welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الملل والنحل/ج2 (الأشعرية)*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الملل والنحل/ج2 (الأشعرية)

بحوث
في المِلل والنِحل

دراسة موضوعيّة مقارنة للمذاهب الإسلاميّة

الجزء الثاني

يتناول تاريخ الإمام الأشعري وأنصاره وعقائدهم

تأليف

جعفر السبحاني


(2)

أسم الكتاب :   بحوث في المِلل والنِحل (ج 2)

تأليف: العلاّمة آية الله الشيخ جعفر السبحاني

الموضوع:    مِلل ونِحل

عدد الصفحات:    392

طبع ونشر:   مؤسّسة النشر الإسلامي

الطبعة:    السادسة

المطبوع:   1000 نسخة

القيمة:   800 تومان

التاريخ:    1417 هـ

مؤسسة النشر الإسلامي

التابعة لجامعة المدرّسين بقم المشرّفة


(3)

(4)

بسم الله الرحمن الرحيم


(5)

التعارف و التآخي

في ظل البحث الموضوعي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسّلام على نبيّه، والخيرة من أهل بيته، وصحبه الطيّبين.

أمّا بعد، فهذا هو الجزء الثاني من كتابنا«بحوث في الملل والنحل» نقدّمه إلى القرّاء الكرام، راجين منهم غض الطرف عمّا فيه من خلل أو زلل، وإيقاف المؤلّف على ملاحظاتهم القيّمة.

ويختص هذا الجزء ببيان حياة الإمام الأشعري، وحياة أنصار مذهبه، واستعراض الأُصول المهمة في منهجه، وقد اعتمدنا في بيانها على المصادر المعتبرة الموثوق بها عند الأشاعرة.

وطبيعة البحث كانت تقتضي تقديم التحقيق عن المعتزلة، وتبيين أُصولها، وترجمة شخصياتها اللامعة، على الأشاعرة; ذلك أنّ منهج الاعتزال أقدم منهج فكري ظهر على الصعيد الإسلامي حين لم يكن عن الإمام الأشعري ومنهجه وأنصاره أثر ولا خبر.

ولكن لمّا كان مذهب الأشعري مشتقاً من مذهب أهل الحديث وفرعاً منه، وقد خصصنا الجزء الأوّل لبيان عقائد أهل الحديث والسلفيّين، صار ذلك سبباً لتقديم ما حقّه التأخير، وسنقوم ببيان أُصول المعتزلة وترجمة رجالها البارزين بعد تبيين عقائد «الماتريدية»(التي هي والمذهب الأشعري صنوان


(6)

نابتان من أصل واحد). في الجزء الثالث; كلّ ذلك بفضله وكرمه.

وأمّا المناهج الرجعية التي نبتت في العصور الأُولى، كالجهمية والكرامية والظاهرية، والتي أكل عليها الدهر وشرب،وذهبت أدراج الرياح، فترى الإيعاز إليها في ذاك الجزء أيضاً بإذنه سبحانه.

إنّ البحث عن الملل والنحل ـ إذا كان قائماً على أساس علمي رصين ـ يكون وسيلة للتآخي والتآلف، فإنّ الباحث يقف على أنّ كثيراًمن الأُصول في المذاهب مشتركة وموحدة، وإنّما فرّقت بينها عوامل أُخرى لا تمتّ إلى المذهب بصلة، وبذلك يصبح البحث عن «الملل والنحل» وسيلة للتآخي والتآلف.

نعم لو اعتمد الباحث على مالا يصحّ الاعتمادعليه فربما شوّه سمعة المذهب، وصوّره على غير ما هو عليه، فيكون أداة للتباغض والتنافر.

ونحن نرجو أن يوفقنا الله سبحانه لدراسة المذاهب، كلّ على ما هو عليه من دون بخس لحق، كما نرجو أن يوفقنا في سعينا لإصابة الحقيقة، وبيان الواقع، إنّه قريب مجيب الدعاء.

جعفر السبحاني

قم المشرّفة ـ الحوزة العلمية

20جمادى الآخرة، 1408هـ


(7)

حياة الإمام الأشعري

ومنهجه في العقائد

افترق المسلمون(أهل البحث والجدل منهم) في النصف الأوّل من القرن الثاني إلى فرقتين:

فرقة أهل الحديث: وهم الذين تعبّدوا بظواهر الآيات والروايات من دون غور في مفاهيمها، أو دقة في أسنادها، وكانوا يشكّلون الأكثرية الساحقة بين المسلمين، وكثرت فيهم المشبّهة والمجسّمة، والمثبتون لله سبحانه علوّاً وتنقّلاً وحركة وأعضاءً، كاليد والرجل والوجه، إلى غير ذلك من البدع التي ظهرت بين المسلمين عن طريق الأحبار والرهبان المتسترين بالإسلام.

وفرقة الاعتزال: وهم الذين كانوا يتمسكون بالعقل أكثر من النقل،ويؤوّلون النقل إذا وجدوه مخالفاً لفكرتهم وعقليتهم، وبقي التشاجر قائماً على قدم وساق بين الفرقتين طوال قرون.

فتارة يتغلّب أهل الحديث على أهل الاعتزال ويزوونهم، وأُخرى ينغلّب جناح التفكر والاعتزال على أهل الظواهر والحديث، وكانت غلبة كلّ فرقة على الأُخرى في كثير من الأحيان تنشأ من ميول الحكومات آنذاك لأحد الجناحين المتصارعين، فنرى عصر الأمويين وأوائل عصر العباسيين، عصر ازدهار منهج أهل الحديث والمتمسكين بظواهر النصوص; كما نرى الأمر على العكس في زمن المأمون وأخيه المعتصم والواثق بالله إلى عصر المتوكل، فكان الازدهار لمنهج الاعتزال حتى صار مذهباً رسمياً للحكومات السائدة، واعتقل بعض


(8)

مشايخ أهل الحديث مثل أحمد بن حنبل، حتّى جُلِدَ ثلاثين سوطاً لأجل اعتقاده بقدم القرآن الذي يُعدّ من مبادئ أهل الحديث.

