welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الملل والنحل/ج2 (الأشعرية)*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الملل والنحل/ج2 (الأشعرية)

(339)

(5)

أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

(479أو 467ـ 548هـ)

الشهرستاني، أحد المهتمين بدراسة المذاهب والشرائع، ويعدّ شخصية ثالثة بين الأشاعرة في معرفة الملل والنحل، بعد الشيخين: أبي الحسن الأشعري، وعبد القاهر البغدادي، وكتابه المعروف بالملل والنحل يعد من المصادر لهذا العلم، ويمتاز عن غيره من الكتب المتقدمة عليه كـ«مقالات الإسلاميين» للأشعري و«الفرق بين الفرق» لعبد القاهر البغدادي بذكر كثير من الآراء الفلسفية المتعلّقة بما وراء الطبيعة، التي كانت سائدة في عصر المؤلف،ولأجل ذلك حاز الكتاب إعجاب الناس وتقديرهم، ومع ذلك كلّه قد خلط بين الحقّ والباطل، خصوصاً في نقل آراء بعض الطوائف الإسلامية.

ويعرّفه ابن خلكان بقوله: كان مبرزاً فقيهاً متكلماً، تفقّه على أحمد الخوافي وعلى أبي نصر القشيري وغيرهما، وبرع في الفقه وقرأ الكلام على أبي القاسم الأنصاري وتفرد فيه، وصنف كتباً منها: «نهاية الإقدام في علم الكلام» وكتاب «الملل النحل» و«المناهج والبيّنات» وكتاب «المضارعة» و «تلخيص الأقسام لمذاهب الأنام» و كان كثير المحفوظ(1)، حسن المحاورة، يعظ الناس، ودخل بغداد سنة 510 وأقام بها ثلاث سنين،وظهر، قبول كثير عند العوام، وسمع الحديث من علي بن أحمد المديني بـ«نيسابور»وغيره، وكتب عنه الحافظ أبو سعد عبد الكريم السمعاني، وذكره في كتاب


1. كذا في المصدر والأصحّ : «كثير الحفظ».


(340)

«الذيل»، و كانت ولادته سنة 479 أو 467،وتوفّي في أواخر شعبان سنة 548هـ.(1)

ويصفه الذهبي بقوله: شيخ أهل الكلام والحكمة، وصاحب التصانيف،ونقل عن السمعاني أنّه كان يميل إلى أهل القلاع (القرامطة) والدعوة إليهم والنصرة لطاماتهم، كما ينقل عن صاحب «التحبير» بأنّه كان إماماً أُصولياً عارفاً بالأدب وبالعلوم المهجورة. وقال ابن أرسلان في تاريخ خوارزم: عالم كيّس متعفف.

ولولا ميله إلى الإلحاد وتخبطه في الاعتقاد، لكان هو الإمام، وكثيراً ما نتعجب من وفور فضله كيف مال إلى شيء لا أصل له، نعوذ بالله من الخذلان، وليس ذلك إلاّ لإعراضه عن علم الشرع، واشتغاله بظلمات الفلسفة. وقد كانت بيننا محاورات فكان يبالغ في نصرة مذاهب الفلاسفة والذب عنهم. حضرت وعظه مرات فلم يكن في ذلك قال الله و قال رسوله. فسأله سائل يوماً فقال: سائر العلماء يذكرون في مجالسهم المسائل الشرعية ويجيبون عنها بقول أبي حنيفة والشافعي، وأنت لا تفعل ذلك؟ فقال: مثلي ومثلكم كمثل بني إسرائيل يأتيهم المن والسلوى، فسألوا الثوم والبصل. ثمّ نقل عن ابن أرسلان أنّه حجّ في سنة 510هـ.(2)

المطبوع من كتبه

1. «الملل والنحل» قد طبع كراراً، وأخيراً في القاهرة في جزءين بتحقيق محمد سيد كيلاني، طبع في 1381هـ.

2. «نهاية الإقدام» وهو مطبوع حرره وصححه «الفرد جيوم» المستشرق ولم يذكر عام الطبع. ومجموع الكتاب يحتوي على عشرين قاعدة كلامية. قال في مقدمة الكتاب: وقد أوردت المسائل على تشعث خاطري وتشعب فكري، ممتثلاً أمره في معرض المباحثات ترتيباً وتمهيداً، سؤالاً


1. وفيات الأعيان:4/273 برقم 611.

2. سير أعلام النبلاء:20/287ـ 288، ولاحظ الروضات:8/26برقم 675.


(341)

وجواباً، وسمّيت الكتاب «نهاية الإقدام (بالكسر) في علم الكلام»(1) وإليك فهرس القواعد:

1. القاعدة الأُولى: في حدوث العالم وبيان استحالة حوادث لا أوّل لها،واستحالة وجود أجسام لا تتناهى مكاناً.

2. القاعدة الثانية: في حدوث الكائنات بأمرها بإحداث الله سبحانه.

3. القاعدة الثالثة: في التوحيد.

4. القاعدة الرابعة: في إبطال التشبيه.

5. القاعدة الخامسة: في إبطال مذهب التعطيل وبيان وجوه التعطيل.

6. القاعدة السادسة: في الأحوال.

7. القاعدة السابعة: في المعدوم هل هو شيء أم لا، وفي الهيولي وفي الرد على من أثبت الهيولي بغير صورة الوجود.

8. القاعدة الثامنة: في إثبات العلم بأحكام الصفات العلى.

9. القاعدة التاسعة: في إثبات العلم بالصفات الأزلية.

10. القاعدة العاشرة: في العلم الأزلي خاصة، وأنّه أزلي واحد.

11. القاعدة الحادية عشرة: في الإرادة.

12. القاعدة الثانية عشرة: في كون البارئ متكلّماً بكلام أزلي.

13. القاعدة الثالثة عشرة: في أنّ كلام البارئ واحد.

14. القاعدة الرابعة عشرة: في حقيقة الكلام الإنساني والنطق النفساني.

15. القاعدة الخامسة عشرة: في العلم بكون البارئ تعالى سميعاً بصيراً.


1. نهاية الإقدام: 4.


(342)

16. القاعدة السادسة عشرة: في جواز رؤية البارئ تعالى عقلاً ووجوبها سمعاً.

17. القاعدة السابعة عشرة: في التحسين والتقبيح، وبيان أنّه لا يجب على الله تعالى شيء من قبل العقل،ولا يجب على العباد شيء قبل ورود الشرع.

18. القاعدة الثامنة عشرة: في إبطال الغرض والعلة في أفعال الله تعالى، وإبطال القول بالصلاح والأصلح واللطف، ومعنى التوفيق والخذلان والشرح والختم والطبع، ومعنى النعمة والشكر، ومعنى الأجل والرزق.

19. القاعدة التاسعة عشرة: في إثبات النبوات.

20. القاعدة العشرون: في إثبات نبوة نبيّنا محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

وقد نسب إليه غير واحد هذين البيتين وجاءا في أوّل كتاب «نهاية الإقدام» و هما:

لقد طفت في تلك المعاهد كلّها * وسيرت طرفي بيـن تلك المعـالم

فلم أُر إّلا واضعـاً كـف حـائر * على ذقـن أو قـارعاً سـن نـادم

نكات

1. إنّ القول بميل الرجل إلى القرامطة، لا يصدقه كلامه في الملل والنحل، فإنّه قد طرح في هذا الكتاب عقائد الإسماعيلية واستوفى الكلام فيها وختم كلامه بقوله:

وكم ناظرت القوم على المقدمات المذكورة فلم يتخطوا عن قولهم ـ إلى أن قال ـ: وقد سددتم (الطائفة الإسماعيلية) باب العلم وفتحتم باب التسليم والتقليد، وليس يرضى عاقل بأن يعتقد مذهباً على غير بصيرة، وأن يسلك طريقاً من غير بينة.(1)


1. الملل والنحل:1/197ـ 198، ط دار المعرفة بيروت.


(343)

2. يروي الشهرستاني أنّ عقيدة السلف في إجراء الصفات الخبرية على الله سبحانه هو التفويض بقوله:

بالغ بعض السلف في إثبات الصفات إلى حدّ التشبيه بصفات المحدثات، واقتصر بعضهم على صفات دلّت الأفعال عليها و ما ورد به الخبر، فافترقوا فرقتين:

فمنهم من أوّله على وجه يحتمل اللفظ ذلك.

ومنهم من توقّف في التأويل وقالوا: لسنا مكلّفين بمعرفة تفسير هذه الآيات وتأويلها.(1)

3. إنّ الرجل يتخبط حقاً في عرض عقائد الشيعة، وكأنّه لم يرجع إلى مصدر شيعي معتبر، يقول في حقّ هذه الطائفة: إنّ الشيعة في هذه الشريعة وقعوا في غلو وتقصير. أمّا الغلو فتشبيه بعض أئمتهم بالإله تعالى وتقدس، وأمّا التقصير فتشبيه الإله بواحد من الخلق، ولما ظهرت المعتزلة والمتكلّمون من السلف رجعت بعض الروافض عن الغلو والتقصير».(2)

يلاحظ عليه: أنّ الشيعة هم الذين يمثلون أصحاب الإمام علي والسبطين وعلي والسجادوالباقرين والكاظمين... ـ عليهم السَّلام ـ وهؤلاء عن بكرة أبيهم مبرأون عن هذه التهم الساقطة. كيف وهم مقتفون أثر عترة النبي الذين جعلهم الرسول الأعظم قرناء الكتاب في العصمة والهداية، وقد تواترت عليه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ رواية الثقلين، وأنّه قال: «إنّي تارك فيكم الثقلين:كتاب الله وعترتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض».(3)


1. الملل والنحل:1/93، وقد عرفت ما في التفويض من الإشكال.

2. الملل والنحل:1/93، وقد عرفت ما في التفويض من الإشكال.

