welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الملل والنحل/ج2 (الأشعرية)*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الملل والنحل/ج2 (الأشعرية)

(63)

الإمام الأشعري

آراؤه ونظرياته

استعرض الشيخ الأشعري آراءه ونظرياته حول المبدأ والمعاد، وأسمائه سبحانه، وصفاته وأفعاله، وما يمت إلى ذلك بصلة في كتاب «اللمع» واستمد في إثباتها من الأدلّة العقلية بوفرة، وعززها بالأدلّة النقلية، ونحن ندرس أُصول ما استعرضه واحداً بعد واحد، ونعتمد على كتبه الثلاثة، وعلى «اللمع» بالأخص، لمّا عرفت من تميزه على الآخرين، وإليك عناوين بحوثه:

1. استدلاله على وجوده سبحانه.

2. البارئ لا يشبه المخلوقات.

3. استدلاله على وحدانية الصانع.

4. إعادة الخلق المعدوم جائز.

5. الله سبحانه ليس بجسم.

6. صفاته الذاتية.

7. صفاته قديمة لا حادثة.

8. صفاته زائدة على ذاته.

9. رأيه في الصفات الخبرية.

10. أفعال العباد مخلوقة لله سبحانه.

11. الاستطاعة مع الفعل لا قبله.


(64)

12. رؤية الله بالأبصار في الآخرة.

13. كلام الله سبحانه هو الكلام النفسي.

14. كلامه سبحانه غير مخلوق أو قديم.

15. عمومية إرادته لكلّ شيء.

16. إنكار التحسين والتقبيح العقلييّن(التعديل والتجوير).


(65)

(1)

استدلاله على وجود الصانع سبحانه

قال: الدليل على ذلك أنّ الإنسان الذي هو في غاية الكمال والتمام، كان نطفة، ثمّ علقة، ثم مضغة، ثم لحماً، ودماً، وعظماً، وقد علمنا أنّه لم ينقل نفسه من حال إلى حال، لأنّا نراه ـ في حال كمال قوته وتمام عقله ـ لا يقدر أن يحدث لنفسه سمعاً ولا بصراً، ولا أن يخلق لنفسه جارحة، يدل ذلك على أنّه في حال ضعفه ونقصانه عن فعل ذلك أعجز، ورأيناه طفلاً ثمّ شاباً ثم كهلاً ثمّ شيخاً، وقد علمنا أنّه لم ينقل نفسه من حال الشباب إلى حال الكبر والهرم، لأنّ الإنسان لو جهد أن يزيل عن نفسه الكبر والهرم ويردّها إلى حال الشباب لم يمكنه ذلك، فدلّ ما وصفناه على أنّه ليس هو الذي ينقل نفسه في هذه الأحوال، وأنّ له ناقلاً نقله من حال إلى حال ودبره على ما هو عليه، لأنّه لا يجوز انتقاله من حال إلى حال بغير ناقل ولا مدبر.

ثمّ مثل لذلك بتحوّل القُطن إلى الغزل، إلى الفتل، إلى الثوب، فكما هو يحتاج إلى ناسج فكذلك الإنسان، فلو دلّ ذلك على وجوده، كان تحوّل النطفة علقة ثمّ مضغة ثمّ لحماً ودماً وعظماً أعظم في الأعجوبة، وكان أولى أن يدلّ على صانع صنع النطفة ونقلها من حال إلى حال، وقد قال الله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ) *ءَأَنْتُمْ تُخْلُفُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ))(1). وقال سبحانه: (وَفي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ)(2) فبيّن لهم عجزهم وفقرهم إلى صانع


1. الواقعة:58ـ 59.

2. الذاريات:21.


(66)

صنعهم ومدبر دبرهم.(1)

يلاحظ على هذا الدليل:

أوّلاً: أنّ الاستدلال المذكور استدلال عقلي بحت، ومعتمد على أصل فلسفي وهو حاجة الممكن إلى العلة، أو حاجة الحادث إلى السبب.

وبعبارة أُخرى: معتمد على قبول قانون العلية. وهذا النوع من التفكير يختص بالمتكلّمين. ولا نرى مثله بين أهل الحديث. وهذا دليل على أنّ الشيخ يسير على ضوء العقل، والاستدلال به ما أمكن.

ثانياً: أنّ صلب البرهان في البيان الأوّل يرجع إلى أنّ فاقد الكمال لا يعطيه، فالإنسان إذا عجز عن إحداث السمع والبصر في حال القدرة، فهو في حال العجز أولى.

وقد أفرغ أمير المؤمنين هذا البرهان في بعض خطبه، في جمل في غاية الفصاحة فقال:«أم هذا الذي أنشأه في ظلمات الأرحام، وشغف الأستار، نطفة دهاقاً، وعلقة محاقاً، وجنيناً وراضعاً، ووليداً ويافعاً، ثمّ منحه قلباً حافظاً، ولساناً لافظاً، وبصراً لاحظاً، ليفهم معتبراً ويقصر مزدجراً».(2)

ثالثاً: أنّ ما استعرض الشيخ من الآيتين إنّما هو من الشواهد الواضحة على أنّ القرآن يعتمد في بيان الأُصول والمعارف على الأدلة العقليّة والبراهين الواضحة، من أجل إقناع عامة البشر، مؤمناً كان أم كافراً، ولا يكتفي بالتعبّد، فإنّ للتكلّم مع البرهان مكاناً، وللتعبّد مكاناً آخر، فما لم تستقر شجرة الإيمان في قلب الإنسان، لا تصح مشافهته إلاّبما يوحيه إليه عقله وتقضي به فطرته، فإذا صار مؤمناً معتقداً بربه وبرسوله ورسالته ووحيه، يبلغ إلى مرحلة يصحّ معها التكلّم معه بصورة التعبّد وإلقاء الأُصول والوظائف مجردة عن البرهنة.

ثمّ إنّ الشيخ في أثناء تقرير البرهان جاء بأمر غير تام، فاستدلّ على أنّ


1. اللمع: 18.

2. نهج البلاغة:1/140، الخطبة80، ط مصر.


(67)

هناك ناقلاً ومدبراً غير الإنسان بقوله: «إن الإنسان لوجهد أن يزيل عن نفسه الكبر لم يمكنه ذلك» وجعل هذا دليلاً على أنّه لم ينقل نفسه من حال الشباب إلى حال الكبر، ولكن الملازمة غير ثابتة، إذ لمشكّك أن يقول: إنّه قادر على نقل نفسه من الشباب إلى الهرم، ولكنّه غير قادر على العكس، ولا ملازمة بين القدرة على القضية الأُولى والقدرة على القضية الثانية، فالإنسان الضعيف قادر على قذف الجسم الثقيل من السطح إلى الأرض، وليس بقادر على رفعه منها إليه، وقس على ذلك الأمثلة الأُخرى.


