welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : بحوث في الملل والنحل/ ج1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

بحوث في الملل والنحل/ ج1

(126)

(127)

الفصل الخامس

نظرة في كتب أهل الحديث

(الحنابلة والحشوية)

لا نقاش في أنّ الحديث النبوي حجّة إلهية كالقرآن الكريم ولا يعدل المسلم المؤمن عنهما إلى غيرهما، فالكتاب معجزة خالدة واللفظ والمعنى منه سبحانه، وأمّا السنّة فلفظها للنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ والمفاد والمضمون منه سبحانه.

فلا فرق بين قوله تعالى: (فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُم) (1) وقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «الصلح جائز بين المسلمين».(2)

كما لا فرق بين قوله سبحانه:(فَتَيمَّمُوا صَعيداً طَيّباً) (3) وقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «التراب أحد الطهورين يكفيك عشر سنين».(4)

فالمسلم المؤمن باللّه وكتابه ورسالة نبيه لا يفرّق بين كتابه تعالى وكلامه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، كما لا يفرق بين قوله وفعله، بين إشارته وتقريره، فكلّ حجّة إلهية يجب العمل على وفقه ولا يكون المسلم مسلماً إلاّ إذا استسلم في هذه المجالات كلّها. قال سبحانه:(يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا )


1 . الحجرات:10.
2 . التاج الجامع للأُصول:2/202، رواه الترمذي وأبو داود والبخاري.
3 . المائدة:6.
4 . سنن الترمذي:1/212 باب ما جاء في التيمم للجنب.


(128)

تُقَدّمُوا بَيْنَ يَدَي اللّه وَرَسُولهِ وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَميعٌ عَليمٌ) .(1)

إنّ للحديث النبوي من جلالة الشأن وعلو القدر مالا يختلف فيه اثنان، ولا يحتاج في إثباته إلى برهان. إذ هي الدعامة الثانية ـ بعد الذكر الحكيم ـ للدين والأخلاق، والحكم والآداب، ممّا يتمتع به المسلمون في دينهم ودنياهم.

وهذه المكانة الجليلة والمنزلة الرفيعة، تقتضي مزيد العناية بها ودراستها بأحسن الأساليب العلمية والمنطقية، حتى يتميّز الصحيح من الزائف ولا ينسب إليه كلّ ما يحمل اسم الحديث والسنّة، أو كلّ ما يوجد في بطون الكتب وضمائر الأسفار، معقولاً كان أو غير معقول، مخالفاً كان للقرآن أو لا.

إنّ قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «من كذب علي متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار» إخطار أكيد للواعين بأنّ أعداء الدين لبالمرصاد وسوف ينسبون إليه كلّ مغسول من البلاغة، وعار عن الفصاحة وينقلون منه كلّ معنى ثقيل على الفطرة، أو مضاد للعقل السليم، الذي به عرفناه سبحانه وعرفنا براهين رسالة رسوله.

وقد دق رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بكلامه هذا جرس الإنذار للأُمّة لا سيما للوعاة منهم وحفاظ أحاديثه حتى لا يظنوا أنّ كلّ ما يصل إليهم باسم الحديث هو الحديث النبوي على حقيقته، بألفاظه ومعانيه، وليس قبول كلّ حديث ـ ولو كان فيه ما فيه ـ آية التسليم للّه وللرسول، وآية عدم التقدّم عليهما في ميادين الأُصول والفروع.

ويتضح ذلك أشد الوضوح إذا وقفت على ما تلوناه عليك من أنّ الحديث النبوي رزيء بالموضوعات التي تولّى كبرها أعداء الدين والإسلام أوّلاً، وتجرة الحديث ثانياً، يضعون الأحاديث تزلّفاً إلى الحكام وتقرّباً منهم.

هذا هو أبو هريرة أكثر الصحابة رواية عن رسول اللّه مع أنّه لم يصاحب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلاّ سنتين أو أقلّ منهما جاء بروايات فيها


1 . الحجرات:1.


(129)

طامات وغرائب بقيت على مر الدهر، وقد أتعب شراح الصحاح والمسانيد أنفسهم الزكية لحلها وتوجيهها. غير أنّ المتحري للحقيقة ومن يرى أنّ الحقّ أولى من الصحابة والصحابي يرى في أحاديثه آثار الوضع والدس والاختلاق بما لا مجال في المقام لذكرها.(1)

وقد أتينا في بعض الفصول السابقة بإلمامة توقفك على مأساة نقل الحديث والتحدّث به وكتابته ونشره بين الأُمّة،وعرفت أنّ ترك الكتابة بل ترك التحدث كان فضيلة، وخلافه بدعة. ولكن الظروف والأحوال ألجأت المسلمين إلى الكتابة والتدوين ونشره في أواخر النصف الأوّل من القرن الثاني.

ولأجل ذلك صار العثور على الحديث الصحيح الذي حدث به رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أمراً صعباً لما مر من دس الدسّاسين ووضع الوضّاعين تزلّفاً إلى أصحاب السلطة والعروش، وغير ذلك من دواعي الجعل.

غير أنّ الأحاديث والمأثورات المروية في كتب الحديث، أخذت لنفسها بعد التدوين مقاماً عالياً، وأضيفت إليها آراء الصحابة وأقوال التابعين فصار الجميع هو الأصل الأصيل في تنظيم العقائد وتشريع الأحكام سواء أكان موافقاً للقرآن أم مخالفاً، وسواء أكان موافقاً للعقل السليم أم مخالفاً له، وقد بلغ التحجّر بهم إلى حدّ أن قالوا:

1. إنّ السنّة لا تنسخ بالقرآن، ولكن السنّة تنسخ القرآن وتقضي عليه، والقرآن لا ينسخ السنّة ولا يقضي عليها.(2)

2. إنّ القرآن أحوج إلى السنّة من السنّة إلى القرآن.(3)

3. إنّ القول بعرض الأحاديث على الكتاب قول وضعه الزنادقة.(4)


1 . لاحظ في الوقوف على قيمة أحاديث أبي هريرة كتاب «أبوهريرة شيخ المضيرة» للعلاّمة المصري الشيخ محمود أبو رية.
2 . مقالات الإسلاميين:2/251.
3 . جامع بيان العلم:2/234.
4 . عون المعبود في شرح سنن أبي داود:4/429.


(130)

فبلغ بهم التقليد إلى حدّ صاروا يأخذون بظواهر كلّ ما رواه الرواة من الأخبار والآثار الموقوفة والمرفوعة، والموضوعة والمصنوعة وإن كانت شاذة أو منكرة أو غريبة المتن أو من الإسرائيليات مثل ما روي عن كعب ووهب و... أو معارضة بالقطعيات التي تعد من نصوص الشرع ومدركات الحس ويقينيات العقل ويكفّرون من أنكرها ويفسّقون من خالفها....(1)

فإذا كان هذا مصير الحديث مع كونه مصدراً للعقائد والأُصول فلا محالة تنجم عنه مناهج ومذاهب لا تفترق عن معتقدات اليهودية والنصرانية والمجوسية بكثير. فظهرت بينهم مذاهب التجسيم والتشبيه والرؤية والجبر وقدم كلام اللّه وغيره ممّا سبقهم إليه أهل الكتاب في عهودهم القديمة والحديثة. وما هذا إلاّ لأجل أنّ الأحاديث المروية صارت حجّة في مفادها ودليلاً في مضامينها على إطلاقها من دون نظر في إسنادها، أو دقة في معانيها، ومن دون عرضها على الكتاب والعقل.

فإذا كان الحديث بهذا المعنى مصدراً للأُصول والعقائد، فلا محالة تكون العقيدة الإسلامية أسيرة ما حدث عنه أصحاب الحديث في القرون الثلاثة الأُولى، فيوجد فيها ما أوعزنا إليه من مسألة التجسيم وأخواتها.