3. راجع في الوقوف على مصادره ونصوصه، كنز العمال:1/172 باب الاعتصام بالكتاب والسنّة.

وقد نشرت جماعة دار التقريب بالقاهرة رسالة مستقلة في هذا المجال أنهى فيها صور الحديث وأسناده.


(344)

أفهل يتصور أن يعتقد مقتفو آثارهم تألية الأئمة، أو تشبيه إله العالم بواحد من الخلق؟!

4. يقول أيضاً في حقّ الإمامية: صارت الإمامية متمسكين بالعدلية في الأُصول وبالمشبهة في الصفات، متحيرين تائهين.(1)

تمسك الإمامية بالعدل معروف لا شكّ فيه، وكفى ذلك الكتاب والعقل والسنّة المروية عن طريق أهل البيت، وأمّا كونهم مشبهين في الصفات ففرية لا يجد الرجل دليلاً عليها في كتبهم، فهم من أشدّ المنزّهين لله سبحانه عن الصفات الخبرية مثل اليدين والوجه بالمعاني الحقيقية، وكفى في ذلك خطب علي ـ عليه السَّلام ـ في النهج، فقد نزّه الباري سبحانه لا عن الصفات الخبرية وحدها، بل نزّهه عن كونه متصفاً بصفات ذاتية زائدة على ذاته، بل صفاته سبحانه عندهم نفس ذاته،لا بمعنى النيابة، بل بلوغ الذات في الكمال إلى حدّ صارت نفس العلم والقدرة، قال ـ عليه السَّلام ـ : «لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف، وشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه،ومن قرنه فقد ثنّاه، ومن ثنّاه فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد جهله، ومن جهله فقد أشار إليه، ومن أشار إليه فقد حدّه، و من حدّه فقد عدّه، و من قال فيم فقد ضمنه، ومن قال علام فقد أخلى منه».(2)

ففي الكتاب نقول ضعيفة، وساقطة عن هذه الطائفة تحتاج إلى نظارة التنقيب جداً، فلنكتف بهذا المقدار.

(6)

الفخر الرازي(543ـ 606هـ)

محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري أصله من طبرستان، ومولده في الري وإليها نسبه، ولد فيها عام ثلاث وأربعين وخمسمائة


1. الملل والنحل:1/172.

2. نهج البلاغة: الخطبة الأُولى.


(345)

أو سنة أربع وأربعين، وتوفّي في «هراة» عام ست و ستمائة.(1)

قال ابن خلّكان: فريد عصره، ونسيج وحده، فاق أهل زمانه في علم الكلام والمعقولات وعلم الأوائل، وله التصانيف المفيدة في حقول عديدة، منها تفسير القرآن الكريم، جمع فيه كلّ غريب وغريبة، وهو كبير لكنّه لم يكمله، ثمّ ذكر تصانيفه و قال: وكل كتبه ممتعة،وانتشرت تصانيفه في البلاد ورزق فيها سعادة عظيمة، فإنّ الناس اشتغلوا بها ورفضوا كتب المتقدّمين ـ إلى أن قال ـ : و كان له في الوعظ اليد البيضاء، ويعظ باللسانين: العربي والعجمي، وكان يلحقه الوجد في حال الوعظ ويكثر البكاء، وكان يحضر مجلسه بمدينة «هراة» أرباب المذاهب والمقالات ويسألونه،وهو يجيب كلّ سائل بأحسن إجابة، وكان رجع بسببه خلق كثيرمن الطائفة الكرامية وغيرهم إلى مذهب أهل السنّة، وكان يلقب بهراة «شيخ الإسلام».

وقد تخرج في المذهب على والده ضياء الدين عمر، ووالده على أبي القاسم سليمان بن ناصر الأنصاري، وهو على إمام الحرمين أبي المعالي، وهو على الأُستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني، وهو على الشيخ أبي الحسين الباهلي، وهو على شيخ السنّة أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري.

يقول أبو عبد الله الحسين الواسطي: «سمعت فخر الدين ينشد بهراة على المنبر عقيب كلام عاتب فيه أهل البلد:

المرء مـادام حيـاً يستهـان بـه * ويعظم الرزء فيه حين يفتقد(2)

لا شكّ أنّ الرازي من أئمّة الأشاعرة في عصره، وقد نصر المنهج الأشعري في تآليفه الكلامية وفي تفسيره خاصة، يقف عليه كلّ من لاحظ الآيات التي تختلف في تفسيرها المعتزلة والأشاعرة، وستقف على كلامه في تفسير قوله سبحانه: (الرَّحمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى) (3)ولما كان يناظر الكرامية


1. الكامل لابن الأثير:12/288; و الوفيات:4/252.

2. وفيات الأعيان:4/248ـ 252برقم 600.

3. طه:5.


(346)

من أهل التجسيم والتشبيه ويكبتهم في القول بهما صريحاً صار ذلك سبباً للطعن عليه ممن لا يروقه التخطي عن ظواهر النصوص.

يقول الذهبي: وقد بدت في تآليفه بلايا وعظائم وسحر وانحرافات عن السنّة، والله يعفو عنه، فإنّه توفّي على طريقة حميدة، والله يتولّى السرائر.(1)

وأظن أنّ نسبة الانحراف عن السنّة إليه هو ما نقله صاحب «تاريخ روض المناظر» من ابن الأثير: أنّ السلطان غياث الدين قد أبلغ في إكرام الإمام فخر الدين، و بنى له المدرسة بهراة، فعظم ذلك على أهلها الكرامية من الحنفية والشافعية، فحضروا عند الأمير غياث الدين للمناظرة، وحضر فخر الدين الرازي و القاضي عبد المجيد بن القدوة وهو أكبر الكرامية وأعلمهم وأزهدهم، فتكلم الرازي فأعرض عنه ابن القدوة، وطال الكلام، وقام غياث الدين فاستطال الرازي على ابن القدوة وشتمه، فأغضب ذلك الملك ضياءالدين ابن عم غياث الدين، وذم فخر الدين الرازي ونسبه إلى الزندقة والفلسفة عند غياث الدين، فلم يصنع إليه شيئاً، فلما كان الغد وعط ابن القدوة الناس من الغدوة بالجامع، فحمد الله وصلّى على النبي وقال: (رَبّنا آمَنّا بِما أَنْزلتَ وَاتَّبَعنا الرَّسُول فَاكْتُبْنا مع الشّاهدين) ، أيّها الناس لا نقول إلاّما صحّ عندنا من رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وأمّا علم أرسطو وكفريات ابن سينا وفلسفة الفارابي فلا نعلمها، فلأي (جهة) تسنم بالأمس شيخ من شيوخ الإسلام يذب عن دين الله وسنة نبيّه، فبكى و بكت الكرامية،واستعانوا وثار الناس من كلّ جانب، وامتلأ الناس فتنة، وبلغ ذلك السلطان غياث الدين، فسكن الفتنة وأوعد الناس بإخراج فخر الدين.

ثمّ أمره بالعود إلى هراة، فعاد إليها، ثمّ عاد إلى خراسان وحظي عند السلطان خوارزم شاه ابن محمد بن تكش.(2)


1. سير أعلام النبلاء:21/501برقم 261.

2. روضات الجنات:8/44برقم 682.


(347)

ولأجل وجود هذا الجو المشحون بالعداء على أهل التنزيه لا يمكن أن يصدق ما نسبه إليه من الشعر الذي ينتقد فيه المنهج الفكري في العقائد، أعني:

نهاية إقدام العقول عقال * وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا * وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا * سوى أنّ جمعنا فيه قيل وقالوا
وكم قد رأينا من رجال ودولة * فبادوا جميعاً مسرعين وزالوا
وكم من جبال قد علت شرفاتها * رجال فزالوا والجبال جبال(1)

آثاره في العقائد والكلام

إنّ الرازي كان كثير الإنتاج، وقد طبع قسم من آثاره نذكر منها ما له صلة بالموضوع:

1. «أسماء الله الحسنى» وهو المسمى «لوامع البينات» طبع بمصر عام 1396 وهو كتاب قليلالزلة ويفسر الأسماء بين التشبيه والتعطيل.

2. «مفاتيح الغيب» في ثمان مجلدات كبار في تفسير القرآن الكريم، وهو مشحون بالأبحاث الكلامية في مختلف الأبواب، ويناضل فيه المعتزلة، وينصر الأشاعرة،ويرد فيه على سائر الطوائف، وله من الشيعة الإمامية في الكتاب مواقف تحكي عن عناده ولجاجه، وأنّه بصدد الرد سواء أصحّ أم لم يصحّ،وستوافيك وصيته عند الموت.

3. «محصل أفكار المتقدّمين والمتأخّرين من العلماء والحكماء والمتكلّمين» وقد لخصّه المحقّق الطوسي وأسماه«تلخيص المحصل» ونقد منهجه في كثيرمن الموارد، وقد طبع أيضاً.

4. «المباحث المشرقية» في جزءين جمع فيه آراء الحكماء والسالفين ونتائج أقوالهم وأجاب عنهم، طبع في حيدرآباد دكن، وأُعيد طبعه بـ«الأُوفست».

5. «شرح الإشارات» لابن سينا على نمط النقد والرد على الشيخ


1. وفيات الأعيان:4/250برقم 600.


