welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : بحوث في الملل والنحل/ ج1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

بحوث في الملل والنحل/ ج1

(60)

العامل الثالث

المنع عن كتابة الحديث وتدوينه بل التحدّث عنه

إنّ هنا عاملاً ثالثاً لتكوّّن الفرق ونشوء الفوضى في العقائد والأُصول، وهو المنع عن كتابة الحديث وتدوينه بل التحدّث عنه بعد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلى عهد المنصور العباسي.

توضيحه: الحديث عبارة عمّا ينسب إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من قول أو فعل أو تقرير نازل منزلة التفسير لمعاني الكتاب الحكيم، مبيّن لمجمله، شارح لمعانيه، كما يعرب عنه قوله سبحانه: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون) .(1)

أي لا لتقرأ فقط، بل تبيّن وتشرح ما نزل، بقولك وفعلك وتقريرك.

إذا كانت السنّة هي في الدرجة الثانية من الدين بعد القرآن الكريم في الحجية والاعتبار، حتى إنّك لا تجد فيها شيئاً إلاّ وفي القرآن أُصوله وجذوره، ولا إسهاباً إلاّ وفيه مجمله وعناوينه.

وإذا كان الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لا يصدر في قوله وكلامه إلاّ بإيحاء من اللّه سبحانه كما يصرح بذلك قوله سبحانه: (ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى* وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى* إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى).(2)


1 . النحل:44.
2 . النجم:2 ـ 4.


(61)

فهل يصحّ للرسول أن يمنع عن تدوينه وكتابته أو مدارسته ومذاكرته؟!

وإذا كان الرسول منع دراسة الحديث ونقله ونشره وتدوينه، فما معنى قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في خطبته في منى عام حجّة الوداع: «نضر اللّه امرأً سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلّغها، فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه»(1) ؟!

وما معنى قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «نضّر اللّه امرأً سمع منا شيئاً فبلغه كما يسمع، فرب مبلّغ أوعى من سامع»(2)؟!

أو قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «اللّهمّ ارحم خلفائي، اللّهم ارحم خلفائي، اللّهمّ ارحم خلفائي» قيل: يا رسول اللّه ومن خلفاؤك؟ قال: «الذين يأتون من بعدي يروون حديثي وسنّتي»(3)؟!

كيف تصحّ نسبة المنع إلى الرسول الأعظم، مع أنّ المستفيض منه خلافه؟! وإليك بعض ما ورد عنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

أمر الرسول بكتابة حديثه

1. روى البخاري عن أبي هريرة أنّ خزاعة قتلوا رجلاً من بني ليث عام فتح مكة بقتيل منهم قتلوه، فأُخبر بذلك النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فركب راحلته فخطب، فقال: «إنّ اللّه حبس عن مكة القتل أو الفيل(شكّ أبو عبد اللّه) وسلّط عليهم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ والمؤمنين. ألا وإنّها لم تحل لأحد قبلي ولم تحل لأحد بعديـ إلى أن قال ـ : فجاء رجل من أهل اليمن فقال: اكتب لي يا رسول اللّه؟ فقال: «اكتبوا لأبي فلان ـ إلى أن قال ـ : كتب له هذه الخطبة».(4)

2. وروي أنّ رجلاً من الأنصار كان يجلس إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فيسمع من النبي الحديث فيعجبه ولا يحفظه، فشكا ذلك إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال: يا رسول اللّه إنّي أسمع منك الحديث


1 . سنن الترمذي:5/34 ح2657، 2658.
2 . سنن الترمذي:5/34 ح2658.
3 . كنزالعمال:10/221، رقم الحديث29167; و بحارالأنوار:2/145 ح7.
4 . صحيح البخاري: 29ـ30، باب كتابة العلم، الحديث 2.


(62)

فيعجبني ولا أحفظه، فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «استعن بيمينك» وأومأ بيده للخط.(1)

3. وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه قال: قلت: يا رسول اللّه أكتب كلّ ما أسمع منك؟ قال: «نعم». قلت: في الرضا والسخط؟ قال: «نعم فإنّه لا ينبغي لي أن أقول في ذلك إلاّحقاً».(2)

4. وعن عبد اللّه بن عمرو قال: كنت أكتب كلّ شيء أسمعه من رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أُريد حفظه، فنهتني قريش وقالوا: تكتب كلّ شيء سمعته من رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ورسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فأومأ بإصبعه إلى فيه وقال:«اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلاّ حقّ».(3)

5. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جدّه، قال: قلت: يا رسول اللّه إنّا نسمع منك أحاديث لا نحفظها أفلا نكتبها؟ قال: «بلى فاكتبوها».(4)

أضف إلى ذلك أنّ الذكر الحكيم يحثّ المسلمين على كتابة ما يتداينون بينهم. قال سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْن إِلى أَجَل مُسمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُب وَلْيُمْلِلِ الَّذي عَلَيْهِ الحَقّ...) ثمّ يعود ويؤكد على المؤمنين أن لا يسأموا من الكتابة فقال سبحانه:(وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغيراً أَوْ كَبيراً إِلى أَجلهِ...).(5)


1 . سنن الترمذي:5/39، كتاب العلم، باب ما جاء في الرخصة فيه، ح2666.
2 . مسند أحمد:2/207.
3 . سنن الدارمي:1/125، باب من رخّص في كتابة العلم; سنن أبي داود:2/318، باب في كتابة العلم; مسندأحمد:3/162.
4 . مسند أحمد:2/215.
5 . البقرة:282.


(63)

فإذا كان المال الذي هو زينة الحياة الدنيا من الأهمية بهذه المنزلة، فكيف بأقوال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأفعاله وتقاريره التي تعتبر تالي القرآن الكريم حجّية وبرهاناً؟

وهناك كلمة قيّمة للخطيب البغدادي نأتي بها برمتها: وقد أدّب اللّه سبحانه عباده بمثل ذلك في الدين، فقال عزّ وجلّ: (وَلا تَسأمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبيراً إِلى أَجَلهِ ذلِكُمْ أَقْسطُ عِنْدَ اللّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادةِ وَأَدنى أَلاّ تَرْتابُوا) .(1)

فلمّا أمر اللّه تعالى بكتابة الدين حفظاً له، واحتياطاً عليه وإشفاقاً من دخول الريب فيه، كان العلم الذي حفظه أصعب من حفظ الدين، أحرى أن تباح كتابته خوفاً من دخول الريب والشكّ فيه. بل كتابة العلم في هذا الزمان، مع طول الاسناد، واختلاف أسباب الرواية، أحج من الحفظ، ألا ترى أنّ اللّه عزّوجلّ جعل كتب الشهادة فيما يتعاطاه الناس من الحقوق بينهم، عوناً عند الجحود، وتذكرة عند النسيان، وجعل في عدمها عند المموّهين بها أوكد الحجج ببطلان ما ادّعوه فيها، فمن ذلك أنّ المشركين لما ادّعوا بهتاً اتخاذ اللّه سبحانه بنات من الملائكة، أمر اللّه نبينا ـ صلاى الله عليه وآله وسلَّم ـ َّن يقول لهم: (فأَتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) .(2)

ولمّا قالت اليهود: (ما أنزلَ اللّهُ على بشر مِنْ شَيْء) (3)، وقد استفاض عنهم قبل ذلك للإيمان بالتوراة، قال اللّه تعالى لنبيّنا ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قل لهم: (مَنْ أَنْزلَ الكتابَ الَّذي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهدىً لِلناسِ تَجْعَلُونهُ قَراطِيسَ تُبْدُونها وَتُخْفُونَ كَثيراً) (4)، فلم يأتوا على ذلك ببرهان، فأطلع اللّه على عجزهم عن ذلك بقوله:(قُلِ اللّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ في خَوضِهِمْ يَلْعَبُون) .(5)


1 . البقرة:282.
2 . الصافات:157.
3 . الأنعام:91.
4 . الأنعام:91.
5 . الأنعام:91.


(64)

وقال تعالى ـ رادّاً على متّخذي الأصنام آلهة من دونه ـ : (أَروني ماذا خَلَقُوا مِنَ الأَرضِ أَمْ لَهُمْ شِرِكٌ فِي السَّماواتِ ائتُوني بِكتاب مِنْ قَبْلِ هذا أَو أَثارة مِنْ عِلْم إِنْ كُنْتُمْ صادِقين) .(1) والأثارة والأثرة، راجعان في المعنى إلى شيء واحد،وهو ما أثر من كتب الأوّلين. وكذلك سبيل من ادّعى علماً أو حقاً من حقوق الأملاك، أن يقيم دون الإقرار برهاناً، إمّا شهادة ذوي عدل أو كتاباً غير مموّه، وإلاّفلا سبيل إلى تصديقه.