(68)

(2)

البارئ لا يشبه المخلوقات

استدلّ على تنزيهه سبحانه عن مشابهة المخلوقات بأنّه لو أشبهها لكان حكمه في الحدوث حكمها،ولو أشبهها لم يخل من أن يشبهها في جميع الجهات أو في بعضها; فلو أشبهها في جميع الجهات، كان محدثاً مثلها من جميع الجهات، وإن أشبهها في بعضها كان محدثاً من حيث أشبهها، ويستحيل أن يكون المحدث لم يزل قديماً و قد قال الله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيء) .(1)

وقال تعالى: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفواً أَحَد) (2).(3)

ويلاحظ على هذا الدليل: أنّ صلب البرهان عبارة عن كون المشابهة من جميع الجهات أو بعضها يلازم كونه محدثاً، وهذه الملازمة في مجال المشابهة في جميع الجهات أمر صحيح لا غبار عليه.

ولكن المشابهة في بعض الجهات مع التحفّظ على قدمه سبحانه لا تستلزم حدوثه.

فلو قالت المشبهة: بأنّ الله قديم ولكن له يد وجارحة مثل يد الإنسان وجوارحه، فالمشابهة من بعض الجهات مع حفظ القدم لا ينتج كونه محدثاً.


1. الشورى:11.

2. الأخلاص:4.

3. اللمع: 20.


(69)

والحاصل أنّ المشابهة من بعض الجهات ـ مع القول بكونه قديماً ـ لا يستلزم الحدوث.

نعم لو اعتمد الشيخ على أنّ المشابهة للمخلوق في أيّة جهة من الجهات، لا تنفك عن الحاجة، والحاجة آية الإمكان صحّ الاستدلال، لأنّ الممكن لا يكون واجب الوجود، وما ليس بواجب فهو حادث ذاتاً أو زماناً، و الكلّ محتاج إلى علة واجبة.

وفي مورد المثال: لو كان لذاته مكان كسائر الأجسام لكان لها حيز، فتكون محتاجة إلى الحيز، الحاجة لا تجتمع مع وجوب الوجود وتتناسب مع الإمكان، والموصوف به إمّا حادث ذاتي أو حادث زماني، فالأشياء الممكنة المجردة، لها الحدوث الذاتي، والأشياء الممكنة الواقعة في إطار الزمان، لها الحدوث الزماني.

وباختصار: إنّ الاكتفاء بكون المشابهة مستلزمة للحدوث، لا يوجب كون البرهان منتجاً، وإنّما ينتج البرهان إذا كانت المشابهة منجرة إلى الحاجة المضادة لوجوب الوجود حتى ينتهي الأمر إلى إمكانه وحدوثه.


(70)

(3)

استدلاله على وحدانية الصانع

استدلّ الشيخ الأشعري على وحدانية الصانع ببرهان التمانع، وقال: إنّ الصانعَيْن المفترضين لا يجري تدبيرهما على نظام، ولا يتّسق على أحكام، ولابدّ أن يلحقهما العجز أو واحداً منهما، لأنّ أحدهما إذا أراد أن يحيي إنساناً، وأراد الآخر أن يميته، لم يخل أن يتم مرادهما جميعاً، أو لا يتم مرادهما، أو يتم مراد أحدهما دون الآخر، ويستحيل أن يتم مرادهما جميعاً، لأنّه يستحيل أن يكون الجسم حياً وميتاً في حال واحدة.

وإن لم يتم مرادهما جميعاً وجب عجزهما، والعاجز لا يكون إلهاً ولا قديماً.

وإن تم مراد أحدهما دون الآخر وجب عجز من لم يتم مراده منهما، والعاجز لا يكون إلهاً وقديماً، فدلّ ما قلناه على أنّ صانع الأشياء واحد، وقد قال الله تعالى: (لَوْكانَ فِيهِما آلِهةٌ إِلاّالله لَفَسدَتا) (1).(2)

يلاحظ على ما أفاده:

أوّلا: أنّ ما ذكره هو برهان التمانع الوارد في الكتب الكلامية، ولكنّه لم يستقص جميع شقوقه، إذ لقائل أن يقول: إنّ الإلهين بما أنّهما عالمان ـ بما لا


1. الأنبياء:22.

2. اللمع: 20ـ 21.


(71)

نهاية لعلمهما ـ واقفان على المصالح والمفاسد، وما يصحّ فعله ممّا لا يصحّ، فيتّفقان على ما فيه المصلحة والحكمة.

ومن المعلوم أنّه ليس إلاّ أمراً واحداً، فحينئذ تتحد إرادتهما على إيجاد ما اتّفقا عليه، فإنّ الاختلاف في الإرادة إمّا ناشئ من حبّ الذات، فيقدّم ما فيه المنفعة الشخصية على غيره، أو ناشئ من الجهل بالمصالح والمفاسد، وكلا العاملين منفيان عن ساحة الإلهين المفروضين.

ولأجل استيعاب جميع الشقوق تجب الإجابة عن هذا الشق أيضاً.

وموجز الإجابة (والتفصيل يطلب من الأسفار الكلامية) أنّ تعدد الصانع في الخارج يدلّ على وجود تباين واختلاف بينهما في أمر من الأُمور، فهما إمّا متباينان في جميع الذات، (كما هو الحال في الأجناس العالية، فإنّ الجوهر يباين العرض بتمام الذات) أو في بعضها كتباين نوع من نوع آخر(مثل الإنسان بالنسبة إلى الفرس) أو في الشخصيات والتعينات.

وعلى كلّ تقدير يجب أن يكون هناك نوع من التباين والاختلاف ولو من جهة واحدة، وفي مرحلة من مراحل الوجود; وإلاّ فلو تساويا من جميع الجهات، لارتفع التعدد وصار المفروضان إلهاً واحداً وهو خلف.

وعلى فرض وجود اختلاف بين الإلهين، يجب أن يختلف شعورهما وإدراكهما ولو في مورد أو موردين، إذ لا معنى لأن يتحد تشخيصهما وإدراكهما وعلمهما مع الاختلاف في الذات أو التعيّنات.

وعندئذ، لا يمكن أن نقول إنّهما يتفقان في جميع الموارد على شيء واحد وهو مقتضى الحكمة والمصلحة، لأنّ المفروض أنّ كلّواحد يرى فعله موافقاً للحكمة والمصلحة، ولا دليل على انحصار المصلحة والحكمة في جهة واحدة، بل من الممكن أن يكون كلا الفعلين مقرونين بالصلاح ولكلّ منهما فلاح.

هذا هو التقرير الصحيح للبرهان.

وثانياً: أنّ قوله سبحانه: (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاّ الله) ليس ناظراً إلى


(72)

وحدة الصانع والخالق، بل الآية تركّز على وحدة التدبير في العالم، وأنّ مدبّر العالم إله واحد لا غير. والبرهان القرآني على وحدة التدبير جاء ضمن آيتين تتكفّل كلّ واحدة منهما ببيان بعض شقوق البرهان. وإليك الآيتان مع توضيح البرهان:

1. (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاّ الله لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ الله رَبّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ).(1)

2. (وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِله إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِله بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْض سُبْحانَ الله عَمّا يَصِفُونَ) (2) توضيح البرهان بجميع شقوقه

إنّ تصوير تعدّد المدبّر للعالم يفترض على صور:

1. أن يتفرد كلّ واحد من الآلهة المفترضة بتدبير مجموع الكون باستقلاله بمعنى أن يعمل كلّواحد ما يريده في الكون دون منازع، ففي هذه الصورة يلزم تعدّد التدبير لأنّ المدبّر متعدد ومختلف في الذات، ونتيجة تعدّد التدبير طروء الفساد على العالم وذهاب الانسجام المشهود، وإليه يشير قوله سبحانه:(لَو كانَ فِيهِما آلهة إِلاّ الله لَفَسدتا...) .

