welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الملل والنحل/ج2 (الأشعرية)*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الملل والنحل/ج2 (الأشعرية)

(275)

التفسير الصحيح لعموم إرادته

لا شكّ أنّ مقتضى التوحيد في الخالقية بالمعنى الذي عرّفناك به عند البحث عن «خلق الأعمال» هو كون ما في الوجود مخلوقاً لله سبحانه، لكن لا بمعنى إنكار العلل والأسباب، بل بمعنى انتهاء كلّ الأسباب والمسببات إليه سبحانه، كانتهاء المعنى الحرفي إلى المعنى الاسمي، وقيام الممكن بالذات، بالواجب بالذات.

هذا من جانب، ومن جانب آخر إنّ إرادته سبحانه من صفات ذاته، وإن لم نحقّق كنهها، لأنّ الفاعل المريد أكمل من الفاعل غير المريد، غير أنّ الإرادة في الإنسان طارئة حادثة، وفيه سبحانه ليست كذلك.

فإذا كانت إرادته نفس ذاته، والذات هي العلّة العليا للكون فلا يكون هناك شيء خارج عن حريم إرادته، فكما تعلّقت قدرته بكلّ شيء، تعلّقت إرادته به، ولا يكون في صفحة الوجود شيء خارج عن سلطان إرادته.

ولكن وزان عمومية إرادته لكلّ شيء، وزان عمومية قدرته لكلّ شيء، فكما أنّ عمومية الثانية لا تسلتزم الجبر، فهكذا عمومية الإرادة، وذلك لأنّ إرادته لم تتعلّق بصدور فعل كلّ شيء عن فاعله على وجه الإلجاء والاضطرار، بل تعلّقها به على قسمين: قسم تعلّقت إرادته بصدور الفعل عن فاعله على نحو الاضطرار، ولكن لا عن شعور، كالحرارة بالنسبة إلى النار; أو عن شعور، ولكن لا عن إرادة واختيار، كحركة المرتعش. وقسم تعلّقت إرادته بصدور الفعل عن فاعله عن اختيار.

فمعنى تعلّق إرادته بفعل الإنسان هو تعلّق إرادته بكونه فاعلاً مختاراً يفعل ما يشاء في ظل مشيئته سبحانه، فقد شاء أن يكون مختاراً، وفي وسعه سبحانه سلب اختياره وإلجاؤه إلى أحد الطرفين من الفعل والترك.

وباختصار: إنّه كما تعلقت إرادته بصدور فعل كلّ فاعل عنه، كذلك تعلّقت إرادته بصدور فعله عن المبادئ الموجودة فيها.


(276)

فالفواعل الطبيعية غير المختارة تعلّقت إرادته بصدور آثارها عنها بلا علم أو بلا اختيار، وأمّّا غيرها فقد تعلّقت بصدور أفعاله (الإنسان) عن المبادئ الموجودة فيه، ومن المبادىء كونه مختاراً في تعيين الفعل وترجيحه على الترك.

وعموم الإرادة بهذا المعنى لا يستلزم الجبر بعد التأمل والإمعان. وأمّا النقل فيشهد على عمومية إرادته بعض الآيات، وإليك قسماً منها:

1. قال سبحانه: (وَما تَشاءُونَ إِلاّ أنْ يَشاءَ الله رَبُّ الْعالَمينَ) .(1)

وهو صريح في أن تعلّق مشيئة الإنسان بعد تعلّق مشيئة الله، لا قبله ولا معه.

2. (وَما كانَ لِنَفْس أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ الله) .(2)

وهذا أصل عام في عالم الوجود وإنّما ذكر الإيمان من باب المثال.

3. (ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَة أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصولِها فَبِإِذْنِ اللّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقينَ).(3)

فقطع الأشجار أو إبقاؤها على أُصولها من أفعال الإنسان كان مشمولاً لإذنه سبحانه ومتعلّقاً به.

هذا إجمال ما أوضحناه في الأبحاث الكلامية، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى مظانّها.


1. التكوير:29.

2. يونس:100.

3. الحشر:5.


(277)

(16)

التحسين والتقبيح العقليان

قد عنون الشيخ الأشعري هذه المسألة باسم «التعديل والتجوير» وهذه المسألة، تعد الحجر الأساس لكلام الأشعري وعقيدة أهل الحديث والحنابلة. فالشيخ تبعاً لأبناء الحنابلة صوّر العقل أقلّ من أن يدرك ما هو الحسن وما هو القبيح، وما هو الأصلح وما هو غيره، قائلاً بأنّ تحكيم العقل في باب التحسين والتقبيح يستلزم نفي حرية المشيئة الإلهية، وتقيدها بقيد وشرط، إذ على القول بهما يجب أن يفعل سبحانه ما هو الحسن عند العقل، كما عليه الاجتناب عمّا هو القبيح عنده. فلأجل التحفّظ على إطلاق المشيئة الإلهية قالوا: لا حسن إلاّما حسّنه الشارع، ولا قبيح إلاّ ما قبّحه، فله سبحانه أن يؤلم الأطفال في الآخرة ويعدّ ذلك منه حسناً.

أقول: الإنسان المتحرر عن كلّ عقيدة مسبقة ـ وعن كلّ عامل روحي يمنعه عن الاعتناق بحكم العقل في ذلك المجال ـ يصعب عليه الإذعان بصحّة عقوبة الطفل المعصوم، وتصويره حسناً وعدلاً. ولا تجد إنساناً على أديم الأرض ينكر قبح الإساءة إلى المحسن. فعند ذلك يتوارد السؤال عن العلة التي دفعت الأشعري إلى هذه العقيدة، ولم يكن ذلك إلاّ لمواجهة المعتزلة في تحكيمهم العقل على الشرع، وإخضاعهم الدين له، حتى صاروا يؤوّلون بعض ما لا ينطبق من الشرع على أُصولهم العقلية. فصار ذلك الإفراط دافعاً للشيخ إلى التفريط والتورط في مغبة إعدام العقل ورفضه عن ساحة الإدراك على الإطلاق.


(278)

ولأجل إيقاف القارئ على نماذج من تفكير الأشعري في هذا الباب ننقل بعض عباراته من كتابه «اللمع»:

يقول: فإن قال قائل: هل لله تعالى أن يؤلم الأطفال في الآخرة؟

قيل له: لله تعالى ذلك، وهو عادل إن فعله ـ إلى أن قال ـ: ولا يقبح منه أن يعذب المؤمنين ويدخل الكافرين الجنان. وإنّما نقول إنّه لا يفعل ذلك، لأنّه أخبرنا أنّه يعاقب الكافرين،وهو لا يجوز عليه الكذب في خبره.(1)

دليل الأشعري على نفي التحسين والتقبيح العقليين

1. هو المالك القاهر

استدلّ الأشعري على مقالته، بقوله: والدليل على أنّ كلّ ما فعله، فله فعله، أنّه المالك، القاهر، الذي ليس بمملوك، ولا فوقه مبيح، ولا آمر ولا زاجر، ولا حاظر ولا من رسم له الرسوم، وحد له الحدود.

فإذا كان هذا هكذا، لم يقبح منه شيء، إذ كان الشيء إنّما يقبح منّا، لأنّا تجاوزنا ما حُدَّ ورسم لنا وأتينا ما لم نملك إتيانه. فلمّا لم يكن البارئ[مملوكاً ]ولا تحت أمر، لم يقبح منه شيء. فإن قال: فإنّما يقبح الكذب لأنّه قبّحه، قيل له: أجل، ولوحسّنه لكان حسناً، ولو أمر به لم يكن عليه اعتراض. فإن قالوا: فجوّزوا عليه أن يكذب، كما جوّزتم أن يأمر بالكذب. قيل لهم: ليس كلّ ما جاز أن يأمر به، جاز أن يوصف به.(2)

يلاحظ عليه: أمّا أوّلاً: فإنّنا نسأل الشيخ الأشعري إنّه سبحانه إذا آلم طفله في الآخرة وعذّبه بألوان التعذيب، ورأى ذلك بأمّ عينه في الآخرة، هل يرى ذلك عين العدل، ونفس الحسن، أو أنّه يجد ذلك الفعل، من وجدانه، أمراً منكراً؟ ومثله ما لو فعل بالأشعري نفس ما فعل بطفله، مع


1. اللمع: 116ـ 117.

2. نفس المصدر.