والكتاب شاهد عند التنازع... إلى آخر ما ذكره.(2)

نرى أنّه سبحانه قد شرح دساتير وحيه وآي قرآنه بالأمر بالقراءة مبيّناً أهمية القلم في التعليم والتعلّم حيث قال عزّمن قائل: (اقرأ بِاسْمِ رَبّكَ الَّذي خَلَق* خَلَقَ الإِنْسانَ مِنْ عَلَق* اقْرَأْ وَرَبّكَ الأَكْرَم* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَم).(3)

بل و عظّم سبحانه القلم والكتابة تعظيماً، حتى جعلها بمرتبة استحقاق القسم بها فهو جلّ وعلا يقول: (ن وَالقَلَمِ وما يَسْطُرُون) .(4)

أفهل يعقل معه أن ينهى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن كتابة ما هو قرين القرآن وتاليه في الحجية، أعني: السنة الشريفة؟! كلاّ.

أُسطورة المنع عن كتابة الحديث

هذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ ما نسب إليه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من النهي عن كتابة الحديث، يخالف منطق الوحي والحديث والعقل، وما هو إلاّوليد الأوهام والسياسات التي أخذت تمنع نشر حديث الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وتدوينه لغايات سياسية لا تخفى على ذي


1 . الأحقاف:4.
2 . تقييد العلم:70ـ71.
3 . العلق:1ـ4.
4 . القلم:1.


(65)

لب. فمثلاً روى مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «لا تكتبوا عنّي، ومن كتب عنّي غير القرآن فليمحه».(1)

وفي رواية: إنّهم استأذنوا النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أن يكتبوا عنه فلم يأذنهم.(2)

وفي مسند أحمد أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نهى أن نكتب شيئاً من حديثه(3). وأيضاً ورد في مسند أحمد عن أبي هريرة أنّه قال:«كنا قعوداً نكتب ما نسمع من النبي، فخرج علينا فقال: «ما هذا تكتبون»؟ فقلنا: ما نسمع منك، فقال: «أكتاب مع كتاب اللّه؟» فقلنا: ما نسمع. فقال: «اكتبوا كتاب اللّه، امحضوا كتاب اللّه، أكتاب غير كتاب اللّه، امحضوا أو خلصوه» . قال: فجعلنا ما كتبنا في صعيد واحد ثمّ أحرقناه بالنار».(4)

ثمّ إنّ القوم لم يكتفوا بما نسبوه إلى النبي في مجال كتابة الحديث، بل ذكروا هناك أحاديث موقوفة على الصحابة والتابعين تنتهي إلى الشخصيات البارزة: كأبي سعيد الخدري، وأبي موسى الأشعري، وعبد اللّه بن مسعود، وأبي هريرة، وعبد اللّه بن عباس، وعبد اللّه بن عمر، وعمر بن عبد العزيز، وعبيدة، وإدريس بن أبي إدريس، ومغيرة بن إبراهيم، إلى غير ذلك.(5)

وروى عروة بن الزبير أنّ عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن، فاستشار في ذلك أصحاب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فأشاروا عليه أن يكتبها فطفق عمر يستخير اللّه فيها شهراً، ثمّ أصبح يوماً و قد عزم اللّه له، فقال: إنّي كنت أردت أن أكتب السنن، وإنّي ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً فأكبّوا عليها وتركوا كتاب اللّه، وإنّي واللّه لا ألبس كتاب اللّه بشيء


1 . سنن الدارمي:1/119; مسند أحمد:3/12.
2 . سنن الدارمي:1/119.
3 . مسند أحمد:5/182.
4 . مسند أحمد:3/12.
5 . جمع الخطيب في «تقييد العلم»: 29ـ 28، الروايات المنسوبة إلى النبي والموقوفة على الصحابة والتابعين.


(66)

أبداً.(1)

وروى ابن جرير أنّ الخليفة عمر بن الخطاب كان كلّما أرسل حاكماً أو والياً إلى قطر أو بلد، يوصيه في جملة ما يوصيه: جرّدوا القرآن وأقلّوا الرواية عن محمّد وأنا شريككم.(2)

وكان عمر قد شيع قرظة بن كعب الأنصاري ومن معه إلى «صرار» على ثلاثة أميال من المدينة، وأظهر لهم أنّ مشايعته لهم إنّما كانت لأجل الوصية بهذا الأمر، وقال لهم ذلك القول.

قال قرظة بن كعب الأنصاري: أردنا الكوفة، فشيّعنا عمر إلى «صرار» فتوضأ فغسل مرتين، وقال: تدرون لم شيعتكم؟ فقلنا: نعم، نحن أصحاب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فقال: إنّكم تأتون أهل قرية لهم دويّ بالقرآن كدويّ النحل، فلا تصدّوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جرّدوا القرآن، وأقلّوا الرواية عن رسول اللّه، وامضوا وأنا شريككم.(3)

وقد حفظ التاريخ أنّ الخليفة قال لأبي ذر، وعبد اللّه بن مسعود، وأبي الدرداء:ما هذا الحديث الذي تفشون عن محمّد ؟!.(4)

وذكر الخطيب في «تقييد العلم» عن القاسم بن محمد: أنّ عمر بن الخطاب بلغه أنّ في أيدي الناس كتباً، فاستنكرها وكرهها، وقال: أيّها الناس إنّه قد بلغني أنّه قد ظهرت في أيديكم كتب، فأحبها إلى اللّه، أعدلها وأقومها، فلا يبقين أحد عنده كتاب إلاّ أتاني به فأرى فيه رأيي. قال فظنوا أنّه يريد ينظر فيها ويقوّمها على أمر لا يكون فيه اختلاف، فأتوه بكتبهم، فأحرقها بالنار ثمّ قال: أمنية كأمنية أهل الكتاب .(5)


1 . تقييد العلم: 49.
2 . تاريخ الطبري:3/273، طبعة الأعلمي بالأُفست.
3 . طبقات ابن سعد:6/7; المستدرك للحاكم:1/102.
4 . كنز العمال:10/293 ح29479.
5 . تقييد العلم: 52.


(67)

وقد صار عمل الخليفتين سنّة، فمشى عثمان مشيهما، ولكن بصورة محدودة وقال على المنبر: لا يحل لأحد يروي حديثاً لم يسمع به في عهد أبي بكر ولا عهد عمر .(1)

كما أنّ معاوية اتبع طريقة الخلفاء الثلاث فخطب وقال: يا ناس أقلّوا الرواية عن رسول اللّه وإن كنتم تتحدّثون فتحدّثوا بما كان يتحدّث به في عهد عمر.(2)

حتى أنّ عبيد اللّه بن زياد عامل يزيد بن معاوية على الكوفة، نهى زيد بن أرقم الصحابي عن التحدّث بأحاديث رسول اللّه .(3)

وبذلك أصبح ترك كتابة الحديث سنّة إسلامية، وعدّت الكتابة شيئاً منكراً مخالفاً لها.

هذه هي بعض الأقاويل التي رواها أصحاب الصحاح والسنن، وفي نفس الوقت نقلوا أحاديث تناقضها وتأمر بكتابة الحديث والسنّة كما ستوافيك.

العقل والمنع عن كتابة الحديث

كيف يسمح العقل والمنطق أن يحكم بصحّة الأحاديث الناهية عن الكتابة، مع أنّ الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أمر في أُخريات حياته أن يحضروا له قلماً ودواة ليكتب لهم كتاباً لن يضلوا بعده أبداً! وما كان المكتوب (على فرض كتابته) إلاّ حديثاً من أحاديثه، فقد روى البخاري عن ابن عباس أنّه قال:لمّا اشتدّ بالنبي وجعه قال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده، قال عمر: إنّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ غلبه الوجع وعندنا كتاب اللّه حسبنا. فاختلفوا وكثر اللغط قال: «قوموا عنّي ولا ينبغي عندي التنازع» فخرج ابن عباس يقول: الرزية كلّ الرزية ماحال بين رسول اللّه وبين كتابه.(4)


1 . كنز العمال:10/295، ح 29490.
2 . كنز العمال:10/291، ح 29473.
3 . فرقة السلفية، ص 14، نقلاً عن مسند الإمام أحمد.
4 . صحيح البخاري :1/30 كتاب العلم، باب كتابة العلم.


(68)

أفهل يجتمع هذا الأمر مع النهي عن تدوينه؟!

