welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : بحوث في الملل والنحل/ ج1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

بحوث في الملل والنحل/ ج1

(293)

4

هل الإيمان بخلافة الخلفاء من صميم الدين؟

إذا كان الخلاف في الإمامة أعظم خلاف بين الأُمّة حسب نظر الشهرستاني إذ قال: «ما سلّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سلّ على الإمامة في كلّ زمان».

فيجب على دعاة الوحدة الذين يبذلون سعيهم لتوحيد الصفوف معالجة هذه المسألة من وجهة علمية وفي جو هادئ. فإن حل هذه المسألة ونظائرها يوجب تقارب الخطى، بل يوحّد الصفوف. فإنّ الوحدة بشكلها السلبي الذي يدعو إلى تناسي الماضي، والتغافل عنه من أساسه، وإسدال الستار على كلّ ما فيه من مفارقات، على ما يتبنّاه بعض دعاتها، لا تؤثر ولا تحقّق أُمنيّتهم، وإنّما تحقّق تلك الأمنية لو أثبتت بصورة علمية أنّ جملة كبيرة من صور الخلاف لا تستند على أساس، وإنّما هي وليدة دعايات خلقتها بعض الظروف وغذّاها قسم من السلطات في عهود خاصة، ولأجل ذلك نطرح هذه المسألة على طاولة البحث حتى تتقارب الأفكار المتباعدة فإنّ الصراع العلمي والجدال بالحقّ، مهما كان بصورة علمية، يكون من أفضل عوامل التقريب ورفع التباعد، فنقول:

من راجع الكتب الكلامية لأصحاب الحديث، وبعدهم الأشاعرة وجد أنّهم يعدّون الإيمان بخلافة الخلفاء الأربع وحتى تفاضلهم حسب زمن إمامتهم من صميم الإيمان، ولابدّ أن نأتي ببعض النصوص للقدامى منهم:


(294)

1. قال إمام الحنابلة (المتوفّى عام 241هـ) في كتاب السنّة: خير هذه الأُمّة بعد نبيّنا ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أبو بكر، وخيرهم بعد أبي بكر، عمر; وخيرهم بعد عمر، عثمان; وخيرهم بعد عثمان، علي، رضوان اللّه عليهم خلفاء راشدون مهديّون.(1)

2. وقال أبو جعفر الطحاوي الحنفي في العقيدة الطحاوية المسمّاة بـ«بيان السنة والجماعة»: ونثبت الخلافة بعد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لأبي بكر الصديق تفضيلاً وتقديماً على جميع الأُمّة ثمّ لعمر بن الخطاب ثمّ لعثمان بن عفان ثمّ لعلي بن أبي طالبـ عليه السَّلام ـ .(2)

3. وقال أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري(المتوفّى عام 324هـ) عند بيان عقيدة أهل الحديث وأهل السنّة: ويقرّون بأنّهم الخلفاء الراشدون المهديون أفضل الناس كلّهم بعد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .(3)

وقال أيضاً بعد ما استعرض خلافة الأئمّة الأربعة قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :«الخلافة في أُمّتي ثلاثون سنة، ثمّ ملك بعد ذلك».(4)

4. وقال عبد القاهر البغدادي في بيان الأُصول التي اجتمع عليها أهل السنّة: وقالوا بإمامة أبي بكر الصديق بعد النبي خلاف من أثبتها لعلي وحده من


1 . كتاب «السنّة» المطبوع ضمن رسائل بإشراف حامد محمد الفقي، وهذا الكتاب ألّفه لبيان مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السنّة ووصف من خالف شيئاً من هذه المذاهب أو طغى فيها، أو عاب قائلها بأنّه مخالف مبتدع وخارج عن الجماعة، زائل عن منهج السنّة وسبيل الحقّ.
2 . «شرح العقيدة الطحاوية» للشيخ عبد الغني الميداني الحنفي الدمشقي: 471ـ 478.و قد توفّي الطحاوي عام 321هـ.
3 . مقالات الإسلاميين: 323.
4 . «الإبانة عن أُصول الديانة» الباب السادس عشر: ص 190 وما ذكره من الحديث رواه أحمد في مسنده: 5/220 ولاحظ العقائد النسفية: 177، ولمع الأدلة للإمام الأشعري: 114.


(295)

الرافضة، وخلاف قول الراوندية الذين أثبتوا إمامة العباس وحده.(1)

أقول: هذه هي عقيدة هؤلاء الأعلام وغيرهم ممّن كتب في موضوع الإمامة عن أهل السنّة، ولرفع الستار عن وجه الحقيقة، نبحث في نواح خاصة لها صلة وثيقة بالموضوع وهذه النواحي عبارة عن:

1. هل الإمامة والخلافة من أُصول الدين أو من فروعه؟

2. هل هناك نصّ في القرآن أو السنّة في مسألة الإمامة أو لا؟

3. مبدأ ظهور هذه العقيدة؟

4. هل هناك نصّ على أفضلية بعضهم على بعض وفق تسلسل زمانهم؟

فإذا تبيّن الحال في هذه المواضع يتبيّن الحال في المسألة التي بيّناها آنفاً.

أ. هل الإمامة من الأُصول أو من الفروع؟

الشيعة الإمامية على بكرة أبيهم اتّفقوا على كون الإمامة أصلاً من أُصول الدين، و قد برهنوا على ذلك في كتبهم،ولأجل ذلك يعد الاعتقاد بإمامة الأئمّة من لوازم الإيمان الصحيح عندهم، وأمّا أهل السنّة فقد صرّحوا في كتبهم الكلامية أنّها ليست من الأُصول، وإليك بعض نصوصهم:

1. قال الغزالي (المتوفّى عام 505هـ): اعلم أنّ النظر في الإمامة أيضاً ليس من المهمات، وليس أيضاً من فن المعقولات بل من الفقهيات، ثمّ إنّها مثار للتعصّبات، والمعرض عن الخوض فيها أسلم من الخائض فيها، وإن أصاب فكيف إذا أخطأ؟! ولكن إذ جرى الرسم باختتام المعتقدات بها، أردنا أن نسلك المنهج المعتاد، فإنّ فطام القلوب عن المنهج المخالف للمألوف، شديد النفار. ولكنّا نوجز القول فيه.(2)


1 . الفرق بين الفرق: 350.
2 . الاقتصاد في الاعتقاد: 234،وفي العبارة صعوبة والظاهر زيادة كلمة «المخالف» وصحيحها «المنهج المألوف».


(296)

2. قال الآمدي (551 ـ 631هـ): واعلم أنّ الكلام في الإمامة ليس من أُصول الديانات ولا من الأُمور اللابديات بحيث لا يسع المكلّف الإعراض عنها، والجهل بها بل لعمري، إنّ المعرض عنها لأرجى حالاً من الواغل فيها، فإنّها قلّما تنفك عن التعصب والأهواء وإثارة الفتن والشحناء، والرجم بالغيب في حقّ الأئمّة والسلف بالإزراء، وهذا مع كون الخائض فيها سالكاً سبيل التحقيق، فكيف إذا كان خارجاً عن سواء الطريق. لكن لما جرت العادة بذكرها في أواخر كتب المتكلّمين والإبانة عن تحقيقها في عامة مصنّفات الأُصوليّين لم نر من الصواب خرق العادة بترك ذكرها في هذا الكتاب.(1)

3. قال السيّد الشريف (المتوفّى 816هـ) في شرح المواقف: المرصد الرابع في الإمامة ومباحثها وليست من أُصول الديانات والعقائد خلافاً للشيعة بل هي عندنا من الفروع المتعلّقة بأفعال المكلّفين إذ نصب الإمامة عندنا واجب على الأُمّة سمعاً، وإنّما ذكرناها في علم الكلام تأسّياً بمن قبلنا، إذ قد جرت العادة من المتكلّمين بذكرها في أواخر كتبهم.(2)

4. قال الرازي: اتّفقت الأُمّة، إلاّ شذاذاً منهم، على وجوب الإمامة والقائلون بوجوبها، منهم من أوجبها عقلاً، ومنهم من أوجبها سمعاً، أمّا الموجبون عقلاً، فمنهم من أوجبها على اللّه تعالى، ومنهم من أوجبها على الخلق.(3)

وعلى كلّ تقدير فقد اعتبر أهل السنّة هذا الوجوب حكماً شرعياً فرعياً كسائر الأحكام الفرعية الواردة في الكتاب والسنّة والكتب الفقهية، وإذا تبيّن هذا المطلب فلنبحث عن الموضوع الثاني.

ب. هل هناك نصّ على الإمامة أم لا؟

اتّفقت الشيعة الإمامية على أنّ المذاهب الحقّ في باب الإمامة هو القول


1 . غاية المرام في علم الكلام: 363 .
2 . شرح المواقف:8/344.
3 . المحصل للرازي: 406، ط ايران.


(297)

بالتنصيص وأنّ النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نصّ في أيام حياته على الخليفة من بعده، وذلك في موارد ضبطها التاريخ أشهرها قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في يوم الغدير، أي الثامن عشر من ذي الحجة الحرام في عام حجّة الوداع في منصرفه من مكة عند بلوغه غدير خم رافعاً يد علي ـ عليه السَّلام ـ في محتشد كبير، وهو يقول: «ألست أولى بكم من أنفسكم»؟ قال الناس: نعم، فقال: «من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه». وقد قامت ثلّة كبيرة من علماء الفريقين بضبط طرق هذا الحديث وأسناده، فأّلفوا في ذلك مختصرات ومفصّلات، أجمعها وأعمّها كتاب الغدير لآية اللّه الحجّة الأميني ـ رضوان اللّه عليه ـ.

هذا ما عند الشيعة، وأمّا عند السنّة، فالرأي السائد هو عدم التنصيص على أحد والزعم بأنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مات ولم يستخلف.