إنّ التجسيم والتشبيه والجبر وخلق الأعمال، التي ابتلي بها المسلمون في القرون الأُولى، وبقيت آثارها إلى العصور الأخيرة، كلّها من نتائج غفلة عدّة من المحدّثين وتقصيرهم في هذا المجال. فرووا مناكير الروايات، واغتروا بها، وبالتالي تورطوا في جهالات متراكمة، وظلمات متكاثفة، نأتي بأسماء عدّة من هؤلاء وآثارهم الباقية، وإلاّفالمحدّثون المشبهون أكثر من هؤلاء بكثير، إلاّأنّ الدهر أكل على آثارهم وشرب:

1. عثمان بن سعيد بن خالد بن سعيد التميمي الدارمي السجستاني، صاحب المسند، ولد قبل المائتين بيسير، وتوفي عام 280هـ، له كتاب


1 . من كلام السيد رشيد رضا تلميذ الإمام عبده، لاحظ الأضواء:ص 23.


(131)

«النقض»، يقول فيه: «اتّفق المسلمون على أنّ اللّه تعالى فوق عرشه و سماواته».

و لمّا كان الذهبي، شديد الميل إلى الحنابلة، كثير الازدراء بأهل التنزيه، أخذته العصبية فحاول إصلاح عبارته، فقال: أوضح شيء في هذا الباب قول اللّه عزّ وجلّ:(الرَّحمن عَلى العَرْش اسْتَوى)(1) فليُمَرْ كما جاء، كما هو معلوم من مذهب السلف، وينهى الشخص عن المراقبة والجدال وتأويلات المعتزلة.(2)

يلاحظ عليه: أنّ كتاب اللّه ليس كتاب لغز، بل هو كتاب هداية، فما معنى إثبات شيء للّه تعالى وإمراره عليه، من دون التعرف على مفهومه ومعناه، وما أحسن قول تلميذه تاج الدين عبد الوهاب السبكي (728ـ 778هـ) في طبقات الشافعية الكبرى في حقّه: «إنّ الذهبي غلب عليه مذهب الإثبات ومنافرة التأويل والغفلة عن التنزيه، حتى أثر ذلك في طبعه انحرافاً شديداً عن أهل التنزيه، وميلاً قوياً إلى أهل الإثبات، فإذا ترجم لواحد من أهل الإثبات، يطنب في وصفه بجميع ما قيل فيه من المحاسن ويبالغ في حقّه، ويتغافل عن غلطاته، ويتأوّل له ما أمكن; وأمّا إذا ترجم أحداً من الطرف الآخر، كإمام الحرمين، والغزالي ونحوهما، لا يبالغ في وصفه، ويكثر في قول من طعن فيه، ويعيد ذلك، ويبديه، ويعتقده ديناً، وهو لا يشعر، ويعرض عن محاسنهم الطافحة، فلا يستوعبها، فإذا ظفر لأحد منهم بغلطة ذكرها، وكذلك فعله في أهل عصرنا، إذا لم يقدر على أحد منهم بتصريح يقول في ترجمته: «واللّه يصلحه»، وسببه المخالفة في العقائد.(3)

2. خشيش بن أصرم، مصنف كتاب «الاستقامة» يعرّفه الذهبي بأنّه يرد فيه على أهل البدع(4)، ويريد منه أهل التنزيه الذين لا يثبتون للّه سبحانه


1 . طه:5.
2 . سير أعلام النبلاء:13/325.
3 . طبقات الشافعية الكبرى:2/13.
4 . تذكرة الحفاظ:2/551.


(132)

خصائص الموجود الإمكاني، وينزّهونه عن الجسم والجسمانيات. توفّي في شهر رمضان سنة 253هـ.(1)

3. أحمد بن محمد بن الأزهر بن حريث السجستاني السجزي. نقل الذهبي في «ميزان الاعتدال» عن السلمي قال: سألت الدارقطني عن الأزهري، فقال هو أحمد بن محمد بن الأزهر بن حريث، سجستاني، منكر الحديث، لكن بلغني أنّ ابن خزيمة حسن الرأي فيه وكفى بهذا فخراً. (2)توفّي سنة 312هـ.(3)

يلاحظ عليه: أنّه كفى بهذا ضعفاً، لأنّ ابن خزيمة هذا رئيس المجسمة والمشبهة، ومنه يعلم حال السجستاني، والجنس إلى الجنس يميل

4. محمد بن إسحاق بن خزيمة. ولد عام 311هـ. وقد ألّف «التوحيد وإثبات صفات الرب»، وكتابه هذا مصدر المشبّهة والمجسّمة في العصور الأخيرة. وقد اهتمت به الحنابلة، وخصوصاً الوهابية، فقاموا بنشره على نطاق وسيع. وسيوافيك بعض أحاديثه.

5. عبد اللّه بن أحمد بن حنبل، (ولد عام 213، وتوفّي عام 290، يروي أحاديث أبيه (الإمام أحمد بن حنبل). وكتابه «السنّة» المطبوع لأوّل مرة بالمطبعة السلفية ومكتبتهاعام 1349هـ، مشحون بروايات التجسيم والتشبيه، يروي فيه ضحك الرب، وتكلّمه، وأصبعه، ويده، ورجله، وذراعيه، وصدره، وغير ذلك ممّا سيمر عليك بعضه.

وهذه الكتب الحديثية الطافحة بالإسرائيليات والمسيحيات جرّت الويل على الأُمّة وخدع بها المغفلون من الحنابلة والحشوية وهم يظنون أنّهم يحسنون صنعاً.


1 . سير أعلام النبلاء:2/250ـ 251.
2 . ميزان الاعتدال:1/132.
3 . سير أعلام النبلاء:14/396.


(133)

ولأجل أن يقف القارئ على بعض ما في هذه الكتب من الأحاديث المزورة التي تخالف الذكر الحكيم وتناقض العقل والفطرة، نأتي بنماذج مما ورد في الكتابين التاليين:

1.« السنّة» لأحمد بن حنبل الذي رواه عنه ابنه عبداللّه.

2. التوحيد لابن خزيمة.

وهؤلاء وإن كانوا يتلون قوله سبحانه:(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء) ولكنّهم يروون أحاديث تثبت للربّ سبحانه آلاف الأمثال و الأشباه.

نعم، يقول ابن خزيمة: إنّا نثبت للّه ما أثبته اللّه لنفسه ونقر بذلك بألسنتنا ونصدق بذلك بقلوبنا من غير أن نشبه وجه خالقنا بوجه أحد المخلوقين، وعز ربّنا عن أن نشبهه بالمخلوقين.(1)

لكن هذه ا لعبارة اتخذها واجهة لتبرير نقل الروايات الصريحة في التجسيم والجهة، ولا تتحمل تلك الروايات هذا التأويل الذي لهج به ابن خزيمة وأبناء جلدته.

و هذا كتاب السنة لإمام الحنابلة وقد رواه عنه ابنه تجد فيه أحاديث تعرب عن أنّ للّه سبحانه ضحكاً وأصبعاً ويداً وذراعين ووجهاً، التي يتبادر منها البدع اليهودية والمسيحية.

و ما نذكره هنا إنّما هو نماذج ممّا ورد في الكتابين المذكورين، والسابر فيهما يجد أضعاف أمثاله، وأكثر هذه الأحاديث قد أخرجت في الصحاح والسنن.