ثمّ إنّنا نرى أنّ الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بعث كتب إلى الملوك والساسة والأُمراء والسلاطين وشيوخ القبائل ورؤسائها ناهز عددها ثلاثمائة كتاب في طريق الدعوة والتبليغ أو حول العهود والمواثيق وقد حفظ التاريخ متون هذه الرسائل التي جمع بعضها نخبة مع المحقّقين في كتب خاصة.(1)

والتاريخ يصرح بأنّ الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان يملي والكاتب يكتب، فلما ازدادت الحاجة وكثرت العلاقات الاجتماعية أصبحت الحاجة إلى كتّاب يمارسون عملهم، فأدّى ذلك إلى كثرة الكتّاب فجعل لكلّ عمل كاتباً، ولكلّ كاتب راتباً معيناً. وقد كان أكثرهم كتابة، علي بن أبي طالب صلوات وسلامه عليه، فقد كان يكتب الوحي وغيره من العهود والمصالحات ،وقد أنهى المؤرخون كتّابه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلى سبعة عشر كاتباً.

فهل يجوز أن يكتب الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ هذه المكاتبات والعهود والمصالحات إلى بطون القبائل ورؤساء العشائر وهو يعلم أنّهم يحتفظون بهذه المكاتبات بحجّة أنّها من أوثق الوثائق السياسية والدينية، ثمّ ينهى عن تسطير كلامه وحديثه؟! فما هذان إلاّنقيضان لا يجتمعان.

الغايات السياسة والأهداف الدينية

ومع ذلك كلّه فقد غلبت الغايات السياسية على الأهداف الدينية وقامت بكلّ قوة أمام حديث النبي ونشره وكتابته، حتّى إنّ الخليفة أبا بكر أحرق في خلافته خمسمائة حديث كتبه عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ (2).

و لمّا قام عمر بعده بالخلافة نهى عن كتابة الحديث وكتب إلى الآفاق: أنّ من كتب حديثاً فليمحه.(3)

ثمّ نهى عن التحدّث، فتركت عدّة من الصحابة الحديث


1 . «كالوثائق السياسية» لمحمد حميد اللّه، و «مكاتيب الرسول» للعلاّمة الأحمدي.
2 . كنز العمال:10/237و 239.
3 . مسند أحمد:3/12و 14.


(69)

عن رسولاللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ (1) فلم يكتب الحديث ولم يدوّن إلاّ في عهد المنصور عام 143هـ كما سيوافيك بيانه.

وقد بلغت جسارة قريش على ساحة النبي الأقدس أن منعوا عبد اللّه بن عمرو عن الاهتمام بحديث النبي وكتابته مدّعين بأنّه بشر يغضب(2). أي واللّه إنّه بشر يرضى ويغضب، ولكن لا يرضى ولا يغضب إلاّ من حقّ ولا يصدر إلاّ عنه.

إنّ الرزية الكبرى هي أن يمنع التحدّث بحديث رسوله وكتابته وتدوينه ويحل محله التحدّث عن العهد القديم والجديد وعن الأحاديث الإسرائيلية والمسيحية والمجوسية(3) فتمتلئ الأذهان والصدور بالقصص الخرافية التي لا تمت إلى الإسلام بصلة ولا يصدقها العقل والمنطق كما سيمر عليك شرح تلك الفاجعة العظمى التي ألمت بالإسلام والمسلمين.

فلو صحّ ما نقل عن أبي هريرة من جمع ما كتبه الصحابة عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في مكان واحد وحرقه بالنار، لوجب على المسلمين كافة أن يجمعوا كلّ مصادر أحاديث الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وعلى رأسها صحيح البخاري وصحيح مسلم وحرقها في مكان واحد وذلك اقتداء بالسلف الصالح!!، وإذا صحّ فهل يبقى من الإسلام ما يرجع إليه في فهم القرآن الكريم وتمييز الحلال عن الحرام؟!

والذي أظنّه(وظن الألمعي صواب) أنّ الذي منع من تدوين الحديث ونشره ومدارسته وكتابته بعد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، هو الذي منع كتابة الصحيفة يوم الخميس عند احتضار النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ،


1 . مستدرك الحاكم:1/102و 104.
2 . المصدر نفسه.
3 . وقد أذن عمر بن الخطاب لتميم الداري النصراني الذي استسلم عام 9 من الهجرة أن يقص كما في كنز العمال:1/281، فالتحدّث بحديث رسول اللّه يكون ممنوعاً و «الداري» وأمثاله يكونون أحراراً في بث الأساطير والقصص المحرّفة؟!


(70)

فالغاية بداية ونهاية وقبل رحلته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وبعدها واحدة لم تتغير، وأمّا حقيقة تلك الغاية فتفصيلها موكول إلى آونة أُخرى ونأتي بمجملها:

كان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ منذ أن صدع بالدعوة، وأجهر بها، ينص على فضائل علي ومناقبه في مناسبات شتّى، فقد عرّفه في يوم الدار الذي ضم فيه أكابر بني هاشم وشيوخهم، بقوله: «إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا».

وفي يوم الأحزاب بقوله: «ضربة علي يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين».

وفي اليوم الذي غادر فيه المدينة متوجهاً إلى تبوك، وقد ترك علياً خليفته على المدينة، عرّفه بقوله: «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي».

إلى أن عرّفه في حجّة الوداع في غديرخم بقوله:«من كنت مولاه، فهذا عليٌّ مولاه».(1)

وغير ذلك من المناقب والفضائل المتواترة، وقد سمعها كثير من الصحابة فوعوها.

فكتابة حديث رسول اللّه بمعناها الحقيقي، لا تنفك عن ضبط ما أثر عنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في حقّ أوّل المؤمنين به، وأخلص المناصرين له في المواقف الحاسمة، وليس هذا شيئاً يلائم شؤون الخلافة التي تقلّدها المانع عن الكتابة.

وهناك وجه آخر للمنع عنها، هو أنّ عليّاً كان أحد المهتمين بكتابة حديث رسول اللّه وضبطه كما كان مولعاً بضبط الوحي وكتابته. وقد كتب من أحاديث رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ما أملى عليه فصار له أُذناً واعية، وهو ـ عليه السَّلام ـ


1 . سيوافيك مصادر هذه الأحاديث عند البحث عن عقيدة الشيعة، و من أراد الوقوف فليرجع إلى كتب المناقب للإمام عليـ عليه السَّلام ـ .


(71)

بالنسبة إلى رسول اللّه كما قال هو نفسه: «إنّي كنت إذا سألته أنبأني، وإذا سكتُّ ابتدأني»(1) . وهو أوّل من ألّف أحاديث رسول اللّه وكتب، وهذه منقبة عالية لأمير المؤمنين دون غيره، إلاّ أقلّ القليل. فاهتم مخالفوه بإخفاء هذه الفضيلة، باختلاق حديث منع الكتابة، فروى مسلم وغيره عنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لا تكتبوا عنّي سوى القرآن، ومن كتب فليمحه»(2) وكانت الغاية من تلك المقالة، الطمس على ما كتبه علي ـ عليه السَّلام ـ من الأحاديث.

على أنّهم لم يكتفوا بذلك، فرووا عن علي أنّه قال: «ليس عندنا كتاب سوى ما في قراب السيف».(3)

وروى البخاري عن أبي جحيفة، قال: قلت لعلي: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلاّ كتاب اللّه، أو فهم أعطيه رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة، قال: قلت: فما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر.(4)

مع أنّ الكتاب الذي كتبه علي بإملاء رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، كتاب كبير رآه أئمة الشيعة، وهو من مواريث النبوة وكان مشتملاً على أحاديث فقهية، وغيرها. وقد نقل عنه مشايخنا المحدّثون الأُول في جوامعهم، ولو صحّ وجود كتاب في قراب سيفه، فهو لا يمت إلى هذا الكتاب بصلة.

وقد قام زميلنا العلاّمة الحجّة الشيخ علي الأحمدي، بجمع ما روى الأئمّة عن هذا الكتاب من الأحاديث في موسوعته، وأخرجها من الكتب الأربعة، والجامع الأخير وسائل الشيعة.(5)

إنّ الخسارات التي مني الإسلام والمسلمون بها من جراء مثل هذا المنع،


1 . تاريخ الخلفاء: 115.
2 . سنن الدارمي:1/119.
3 . مسند أحمد:1/119.
4 . صحيح البخاري:1/ 29، باب كتابة العلم، الحديث1.
5 . لاحظ مكاتيب الرسول:1/72ـ 89.


(72)

كائناً ما كان سببه، كانت وما تزال عظيمة ووخيمة، وسنشير إلى بعضها في محلها إن شاء اللّه تعالى.

