welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : بحوث في الملل والنحل/ ج1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

بحوث في الملل والنحل/ ج1

(326)

إبعاد أحمد عن الإمامة في العقائد

قد كان لانتشار مذهب الأشعري تأثير خاص في إبعاد الإمام أحمد عن ساحة العقائد، وأُفول إمامته في الأُصول، وانزوائه في كثير من البلدان وإقامة الأشعري مقامه. فصار الفرع الذي اشتق من الأصل المذهب الرسمي لأهل السنّة. وبلغت إمامة الفرع إلى الحدّ الذي كلّما أطلق مذهب أهل السنّة لا يتبادر منه إلاّ ذلك المذهب أو ما يشابهه كالماتريدية.

يقول المقريزي بعد الإشارة إلى أُصول عقيدة الإمام الأشعري: هذه جملة من أُصول عقيدته التي عليها الآن جماهير أهل الأمصار الإسلامية، والتي من جهر بخلافها أريق دمه.(1)

نعم، بلغ الإمام الأشعري قمة الإمامة في العقائد من دون أن يمس إمامة أحمد في الفروع ومرجعيته في الفتيا، كيف وهو أحد المذاهب الأربعة الرسمية بين أهل السنّة إلى الآن في العواصم الإسلامية، لكن لا في نطاق واسع بل في درجة محدودة تتلو إمامة أبي حنيفة والشافعي ومالك.

تجديد الدعوة السلفية في القرن الثامن

لقد اهتم بعض الحنابلة ـ أعني: أحمد بن تيمية الحراني الدمشقي (المتوفّى عام 728هـ) ـ بإحياء مذهب السلفية على المفهوم الذي كان رائجاً في عصر الإمام أحمد وقبله وبعده إلى ظهور الأشعري، فأصرّ على إبقاء أحاديث التشبيه والجهة بحالها من دون توجيه وتصرف، وهاجم التأويلات التي ذكرها بعض الأشاعرة في كتبهم حول تلك الأحاديث. ولكنّه لم يكتف بمجرّد الإحياء، بل أدخل في عقائد السلف أُموراً لا ترى منها أثراً في كتبهم، فعد السفر لزيارة الرسول الأعظم بدعة وشركاً، كما عدّ التبرّك ب آثارهم والتوسّل بهم شيئاً يضاد التوحيد في العبادة. وقد ضم إلى ذينك الأمرين شيئاً ثالثاً وهو إنكار كثير من الفضائل الواردة في آل البيت، المروية في الصحاح و المسانيد حتى في مسند


1 . الخطط المقريزية:2/390.


(327)

إمامه أحمد. وبذلك جدد الفكرة السلفية الخاصة المتبلورة في الفكرة العثمانية التي تعتمد على التنقيص من شأن علي وإشاعة بغضه وعناده.

وبذلك نقض قواعد ما أرساه إمامه أحمد من مسألة التربيع وجعل عليـ عليه السَّلام ـ رابع الخلفاء الراشدين، وأنّ عليّاً كان أولى وأحقّ من خصومه.

ومن حسن الحظ إنّه لم يتأثر بدعوته إلاّ القليل من تلامذته كابن القيم (المتوفّى عام 751هـ) كيف وقد عصفت الرياح المدمرة على هذه البراعم التي أظهرها، حيث قابل منهجه المحقّقون بالطعن والردّ الشديدين، فأفرد بعضهم في الوقيعة به ت آليف حافلة، وجاء البعض الآخر يزيف آراءه و معتقداته في طي كتبه، وقام ثالث يترجمه ويعرفه للملأ ببدعه وضلالاته.

وكفى في ذلك ما كتبه بعض معاصريه كالذهبي، فإنّه كتب رسالة مبسوطة إليه ينصحه ويعرفه بأنّه ممّن يرى القذاة في عين أخيه وينسى الجذع في عينيه، وأنّه لم تسلم أحاديث الصحيحين من جانبه ثمّ خاطبه بقوله: أما آن لك أن ترعوي؟ أما حان لك أن تتوب وتنيب؟ أما أنت في عشر السبعين وقد قرب الرحيل؟.(1)

وهناك كلام للمقريزي يقول بعد الإشارة إلى اشتهار مذهب الأشعري وانتشاره في أمصار الإسلام: إنّه نسي غيره من المذاهب وجهل حتى لم يبق اليوم مذهب يخالفه. إلاّ أن يكون مذهب الحنابلة أتباع الإمام أبي عبد اللّه أحمد بن محمد ابن حنبل ـ رضي اللّه عنه ـ فإنّهم كانوا على ما كان عليه السلف لا يرون تأويل ما ورد من الصفات، إلى أن كان بعد السبعمائة من سني الهجرة، اشتهر بدمشق وأعمالها تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية الحراني، وتصدّى للانتصار لمذهب السلف، وبالغ في الرد على مذهب الأشاعرة، وصدع بالنكيرة عليهم وعلى الرافضة وعلى الصوفية، فافترق الناس فيه فريقان فريق يقتدي به


1 . تكملة السيف الصقيل: 190، ونقل قسماً من هذه الرسالة العزامي في الفرقان الذي طبع في مقدّمة الأسماء والصفات للبيهقي ونقله العلاّمة الأميني في غديره:5/87 ـ 89.


(328)

ويعول على أقواله ويعمل برأيه ويرى أنّه شيخ الإسلام وأجل حفاظ أهل الملّة الإسلامية، وفريق يبدعه ويضلّله ويزري عليه بإثباته الصفات وينتقد عليه مسائل منها ما له فيه سلف ومنها ما زعموا أنّه خرق فيه الإجماع ولم يكن له فيه سلف، وكانت له ولهم خطوب كثيرة وحسابه وحسابهم على اللّه الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء وله إلى وقتنا هذا عدة أتباع بالشام وقليل بمصر.(1)

الدعوة السلفية في القرن الثاني عشر

لم يتعظ الرجل من قوة ناصحه المشفق حتى أدركته المنية في سجن دمشق، ولكن كانت بذرة الضلال مدفونة في الكتب وزوايا المكتبات إلى أن ألقى الشر بجرانه، وجاء الدهر بمحمّد بن عبد الوهاب النجدي في القرن الثاني عشر(1115ـ 1206هـ) فحذا حذو ابن تيمية، وأخذ وتيرته واتبع طريقته، فأحيا ما دثره الدهر، ودعا إلى السلفية من جديد، غير أنّه اتّخذ ما أضافه ابن تيمية إلى عقائد السلف ممّا لا يرتبط بمسألة التوحيد والشرك، كالسفر إلى زيارة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ والتبرك ب آثاره، والتوسل به، وبناء القبة على قبره، قاعدة أساسية لدعوته، ولم يهتم في ت آليفه بمسألة التشبيه وإثبات الجهة والفوق.