إنّ كتاب «التوحيد» لابن خزيمة قد وقع مورد القبول عند أهل الحديث والحنابلة، كيف، وقد جمع الأحاديث من هنا وهناك وحشاها في كتابه من غير فحص ولا تنقيب، وهذه كانت المنية الكبرى للحنابلة في تلك العصور. ولأجل ذلك صار الكتاب يقرأ على العلماء والفضلاء حتى يتخذوه ميزاناً لتمييز الحقّ عن الباطل، ولا يتخلف أحد عن الاعتراف بما جاء فيه.


1 . التوحيد لابن خزيمة: 11.


(134)

قال ابن كثير في حوادث سنة 460هـ: وفي يوم النصف من جمادى الآخرة قرأ«الاعتقاد القادري» الذي فيه مذهب أهل السنّة و الإنكار على أهل البدع. وقرأ أبو مسلم الكجي البخاري المحدّث كتاب «التوحيد»لابن خزيمة على الجماعة الحاضرين، وذكر بمحضر من الوزير ابن جهير وجماعة الفقهاء وأهل الكلام،واعترفوا بالموافقة.(1)

هذا، وبمرور الزمن وعلى أثر تفتح العقول أفلت شمس كتاب التوحيد وشطب المفكّرون من الأشاعرة على ما فيه.

يقول الرازي في هذا الصدد عند تفسير قوله سبحانه (ليس كمثله شيء) : «واعلم أنّ محمد بن إسحاق بن خزيمة أورد استدلال أصحابنا بهذه الآية في الكتاب الذي سمّاه بـ«التوحيد» وهو في الحقيقة كتاب الشرك، واعترض عليها. وأنا أذكر حاصل كلامه بعد حذف التطويلات، لأنّه كان رجلاً مضطرب الكلام، قليل الفهم، ناقص العقل.(2)

هذا، ولو أنّ الرازي وقف على ما في تعاليم الأشاعرة من الجبر الملتوي في مقابل الجبر الصريح كما سيبين، والتجسيم والتشبيه الخفيين، لما اتخذ المذهب الأشعري ـ الذي هو أحد وجهي العملةوالوجه الآخر هو عقيدة أهل الحديث ـ لنفسه شعاراً، ولما حماهم بحماس.

يقول الدكتور أحمد أمين: وفي رأيي لو سادت تعاليم المعتزلة إلى اليوم لكان للمسلمين موقف آخر في التاريخ غير موقفهم الحالي وقد أعجزهم التسليم وشلّهم الجبر،وقعد بهم التواكل.(3)

والصحيح أن يقال: لو سادتهم الحرية في البحث والاستماع واتّباع الأحسن لكان موقفهم غير هذا.


1 . البداية والنهاية:12/96.
2 . تفسير الإمام الرازي:27/150.
3 . ضحى الإسلام:3/70.


(135)

في أنّ اللّه يضحك

1. روى ابن حنبل: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حماد بن سلمة، عن يعلى ابن عطاء، عن وكيع بن حدس، عن عمّه أبي رزين قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : ضحك ربّنا من قنوط عباده وقرب غيره قال: قلت: يا رسول اللّه أو يضحك الرب؟ قال: نعم. قلت: لن نعدم من ربّ يضحك خيراً.(1)

رواه ابن خزيمة لكن بدل قوله نعم، قال: إي والذي نفسي بيده إنّه ليضحك.(2)

2. روى عبد اللّه بن أحمد بن حنبل، عن إسماعيل بن أبي معمر، حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : ضحك ربّنا من رجلين يقتل أحدهما صاحبه ثمّ يصيران إلى الجنة.(3)

ورواه ابن خزيمة بأسانيد مختلفة.(4)

3. وجاء في خبر طويل رواه عن إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة الحراني أبو أحمد قال: أملاه علينا إملاء في دار كعب: قال حدّثني محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحمن خالد بن أبي يزيد، حدّثني زيد بن أبي أنيسة، عن المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة بن عبد اللّه، عن مسروق بن الأجدع، حدثنا عبد اللّه بن مسعود، عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: ... فيقول اللّه له ـ أي لمن أدخله الجنة ثمّ لم يزل يطلب منزلة أرفع من أُخرى ـ : لن ترضى أن أعطيك مثل الدنيا مذ يوم خلقتها إلى يوم أفنيتها وعشرة أضعافها؟ فيقول: أتستهزئ بي وأنت ربّ العالمين؟!


1 . السنّة لعبد اللّه بن حنبل:54.
2 . التوحيد وإثبات صفات الرب:235.
3 . السنّة:166.
4 . التوحيد:234.


(136)

قال: فضحك الرب من قوله. قال: فرأيت ابن مسعود إذا بلغ هذا المكان من هذا الحديث ضحك، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن قد سمعتك تحدّث هذا الحديث مراراً كلّما بلغت هذا المكان من هذا الحديث ضحكت. فقال ابن مسعود: إنّي سمعت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يحدث بهذا الحديث مراراً، كلما بلغ هذا المكان من هذا الحديث ضحك حتى تبدو آخر أضراسه. الحديث.(1)

ورواه ابن خزيمة عن ابن مسعود(2) وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي.

4. وروى ابن خزيمة بأسانيد متعددة عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «يتجلّى لنا ربّنا عزّ وجلّ يوم القيامة ضاحكاً».(3)

قال ابن خزيمة في«باب ذكر إثبات ضحك ربّنا عزّ وجلّ»: بلا صفة تصف ضحكه ـ جلّ ثناؤه ـ لا ولا يشبه ضحكه بضحك المخلوقين وضحكهم كذلك. بل نؤمن بأنّه يضحك كما أعلم النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ونسكت عن صفة ضحكه جلّ وعلا، إذ اللّه عزّوجلّ استأثر بصفة ضحكه لم يطلعنا على ذلك، فنحن قائلون بما قال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مصدقون بذلك بقلوبنا، منصتون عمّا لم يبيّن لنا، ممّا استأثر اللّه تعالى بعلمه.(4)

وقد عرفت ما في تأويله من الوهن وأنّ هذه الأحاديث لو صحت لوجب حملها على ظواهرها من الضحك الملازم لبدو الأسنان والفم، والقول بأنّه يضحك ولا نعلم حقيقته، تأويل سخيف، بل الأمر دائر بين القبول تماماً أو الردّ كذلك.


1 . السنّة:206ـ 208.
2 . التوحيد:231.
3 . التوحيد:236.
4 . التوحيد:230ـ 231.


(137)

في أنّ للّه يداً

1. قال عبد اللّه بن أحمد بن حنبل: قرأت على أبي إبراهيم بن الحكم بن أبان، حدّثني أبي، عن عكرمة قال: إنّ اللّه لم يمس بيده شيئاً إلاّثلاثاً:خلق آدم بيده،وغرس الجنة بيده، وكتب التوراة بيده.(1)

2. وقال: قرأت على أبي، حدّثنا إسحاق بن سليمان، حدّثنا أبو الجنيد ـ شيخ كان عندنا ـ عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير: أنّهم يقولون إنّ الألواح من ياقوتة لا أدري قال حمراء أو لا ؟وأنا أقول: سعيد بن جبير يقول: إنّها كانت من زمردة وكتابتها الذهب، وكتبها الرحمن بيده، ويسمع أهل السماوات صرير القلم.(2)

3. وقال: حدّثني أبي، حدّثنا يزيد بن هارون، أنا الجرير، عن أبي عطاف قال: كتب اللّه التوراة لموسى بيده وهو مسند ظهره إلى الصخرة في الألواح من در، يسمع صريف القلم، ليس بينه و بينه إلاّ الحجاب.(3)

4. وقد أفرد ابن خزيمة لإثبات اليد للّه صفحات كثيرة وممّا رواه عن أبي هريرة، عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: لمّا خلق اللّه الخلق كتب كتاباً وجعله تحت العرش: إنّ رحمتي تغلب غضبي.(4)

5. ومنها عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال:«إنّ اللّه يفتح أبواب السماء في ثلث الليل فيبسط يديه فيقول: ألا عبد يسألني فأعطه».(5)

6. ومنها: عن أبي هريرة، عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «ما تصدّق أحد بصدقة من طيب ـ و لا يقبل اللّه إلاّالطيب ـ إلاّ أخذها اللّه


1 . السنّة:209.
2 . السنّة:76.
3 . السنّة:76.
4 . التوحيد:58.
5 . التوحيد:58، وروى ابن خزيمة أحاديث كثيرة جداً في نزول اللّه إلى السماء الدنيا كل ليلة: 125ـ 136 ووصفها بأنّها أخبار ثابتة السند صحيحة القوام.


