welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الملل والنحل/ج2 (الأشعرية)*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الملل والنحل/ج2 (الأشعرية)

(306)

استفتاء ثالث في واقعة أبي نصر القشيري ببغداد

وهذا الاستفتاء أوعز إليه السبكي في طبقات الشافعية، في ترجمة الشيخ أبي الحسن الأشعري، وقال: «سنحكي إن شاء الله هذاالاستفتاء والأجوبة عند انتهائنا إلى ترجمة الأُستاذ أبي نصر ابن الأُستاذ أبي القاسم في الطبقة الخامسة»، ولكنّه لم يف بوعده.

وحكى في المقام خط الشيخ أبي إسحاق الشيرازي في جواب الاستفتاء أنّه كتب: وأبو الحسن الأشعري إمام أهل السنّة، وعامة أصحاب الشافعي على مذهبه، و مذهبه مذهب أهل الحقّ،وكتب نظير تلك الجملة عدّة من أعلام العصر من حنابلة وأحناف لا حاجة لذكر أسمائهم، ويظهر من السبكي أنّ هذا الاستفتاء بقي زماناً بين يدي العلماء كلّما جاءت أُمّة منهم كتبت بالموافقة.(1)

7. شكوى تاريخية للأشاعرة ضدّ الحنابلة

لقد بلغت المنافرة بين الأشاعرة والحنابلة إلى القمة في عصر الشيخ أبي نصر عبد الرحيم ابن الشيخ أبي القاسم القشيري، وبلغ السيل الزبي فقام أعاظم الأشاعرة لمساندة شيخهم أبي نصر برفع الشكوى إلى الوزير نظام الملك،وتمت الشكوائية بتوقيع كثير من علمائهم، وكان ذلك سنة 469هـ. وقد نقلنا تلك الشكوائية في الجزء الأوّل من هذه الموسوعة فراجع.(2)

الأشاعرة وعقيدة أبي جعفر الطحاوي

إنّ الرسالة المعروفة بعقيدة الطحاوي يتبنّاها أهل السنّة حتى الحنابلة في هذه الأيام، وهي من الكتب الدراسية في جامعة المدينة المنورة يومنا هذا، والمؤلف ينسب كلّ ما جاء فيه إلى أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني، وقد ادّعى تاج الدين السبكي أنّ الأشاعرة لا يخالفون عمّا ذكر في


1. طبقات الشافعية:3/375ـ 376.

2. لاحظ بحوث في الملل والنحل:1.


(307)

هذه الرسالة إلاّ في ثلاث عشرة مسألة، والاختلاف في بعضها معنوي، وبعضها الآخر لفظي، ثمّ قال: ولي قصيدة نونية جمعتُ فيها هذه المسائل، وضممت إليها مسائل اختلفت الأشاعرة فيها مع ما جاء في كتاب العقيدة للطحاوي، وإليك مستهلها:

الـورد خطك، صيغ مـن إنسـان * أم في الخـدود شقائـق النعمان؟!

والسيف لحظك سُلَّ من أجفانـه * فسـطا كمثــل مهنــد وسنـان!

إلى أن قال:

كـذب ابـن فاعلـة يقـول لجهـله * الله جســـم ليـس كالجسمـــان

لـو كان جسماً كـان كالأجسام يـا * مجنونُ فاصْغ وعد عـن البهتــان

واتْبَع صراط المصطفى في كل مـا * يـأتي وخـلّ وسـاوس الشيطان(1)

والقصيدة طويلة والغرض إيراد نماذج منها.

وأمّا الفرق بين الأشاعرة والماتريدية فهو يتوقف على تبيين عقيدة الشيخ الماتريدي مؤسس المنهج، وسيوافيك [الحديث عن] حياته ومنهجه في الجزء الثالث من هذه الموسوعة بإذن الله سبحانه.

(إِنَّما الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).(2)


1. طبقات الشافعية:3/379.

2. الحجرات:10.


(308)

(309)

حياة

أبطال الأشاعرة وعباقرتهم

إنّ ما أتى به الشيخ الأشعري من المنهج الكلامي وأفرغه في قالب التأليف والتصنيف، أو طرحه على بساط البحث عن طريق التدريس والتعليم، لم يكن منهجاً فكرياً متكاملاً في جميع موضوعاته، فإنّ بعض أفكاره لم يكن مقترناً بالبراهين والأدلّة الناضجة، كما أنّه لم يكن مستوعباً لجميع الأبواب، ولكن ساعده الحظ بأن اقتفى أثره على مدى الأعصار عدة من المفكرين الذين نسبوا أنفسهم إليه، فأضفوا على هذا المنهج ثوباًجديداً حتى جعلوه متكاملاً، ناضجاً قابلاً للبقاء، وبعيداً عن النقاش، وأساس عملهم يرجع إلى شيئين:

الأوّل: تحليل الفكرة الأشعرية ببراهين جديدة أوحتها إليهم أنفسهم.

الثاني: الذب عن الإشكالات التي أوردها خصماء الأشعري على منهجه.

ولأجل إكمال البحث عن ذلك المنهج نأتي بترجمة بعض أئمّة الأشاعرة في العصور المختلفة، الذين كان لهم ذلك الدور في إكمال المنهج وتجديده، وهم المشايخ، التالية أسماؤهم:

1. أبو بكر الباقلاني (المتوفّى 403هـ. ق).

2. أبو منصور عبد القاهر البغدادي (المتوفى 429هـ. ق).

3. إمام الحرمين أبو المعالي الجويني (419ـ 478هـ. ق.


(310)

4.حجة الإسلام الإمام الغزالي (450ـ505هـ.ق).

5. أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني (479ـ 548هـ.ق).

6. أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي فخر الدين الرازي (544 ـ 606هـ.ق).

7. أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد بن سالم المعروف بسيف الدين الآمدي (551 ـ 631هـ.ق).

8. عبد الرحمن بن أحمد عضد الدين الإيجي مؤلف «المواقف» ( 708ـ 756هـ.ق).

9. مسعود بن عمر بن عبد الله المعروف بسعد الدين التفتازاني (712 ـ 791هـ.ق).

10. السيد علي بن محمد بن علي الحسيني المعروف بالسيد الشريف شارح «المواقف» (المتوفى عام 816هـ.ق).

11. علاء الدين علي بن محمد السمرقندي المعروف بالقوشجي شارح «التجريد» (المتوفى بالآستانة عام 879هـ.ق).

هؤلاء أبرز أئمّة الأشاعرة الذين بهم نضج وتكامل المذهب، وتمخّضت الفكرة الأشعرية، ولولا هؤلاء لأفل نجمها بعد طلوعها بسرعة، وهلّم معي أيّها القارئ لدراسة أحوالهم، وعرض بعض أفكارهم، والتعرف على تراثهم من الرسائل والكتب.

نعم عقد ابن عساكر في كتابه: «تبيين كذب المفتري» باباً أسماه«باب ذكر جماعة من أعيان مشاهير أصحابه إذاكان فضل المقتدي يدل على فضل المقتدي به»و قد قسّم المقتفين أثره على خمس طبقات يقرب عدد من جاء فيها من ثمانين شخصاً. غير أنّ من يعبأ به في تكييف المنهج أقل منهم بكثير.


(311)

(1)

القاضي أبو بكر الباقلاني(المتوفّى403هـ)

هو أبو بكر محمد الطيب بن محمد القاضي المعروف بابن الباقلاني، وليد البصرة وساكن بغداد، يعرّفه الخطيب البغدادي بقوله:محمد بن الطيب بن محمد أبو بكر القاضي المعروف بابن الباقلاني المتكلّم على مذهب الأشعري، من أهل البصرة، سكن بغداد، وسمع بها الحديث وكان ثقة. فأمّا الكلام فكان أعرف الناس به،وأحسنهم خاطراً، وأجودهم لساناً، وأوضحهم بياناً، وأصحّهم عبارة، وله التصانيف الكثيرة المنتشرة في الرد على المخالفين من الرافضة والمعتزلة والجهمية والخوارج وغيرهم.(1)

وقال ابن خلكان: كان على مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري، ومؤيداً اعتقاده وناصراً طريقته، وسكن بغداد وصنف التصانيف الكثيرة المشهورة في علم الكلام وغيره، وكان في علمه أوحد زمانه، وانتهت إليه الرئاسة في مذهبه، وكان موصوفاً بجودة الاستنباط وسرعة الجواب. وسمع الحديث وكان كثير التطويل في المناظرة، مشهوراً بذلك عند الجماعة، وتوفّي آخر يوم السبت ودفن يوم الأحد لسبع بقين من ذي القعدة سنة ثلاث وأربعمائة ببغداد ـ رحمه الله ـ تعالى، و صلّى عليه ابنه الحسن، ودفن في داره بدرب المجوس، ثمّ نقل بعد ذلك فدفن في مقبرة باب حرب.