نعم، لمّا استفحلت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نجد وقام أُمراء المنطقة (آل سعود) بترويج منهجه واستغلوه للسيطرة على الجزيرة العربية، اهتمت الوهابية بنشر ما ألّفه السلف حول البدع السابقة الموروثة من اليهود والنصارى ،فصار إثبات الصفات الخبرية كاليد والوجه والاستواء بمفهومها اللغوي مذهباً رسمياً لدعاة الوهابية، لا يجترئ عالم على مخالفته في أوساطهم.(2)


1 . الخطط المقريزية:2/358ـ 359.
2 . وقد ألّف رضا بن نعسان معطي في مكة المكرمة كتاباً حول الصفات الخبرية سماه «علاقة الإثبات والتفويض بصفات ربّ العالمين» وقدم عليه عبد العزيز بن باز رئيس إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد وأصر فيه على أنّ عقيدة السلف في هذه الصفات إبقاؤها على مفاهيمها اللغوية بلا تغيير وتصرف. وغير خفي على النبيه أنّه لا ينتج إلاّ التجسيم وإن كان الكاتب والمقرظ لا يعترفان به، ولكنّه لا ينفك عن تلك النتيجة.


(329)

وبذلك وردت الدعوة السلفية في مراحلها التاريخية المرحلة الثالثة بعد الاندراس و لمّا تمّت معاملة الدول الكبرى على الخلافة العثمانية المسيطرة على أكثر ربوع الإسلام ـ يوم ذاك ـ و أُقصيت من ساحة البلاد العربية، حلّت سيطرة آل سعود المتبنين للعقيدة الوهابية من لدن ميلادها، محلها في أرض الحجاز عموماً، والحرمين الشريفين خصوصاً. ومن جراء ذلك أخذت الدعوة الوهابية تنتشر في الأراضي المقدسة بالطابع السلفي، فصارت السلفية والوهابية وجهين لعملة واحدة، وقد استعانت السلطة السعودية بكلّ ما تملك من قوّة وقدرة إرهابية، ودراهم ودنانير ترغيبية، لنشر المنهج الوهابي، ولكلّ من ذينك الأمرين أهله ومحله. فاستعملت الأوّل في الأُميّين والرعاع من الناس، واشترت بالثاني أصحاب القلم وأرباب الجرائد والمجلات وسائر وسائل الإعلام. فصارت السلفية في هذه الأماكن رمز الإسلام الأصيل، وآية الدين الصحيح، المجرّد عن البدع اللصيقة به بعد لحوق النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بالرفيق الأعلى.

وقد استعانت هذه السلطة في تسريع الحركة الوهابية في هذا الزمان بما ظهر في المناطق الشرقية من الجزيرة من الذهب الأسود، فاستولت على زبرج الدنيا وزينتها وتمادت في غيّها وساقت كثيراً من الناس إلى معاسيف السبل ومعاميها، حتّى تأثر بتلك الحركة بعض الشبان وغيرهم خارج الجزيرة العربية.

إنّ الدعايات الخادعة، أثرت في تفكير كثير من الناس إلى حدّ تخيل لهم أنّ تجديد مجد الإسلام وبلوغ المسلمين إلى ذروة السنام لا يتم إلاّ بإحياء ما كان عليه السلف في الأُصول والفروع، ويريدون منه عهود الخلافة الراشدة والأمويين والعباسيين، فكأنّ حياتهم في تلك العصور كانت باقات زهور تفتحت في تلك القرون، فعم ريحها وريحانها أجواء الأقطار الإسلامية،


(330)

فلأجل ذلك يتطلّعون إلى تلك العهود تطلع الصائم إلى الهلال، والظامئ إلى الماء.

لكن الدعايات الخاطئة عاقتهم عن التعرف على ما في تلك العصور من النقاش والخلاف بين المسلمين وسفك الدماء وقتل الأولياء وحكومة الإرهاب والإرعاب، إلى غير ذلك من المصائب والطامات الكبرى.

ولو درسوا تاريخ السلف ـ منذ فارق النبي الأعظم المسلمين وتسنم الأمويون منصة الخلافة إلى أن انتكث فتلهم، وأجهز عليهم عملهم، وورثهم العباسيون ولم يكونوا في العمل والسيرة بأحسن حال منهم ـ لوقفوا على أنّ حياة السلف لم تكن حياة مثالية راقية، بل كانت تسودها المجازر الطاحنة الدامية، والجنايات الفظيعة التي ارتكبتها الطغمة الأموية والعباسية في حقّ الأبرياء الأولياء والعلويين من العترة الطاهرة. فلو صحّ ما في التواريخ المتواترة، لدلّ قبل كلّ شيء على أنّ السلف لم يكن بأفضل من الخلف، وأنّ الخلف لم يكن بأسوأ من السلف، ففي كلتا الفئتين رجال صالحون مثاليون كما فيهما رجال دجّالون وأُناس طالحون.

المفكّرون الإسلاميون المعاصرون والسلفية

ومن المؤسف أنّ السلفية اتخذت لنفسها في الآونة الأخيرة طابعاً حاداً وسلوكاً في غاية الجمود و التحجّر، وفي منتهى التقشف والتزمت حتى ذهب من ينحو هذا المنحى إلى تحريم كلّ ما يتصل بالحضارة ومعطياتها المباحة شرعاً، فإذا بهم يحرمون حتى التصوير الفوتوغرافي ويهاجمون الراديو و التلفزيون(1) عتواً وجهلاً.

وقد كان هذا الموقف الجامد المتحجّر، وهذا التزمت والجفاف الذي ما أنزل اللّه به من سلطان، والذي أسند ـ و للأسف ـ إلى الإسلام، وما رافقه من قوة على الآخرين ورميهم بالبدعة، والخروج على الدين بحجة عدم


1 . راجع مجلة الفرقان العدد الخامس من السنّة الأُولى وتصدرها جماعة من السلفيّين المتشدّدين.


(331)

الانقياد لمواقف السلف، وآرائهم، وراء ابتعاد جماعات كبيرة من الشباب من أبناء المسلمين عن الإسلام السهل الحنيف، وإساءة الظن به وبمؤسساته. وهذا هو ما حدا ببعض الغيارى والمتحررين من المفكّرين الإسلاميين إلى التصدّي لهذا الاتجاه الدخيل على الإسلام البعيد عن روحه النقية السمحة.

وممن انبرى لإبطال هذا المذهب وإزالة الغبار عن وجه الحقيقة الأُستاذ محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه «السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي».

حيث عمد أوّلاً إلى تفنيد زعم السلفيين المعاصرين بأنّ على المسلم أن يجمد على ما ورد عن السلف وعلى منهجهم وكأنّه مذهب إسلامي مقدس لا يجوز أن تناله يد الجرح والتعديل، ولا أن يخضع للنقاش والنقد، بل لا يجوز أن يتخطى في مقام العمل والسلوك.

حيث قال: إنّ اتّباع السلف لا يكون بالانحباس في حرفية الكلمات التي نطقوا بها أو المواقف الجزئية التي اتخذوها، لأنّهم هم أنفسهم لم يفعلوا ذلك.(1)

ثمّ قال: إنّ من الخطأ بمكان أن نعمد إلى كلمة (السلف) فنصوغ منها مصطلحاً جديداً طارئاً على تاريخ الشريعة الإسلامية والفكر الإسلامي ألا وهو (السلفية) فنجعله عنواناً مميزاً تندرج تحته فئة معينة من المسلمين تتخذ لنفسها من معنى هذا العنوان وحده، مفهوماً معيناً، وتعتمد فيه على فلسفة متميزة بحيث تغدو هذه الفئة بموجب ذلك، جماعة إسلامية جديدة في قائمة جماعات المسلمين المتكاثرة والمتعارضة بشكل مؤسف في هذا العصر، تمتاز عن بقية المسلمين بأفكارها وميولها، بل تختلف عنهم حتّى بمزاجها النفسي ومقاييسها الأخلاقيّة كما هو الواقع اليوم فعلاً.