2. أن يدبر كلّ واحد قسماً من الكون الذي خلقه، وعندئذ يجب أن يكون لكلّ جانب من الجانبين نظام مستقل خاص مغاير لنظام الجانب الآخر وغير مرتبط به; وهذا الفرض يستلزم انقطاع الارتباط وذهاب الانسجام من الكون، والحال أنّا نرى في الكون نوعاً واحداً من النظام شاملاً لكلّ جوانب الكون من الذرة إلى المجرة، وإلى هذا القسم من البرهان يشير قوله سبحانه في الآية الأُخرى(إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِله بِما خَلَقَ) .

3. أن يتفوّق أحد الآلهة المفترضة على البقية فيوحّد جهودهم وأعمالهم،


1. الأنبياء:22.

2. الأنبياء:91.


(73)

ويصبغها بصبغة الانسجام والاتحاد، وعندئذيكون ذلك الإله المتفوّق، هو الإله الحقيقي دون البقية، وإلى هذا الشق يشير قوله سبحانه: (وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْض) .

وباختصار، أنّ ما ذكره الأشعري من البرهان على وحدانية الصانع، غير مستوعب لجميع الشقوق، وإنّ الآية التي استشهد بها ليست راجعة إلى وحدانية الصانع، بل راجعة إلى وحدانية المدبّر.

والفرق بين التوحيد في الخالقية والتوحيد في المدبّرية غير خفي على العارف بالمسائل الكلامية.


(74)

(4)

إعادة الخلق المعدوم جائز

استدلّ الشيخ الأشعري على جواز إعادة الخلق المعدوم بالبيان التالي:

إنّ الله سبحانه خلقه أوّلاً، لا على مثال سبقه، فإذا خلقه أوّلاً لم يعيه أن يخلقه خلقاً آخر.

ثمّ استشهد بالآيات الواردة حول إمكان المعاد، التي منها قوله سبحانه:(وَضَرَبَ لَنا مَثلاً وَنَسيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحيي العِظام وَهَي رَميمٌ* قُلْ يُحييها الّذي أَنْشَأها أوّل مَرّة وَهُوَ بِكُلِّ خَلْق عَليمٌ)) .(1)

يلاحظ على ما ذكره: أنّ هنا مسألتين يجب فصل كلّ منهما عن الأُخرى:

الأُولى: إعادة الخلق الأوّل بعد فنائه بتلاشيه وتفرّق أجزائه، وهذا ما أخبرت عنه الشرائع السماوية، واستدلّ القرآن على إمكانه بطرق متعددة نشير إليها عن قريب، ومثل هذا ليس إعادة للخلق الأوّل بعد انعدامه من جميع الجهات، بل هو إحياء للمواد المبعثرة من الإنسان بإعادة الروح إليها. والحاكم بأنّ الإنسان المعاد هو الإنسان المبتدأ، هو وحدة الروح المجردة المتعلّقة في كلّ زمن ببدن خاص، والروح لا تفنى بفناء المادة، ولا تنفك أجزاؤها.


1. يس:78ـ 79.


(75)

وقد استدلّ القرآن على إمكان هذا النوع من الإعادة بطرق مختلفة نأتي بأُصولها:

1. الاستدلال بعموم القدرة، مثل قوله سبحانه:(أَوَلَمْ يَرَوا أَنَّ الله الّذي خَلَقَ السَّمواتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِر عَلى أَنْ يُحْييَ الْمَوتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلّ شَيء قَديرٌ) .(1)

2. قياس الإعادة على الابتداء، كما في قوله سبحانه: (كَما بَدَأنا أَوّل خَلْق نُعيدُهُ) .(2)

3. الاستدلال على إمكان إحياء الموتى بإحياء الأرض بالمطر والنبات، كما في قوله سبحانه: (وَيُحْيي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ) .(3)

4. الاستدلال بالوقوع على الإمكان، فإنّ أدلّ دليل على إمكان الشيء وقوعه، ولأجل ذلك نقل سبحانه قصة بقرة بني إسرائيل (البقرة:67ـ73) وحديث عزير(البقرة:259).

5. الاستدلال ببعض المنامات الطويلة التي امتدت ثلاثمائة سنة وزيدت عليها تسع، فإنّ النوم أخو الموت، ولا سيّما الطويل منه. والقيام من هذا النوم يشبه تجدّد الحياة وتطوّرها.

6. قياس قدرة الإعادة على قدرة إخراج النار من الشجر الأخضر، كما في قوله سبحانه:(قُلْ يُحْيِيها الَّذي أَنْشَأَها أَوّلَ مَرّة وَهُوَ بِكُلِّ خَلْق عَليم* الَّذي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِالأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُون)) .(4)

هذه هي البراهين المشرقة التي اعتمد عليها القرآن فيما يتبنّاه من إمكان المعاد ووقوعه، وهذه المسألة لا تمتّ إلى المسألة التالية بصلة.

الثانية: إعادة المعدوم من جميع الجهات، بعينه لا بمثله، وهذا هو الذي


1. الأحقاف:33.

2. الأنبياء:104.

3. الروم:19.

4. يس:79ـ 80.


(76)

ادّعى الشيخ الرئيس ابن سينا الضرورة على امتناعه، وأقام البراهين عليه، ونذكر منها ما يناسب وضع كتابنا.

إنّ إعادة الشيء المعدوم من جميع الجهات نوع إيجاد له، والمفروض أنّ هذا الإيجاد يغاير الإبداع الذي تعلّق بإيجاده قبل أن يكون معدوماً. ومع تعدّد الإيجاد وتعدّد أعمال القدرة كيف يكون المعاد نفس المبتدأ من جميع الجهات. نعم، يكون المعاد مثل المبتدأ لا عينه، ولأجل الإيضاح نأتي بمثال:

إذا قام الإنسان بخلق صورة الفرس بالشمعة اللينة، ثمّ محا الصورة التي أوجدها وأعادها ثانياً، فلا يصحّ لأحد أن يقول: إنّ الصورة الثانية عين الأُولى، لأنّ الأُولى تعلّقت بها قدرة وأوجدت بإيجاد خاص، والثانية تعلّقت بها قدرة أُخرى في زمان آخر، وأُوجدت بإيجاد ثان، والقدرتان مختلفتان، والإيجادان متعدّدان، فكيف يكون الموجدان واحداً بل لا مناص على القول باختلافهما. فإذا لم يصحّ إعادة المعدوم في المثال المذكور (الذي كانت المادة فيه محفوظة والصورة فقط منعدمة) فكيف يصحّ فيما كانت الصورة والمادة معدومتين غر باقيتين؟

هذا هو الفرق البارز بين المسألتين، ولم يشر الشيخ الأشعري إلى الفرق بينهما.