فهذا هو إمام الحرمين يقول: وما نص النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ على إمامة أحد بعده وتوليته، إذ لو نص على ذلك لظهر وانتشر كما اشتهرت تولية رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وسائر ولاته، وكما اشتهر كلّ أمر خطير.(1)

وقال الأشعري: وممّا يبطل قول من قال بالنصّ على أبي بكر:

أنّ أبا بكر قال لعمر:«ابسط يدك أُبايعك» يوم السقيفة، فلو كان رسولاللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نصّ على إمامته لم يجز أن يقول أبسط يدك أُبايعك».(2)

وقد عقد ابن كثير الحنبلي في كتابه «البداية والنهاية» باباً مستقلاً في أنّ رسول اللّه لم يستخلف وتبعه السيوطي في «تاريخ الخلفاء».(3)

والمسألةـ أي عدم وجود النصّ على المتقمّصين بالخلافة بعد النبي ـ من


1 . لمع الأدلة: 114.
2 . اللمع: 136.
3 . لاحظ البداية:5/250; تاريخ الخلفاء: 7، ط مصر.


(298)

الوضوح بمكان بحيث لا تحتاج إلى إقامة الدليل عليها، كيف و هذه قصة السقيفة لم نر أحداً فيها من الذين رشّحوا أنفسهم للخلافة، كسعد بن عبادة من الأنصار، وأبي بكر من المهاجرين، استدلّ على صحّة خلافته بنصّ النبي عليه.

فهذا هو سعد بن عبادة يقول بعد أن حمد اللّه وأثنى عليه: يا معشر الأنصار لكم سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب، إنّ محمّداً لبث بضع عشرة سنة في قومه يدعوهم إلى عبادة الرحمن وخلع الأنداد والأوثان، فما آمن به من قومه إلاّ رجال قليل... إلى أن قال: حتّى إذا أراد بكم الفضيلة ساق إليكم الكرامة، وخصّكم بالنعمة، فرزقكم اللّه الإيمان به وبرسوله، والمنع له ولأصحابه والإعزاز له ولدينه، والجهاد لأعدائه... إلى أن قال: وتوفّاه اللّه وهو عنكم راض وبكم قرير عين، استبدّوا بهذا الأمر دون الناس.

هذا منطق مرشّح الأنصار لا ترى فيه تلميحاً إلى وجود النصّ عليه وليس يقصر عنه منطق أبي بكر في هذا الموقف حين قال: فهم ـ أي المهاجرين ـ أوّل من عبد اللّه في الأرض، و آمن باللّه وبالرسول، وهم أولياؤه وعشيرته، وأحقّ الناس بهذا الأمر من بعده، ولا ينازعهم في ذلك إلاّ ظالم... إلى أن قال: من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته ونحن أولياؤه وعشيرته إلاّمدل بباطل أو متجانف لإثم، أو متورط في هلكة.(1)

فهذان المنطقان من سعد بن عبادة وأبي بكر يعربان عن عدم وجود النصّ على واحد منهما، وأمّاالخليفتان الآخران فحدث عنهما ولا حرج، فقد رقى عمر بن الخطاب منصّة الخلافة بأمر من أبي بكر عندما دعا عثمان بن عفان في حال مرضه فقال له: اكتب: بسم اللّه الرّحمن الرحيم... هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين: أمّا بعد، ثمّ أُغمي عليه، فكتب عثمان: قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ولم يكن خيراً منه، ثمّ أفاق وقال: اقرأ عليَّ، فقرأ عليه


1 . تاريخ الطبري:2/456، حوادث السنّة 11.


(299)

فكبّر أبو بكر... إلى أن قال لعثمان: جزاك اللّه خيراً عن الإسلام وأهله، وأمّره أبو بكر من هذا الموضع.(1)

وأمّا عثمان فقد انتخب عن طريق الشورى التي عيّن أعضاءها عمر بن الخطاب عندما طعنه أبو لؤلؤة ـ غلام المغيرة بن شعبة ـ و كان أعضاء الشورى ستة أشخاص وهم: علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبد اللّه، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام.(2)

وقد ذكر التاريخ كيفية استلام عثمان للخلافة، فهذا هو التاريخ المسلّم به، يعرب بوضوح عن عدم وجود نصّ على واحد من الخلفاء الثلاث جميعاً، وإلاّ لم يحتج إلى تعيين أوّل الخلفاء لثانيهم وإلى تعيين الشورى وانتخاب الخليفة عن طريقها.

وقد قام المحدّثون القدامى منهم والمتأخّرون، بجمع ما ورد من الأحاديث حول الخلافة والإمارة، منهم الإمام أبو السعادات الجزري في كتابه «جامع الأُصول من أحاديث الرسول» فقد جمعها في الجزء الرابع من هذا الكتاب، ومنهم العلاّمة علاء الدين علي المتقي الهندي(المتوفّى 975هـ) فقد جمعها في كتابه «كنز العمال» الجزء الخامس، ولا يوجد فيه نصّ صريح على واحد من الخلفاء الثلاث.

نعم في المقام روايات تشير إلى أنّ الخلافة من حقّ قريش، و هي أحاديث مشهورة موجودة في الكتاب الآنف ذكره.

إذا وقفت على هذين الأمرين، تقف على أنّ ما ادّعيناه من عدم كون الاعتقاد بخلافة الخلفاء من صميم الدين نتيجة ذينك الأمرين، وذلك لأنّه إذا كان أصل الإمامة والخلافة من الفروع لا من الأُصول، من جانب، وثبت حسب نصوص القوم أنّ النبي لم ينص على خلافة واحد منهم من جانب آخر، غاية ما في الباب أنّ الأُمّة في صدر الإسلام قاموا بواجبهم الشرعي أو العقلي حيث كان


1 . الإمامة والسياسة: 18 وص 25، ط مصر; الشرح الحديدي:1/165.
2 . تاريخ الطبري:3/293.


(300)

نصب الإمام واجباً بأحد الوجهين، فإنّ أقصى ما يمكن أن يقال: إنّ خلافة هؤلاء كانت أمراً صحيحاً غير مخالف للأُصول والقواعد، ولكن يجب أن يعلم أنّه ليس كلّ قضية صحيحة جزءاً من الدين; وعلى فرض كونها من الدين، فليس كلّ ما هو من الدين يجب أن يعد من العقائد; وعلى فرض كونها من العقائد، فليس كلّ ما هو يعد من العقائد مائزاً بين الإيمان والكفر أو بين السنّة والبدعة. وهذه مراحل ثلاث يجب أن يركز عليها النظر فنقول:

إنّ غاية جهد الباحث حسب أُصول أهل السنّة هي إثبات كون خلافتهم أمراً صحيحاً، لأنّ نصب الإمام واجب على الأُمّة عقلاً أو شرعاً، فلأجل ذلك قاموا بواجبهم فنصبوا هذا وذاك للإمامة، ونتيجة ذلك أنّ عملهم كان أمراً مشروعاً ولكن ليس كلّ أمر مشروع يعد جزءاً من الدين.

فلو قام القاضي بفصل الخصومة بين المترافعين في ضوء الكتاب والسنّة فحكم بأنّ هذا المال لزيد دون عمرو وكان قضاؤه صحيحاً لا يعد خصوص هذا القضاء (لا أصل القضاء بالصورة الكلية) من الدين، إذ ليس كلّ أمر صحيح جزءاً من الدين، ولا يصحّ أن يقال إنّه يجب أن نعتقد أنّ هذا المال لزيد دون عمرو، ولو تنزّلنا عن ذلك وقلنا إنّه من الدين، ولكن ليس كلّ ما هو من الدين يعد من العقائد فكون الماء طاهراً ومطهّراً حكم شرعي، ولكن ليس من العقائد، فأيّ فرق بينه و بين خلافة الخلفاء مع اشتراك الجميع في كونه حكماً فرعياً لا أصلاً من الأُصول.

ولو تنزّلنا مرّة ثانية وقلنا إنّه من العقائد، ولكن ليس كلّ ما يجب الاعتقاد به مائزاً بين الإيمان والكفر، أو بين السنّة والبدعة، إذ للمسائل العقائدية درجات ومراتب، فالشهادة بتوحيده سبحانه ونبوة نبيّه وإحياء الناس يوم الدين، تعد مائزاً بين الكفر والإيمان، وليس كذلك الاعتقاد بعذاب القبر، أو سؤال منكر ونكير، أو كون مرتكب الكبيرة مؤمناً.

و على هذا الأساس يجب على إخواننا أهل السنّة تجديد النظر في هذا الأصل الذي ذهبوا إليه، وهو جعلهم الاعتقاد بخلافة الخلفاء المشار إليهم، آية السنّة، ومخالفته آية البدعة.


(301)

ولو توفّي الرجل عن أولاد صغار بلا وصي ولا تعيين قيّم لصغاره فعلى الحاكم الإسلامي تعيين القيّم عليهم لئلاّ تضيع أموالهم، وعندئذ يسأل فهل الاعتقاد بالأصل الكلي من صميم الدين؟ وأنّه يجب على المسلم أن يعتقد بأنّ من مات عن أولاد صغار يجب على الحاكم نصب من يلي أُمورهم؟ وعلى فرض كونه بصورته الكلية من صميمه، فهل الاعتقاد بأنّ زيداً ولي الصغار عند نصب الحاكم له، من صميم الدين، أو أنّ المطلوب في الفروع هو العمل عند الابتلاء. وأمّا الاعتقاد التفصيلي بالكبريات والصغريات فغير لازم؟

ج. مبدأ ظهور هذه العقيدة

لم يكن في عصور الخلفاء الثلاث أي أثر من هذه العقيدة ولم يكن يخطر ببال أحد من المهاجرين والأنصار أنّه يجب الاعتقاد بخلافة هذا أو ذاك أو ذلك، وأنّ من لم يكن معتقداً بخلافتهم يخرج عن صفوف المؤمنين ويلتحق بالمبدعين. وإنّما أوجدت تلك الفكرة يد السياسة بهدف الإزراء بعلي ـ عليه السَّلام ـ ، وتصحيح خروج معاوية عليه لأخذ ثأر الخليفة، ولعلّ عمرو بن العاص هو أوّل من بذر تلك الفكرة.

ويدلّ على ذلك ما ذكره المسعودي في كتابه: قال: اجتمع عمرو بن العاص مع أبي موسى الأشعري في دومة الجندل، فجرى بينهما مناظرات و قد أحضر «عمرو» غلامه لكتابة ما يتفقان عليه، فقال عمرو بن العاص ـ بعد الشهادة بتوحيده سبحانه نبوة نبيّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : ونشهد أنّ أبا بكر خليفة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عمل بكتاب اللّه وسنّة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حتّى قبضه اللّه إليه، وقد أدّى الحقّ الذي عليه.