(138)

بيمينه، وإن كانت مثل تمرة، فتربو له من كف الرحمن».الحديث.(1)

في أنّ للّه عينين

استدلّ ابن خزيمة بما ورد من أنّ اللّه بصير، على أنّ له عينين، قال: نحن نقول: لربنا الخالق عينان يبصر بهما ما تحت الثرى وتحت الأرض السابعة السفلى وما في السماوات العلى وما بينهما من صغير وكبير... إلى أن قال: كما يرى عرشه الذي هو مستو عليه. وبنو آدم وإن كانت لهم عيون يبصرون بها فإنّهم إنّما يرون ما قرب من أبصارهم ممّا لا حجب ولا ستر بين المرئي وبين أبصارهم... واستطرد في ذكر نواقص عيون بني آدم ثمّ قال: فما الذي يشبه ـ يا ذوي الحجا ـ عين اللّه الموصوفة بما ذكرنا، عيون بني آدم التي وصفناها بعد.(2)

في أنّ للّه أصبعاً

1. روى عبد اللّه بن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبي يقول: حدّثنا يحيى بن سعيد بحديث سفيان، عن الأعمش ومنصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد اللّه، عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : إنّ اللّه يمسك السماوات على أصبع. قال أبي: وجعل يحيى يشير بأصابعه، وأراني كيف جعل يحيى يشير بأصابعه يضع أصبعاً أصبعاً حتى أتى على آخرها.(3)

2. أمّا حديث سفيان المشار إليه فهو ما رواه بإسناده عن عبد اللّه: أنّ يهودياً أتى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال: يا محمّد إنّ اللّه يمسك السماوات على أصبع والأرضين على أصبع والثرى على أصبع والجبال على أصبع والخلائق على أصبع ثمّ يقول: أنّا الملك. فضحك رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حتى بدت نواجذه. ثمّ قال: «وما قدروا اللّه حقّ قدره».


1 . التوحيد: 61.
2 . التوحيد: 50ـ 51.
3 . السنّة: 63.


(139)

ثمّ أضاف عبد اللّه بن أحمد: قال أبي، قال يحيى، قال فضيل بن عياض، فضحك رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ تعجباً وتصديقاً له.

وروي هذا الخبر وما في معناه بأسانيد مختلفة عن ابن مسعود تارة، وعن ابن عباس أُخرى.(1)

3. وقال حدّثني أحمد بن إبراهيم سمعت وكيعاً يقول: نسلم هذه الأحاديث كما جاءت ولا نقول كيف كذا، ولا لم كذا، يعني مثل حديث ابن مسعود«إنّ اللّه يحمل السماوات على أصبع والجبال على أصبع وحديث أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن» ونحوها من الأحاديث.(2)

وأورد أخباراً مفادها أنّ اللّه تعالى حيث تجلّى للجبل فجعله دكاً إنّما تجلّى بأصبعه، ضربه على رأس الجبل فاندك.

4. منها: حدّثني محمد بن أبي بكر المقدمي، حدّثنا هريم، حدّثنا محمد بن سواء، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «فلمّا تجلّى ربّه للجبل» قال هكذا،وأشار بطرف الخنصر يحكيه.(3)

5. ومنها ما ذكره ابن خزيمة قال: حدّثنا عبد الوارث بن عبد الصمد، قال حدّثنا حماد بن سلمة، قال: حدّثنا ثابت، عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لمّا تجلّى ربّه للجبل» رفع خنصره وقبض على مفصل منها، فانساخ الجبل، فقال له حميد:أتحدّث بهذا؟! فقال: حدّثنا أنس عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وتقول: لا تحدّث به؟(4)


1 . السنّة: 62ـ 64.
2 . السنّة: 64.
3 . السنّة: 65.
4 . التوحيد: 113.


(140)

في أنّ للّه كلاماً وصوتاً

1. قال عبد اللّه بن أحمد، حدّثني أبو معمر، حدّثنا جرير، عن الأعمش، قال: وحدّثنا ابن نمير وأبو معاوية كلّهم عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عبد اللّه قال: إذا تكلم اللّه بالوحي، سمع أهل السماء صلصلة كصلصلة الحديدة على الصفا .(1)

وأخرج ابن خزيمة أخباراً كثيرة في ذلك.(2)

في أنّ للّه ذراعين وصدراً

1. قال عبد اللّه بن أحمد، حدّثني سريج بن يونس، حدّثنا سليمان بن حيان أبوخالد الأحمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد اللّه بن عمرو قال: ليس شيء أكثر من الملائكة، إنّ اللّه خلق الملائكة من نور، فذكره وأشار سريج بيده إلى صدره، قال: وأشار خالد إلى صدره فيقول: كن ألف ألف ألفين فيكونون.(3)

2. وقال:حدّثني أبي، حدّثنا أبو أُسامة حماد بن أُسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عبد اللّه بن عمرو قال: خلقت الملائكة من نور الذراعين والصدر.(4)

3. وقال:حدّثنيه أبو خيثمة زهر بن حرب، حدّثنا عبيد اللّه بن موسى، حدّثنا شيبان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: إن غلظ جلد الكافر اثنان وسبعون ذراعاً بذراع الجبار وضرسه مثل ذلك.(5)


1 . السنّة: 71.
2 . التوحيد: 145ـ 147.
3 . السنّة: 190.
4 . السنّة: 190.
5 . السنّة: 190.


(141)

في أنّ للّه نفساً

1. قال عبد اللّه بن أحمد، حدّثني أبو معمر، حدّثنا جرير، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ذر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن بزي، عن أبيه، عن أُبي بن كعب قال: لا تسبوا الريح فإنّها من نفس الرحمن.(1)

في أنّ للّه رجلاً

1. قال عبد اللّه بن أحمد بن حنبل، حدّثني عبيد اللّه بن عمر القواريري، حدّثني حرمى بن عمارة، حدّثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «يلقى في النار وتقول هل من مزيد حتى يضع قدمه أو رجله عليها فتقول قط قط».(2)

وبهذا فسروا آية (رَبّنا عَجِّل لَنا قِطَّنا قَبلَ يومِ الحِسَابِ) .(3)

وأخرج ابن خزيمة نحوه، عن أبي هريرة.(4)

2. وروى ابن خزيمة، عن أبي هريرة، عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «وأمّا النار فلا تمتلئ حتى يضع اللّه رجله فيها فتقول قط قط، فهنالك تمتلئ». الحديث.

وهو حديث اختصام الجنة والنار، وأشار إلى أنّه مستفيض(5) والأخبار في وضع اللّه رجله في النار كثيرة جدّاً.

3. روى عبد اللّه بن أحمد في حديث طويل تقدّمت الإشارة إليه في مسألة الضحك، عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «فيتمثل الرب


1 . السنّة: 190.
2 . السنّة: 184.
3 . ص:16.
4 . التوحيد:92.
5 . التوحيد:93ـ 95.