(348)

الرئيس، يقول المحقّق الطوسي في شرحه للإشارات: وقد شرحه فيمن شرحه الفاضل العلاّمة فخر الدين ملك المناظرين محمد بن عمر بن الحسين الخطيب الرازي ـ جزاه الله خيراً ـ فجهد في تفسير ما خفي منه بأوضح تفسير، واجتهد في تعبير ما التبس فيه بأحسن تعبير، وسلك في تتبع ما قصد نحوه طريقة الاقتفاء، وبلغ في التفتيش عمّاا أودع فيه أقصى مدارج الاستقصاء، إلاّ أنّه قد بالغ في الرد على صاحبه أثناء المقال، وجاوز في نقض قواعده حدّ الاعتدال، فهو بتلك المساعي لم يزده إلاّ قدحاً، ولذلك سمّى بعض الظرفاء شرحه جرحاً، ومن شرط الشارحين أن يبذلوا النصرة لما قد التزموا شرحه بقدر الاستطاعة، وأن يذبّوا عمّا قد تكفلوا إيضاحه، بما يذب به صاحب تلك الصناعة، ليكونوا شارحين غير ناقضين، ومفسرين غير معترضين.

اللّهمّ إلاّ إذا عثروا على شيء لا يمكن حمله على وجه صحيح، فحينئذ ينبغي أن ينبهوا عليه بتعريض أو تصريح، متمسكين بذيل العدل والإنصاف، متجنبين عن البغي والاعتساف، فإنّ إلى الله الرجعى، وهو أحقّ بأن يخشى.(1)

إلى غير ذلك من الآثار الفكرية العقيدية.

تصلّبه في المنهج الأشعري

إنّ الرازي في تفسيره وأكثر كتبه متصلّب في المنهج الأشعري، ويكفي في ذلك ما ذكره في تفسير قوله سبحانه: (الرَّحمنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى) عند الإجابة على كلام صاحب الكشاف. ينقل عن صاحب الكشاف قوله: «لما كان الاستواء على العرش وهو سرير الملك لا يحصل إلاّ مع الملك، جعلوه كناية عن الملك، فقالوا استوى فلان على البلد يريدون «ملك» و إن لم يقعد على السرير البتة، وإنّما عبروا عن حصول الملك بذلك لأنّه أصرح وأقوى في الدلالة من أن يقال فلان ملك.

ونحوه قولك: «يد فلان مبسوطة» و «يد فلان مغلولة» بمعنى أنّه جواد


1. الإشارات والتنبيهات:1/2.


(349)

وبخيل، لا فرق بين العبارتين إلاّفيما قلت حتى إنّ من لم تبسط يده قط بالنوال أو لم يكن له يد رأساً، قيل فيه يده مبسوطة، لأنّه لا فرق عندهم بينه و بين قوله جواد. ومنه قوله تعالى: (وَقالَتِ الْيَهُود يَدُ الله مَغْلُولَة غُلَّت أَيْدِيهِمْ ـ أي هو بخيل ـ بلْ يَداهُ مَبْسُوطَتان) أي هو جواد من غير تصوّر يد ولا غل ولا بسط. والتفسير بالنعمة والتمحّل للتسمية من ضيق العطن».

ويقول الرازي: وأقول: إنّا لو فتحنا هذا الباب لانفتحت تأويلات الباطنية، فإنّهم يقولون: المراد من قوله :(فَاخْلَعْ نَعْلَيْك) : الاستغراق في خدمة الله تعالى من غير تصور نعل، وقوله: (يا نار كُوني بَرداً وسَلاماً على إِبراهيم) المراد منه: تخليص إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ من يد ذلك الظالم، من غير أن يكون هناك نار و خطاب ألبتة.

وكذا القول في كلّ ما ورد في كتاب الله تعالى، بل القانون أنّه يجب حمل كلّ لفظ ورد في القرآن على حقيقته، إلاّ إذا قامت دلالة عقلية قطعية توجب الانصراف عنه، وليت من لم يعرف شيئاً لم يخض فيه.(1)

أظن أنّ الرازي يقول في لسانه ما ليس في قلبه، فإنّ الفرق بين المقيس والمقيس عليه واضح لا يخفى على مثل الرازي. فإنّ القرائن الحافّة بالكلام في مسألة الاستواء على العرش، قاضية بأنّ المراد هو الاستيلاء على القدرة لا جلوسه عليه، وقد ذكرنا القرائن الموجودة في نفس الآيات الدالّة على ذلك المعنى عند البحث عن الصفات الخبرية(2)، و هذا بخلاف الآيات التي تؤوّلها الباطنية فإنّها تأويلات بلا دليل.

نظرة في تفسير الرازي

إنّ تفسير تفسير الرازي مع كونه تفسيراً على الكتاب العزيز كموسوعة كلامية في مختلف الأبواب. فينقل آراء الطوائف الإسلامية في مجالات مختلفة، فيدافع


1. مفاتيح الغيب:6/6، طبع مصر.

2. لاحظ بحث الصفات الخبرية من هذا الكتاب مضافاً إلى دلالة العقل على امتناع اتصافه سبحانه بأحكام المحدّثات والممكنات.


(350)

عن الأشاعرة ويهاجم المعتزلة بحماس بالغ، فمن أراد الوقوف على آرائه فعليه بفهارس الأجزاء التي جاءت الإشارة فيها إلى استدلال الأشاعرة أو المعتزلة أو الإمامية على ما يتبنونه من المذاهب، ونحن نترك ذلك المجال للقارئ الكريم.

ولكن نركز هنا على نكتة، وهي أنّ الرازي يخالف الإمامية في غالب المجالات، خصوصاً فيما يرجع إلى مباحث الإمامة والآيات الواردة في حقّ الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ ، فيورد التشكيك تلو الآخر في كثير من القضايا التاريخية والأحاديث المستفيضة، ومع ذلك كلّه فقد أصحر بالحقيقة في موارد نأتي بها أداءً لحقّه في المقام:

1. من اقتدى بعلىّ فقد اهتدى

اختلف الفقهاء في الجهر بالبسملة في الصلاة، واستدلّ الرازي على استحباب الجهر بها: بأنّ علياً كان يجهر بها، وقد ثبت ذلك بالتواتر، ومن اقتدى في دينه بعليّ بن أبي طالب فقد اهتدى، والدليل عليه قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «اللّهمّ أدر الحق مع علي حيث دار».(1)

2. الكوثر أولاد الرسول

يفسر الرازي الكوثر بأولاد الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، ويقول في عداد الأقوال: «القول الرابع» الكوثر: أولاده، قالوا لأنّ هذه السورة إنّما نزلت رداً على من عابه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بعدم الأولاد، فالمعنى أنّه يعطيه نسلاً يبقون على مر الزمان، فانظر كم قتل من أهل البيت، ثمّ العالم ممتلئ منهم، ولم يبق من بني أُميّة في الدنيا أحد يعبأ به. ثمّ انظر، كم كان فيهم من الأكابر من العلماء كالباقر والصادق والكاظم والرضا ـ عليهم السَّلام ـ والنفس الزكية وأمثالهم.(2)


1. مفاتيح الغيب:1/111، الحجة الخامسة.

2. مفاتيح الغيب:8/498.


(351)

3. المسح على الرجلين

استرسل الرازي في الكلام على وجوب المسح على الأرجل على وجه، كأنّ المسح هو خيرته، وإليك كلامه: «اختلف الناس في مسح الرجلين وفي غسلهما، فنقل القفال في تفسيره عن ابن عباس وأنس بن مالك وعكرمة والشعبي وأبي جعفر محمد بن علي الباقر: أنّ الواجب فيهما المسح، وهو مذهب الإمامية من الشيعة. وقال جمهور الفقهاء والمفسرين: فرضهما الغسل. وقال ابن داود الإصفهاني: يجب الجمع بينهما، وهو قول الناصر للحق من أئمّة الزيدية. وقال الحسن البصري ومحمد بن جرير الطبري: المكلّف مخيّر بين المسح والغسل».

حجة من قال بوجوب المسح مبني على القراءتين المشهورتين في قوله :(وأَرجلكم)فقرأ ابن كثير و حمزة و أبو عمرو و عاصم في رواية أبي بكر عنه بالجر. وقرأ نافع وابن عامر و عاصم في رواية حفص عنه بالنصب.

فنقول: أمّا القراءة بالجر، فهي تقضي كون الأرجل معطوفة على الرؤوس، فكما وجب المسح في الرأس فكذلك في الأرجل. فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال هذا كسر على الجوار كما في قوله:«جحر ضب خرب» و قوله: «كبير أناس في بجاد مزمل»؟ قلنا: هذا باطل من وجوه:

الأوّل: إنّ الكسر على الجوار معدود في اللحن الذي قد يحتمل لأجل الضرورة في الشعر، وكلام الله يجب تنزيهه عنه.

وثانيها: إنّ الكسر إنّما يصار إليه حيث يحصل الأمن من الالتباس كما في قوله:«جحر ضب خرب» فإنّ من المعلوم بالضرورة أنّ الخرب لا يكون نعتاً للضب بل للجحر. و في هذه الآية الأمن من الالتباس غير حاصل.

وثالثها: إنّ الكسر بالجوار إنّما يكون بدون حرف العطف وأمّا مع حرف العطف فلم تتكلم به العرب.

وأمّا القراءة بالنصب فقالوا إنّها أيضاً توجب المسح، وذلك لأنّ قوله (وامسحوا برؤوسكم) فرؤوسكم في محل النصب ولكنّها مجرورة بالباء، فإذا عطفت الأرجل على الرؤوس، جاز في الأرجل النصب عطفاً على محل الرؤوس


(352)

والجر عطفاً على الظاهر. وهذا مذهب مشهور للنحاة.

إذا ثبت هذا فنقول: ظهر أنّه يجوز أن يكون عامل النصب في قوله تعالى: (وأرجلكم)هو قوله :(وامسحوا) ويجوز أن يكون هو قوله:(واغسلوا)لكن العاملين إذا اجتمعا على معمول واحد كان إعمال الأقرب أولى، فجب أن يكون عامل النصب في قوله: (وَأرجلكم ) هو قوله (وامسحوا) ، فثبت أنّ قراءة (وأرجلكم) بنصب اللام توجب المسح أيضاً، فهذا وجه الاستدلال بهذه الآية على وجوب المسح، ثمّ قالوا: ولا يجوز دفع ذلك بالأخبار لأنّها بأسرها من باب الآحاد ونسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز.(1)

وصية الرازي عند الموت

لمّا مرض الرازي وأيقن أنّه ملاق ربّه، أملى على تلميذه إبراهيم بن أبي بكر الإصفهاني وصية في الحادي والعشرين من محرم سنة 606.وممّا جاء في تلك الوصية: يقول العبد الراجي رحمة ربه الواثق بكرم مولاه، محمد بن عمر بن الحسين الرازي وهو في آخر عهده بالدنيا وأوّل عهده بالآخرة....