(77)

(5)

الله سبحانه ليس بجسم

لقد أكّد الشيخ الأشعري على تنزيه الله سبحانه عن الجسم والجسمانيات في كتاب «اللمع» بشكل واضح، وبذلك امتاز منهجه عن منهج كثير من أهل الحديث الذين لا يتورّعون عن إسناد أُمور إليه سبحانه تلازم تجسيمه وكونه ذا جهة. وقد أوضحنا حال هذه الطائفة عند البحث عن عقائد أهل الحديث والحنابلة في الجزء الأوّل.

وأمّا البرهان الذي اعتمد عليه الشيخ فيرسمه في العبارة التالية:

فإن قال قائل: لم أنكرتم أن يكون الله تعالى جسماً؟

قيل له: أنكرنا ذلك لأنّه لا يخلو أن يكون القائل بذلك أراد أن يكون طويلاً عريضاً مجتمعاً، أو يكون أراد تسميته جسماً وإن لم يكن طويلاً عريضاً مجتمعاً عميقاً، فإن أراد الأوّل فهذا لا يجوز، لأنّ المجتمع لا يكون شيئاً واحداً، لأنّ أقلّ قليل الاجتماع لا يكون إلاّمن شيئين، لأنّ الشيء الواحد لا يكون لنفسه مجامعاً. وقد بيّنا آنفاً أنّ الله عزّوجلّ شيء واحد، فبطل أن يكون مجتمعاً. وإن أردتم الثاني فالأسماء ليست إلينا، ولا يجوز أن يسمى الله تعالى باسم لم يسمِّ به نفسه، ولا سمّاه به رسوله، ولا أجمع المسلمون عليه ولا على معناه.(1)

يلاحظ عليه: أنّ توحيده سبحانه على مراتب نذكر منها ماله صلة بالمقام:


1. اللمع: 24.


(78)

1.توحيده سبحانه بمعنى أنّه واحد لا نظير له ولا مثيل. وهذا ما يعنى من قوله سبحانه: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَد) (1)، وقوله سبحانه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء)(2)، وهذا القسم من التوحيد يهدف إلى أنّ واجب الوجوب بالذات واحد لا يتثنى ولا يتكرر، ليس له نظير ولا مثيل.

2. توحيده سبحانه بمعنى بساطة ذاته وتنزهه عن أنواع التركيب والكثرة في مقام الذات. ولعل «الأحدية» التي يخبر عنها القرآن في الآيات الكريمة، عبارة عن هذا النوع من التوحيد، وهو بساطة الذات والتنزّه عن التركيب والكثرة. قال سبحانه: (قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ) .(3)

وفي ضوء هذين التوحيدين نخرج بالنتيجتين التاليتين:

أ. الله سبحانه واحد لا نظير له ولا مثيل.

ب. الله سبحانه أحد، بسيط، لا جزء لذاته ولا تركيب.

وهناك قسم ثالث من التوحيد، وهو التوحيد في الخالقية، وأنّه ليس في صفحة الوجود خالق إلاّ هو، وخالقية الفواعل الأُخر بالاعتماد عليه والاستمداد من خالقيته سبحانه.

إذا عرفت ذلك، تعرف الخلط في كلام الشيخ الأشعري بوضوح، لأنّ ما تقدّم منه في البحث السابق هو وحدة صانع العالم، ولكن ما هو مقدمة برهانه هنا بساطة ذاته وعدم تركبه من شيء، ولم يسبق ذلك في البحث السابق حتى يعتمد عليه في إثبات ما يتبنّاه من :«أنّه سبحانه ليس جسماً، لأنّ الجسمانية تستلزم كون الشيء عريضاً طويلاً مجتمعاً عميقاً. وهو يلازم الكثرة، والكثرة لا تجتمع مع الوحدة».

وعلى ذلك فلا يتم برهان الشيخ إلاّإذا برهن على بساطة الذات ووحدتها


1. الاخلاص:4.

2. الشورى:11.

3. الاخلاص:1.


(79)

وعدم تكثّرها عقلاً ولا خارجاً، وإلاّ لا يكون برهانه موضوعياً معتمداً على شيء أثبته من قبل.

نعم، في وسع الشيخ أن يبرهن على البساطة بأنّ الكثرة الخارجية أو الذهنية تستلزم احتياج الواجب إلى أجزائه، والمحتاج لا يكون واجباً، بل ممكناً.


(80)

(6)

صفاته الذاتية

اتّفق الإلهيون على أنّه سبحانه: عالم، قادر، حي، سميع، بصير، وهذه هي الصفات الذاتية حسب مصطلح المتكلّمين، والصفات الثبوتية الكمالية حسب مصطلح متكلّمي الإمامية. وهي في مقابل صفات الفعل، أعني: ما ينتزع لا من مقام الذات بل من مقام الفعل ككونه رازقاً، محيياً، مميتاً وغيرها. وإليك نصوص استدلاله في تلك المجالات:

أ. الله سبحانه عالم

استدلّ الأشعري على كونه سبحانه عالماً: بأنّ الأفعال المحكمة لا تتسق في الحكمة إلاّ من عالم. وذلك أنّه لا يجوز أن يحوك الديباج بالتصاوير ويصنع دقائق الصنعة من لا يحسن ذلك ولا يعلمه.(1)

ما ذكره من البرهان قد ذكره قبله غيره ببيان رائق وتعبير بديع، فإنّ إتقان الفعل واستحكامه آية علم الفاعل بشؤون الفعل و ما يقوّمه وما يفنيه.

ب. الله سبحانه حيّ قادر

استدلّ على هذا بأنّه لا تجوز الصنائع إلاّمن حيّ قادر، لأنّه لو جاز


1. اللمع: 24.


(81)

حدوثها ممّن ليس بقادر حي، لم ندر لعل سائر ما يظهر من الناس يظهر منهم وهم عجزة موتى، فلماّ استحال ذلك، دلّت الصنائع على أنّ الله حي.(1)

كان الأليق التفكيك بين الحياة والقدرة، وتقديم البحث في القدرة على البحث في الحياة، لأنّه إذا ثبت كونه قادراً ـ و قد أثبت فعله كونه عالماً ـ ثبت كونه حياً بلا حاجة إلى الاستدلال الجديد، لأنّ الحيّ عبارة عن العالم القادر، أو الدرّاك الفعال. فمن كان عالماً قادراً فهو حيّ قطعاً.

ج. الله سبحانه سميع بصير

قال الأشعري: إنّ الحي إذا لم يكن موصوفاً بآفة تمنعه من إدراك المسموعات والمبصرات إذا وجدت، فهو سميع بصير، والله تعالى منزّه عن الآفة من الصمم والعمى، إذ كانت الآفة تدّل على حدوث من جارت عليه.(2)

يلاحظ عليه: أنّ الأبصار تتعلّق بالأضواء والألوان. والسمع يتعلّق بالأصوات والكلمات، فلو كان إبصاره سبحانه للمبصرات، وسماعه للمسموعات بالإدراك الحسي المادي، نظير الإنسان والحيوان، لاحتاج في تحقّقهما إلى الآلة. وعند ذاك يأتي ما ورد في كلام الشيخ من مسألة الصحّة والتنزّه عن الآفة، نظير الصمم والعمى، وأنّ الآفة آية الحدوث.