(279)

كونه مؤمناً، فهل يرضى بذلك في أعماق روحه، ويراه نفس العدل، غير متجاوز عنه، بحجّة أنّ الله سبحانه مالك الملك يفعل في ملكه ما يشاء، أو أنّه يقضي بخلاف ذلك؟

وأمّا ثانياً: فلا شكّ أنّه سبحانه مالك الملك والملكوت، يقدر على كلّ أمر ممكن كما عرفت من غير فرق بين الحسن والقبيح، فعموم قدرته لكلّ ممكن ممّا لا شبهة فيه، ولكن حكم العقل بأنّ الفعل الفلاني قبيح لا يصدر عن الحكيم، ليس تحديداً لملكه وقدرته. وهذا هو المهم في حلّ عقدة الأشاعرة الذين يزعمون أنّ قضاء العقل وحكمه في أفعاله سبحانه، نوع تدخل في شؤون ربّ العالمين، ولكن الحقّ غير ذلك.

توضيحه: إنّ العقل بفضل التجربة، أو بفضل البراهين العقلية يكشف عن القوانين السائدة على الطبيعة، كما يكشف عن القوانين الرياضية، فلو قال العقل: إنّ كلّ زوج ينقسم إلى متساويين،فهل يحتمل أنّ العقل فرض حكمه على الطبيعة، أو يقال إنّ الطبيعة كانت تحمل ذلك القانون والعقل كشفه وبيّنه؟ فإذا كان هذا هو الفرق بين فرض الحكم وكشفه في عالم الطبيعة، فليكن هو الفارق بين إدراكه حسن الفعل وقبحه، وإنّ أيّ فعل يصدر منه تعالى وأيّ منه لا يصدر، وبين فرضه الحكم على الله سبحانه فرضاً يحدد سعة قدرته وإرادته وفعله. فليس العقل هنا حاكماً وفارضاً على الله سبحانه بل هو ـ بالنظر إلى الله وصفاته التي منها الحكمة والغنى ـ يكشف عن أنّ الموصوف بمثل هذه الصفات وخاصة الحكمة، لا يصدر منه القبيح، ولا الإخلال بما هو حسن.

وبعبارة أُخرى: إنّ العقل يكشف عن أنّ المتصف بكلّ الكمال، والغني عن كلّ شيء، يمتنع أن يصدر منه الفعل القبيح، لتحقق الصارف عنه وعدم الداعي إليه، وهذا الامتناع ليس امتناعاً ذاتياً حتّى لا يقدر على الخلاف، ولا ينافي كونه تعالى قادراً عليه بالذات، ولا ينافي اختياره في فعل الحسن وترك القبيح، فإنّ الفعل بالاختيار كما أنّ الترك به أيضاً. وهذا معنى ما ذهبت إليه العدلية من أنّه يمتنع عليه القبائح، ولا تهدف به إلى تحديد فعله


(280)

من جانب العقل، بل الله، بحكم أنّه حكيم، التزم وكتب على نفسه أن لا يخلّ بالحسن ولا يفعل القبيح، وليس دور العقل هنا إلاّ دور الكشف والتبيين بالنظر إلى صفاته وحكمته.

وباختصار: إنّ فعله سبحانه ـ مع كون قدرته عامة ـ ليس فوضوياً، ومتحرّراً عن كلّ سلب وإيجاب، وليس التحديد مفروضاً عليه سبحانه من ناحية العقل، وإنّما هو واقعية وحقيقة يكشف عنها العقل، كما يكشف عن القوانين السائدة على الطبيعة والكون. فتصور أنّ فعله سبحانه متحرر من كلّ قيد وحدّ، بحجّة حفظ شأن الله سبحانه وسعة قدرته، أشبه بالمغالطة، فإنّ حفظ شأنه سبحانه غير فرض انحلال فعله عن كلّ قيد وشرط.

وبالتأمل فيما ذكرنا يظهر ضعف ما استدلّ به القائلون بنفي التحسين والتقبيح العقليّين،ولا بأس بالإشارة إلى بعض أدلّتهم التي أقامها المتأخّرون عن أبي الحسن الأشعري.

2. لو كان التحسين والتقبيح ضرورياً لما وقع الاختلاف

قالوا: «لو كان العلم بحسن الإحسان وقبح العدوان ضرورياً لما وقع التفاوت بينه و بين العلم بأنّ الواحد نصف الاثنين، لكن التالي باطل بالوجدان».

وأجاب عنه المحقّق الطوسي بقوله: «ويجوز التفاوت في العلم لتفاوت التصور».(1)

توضيحه: أنّه قد تتفاوت العلوم الضرورية بسبب التفاوت في تصور أطرافها. وقد قرر في صناعة المنطق أنّ للبديهيات مراتب، فالأوّليات أبدَهُ من المشاهدات بمراتب، والثانية أبده من التجريبيات، والثالثة أبده من الحدسيات، والرابعة أبده من المتواترات، والخامسة أبده من الفطريات.


1. كشف المراد: 186ـ 187، ط صيدا.


(281)

والضابط في ذلك أنّ مالا يتوقف التصديق به على واسطة سوى تصور الطرفين فهو أبده من غيره، وذلك مثل الأوّليات،وهكذا.

فلو صحّ ما ذكره الأشاعرة من الملازمة، لزم أن لا تكون الحدسيات من اليقينيات.

وباختصار: إنّ العلوم اليقينية، مع كثرتها، ليست على نمط واحد، بل لها مراتب ودرجات، وهذا شيء يلمسه الإنسان إذا مارس علومه ويقينياته.

3. لو كان الحسن والقبح عقليّين لما تغيّرا

إنّ الحسن والقبح لو كانا عقليين لمّا اختلفا، أي لما حسن القبيح ولما قبح الحسن. والتالي باطل، فإنّ الكذب قد يحسن والصدق قد يقبح. وذلك فيما إذا تضمّن الكذب إنقاذ نبي من الهلاك، والصدق إهلاكه.

وباختصار: لو كان الكذب قبيحاً لذاته لما كان واجباً ولا حسناً عندما توقفت عليه عصمة دم نبي عن ظالم يقصد قتله.

وأجاب عنه المحقّق الطوسي بقوله:«وارتكاب أقلّ القبيحين مع إمكان التخلّص».(1)

توضيحه: أنّ الكذب في الصورة الأُولى على قبحه، وكذاالصدق على حسنه، إلاّ أنّ ترك إنقاذ النبي أقبح منه، فيحكم العقل بارتكاب أقل القبيحين تخلّصاً من ارتكاب الأقبح. على أنّه يمكن التخلص عن الكذب بالتعريض(أي التورية).

وباختصار: إنّ تخليص النبي أرجح من حسن الصدق، فيكون تركه أقبح من الكذب، فيرجح ارتكاب أدنى القبيحين وهو الكذب لاشتماله على المصلحة العظيمة، على الصدق.


1. كشف المراد: 187.


(282)

أضف إلى ذلك: أنّ الاستدلال مبني على كون قبح الكذب وحسن الصدق، كقبح الظلم وحسن العدل، ذاتيين لا يتغيران، لا على القول بأنّ الأفعال بالنسبة إلى الحسن والقبح على أقسام. منها ما يكون الفعل علّة تامة لأحدهما، فلا يتغير حسنه ولا قبحه بعروض العوارض لحسن الإحسان وقبح الإساءة، ومنها ما يكون مقتضياً لأحدهما، فهو موجب للحسن لو لم يعرض عليه عنوان آخر، وهكذا في جانب القبح. وحسن الصدق وقبح الكذب من هذا القبيل. ومنها ما لا يكون علّة ولا مقتضياً لأحدهما كالضرب، جزاءً أو إيذاءً.

ثمّ إنّ لنفاة الحسن والقبح العقليين دلائل واهية لا تليق أن تطرح على بساط البحث، فلنضرب صفحاً عنها.

إلى هنا تم استعراض أدلّة المنكرين للحسن والقبح العقليين، فيناسب ـ تكميلاً للبحث ـ استعراض أدلّة المثبتين وهو يتوقف على تبيين ما هو الملاك عند العقل للحكم بأنّ الفعل الكذائي حسن أو قبيح، ولنقدم البحث في ذلك، ثمّ نتبعه بذكر براهين المثبتين.

ما هو الملاك لدرك العقل في هذا المجال؟

إنّ الملاك لقضاء العقل هو أنّه يجد بعض الأفعال موافقاً للجانب الأعلى من الإنسان والوجه المثالي في الوجود البشري، كما يجد بعضها الآخر غير موافق معه، وإن شئت قلت: إنّه يدرك أنّ بعض الأفعال كمال للموجود الحي المختار، وبعضها الآخر نقص له، فيحكم بحسن الأوّل ولزوم الاتصاف به، وقبح الثاني ولزوم تركه.

توضيح ذلك: أنّ الحكماء قسّموا العقل إلى عقل نظري وعقل عملي، فقد قال المعلم الثاني: «إنّ النظرية هي التي بها يجوز الإنسان علم ما ليس من شأنه يعمله إنسان والعملية هي التي يعرف بها ما من شأنه أن يعمله الإنسان بإرادته».

