welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : بحوث في الملل والنحل/ ج1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

بحوث في الملل والنحل/ ج1

(32)

الفرقة الناجية في ضوء النصوص الأُخر

لو أنّ شيخ الأزهر رجع إلى النصوص الأُخر للنبي الأكرم لتبيّن له الفرقة الناجية في كلام النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فإنّ لنبي الرحمة كلمات في مواضع أُخر يشد بعضها بعضاً، ويفسر بعضها البعض الآخر، وإليك ما أثر عنه في تلك المجالات ممّا تعد قرائن منفصلة موضحة للحديث الحاضر.

1. حديث الثقلين

قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «يا أيّها الناس إنّي تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا: كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي».(1)

روى إمام الحنابلة عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّه قال: «إنّي تارك فيكم خليفتين: كتاب اللّه، حبل ممدود ما بين السماء والأرض; وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض».(2)

روى الحاكم في مستدركه عن النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّه قال: «إنّي أوشك أن أُدعى فأُجيب، وإنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه عزّ وجلّ، وعترتي; كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، فإنّ اللطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما».(3)

والاختلاف الموجود بين نصوص الحديث غير مضر أبداً، لأنّ النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نطق بهذا الحديث في مواضع مختلفة، إذ في بعض الطرق أنّه قال ذلك في حجّة الوداع بعرفة، وفي أُخرى أنّه قاله بالمدينة في مرضه وقد امتلأت الحجرة بأصحابه، وفي ثالثة أنّه قال ذلك بغدير خم، وفي رابعة أنّه


1 . رواه الترمذي والنسائي في صحيحهما راجع كنز العمال:1/44 باب الاعتصام بالكتاب والسنّة.
2 . مسند أحمد بن حنبل: 5/182ـ 189.
3 . مستدرك الحاكم:3/148، وقال هذا صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه.


(33)

قال ذلك لمّا قام خطيباً بعد انصرافه من الطائف، فقد كرر ذلك في تلك المواطن اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة.(1)

والإمعان في هذا الحديث الذي بلغ من التواتر حدّاً لا يدانيه حديث، إلاّ حديث الغدير، يقود الإنسان إلى الحكم بضلال من لم يستمسك بهما معاً، فالمتمسّكون بهما هم الفرقة الناجية، والمتخلّفون عنهما، أو المتقدّمون عليهما هم الهالكة.

وقد نقل الطبراني قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في ذيل الحديث: «فلا تقدموهما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم».(2)

2. حديث السفينة

وهذا الحديث كالحديث السابق يعين على رفع الإبهام عن حديث «الافتراق». روى الحاكم بسنده عن أبي ذر رضي اللّه عنه يقول، وهو آخذ بباب الكعبة: «من عرفني فأنا من عرفني، ومن أنكرني فأنا أبوذر، سمعت النبي يقول: ألا إنّ مثل أهل بيتي فيكم، مثل سفينة نوح في قومه، من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق».(3)

والمراد بتشبيههم ـ عليهم السَّلام ـ بسفينة نوح هو أنّ من لجأ إليهم في الدين فأخذ فروعه وأُصوله عن أئمّتهم، نجا من عذاب النار، ومن تخلّف عنهم كمن آوى يوم الطوفان إلى جبل ليعصمه من أمر اللّه، غير أنّ هذا غرق في الماء، وهذا في الحميم.

قال ابن حجر: و وجه تشبيههم بالسفينة أنّ من أحبهم وعظّمهم شكراً لنعمة مشرّفهم، وأخذ بهدي علمائهم نجا من ظلمة المخالفات، ومن تخلّف عن ذلك غرق في بحر كفر النعم، وهلك في مفاوز الطغيان.(4)


1 . راجع المراجعات، المراجعة 8 فقد نقله عن مواضع مختلفة.
2 . الصواعق المحرقة: 135 باب وصية النبي بهم.
3 . المستدرك على الصحيحين:3/151.
4 . لقد علّق السيد شرف الدين في مراجعاته على هذه العبارة تعليقاً لطيفاً وهو: قل لي لماذا لم يأخذ بهدى أئمتهم في شيء من فروع الدين وعقائده ـإلى أن قال:ـ ولماذا تخلّف عنهم فأغرق نفسه في بحار كفر النعم وأهلكها في مفاوز الطغيان؟!


(34)

3. حديث أهل بيتي أمان لأُمّتي

روى الحاكم عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمان لأُمّتي من الاختلاف، فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس»(ثمّ قال): هذا حديث صحيح الإسناد،ولم يخرجاه.(1)

هذه الأحاديث تلقي الضوء على حديث الافتراق، وتحدد الفرقة الناجية وتعيّنها.

وهناك حديث آخر ورد في ذيل حديث الافتراق نقله أحد علماء أهل السنّة وهو الإمام الحافظ حسن بن محمد الصغاني (المتوفّى 650هـ) في كتابه «الشمس المنيرة» عن النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :«افترقت أُمّة أخي عيسى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أُمّتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلّها هالكة إلاّ فرقة واحدة».

فلمّا سمع ذلك منه ضاق المسلمون ذرعاً وضجّوا بالبكاء، وأقبلوا عليه، وقالوا: يا رسول اللّه كيف لنا بعدك بطريق النجاة؟ وكيف لنا بمعرفة الفرقة الناجية حتى نعتمد عليها؟

فقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «إنّي تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبداً: كتاب اللّه، وعترتي أهل بيتي; إن اللطيف الخبير نبّأني أنّهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض».(2)

ولا أظن المنصف إذا رجع إلى ما ورد حول العترة من الأحاديث الحاثّة على الرجوع إليهم، يخفى عليه مراد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من الفرقة الناجية في حديث الافتراق، مضافاً إلى أنّ آية التطهير دالّة على عصمتهم، فالمتمسك بالمعصوم مصون وبالخاطئ غير مصون بل يقع عرضة للانحراف والهلاك، و للشافعي أبيات تعرب عن عرفانه الفرقة الناجية ذكرها الشريف الحضرمي في


1 . المستدرك على الصحيحين:3/149.
2 . الشمس المنيرة، النسخة المخطوطة في مكتبة المشهد الرضوي بالرقم 1706.


(35)

«رشفة الصادي».(1)

د. الفرق التي أخبر النبي بنشوئها

هذه هي الجهة الرابعة التي يليق البحث عنها، فإنّ النبي قد أخبر عن أنّ الأُمّة الإسلامية ستبلغ في تفرّقها إلى هذا العدد الهائل، ولكن المشكلة عدم بلوغ رؤوس الفرق الإسلامية إلى هذا العدد، فإنّ كبار فرقها لا تتجاوز الأربع:

الأوّل: القدرية(المعتزلة وأسلافهم).

الثاني: الصفاتية(أهل الحديث والأشاعرة).

الثالث: الخوارج.

الرابع: الشيعة.