وكان الأمر على هذا المنوال إلى أن تسلّم المتوكل مقاليد الحكم; فأمر بنشر منهج أهل الحديث بقوة وحماس، وتبعه غيره من العباسيين في دعم مقالتهم، وتضييق الأمر على أهل الاعتزال، وقد كان الأمر على هذا المنوال إلى عصر أبي الحسن الأشعري (260ـ324هـ) الذي كان معتزلياً ثمّ صار ـ بحسب الظاهر ـ من زمرة أهل الحديث، فكانت السلطة تسايرهم وتوافقهم. وسيوافيك القول في علل رجوعه عن مذهب الاعتزال إلى تيار أهل الحديث وفي مقدمتهم مذهب إمام الحنابلة أحمد بن حنبل.

وقد كوّن الأشعري برجوعه عن الاعتزال إلى مذهب أهل الحديث منهجاً كلامياً، له أثره الخاص إلى يومنا هذا بين أهل السنّة، فمذهبه الكلامي هو المذهب السائد بينهم في أكثر الأقطار. ولأجل ذلك يجب علينا أن نتعرّف عليه وعلى آرائه، فنقول:

نسب الإمام الأشعري

هو أبو الحسن علي بن إسماعيل بن إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري.

يقول ابن عساكر في ترجمته: إنّ أباه إسماعيل بن إسحاق كان سنّياً جماعياً حديثياً، أوصى عند وفاته إلى زكريا بن يحيى الساجي، وهو إمام في الفقه والحديث،وقد روى عنه الشيخ أبو الحسن الأشعري في كتاب التفسير أحاديث كثيرة، وقد يكنّى أبوه بـ«أبي بشر» و ربما يقال إنّها كنية جدّه.(1)

وهذا يعرب عن أنّ البيت الذي تربّى فيه أبو الحسن كان بيت الحديث والرواية، مقابلاً للمنهج العقلي الرائج بين المعتزلة، ومن شأن الأبناء أن يرثوا


1. «تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري» تأليف ابن عساكر الدمشقي (المتوفّـى عام 571هـ) وهو كتاب أفرد للبحث في حياته وسائر ما يتعلّق به، ونعبر عنه بالتبيين اختصاراً.


(9)

ما للآباء من الأفكار; وعلى ذلك فعود الشيخ إلى منهج أهل الحديث، والإبانة عن الاعتزال كان رجوعاً موافقاً للأصل لا مخالفاً له; فهو رجع إلى الفكرة التي ورثها في خزانة ذهنه من بيته.

جدّه الأعلى: أبو موسى الأشعري

اشتهر أبو الحسن بالأشعري، نسبة إلى جدّه الأعلى المشتهر بهذا العنوان أيضاً، وقد ورث جدّه أيضاً هذا اللقب عن أجداده الأعلين، وترجم في كتب الرجال.

قال ابن سعد في طبقاته: قد أسلم بمكة قديماً ثمّ رجع إلى بلاد قومه، فلم يزل بها حتى قدم هو وناس من الأشعريين على رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فوافق قدومهم قدوم أهل السفينتين:جعفر أصحابه من أرض الحبشة، فوافوا رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بخيبر، فقالوا: قدم أبو موسى مع أهل السفينتين; وكان الأمر على ما ذكرنا أنّه وافق قدومه قدومهم.(1)

وقال ابن الأثير: كان عامل رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ على زبيد و عدن،واستعمله عمر على البصرة، وشهد وفاة أبي عبيدة الجراح بالشام، وكان أبو موسى على البصرة لمّا قتل عمر، فأقرّه عثمان عليها ثمّ عزله، واستعمل بعده ابن عامر، فسار من البصرة إلى الكوفة، فلم يزل بها حتى أخرج أهل الكوفة سعيد بن العاص، وطلبوا من عثمان، أن يستعمله عليهم، فلم يزل على الكوفة حتى قتل عثمان، فعزله عليّ ـ عليه السَّلام ـ عنها.(2)

لم يكن عزل عليّ إيّاه عنها اعتباطاً، بل لأجل أنّه كان يخذِّل الناس عن الإمام عند اشتباكه ـ عليه السَّلام ـ مع الناكثين في أطراف البصرة، فقد ذكر


1. طبقات ابن سعد:4/105.

2. أُسد الغابة:3/246.


(10)

الطبري أنّ الإمام عليّاً كتب إلى أبي موسى:

«إنّي وجّهت هاشم بن عتبة لينهض من قبلك من المسلمين إلي، فأشخص الناس، فإنّي لم أولِّك الذي أنت به إلاّ لتكون من أعواني على الحقّ».

فدعا أبو موسى، السائب بن مالك الأشعري، فقال له: ما ترى؟ قال: أرى أن تتبع ما كتب به إليك، قال: لكنّي لا أرى ذلك، فكتب هاشم إلى عليّ ـ عليه السَّلام ـ أنّه قد قدمت على رجل غال مشاق ظاهر الغل والشن آن.

وبعث بالكتاب مع المحل بن خليفة الطائي، وعند ذاك بعث عليّ ـ عليه السَّلام ـ الحسن بن عليّوعمار بن ياسر وهما يستنفران له الناس، وبعث قرظة بن كعب الأنصاري أميراً على الكوفة، وكتب معه إلى أبي موسى:

«أمّا بعد: فقد كنت أرى أن تعزب عن هذا الأمر الذي لم يجعل الله عزّوجلّ لك منه نصيباً، سيمنعك من ردّ أمري; وقد بعثت الحسن بن عليّوعمار بن ياسر يستنفران الناس، وبعثت قرظة بن كعب والياً على المصر، فاعتزل عملنا مذموماً مدحوراً».(1)

هذا هو حال الجد الأعلى في أوائل خلافة الإمام عليّ ـ عليه السَّلام ـ ، حيث خذَّل الناس عن نصرة علي ـ عليه السَّلام ـ عندما قرب الاشتباك بينه و بين الناكثين، وأمّا أمره في أواسط خلافته فحدّث عنه ولا حرج. فقد عُيّن من جانب علي ـ عليه السَّلام ـ وشيعته بالعراق ممثلاً قاضياً وحاكماً، كما عيّن عمرو بن العاص من جانب معاوية حاكماً، ليقضيا في أمر الفرقتين بما وجدا في كتاب الله، وإن لم يجدا في كتاب الله فليرجعا إلى السنّة.(2)

فكانت نتيجة ذلك ـ و يا للأسف ـ أنّه خلع عليّاً عن الخلافة، وأثبت عمرو بن العاص معاوية في الخلافة، وكأنّه وجد دليلاً في الكتاب والسنّة على عدم صلاحية الإمام للخلافة، وذاك وجد دليلاً حاسماً على صلاحية معاوية


1. تاريخ الطبري:3/512.