قال الحكيم السبزواري في توضيحه: إنّ العقل النظري والعقل


(283)

العملي من شأنهما التعقّل، لكن النظري، شأنه العلوم الصرفة غير المتعلّقة بالعمل، مثل:«الله موجود واحد»، و«أنّ صفاته عين ذاته» ونحو ذلك، والعملي شأنه العلوم المتعلّقة بالعمل مثل: «التوكّل حسن» و«الرضى والتسليم والصبر محمودة». وهذا العقل هو المستعمل في علم الأخلاق، فليس العقلان كقوتين متباينتين أوكضميمتين، بل هما كجهتين لشيء واحد وهو الناطقة.(1)

ثمّ، كما أنّ في الحكمة النظرية قضايا نظرية تنتهي إلى قضايا بديهية، ولولا ذلك لعقمت القياسات وصارت غير منتجة، فهكذا في الحكمة العملية، قضايا غير معلومة لا تعرف إلاّ بالانتهاء إلى قضايا ضرورية، وإلاّ لما عرف الإنسان شيئاً من قضايا الحكمة العملية، فكما أنّ العقل يدرك القضايا البديهية في الحكمة النظرية من صميم ذاتها، فهكذا يدرك بديهيات القضايا في الحكمة العملية من صميم ذاتها بلا حاجة إلى تصور شيء آخر.

مثلاً: إنّ كلّ القضايا النظرية يجب أن تنتهي إلى قضية امتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما، بحيث لو ارتفع التصديق بها لما أمكن التصديق بشيء من القضايا، ولذا تسمى بـ «أُمّ القضايا»; مثلاً: لا يحصل اليقين بأنّ زوايا المثلث تساوي زاويتين، قائمتين، إلاّ إذاحصل قبله امتناع صدق نقيض تلك القضية، أي عدم مساواتها لهما، وإلاّ فلو احتمل صدق النقيض لما حصل اليقين بالنسبة. ولأجل ذلك اتّفقت كلمة الحكماء على أنّ إقامة البرهان على المسائل النظرية إنّما تتم إذا انتهى البرهان إلى أُمّ القضاياالتي قد عرفت، وعلى ضوء هذا البيان نقول: كما أنّ للقضايا النظرية في العقل النظري قضايا بديهية أو قضايا أوّلية تنتهي إليها، فهكذا القضايا غير الواضحة في العقل العملي يجب أن تنتهي إلى قضايا أوّلية وواضحة عند ذلك العقل، بحيث لو ارتفع التصديق بهذه القضايا في الحكمة العملية لما صحّ التصديق بقضية من القضايا فيها.

فمن تلك القضايا البديهية في العقل العملي مسألة التحسين والتقبيح العقليين الثابتين لجملة من القضايا، مثل قولنا:«العدل حسن» و «الظلم


1. تعليقات الحكيم السبزواري على شرح المنظومة: 310.


(284)

قبيح» و «جزاء الإحسان بالإحسان حسن وبالإساءة قبيح». فهذه القضايا قضايا أوّلية في الحكمة العملية، والعقل يدركها من ملاحظة القضية بنفسها،وفي ضوئها يحكم بما ورد في مجال العقل العملي من الأحكام المربوطة بالأخلاق أوّلاً، وتدبير المنزل ثانياً، وسياسة المدن ثالثاً، التي يبحث عنها في العقل العملي. وليس استقلال العقل في تلك القضايا الأوّلية الراجعة إلى العقل العملي إلاّ لأجل أنّه يجدها إمّا ملائمة للجانب العالي من الإنسانية، المشترك بين جميع أفراد الإنسان، أو منافرة له. وبذلك تصبح قضية التحسين والتقبيح في قسم من الأفعال، قضية كلية لا تختص بزمان دون زمان، ولا جيل دون جيل. بل لا تختص ـ في كونها كمالاً أو نقصاً ـ بالإنسان، بل تعم الموجود الحي المدرك المختار، لأنّ العقل يدركها بصورة قضية عامة شاملة لكلّ من يمكن أن يتصف بهذه الأفعال، كالعدل والظلم فهو يدرك أنّ الأوّل حسن عن الجميع ومن الجميع، والثاني قبيح كذلك، وليس للإنسان خصوصية في ذلك القضاء.

وبذلك يصبح المدعي للتحسين والتقبيح العقليين الذاتيين في غنى عن البرهنة لما يتبنّاه، كما أنّ المدعي لامتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما كذلك.

والعجب أنّ الحكماء والمتكلّمين اتّفقوا على أنّه يجب انتهاء القضايا النظرية في العقل النظري إلى قضايا بديهية، وإلاّ عقمت الأقيسة ولزم التسلسل في مقام الاستنتاج، ولكنّهم غفلوا عن إجراء ذلك الأصل في جانب العقل العملي، ولم يقسموا القضايا العملية إلى فكرية وبديهية، أو نظرية وضرورية، كيف والاستنتاج والجزم بالقضايا الواردة في مجال العقل العملي لا يتم إذا انتهى العقل إلى قضايا واضحة في ذلك المجال.

فالمسائل المطروحة في الأخلاق، التي يجب الاتصاف بها والتنزّه عنها، أو المطروحة في القضايا البيتية والعائلية التي يعبر عنهاب تدبير المنزل، أو القضايا المبحوث عنها في علم السياسة وتدبير المدن، ليست في الوضوح على نمط واحد، بل لها درجات ومراتب.

فلا ينال العقل الجزم بكلّ القضايا العملية إلاّ إذا كانت هناك قضايا بديهية


(285)

واضحة تبتني عليها القضايا المجهولة العملية، حتى يحصل الجزم بها، ويرتفع الإبهام عن وجهها. ولأجل ذلك فالقائل بالتحسين والتقبيح العقليين في غنى عن التوسع في طرح أدلّة القائلين بالتحسين والتقبيح، ولا نذكر إلاّ النزر اليسير، وإليك بعض أدلّتهم:

أدلّة القائلين بالتحسين والتقبيح العقليَّين

الأوّل: ما أشار إليه المحقّق الطوسي بقوله: «ولانتفائهما مطلقاً لو ثبتا شرعاً»(1) مفاده: إنّه لو قلنا بأنّ الحسن والقبح يثبتان شرعاً يلزم من ذلك عدم ثبوتهما بالشرع أيضاً.

توضيحه: انّ الحسن والقبح لو كانا بحكم العقل، بحيث كان العقل مستقلاً في إدراك حسن الصدق وقبح الكذب، فلا إشكال في أنّ ما أمر به الشارع يكون حسناً، وما نهى عنه يكون قبيحاً، لحكم العقل بأنّ الكذب قبيح، والشارع لا يرتكب القبيح، ولا يتصور في حقّه ارتكابه.

وأمّا لو لم يستقل العقل بذلك،فلو أمر بشيء أو نهى عنه أو أخبر بحسن الصدق وقبح الكذب فلا يحسن لنا الجزم بكونه صادقاً في كلامه، حتى نعتقد بمضمونه، لاحتمال عدم صدق الشارع في أمره أو إخباره، فإنّ الكذب حسب الفرض لم يثبت قبحه بعد، حتى لو قال الشارع بأنّه لا يكذب، لم يحصل لنا اليقين بصدقه حتى في هذا الإخبار، فيلزم على قول الأشعري أن لا يتمكن الإنسان من الحكم بحسن شيء لا عقلاً ولا شرعاً.

وإن شئت قلت: لو لم يستقل العقل بحسن بعض الأفعال وقبح بعضها الآخر، كالصدق والكذب، فلا يستقل بقبح صدور الكذب من الله سبحانه. فإذا أخبرنا عن طريق أنبيائه بأنّ الفعل الفلاني حسن أو قبيح لم نجزم بصدق كلامه لتجويز الكذب عليه.

ثمّ إنّ الفاضل القوشجي الأشعري أجاب عن هذا الاستدلال بقوله:


1. كشف المراد: 186.


(286)

إنّا لا نجعل الأمر والنهي دليلي الحسن والقبح ليرد ما ذكر، بل نجعل الحسن عبارة عن كون الفعل متعلّق الأمر والمدح، والقبح عبارة عن كونه متعلّق النهي والذم.(1)

يلاحظ عليه: أنّ البحث تارة يقع في التسمية والمصطلح، فيصحّ أن يقال: إنّ ما وقع متعلّق الأمر والمدح حسن، وما وقع متعلّق النهي والذم قبيح. والعلم بذلك لا يتوقّف إلاّ على سماعهما من الشرع. وأُخرى يقع في الوقوف على الحسن أو القبح الواقعيين عند الشرع، فهذا ممّا لا يمكن استكشافه من مجرّد سماع تعلّق الأمر والنهي بشيء، إذ من المحتمل أن يكون الشارع عابثاً في أمره ونهيه.