والباقلاني نسبه إلى الباقلاء وبيعه!!(2)

ويظهر من فهرس تآليفه أنّه كان غزير الإنتاج وكثير التأليف، فقد ذكر له 52 كتاباً، غير أنّه لم يصل إلينا من هذه إلاّ ما طبع، وهي ثلاثة:

1. «إعجاز القرآن» طبع في القاهرة كراراً، وقد حقّقه أخيراً السيد أحمد صقر، طبع بمطابع دار المعارف بمصر عام 1972م.


1. تاريخ بغداد:5/379ـ 383.

2. وفيات الأعيان:4/269برقم 608.


(312)

2.«التمهيد في الرد على الملاحدة» وهو كتاب كلامي يعرف منه آراؤه الكلامية في مختلف الأبواب.

3. «الإنصاف في أسباب الخلاف» وقد نشره محمد زاهد الكوثري في القاهرة عن مخطوطة دار الكتب المصرية عام 1369هـ.

عثرة لا تقال

ذكر الخطيب في ترجمة الباقلاني كلاماً وقال: «وحدث أنّ ابن المعلم شيخ الرافضة ومتكلمها(يريد الشيخ المفيد) حضر بعض مجالس النظر مع أصحاب له، إذ أقبل القاضي، فالتفت ابن المعلم إلى أصحابه و قال لهم: قد جاءكم الشيطان، فسمع القاضي كلامه ـ و كان بعيداً من القوم ـ فلمّا جلس أقبل على ابن المعلم وأصحابه وقال لهم: قال الله تعالى: (إِنّا أَرْسَلْنا الشَّياطينَ عَلى الكافِرينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً)(1) أي إن كنتُ شيطاناً فأنتم كفّار، وقد أرسلت عليكم.(2)

أقول: وأظن ـ و ظن الألمعي صواب ـ أنّه لو وقف الخطيب على مكانة ابن المعلم وشيخ الأُمّة الشيخ المفيد، لتوقف في نقل هذه الأُسطورة، وهذا اليافعي يعرّفه في تاريخه ويقول:«كان عالم الشيعة وإمام الرافضة، صاحب التصانيف الكثيرة شيخهم المعروف بالمفيد، وبابن المعلم، البارع في الكلام والجدل والفقه، وكان يناظر أهل كلّ عقيدة مع الجلالة والعظمة بالدولة البويهية».

وقال ابن أبي طي: «كان كثير الصدقات، عظيم الخشوع، كثير الصلاة والصوم، خشن اللباس».(3)

وقال ابن كثير في حوادث سنة 413: «شيخ الإمامية الروافض، والمصنف لهم، والمحامي عن حوزتهم. كانت له وجاهة عند ملوك الأطراف لميل كثير من أهل ذاك الزمان إلى التشيع، وكان مجلسه يحضره خلق كثير من


1. مريم:83.

2. تاريخ بغداد:5/379، ونقله ابن عساكر في تبيينه: 217.

3. مرآة الجنان:3/28.


(313)

العلماء من سائر الطوائف، وكان من جملة تلاميذه الشريف الرضي و المرتضى».(1)

وعلى ذلك فالرجل الذي يصف اليافعي في تاريخه بأنّه يناظر أهل كلّ عقيدة مع الجلالة، أو يصفه ابن كثير بأنّه يحضر مجلسه كثير من العلماء من سائر الطوائف، أجلّ من أن يتوسل في إفحام خصمه وإخضاعه للحق، بالإهانة والتكلّم بما هو خارج عن أدب المناظرة.

نعم، نقل بعض المترجمين للشيخ المفيد أنّه جرت مناظرة بينه و بين أبي بكر الباقلاني، فلمّا ظهر تفوّق المفيد على مناظره، قال له أبو بكر: أيّها الشيخ إنّ لك من كلّ قدر معرفة، فأجابه الشيخ ممازحاً: نعم ما تمثلت به أيّها القاضي من أدوات (مهنة) أبيك.(2)

إنّ الخطيب لم يخف حقده على شيخ الأُمّة في غير هذا المقام أيضاً، فقد قال في ترجمته: «و كان أحد أئمّة الضلال، هلك به خلق من الناس، إلى أن أراح الله المسلمين منه. ومات في يوم الخميس ثاني شهر رمضان سنة ثلاث عشرة وأربعمائة».(3)

أهكذا أدب العلم وأدب الدين؟!!

إنّ هذه شنشنة أعرفها من كلّ من يضمر الحقد على أمثال الشيخ. لاحظ الكامل لابن الأثير الجزء السابع ص 313 ترَ أنّ ما ذكره الخطيب أخف وطأً ممّا ذكره المعلق على «الكامل» من السباب المقذع الخارج عن أدب الدين والتقى.

فكلّ من أراد أن يقف على أدب الشيخ المفيد في المناظرة واحتجاجه على الخصم، فليلاحظ مناظراته في الكلام والتفسير التي جمعها تلميذه الشريف المرتضى في كتاب «الفصول المختارة» اختارها من كتابين لشيخه المفيد،


1. البداية والنهاية: 12/15.

2. روضات الجنات:6/159مستمداً من تلقبه بالباقلاني، المنسوب إلى بائع الباقلاء.

3. تاريخ بغداد: 3/231برقم 1299.


(314)

أحدهما: «المجالس المحفوظة في فنون الكلام» والثاني «العيون والمحاسن». ولأجل إعطاء نموذج من مناظرات الشيخ المفيد وقوة عارضته، نأتي بإحداها التي وقعت مع علي بن عيسى الرماني (المتوفّى عام 385هـ). فقد دخل الشيخ عليه والمجلس غاص بأهله، فقعد حيث انتهى به المجلس، فلمّا خف الناس قرب من الرماني، فدخل عليه داخل و قال: إنّ بالباب إنساناً يؤثر الحضور، وهو من أهل البصرة، فأذن له فدخل فأكرمه، و طال الحديث بينهما. فقال الرجل لعلي بن عيسى: ما تقول في يوم الغدير والغار؟ فقال: أمّا خبر الغار فدراية، وأمّا خبر الغدير فرواية، والرواية لا توجب ما توجبه الدراية، وانصرف البصري ولم يحر جواباً. فقال الشيخ للرماني: أيّها الشيخ مسألة؟ فقال:هات مسألتك؟ فقال:ما تقول فيمن قاتل الإمام العادل؟ فقال: كافر، ثمّ استدرك فقال: فاسق، وعندئذ قال المفيد:ما تقول في أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ ؟ قال: إمام.

فقال: ما تقول في يوم الجمل وطلحة والزبير؟ فقال: تابا. فقال المفيد: أمّا خبر الجمل فدراية،وأمّا خبر التوبة، فرواية. فقال الرماني:هل كنت حاضراً وقد سألني البصري؟ فقال: نعم، رواية برواية ودراية بدراية.(1)

فمن كان هذه مقدرته العلمية وقوة إفحامه للخصم، فلا يتوسل بما يتوسل به العاجز عن المناظرة، فما ذكره الخطيب أشبه بالمهزلة منه بالجد. كما أنّ ما نقله ابن عساكر من المنامات بعد موت القاضي أبي بكر أُمور لا يلتجىء إليها إلاّ من يفتقد الحقيقة في عالم الحس فيتطّلبها بالمنامات.

(2)

أبو منصور عبد القاهر البغدادي(المتوفّى429هـ)

أبومنصور عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي، أحد العلماء البارزين في معرفة الملل والنحل، وكتابه «الفرق بين الفرق» من الكتب المعروفة في هذا المجال، ويعد سنداً وثيقاً لمعرفة المذاهب الإسلامية بعد كتاب


1. مجموعة ورام: 611.


(315)

«مقالات الإسلاميين» للشيخ أبي الحسن الأشعري وكأنّه حذا حذوه في النقل والتقرير، ويمتاز بحسن الضبط واستيعاب البحث،وإتقان التبويب، ودقة العرض.