2. وقعة صفين:505.


(11)

لها!!. وماعشت أراك الدهر عجباً!!. فقد عزل الإمام الذي اتّفق المهاجرون والأنصار على إمامته اتفاقاً لم يُرَ مثله لا قبله ولا بعده. ونصب الآخر معاوية ابن آكلة الأكباد إماماً للناس وحافظاً لدينهم ودنياهم، وماأحسن قول شاعر المعرة:

فيـا مـوت زر، إنّ الحيـاة ذميمـة و يا نفس جودي إنّ دهرك هازل

هذه سيرة الرجل على وجه الإجمال، ولم ير بعد مسألة التحكيم للرجل نشاط،وقد مات بمكة عام 42هـ، و قيل 44 هـ وهو ابن ثلاث وستين سنة، وقيل غير ذلك.(1)

أبو موسى ونزول الآية في قومه

إنّ أصحاب الحديث رووا عن رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في تفسير قوله سبحانه:

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دينِهِ فَسَوفَ يَأْتِى اللّهُ بِقَوْم يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة عَلى المُؤْمِنينَ أَعِزَّة عَلى الكافِرينَ يُجاهِدُونَ في سَبيلِ اللّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِم ذلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللّهُ واسِعٌ عَليمٌ) (2) رووا نزولها في حقّ أبي موسى و قومه.

روى السيوطي عن ابن جرير الطبري في الدر المنثور: لما أنزل الله (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دينِهِ فَسَوفَ يَأْتِى اللّهُ بِقَوم يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه) قال عمر: أنا وقومي هم يا رسول الله؟ قال: بل هذا وقومه، يعني أبا موسى الأشعري.(3)

ولكن حياة الرجل، وخصوصاً ما ارتكبه في أُخريات عمره بعزل الإمام الطاهر ـ الذي بايع له المهاجرون والأنصار ـ عن الخلافة، لا ينطبق مع متن الرواية، أعني قوله: «هذا وقومه» ، و لذلك نرى أنّ السيوطي ينقل الحديث


1. أُسد الغابة:3/246.

2. المائدة:54.

3. الدر المنثور:2/292;وطبقات ابن سعد:4/107.


(12)

بصورة ثانية ويقول: قوم هذا(1) من دون أن يعد أبا موسى من تلك الزمرة ، و مع ذلك فتصديق نزولها حتى في قوم«أبي موسى» لا يخلو من غموض.

أمّا أوّلاً: فلأنّ الروايات تضافرت على نزولها في حقّ عليّ ـ عليه السَّلام ـ وأصحابه، حيث حاربوا الناكثين والقاسطين والمارقين. ورواه من أعلام السنّة: الثعلبي في تفسيره، ونقلهاعنه ابن بطريق في عمدته(2)، و الإمام الرازي في مفاتيح الغيب(3)، والعلاّمة النيسابوري في تفسيره(4)، وأبوحيان الأندلسي في البحر المحيط.(5)

وأمّا ثانيا: فلأنّ النقل تضافر أيضاً على أنّ المراد هم الفرس، لأنّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لما سئل عن هذه الآية، فضرب بيده على عاتق سلمان وقال:« هذا وذووه»، ثمّ قال: «لو كان الدين معلّقاً بالثريا لناله رجال من أبناء فارس».(6)

وأمّا ثالثاً: فلأنّه روي في نزول الآية وجه آخر، وهو الجهاد مع أهل الردّة، بعد موت النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ (7)، ولم يكن الجهاد معهم مختصاً بقوم أبي موسى، بل اشترك اليمنيون وغيرهم من أصحاب الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في ذلك أيضاً.

كلّ ذلك يعطي أنّ الآية تحمل مفهوماً كلياً ينطبق على الشخصيات البارزة في العصور المختلفة، الذين بذلوا أنفسهم ونفيسهم في سبيل الله.

فعلي أمير المؤمنين ـ بمواقفه الحاسمة ـ من أوضح مصاديق الآية، خصوصاً إذا لاحظنا الصفة المذكورة في الآية، فإنّها تنطبق على علي


1. المصدر نفسه.

2. العمدة:288، الطبعة الحديثة.

3. مفاتيح الغيب:3/427،ط مصرـ 1308هـ.

4. تفسير النيسابوري بهامش الطبري:6/165.

5. البحر المحيط:3/511.

6. تفسير الرازي:3/427، و تفسير النيسابوري بهامش الطبري:6/165.

7. المصدر نفسه.


(13)

ـ عليه السَّلام ـ حيث قال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في حقّه يوم خيبر عندما دفع الراية إليه: «لأدفعنّ الراية غداً إلى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله» وقد جاء في الآية قوله سبحانه: (يحبّهم ويحبّونه) .

نعم، الظاهر من الجهاد في الآية هو الجهاد بالنفس والنفيس، وبالسيف والسنان، ومن العجيب أنّ ابن عساكر يريد تطبيق الآية على نفس أبي الحسن الأشعري حفيد أبي موسى ويقول: إنّ الله عزّوجلّ أخرج من نسل أبي موسى إماماً قام بنصرة دين الله، و جاهد بلسانه وبيانه من صد عن سبيل الله. الخ.(1)

هذا كلّه حول حياة الجد، وإليك الكلام عن حياة الحفيد.


1. التبيين:104.


(14)

(15)

حياة الإمام أبي الحسن الأشعري

ميلاده ووفاته

اختلف المترجمون له في عام ميلاده ووفاته، فقيل: وُلِد سنة سبعين ومائتين، وقيل: ستين ومائتين بالبصرة; وتوفّي سنة أربع وعشرين وثلاثمائة،وقيل: سنة ثلاثين(1)، والظاهر من ابن عساكر في تبيينه عدم الخلاف في مولده، وأنّ مولده هو عام ستين بعد المائتين قال: ولد ابن أبي بشر سنة ستين ومائتين، ومات سنة نيف وثلاثين وثلاثمائة، لا أعلم لقائل هذا القول في تاريخ مولده مخالفاً، ولكن أراه في تاريخ وفاته ـ رحمه الله ـ مجازفاً، ولعلّه أراد سنة نيف وعشرين، فإنّ ذلك في وفاته على قول الأكثرين.(2)

ولكن اتّفقت كلمتهم على أنّه تخرج في كلام المعتزلة على أبي علي الجبائي، وهو محمد بن عبد الوهاب بن سلام من معتزلة البصرة، ويعرف بأنّه الذي ذلل الكلام وسهله، ويسر ما صعب منه، وإليه انتهت رئاسة البصريين في زمانه لا يدافع في ذلك، وقد ولد عام 235، وتوفي سنة 303(3) وقام مقامه ابنه أبو هاشم في التدريس والتقرير.