ولو قال إنّه ليس بعابث، لا يثبت به نفي احتمال العابثية عن فعله وكلامه، لاحتمال كونه هازلاً أو كاذباً في كلامه، فلأجل ذلك يجب أن يكون بين الإدراكات العقلية شيء لا يتوقف درك حسنه وقبحه على شيء، وأن يكون العقل مستقلاً في دركه، وهو حسن الصدق وقبح الكذب حتى يستقل العقل بذلك، على أنّ كلّ ما حكم به الشرع فهو صادق في قوله، فيثبت عندئذ أنّ ما تعلّق به الأمر حسن شرعاً، وما تعلّق به النهي قبيح شرعاً. وهذا ما يهدف إليه المحقّق الطوسي من أنّه لولا استقلال العقل في بعض الأفعال ما ثبت حسن ولا قبح بتاتاً.

الثاني: ما أشار إليه المحقّق الطوسي أيضاً بقوله: «ولجاز التعاكس في الحسن والقبح».(2)

توضيحه: أنّ الشارع على القول بشرعية الحسن والقبح يجوز له أن يحسّن ما قبّحه العقل أو يقبّح ما حسّنه.

وعلى هذا يلزم جواز تقبيح الإحسان وتحسين الإساءة وهو باطل بالضرورة. فإنّ وجدان كلّ إنسان يقضي بأنّه لا يصحّ أن يذم المحسن أو يمدح


1. شرح التجريد للفاضل القوشجي: 442.

2. كشف المراد: 186.


(287)

المسيء. قال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «ولا يكونن المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء»(1). والإمام يهدف بكلمته هذه إلى إيقاظ وجدان عامله، ولا يطرحه بما أنّه كلام جديد غفل عنه عامله.

الثالث: لو كان الحسن والقبح شرعيين لما حكم بهما البراهمة والملاحدة الذين ينكرون الشرائع،ولكن يحكمون بذلك مستندين إلى العقل. وهؤلاء الماديون والملحدون في الشرق والغرب يرفضون الشرائع والدين من أساسه، ومع ذلك يعترفون بحسن أفعال وقبح بعضها الآخر.

ولأجل ذلك يغرون شعوب العالم بطرح مفاهيم خداعة، بدعاياتهم الخبيثة، من قبيل دعم الصلح والسلام العالمي، وحفظ حقوق البشر والعناية بالأسرى والسجناء ونبذ التمييز العنصري، إلى غير ذلك ممّا يستحسنه الذوق الإنساني والعقل البشري في جميع الأوساط، يطرحون ذلك ليصلوا من خلال هذه الدعايات الفارغة إلى أهدافهم ومصالحهم الشخصية. ولولا كون هذه المفاهيم مقبولة عند عامة البشر لما استخدمها دعاة المادية والإلحاد في العالم.

والحاصل: انّ هناك أفعالاً لا يشك أحد في حسنها سواء أورد حسنها من الشرع أم لم يرد، كما أنّ هناك أفعالاً قبيحة عند الكلّ، سواء أورد قبحها من الشرع أم لا. ولأجل ذلك لو خُيِّر العاقل الذي لم يسمع بالشرائع، ولا علم شيئاً من الأحكام، بل نشأ في البوادي خالي الذهن من العقائد كلّها، بين أن يصدق و يعطى ديناراً، أو يكذب ويعطى ديناراً، ولا ضرر عليه فيهما فإنّه يرجح الصدق على الكذب، ولولا قضاء الفطرة بحسن الصدق وقبح الكذب لما فرق بينهما،ولما اختار الصدق دائماً.

وهذا يعرب عن أنّ العقل له القدرة على الحكم والقضاء في أُمور ترجع إلى الفرد والمجتمع، فيحكم بحسن إطاعة وليه المنعم، وقبح مخالفته، وأنّ المحسن والمسيء ليسا بمنزلة سواء، ونحو ذلك.

الرابع: لو كان الحسن والقبح باعتبار السمع، لما قبح من الله تعالى


1. نهج البلاغة قسم الرسائل برقم: 53.


(288)

شيء ولو كان كذلك لما قبح منه إظهار المعجزات على أيدي الكاذبين، وتجويز ذلك سدّ لباب معرفة الأنبياء، فإنّ أي نبي أتى بالمعجزات عقيب الإدّعاء، لا يمكن تصديقه مع تجويز إظهار المعجزة على يد الكاذب في دعواه.

وباختصار: لو جاز منه سبحانه فعل القبيح أو الإخلال بالواجب ـ الذي يسمّيه العقل قبيحاً أو إخلالاً بالواجب ـ لارتفع الوثوق بنبوة مدّعيها وإن أظهر الإعجاز، لتسويغ إظهار الإعجاز على يد الكاذب على الله سبحانه، ولارتفع الوثوق بوعده ووعيده، لإمكان تطرّق الكذب عليه، وذلك يفضي إلى الشكّ في صدق الأنبياء،والاستدلال بالإعجاز على صدق مدّعي النبوة.

وهذه النتيجة الباطلة من أهمّ وأبرز مايترتب على إنكار القاعدة وبذلك سدّوا باب معرفة النبوة.

والعجب أنّ الفضل بن روزبهان حاول الإجابة عن هذا الدليل بقوله: عدم إظهار المعجزة على يد الكذابين ليس لكونه أمراً قبيحاً عقلاً، بل لعدم جريان عادة الله، الجاري مجرى المحال العادي بذلك، فعند ذلك لا ينسد باب معرفة الأنبياء، لأنّ العلم العادي حكم باستحالة هذا الإظهار.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه من أين وقف على تلك العادة، وأنّ الله لا يجري الإعجاز على يد الكاذب؟

وثانياً: أنّه لو كان التصديق متوقفاً على إحراز تلك العادة، لزم أن يكون المكذّبون لنبوة نوح أو من قبله و من بعده، معذورين في إنكارهم لنبوة الأنبياء، إذ لم يثبت عندهم تلك العادة، لأنّ العلم بتلك العادة يحصل من تكرر رؤية المعجزة على يد الصادقين دون الكاذبين.

وباختصار: انّ تحصيل جريان عادة الله على أن لا يظهر المعجزة على يد الكاذب يجب أن يستند إلى مصدر، فإن كان المصدر هو العقل فهو معزول عند الأشاعرة، وإن كان هو السمع فالمفروض أنّه يحتمل أن يكون الشرع كاذباً في هذا الادّعاء.


1. دلائل الصدق: 1/369.


(289)

وبعبارة أُخرى: لا سمع قبل ثبوت نبوة النبي.

وحصيلة البحث: إنّ منكر الحسن والقبح، منكر لما هو من البديهيات، ولا يصحّ الكلام معه، لأنّ النزاع ينقطع إذا بلغ إلى مقدّمات ضرورية، وهؤلاء ينازعون في نفس المقدّمات الضرورية، وليت شعري، إذا لم يحكم العقل بامتناع التكليف بما لا يطاق وجوّز أن ينهى الله سبحانه العبد عن الفعل ويخلق فيه اضطراراً ويعاقبه عليه، فقل: لو لم يدركه العقل فأي شيء يدركه؟

قيل: اجتمع النظّام والنجار للمناظرة، فقال النجار: لم تدفع أن يكلّف الله عبادَهُ ما لا يطيقون؟ فسكت النظام، فقيل له: لم سكت؟ قال: كنت أريد بمناظرته أن ألزمه القول بتكليف مالا يطاق، فإذا التزمه ولم يستح، فبم ألزمه؟

التحسين والتقبيح في الكتاب العزيز

إنّ التدبر في آيات الذكر الحكيم يعطي أنّّه يسلم وجود التحسين والتقبيح العقليين خارج إطار الوحي، ثمّ يأمر بالحسن وينهى عن القبيح:

1. قال سبحانه: (انَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُربى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالبَغْي يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) .(1)

2. (قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّي الْفَواحِشَ) .(2)

3. (يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ) .(3)

4. (وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللّهُ أَمَرَنا بها قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاء) .(4)


1. النحل:90.

2. الأعراف:33.

3. الأعراف:157.

4. الأعراف:28.


(290)

فهذه الآيات تعرب بوضوح عن أنّ هناك أُموراً توصف بالإحسان والفحشاء والمنكر والبغي والمعروف، قبل تعلّق الأمر أو النهي بها، وأنّ الإنسان يجد اتصاف الأفعال بأحدها ناشئاًمن صميم ذاته، كما يعرف سائر الموضوعات من الماء والتراب، وليس عرفان الإنسان لها موقوفاً على تعلّق حكم الشرع، وإنّما دور الشرع هو تأكيد إدراك العقل بالأمر بالحسن والنهي عن القبيح.