بل إنّنا لا نعدو الحقيقة إن قلنا: إنّ اختراع هذا المصطلح بمضامينه الجديدة التي أشرنا إليها بدعة طارئة في الدين لم يعرفها السلف الصالح لهذا الأُمّة، ولا الخلف الملتزم بنهجه.(2)


1 . السلفية مرحلة زمنية: 12.
2 . المصدر نفسه: 13.


(332)

ويقول: إنّ السلف أنفسهم لم يكونوا ينظرون إلى ما يصدر عنهم من أقوال أو أعمال أو تصرفات، هذه النظرة القدسية الجامدة التي تقتضيهم أن يسمِّروها بمسامير البقاء والخلود، بل ساروا وراء ذلك مع ما تقتضيه علل الأحكام وسنة التطور في الحياة، وعوامل التقدم العلمي، ومنطق التجاوز المستمر من الصالح إلى الأصلح كما سايروا الأعراف المتطورة من عصر إلى آخر، أو المتبدلة ما بين بلدة وأُخرى ما دام ذلك كلّه منتشراً وراء أسوار النصوص الحاكمة والمهيمنة.(1)

ثمّ أشار إلى نماذج من مواقف السلف التي تطورت مع تطور الأحوال والأوضاع في شتى مجالات العلم والسلوك.

ثمّ قال: إنّ السلف أنفسهم لم يجمدوا عند حرفية أقوال صدرت منهم، كما لم يتشبّثوا بصور أعمال أو عادات ثبتوا عندها ثمّ لم يتحولوا عنها، بل الذي رأيناه في هذه النماذج اليسيرة هو نقيض ذلك تماماً، فكيف نقلّدهم في شيء لم يفعلوه، بل ساروا في طريق معاكس له...؟(2)

ثمّ ينتهي إلى القول: إنّ كلّ ما ذكرنا هنا تلخيص إجمالي للبرهان على أنّ السلفية لا تعني على كلّ حال إلاّ مرحلة زمنية مرت... فإن قصدت بها جماعة إسلامية ذات منهج معين خاص بها، يتمسّك به من شاء، ليصبح بذلك منتسباً إليها منضوياً تحت لوائها، فتلك إذن إحدى البدع المستحدثة بعد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .(3)

ثمّ لإبطال حجّية مواقف السلف على من بعدهم ما لم يستند إلى برهان يشير إلى نماذج من خلافاتهم واختلافاتهم في المواقف والآراء(4) ثمّ يقول: فلو كانت اتجاهات السلف واجتهاداتهم هذه حجّة لذاتها، لا تحتاج هي بدورها إلى برهان أو مستند يدعمها، لأنّها هي برهان نفسها، إذن لوجب أن تكون تلك


1 . نفس المصدر:14ـ 15.
2 . نفس المصدر: 18.
3 . نفس المصدر:23.
4 . نفس المصدر:23.


(333)

النظرات المتباعدة بل المتناقضة كلّها حقّاً وصواباً، ولوجب المصير دون أي تردد إلى رأي المصوبة.

وعن إمكانية طروء الخطأ على مواقف السلف يقول: إنّ اقتداءنا بالسلف لا يجوز أن يكون بواقعهم الذي عاشوه من حيث إنّهم أشخاص من البشر يجوز عليهم كلّ أنواع الخطأ والسهو والنسيان، فإنّهم من هذا الجانب بشر مثلنا لا يمتازون عن سائر المسلمين بشيء.(1)

من هنا يرى أنّ على الأُمّة إذا أرادت أن تصل إلى الحقيقة الإسلامية في مجال العقيدة والسلوك أن تتبع منهجاً في هذا المجال لا أن تكتفي بمجرّد اتباع السلف بشكل مطلق، فيقول في هذا الصدد:

إنّ الإنسان لكي يمارس الإسلام يقيناً وسلوكاً لابدّ أن يجتاز المراحل الثلاث التالية:

أ. التأكّد من صحّة النصوص الواردة والمنقولة عن فم سيدنا محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قرآناً كانت هذه النصوص أم حديثاً، بحيث ينتهي إلى يقين بأنّها موصولة النسب إليه، وليست متقوّلة عليه.

ب. الوقوف بدقة على ما تتضمنه وتعينه تلك النصوص بحيث يطمئن إلى ما يعنيه ويقصده صاحب تلك النصوص منها.

ج. عرض حصيلة تلك المعاني والمقاصد التي وقف عليها وتأكد منها، على موازين المنطق والعقل (ونعني بالمنطق هنا قواعد الدراية والمعرفة عموماً) لتمحيصها ومعرفة موقف العقل منها.(2)

وعندما شرح البند الأوّل والعلّة الموجبة له يشير إلى ما تعرض له الحديث النبوي على يد الوضّاعين والزنادقة، ويشير إلى أقسام الحديث من متواتر وصحيح وضعيف، ممّا يجعلنا نتحفظ تجاه النصوص، ولا نقدم على الأخذ بها


1 . السلفية مرحلة زمنية:55ـ56.
2 . نفس المصدر:63.


(334)

لمجرّد رواية السلف لها أو روايتها عن السلف، بل نأخذ بها بعد التمحيص والتحقيق حسب الميزان المذكور.

فيقول: فمن التزم بمقتضى هذا الميزان فهو متبع كتاب اللّه متقيد بسنة رسول اللّه، سواء أكان يعيش في عصر السلف أو جاء بعدهم، ومن لم يلتزم بمقتضاه فهو متنكب عن كتاب اللّه، تائه عن سنة رسوله عليه الصلاة والسلام وإن كان من الرعيل الأوّل، ولم يكن يفارق مجلس رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .(1)

وبعد أن يسهب في شرح تفاصيل هذا المنهج يقول: ولم نعلم أنّ في أهل هذه القرون الغابرة كلّها من قد استبدل بهذا المنهج الذي كان ولا يزال فيصل ما بين أهل الهداية والضلال، التمذهب بمذهب يسمّى السلفية بحيث يكون الانتماء إليه هو عنوان الدخول في ساحة أهل الهداية والرشاد. وعدم الانتماء إليه هو عنوان الجنوح إلى الزيغ والضلالة والابتداع.

ولقد أصغينا طويلاً ونقبنا كثيراً فلم نسمع بهذا المذهب في أيّ عصر من عصور الإسلام الغابرة، ولم يأت من يحدثنا بأنّ المسلمين في عصر ما قد انقسموا إلى فئة تسمّي نفسها السلفية وتحدد شخصيتها المذهبية هذه ب آراء محددة تنادي بها، وأخلاقية معينة تصطبغ بها، وإلى فئة أُخرى تسمى من وجهة نظر الأُولى بدعية أو ضلالية أو خلفية أو نحو ذلك، كلّ الذي سمعناه وعرفناه أنّ ميزان استقامة المسلمين على الحقّ أو جنوحهم عنه إنّما مردّه إلى اتّباع المنهج المذكور.