1. وفيات الأعيان:3/284 نقلاً عن ابن الهمداني في ذيل تاريخ الطبري.

2. التبيين: 146.

3. فهرست ابن النديم: 256.


(16)

مناظرات الأشعري مع الجبّائي قبل رجوعه عنه

إنّ الأشعري هو خريج منهج المعتزلة وتلميذ شيخها أبي علي الجبّائي، ومع ذلك ينقل ابن عساكر عن أحمد بن الحسين المتكلم أنّه قال: سمعت بعض أصحابنا يقول: إنّ الشيخ أبا لحسن ـ رحمه الله ـ لما تبحّر في كلام الاعتزال وبلغ غايته، كان يورد الأسئلة على أُستاذه في الدرس ولا يجد جواباً شافياً، فيتحيّر في ذلك(1)، وقد حفظ التاريخ بعض مناظراته مع أُستاذه أبي علي الجبائي، فنكتفي ببعضها:

المناظرة الأُولى

ـ الأشعري : أتوجب على الله رعاية الصلاح أو الأصلح في عباده؟

ـ أبو علي : نعم.

ـ الأشعري: ماتقول في ثلاثة إخوة: أحدهم كان مؤمناً برّاً تقياً، والثاني كان كافراً فاسقاً، والثالث كان صغيراً فماتوا; كيف حالهم؟

ـ الجبائي: أمّا الزاهد ففي الدرجات، وأمّا الكافر ففي الدركات، وأمّا الصغير ففي أهل السلامة.

ـ الأشعري: إن أراد الصغير أن يذهب إلى درجات الزاهد هل يؤذن له؟

ـ الجبائي:لا، لأنّه يقال له: إنّ أخاك إنّما وصل إلى هذه الدرجات بسبب طاعاته الكثيرة، وليس لك تلك الطاعات.

ـ الأشعري: فإن قال ذلك الصغير: التقصير ليس منّي، فإنّك ما أبقيتني ولا أقدرتني على الطاعة.

ـ الجبائي: يقول الباري جلّوعلا: كنت أعلم أنّك لو بقيت لعصيت،وصرت مستحقاً للعذاب الأليم، فراعيت مصلحتك.


1. التبيين: 38.


(17)

ـ الأشعري: لو قال الأخ الكافر: يا إله العالمين، كما علمت حاله فقد علمت حالي، فلم راعيت مصلحته دوني؟

ـ الجبائي: إنّك مجنون.

ـ الأشعري: لا بل وقف حمار الشيخ في العقبة!!

ثمّ إنّ ابن خلّكان لمّا كان أشعرياً في الكلام، استغل هذه المناظرة لمذهبه وقال: هذه المناظرة دالة على أنّ الله تعالى خصّ من شاء برحمته، وخصّ آخر بعذابه، وأنّ أفعاله غير معللة بشيء من الأغراض.(1)

أقول: إنّ تنزيه أفعاله سبحانه عن اللغو والعبث ممّا دلّ عليه العقل والنقل. ولو اعتزل الأشعري عن إدراك ما يحكم به العقل السليم فليس له مناص عن سماع كلام ربّ العزّة، قال سبحانه:(الّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيء خَلَقَهُ وَبَدَأ خَلْقَ)الإِنْسانِ مِنْ طين) (2). وقال عزّ من قائل:(أَفَحَسِبْتُمْ أَنّما خَلْقْناكُمْ عَبثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ)(3)، إلى غير ذلك من الآيات النافية للعبث واللغو عن ساحته.

ومعنى القاعدة: أنّ أفعاله ـ على الإطلاق ـ غير منفكة عن الأغراض والمصالح التي ترجع إلى نفس العباد دون خالقهم. ثمّ إنّ قسماً كبيراً من الحكم والمصالح المرعيّة ظاهر غير خفي، يقف عليه الإنسان بالتأمّل والتروّي، وقسماً منها خفيّ غير بارز لا يكاد يقف عليه الإنسان لقلة علمه وضالّة دركه، قال سبحانه: (وَما أُوتيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلا قَليلاً)(4)، وقال عزّ من


1. وفيات الأعيان:4/267ـ 268رقم الترجمة 607، ونقله السبكي في طبقات الشافعية:2/250ـ 251 مع اختلاف يسير، كما نقله في الروضات:5/209 عن صلاح الدين الصفدي في كتابه: الوافي بالوفيات.

2. السجدة:7.

3. المؤمنون:115.

4. الإسراء:85.


(18)

قائل:(يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الحَياةِ الدُّنيا وَهُمْ عَنِ الآخِرَة هُمْ غافِلُونَ) (1)، ومع ذلك نعلم أنّه تعالى لا يفعل إلاّ الخير، ولا يعجز عن الإيجاد على الوجه الأصلح، ومن الخطأ أن يطلب الإنسان تحليل ما في الكون من دقائق الأُمور وجلائلها، بعقله الصغير ودركه البسيط، ويحكم بأنّه كانت المصلحة في إبقاء هذا وإفناء ذاك، وكأنّ هذا هو المزلقة الكبرى للمعتزلة، حيث أرادوا إخضاع كلّ ما في الكون من الحوادث والأفعال لعقولهم.

المناظرة الثانية

دخل رجل على الجبائي فقال: هل تجوز تسمية الله عاقلاً؟

فقال الجبائي: لا، لأنّ العقل مشتق من العقال، وهو المانع، والمنع في حقّه سبحانه محال، فامتنع الإطلاق.