أضف إلى ذلك أنّه سبحانه يتخذ وجدان الإنسان سنداً لقضائه فيما تستقل به عقليته.

يقول سبحانه: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسدينَ في الأَرْضِ أَمْ نَجْعلُ المُتَّقينَ كَالفُجّار) .(1)

6. يقول سبحانه: (أََفَنَجْعَلُ المُسْلِيمنَ كَالْمُجْرِمينَ* ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) .(2)

7. يقول سبحانه: (هَلْ جَزاءُ الإِحْسان إِلاّ الإِحسانُ) .(3)

فالتدبّر في هذه الآيات لا يدع مجالاً لتشكيك المشكّكين في كون التحسين والتقبيح من الأُمور العقلية التي يدركها الإنسان بالحجة الباطنية، من دون حاجة إلى حجّة ظاهرية.

دور التحسين والتقبيح العقليّين

إنّ مسألة التحسين والتقبيح العقليين تحتل مكانة مرموقة في الأبحاث الكلامية إذ بها ينحل كثير من المشاكل في الكلام وغيره، وإليك بيان بعضها:


1. ص: 28.

2. القلم:35، 36.

3. الرحمن: 60.


(291)

1. وجوب المعرفة

اتّفق المتكلّمون ـ ما عدا الأشاعرة ـ على لزوم معرفة الله سبحانه لزوماً عقلياً، بمعنى أنّ العقل يحكم بحسن المعرفة وقبح تركها، لما في المعرفة من أداء شكر المنعم، وهو حسن. وفي تركها الوقوع في الضرر المحتمل. هذا إذا قلنا باستقلال العقل في ذلك المجال، ولولاه لما ثبت وجوب المعرفة لا عقلاً ـ لأنّه حسب الفرض معزول عن الحكم ـ ولا شرعاً، لأنّه لم يثبت الشرع بعد.

2. لزوم النظر في برهان النبوة

لا شكّ أنّ الأنبياء الحقيقيين بعثوا بمعاجز وبيّنات، فإذا ادّعى أحدهم السفارة من الله إلى الناس، فهل يجب على الناس النظر في دعواه وبرهانه؟ فعلى استقلال العقل في مجال التحسين والتقبيح يجب النظر والإصغاء دفعاً للضرر المحتمل. وأمّا على القول بعدمه فلا يجب ذلك لا عقلاً ولا شرعاً، كما عرفت في سابقه. ونتيجة ذلك إنّ التارك للنظر معذور، لأنّه لم يطّلع على حقيقة الأمر.

3. العلم بصدق دعوى النبوة

إذا اقترنت دعوة المتنبي بالمعاجز والبيّنات الواضحة، فلو قلنا باستقلال العقل في مجال الحسن والقبح، حكمنا بصدقه، لقبح إعطاء البيّنات للمدّعي الكذّاب، لما فيه من إضلال الناس. وأمّا إذا عزلنا العقل عن الحكم في المقام، فلا دليل على كونه نبيّاً صادقاً، والشرع بعد لم يثبت حتى يحكم بصدقه.

4. قبح العقاب بلا بيان

اتّفق الأُصوليون على قبح العقاب بلا بيان، وعليه بنوا أصالة البراءة في الشبهات غير المقترنة بالعلم الإجمالي. وهذا يتم بالقول بالتحسين والتقبيح العقليين. نعم هذا إنّما يفيد إذا لم تثبت البراءة من الشرع، بواسطة الكتاب والسنّة، والمفروض أنّ البحث فيها بعد ثبوت الشرع.


(292)

5. الخاتمية

إنّ استقلال العقل بالتحسين والتقبيح، بالمعنى الذي عرفت من الملاءمة للفطرة العلوية أو المنافرة لها، أساس الخاتمية،وبقاء أحكام الإسلام وخلودها إلى يوم القيامة. فإنّ الحكم بالحسن والقبح ـ على ما عرفت ـ ليس إلاّكون الشيء موافقاً للفطرة العلوية أو منافراً لها. وبما أنّ الفطرة مشتركة بين جميع الأفراد، فيصبح ما تستحسنه الفطرة أو تستقبحه خالداً إلى يوم القيامة.ولأجل ذلك لا يتطرق التبدل والتغيّر إلى أحكامه وإن تبدّلت الحضارات وتطورت المدنيات، فإنّ تبدلها لا يمس فطرة الإنسان ولا يغير جبلّته.

6. لزوم بعث الأنبياء

إنّ مسألة لزوم إرسال الرسل تبتني على تلك المسألة، فالعقل يدرك بأنّ الإنسان لم يخلق سدى، بل خلق لغاية، ولا يصل إليها إلاّ بالهداية التشريعية الإلهية. فيستقل بلزوم بعث الدعاة من الله لهداية البشر دفعاً للّغو.

7. ثبات الأخلاق أو تطورها

إنّ مسألة ثبات الأخلاق في جميع العصور والحضارات أو تبدّلها تبعاً لاختلافها، ممّا طرحت مؤخراً عند الغربيين، ودارت حولها مناقشات وأبديت فيها الآراء. فمن قائل بثبات أُصولها، ومن قائل بتبدّلها وتغيّرها حسب الأنظمة والحضارات. ولكن المسألة لا تنحل إلاّ في ضوء التحسين والتقبيح العقليين، الناشئين من قضاء الجبلة الإنسانية العالية، فعند ذلك تتسم أُصول الأخلاق بسمة الثبات والخلود، في ضوء ثبات الفطرة، وأمّا ما يتغير بتغير الحضارات، فإنّما هو العادات والتقاليد العرفية.

خذ على ذلك مثلاً«إكرام المحسن» فإنّه أمر يستحسنه العقل ويضفي عليه سمة الخلود، وليس هذا الحكم متغيراً أبداً، وإنّما المتغير وسائل الإكرام وكيفياته، فإذاً الأُصول ثابتة، والعادات والتقاليد متغيّرة، وليست الأخيرة إلاّ ثوباً للأُصول.


(293)

8. عادل لا يجور

إنّ مقتضى التحسين والتقبيح العقليين ـ على ما عرفت ـ هو أنّ العقل ـ بما هوهو ـ يدرك أنّ هذا الشيء ـ بما هوهو ـ حسن أو قبيح، وأنّ أحد هذين الوصفين ثابت للشيء ـ بما هوهو ـ من دون دخالة ظرف من الظروف أو قيد من القيود، ومن دون دخالة درك مدرك خاص، بل الشيء يتمتع بأحد الوصفين بما هوهو.

وعلى ذلك فالعقل في تحسينه وتقبيحه يدرك واقعية عامة، متساوية بالنسبة إلى جميع المدركين والفاعلين، من غير فرق بين الممكن والواجب. فالعدل حسن ويمدح فاعله عند الجميع، والظلم قبيح ويذم فاعله عند الجميع، وعلى هذا الأساس فالله سبحانه، المدرك للفعل ووصفه ـ أعني: استحقاق الفاعل للمدح أو الذم من غير خصوصية للفاعل ـ كيف يقوم بفعل يحكم هو نفسه بأنّ فاعله مستحق للذم، أو يقوم بفعل يحكم هو بأنّه يجب التنزّه عنه؟

وعلى ذلك فهو سبحانه عادل، لأنّ الظلم قبيح والعدل حسن، ولا يصدر القبيح من الحكيم. فالاتّصاف بالعدل من شؤون كونه حكيماً منزّهاً عمّا لا ينبغي له.

وإن شئت قلت: إنّ الإنسان يدرك أنّ القيام بالعدل كمال مطلق لكلّ أحد، وارتكاب الظلم نقص لكلّ أحد. وهو كذلك ـ حسب إدراك العقل ـ عنده سبحانه. ومعه: كيف يمكن أن يرتكب الواجب تعالى خلاف الكمال ويقوم بما يجرّ النقص إليه؟

دفع إشكال

ربما يقال إنّ كون الشيء حسناً عند الإنسان أو قبيحاً عنده، لا يدل على كونه كذلك عند الله سبحانه. فكيف يمكن استكشاف أنّه لا يترك الواجب ولا يرتكب القبيح؟


(294)

والإجابة عنه واضحة، لأنّ مغزى القاعدة السالفة هو أنّ الإنسان يدرك حسن العدل وقبح الظلم من كلّ مدرك شاعر، ولكلّ عاقل حكيم، من غير فرق بين الظروف و الفواعل. وهذا نظير درك الزوجية للأربعة، فالعقل يدرك كونها زوجاً عند الجميع، لا عند خصوص الممكن. فليس المقام من باب إسراء حكم الإنسان الممكن إلى الواجب تعالى. بل المقام من قبيل استكشاف قاعدة عامة ضرورية بديهية عند جميع المدركين، من غير فرق بين خالقهم ومخلوقهم. ولا يختص هذا الأمر بهذه القاعدة، بل جميع القواعد العامة في الحكمة النظرية كذلك.