(142)

فيأتيهم، فيقول لهم ما لكم لا تنطلقون كما انطلق الناس؟ فيقولون: إنّ لنا إلهاً(ما رأيناه) فيقول: وهل تعرفونه إن رأيتموه؟ فيقولون: بيننا وبينه علامة إذا رأيناها عرفناه، فيقول: ما هي؟ فيقولون: يكشف عن ساقه، قال: فعند ذاك يكشف اللّه عن ساقه. قال: فيخر كلّ من كان نظره، ويبقى قوم ظهورهم كصياصي البقر يدعون إلى السجود فلا يستطيعون وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون».(1)

وأمّا موضع الرجلين فقد استفاضت الأخبار في أنّه على الكرسي.

4. فمن ذلك ما رواه عبد اللّه بن أحمد، بإسناده عن عمر قال: إذا جلس على الكرسي سمع له أطيط(2) كأطيط الرحل الجديد.(3)

5. وبإسناده إلى ابن عباس قال: الكرسي موضع قدميه، والعرش لا يقدر أحد قدره.(4)

6. وقال: كتب إلى عباس بن عبد العظيم، حدّثنا أبو أحمد الزبيري، حدّثنا إسرائيل، عن ابن إسحاق، عن عبد اللّه بن خليفة قال: جاءت امرأة إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقالت: ادع اللّه أن يدخلني الجنة، قال: فعظم الرب وقال وسع كرسيه السماوات والأرض. إنّه ليقعد عليه فما يفضل منه إلاّقيد أربع أصابع، وإنّ له أطيطاً كأطيط الرحل إذ ركب.(5)

ورواه ابن خزيمة بزيادة«من ثقله» في آخره.(6) وقال المعلّق في ذلك الحديث: «مسألة أطيط العرش به سبحانه كأطيط الرحل وردت في عدة أحاديث، فمن العلماء من ينكر ذلك ويقول: إنّ الأطيط صفة للعرش لا مدخل له في الصفات، كالحافظ الذهبي والحق الذي يجب اتّباعه في ذلك أن نؤمن بما


1 . السنّة: 206.
2 . أي ليصوت باللّه كصوت الرحل ـ و هو كور الناقة ـ بالراكب الثقيل.
3 . السنّة: 79.
4 . السنّة: 79.
5 . السنّة: 80.
6 . التوحيد: 106.


(143)

ورد به النص من غير تشبيه ولا تكييف، وأن نعتقد أنّ ربّنا ليس محمولاً على العرش ولا محتاجاً إليه بل العرش وما تحته كلّه محمول بقدرته.(1)

وذكر في الكتابين أنّ العرش حملته أربعة ملائكة أحدهم على صورة إنسان والثاني على صورة ثور، والثالث على صورة نسر، والرابع على صورة أسد.(2)

وعلّق عليه في الحاشية بأنّ هذا لم يرد في حديث صحيح، ولعلّ الراوي أخذه من كعب الأحبار أو غيره من مسلمة أهل الكتاب.(3)

و مع ذلك ورد في الكتابين وأخرجه ابن حنبل في مسنده(4) بالإسناد إلى عكرمة مولى ابن عباس: أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنشد قول أُمية بن أبي الصلت الثقفي:

رجل وثـور تحـت رجـل يمينـه * والنسر للأُخرى وليث مرصد(5)

ورواه في كتاب السنّة(6) بزيادة: فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : صدق صدق.

في أنّ للّه وجهاً

1. روى عبد اللّه بن أحمد: حدّثني أبي، حدّثنا يحيى بن سعيد، حدّثنا ابن عجلان، حدّثني سعيد، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :


1 . التوحيد: 106، لاحظ التناقض في كلامه، ولاحظ أنّ الأخبار تارة فصلت بين العرش والكرسي فجعلته جالساً على العرش واضعاً قدميه على الكرسي، وأُخرى جعلت جلوسه على الكرسي.
2 . السنّة: 161; التوحيد: 92.
3 . التوحيد: 92.
4 . مسند أحمد:1/256.
5 . التوحيد: 90 مع أبيات أُخر. قالوا: إنّ أُميّة تنصّر في الجاهلية هو وورقة بن نوفل وكان ينشد الأشعار في تمجيد اللّه، ونسبوا إلى الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّه قال في حقّه: آمن شعره وكفر قلبه.
6 . السنّة: 187.


(144)

إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه، ولا يقل قبح اللّه وجهك ووجه من أشبه وجهك، فإنّ اللّه خلق آدم على صورته.(1)

2. وقال حدّثني أبو معمر، حدّثنا جرير، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء، عن ابن عمر قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لا تقبحوا الوجه، فإنّ اللّه خلق آدم على صورة الرحمن».(2)

3. نقل ابن خزيمة أخباراً كثيرة في ذلك(3)، ثمّ قال: هذا باب طويل لو استخرج في هذا الكتاب أخبار النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ التي فيها ذكر وجه ربّنا عزّوجلّ لطال الكتاب، وقد خرجنا كلّ صنف من هذه الأخبار في مواضعها في كتب مصنّفة(4) ثمّ استطرد في كلام طويل محاولاً من جهة إثبات ما تقدّم للّه تعالى ومن جهة أُخرى نفي التشبيه.(5)

في أنّ اللّه يُرى

لقد تضافرت الأخبار في الكتابين على أنّ اللّه يُرى يوم القيامة كالبدر المنير. وأنّه تعالى لا يُرى في الدنيا، غير أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ رآه عندما عرج به إلى السماء(6)، ونحن نكتفي بهذين الخبرين.

1. روى ابن خزيمة، عن معاذ بن هشام، قال: حدّثني أبي، عن قتادة، عن أبي قلابة، عن خالد بن اللجلاج، عن عبد اللّه بن عباس: أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «رأيت ربي في أحسن صورة، فقال: يا محمد! قلت: لبيك وسعديك، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: يا


1 . السنّة : 169 ورواه أيضاً بسند آخر في ص 64.
2 . السنّة: 64.
3 . التوحيد: 10ـ 18.
4 . التوحيد: 18.
5 . التوحيد: 21ـ 24.
6 . راجع التوحيد: 167ـ 230.


(145)

رب لا أدري. قال: فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي فعلمت ما بين المشرق والمغرب». الحديث(1). وقد رواه بأسانيد وطرق مختلفة.

2. وقال: حدّثنا محمد بن عيسى، قال: حدّثنا سلمة بن الفضل، قال; حدّثني محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الحرث بن عبد اللّه بن عياش بن أبي ربيعة، عن عبد اللّه بن أبي سلمة، أنّ عبد اللّه بن عمر بن الخطاب بعث إلى عبد اللّه بن عباس يسأله: هل رأى محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ربّه؟ فأرسل إليه عبد اللّه بن عباس أن نعم. فرد عليه عبد اللّه بن عمر رسوله أن كيف رآه؟ قال: فأرسل أنّه رآه في روضة خضراء دونه فراش من ذهب على كرسي من ذهب يحمله أربعة من الملائكة: ملك في صورة رجل، وملك في صورة ثور، وملك في صورة نسر، وملك في صورة أسد.(2)

ونختم المقال بما ذكره ابن خزيمة قال: إنّا لا نصف معبودنا إلاّبما وصف به نفسه، إمّا في كتاب اللّه أو على لسان نبيه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بنقل العدل موصولاً إليه، لا نحتج بالمراسيل ولا بالأخبار الواهية ولا نحتج أيضاً في صفات معبودنا بالآراء والمقاييس.(3)

في الجبر والقدر

روى عبد اللّه بن أحمد، عن أبيه أحمد بن حنبل، في كتاب «السنّة» الروايات التالية:

1. روى عبد اللّه بن أحمد قال: حدّثني أبي، حدّثنا زيد بن يحيى الدمشقي، حدّثنا خالد بن صبيح المري، حدّثنا إسماعيل بن عبيد اللّه أنّه سمع أُم الدرداء تحدّث عن أبي الدرداء، أنّه قال: سمعت النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول: «فرغ اللّه إلى كلّ عبد من خمس: من أجله ورزقه وأثره،


1 . التوحيد: 217.
2 . التوحيد: 198.
3 . التوحيد: 59.