فقال له الشيخ أبو الحسن: على قياسك لا تجوز تسميته حكيماً، لأنّ هذاالاسم مشتق من «حكمة اللجام» وهي الحديدة المانعة للدابة عن الخروج، ويشهد لذلك قول حسان بن ثابت:

فنحكم بالقوافي من هجانا ونضرب حين تختلط الدماء

وقول الآخر:

أبَني حنيفة حكِّموا سفهاءكم إنّي أخاف عليكم أن أغضبا

أي نمنع بالقوافي من هجانا، وامنعوا سفهاءكم; فإذا كان اللفظ مشتقاًمن المنع ، والمنع على الله محال، لزمك أن تمنع إطلاق «حكيم» عليه سبحانه.

فقال الجبائي: فلم منعت هذاوأجزت ذاك؟

فقال الأشعري: إنّ طريقي في مأخذ أسماء الله، الإذن الشرعي دون القياس اللغوي، فأطلقت «حكيماً» لأنّ الشرع أطلقه ومنعت «عاقلاً» لأنّ الشرع منعه، ولو أطلقه الشرع لأطلقته.(2)

ويلاحظ على هذه الرواية:


1. الروم:7.

2. طبقات الشافعية:2/251ـ 252 بتلخيص منّا.


(19)

أوّلاً: أنّ الروايات السابقة دلت على أنّ صلة الأشعري بالجبائي قد انقطعت بعد انسلاكه في مسلك المحدّثين، والظاهر من هذه الرواية خلافها،وأنّ الأشعري كان يناظر أُستاذه حتى بعد الإنابة عن الاعتزال، بشهادة قول الأُستاذ: فلم منعت هذا وأجزت ذاك....

وثانياً: أنّه من البعيد أن لا يقف الجبائي على عقيدة أهل الحديث، بل عقيدة المسلمين جميعاً في أسمائه سبحانه، وأنّها توقيفية، وأنّه لا تصح تسميته إلاّبما سمّى به سبحانه نفسه. وذلك لصيانة ساحة الرب عمّا لا يليق بها، إذ لو لم تكن التسمية توقيفية، ربما يعرف سبحانه بأسماء وصفات غير لائقة بساحته، فإنّ السواد الأعظم من الناس غير واقفين على الحد الذي يجب تنزيهه سبحانه عنه.

وثالثاً: لقائل أن ينصر الأُستاذ (الجبائي) ويقول: إنّ «الحكم»مشترك بين معنيين، أحدهما المنع،والآخر معنى يلازم العلم والفقه والقضاء والإتقان; قال سبحانه: (وَآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبياً)(1) وإرجاع المعنى الثاني إلى الأول تكلّف. وإطلاق الحكيم على الله بالملاك الثاني دون الأوّل.(2)

المغالاة في الفضائل

الغلو هو: تجاوز الحدّ والخروج عن الوسط، مائلاً إلى جانب الإفراط، قال سبحانه:(يا أَهْلَ الكِتاب لا تغلو في دينِكُم) (3) كما أنّ البخس بالحقوق وإنكار الفضائل الثابتة بالدلائل الصحيحة، تفريط وتقصير; فكلا العملين مذمومان، ودين الله كما قال الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ هو ما بين المقصر والغالي:«فعليكم بالنمرقة فيها يلحق المقصر ويرجع إليها الغالي».(4)


1. مريم:12.

2. لسان العرب:12/140،ط بيروت، مادة حكم.

3. النساء:171.

4. ربيع الأبرار للزمخشري; وفي نهج البلاغة قسم الحكم،الرقم 109، ما يماثله:«نحن النمرقة الوسطى(بضم النون وسكون الميم وضم الراء) بها يلحق التالي وإليها يرجع الغالي».


(20)

عليـك بأوسـاط الأُمــور فإنّها نجاة ولا تركب ذلولاً ولا صعباً

وقد نقل المترجمون في حقّ الأشعري أُموراً تعد من المغالاة في الفضائل واتّخذوها تاريخاً صحيحاً من دون أي غمز وإنكار في السند، ونأتي بنموذجين من ذلك:

1. روى ابن عساكر عن أبي الحسين السروي، الفاضل في الكلام يقول: كان الشيخ أبو الحسن، يعني الأشعري، قريباً من عشرين سنة يصلي صلاة الصبح بوضوء العتمة، وكان لا يحكي عن اجتهاده شيئاً إلى أحد!!(1)

ونحن لا نعلّق على هذا الفضيلة المزعومة بشيء غير أنّها تعد من خوارق العادات، إذ قلّما يتفق لإنسان أن لا يكون مريضاً ولا مسافراً ولا معذوراً طيلة عشرين سنة، حتى يصلي فيها صلاة الصبح بوضوء العتمة، أضف إلى ذلك أن سهر الليالي في هذه المدة الطويلة لا يوافق عليه العقل،ولا يندب إليه الشرع، وما كان النبي ولا الخلفاء على هذا السلوك، وقد قال سبحانه: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فيهِ وَالنَّهار مُبْصِراً) (2) ولازم القيام في الليل على النحو الذي جاء في تلك الرواية، هو كون النهار سكناً والليل مبصراً. ولأجل عدم انطباق ظاهر الرواية على مقتضى العرف والشرع، عمد بعض المترجمين إلى تحريف الرواية وقال: ويحكي أبو الحسين السروي(3) عن عبادته في الليل واشتغاله ما يدل على حرصه وقوته في العبادة.(4)

2. روى ابن عساكر عن أبي عبد الله بن دانيال يقول: سمعت بندار بن الحسين، وكان خادم أبي الحسن علي بن إسماعيل بالبصرة، قال: كان أبو الحسن يأكل من غلة ضيعة، وقفها جده بلال بن أبي بردة بن موسى الأشعري


1. التبيين:141; تاريخ بغداد:11/347.

2. يونس:67.

3. في المصدر: «الشروي» وهو لحن.

4. مقدمة الإبانة: 16، بقلم أبي الحسن الندوي.