فاعلموا أنّي كنت رجلاً محباً للعلم، فكنت أكتب في كلّ شيء شيئاً لا أقف على كميته وكيفيته، سواء أكان حقّاً أم باطلاً أم غثّاً أم سميناً...

وأمّا الكتب العلمية التي صنفتها أو استكثرت من إيراد السؤالات على المتقدّمين فيها، فمن نظر في شيء منها، فإن طابت له تلك السؤالات فليذكرني في صالح دعائه على سبيل التفضيل والإنعام،وإلاّ فليحذف القول السيّء فإنّي ما أردت إلاّ تكثير البحث، وتشحيذ الخاطر والاعتماد في الكلّ على الله تعالى.(2)

وغير خفي على من سبر كتب الرازي في الكلام والفلسفة والتفسير وغيرها، أنّه يشكك في كثير من المسائل المسلّمة، وربما يبالغ بأنّه لو اجتمع الثقلان على الإجابة عن هذا الإشكال لما قدروا.(3) ولعل هذه الندامة الظاهرة


1. مفاتيح الغيب:3/380ـ 381، طبع مصر.

2. دائرة المعارف، القرن الرابع عشر، فريد وجدي:4/148ـ 149.

3. شرح المواقف:8/155.


(353)

منه حين الموت تكون كفّارة لبعض هذه التشكيكات، والله العالم.

(7)

سيف الدين الآمدي(556ـ621هـ)

أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد بن سالم التغلبي، الفقيه الأُصولي الملقب بـ«سيف الدين الآمدي» كان حنبلي المذهب، وانحدر إلى بغداد وقرأ بها على أبي الفتح نصر بن فتيان الحنبلي، ثمّ انتقل إلى مذهب الشافعي، ولما بلغ الدرجة الممتازة انتقل إلى الشام واشتغل بفنون المعقول، وحفظ منه الكثير وتمهر فيه، ولم يكن في زمانه أحفظ منه لهذه العلوم، ثمّ انتقل إلى الديار المصرية، ثمّ حسده جماعة من فقهاء البلاد وتعصّبوا عليه ونسبوه إلى فساد العقيدة، وانحلال الطوية والتعطيل ومذهب الفلاسفة والحكماء، وكتبوا محضراً يتضمن ذلك ووضعوا فيه خطوطهم بما يستباح به الدم، وهذه شنشنة يعرفها التاريخ من الذين أعدموا العقل وصلبوه وشوهوا صورة الشريعة، واعتمدوا في كلّ شيء حتى فيما يجب ثبوته قبل ثبوت الشرع، على الحديث، ورأوا الاشتغال بالعلوم العقلية كفراً وزندقة فابتلي الآمدي(1) بهؤلاء المتزمّتين،وقبله الشهرستاني كما عرفت ذلك في ترجمته.

ينقل ابن خلّكان أنّ رجلاً منهم لمّا رأى التحامل وإفراط التعصب على الآمدي كتب في المحضر الذي أعدّوه للسعاية عليه:

حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه * فالقـوم أعـداء لــه و خصـوم

والله أعلم وكتب: فلان بن فلان.

ولعل الحسد ـ في جميع العصور التي قام فيها هؤلاء بقمع أهل الفكر والعقل وطردهم عن الساحة الإسلامية ـ كان أحد العوامل الباعثة على التكفير والتفسيق،والقتل والصلب، وكان هناك عامل آخر أشد تأثيراً في هذه المجالات، وهو سوء الوعي وقلّة العمق في المخالفين، إذ لم يعرفوا أنّ الإسلام


1. الآمدي: منسوب إلى آمد وهي مدينة في ديار بكر.


(354)

يحارب الجمود والتقليد، ويتآخى فيه العقل والشرع،وتتحد فيه نتيجة البرهنة والتعبد.

ومن جراء هذه القلاقل لم يجد الآمدي بدّاً من مغادرة مصر إلى دمشق،وعُيّنَ مدرساً بالمدرسة العزيزية، ثمّ عزل عنها لبعض التهم الفكرية، وأقام بطّالاً في بيته. وتوفي على تلك الحال سنة 581 ودفن بسفح جبل قاسيون.(1)

ويشهد لما ذكرنا من السبب ما نقله الذهبي عن سبط ابن الجوزي في حقّه: لم يكن في زمانه من يجاريه في الأصلين وعلم الكلام، وكان أولاد «العادل» كلّهم يكرهونه لما اشتهر عنه من علم الأوائل والمنطق، وكان يدخل على «المعظم» فلا يتحرك له، فقلت: قم له عوضاً عني. فقال: ما يقبله قلبي. ومع ذا ولاّه تدريس العزيزية. فلمّا مات «العادل» أخرج «الأشرف» سيف الدين ونادى في المدارس: من ذكر غير التفسير والفقه أو تعرض لكلام الفلاسفة نفيته. فأقام السيف خاملاً في بيته إلى أن مات ودفن بقاسيون.

ولم يكن عمل «العادل» ولا «الشريف» نسيج وحدهماـ بل لم يزل أهل التعقّل والتفكّر الذين كانوا صفاً كالبنيان المرصوص مقابل الملاحدة والزنادقة ـ مضطهدين مقهورين بيد الحنابلة والمتسمين بأهل الحديث، و قد بلغ السيل الزبى في العصور السابقة على عصر الآمدي عندما تدخل الخليفة «القادر بالله» العباسي في اختلاف المعتزلة مع الحنابلة وأهل الحديث، وأصدر كتاباً ضد المعتزلة يأمرهم بترك الكلام والتدريس والمناظرة، وأنذرهم ـ إن خالفوا أمره ـ بحلول النكاية والعقوبة عليهم. وقد سلك السلطان «محمود» في غزنة مسلك الخليفة في بغداد، فصلب المخالفين ونفاهم وأمر بلعنهم،وقد اتخذ ذلك سنّة في الإسلام.(2)

ففي الحقيقة ما صلبوا المعتزلة، بل صلبوا العقل وأعدموه، وأبعدوا الدين المبنية أُصوله على الأسس العقلية عن أساسه.


1. وفيات الأعيان:3/293ـ 294برقم 432.

2. البداية والنهاية: 12/6ـ7.


(355)

ولم يقتصروا في النكاية على المعتزلة، بل عمّ التعذيب المفكّرين من الأشاعرة، الذين كان منهجهم منزلة بين المنزلتين بين الحنابلة والمعتزلة.

والعجب من الذهبي أنّه كيف يصور شخصية علمية مثل السيف بأنّه كان تارك الصلاة.

قال: كان القاضي تقي الدين سليمان بن حمزة يحكي عن شيخه ابن أبي عمر قال: كنا نتردّد إلى السيف. فشككنا هل يصلي أم لا؟ فنام فعلّمنا على رجله بالحبر. فبقيت العلامة يومين مكانها، فعلمنا أنّه ما توضّأ، نسأل الله السلامة في الدين.

أفي ميزان النصفة والعدل، القضاء بهذه الظنون واستباحة النفوس والأموال بها، بعد إمكان أنّه تيمّم مكان الوضوء،وصلى لعذر شرعي بالطهارة الترابية مكان الطهارة المائية وبقي الحبر في محله.

هلم معي إلى سفسطة أُخرى ينقلها الذهبي من شيخه ابن تيمية: يغلب على الآمدي الحيرة والوقف، حتى أنّه أورد على نفسه سؤالاً في تسلسل العلل، وزعم أنّه لا يعرف عنه جواباً، وبنى إثبات الصانع على ذلك، فلا يقرر في كتبه إثبات الصانع ولا حدوث العالم، ولا وحدانية الله، ولا النبوات، ولا شيئاً من الأُصول الكبار.

وما ذكره فرية محضة على السيف، ونحن نعرض فهرس الموضوعات التي أشبع السيف البحث عنها في كتابه «غاية المرام في علم الكلام» حتى نعرف مدى صدق قوله، فقد جاء فيها:

القانون الأوّل: في إثبات الواجب بذاته.

القانون الثالث: في وحدانية الباري تعالى.

(ج) القاعدة الثالثة: في حدوث المخلوقات وقطع تسلسل الكائنات.

(1) الطرف الثاني: في إثبات الحدوث بعد العدم.

القانون السابع في النبوات، والأفعال الخارقة للعادات.


(356)

(1) الطرف الأوّل: في بيان جوازها بالعقل.(1)

إنّ تعطيل العقول من المعارف العقلية ليس بأقل خطراً من تعطيل ذاته سبحانه وتعالى عن الاتّصاف بالصفات الخبرية، الذي صار حجّة لدى الحنابلة على تكفير أو تفسيق المعطّلين كيف،وهو سبحانه يقول:(وَيَتفَكّرونَ في خَلْقِ السَّمواتِ وَالأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً)(2)، ويقول تعالى: (وَفي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ)(3)، وقوله تعالى:(إِنَّ في ذلكَ لآيات )لِقَوم يَتَفَكَّرُونَ) .(4)

إلى غير ذلك من الآيات الداعية إلى التفكّر في الصنع والكون والنفس، ولم تكن الغاية من تأسيس علم الكلام إلاّ إقامة الحجة على العقائد الإيمانية، بالأدلّة العقلية والرد على المبتدعة.