وهذه الفرق الأصلية، وإن تشعبت إلى شعب وفروع من مرجئة وكرامية بفرقها ،ولكن لا يبلغ المجموع إلى هذا الحد، وإن أصرّ الشهرستاني على تصحيح البلوغ إليه، فقال: ثمّ يتركب بعضها مع بعض، ويتشعب عن كلّ فرقة أصناف، فتصل إلى ثلاث وسبعين فرقة.(2)

يلاحظ عليه: أنّ المراد من أُمّتي هي الفرق الإسلامية المؤمنة برسالة النبي الأعظم، وكتاب اللّه سبحانه، وبلوغ تلك الأُمة بهذه الصفة إلى هذا الحد الهائل أوّل الكلام، لأنّ المراد هو الاختلاف في العقيدة التي يدور عليها فلك الهلاك والنجاة.

وأمّا الاختلاف في الأُصول والمعارف التي ليست مداراً للهداية والضلالة، بل لا تعد من صميم العقائد الإسلامية، فهو خارج عن إطار الحديث، فاختلاف الأشاعرة والمعتزلة، في وجود الواسطة بين الوجود


1 . رشفة الصادي: 25.
2 . الملل والنحل:1/15.


(36)

والعدم، وحقيقة الجسم والأكوان والألوان، والجزء الذي لا يتجزأ، والطفرة، الذي أوجد فرقاً كلامية، فلا يوجب دخول النار، وإن كان الحقّ واحداً، ولا يصحّ عدّ المعتقدين بها من الفرق المنصوص عليها في كلام النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

وبعبارة واضحة: إنّ الفرق المذمومة في الإسلام هي أصحاب الأهواء الضالة الذين خالفوا الفرقة الناجية، في مواضع تعد من صميم الدين كالتوحيد بأقسامه والعدل والقضاء والقدر، والتجسيم والتنزيه، والجبر والاختيار، والهداية والضلالة و رؤية اللّه سبحانه وإدراك البشر له تعالى، والإمامة والخلافة، ونظائرها.

وأمّا الاختلاف في سائر المسائل التي لا تمت إلى الدين بصلة ولا تمثل العقيدة الإسلامية فلا يكون المخالف والموافق فيها داخلاً في الحديث، والحال أنّ كثيراً من الفرق الإسلامية يرجع اختلافهم إلى أُمور عقلية أو كونية، ممّا لا يرتبط بالدين أو ما لا يسأل عنه الإنسان في حياته وبعدها ولا يجب الاعتقاد به.

محاولات لتصحيح العدد

إنّ هناك محاولات لتصحيح مفاد الحديث من حيث العدد المذكور فيه، نشير إليها فيما يلي:

1. هذا العدد الهائل كناية عن المبالغة في الكثرة، كما في قوله سبحانه وتعالى: (إِنْ تَسْتَغْفِر لَهُمْ سَبْعينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُم) .(1)

يلاحظ عليه: أنّ هذه المحاولة فاشلة، لأنّها إنّما تصحّ إذا ورد الحديث بصورة السبعين أو غيرها من العقود العددية، فإنّ هذا هو المتعارف في مقام الكناية ولكن الوارد في الحديث هو غير ذلك.


1 . التوبة:80.


(37)

ترى أنّ النبي يركز في حقّ المجوس على عدد السبعين، وفي حقّ اليهود على عدد الإحدى والسبعين وفي حقّ النصارى على اثنتين وسبعين، وفي حقّ الأُمّة الإسلامية على ثلاث وسبعين. وهذاالتدرّج يعرب بسهولة عن أنّ المراد هو بلوغ الفرق إلى هذا الحدّ، بشكل حقيقي لا بشكل مبالغي.

2. إنّ أُصول الفرق وإن كانت لا تصل إلى هذا العدد بل لا تبلغ نصفه ولا ربعه، وإنّ فروع الفرق يختلف العلماء في تفريعها، وإنّ الإنسان في حيرة حين يأخذ في العد، بأن يعتبر ـ في عدّ الفرق ـ أُصولها أو فروعها، وإذا استقر رأيه على اعتبار الفروع، فعلى أيّ حدّ من التفريع يأخذه مقياساً، إلاّ أنّ الحديث لا يختص بالعصور الماضية، فإنّ حديث الترمذي يتحدث عن افتراق أُمّة محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأُمّته مستمرة إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، فيجب أن يتحدث في كلّ عصر عن الفرق التي نجمت في هذه الأُمّة من أوّل أمرها إلى الوقت الذي يتحدث فيه المتحدث، ولا عليه إن كان العدد قد بلغ ما جاء في الحديث أو لم يبلغ، فمن الممكن بل المقطوع ـ لو صحّ الحديث ـ وقوع الأمر في واقع الناس على وفق ما أخبر به.(1)

وهناك محاولة ثالثة غير صحيحة جدّاً وهي الاهتمام بتكثير الفرق، فترى أنّ الإمام الأشعري يجعل للشيعة الغالية خمس عشرة فرقة، وللشيعة الإمامية أربعاً وعشرين فرقة، كما أنّ الشهرستاني يعدّ للمعتزلة اثنتي عشرة فرقة، ويعدّ للخوارج الفرق التالية: المحكمة، الأزارقة، النجدات، البيهسية، العجاردة، الثعالبة، الأباضية، الصفرية.

وذلك لأنّ الجميع من أصناف الشيعة والمعتزلة والخوارج يلتقون تحت أُصول خاصة معلومة في محلها، مثلاً أصناف الخوارج يجتمعون تحت أُصول أشهرها تخطئة عثمان والإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ في مسألة التحكيم، وتكفير صاحب الكبيرة وتخليده في النار. فلا يصحّ عدّ كلّ صنف فرقة، وإن اختلف كلّ مع شقيقه في أمر جزئي، ومثل ذلك أصناف الآخرين.


1 . مقدّمة الفرق بين الفرق: 7.


(38)

ثمّ إنّ الكاتب المعاصر عبد الرحمن بدوي، ذهب إلى عدم صحّة الحديث للأسباب التالية:

أوّلاً: إنّ ذكر هذه الأعداد المحددة المتوالية: 71، 72، 73 أمر مفتعل لا يمكن تصديقه فضلاً عن أن يصدر مثله عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

ثانياً: إنّه ليس في وسع النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أن يتنبأ مقدماً بعدد الفرق التي سيفترق إليها المسلمون.

ثالثاً: لا نجد لهذا الحديث ذكراً فيما ورد لنا من مؤلفات من القرن الثاني بل ولا الثالث الهجري ولو كان صحيحاً لورد في عهد متقدّم.