قال أبو موسى: اكتب ثمّ قال في عمر مثل ذلك، فقال أبو موسى: اكتب، ثمّ قال عمرو: واكتب: وأنّ عثمان ولي هذا الأمر بعد عمر على إجماع من المسلمين وشورى من أصحاب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ورضاً منهم، وأنّه كان مؤمناً.

فقال أبو موسى الأشعري: ليس هذا ممّا قعدنا له.

قال عمرو: واللّه لابدّمن أن يكون مؤمناً أو كافراً.

فقال أبو موسى: كان مؤمناً.


(302)

قال عمرو: فمره يكتب .

قال أبو موسى: اكتب.

قال عمرو: فظالماً قتل عثمان أو مظلوماً؟

قال أبو موسى: بل قتل مظلوماً.

قال عمرو: أو ليس قد جعل اللّه لولي المظلوم سلطاناً يطلب بدمه؟

قال أبو موسى: نعم.

قال عمرو: فهل تعلم لعثمان ولياً أولى من معاوية؟

قال أبو موسى: لا.

قال عمرو: أفليس لمعاوية أن يطلب قاتله حيثما كان حتى يقتله أو يعجز عنه؟

قال أبو موسى: بلى.

قال عمرو للكاتب: اكتب، وأمره أبو موسى فكتب.

قال عمرو: فإنّا نقيم البيّنة على أنّ عليّاً قتل عثمان....(1)

وهذا النصّ من حجّة التاريخ وغيره يعرب عن أنّ الاعتقاد بخلافة الخلفاء إنّما برز للوجود في جو مشحون بالعداء والبغضاء والمنافسة والمغالبة، حتى جعل ذلك الداهية الماكر، الاعتقاد بخلافة الشيخين وسيلة لانتزاع الإقرار بخلافة الثالث من الخلفاء، ولم يكن الانتزاع مقصوداً بالذات، بل كان أخذه ذريعة لانتزاع الاعترافات الأُخرى من أنّه قتل مظلوماً وأنّه ليس له ولي يطلب بدمه أولى من معاوية وأنّ عليّاً هو القاتل... إلى آخره.

ثمّ إنّ الأجواء السياسية المخالفة لأمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ أخذت تروّج تلك العقيدة من أجل الإطاحة به ـ عليه السَّلام ـ وإثبات صحّة قيام معاوية وصحّة أعماله وقيامه ونصبه فصار ذلك المستمسك السياسي بمرور الزمان، عقيدة دينية، سقته الأوضاع السياسية الأموية والعباسية، إلى أن ذكرت في الكتب والمؤلفات وعدّت من صميم الدين.

وقد استفحلت أهمية الإيمان بخلافة الخلفاء ولا سيما الثالث منهم في عهد معاوية عندما كتب إلى عماله بعد عام الجماعة: أن برئت الذمة ممّن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته.

فقامت الخطباء في كلّ كورة وعلى كلّ منبر يلعنون علياً و يبرأون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته، وكان أشدّ الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة لكثرة من فيها من شيعة علي ـ عليه السَّلام ـ ، فاستعمل معاوية عليهم زياد بن سمية وضم إليها البصرة، فكان يتتبع الشيعة وهو بهم


1 . مروج الذهب:2/396ـ 397.


(303)

عارف، لأنّه كان منهم أيّام علي ـ عليه السَّلام ـ فقتلهم تحت كلّ حجر ومدر، وأخافهم وقطع الأيدي والأرجل، وسمل العيون، وصلبهم على جذوع النخل، وطردهم وشردهم عن العراق، فلم يبق بها معروف منهم.

وكتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق ألاّ يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة، وكتب إليهم: أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبّيه وأهل ولايته والذين يروون فضائله و مناقبه، فأدنوا مجالسهم وقرّبوهم وأكرموهم، واكتبوا إلي بكلّ ما يروي كلّ رجل منهم، واسمه واسم أبيه وعشيرته، ففعلوا ذلك، حتّى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطائع ويفيضه في العرب منهم و الموالي، فكثر ذلك في كلّ مصر، وتنافسوا في المنازل والدنيا، فليس يجيء أحد مردود من الناس عاملاً من عمال معاوية فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلاّكتب اسمه وقربه وشفعه، فلبثوا بذلك حيناً.

ثمّ كتب إلى عماله أنّ الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كلّ مصر وفي كلّ وجه وناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأوّلين، ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلاّوتأتوني بمناقض له في الصحابة، فإنّ هذا أحب إليّ وأقرّ لعيني، وأدحض لحجّة أبي تراب وشيعته، وأشدّ إليهم من مناقب عثمان وفضله.

فقرئت كتبه على الناس، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها، وجدّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتّى أشادوا بذكر ذلك على المنابر، و أُلقي إلى معلّمي الكتاتيب فعلّموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتّى رووه وتعلّموه كما يتعلّمون القرآن، وحتى علّموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم، فلبثوا بذلك ما شاء اللّه.(1)

كلّ ذلك يثبت أنّ الإيمان بخلافتهم ولا سيما الثالث منهم، كان وليد


1 . الشرح الحديدي:11/44ـ 45 نقله عن كتاب الأحداث لأبي الحسن علي بن محمد بن أبي سيف المدائني.


(304)

سياسات غاشمة انطلقت من البيت الأموي وأشياعه ضد البيت العلوي وأتباعه. وبذلك يسهل تصديق ما ذكره الكاتب الكبير محمود أبو رية في كتابه القيم «أضواء على السنة المحمدية»: إنّ الأهواء الشخصية والأغراض المذهبية كان لها أثر بعيد في وضع الحديث على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لكي يؤيد كلّ فريق رأيه، ويحقّق م آربه بحقّ وبغير حقّ وبصدق وبغير صدق.(1)

وفي الختام للقارئ الكريم أن يسأل : مَن جعل الاعتقاد بخلافة الخلفاء الأربع من صميم الدين دون سواهم؟! وأن يسأل عن وجه التفاضل والتمييز بينهم و بين سائر الخلفاء الذين تسلّموا دفة الخلافة عن طريق الوراثة، أو تنصيص سابق منهم على اللاحق، أو ببيعة عدّة من الشاميين وغيرهم.

وهذا عمر بن عبد العزيز قد تسلّم دفّة الحكم بأحد هذه الطرق مع أنّهم لا يجعلون الإيمان بخلافته من صميم الإيمان، مع أنّه من قريش وقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :« لا يزال هذا الأمر في قريش، ما بقي منهم اثنان».

وقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «قريش ولاة الناس في الخير والشر إلى يوم القيامة».(2)

اللّهمّ إلاّأن يعتذروا عن هذا التخصيص بأنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «الخلافة في أُمّتي ثلاثون سنة، ثمّ ملك بعد ذلك».(3)

لكن في سنده سعيد بن جمهان، قال أبو حاتم الرازي: شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به.(4)

ثمّ إنّ هنا نكتتين نبّه عليهما العلاّمة الروحاني في كتابه «بحوث مع أهل السنّة والسلفية»: (ص 24ـ 25) نأتي بهما معاً:


1 . أضواء على السنّة المحمدية.
2 . جامع الأُصول:4/437ـ 438.
3 . المصدر السابق.
4 . الجرح والتعديل:4/10.


(305)

1. الحقّ الذي يراه المتتبع في التاريخ هو أنّ عقيدة خلافة الخلفاء الثلاث وقداستهم البالغة، قد أُقحمت في عقائد أهل السنّة إقحاماً، وإنّما كان ذلك رد فعل ومحاكاة لعقيدة الشيعة في علي ـ عليه السَّلام ـ وأولاده الطاهرين، ولذا صيغت هذه العقيدة أوّلاً عند أهل السنّة في قالب الرد والمعارضة لعقيدة الشيعة فقط، ثمّ ألحقوا عليّاً ـ عليه السَّلام ـ بهم في عصر متأخر.

وبتفصيل أكثر نقول: إن جعل خلافة الشيخين من العقائد، لم يكن في القرن الأوّل. وغاية ما كان يقال فيهما هو أنّ خلافتهما كانت صحيحة.

هذا فضلاً عن عقيدتهم في خلافة عثمان وعلي، بل إنّ عثمان لم يكن بذلك المرضي عند الناس.

ثمّ إنّ المرجئة كانت تشك في عدالة عثمان وعلي، بل في إيمانهما.(1) ونحلة الإرجاء كانت شائعة في عامة الناس آنذاك قبل غلبة أهل الحديث، بل لقد كان لهم القدح المعلّى حتى بعد وجود أهل الحديث والسنّة في كثير من البلاد. حتى قال الأمير نشوان الحميري: وليس كورة من كور الإسلام إلاّ والمرجئة غالبون عليها إلاّ القليل.(2)

2. تقرر الأمر في نحلة أهل الحديث على قبول خلافة علي ـ عليه السَّلام ـ بعد ما كانوا في الغالب من العثمانية ينكرون خلافة علي، و يظهر أنّ قبول خلافة علي ـ عليه السَّلام ـ كان على يد الإمام أحمد بن حنبل، فقد ذكر ابن أبي يعلى بالإسناد عن وديزة الحمصي قال: دخلت على أبي عبد اللّه أحمد بن حنبل حين أظهر التربيع بعلي ـ رضي اللّه عنه ـ فقلت له: يا أبا عبد اللّه إنّ هذا لطعن على طلحة والزبير، فقال: بئس ما قلت وما نحن وحرب القوم وذكرها، فقلت: أصلحك اللّه إنّما ذكرناها حين ربعت بعلي وأوجبت له الخلافة وما يجب للأئمّة قبله، فقال لي: وما يمنعني من ذلك، قال: قلت: حديث ابن


1 . طبقات النساء:6/154.
2 . الحور العين: 203.


(306)

عمر(1)، فقال لي: عمر خير من ابنه فقد رضي علياً للخلافة على المسلمين وأدخله في الشورى، وعلي بن أبي طالب رضي اللّه عنه قد سمّى نفسه أمير المؤمنين; فأقول أنا ليس للمؤمنين بأمير، فانصرفت عنه.(2)

وهذا يعرب عن أنّ مسألة التربيع كانت مسألة ثقيلة على هذا المحدّث، وقد كان غير الكوفيّين على هذا المذاق.