أعذار مفتعلة

إذا كان المنع من كتابة السنّة أمراً عجيباً، فتبرير هذا المنع بأنّه كان لصيانة اختلاط الحديث بالقرآن الكريم أعجب منه، وذلك لأنّ التبرير هذا أشبه بالاعتذار الأقبح من الذنب، لأنّ القرآن الكريم في أُسلوبه وبلاغته يغاير أُسلوب الحديث وبلاغته، فلا يخاف عليه من الاختلاط بالقرآن مهما بلغ من الفصاحة، فقبول هذا التبرير يلازم إبطال إعجاز القرآن الكريم وهدم أُصوله من القواعد.

ومثله، الأعذار المنحوتة الأُخرى لتبرير هذا المنع، كخوف الانكباب على دراسة غير القرآن، الذي نسب إلى الخليفة عمر بن الخطاب على ما مرّ، غير أنّ مرور الزمان أثبت خلاف تلك الفكرة، لأنّ كتابة الحديث من عصر المنصور لم تؤثر في دراسة القرآن وحفظه وتعليمه وتعلّمه. وهناك أعذار منحوتة أُخرى لا تقصر في البطلان عن سابقيها ولم تخطر ببال المانع أو المانعين أبداً، وإنّما هي وليدة «حبّ الشيء الذي يعمي ويصم» بعد لأي من الدهر، والهدف منه هو إسدال العذر على العمل السيِّء، أعاذنا اللّه منه.

وقد نحت الخطيب البغدادي مثل هذه الأعذار، وقال: قد ثبت أنّ كراهة من كره الكتابة من الصدر الأوّل، إنّما هي لئلا يضاهى بكتاب اللّه تعالى غيره، أو يشتغل عن القرآن بسواه. ونهى عن الكتب القديمة أن تتخذ، لأنّه لا يعرف حقّها من باطلها، وصحيحها من فاسدها. مع أنّ القرآن كفى منها، وصار مهيمناً عليها، ونهى عن كتب العلم في صدر الإسلام وجدته، لقلّة الفقهاء في ذلك الوقت، والمميزين بين الوحي وغيره، لأنّ أكثر الأعراب لم يكونوا فقهوا في الدين، ولا جالسوا العلماء العارفين، فلم يؤمن أن يلحقوا ما يجدون من الصحف بالقرآن. ويعتقدوا أنّ ما اشتملت عليه كلام الرحمن.(1)


1 . تقييد العلم: 57.


(73)

وقد استمر المنع من تدوين الحديث إلى عهد الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز(99ـ101هـ) فأحسّ بضرورة تدوين الحديث، فكتب إلى أبي بكر بن حزم في المدينة: انظر ما كان من حديث رسول اللّه فاكتبه، فإنّي خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلاّ أحاديث النبي، ولتفشوا العلم ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإنّ العلم لا يهلك حتى يكون سراً.(1)

ومع هذا الإصرار المؤكّد من الخليفة، صارت رواسب الحظر السابق المؤكّد من قبل الخلفاء الماضين حائلة دون القيام بما أمر به الخليفة، فلم يكتب شيء من أحاديث النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بعد صدور الأمر منه، إلاّ صحائف غير منظمة ولا مرتبة، إلى أن دالت دولة الأمويّين وقامت دولة العباسيّين، وأخذ أبو جعفر المنصور بمقاليد الحكم، فقام المحدّثون في سنة مائة وثلاثة وأربعين بتدوين الحديث، وفي ذلك قال الذهبي:

وفي سنة مائة وثلاثة وأربعين شرع علماء الإسلام في هذا العصر في تدوين الحديث والفقه والتفسير، فصنّف ابن جريج بمكة، ومالك الموطأ بالمدينة، والأوزاعي بالشام،وابن أبي عروبة، وحماد بن سلمة وغيرهما في البصرة، ومعمر باليمن، وسفيان الثوري بالكوفة، وصنّف ابن إسحاق المغازي، وصنّف أبوحنيفة الفقه والرأي ـإلى أن قالـ: وقبل هذا العصر كان الأئمّة يتكلمون من حفظهم أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة.(2)

ومعنى هذا، أنّ العالم الإسلامي اندفع فجأة بعد مضي 143 سنة من هجرة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نحو هذا الأمر، فاشتغل العلماء بجمع الأحاديث والفقه وتدوينهما، وأُلّفت كتب كثيرة في هذا المجال، واستمرت تلك الحركة إلى حدود سنة 250، فجمعت أحاديث كثيرة، و دُوّنت العقائد على طبق الأحاديث المضبوطة، فإذا كان هذا هو تاريخ الحديث وتدوينه وانتشاره، يتبيّن للقارئ بسهولة أنّ حديثاً لم يكتب طوال قرن ونصفه كيف تكون حاله مع أعدائه الذين كانوا له بالمرصاد، وكانوا يكذبون عليه بما يقدرون، وينشرون


1 . صحيح البخاري:1/27.
2 . تاريخ الخلفاء للسيوطي:261.


(74)

كل غث وسمين باسم الدين وباسم الرسول، كما سيوافيك بيانه، وما قيمة العقائد التي دونت على أساس تلك الأحاديث؟!!

نحن لا ننكر أنّ العلماء والمحدّثين قاموا بوظيفتهم وواجبهم الديني تجاه السنّة النبوية، وكابدوا وتحملوا المشاق في استخراج الصحيح من السقيم، لكن العثور على الصحيح بعد هذه الحيلولة الطويلة، من أشقّ المشاكل وأصعب الأُمور.

وبسبب هذه الحيلولة كلّما بعد الناس عن عصر الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ازداد عدد الأحاديث، حتى أخرج محمد بن إسماعيل البخاري صحيحه عن ستمائة ألف (000،600) حديث ولأجل ذلك نرى أنّ هرم الأحاديث يتصل بزمن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وقاعدة ذلك الهرم تنتهي إلى القرون المتأخّرة، فكلّما قربنا من زمن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نجد الحديث قليلاً، والعكس بالعكس. وهذا يدّل على أنّ الأحاديث عالت حسب وضع الوضّاعين وكذب الكذّابين.

كلمتان قيّمتان

1. هناك كلمة للدكتور محمد حسين هيكل أماط الستر عن وجه الأحاديث المنسوبة إلى النبي الأكرم وقال:

وسبب آخر يوجب تمحيص ما ورد في كتب السلف، ونقده نقداً دقيقاً على الطريقة العلمية، أن أقدمها، كتب بعد وفاة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بمائة سنة أو أكثر، وبعد أن فشت في الدولة الإسلامية دعايات سياسية وغير سياسية. كان اختلاق الروايات والأحاديث بعض وسائلها إلى الذيوع والغلب، فما بالك بالمتأخر ممّا كتب في أشد أزمان التقلقل والاضطراب؟ وقد كانت المنازعات السياسية سبباً فيما لقيه الذين جمعوا الحديث ونفوا زيفه و دوّنوا ما اعتقدوه صحيحاً منه، من جهد وعنت أدى إليهما حرص هؤلاء الجامعين على الدقة في التمحيص حرصاً لا يتطرق إليه ريب. ويكفي أن يذكر الإنسان ما كابده البخاري من مشاق وأسفار في مختلف أقطار الدولة الإسلامية لجمع


(75)

الحديث وتمحيصه، وما رواه بعد ذلك من أنّه ألفى الأحاديث المتداولة تربي على ستمائة ألف حديث لم يصح منها أكثر من أربعة آلاف. وهذا معناه أنّه لم يصح لديه من كلّ مائة وخمسين حديثاً إلاّحديث واحد.

أمّا أبو داود فلم يصحّ لديه من خمسمائة ألف حديث غير أربعة آلاف وثمانمائة، وكذلك كان شأن سائر الذين جمعوا الحديث. وكثير من هذه الأحاديث التي صحت عندهم كانت موضع نقد وتمحيص عند غيرهم من العلماء، انتهى بهم إلى نفي كثير منها، كما كان الشأن في مسألة الغرانيق. فإذا كان ذلك شأن الحديث، وقد جهد فيه جامعوه الأوّلون ما جهدوا، فما بالك بما ورد في المتأخر من كتب السيرة؟ وكيف يستطاع الأخذ به دون التدقيق العلمي في تمحيصه.