رابعاً: أعطت كلّ فرقة لختام الحديث، الرواية التي تناسبها، فأهل السنّة جعلوا الفرقة الناجية هي أهل السنّة، والمعتزلة جعلوها فرقة المعتزلة، وهكذا وقال:

وقد ظهر التعسّف البالغ لدى مؤرّخي الفرق في وضعهم فروقاً وأصنافاً داخل التيارات الرئيسية حتى يستطيعوا الوصول إلى 73 فرقة، وفاتهم أنّ افتراق المسلمين لم ينته عند عصرهم، وأنّه لا بدّ ستنشأ فرق جديدة باستمرار ممّا يجعل حصرهم هذا خطأ تماماً، إذ لا يحسب حساباً لما سينشأ بعد ذلك من فرق إسلامية جديدة.(1)

ولا يخفى أنّ ما ذكره من الأسباب غير صحيح عدا ما ذكره من السبب الرابع وما ذيله به.

أمّا دليله الأوّل، فلأنّ ما جاء فيه هو نفس المدّعى ولم يبيّن وجهاً لافتعال الحديث.

وأمّا دليله الثاني، فلأنّ المتبادر منه أنّه ليس في وسع النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ التنبّؤ بالأحداث الآتية، ولكنّه باطل بشهادة الصحاح والسنن على تنبوّئه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بإذن اللّه عن كثير من الحوادث الواقعة في أُمّته، وقد جمعنا


1 . مذاهب الإسلاميين:1/34.


(39)

عدّة من تنبّوئه في موسوعتنا: مفاهيم القرآن.(1)

وربما يريد الكاتب من عبارته معنى آخر، وهو أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لا يصح له أن يقدم على مثل هذا التنبّؤ، لأنّه إقدام غير مرغوب فيه، لما يحتوي على الإضرار بالأُمّة، ولكن هذا الرأي منقوض أيضاً بتنبّؤات أُخرى تضاهي المورد هذا، فهذا هو النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يتنبّأ بالمستقبل المظلم الذي يواجهه ذو الخويصرة من وجوه الخوارج الذي أتي النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ و هو يقسمالغنائم بعد منصرفهم من حنين فقال للنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : يا رسولاللّه اعدل، فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «ويلك من يعدل إن لم أعدل قد خبت وخسرت إن لم أعدل»، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول اللّه ائذن لي فيه أن أضرب عنقه؟

قال: «دعه فإنّ له أصحاباً يحقّر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يرمق السهم من الرميّة، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء».(2)

فأي فرق بين هذا التنبّؤ ونظائره الواردة في أحاديث النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، والتنبّؤ بافتراق أُمّته إلى الفرق المعدودة؟

وأمّا دليله الثالث، فعجيب جداً، فقد رواه أبو داود(202ـ 275هـ) في سننه، والترمذي (209ـ 279هـ ) في صحيحه، وابن ماجة(218ـ 276هـ) في سننه، وأحمد بن حنبل(241هـ) في مسنده، والجميع من أعيان أصحاب الحديث في القرن الثالث، فكيف يقول هذا الكاتب: «بل ولا الثالث الهجري»؟! وإليك بعض ما أسندوه:

1. روى أبو داود في كتاب السنة، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه: افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفرّقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أُمّتي على ثلاث وسبعين فرقة».

ثمّ روى عن معاوية بن أبي سفيان أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قام فينا فقال: «ألا إنّ من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة،


1 . مفاهيم القرآن:3/503ـ 508.
2 . التاج:5/286، كتاب الفتن.


(40)

وإنّ هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين: ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة».(1)

2. روى الترمذي في باب ما جاء في افتراق هذه الأُمّة مثله، عن أبي هريرة. و روى عن عبد اللّه بن عمر قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «ليأتين على أُمّتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتى أُمّه علانية، لكان في أُمّتي من يصنع ذلك، وإنّ بني إسرائيل تفرّّقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أُمّتي على ثلاث وسبعين ملّة كلّهم في النار إلاّ ملّة واحدة» قالوا: ومن هي يا رسول اللّه؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي».(2)

3. روى ابن ماجة في باب افتراق الأُمم عن أبي هريرة قال: «قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : تفرّقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفترق أُمّتي على ثلاث وسبعين فرقة».

وروى عن عوف بن مالك قال: قال رسول اللّه: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنةو سبعون في النار; وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعون في النار وواحدة في الجنة; والذي نفس محمد بيده لتفترقنّ أُمّتي على ثلاث وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار» قيل: يا رسول اللّه: من هم؟ قال: «الجماعة».

وروى عن أنس بن مالك ما يقرب من ذلك.(3)

4. وروى أحمد بن حنبل عن أبي هريرة ما نقلناه عنه آنفاً.(4)

كما روى أيضاً عن أنس بن مالك ما رويناه عنه سابقاً.(5)

وعلى كلّ تقدير فلا يهمنا البحث حول عدد الفرق وكثرتها و قلّتها، بل


1 . سنن أبي داود:4/198، كتاب السنّة.
2 . سنن الترمذي:5/26، كتاب الإيمان، الحديث 2641.
3 . سنن ابن ماجة:2/479، باب افتراق الأُمم.
4 . مسند أحمد:2/332.
5 . مسند أحمد:3/120.


(41)

الذي نتوخّاه في هذه الصحائف هو البحث عن الفرق الموجودة في الأوساط الإسلامية و هي عبارة عن هذه الفرق: أهل السنّة(1) بأصنافهم: أهل الحديث والأشاعرة والمعتزلة والخوارج، والشيعة بفرقها الثلاث: الإمامية الاثني عشرية، الزيدية، الإسماعيلية.

وأمّا الفرق التي بادت واندثرت، وقد أكل الدهر عليها و شرب، فهي غير مطروحة لنا بل البحث عنها مفصلاً ضياع للوقت إلاّ على وجه الإشارة.

***

(قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلكُمْ أَوْ يَلْبِسكُمْ شِيَعاً وَيُذيقَ بَعْضكُمْ بَأْسَ بَعْض انْظُر كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُون).(2)


1 . أهل السنّة لا يعتبرون الخوارج منهم، بل لا يعتبرون المعتزلة منهم أيضاً، ولكن المراد من أهل السنّة هنا هو المعنى الأعم، أي غير الشيعة، أي من يقول بكون الخلافة بالبيعة والشورى، فكلّ من يقول بكون الإمامة مقاماً تنصيصيّاً يعد من الشيعة، ومن يقول بكونها مقاماً انتخابياً فهو معدود من أهل السنّة، فالملاك في التقسيم هو هذا لا المصطلح المعروف بين أهل الحديث والأشاعرة، فلو خضعنا لمصطلح الأوّلين، فهم ربما لا يعدّون الأشاعرة أيضاً منهم، هذا ابن تيمية يكن العداوة للأشاعرة ولا يعدّهم منهم.
2 . الأنعام: 65.


(42)

(43)

الفصل الثاني

بدايات الاختلاف في عصر الرسالة

لا شكّ في أنّ المسلمين قد اختلفوا بعد لحوق النبي الأكرم بالرفيق الأعلى إلى فرق مختلفة، وسنبين جذور هذه الخلافات وحوافزها في الأبحاث الآتية.