إنّ احتكاك الثقافة الإسلامية مع ثقافات سائر الأُمم أوجد موجة من الاضطراب الفكري والصراع العقيدي بين المسلمين،وكانت الوسيلة المنحصرة لحماية العقيدة الإسلامية ومحاربة الفرق والمذاهب الإلحادية، تأسيس علم كامل لإثبات ما يعتنقه المسلمون بالأدلّة العقلية، وكان تأسيسه وليد الحاجة والضرورة، فلا عتب على قائل يصفه بصخرة النجاة وسلم السلام والأمان.

مؤلّفاته

إنّ ما وصل إلينا من تآليفه كلّها يتسم بالطابع العقلي، إمّا عقلية صرفة، أو مزيجاً من العقل والنقل، فمن مؤلّفاته في أُصول الفقه:

1. «الإحكام في أُصول الأحكام»، طبع كراراً وأخيراً بتحقيق السيد الجميلي في أربعة أجزاء في مجلدين، نشر دار الكتاب العربي1404هـ، وهو أبسط


1. لاحظ: 395ـ 396 من غاية المرام.

2. آل عمران:191.

3. الذاريات:21.

4. الرعد:3.


(357)

كتاب في أُصول الفقه، نظير الذريعة للسيد المرتضى بين الشيعة في القرن الخامس.

2. «منتهى السؤول في علم الأُصول»، طبع بمصر، وكان مقرراً للدراسة في الأزهر في الثلاثينات من هذا القرن.

3. «غاية المرام في علم الكلام» ضمن فيه كتابه الآخر المسمّى بأبكار الأفكار.(1)

نعم يؤخذ عليه أنّه يصف المعتزلة في المقدمة بالإلحاد، ويقول واصفاً لكتابه: «كاشفاً لظلمات تهويلات الملحدين كالمعتزلة وغيرهم من طوائف الإلهيين»(2). كما يؤخذ عليه قصوره في عرض عقائد الشيعة، وكأنّه لم يقف على كتاب لهم، ونقل ما نقل عنهم عن كتب خصومهم.

ومن عجيب الكلام استدلاله على عدم اشتراط العصمة في الإمام بالاتّفاق على عقد الإمامة للخلفاء الراشدين، واعترافهم بأنّهم ليسوا بمعصومين.(3).

فلا أُعلّق عليه بكلمة إلاّ قولنا«يا للعجب ما أتقنه من برهنة»!!

وفي آخر الكتاب «كان الفراغ من نسخة في الخامس عشر من شهر رجب سنة ثلاث وستمائة وذلك بثغر الاسكندرية بالمدرسة العادلية».(4)

وقد طبع الكتاب بتحقيق حسن محمود عبد اللطيف، وقام بتحقيقه باعتباره جزءاً من رسالته للحصول على درجة «الماجستير» في الفلسفة الإسلامية من كلية دار العلوم بجامعة القاهرة.


1. غاية المرام: 5 من المطبوع.

2. غاية المرام: 5 من المقدمة.

3. غاية المرام: 384ـ 385.

4. غاية المرام: 392.


(358)

(8)

عبدالرحمن عضد الدين الإيجي(700ـ 756هـ)(1)

كان إماماً في المعقول، عالماً بالأُصول والمعاني والعربية، مشاركاً في الفنون، كريم النفس، كثير المال جداً، كثير الإنعام على الطلبة، ولد بعد السبعمائة وأخذ من مشايخ عصره، وأنجب تلامذة عظاماً اشتهروا في الآفاق، منهم الشيخ شمس الدين الكرماني، والتفتازاني والضياء القرمي.(2)

1. آثاره المعروفة

1. «المواقف في علم الكلام»، وهو المتن الكامل على المنهج الأشعري وشرحه السيد الشريف علي بن محمد الجرجاني، والشيخ شمس الدين محمد بن يوسف الكرماني تلميذ المصنف، ولعلّه من شرحه. وطبع المتن والشرح للشريف في ثمانية أجزاء مع حواشي لعبد الحكيم السيالكوتي اللاهوري.

وهو المرجع الوثيق لكثير من المتأخرين. وألّفه الإيجي(3) باسم الأمير الشيخ أبي إسحاق، الذي صار صاحب الخطبة والسكة في شيراز سنة 744هـ.

2. شرحه على مختصر الأُصول للحاجبي في أُصول الفقه، وقد أكبّ عليه طلبة الأعصار، وقد شاركه في تأليفه عدّة من الأفذاذ. واشتهر بشرح العضدي على مختصر الأُصول،وطبع كراراً.(4)

3. «العقائد العضدية».

4. «الرسالة العضدية».


1. في ميلاده وعام وفاته اختلاف، وما ذكرناه هو أحد الأقوال.

2. الدرر الكامنة لابن حجر:2/229.

3. «الإيج» يقع في جنوب إصطهبانات من نواحي شيراز.

4. روضات الجنات:5/51ـ 52.


(359)

ويظهر من خير الدين الزركلي في «الأعلام» أنّهما طبعتا. وله وراء ذلك آثار لم تر نور الوجود.(1)

إلى أن قضى حياته في كرمان مسجوناً (عام 756 أو 757هـ) ويظهر من غير واحد ممن ترجمه أنّه كان يبغض الشيعة ويعاندهم إلى حدّ يضرب به المثل ومن لطائف شعره قوله:

خذ العفو وأمـر بعرف كما أمـر * ت وأعــرض عـن الجـاهليـن

ولـِـن في الكـلام لكـل الأنـام * فمستحسن من ذوي الجاه لين

2. حريته الفكرية في اتخاذ الموقف

إنّ الإيجي، أشعري المنهج، يركز على آراء الأشاعرة ويحتج، ولكن ربما يرد عليهم ولإيقاف القارئ على نماذج نشير إلى موردين:

الأوّل: قد نقل أدلّة أصحابه على زيادة صفاته سبحانه على ذاته فقال:«لوكان مفهوم كونه عالماً حياً قادراًنفس ذاته لم يفد حملها على ذاته وكان قولنا: الله الواجب بمثابة حمل الشيء على نفسه واللازم باطل».

وغير خفي على القارئ أنّ المستدلّ لم يفرق بين العينية المفهومية والعينية المصداقية. فزعم أنّ المدّعى هو الأُولى مع أنّه هو الثانية، ووقف العضدي على فساد الاستدلال فقال:«وفيه نظر، فإنّه لا يفيد إلاّ زيادة هذا المفهوم على مفهوم الذات، وأمّا زيادة ما صدق عليه هذا المفهوم على حقيقة الذات فلا».(2)

وما ذكره يبطل جميع ما أقامه الأشاعرة من البرهان على الزيادة.

الثاني: طرح مسألة التكليف بمالا يطاق. وقال: إنّه جائز عند الأشاعرة، فلمّا رأى أنّ القول به يخالف الفطرة، أخذ يقسم مالا يطاق إلى مراتب، فمنع عن التكليف بالمرتبة القصوى منه، لا الوسطى ثمّ قال: «وبه


1. الأعلام للزركلي:3/295.

2. المواقف: 280.


(360)

يعلم أنّ كثيراً من أدلّة أصحابنا نصب للدليل في غير محل النزاع».(1)

نعم، ربما يأخذه التعصب، فيستدل على مذهبه بشيء مستلزم للدور في مقابل الخصم المنكر. مثلاً يقول: «إنّ الإمامية تثبت ببيعة أهل الحل والعقد، خلافاً للشيعة، لثبوت إمامة أبي بكر بالبيعة».(2)

كما يستدل على عدم وجوب العصمة في الإمام بقوله: «إنّ أبا بكر لا تجب عصمته اتّفاقاً».(3)

والمترقب من مثل الإيجي العارف بالمناظرة، الاجتناب عن مثل هذه الاستدلالات التي لا تصح إلاّ أن يصحّ الدور.

نرى أنّه ينكر القضايا التاريخية المسلمة عند الجميع ويقول في ردّ حديث الغدير: «إنّ علياً لم يكن يوم الغدير».(4)

ونرى أنّه لا يطرح فرق الشيعة وينهيها إلى اثنتين وعشرين فرقة، ويأتي بأسماء فرق لم تسمع أذن الدهر بها إلاّفي ثنايا هذه الكتب. ويقول: «من فرق الشيعة البدائية الذين جوزوا البداء على الله».(5)

ولكنّه غفل عن أنّ الاعتقاد بالبداء بالمعنى الصحيح وهو تغيّر المصير بالأعمال الصالحة والطالحة، عقيدة مشتركة بين الشيعة جمعاء وليست مختصة بفرقة دون أُخرى. وتفسير البداء بما يستلزم الظهور بعد الخفاء على الله أو غير ذلك فرية على الشيعة. إلى غير ذلك من الهفوات الموجودة في الكتاب، غفر الله لنا و لعباده الصالحين.

(9)

مسعود بن عمر التفتازاني(712ـ 791هـ)(6)

هو من أئمّة العربية ومن المتضلّعين في المنطق والكلام،ولد بتفتازان من


1. المواقف: 331.

2. المواقف: 399.

3. المواقف: 399.

4. المواقف: 405.

5. المواقف: 421.

6. قيل أيضاً إنّه تولد عام 722 وتوفّـي عام 787، 793هـ.


(361)

نواحي «نساء» في خراسان، أخذ العلوم العقلية عن «قطب الدين الرازي تلميذ العلاّمة الحلي» والقاضي عضد الدين الإيجي وتقدم في الفنون واشتهر ذكره وطال صيته وانتفع الناس بتصانيفه، وانتهت إليه معرفة العلم بالمشرق. مات في سمرقند سنة 791.(1)

آثاره العلمية في الأدب والمنطق والكلام

ترك المترجم له آثاراً علمية مشرقة نذكر بعضها:

1. شرحه المعروف بـ«المطول» على «تلخيص المفتاح» للخطيب القزويني في المعاني و البيان والبديع. نقله إلى البياض عام 748هـ بهراة. وقد لخّص هذا الشرح وأسماه بالمختصر.