وعلى هذا يثبت تنزّهه سبحانه عن كلّ قبيح، واتّصافه بكلّ كمال في مقام الفعل، فيثبت كونه تعالى حكيماً عادلاً لا يرتكب اللغو وما يجب التنزّه عنه، كما لا يرتكب الجور والعدوان.

مكانة العدل في العقائد الإسلامية

إنّ هذا البحث الضافي حول التحسين والتقبيح العقليين، وما يترتب عليهما من الآثار، التي عرفت بعضها، يوقفنا على مكانة العدل في العقائد الإسلامية، إذ الاعتقاد بالعدل من شعب الاعتقاد بالتحسين والتقبيح العقليين، وقد عرفت أنّه لولا القول به لارتفع الوثوق بوعده ووعيده، وامتنع حصول الوثوق بمعاجز مدعي النبوة،وعزل العقل في درك التحسين والتقبيح في الأفعال يستلزم انخرام كثير من العقائد الإسلامية، ولأجل هذه الأهمية والمنزلة تضافرت الآيات والروايات مركزة على قيامه سبحانه بالقسط.

العدل في الذكر الحكيم

قال سبحانه:(شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا العِلْمِ قائِماً بِالقِسْطِ).(1)

وكما شهد على ذاته بالقيام بالقسط، عرّف الغاية من بعثة الأنبياء بإقامة القسط بين الناس.

قال سبحانه: (لَقَدْأَرْسَلْنا رُسُلنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النّاس بِالقِسْطِ) .(2)

كما صرح بأنّ القسط هو الحجر الأساس في محاسبة العباد يوم القيامة، إذ يقول سبحانه: (وَنَضَعُ الْمَوازينَ القِسْط لِيَوم القِيامَة فَلا تُظْلَمُ نَفسٌ شَيْئاً) (3). إلى غير ذلك من الآيات الواردة حول العدل والقسط.

وهذه الآيات إرشادات إلى ما يدركه العقل من صميم ذاته، بأنّ العدل كمال لكلّ موجود


1. آل عمران:18.

2. الحديد:25.

3. الأنبياء:47.


(295)

حي، مدرك مختار، وأنّه يجب أن يوصف الله به في أفعاله في الدنيا والآخرة، وأنّه يجب أن يقوم سفراؤه به.

العدل في التشريع الإسلامي

وهذه المكانة التي يحتلها العدل هي التي جعلته سبحانه يعرف أحكامه ويصف تشريعاته بالعدل. وأنّه لا يشرع إلاّما كان مطابقاً له.

يقول سبحانه: (وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعها وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُون) .(1)

فالجزء الأوّل من الآية ناظر إلى عدله سبحانه بين العباد في تشريع الأحكام، كما أنّ الجزء الثاني ناظر إلى عدالته يوم الجزاء في مكافأته، وعلى كلّ تقدير فإنّ شعار الذكر الحكيم هو: (وَما ظَلَمهُمُ الله وَلكِن كانُوا أَنفُسَهُم يَظْلِمُون).(2)


1. المؤمنون:62.

2. النحل:33.


(296)

وهذا يكشف عن عدالته في التشريع والجزاء، كما يكشف عن تعلّق إرادته بإقامة العدل ورعاية القسط.(1)

ويتفرع على هذا الأصل مسألة نفي الجبر عن أفعال البشر، وبما أنّ تحقيق هذه المسألة يحتاج إلى إسهاب في أدلّة الطرفين نرجئ البحث عنها إلى وقت تبيين عقائد المعتزلة.


1. إنّ توصيفه سبحانه بالعدل ربما يثير أسئلة حول عدله، وقد أخذتها الملاحدة ذريعة للتشكيك:

1. إذا كان عادلاً فما معنى المصائب والبلايا التي تحل بالإنسان في حياته؟

2. ما هذا الاختلاف في المواهب والقابليات لدى الأفراد؟

3. ما هي الحكمة في خلق العاهات الجسمية أو العقلية؟

4. ما هي الحكمة في الفقر والشقاء والجوع التي تعاني منها مجموعات كبيرة من البشر؟

إلى غير ذلك ممّا يشابه هذه الأسئلة. وقد أجبنا عنها في كتاب «الله خالق الكون» فلاحظ : ص 97ـ99 و ص 269، 281.


(297)

خاتمة المطاف

نذكر فيها أمرين هامّين:

الأوّل: الإيعاز إلى المنافسة المستمرة بين الحنابلة والأشاعرة.

الثاني: ترجمة عدة من شخصيات الأشاعرة البارزة، الذين نضج بهم المذهب وكملت بهم أركانه، وإليك البيان:

المنافسة والمنافرة بين الحنابلة والأشاعرة

إنّ المنافرة بين الطائفتين كانت قائمة على قدم وساق منذ ظهور مذهب الإمام الأشعري بين أهل السنّة واستقطب مجموعة كبيرة من العلماء، واشتهر مذهباً خاصاً بين أهل السنّة، ولكن الحنابلة منذ أن تاب الأشعري عن الاعتزال وادّعى أنّه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، لم يقبلوا منه [ذلك].

وقد عرفت كلمة البربهاري عندما ذكر له الشيخ، ما نقلناه عنه سابقاً.(1)

وقد تجلّت تلك المنافسة عبر الزمان بصور مختلفة من مرحلة ضعيفة إلى مرحلة قوية أدت إلى الضرب و الشتم وحبس مشايخ الأشاعرة ونفيهم من أوطانهم، ولأجل إيقاف القارئ على هذه المنافرة نأتي ببعض ما يدلّ على ذلك:


1. لاحظ ص 30 من هذا الكتاب.


(298)

1.ترجمة الشيخ في كتب الذهبي

إنّ الشيخ الذهبي لم يقم بترجمة الشيخ على وجه يتلقّاه الأشاعرة بالقبول، بل اشتمل كلامه على لذع ولدغ، وفي هذا يقول السبكي:

وأنت إذا نظرت في ترجمة هذا الشيخ الذي هو شيخ السنّة وإمام الطائفة في تاريخ شيخنا الذهبي، ورأيت كيف مزّقها وحار كيف يضع من قدره، ولم يمكنه البوح بالغض منه خوفاً من سيف أهل الحق، ولا الصبر عن السكون لما جبلت عليه طويته من بغضه، بحيث اختصر ما شاء الله أن يختصر في مدحه، ثمّ قال في آخر الترجمة: «من أراد أن يتبحّر في معرفة الأشعري فعليه بكتاب «تبيين كذب المفتري» لأبي القاسم ابن عساكر. توفنا على السنّة، وأدخلنا الجنة، واجعل أنفسنا مطمئنة، نحب فيها أولياءك، ونبغض فيها أعداءك، ونستغفر للعصاة من عبادك، ونعمل بمحكم كتابك، ونؤمن بمتشابهه ونصفك بما وصفت به نفسك».

فعند ذلك تقضي العجب من هذا الذهبي، وتعلم إلى ماذا يشير المسكين؟!فويحه، ثم ويحه!إنّ الذهبي أُستاذي، وبه تخرّجت في علم الحديث، إلاّ أنّ الحقّ أحقّ أن يتبع ويجب عليَّ تبيين الحقّ فأقول:

أمّا حوالتك على «تبيين كذب المفتري» وتقصيرك في مدح الشيخ، فكيف يسعك ذلك مع كونك لم تترجم مجسماً يشبّه الله بخلقه إلاّ واستوفيت ترجمته؟! حتى إنّ كتابك مشتمل على ذكر جماعة من أصاغر المتأخرين من الحنابلة، الذين لا يؤبه إليهم،وقد ترجمت كلّ واحد منهم بأوراق عديدة، فهل عجزت أن تؤتي ترجمة هذا الشيخ حقّها وتترجمه كما ترجمت من هو دونه بألف ألف طبقة. فأي غرض وهوى نفس أبلغ من هذا؟! وأقسم بالله يميناً برّة ما بك إلاّ أنّك لا تحب شياع اسمه بالخير، ولا تقدر في بلاد المسلمين على أن تفصح فيه بما عندك من أمره، وما تضمره من الغموض منه، فإنّك لو أظهرت ذلك لتناولتك سيوف الله.

وأمّا دعاؤك بما دعوت به، فهل هذا مكانه يا مسكين؟!