إنّما الكلام في وضع المسلمين أيّام النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فهل كانوا محتفظين بوحدة كلمتهم ومستسلمين لأمر نبيّهم جميعاً كما أمر اللّه به سبحانه، أم كان هناك بعض الاختلاف بينهم في جملة من المسائل؟

لا شكّ أنّ المسلم الحقيقي هو من يستسلم لأوامر اللّه ورسوله ولا يخالفه قيد شعرة آخذاً بقوله سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَي اللّهِ وَرَسُولهِِِ واتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَميعٌ عَليم)(1). وقد فسر المفسرون قوله سبحانه: (لا تُقَدّمُوا بَيْنَ يَدَي اللّه وَرَسُوله) بقولهم: أي لا تتقدموا على اللّه ورسوله في كلّ ما يأمر وينهى، ويؤيده قوله سبحانه في نفس السورة:(وَاعْلَمُوا أَنَّ فيكُمْ رَسُولَ اللّهِ لَو يُطِيعُكُمْ في كَثير مِنَ الأَمْرِلَعَنِتّم) .(2)

وقال عزّ من قائل: (فَلا وَرَبّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحكّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرجاً مِمّا قَضَيْت وَيُسَلِّمُوا تَسْليماً) .(3)


1 . الحجرات:1.
2 . الحجرات:7.
3 . النساء:65.


(44)

ومع ذلك كلّه فقد نجمت بين الصحابة والنبي الأعظم مشاجرات ومنازعات بين آونة وأُخرى قد ضبطها التاريخ وأصحاب السير. غير أنّ الشهرستاني يصر على أنّ أكثر الخلافات كان من جانب المنافقين و قال: «إنّ شبهات أُمّته في آخر زمانه، ناشئة من شبهات خصماء أوّل زمانه من الكفّار والملحدين، وأكثرها من المنافقين، وإن خفي علينا ذلك في الأُمم السالفة لتمادي الزمان، فلم يخف في هذه الأُمّة أنّ شبهاتها نشأت كلّها من شبهات منافقي زمن النبي، إذ لم يرضوا بحكمه فيما كان يأمر وينهى، وشرعوا فيما لا مسرح للفكر فيه ولا مسرى وسألوا عمّا منعوا من الخوض فيه والسؤال عنه، وجادلوا بالباطل في ما لا يجوز الجدال فيه».

ثمّ ذكر الشهرستاني حديث ذي الخويصرة التميمي في تقسيم الغنائم إذ قال: اعدل يا محمد، فإنّك لم تعدل، حتى قال عليه الصلاة والسلام: «إن لم أعدل فمن يعدل».(1)

إنّ ما ذكره الشهرستاني صحيح لا غبار عليه غير أنّ الاعتراض والخلاف لم يكن منحصراً بالكفار و المنافقين بل كان هناك رجال من المهاجرين والأنصار، يعترضون على النبي في بعض الأُمور التي لا تروقهم، وكأنّ الشهرستاني نسي قصة الحديبية حيث آثر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الصلح يوم الحديبية على الحرب وأمر به، عملاً بما أوصى اللّه إليه، وكانت المصلحة في الواقع وفي نفس الأمر توجبه لكنّها خفيت على أصحابه فطفق بعضهم ينكره والآخر يعارضه علانية بكلّ ما لديه من قوة. هذا هو عمر بن الخطاب فإنّه بعد ما تقرر الصلح بين الفريقين على الشروط الخاصة وقد أدركته الحمية، فأتى أبا بكر و قد استشاط غضباً فقال: يا أبا بكر أليس برسول اللّه ؟ قال: بلى. قال: أو لسنا بالمسلمين؟ قال: بلى. قال: أوليسوا بالمشركين؟قال: بلى. قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا... الحديث.(2)

وكأنّ الشهرستاني غفل أيضاً عن الجدال الشديد بين النبي وبعض


1 . الملل والنحل:1/21.
2 . السيرة النبوية لابن هشام:3/317.


(45)

أصحابه في متعة الحج. قال الإمام القرطبي: «لا خلاف بين العلماء أنّ التمتع المراد بقوله تعالى: (فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَة إِلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدي) (1) هو الاعتمار في أشهر الحجّ قبل الحجّ، قلت: وهو فرض من نأى عن مكة بثمانية وأربعين ميلاً من كلّ جانب على الأصح، وإنّما أضيف الحجّ بهذه الكيفية إلى التمتع أو قيل عنه: التمتع بالحج، لما فيه من المتعة، أي اللذة بإباحة محظورات الإحرام في المدة المتخلّلة بين الإحرامين، وهذا ما كرهه عمر وبعض أتباعه فقال قائلهم: أننطلق و ذكورنا تقطر؟!

وفي «مجمع البيان» أنّ رجلاً قال: أنخرج حجاجاً ورؤوسنا تقطر؟ وأنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال له: «إنّك لن تؤمن بها أبداً».(2)

ولأجل هذه المكافحة التي نجمت في حياة النبي خطب عمر بن الخطاب في خلافته وقال: متعتان كانتا على عهد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما .(3)

وهذه الأُمور تسهل لنا التصديق بما رواه البخاري في إسناد عن عبيد اللّه بن عبد اللّه، عن ابن عباس قال: «لما اشتد بالنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وجعه قال: ايتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده». قال عمر: إنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ غلبه الوجع، وعندنا كتاب اللّه حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغط. قال: «قوموا عنّي، ولا ينبغي عندي التنازع». فخرج ابن عباس يقول: إنّ الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وبين كتابه».(4)

كما تسهل لنا التصديق بخلافهم في حال حياته عندما أمرهم بقوله:«جهزوا جيش أُسامة لعن اللّه من تخلّف عنه»، فقال قوم: يجب علينا امتثال


1 . البقرة:196.
2 . النص والاجتهاد: 120، وقد نقل مصادر كلامه.
3 . مفاتيح الغيب للرازي:3/201 في تفسير آية 24من سورة النساء; شرح التجريد للفاضل القوشجي: 484.
4 . صحيح البخاري:1/30.


(46)

أمره، وأُسامة قد برز من المدينة، وقال قوم: قد اشتد مرض النبي عليه الصلاة والسلام فلا تسع قلوبنا مفارقته والحالة هذه، فنصبر حتى نبصر أي شيء يكون من أمره.(1)

نعم كانت هناك هنابث ومشاجرات في أُمور لا تروق سليقة بعض النفوس وميولهم، غير أنّ هذه الخلافات لم تكن على حدّتنشق بها عصا الوحدة وتنفصم بها عرى الأُخوة، وأعظم خلاف بين الأُمّة هو الخلاف الذي نجم بعد لحوقه بالرفيق الأعلى، وهو الخلاف في الإمامة وقد لمست الأُمة ضرره وخسارته حتى أنّ الشهرستاني أعرب عن عظم هذه الخسارة بقوله: «ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة في كلّ زمان».(2)

وإليك بيان أساس هذا الاختلاف:

لما التحق النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بالرفيق الأعلى صارت الأُمّة فرقتين باقيتين إلى الآن:

الأُولى: القائلون بأنّ منصب الإمامة منصب إلهي وأنّ الإمام يقوم بالوظائف التي كانت قد أُلقيت على عاتق النبي من تبيين الأحكام الشرعية وتفسير كتاباللّه وصيانة الدين عن النقص والزيادة والإجابة على الأسئلة الواردة والاعتراضات المتوجهة إلى الدين مضافاً إلى إدارة المجتمع البشري وسياسته التي يعبر عنها بالحكومة الإسلامية.