(146)

وشقي أم سعيد».(1)

2. حدّثني أبي، حدّثنا هشيم، حدّثنا علي بن زيد، سمعت أبا عبيدة بن عبد اللّه يحدّث قال: قال عبد اللّه: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «إنّ النطفة تكون في الرحم أربعين يوماً على حالها لا تغير، فإذا مضت الأربعون صار علقة ومضغة كذلك، ثمّ عظاماً كذلك، فإذا أراد اللّه أن يسوي خلقه بعث إليها ملكاً فيقول الملك الذي يليه: أي رب أذكر أم أُنثى؟، أشقي أم سعيد؟ قصير أم طويل؟ أناقص أم زائد، قوته وأجله؟، أصحيح أم سقيم؟، قال: فيكتب ذلك كلّه. فقال رجل من القوم: فيم العمل إذاً وقد فرغ من هذا كلّه؟ فقال: اعملوا فكلّ سيؤخذ لما خلق له».(2)

3. حدّثني أبي، حدّثنا بهز بن أسد، حدّثنا بشر بن المفضل، حدّثنا داود، عن أبي نضرة، عن أسير بن جابر، قال: طلبت علياً في منزله فلم أجده، فنظرت فإذا هو في ناحية المسجد. قال: فقلت له: كأنّه خوفه قال: فقال: إيه ليس أحد إلاّ ومعه ملك يدفع عنه ما لم ينزل القدر فإذا نزل القدر لم يغن شيئاً.(3)

4. حدّثني أبي، حدّثنا معاذ بن معاذ، حدّثنا ابن عون، قال: حدّث رجل محمّداً عن رجلين اختصما في القدر فقال أحدهما لصاحبه: أرأيت الزنى بقدر هو؟ قال الآخر: نعم، قال محمد: آي وافق رجل حياً.(4)

5. حدّثني أبي، قال عبد اللّه بن الحارث المخزومي، حدّثنا شبل بن عباد ـ مولى لعبد اللّه بن عامر ـ ، عن ابن نجيح، عن مجاهد قول اللّه: (إِنّي )


1 . السنّة: 125.
2 . السنّة: 126.
3 . السنّة: 132.
4 . السنّة: 134ـ 135.


(147)

أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُون) (1) قال: علم من إبليس المعصية وخلقه لها.(2)

6.حدّثني أبي، حدّثنا عصام بن خالد الحضرمي، حدّثنا العطاف بن خلد، عن شيخ من أهل البصرة، حدّثني طلحة بن عبد اللّه بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، حدّثني أبي، عن جدّي أنّه قال لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : يا رسول اللّه: العمل على ما فرغ منه أو على أمر مؤتنف؟ قال: بل على أمر قد فرغ منه. قال: قلت: يا رسول اللّه ففيم العمل؟ قال: «إنّ كلاً ميسر لما خلق له».(3)

7. حدّثني أبي، حدّثنا وكيع، حدّثنا ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: (يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ ويُثبِت)(4) قال: إلاّ الشقاء والسعادة والحياة والموت.(5)

8. حدّثني أبي، حدّثنا إسحاق بن عيسى، أخبرني مالك، عن زياد بن سعد، عن عمرو بن مسلم، عن طاووس اليماني، قال: «أدركت ناساً من أصحاب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقولون كلّ شيء بقدر، قال: وسمعت عبد اللّه بن عمر يقول: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «كلّ شيء بقدر حتى العجز والكيس».(6)

9. حدّثني أبي، حدّثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن سعيد بن حيّان، عن يحيى بن يعمر، قال: «قلت لابن عمر: إنّ ناساً عندنا يقولون: الخير والشر بقدر، وناس عندنا يقولون: الخير بقدر والشر ليس بقدر. فقال ابن عمر: إذا رجعت إليهم فقل لهم: إنّ ابن عمر يقول إنّه منكم بريء وأنتم منه براء.(7)


1 . البقرة:30.
2 . السنّة:134ـ 135.
3 . السنّة:134ـ 135.
4 . الرعد:39.
5 . السنّة:134ـ 135.
6 . السنّة: 139.
7 . السنّة: 141.


(148)

10. حدّثني أبي، حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدّثنا سفيان، عن عمرو ابن محمد، قال: كنت عند سالم بن عبد اللّه فجاءه رجل فقال: الزنى بقدر؟ فقال: نعم. قال: كتبه علي؟! قال: نعم، قال: كتبه علي؟ قال: نعم .ويعذبني عليه؟ قال: فأخذ له الحصا.(1)

11. حدّثني أبي، حدّثنا عبد الرزاق، أنا معمر، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطأة: أما بعد، فإن استعمالك سعد بن مسعود على عمان كان من الخطايا التي قدر اللّه عليك، وقدر أن تبتلى بها.(2)

12. حدّثني أبي، حدّثنا وكيع، حدّثنا العلاء بن عبد الكريم سمعت مجاهداً يقول:(لَهُمْ أَعمال مِنْ دُون ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ) قال: أعمال لابدّ لهم من أن يعملوها.(3)

13. حدّثني أبي، حدّثنا وكيع، وابن بشر قالا: حدّثنا إسماعيل بن أبي خالد،عن أبي صالح:(ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَة فَمِن اللّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئة فَمِنْ نَفْسِك) (4) وأنا قدرتها عليك.(5)

14. حدّثني أبي، حدّثنا عبد الصمد، حدّثنا حماد، حدّثنا حميد، قال قدم الحسن مكة، فقال لي فقهاء مكة: الحسن بن مسلم وعبد اللّه بن عبيد لو كلمت الحسن فأخلأنا يوماً، فكلّمت الحسن فقلت: يا أبا سعيد إخوانك يحبون أن تجلس لهم يوماً، قال: نعم ونعمة عين، فواعدهم يوماً فجاءوا فاجتمعوا وتكلّم الحسن وما رأيته قبل ذلك اليوم ولا بعده أبلغ منه ذلك اليوم، فسألوه عن صحيفة طويلة فلم يخطئ فيها شيئاً إلاّ في مسألة. فقال له رجل: يا أبا سعيد من خلق الشيطان؟ قال: سبحان اللّه، سبحان اللّه، وهل من خالق غير اللّه! ثمّ قال: إنّ اللّه خلق الشيطان وخلق الشر وخلق الخير، فقال


1 . السنّة:143.
2 . السنّة: 143ـ 144.
3 . السنّة: 143ـ 144.
4 . النساء:79.
5 . السنّة: 144.


(149)

رجل منهم: قاتلهم اللّه يكذبون على الشيخ.(1)

15. حدّثني أبي، حدّثنا إسماعيل ـ يعني ابن علية ـ ، حدّثنا خالد الحذّاء قال: قلت للحسن: أرأيت آدم، أللجنة خلق أم للأرض؟ قال: للأرض. قال: قلت: أرأيت لو اعتصم؟ قال: لم يكن بدّمن أن يأتي على الخطيئة.(2)

التدرّع باللا كيفية

إنّ دلالة الأحاديث المتقدّمة على التشبيه والتجسيم ممّا لا كلام فيه غير أنّ جماعة منهم ـ لأجل الفرار عنهما ـ يتدرعون بلفظة «بلا كيف ولا تشبيه» أو غيرهما من العبارات المشابهة. فيقولون تارة: إنّ للّه يداً ورجلاً ووجهاً وقدماً بلا كيف ولا تشبيه، وأُخرى: إنّ للّه يداً لا كالأيدي، ووجهاً لا كالوجوه، وقدماً لا كالأقدام، وثالثة: إنّ له يداً تناسب ذاته وهكذا سائر الأعضاء.