وممّا يؤيد عدم كون خلافة الخلفاء من صميم الدين: أنّ أحمد بن حنبل في رسالته المؤلّفة حول مذاهب أهل السنّة لم يذكرها في عداد العقائد الإسلامية، بل بعدما أكمل بيان العقائد قال: ومن السنّة ذكر محاسن أصحاب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ والكف عمّا شجر بينهم، فمن سبّ أصحاب رسول اللّه أو واحداً منهم فهو مبتدع رافضي، حبهم سنّة، والدعاء لهم قربة، والاقتداء بهم وسيلة، والأخذ ب آثارهم فضيلة، وخير هذه الأُمّة ـ بعد نبيها ـ أبو بكر، وخيرهم بعد أبي بكر عمر، وخيرهم بعد عمر عثمان، وخيرهم بعد عثمان علي، رضوان اللّه عليهم خلفاء راشدون مهديون.(3)

وأمّا البحث عن الدليل الدالّ على أفضلية بعضهم على بعض وفق تسلسل زمانهم، فسيوافيك الكلام فيه في الجزء السادس.

***

(ثُمَّ أَورَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبير) (4).

***


1 . الحديث المنسوب إلى ابن عمر هو «كنّا نعد ورسول اللّه حيّ وأصحابه متوافرون: أبو بكر ثمّ عمر ثمّ عثمان ثمّ نسكت».
2 . طبقات الحنابلة:1/393.
3 . كتاب السنّة: 49.
4 . فاطر: 32.


(307)

خاتمة المطاف

فيها أُمور:

الأوّل: المذهب الحنبلي في مجال العقائد والفقه

إنّ للمذهب السنّي على الإطلاق دعامتين:

1. المذهب الفقهي

لم يكن لأهل السنّة والجماعة في القرون الأُولى إلى القرن السابع مذهب فقهي خاص يقتفون أثره، بل كانت لهم مذاهب فقهية مختلفة متشتّتة غير أنّ يد السياسة حصرت المذاهب الفقهية في الأربعة المعروفة وهي: الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي وألغت سائر المذاهب ولم تعترف بها.

قال المقريزي: استمرت ولاية القضاة الأربعة من سنة 665 حتى لم يبق في مجموع أمصار الإسلام مذهب يعرف من مذاهب الإسلام غير هذه الأربعة، وعودي من تمذهب بغيرها وأنكر عليه، ولم يول قاض، ولا قبلت شهادة أحد ما لم يكن مقلداً لأحد هذه المذاهب، وأفتى فقهاؤهم في هذه الأمصار في طول هذه المدّة، بوجوب اتّباع هذه المذاهب وتحريم ما عداها، والعمل على هذا إلى اليوم.(1)


1 . الخطط المقريزية:2/333و 334 و 344.


(308)

وهذه الكلمة الأخيرة، أعني قوله: وتحريم ما عداها تكشف عن رزية فادحة ألمت بالإسلام حيث إنّ المسلمين قد عاشوا قرابة سبعة قرون، ومات فيها على دين الإسلام ما لا يحصي عددهم إلاّخالقهم ولم يسمع أحد في القرنين الأوّلين اسم هذه المذاهب. ثمّ في ما بعدهما كان المسلمون بالنسبة إلى الأحكام الشرعية في غاية من السعة والحرية، وكان العامي يقلّد من اعتمد من المجتهدين، وكان المجتهدون يستنبطون الأحكام من الكتاب والسنّة على موازينهم المقررة عندهم في العمل بالكتاب والسنّة ولم يعلم وجه لهذا الحصر وأنّه ليس لأحد من المقلّدين أو الفقيه المجتهد أن يخرج عن حدّتقليد الأئمّة الأربعة، فبأي دليل شرعي صار اتّباع المذاهب الأربعة واجباً مخيراً والرجوع إلى غيرها حراماً باتاً مع أنّا نعلم أنّ هذه المذاهب نشرت في ما نشرت من المناطق بالقهر والغلبة من الحكومات الإسلامية، فالحكومة التي كان يروقها الفقه الحنفي كانت تباشر نشره وتكبت غيره وتسد الطريق أمامه، والحكومة التي كان يروقها غير الحنفي تعمل مثل عمل الحكومة الأُولى، وقد أشعلت السياسات الخادعة نيران العداء بين أتباع المذاهب الأربعة طول القرون(1)، وعاد وعاظ السلاطين ينحتون لكلّ إمام من الأئمّة الأربعة فضائل ومناقب صدرت عن النبي قبل ميلادهم وإمامتهم.(2)

هذا حال الدعامة الأُولى ولا نطيل البحث فيها، والذي يجب أن يستنتج ممّا ذكرناه هو أنّ من يحلم بخلود الدين وبقاء قوانينه ويرغب في غضاضة الدين وطراوته وصيانته عن الاندراس وغناء المسلمين عن موائد الأجانب، يجب عليه


1 . لاحظ تاريخ حصر الاجتهاد لشيخنا العلاّمة الطهراني: 140 والحوادث الجامعة لابن الفوطي: ص216 في حوادث سنة 645 واقرأ فيها ملحمة النزاع بين اتّباع الأئمّة الأربعة، ولا تنس ما أنشده علي بن الجرجاني عن بعضهم:

مثل الشافعي فـي العلمـاء * مثل البدر فـي نجوم السماء
قل لمن قاسه بنعمـان جهلاً * أيقـاس الضيـاء بالظلمـاء

تاريخ بغداد:2/69.
2 . لاحظ تاريخ بغداد:1/41 «مناقب أبي حنيفة» و ج2/69«مناقب الشافعي»و قد نقل أحاديث في مناقبهما ولم يكن من الإمامين أثر إلاّ في عالم الذر.


(309)

السعي في فتح باب الاجتهاد، سواء أُوافق رأي الأئمّة الأربعة أم خالفها.(1)

2. المذهب العقائدي

ونعني به الأُصول التي يعتنقها أهل السنّة في هذا الجيل والأجيال المتقدّمة إلى زمن الإمام أحمد حول المبدأ والمعاد وأسمائه سبحانه وصفاته وما يرجع إلى الإنسان في عاجله وآجله.

ولا شكّ أنّ هذه الأُصول قد دونت و رتبت في الكتب الكلامية للحنابلة بصورة بسيطة، وفي كتب الأشاعرة بصورة علمية مبرهنة، وقد قدّمنا إليك عصارات مدوّنة من عقائدهم.

والذي نركز عليه هو أنّ هذه الأُصول على اختلاف في عددها وإن صارت عقيدة لأهل السنّة في هذه الأجيال ولكنّها أُصول اجتمعوا عليها منذ تصدّر أحمد ابن حنبل منصة الإمامة في العقائد والمعارف واستخرجها من السنّة ودوّنها في رسائله، وذكر أنّها عقائد أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السنّة المتمسكين بعروتها، المعروفين بها،المقتدى بهم فيها من لدن أصحاب النبي إلى يومنا هذا من علماء الحجاز و الشام وغيرهم.

ولكن الحقيقة غير ذلك بل كان المسلمون، أعني: بهم أصحاب الحديث، السنّة قبل تصدّر أحمد لمنصة الإمامة في مجال العقائد على فرق وشيع ولم تكن هذه الأُصول برمتها مقبولة عندهم، وإنّما الإمام أحمد وحدهم على تلك الأُصول وقضى على سائر المذاهب الدارجة بين أهل الحديث أنفسهم، فنسبة هذه الأُصول إلى إمام الحنابلة أقرب إلى الحقيقة من نسبتها إلى الصحابة والتابعين وتابعي التابعين. والغافل عن تاريخ حياة الإمام وتأثيره في نفوس المسلمين وما كسب بعد الإفراج من العطف والحنان يتخيل أنّ هذه الأُصول مذهب أهل السنّة مع أنّه لم يكن لهذه الأُصول بهذا النحو، أثر قبله، بل كان المحدّثون


1 . لاحظ مفاهيم القرآن:3/290ـ 305 تجد فيها بغيتك.


(310)

مختلفين في كثير من هذه الأُصول. فصار الإجماع والاتّفاق من جانب الإمام سبباً لتناسي ما كانوا عليه من العقائد.

إنّ الإمام أحمد لمّا ظهر منه الصمود والثبات في طريق العقيدة (عدم خلق القرآن وقدمه) وتحمّل المحنة(1) إلى أن أُفرج عنه في أيّام المتوكّل و قرّبه الخليفة إلى بلاطه، صار ذلك سبباً لشهرته وإمامته في مجال العقائد، وقد جعلت المحنة من ذلك الرجل الصمود، بطلاً سامياً تهوي إليه الأفئدة، وتخضع له الأعناق، أضف إليه أنّه جنّد بلاط الخليفة جهوده لترويج أفكاره و آرائه، فعند ذلك صار أحمد إمام السنّة وناصرها، فصارت السنة ما قاله أحمد، والبدعة ما هجره أحمد، وكأنّهم نسوا أو تناسوا ما كان عليه أسلافهم من الفرق المختلفة.

وعلى ضوء هذا فليس المذهب الحنبلي العقائدي، مذهباً لعامة أهل الحديث و أهل السنّة وإنّما هو مذهب الإمام أحمد، وقد أخذت هذه الأُصول بالانتشار والشيوع عندما انقلب الوضع أيّام المتوكل وبعده لصالحه، ولولا أنّ المحنة استبطلت الرجل وخلقت منه رجلاً مثالياً شجاعاً في طريق العقيدة، لكان المذهب السنّي في الناحية العقائدية غير مجمع على هذه الأُصول التي يتخيل أنّها أُصول اتّفق عليها أصحاب النبي والتابعون لهم بإحسان إلى زمن إمامة أحمد.

وإن كنت في ريب ممّا ذكرنا ـ أي اختلاف آراء أهل الحديث وتشتت مذاهبهم في مجال العقائد ـ فاستمع لما يقوله السيوطي ويذكره في هذا المجال ونحن نأتي بملخّص ما ذكره ذلك المحدّث الخبير وهو يكشف عن وجود المسالك المختلفة والأهواء المتضادة عند أهل الحديث، وأنّهم لم يكونوا قط على وتيرة واحدة حسبما وحدهم إمام الحنابلة فهم كانوا بين:

مرجئي يرى أنّ العمل ليس جزءاً من الإيمان وأنّه لا تضر معه معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة، ونقدم إليك بعض أسمائهم من الذين عاشوا قبل إمامة أحمد أو عاصروه، نظراء:


1 . سيوافيك تفصيل ذلك في الجزء الثالث من هذه الموسوعة عند البحث عن عقائد المعتزلة.