(21)

على عقبه، قال: وكانت نفقته في كلّ سنة سبعة عشر درهماً.(1)

وهذا من غرائب الأُمور، إذ مع أنّه لا يكفي لنفقة إنسان طول السنة مهما بلغت قيمة العملة الفضية، كما هو معلوم لمن تتبع قيمة الدرهم والدينار في العصور الإسلامية، إنّ الشيخ قام بتأليف كتب يناهز عددها المائة، وبعضها يقع في مجلدات ضخمة، وقد ذكر المقريزي أنّ تفسيره يقع في سبعين مجلداً.(2)

وهذا المبلغ لا يفي بقرطاس كتبه وحبرها ويراعها، والعجب أنّ الكاتب المعاصر عبد الرحمن بدوي حسب الرواية حقيقة راهنة، وأخذ بالمحاسبة الدقيقة، وخرج بهذه النتيجة: أنّ الأشعري كان ينفق في السنة 17 درهماً، والدرهم (95/2) غراماً من الفضة فكان مقدار ما ينفقه في العام هو ما يساوي (15/50) غراماً من الفضة، ثمّ قال: فما كان أرخص الحياة في تلك الأيام.(3)

ولأجل ما في هذا النقل من الغرابة، نقله ابن خلّكان بصورة أُخرى، وهي أنّ نفقته كلّ يوم كانت (17) درهماً.(4)

ولكن الحقّ ما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية، من أن مُغَلَّه كان في كلّ سنة (17) ألف درهم(5). فسقط الألف من نسخ القوم، وبذلك تجلّى الأشعري بصورة أنّه كان زاهداً متجافياً عن الدنيا.

رجوعه عن الاعتزال

اتّفق المترجمون له على أنّه أعلن البراءة من الاعتزال في جامع البصرة،


1. التبيين: 142.

2. الخطط المقريزية:2/359.

3. مذاهب الإسلاميين:503ـ 504.

4. وفيات الأعيان:3/382.

5. البداية والنهاية:11/187حوادث عام 224هـ.


(22)

وأقدم مصدر يذكر ذلك هو ابن النديم في (فهرسته) حيث يقول: أبو الحسن الأشعري من أهل البصرة، كان معتزلياً ثمّ تاب من القول بالعدل وخلق القرآن، في المسجد الجامع بالبصرة، في يوم الجمعة رقي كرسياً، ونادى بأعلى صوته: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أعرّفه نفسي، أنا فلان بن فلان، كنت قلت بخلق القرآن، وإنّ الله لا يرى بالأبصار، وإنّ أفعال الشر أنا أفعلها. وأنا تائب مقلع معتقد للرد على المعتزلة، وخرج بفضائحهم ومعايبهم. وكان فيه دعابة ومزح كبير .(1)

وقد أوعز إلى إنابة الأشعري عن منهج الاعتزال كثيرمن علماء التراجم، غير أنّهم لم يشيروا إلى الحوافز التي دعت الشيخ إلى هذا الانسلاخ، ولم يخطر ببالهم سبب له سوى انكشاف الخلاف عليه في المذهب الذي كان يتمذهب به من شبابه إلى أوائل كهولته، ولأجل ذلك يجب التوقف هنا إجمالاً، حتى نقف على بعض الحوافز الداعية له إلى الإنابة عن الاعتزال.

سبب رجوعه عن الاعتزال

إنّ رجوع الأشعري عن منهج الاعتزال كان ظاهرة روحية تطلب لنفسها علة وسبباً، ولا يقف عليها مؤرخ العقائد إلاّ بالغور في حياته، وما كان يحيط به من عوامل اجتماعية أو سياسية أو خلقية.

إلاّ أنّ قلم الخيال والوهم، أو قلم العاطفة، أعطى للموضوع مسرحية خاصة أقرب إلى الجعل والوضع منها إلى الحقيقة، فنقلوا منامات كثيرة أمر فيها رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أبا الحسن أن ينصر سنّته، ويرجع عمّا كان فيه. غير أنّي أضن بوقت القارئ أن أنقل كلّ ما جاء به ابن عساكر في «تبيينه» في ذلك المجال، وإنّما أكتفي بنموذج بل نموذجين منه:

1. نقل بسنده عن أحمد بن الحسين المتكلّم قال: سمعت بعض أصحابنا يقول: إنّ الشيخ أبا الحسن لما تبحّر في كلام الاعتزال فبلغ غايته،


1. فهرست ابن النديم:271; ووفيات الأعيان:3/285.


(23)

كان يورد الأسئلة على أُستاذيه في الدرس ولا يجد لها جواباً شافياً، فيتحير في ذلك، فحكي أنّه قال:

وقع في صدري في بعض الليالي شيء ممّا كنت فيه من العقائد، فقمت وصليت ركعتين، وسألت الله تعالى أن يهديني الطريق المستقيم، ونمت فرأيت رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بالمنام فشكوت إليه بعض ما بي من الأمر، فقال رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : عليك بسنّتي، فانتبهت وعارضت مسائل الكلام بما وجدت في القرآن والأخبار فأثبته، ونبذت ما سواه ورائي ظهرياً.

2. نقل أيضاً عن الأشعري أنّه قال: بينا أنا نائم في العشر الأُول من شهر رمضان، رأيت المصطفى ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال: يا علي أنصر المذاهب المروية عني فإنّها الحقّ، فلمّا استيقظت دخل عليّ أمر عظيم، ولم أزل مفكراً مهموماً لرؤياي، ولما أنا عليه من إيضاح الأدلة في خلاف ذلك، حتى كان العشر الأوسط فرأيت النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في المنام فقال لي: ما فعلت فيما أمرتك به؟ فقلت: يا رسول الله، وما عسى أن أفعل وقد خرّجت للمذاهب المروية عنك وجوهاً يحتملها الكلام، واتّبعت الأدلة الصحيحة التي يجوز إطلاقها على الباري عزّوجلّ؟ فقال لي: أنصر المذاهب المروية عني فإنّها الحقّ، فاستيقظت وأنا شديد الأسف والحزن، فأجمعت على ترك الكلام واتبعت الحديث وتلاوة القرآن; إلى آخر ما ذكره من الرؤيا.(1)

وكان الأولى للمحقّق ترك نقل هذه المنامات، لأنّ العوام والسذج من الناس إذا أعوزتهم الحجة في اليقظة، يلجأون إلى النوم فيجدون ما يتطلبونه من الحجج في المنام، فيملأون كتبهم بالمنامات والرؤى.

أضف إلى ذلك وجود التهافت بين المنامين، فإنّ الأوّل يعرب عن ظهور الشكّ في صحّة معتقداته قبل المنام و تزايده إلى أن أدى إلى التحول والبراءة بسبب الرؤيا، ولكن الثاني يعرب عن أنّ التحول كان فجائياً غير مسبوق بشيء


1. التبيين:38ـ 41.