يعرّفه ابن خلكان بقوله: كان ماهراً في فنون عديدة خصوصاً علم الحساب، فإنّه كان متقناً له، وكان له فيه تآليف نافعة منها كتاب «التكملة». وكان عارفاً بالفرائض والنحو، وله أشعار. ونقل عن الحافظ عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي في «سياق تاريخ نيسابور» أنّه ورد مع أبيه نيسابور و كان ذا مال وثروة، تفقّه على أهل العلم والحديث، ولم يكتسب بعلمه مالاً، وصنف في العلوم وأربى على أقرانه في الفنون، ودرس في سبعة عشر فناً، وكان قد تفقّه على أبي إسحاق الإسفرائيني وجلس بعده للإملاء في مكانه بمسجد عقيل فأملى سنين، واختلف إليه الأئمّة فقرأوا عليه... وتوفّي سنة تسع وعشرين وأربعمائة بمدينة «اسفرائن» و دفن إلى جانب شيخه أبي إسحاق.(1)

وترجمه الزركلي في الأعلام و قال: عالم متقن من أئمّة الأُصول، ولد ونشأ في بغداد، ورحل إلى خراسان فاستقر بنيسابور، وفارقها على أثر فتنة التركمان، ومات في اسفرائين. ثمّ ذكر تصانيفه المطبوعة والمخطوطة.(2)

وترجمه«عبد الرحمن بدوي» فذكر له تسعة عشر كتاباً، غير أنّ الواصل إلينا ما هو المطبوع وهو اثنان:

1. «الفرق بين الفرق» نشر لأوّل مرّة في دار المعارف عام 1910م، مليئاً بالأخطاء، ثمّ نشر بتحقيق وإشراف الشيخ محمد زاهد الكوثري، وأخيراً بتحقيق محمد محيي الدين.

2. «أُصول الدين» و قد طبع لأوّل مرّة في استانبول عام 1346و طبع بالأُفست أخيراً في بيروت عام 1401هـ. والكتاب يشتمل على خمسة عشر أصلاً من أُصول الدين، وشرح كلّ أصل بخمس عشرة مسألة، وعليه يكون


1. وفيات الأعيان:3/203برقم:392; تبيين كذب المفتري: 254.

2. الأعلام للزركلي:4/173.


(316)

الكتاب مشتملاً على مائتين وخمس وعشرين مسألة.

وإليك فهرس الأُصول الخمسة عشر التي جعلها أساساً للدين.

ذكر الأُصول الخمسة عشر

الأصل الأوّل: في بيان الحقائق والعلوم على الخصوص والعموم.

الأصل الثاني:في حدوث العالم على أقسامه من أعراضه وأجسامه.

الأصل الثالث: في معرفة صانع العالم ونعوته في ذاته.

الأصل الرابع: في معرفة صفاته القائمة بذاته.

الأصل الخامس: في معرفة أسمائه وأوصافه.

الأصل السادس: في معرفة عدله وحكمه.

الأصل السابع: في معرفة رسله وأنبيائه.

الأصل الثامن: في معرفة معجزات أنبيائه وكرامات أوليائه.

الأصل التاسع: في معرفة أركان شريعة الإسلام.

الأصل العاشر: في معرفة أحكام التكليف في الأمر والنهي والخبر.

الأصل الحادي عشر: في معرفة أحكام العباد في المعاد.

الأصل الثاني عشر: في بيان أُصول الإيمان.

الأصل الثالث عشر: في بيان أحكام الإمامة وشروط الزعامة.

الأصل الرابع عشر: في معرفة أحكام العلماء والأئمّة.

الأصل الخامس عشر: في بيان أحكام الكفر وأهل الأهواء الفجرة.

وقد ذكر ما هو الوجه لأخذ الرقم (15)، أساساً للتقسيم فقال:

وقد جاءت في الشريعة أحكام مرتبة على خمسة عشر من العدد، وأجمعت الأُمّة على بعضها واختلفوا في بعضها، فمنها على اختلاف سن البلوغ


(317)

لأنّها عند الشافعي في الذكور والإناث خمس عشرة سنة بسني العرب دون سني الروم والعجم. ومنها مدة أكثر الحيض عند الشافعي وفقهاء المدينة خمسة عشر يوماً بلياليها. ومنها أقل الطهر الفاصل بين الحيضتين، فإنّه عند أكثر الأئمّة خمسة عشر يوماً، وهذا كلّه على أصل الشافعي وموافقيه. فأمّا على أصل أبي حنيفة وأتباعه فإنّ كلمات الأذان عندهم خمس عشرة. ومقدار مدة الإقامة التي توجب عنده إتمام الصلاة خمسة عشر يوماً، وعند الشافعي أربعة أيام.(1)

إلى غير ذلك من الأحكام الفقهية التي أكثرها محل خلاف بين فقهاء السنّة، فضلاً عن الشيعة، كأقل الطهر الفاصل بين الحيضتين، فإنّه عند أكثر الأئمّة، خمسة عشر يوماً; أو أنّ كلمات الأذان عندهم خمس عشرة إلى غير ذلك...، و على فرض صحة الأحكام الفرعية التي ذكرها لا صلة بين صحتها وكون أُصول الدين الأساسية خمسة عشر أصلاً، وكلّ أصل مشتملاً على خمس عشرة مسألة، فإنّ ذلك كلّه أُمور ذوقية استحسنها طبعه، وإلاّففي وسع القارئ أن يجعل الأُصول أكثر أو أقل، والمسائل كذلك.

ثمّ إنّ هذه الأُصول التي اجتمع عليها أهل السنّة ـ حسب زعمه ـ جاءت في كتابه «الفرق بين الفرق» مع اختلاف يسير في التعبير والكلمات.(2)

الفرق بين الكتابين في العرض

إنّ السابر في كتاب «الفرق بين الفرق» يجد أنّ في قلمه حدة خاصة في عرض المذاهب، فلا يعرض المذاهب الإسلامية ـ عدا مذهب أهل السنّة ـ بصورة موضوعية هادئة، بل يعرضها بعنف وهجوم، وهذا بخلاف سيرته في كتاب «أُصول الدين».

ويكفي في هذا ما يقوله: ولم يكن بحمد الله ومنّه في الخوارج ولا في الروافض، ولا في الجهمية، ولا في القدرية، ولا في المجسمة ولا في سائر أهل الأهواء الضالّة إمام في الفقه، ولا إمام في رواية الحديث، ولا إمام في


1. أُصول الدين: 1ـ2.

2. لاحظ الفصل الثالث من فصول الباب الخامس: ص 323ـ 324.


(318)

اللغة والنحو، ولا موثوق به في نقل المغازي والسير والتواريخ، ولا إمام في الوعظ والتذكير، ولا إمام في التأويل والتفسير، وإنّما كان أئمّة هذه العلوم على الخصوص والعموم من أهل السنّة والجماعة، وأهل الأهواء الضالة إذا ردّوا الروايات الواردة عن الصحابة في أحكامهم وسيرهم، لم يصحّ اقتداؤهم بهم متى لم يشاهدوهم ولم يقبلوا رواية أهل الرواية عنهم.(1)

أقول: ما ذكره في حقّ الروافض ـ إن أراد منه الشيعة ما عدا الغلاة ـ فقد ظلم العلم وجفا أهله، ولو قاله عن جد فقد قاله عن قصور باعه، (وإن كان مؤلفاً في الملل والنحل) في التعرف على جهودهم المتواصلة وآثارهم القيمة في العلوم الإسلامية، فقد شاركوا الطوائف الإسلامية في تدوين المعقول والمنقول، وجمع شذرات الحديث، وتأليف شوارد السير، ونظم جواهر الأدب، ونضد قواعد الفقه، وترصيف مباحث الكلام، وتنسيق طبقات الرجال، وضم حلقات التفسير، وترتيب دروس الأخلاق، كما فيهم الفلاسفة والعلماء والساسة والحكام والكتاب والمؤلّفون، تشهد بذلك آثارهم وحياتهم.

وعلى أيّ تقدير، فمن لطيف شعره ما نقله ابن عساكر عنه:

يا من عدا، ثـمّ اعتـدى ثـم اقتـرف * ثـمّ انتهـى ثمّ ارعـوى ثـم اعتــرف

أبشــر بقـــول الله فــي آيــاتــــه * «إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف»(2)

(3)

إمام الحرمين عبد الملك بن عبدالله

الجويني(419ـ 478هـ)

هو عبدالملك بن الشيخ أبي محمد عبد الله بن أبي يعقوب الجويني.

أثنى عليه كلّ من ذكره، يقول ابن خلّكان: أعلم المتأخّرين من


1. الفرق بين الفرق: 232.

2. تبين كذب المفتري: 254.