وأمّا لو كان توصيفه بهذين الوصفين بالمعنى اللائق بساحته، فحقيقة كونه سميعاً بصيراً ترجع إلى حضور المسموعات والمبصرات لديه، وعدم غيابهماعنه سبحانه ولا يختص الحضور بهما، بل الموجودات على الإطلاق بهوياتها الخارجية حاضرة لديه، لأنّها قائمة به سبحانه، قيام المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي، فهي حاضرة لديه، غير غائبة عنه، من غير فرق بين المبصر والمسموع وغيرهما،وتخصيصهما بالذكر لكون الحس المتعلّق بهما في الإنسان


1. اللمع: 25.

2. اللمع: 25.


(82)

أشرف من غيره، فاقتصر عليهما، وإلاّ فالله سبحانه أجل من أن يسمع ويرى بالآلة، ويباشر بذاته الأضواء والأصوات.

وباختصار: إنّ واقع الإبصار والسماع ليس إلاّ حضور المبصرات والمسموعات لدى البصير والسميع.

وأمّا الآلة وأعمالها والتأثر من الخارج فمقدّمات إعدادية.

فلو تحقّق في مورده الحضور، بلا حاجة إلى تلك المقدمات لكان أحقّ بكونه سميعاً وبصيراً.

ونضيف في الختام أنّه لم يعلم كنه قوله: «الآفة تدلّ على حدوث من جارت عليه» فإنّ كون المدرك (بالكسر) مادياً آية الحدوث لكونه ممكناً، والممكن حاجته إلى الواجب أزلية، وأمّا الصحّة والآفة، فالكلّ بالنسبة إلى القدم والحدوث سواسية فلا الصحة آية القدم، ولا الآفة آية الحدوث.

بل كون الشيء (الإدراك) مادياً آية الحدوث للتلازم بين المادية والحدوث.


(83)

(7)

صفاته قديمة لا حادثة

إنّ الحي إذا لم يكن عالماً كان موصوفاً بضدّالعلم، أي الجهل. ولو كان موصوفاً به لاستحال أن يعلم، لأنّ ضدّ العلم لو كان قديماً لاستحال أن يبطل، وإذا استحال أن يبطل لم يجز أن يصنع المصانع الحكيمة، فلما صنعها دلّت على أنّه عالم، وصحّ أنّه لم يزل عالماً.(1)

يلاحظ عليه:

أوّلاً: أنّ الحدوث والقدم من أوصاف الأُمور الوجودية، وضد العلم ليس إلاّ أمراً عدمياً ومثله لا يوصف لا بالحدوث ولا بالقدم، فلا يصحّ قوله: «لأنّ ضد العلم لو كان قديماً لاستحال أن يبطل».

وثانياً: أنّ كلّ موجود إمكاني مسبوق بعدم قديم، فلو كان قدم العدم مانعاً عن الانقلاب إلى الوجود، تلزم استحالة أن يبطل كلّ عدم وينقلب إلى الوجود.

وكان له الاستدلال بشكل آخر: إنّ اتصافه بالعلم بعد ما كان جاهلاً، أو بالقدرة بعد ما كان عاجزاً، يستلزم كون ذاته محلاً للحوادث، وهو يلازم التغيير والانفعال في ذاته، وهو آية الحدوث،والواجب منزّه عن ذلك كلّه.

كما كان له الاستدلال بشكل ثان وهو: لو كان الذات الإلهية فاقدة


1. اللمع: 25ـ 26.


(84)

لهذه الصفات منذ الأزل، لاستلزم ذلك كون صفاته «ممكنة» و «حادثة» وحيث إنّ كلّ ممكن مرتبط بعلّة،ومحتاج إلى محدث، لزم أن نقف على محدثها، فهل وردت من قبل نفسها، أو من قبل الله سبحانه، أو من جانب علة أُخرى؟ وكلّها باطلة.

أمّا الأوّل: فلا يحتاج إلى مزيد بيان، إذ لا يعقل أن يكون الشيء علة لنفسه.

وأمّا الثاني: فكسابقه، فإنّ فاقد الكمال «العلم والقدرة» لا يعطيه.

أضف إليه ـ أنّه يلزم الخلف أي قدم الصفات. لأنّ المفروض أنّ العلة هي الذات وهي قديمة فيلزم قدم معلولها. وأمّا الثالث فكسابقيه أيضاً إذ ليس هنا عامل خارجي يكون مؤثراً في عروض صفاته على ذاته سبحانه ـ مضافاً إلى أنّه يستلزم افتقار الواجب إليه.

إلى غير ذلك من البراهين المشرقة التي جاءت في الكتب الكلامية والفلسفية; وكأنّ الشيخ أبا الحسن ـ إبّان الانفصال عن المعتزلة وخلع الاعتزال عن نفسه كخلع القميص ـ شقّ عليه الأخذ من علومهم وأفكارهم، وأراد الاعتماد على ما توحيه إليه نفسه، فجاء بالبرهان الذي ترى وزنه وقيمته.


(85)

(8)

صفاته زائدة على ذاته

إنّ كيفية إجراء صفاته سبحانه على ذاته، أوجد هوة سحيقة بين كلامي المعتزلة والأشاعرة، فمشايخ الاعتزال ـ لأجل حفظ التوحيد ، و رفض تعدّد القديم، والتنزّه عن التشبيه ـ ذهبوا إلى أنّ ملاك إجراء هذه الصفات هو الذات، وليست هنا أيّة واقعية للصفات سوى ذاته.

وقد استعرض القاضي عبد الجبار المعتزلي آراء مشايخه في شرح الأُصول الخمسة (1)و قال:

قال شيخنا أبو علي: إنّه تعالى يستحقّ هذه الصفات الأربع: (القدرة، العلم، الحياة، الوجود) لذاته.

وقال شيخنا أبو هاشم: يستحقّ هذه الصفات لما هو عليه في ذاته.

ومفاد كلام الشيخين: أنّ الله سبحانه عالم، قادر حي، بنفسه لا بعلم وقدرة وحياة.

وهؤلاء هم المعروفون بنفاة الصفات، لحفظ التوحيد ورفض تعدّد القدماء، وهم يعنون بقولهم:(لذاته) أنّ ذاته سبحانه ـ ببساطتها ووحدتهاـ نائبة عن الصفات، وتعبير أبي هاشم في إفادة ما يرومانه أدق من عبارة أبي علي، وقد اشتهر هذا القول عند المتأخرين من المتكلّمين بالقول بالنيابة،


1. شرح الأُصول الخمسة: 182.


