welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : بحوث في الملل والنحل/ ج1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

بحوث في الملل والنحل/ ج1

(91)

وهب بن منبه والتركيز على القدر

وليته اكتفى بهذا المقدار ولم يلعب بعقيدة المسلمين ولم ينشر نظرية الجبر التي لو ثبتت لما بقيت للشرائع دعامة، ويظهر من تاريخ حياته أنّه أحد المصادر لانتشار نظرية نفي الاختيار والمشيئة عن الإنسان، حتّى المشيئة الظلية التي لولاها لبطل التكليف ولغت الشريعة.

روى حماد بن سلمة عن أبي سنان قال: سمعنا وهب بن منبه قال: كنت أقول بالقدر حتى قرأت بضعة وسبعين كتاباً من كتب الأنبياء في كلّها: من جعل لنفسه شيئاً من المشيئة فقد كفر، فتركت قولي.(1)

والمراد من القدر في قوله: «كنت أقول بالقدر» ليس القول بتقدير اللّه سبحانه وقضائه، بل المراد هو القول بالاختيار والمشيئة للعبد كما يظهر من ذيل كلامه، وهذا النقل يعطي أنّ القول بنفي القدر والمشيئة للإنسان، قد تسرب إلى الأوساط الإسلامية، عن طريق هذه الجماعة وعن الكتب الإسرائيلية. أفيصح بعد هذا أن نعدّ القول بنفي المشيئة عقيدة جاء بها القرآن والسنة النبوية، ونكفّر من قال بالمشيئة للإنسان ولو مشيئة ظلية تابعة لمشيئته سبحانه، ونقاتل في سبيل هذه العقيدة؟!

3. تميم بن أوس الداري من رواة الأساطير

الإسرائيليات المبثوثة في كتب التفسير والحديث والتاريخ ترجع أُصولها إلى رجال الكنائس والبيع، وقد تعرّفت على اثنين منهم وهما كعب الأحبار ووهب بن منبه، وثالثهم هو تميم الداري وله دور كبير في بثّها حيث إنّه أوّل من تولى نشر هذه الأساطير، وقد حدّث عنه علماء الرجال والتراجم وأطبقوا على أنّه كان نصرانياً قدم المدينة فأسلم في سنة 9 هجرية، وله من الأوّليات أمران:


1 . ميزان الاعتدال:4/353.


(92)

1.كان أوّل من أسرج في المسجد.

2. أوّل من قصّ بين المسلمين، واستأذن عمر أن يقصّ على الناس قائماً، فأذن له.(1) وكان يسكن المدينة ثمّ انتقل إلى الشام بعد قتل عثمان.(2)

هذا ما اتّفقت عليه الكتب الرجالية، ويستنتج منها ما يلي:

إنّ الرجل كان قصّاصاً في المدينة يوم لم يكن هناك من يعارضه ويكافئه، وبما أنّ الرجل كان قد قضى شطراً من عمره بين الأحبار والرهبان، فمن الطبيعي أن يقوم بقص كلّ ما تعلّمه من أساتذته من الإسرائيليات والأساطير المسيحية وبثّها بين المسلمين وهم يأخذونها منه زاعماً أنّها حقائق راهنة.

ومن المؤسف أنّ السياسة الحاكمة سمحت لهذا الكتابي الذي أسلم في أُخريات حياة الرسول بأن يتحدّث عن الأُمم السالفة والأنبياء السابقين. وفي الوقت نفسه منعت عن التحدّث عن رسول اللّه ونشر كلامه وتدوينه، بحجة واهية قد تعرّفت عليها.

أو ليس النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم» على ما رواه أبو هريرة حيث إنّه قال: كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا باللّه وما أُنزل إليكم».(3)

وإذا كان النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أمرنا بعدم تصديق هؤلاء القصّاصين من أهل الكتاب، فما فائدة نقل هذه القصص وبثها بين المسلمين وإتلاف عمر الشباب والكهول بالاستماع إليها؟!


1 . كنز العمال:1/281 الرقم 29448.
2 . الإصابة:1/189; الاستيعاب في هامش الإصابة; أُسد الغابة:1/215 وغيرها من المصادر.
3 . صحيح البخاري:9/ 111، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة.


(93)

ولكن ابن عباس يقول أشد مما نقله أبو هريرة: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء؟ وكتابكم الذي أُنزل على رسول اللّه أحدث الكتب تقرأونه محضاً لم يشب وقد حدثكم أنّ أهل الكتاب بدّلوا كتاب اللّه وغيّروه وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا هو من عند اللّه ليشتروا به ثمناً قليلاً؟!

ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم؟! لا واللّه ما رأينا منهم رجلاً يسألكم عن الذي أُنزل إليكم.(1)

إنّ ابن عباس الذي هو وليد البيت النبوي أعرف بسنّة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من أبي هريرة، فهو ينهى عن السؤال والاستماع إلى كلماتهم بالمرة.

وبذلك يعلم أنّ ما أسند إلى النبي في المسانيد من القول : «حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج».(2) إمّا موضوع، أو مؤوّل محمول على ما علم من صدق الكلام.

طعن الشيطان لكلّ بني آدم إلاّ عيسى

إذا كان كعب الأحبار و زميله وهب بن منبه والمتقدّم عليهما تميم الداري، هم القصّاصون في المجتمع الإسلامي والمتحدّثون عن التوراة والإنجيل، وكانت الصحابة ممنوعة عن التحدث عن النبي فمن الطبيعي أن ينتشر في العواصم الإسلامية الأساطير الخرافية حتى ما يمس بكرامة الأنبياء وكرامة النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ . وهذا البخاري ينقل في صحيحه عن أبي هريرة، قال: قال النبي : كلّ بني آدم يطعن الشيطان في جنبيه باصبعه حين يولد غير عيسى بن مريم ذهب يطعن فطعن في الحجاب.(3)


1 . أضواء على السنّة المحمدية: 154ـ 155، نقلاً عن البخاري من حديث الزهري.
2 . مسند أحمد:3/46.
3 . صحيح البخاري:4/125، باب صفة إبليس وجنوده; و 4/164، كتاب بدء الخلق.


(94)

وقد نقله أحمد في مسنده باختلاف يسير. ومعنى هذا الحديث الذي ينقله عن ذلك الصحابي عن الرسول: أنّ الشيطان يطعن كلّ ابن آدم إلاّ واحداً منه وهو عيسى بن مريم، وأمّا الأنبياء كموسى ونوح وإبراهيم وحتى خاتمهم، لم يسلموا من طعن الشيطان. أو ليس ذلك الحديث يخالف كتاباللّه حيث يقول:(إِنّ عِبادي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ، إِلاّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِين) (1)؟!

فإذن، كيف يمكن أن يقول النبي ذلك و قدأُوحي إليه أنّه ليس للشيطان سلطان على عباد اللّه المخلصين(2) وخيرهم الأنبياء والمرسلون وفي مقدّمهم نبي العظمة؟! ومن المحتمل جداً أنّ هذا الخبر وصل إلى أبي هريرة من رواة عصره، نظراء كعب الأحبار أو زميله تميم الداري وأضرابهما وقد نسبوه إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ . إنّ هذا الحديث ونظائره أوجد مشاكل في الدين وأعطى حججاً بأيدي المخالفين حتى يهاجموا الرسول الأكرم والأنبياء، ويزعموا بأنّهم سقطوا في الخطيئة واقترفوا الآثام، إلاّعيسى بن مريم فإنّه أرفع من طبقة البشر وإنّه وحده قد استحقّ العصمة والصون من الآثام.

فهؤلاء المحدّثون لو فرض أنّهم صادقون في نيّاتهم، لكنّهم كالصديق الجاهل أضروا بالإسلام بنقل هذه القصص والأساطير وأيّدوا العدو بها وأتعبوا المسلمين من بعدهم.

تميم الداري وقصة الجساسة

إنّ لتميم الداري حديثاً معروفاً باسم حديث الجساسة، نقله مسلم في الجزء الثامن من صحيحه تجد فيه من الغرائب ما تندهش منها العقول.

روي عن فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس ـوكانت من المهاجرات الأُول ـ : سمعت نداء المنادي (منادي رسول اللّه) ينادي:


1 . الحجر:42.
2 . النحل:99; والحجر:42.


(95)

الصلاة جامعة، فخرجت إلى المسجد فصلّيت مع رسول اللّه، فكنت في صف النساء التي تلي ظهور القوم فلما قضى رسول اللّه صلاته جلس على المنبر وهو يضحك، فقال: ليلزم كلّ إنسان مصلاّه.

ثمّ قال: أتدرون لم جمعتكم؟

قالوا: اللّه ورسوله أعلم.

قال: إنّي واللّه ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة، ولكن جمعتكم لأنّ تميماً الداري كان رجلاً نصرانياً فجاء فبايع وأسلم وحدّثني حديثاً وافق الذي كنت أُحدثكم عن مسيح الدجال، حدّثني أنّه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلاً من لخم وجذام فلعب بهم الموج شهراً في البحر، ثمّ أرفئوا إلى جزيرة في البحر حتى مغرب الشمس، فجلسوا في أقرب السفينة فدخلوا الجزيرة فلقيتهم دابة أهلب كثير الشعر لا يدرون ما قبله من دبره من كثرة الشعر، فقالوا: ويلك ما أنت؟

فقالت: أنا الجسّاسة.