2. شرحه على تصريف الزنجاني، فرغ منه عام 744هـ.

3. شرحه على العقائد النسفية فرغ منه عام 778هـ.

4. شرح على شمسية المنطق فرغ منه عام 772هـ.

5. مقاصد الطالبين مع شرحه، فرغ منه عام 774هـ.

6. تهذيب أحكام المنطق ألّفه بسمرقند عام 770هـ.(2)

وهذه الآثار كلّها مطبوعة متداولة، وبعضها محور الدراسة في الجامعات العلمية إلى يومنا هذا.

ومن لطيف أشعاره ما نسبه إليه شيخنا البهائي في كشكوله:

كأنّه عاشق قد مد صفحتـه * يوم الوداع إلى توديع مرتحـل

أو قائم من نعاس فيه لوثتـه * مواصل لتخطيه من الكسل

ويظهر ممّا نقل عنه من الشعر الفارسي أنّه كانت له يد غير قصيرة في الأدب الفارسي.


1. بغية الوعاة:2/285.

2. روضات الجنات:4/35ـ 36.


(362)

أشعري لا ماتريدي

الماتريدية منهج كلامي أسسه محمد بن محمد بن محمود المعروف بأبي منصور الماتريدي، و«ماتريد» محلة بسمرقند في ماوراء النهر ينسب إليها، وتوفّي عام 333هـ.

وهذا المنهج قريب من منهج الشيخ الأشعري، والخلاف بينهما لا يتجاوز عدد الأصابع. ولأجل تقارب الفواصل بينهما يعسر التمييز بين المنهجين، ومقتفي أثرهما. وسنعقد فصلاً ـ بإذنه سبحانه ـ لبيان هذا المنهج، وحياة مؤسسه، والفروق الموجودة بينه و بين الأشعري، وكان المؤسّسان يعيشان في عصر واحد، ويسعى كلّ منهما للغاية التي يسعى الآخر إليها. بيد أنّ الأشعري كان بالعراق قريباً من المعتزلة، والماتريدي كان بخراسان بعيداً عن مواضع المعركة.

والظاهر أنّ التفتازاني ـ رغم كونه خراسانياً قاطناً في سمرقند وسرخس وهراة ـ كان أشعرياً، ولا يفترق ماطرحه في شرح المقاصد عمّاخطته الأشاعرة أبداً.

ولنجعل الموضوع (هل هو أشعري أو ماتريدي؟) تحت محكّ التجربة. إنّ النقطة التي تفترق فيها الماتريدية عن الأشاعرة كون القضاء والقدر سالبين للاختيار عند الأشعري، وليسا كذلك عند الماتريدي.

والتفتازاني في شرحه على مقاصد الطالبين ينحو إلى القول الأوّل ويقول: قد اشتهر بين أكثر الملل أنّ الحوادث بقضاء الله تعالى وقدره، وهذا يتناول أفعال العباد، وأمره ظاهر عند أهل الحقّ لما تبين أنّه الخالق لها نفسها.

ثمّ إنّه ينقل أدلة المعتزلة على أنّه لو كان القضاء والقدر سالبين للاختيار، يلزم بطلان الثواب والعقاب(1)، ثمّ يخرج في مقام الجواب عن استدلال


1. وقد أتى بروايتين: إحداهما عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ والأُخرى عن علي ـ عليه السَّلام ـ وكلاهما يركزان على أنّ التقدير لا يسلب الاختيار. لاحظ رواية علي ـ عليه السَّلام ـ في نهج البلاغة قسم الحكم الرقم 78، وأمّا الرواية النبوية فهذا متنها:«روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّه قال لرجل قدم عليه من فارس: أخبرني بأعجب شيء رأيت. فقال: رأيت أقواماً ينكحون أُمّهاتهم وبناتهم وأخواتهم، فإذا قيل لهم لم تفعلون ذلك؟ قالوا: قضاء الله علينا وقدره. فقال ـ عليه السَّلام ـ : سيكون في آخر أُمّتي أقوام يقولون مثل مقالتهم، أُولئك مجوس أُمّتي».


(363)

المعتزلة بقوله: إنّ ما ذكر لا يدل إلاّ على أنّ القول بأنّ فعل العبد إذا كان بقضاء الله تعالى وقدره وخلقه وإرادته، يجوز للعبد الإقدام عليه، ويبطل اختياره فيه، واستحقاقه للثواب والعقاب والمدح والذم عليه قول المجوس.(1)

والظاهر منه قبول النتيجة، ومعه لا يمكن أن يعدّ من الفرقة الماتريدية.

مقتطفات من المقاصد

إنّ شرح المقاصد كتاب مبسوط في علم الكلام، بعد شرح المواقف للسيد الشريف. وقد أصحر في الكتاب بفضائل علي وأهل بيته.

1. يقول: قوله تعالى: (قُلْ تَعالَوا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَناوَنِساءَكُمْ وَأَنُفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ) أراد علياً. وقوله تعالى: (قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَودَّةَ فِي القُربى)وعليّ رضي الله عنه منهم.... إلى آخر ما ذكر في هذا الفصل من فضائل عليّ.(2)

2. ويقول في حقّ السيدة فاطمة الزهراء ـ عليها السَّلام ـ : فقد ثبت أنّ فاطمة الزهراء سيدة نساءالعالمين،وأنّ الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة.(3)

3. ويقول في حقّ الإمام المهدي ـ عليه السَّلام ـ : وقد وردت الأحاديث الصحيحة في ظهور إمام من ولد فاطمة الزهراء ـ رضي الله عنها ـ يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً.(4)


1. شرح المقاصد:2/144.

2. مقاصد الطالبين، هامش شرح المقاصد:2/299.

3. المصدر نفسه: 302.

4. المصدر نفسه: 307.


(364)

(10)

السيد الشريف الجرجاني الأستر آبادي(740ـ816هـ)

علي بن محمد المعروف بالسيد الشريف الجرجاني من المتضلّعين في الأدب العربي، المعدود من كبار المتكلّمين على المنهج الأشعري ولد في قرية «تاكو»قرب «أسترآباد» وأتم دروسه في شيراز، ولمّا دخلها «تيمور»سنة 789هـ، غادرها الجرجاني وألقى عصا رحله في سمرقند، ولكنّه عاد أيضاً إلى شيراز بعد موت تيمور.(1)

وهو يعادل التفتازاني في التوغّل في العلمين،الأدب والكلام. لكن الشريف أدق نظراً منه، وآثاره العلمية تعرب عن تخصصه في بعض العلوم، ومشاركته في كثير منها.

آثاره العلمية

1. شرحه الكبير على مواقف القاضي عضد الدين الإيجي وهو شرح مبسوط، بلغ الغاية في توضيح ما ذكره القاضي، وقد طبع كراراً، وأخيراً في ثمانية أجزاء، في أربعة مجلدات.

2. الكبرى والصغرى في المنطق.

3. الحواشي على المطول للتفتازاني.

4. التعريفات.

إلى غير ذلك من التآليف البالغة نحو خمسين كتاباً. و قد برز جميع ما عنونّاه إلى الطبع.(2)


1. الأعلام: 5/7.

2. لاحظ روضات الجنات:5/300; الأعلام:5/7.


(365)

(11)

علاء الدين علي بن محمد القوشجي مؤلّف

شرج التجريد الجديد(...ـ 879هـ)

علي بن محمد القوشجي الحنفي فلكي رياضي، متكلم بارع، أصله من سمرقند. والقوشجي كلمة تركية بمعنى «حافظ الطير» يقال كان أبوه من خدام الأمير«الغ بك» ملك ماوراء النهر، يحفظ له البزاة، ثمّ ذهب إلى كرمان فقرأ على علمائها وصنّف فيها شرح التجريد للطوسي، وعاد إلى سمرقند. وكان «الغ بك» قد بنى رصداً فيها، ولم يكمله فأكمله القوشجي، ثمّ ذهب إلى تبريز فأكرمه سلطانها«الأمير حسن الطويل» وأرسله في سفارة إلى السلطان«محمد خان» سلطان بلاد الروم، ليصلح بينهما فاستبقاه محمد خان عنده، فألّف له رسالة في الحساب أسماها «المحمّدية» ورسالة في علم الهيئة أسماها «الفتحية»، فأعطاه محمدخان مدرسة «أيا صوفيا» فأقام بالآستانة، وتوفي فيها، ودفن في جوار الصحابي أبي أيوب الأنصاري.

آثاره العلمية

من أشهر آثاره «شرح التجريد» و هو شرح لكتاب «تجريد العقائد» تأليف المحقّق الطوسي، وقد شرحه ببسط و استيعاب، وخالفه في مواضع لا توافق منهجه الأشعري، ولكنّه أنصف في موارد حيث شرح العبارة ولم يزد عليها بشيء.

يقول في مقدّمة الكتاب: إنّ كتاب التجريد الذي صنّفه في هذا الفن المولى الأعظم، والحبر المعظم، قدوة العلماء الراسخين، أسوة الحكماء المتألهين، نصير الحقّ والملة الدين، محمد بن محمد الطوسي ـ قدّس الله نفسه، و روّح رمسه ـ تصنيف مخزون بالعجائب، وتأليف مشحون بالغرائب، فهو وإن كان صغير الحجم، وجيز النظم، فهو كثير العلم، عظيم الاسم، جليل البيان، رفيع المكان، حسن النظام، مقبول الأئمّة العظام، لم تظفر بمثله علماء الأعصار، ولم يأت بشبهه الفضلاء في القرون والأدوار، مشتمل على إشارات إلى مطالب هي الأُمهات، مشحون بتنبيهات


(366)

على مباحث هي المهمات، مملوّ بجواهر كلّها كالفصوص، ويحتوي على كلمات يجري أكثرها مجرى النصوص، متضمن لبيانات معجزة، في عبارات موجزة، وتلويحات رائقة لكمالات شائقة، يفجر ينبوع السلاسة من لفظه، ولكن معانيه لها السحرة تسجد، وهو في الاشتهار كالشمس في رائعة النهار، تداولته أيدي النظار، وسابقت في ميادينه جياد الأفكار.