وهكذا، فقد مرّ التاريخ الإسلامي بقرونه الأربعة عشر دون أن نسمع عن أي من علماء وأئمّة هذه القرون أنّ برهان استقامة المسلمين على الرشد يتمثل في انتسابهم إلى مذهب يسمّى بالسلفية فإن هم لم ينتموا إليه ويصطبغوا بمميزاته وضوابطه، فأُولئك هم البدعيون الضالّون.


1 . السلفية مرحلة زمنية: 79.


(335)

إذن فمتى ظهرت هذه المذهبية التي نراها بأُمّ أعيننا اليوم والتي تستثير الخصومات والجدل في كثير من أصقاع العالم الإسلامي، بل تستثير التنافس والهرج في كثير من بقاع أوروبا حيث يقبل كثير من الأوروبيين على فهم الإسلام ويبدون رغبة في الانتساب إليه؟(1)

وبعد أن يشير إلى مبدأ ظهور هذه الكلمة (السلفية) وسبب ذلك، و كيف أنّها استخدمت في ذلك الوقت للدعوة إلى السير على خطا المسلمين الأُول في الالتزام بأصل الإسلام في مواجهة الموجة المادية الغربية التي اجتاحت البلاد الإسلامية في أوائل القرن العشرين، ولكنّها تحولت فيما بعد إلى لقب، لقب به الوهابيون مذهبهم، وهم يرون أنّهم دون غيرهم من المسلمين على حقّ، وأنّهم دون غيرهم الأُمناء على عقيدة السلف، والمعبرون عن منهجهم في فهم الإسلام وتطبيقه، وأمّا الآخرون فكفرة ضالّون.

يقول بعد كلّ هذا تحت عنوان: «التمذهب بالسلفية بدعة لم يكن من قبل»:

إذا عرف المسلم نفسه بأنّه ينتمي إلى ذلك المذهب الذي يسمّى اليوم بالسلفية، فلا ريب أنّه مبتدع...

فالسلفي اليوم، كلّ من تمسّك بقائمة من الآراء الاجتهادية المعينة ودافع عنها وسفّه الخارجين عليها ونسبهم إلى الابتداع، سواء منها ما يتعلق بالأُمور الاعتقادية، أو الأحكام الفقهية والسلوكية.(2)

ثمّ أشار الأُستاذ البوطي إلى الآثار الضارة اللاحقة بالأُمّة الإسلامية من جرّاء هذه البدعة، وما يلازمها من عصبية مقيتة ومواقف متصلّبة وعنيفة. وما أوجدت من مشاكل في الأوساط الإسلامية... وأشار ـ فيما أشار ـ إلى تهجّم السلفيين على جماعة من المسلمين المجاهدين في سبيل اللّه لا لشيء إلاّ لأنّ السلفيين لا يرتضون بعض أعمالهم المباحة شرعاً.


1 . السلفية مرحلة زمنية: 230ـ 231.
2 . نفس المصدر: 236ـ 237.


(336)

حيث قال: وفي إحدى الأصقاع النائية (1) حيث تدافع أُمّة من المسلمين الصادقين في إسلامهم عن وجودها الإسلامي وعن أوطانها وأراضيها المغتصبة، تصوّب إليهم من الجماعات السلفية سهام الاتّهام بالشرك والابتداع، لأنّهم قبوريون توسّليون(2) ثمّ تتبعها الفتاوى المؤكّدة بحرمة إغاثتهم بأيّ دعم معنوي أو عون مادي، ويقف أحد علماء تلك الأُمّة المنكوبة المجاهدة ينادي في أصحاب تلك الفتاوى والاتهامات: يا عجباً لإخوة يرموننا بالشرك مع أنّنا نقف بين يدي اللّه كلّ يوم خمس مرات نقول:(إِيّاك نعبدُ وإِيّاكَ نَسْتَعين) (3)... لكن النداء يضيع، ويتبدّد في الجهات دون أيّ متدبر أو مجيب!!(4)

ثمّ يقول: إنّ استنكار هذه الرعونات الشنيعة لا يكون إلاّ بمعالجتها، ولا تكون معالجتها إلاّ بسد الباب الذي اقتحمت منه، وإنّما الباب الذي اقتحمت منه هو الإقدام على اقتطاع جماعة من جسم الجماعة الإسلامية الواحدة، واختراع اسم مبتدع لها ثمّ تغذية روحها العصبية وأنانيّتها الجماعية بمقوّمات معينة وأساليب وأخلاقيات متميزة تدافع بها عن كيانها الذاتي، بل تتّخذ من هذا الاسم سلاحاً لمقاومة الآخرين وطعنهم دون هوادة إذا اقتضى الأمر.(5)

ثمّ يشير الأُستاذ إلى استفادة أصحاب الفكر اليساري من هذه البدعة لصالح المادية الماركسية الجدلية حيث اعتبروا هذه البدعة دليلاً على صحّة نظريتهم التاريخية في مجال التناقض والصيرورة، في غفلة من أصحاب هذه البدعة.


1 . والمراد هو إيران المسلمة وذلك عند دفاع أهلها عن وطنهم ومقدّساتهم في الحرب المفروضة عليهم من جانب الاستكبار العالمي وعملائه.
2 . نعم هذا هو ما كان يفعله السعوديون الذين يتسترون تحت غطاء السلفية فكانوا يساعدون النظام الإلحادي البعثي العراقي بالمال والسلاح والدعاية مجاهرين بذلك. وحبذا لو أنّ الأُستاذ الشهم كشف عن اسم هذه الفرقة المتجنّية على الإسلام والمسلمين،التي لم تكتف بتكفير المسلمين في إيران بل كفرت كلّ المسلمين وضلّلتهم.
3 . الفاتحة:5.
4 . السلفية مرحلة زمنية: 245.
5 . المصدر نفسه: 246.


(337)

السلفية وتدمير الآثار الإسلامية

لقد قامت «الوهابية» المفروضة على الشعب المسلم في الجزيرة العربية باسم «السلفية» بتدمير الآثار الإسلامية وقد ركزت جهودها في هذه الأيّام على محو آثار الإسلام ومعالمه وطمس كلّ أثر ديني حتى المساجد، مع أنّ مؤسس«الوهابية»، أعني: «محمد بن عبد الوهاب» ، كان يركز جهوده على هدم القبور فقط لا على هدم كلّ أثر ديني للرسول الأعظم وصحابته المنتجبين، لكنّ حلفاءه بدأوا في هذه الأيام بالقضاء على الآثار الدينية باسم تطوير البلدين: مكة والمدينة فترى كيف طمست حتى في هذه السنوات الأخيرة(1396ـ 1408هـق) عشرات من الآثار الإسلامية ومحيت معالمها تحت غطاء توسعة المسجد النبوي، أو تطوير المدينة وإعمارها، وكأنّ التطوير يتوقف على التدمير ولا يجتمع مع حفظ تلك الآثار في مكانها، ولا نشكّ نحن وكلّ متحرق على الحقّ والحقيقة أنّها مؤامرة شيطانية على الإسلام وأهله.