الثانية: القائلون بأنّ منصب الإمامة منصب عادي يجب أن يقوم بها واحد من آحاد الأُمّة لتبرير أمر المجتمع سياسة واجتماعاً واقتصاداً وغير ذلك، وأنّه لم يرد في أمر الخلافة نص على شخص ما وهؤلاء هم الموسومون بأهل السنّة.

***

(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّه جَميعاً ولا تَفَرَّقُوا). (3)


1 . الملل والنحل:1/23 ـ 24.
2 . الملل والنحل:1/23 ـ 24.
3 . آل عمران: 103.


(47)

الفصل الثالث

علل تكوّن الفرق الإسلامية

إنّ الوقوف على تاريخ الفرق الإسلامية، وكيفية تكوّنها والعلل الباعثة على نشأتها، من الأبحاث المهمة التي تعين الباحث في تقييم المذاهب الإسلامية ومدى إخلاص أصحابها في نشرها وبثها بين الأُمّة، و هذه النقطة الحسّاسة من علم الملل والنحل، قد أهملت في كثير من كتب الفرق والنحل إلاّ شيئاً قليلاً لا يشبع نهمة الطالب، ونحن نأتي في هذه العجالة بإجمال ما وقفنا عليه في تاريخ تكوّنها والبواعث الموجدة لها، وأمّا الإسهاب في البحث فموكول إلى آونة أُخرى.

لبّى النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ دعوة ربّه وانتقل إلى جواره وترك لأُمّته ديناً قيماً عليه سمات من أبرزها «بساطة العقيدة ويسر التكليف» وأخذ المسلمون يفتحون البلاد بقوة المنطق أوّلاً وحدّالسلاح ثانياً، وأخذت قوى الكفر والشر تنسحب أمام دعاة الإسلام وجنوده البواسل، وتنصاع لهداه البلاد إثر البلاد.

ارتحل الرسول الصادع بالحق، وترك بين أُمّته كتاب اللّه العزيز الذي فيه تبيان كل شيء(1)، وسنّته الوضّاءة المقتبسة من الوحي(2) السليم من الخطأ،


1 . (وَنَزَّلنا عَلَيْكَ الكِتاب تِبْياناً لِكُلِّ شَيْء) (النحل:89).
2 . (إِنْ هُوَ اِلاّ وَحْيٌ يُوحى) (النجم:4).


(48)

المصون من الوهن وعترته الطيبين الذين هم في لسان نبيّهم قرناء الكتاب.(1)

فالمسلمون الأوّلون في ضوء بساطة العقيدة وسهولة التشريع و في ظل هذه الحجج والأدلة القويمة، كانوا في غنى عن الخوض في أقوال المدارس العقلية والمناهج الكلامية التي كانت دارجة بين الأُمم المتحضّرة آنذاك، فهم بدل الغور فيها، كانوا يخوضون غمار المنايا و يرتادون ميادين الحروب في أقطار العالم وأرجاء الدنيا لنشر الدين والتوحيد ومكافحة شتى ألوان الشرك والثنوية ومحو العدوان والظلم عن المجتمع البشري.

نعم كان هذا وصفهم وحالهم إلاّ شذاذاً منهم من الانتهازيين، عبدة المقام وعشاق المال ممن لم تهمّهم إلاّأنفسهم وإلاّعلفهم وماؤهم، وقد قلنا إنّ بساطة التكليف كانت إحدى العوامل التي صرفت المسلمين عن التوجه والتعرض للمناهج الفلسفية الدارجة في الحضارات القائمة آنذاك، فلأجل ذلك كانوا يكتفون مثلاً في معرفة اللّه سبحانه بقوله عزّمن قائل: (أَفِي اللّه شَكٌّ فاطرِ السَّمواتِ والأَرضِ) (2)، وقوله عزّجلّ:(أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْء أَمْ هُمُ الْخالِقُون).(3)

وفي نفي الشرك والثنوية كانوا يكتفون بقوله سبحانه: (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاّ اللّهُ لَفَسَدتا).(4)

وفي التعرّف على صفاته وأفعاله بقوله سبحانه: (هُوَ اللّهُ الَّذي لاإِلهَ إِلاّهُوَ عالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحيم) (5)، إلى آخر سورة الحشر.

وفي تنزيهه عن التشبيه والتجسيم بقوله سبحانه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّميعُ الْبَصير)(6)،


1 . لقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه وعترتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا علي الحوض. والتثليث في كلامنا لا يعارض التثنية في كلام الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، لأنّ مرجع كلام العترة إلى سنّة الرسول التي أودعها في قلوبهم بإذن اللّه عزّ وجلّ.
2 . إبراهيم:10.
3 . الطور:35.
4 . الأنبياء:22.
5 . الحشر:22.
6 . الشورى:11.


(49)

وبقوله: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصار). (1)

وفي سعة قدرته: (وَما قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) .(2)

إلى غير ذلك من الآيات الواردة حول المبدأ والمعاد وما يرجع إليهما من الأبحاث الكلامية الغامضة، فلكلّ واحدة من هذه المسائل نصوص في الكتاب والسنّة وهي أغنتهم عن الرجوع إلى غيرهم.

نعم إنّ مفاهيم هذه الآيات على بساطتها تهدف إلى معان بعيدة الأغوار، عالية المضامين، فالكلّ يستفيد منها حسب مقدرته واستعداده فهي هادية لكلّ البشر ومفيدة لجميع الطبقات من ساذجها إلى متعلّمها، إلى معلمها....

وهذه الميزة يختصّ بها القرآن الكريم ويتميّز فيها عن غيره، فهو مع كونه هدى للناس عامة، خير دليل للمفكّرين صغارهم وكبارهم.

هذا هو الكتاب، وأمّا السنّة فهي عبارة عمّا ينسب إلى النبي من قول أو فعل أو تقرير، نازلة منزلة التفسير والتبيين لمعاني الكتاب الحكيم، مبينة لمجمله، شارحة لمعانيه كما يعرب عنه قوله سبحانه: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (3)، أي لا لتقرأ فقط، بل لتبيّن وتشرح ما نزل، بقولك وفعلك وتقريرك.

وأمّا العترة فيكفي في عصمتهم وحجية أقوالهم، حديث الثقلين الذي تواتر نقله، وقام بنقله أكابر المحدّثين في العصور الإسلامية كلّها.

