأى بها عن الوقوع في المحظور. ثمّ نجد كلتا الطائفتين يتلاقيان أخيراً بعد طول المطاف عند نقطة الاعتقادالسديد بوحدانية الله وحكمة الله، ولكن على الوجه الذي استبان لها وراج عندها.

فكيف يرضى منصف إذاً بتجريح إحداهما ورميها بأشنع التهم من كفر أو شرك أو هوى؟ وماذا علينا أن نرجّح ما نرجح من غير تسفيه للجانب الآخر؟ بل ماذا علينا أن نلوذ بالصمت ونعتصم بالسكوت فلا نخوض في أمثال هذه الدقائق العويصة، والمسالك الملتوية البعيدة؟ لا سيما أنّ الرحمن الرّحيم لم يكلّفنا بها ولم يفرضها علينا.


(152)

وقد كان سلفنا الصالح يؤمنون بوحدانية الله وعدله. ويؤمنون بقدره وأمره. ويؤمنون بهذه النصوص وتلك النصوص، ويؤمنون بأنّ العبد يعمل ما يعمل وأنّ الله خالق كلّ شيء، ويؤمنون بأنّه تعالى تنزّه في قدره عن أن يكون مغلوباً أو عاجزاً، وتنزّه في أمره وتكليفه عن أن يكون ظالماً أو عابثاً. ثمّ بعد ذلك يصمتون فلا يخوضون في تحديد نصيب عمل الإنسان الاختياري من قدرة الله، ونصيبه من قدرة العبد. ولا يتعرضون لبيان مدى ما يبلغ فعل الله في قدره، ولا لبيان مدى ما يبلغ فعل العبد في أمثال أمره، ذلك ما لم يعلموه ولم يحاولوه، لأنّهم لم يكلّفوه، وكان سبحانه أرحم بعباده من أن يكلّفهم إياه، لأنّه من أسرار القدر أو يكاد، والعقل البشري محدود التفكير ضعيف الاستعداد. ومن شره العقول طلب ما لا سبيل لها إليه «وما أُوتيتم من العلم إلاّقليلاً».

لم يمتحنّـا بمـا تعيـا العقول بـه * حرصـاً علينا فلم نرتب ولم نهم(1)

12. الشيخ شلتوت وأفعال العباد

هـ. إنّ الشيخ شلتوت أحد المجتهدين الأحرار في القرن الماضي، لا تأخذه في الله لومة لائم، فإذا شاهد الحقّ أجهر به،ولا يطلب رضى أحد، ولا يخاف غضب آخر، فهو ممّن اعترف بحرية الإنسان في مجال العمل، قال:

وقد تناول علماء الكلام في القديم والحديث هذه المسألة، وعرفت عندهم بمسألة الهدى والضلال، أو بمسألة الجبر والاختيار، أو بمسألة خلق الأفعال،وكان لهم فيها آراء فرقوا بها كلمة المسلمين، وزلزلوا بها عقائد الموحدين العاملين، وصرفوا الناس بنقاشهم في المذاهب والآراء عن العمل الذي طلبه الله من عباده، وأخذوا يتقاذفون فيما بينهم بالإلحاد والزندقة، والتكفير والتفسيق، وما كان الله ـ و آيات بيّنات واضحات ـ ليقيم لهم وزناً فيما وقفوا عنده، وداروا حوله، ودفعوا الناس إليه.


1. مناهل العرفان في علوم القرآن، للشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني:1/506ـ 511، والشعر من قصيدة البوصيري في مدح النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .


(153)

وهذا فريق منهم يرى: أنّ العبد لا اختيار له في فعل ما، وهو مجبور ظاهراً وباطناً، فالهداية تلحقه بخلق الله، والضلال يلحقه بخلق الله، دون أن يكون له دخل ما في هدايته أو ضلاله، لا ابتداءً ولا جزاءً. وهذا رأي يناقض صريح ما جاء في القرآن من نسبة الأعمال إلى العباد، ومن التصريح بأنّ الجزاء ثواباً أو عقاباً إنّما يكون بالأعمال الصادرة من العباد، وهي أكثر من أن تحصى، وهو بعد ذلك يصادم الشعور والوجدان الذي يجده كلّ إنسان من نفسه حينما يفكّر وحينما يتجه ويعزم، وحينما يفعل، وهو مع كلّ هذا، ينقض قاعدة التكليف، وهي اختبار المكلّف،وقاعدة العدالة، وهي السّيئة بالسّيئة، والحسنة بالحسنة.