وأمّا إشارتك بقولك: «نبغض أعداءك» إلى أنّ الشيخ من أعداء الله


(299)

وأنّك تتبغضه فسوف تقف معه بين يدي الله يوم يأتي وبين يديه طوائف العلماء من المذاهب الأربعة، والصالحين من الصوفية والجهابذة الحفّاظ من المحدّثين، وتأتي أنت تتكسع في ظُلم(1) التجسيم الذي تدّعي أنّك بريء منه وأنت من أعظم الدعاة إليه، وتزعم أنّك تعرف هذا الفن وأنت لا تفهم فيه نقيراً ولا قطميراً، وليت شعري من الذي يصف الله بما وصف به نفسه؟! من شبهه بخلقه؟! أمن قال:(لَيْسَ كمثله شيء و هو السَّميع البَصير) ؟

والأولى بي على الخصوص إمساك عنان الكلام في هذا المقام، فقد أبلغت، ثمّ احفظ لشيخنا حقّه وأمسك.(2)

2. استفتاء يتعلّق بحال الشيخ

وقد كتب استفتاء يتعلّق بحال الشيخ في زمان شيخ الأشاعرة أبي القاسم القشيري بخراسان عند وقوع الفتنة بين الحنابلة والأشاعرة عام ست و ثلاثين وأربعمائة، وإليك جواب القشيري وغيره عنه:

بسم الله الرّحمن الرّحيم. اتّفق أصحاب الحديث إنّ أبا الحسن علي بن إسماعيل الأشعري كان إماماً من أئمّة أصحاب الحديث، ومذهبه مذهب أصحاب الحديث، تكلّم في أُصول الديانات على طريقة أهل السنّة، رد على المخالفين من أهل الزيغ والبدعة، وكان على المعتزلة والروافض والمبتدعين من أهل القبلة والخارجين من الملة، سيفاً مسلولاً، ومن طعن فيه أو قدح أو لعنه أو سبّه فقد بسط لسان السوء في جميع أهل السنّة.

بذلنا خطوطنا طائعين بذلك في هذا الدرج(3) في ذي القعدة سنة ست وثلاثين وأربعمائة والأمر على هذه الجملة المذكورة في هذا الذكر وكتبه عبد الكريم بن هوازن القشيري.

وكتب تحته الخبازي: كذلك يعرفه محمد بن علي الخبازي وهذا خطه.


1. جمع الظلمة.

2. طبقات الشافعية:3/347ـ 354.

3. الدرج: الذي يكتب فيه.


(300)

والشيخ أبو محمد الجويني: الأمر على هذه الجملة المذكورة فيه، وكتبه عبد الله بن يوسف، وكتب نظير تلك الجملة المشايخ: أبو الفتح الشاشي، وعلي بن أحمد الجويني،وناصر العمري، وأحمد بن محمد الأيوبي، وأخوه علي،وأبو علي الصابوني، و أبو عثمان الصابوني، وابنه أبو نصر بن أبو عثمان، والشريف البكري، ومحمد بن الحسن الملقاباذي.(1)

يظهر من كتاب «تبيين كذب المفتري وطبقات الشافعية» أنّ بعض هؤلاء كتبوا تحت الورقة بعبارات فارسية، مثلاً كتب عبد الجبار الإسفرايني بالفارسية: «إن أبو الحسن الأشعري آن امام است كه خداوند عزوجل اين آيت در شأن وى فرستاد: (فسوف يأتي الله بقوم يحبّهم ويحبّونه...) (المائدة:54)(2) و مصطفى ـ عليه السَّلام ـ در آن روايت، به جد وى اشارت كرد فقال: هم قوم هذا».(3)

3. الفتنة التي وقعت بمدينة نيسابور

يظهر من كلام تاج الدين السبكي أنّ هذا الاستفتاء كان مقروناً بالفتنة التي وقعت بمدينة نيسابور قاعدة بلاد خراسان آنذاك، وقد آلت الفتنة إلى خروج إمام الحرمين، والحافظ البيهقي،وأبي القاسم القشيري من نيسابور، وكانت تلعب في ذلك يد الحنابلة تحت الستار، وإليك شرحه:

قال السبكي: كان طغرل بك السلجوقي ـ وهو أوّل ملوك السلاجقة ـ رجلاً حنفياً سنّياً، وكان له وزير يسمّى بـ : أبي نصر منصور بن محمد الكندري المعروف بعميد الملك، والسبكي يتّهمه بأنّه كان معتزلياً، رافضياً، ومشبهاً لله سبحانه بخلقه ممّا هو شائع بين الكراميةوالمجسمة(4). فحسّن عميد الملك


1. ولعلّه تعريب ملك آباد.

2. وقد عرفت حقّ المقال في ادّعاء نزول هذه الآية في حقّ أبي موسى الأشعري جدّ الشيخ الأعلى، فراجع.

3. طبقات الشافعية:3/374ـ 375.

4. نحن نشك في وجود هذه الصفات الثلاث في رجل مثقف مثل عميد الملك، كيف يمكن أن يكون معتزلي المبدأ، ورافضي العقيدة، وفي الوقت نفسه قائلاً بالتشبيه والتجسيم، وهل هذا إلاّ كالاعتقاد بالنقيضين؟!


(301)

على السلطان لعن المبتدعة على المنابر، فصدر الأمر بذلك، واتخذ عميد الدين ذلك ذريعة إلى ذكر الأشعرية، وصار يقصدهم بالإهانة والأذى والمنع عن الوعظ والتدريس، وعزلهم عن خطابة الجامع،واستعان بطائفة من المعتزلة الذين زعموا أنّهم يقلدون مذهب أبي حنيفة، فحببوا إلى السلطان الإزراء بمذهب الشافعي عموماً،وبالأشعرية خصوصاً، وهذه هي الفتنة التي طار شررها فملأ الآفاق، وطال ضررها فشمل خراسان والشام والحجاز والعراق، وعظم خطبها وبلاؤها، وقام في سب أهل السّنة(الأشاعرة) خطيبها وسفهاؤها، إذ أدّى هذا الأمر إلى التصريح بلعن أهل السنّة في الجُمَع، وتوظيف سبهم على المنابر، وصار لأبي الحسن الأشعري بها أُسوة لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه في زمن بعض بني أُمية،حيث استولت النواصب على المناصب، واستعلى أُولئك السفهاء في المجامع والمراتب.

وكان في بلدة نيسابور رجلاً جواداً ذا أموال جزيلة وصدقات دارّة وهبات هائلة يسمى أبا سهل الموفق، فشمّر عن ساعد الجد، و تردد إلى العسكر في دفع ذلك، وما أفاد شيء من التدبير، إذ كان الخصم الحاكم، والسلطان محجباً إلاّ بواسطة ذلك الوزير، ثمّ جاء الأمر من قبل السلطان طغرل بك بالقبض على الرئيس الفراتي، والأُستاذ أبي القاسم القشيري، وإمام الحرمين، وأبي سهل بن الموفق،ونفيهم ومنعهم عن المحافل، وكان أبو سهل غائباً إلى بعض النواحي ولما قرئ الكتاب بنفيهم، أُغري بهم الغاغة والأوباش، فأخذوا بالأُستاذ أبي القاسم القشيري،والفراتي يجرونهما ويستخفون بهما،وحبسا بالقهندر.

وأمّا إمام الحرمين، فإنّه كان أحس بالأمر واختفى، وخرج على طريق كرمان إلى الحجاز، ومن ثمّ جاور و سُمّي إمام الحرمين،وبقي القشيري والفراتي مسجونين أكثر من شهر، فتهيأ أبو سهل بن الموفق من ناحية باخرز وجمع من أعوانهم رجالاً عارفين بالحرب،وأتى باب البلد وطلب إخراج الفراتي


(302)

والقشيري فما أُجيب، بل هدد بالقبض عليه بمقتضى ما تقدّم من مرسوم السلطان، فلم يلتفت وعزم على دخول البلد ليلاً وإخراجهما مجاهرة، وكان متولّي البلد قد تهيأ للحرب،وبعد مفاوضات واشتباكات عنيفة توفق أبو سهل إلى إخراجهما من السجن، فلمّا تم له الانتصار، تشاور هو وأصحابه فيما بينهم وعلموا أنّ مخالفة السلطان لها تبعة، وأنّ الخصوم لا ينامون، فاتّفقوا على مهاجرة البلد إلى ناحية استواء.(1)ثمّ يذهبون إلى الملك. وبقي بعض الأصحاب بالنواحي مفرقين، وذهب أبو نصر إلى المعسكر وكان على مدينة الري، وخرج خصمه من الجانب الآخر فتوافيا بالري، وانتهى إلى السلطان ما جرى، وسعى بأصحاب الشافعي وبأبي سهل خصوصاً، فقبض على أبي سهل وأُخذت أمواله وبيعت ضياعه، ثمّ فرج عنه وخرج وحج.