(319)

أصحاب الإمام الشافعي على الإطلاق، المجمع على إمامته، المتفق على غزارة مادته وتفننه في العلوم من الأُصول والفروع والأدب، ورزق من التوسع في العبارة ما لم يعهد من غيره، وكان يذكر دروساً يقع كلّ واحد منها في عدة أوراق ولا يتلعثم في كلمة منها، وقد أقام بمكة أربع سنين، وبالمدينة يدرس ويفتي ويجمع طرق المذهب،ولقب بإمام الحرمين.(1)

وقد ذكر ابن الأثير في حوادث سنة 456الحوافز التي ألجأت أبا المعالي إلى مغادرة موطنه والخروج إلى الحجاز، وما هي إلاّ محنة الأشاعرة في عصر الوزير العميد الكندري وزير طغرل بك السلجوقي قال: كان شديد التعصب على الشافعية كثير الوقيعة في الشافعي بلغ من تعصبه أنّه خاطب السلطان، في لعن الرافضة على منابر خراسان، فأذن ذلك، فأمر بلعنهم وأضاف إليهم الأشعرية، فأنف من ذلك أئمّة خراسان، منهم الإمام أبو القاسم القشيري والإمام أبو المعالي الجويني وغيرهما، ففارقوا خراسان، وأقام إمام الحرمين بمكة أربع سنين إلى أن انقضت دولته، يدرّس ويفتي، فلهذا لقب إمام الحرمين، فلما جاءت الدولة النظامية(نظام الملك) أحضر من انتزح منهم وأكرمهم وأحسن إليهم.(2)

أساتذته

تخرّج على والده الشيخ عبد الله بن يوسف وكان عالماً فقيهاً شافعياً غزير الإنتاج توفي سنة 438 وله من الآثار «الفروق» و «السلسلة» و«التبصرة» و «التذكرة» و غيرها، توفي والابن في سن التاسعة عشرة، فأتم دراسته بالاختلاف إلى مدرسة البيهقي، فتخرج على الشيخ أبي القاسم الإسفرائيني وغيره من الأساتذة الذين أخذ عنهم علمه.(3)

آثاره

ترك من الآثار العلمية ما يربو على عشرين كتاباً بين مطبوع منتشر،


1. وفيات الأعيان: 3/167ـ 168برقم 378.

2. الكامل في التاريخ:10/31ـ 33. وقد مرّ بيان الحادثة في الأمر الأوّل من الخاتمة.

3. تاريخ المذاهب الإسلامية:1/281ـ 282.


(320)

ومخطوط موجود في خزائن الكتب في مصر وباريس وبرلين، وإليك أسماء المطبوعة منها:

1. «الإرشاد في أُصول الدين» و قد طبع في باريس وبرلين والقاهرة.

2. «الرسالة النظامية في الأحكام الإسلامية» وقد طبعت في القاهرة باسم «العقيدة النظامية» سنة 1367 وقد ترجمت إلى الألمانية عام 1958م.

3. «الشامل في أُصول الدين» و قد طبع الكتاب الأوّل (العلل) من الجزء الأوّل منه في القاهرة 1961م.

4. «غياث الأُمم في الإمامة» ويعدّه الباحثون أحسن منهجاً من كتاب «الأحكام السلطانية» للماوردي، نشرته دار الدعوة بالاسكندرية.

5. «مغيث الخلق في اختيار الأحق» و للشيخ محمد زاهد الكوثري رسالة أسماها «إحقاق الحقّ بإبطال الباطل» في «مغيث الخلق» نشرت في القاهرة 1941م.

6. «الورقات في أُصول الفقه والأدلّة».(1)

ويظهر ممّا نشر في كتبه الكلامية أنّه يستمد في آرائه عن المشايخ الثلاثة:

1. أبو الحسن الأشعري المتوفّى عام 324 ويعبر عنه بـ«شيخنا».

2. أبو بكر الباقلاني المتوفّى سنة 403ويعبّر عنه بـ« القاضي».

3. أبو إسحاق الاسفرائيني المتوفّى عام 413 ويعبر عنه بـالأُستاذ».

آراؤه ونظرياته

يبدو أنّ أبا المعالي كان حراً في إبداء النظر ورفض الأفكار وقبولها، وإليك بعض آرائه:

1. أنكر مسألة خلق الأفعال، وأنّ الإنسان مسلوب الاختيار، وقد


1. الأعلام للزركلي:4/160; سير أعلام النبلاء: 18/475ـ 476.


(321)

عرفت أنّ القول بكون أفعال العباد مخلوقة يعدّ إحدى دعائم العقيدة الأشعرية، وقد قال أبو المعالي بدور الإنسان في أعماله. ولو كان هذا مذهبه كما نسبه إليه الشهرستاني فما معنى المناظرة التي دارت بينه و بين «أبي القاسم بن برهان» في مسألة أفعال العباد؟

قال القاسم: هل للعباد أعمال؟ فقال أبو المعالي: إن وجدت آية تقتضي ذا فالحجة لك، فتلا (وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ) (1) ومدّ بها صوته وكرر «هم لها عاملون» و قوله: (لَو اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) (2) أي كانوا مستطيعين. فأخذ أبو المعالي يستروح إلى التأويل. فقال: والله إنّك بارد وتتأوّل صريح كلام الله لتصحح بتأويلك كلام الأشعري وأكلّه ابن برهان بالحجة فبهت.(3)

ولعل هذه المناظرة ونظائرها دعته إلى العدول عن نظرية الأشعري في أفعال العباد، والانسلاك في خط القائلين بالاختيار للإنسان.

ولأجل عدم قوله بالقدر الجبري ورفضه هذه الأحاديث ربما اتّهموه بأنّه من فرط ذكائه وإمامته في الورع، وأُصول المذهب، وقوة مناظرته، لا يدري الحديث كما يليق به لا متناً ولا إسناداً.(4)

2. ما نقل عنه في كتاب البرهان قال: «إنّ الله يعلم الكليات لا الجزئيات»وهذه نظرية المعتزلة في علمه سبحانه لا الأشاعرة، وهي وإن كانت باطلة جداً لكن الإصحار بها في تلك الظروف المليئة بالحقد والتحامل على المعتزلة، يكشف عن أنّ الرجل كان يملك حرية خاصة في طرح المسائل.

3. قد سلك في الصفات الخبرية مسلك الحزم والاحتياط، فأجرى الظواهر على مواردها وفوض معانيها إلى الرب.


1. المؤمنون:63.

2. التوبة: 42.

3. سير أعلام النبلاء:18/469و «أكلّه» : أعياه.

4. نفس المصدر:18/471.


(322)

قال في «الرسالة النظامية»: (نشرها محمد زاهد الكوثري عام 1367هـ) اختلفت مسالك العلماء في الظواهر التي وردت في الكتاب والسنّة، وامتنع على أهل الحقّ فحواها، فرأى بعضهم تأويلها، والتزم ذلك في القرآن، وما يصحّ من السنن، وذهب أئمّة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراءالظواهر على مواردها وتفويض معانيها إلى الرب تعالى، والذي نرتضيه رأياً، وندين الله به عقداً، أنّ اتّباع سلف الأُمّة حجّة متبعة، وهو مستند معظم الشريعة، وقد درج صحب الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ على ترك التعرض لمعانيها، ودرك ما فيها وهم صفوة الإسلام المستقلون بأعباء الشريعة، وكانوا لا يألون جهداً في ضبط قواعد الملة والتواصي بحفظها، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها، فلو كان تأويل هذه الظواهر مسوغاً أو محتوماً لأوشك أن يكون اهتمامهم به فوق اهتمامهم بفروع الشريعة، فإذا تصرم عصرهم وعصر التابعين على الإضراب عن التأويل، كان ذلك قاطعاً بأنّه الوجه المتبع، فحقّ على ذي الدين أن يعتقد تنزّه الباري عن صفات المحدثين، ولا يخوض في تأويل المشكلات، ويكل معناها إلى الرب، فليجر آية الاستواء والمجيء وقوله: (لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) (1) و(وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ)(2) و (تَجْري )بِأَعْيُنِنا) (3) وما صحّ من أخبار الرسول، كخبر النزول وغيره على ما ذكرناه.(4)

قصص الخرافة

إنّ من يصفه ابن عساكر (5) وغيره بأنّه إمام الأئمّة على الإطلاق حبر الشريعة المجمع على إمامته شرقاً وغرباً، المقر بفضله السراة والحراة، وعجماً وعرباً، من لم تر العيون مثله قبله ولا يرى بعده الخ، إلى غير ذلك من كلمات


1. ص:75.

2. الرحمن:27.

3. القمر:14.

4. سير أعلام النبلاء:18/473ـ 474.

5. التبيين: 278.