قالوا: وما الجسّاسة؟ قالت: أيّها القوم انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير فإنّه إلى خبركم بالأشواق.

قال: لما سمّت لنا رجلاً فزعنا منها أن تكون شيطانة. قال: فانطلقنا سراعاً حتى دخلنا الدير، فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقاً وأشده وثاقاً، مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد، قلنا: ويلك ما أنت؟

قال: قد قدرتم على خبري فأخبروني ما أنتم؟

قالوا: نحن أُناس من العرب ركبنا في سفينة بحرية فصادفنا البحر حين اغتلم، فلعب بنا الموج شهراً ثمّ أرفأنا إلى جزيرتك هذه، فجلسنا في أقربها، فدخلنا الجزيرة فلقيتنا دابة أهلب كثير الشعر لا يدرى ما قبله من دبره من كثرة الشعر. فقلنا: ويلك ما أنت؟ قالت: أنا الجسّاسة. قلنا:وما الجسّاسة؟ قالت: اعمدوا إلى هذا الرجل في الدير فإنّه إلى خبركم بالأشواق، فأقبلنا إليك سراعاً وفزعنا منها ولم نأمن أن تكون شيطانة.

فقال: أخبروني عن نخل بيسان. قلنا:عن أي شأنها تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها هل يثمر؟

قلنا له: نعم. قال: أمّا إنّه يوشك أن لا يثمر. قال: أخبروني عن بحيرة الطبرية.

قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل فيها ماء؟

قالوا:هي كثيرة الماء. قال: أما إنّ ماءها يوشك أن يذهب.

قال: أخبروني عن عين زغر. قالوا: عن أي شأنهاتستخبر؟

قال: هل في العين ماء وهل يزرع أهلها بماء العين؟

قلنا له: نعم هي كثيرة الماء وأهلها يزرعون من مائها.

قال: أخبروني عن نبي الأُميّين ما فعل؟

قالوا: قد


(96)

خرج من مكة ونزل يثرب.

قال: أقاتله العرب؟

قلنا: نعم.

قال: كيف صنع بهم؟فأخبرناه أنّه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه.

قال لهم: قد كان ذلك؟

قلنا: نعم. أما إنّ ذاك خير لهم أن يطيعوه وإنّي مخبركم عنّي إنّي أنا المسيح وإنّي أوشك أن يؤذن لي في الخروج، فأخرج فأسير في الأرض، فلا أدع قرية إلاّ هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة فهما محرّمتان عليّ كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة أو واحداً منهما استقبلني ملك بيده السيف صلتاً يصدني عنها وإنّ على كل نقب منها ملائكة يحرسونها.

قالت: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : وطعن بمخصرته في المنبر هذه طيبة، هذه طيبة، هذه طيبة، يعني: المدينة، ألا هل كنت حدّثتكم ذلك؟

فقال الناس: نعم، فإنّه أعجبني حديث تميم إنّه وافق الذي كنت أحدثكم عنه وعن المدينة ومكة ألا إنّه في بحر الشام أو بحر اليمن لا بل من قبل المشرق ما هو من قبل المشرق ما هو من قبل المشرق، ما هو. وأومأ بيده إلى المشرق. قالت: فحفظت هذا من رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .(1)

وقد علّق المحقّق المصري أبو رية على هذا الحديث وقال: لعل علماء الجغرافية يبحثون عن هذه الجزيرة ويعرفون أين مكانها من الأرض، ثمّ يخبروننا حتى نرى ما فيها من الغرائب التي حدثنا بها سيدنا تميم الداري ؟!!(2)

وأعجب منه أن يحدث نبي العظمة الذي يقول سبحانه في حقّه :(وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللّه عَلَيْكَ عَظيماً).(3) عن تميمم الداري ويستشهد بكلام نصراني دخل في الإسلام حديثاً، ونعم ما قال شاعر المعرة:

فيا موت زر إنّ الحياة ذميمة.


1 . صحيح مسلم:8/203ـ205، باب في الدجّال.
2 . أضواء على السنة النبويّة:171.
3 . النساء:113.


(97)

4. ابن جريج الرومي ورواية الموضوعات

عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الرومي، ولاؤه لآل خالد بن أسيد الأموي، ولد سنة 80 وتوفّي عام 150، قال أحمد بن حنبل: كان من أوعية العلم وهو وابن أبي عروبة أوّل من صنف الكتب، وقال عبد الرزاق: كان ابن جريج ثبتاً لكنّه يدس.(1)

ونقل الذهبي أيضاً عن عبد اللّه بن حنبل قال: «إنّ بعض هذه الأحاديث الذي يرسلها ابن جريج أحاديث موضوعة كان ابن جريج لا يبالي من أين يأخذها».(2)

نعم، روى الكليني بسنده عن الفضل الهاشمي، قال: سألت أبا عبد اللّهـ عليه السَّلام ـ عن المتعة فقال: «الق عبد الملك ابن جريج، فسله عنها، فإنّ عنده منها علماً، فلقيته، فأملى علي شيئاً كثيراً في استحلالها، وكان فيما روى لي فيها ابن جريج أنّه ليس فيها وقت ولا عدد، وإنّما هي بمنزلة الإماء، يتزوج منهن كم شاء، وصاحب الأربع نسوة يتزوج منهن ما شاء، بغير ولي ولا شهود، فإذا انقضى الأجل، بانت منه بغير طلاق، ويعطيها الشيء اليسير، وعدتها حيضتان، وإن كانت لا تحيض فخمسة وأربعون يوماً. قال: فأتيت بالكتاب أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، فقال: «صدق». وأقر به.(3)

ولعلّ إرجاع الإمام ـ عليه السَّلام ـ سائله إليه، لأجل اعترافه بالحق في تلك المسألة، وليس هذا دليلاً على وثاقته مطلقاً.

حصيلة البحث

إنّ هذه العصابة التي أتينا بأسمائهم وذكرنا عنهم شيئاً، كانوا هم الأُسس في تسرب القصص الخرافية لليهود و المسيحيين إلى متون كتب المسلمين وصارت


1 . تذكرة الحفاظ:1/169ـ 171.
2 . ميزان الاعتدال:2/659.
3 . الوسائل:14، كتاب النكاح، الباب 4 من أبواب المتعة، الحديث8.


(98)

نواة لكثير من القصّاصين والوضّاعين الذين نسجوا على منوالهم ونقلوا كلّ ما سمعوه من غث وسمين باسم الدين، ولأجل ذلك نجد كثيراً من كتب التفسير والتاريخ والحديث حتى ما يسمّى بالصحاح والمسانيد، مملوءة بالإسرائيليات والمسيحيات بل والمجوسيات.

يقول «جولد تسيهر» في هذا المضمار في كتابه «العقيدة والشريعة»: هناك جمل أخذت من العهد القديم والعهد الجديد وأقوال للربانيّين، أو مأخوذة من الأناجيل الموضوعة وتعاليم من الفلسفة اليونانية، وأقوال من حكم الفرس والهنود، كلّ ذلك أخذ مكانه في الإسلام عن طريق الحديث ـ إلى أن قال ـ : ومن هذا الطريق تسرب كنز كبير من القصص الدينية حتى إذا ما نظرنا إلى الرواة المعدودة من الحديث ونظرنا إلى الأدب الديني اليهودي، فإنّنا نستطيع أن نعثر على قسم كبير دخل الأدب الديني الإسلامي من هذه المصادر اليهودية.(1)

نحن لا نصدق هذا المستشرق الحاقد على الإسلام في كلّ ما يقول ويقضي، إلاّ أنّنا نوافقه في أنّ ما يؤثر عن أمثال كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وتميم الداري، وعبد الملك بن جريج وغيرهم، من الإسرائيليات، ليس من صلب الإسلام وحديثه. والعجب أنّ هذه الجماعة لم تتمكن من إخفاء نواياها السيئة، فترى أنّ اليهودي منهم ينقل فضائل موسى ويرفعه فوق جميع الأنبياء، كما أنّ النصراني منهم أخذ يرفع مقام المسيح ـ عليه السَّلام ـ على جميعهم ويصفه بالعصمة وحده دون غيرهم.

نعم ليس كلّ ما ورد في الشريعة الإسلامية ووافق التعاليم اليهودية والنصرانية، مأخوذاً من كتبهم لأنّ الشرائع السماوية واحدة في جوهرها متحدة في أُصولها، وبينها مشتركات كثيرة والاختلاف إنّما هو في الشرعة والمنهاج لا في الجوهر واللباب، قال سبحانه: (لِكُلّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرعَةً وَمِنْهاجاً) .(2)


1 . العقيدة والشريعة في الإسلام تأليف المستشرق «جولد تسيهر» ترجمة الأساتذة الثلاثة.
2 . المائدة:48.