وكان اللائق بالمسلمين والواجب عليهم مع الحجج الإلهية، التمسّك بالعروة الوثقى ورفض الاختلاف، ولكن يا للأسف تفرقوا إلى فرق وفرق لعلل نشير إليها.

إنّ لتكوّن المذاهب الإسلامية ـ أُصولاً وفروعاً ـ عللاً وأسباباً ومعدات وممهدات ولا يقوم بحقّ بيانها الباحث إلاّ بإفراد كتاب خاص في هذا الموضوع،


1 . الأنعام:103.
2 . الأنعام:91.
3 . النحل:44.


(50)

ولكن نشير في هذه العجالة إلى العوامل الرئيسية في تكوّن الفرق ونشوئها في المجتمع الإسلامي وهي أُمور:

1. الاتجاهات الحزبية والتعصبات القبلية.

2. سوء الفهم واعوجاجه في تحديد الحقائق الدينية.

3. المنع عن كتابة حديث رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ونقله والتحدّث به كما سيجيء.

4. فسح المجال للأحبار والرهبان للتحدّث عن قصص الأوّلين والآخرين.

5. الاحتكاك الثقافي واللقاء الحضاري بين المسلمين وغيرهم من الفرس والروم والهنود.

6. الاجتهاد في مقابل النصّ.

وإليك البحث في كلّ واحد من هذه العوامل حسب ما يقتضيه المجال.

***

(وَلَوْ أَنّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعظُونَ بِهِ لَكانَ خَيراً لَهُمْ وَأَشدَّ تَثْبيتاً) (1).

***


1 . النساء: 66 .


(51)

العامل الأوّل

الاتجاهات الحزبيةُ والتعصّبات القبلية

إنّ أعظم خلاف بين الأُمّة هو الخلاف في قضية الإمامة، إذ ما سل سيف قطّ في الإسلام وفي كلّ الأزمنة على قاعدة دينية مثل ما سلّ على الإمامة، وقد كان الشقاق بين المسلمين في تلك المسألة أوّل شقاق نجم بينهم وجعلهم فرقاً أو فرقتين. فمن جانب نرى علياً صلوات اللّه عليه ورجال البيت الهاشمي ركنوا إلى النص وقالوا: إنّ الإمامة شأنها شأنالنبوة لا تكون إلاّ بالنصّ. وإنّ هذا النصّ قد صدر عن النبي في مواطن شتى، آخرها واقعة الغدير المشهورة بين كافّة الناس حينما قام النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في محتشد عظيم وقال: «من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه...».(1)

ومن جانب آخر نرى الأنصار تجتمع في سقيفة بني ساعدة قبل تجهيز النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ومواراته، يبحثون عن قضية الإمامة أو الخلافة، فيرى سيدهم أنّ القيادة حقّ للأنصار رافعاً عقيرته بقوله: يا معشر الأنصار لكم سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام ليست في العرب، إنّ محمّداً ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لبث بضع عشرة سنة في قومه يدعوهم إلى عبادة الرحمن وقلع الأنداد


1 . راجع في تواتره وكثرة رواته في جميع العصور الإسلامية من عصر الصحابة إلى عصرنا هذا، ودلالته على الولاية الكبرى للإمام أمير المؤمنين، كتاب الغدير: الجزء الأوّل، ولأجل ذلك طوينا الكلام عن نقل مصادره.


(52)

والأوثان، فما آمن به من قومه إلاّ رجال قليل ما كانوا يقدرون على أن يمنعوا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ولا أن يعزوا دينه ولا أن يدفعوا عن أنفسهم ضيماً عموا به، حتى إذا أراد بكم الفضيلة ساق إليكم الكرامة وخصّكم بالنعمة، فرزقكم اللّه الإيمان به ورسوله والمنع له ولأصحابه، والإعزاز له ولدينه، والجهاد لأعدائه، فكنتم أشدّ الناس على عدّوه منكم وأثقله على عدوه من غيركم، حتى استقامت العرب لأمر اللّه طوعاً وكرهاً ـ إلى أن قال ـ : استبدوا بهذا الأمر دون الناس.

فأجابوه بأجمعهم: أن قد وفقت في الرأي وأصبت في القول ولن نعدو ما رأيت، نولّيك هذا الأمر فإنّك فينا مقنع ولصالح المؤمنين رضى.(1)

هذا منطق الأنصار ورئيس جبهتهم ترى أنّه يجر النار إلى قرصه وحزبه بحجّة أنّهم آمنوا بمحمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ونصروه وآووه، إلى غير ذلك من الحجج التي ذكرها سعد بن عبادة، رئيس الخزرج في جبهة الأنصار.

ومن جهة ثالثة نرى بعض المهاجرين الذين اطّلعوا على اجتماع الأنصار في السقيفة، يتركون تجهيز النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ومواراته ويسرعون إلى السقيفة ويحضرون في جمعهم ويناشدونهم ويعارضون منطقهم بقولهم: إنّ المهاجرين أوّل من عبد اللّه في الأرض وآمن باللّه وبرسوله، وهم أولياؤه وعشيرته، وأحقّ الناس بهذا الأمر من بعده، ولا ينازعهم في ذلك إلاّظالم ـ إلى أن قال ـ: من ذا ينازعهم في سلطان محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وإمارته وهم أولياؤه وعشيرته، إلاّ مدل بباطل أو متجانف لإثم أو متورط في هلكة.(2)

وهذا منطق بعض المهاجرين لا يقصر في الصلابة أو الوهن عن منطق الأنصار، والكلّ يدّعي أنّ الحقّ له ولحزبه، من دون أن يتفكّروا في مصالح الإسلام والمسلمين، ومن دون أن يتفكّروا في اللياقة والكفاءة في القائد، ومن دون أن يرجعوا إلى الكتاب والسنّة وإحراز المعايير التي يجب وجودها في القائد، فيشبه منطق هؤلاء منطق المرشحين من سرد الثناء على أنفسهم وحزبهم لرئاسة الجمهورية أو عضوية المجلس الوطني.


1 . تاريخ الطبري:2/456، حوادث سنة 11هـ.
2 . تاريخ الطبري:2/457، حوادث سنة 11هـ.


(53)

وكلّ يدّعي وصلاً بليلى * وليلى لا تقر لهم بذاكـا

نعم كان هذاالتشاجر قائماً بينهم على قدم وساق إلى أن تغلب جناح هذا الصنف من المهاجرين على جبهة الأنصار بإعانة بعض الأنصار وهو«بشير بن سعد» و هو ابن عم«سعد بن عبادة»، فبايع أبا بكر حتى يكسر على سعد بن عبادة وعلى الخزرج ما كانوا أجمعوا أمرهم، ولما رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد وما تدعو إليه قريش وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة، قال بعضهم لبعض ـ و فيهم أسيد بن حضير وكان أحد النقباء ـ: واللّه لئن وليتها الخزرج عليكم مرة لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيباً، فقوموا فبايعوا أبا بكر، فقاموا إليه وبايعوه.(1)

وهناك كلمة قيمة للإمام أمير المؤمنين في تقييم احتجاج الأنصار والمهاجرين نقلها الشريف الرضي في نهج البلاغة، قال:

لمّا انتهت إلى أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ أنباء السقيفة،بعد وفاة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، قالـ عليه السَّلام ـ :«ما قالت الأنصار؟» قالوا: قالت: منّا أمير ومنكم أمير.