(311)

1. إبراهيم بن طهمان، 2. أيّوب بن عائذ الطائي، 3. ذر بن عبد اللّه المرهبي، 4. شبابة بن سوار، 5. عبد الحميد بن عبد الرحمن، 6. أبو يحيى الحماني، 7. عبد المجيد بن عبد العزيز، 8. ابن أبي راود، 9. عثمان بن غياث البصري، 10. عمر بن ذر، 11. عمر بن مرة، 12. محمد بن حازم، 13. أبو معاوية الضرير، 14. ورقاء بن عمر اليشكري، 15. يحيى بن صالح الوحاظي، 16. يونس بن بكير.

إلى ناصبي لعلي وأهل بيته الطاهرين ـ عليهم السَّلام ـ ، نظراء:

1. إسحاق بن سويد العدوي، 2. بهز بن أسد، 3. حريز بن عثمان، 4. حصين بن نمير الواسطي، 5. خالد بن سلمة الفأفاء، 6. عبد اللّه بن سالم الأشعري، 7. قيس بن أبي حازم.

إلى متشيع يحب علياً وأولاده ويرى الولاء فريضة نزل بها الكتاب ويرى الفضيلة لعلي في الإمامة والخلافة، نظراء:

1. إسماعيل بن أبان، 2. إسماعيل بن زكريا الخلقاني، 3. جرير بن عبد الحميد، 4. أبان بن تغلب الكوفي، 5. خالد بن محمد القطواني، 6. سعيد بن فيروز، 7. أبو البختري، 8. سعيد بن أشوع، 9. سعيد بن عفير، 10. عباد بن العوام، 11. عباد بن يعقوب، 12. عبد اللّه بن عيسى، 13. ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى، 14. عبد الرزاق بن همام، 15. عبد الملك بن أعين، 16. عبيد اللّه بن موسى العبسي، 17. عدي بن ثابت الأنصاري، 18. علي بن الجعد، 19. علي بن هاشم بن البريد، 20. الفضل بن دكين، 21. فضيل بن مرزوق الكوفي، 22. فطر بن خليفة، 23. محمد بن جحادة الكوفي، 24. محمد بن فضيل بن غزوان، 25. مالك بن إسماعيل أبو غسان، 26. يحيى بن الخراز.

إلى قدري ينسب محاسن العباد ومساويهم ومعاصيهم إلى أنفسهم ولا يسند فعلهم إلى اللّه سبحانه، نظراء:

1. ثور بن زيد المدني، 2. ثور بن يزيد الحمصي، 3. حسان بن عطية


(312)

المحاربي، 4. الحسن بن ذكوان، 5. داود بن الحصين، 6. زكريا بن إسحاق، 7. سالم بن عجلان، 8. سلام بن مسكين، 9. سيف بن سلمان المكي، 10. شبل بن عباد، 11. شريك بن أبي نمر، 12. صالح بن كيسان، 13. عبد اللّه بن عمرو ، 14. أبو معمر عبد اللّه بن أبي لبيد، 15. عبد اللّه بن أبي نجيح، 16. عبد الأعلى ابن عبد الأعلى، 17. عبد الرحمن بن إسحاق المدني، 18. عبد الوارث بن سعيد الثوري، 19. عطاء بن أبي ميمونة، 20. العلاء بن الحارث، 21. عمرو بن زائدة، 22. عمران بن مسلم القصير، 23. عمير بن هاني، 24. عوف الأعرابي، 25. كهمس بن المنهال، 26. محمد بن سواء البصري، 27. هارون بن موسى الأعور النحوي، 28. هشام الدستوائي، 29. وهب بن منبه، 30. يحيى بن حمزة الحضرمي.

إلى جهمي ينفي كلّ صفة للّه سبحانه ويعتقد بخلق القرآن وحدوثه، نظير: بشر بن السرى.

إلى خارجي ينكر على أمير المؤمنين مسألة التحكيم ويتبرأ منه و من عثمان و من طلحة والزبير وأُمّ المؤمنين عائشة ومعاوية وغيرهم، نظراء:

1. عكرمة مولى ابن عباس، 2. الوليد بن كثير.

إلى واقفي لا يقول في التحكيم أو في القرآن بشيء من الحدوث والقدم وإنّه مخلوق أو غير مخلوق، نظير: علي بن هشام.

إلى متقاعد يرى لزوم الخروج على أئمّة الجور ولا يباشره بنفسه، نظير:عمران ابن حطّان.(1)

إلى غير ذلك من ذوي الأهواء والآراء الذين قضى عليهم الدهر وعلى آرائهم ومذاهبهم بعد ما وصل أحمد بن حنبل إلى قمة الإمامة في العقائد. فصار أهل الحديث مجتمعين تحت الأُصول التي استخرجها أحمد وجعل الكلّ كتلة واحدة، بعد ما كانوا على سبل شتى.


1 . تدريب الراوي للسيوطي:1/328.


(313)

هذه ملحمة أهل الحديث وقصة مذهبهم الفقهي والعقائدي، والأسف أنّ المفكّرين من أهل السنّة يتخيّلون أنّ هذه الأُصول التي يدينون بها باسم عقيدة السلف الإسلامية قبل التحاق الأشعري به و باسم عقيدة الإمام الأشعري بعد التحاقه هي نفس الأُصول التي كان عليها المسلمون الأُول إلى زمن الإمام أحمد وزمن الملتحق بهم الشيخ الأشعري.

وهذا التاريخ الواضح يفرض على المفكّرين المتعطّشين لمعرفة الحقّ دراسة هذه الأُصول من رأس حتى لا يعبأوا بما جاء في هذه الكتب ممّا عليه ماركة «عقيدة السلف» أو «عقيدة الصحابة والتابعين» أو تابعي التابعين.

والذي يوضح ذلك هو أنّ كلّ واحد من هذه الأُصول ردّ لمذهب نجم في القرون الأُولى، فلأجل التبرّي منه صار خلافه شعاراً لمذهب أهل السنّة.

إمامة أحمد في الفقه

لا شكّ أنّ الفقه المنسوب إلى أحمد هو أحد المذاهب الفقهية المعروفة وتقتفيه جماعة كثيرة في الحجاز ونجد والشامات، ولكن هذا الفقه المدوّن لا يمت إلى الفقه إلاّ بصلة ضعيفة، وذلك لأنّ الإمام لم يكن إمام الفقه والاجتهاد بل كان إمام الحديث، فكان يعد أكبر محدث في عصره، وأعظم حافظ للسنّة، وأمّا الاجتهاد بالمعنى المصطلح الذي كان يتمتع به سائر الأئمّة الأربعة، فلم يكن متوفراً فيه إلاّ ببعض مراتبه الضئيلة التي لا يصحّ عدّه معها أحد الأئمّة الفقهاء، فإنّ للاجتهاد مؤهّلات وشرائط محررة في محلها، أعظمها وجود ملكة قدسية يقتدر معها الإنسان على استخراج الفروع عن الأُصول، وأمّا الإفتاء بالحكم في ضوء النصّ الصريح الوارد فيه فليس إلاّ مرتبة ضعيفة من الاجتهاد، والاجتهاد المطلق يستدعي ذهناً وقّاداً، مشققاً للفروع، ومستخرجاً إيّاها من الأُصول، إلى غير ذلك ممّا يقوم به أئمّة الفقه، والمعروف من الإمام أحمد غير ذلك، فإنّ اجتهاده كان أشبه باجتهاد الأخباريين والمحدّثين الذين يفتون بنصّ الحديث ويتوقفون في غير مورده.

وأمّا المذهب الفقهي الحنبلي الدارج بين الحنابلة فقد جمع أُصوله تلميذ


(314)

الإمام«الخلاّل» من هنا وهناك، ومن الفتاوى المتشتتة الموجودة بين أيدي الناس حتى جعله مذهباً للإمام أحمد، وجاء من جاء بعده فاستثمرها واستغلها حتّى صار مذهباً من المذاهب.

كلام للذهبي

قال: وقد دوّن عنه كبار تلامذته مسائل وافرة في عدّة مجلدات. ثمّ ذكر أسامي عدّة من تلاميذه الذين جمعوا مسائل الإمام وفتاواه، وقال: جمع أبو بكر الخلال سائر ما عند هؤلاء من أقوال أحمد وفتاويه وكلامه في العلل والرجال والسند والفروع حتى حصل عنده من ذلك ما لا يوصف كثرة ورحل إلى النواحي في تحصيله وكتب عن نحو من مائة نفس من أصحاب الإمام، ثمّ كتب كثيراً من ذلك عن أصحاب أصحابه،وبعضه عن رجل، عن آخر، عن آخر، عن الإمام، ثمّ أخذ في ترتيب ذلك وتهذيبه و تبويبه، وعمل كتاب العلم وكتاب العلل وكتاب السنة، كلّ واحد من الثلاثة في ثلاثة مجلدات.(1)

فلو صحّ ما ذكره الذهبي فهو يعرب عن أنّ الإمام أحمد لم يكن رجلاً متربعاً على منصة دراسة الفقه وأُصوله وقائماً بتربية الفقيه، وأقصى ما كان يتمتع به هو الإجابة عن الأسئلة التي كانت ترد عليه من العراق وخارجه في ضوء النصوص الموجودة عنده، فتفرقت الأجوبة طبق الأسئلة في البلاد وجمعها «الخلال»في كتاب خاص.

هذا ما ذكره الذهبي ولكنّ الظاهر عن غير واحد ممّن ترجم الإمام أنّه كان يتحفّظ عن الفتيا ويتزهّد عنه، ولعلّه يرى مقام الإفتاء أرفع وأعلى من نفسه.

روى الخطيب في تاريخه بالإسناد قال: كنت عند أحمد بن حنبل فسأله رجل عن الحلال والحرام، فقال له أحمد: سل عافاك اللّه غيرنا. قال الرجل: إنّما نريد جوابك يا أبا عبد اللّه. قال: سل عافاك اللّه غيرنا، سل الفقهاء، سل أبا


1 . سير أعلام النبلاء:11/330.