(99)

فالاختلاف إنّما هو في الطرق الموصلة إلى ماء الحياة، أعني: الأُصول والتعاليم السماوية النازلة من مصدر الوحي. فلو كان هناك اختلاف فإنّما هو في القشور والأثواب، لا في الجوهر واللباب. وقد فصلنا الكلام في ذلك في «مفاهيم القرآن».(1)

خاتمة المطاف

وأخيراً نقول: إنّ المتظاهرين بالإسلام من الأحبار والرهبان الذين كان لهم دور كبير في بثّ الإسرائيليات وتكوين المذاهب، ليسوا منحصرين في من ذكرناهم، بل هناك جماعة منهم لعبوا دوراً في هذا المضمار يجد المتتبع أسماءهم ويقف على أقوالهم في كتب الرجال والتراجم والروايات والأحاديث، كعبد اللّه بن سلام الذي أسلم في حياة النبي، وطاووس بن كيسان الخولاني، الحمداني بالولاء من التابعين، ولد عام 33 وتوفّي عام 106، وغيرهم ممّن تركنا البحث عنهم اختصاراً.

ولإتمام البحث نأتي بنص بعض المحقّقين في ذاك المجال وهي كلمة للدكتور «رمزي نعناعة» حول الإسرائيليات، قال: تسرب كثير من الإسرائيليات عن طريق نفر من المسلمين أنفسهم أمثال: عبد اللّه بن عمرو بن العاص، فقد روي أنّه أصاب زاملتين من كتب أهل الكتاب يوم اليرموك، فكان يحدّث الناس ببعض ما فيها اعتماداً على حديث مروي.(2)

وعن هؤلاء المفسرين الذين لا يتورّعون عن تفسير القرآن بمثل هذه الخيالات والأوهام يقول النظام: لا تسترسلوا إلى كثير من المفسرين وإن نصبوا أنفسهم للعامة وأجابوا في كلّ مسألة، فإنّ كثيراً منهم يقول بغير رواية من أساس، وليكن عندكم عكرمة والكلبي والسدي والضحاك ومقاتل بن سليمان وأبو بكر


1 . مفاهيم القرآن:3/119ـ 124.
2 . وهو قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : حدّثوا عني...،وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج . مسند أحمد:3/46.


(100)

الأصم في سبيل واحدة فكيف أثق بتفسيرهم وأسكن إلى صوابهم.(1)

وقال أيضاً حول قصة آدم وحواء: ونقرأ تفسير الطبري وتفسير مقاتل بن سليمان في هذه القصة فيتجلّى لنا بوضوح انّهما أخذا ما جاء في التوراة وشروحها من تفصيل لهذه القصة، ووضعوه تفسيراً لآيات القرآن الكريم وهم يروون ذلك عن وهب بن منبه تارة، وعن إسرائيل عن أسباط عن السدي تارة أُخرى.(2) ومثلاً نجد القرآن الكريم قد اشتمل على موضوعات وردت في الإنجيل كقصة ولادة عيسى بن مريم ومعجزاته، فجاء المفسرون ينقلون عن مسلمة اليهود والنصارى شروحاً لهذه الآيات.(3)

وقال أيضاً: ولم يقتصر تأثير الإسرائيليات على كتب التفسير، بل تعدّاها إلى العلوم الإسلامية الأُخرى، فقد عني بعض المسلمين بنقل تاريخ بني إسرائيل وأنبيائهم كما فعل أبو إسحاق والطبري في تاريخيهما وكما فعل ابن قتيبة في كتاب المعارف... كذلك كان لليهود أثر غير قليل في بعض المذاهب الكلامية، فابن الأثير يروي عند الكلام على «أحمد بن أبي دؤاد» أنّه كان داعية إلى القول بخلق القرآن، وأخذ ذلك عن بشر المريسي وأخذ بشر من الجهم بن صفوان، وأخذ الجهم من الجعد بن أدهم، وأخذه الجعد عن أبان بن سمعان، وأخذه أبان عن طالوت ابن أُخت لبيد الأعصم وختنه، وأخذه طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودي وكان لبيد يقول:خلق التوراة، وأوّل من صنف في ذلك طالوت وكان زنديقاً فأفشى الزندقة.(4)

وسيوافيك أنّ القول بقدم القرآن وكونه غير مخلوق، أيضاً تسرّبت من اليهود حينما قالوا بقدم التوراة، أو من النصرانية حينما قالوا بقدم «الكلمة» التي هي المسيح. فللأحبار والرهبان دور راسخ في خلق هذه


1 . الحيوان للجاحظ:1/343ـ 346.
2 . تفسير مقاتل:1/18; وتفسير الطبري:1/186 ومابعده.
3 . تفسير الطبري:3/190 و ص 112.
4 . الكامل لابن الأثير:5/294 حوادث سنة 240; ولاحظ الإسرائيليات وأثرها في كتب التفسير للدكتور رمزي نعناعة: 110ـ111.


(101)

العقائد وطرح قدم القرآن خاصة على بساط البحث مع أنّه لم يرد في ذلك نصّ عن النبي والصحابة.

قال«زهدي حسن» ـ عند البحث عن تأثير الديانات ـ في تكون العقائد: فمن أهل تلك الأديان من تركوا أديانهم ودخلوا في الإسلام. لكنّهم لم يستطيعوا أن يتخلصوا من عقائدهم القديمة ولم يتسن لهم أن يتجرّدوا من سلطانها، لأنّ للمعتقدات الدينية على نفوس الناس قوة نافذة وهيمنة عظيمة فلا تزول بسهولة ولا تنسى بسرعة، ولهذا فإنّهم نقلوا إلى الإسلام ـ عن غير تعمد أو سوء قصد ـ بعض تلك المعتقدات ونشروها بين أهله.

ومنهم ـ و هذا يصحّ عن الفرس كما سنرى ـ من اعتنق الإسلام لا عن إيمان به أو تحمس له وإنّما لغايات في نفوسهم فعل بعضهم ذلك طمعاً في مال يجنيه أو جاه يناله، وأقدم البعض الآخر عليه بدافع الحقد على المسلمين الذين هزموا دينهم وهدموا ملكهم، فأظهروا الإسلام وأبطنوا عداوته ودأبوا على محاربته والكيد له، فكانوا خطراً عليه كبيراً، وشراً مستطيراً، لأنّهم ما انفكوا ينفثون فيه ما في صدورهم من الغل والغيظ، ويروجون بين أبنائه من الأفكار والآراء ما لا تقره العقيدة الإسلامية حباً في تشويه تلك العقيدة ورغبة في إفسادها.

وكثيرون من غير المسلمين تمسكوا بأديانهم الأصلية، لأنّ الإسلام منحهم حرية العبادة، ولم يتدخل في شؤونهم الخاصة ما داموا يدفعون الجزية، ولما توطدت أركان الدولة الإسلامية وتوسعت أعمالها في عهد بني أُمية، ولما لم تكن للعرب الخبرة الكافية في أُمور الإدارة، فإنّهم اضطروا إلى أن يعتمدوا في تصريف شؤون البلاد على أهل الأمصار المتعلمين الذين اقتبسوا مدنية الفرس وحضارة البيزنطيين، فأسندوا إليهم أعمال الدواوين. وهكذا كانوا يحيون بين ظهراني المسلمين، ويحتكون دوماً بهم...والاحتكاك يؤدي إلى تبادل الرأي،والآراء سريعة الانتقال شديدة العدوى.

وقال أيضاً: إنّ الأمويين قربوهم (المسيحيين) إليهم، واستعانوا بهم، وأسندوا إليهم بعض المناصب العالية، فقد جعل معاوية بن أبي سفيان


(102)

«سرجون بن منصور» الرومي المسيحي كاتبه وصاحب أمره(1) وبعد أن قضى معاوية بقيت لسرجون مكانته فكان يزيد يستشيره في الملمّات ويسأله الرأي.(2) ثمّ ورث تلك المكانة ولده يحيى الدمشقي(3) الذي خدم الأمويين زمناً ثمّ اعتزل العمل سنة (112هـ/ 730م) والتحق بأحد الأديرة القريبة من القدس حيث قضى بقية حياته يشتغل في الأبحاث الدينية ويصنف الكتب اللاهوتية، وليس من يجهل الأخطل الشاعر المسيحي الذي قدمه الأمويون وأغدقوا عليه العطايا وجعلوه شاعر بلاطهم. وكيف كان يزيد بن معاوية يعتمد عليه في الرد على أعداء بني أُمية وهجوهم.(4)

إنّ احتكاك المسلمين بأُولئك المسيحيين لا يمكن أن يكون قد مضى دون أن يترك فيهم أثراً، ولا سيما برجل ممتاز كيحيى الدمشقي الذي كان آخر علماء اللاهوت الكبار في الكنيسة الشرقية وأعظم علماء الكلام في الشرق المسيحي.(5)

***

وقال أحمد أمين عندالبحث عن مصادر القصص في العصر الأوّل: ولا بدّ أن نشير هنا إلى منبعين كبيرين لهؤلاء القصص وأمثالهم(6)، تجد ذكرهما كثيراً في رواية القصص وفي التاريخ وفي الحديث وفي التفسير، هما: وهب بن منبه، وكعب الأحبار.