(323)

التبجيل وعظائم التكريم لا يصدر عنه ما يذكره الذهبي في ترجمته:

1. قرأت بخط أبي جعفر أيضاً:سمعت أبا المعالي يقول: قرأت خمسين ألفاً في خمسين ألفاً، ثمّ خليت أهل الإسلام الإسلام بإسلامهم فيها وعلومهم الظاهرة، وركبت البحر الخضم، وغصت في الذي نهى أهل الإسلام، كلّ ذلك في طلب الحق، وكنت أهرب في سالف الدهر من التقليد، والآن فقد رجعت إلى كلمة الحق «عليكم بدين العجائز» فإن لم يدركني الحق بلطيف بره، فأموت على دين العجائز ويختم عاقبة أمري عند الرحيل على كلمة الإخلاص، لاإله إلاّ الله، فالويل لابن الجويني.(1)

2. قال الحافظ محمد بن طاهر: سمعت أبا الحسن القيرواني الأديب ـ و كان يختلف إلى درس الأُستاذ أبي المعالي في الكلام ـ فقال: سمعت أبا المعالي اليوم يقول: يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت يبلغ بي ما بلغ، ما اشتغلت به.(2)

ولو صحّ ذلك، لما كان ينفعه مجرّد الندم، بل لكان عليه ـ وراء إبراز الندامة ـ أن يأمر بإحراق مسفوراته، إلاّما كان منها مطابقاً للسنّة، وكان عليه البراءة ممّا كان يقول، كما تبرأ شيخه الأشعري على صهوات المنابر، ولعلّ هذه النقول كلّها من موضوعات بعض الحنابلة الذين يروق لهم ترويج مذهبهم بعزوالشخصيات البارزة إلى الانسلاك في سلكهم يوم هلاكهم وموتهم، يوم لا ينفعهم الندم والانسلاك.

وكما لا يصحّ ذلك، لا يصحّ ما نقل أيضاً:

1. قال محمد بن طاهر: حضر المحدث أبو جعفر الهمداني مجلس وعظ أبي المعالي، فقال: كان الله ولا عرش، وهو الآن على ما كان عليه، فقال أبو جعفر: أخبرنا يا أُستاذ عن هذه الضرورة التي نجدها، ما قال عارف قط يا الله إلاّ وجد من قلبه ضرورة تطلب العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة، فكيف


1. سير أعلام النبلاء:18/471.

2. نفس المصدر:18/474.


(324)

ندفع هذه الضرورة عن أنفسنا، أو قال: فهل عندك دواء لدفع هذه الضرورة التي نجدها؟ فقال: يا حبيبي ما ثم إلاّالحَيْرة، ولطم على رأسه ونزل، وبقي وقت عجيب. وقال فيمابعد: حيرني الهمداني.(1)

2. قال أبو جعفر الحافظ; سمعت أبا المعالي وسئل عن قوله: (الرَّحْمنُ عَلى الْعَرْشِ اسْتَوى) (2) فقال: كان الله ولا عرش. وجعل يتخبّط، فقلت: هل عندك للضرورات من حيلة؟ فقال: ما معنى هذه الإشارة؟ قلت: ما قال عارف قط يا رباه إلاّ قبل أن يتحرك لسانه قام من باطنه قصد لا يلتفت يمنة ولا يسرة ـ يقصد الفوق ـ فهل لهذا القصد الضروري عندك من حيلة فتنبئنا نتخلص من الفوق والتحت؟ وبكيت وبكى الخلق، فضرب بكمه على السرير وصاح بالحيرة، ومزق ما كان عليه، وصارت قيامة في المسجد، ونزل يقول يا حبيبي الحيرة والحيرة والدهشة الدهشة.(3)

يعز على الأشاعرة أن يجهل إمام الحرمين ـ الذي يصفه ابن عساكر بأنّه «لم تر العيون مثله قبله ولا ترى بعده»(4) ـ بجواب هذا السؤال، حتى يتخذه السائل سنداً لحلوله سبحانه في العرش وكينونته فيه.

وقد سئل الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ عنه و قيل له: ما الفرق بين أن ترفعوا أيديكم إلى السماء وبين أن تخفضوها نحو الأرض؟

قال أبو عبد اللّهعليه السَّلام : «ذلك في علمه وإحاطته وقدرته سواء، ولكنّه عزّوجلّ أمر أولياءه وعباده برفع أيديهم إلى السماء نحو العرش، لأنّه جعله معدن الرزق فثبتنا ما ثبته القرآن والأخبار عن الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حين قال: ارفعوا أيديكم إلى الله عزّوجلّ».(5)


1. نفس المصدر:18/474ـ 475.

2. طه:5.

3. سير أعلام النبلاء:18/476ـ 477.

4. التبيين: 278.

5. التوحيد للصدوق: 248.


(325)

وفي الختام إنّ أبا المعالي أجاب دعوة ربّه في الخامس والعشرين من ربيع الآخر سنة 478 ودفن في داره، ثمّ نقل بعد سنين إلى مقبرة الحسين فدفن بجنب والده، وغلقت الأسواق، ورثي بقصائد، وكان له نحو من أربعمائة تلميذ كسروا محابرهم وأقلامهم وأقاموا حولاً، ووضعت المناديل عن الرؤوس عاماً بحيث ما اجترأ أحد على ستر رأسه، وكان الطلبة يطوفون بالبلد نائحين عليه مبالغين في الصياح والجزع.(1)

وممّا قيل في وفاته:

قلـوب العـالمين عـلى المقــالي * وأيــام الــورى شبـه الليــالي

أيثمر غصن أهل الفضل يـوماً * وقــد مـات الإمام أبـو المعالي(2)

(4)

حجة الإسلام الإمام الغزالي(450ـ505هـ)

الإمام زين الدين حجّة الإسلام أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي الشافعي، تلمذ لإمام الحرمين ثمّ ولاّه نظام الملك التدريس في مدرسته ببغداد، وخرج له أصحاب وصنف التصانيف مع التصوف والذكاء المفرط، وتوفي في الرابع عشر من جمادى الآخرة بالطابران، قصبة بلاد طوس، وله خمس وخمسون سنة.

وقع للغزالي أُمور تقتضي علو شأنه من ملاقاة الأئمة، ومجاراة الخصوم، ومناظرة الفحول، فأقبل عليه نظام الملك وحل منه محلاً عظيماً، وطار اسمه في الآفاق وندب للتدريس بنظامية بغداد سنة أربع وثمانين


1. سير أعلام النبلاء:18/476.

2. تبيين كذب المفتري: 285.


(326)

وأربعمائة فقدمها في تجمر [تجمهر] كبير وتلقّاه الناس، ونفذت كلمته وعظمت حشمته، حتى غلبت على حشمة الأُمراء والوزراء،وضرب به المثل، وشدت إليه الرحال.

وأقبل على العبادة والسياحة، فخرج إلى الحجاز في سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، فحج ورجع إلى دمشق واستوطنها عشر سنين بمنارة الجامع، وصنّف فيها كتباً، ثمّ صار إلى القدس والاسكندرية، ثمّ عاد إلى وطنه بطوس مقبلاً على التصنيف والعبادة وملازمة التلاوة ونشر العلم وعدم مخالطة الناس، ثمّ إنّ الوزير فخر الدين نظام الملك حضر إليه وخطبه إلى نظامية نيسابور، وألحّ كلّ الإلحاح فأجاب إلى ذلك وأقام عليه مدة، ثمّ تركه وعاد إلى وطنه على ما كان عليه، وابتنى إلى جواره خانقاه للصوفية ومدرسة للمشتغلين.

تصانيفه

يذكر ابن قاضي شهبة تصانيفه، وإليك بعضها:

1.الوسيط، وهو كالمختصر للنهاية، والوسيط ملخص منه.

2. الوجيز والخلاصة.

3. كتاب الفتاوى مشتمل على مائة وتسعين مسألة.

4. كتاب الإحياء وهو من أشهر تآليفه.

5. المستصفى في أُصول الفقه.

6. بداية الهداية في التصوف.

7. إلجام العوام عن علم الكلام.

8. الرد على الباطنية.

9. مقاصد الفلاسفة.

10. تهافت الفلاسفة.

11. جواهر القرآن.

12. شرح الأسماء الحسنى.

13. مشكاة الأنوار.

14. المنقذ من الضلال.


(327)

15. الخلاصة.

16. قواعد العقائد.

إلى غير ذلك من التآليف.(1)

نماذج من آرائه

والغزالي مع ما أُوتي من مواهب كبيرة في الفلسفة والكلام والتصوف وغير ذلك، غير أنّه يقتفي أثر إمامه الأشعري ويلتقي معه في كثير من الآراء والمباني، وإليك قسماً من آرائه في كتاب «قواعد العقائد»:

1. إنكار الحسن والقبح العقليين

يقول في توصيف أفعاله سبحانه:

عادل في أقضيته، لا يقاس عدله بعدل العباد إذ العبد يتصور منه الظلم بتصرفه في ملك غيره، ولا يتصور الظلم من الله تعالى، فإنّه لا يصادف لغيره ملكاً حتى يكون تصرفه فيه ظلماً، فكلّ ما سواه، من إنس وجن... اخترعه بقدرته بعد العدم اختراعاً.(2)

ويقول أيضاً: إنّ لله عزّوجلّ إيلام الخلق وتعذيبهم من غير جرم سابق... لأنّه متصرف في ملكه، والظلم هو عبارة عن التصرف في ملك الغير بغير إذنه، وهو محال على الله تعالى، فإنّه لا يصادف لغيره ملكاً حتى يكون تصرفه فيه ظلماً.(3)

يلاحظ عليه:

أوّلاً: أنّ الظلم عبارة عن وضع الشيء في غير موضعه، والتصرف في


1. اقرأ ترجمته في المصادر التالية: طبقات السبكي:4/101، تبيين كذب المفتري: 291ـ 306، والمنتظم:9/168، مهرجان الغزالي في دمشق عام 1961، مؤلّفات الغزالي لعبد الرحمن البدوي ط 1990م.