قال ـ عليه السَّلام ـ : «فهلا احتججتم عليهم بأنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وصى بأن يحسن إلى محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم»!

قالوا: وما في هذا من الحجّة عليهم؟ .

فقال ـ عليه السَّلام ـ : «لو كانت الإمارة فيهم، لم تكن الوصية بهم».

ثمّ قال ـ عليه السَّلام ـ : «فماذا قالت قريش؟».

قالوا: احتجت بأنّها شجرة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

فقال ـ عليه السَّلام ـ : «احتجّوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة».(2)


1 . تاريخ الطبري:2/458، حوادث سنة 11هـ.
2 . نهج البلاغة: الخطبة64.


(54)

وفي كلمة قصيرة عن الإمام ـ عليه السَّلام ـ ، قال: «واعجباه تكون الخلافة بالصحابة، ولا تكون بالصحابة والقرابة».

قال الرضي، وقد روي له شعر قريب من هذا المعنى وهو:

فإن كنت بالشورى ملكتأُمورهم فكيف بهذا والمشيرون غُيَّبُ

وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم فغيرك أولى بالنبي وأقرب(1)

وبتلك المعايير و المبررات تمت البيعة للخليفة، والكلّ أشبه بالمكافحات الحزبية أو القبلية التي لا تمت إلى الإسلام وأهله بصلة.

فعند ذلك أخذ هؤلاء المهاجرون بزمام الحكم واحداً بعد واحد إلى أن تربّع ثالث القوم عثمان بن عفان على منصة الحكم فحدثت في زمانه حوادث مؤلمة وبدع كثيرة أدّت إلى الفتك به والإجهاز عليه.

غير أنّ عليّاً صلوات اللّه عليه وبني هاشم وعدّة من المهاجرين والبدريين وعدّة من أكابر الأنصار تمسّكوا بالنصّ النبوي وبقوا على ما فارقهم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عليه، كما أنّ رئيس الأنصار الخزرجيين وداعميه لم يبايعوا أبا بكر ولا عليّاً.

هذا تحليل تكوّن أوّل تفرّق حدث في الإسلام; فجعل الأُمّة فرقتين: فرقة تشايع الخلفاء، وفرقة تشايع عليّاً ـ عليه السَّلام ـ إلى اليوم الحاضر.

والذين شايعوا عليّاً ـ عليه السَّلام ـ وتابعوه لم يكن ذلك منهم إلاّتمسكاً بالدين مذعنين بأنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قد نصّ عليه من دون أن يكون هناك اندفاع حزبي أو علاقة شخصية أو قبلية، بل تسليماً لقوله سبحانه: (وَما كانَ لِمُؤمِن وَلا مُؤْمِنَة إِذا قَضى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرهِمْ).(2)

وأمّا غيرهم فقد عرفت المعايير التي استندوا إليها في تقديمهم على غيرهم، فالكلّ معايير قبلية أو شخصية.


1 . نهج البلاغة، طبعة عبده، قسم الحكم، الرقم190. وفي المطبوع تحريف، والصحيح ما أثبتناه في المتن.
2 . الأحزاب:36.


(55)

العامل الثاني

سوء الفهم واللجاج في تحديد الحقائق

إذا كانت الدعايات الحزبية أوّل عامل لتكوّن الفرق، فهناك عامل ثان لتفريق المسلمين وتبديدهم إلى فرق متباعدة، وهو سوء الفهم ـعن تقصيرـ في تحديد العقائد الدينية من بعضهم، وقلة العقل وخفّته في بعض آخر منهم، وقد كان هذا عاملاً قويّاً لتكوّن الخوارج التي كانت من أخطر الفرق على الإسلام والمسلمين، لولا أنّ الإمام عليّاً ـ عليه السَّلام ـ استأصلهم وبدد شملهم، ومع ذلك بقيت منهم حشاشات تنجم تارة وتخفق أُخرى في الأجيال والقرون، وإليك شرحه:

لقد ثار أهل العراق والحجاز ومصر على عثمان نتيجة الأحداث المؤلمة التي ارتكبها عماله في هذه البلاد وانتهى الأمر إلى قتله وتنصيب علي ـ عليه السَّلام ـ مكانه لما عرفت الأُمّة من علمه وفضله وسابقته وجهاده المنقطع النظير، وقام علي ـ عليه السَّلام ـ بعزل الولاة والعمال الذين نصبهم عثمان على رقاب الناس، وقد انتهت أعمالهم الإضرارية من جانب، وإصرار الخليفة على إبقائهم من جانب آخر، إلى قتله.

قام علي ـ عليه السَّلام ـ بعزل الولاة آنذاك، ونصب العمال الأتقياء الزهّاد الكفاة مكانهم، وعند ذلك طمع الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد اللّه في العراقين، وطلبا منه أن يولي أحدهما على الكوفة والآخر على البصرة، والمألوف من طريقة عليـ عليه السَّلام ـ في تنصيب العمال اشتراط شروط، تخالف ما كان عليه


(56)

الرجلان وقد قال في حقّهما كلمة: «وإنّي أخاف شرهما على الأُمّة وهما معي، فكيف إذا فرقتهم في البلاد».(1)

فعند ذلك ثارا على الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ وخرجا عليه واتّهماه ـلتبرير موقفهماـ بقتل عثمان أو إيواء قتلته، وكانت نتيجة ذلك اشتعال نار الحرب بين الإمام والرجلين في نواحي البصرة«حرب الجمل» وقتل الرجلين بعد أن أُريقت دماء الأبرياء.

ثمّ إنّ معاوية قد عرف موقف علي ـ عليه السَّلام ـ بالنسبة إلى عمال الخليفة «عثمان»، و مع هذا طلب من الإمام إبقاءه والياً على الشام، فرفض الإمام ذلك لما يعرف من نفسية معاوية وانحرافه، ونشبت من ذلك«حرب صفين» ولما ظهرت بوادر الفتح المبين لعلي وجيشه، التجأ معاوية وحزبه إلى خديعة رفع المصاحف والدعوة إلى تحكيم القرآن بين الطرفين، فصار ذلك نواة لحدوث الاختلاف في جبهة علي ـ عليه السَّلام ـ . فمن قائل: نستمر في الحرب وهذه خدعة ومكر، ومن قائل: نجيبهم إلى ما دعونا إليه.

وقد أمر الإمام بمواصلة الحرب، وقام بتبيين الخدعة، غير أنّ الظروف الحاكمة السائدة على جيش الإمام ألجأته إلى قبول وقف الحرب وإدلاء الأمر إلى الحكمين وإعلان الهدنة، وكتب هناك كتاباً حول هذا.