(24)

من الشك والتردد في صحّة المنهج الذي عاش عليه فترة من عمره.

وكما لا يمكن الاعتماد على هذه المنامات، لا يمكن الركون إلى النقل التالي أيضاً.

3. إنّ الأشعري أقام على مذهب المعتزلة أربعين سنة وكان لها إماماً. ثمّ غاب عن الناس في بيته خمسة عشر يوماً، ثمّ خرج إلى الجامع وصعد المنبر وقال: معاشر الناس إنّما تغيبت عنكم في هذه المدة، لأنّي نظرت فتكافأت عندي الأدلّة ولم يترجح عندي حقّ على باطل ولا باطل على حق; فاستهديت الله تبارك و تعالى فهداني إلى اعتقاد ما أودعته في كتبي هذه، وانخلعت من جميع ما كنت أعتقده كما انخلعت من ثوبي هذا; وانخلع من ثوب كان عليه، و رمى به. ودفع الكتب إلى الناس، فمنها كتاب «اللمع» وكتاب أظهر فيه عوار المعتزلة وسمّاه بـ«كشف الأسرار وهتك الأسرار» وغيرهما، فلمّا قرأ تلك الكتب أهل الحديث و الفقه من أهل السنّة والجماعة أخذوا بما فيها، واعتقدوا تقدّمه، واتّخذوه إماماً حتى نسب إليه مذهبهم.(1)

ولا يصحّ هذا النقل من وجوه:

أمّا أوّلاً: فلأنّ ظاهر كلامه ذاك أنّه قام بتأليف هذه الكتب في أيام قلائل، وهو في غاية البعد.

وأمّا ثانياً: فلأن الناظر في كتابيه: ـ الإبانة واللمع ـ يجد الفرق الجوهري بينهما في عرض العقائد، فالأوّل منهما هو الذي ألّفه بعد انخراطه في مسلك أهل الحديث. ولأجل ذلك أتى في مقدمة الكتاب بلب عقائد إمام الحنابلة، بتغيير يسير. وأمّا كتاب اللمع فهو كتاب كلامي لا يشبه كتب أهل الحديث، ولا يستحسنه طلابه وأتباعه. وسيوافيك الكلام في ذلك عند عرض مذهب الأشعري من خلال كتبه.

وأمّا ثالثاً: فكيف يمكن أن يقال إنّه أقام على مذهب أُستاذه أربعين سنة؟ فلو دخل منهج الأُستاذ في أوان التكليف للزم أن يكون عام الخروج


1. التبيين: 39ـ 40.


(25)

موافقاً لكونه ابن خمس وخمسين سنة، وبما أنّه من مواليد عام (260هـ)، فيجب أن يكون عام الإنابة موافقاً لسنة (315هـ).

هذا من جانب، ومن جانب آخر فإنّه تبرأ من منهج الأُستاذ وهو حي، وقد توفي أُستاذه الجبائي عام (303هـ)، وعندئذ كيف يمكن تصديق ذلك النقل؟!

الحوافز الدافعة إلى ترك الاعتزال

إنّ الأشعري قد مارس علم الكلام على مذهب الاعتزال مدّة مديدة وبرع فيه إلى أوائل العقد الخامس من عمره، وعند ذاك تكون عقيدة الاعتزال صورة راسخة وملكة متأصلة في نفسه، فمن المشكل جداً أن ينخلع الرجل دفعة واحدة عن كلّ ما تعلم وعلّم، وناظر وغَلب أو غُلب، وينخرط في مسلك يضاد ذلك ويغايره بالكلية. نعم، نتيجة بروز الشك والتردُّد هو عدوله عن بعض المسائل و بقاؤه على مسائل أُخر، وأمّا العدول دفعة واحدة عن جميع ما مارسه وبرع فيه، والبراءة من كلّ ما يمت إلى منهج الاعتزال بصلة، فلا يمكن أن يكون أمراً حقيقياً جدّياً من جميع الجهات.

ولأجل ذلك لابدّ لمؤرّخ العقائد من السعي في تصحيح وتفسير هذه البراءة الكاملة من منهج الاعتزال من مثله.

فنقول: أمّا السبب الحقيقي فالله سبحانه هو العالم. ولكن يمكن أن يقال إنّ الضغط الذي مورس على بيئة الاعتزل من جانب السلطة العباسية أوجد أرضية لفكرة العدول في ذهن الشيخ ونفسه، وإليك بيانه:

1. الضغط العباسي على المعتزلة

إنّ الخلفاء العباسيين ـ من عصر المأمون إلى المعتصم، إلى الواثق بالله ـ كانوا يروّجون لأهل التعقّل والتفكّر، فكان للاعتزال في تلك العصور رقيّ وازدهار. فلمّا توفّي الواثق بالله عام 232هـ وأخذ المتوكل بزمام السلطة بيده، انقلب الأمر وصارت القوة لأصحاب الحديث، ولم تزل السيرة على ذلك حتى هلك المتوكل وقام المنتصر بالله مقامه، فالمستعين بالله، فالمعتز بالله،


(26)

فالمهتدي، فالمعتمد، فالمعتضد، فالمكتفي، فالمقتدر، وقد أخذ المقتدر زمام الحكم من عام 295هـ إلى 320هـ و في تلك الفترة أظهر أبو الحسن الأشعري التوبة والإنابة عن الاعتزال، والانخراط في سلك أهل الحديث. وقد ضيق أصحاب السلطة ـ في عصر المتوكل إلى عهد المقتدر ـ الأمر على منهج التعقّل، فالضغط والضيق كانا يتزايدان ولا يتناقصان أبداً، وفي تلك الفترة، لا عتب على الشيخ ولا عجب منه أن يخرج من الضغط والضيق بإعلان الرجوع عن الاعتزال، والانخراط في سلك أهل الحديث، الذين كانت السلطة تؤيدهم كما كانوا يؤيدونها.

لا أقول: إنّ فكرة الخروج عن الضغط كانت العامل الوحيد لعدوله عن منهج الاعتزال، بل أقول: قد أوجدت تلك الفكرة، أرضية صالحة للانسلاك في مسلك أهل الحديث، والثورة على المعتزلة، فإنّ تأثير البيئة وحماية السلطة ممّا لا يمكن إنكاره.