والعجب أنّ «السعوديين» يقومون بهذا العمل باسم الاقتداء بالسلف مع أنّ السلف في القرون السابقة فرضوا على أنفسهم رعايتها، فإنّ الحكام ـ الذين تعاقبوا على مسند الحكم في الحجاز عدا يزيد ـ فرضوا على أنفسهم حفظها ورعايتها غير أنّها في هذه الأيام، كأنّها أصبحت ملكاً صرفاً لآل سعود، وكأنّها ليست آثاراً إسلامية ولا تخص مليار مسلم فضلاً عن الأجيال اللاحقة، ولو نظر المسلم في تاريخ الآثار الإسلامية قبل استيلاء «السعوديين» عليها لوجد جميع الآثار تتمتع بأفضل عناية ورعاية من جانب السلف. فما معنى هذه السلفية التي تتبعض في مفهومها فيؤخذ منها شيء ويترك منها شيء؟! يقولون : «نؤمن ببعض ونكفر ببعض».

وفي الوقت الذي تحرص فيه الدول المتحضّرة على إحياء أمجادها وتراثها، وتتعهد بإنشاء كليات ومعاهد ومؤسسات ومتاحف لحفظ الآثار وصيانتها ـ في هذا الوقت نفسه ـ تعمد السعودية إلى القضاء على أنفس الآثار الإسلامية وأعزها على كلّ مسلم.

والعجب العجاب أنّ هؤلاء يدّمرون بيوت بني هاشم وبيت الإمام


(338)

الصادق ـ عليه السَّلام ـ ، وقبر والد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ومشهد ذي النفس الزكية، وبيت أبي أيّوب الأنصاري مضيف النبي، ولكنّهم يعتنون ب آثار اليهود في المدينة المنوّرة، فترى فيها حصن «كعب بن الأشرف» رأس اليهود الذي اغتاله بعض الصحابة بأمر النبي الأعظم محفوظاً، وقد وضعت أمامه لوحة تحمل مرسوماً ملكياً بحفظه تحت عنوان حفظ الآثار.

وليس هذا التخطيط منحصراً بحفظ تراث ذلك اليهودي بل حصون خيبر بجميع شقوقها وفروعها سجلت في ديوان الآثار التي يجب حفظها عن الاندراس، لأنّها شارة خاصة لأسلاف الحافظين لها«فاعتبروا يا أُولي الأَبصار».

فأين المسلمون الغيارى، أعني: الذين افتقدوا يوماً شعرة من رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وكانوا يحتفظون بها في مسجد من مساجد الهند فانتابتهم رجّة عظيمة، وثارت ثائرتهم حتى اضطرت الدولة العلمانية الهندية إلى بذل الجهود للعثور على تلك الشعرة، حتّى عثر عليها وأعيدت إلى مكانها.

فأين أُولئك الغيارى حتّى يروا بأُم أعينهم أنّ الآثار النبوية تدمّر، الواحد تلو الآخر وفي كلّ شهر ويوم على أيدي السلطات السعودية.

ولن تنتهي الجريمة إلى هذا الحدّ، بل ربما تتعدى إلى ما لا سمح اللّه به لهم.

ومن الملفت للنظر أنّ المفكّرين من علماء الإسلام عندما قام الوهابيون بهدم قبور أئمّة أهل البيت في البقيع(1) أعلنوا للعالم الإسلامي بأنّ الجريمة لن تتوقف عند هذا الحد، بل إنّ هدم البقيع مقدمة لهدم ومحو جميع آثار الرسالة، وفي ذلك يقول المرجع الديني الراحل (2) السيد صدر الدين العاملي:


1 . عام 1344هـ .
2 . لبى دعوة ربّه عام 1373هـ.


(339)

لعمـري إنّ فـاجعـة البقيـع * يشيـب لهولهـا فـود الرضيـع

وسوف تكون فاتحـة الرزايــا * إذا لم نصح من هذا الهجـوع

أمــا مــن مسلـم للّه يرعـى * حقوق نبيّه الهـادي الشفيـع

(وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلب يَنْقَلِبُونَ) .

الرابع: نصيحة لأعلام الحنابلة وقادتهم

اتّفق المسلمون تبعاً للذكر الحكيم على أنّ الرسالة المحمّدية رسالة عالمية أوّلاً، وخاتمية ثانياً، قال سبحانه: (قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَميعاً)(1)، وقد حملت الأُمّة الإسلامية رسالة إبلاغ الإسلام على عواتقها بعد التحاق النبي الأكرم بالرفيق الأعلى فنشروها في مشارق الأرض ومغاربها حسبما توفر لديهم من الإمكانيات، وقد وصلت النوبة في هذا العصر إلى قادة المسلمين وأئمّتهم، فيجب عليهم بث الإسلام وتعاليمه بين الناس ـشرقيّهم وغربيّهمـ في حدود الإمكانيات والوسائل الموجودة في سبيل بسط الدعوة ونشرها حتّى ينقذوا العالم من مخالب المادية ومن الحروب التي تهدد كيان الإنسانية.

وممّا لا شكّ فيه أنّ للتأثير في النفوس وجذب القلوب، عللاً وأسباباً مختلفة، أهمها كون الداعي مجهزاً بقوة المنطق والاستدلال القاطع الذي تخضع له العقول السليمة، فعند حسن الدعوة وأسلوبها،وقوّة المادة ورصانتها، ترى القلوب تهوي إليها من كلّ صوب وجانب،والناس يدخلون في دين اللّه أفواجاً، وأمّا إذا كانت الدعوة غير منسجمة مع الفطرة السليمة، فنفور الناس هو النتيجة الحتمية وتكون من قبيل«مايفسده أكثر ممّا يصلحه».

وفي ظل هذا العامل سيطرت الدعوة المحمدية ـ آن ظهورها ـ على قلوب العالم واكتسحت العراقيل الموجودة أمامها، وما ذاك إلاّ لكون الدعوة حائزة للشرائط موافقة للطباع، وإلى هذا الانسجام يشير قوله سبحانه: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّين حَنيفاً فِطْرَةَ اللّهِ الّتي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبدِيلَ لِخَلْقِ اللّهِ ذلِكَ )


1 . الأعراف:158.


(340)

الدِّينُ القَيِّمْ وَلكَّنْ أَكْثََرَ النّاسِ لا يَعْلَمُون) .(1)

فالدعوة إلى التوحيد ورفض الأصنام، وبسط العدل والقسط بين الناس، والدعوة إلى الاعتدال في ما يرجع إلى أُمور الدنيا والآخرة، وتأمين سبل الحياة، والحفاظ على الروابط العائلية و... كلّها أُصول إسلامية مطابقة للفطرة الإنسانية.

فإذا كان هذا هو الأساس لنشر الإسلام في العالم وجذب النفوس إليه، فيجب على قادة المسلمين على الإطلاق والحنابلة وأهل الحديث بالخصوص، تجريد الدعوة عن الأُمور التي تعارض الفطرة ومن التي تناطح العقل السليم، ثمّ عرض الإسلام بشكل يتجاوب مع العقول السليمة كما كانت عليه الدعوة المحمدية آن ظهورها وبعدها، وهذه الغاية المتوخاة لا تتحقّق ـ بلا مجاملة ـ إلاّبدراسة الأُصول والعقائد التي نسجت على طبق الأحاديث الموجودة في الصحاح والمسانيد من رأس والعودة إليها من جديد حتى تصفو الدعوة من الأُمور التي يشمئز منها شعور الإنسان الحر صاحب الفطرة السليمة التي بني عليها دين اللّه في عامة الشرائع السماوية.