والواقع أنّ المنازعات السياسية التي حدثت بعد الصدر الأوّل من الإسلام أدت إلى اختلاق كثير من الروايات والأحاديث تأييداً لها. فلم يكن الحديث قد دون إلى عهد متأخر من عصر الأمويين. وقد أمر عمر بن عبد العزيز بجمعه، ثمّ لم يجمع إلاّ في عهد المأمون، بعد أن أصبح«الحديث الصحيح في الحديث الكذب، كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود» على قول الدارقطني.(1)

2. وهناك كلمة أُخرى للعلاّمة الأميني قال: «ويعرب عن كثرة الموضوعات اختيار أئمّة الحديث أخبار تأليفهم الصحاح والمسانيد من أحاديث كثيرة هائلة، والصفح عن ذلك الهوش الهائش. قد أتى أبو داود في سننه بأربعة آلاف وثمانمائة حديث وقال: انتخبته من خمسمائة ألف حديث.(2)

ويحتوي صحيح البخاري من الخالص بلا تكرار ألفي حديث وسبعمائة وواحداً وستين حديثاً اختارها من زهاء ستمائة ألف حديث.(3)

وفي صحيح مسلم أربعة


1 . «حياة محمد» تأليف محمد حسين هيكل : 49ـ 50 من الطبعة الثالثة عشر.
2 . طبقات الحفاظ للذهبي:2/154; تاريخ بغداد:2/57; المنتظم لابن الجوزي:5/97.
3 . إرشاد الساري:1/28 و صفة الصفوة:4/143.


(76)

آلاف حديث أصول، دون المكررات صنّفها من ثلاثمائة ألف.(1)

وذكر أحمد بن حنبل في مسنده ثلاثين ألف حديث، وقد انتخبها من أكثر من سبعمائة وخمسين ألف حديث، وكان يحفظ ألف ألف حديث.(2) وكتب أحمد بن الفرات (المتوفّى 258هـ) ألف ألف وخمسمائة ألف حديث، فأخذ من ذلك ثلاثمائة ألف في التفسير والأحكام والفوائد وغيرها.(3)

هذا كلام إجمالي عن الحديث، والتفصيل في تاريخ الحديث وتطوره يترك إلى الكتب المختصة بذلك، غير أنّ الذي نركز القول عليه هو الآثار السلبية التي خلفها هذا المنع في المجتمع الإسلامي يوم ذاك، حتى يقف القارئ على علل تكوّن المذاهب وتشعب الفرق، وإنّ من الآثار المهمة حرمان الأُمّة عن السنّة النبوية الصحيحة قرابة قرن ونصف، وعول الأحاديث حسب جعل الوضّاعين والكذّابين، وبالتالي تكوّن العقائد والمذاهب حسبها.


1 . المنتظم :5/32; طبقات الحفّاظ:2/151ـ 157.
2 . ترجمة أحمد المنقولة من طبقات ابن السبكي المطبوعة في آخر الجزء الأوّل من مسنده; طبقات الذهبي:2/17.
3 . خلاصة التهذيب:9، ولاحظ الغدير:5/292ـ 293.


(77)

العامل الرابع

فسح المجال للأحبار والرهبان للتحدّث عن العهدين

لقد خسر الإسلام والمسلمون من جرّاء حظر تدوين الحديث ونشره، خسارة عظمى لا يمكن تحديدها بالأرقام والأعداد. كيف؟! وقد انتشرت الفوضى في العقائد، والأعمال، والأخلاق، والآداب، وصميم الدين، ولباب الأُصول، كنتيجة لهذا المنع، لأنّ الفراغ الذي خلفه هذا العمل، أوجد أرضية مناسبة لظهور بدع يهودية، وسخافات مسيحية، وأساطير مجوسية، خاصة من ناحية كهنة اليهود، ورهبان النصارى، الذين افتعلوا أحاديث كثيرة ونسبوها إلى الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام كما افتعلوا على لسان النبي الأكرم ـ صلاى الله عليه وآله وسلَّم ـ َّلأساطير، وقد وقف على ذلك عدة من الأجلّة.

1. يقول الشهرستاني: وضع كثير من اليهود الذين اعتنقوا الإسلام، أحاديث متعددة في مسائل التجسيم والتشبيه، وهي كلّها مستمدة من التوراة.(1)

2. ويظهر من المقدسي وجود تلك العقائد في العرب الجاهليين، يقول في «البدء والتاريخ» عند الكلام عن شرائع أهل الجاهلية: كان فيهم من كلّ ملّة ودين، وكانت الزندقة والتعطيل في قريش والمزدكية والمجوسية في تميم


1 . الملل والنحل:1/117.


(78)

واليهودية والنصرانية في غسان والشرك وعبادة الأوثان في سائرهم.(1)

3. نعم كان لليهود المتظاهرين بالإسلام دور كبير في بثّ هذه العقائد، يقول الكوثري: إنّ عدّة من أحبار اليهود ورهبان النصارى ومؤابذة المجوس أظهروا الإسلام في عهد الراشدين ثمّ أخذوا بعدهم في بثّ ما عندهم من الأساطير.(2)

4. قال ابن خلدون، عندما تكلّم عن التفسير النقلي وأنّه كان يشتمل على الغث والسمين والمردود: والسبب في ذلك أنّ العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم، وإنّما غلبت عليهم البداوة والأُمّية. وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء ممّا تتشوّق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة، وأسرار الوجود، فإنّما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم، ويستفيدونه منهم، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى، ... مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وعبد اللّه بن سلام وأمثالهم، فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم وتساهل المفسرون في مثل ذلك، وملأوا كتب التفسير بهذه المنقولات، وأصلها كلها كما قلنا من التوراة أو ممّا كانوا يفترون.(3)

5. قال الإمام محمد عبده: قد وضع الزنادقة اللابسون لباس الإسلام غشاً ونفاقاً وقصدهم بذلك إفساد الدين، وإيقاع الخلاف والافتراق في المسلمين. وقال حماد بن زيد: وضعت الزنادقة أربعة عشر ألف حديث وهذا بحسب ما وصل إليه علمه واختباره في كشف كذبها، وإلاّفقد نقل المحدّثون أنّ زنديقاً واحداً وضع هذا المقدار. قالوا: لما أخذ ابن أبي العوجاء ليضرب عنقه، قال وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أُحرّم فيها الحلال و أُحلّ الحرام.(4)

وابن أبي العوجاء هو ربيب حماد بن سلمة المحدّث الشهير الذي ينقل الذهبي عن ابن الثلجي قال: سمعت عباد بن صهيب


1 . البدء والتاريخ:4/31.
2 . مقدّمة تبيين كذب المفتري:10.
3 . مقدّمة ابن خلدون:439.
4 . تفسير المنار:3/545، ونقله في الأضواء:115 ولعلّ في قوله«هذا المقدار» تصحيفاً.


(79)

يقول: إنّ حماداً كان لا يحفظ وكانوا يقولون إنّها دسّت في كتبه. وقد قيل: إنّ ابن أبي العوجاء كان ربيبه فكان يدسّ في كتبه.(1)

6. قال السيد المرتضى: لما قبض محمد بن سليمان، وهو والي الكوفة من قبل المنصور، عبد الكريم بن أبي العوجاء وأحضره للقتل وأيقن بمفارقة الحياة قال: لئن قتلتموني فقد وضعت في أحاديثكم أربعة آلاف حديث مكذوبة.(2)

7. يقول ابن الجوزي: إنّ عبد الكريم كان ربيباً لحماد بن سلمة وقد دسّ في كتب حماد بن سلمة.(3)

نرى أنّ المحدّثين يروون باسنادهم عن حماد، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، مرفوعاً: رأيت ربي جعداً أمرد عليه حلّة خضراء.

وفي رواية أُخرى: إنّ محمّداً رأى ربّه في صورة شاب أمرد، دونه ستر من لؤلؤ قدميه أو رجليه في خضرة.(4)

8. وقال الشيخ محمد زاهد الكوثري المصري في تقديمه على كتاب «الأسماء والصفات» للحافظ أبي بكر البيهقي: إنّ مرويات حماد بن سلمة في الصفات، تجدها تحتوي على كثير من الأخبار التافهة تتناقلها الرواة طبقة عن طبقة، مع أنّه قد تزوج نحو مائة امرأة، من غير أن يولد له ولد منهن، وقد فعل هذا الزواج والنكاح فعله، بحيث أصبح في غير حديث «ثابت البناني» لا يميز بين مروياته الأصليّة وبين ما دسّه في كتبه ربيبه ابن أبي العوجاء، وربيبه الآخر زيد المدعو بـ«ابن حماد»، فضلّ بمروياته الباطلة كثير من البسطاء . ويجد المطالع الكريم نماذج شتّى من أخباره الواهية في باب التوحيد من كتب الموضوعات المبسوطة وفي كتب الرجال، وفعلت مرويات نعيم بن


1 . ميزان الاعتدال:1/593، ومات حماد عام 167هـ.
2 . أمالي المرتضي:1/127ـ 128.
3 . الموضوعات:37 طبع المدينة، ولاحظ تهذيب التهذيب:3/11ـ16.
4 . ميزان الاعتدال:1/593ـ 594،وهذه الأساطير المزخرفة من مفتعلات الزنادقة نظراء: ابن أبي العوجاء دسّوها في كتب المحدّثين الإسلاميين، تعالى اللّه عمّا يقول الظالمون.