فأمّا وهب بن منبه فيمني من أصل فارسي، وكان من أهل الكتاب الذين


1 . تاريخ الطبري:6/183; وابن الأثير:4/7.
2 . الطبري:6/194ـ 199 وابن الأثير:4/17.
3 . هو القديس يحيى الدمشقي (81ـ 137هـ=700 ـ 754م) واسمه العربي منصور. كان يحيى الدمشقي عالماً كبير القدر من علماء الدين وقديساً محترماً في الكنيستين: الشرقية والغربية .
4 . الأغاني:14/117.
5 . لاحظ كتاب «المعتزلة» : 23ـ 24تأليف زهدي حسن جار اللّه.
6 . كذا في المصدر.


(103)

أسلموا، وله أخبار كثيرة وقصص تتعلّق بأخبار الأول ومبدأ العالم وقصص الأنبياء، وكان يقول: قرأت من كتب اللّه اثنين وسبعين كتاباً وقد توفي حوالي سنة (110هـ) بصنعاء.

وأمّا كعب الأحبار أو كعب بن ماتع فيهودي من اليمن كذلك، ومن أكبر من تسربت منهم أخبار اليهود إلى المسلمين، أسلم في خلافة أبي بكر وعمر ـ على خلاف في ذلك ـ و انتقل بعد إسلامه إلى المدينة ثمّ إلى الشام، وقد أخذ عنه اثنان، هما أكبر من نشر علمه: ابن عباس ـ و هذا يعلل ما في تفسيره من إسرائيليات ـ وأبو هريرة ولم يؤثر عنه أنّه ألّف كما أثر عن وهب بن منبه، ولكن كلّ تعاليمه ـ على ما وصل إلينا ـ كانت شفوية، وما نقل عنه يدلّ على علمه الواسع بالثقافة اليهودية وأساطيرها.

جاء في «الطبقات الكبرى» حكاية عن رجل دخل المسجد فإذا عامر بن عبد اللّه بن القيس جالس إلى كتب وبينها سفر من أسفار التوراة وكعب يقرأ.(1)

وقد لاحظ بعض الباحثين أنّ بعض الثقات كابن قتيبة والنووي ما رويا عنه أبداً. وابن جرير الطبري يروي عنه قليلاً، ولكن غيرهم كالثعلبي والكسائي ينقل عنه كثيراً من قصص الأنبياء كقصة يوسف والوليد بن الريان وأشباه ذلك. ويروي «ابن جرير» أنّه جاء إلى عمر بن الخطاب قبل مقتله بثلاثة أيام وقال له:اعهد، فإنّك ميت في ثلاثة أيام. قال: وما يدريك؟ قال: أجده في كتاب اللّه عزّوجلّ في التوراة. قال عمر:إنّك لتجد عمر بن الخطاب في التوراة؟ قال: اللّهمّ لا، ولكن أجد صفتك وحليتك وأنّه قد فني أجلك.

وهذه القصة إن صحت، دلّت على وقوف كعب على مكيدة قتل عمر، ثمّ وضعها هو في هذه الصبغة الإسرائيلية، كما تدلنا على مقدار اختلاقه فيما ينقل.

وعلى الجملة: فقد دخل على المسلمين من هؤلاء وأمثالهم في عقيدتهم وعلمهم كثير كان له فيهم أثر غير صالح.(2)

***


1 . طبقات ابن سعد:7/79.
2 . فجر الإسلام: طبع دار الكتاب العربي:160ـ 161.


(104)

(وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ) .(1)


1 . آل عمران:69.


(105)

العامل الخامس

الاحتكاك الثقافي واللقاء الحضاري

مضى النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلى جوار ربّه وقام المسلمون بعده بفتح البلاد ومكافحة الأُمم المخالفة للإسلام والسيطرة على أقطارها، وكانت تلك الأُمم ذات حضارة وثقافة في المعارف والعلوم والآداب، وكان بين المسلمين رجال ذوو دراية ورغبة في كسب العلوم وتعلم ما في تلك الحضارات من آداب وفنون فأدّت هذه الرغبة إلى المذاكرة والمحاورة أوّلاً، ونقل كتبهم إلى اللغة العربية ثانياً.

يقول بعض المؤرّخين في هذا الصدد: ولم تلبث كتب أرسطو، وأنبذقليس، وهرقليوس،وسقراط، وأبيقور،وجميع أساتذة مدرسة الإسكندرية من الفلاسفة، أن ترجمت إلى اللغة العربية وكان هناك ما جعل أمر تلك الترجمة سهلاً، فقد كانت معارف اليونان والرومان منتشرة في بلاد الفرس وسوريا منذ أن وجد العرب في بلاد فارس وسوريا، فلمّا استولى المسلمون على ما فيها من خزائن العلوم اليونانية قاموا بنقل ما هو باللغة السريانية إلى اللغة العربية.

وأعان على أمر الترجمة أنّه نقل عدّة من الأسرى إلى العواصم الإسلامية، فصار ذلك سبباً لانتقال كثيرمن آراء الرومان والفرس إلى المجتمع الإسلامي


(106)

وانتشارها بينهم ولا شكّ أنّ بين تلك المعارف ما كان يضاد مبادئ الإسلام وأُسسه وكان بين المسلمين من لم يتدرع في مقابلها ومنهم من لم يتورع في أخذ الفاسد منها.

فأصبحوا مغمورين في هذه التيارات، نظراء: ابن أبي العوجاء، وحماد بن عجرد، ويحيى بن زياد، ومطيع بن أياس، وعبد اللّه بن المقفع، فهؤلاء وأمثالهم بين غير متدرع وغير متورع، اهتموا بنشر الإلحاد بين المسلمين وترجمة كتب الملاحدة والثنوية من الروم والفرس إلى أن عاد بعض المتفكّرين غير مسلمين للإسلام إلاّ بالقواعد الأساسية كالتوحيد والنبوة و المعاد وكانوا ينشرون آراءهم علناً ويهاجمون بها عقائد المؤمنين.

نحن نرى في التراث اليوناني بفضل التراجم التي وصلت إلينا أبحاثاً حول علمه سبحانه وإرادته وقدرته وأفعاله حتى مسألة الجبر والاختيار، وقد كان لتلك الآراء تأثير عميق على عقول المسلمين وهم بين متدرّع بالحضارة الإسلامية يكافح الشبه ويميز الصحيح من الفاسد، وبين ضعيف في التعقّل والتفكّر ليس له من الشأن إلاّ الأخذ، فصارت تلك الآراء من مبادئ تكوّن الفرق واختلاق النحل.

دور أهل البيت في عصر الترجمة

وفي هذا الجو المشحون بالآراء والعقائد الصحيحة وغير الصحيحة، قام أهل البيت بتربية جموع غفيرة من ذوي الاستعداد على المبادئ الأصيلة والمفاهيم الإسلامية وتعريفهم بالأُصول الدينية المستقاة من الكتاب والسنّة والعقل،وصاروا يناظرون كلّ فرقة ونحلة بما فيهم الملاحدة والثنوية بأمتن البراهين وأسلمها.

وقد حفظ التاريخ أسماء طائفة منهم، كهشام بن الحكم، وأبي جعفر مؤمن الطاق، وجابر بن يزيد، وأبان بن تغلب البكري، ويونس بن


(107)

عبد الرحمن، وفضال بن الحسن بن فضال، ومحمد بن خليل السكاك، وأبي مالك الضحاك، وآل نوبخت جميعاً، إلى غير ذلك ممن برع في علم الكلام، وناظر الفرق، بين من تتلمذ على الأئمة، أو من تتلمذ على خريجي مذهبهم، وتواصلت حلقات مناظراتهم حتى القرون المتأخرة وألفت كتب في العقائد والكلام والملل والنحل، يقف القارئ على تاريخهم في كتب الرجال والتراجم وقد حفظ الكثير من نصوص هذه المناظرات والاحتجاجات لحدّ الآن.

كما قامت المعتزلة بمقاومة هذه التيارات الإلحادية والثنوية، وبإزالة الشبه بفضل الأُصول القرآنية والعقلية، وقد نجحوا في ذلك نجاحاً باهراً وإن لم يكونوا ناجحين في كلّ ما هو الحقّ من الأُصول والفروع الإسلامية.

وبما أنّ أهل الحديث لا يحسنون طريقة المعتزلة في الاحتجاج والبرهنة، لذا كانوا يعادونهم، كما أنّ الملاحدة والثنوية كانوا يعادونهم أيضاً، لما يجدون فيهم من قوّة التفكير والقدرة على الاحتجاج والمناظرة. وعلى ذلك فقد وقعت المعتزلة بين عدوين:أحدهما من الداخل، وهم أهل الحديث، والآخر من الخارج، وهم الملاحدة والثنوية.

نعم كان بين المسلمين من يأبى الخوض في المسائل العقلية ويكتفي بما وصل إليه من الصحابة، ويقتصر على ما حصل عليه من الدين بالضرورة وهم الحشوية من أهل الحديث وأكثر الحنابلة ولما التحق الشيخ أبو الحسن الأشعري بالحنابلة لم يجد محيصاً في الدفاع عن عقائدهم عن الخوض في المسائل الكلامية، فألّف رسالة أسماها «في استحسان الخوض في الكلام».