(315)

ثور.(1)

وهذا يعرب عن أنّ ديدن الإمام في حياته هو التحفّظ والتجنّب عن الإفتاء إلاّ إذا قامت الضرورة أو كان هناك نصوص واضحة في الموضوع. وهذا لا يجتمع مع ما نسب إليه الذهبي من أنّ «الخلال» كتب عنه الكتب التي ذكرها.

وهناك تحقيق بارع للشيخ أبي زهرة في كتابه حول حياة ابن حنبل نذكر خلاصة ما جاء فيه:

إنّ أحمد لم يصنّف كتاباً في الفقه يعد أصلاً يؤخذ منه مذهبه ويعد مرجعه ولم يكتب إلاّ الحديث، وقد ذكر العلماء أنّ له بعض كتابات في موضوعات فقهية، منها: المناسك الكبير، والمناسك الصغير، ورسالة صغيرة في الصلاة كتبها إلى إمام صلّى هو وراءه فأساء في صلاته، وهذه الكتابات هي أبواب قد توافر فيها الأثر، وليس فيها رأي أو قياس أو استنباط فقهي بل اتّباع لعمل، وفهم لنصوص. ورسالته في الصلاة والمناسك الكبير والصغير هي كتب حديث، وكتبه التي كتبها كلّها في الحديث في الجملة، وهي المسند والتاريخ والناسخ والمنسوخ والمقدّم والمؤخّر في كتاب اللّه وفضائل الصحابة والمناسك الكبير والصغير والزهد، وله رسائل يبيّن مذهبه في القرآن والرد على الجهمية والردّ على الزنادقة.

وإذا كان أحمد لم يدوّن في الفقه كتاباً ولم تنشر آراؤه ولم يملها على تلامذته كما كان يفعل أبو حنيفة، فإنّ الاعتماد في نقل فقهه إنّما هو على عمل تلاميذه فقط، وهنا نجد أنّ الغبار يثار حول ذلك النقل من نواح متعددة.

إنّ المروي عن ذلك الإمام الأثري ـ الذي كان يتحفّظ في الفتيا فيقيد نفسه بالأثر ، ويتوقف حيث لا أثر ولا نصّ شاملاً عاماً، ولا يلجأ إلى الرأي إلاّ حين الضرورة القصوى التي تلجئه إلى الإفتاء ـ كثير جدّاً، والأقوال المروية عنه متضاربة، وذلك لا يتّفق مع ما عرف عنه من عدم الفتوى إلاّ فيما يقع من المسائل ولا يفرض الفروض ولا يشقّق الفروع ولا يطرد العلل، ولقد كان يكثر من قول:لا أدري، فهذه الكثرة لا تتفق مع المعروف منه من الإقلال في الفتيا والمعروف عنه من قول :لا أدري، ومع المشهور عنه من أنّه لا يفتي بالرأي إلاّ للضرورة القصوى.


1 . تاريخ بغداد:2/66.


(316)

إنّ الفقه المنقول من أحمد قد تضاربت أقواله فيه تضارباً يصعب على العقل أن يقبل نسبة كلّ هذه الأقوال إليه. وافتتح أي كتاب من كتب الحنابلة واعمد إلى باب من أبوابه تجده لا يخلو من عدّة مسائل اختلفت فيها الرواية بين لا ونعم ـ أي بين النفي المجرّد والإثبات المجرّد ـ.

هذه نواح قد أثارت غباراً حول الفقه الحنبلي وإذا أضيف إليها أنّ كثيراً من القدامى لم يعدّوا «أحمد» من الفقهاء، فابن جرير الطبري لم يعدّه منهم، و «ابن قتيبة» الذي كان قريباً من عصره جدّاً لم يذكره في عصابة الفقهاء بل عدّه في جماعة المحدثين، ولو كانت تلك المجموعة الفقهية من أحمد ما ساغ لأُولئك أن يحذفوا أحمد عن سجل الفقهاء.(1)

الثاني : شكوى تاريخية للأشاعرة ضد الحنابلة

لم يزل النزاع قائماً على قدم وساق بين الحشوية والحنابلة من أهل الحديث من جهة و متكلّمي الأشاعرة من جهة أُخرى ـ مع أنّ إمام الأشاعرة كان قد أعلن اقتفاء أثر إمام الحنابلة ـ و نار الجدال مستعرة بين الفريقين،عبر العصور المختلفة، وذلك أنّ الطائفة الأُولى كانت متمسكة بروايات التشبيه والتجسيم، ومثبتة للّه سبحانه ما لا تصحّ نسبته إليه،وكانت الطائفة الثانية تتبرأ من هذه الأُمور، ولقد بلغ السيل الزبى في عصر أبي نصر عبد الرحيم بن أبي القاسم عبد الكريم القشيري رئيس الأشاعرة في وقته، فقام فطاحل الأشاعرة في عصره، تعضيداً ومساندة لشيخهم برفع الشكوى إلى الوزير نظام الملك ممّا تبثه الحنابلة من سموم التشبيه و التجسيم، و تمت الرسالة بتوقيع كثير من علمائهم التي تبيّن جوهر العقيدة الحنبلية في ذلك العصر.

أمّا الوالد فهو أبو القاسم القشيري النيشابوري، وهو من أعاظم الأشاعرة في عصره (ولد عام 376هـ) من العرب الذين وردوا خراسان وسكنوا النواحي،


1 . ابن حنبل، حياته وعصره :168ـ 171.


(317)

كان يعرف الأُصول على مذهب الأشعري والفقه على مذهب الشافعي(توفيّ عام 465هـ).(1)

وأمّا الولد فهو أبو نصر عبد الرحيم بن أبي القاسم القشيري، ويعرّفه ابن عساكر بأنّه إمام الأئمّة وحبر الأُمّة تخرّج على إمام الحرمين حتى حصل طريقته في المذهب، وتوفّي عديم النظير فريد الوقت سنة 514هـ.(2)

يقول ابن عساكر:

وهذه الرسالة بخط بعض أصحاب الإمام أبي نصر عبد الرحيم ابن الأُستاذ القشيري فيها خطوط الأئمّة بتصحيح مقاله وموافقته في اعتقاده على الوجه الذي هو مذكور في هذا الكتاب، فأوقفنا عليه شيخنا أبو محمد القاسم وأسمعناه، وأمرنا بكتابته، فاكتتبناه على ما هو عليه، وأثبتناه في هذه الترجمة اللائقة به، وقد رفع الإمام أبو إسحاق الشيرازي وأصحابه هذا المحضر إلى نظام الملك منتصرين للشيخ أبي نصر بن القشيري، فعاد جواب نظام الملك إلى فخر الدولة وإلى الإمام أبي إسحاق بإنكار ما وقع، والتشديد على خصوم ابن القشيري، و ذلك سنة 469هـ، و إليكالمحضر:

شكوى الأشاعرة من المتوسمين بالحنبلية

بسم اللّه الرحمن الرحيم يشهد من ثبت اسمه ونسبه وصحّ نهجه ومذهبه واختبر دينه وأمانته من الأئمّة الفقهاء والأماثل العلماء وأهل القرآن والمعدلين الأعيان وكتبوا خطوطهم المعروفة بعباراتهم المألوفة، مسارعين إلى أداءالأمانة، وتوخّوا في ذلك ما تحظره الديانة مخافة قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلم مِمَّن كَتَم شَهادةً عِنْدَهُ مِنَ اللّه) إنّ جماعة من الحشوية والأوباش الرعاع المتوسمين بالحنبلية أظهروا ببغداد من البدع الفظيعة والمخازي الشنيعة ما لم يتسمح به ملحد فضلاً عن موحّد، ولا تجوّز به قادح في أصل الشريعة، ولا معطل; ونسبوا كلّ من ينزّه الباري تعالى وجلّ عن النقائص والآفات وينفي عنه الحدوث والتشبيهات،


1 . التبيين: 271ـ 276.
2 . المصدر السابق: 308ـ 310.


(318)

ويقدّسه عن الحلول والزوال، ويعظمه عن التغيّر من حال إلى حال، وعن حلوله في الحوادث وحدوث الحوادث فيه، إلى الكفر والطغيان ومنافاة أهل الحق والإيمان، وتناهوا في قذف الأئمّة الماضين، وثلب أهل الحقّ وعصابة الدين، ولعنهم في الجوامع والمشاهد والمحافل والمساجد والأسواق والطرقات والخلوة، والجماعات.

ثمّ غرّهم الطمع والإهمال، ومدّهم في طغيانهم الغي والضلال إلى الطعن فيمن يعتضد به أئمّة الهدى وهو للشريعة العروة الوثقى، وجعلوا أفعاله الدينية معاصي دنية، وترقّوا من ذلك إلى القدح في الشافعي رحمة اللّه عليه وأصحابه، واتفق عود الشيخ الإمام الأوحد أبي نصر ابن الأُستاذ الإمام زين الإسلام أبي القاسم القشيري رحمة اللّه عليه من مكة حرسها اللّه، فدعا الناس إلى التوحيد وقدس الباري عن الحوادث والتحديد، فاستجاب له أهل التحقيق من الصدور الأفاضل السادة الأماثل، وتمادت الحشوية في ضلالتها والإصرار على جهالتها وأبوا إلاّ التصريح بأنّ المعبود ذو قدم وأضراس ولهوات وأنامل، وأنّه ينزل بذاته ويتردّد على حمار في صورة شاب أمرد بشعر قطط وعليه تاج يلمع وفي رجليه نعلان من ذهب، وحفظ ذلك عنهم وعلّلوه ودوّنوه في كتبهم، وإلى العوام ألقوه، وأنّ هذه الأخبار لا تأويل لها، وأنّها تجري على ظواهرها، وتعتقد كما ورد لفظها، وأنّه تعالى يتكلّم بصوت كالرّعد و كصهيلالخيل، و ينقمون على أهلالحق لقولهم إنّاللّه تعالى موصوف بصفات الجلال، منعوت بالعلم والقدرة والسمع والبصر والحياة والإرادة والكلام، وهذه الصفات قديمة، وإنّه يتعالى عن قبول الحوادث، ولا يجوز تشبيه ذاته بذات المخلوقين ولا تشبيه كلامه بكلام المخلوقين.