2. فكرة الإصلاح في عقيدة أهل الحديث

وهناك عامل آخر يمكن أن يكون مؤثراً في تحول الشيخ وانقلابه إلى منهج الحنابلة، وهو فكرة القيام بإصلاح عقيدة أهل الحديث التي كانت سائدة في أكثر البلاد. وما كان الإصلاح ممكناً إلاّ بالانحلال عن الاعتزال كلياً.

توضيحه: إنّ الغالب على فكرة أهل الحديث كان يوم ذاك هو القول بالتجسيم والجهة والجبر، وغير ذلك من العقائد الموروثة عن اليهود والنصاري، الواردة على أوساط المسلمين عن طريق الأحبار والرهبان، فعندما رجع الأشعري عن عقيدة الاعتزال وأعلن انخراطه في أصحاب الحديث، وأنّه يعتقد بما يعتقد به أصحابه، وفي مقدمتهم أحمد بن حنبل، مكّنه ذلك من إصلاح عقيدة أهل الحديث وتنزييهها عمّا لا يناسب ساحة الرب، من التجسيم وغيره. فكان الرجوع عن مذهب الاعتزال، شبه واجهة لأن يتقبله أهل الحديث بعنوان أنّه من أنصارهم وأعوانهم، حتّى يمكنه أن يقوم بإصلاح عقائدهم.


(27)

وفي هذا المورد يقول بعض المحقّقين: إنّ الخرافات السائدة بين أهل الحديث أوجبت سقوط عقائدهم عن مقامها في نفوس الناس، بعد ما كانت قد طبقت العالم الإسلامي، وانتشرت في أرجاء البلاد، ولما قام الإمام الأشعري بالإصلاح، بإحلال التنزيه، مكان التجسيم، حلت محلها عقيدة الأشعرية بعد هدوء الجو، وبسرعة تتناسب معتغيير العقائد في العادة.

والعقيدة الأشعرية هي عقيدة حنبلية معدلة، وقد تصرفت في جميع ما كان غير معقول في العقيدة الأُم، وهي الحنبلية.(1)

وقد توفّق الرجل في عملية الإصلاح في بعض المجالات، غير أنّه أبقى مسائل أُخرى على حالها، فممّا توفق فيه مثلاً هو: القول بكون القرآن قديماً، أو الاعتقاد بالجبر والقدر، بحيث يكون الإنسان مسبّراً لا مخيّراً، أو إثبات الصفات الخبرية لمعانيها الحقيقية على الله تعالى، كاليد والرجل والعين وسائر الأعضاء التي كانت الحنابلة وأهل الحديث يثبتونها بوضوح، وكان سبباً لسقوط هذه العقائد في نفوس العقلاء والمفكّرين، فجاء الإمام الأشعري بإصلاح وتغيير في هذه الأفكار المشوهة، فجعل القديم من القرآن، هو الكلام النفسي القائم بالله تبارك و تعالى، لا القرآن الملفوظ والمكتوب والمسموع، كما أنّه فسّر مسألة الجبر والقدر بأنّ الله سبحانه هو الخالق للأفعال خيرها وشرها، ولكن العبد كاسب لها، فللعبد دور في أفعاله باسم الكسب كما يأتي، ومع ذلك فقد أبقى رؤية الله تعالى في الآخرة بهذه الأبصار الظاهرة على حالها، ولم يفسرها بشيء.

يقول الشيخ الكوثري في تقديمه على كتاب التبيين، عن عصر المتوكل: ففي ذلك الزمان ارتفع شأن الحشوية والنواصب، وقمع أهل النظر والمعتزلة، والحشوية يجرون على طيشهم وعمايتهم واستتباعهم الرعاع والغوغاء، ويتقولون في الله مالا يجوّزه الشرع ولا العقل، من إثبات الحركة له، والنقلة، والحد، والجهة، والقعود والاقعاء والاستلقاء والاستقرار، إلى نحوها ممّا تلقّوه بالقبول


1. بحوث مع أهل السنة: 157.


(28)

من دجاجلة الملبسين من الثنوية وأهل الكتاب، ومما ورثوه من أُمم قد خلت ويؤلّفون في ذلك كتباً يملأونها بالوقيعة بالآخرين، متذرعين بالسنّة ومعزين إلى السلف، يستغلون ما ينقل عن بعض السلف من الأقوال المجملة التي لا حجّة فيها، وكانت المعتزلة تتغلب على عقول المفكّرين من العلماء، و يسعون في استعادة سلطانهم على الأُمّة، وأصناف الملاحدة والقرامطة الذين توغلوا في الفساد، واحتلوا البلاد، ففي مثل هذه الظروف قام الإمام أبو الحسن الأشعري لنصرة السنّة وقمع البدعة، فسعى أوّلاً للإصلاح بين الفريقين من الأُمّة بإرجاعهما عن تطرّفهما إلى العدل، قائلاً للأوّلين: أنتم على الحقّ إذا كنتم تريدون بخلق القرآن، اللفظ والتلاوة والرسم، وللآخرين: أنتم مصيبون إذا كان مقصودكم بالقديم، الصفة القائمة بذات الباري غير البائنة منه، وأسماه بالكلام النفسي.

وقام بمثل هذا الجمع في مسألة الرؤية فقال للأوّلين: نفي المحاذاة والصورة صواب، غير أنّه يجب عليكم الاعتراف بالتجلّي من غير كيف. وقال لأصحاب الحديث: إيّاكم من إثبات الصورة والمحاذاة، وكلّ ما يفيد الحدوث، وأنتم على صواب إن اقتصرتم على إثبات الرؤية للمؤمنين في الآخرة من غير كيف.(1)

أقول: إنّ هذا الإصلاح لو صحّ فإنّما هو بفضل ما تمرن عليه بين أصحاب التفكير والتعقّل، وعرف منهم التنزيه والتشبيه. ولولاه لما كان له هذا التوفيق البارز، وسيوافيك أنّه وإن نجح في هذا الأمر، لكنّه نجاح نسبي لا نجاح على الإطلاق. فإنّ المذهب الأشعري عند التحليل يتفق مع أحد المنهجين، وإن كان يتظاهر بأنّه على مذهب المحدثين، ولكنّه تارة يوافقهم، وأُخرى يخالفهم ويوافق المعتزلة في اللب والمعنى، وإن كان يخالفهم في القشر واللفظ كما سيظهر.


1. مقدّمة التبيين: 14ـ 15.