(108)

العامل السادس

الاجتهاد في مقابل النص

إذا كانت العوامل الخمسة الماضية من عوامل تكون المذاهب الكلامية فالاجتهاد في مقابل النص ممّا يتكون به المذاهب الكلامية والفقهية.

روى الفريقان أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان مسجى على فراش الموت والحجرة غاصة بأصحابه فقال: «يا أيّها الناس يوشك أن أقبض سريعاً فينطلق بي، وقد قدمت إليكم القول معذرة إليكم ألا أنّي مخلف فيكم كتاب اللّه عزّ وجلّ وعترتي أهل بيتي».(1)

فجعل العترة أعدال كتاب اللّه وقرناءه كما أنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ جعلهم أمان الأُمّة من الاختلاف وسفينتها من الهلاك، إلى غير ذلك من الأحاديث التي ستمر عليك عند البحث عن الشيعة.

ومع ذلك استأثر القوم بالأمر يوم السقيفة و أوّلوا نصوصه لا يلوون على شيء وقد قضوا أمرهم بينهم دون أن يؤذنوا به أحداً من بني هاشم وأهل بيت النبوة وكأنّه عناهم الشاعر في المثل السائر حيث قال:

ويقضى الأمر حين تغيب تيم * ولا يستـأذنـون وهــم شهـود

نرى أنّ الأُمّة بعد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ رجعوا إلى كلّ صحابي وتابعي وإلى


1 . لاحظ ص 36 من كتابنا هذا.


(109)

من أدرك صحبة النبي شهراً أو أقلّ ومع ذلك أعرضوا عن أهل بيته وعترته وهم أهل بيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة ومهبط الوحي والتنزيل، وما هذا إلاّ اجتهاد في مقابل النصّ.

وأمّا المذاهب الفقهية التي أُسّست في ظل هذا العامل فحدث عنها ولا حرج، ويكفي في ذلك المراجعة إلى الكتب الفقهية في المسائل التالية:

1. إسقاط سهم المؤلّفة قلوبهم من الزكاة مع النص عليه في محكم الذكر.

2. إسقاط سهم ذوي القربى من الخمس بوفاة رسول اللّه مع النصّ عليه في محكمات الفرقان وصحاح السنن.

3. الحكم بعدم توريث الأنبياء مع ما في الذكرالحكيم من النصوص الصريحة في توريثهم.

4. النهي عن متعة الحجّ مع النصّ الوارد عليها في الآية (196) من سورة البقرة.

5. النهي عن متعة النساء مع النصّ عليه في محكم الذكر وصحاح الروايات.

6.إسقاط «حي على خير العمل» من الأذان والإقامة مع كونه جزءاً من كلّ منهما.

إلى غير ذلك من الموارد التي جمعها العلاّمة الأكبر السيد شرف الدين العاملي (المتوفّى1377هـ) في كتابه«النص والاجتهاد» وهو من الكتب الممتعة في ذلك الموضوع وفي آخر الكتاب فصل جمع فيه نصوص الإمامة المتوالية من مبدأ أمر الرسول إلى انتهاء عمره الشريف.

***

(ثُمَّ أَورَثنا الكِتابَ الَّذينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسهِِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإِذْنِ اللّه ذلِكَ هُوَ الفَضْلُ الْكَبير) (1).


1 . فاطر: 32 .


(110)

(111)

الفصل الرابع

في معنى القدرية والمعتزلة والرافضةوالحشوية

إنّ كتب الملل والنحل مشحونة باصطلاحات يستخدمونها في التعبير عن الفرق ويعبرون عن أكثرهم بإدخال ياء النسبة إلى أصحاب الرأي، غير أنّ هناك اصطلاحات اختلفوا في معناها أو وقع لهم الاشتباه في تفسيرها، فلنذكر هاهنا القسم الأخير:

1. القدرية

قد تداول استعمال لفظ القدرية في علمي الملل والكلام، فأصحاب الحديث كإمام الحنابلة ومتكلّمي الأشاعرة يطلقونها ويريدون منها «نفاة القدر ومنكريه» بينما تستعملها المعتزلة في مثبتي القدر والمقرين به، وكلّ من الطائفتين ينزجر من الوصمة بها ويفر منها فرار المزكوم من المسك; وذلك لما رواه أبو داود في سننه، والترمذي في صحيحه، من روايات في ذم القدرية والقدح فيهم. وإليك بيانها:

1. عبد اللّه بن عمر: إنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: القدرية مجوس هذه الأُمّة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم.

2. عبد اللّه بن عباس: إنّ النبي قال: لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم.(1)


1 . أي لا تحاكموهم وتناظروهم ولا تجادلوهم. وفي المصدر عمر بن الخطاب مكان «عبد اللّه بن عباس».


(112)

3. عبد اللّه بن عباس قال: قال رسول اللّه: صنفان من أُمّتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية.(1)

ولأجل هذه الروايات يتهم كلّ من الطائفتين، الأُخرى بالقدرية لينزّه نفسه من ذلك العار والشنار.

ولا يخفى أنّ متون الأحاديث تعرب عن كونها موضوعة على النبي الأكرم، خصوصاً الحديث الأخير فقد جاء فيه: المرجئة والقدرية معاً، إذ إنّ هذين المصطلحين برزا بين المسلمين في النصف الثاني من القرن الأوّل عندما اتّهم معبد الجهني وتلميذه غيلان الدمشقي بالقدر والإرجاء، و ذاع هذان الاصطلاحان بين المسلمين إلى الآن ومن البعيد وجودهما في زمن الرسول الأعظم وشيوعهما في ذلك العصر،وعند ذلك كيف يتكلّم الرسول بكلمات بعيدة عن أذهان أصحابه، وغريبة على مخاطبيه، كلّ ذلك يثير الشكّ أو سوء الظن بوضع هذه الأحاديث ودسّها بين المسلمين، حتى يتسنّى لكلّ من الطائفتين، تعيير الأُخرى بها والنيل من كرامتها،وما ذكرناه من التشكيك وإن كان لا يخرج عن دائرة الاستحسان، غير أنّ وقوع الضعاف في أسنادها يؤيد ذلك التشكيك ويقوّيه.

أمّا الحديث الأوّل، فقد رواه أبو داود في سننه بالسند التالي:

حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، قال: حدثني بمنى عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي.(2)

ويكفي في ضعف الحديث، أنّ أبا حازم سلمة بن دينار، لم يدرك عبد اللّه بن عمر، وقد روى عنه في مواضع بوسائط، لا يثبت منها شيء.(3)

وأمّا الحديث الثاني، فقد رواه أيضاً بالسند التالي:


1 . جامع الأُصول:10/526. راجع سنن أبي داود:4/222، باب في القدر، الحديث 6491 و 6492; سنن الترمذي:ج4، كتاب القدر باب 13، الحديث 2149.
2 . سنن أبي داود:4/222، الباب في القدر، الحديث 4691.
3 . جامع الأُصول :10/526 قسم التعليق; واللآلي المصنوعة :1/258.


(113)

حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا عبد اللّه بن يزيد المقري أبو عبد الرحمن، قال حدثني سعيد بن أبي أيوب، قال حدثني عطاء بن دينار، عن حكيم بن شريك الهذلي، عن يحيى بن ميمون الحضرمي، عن ربيعة الجرشي، عن أبي هريرة، عن عمر بن الخطاب.(1)

ويكفي في ضعف الحديث أنّ في أسناده، حكيم بن شريك الهذلي البصري الذي هو مجهول.(2)

وأمّا الحديث الثالث، فقد رواه الترمذي في سننه بالسند التالي:

حدثنا واصل بن عبد الأعلى الكوفي، حدثنا محمد بن فضيل، عن القاسم بن حبيب، وعلي بن نزار، عن نزار عن عكرمة.(3)

ويكفي في ضعف الحديث أنّ قاسم بن حبيب ضعيف، ونزار وابنه علي، من المجاهيل.

أفيصح الاحتجاج بأحاديث هذه أسنادها؟

هذه حال الأحاديث الواردة في الصحاح. غير أنّ هناك أحاديث وردت في غيرها تختلف مع ما ورد فيها سنداً، وإن كانت تتحد لفظاً. وقد جمعها السيوطي في كتابه «اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة».(4)

مثلاً: روى ابن عدي، بسند عن مكحول عن أبي هريرة مرفوعاً: إنّ لكلّ أُمّة مجوساً، وإنّ مجوس هذه الأُمّة القدرية، فلا تعودوهم إذامرضوا، ولا تصلّوا عليهم إذا ماتوا.

وفي سنده جعفر بن الحارث، قال عنه السيوطي: ليس بشيء.

ورواه خيثمة بسند عن أبي هريرة، وفي سنده غسان، قال عنه السيوطي: مجهول.


1 . سنن أبي داود:4/228، باب في القدر، الحديث 4710.
2 . جامع الأُصول:1/526، قسم التعليق.
3 . سنن الترمذي :4/454، باب ما جاء في القدرية، رقم الحديث 2149.
4 . لاحظ ج1، ص 254 ـ 256.