ومن العجيب أنّ الذين كانوا يصرون على إيقاف الحرب ندموا على ما فعلوا فجاءوا إلى الإمام يصرّون على نقض العهد، والهجوم على جيش معاوية من جديد، غير أنّ الإمام وقف في وجههم بصمود لما يتضمن من نقض العهد (وَكانَ عَهْدُ اللّهِ مَسْؤُولاً) .(2)

وعند ذلك نجمت فرقة باسم الإسلام من جيش علي ـ عليه السَّلام ـ وطلع قرن الشيطان ،فعادت تلك الجماعة خارجة عن إطاعة إمامهم، رافضة لحكومته، ومبغضة إيّاه كما أبغضت عثمان وعماله، وهذه الفرقة هي فرقة الخوارج وما زالوا


1 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:11/16.
2 . الأحزاب:15.


(57)

مبدأ أحداث وعقائد في التاريخ. وكان الحافز القوي على تكوّن هذه الفرقة هو سوء الفهم واعوجاج السليقة، وقد عرّفهم الإمام بقوله ـ عندما شهروا سيوفهم عليه في النهروان ـ :«فأنا نذيركم أن تصبحوا صرعى بأثناء هذا النهر وبأهضام هذا الغائط على غير بيّنة من ربّكم ولا سلطان مبين معكم، قد طوّحت بكم الدار واحتبلكم المقدار، وقد كنت نهيتكم عن هذه الحكومة فأبيتم علي إباء المخالفين المنابذين، حتى صرفت رأيي إلى هواكم وأنتم معاشر أخفّاء الهام، سفهاء الأحلام».(1)

وللإمام كلمة أُخرى يشير فيها إلى السبب الذي فارقوا به عن الحقّ قال صلواتاللّه عليه:«لا تقتلوا الخوارج بعدي، فليس من طلب الحقّ فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه»(يعني معاوية وأصحابه).

قال الإمام عبده: والخوارج من بعده وإن كانوا قد ضلّوا بسوء عقيدتهم فيه إلاّأنّ ضلّتهم لشبهة تمكّنت في نفوسهم، فاعتقدوا أنّ الخروج عن طاعة الإمام ممّا يوجبه الدين عليهم، فقد طلبوا حقّاً وأرادوا تقريره شرعاً، فأخطأوا الصواب فيه.(2)

وقد زعموا أنّ مسألة التحكيم تخالف قوله سبحانه: (إِنِ الحُكْمُ إِلاّللّه).(3)

وسيوافيك مفاد الآية ومقالة المحتجين بهاـ عند البحث عن عقائد تلك الفرقة ـ كي يظهر مدى اعوجاج فهم القوم.

ظهور المرجئة

قد كان لظهور الخوارج أثر بارز في حدوث الفتن وظهور الحوادث الأُخر في المجتمع الإسلامي، وقد نجمت المرجئة من تلك الناحية حيث إنّ الإرجاء


1 . نهج البلاغة شرح محمد عبده:1/82، الخطبة35.
2 . نهج البلاغة شرح محمد عبده:1/103 الخطبة 58.
3 . يوسف:40.


(58)

بمعنى التأخير قال سبحانه: (أَرْجه وَأَخاهُ وَأَرسل فِي المدَائنِ حاشِرين) .(1)

ولهذه الفرقة (المرجئة) آراء خاصة نشير إليها في محلّها، غير أنّ اللبنة الأُولى لظهورها هي اختلافهم في أمر علي وعثمان، فهؤلاء (الخوارج) كانوا يحترمون الخليفتين أبا بكر وعمر ويبغضون علياً وعثمان، على خلاف أكثرية المسلمين، ولكن المرجئة الأُولى لما لم يوفقوا لحلّ هذه المشكلة التجأوا إلى القول بالإرجاء فقالوا: نحن نقدّم أمر أبي بكر وعمر، ونؤخّر أمر الآخرين إلى يوم القيامة، فصارت المرجئة فرقة نابتة من خلاف الخوارج في أمر الخليفتين، مع فوارق بينهم و بين المرجئة التي تأتي في محلّها، والعامل لتكوّنها كأصلها، هو سوء الفهم واعوجاج التفكير.

هذا هو أصل الإرجاء، ولبنته الأُولى، ولكنّه قد نسي في الآونة الأخيرة; وأخذ الأصل الآخر مكانه، و هو كون العمل داخلاً في الإيمان أو لا؟ وبعبارة أُخرى: هل مرتكب الكبيرة مؤمن أو لا؟

ذهبت الخوارج إلى دخول العمل في صميم الإيمان، فصار مرتكب الكبيرة كافراً.

واختارت المعتزلة كون مرتكب الكبيرة غير مؤمن ولكنّه ليس بكافر، بل هو في منزلة بين المنزلتين.

وذهبت المرجئة الأُولى إلى خروج العمل من الإيمان، وأنّ إيمان مرتكب الكبيرة، كإيمان الملائكة والأنبياء بحجّة عدم دخالة العمل في الإيمان. فاشتهروا بالقول: «قدّموا الإيمان وأخّروا العمل» فصار هذا أصلاً وأساساً ثانوياً للمرجئة. فكلّما أطلقت المرجئة لا يتبادر منها إلاّ هؤلاء.

إنّ الاكتفاء في تفسير الإيمان بالشهادة اللفظية أو المعرفة القلبية، وأنّ عصاة المؤمنين لا يعذبون أصلاً، وانّ النار للكافرين(2) واقتحام الكبائر لا يضر أبداً،


1 . الأعراف:111.
2 . شرح المقاصد للتفتازاني:2/229، ولاحظ أيضاً ص 238.


(59)

فكرة خاطئة تسير بالمجتمع وخصوصاً الشباب فيه إلى الخلاعة والانحلال الأخلاقي وترك القيم.

وعلى كلّ تقدير إنّ نظرية الإرجاء في كلا الموضعين نظرية باطلة نشأت من الاعوجاج في فهم المعارف والانحراف في تفسير الذكر الحكيم، والحديث المأثور عن النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

ولما كان مذهب الإرجاء لصالح السلطة الأموية أخذت تروّجه وتسانده حتى لم يلبث أن فشا في الإرجاء، ولم تبق كورة إلاّ وفيها مرجئي، كما سيوافيك ذلك عند البحث عن عقائد هذه الفرقة.

وليس ظهور الخوارج أو المرجئة وحدهما نتاج الإعوجاج الفكري، بل هناك مذاهب أُخرى نجمت من هذا المنشأ. عصمنا اللّه جميعاً من الزلل في القول والعمل.

***

(ادعُ إِلى سَبيلِ رَبّكَ بِالحكْمَةِ وَالْمَوعِظَةِ الحَسَنةِ وَجادِلْهُمْ بِالّتي هِيَ أَحْسَن) (1).


1 . النحل: 125.

Website Security Test