(86)

ونسبه أبو الحسن الأشعري في «مقالات الإسلاميين» إلى كثير من المعتزلة والخوارج، وكثير من المرجئة وبعض الزيدية وقال: هؤلاء يقولون: إنّ الله عالم، قادر، حي، بنفسه لا بعلم وقدرة وحياة.(1)

وعندئذ تكون الذات نائبة عن الصفات والآثار المترقبة من الصفات، مترتبة على الذات، وإن لم تكن الصفات موجودة فيها مثلاً: خاصية العلم اتقان الفعل،وهي تترتب على نفس ذاته، بلا وجود وصف العلم فيه، و قد اشتهر عندهم «خذ بالغايات واترك المبادئ» و إنّما ذهبوا إلى هذا القول لأجل أمرين تاليين:

من جانب اتفقت الشرائع السماوية على أنّه سبحانه عالم حي قادر، و يدلّ على ذلك إتقان أفعاله. و من جانب آخر: واقعية الوصف لا تنفك عن القيام بالغير، فلو لم تكن قائمة به لم تصدق عليه الصفة. فعند ذلك يدور الأمر بين أحد الأُمور الأربعة:

1. نفي العلم مثلاً عن ساحته سبحانه على الإطلاق. وهذا تكذّبه آثار فعله سبحانه، مضافاً إلى اتّفاق الشرائع السماوية على عدّه من صفاته الذاتية.

2. القول بأنّ علمه زائد، ومثله سائر صفاته، وهذا يستلزم تعدّد القدماء.

3. كون صفاته عين ذاته وهي متحدة معها، وهذا لا يجتمع مع واقعية الوصف، لأنّ واقعيته هو القيام بالغير،ولولاه لما صدق عليه الوصف. فعندئذ يتبيّن القول التالي:

4. نيابة الذات مناب الصفات وإن لم تكن الذات موصوفة بنفس الصفات.

وهذا القول هو المشهور بين المعتزلة، وإليه يشير الحكيم السبزواري في منظومته:


1. مقالات الإسلاميين:1/224.


(87)

والأشعـريـة بازديـاد قائلـة * وقــال بـالنيـابـة المعتـزلـة

وممّن اختار هذا القول من المعتزلة وذبَّ عنه بصراحة، هو عبّاد بن سليمان المعتزلي(1)قال:

هو عالم، قادر، حي، ولا أثبت له علماً ولا قدرة، ولا حياة، ولا أثبت سمعاً ولا أثبت بصراً. وأقول: هو عالم لا بعلم،وقادر لا بقدرة وحي لا بحياة، وسميع لا بسمع، وكذلك سائرما يسمّى به من الأسماء التي يسمّى بها.(2)

رأي أبي الهذيل العلاّف المعتزلي

(3)

يعترف أبو الهذيل ـ على خلاف ما يروى عن أبي علي وأبي هاشم الجبائيين ـ بأنّ لله سبحانه علماً وقدرة وحياة حقيقة، ولكنّها نفس ذاته; وإليك نصّ عبارته: هو عالم بعلم هوهو، هو قادر بقدرة هي هو، هوحي بحياة هي هو ـ إلى أن قال ـ : إذا قلت: إن الله عالم أثبتَّ له علماً هو الله، ونفيت عن الله جهلاً، ودللت على معلوم، كان أو يكون، وإذا قلت: قادر، نفيت عن الله عجزاً،وأثبتّ له قدرة هي الله سبحانه ودللت على مقدور. وإذا قلت: الله حي، أثبتّ له حياة وهي الله، ونفيت عن الله موتاً.(4)

والفرق بين الرأيين جوهري جداً، فالرأي الأوّل يركز على أنّ الله عالم، قادر حي، بنفسه، لا بعلم ولا قدرة ولا حياة. وعلى حد تعبير أبي هاشم أنّ الله يستحقها لما هو عليه في ذاته.


1. من أئمة الاعتزال في القرن الثالث، ودارت بينه و بين أبي كلاب (المتوفّى بعد عام 340هـ) مناظرات، لاحظ الانتصار لأبي الحسين الخياط: 61.

2. مقالات الإسلاميين:1/225.

3 . محمد بن هذيل المعروف بالعلاّف، كان شيخ البصريين في الاعتزال، ولد عام 130هـ وتوفّـي في سامراء235هـ. لاحظ وفيات الأعيان:4/265 برقم 606.

4. شرح الأُصول الخمسة: 183; مقالات الإسلاميين: 25.


(88)

فهؤلاء يستحقون أن يسموا بنفاة الصفات ونيابة الذات عنها، وهذا بخلاف رأي أبي الهذيل فهو يركز على كونه سبحانه موصوفاً بهذه الصفات وعالماً بعلم وقادراً بقدرة، ولكنّها تتحد مع الذات في مقام الوجود والعينية.

ولأجل التفاوت البارز بين الرأيين أراد القاضي عبد الجبار المعتزلي إرجاع مقالة العلاف إلى ما يفهم من عبارة أبي علي و ابنه أبي هاشم وقال: قال أبو هذيل: إنّه تعالى عالم بعلم هوهو، وأراد به ما ذكره الشيخ أبو علي، إلاّ أنّه لم تتلخص له العبارة، ألا ترى أنّ من يقول: إنّ الله عالم بعلم، لا يقول إنّ ذلك العلم هو ذاته تعالى.

ولكن الحقّ في باب الصفات هو ما ذهب إليه أبو الهذيل، وعليه مشايخنا الإمامية، أخذاً بالبراهين المشرقة في هذا المجال، واقتداءً بما ورد عن أئمّة أهل البيت سلام الله عليهم أجمعين، وسيوافيك عند استعراض عقائد المعتزلة أنّ أُصولهم مأخوذة من خطب الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ ، وهو إمام علم التوحيد، تُعرف آراؤه العالية من خطبه وكلماته في نهج البلاغة، ونأتي منها بما يمس المقام:

1. «وكمال توحيده الإخلاص له...» الخطبة الأُولى، ص 8، ط مصر، أي تخليصه من كلّ جزء وتركيب.

2. وقال ـ عليه السَّلام ـ : «لا تناله التجزئة والتبعيض» الخطبة 81، ط مصر، ج1، ص 146.

3. وقال ـ عليه السَّلام ـ : «ولا يجري عليه السكون والحركة، وكيف يجري عليه ما هو أجراه، ويعود فيه ما هو أبداه، ويحدث فيه ما هو أحدثه، إذاً لتفاوتت ذاته، ولتجزأ كنهه» الخطبة 181ط مصر ج2 ص 144.

4. وقال ـ عليه السَّلام ـ : «ولا يوصف بشيء من الأجزاء،ولا بالجوارح والأعضاء،ولا بعرض من الأعراض، ولا بالغيرية والإبعاض» الخطبة 181. إلى غير ذلك من الكلمات التي لا مناص معها عن القول باتحاد الصفات مع الذات.