ومن المشهور المعلوم: أنّ الأئمّة الفقهاء على اختلاف مذاهبهم في الفروع كانوا يصرّحون بهذا الاعتقاد ويدرسونه ظاهراً مكشوفاً لأصحابهم ومن هاجر من البلاد إليهم ولم يتجاسر أحد على إنكاره ولا تجوز متجوّز بالرد عليهم دون القدح والطعن فيهم، وانّ هذه عقيدة أصحاب الشافعي ـرحمة اللّه عليهـ يدينون اللّه تعالى بها ويلقونه باعتقادها، و يبرأون إليه من سواها من غير شكّ ولا


(319)

انحراف عنها، وما لهذه العصابة مستند، ولا للحق مغيث يعتمد إلاّ اللّه تعالى، ورأفة المجلس السامي الأجلي العالمي العادلي القوامي النظامي الرضوي أمتعه اللّه بحياة يأمن خطوبها باسمة فلا يعرف قطوبها، فإن لم ينصر ما أظهره ويشيد ما أسّسه وعمره بأمر جزم وعزم حتم يزجر أهل الغواية عن غيهم ويردع ذوي العناد عن بغيهم ويأمر بالمبالغة في تأديبهم، رجع الدين بعد تبسّمه قطوباً، وعاد الإسلام كما بدأ غريباً، وعيونهم ممتدة إلى الجواب بنيل المأمول والمراد، وقلوبهم متشوّفة إلى النصرة والإمداد، فإن هو لم ينعم النظر في الحادث الذي طرقهم ويصرف معظم هممه العالية إلى الكارث الذي أزعجهم وأقلقهم ويكشف عن الشريعة هذه الغمة ويحسم نزغات الشيطان بين هذه الأُمّة، كان عن هذه الظلامة يوم القيامة مسؤولاً.

إذ قد أديت إليه النصائح والأمانات من أهل المعارف والديانات، وبرئوا من عهدة ما سمعوه بما أدّوه إلى سمعه العالي وبلغوه، والحجّة للّه تعالى متوجهة نحوه بما مكّنه في شرق الأرض وغربها وبسط قدرته في عجمها وعربها، وجعل إليه القبض والإبرام واصطفاه من جميع الأنام، فما ترد نواهيه وأوامره ولا تعصى مراسمه زواجره، واللّه تعالى بكرمه يوفقه ويسدّده ويؤيد مقاصده ويرشده ويقف فكرته وخواطره على نصرة ملته وتقوية دينه وشريعته بمنّه ورأفته وفضله ورحمته.

صورة الخطوط

1. الأمر على ما ذكر في هذا المحضر من حال الشيخ الإمام الأوحد أبي نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري أكثر اللّه في أئمّة الدين مثله من عقد المجالس وذكر اللّه عزّوجلّ بما يليق به من توحيده وصفاته ونفي التشبيه عنه، وقمع المبتدعة من المجسمة والقدرية وغيرهم، ولم أسمع منه غير مذهب أهل الحقّ من أهل السنّة والجماعة، وبه أدين اللّه عزّوجلّ وإيّاه اعتقد، وهو الذي أدركت أئمّة أصحابنا عليه، واهتدى به خلق كثير من المجسمة وصاروا كلّهم على مذهب أهل الحقّ، ولم يبق من المبتدعة إلاّ نفر يسير، فحملهم الحسد والغيظ على سبّه وسبّ الشافعي وأئمّة أصحابه ونصّار مذهبه، وهذا أمر لا يجوز الصبر عليه


(320)

ويتعيّن على المولى أعز اللّه نصره التنكيل بهذا النفر اليسير الذين تولّوا كبر هذا الأمر وطعنوا في الشافعي وأصحابه، لأنّ اللّه عزّوجلّ أقدره، وهو الذي برأ في هذا البلد بإعزاز المذهب بما بنى فيه من المدرسة التي مات كلّ مبتدع من المجسمة والقدرية غيظاً منها وبما يرتفع فيها من الأصوات بالدعاء لأيامه، استجاب اللّه فيه صالح الأدعية، ومتى أهمل نصرهم لم يكن له عذر عند اللّه عزّجلّ. وكتب إبراهيم بن علي الفيروز آبادي.

2. الأمر على ما ذكر في هذا المحضر من حال الشيخ الإمام الأوحد أبي نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري جمّل اللّه الإسلام به وكثّر في أئمّة الدين مثله من عقد المجالس وذكر اللّه عزّوجلّ بما وصف به نفسه من التنزيه ونفي التشبيه عنه وقمع المبتدعة من المجسمة والقدرية وغيرهم، ولم نسمع منه غير مذهب أهل الحقّ من أهل السنّة والجماعة وبه ندين اللّه عزّوجلّ، وهو الذي كان عليه أئمّة أصحابنا واهتدى به خلق كثير من المجسّمة واليهود والنصارى فصاروا أكثرهم على مذهب أهل الحقّ ولم يبق من المبتدعة إلاّ نفر يسير، فحملهم الحسد والغيظ على سبّه وسب الشافعي رضي اللّه عنه و نصّار مذهبه حتى ظهر ذلك بمدينة السلام، وهذا أمر لا يحل الصبر عليه ويتعيّن على من بيده قوام الدين والنظر في أُمور المسلمين أن ينظر في هذا ويزيل هذا المنكر، فإنّ من يقدر على إزالته ويتوقف فيه يأثم، ولا نعلم اليوم من جعل اللّه سبحانه أمر عباده إليه إلاّ المولى أعزّ اللّه أنصاره، فيتعيّن عليه الإنكار على هذه الطائفة والتنكيل بهم، لأنّ اللّه سبحانه أقدره على ذلك، وهو المسؤول عنه غداً إن توقف فيه وصار قصد المبتدعة أكثره معاداة الفقهاء الذين هم سكان المدرسة الميمونة فإنّهم يموتون غيظاً منهم لما هم عليه من مذاكرة علم الشافعي وإحياء مذهبه. وكتب الحسين ابن محمد الطبري.

3. الأمر على ما شرح في صدر هذا المحضر. وكتب عبيد اللّه بن سلامة الكرخي.

4. الأمر على ما ذكر في هذا المحضر من حال الشيخ الإمام الأوحد أبي نصر عبد الرحيم بن عبدالكريم القشيري أدام اللّه حراسته من عقد المجالس


(321)

للوعظ والتذكير في المدرسة النظامية المعمورة والرباط، وأطنب في توحيد االلّه عزّوجلّ والثناء عليه بما يستوجبه من صفات الكمال وتنزيهه عن النقائص و نفي التشبيه عنه واستوفى في الاعتقاد ما هو معتقد أهل السنّة بأوضح الحجج وأقوى البراهين، فوقع في النفوس كلامه، ومال إليه الخلق الكثير من العامة، ورجع جماعة كثيرة من اعتقاد التجسيم والتشبيه واعترفت بأنّها الآن بان لها الحقّ، فحسده المبتدعة المجسمة وغيرهم فحملهم ذلك على بسط اللسان فيه غيظاً منه و سبّ الشافعي رحمة اللّه عليه وأئمّة أصحابه ومن ينصرهم، وتظاهروا من ذلك بما لا يمكن الصبر معه، ويتعيّن على من جعل اللّه إليه أمر الرعية أن يتقدّم في ذلك بما يحسم مادة الفساد، لأنّ سبب ذلك فرط غيظهم من اجتماع شمل العصابة الشافعية في الاشتغال بالعلم بعمارة المدرسة الميمونة ،وتوفّرهم على الدعاء لأيّام من به عزّهم ولا عذر للتفريط في ذلك. وكتب محمد بن أحمد الشاشي.

5. الأمر على ما ذكر فيه. وكتب سعد اللّه بن محمد الخاطب.

6. الأمر على المشروح في هذا الصدر من حال الشيخ الإمام الأوحد أبي نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري أكثر اللّه في أئمّة أهل العلم مثله من عقد المجالس ونشر العلم ووصف اللّه تعالى بما وصف به نفسه من توحيده وصفاته ونفي التشبيه عنه وقمع أهل البدع من المجسمة والقدرية وغيرهم، ولم أسمع منه عدولاً عن مذاهب أهل الحقّ والسنّة والدين القويم والمنهج المستقيم الذي به يدان اللّه تعالى و يعبد ويعتقد، فاهتدى بهديه خلق من المخالفين وصار إلى قوله ومعتقده جمع كثير إلاّ من شقي به من الحاسدين، فأخلدوا إلى ذمّه وسبه وسب أئمّة الشافعيين، وقدحوا في الشافعي وأصحابه، وصرّحوا بالطعن فيهم في الأسواق وعلى رؤوس الأشهاد، وهذه غمّة و ردّة لا يرجى لكشفها بعد اللّه تعالى إلاّ المجلس السامي الأجلي النظامي القوامي العادلي الرضوي، أمتع اللّه الدنيا والدين ببقائه وحرس على الإسلام والمسلمين ظليل ظله ونعمائه، ويفعل اللّه ذلك بقدرته وطوله ومشيئته. وكتب الحسين بن أحمد البغدادي.

7. حضرت المدرسة النظامية المنصورة المعمورة أدام اللّه سلطان إعزازها والرباط المقدس للصوفية أجاب اللّه صالح أدعيتهم في المسلمين مجالس هذا


(322)

الشيخ الأجل الإمام ناصر الدين محيي الإسلام أبي نصر عبد الرحيم بن الأُستاذ الإمام زين الإسلام أبي القاسم القشيري أحسن اللّه عن الشريعة جزاءه، فلم أسمع منه قط إلاّ ما يجب على كلّ مكلّف علمه وتصحيح العقيدة به من علم الأُصول وتنزيه الحقّ سبحانه وتعالى ونفي التشبيه عنه، وإقماع الأباطيل والأضاليل وإظهار الحقّ والصدق، حتى أسلم على يديه ببركة التوحيد والتنزيه من أنواع أهل الذمّة عشرات، ورجع إلى الحقّ وعلم الصدق من المبتدعة مئات، وتبعه خلق غير محصور بحيث لم يستطع أحد ممّن تقدّم أو علماء العصر أن يشقّوا غباره في مثل ذلك فخامرهم الحسد وعداوة الجهل وحملهم على الطعن فيه عدواناً وبهتاناً، ثمّ تمادى بهم الجهل إلى اللعن الظاهر للإمام الشافعي ـقدس اللّه روحهـ وسائر أصحابه عجماً وعرباً.