يقول الإمام الخطابي:وليست اليد عندنا الجارحة وإنّما هي صفة جاء بها التوقيف، فنحن نطلقها على ما جاء ولا نكيّفها وهذا مذهب أهل السنّة والجماعة.(3)

ويقول ابن عبد البر: أهل السنّة مجمعون على الإقرار بهذه الصفات الواردة في الكتاب والسنّة ولم يكيفوا شيئاً فيها.(4)

إلى غير ذلك من الكلمات التي اتخذتها الأشاعرة وقبلهم بعض الحنابلة درعاً يتقون به عار التشبيه والتمثيل. وسيوافيك عند البحث عن عقائد الأشاعرة أنّ هذه الألفاظ لا تفيد شيئاً، وإليك إجمال ذلك:


1 . السنّة: 144.
2 . السنّة: 145.
3 . فتح الباري:13/417.
4 . فتح الباري:13/407.


(150)

أوّلاً: إذا كان المصدر للاعتقاد بأنّ للّه سبحانه أعضاء هي هذه الأحاديث ـ أو بعض الآيات على ما زعموا ـ فليس فيها شيء يدل على هذه الكلمة: «بلا كيف»، بل هي إضافة منهم بلا دليل. فليس لأهل الحديث الذين يفرون من التأويل، وحتى يسمّون الحمل على المجاز والكناية تأويلاً ، إلاّ الأخذ بحرفية هذه الأحاديث بتمامها، لا التصرف فيها.

وثانياً: إنّ اليد وأضرابها، موضوعة حسب اللغة للأعضاء المحسوسة التي يعرفها كلّ من عرف اللغة، فإجراء هذه الصفات عليه سبحانه يمكن بإحدى صورتين:

1. أن يجري عليه بما هو المتبادر عند أهل اللغة بلا تصرف فيه. وهذا ما عليه المشبّهة والمجسّمة.

2. أن يجري عليه بما أنّها كناية عن معان كالبخل في قول اليهود (يَدُ اللّهِ مَغْلُولة) (1)والإحسان والجود في قوله سبحانه: (بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتان) (2) وهذا ما عليه أهل التنزيه، وليس ذلك تأويلاً للقرآن أبداً ولا اتّباعاً لخلاف الظاهر، إذ لهذه الألفاظ عند الإفراد ظهور تصوّري ويراد منها الأعضاء، وعند التركيب مع سائرها والوقوع في طي الجمل ظهور آخر، فربما يتّحد الظهوران، مثل قولك لولدك:اغسل يدك قبل الغذاء. وربما يختلفان كما في الجملتين المتقدّمتين، وليس هنا وجه ثالث حتى يتدرّع به أهل الحديث والحنابلة، دعاة التنزيه لفظاً لا معنى. وما يتفوّه به هؤلاء من أنّ للّه يداً لا كالأيدي، فإن رجع إلى أحد هذين المعنيين فنعم الوفاق إمّا مع أهل التشبيه أو مع أهل التنزيه، وإلاّفيكون أشبه بلقلقة اللسان.

وباختصار: إنّ القائل بأنّ له يداً لا يخلو في إجراءاللفظ عليه سبحانه أن يريد أحد وجهين: إمّا أن يريد المعنى الحقيقي وهو العضو المحسوس فيكون مجسّماً ومشبّهاً، أو يريد المعنى المجازي وهو البخل أو الجود فيكون مؤوّلاً، وهو


1 . المائدة:64.
2 . المائدة:64.


(151)

يتحرز عن كلتا الطائفتين، فليس هنا وجه ثالث يلتجئ إليه أهل الحديث والحنابلة والأشاعرة.

فظهر أنّ قولهم بأنّ للّه يداً كالأيدي، لا مفاد صحيح له.

وبعبارة ثالثة: إنّ لفظة اليد إمّا مشترك معنوي يطلق على جميع مصاديقه وأفراده من الواجب والممكن بوضع ومعنى واحد. أو مشترك لفظي يجري على كلّ من الواجب والممكن بمعنى ووضع خاص.

فعلى الأوّل يجب أن يكون بين يد الإنسان ويد الواجب وجه مشترك وهو عين القول بالتشبيه.

وعلى الثاني يجب أن يكون المعنى الذي يجري على الإنسان مبائناً لما يجري على اللّه سبحانه فهل هو البخل والجود؟ فهذا هو التأويل بزعمكم، أو غيرهما فبيّنوه لنا ما هو؟

الصحاح والمسانيد ومسألة التشبيه والتجسيم

ربما يتصوّر القارئ أنّ أمثال كتاب «السنّة» لابن حنبل وكتاب «التوحيد» لابن خزيمة، تشتمل على أحاديث التشبيه والتجسيم، وأمّا الصحاح فهي خالية عن هذه الأساطير. ولكنّه إذا سبرها سرعان ما يرجع عن هذه الفكرة ويرى أنّ الصحاح كلّها وعلى رأسها الصحيحان قد زخرت بها، حتّى مع غض النظر عن رؤية اللّه بهذه العيون المادية على ما رووا عن رسول اللّه من أنّه قال: «إنّكم ترون ربّكم عياناً كما ترون هذا القمر» فالصحاح أيضاً تزخر بأحاديث التشبيه والتجسيم والجبر وما أشبه ذلك التي ورثها الرواة المسلمون من اليهود المجسمة والمجبرة... وإليك نماذج من ذلك:

1. إنّ للّه مكاناً

قد احتل تحيّزاللّه سبحانه بمكان معين في الصحاح مكانة عظيمة فتارة ترى أنّ مكانه حيال المصلّي وأمام وجهه، وأُخرى بأنّه فوق العرش وهو يئط


(152)

تحته أطيط الرحل بالراكب، وثالثة بين السحب الكثيفة، وإليك بعض ما روي في ذلك المجال:

1. روى عبد اللّه بن عمر أنّ رسول اللّه رأى بصاقاً في جدار القبلة فحكه بيده ثمّ أقبل على الناس فقال: «إذا كان أحدكم يصلي لا يبصق قبل وجهه فإنّ اللّه قبل وجهه إذا صلّى».(1)

2. روى جبير بن محمد عن جدّه قال: أتى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أعرابي فقال: يا رسول اللّه جهدت الأنفس، وضاعت العيال ونهكت الأموال وهلكت الأنعام فاستسق اللّه لنا، فإنّا نستشفع بك على اللّه ونستشفع باللّه عليك.

قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : ويحك أتدري ما تقول؟ وسبح رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فمازال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثمّ قال: ويحك إنّه لا يستشفع باللّه على أحد من خلقه، شأن اللّه أعظم من ذلك، ويحك أتدري ما اللّه: إنّ عرشه على سماواته لهكذا، وقال بأصابعه مثل القبة عليه وإنّه ليئط به أطيط الرحل بالراكب.

قال ابن بشار: إنّ اللّه فوق عرشه وعرشه فوق سماواته.(2)

3. روى أبو رزين قال: قلت: يا رسول اللّه أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: «كان في عماء، ما تحته هواء و ما فوقه هواء و ماء ثمّ خلق عرشه على الماء».(3)

قال ابن منظور: العماء(ممدودة): السحاب المرتفع وقيل الكثيف. قال أبو زيد هو شبه الدخان يركب رؤوس الجبال وقال ابن سيده: العماء: الغيم الكثيف الممطر.