وقد غادر كثير من علماء أهل السنة نيسابور ونواحيها، ومرو وما والاها، فمنهم أُخرجوا ومنهم من جاء إلى العراق، ومنهم من جاء الحجاز.

فممّن حجّ: الحافظ أبو بكر البيهقي، وأبو القاسم القشيري، وإمام الحرمين أبو المعالي الجويني وخلائق. يقال: جمعت تلك السنّة أربعمائة قاض من قضاة المسلمين من الشافعية والحنفية هجروا بلادهم بسبب هذه الواقعة، وتشتت فكرهم يوم رجوع الحاج، فمن عازم على المجاورة، ومن محيّر في أمره لا يدري أين يذهب؟

4. كتاب البيهقي إلى يد الملك

كتب البيهقي ـ و هو محدث زمانه و شيخ السنّة في وقته ـ كتاباً إلى عميد الملك يصفه ويطريه فيه، ويذكر في تلك الرسالة فضائل الشيخ أبي الحسن ومناقبه، واندفع في آخر الرسالة إلى السؤال عن عميد الملك في إطفاء النائرة وترك السب وتأديب من يفعله. يقول السبكي: وقد ساق الحافظ (ابن عساكر) الكتاب بمجموعه،فإن أردت الوقوف عليه كلّه فعليك بكتاب


1. كورة من نواحي نيسابور تشتمل على قرى كثيرة.


(303)

التبيين.(1)

5. رسالة القشيري إلى البلاد

وكتب الأُستاذ أبو القاسم القشيري رسالة مفتوحة إلى العلماء الأعلام بجميع بلاد الإسلام عام ست وأربعين وأربعمائة، يشكو فيها عمّا حلّ بأبي الحسن الأشعري والأشاعرة من المحنة. ابتدأ رسالته بقوله:

الحمد لله المجمل في بلائه، المجزل في عطائه، العدل في قضائه، والمكرم لأوليائه، المنتقم من أعدائه ـ إلى أن قال ـ: هذه قصة سميناها «شكاية أهل السنّة بحكاية ما نالهم من المحنة» تخبر عن بثّة مكروب ونفثة مغلوب... إلى أن قال:

وممّا ظهر ببلاد نيسابور من قضايا التقدير في مفتتح سنة خمس وأربعين وأربعمائة من الهجرة ما دعا أهل الدين إلى شق صدور صبرهم، وكشف قناع ضيرهم، بل ظلت الملة الحنيفية تشكو غليلها، وتبدي عويلها،وتنصب عزالي رحمة الله على من يستمع شكوها، وتصغي ملائكة السماء حتى تندب شجوها. ذلك ممّا أحدث من لعن إمام الدين، وسراج ذوي اليقين، محيي السنّة، وقامع البدعة، وناصر الحقّ،وناصح الخلق، الزكي الرضي، أبي الحسن الأشعري، قدس الله روحه وسقى بالرحمة ضريحه، وهو الذي ذب عن الدين بأوضح حجج، وسلك في قمع المعتزلة، وسائر أنواع المبتدعة أبين منهج. واستنفد عمره في النضح عن الحق، فأورث المسلمين وفاته كتبه الشاهدة بالصدق.(2)

ومن لطيف ما جاء في تلك الرسالة قوله: وما نقموا من الأشعري إلاّ أنّه قال بإثبات القدر لله، خيره وشره، ونفعه وضره، وإثبات صفات الجلال لله، من قدرته، وعلمه، وإرادته، وحياته، وبقائه، وسمعه، وبصره،


1. طبقات الشافعية:3/389ـ 399. ولكن الكتاب غير موجود فيما طبع من تبيين كذب المفتري، وقد تفحصناه وما وجدناه فيه.

2. طبقات الشافعية:3/1ـ4،والرسالة طويلة أخذنا منها موضع الحاجة.


(304)

وكلامه، ووجهه، ويده، وأنّ القرآن كلام الله غير مخلوق، وأنّه تعالى موجود تجوز رؤيته، وأنّ إرادته نافذة في مراداته، وما لا يخفى من مسائل الأُصول التي تخالف (طريقه) طريق المعتزلة والمجسمة فيها، وإذا لم يكن في مسألة لأهل القبلة غير قول المعتزلة، وقول الأشعري قول زائد، فإذا بطل قول الأشعري، فهل يتعين بالصحة أقوال المعتزلة؟ وإذا بطل القولان فهل هذا إلاّ تصريح بأنّ الحقّ مع غير أهل القبلة؟ وإذا لعن المعتزلة والأشعري في مسألة لا يخرج قول الأُمّة عن قوليهما، فهل هذا إلاّ لعن جميع أهل القبلة؟

معاشر المسلمين الغياث الغياث! سعوا في إبطال الدين، ورأوا هدم قواعد المسلمين، وهيهات هيهات!(يُريدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ الله بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى الله إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ) (1) وقد وعد الله للحق نصره وظهوره وللباطل محقه وثبوره، ألا إنّ كتب الأشعري في الآفاق مبثوثة، ومذاهبه عند أهل السنّة من الفريقين معروفة مشهورة، فمن وصفه بالبدعة علم أنّه غير محق في دعواه، وجميع أهل السنّة خصمه فيما افتراه.

وقال في مختتم الرسالة: ولما ظهر ابتداء هذه الفتنة بنيسابور، وانتشر في الآفاق خبره، وعظم على قلوب كافة المسلمين، من أهل السنة والجماعة أثره، ولم يبعد أن يخامر قلوب بعض أهل السلامة [والوداعة ]توهم في بعض هذه المسائل أنّ لعلّ أبا الحسن علي بن إسماعيل الأشعري ـ رحمه الله ـ ، قال ببعض المقالات، في بعض كتبه ، ولقد قيل من يسمع يخل، أثبتنا هذه الفصول في شرح هذه الحالة، وأوضحنا صورة الأمر، بذكر هذه الجملة، ليضرب كل[من ]أهل السنّة، إذا وقف عليها، بسهمه، في الانتصار لدين الله عزّ وجلّ، من دعاء يخلصه، واهتمام يصدقه، وكل عن قلوبنا بالاستماع إلى [شرح] هذه القصّة يحمله، بل ثواب من الله سبحانه على التوجع بذلك يستوجبه،والله غالب على أمره، وله الحمد على ما يمضيه من أحكامه، ويبرمه ويقضيه في أفعاله، فيما يؤخره و يقدمه، وصلواته على سيدنا محمد المصطفى و على آله و سلم تسليماً.


1. التوبة:32.


(305)

تمت الشكاية.(1)

6. استمرار الفتنة إلى زمان وزرارة نظام الملك

يظهر من السبكي أنّ فتيل الفتنة كان هو الوزير الكندري المعروف عميد الملك، ويظهر فيما ذكر من استفتاءات أُخر بقاء الفتنة حتى بعد وفاة طغرل بك وقيام ولده ارسلان مقامه و قتل عميد الملك وتصدّى نظام الملك للوزارة.(2)

إنّ وجود استفتاءات أُخر حول أبي الحسن الأشعري يدلّ على دوام المنافرة بين الأشاعرة وغيرهم من الحنابلة والمعتزلة، وإليك استفتاءين آخرين، يتعلّق ثانيهما بعصر أبي نصر القشيري ولد أبي القاسم القشيري، وقد توفّي الوالد عام 465هـ كما توفّي الولد عام 514هـ.

استفتاء آخر ببغداد

ما قول السادة الأئمة الأجلّة في قوم اجتمعوا على لعن فرقة الأشعري وتكفيرهم؟ ما الذي يجب عليهم؟!

فأجاب قاضي القضاة أبو عبد الله الدامغاني الحنفي:

قد ابتدع وارتكب ما لا يجوز، وعلى الناظر في الأُمور ـ أعز الله أنصاره ـ الإنكار عليه وتأديبه بما يرتدع به هو وأمثاله عن ارتكاب مثله، وكتب محمد بن علي الدامغاني.

وبعده كتب الشيخ أبو إسحاق الشيرازي ـ رحمه الله ـ : الأشعرية أعيان أهل السنّة،ونصّار الشريعة. انتصبوا للرد على المبتدعة من القدرية والرافضة وغيرهم، فمن طعن فيهم فقد طعن على أهل السنّة، وإذا رفع أمر من يفعل ذلك إلى الناظر في أمر المسلمين، وجب عليه تأديبه بما يرتدع به كلّ أحد. وكتب إبراهيم بن علي الفيروز آبادي.

وقد كتب مثله محمد بن أحمد الشاشي تلميذ الشيخ أبي إسحاق.


1. طبقات الشافعية:3/399ـ 423.

2. طبقات الشافعية:3/393.

Website Security Test