يرى الغزالي والشهرستاني أنّ المعتزلة تبعوا الفلسفة اليونانية في وحدة


(89)

صفاته مع ذاته فقالوا: إنّ الله عالم بذاته، قادر بذاته، حي بذاته،لا بعلم وقدرة وحياة هي صفات قديمة ومعان قائمة به، لأنّه لو شاركته الصفات في القدم الذي هو أخصّ الوصف لشاركته في الإلهية.(1)

يلاحظ عليه: أنّ المعتزلة تبعوا في ذلك إمام علم الكلام ومؤسسه عليّ بن أبي طالب عليمها السَّلام ، فهو رائد الموحدين وسيدهم، فقد استدلّ في خطبته على وحدة صفاته مع الذات بشكل رائع.(2)

وهن نظرية النيابة

إنّ الشيخين(أبا علي وأبا هاشم الجبائيين) لو تأمّلا في واقعية الصفات الكمالية وأنّها من شؤون الوجود لما أكّدا ولا أصرّا على أنّ واقعية الصفة مطلقاً هي القيام بالغير، لأنّه لا يمكن أن تكون الصفة عين الذات، وذلك لأنّ كلّ الكمالات من شؤون الوجود و ترجع حقائقها إليه، والوجود أمر مقول بالتشكيك، فله العرض العريض، فكما أنّ من الوجود ممكناً وواجباً وجوهراً وعرضاً، فهكذا إنّ مرتبة من العلم كيف نفساني قائم بالغير، ومرتبة أُخرى منه واجب قائم بنفسه، ومثله القدرة والحياة، والتفصيل يطلب من محلّه.

تحليل نظرية الزيادة

قد تعرّفت على نظرية الشيخين من أئمّة الاعتزال، كما تعرّفت على نظرية أبي الهذيل، وقد حان الآن وقت دراسة نظرية شيخ الأشاعرة،وهو يخالف كلتا النظريتين ـ النيابة والوحدة ـ و يقول بوجود صفات كمالية زائدة على ذاته مفهوماً و مصداقاً، فلا تعدو صفاته صفات المخلوق إلاّ في القدم والحدوث. ولأجل ذلك يهاجم النظريتين في «الإبانة» و «اللمع» فيقول في رد النظرية ا لأُولى (النيابة):

إنّ الزنادقة قالوا: إنّ الله ليس بعالم، ولا قادر، ولا حي، ولا


1. الملل والنحل للشهرستاني:1/51.

2. لاحظ نهج البلاغة: الخطبة الأُولى، وقد عرفت بعض كلامه في المقام.


(90)

سميع، ولا بصير. وقول من قال من المعتزلة: إنّ لا علم لله ولا قدرة له، معناه: إنّه ليس بعالم ولا قادر. والتفاوت في الصراحة والكناية، فنفي المبادئ حقيقة، يلازم نفي صفاته الثبوتية التي أجمع المسلمون على توصيفه سبحانه بها.

وأمّا الثانية، فردّ عليها بقوله: كيف يمكن أن يقال: إنّ علم الله هو الله. وإلاّ يلزم أن يصحّ أن نقول: يا علم الله اغفر لي وارحمني.(1)

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ القول بزيادة الصفات ليس من مبتكرات الأشعري، بل تبع هو في ذلك«الكلابية» والتفاوت بينهما بالكناية والتصريح، قال القاضي عبد الجبار:

عند الكلابية أنّه تعالى يستحقّ هذه الصفات لمعان أزلية، وأراد بالأزلي: القديم، إلاّ أنّه لما رأى المسلمين متفقين على أنّه لا قديم مع الله تعالى، لم يتجاسر على إطلاق القول بذلك. ثمّ نبغ الأشعري، وأطلق القول بأنّه تعالى يستحقّ هذه الصفات لمعان قديمة.(2)

ثانياً: ما ناقش به النظرية الأُولى غير كاف فيما ادّعاه ـ أعني: رجوع قولهم إلى نفي كونه سبحانه عالماً ـ لأنّ نفي المبادئ ـ أعني: العلم والقدرة ـ إنّما يستلزم نفي كونه عالماً وقادراً إذا لم تقم الذات مقام الصفات في الأثر والغاية. فلقائل أن يقول: إنّ ما يطلب من العلم والقدرة من إتقان الفعل والقدرة عليه، فالذات بنفسها كافية في تأمين الغاية المطلوبة منها. فإنّ ذاته سبحانه من الكمال على حد، تقوم بنفسها لتأمين كلّ ما يطلب من الصفات، فلا حاجة إليها.

وأضعف منه ما ناقش به النظرية الثانية من أنّ القول بتوحيد صفاته مع ذاته يستلزم جواز أن نقول:يا علم الله اغفر لي، وذلك لأنّ القائل بالوحدة


1. الإبانة: 108.

2. الأُصول الخمسة: 183.


(91)

إنّما يقول بها وجوداً لا مفهوماً، إذ لا شكّ أنّ المفهوم من «الله» غير المفهوم من «العلم» و «القدرة» ومشتقاتهما.

وعلى ذلك فبما أنّ العلم غيره سبحانه مفهوماً، ولكن عينه مصداقاً، لا يصحّ التعبير عن مقام العينية بـ«يا علم الله» بل يجب أن يقول: يا الله، فالتعبير بصورة الإضافة «إضافة العلم إلى الله» دليل على أنّ الداعي يسير في عالم المفاهيم، لا في عالم العين والخارج، وإلاّ كان عليه أن يقول: يا الله.

استدلاله على المغايرة

وممّا يدلّ على أنّ الله عالم بعلم، أنّه سبحانه لا يخلو عن أحد صورتين:1. أن يكون عالماً بنفسه، 2. أو بعلم يستحيل أن يكون هو نفسه.

1. فإن كان عالماً بنفسه كانت نفسه علماً، ويستحيل أن يكون العلم عالماً أو العالم علماً، ومن المعلوم أنّ الله عالم; ومن قال: إنّ علمه نفس ذاته لا يصحّ له أن يقول: إنّه عالم; فإذا بطل هذا الشقّ تعين الشقّ الثاني، وهو أنّه يعلم بعلم يستحيل أن يكون هو نفسه.(1)

لبّ البرهان هو: أنّ واقعية الصفة هي البينونة فيجب أن يكون هناك ذات وعرض، ينتزع من اتّصاف الأُولى بالثاني عنوان العالم والقادر، فالعالم: من له العلم، والقادر من له القدرة، لا من ذاته نفسهما، فيجب أن يفترض ذات غير الوصف.

يلاحظ عليه: أنّ القائل بالوحدة لا يقول بالوحدة المفهومية، أي أنّ ما يفهم من لفظ «الجلالة» فهو نفس ما يفهم من لفظ «العالم» فإنّ ذلك باطل بالبداهة، بل يقصد منه اتحاد واقعية العلم مع واقعية ذاته، وأنّوجوداً واحداً ببساطته ووحدته مصداق لكلا المفهومين، وليس مصداق لفظ الجلالة في الخارج مغايراً لمصداق العلم، وأنّ ساحة الحقّ منزهة عن فقد أية صفة كمالية في مرتبة الذات، بل لوجود البحث البسيط نعوت وأوصاف، كلّها موجودة


1. اللمع: 30.


(92)

بوجود واحد، فتلكالصفات الإلهية متكثّرة بالمعنى والمفهوم، واحدة بالهوية والوجود.