1 . صحيح البخاري:1، كتا ب الصلاة باب «حك البزاق باليد في المسجد» ولاحظ أيضاً كتاب الصلاة باب «هل يلتفت لأمر ينزل» و صحيح مسلم:2، باب «النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة».
2 . سنن أبي داود:4/232، رقم الحديث4726، باب في الجهمية.
3 . سنن ابن ماجة:1/78، باب فيما أنكرت الجهمية.


(153)

وعلى هذه الأحاديث نسجت عقيدة أهل الحديث والسلفية، وقال ابن تيمية محيي طريقتهم في القرن الثامن بعد اندراسها:

إنّه سبحانه فوق سماواته على عرشه، علي على خلقه.(1)

إنّ هذه الروايات ونظائرها التي اكتفينا بالقليل منها أوجدت حجاباً غليظاً أمام الحقائق، فلم يقدر أحد حتى المتحرّرون من أهل السنّة كالشيخ محمّد عبده وأتباع منهجه وتلامذة مدرسته على رفض تلك النصوص المخالفة للعقل الذي به عرف سبحانه وصدق نبيّه وإعجاز كتابه. حتى التجأ الإمام أحمد ـ لأجل هذه الأحاديث ـ إلى تأويل الآيات الدالّة على كونه سبحانه محيطاً بالعالم كلّه، أعني قوله سبحانه: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ) (2) وقال: إنّ المراد هو إحاطة علمه سبحانه لا معيته وجوداً.(3)

نزوله سبحانه إلى السماء الدنيا

لم يقتنع أصحاب الحديث بما وصفوا به سبحانه من نسبة التحيز والمكان إليه حتى أثبتوا له الهبوط إلى السماء الدنيا. روى أبو هريرة أنّ رسول اللّه قال: «ينزل ربنا تبارك وتعالى كلّ ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فاستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فاغفر له؟».(4)

بل لم يقتنعوا بهذا وأثبتوا له الضحك. وهذا البخاري روى في حديث: فلمّا أصبح غدا إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال: ضحك اللّه الليلة أو عجب من فعالكما.(5)


1 . مجموعة الرسائل الكبرى لابن تيمية، والعقيدة الواسطية ص 401.
2 . الحديد:4.
3 . السنّة: 36 .
4 . صحيح البخاري:2/53 با ب«الدعاء والصلاة من آخر الليل».
5 . صحيح البخاري:5/34 باب (وَيؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) من كتاب مناقب الأنصار.


(154)

وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «يضحك اللّه لرجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة». قالوا: كيف يا رسول اللّه؟ قال: «يقتل هذا فيلج الجنة ثمّ يتوب اللّه على الآخر فيهديه إلى الإسلام ثمّ يجاهد في سبيل اللّه فيستشهد».(1)

له سبحانه أعضاء، كأعضاء الإنسان

وذهب أصحاب الصحاح في المجال إلى أكثر من ذلك ولم يقفوا عند ما ذكرناه من الصفات حتى أخذوا يصوّرونه كإنسان له أعضاء كالوجه واليد والأصابع والحقو، والساق والقدم، والقلم يخجل من نشر هذه الأساطير التي أدرجت ـ مع الأسف ـ باسم الحديث عن النبي الخاتم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في الكتب وزخرت بها الصحاح، ونسجت على منوالها العقائد والأُصول، وعدّ من خالفها مرتداً كافراً يضرب عنقه وتقسم أمواله على الورثة.

ولأجل إيقاف القارئ على صدق ما ادّعيناه في حقّ أصحاب الصحاح نأتي من كلّ مورد بنموذج أو نموذجين:

1. الوجه

عن أبي هريرة، عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «خلق اللّه آدم على صورته طوله ستون ذراعاً...».(2)

عن أبي هريرة عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإنّ اللّه خلق آدم على صورته».(3)

وقد أخذه أبو هريرة عن الأحبار و على رأسهم كعب الأحبار أُستاذه في


1 . صحيح مسلم:6/40، باب «بيان الرجلين يقتل أحدهما الآخر ويدخلان الجنة» من كتاب الإمارة.
2 . صحيح البخاري:8/50 كتاب الاستئذان باب «بدو السلام».
3 . صحيح مسلم:8/32 باب «النهي عن ضرب الوجه» من كتاب البر والصلة والآداب.


(155)

الأساطير والقصص. فهذه هي التوراة قد جاء فيها في الإصحاح الخامس من سفر التكوين: لما خلق اللّه آدم، خلقه على صورة اللّه.

وكان على أبي هريرة أن يبيّن عرض وجه آدم بعد أن بين أنّ طوله كان ستين ذراعاً، واللّه يعلم طول وجهه وعرضه وهو القائل (لَقَدْ خَلَقْنا الإِنْسانَ في أَحْسَنِ تَقْويم) .(1)

2. له سبحانه يدان

روى أبوهريرة عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال:«إنّ يمين اللّه ملأى لاتغيضها نفقة، سحّاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنّه لم ينقص ما في يمينه، وعرشه على الماء وبيده الأُخرى الفيض أو القبض، يرفع ويخفض».(2)

3. له سبحانه أصابع

روي عن عبد اللّه قال:جاء حبر من الأحبار إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال: يا محمد إنّ اللّه يجعل السماوات على أصبع والأرضين على اصبع والشجر على أصبع والماء والثرى على أصبع وسائر الخلائق على أصبع فيقول أنا الملك. فضحك النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر ثمّ قرأ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : (وَمَا قَدَروا اللّهَ حقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَميعاً قَبضتُهُ يَومَ القِيامَةِ وَالسَّمواتُ مَطوياتٌ بيمينهِ سُبحانهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُون).(3)

4. له سبحانه حقو(4)

!

عن أبي هريرة، عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «خلق اللّه الخلق


1 . التين:4.
2 . صحيح البخاري:9/124، باب «وكان عرشه على الماء» من كتاب التوحيد.
3 . صحيح البخاري:6/126 تفسير سورة الزمر. والآية 67 من سورة الزُّمر.

4 . الحقو: ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلف.


(156)

فلمّا فرغ قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن، فقال له: مه، قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال: ألا ترضين أنّ أصل من وصلك، وأقطع من قطعك، قالت: بلى يا رب قال: فذاك».(1)

5. اللّه سبحانه وساقه!

روي عن أبي سعيد قال: سمعت النبي يقول:«يكشف ربّنا عن ساقه فيسجد له كلّ مؤمن ومؤمنة ويبقى من كان يسجد في الدنيا رئاء وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً».(2)

6. اللّه سبحانه وقدمه!

روي عن أنس، عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «يلقى في النار وتقول هل من مزيد حتى يضع قدمه فتقول: قط قط».(3)

هذه نماذج ممّا ورد في الصحاح من أحاديث التشبيه والتجسيم اكتفينا من كلّ مورد بحديث واحد. وقد تركت هذه الأحاديث آثاراً سلبية في معتقدات المسلمين فمن مشبه يقول: اعفوني من الفرج واللحية وسلوني عمّا وراء ذلك(4)، إلى متمسك بظواهرها لكن بلا تكييف، إلى مؤول يحملها على معان بعيدة عن ظاهرها ليتخلص عن مغبة التجسيم.

ولو أنّهم رجعوا إلى الذكر الحكيم وعرضوا هذه الأحاديث عليه لميّزوا الصحيح عن الزائف، والمقبول عن المردود.

(وَلَوْ أنّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيراً لَهُمْ) .(5)


1 . صحيح البخاري:6/134.
2 . صحيح البخاري:6/159 تفسير سوره ن والقلم.
3 . صحيح البخاري:6/138 تفسير سورة ق.
4 . الملل والنحل للشهرستاني:ص 105 فصل المشبهة.
5 . النساء:66.