(114)

ورواه الدارقطني، بسند عن أبي هريرة، وفيه مجاهيل، حتى قال النسائي: هذا الحديث باطل كذب.(1)

ونكتفي بهذا المقدار في البحث عن سند الروايات.

هذا حال رجال الأحاديث المذكورة، ومن المعلوم أنّه لا يمكن الاحتجاج بأحاديث هذا شأنها، وعلى فرض صحتها فالصحيح تفسير القدرية بمعنى مثبتي القدر والحاكمين به، لا نفاته. فإنّ تلك الكلمة كأشباهها من العدلية وغيرها تطلق ويراد منها مثبتو مبادئها، أعني: العدل، لا نفاتها. وإطلاق تلك الكلمة وإرادة النفي منها من غرائب الاستعمالات.

نعم أخرج أبو داود في سننه(2)، عن حذيفة بناليمان قال: «قال رسول اللّه: لكلّ أُمّة مجوس، ومجوس هذه الأُمّة الذين يقولون لا قدر».

وهذا الحديث على فرض صحته يمكن أن يكون قرينة على تفسير القدرية في هذا المورد، ويكشف عن أنّ ذلك الاستعمال البعيد عن الأذهان، كان مقروناً بالقرينة. ولكن الاحتجاج بالحديث غير تام، إذ في سنده عمر مولى غفرة، عن رجل من الأنصار، عن حذيفة، فالراوي والمروي عنه مجهولان.(3)

فقه الحديث

وبعد ذلك كلّه، ففقه الحديث يقتضي أن نقول: إنّ المراد من القدرية هم مثبتو القدر، لا نفاته، بقرينة تشبيههم بالمجوس، فإنّ المجوس معروفة بالثنوية، وإنّ خالق الخير غير خالق الشر، ومبدع النور غير مبدع الظلمة، وإنّ هناك إلهين خالقين في عالم واحد، يستقل كلّ في مجاله الخاص، حسب ما يناسب ذاته.

والقائل بالقدر يحكّم القدر على أفعاله سبحانه وأفعال عباده، فكأنّ


1 . اللآلي المصنوعة: 1/258.
2 . سنن أبي داود: 4/222 ح 4692.
3 . الجرح والتعديل:6/143.


(115)

التقدير إله حاكم على أفعال اللّه وأفعالهم، فإذا قدر شيئاً وقضى لا يمكن له نقض قضائه وقدره، بل يجب عليهما أن يصيرا حسب ما قدر، فالفواعل على هذا المعنى ـ سواء أكانت شاعرة عالمة بذاتها وأفعالها أو غير شاعرة وعالمة ـ مسيّرة لا مخيّرة، لأجل حكومة القدر وسيادته على اللّه وأفعاله وعلى حرية عبده، فأي إله أعلى وأسمى من القدر بهذا المعنى. فصحّ تشبيه القدرية ـ بهذا المعنى ـ بالمجوس القائلين بالثنوية وتعدد الإله.

وأمّا نفاة القدر الذين يقولون لا قدر ولا قضاء بل للّه الحكم في أوّله وآخره، وأنّ عباده مخيّرون في أعمالهم وأفعالهم، فهم أشبه بالموحدين من القائلين بالمعنى السابق الذكر.

نعم يمكن تقريب كون النفاة بحكم المجوس ببيان آخر وهو: أنّ تلك الفرقة يعتقدون بالتفويض، وأنّ الإنسان مفوض إليه في فعله، مستقل في عمله وكلّ ما يقوم به. فعند ذلك يكون الإنسان فاعلاً غير محتاج في فعله إلى خالقه وبارئه،ويصير نداً له سبحانه وتعالى فكما هو مستقل في خلقه فذاك أيضاً مستقل في عمله.

وهذا الاعتقاد يشبه قول الثنوية، من الاعتقاد بخالقين مستقلين: خالق النور وخالق الظلمة. وفي مورد البحث يعتقد نفاة القدر بخالقين: اللّه سبحانه بالنسبة إلى ما سواه غير أفعال الإنسان، والإنسان في مجال أفعاله وأعماله، فلكلّ مجال خاص، وهذا الاعتقاد يخالف التوحيد في الخالقية والفاعلية، وأنّه ليس هناك إلاّ خالق واحد، كما أنّه ليس هناك فاعل مستقل. فكلّ ما في الوجود من الآثار مع استناده إلى مبادئها ومؤثراتها، مستند إلى اللّه سبحانه، وسيوافيك توضيحه عند البحث في القضاء والقدر.

ولا يخفى ما في هذا الوجه من الوهن، لأنّ الحديث يركز على كونهم بمنزلة المجوس، لأجل كونهم نافين للقدر، لا لأجل كونهم قائلين بالتفويض،وأنّ الإنسان بعد الوجود،مفوض إليه فعله وعمله،ولا صلة لفعله إلى اللّه سبحانه بوجه من الوجوه. وقولهم بالتفويض وإن كان يصحح ذلك، لكنّه


(116)

ليس مذكوراً في الحديث فالحقّ تفسير الحديث بالقائلين بالقدر والمثبتين له على الوجه الذي عرفته، لا بنفاته.

هذا، والقاضي عبد الجبار نقل حديثاً يوضح لنا مفاد هذا الحديث حيث قال: «لعنت القدرية والمرجئة على لسان سبعين نبياً، قيل له: ومن القدرية يا رسول اللّه؟ قال: «قوم يزعمون أنّ اللّه قدّر عليهم المعاصي وعذبهم عليها. والمرجئة قوم يزعمون أنّ الإيمان بلا عمل».(1)

ونقل أيضاً قول الرسول:«لعن اللّه القدرية على لسان سبعين نبياً، قيل: من القدرية يا رسول اللّه؟قال: «الذين يعصون اللّه تعالى ويقولون كان ذلك بقضاء اللّه وقدره... وهم خصماء الرحمن وشهود الزور وجنود إبليس».(2)

وقد رواه بعض المفسرين أيضاً، كالزمخشري في كشافه(3)، والرازي في مفاتيحه.(4)

هذا وإنّ تنبّؤ النبي الأكرم عن طائفة باسمهم دون أن يذكر وصفهم بعيد جداً.

وهنا نكتة يجب التنبيه عليها وهي أنّه لا شكّ أنّ للّه سبحانه قضاء وقدراً، وانّه لا يمكن للمؤمن العارف بالكتاب والسنّة إنكار ذلك،وقد قال سبحانه: (ما أَصابَ مِنْ مُصيبَة فِي الأَرْضِ وَلا في أَنفُسِكُمْ إِلاّ في كِتاب مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلى اللّهِ يَسير) (5) وقال سبحانه: (إِنّا أَنْزَلْناهُ في لَيْلَة مُبارَكة إِنّا كُنّا مُنْذِرينَ* فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْر حَكِيم).(6)


1 . المغني:8/326(المخلوق).
2 . شرح الأُصول الخمسة: 775، الطبعة الأُولى.
3 . الكشاف:1/103.
4 . المفاتيح:13/184.
5 . الحديد:22.
6 . الدخان:3 و 4.


(117)

وهذه الآيات والأحاديث المتضافرة التي نقلها أصحاب الحديث لا تترك منتدحاً لمسلم أن ينكر القضاء والقدر، نعم الكلام في تفسيرهما وتحديد معناهما على نحو لا يضاد ولا يخالف حاكمية اللّه واختياره أوّلاً، ولا يزاحم حرية الإنسان وإرادته ثانياً، إذ كما أنّ القدر والقضاء من الأُمور اليقينية، فكذا حاكميته سبحانه واختياره، وحرية العبد وإرادته من الأُمور اليقينية أيضاً وسوف يوافيك أنّ معنى القضاء والقدر الثابتين في الشرع، ليس كما تصوّره أصحاب الحديث والأشاعرة: من تحكيم القدر على اختياره سبحانه، وإرادة عباده. بل تقديره وقضاؤه لا يعني إبطال حرية الإنسان واختياره، ولأجل كون المقام من مزال الأقدام، نهى الإمام أمير المؤمنين البسطاء عن الخوض في القضاء والقدر، فقال في جواب من سأله عن القدر:«طريق مظلم فلا تسلكوه، وبحر عميق فلا تلجوه، وسر اللّه فلا تتكلّفوه».(1)

ولكن كلامه ـ عليه السَّلام ـ متوجه إلى البسطاء من الأُمّة الذين لا يتحملون المعارف العليا، لا إلى أهل المعرفة والنظر. ولأجل ذلك وردت جمل شافية في القضاء والقدر عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ وسيوافيك شطر منها عند عرض مذهب أهل الحديث في هذا الموقف.