(80)

حماد مثل ذلك، بل تحمّسه البالغ أدّى به إلى التجسيم، كما وقع ذلك لشيخ شيخه مقاتل بن سليمان، وتجد آثار الضرر الوبيل في مروياتهما في كتب الرواة الذين كانوا يتقلّدونها من غير معرفة منهم لما في هذه الكتب ككتاب «الاستقامة» لخشيش بن أصرم، والكتب التي تسمّى بـ«السنّة» لعبد اللّه (ابن أحمد بن حنبل) وللخلال، و «التوحيد» لابن خزيمة وغيرهم ممّا تجد فيها ما ينبذه الشرع والعقل، ولا سيما كتاب «النقض» لعثمان بن سعيد الدارمي السجزيّ المجسّم فإنّه أوّل من اجترأ بالقول «إنّ اللّه لو شاء لاستقرّ على ظهر بعوضة فاستقلّت به بقدرته فكيف على عرش عظيم» هذا بعض ما لعب به أعداء الإسلام في أُصول الدين.(1) ولا يقصر عنها كتاب «العلو» للذهبي.

9. وقال الدكتور أحمد أمين: اتصل بعض الصحابة بوهب بن منبه، وكعب الأحبار، وعبد اللّه بن سلام، واتصل التابعون بابن جريج،وهؤلاء كانت لهم معلومات رووا عن التوراة والإنجيل وشروحها وحواشيها، فلم ير المسلمون بأساً من أن يقصوها بجانب آيات القرآن، فكانت منبعاً من منابع التضخيم.(2)

10. قال أبو رية: لما قويت شوكة الدعوة المحمدية، واشتد ساعدها، وتحطمت أمامها كل قوة تنازعها، لم ير من كانوا يقفون أمامها، ويصدون عن سبيلها، إلاّ أن يكيدوا لها عن طريق الحيلة والخداع، بعد أن عجزوا عن النيل منها بعدد القوة والنزاع. ولما كان أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود، لم يجدوا بدّاً من أن يستعينوا بالمكر، ويتوسّلوا بالدهاء، لكي يصلوا إلى ما يبتغون، فهداهم المكر اليهودي إلى أن يتظاهروا بالإسلام، ويطووا نفوسهم على دينهم، حتى يخفى كيدهم، ويجوز على المسلمين مكرهم.(3)

أو ليس ذلك الاستغلال والسيطرة على عقول المسلمين، هو نتيجة


1 . نظرة في كتاب «الأسماء والصفات» للبيهقي مقدمة الشيخ محمد زاهد الكوثري:ص 5، وقال بمقالة السجزي ابن تيمية في كتابه «غوث العباد» المطبوع بمصر مطبعة الحلبي عام 1351هـ.
2 . ضحى الإسلام:2/139.
3 . أضواء على السنّة المحمدية:137.


(81)

أُمور، منها: المنع من التحدّث عن الرسول، وفسح المجال لأبناء أهل الكتاب، حتى يتمكّنوا من نشر الكلم الباطل، ويمزقوا أُصول الإسلام وفروعه؟ والعجب أنّ التفاسير إلى يومنا هذا مكتظة بأقوالهم و أحاديثهم، ولها من القيمة عند قرّائها مكان.

11. قال العلاّمة الشيخ جواد البلاغي: الرجوع في التفسير وأسباب النزول إلى أمثال عكرمة، ومجاهد، وعطاء، والضحاك، كما ملئت كتب التفاسير بأقوالهم المرسلة، ممّا لا يعذر فيه المسلم في أمر دينه، لأنّ هؤلاء الرجال غير ثقات في أنفسهم، ومجتمعون على موائد أهل الكتاب من الأحبار والرهبان.

قيل للأعمش: ما بال تفسير مجاهد مخالف؟ أو شيء نحوه قال: أخذه من أهل الكتاب ويكفي في ذلك أنّ مجاهداً الآخذ منهم فسر قوله تعالى: (عَسى أَنْ يَبْعَثَك رَبّكَ مَقاماً مَحْمُوداً) قال: يجلسه معه على العرش.

وأمّا عطاء، فقد قال أحمد: ليس في المراسيل أضعف من مراسيل الحسن وعطاء، كانا يأخذان عن كلّ أحد.

وقال النسائي: وأمّا مقاتل بن سليمان كان يكذب، وعن يحيى قال: حديثه ليس بشيء، وقال ابن حبان: كان يأخذ من اليهود والنصارى من علم القرآن الذي يوافق كتبهم.(1)

وأمّا الخرافات والأساطير في تفسير الكون وبدء الخليقة وأحوال الأُمم الماضية فحدث عنها ولا حرج، فقد ملأوا الصدور والطوامير وتأثّرت بهم طبقات من المسلمين، ممن كتبوا حول المواضيع السالفة.

يقول الدكتور علي سامي النشار: إنّ الحديث كان معتركاً متلاحماً وبحراً خضماً لا يعرف السالك فيه موطن الأمان ولذلك قام أهل الحديث بمجهود رائع في محض الأحاديث وتوضيح الصادق والكاذب منها عن طريق الرواية وفيها السند،وعن طريق الدراية وفيها النقد الباطني للنصوص،ولذلك أنشأوا


1 . آلاء الرحمن:1/46، نقلاً عن الذهبي.


(82)

علم مصطلح الحديث.(1)

يلاحظ عليه: أنّ جهود أهل الحديث غير منكرة، ولكنّها لم تكن على وجه تقلع الموضوعات عن كتب الحديث وموسوعاتهم لأنّ القائمين بهذا الأمر كانوا متأثرين بها، ولأجل ذلك تجد أحاديث التشبيه والتجسيم والجبر والرؤية وعصيان الأنبياء مبثوثة في الصحاح والمسانيد، و سيمرّ عليك بعضها في هذا الجزء.

ولعل القارئ الكريم يحسب أنّ هذه الكلمات الصادرة من أساتذة الفن، ورجال التحقيق في الملل والنحل، صدرت من غير تحقيق وتدقيق، إلاّ أنّ المراجع للكتب الرجالية، يقف على صدق المقال، ويكتشف أنّه كان هناك رجال يتظاهرون بالإسلام ـ و في الوقت نفسه ـ يبثّون ما لديهم من الإسرائيليات والمسيحيات والمجوسيات، تحت غطاء هذا التظاهر، وإليك نزراً من تاريخ بعض هؤلاء الرجال:

1. كعب الأحبار

هو كعب بن ماتع الحميري، قالوا: هو من أوعية العلم ومن كبار علماء أهل الكتاب، أسلم في زمن أبي بكر، وقدم من اليمن في خلافة عمر، فأخذ عنه الصحابة وغيرهم، وأخذ هو من الكتاب والسنّة عن الصحابة، وتوفّي في خلافة عثمان، وروى عنه جماعة من التابعين، وله شيء في صحيح البخاري وغيره.

قال الذهبي: العلاّمة الحبر الذي كان يهودياً فأسلم بعد وفاة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وقدم المدينة من اليمن في أيام عمر ، فجالس أصحاب محمد فكان يحدّثهم عن الكتب الإسرائيلية ويحفظ عجائب.

إلى أن قال: حدّث عنه أبو هريرة ومعاوية وابن عباس، وذلك من قبيل


1 . نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام:1/286، الطبعة السابعة.


(83)

رواية الصحابي عن التابعي وهو نادر عزيز، وحدّث عنه أيضاً أسلم مولى عمر وتبيع الحميري ابن امرأة كعب.

وروى عنه عدّة من التابعين كعطاء بن يسار وغيره مرسلاً.

وقع له رواية في سنن أبي داود والترمذي والنسائي.(1)

ترى الذهبي أيضاً في كتابه«تذكرة الحفاظ» يعرفه بأنّه من أوعية العلم.(2)

ومعنى ذلك أنّ الصحابة كانوا يعتقدون أنّه من محال العلم والفضل، ولهذا السبب أخذ عنه الصحابة وغيرهم. وعندئذ يسأل: إذا أخذ عنه الصحابة وغيرهم على أنّه من أوعية العلم، فما هو ذاك الذي أخذوه عنه؟ هل أخذوا عنه سوى الإسرائيليات المحرّفة والكاذبة؟ فإنّه لم يكن عنده ـ على فرض كونه صادقاً ـ سوى تلك الأساطير والقصص الموهومة. فهل تسعد أُمّة أخذت معالم دينها عن المحدّث اليهودي، المعتمد على الكتب المحرفة بنص القرآن الكريم؟! ولكن كما قلنا، هذا الفرض مبني على كونه صادقاً، أمّا إذا كان كاذباً فالخطب أفدح وأجل، ولا يقارن بشيء.