هلمّ معي نلاحظ نماذج من الأُصول التي قامت عليها الدعوة الحنبلية المتسمّية في هذه العصور بالدعوة السلفية، ثمّ نعرضها على محك الصحة ومقياسها «الفطرة الإنسانية»، فهل هي تتجاوب معها؟ ونحن لا نطيل الكلام بعرض عامة الأُصول بل نأخذ ـ كما قلنا ـ نماذج ونجعلها على مرأى ومسمع من القارئ.

أفهل يمكن دعوة شعوب العالم إلى الإسلام مع القول بأنّ اللّه سبحانه كإنسان له من الأعضاء ما للإنسان عدا اللحية والفرج، وأنّ له عينين ناظرتين وذراعين وصدراً ونفساً ورجلاً وحقواً ونزولاً وصعوداً إلى غير ذلك ممّا ملأ كتب الحنابلة وقليلاً من كتب الأشاعرة؟ وأقصى ما عندهم أنّ له سبحانه هذه


1 . الروم:30.


(341)

الأعضاء ولكن بلا كيفية، و قد عرفت حال التدرّع به وأنّه ممّا لا يسمن ولا يغني من جوع.

أفيصحّ لنا دعوة أساتذة العلوم الإنسانية والطبيعية من المخترعين والمكتشفين في عالمنا الراهن إلى الإله الذي استقرّ على عرشه فوق السماوات ينظر منه إلى العالم كلّه الذي هو تحت قدميه، والعرش يئط تحته أطيط الرحل تحت الراكب؟!

باللّه عليك إذا كانت رسالتنا في العالم نشر ما جاء في قول هذا الشاعر الحنبلي:

للّه وجــه لا يحـد بصــورة * ولـربنـا عينـان ناظرتــان

وله يدان كمـا يقـول إلهنـا * ويمينه جلّت عن الأيمان!

فهل يتصور لنا النجاح في ميدان الدعوة؟! أو يكون التراجع والفشل نتيجة حتمية للدعوة، وإنّنا سوف نقابل بالقول بأنّ المادية والإلحاد أولى وأرجح من الاعتقاد بهذا الإله الذي جلس على سرير كجلوس الملوك ينظر إلى ملكه بعيونه ويفعل بيده ويكتب ببنانه.

أو ليس القول بالجبر وسلب الاختيار هي النتيجة الطبيعية للروايات الواردة في الصحاح والمسانيد حول القضاء والقدر، و قد مضى حديث مسلم: «فوالذي لا إله غيره إنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنّة حتّى ما يكون بينه و بينها إلاّذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النار...».(1)؟!

أو ليس هذا تطويحاً بالوحي كلّه وتزييفاً للنشاط الإنساني من بدء الخلق إلى قيام الساعة وتكذيباً للّه والمرسلين قاطبة. قال سبحانه: (قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها) (2). و قال سبحانه: (وَقُلِ الحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَفَلْيُؤْمِنْوَمَنْ شاءَفَلْيَكْفُر) .(3)


1 . راجع ص 264 من هذا الجزء.
2 . الأنعام:104.
3 . الكهف:29.


(342)

وهناك أحاديث كثيرة تؤيد هذا المعنى وتعرف الإنسان بأنّه مسلوب المشيئة، وأنّه مقهور بكتاب سابق، وأنّ سعيه باطل، لأنّه لا يغير شيئاً ممّا خط عليه في الأزل مع أنّه سبحانه يقول: (وَأَنْ لَيْسَ للإِنْسان إِلاّما سعى* وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوفَ يُرى* ثُمَّ يُجزاهُ الجَزاءَ الأَوفى) .(1)

فهذه أحاديث واهية خلّفت تعاليم باطلة في أوساط المسلمين يجب تجريد الدعوة الإسلامية منها، فهي تعاكس منطق الفطرة أوّلاً، والعقل السليم ثانياً، ومنطق العقلاء ثالثاً، ومنطق الشرائع عامة رابعاً، فليس لهذه الروايات أن تطيح على المحفوظ من كتاب اللّه وسنّة رسوله، أو تنافح ما اجتمع عليه عقول العالمين، ولو صحت هذه الروايات، لكانت الحياة عملاً مسرحياً، والدعوة الإلهية دعوة خادعة، والناس محكومون بما جف عليه القلم وليس لهم التخطّي عنه قدر أنملة.

هذه بعض الأُصول(2) التي تناقض الفطرة، وهي أكثر ممّا حررناه هنا، فليكن منها شعار الحنابلة وبعدهم الأشاعرة بأنّه:

يجوز التكليف بما لا يستطاع ولا يطاق.(3)

يجوز تعذيب أطفال المشركين يوم القيامة.(4)

يعذب الميت ببكاء أهله عليه.(5)

ليس للعقل الحكم بحسن شيء أو قبحه، و عليه : يصحّ له سبحانه إدخال المؤمن الجحيم، والعاصي الجنّة.

إنّ الإطاحة بحاكمية العقل في مجال التحسين والتقبيح إماتة للمنطق وإحياء للخرافات، وفي الوقت نفسه ردّ لصميم الدعوة المحمدية المبنية على التدبّر


1 . النجم:39ـ 41.
2 . قد تعرفت على مصادر هذه الأُصول في الفصل الخامس من هذا الجزء: ص 138 ـ 175.
3 . اللمع: 116.
4 . اللمع: 116.
5 . صحيح البخاري: كتاب الجنائز، الباب 5.


(343)

والتعقّل والاحتكام إلى العقل في مجال الطاعة والمعصية، يقول سبحانه: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالمُجْرِمِين* ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون) .(1)

و أُقسم بالّله صادقاً أنَّ الدعوة الإسلامية لا تكون ناجحة في أقطار الغرب والشرق إذا كانت هذه الأُصول هي اللحمة والسدى لها.

إنّ ملحمة الكنائس ومغادرة المثقفين من المسيحيّين عن دينهم هي العبرة لقادة الحنابلة ومن يقتفي أثرهم، ولم يكن للهوّة السحيقة بين أصحاب الكنائس والمثقفين سبب، سوى وجود الخرافات في تعاليم الكنائس، فلم تزل تدعو إلى التثليث أوّلاً، وإلى التجسيم ثانياً، وصلب المسيح لأجل إنقاذ البشرية ثالثاً، وبيع أوراق المغفرة رابعاً، ونوع خاص من الجبر وسلب الاختيار خامساً، هذا وذاك صار سبباً لانسحاب الشباب والعلماء عن ساحة الكنائس والبيع واختصاص الأماكن المقدّسة بالسذج من الناس الذين لا يعرفون من العلم والحياة سوى شيء طفيف.