2. قواعد العقائد: 60و 204.

3. نفس المصدر: 60و 204.


(328)

ملك الغير فرع منه ولا ينحصر الظلم فيه.

وثانياً: أنّ حكم العقل بالقبح لا يترتب على لفظ الظلم حتى يفسر بأنّه تصرف في ملك الغير، والعالم كلّه ملكه سبحانه، بل العقل يستقل بقبح إيذاء الغير وتعذيبه من دون جرم ولا تعدّ من أي فاعل صدر، سواءً أكان خالقاً أم غيره، ولا يجوز التخصيص في الأحكام العقلية.

ثمّ إنّ الغزالي يستدل على صدور القبيح منه بقوله:

«فإن أُريد بالقبيح ما لا يوافق غرض الباري سبحانه فهو محال، إذ لا غرض له، فلا يتصوّر منه قبيح كما لا يتصوّر منه ظلم».

فإن أُريد بالقبيح ما لا يوافق غرض الغير فلم قلتم: إنّ ذلك عليه محال؟ وهل هذا إلاّ مجرّد تشهّ يشهد بخلافه ما قد فرضناه من مخاصمة أهل النار.(1)

يلاحظ عليه: أنّ تفسير القبيح بما لا يوافق الغرض ساقط جداً، وهو من التفسيرات الخاطئة التي وردت في كتب المتكلّمين من الأشاعرة، وقليل من المعتزلة، بل المراد من القبيح ما يستقل العقل بداهة بقبحه إذا لاحظه من دون أن يلاحظ الغرض، فقد قلنا إنّه كما يوجد في الحكمة النظرية قضايا بديهية ونظرية فهكذا يوجد في الحكمة العملية قضايا يستقل العقل بحسنها وقبحها بالبداهة، وقضايا يتوقف فيها العقل في بدء الأمر حتى يرجع إلى القضايا الواضحة في الحكمة العملية، فلا الحسن يدور على موافقة الغرض ولا القبح على مخالفته، بل كلاهما يدوران على أحكام عقلية واضحة لدى العقل من دون تخصيصها بزمان دون زمان، أو مكان دون مكان، أو فاعل دون فاعل.

2. معرفة الله واجبة شرعاً لا عقلاً

وقد اقتفى الغزالي في هذه المسألة أثر شيخه أبي الحسن الأشعري وقال:


1. قواعد العقائد: 208، ويشير بقوله«من مخاصمة أهل النار» إلى المناظرة التي وقعت بين الأشعري وشيخه أبي علي الجبائي، وقدأوعزنا إليها في صدر الكتاب.


(329)

إنّ معرفة الله سبحانه وطاعته واجبة بإيجاب الله تعالى وشرعه لا بالعقل، لأنّ العقل وإن أوجب الطاعة فلا يخلو إمّا أن يوجبها لغير فائدة وهو محال، فإنّ العقل لا يوجب العبث، وإمّا أن يوجبها لفائدة وغرض، وذلك لا يخلو إمّا أن يرجع إلى المعبود، وذلك محال في حقّه تعالى، فإنّه يتقدّس عن الأغراض والفوائد; وإمّا أن يرجع ذلك إلى غرض العبد، وهو أيضاً محال، لأنّه لا غرض له في الحال، بل يتعب به وينصرف عن الشهوات بسببه.

وليس في الم آل إلاّالثواب والعقاب ومن أين يعلم أنّ الله تعالى يثيب على المعصية والطاعة ولا يعاقب عليهما؟(1)

يلاحظ عليه: أنّا نختار الشق الثاني، وهو أنّ الغرض عائد إلى العبد، وهو أنّه يعلم من صميم ذاته بأنّ له منعماً، وأنّ النعمات التي أحاطت به معطاة من غيره، وعندئذ يحتمل أن يكون لمنعمه أوامر وزواجر وتكاليف وإلزامات ربما يعاقب على تركها، فعندئذ يحكم العقل عليه بأنّه يجب التعرف على المنعم دفعاً للضرر المحتمل.

والغرض العائد للعبد في المقام ليس غرضاً دنيوياً حتى يقال: كيف يكون هناك غرض وهو يتعب بالمعرفة وينصرف عن الشهوات، بل غرض عقلي وهو دفع العقاب المحتمل في الم آل.

وما قال من أنّه من أين علم أنّ الله تعالى يعاقب على المعصية ويثيب على الطاعة ولا يعاقب عليهما؟ فهو ناشئ عن إنكار الحسن والقبح العقليين، أي إنكار أوضح القضايا العقلية وأبدهها; يقول سبحانه دعماً لما تقضي به الفطرة الإنسانية: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواء مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَما يَحْكُمُونَ) .(2)


1. قواعد العقائد: 209، ولعلّ قوله: «يثيب على المعصية والطاعة» تصحيف «يعاقب على المعصية ويثيب على الطاعة».

2. الجاثية:21.


(330)

3.جواز التكليف بمالا يطاق

وقد بنى على إنكار الحسن والقبح العقليين أنّه يجوز على الله سبحانه أن يكلف الخلق مالا يطيقونه، خلافاً للمعتزلة، ولو لم يجز ذلك، لاستحال سؤال دفعه وقد سألوا ذلك فقالوا: (رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ) .(1)

ولأنّه تعالى أخبر نبيّه بأنّ أبا جهل لا يصدقه، ثمّ أمره بأن يأمره بأن يصدقه في جميع أقواله، وكان من جملة أقواله أنّه لا يصدقه، فكيف في أنّه لا يصدقه.(2)

يلاحظ عليه: أنّ في كلا الاستدلالين وهناً واضحاً:

أمّا الأوّل: فهو عجيب جداً كيف يستدل بجزء من الآية ويترك صدرها، يقول سبحانه:

(لا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسينا أَو أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنّا وَاغْفِر لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَولانا فَانْصُرْنا عَلى الْقَومِ الكافِرينَ).(3)

فصدر الآية يبين شأنه سبحانه وأنّ حكمته مانعة عن أن يكلف نفساً شيئاً خارجاً عن وسعها، وإنّما يكلفها ما في وسعها، فلها ما كسبت وعليها ما اكتسبت.

إنّ التكليف عبارة عن الإرادة الجدية المتعلّقة بطلب شيء من الغير، ولا تتمشّى تلك الإرادة إلاّ مع العلم بكون الفعل في وسع الغير، فلو وقف على كونه خارجاً عن وسعه، لما تعلّقت به الإرادة الجدية، فكيف يمكن تكليف الغير بشيء خارج عن وسعه، م آل ذلك إلى التكليف المحال؟


1. البقرة:286.

2. قواعد العقائد: 203ـ 204.

3. البقرة: 286.


(331)

وأمّا قوله سبحانه: (وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ ) فالمراد هو التكاليف الشاقة التي لا تُتحمل عادة، وإن كانت تُتحمل عقلاً.

ويمكن أن يقال: إنّ المراد من الموصول في (ما لا طاقة لنا به) هو العذاب النازل أو الرجس، كالمسخ وغيره، الذي عمّ الأُمم السابقة.

وأمّا الثاني:فالظاهر أنّ في كلامه تصحيفاً، وكان الأولى أن يقول أبا لهب مكان أبي جهل.

نعم تصح العبارة لو ورد في الروايات بأنّ النبي أخبر أبا جهل بأنّه لا يؤمن. وعلى كلّ تقدير فالاستدلال في مورد أبي لهب أوضح بأن يقال إنّ الله كلّف أبا لهب الإيمان بالقرآن، ومن جملة ما أنزل في القرآن أنّه لا يؤمن فقال: (سيصلى ناراً ذات لهب) فكأنّه كلّفه الإيمان بأنّه لا يؤمن.

يلاحظ على الاستدلال بأنّ الآية إخبار عن عدم إيمانه، وأنّه لا يؤمن إلى يوم هلاكه نظير قول نوح :(رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأَرْضِ مِنَ الْكافِرينَ دَيّاراً* إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاّ فاجِراً كَفّاراً)) .(1)

ولم يؤمر أبو لهب أن يؤمن بأنّه لا يؤمن بالله ورسوله وكتابه، وأمّا ما نزل في حقّه فإنّما هو إخبار عن علم جازم بأنّه لا يؤمن فقط.