2. الاعتزال والمعتزلة

المعتزلة طائفة من العدلية نشأت في أوائل القرن الثاني الهجري، ويرجع أصلها إلى «واصل بن عطاء» تلميذ الحسن البصري، ولهم منهج كلامي خاص وأُصول معينة اتفقوا عليها، وسوف نرجع إلى دراسة مذهبهم بعد الفراغ من دراسة مذهب أهل الحديث أوّلاً، والأشاعرة ثانياً، غير أنّ الذي نركز عليه هنا هو الوقوف على وجه تسميتهم بالمعتزلة تارة، ووصف مدرستهم بالاعتزال أُخرى، وهناك آراء ستة نشير إلى بعضها:

أ. دخل رجل على الحسن البصري (المتوفّى عام 110هـ) فقال: يا إمام الدين لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفّرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم


1 . شرح نهج البلاغة للشيخ محمد عبده:قسم الحكم، الرقم 287.


(118)

كفر يخرج به عن الملة وهم وعيدية الخوارج; وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان، بل العمل ليس ـ على مذهبهم ـ ركناً من الإيمان، ولا يضر مع الإيمان معصية، كمالا ينفع مع الكفر طاعة، وهم مرجئة الأُمّة فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقاداً؟

فتفكّر الحسن في ذلك وقبل أن يجيب، قال واصل بن عطاء (تلميذه): أنا لا أقول إنّ صاحب الكبيرة مؤمن مطلقاً، ولا كافر مطلقاً، بل هو في منزلة بين المنزلتين لا مؤمن ولا كافر.

ثمّ قام واعتزل إلى أسطوانة من اسطوانات المسجد، يقرر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزل عنّا واصل، فسمّي هو وأصحابه معتزلة.(1)

وقد كان لمسألة مرتكب الكبائر دوي عظيم في تلك العصور، وهو أمر أحدثه الخوارج في البيئات الإسلامية تعييراً لعلي ـ عليه السَّلام ـ حيث إنّه بزعمهم ارتكب الكبيرة لمّا حكّم الرجال في أمر الدين، وليس للرجال شأن في هذا المجال، فعادوا يكفّرونه حسب معاييرهم الباطلة. ولأجل ذلك انتشر السؤال عن حكم مرتكب الكبيرة، هل هو كافر أو مؤمن فاسق؟ فالتجأ واصل بن عطاء إلى القول بالمنزلة بين المنزلتين.

وظاهر الرواية، أنّ واصل بن عطاء أجاب عن السؤال ارتجالاً وبلا تروّ، غير أنّا نرى أنّ المعتزلة اتّخذوه أصلاً من الأُصول الخمسة التي لا يختلف فيها أحد منهم، فيبدو أنّه انتهى إلى تلك النظرية عن تحقيق وتفكير وتبعه أصحابه طوال قرون من دون أن يكون هناك حافز سياسي أو داع غير إراءة الحقّ وإصابة الواقع.

ومع ذلك كلّه نرى عبد الرحمن بدوي يعتبر تلك الفكرة منهم فكرة سياسية اتّخذوها ذريعة على ألاّ ينصروا أحد الفريقين المتنازعين(أهل السنّة والخوارج) حيث قال: وإنّما اختار المعتزلة الأوّلون هذا الاسم، أو على الأقل


1 . الفرق بين الفرق : 118; الملل والنحل للشهرستاني:1/48.


(119)

تقبّلوه، بمعنى المحايدين أو الذين لا ينصرون أحد الفريقين المتنازعين(أهل السنة والخوارج) على الآخر في المسألة السياسيّة الدينية الخطيرة: مسألة الفاسق ما هو حكمه؟ هل هو كافر مخلّد في النار كما يقول الخوارج، أو هو مؤمن يعاقب على الكبيرة بقدرها كما يقول أهل السنّة، أو هو في منزلة بين المنزلتين وهو ما يقول به المعتزلة.(1)

ب. وهناك رأي ثان في وجه تسميتهم بها، يظهر ممّا ذكره أبو الحسين محمد ابن أحمد بن عبد الرحمن الملطي الشافعي(المتوفّى عام 377هـ) حيث يقول: وهم سمّوا أنفسهم معتزلة وذلك عندما بايع الحسن بن علي ـ عليه السَّلام ـ معاوية وسلم إليه الأمر، اعتزلوا الحسن ومعاوية وجميع الناس، وقد كانوا من أصحاب علي،ولزموا منازلهم ومساجدهم وقالوا: نشتغل بالعلم والعبادة فسمّوا بذلك معتزلة.(2)

وهذا الرأي قريب من جهة أنّ المعتزلة أخذوا تعاليمهم في التوحيد والعدل، عن الإمام علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ لأنّهم يقرّون بأنّ مذهبهم يصل إلى واصل بن عطاء، وأنّ واصلاً يستند إلى محمد بن علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ المعروف بابن الحنفية بواسطة ابنه أبي هاشم وأنّ محمداً أخذ عن أبيه، وأنّ علياً أخذ عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .(3)

وعلى ذلك فليس ببعيد أن يرجع وجه التسمية إلى زمن تصالح الإمام الحسن ـ عليه السَّلام ـ مع معاوية.

والذي يبعد ذلك أنّ من الأُصول الاعتقادية للمعتزلة هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى هذا الأصل خرجت أوائلهم على الوليد الفاسق بن يزيد ابن عبد الملك ونصروا يزيد الناقص بن الوليد بن عبد الملك الذي كان على خط


1 . مذاهب الإسلاميين للدكتور عبد الرحمن بدوي:1/37.
2 . التنبيه والرد: 36.
3 . رسائل الجاحظ تحقيق عمر أبي النصر: 228، وغيره ممّا كتب في تاريخ المعتزلة كطبقات المعتزلة للقاضي عبد الجبار، والمنية والأمل لأحمد بن يحيى بن المرتضى.


(120)

الاعتزال، وقد فصّل الكلام فيه المسعودي في تاريخه(1)، وعلى ذلك فلا يصح أن يقال إنّهم لزموا منازلهم ومساجدهم وقالوا نشتغل بالعلم والعبادة.

والحقّ أن يقال: إنّ هناك طائفتين سمّيتا بالمعتزلة، لا صلة بينهما سوى الاشتراك في الاسم، ظهرت إحداهما بعد تصالح الإمام الحسن بن علي ـ عليهما السَّلام ـ مع معاوية، وهؤلاء طائفة سياسية بحتة. وطلعت الأُخرى في زمن الحسن البصري بعد اعتزال واصل إلى اسطوانة من اسطوانات المسجد، وهؤلاء طائفة كلامية عقائدية.

هذا وإنّ المعروف في وجه التسمية هو الوجه الأوّل دون الثاني ودون سائر الوجوه البالغة ستة أوجه.

وسيوافيك بيان تلك الأوجه الستة عند بيان عقائد المعتزلة في الجزء الثالث من هذه الموسوعة.

3. الرفض والرافضة ووجه التسمية

الرفض: بمعنى الترك. قال ابن منظور في اللسان: «الرفض تركك الشيء تقول: رفضني فرفضته، رفضت الشيء أرفضه رفضاً. تركته وفرقته، والرفض، الشيء المتفرق والجمع: أرفاض».

هذا هو المعنى اللغوي وأمّا حسب الاصطلاح في الأعصار المتأخرة فهو يطلق على مطلق محبي أهل البيت تارة، أو على شيعتهم جميعاً أُخرى، أو على طائفة خاصة منهم ثالثة.

وعلى كلّ تقدير فهذاالاصطلاح اصطلاح سياسي أُطلق على هذه الطائفة وهو موضوع لا كلام فيه، إنّما الكلام في وجه التسمية ومبدأ نشوئها، فإنّنا نرى ابن منظور يقول في وجه التسمية«الروافض: جنود تركوا قائدهم وانصرفوا، فكلّ طائفة منهم رافضة، والنسبة إليهم رافضي، والروافض قوم من الشيعة سمّوا بذلك لأنّهم تركوا زيد بن علي، قال الأصمعي: كانوا


1 . مروج الذهب:3/212ـ 226.


(121)

قد بايعوا زيد بن علي ثمّ قالوا له: ابرأ من الشيخين نقاتل معك فأبى وقال: كانا وزيري جدي فلا أبرأ منهما، فرفضوه وارفضوا عنه، فسمّوا رافضة،وقالوا الروافض ولم يقولوا: الرفاض لأنّهم عنوا الجماعات.(1)

غير أنّ ابن منظور، وإن أصاب الحقّ في صدر كلامه وجعل للّفظ معنى وسيعاً يطلق على المسلم والكافر، والمسلم شيعيّه و سنيّه لكن استشهد على وجه تسمية قسم من شيعة علي ـ عليه السَّلام ـ بها بقول الأصمعي، وهو منحرف عن علي وشيعته، فكيف يمكن الاعتماد على قوله، خصوصاً إذا تضمن تنقيصاً وازدراء بهم، وليس ذلك بدعاًمن ابن منظور وأضرابه، بل هو مطرد في كلّ مورد يستشهدون بشيء فيه وقيعة للشيعة، فترى هناك أثراً من مطعون إلى منحرف إلى ناصبي إلى خارجي و«في كلّواد أثر من ثعلبة» وعلى أي تقدير هذه الفكرة هي المعروفة بين أرباب الملل في تسمية شيعة الإمام بالرافضة، ونداء محبيه بالرفضة.