ولا يعني أصحاب نظرية الوحدة تعطيل الذات عن الصفات وخلوّها عن واقعيتها، كما عليه القائل بالنيابة، بل يعنون أنّ وجوداً اوحداً بوحدته وبساطته، من دون تكثّر فيه، هو نفس العلم والقدرة وسائر الكمالات، وربّ وجود يكون من الكمال على حدّ يكون نفس الكشف والعلم، ونفس القدرة والاستطاعة، وهو في الكمال آكد من الوجود الذي يكون العلم والقدرة زائدين عليه.

أضف إلى ذلك: أنّ الشيخ الأشعري لم يتأمّل في مقالة القائل بالوحدة، ولأجله رمى القائل بها بأنّه لا يصحّ له إجراء الصفات على الله، وليس له أن يقول: إنّه عالم. فإنّ الفرق بين القول بالعينية والزيادة، كالفرق بين قولنا: زيد عدل وزيد عادل، فالأُولى من القضيتين آكد في إثبات المبدأ من الآخر، والقول بالعينية آكد من القول بالزيادة، فلو استحقّ الإنسان الواقف على ذاته وماوراءها بعلم زائد، أن يوصف بكونه عالماً، كان الموجود الواقف على الذات والأشياء بعلم هو نفسه وذاته، أولى بالاستحقاق بالتوصيف.

وقد اغترّ الشيخ بظاهر لفظ «عالم» و«قادر» حيث إنّ المتبادر منه هو كون الذات شيئاً والوصف شيئاً آخر. فحكم بإجرائه عليه سبحانه بهذا النمط بلا تغيير ولا تحوير. ومعنى هذا هو أنّ المعارف العليا تقتنص من ظواهر الألفاظ وإن كانت الأدلّة العقلية الواضحة تخالفها وتردّها، فإنّ الألفاظ العامة عاجزة عن تفسير ما هناك من المعارف والمعاني.

مضاعفات القول بالزيادة

إذا كان في القول بعينية الصفات مع الذات نوع مخالفة لظاهر صيغة الفاعل ـ أعني: العالم والقادرـ الظاهرة في الزيادة، كان في القول بالزيادة مضاعفات كبيرة لا يقبلها العقل السليم، ونشير إلى بعضها:

1. تعدّد القدماء بعدد الأوصاف الذاتية. وربما يتمحّل في رفعه بأنّ


(93)

المراد من الزيادة هو أنّها ليست ذاته ولا غير ذاته، ولكنّه كلام صوري ينتهي عند الدقة إلى ارتفاع النقيضين.

والعجب أنّ الأشعري في موضع من كتابه «اللمع» ينفي غيرية الصفات للذات حتى لا يلزمه القول بتعدّد القدماء. لكنّه يفسر الغيرية بالصفات المفارقة، ويقول: إنّ معنى الغيرية جواز مفارقة أحد الشيئين للآخر على وجه من الوجوه، فلمّا دلّت الدلالة على قدم الباري تعالى وعلمه وقدرته، استحال أن يكونا غيرين.

وغير خفي على القارئ النبيه أنّ الزيادة المستلزمة لتعدّد القدماء كما تتحقّق في مفارقة الصفات كذلك تتحقّق في ملازمتها، فالقول بعدم الوحدة يستلزم تعدّد القدماء، وإن كانت الصفات لازمة.

إنّ القول بأنّ له سبحانه صفات زائدة على الذات قديمة مثله ممّا لا يجترئ عليه مسلم واع، ولم يكن أحد متفوّهاً بهذا الشرك من المسلمين غير الكلابية،وعنهم أخذ الأشعري. قال القاضي عبد الجبار:

وعند الكلابية أنّه تعالى يستحقّ هذه الصفات لمعان أزلية، وأراد بالأزلي: القديم; إلاّ أنّه لماّ رأى المسلمين متّفقين على أنّه لا قديم مع الله تعالى لم يتجاسر على إطلاق القول بذلك، ثمّ نبغ الأشعري وأطلق القول بأنّه تعالى يستحقّ هذه الصفات لمعان قديمة، لوقاحته وقلّة مبالاته بالإسلام والمسلمين.(1)

2. إنّ القول باتّحاد صفاته مع ذاته، يستلزم غناه في العلم بما وراء ذاته، عن غيره، فيعلم بذاته كلّ الأشياء من دون حاجة إلى الغير. وهذا بخلاف القول بالزيادة، إذ عليه: يعلم سبحانه بعلم سوى ذاته ويخلق بقدرة خارجة عن ذاته. وكون هذه الصفات أزلية لا يدفع الفقر والحاجة عن ساحته، مع أنّ وجوب الوجود يقتضي الاستغناء عن كلّ شيء.

وأمّا الاستدلال على الزيادة بظواهر بعض الآيات، كقوله سبحانه:


1. الأُصول الخمسة:183. وقد تقدّم ملخّصاً فلاحظ.


(94)

(أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ) (1)، وقوله سبحانه: (وَماتَحْمِلُ منْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ)(2)فضعيف جدّاً، إذ لا دلالة لهما على الزيادة ولا على العينية، وإنّما تدلّ على أنّ له سبحانه علماً.

وأمّا الكيفية فتطلب من مجال آخر.

وفي الختام نقول: إنّ «الصفاتية» في علم الكلام وتاريخ العقائد هم الأشاعرة ومن لفّ لفّهم في القول بالأوصاف الزائدة. كما أنّ المعطّلة هم نفاتها، حيث عطّلوا الذات عن التوصيف بالأوصاف الكمالية، وقالوا بالنيابة.

وقد عرفت الحقّ، وليس في القول بالوحدة (لا القول بالنيابة) أيّ تعطيل لتوصيف الذات بالصفات الكمالية.

وعلى أيّ تقدير، فقد صارت زيادة الصفات مذهباً لأهل السنّة قاطبة، وصدر في بغداد كتاب سمي «الاعتقاد القادري»و ذلك في 17 محرم سنة 409هـ و قرئ في الدواوين وكتب الفقهاء فيه: «إنّ هذا اعتقاد المسلمين،ومن خالفهم فقد فسق وكفر» جاء في الكتاب: «وهو القادر بقدرة، والعالم بعلم أزلي غير مستفاد، وهو السميع بسمع،والمبصر ببصر، متكلم بكلام، لا يوصف إلاّ بما وصفه به نبيّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وكلّ صفة وصف بها نفسه، أووصفه بها رسول فهي صفة حقيقية لا مجازية، وإنّ كلام الله غير مخلوق، تكلّم به تكليماً فهو غير مخلوق بكلّ حال متلوّاً ومحفوظاً ومكتوباً ومسموعاً، ومن قال: إنّه مخلوق على حال من الأحوال فهو كافر، حلال الدم بعد الاستتابة منه».(3)

وربما تطلق«الصفاتية» على من يصفه سبحانه بالأوصاف الخبرية (مع التشبيه أو مع التنزيه) في مقابل التفويض أو التأويل، وهذا هو الذي نبحث عنه في البحث التالي.


1. النساء:166.

2. فاطر:11.

3. المنتظم: 195ـ 196; البداية والنهاية :12/6ـ7; هامش تاريخ ابن الأثير:7/299ـ 302 .