وإن شئت قلت: سقط التكليف عنه بعصيانه القطعي المستمر في علم الله إلى يوم وفاته بعد نزول هذه السورة الكاشف عن ذلك العصيان، وكلّ من اتحد معه في هذا الوصف فهو كذلك.

4. رأيه في كون فعل العباد مخلوقاً لله

قد رأى الغزالي فعل العباد مخلوقاً لله سبحانه ومكسوباً لهم يقول ـ بعد التفريق بين الحركة المقدورة والرعدة الضرورية ـ: إنّها مقدورة بقدرة الله تعالى اختراعاً، وبقدرة العبد على وجه آخر، يعبر عنه بالاكتساب، وليس من ضرورة تعلّق القدرة بالمقدور يكون بالاختراع فقط إذ قدرة الله تعالى في الأزل


1. نوح: 26ـ 27.


(332)

قد كانت متعلّقة بالعالم، ولم يكن الاختراع حاصلاً بها، وهي عند الاختراع متعلّقة به نوعاً آخر من التعلّق، فبه يظهر أنّ تعلّق القدرة ليس مخصوصاً بحصول المقدور بها.(1)

إنّ الغزالي: يريد أن يثبت تعلّق قدرة العبد على الفعل ببيان أنّه ليس معنى تعلق القدرة هو الاختراع، بل للتعلّق أقسام بشهادة أنّ قدرته سبحانه تعلّقت بالعالم أزلاً ولم يكن الاختراع حاصلاً عنده فتعلّق القدرة أعم من الاختراع، فعند ذلك فالاختراع أثر قدرته الأخيرة، والكسب أثر قدرة العبد.

وأنت خبير بأنّ ما ذكره لا محصل له، وإنّما هو مجرّد لفظ خال عن معنى،وذلك أنّه إن أُريد بالقدرة العلة التامة التي يتحقّق بعدها الفعل فتمنع تعلق قدرته سبحانه بكلّ أجزاء العالم أزلاً وأبداً في الأزل وإنّما تعلقت مشيئته على إيجاد كلّ جزء في ظرفه ومكانه، والقدرة بهذا المعنى خارجة عن إطار البحث، وإنّما الكلام في القدرة المستدعية للفعل، فليس لها أثر إلاّ الإيجاد، وعندئذ فالفعل في وجوده لو استند إليه سبحانه لا يبقى شيء لأن يستند إلى قدرة العبد حتى نقول: الله سبحانه خالق، والعبد كاسب،وقد عرفت أنّ الكسب من المفاهيم التي لم يظهر لأحد واقع المراد منها.

5. رأيه في استوائه سبحانه على العرش

إنّ الظاهر من كلامه في استوائه سبحانه على العرش هو التفويض، أي تفويض معناه إلى الله سبحانه، لكنّه عندما يشرح معنى الاستواء ومفاد الآية يفترق عن شيخه أبي الحسن ويلتحق بالمعتزلة الذين يذهبون إلى التأويل في هذه المواضع،وإليك عبارته:

وأنّه مستو على الوجه الذي قال، وبالمعنى الذي أراد، استواء منزهاً عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال، لا يحمله العرش بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته، ومقهورون في قبضته، وهو فوق


1. قواعد العقائد: 196.


(333)

العرش والسماء، فوق كلّ شيء إلى تخوم الثرى، فوقية لا تزيده قرباً إلى العرش والسماء كما لا تزيده بعداً على الأرض والثرى، بل هو رفيع الدرجات عن العرش والسماء، كما أنّه رفيع الدرجات عن الأرض والثرى، وهو مع ذلك قريب من كلّ موجود، وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد وهو على كلّ شيء شهيد.(1)

ويقول في موضع آخر:

العلم بأنّه تعالى مستو على عرشه بالمعنى الذي أراد الله تعالى بالاستواء، وهو الذي لا ينافي وصف الكبرياء، ولا يتطرق إليه سمات الحدوث والفناء، وهو الذي أُريد بالاستواء إلى السماء حيث قال في القرآن: (ثُمَّ اسْتَوى إِلى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ) (2). وليس ذلك إلاّبطريق القهر والاستيلاء، كما قال الشاعر:

قد استوى بِشْرٌ على العراق من غير سيف ودم مهـراق

واضطر أهل الحق إلى هذا التأويل كما اضطر أهل الباطل إلى تأويل قوله تعالى : (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنما كُنْتُم) إذ حمل ذلك بالاتفاق على الإجابة والعلم.(3)

6. رأيه في تكلّمه سبحانه

قد ذهب الغزالي في تفسير تكلّمه سبحانه إلى ما اختاره شيخه فقال: إنّه تعالى متكلّم، آمر، ناه، واعد، متوعد، بكلام أزلي، قديم، قائم بذاته، لا يشبه كلام الخلق، فليس بصوت يحدث من انسلال هواء أو اصطكاك أجرام، ولا بحرف ينقطع بإطباق شفة أو تحريك لسان.(4)

وقال في موضع آخر:


1. قواعد العقائد: 52.

2. فصلت:11.

3. قواعد العقائد: 165.

4. قواعد العقائد: 165.


(334)

إنّه سبحانه و تعالى متكلّم بكلام وهو وصف قائم بذاته ـ إلى أن قال ـ : والكلام بالحقيقة كلام النفس، وإنّما الأصوات قطعت حروفاً للدلالات كما يدل عليها تارة بالحركات والإشارات، وكيف التبس هذا على طائفة من الأغبياء ولم يلتبس على جهلة الشعراء حيث قال قائلهم:

إنّ الكـلام لفـي الفـؤاد وإنّمـا جُعل اللسان على الفؤاد دليلا(1)

وقد أوضحنا حال الكلام النفسي، وأنّ نفي التكلم عنه سبحانه لرجوعه إلى العلم.

7. رأيه في رؤية الله سبحانه

إنّ الغزالي مع أنّه من المصرّين على التنزيه فوق ما يوجد في كلام الأشاعرة، ولكنّه لم يستطع تأويل ما دلّ على أنّه سبحانه يُرى يوم القيامة فقال: العلم بأنّه تعالى مع كونه منزّهاً عن الصورة والمقدار، مقدساً عن الجهات والأقطار، مرئي بالأعين والأبصار في الدار الآخرة.

ثمّ قال: وأمّا وجه إجراء آية الرؤية على الظاهر فهو غير مؤد إلى المحال، فإنّ الرؤية نوع كشف وعلم، إلاّ أنّه أتم وأوضح من العلم، وإذا جاز تعلّق العلم به وليس في جهة، جاز تعلّق الرؤية به وليس بجهة.(2)

يلاحظ عليه: إنّه بأيّ دليل يقول: إذا جاز تعلّق العلم به سبحانه، جاز تعلّق الرؤية به؟ فهل هذا قضية كلية؟ مع أنّ الإرادة والحسد والبخل وسائر الصفات النفسانية يتعلّق بها العلم، فهل تتعلّق بها الرؤية؟ وهو يعترف بأنّه سبحانه ليس جسماً ولا جسمانياً ولا صورة، والمغالطة في كلامه واضحة، فإنّ العلم بالشيء نوع تصور له، والتصور لا يستلزم الإشارة إلى الشيء ولا كونه في جهة أو كونه متحيزاً، بخلاف الرؤية بالأبصار فإنّها لا تنفك عن


1. قواعد العقائد: 58 و 182، والشعر للأخطل وقبله:

لا يعجبنك من أمـير خطبـة حتى يكون مع الكلام أصيلا

2. قواعد العقائد: 169ـ 171.


(335)

ذلك، ومن أنكر فإنّما ينكر بلسانه، وهو يؤمن بقلبه وجنانه.

ثمّ إنّ له استدلالاً آخر في المقام يقول: وكما يجوز أن يرى الله تعالى الخلق وليس في مقابلتهم، جاز أن يراه الخلق من غير مقابل و كما جاز أن يُعلم من غير كيفية وصورة، جاز أن يرى كذلك.

يلاحظ عليه: أنّه إنّما يصحّ الاستدلال لو كانت الرؤية من الجانبين على نسق واحد: فالعباد ينظرون إليه بعيونهم والله سبحانه ينظر إلى عباده ويراهم بعيونه،وأمّا إذا قلنا بأنّ رؤيته سبحانه إحاطة وجوده بجميع الأشياء وقيامها به قياماً قيومياً فلا يصحّ القياس، فرؤيته سبحانه لا تتوقف على المقابلة، لأنّ الرؤية إنّما تتوقّف على المقابلة إذا لم يكن الرائي محيطاً بالمرئي فيحتاج إلى المقابلة، دونما لم يكن محتاجاً لها.