يقول البغدادي في «الفَرْق بينالفِرَق» عند البحث عن الزيدية: وكان زيد بن علي قد بايعه خمسة عشر ألف رجل من أهل الكوفة وخرج بهم على والي العراق وهو يوسف بن عمر الثقفي عامل هشام بن عبد الملك، فلمّا استمر القتال بينه و بين يوسف بن عمر الثقفي قالوا له: إنّا ننصرك على أعدائك بعد أن تخبرنا برأيك في أبي بكر وعمر، بعد أن ظلما جدك علي بن أبي طالب. فقال زيد بن علي: لا أقول فيهم إلاّ خيراً، وما سمعت من أبي فيهم إلاّ خيراً. وإنّما خرجت على بني أُمية الذين قتلوا جدي الحسين، وأغاروا على المدينة يوم وقعة الحرة، ثمّ رموا بيت اللّه بالمنجنيق والنار. ففارقوه عند ذلك، حتى قال لهم رفضتموني، ومن يومئذ سمّوا رافضة.(2)

قال البزدوي أحد المؤلفين في الفرق عند البحث عن مذهب الروافض: «وإنّما سموا روافض، لأنّهم وقعوا في أبي بكر وعمر فزجرهم زيد فرفضوه


1 . لسان العرب:7/157، مادة رفض.
2 . الفرق بين الفرق: 35.


(122)

وتركوه فسموا روافض».(1)

هذا ما لدى القوم من أوّلهم وآخرهم، فقد أخذوا بقول الأصمعي الناصبي في التسمية ومن لفّ لفّه وحذا حذوه.

نظرنا في الموضوع

لا أظن الأصمعي وهو خبير في اللغة يجهل بحقيقة الحال ولكن عداءه قد جرّه إلى هذا التفسير، فإنّ الحقّ أنّ الرافضة كلمة سياسية كانت تستعمل قبل أن يولد زيد بن علي ومن بايعه من أهل الكوفة، فالكلمة تطلق على كلّ جماعة لم تقبل الحكومة القائمة، سواء أكانت حقاً أو باطلاً. هذا هو معاوية بن أبي سفيان يصف شيعة عثمان ـ الذين لم يخضعوا لحكومة علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ وسلطته ـ بالرافضة ويكتب في كتابه إلى «عمرو بن العاص» وهو في البيع في فلسطين أمّا بعد: فإنّه كان من أمر علي وطلحة والزبير ما قد بلغك، وقد سقط إلينا(2) مروان ابن الحكم في رافضة أهل البصرة وقدم علينا جرير بن عبد اللّه في بيعة علي، وقد حبست نفسي عليك حتى تأتيني، أقبل أُذاكرك أمراً.(3)

ترى أنّ معاوية يصف من جاء مع مروان بن الحكم بالرافضة وهؤلاء كانوا أعداء علي ومخالفيه، وما هذا إلاّ لأنّ هؤلاء الجماعة كانوا غير خاضعين للحكومة القائمة آنذاك.

وعلى ذلك فتلك لفظة سياسية تطلق على القاعدين عن نصرة الحكومة والالتفاف حولها، وبما أنّه كان من واجب هذه الجماعة البيعة للحكومة والمعاملة معاملة الحكومة الحقة، ولكنّهم لم يقوموا بواجبهم فتركوه فتفرقوا عنها، فسمّوا رافضة.

فقد خرجنا بهذه النتيجة: إنّ كلمة الرفض والرافضة ليستا من


1 . أُصول الدين: 248.
2 . سقط إلينا: نزل إلينا.
3 . وقعة صفين : 29.


(123)

خصائص الشيعة، بل هي لغة عامة تستعمل في كلّ جماعة غير خاضعة للحكومة القائمة، وبما أنّ الشيعة منذ تكونها لم تخضع للحكومات القائمة بعد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فكانت رافضة حسب الاصطلاح الذي عرفت، ولم يكن ذلك الاصطلاح موهوباً من زيد بن علي لشيعة جدّه. كيف وقد ورد ذلك المصطلح على لسان أخيه محمد الباقر ـ عليه السَّلام ـ الذي توفّي قبل زيد بن علي وثورته بست سنوات؟!

روى أبو الجارود عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ : إنّ رجلاً يقول إنّ فلاناً سمّانا باسم، قال: وما ذاك الاسم؟ قال: سمّانا الرافضة. فقال أبو جعفر ـ مشيراً بيده إلى صدره ـ: وأنا من الرافضة وهو مني، قالها ثلاثاً.(1)

وروى أبو بصير فقال: «قلت لأبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ : جعلت فداك اسم سمينا به، استحلت به الولاة دماءنا وأموالنا وعذابنا، قال: «وما هو؟» قال: الرافضة، فقال أبو جعفرـ عليه السَّلام ـ : «إنّ سبعين رجلاً من عسكر فرعون رفضوا فرعون، فأتوا موسى ـ عليه السَّلام ـ فلم يكن في قوم موسى أحد أشدّ اجتهاداً وأشد حباً لهارون منهم، فسمّاهم قوم موسى الرافضة».(2)

وهذه التعابير عن أبي جعفر باقر العلومـ عليه السَّلام ـ أصدق شاهد على أنّ مصطلح الرفض ليس وليد فكرة زيد، وأجلّه عن هذه النسبة والفكرة، بل كان مصطلحاً سائداً في أقوام، فكلّ من لم يخضع للحاكم القائم، والحكومة السائدة وصار يعيش بلا إمام ولا حاكم سمّي رافضياً والجماعة رافضة أو رفضة.

وبهذا الملاك أطلق لفظ الرافضي على من لم يعتقد بشرعية حكومة الخلفاء حتى شاع وذاع قبل مقتل زيد كما عرفت وبعده.

فعن معاذ بن سعيد الحميري قال: «شهد السيد إسماعيل بن محمد الحميري رحمه اللّه ، عند «سوار» القاضي بشهادة فقال له: ألست


1 . بحار الأنوار:65/97 الحديث2 نقلاً عن المحاسن للبرقي، المتوفّى عام 274هـ.
2 . بحارالأنوار:65/97 الحديث3.


(124)

إسماعيل بن محمد الذي يعرف بالسيد؟ فقال: نعم. فقال له: كيف أقدمت على الشهادة عندي، وأنا أعرف عداوتك للسلف؟ فقال السيد: قد أعاذني اللّه من عداوة أولياء اللّه، وإنّما هو شيء لزمني. ثمّ نهض فقال له: قم يا رافضي فواللّه ما شهدت بحقّ، فخرج السيد رحمه اللّه وهو يقول:

أبـوك ابن سارق عنـز النبي * وأنت ابن بنت أبي جحـدر

ونحن على زعمك الرافضو * ن لأهل الضلالة والمنكـر(1)

وروي أنّه كان عبد الملك بن مروان لمّا سمع من الفرزدق قصيدته المعروفة في مدح الإمام علي بن الحسين قال له: أو رافضي أيضاً أنت؟ فقال الفرزدق: إن كان حبّ آل محمّد رفضاً فأنا هذاك، فقال عبد الملك: قل فيّ مثل ما قلته فيه وعليّ أن أضعف عطاءك....(2)

4. الحشوية

لقد كثر الكلام حول تفسير الحشوية و ما هو المراد منها ؟ ونحن نأتي هنا بمجمل القول من أوثق المصادر..

قال الجرجاني: وسمّيت الحشوية حشوية، لأنّهم يحشون الأحاديث التي لا أصل لها في الأحاديث المروية عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وجميع الحشوية يقولون بالجبر والتشبيه، وتوصيفه تعالى بالنفس واليد والسمع والبصر، وقالوا: إنّ كلّ حديث يأتي به الثقة من العلماء فهو حجّة أيّاً كانت الواسطة.(3)

وقد ذكر الصفدي: أنّ الغالب في الحنفية معتزلة. والغالب في الشافعية أشاعرة، والغالب في المالكية قدرية (لعلّه يعني جبرية) والغالب في الحنابلة حشوية.(4)

ونقل الشيخ محمد زاهد الكوثري في تقديمه على كتاب «تبيين كذب


1 . الغدير:2/256 طبع بيروت.
2 . أمالي السيد المرتضى:1/68 في التعليق.
3 . التعريفات: 341; الحور العين: 204; معرفة المذاهب: 15.
4 . الغيث المنسجم للصفدي:2/47، وراجع ضحى الإسلام لأحمد أمين:3/71.


(125)

المفتري» وجهاً آخر، وقال: وكان الحسن البصري من جلة التابعين، ومن استمر سنين ينشر العلم في البصرة، ويلازم مجلسه نبلاء أهل العلم، وقد حضر مجلسه يوماً أُناس من رعاع الرواة، و لمّا تكلموا بالسقط عنده قال ردّوا هؤلاء إلى حشا الحلقة ـأي جانبهاـ فسمّوا الحشوية، ومنهم أصناف المجسمة والمشبهة.(1)

***

قال الصادق ـ عليه السَّلام ـ :

«العامل على غير بصيرة كالسائر على سراب بقيعة، لا يزيده سرعة السير إلاّ بعداً».(2)


1 . تبيين كذب المفتري:11.
2 . الوسائل:الباب 18 من أبواب صفات القاضي، الحديث 36.