هذه نصيحتي لقادة الحنابلة، وفي الأخير نضيف إليها كلمة وهي أنّ الحنابلة وأهل الحديث عمدوا إلى احتكار اسم «أهل السنّة» لأنفسهم ولا يصفون سائر الطوائف الإسلامية به، حتّى إنّ ابن تيمية محيي الدعوة السلفية في القرن الثامن لا يبيح تسمية الأشاعرة باسم أهل السنّة فضلاً عن المعتزلة والشيعة وغيرهم، ولكن في هذا الاحتكار بل في هذه التسمية نكتة لافتة:

إنّ توصيف طائفة من المسلمين باسم أهل السنّة من العناوين الطارئة الحديثة التي ظهرت في آخر القرن الأوّل أو في أوّليات القرن الثاني، فإنّك لا ترى أثراً من هذا الاسم ولا التوصيف به في زبر الأوّلين إلاّ في رسالة عمر بن عبد العزيز في القدر التي مرت بنصها في ما سبق(2)، وقد عرفت أنّ كتابة الحديث وتدوينه والتحدّث به وإفشاءه كان من الأُمور المنكرة، وهذا هو عمر بن الخطاب قال لأبي ذر و عبد اللّه بن مسعود وأبي الدرداء: ما هذا الحديث الذي تفشون عن محمّد؟(3)

وكان يقول أيضاً: جرّّدوا القرآن وأقلّوا الرواية عن


1 . القلم:35و 36.
2 . قد مرّت الرسالة في ص 292 من هذا الجزء.
3 . كنز العمّال: 10/293، الحديث 29479.


(344)

رسول اللّه وامضوا وأنا شريككم.(1)

وقد خلّف هذا المنع في نفوس المسلمين أثراً خاصاً فعاد التحدّث وكتابة الحديث وتدوينه أمراً منكراً لديهم وتركه أمراً مرغوباً فيه، حتّى إنّه بعد ما أصدر الخليفة عمر بن عبد العزيز الأمر الأكيد بضرورة تدوين الحديث، كانت رواسب الحظر تحول دون القيام بما أمر به الخليفة فلم يكتب شيء من أحاديث النبي إلاّ صحائف غير منظمة ولا مرتبة إلى أن جاء عصر أبي جعفر المنصور فقام المحدثون بتدوينه سنة مائة وثلاثة وأربعين.

فإذا كان التحدّث بسنّة الرسول أمراً منكراً في القرن الأوّل وأوّليات القرن الثاني، فكيف يحتمل أن يعرف أُناس ينكرون نقل الحديث وإفشاءه باسم «أهل السنّة» وعلى ذلك فلا نحتمل وجود هذه التسمية في تلك العصور، و إنّما حدثت تسمية أهل الحديث وتوصيفهم بأهل السنّة بعدما شاع التحدّث به وقام ثلة جليلة من المسلمين بجبر ما انكسر.

فعلى ضوء ذلك، لا يصحّ احتكار هذا اللقب وتسمية طائفة خاصة به، بل كلّ من يحترم حديث رسول اللّه وسنّته ويعمل بها فهو من أهل السنّة فالمسلمون سنّيهم وشيعيّهم، أشعريّهم ومعتزليّهم، من غير استثناء طائفة واحدة كلّهم أهل السنّة، أي مقتفون سنّة رسول اللّه وأثره من قوله وفعله وتقريره.

والشيعة أولى بهذا الوصف من غيرهم، فإنّهم لم يزالوا يحترمون سنّة رسول اللّه منذ حياته إلى يومنا هذا، فقد قام الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ بتدوين أحاديثه كما قامت ثلّة جليلة من خيار صحابة الإمام بتدوين الحديث إلى أن وصلت حلقات التأليف من عصر الإمام إلى عصر الأئمّة الاثني عشر وبعدهم إلى أعصارنا هذه، فدوّنوا سنّة رسول اللّه المروية عن طرق أهل البيت و أئمّتهم وما صحّ لديهم من طرق غيرهم. أفهل يصحّ بعد هذا احتكار الحنابلة لهذا اللقب وعدم السماح بإطلاقه على غيرهم والتقوّل بـ: نحن السنّيون؟!


1 . طبقات ابن سعد:6/7; والمستدرك:1/102.


(345)

موقف تاريخي لشيخ الأزهر من عقائد الحنابلة

إذا كبر على أعلام الحنابلة ما قدّمت إليهم من النصيحة الخالصة، فعليهم ـ على الأقل ـ الأخذ بما قاله الشيخ «سليم البشري» شيخ الجامع الأزهر الأسبق، فقد رفع إليه الشيخ «أحمد» شيخ معهد بلصفورة سؤالاً ما هذا حاصله:

ما قولكم دام فضلكم في رجل من أهل العلم هنا تظاهر باعتقاد جهة فوقية للّه سبحانه وتعالى، ويدّعي أنّ ذلك مذهب السلف وتبعه على ذلك البعض القليل من الناس، وجمهور أهل العلم ينكرون عليه، والسبب في تظاهره بهذا المعتقد ـ كما عرض علي هو بنفسه ذلك ـ عثوره على كتاب لبعض علماء الهند نقل فيه صاحبه كلاماً كثيراً عن ابن تيمية في إثبات الجهة للباري سبحانه، وليكن معلوماً أنّه يعتقد الفوقية الذاتية له جلّ ذكره، يعني أنّ ذاته فوق العرش بمعنى ما قابل التحت مع التنزيه، ويخطِّئ أبا البركات الدرديري، في قوله في خريدته:

منــزّه عـن الحلــول والجهــة * والاتصال والانفصال و السفة

يخطّئه في موضعين من البيت:

قوله: «والجهة» وقوله: «والانفصال»، و يخطِّئ الشيخ «اللقاني» في قوله:

ويستحيل ضد ذي الصفات * في حقّه كالكـون في الجهـات

وبالجملة فهو مخطِّئ لكلّ من يقول بنفي الجهة مهما كان قدره ـ إلى أن قال ـ : إنّ قول فضيلتكم لا سيما في مثل هذا الأمر هو الفصل.

فوافاه الجواب بالنحو التالي:

إلى حضرت الفاضل العلاّمة الشيخ أحمد علي بدر خادم العلم الشريف ببلصفورة:

قد أرسلتم بتاريخ 22محرم سنة 1325 هـ مكتوباً مصحوباً بسؤال عن حكم من يعتقد ثبوت الجهة له تعالى، فحررنا لكم الجواب الآتي وفيه الكفاية


(346)

لمن اتّبع الحقّ وأنصف، جزاكم اللّه عن المسلمين خيراً:

اعلم أيّدك اللّه بتوفيقه وسلك بنا وبك سواء طريقه، أنّ مذهب الفرقة الناجية وما عليه أجمع السنّيون: أنّ اللّه تعالى منزّه عن مشابهة الحوادث، مخالف لها في جميع سمات الحدوث، ومن ذلك تنزّهه عن الجهة والمكان، كما دلّت على ذلك البراهين القطعية، فإنّ كونه في جهة يستلزم قدم الجهة أو المكان وهما من العالم، وهو ما سوى اللّه تعالى، و قد قام البرهان القاطع على حدوث كلّ ما سوى اللّه تعالى بإجماع من أثبت الجهة و من نفاها، ولأنّ المتمكن يستحيل وجود ذاته بدون المكان مع أنّ المكان يمكن وجوده بدون المتمكن لجواز الخلاء، فيلزم إمكان الواجب ووجوب الممكن وكلاهما باطل، ولأنّه لو تحيز لكان جوهراً لاستحالة كونه عرضاً، ولو كان جوهراً فإمّا أن ينقسم وإمّا أن لا ينقسم، وكلاهما باطل، فإنّ غير المنقسم هو الجزء الذي لا يتجزأ وهو أحقر الأشياء، تعالى اللّه عن ذلك علواً كبيراً. والمنقسم جسم وهو مركّب والتركيب ينافي الوجوب الذاتي، فيكون المركّب ممكناً يحتاج إلى علّة مؤثرة، وقد ثبت بالبرهان أنّه تعالى واجب الوجود لذاته، غني عن كلّ ما سواه، مفتقر إليه كلّ ما عداه، سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير....