وهذا فريق آخر يرى: أنّ الله يخلق الضلال في العبد ابتداءً واستمراراً، وليس للعبد قدرة على فعل ما،أو ليس لقدرته تأثير في فعل ما، وحينما رأوا نتائج الرأي السابق تلزمهم، انتحلوا للتخلص منها شيئاً سمّوه كسباً، وصحّحوا به في نظرهم قاعدة التكليف، وقاعدة العدالة، ونسبة الأفعال،وحاصل معنى هذا الكسب هو الاقتران العادي بين الفعل والقدرة الحادثة، أي إنّ الله يخلق الفعل عند قدرة العبد لا بها، كما يقولون، وبهذه المقارنة نسب الفعل إلى العبد،وكلّف بالفعل، وسئل عنه،وجوزي عليه. ولا ريب أنّ تفسير الكسب بهذا لا يتفق واللغة، ولا يتفق واستعمال القرآن لكلمة «كسب» على أنّه بهذا المعنى الذي يريدون،لا يصحح قاعدة التكليف،ولا قاعدة العدالة والمسؤولية، لأنّ هذه المقارنة الحاصلة بخلق الله للفعل عند قدرة العبد، ليست من مقدور العبد ولا من فعله حتى ينسب الفعل بها إليه، ويجازى عليه، والفعل كما يقارن القدرة، يقارن السمع والبصر والعلم، فأيّ مزية للقدرة بهذه المقارنة في نسبة الأفعال إلى العبد؟

وبذلك يكون العبد في واقع أمره مجبوراً لا اختيار له، وقد قال بعض العلماء: إنّ كسب الأشعري وطفرة النظام، وأحوال أبي هاشم، ثلاثتها من محاولات الكلام.

وهذا فريق ثالث يرى: أنّ العبد يفعل بإرادته وقدرته الّلتين منحهما الله ابتداءً واستمراراً في دائرة ابتلائه وتكليفه، ويفصل آخرون بين الضلال ابتداء


(154)

فينسبه إلى العبد، والضلال استمراراً فينسبه إلى الله إضلالاً منه للعبد، جزاءً على ضلاله، فهناك في رأيهم زيغ من العبد باختياره، ثمّ إزاغة من الله عقوبةً له على ذلك الزيغ، هناك انصراف من العبد عن الحقّ، ثمّ صرف من الله للعبد جزاء هذا الانصراف.

والذي نراه كما قلنا أنّ للعبد قدرة وإرادة ولم يخلقهما الله فيه عبثاً، بل خلقهما ليكونا مناط التكليف ومناط الجزاء وأساس نسبة الأفعال إلى العبد نسبة حقيقية، والله يترك عبده وما يختار لنفسه، فإن اختار الخير تركه فيه يدعوه سابقه إلى لاحقه، ولا يمنعه بقدرته الإلهية عن استمراره فيه; وإن اختار الشر، تركه فيه يدعوه سابقه إلى لاحقه، ولا يمنعه بقدرته الإلهية عن استمراره فيه، والعبد وقدرته واختياره كلّ ذلك بمشيئة الله وقدرته وتحت قهره، ولو شاء لسلب قوة الخير فكان العبد شراً بطبعه لا خير فيه،ولو شاء لسلبه قوة الشر فكان خيراً بطبعه لا شر فيه، ولكن حكمته الإلهية في التكليف والابتلاء، قضت بما رسم، وكان فضل الله على الناس عظيماً.

ومن هنا يتبيّن أنّ العبد ليس مجبوراً، لا ظاهراً ولا باطناً، ولا مجزياً على ضلاله بإضلال الله إيّاه، فإنّ هذا أمر تأباه حكمة الحكيم وعدل العادل، وتمنع تصوّره.

Website Security Test