وقائلوا ذلك شرذمة من ناشية أغبياء المجسمة، وطائفة من أرذال الحشوية، استغنوا من الإسلام بالاسم، ومن العلم بالرسم، وتبعهم سوقة لا نسب لهم ولا حسب، وتظاهرت هذه اللعنة منهم في الأسواق، ولم يستحسن أحد من أصحابه ـكثرهم اللّهـ دفع السفاهة بالسفاهة والسيئة بالسيّئة، ويجب على الناظر في أُمور المسلمين من الذي قد انتشر في المشارق والمغارب علمه وعدله وأمره ونهيه، الذي لطاعته نبأت صدور الأولياء والأعداء رغبة ورهبة، نصرته، ومدّ ضبعيه والشد على يديه وتقديم كلمته العليا وتدحيض كلمة أعدائه السفلى، فالصبر في الصدمة الأُولى وهذه الصدمة التي كانت قلوب أصحاب الشافعي كثّرهم اللّه وغرة وغلة شغله بها منذ سنين، فانقشع ذلك وانكشف في هذه الأيام المؤيدة المنصورة المؤبدة النظامية القوامية العالمية العادلية نصرها اللّه وأعلاها، وقد وقف تمامه على الأمر الماضي المنصور منه فإنّ في شعبة من شعب عنايته ونصرته وكلمته للدين الذي مد أطراره كفاية وبلاغاً وعلى الغارس تعهد غراسه فضلاً وتعصباً في كلّ وقت. وكتب عزيزي بن عبد الملك في التاريخ حامداً للّه ومصلياً على محمّد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وصحبه وسلم وشرف وكرم.(1)


1 . تبيين كذب المفتري: 310ـ 318.


(323)

وأصحاب الخطوط في هذا المحضر هم كبار أئمّة المذهب الشافعي ببغداد في ذلك العهد، فقد ترجمهم محقّق كتاب «تبيين كذب المفترى» في تعليقته على الكتاب، ثمّ أضاف:

ولما طفح كيل فتن الحشوية الذين لا يكادون يفقهون حديثاً ، اضطر أكابر العلماء المعروفون بكمال الهدوء والتؤدة والأناة إلى قمع فتنتهم بالسعي لدى ولي الأمر سعياً حثيثاً، ورفع الإمام أبو إسحاق الشيرازي وأصحابه هذا المحضر إلى نظام الملك منتصرين للشيخ أبي نصر ابن القشيري، فعاد جواب نظام الملك إلى فخر الدولة و إلى الإمام أبي إسحاق بإنكار ما وقع، والتشديد على خصوم ابن القشيري وذلك سنة تسع وستين وأربعمائة، فسكن الحال ثمّ أخذ الشريف أبو جعفر بن أبي موسى ـ و هو شيخ الحنابلة إذ ذاك ـ و جماعته يتكلّمون في الشيخ أبي إسحاق ويبلغونه الأذى بألسنتهم، فأمر الخليفة بجمعهم والصلح بينهم بعد ما ثارت بينهم فتنة هائلة ذهب فيها نحو من عشرين قتيلاً، فلمّا وقع الصلح وسكن الأمر أخذ الحنابلة يشيعون أنّ الشيخ أبا إسحاق تبرأ من مذهب الأشعري، فغضب الشيخ لذلك غضباً لم يصل أحد إلى تسكينه حتى كتب إلى نظام الملك يشكو أهل الفتن، فعاد الجواب في سنة سبعين وأربعمائة إلى الشيخ باستجلاب خاطره وتعظيمه، والأمر بتأديب الذين أثاروا الفتنة وبأن يسجن الشريف أبو جعفر، فهدأ الحال وسكن جأش الشيخ وانقمعت الحشوية، وتنفّس أهل السنّة الصعداء وإلى اللّه عاقبة الأُمور.

الثالث: تطور الدعوة السلفية ومراحلها

قد تعرّفت في البحوث السابقة على أنّه كان لمنع تدوين الحديث في العصور الأُولى الإسلامية تأثير خاص في تسرب عقائد اليهود والنصارى إلى أوساط المسلمين ولا سيما أهل الحديث منهم. ففي ظل ذلك المنع، ظهرت الفرق الباطلة من المجسّمة والمشبّهة ودعاة القول بالجهة للّه سبحانه وجلوسه على العرش ناظراً إلى ما دونه ممّا يتحاشى عنه أهل التنزيه.

ولم يكن ظهور تلك العقائد أمراً غير مترقب، بل كان نتيجة حتمية للعوامل السائدة على تلك البيئة، إذ في الظروف التي يصلب فيها العقل


(324)

ويعدم، ويعاب فيها التفكير في العقائد والمعارف، ويكتفى عن التدبر في الذكر الحكيم، بالبحث عن القراءات السبع أو العشر، ويعرف الاستدلال والإمعان في الكتاب العزيز بأنّه تأويل باطل، بل كفر و زندقة، ويفسح المجال للمتظاهرين بالإسلام من الأحبار والرهبان ليقوموا بنشر قصص الأوّلين وأساطير الآخرين ـ ففي تلك الظروف ـ لا تظهر على مسرح العقائد، إلاّ عقائد الطوائف المنحرفة، ولا غرو حينئذ في أن يصوّر إله العالم بصورة موجود مادي ذي جهات وأبعاض وأيد وأرجل، له تكلم وضحك وما يضاهي هذه النظريات.

وقد جاء بعض الخلف محاولاً تصحيح هذه المأثورات، بإضافة «بلا كيف» عقيب هذه الصفات، ولكن المحاولة فاشلة جدّاً، فإنّ مرجعها إلى أنّه سبحانه جسم بلا كيف، ولا يختلف التعبيران إلاّ في الصراحة والكناية.

ومن العقائد الغريبة التي ظهرت في أواخر القرن الثاني، كون كلامه سبحانه قديماً غير مخلوق، وقد تلقّاه أهل الحديث أمراً مسلماً، وكان اللائق بمنهجهم هو السكوت، لاعترافهم بعدم ورود نصّ من رسول اللّه فيها، ولكنّهم اعتنقوا هذه العقيدة اعتناقاً وثيقاً لم ير مثله في سائر المسائل، حتّى استعدوا في طريقه لتقديم التضحيات الثمينة، من شتى أنواع الضرب والحبس والتقيد، وذلك عندما عزم المأمون على ردعهم عن القول بقدم القرآن، فاستتاب أهل الحديث منه، فاستجاب بعضهم دون بعض وممّن أظهر الصمود والثبات على تلك العقيدة إمام الحنابلة أحمد بن حنبل. وقد ضرب في عصر الخليفة المعتصم فلم يرتدع، فصار ذلك سبباً لاشتهار الرجل بينهم، وبلوغه قمة الإمامة في العقائد والسنّة، واكتسابه مكانة مرموقة بين الناس. فصارت السنّة ما أمضاه الإمام والبدعة ما هجره، فراجت رسائله وكتبه التي ألّفت باسم عقيدة أهل السنّة، وكانت الرئاسة في باب العقائد منحصرة به إلى أن ظهر الإمام الأشعري تائباً عن الاعتزال، معلناً التحاقه في العقائد بالإمام أحمد، و عدّ نفسه مدافعاً عن عقائد أهل السنّة تارة بالنصوص والأحاديث، وأُخرى بالاستدلال والبرهنة: فألّف في بداية الالتحاق كتاب «الإبانة» وهو تصوير خاص لرسائل إمام مذهبه، كما ألّف في الفترة الأُخرى كتاب «اللمع» وهو


(325)

تصوير لما يملكه من الفكر الذي ورثه عن المعتزلة حينما كان منتهجاً مناهجهم.

وبما أنّ الإمام الأشعري قد قضى شطراً كبيراً من عمره بين أهل الفكر والتعقّل، فلذا أخذ بالتعديل والتهذيب في عقائد المذهب الأُم ـ أهل الحديث ـ وما قام به من العملية العقلية وإن أغضبت ثلة من الحنابلة وأهل الحديث، حتى إنّ كبير الحنابلة (البربهاري) في ذلك الوقت لم يقبل دفاع الشيخ الأشعري عن عقائد أهل السنّة بالبرهنة والاستدلال، ولكن النفوس المستعدة المتنورة تأثّرت بمنهج الإمام الأشعري، وزاد الإقبال عليه وتوفر الثناء على فكرته.

وعلى ضوء منهجه ألّف الإمام البيهقي (1) صاحب السنن الكبرى كتاب «الأسماء والصفات» وعالج فيه كثيراً من روايات التشبيه والتجسيم، كما قام ابن فورك(2) بتأليف كتاب «مشكل الحديث وبيانه»، كلّ ذلك على الخط الذي رسمه الأشعري في تنزيهه سبحانه.


1 . هو الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي(المتوفّي عام 458هـ) وطبع كتاب «الأسماء والصفات» في مصر بتصحيح الشيخ محمد زاهد الكوثري. ومن المأسوف عليه أنّ يد الخيانة أسقطت مقدمة الأُستاذ الشيخ سلامة العزامي الشافعي عند إعادة الطبع بالأفست، وما هذا إلاّ لأنّ المقدمة كانت على ضد السلفيةوالوهابية.
2 . هو أبو بكر محمد بن حسن بن فورك(المتوفّى عام 406هـ) له ترجمة في تبيين ابن عساكر:232ـ 233.
يقول المقريزي في خططه (ج2،ص 358) في بيان حقيقة المذهب الأشعري: إنّه سلك طريقاً بين النفي الذي هو مذهب الاعتزال (نفي الصفات الخبرية كاليد والوجه)، وبين الإثبات الذي هو مذهب أهل التجسيم وناظر على قوله هذا واحتج لمذهبه فمال إليه جماعة وعوّلوا على رأيه، منهم: القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني المالكي، و أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك، والشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن مهران الإسفرائيني، والشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي، والشيخ أبو حامد محمد بن أحمد الغزالي، وأبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أحمد الشهرستاني،والإمام فخر الدين محمد بن عمر بن حسين الرازي وغيرهم ممن يطول ذكره ونصروا مذهبه وناظروا عليه وجادلوا فيه واستدلّوا له في مصنّفات لا تكاد تحصر، فانتشر مذهب أبي الحسن الأشعري في العراق من نحو سنة ثمانين وثلاثمائة وانتقل منه إلى الشام، إلى آخر ما ذكره.

Website Security Test