والمطالع الكريم في مروياته يقف على أنّه يركز على القول بأمرين: التجسيم والرؤية، وقد اتخذهما أهل الحديث والحنابلة من الآثار الصحيحة، فبنوا عليهما العقائد الإسلامية وكفروا المخالف، وإليك كلا الأمرين:


1 . سير أعلام النبلاء:3/489 ولاحظ تفسير ابن كثير :3/339 سورة النمل حيث قال: ـ بعد ما أورد طائفة من الأخبار في قصة ملكة سبأ مع سليمان ـ : والأقرب في مثل هذه السياقات أنّها متلقاة عن أهل الكتاب، ممّا وجد في صحفهم كروايات كعب ووهب، سامحهما اللّه تعالى في ما نقلاه إلى هذه الأُمّة، من أخبار بني إسرائيل من الأوابد والغرائب والعجائب ممّا كان وما لم يكن، وممّاحرف وبدل ونسخ، وقد أغنانا اللّه سبحانه عن ذلك بما هو أصحّ منه وأنفع وأوضح وأبلغ.
2 . تذكرة الحفاظ :1/52.


(84)

الأوّل: تركيزه على التجسيم

إنّ الأحاديث المنقولة عن ذلك الحبر اليهودي، تعرب بوضوح عن أنّه نشر بين الأُمّة الإسلامية فكرة التجسيم، التي هي من عقائد اليهود. قال: إنّ اللّه تعالى نظر إلى الأرض فقال: إنّي واطئ على بعضك، فاستعلت إليه الجبال وتضعضعت له الصخرة، فشكر لها ذلك فوضع عليها قدمه، فقال: هذا مقامي، ومحشر خلقي، وهذه جنتي وهذه ناري، وهذا موضع ميزاني، وأنا ديان الدين.(1)

ففي هذه الكلمة من هذا الحبر، تصريح بتجسيمه سبحانه أوّلاً: وقد شاعت هذه النظرية بين أبناء الحديث والحشوية منهم; وثانياً: التركيز على الصخرة التي هي مركز بيت المقدس; وثالثاً: أنّ الجنة والنار والميزان ستكون على هذه الأرض، ومركز سلطانها سيكون على الصخرة، وهذا من صميم الدين اليهودي المحرف.

الثاني: تركيزه على رؤية اللّه

ومن كلامه أيضاً: إنّ اللّه تعالى قسم كلامه ورؤيته بين موسى ومحمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .(2)

وقد صار هذا النصّ وأمثاله مصدراً لتجويز فكرة رؤية اللّه سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة، وبالأخص في الآخرة، وقد صارت هذه العقيدة اليهودية المحضة، إحدى الأُصول التي بني عليها مذهب أهل الحديث والأشاعرة.

ومن أعظم الدواهي، أنّ الرجل خدع عقول المسلمين وخلفائهم، فاتّخذوه واعظاً ومعلماً ومفتياً يفتيهم. وهنالك شواهد على ذلك:

منها: التزلف إلى الخليفة الثاني

قال ابن كثير: أسلم كعب في الدولة العمرية، وجعل يحدّث عمر عن


1 . حلية الأولياء:6/20.
2 . الشرح الحديدي:3/237.


(85)

كتبه قديماً، فربما استمع له عمر، فترخّص الناس في استماع ما عنده، ونقلوا ما عنده عنه غثّها وسمينها. وليس لهذه الأُمّة ـ و اللّه أعلم ـ حاجة إلى حرف و احد ممّا عنده.(1)

إنّ لهذا الرجل أساليب عجيبة في اللعب بعقول المسلمين وخلفائهم، وإليك نماذج منها:

أ. قال كعب، لعمر بن الخطاب: إنّا نجدك شهيداً وإنّا نجدك إماماً عادلاً، ونجدك لا تخاف في اللّه لومة لائم. قال:هذا لا أخاف في اللّه لومة لائم فأنى لي بالشهادة.(2)

ترى أنّه كيف يتزلّف إلى الخليفة، ويتنبّأ بشهادته وقتله في سبيل اللّه.

ب. نقل أبو نعيم أيضاً: أنّ كعباً مر بعمر، وهو يضرب رجلاً بالدرة. فقال كعب: على رسلك يا عمر، فوالذي نفسي بيده إنّه لمكتوب في التوراة، ويل لسلطان الأرض من سلطان السماء، ويل لحاكم الأرض من حاكم السماء; فقال عمر: إلاّ من حاسب نفسه، فقال كعب: والذي نفسي بيده إنّها لفي كتاب اللّه المنزل، ما بينهما حرف: إلاّ من حاسب نفسه.(3)

وهذه الجملة تعرب عن أنّ كعباً كان يتزلّف إلى عمر، حتى إنّه يقرأ عليه نصّ التوراة المحرف لتصديق كلامه.

ج. وروي أيضاً: أنّ عمر جلد رجلاً يوماً وعنده كعب، فقال الرجل حين وقع به السوط: سبحان اللّه، فقال عمر للجلاد: دعه فضحك كعب، فقال له: وما يضحكك، فقال: والذي نفسي بيده إنّ «سبحان اللّه» تخفيف من العذاب.(4)


1 . تفسير ابن كثير:4/17 .
2 . حلية الأولياء:5/388ـ 389.
3 . المصدر السابق.
4 . حلية الأولياء:5/389ـ 390.


(86)

والكلمة هذه محاولة من الحبر اليهودي، لتوجيه عمل عمر، عندما أمر الجلاّد بترك المجلود.

وهذه الأُمور صارت سبباً لجلب عطف الخليفة، ففسح له التحدّث في عاصمة الوحي، وأوساط المسلمين.

ومنها: تزلّفه إلى عثمان

ومن الخطب الفادح، أنّه صار بأفانين مكره، موضع ثقة لعثمان ومفتياً له في الأحكام، يصدر الخليفة عن فتياه، ويعمل بقوله، وإليك ما يلي:

أ. ذكر المسعودي أنّه حضر أبو ذر، مجلس عثمان ذات يوم، فقال عثمان: أرأيتم من زكى ماله هل فيه حق لغيره؟ فقال كعب: لا يا أمير المؤمنين، فدفع أبو ذر في صدر كعب، وقال له: كذبت يا ابن اليهودي، ثمّ تلا:(ليسَ البرَّ أَنْ تُولّوا وُجُوهكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِوالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ البِرّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَاليَومِ الآخرِ وَالمَلائِكةِ وَالكِتابِ والنَّبِيّينَ وَآتى المالَ عَلى حُبّهِ ذَوي القُربى وَاليَتامى وَالمساكِينَ وَابنَ السَّبيلِ والسائلينَ وَفِي الرِقابِ وَأقامَ الصَّلاةَ وَآتىَ الزَّكاةَ وَالمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا) .(1)

فقال عثمان: أترون بأساً أن نأخذ مالاً من بيت مال المسلمين فننفقه في ما ينوبنا من أُمورنا ونعطيكموه؟ فقال كعب: لا بأس بذلك، فرفع أبو ذر العصا فدفع بها في صدر كعب وقال: يابن اليهودي ما أجرأك على القول في ديننا، فقال له عثمان: ما أكثر أذاك لي، غيّب وجهك عنّي فقد آذيتنا.(2)

ب. ونقل أيضاً: أتى عثمان بتركة عبد الرحمن بن عوف الزهري من المال، فَنُضِدَ البدر، حتى حالت بين عثمان و بين الرجل القائل، فقال عثمان: إنّي لأرجو لعبد الرحمن خيراً، لأنّه كان يتصدّق، ويقري الضيف، وترك ما ترون; فقال كعب الأحبار: صدقت يا أمير المؤمنين، فشال أبوذر العصا فضرب بها رأس كعب، ولم يشغله ما كان فيه من الألم، وقال: يابن اليهودي


1 . البقرة:177.
2 . مروج الذهب:2/339 ـ 340.