ثمّ أشار إلى أنّ شمس الحقّ والملة والدين محمد الإصفهاني قد شرحه قبله، فهو قدر طاقته حام حول مقاصده، وبقدر وسعه جال في ميدان دلائله وشواهده، وأنّ السيد الشريف الجرجاني علّق على ذلك الشرح حواشي تشتمل على تحقيقات رائقة، ولكن مع ذلك كان كثيراً من مخفيات رموز ذلك الكتاب باقياً على حاله» إلى آخر ما أفاده في مقدمة الكتاب. ثمّ أهدى كتابه إلى سلطان عصره أبي سعيد الكوركاني.

ولهذا الشرح حواش من المحقّقين كالمحقّق الأردبيلي وغيره،وهذا الكتاب أبسط كتاب في الكلام الأشعري بعد شرح المواقف.

كما أنّ له تآليف أُخرى ذكرت في الأعلام ومعجم المؤلفين وغيرهما من كتب التراجم، و في كتاب ريحانة الأدب لشيخنا«المدرس» ترجمة اضافية للقوشجي فلاحظه.(1)

ذكر جماعة من الأشاعرة

وممّا يناسب إلفات النظر إليه، أنّ ابن النديم عنون الشيخ الأشعري باسم «ابن أبي بشر» عند البحث عن الكلابية أصحاب عبد الله بن محمد بن كلاب القطان، وعنوان البحث يعطي أنّه من أصحابه ومقتفي منهجه، ولم يذكر من تلاميذ الأشعري إلاّ شخصين، وقال:

«ومن أصحابه: الدمياني،وحمويه من أهل «سيراف» و كان يستعين بهما، على المهاترة والمشاغبة، وقد كان فيهما علم على مذهبه، ولا كتاب لهما


1. الأعلام:5/9; معجم المؤلفين:7/227; ريحانة الأدب:4/495.


(367)

يعرف».(1)

ولكن ابن عساكر الدمشقي (المتوفّى571هـ) ذكر أعيان مشاهير أصحابه، وخصّ لهم باباً و قال: باب ذكر جماعة من أعيان مشاهير أصحابه، إذ كان فضل المقتدي يدل على فضل المقتدى به، ثمّ ذكر فهرس أسمائهم على النحو التالي:

الطبقة الأُولى من أصحاب الأشعري

1. أبو عبد الله بن مجاهد البصري.

2. أبو الحسن الباهلي البصري.

3. أبو الحسين: بندار بن الحسين الشيرازي الصوفي.

4. أبو محمد الطبري المعروف بالعراقي.

5. أبو بكر القفال الشاشي.

6. أبو سهل الصعلوكي النيسابوري.

7. أبو زيد المروزي.

8. أبو عبد الله بن خفيف الشيرازي.

9. أبوبكر الجرجاني المعروف بالإسماعيلي.

10. أبو الحسن عبد العزيز الطبري.

11. أبو الحسن علي الطبري.

12. أبو جعفر السلمي البغدادي النقاش.

13. أبو عبد الله الإصبهاني.

14. أبو محمد القرشي الزهري.

15. أبو بكر البخاري الاودني.

16. أبو منصور بن حمشاد النيسابوري.

17. أبو الحسين بن سمعون البغدادي المذكر.

18. أبو عبد الرحمن الشروطي الجرجاني.

19. أبو علي الفقيه السرخسي.


1. فهرست ابن النديم: 271.


(368)

هؤلاء أصحاب الشيخ أبو الحسن الأشعري الذين تتلمذوا عليه، وارتووا من مهل علمه، ويعدّون من الطبقة الأُولى للأشاعرة، وأمّا الطبقة الثانية، وهم أصحاب أصحابه، ممّن سلكوا مسلكه في الأُصول وتأدّبوا بآدابه، فقد جاء بأسمائهم وترجمتهم ابن عساكر في كتابه «تبيين كذب المفتري» وها نحن نأتي بأسمائهم، ومن أراد الوقوف على حياتهم وكتبهم، فعليه الرجوع إليه، وهؤلاء عبارة عن:

الطبقة الثانية من أصحابه

20. أبو سعد بن أبي بكر الإسماعيلي الجرجاني.

21. أبو الطيب بن أبي سهل الصعلوكي النيسابوري.

22. أبو الحسن بن داود المقري الداراني الدمشقي.

23. القاضي أبو بكر بن الطيب بن الباقلاني.(1)

24. أبو علي الدقاق النيسابوري شيخ أبي القاسم القشيري.

25. الحاكم أبو عبد الله بن البيع النيسابوري.

26. أبو نصر بن أبي بكر الإسماعيلي الجرجاني.

27. الأُستاذ أبو بكر بن فورك الإصبهاني.

28. أبو سعد بن عثمان النيسابوري الخركوشي.

29. أبو عمر محمد بن الحسين البسطامي.

30. أبو القاسم بن أبي عمرو البجلي البغدادي.

31. أبو الحسن بن ماشاذه الإصبهاني.

32. أبو طالب بن المهتدي الهاشمي.

33. أبو معمر بن أبي سعد الجرجاني.

34. أبو حازم العبدوي النيسابوري.

35. الأُستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني.

36. أبو علي بن شاذان البغدادي.

37. أبو نعيم الحافظ الإصبهاني.


1. وقد تعرفت على حياته وتآليفه فيما سبق.


(369)

38. أبو حامد أحمد بن محمد الاستوائي الدلوي.

الطبقة الثالثة من أصحابه

المراد من هذه الطبقة من لقي أصحابه وأخذ العلم عنهم، وإليك أسماء من ذكرهم وترجمهم ابن عساكر:

39. أبو الحسن السكري البغدادي.

40. أبو منصور الأيوبي النيسابوري.

41. أبو محمد عبد الوهاب البغدادي.

42. أبو الحسن النعيمي البصري.

43. أبو طاهر بن خراشة الدمشقي المقري.

44. الأُستاذ أبو منصور النيسابوري البغدادي.(1)

45. أبو ذر الهروي الحافظ.

46. أبو بكر الدمشقي المعروف بابن الجرمي.

47. أبو محمد الجويني والد الإمام أبي المعالي.

48. أبو القاسم بن أبي عثمان الهمداني البغدادي.

49. أبو جعفر السمناني قاضي الموصل.

50. أبو حاتم الطبري المعروف بالقزويني.

51. أبو الحسن رشا بن نظيف المقري.

52. أبو محمد الإصبهاني المعروف بابن اللبان.

53. أبو الفتح سليم بن أيوب الرازي.

54. أبو عبد الله الخبازي المقري النيسابوري.

55. أبو الفضل بن عمروس البغدادي المالكي.

56. الأُستاذ أبو القاسم الإسفراييني.

57. الحافظ أبو بكر البيهقي.

الطبقة الرابعة من أصحابه

58. أبو بكر الخطيب البغدادي.


1. وقد تعرفت على ترجمته فيما سبق.


(370)

59. الأُستاذ أبو القاسم القشيري النيسابوري.

60. أبو علي بن أبي حريصة الهمداني الدمشقي.

61. أبو المظفر الإسفرائيني.

62. أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي.

63. الإمام أبو المعالي الجويني.

64. أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي.

65. أبو عبد الله الطبري.

الطبقة الخامسة من أصحابه

66. أبو المظفر الخوافي النيسابوري.

67. الإمام أبو الحسن الطبري المعروف بالكيا الهراسي.

68. الإمام حجة الإسلام أبو حامد الطوسي الغزالي.(1)

69. الإمام أبو بكر الشاشي.

70. أبو القاسم الأنصاري النيسابوري.

71. الإمام أبو نصر بن أبي القاسم القشيري.(2)

72. الإمام أبو علي الحسن بن سليمان الإصبهاني.

73. أبو سعيد أسعد بن أبي نصر بن الفضل العمري.

74. أبو عبد الله محمد بن أحمد بن يحيى بن جني العثماني الديباجي.

75. القاضي أبو العباس أحمد بن سلامة المعروف بابن الرطبي.

76. الإمام أبو عبد الله الفراوي النيسابوري.

77. أبو سعد إسماعيل بن أحمد النيسابوري المعروف بالكرماني.

78. الإمام أبو الحسن السلمي الدمشقي.

79. أبو منصور محمود بن أحمد بن عبد المنعم ماشاذه


1. قد تعرفت على ترجمته، وعلى آرائه في كتابه: «قواعد العقائد»، وقد نقل ابن عساكر مفتتح هذا الكتاب، في تبيينه: 299.

2. وقد رفع بعض أصحاب هذا الإمام شكوى عن الحنابلة، وقد عرفت نص الشكوى وفيها خطوط الأئمّة بتصحيح مقاله.


(371)

80. أبو الفتح محمد بن الفضل بن محمد بن المعتمد الإسفرائيني.

81. أبو الفتح نصر الله بن محمد بن عبد القوي المصيصي.

هؤلاء هم الذين ذكر ابن عساكر أسماءهم وشيئاً من حياتهم، وقد أدرك هو نفسه عدة من الطبقة الخامسة، بعضها بالمعاصرة وبعضها بالرؤية والمجالسة.

ثمّ إنّ تاج الدين أبا نصر عبد الوهاب بن علي السبكي قد استدرك على ابن عساكر الطبقات الأُخرى التي لم يدركها ابن عساكر، وقد ذكر ابن عساكر خمس طبقات لأصحابه فاستدرك عليه الطبقتين التاليتين وقال:

ومن السادسة

82. الإمام فخر الدين الرازي.(1)

83. سيف الدين الآمدي.(2)

84. شيخ الإسلامي عز الدين بن عبد السلام.