وأظن أنّ عقلية الغزالي الشامخة كانت تصده عن تجويز الرؤية وإنّما صدرت منه هذه الهفوة لاتّفاق الأشاعرة وأهل الحديث على الرؤية.

8. نظره في رعاية الأصلح لعباده

يقول: إنّه تعالى يفعل بعباده ما يشاء فلا يجب عليه رعاية الأصلح لعباده لما ذكرناه من أنّه لا يجب عليه سبحانه شيء، بل لا يعقل في حقّه الوجوب، فإنّه لا يُسأل عمّا يفعل وهم يسألون.

وعلّق عليه محقّق الكتاب وقال: فلو أدخل جميعهم الجنة من غير طاعة سابقة، كان له ذلك، ولو أورد الكل منهم النار من غير زلة منهم كان له ذلك، لأنّه تصرف مالك الأعيان في ملكه، وليس عليه استحقاق، إن أناب فبفضله يثيب، وإن عذب فلحق ملكه يعذب.(1)

يلاحظ عليه: أنّ القائل بالأصلح للعباد يريد بذلك إخراج فعله سبحانه عن العبث لأنّه حكيم ولا سبيل للعبث إليه، قال سبحانه:


1. قواعد العقائد: 205.


(336)

(وَما خَلَقْنا السَّمواتِ وَالأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبينَ) .(1)

وقال سبحانه: (وَما خَلَقْنَا السَّماءَوَالأَرْضََ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ) .(2)

إلى غير ذلك من الآيات التي تنفي العبث عن فعله، وتصرح باقترانها بالحكمة والغرض، فمن قال بوجوب رعاية الأصلح فإنّما قال بإخراج فعله عن العبث.

وأمّا كون العمل الأصلح واجباً عليه، لا يراد منه تكليفه من جانب العبد بالقيام بالأصلح وإنّما المراد استكشاف العقل الحكمَ الضروري من صفاته الكمالية، أعني كونه حكيماً، وأنّ حكمته تقتضي ـ إيجاباً ـ أنّه لا يفعل العبث والعمل الخالي عن الهدف، كما أنّك تحكم بأنّ زوايا المثلث تساوي كذا وكذا حتماً وليس معناه حكمك على الخارج، بل معناه استكشاف العقل حكماً ضرورياً من ملاحظة نفس المثلث وزواياه.

وأمّا تعذيبه سبحانه البريء فلا شكّ أنّه يقدر على ذلك، ولكن لا يفعل لأنّه قبيح، والعقل يدرك قبح ذلك العمل من أي مقام صدر وفي أي موضع وقع، وليس حكم العقل بإيجابه إلاّ الاستكشاف على ما مرّ.

وأمّا القول بأنّ الحكم بلزوم اقتران فعله بالغرض، يستلزم استكماله به، فهو خلط بين كون الغرض للفاعل وكون الغرض للفعل، فالغاية غاية للفعل لا للفاعل.

وقد حققنا ذلك في الجزء الثالث عند البحث عن عقائد المعتزلة، فتربص حتى حين.

9. مناوأة معاوية لعلي ـ عليه السَّلام ـ

كانت عن اجتهاد

الغزالي يرى مناوئي علي ـ عليه السَّلام ـ في الجمل وصفين مجتهدين يقول:


1. الدخان:38.

2. ص: 27.


(337)

وما جرى بين معاوية و علي ـ عليه السَّلام ـ كان مبنياً على الاجتهاد لا منازعة من معاوية في الإمامة، إذ ظن علي رضي الله عنه أنّ تسليم قتلة عثمان مع كثرة عشائرهم واختلاطهم بالعسكر يؤدي إلى اضطراب أمر الإمامة في بدايتها، فرأى التأخير أصوب، وظن معاوية أنّ تأخير أمرهم مع عظم جنايتهم يوجب الإغراء بالأئمّة، ويعرض الدماء للسفك، وقد قال أفاضل العلماء:«كلّ مجتهد مصيب»و قال قائلون: «المصيب واحد» ولم يذهب إلى تخطئة علي ذو تحصيل أصلاً.

يلاحظ عليه: أنّ للاجتهاد مقومات، وللمجتهد مؤهلات مقررة في محله، أوضحها هو الوقوف على الكتاب والسنة واستخراج الحكم الشرعي من مداركه، وأمّا الاجتهاد تجاه النص فهو اجتهاد خاطئ، بل تشريع في مقابل الحجة.

وعلى ضوء ذلك فهل يمكن لنا توصيف عمل معاوية وزميله عمرو بن العاص ومن لفّ لفهما في الجمل والنهروان بالاجتهاد؟ فما معنى هذا الاجتهاد الذي سفكت الدماء من أجله، وأُبيحت وغضبت الفروج، وانتهكت المحارم؟ وما معنى الاجتهاد تجاه قول رسول الله مخاطباً لعمار: «تقتلك الفئة الباغية»؟ فبهذا الاجتهاد عُذِرَابن ملجم المرادي أشقى الآخرين بنص الرسول الأمين على قتل خليفة الحق والإمام المبين في محراب عبادة الله، حتى قبل إنّ ابن ملجم قيل علياً متأولاً مجتهداً على أنّه صواب،وفي ذلك يقول عمران بن حطان:

يـا ضربـة مـن تقىّ مـا أراد بهـا * إلاّ ليبلغ من ذي العرش رضواناً

عجباً لهذا الاجتهاد يبيح سبّ علي أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ ، ويبيح سبّ كلّ صحابي احتذى مثاله، ويجوّز لعنهم والوقيعة فيهم والنيل منهم في خطب الصلوات والجمعات والجماعات وعلى رؤوس المنابر، ولا يلحق فاعل هذه الموبقات ذم ولا تبعة، بل له أجر واحد لاجتهاده خطأ، وإن كان المجتهد من بقايا الأحزاب.

هذا عرض خاطف لنظريات «الإمام الغزالي» و قد عرفت موقفها من


(338)

الحقّ، ولنختم ترجمته بنقل أمرين من كتابه:

1. إنّ صفاته سبحانه تشتمل على عشرة أُصول وهي:

العلم بكونه حياً، عالماً، قادراً، مريداً، سميعاً، بصيراً، متكلماً، منزهاً عن حلول الحوادث، وأنّه قديم الكلام والعلم والإرادة.(1)

وهذه العبارة تتضمن أحد عشر وصفاً له سبحانه، ولأجل ذلك قال المعلق: قوله منزهاً عن حلول الحوادث غير معدود في هؤلاء ولم يعلم وجه استثناء خصوصه كما لا يعلم أنّه وصف العلم بالقدمة، مع أنّ القدرة مثله فليس قدرته حادثة.

2. ومن لطائف كلامه في رد المجسّمة ما قاله: فأمّا رفع الأيدي عند السؤال إلى جهة السماء فهو لأنّها قبلة الدعاء، وفيه أيضاً إشارة إلى ما هو وصف للمدعو من الجلال والكبرياء، وتنبيهاً بقصد جهة العلو على صفة المجد والعلاء، فإنّه تعالى فوق كلّ موجود بالقهر والاستيلاء.(2)

وفي خاتمة المطاف: نأتي بكلام لأبي زهرة في حقّ الغزالي ثمّ نعقبه بما يليق به:

إنّ الغزالي نظر في كلام أبي منصور الماتريدي، وأبي الحسن الأشعري نظرة حرة بصيرة فاحصة، لا نظرة تابع مقلد، فوافقهما في أكثر ما وصل إليه وخالفهما في بعض ما ارتآه ديناًواجب الاتّباع.(3)

ماذا يريد أبو زهرة من قوله«نظر في كلام الشيخين نظرة حرة»؟

فلو كان محور حكمه هو كتاب «قواعد العقائد» الذي نقلنا منه مجموعة من آرائه فهو لم يخالفهما إلاّ في أقل القليل، كيف وقد أنكر الحسن والقبح العقليين، كما أثبت الرؤية في الآخرة، وقال بقدم كلامه، وبذلك ترك عاراً

على جبين أهل التوحيد، وإنّما خالف الأشعري في الصفات الخبرية حيث ذهب فيها إلى التفويض دون الحمل على معانيها اللغوية، ونظرية التفويض وإن كانت أقل شناعة من الحمل على معانيها اللغوية، لكنّها نظرية باطلة توجب أن يكون القرآن من المعمّيات غير نازل للفهم والتدبر.


1. قواعد العقائد: 145.

2. قواعد العقائد: 165.

3. ابن تيمية عصره وحياته: 193.

Website Security Test