هذا وقد خذل اللّه أقواماً أغواهم الشيطان وأزلّهم، اتّبعوا أهواءهم وتمسّكوا بما لا يجدي فاعتقدوا ثبوت الجهة، تعالى اللّه عن ذلك علوّاً كبيراً، واتّفقوا على أنّها جهة فوق، إلاّ أنّهم افترقوا، فمنهم من اعتقد أنّه جسم مماس للسطح الأعلى من العرش، وبه قال الكرامية واليهود، وهؤلاء لا نزاع في كفرهم; ومنهم من أثبت الجهة مع التنزيه، وأنّ كونه فيها ليس ككون الأجسام، وهؤلاء ضلاّل فسّاق في عقيدتهم، وإطلاقهم على اللّه ما لم يأذن به الشارع، ولا مرية أنّ فاسق العقيدة أقبح وأشنع من فاسق الجارحة بكثير سيما من كان داعية أو مقتدى به.

وممّن نسب إليه القول بالجهة من المتأخرين، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي من علماء القرن الثامن، في ضمن أُمور نسبت إليه خالف الإجماع فيها عملاً برأيه، وشنّع عليه معاصروه، بل


(347)

البعض منهم كفروه، ولقي من الذل والهوان ما لقي، وقد انتدب بعض تلامذته للذب عنه وتبرئته ممّا نسب إليه وساق له عبارات أوضح معناها، وأبان غلط الناس في فهم مراده، واستشهد بعبارات له أُخرى صريحة في دفع التهمة عنه، وأنّه لم يخرج عمّا عليه الإجماع، وذلك هو المظنون بالرجل لجلال قدره ورسوخ قدمه.

وما تمسك به المخالفون القائلون بالجهة أُمور واهية وهمية، لا تصلح أدلّة عقلية ولا نقلية، قد أبطلها العلماء بما لا مزيد عليه، وما تمسكوا به ظواهر آيات وأحاديث موهمة كقوله تعالى: (الرّحمنُ عَلى الْعَرشِ اسْتَوى)(1) وقوله: (إِليهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَيِّب) (2) وقوله: (تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ )إليهِ(3)وقوله:(أأمِنتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أن يَخْسَِفَ بِكُمُ الأرض)(4) وقوله: (وَهُوَ القاهِرُ فوقَ عِبادِهِ)(5) وكحديث إنّه تعالى ينزل إلى سماء الدنيا كلّ ليلة، وفي رواية: في كلّ ليلة جمعة، فيقول هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ وكقوله للجارية الخرساء: أين اللّه؟ فأشارت إلى السماء، حيث سأل بأين التي للمكان ولم ينكر عليها الإشارة إلى السماء، بل قال إنّها مؤمنة.

ومثل هذه يجاب عنها بأنّها ظواهر ظنية لا تعارض الأدلّة القطعية اليقينيّة الدالّة على انتفاء المكان والجهة، فيجب تأويلها وحملها على محامل صحيحة لا تأباها الدلائل والنصوص الشرعية، إمّا تأويلاً إجمالياً بلا تعيين للمراد منها كما هو مذهب السلف، وإمّا تأويلاً تفصيلياً بتعيين محاملها وما يراد منها كما هو رأي الخلف، كقولهم: «إنّ الاستواء بمعنى الاستيلاء» كما في قول القائل:

قد استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهـراق

وصعود الكلم الطيب إليه قبوله إياه ورضاه به، لأنّ الكلم عرض يستحيل صعوده وقوله: «من في السماء» أي أمره وسلطانه أو ملك من ملائكته موكل بالعذاب، وعروج الملائكة والروح إليه صعودهم إلى مكان يتقرب إليه فيه. وقوله:(فوق عباده) أي بالقدرة والغلبة، فإنّ كلّ من قهر غيره وغلبه فهو فوقه أي عال عليه بالقهر والغلبة، كما يقال: أمر فلان فوق أمر فلان، أي إنّه أقدر منه وأغلب. ونزوله إلى السماء محمول على لطفه ورحمته


1 . طه:5.
2 . فاطر: 10.
3 . المعارج : 4.
4 . الملك: 16.
5 . الأنعام: 18.


(348)

وعدم المعاملة بما يستدعيه علو رتبته وعظم شأنه على سبيل التمثيل، وخصّ الليل لأنّه مظنّة الخلوة والخضوع وحضور القلب. وسؤاله للجارية «بأين» استكشاف لما يظن بها اعتقاده من أينية المعبود كما يعتقده الوثنيون، فلمّا أشارت إلى السماء، فهم أنّها أرادت خالق السماء فاستبان أنّها ليس وثنية، وحكم بإيمانها.

وقد بسط العلماء في مطوّلاتهم تأويل كلّ ما ورد من أمثال ذلك، عملاً بالقطعي وحملاً للظنّي عليه، فجزاهم اللّه عن الدين وأهله خير الجزاء.

ومن العجيب أن يدع مسلم قول جماعة المسلمين وأئمّتهم ويتمشدق بترّهات المبتدعين وضلالتهم. أما سمع قول اللّه تعالى (و)[من)] يَتَّبِع غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّه ما تَوَلّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيراً)(1) فليتب إلى اللّه تعالى من تلطخ بشيء من هذه القاذورات ولا يتبع خطوات الشيطان فإنّه يأمر بالفحشاء والمنكر، ولا يحملنه العناد على التمادي والإصرار عليه، فإنّ الرجوع إلى الصواب عين الصواب والتمادي على الباطل يفضي إلى أشدّ العذاب(مَنْ يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِل فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرشِداً) .(2)

نسأل اللّه تعالى أن يهدينا جميعاً سواء السبيل وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلّى اللّه تعالى وسلم على سيّدنا محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أملاه الفقير إليه سبحانه «سليم البشري» خادم العلم والسادة المالكية بالأزهر عفا عنه آمين آمين.(3)

هذه هي قصة أهل الحديث والدعوة السلفية بأدوارها المختلفة.


1 . النساء: 115.
2 . الكهف: 17.
3 . الفرقان للعلاّمة القضاعي المصري: 72ـ 76، و قد طبع مع كتاب «الأسماء والصفات» للبيهقي، وتوفي المجيب عام 1335هـ وهو الذي قد جرت بينه و بين السيد شرف الدين مكاتبات طبعت باسم «المراجعات».


(349)

(قُلْ هذِهِ سَبِيلي أَدْعُوا إِلَى اللّهِ عَلى بَصيرة أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكين). (1)

بلـغ الكلام إلى هنا في اليـوم الثالث

مـن شعبان المعظّم ميلاد الإمام

الطاهر سيد الشهداء ـ عليه السَّلام ـ

من شهور عام 1408هـ .ق

قم المشرّفة


1 . يوسف: 108.

Website Security Test