85. الشيخ أبو عمرو بن الحاجب المالكي.

86. شيخ الإسلام عز الدين الحصيري الحنفي، وصاحب «التحصيل والحاصل»

87. الخسرو شاهي.(3)

ومن السابعة

88. شيخ الإسلام تقي الدين ابن دقيق العيد.

89. الشيخ علاء الدين الباجي.

90. الشيخ الإمام الوالد تقي الدين السبكي.

91. الشيخ صفي الدين الهندي.

92. الشيخ صدر الدين بن المرحل.


1. وقد تعرفت على ترجمتهما.

2. وقد تعرفت على ترجمتهما.

3. نسبة إلى خسروشاه وهي قرية من قرى «مرو» وهي غير الواقعة في آذربيجان.


(372)

93. ابن أخيه الشيخ زين الدين.

94. الشيخ صدر الدين سليمان عبد الحكم المالكي.

95. الشيخ شمس الدين الحريري الخطيب.

96. الشيخ جمال الدين الزملكاني.

97. الشيخ جمال الدين بن جملة.

98. الشيخ جمال الدين ابن جميل

99. قاضي القضاة شمس الدين السروجي الحنفي.

100. القاضي شمس الدين بن الحريري الحنفي.

101. القاضي عضد الدين الإيجي الشيرازي.(1)

وهاهنا نجعجع بالقلم عن الإفاضة،ونترك أسماء الباقين من الأشاعرة إلى كتب التراجم، وقد وقفت على ترجمة أعيانهم ومشاهيرهم الذين استثمروا المنهج ونضجوه،ودافعوا عنه بحماس.

***

إلى هنا وقفت على حياة الإمام الأشعري ومنهجه الكلامي وترجمة الشخصيات البارزة الذين أرسوا ما شيّده، ونضجوا منهجه، ولكن الذين جاءُوا بعدهم في أقطار الشرق والغرب ما راموا إلاّ تحرير ما ورثوه من مشايخهم وأساتذتهم، ولم يضيفوا عليها شيئاً قابلاً للذكر.

تمّ الجزء الثاني من الكتاب ويليه الجزء الثالث في تبيين عقائد الماتريدية والمعتزلة إن شاء الله تعالى .

والحمد لله ربّ العالمين


1. السبكي، طبقات الشافعية الكبرى:3/372ـ 373.


(373)

فتوى شاذة عن الكتاب والسنّة

بعد أن خرجت الملازم من الطبع وانتهينا إلى هذا المقام وقفنا على فتوى لعبد العزيز بن عبد الله بن باز المؤرخ 8/3/1407 المرقم 717/2 جواباً على سؤال عبدالله عبد الرحمن يتعلّق بجواز الاقتداء والائتمام بمن لا يعتقد بمسألة الرؤية يوم القيامة، فأفتى بأنّ من ينكر رؤية الله سبحانه وتعالى في الآخرة لا يصلّى خلفه، وهو كافر عند أهل السنّة والجماعة، وأضاف أنّه قد بحث هذا الموضوع مع مفتي الأباضية في عمان: الشيخ أحمد الخليلي فاعترف بأنّه لا يؤمن برؤية الله في الآخرة، ويعتقد أنّ القرآن مخلوق، واستدلّ لذلك بما ذكره ابن القيم في كتابه «حادي الأرواح»: ذكر الطبري وغيره أنّه قيل لمالك: إنّ قوماً يزعمون أنّ الله لا يُرى يوم القيامة فقال مالك : السيف السيف.

وقال أبو حاتم الرازي: قال أبو صالح كاتب الليث: أملي على عبد العزيز ابن سلمة الماجشون رسالة عما جحدت الجهمية فقال: لم يزل يملي لهم الشيطان حتى جحدوا قول الله تعالى: (وُجُوهٌ يَومَئِذ ناضِرَة) *إلى ربّها ناظرة)) .

وذكر ابن أبي حاتم عن الأوزاعي أنّه قال: إني لأرجو أن يحجب الله عزّوجلّ جهماً وأصحابه عن أفضل ثوابه، الذي وعده أولياءه حين يقول: (وُجُوهٌ يَومَئِذ ناضِرَة* إلى ربّها ناظرة)) .

إلى أن نقل عن أحمد بن حنبل و قيل له في رجل يحدّث بحديث عن رجل


(374)

عن أبي العواطف أنّ الله لا يُرى في الآخرة فقال: لعن الله من يحدث بهذا الحديث اليوم، ثمّ قال: أخزى الله هذا.

و قال أبو بكر المروزي: من زعم أنّ الله لا يرى في الآخرة فقد كفر، وقال: من لم يؤمن بالرؤية فهو جهمي، والجهمي كافر.

وقال إبراهيم بن زياد الصائغ: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الرؤية من كذّب بها فهو زنديق.

وقال: من زعم أنّ الله لا يُرى فقد كفر بالله، وكذّب بالقرآن، وردّ على الله أمره، يستتاب فإن تاب وإلاّ قتل....

تحليل لهذه الفتيا

1. إنّ هذه الفتوى لا تصدر عمّن يجمع بين الرواية والدراية، وإنّما هي من متفرعات القول بأنّ الله مستقر على عرشه فوق السماوات، وأنّه ينزل في آخر كلّ ليلة نزول الخطيب عن درجات منبره(1)، وأنّ العرش تحته سبحانه يئط أطيط الرحل تحت الراكب(2) ويفتخر بتلك العقيدة ابن زفيل في قصيدته النونية ويقول:

بل عطلوا منه السماوات العلى والعرش أخلوه مـن الرحمـان(3)

ومثل تلك العقيدة تنتج أنّ الله تعالى يرى كالبدر يوم القيامة، والرؤية لا تنفك عن الجهة والمكان، تعالى عن ذلك كلّه.

2. إنّ النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان يقبل إسلام من شهد بوحدانيته سبحانه ورسالة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ولم ير أنّ النبي الأكرم يأخذ الإقرار بما وراء ذلك، مثل رؤية الله وما شابهه، وهذا هو البخاري يروي في صحيحه : أنّ الإسلام بني على خمس وليس فيه شيء من الإقرار بالرؤية،وهل النبي ترك ما هو مقوم الإيمان والإسلام؟!.

3. إنّ الرؤية مسألة اجتهادية تضاربت فيها أقوال الباحثين من المتكلّمين والمفسرين، وكلّ طائفة تمسّكت بلفيف من الآيات، فتمسّك المثبت بقوله سبحانه: (إِلى ربّها ناظرة)وتمسّك النافي بقوله سبحانه: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصار وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصار وَهُوَ اللَّطيفُ )


1. نقله وسمعه السياح الطائر الصيت ابن بطوطة عن ابن تيمية.

2. السنّة: 80.

3. من قصيدة ابن زفيل النونية، والمراد منه هو ابن القيم. لاحظ السيف الصيقل للسبكي.


(375)

الخَبير)) .

فكيف يكون إنكار النافي رداً للقرآن، ولا يكون إثبات المثبت رداً له؟!

فإذا جاز التأويل لطائفة لما يكون مخالفاً لعقيدته، فكيف لا يسوغ لطائفة أُخرى؟!

وليست رؤية الله يوم القيامة من الأُمور الضرورية التي يلازم إنكارها إنكار الرسالة ولا إنكار القرآن، بل كل طائفة تقبل برحابه صدر المصدرين الرئيسيين، أعني: الكتاب والسنّة، ولكن يناقش في دلالتهما على ما تدّعيه الطائفة الأُخرى، أو تناقش سند الرواية وتقول: إنّ القول بالرؤية عقيدة موروثة من اليهودوالنصارى، أعداء الدين، وقد دسّوا هذه الروايات بين أحاديث المسلمين، فلم تزل مسلمة اليهود والنصارى يتحينون الفرص لتفريق كلمة المسلمين،وتشويه تعاليم هذا الدين، حتى تذرعوا بعد وفاة النبي بشتى الوسائل إلى بذر بذور الفساد، فأدخلوا في الدين الحنيف ما نسجته أوهام الأحبار والرهبان.

4. إنّ الاعتقاد بشيء من الأُمور من الظواهر الروحية لا تنشأ جذوره في النفس إلاّ بعد تحقّق مبادئ ومقدّمات توجد العقيدة، فما معنى قول من يقول في مقابل المنكر للرؤية: السيف السيف، بدل أن يقول: الدراسة الدراسة، الحوار الحوار؟!!

أليس شعار «السيف السيف» ينم عن طبيعة قاسية، ونفسية خالية من الرحمة والسماحة؟!

وأنا أجلّ إمام دار الهجرة عن هذه الكلمة.

5. إنّ مفتي الديار النجدية لم يعتمد إلاّ على نقول وفتاوى ذكرها ابن القيم في كتابه دون أن يرجع إلى تفسير الآيات واحدة واحدة، أو يناقش المسألة في ضوء السنّة.


(376)

فما أرخص مهمة الإفتاء ومؤهّلات المفتي في هذه الديار.

وفي الختام، إنّ ما نقله عن ابن القيم يعرب عن جهله المطبق في مسألة الرؤية، فإنّ نفي الرؤية شعار أئمّة أهل البيت، وشعار الإمام أمير المؤمنين علي ـ عليه السَّلام ـ في خطبه، وكلمه قبل أن يتولد الجهم وأذنابه،ولأجل ذلك اشتهر: «العدل والتنزيه علويان، والجبر والتشبيه أمويان».

ولأجل ضيق المقام اكتفينا بهذا القدر، ومن أراد التبسّط في البحث فليرجع إلى الصفحة 191ـ 239 من هذا الكتاب، وإلى المطوّلات المدونة في مجال العقائد والكلام.

والحمد لله ربّ العالمين

Website Security Test