(87)

تقول لرجل مات وترك هذا المال إنّ اللّه أعطاه خير الدنيا وخير الآخرة، وتقطع على اللّه بذلك، وأنا سمعت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول: «ما يسرني أن أموت وأدع ما يزن قيراطاً» فقال له عثمان: وار عنّي وجهك.(1)

ومنها: تزلّفه إلى معاوية

نرى أنّ كعباً يتنبّأ بمولد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وهجرته وملكه، فيقول: مولده بمكة، وهجرته بطيبة، وملكه بالشام.(2)

فماذا يريد كعب بقوله: وملكه بالشام؟ هل هو إلاّ تزلف إلى معاوية، وأنّه يريد أن يقول: إن ملك النبي لن يستقر إلاّ فيها؟ وقد كان معاوية يمهد وسائل الملك لنفسه بالشام.

وقال أيضاً: إنّ أوّل هذه الأُمّة نبوة ورحمة، ثمّ خلافة ورحمة، ثمّ سلطان ورحمة، ثمّ ملك وجبرية، فإذاكان ذلك، فإنّ بطن الأرض يومئذ خير من ظهرها.(3)

فترى أنّه يتنبّأ بالسلطنة ويعدّها رحمة، وهذا المضمون انتشر في الصحاح والمسانيد بكثرة، وقد روى الترمذي، قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «الخلافة في أُمّتي ثلاثون سنة ثمّ ملك بعد ذلك».(4)

و روى أبو داود قال: قال رسولاللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «خلافة النبوّة ثلاثون سنة ثم يؤتي اللّه الملك من يشاء».(5)

وسيوافيك أنّه أخذ منه أبو هريرة، ولأجل ذلك نرى تلك الفكرة ـ فكرة الملك ـ جاءت في روايات أبي هريرة، قال: الخلافة بالمدينة والملك بالشام.(6)


1 . مروج الذهب:2/340.
2 . سنن الدارمي:1/5.
3 . حلية الأولياء:6/25.
4 . سنن الترمذي:4/503، كتاب الفتن، باب ما جاء في الخلافة، رقم 2226.
5 . سنن أبي داود: 4/211.
6 . كنز العمال:6/88.


(88)

وقد أخذ عن ذلك الحبر الماكر عدة من الصحابة كابن عباس وأبي هريرة، ومعاوية وغيرهم.(1)

قال الذهبي: توفي في خلافة عثمان(2). وقال أبو نعيم في حلية الأولياء إنّه توفّي كعب قبل مقتل عثمان بسنة(3). وعلى ذلك توفّي عام 34.

وقال ابن الأثير في حوادث سنة 34: ففي هذه السنة توفّي كعب الأحبار.(4)

نعم توفّي في ذاك العام، لكن بعد ما ملأ المجتمع الإسلامي بأساطير، وقصص، وعقائد إسرائيلية، حسبها السذّج من المحدّثين أنّها حقائق راهنة، فنقلوها ناسبين لها إلى كعب تارة، وإلى النبي الأعظم أُخرى، وعليها بنيت العقائد وانتظمت الأُصول، ومن تفحّص في كتب الحديث والتفسير والتاريخ، يقف بوضوح على أنّ كثيراً من المحدّثين والمفسرين والمؤرّخين، اعتمدوا على أقواله ومروياته من دون أي غمز وطعن أو تردد وشك، وهذا من عجائب الأُمور وغرائبها.

هذا غيض من فيض، وقليل من كثير من روايات ذلك الرجل وتسويلاته. فمن أراد الوقوف على أحواله وأقواله وما بثّ بين المسلمين من أساطير وقصص إسرائيلية، فليرجع إلى المصادر التالية.(5)

هذا وإنّ صاحب الثقافة المنحرفة يبثّ فكرته بين المجتمع في ظل دعامتين مؤثرتين:


1 . سير أعلام النبلاء:3/490.
2 . تذكرة الحفاظ :1/52.
3 . حلية الأولياء:6/45.
4 . الكامل في التاريخ:3/77.
5 . الأعلام للزركلي:5/228; تذكرة الحفاظ:1/52; سير أعلام النبلاء:3/489ـ 494; حلية الأولياء:5/364و 6/1ـ48; الإصابة:1/186; النجوم الزاهرة:1/9; الكامل:3/177; شرح ابن أبي الحديد في أجزائه المختلفة:3/54و4/77ـ 147و 8/265و 10/22و 12/81و 191و 18/36.


(89)

الأُولى: يحاول الاتسام بالعلم، ويعرّف نفسه للمجتمع بأنّه عالم كبير، ومفكّر اجتماعي بلا منازع، حتى يتّخذ لنفسه من هذا الطريق مكاناً في القلوب تنعطف إليه النفوس وترتاح به.

الثانية: يحاول الاتّصال بأصحاب السلطة، حتى يتخذهم سناداً وعماداً في مقابل العواصف القارعة التي يثيرها صلحاء الأُمّة ومفكّروها الواقعيون.

فإذا تهيّأت لأصحاب الفكرة المنحرفة هاتان الدعامتان، سهل لهم النفوذ في عقول بسطاء الأُمّة، وتمكّنوا من نفث أفكارهم المسمومة في نفوسها، ولا تمر الأيام حتى تصبح أفكارهم حقيقة راهنة لا يمكن تجاوزها، ولا الدعوة على خلافها، بل تصير المخالفة لها ارتداداً عن الدين، وتشبّثاً بالباطل.

ومن عجائب الأُمور أنّ الأحبار والرهبان عندما تظاهروا بالإيمان ولما يدخل الإيمان في قلوبهم، هيمنوا على عقول المسلمين من خلال الأمرين المذكورين.

فمن جانب عرفوا بأنّهم من أوعية العلم، وأنّ عندهم علوم الأوّلين والآخرين بتفصيلاتها، وأنّهم حفظة التوراة والإنجيل والزبور وغيرها من الكتب السماوية.

ومن جانب آخر استعانوا بالحكم السائد، بحيث صاروا موضع ثقة عنده، يسمع لكلامهم ويصدر عن رأيهم.

عند ذلك أخذت الإسرائيليات والمسيحيات، مكان السنّة النبوية وصار نقلتها مصادر الحكم والفتيا، فأصبحت آراؤهم وأقوالهم مدارك الفقه وسناد التاريخ، ومعياراً للحقّ والباطل في العقائد، فيا لها من رزية عظمت، ويا لها من مصيبة كبرت.

هذا هو كعب الأحبار فقد استعان في بث ثقافته (الثقافة اليهودية) بهاتين الدعامتين، فهلم معي ندرس حياة بعض زملائه، وسوف تقف على أنّ الخط الذي مشى عليه كعب، قد مشى عليه زملاؤه، وإليك البيان:


(90)

2.وهب بن منبه اليماني

وقد ابتلي المسلمون بعد كعب الأحبار بكتابي آخر قد بلغ الغاية في بثّ الإسرائيليات بين المسلمين حول تاريخ الأنبياء والأُمم السالفة، وهو وهب بن منبه. قال الذهبي: ولد في آخر خلافة عثمان، كثير النقل عن كتب الإسرائيليات، توفّي سنة 114هـ وقد ضعّفه الفلاس.(1)

وقال في تذكرة الحفاظ: عالم أهل اليمن، ولد سنة أربع وثلاثين وعنده من علم أهل الكتاب شيء كثير، فإنّه صرف عنايته إلى ذلك وبالغ، وحديثه في الصحيحين عن أخيه همام.(2)

وترجمه أبو نعيم في حلية الأولياء ترجمة مفصلة استغرقت قرابة ستين صفحة، وبسط الكلام في نقل أقواله وكلماته القصار.(3)

وقد خدع عقول الصحابة بأفانين المكر، حيث صار يعرّف نفسه بأنّه أعلم ممّن قبله ومن عاصره بقوله لبعض حضّار مجلسه: يقولون عبد اللّه بن سلام أعلم أهل زمانه، وكعب أعلم أهل زمانه، أفرأيت من جمع علمهما؟ يعني نفسه.(4)

وقد تسنّم الرجل، منبر التحدّث عن الأنبياء والأُمم السالفة يوم كان نقل الحديث عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ممنوعاً وأخذ بمجامع القلوب فأخذ عنه من أخذ، وكانت نتيجة ذلك التحدّث، انتشار الإسرائيليات حول حياة الأنبياء في العواصم الإسلامية، وقد دوّن ما ألقاه في مجلد واحد، أسماه في كشف الظنون«قصص الأبرار وقصص الأخيار».(5)


1 . ميزان الاعتدال:4/352 ـ 353.
2 . تذكرة الحفاظ:1/100ـ 101.
3 . حلية الأولياء:1/23ـ 81.
4 . تذكرة الحفاظ:1/101.
5 . كشف الظنون:2/223، مادة قصص.

Website Security Test