welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : بحوث في الملل والنحل/ ج1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

بحوث في الملل والنحل/ ج1

(264)

1. خطبة الإمام أمير المؤمنينـ عليه السَّلام ـ

روى الكليني عن علي بن محمد، عن سهل بن زياد مرفوعاً قال: كان أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ جالساً بالكوفة بعد منصرفه من صفين إذ أقبل شيخ فجثا بين يديه(1)، ثمّ قال له:يا أمير المؤمنين أخبرنا عن مسيرنا إلى أهل الشام أبقضاء من اللّه وقدر؟

فقال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «أجل يا شيخ ما علوتم تلعة(2) ولا هبطتم بطن واد إلاّبقضاء من اللّه وقدر.

فقال له الشيخ: عند اللّه أحتسب عنائي(3) يا أمير المؤمنين؟

فقال له: «مه يا شيخ! فواللّه لقد عظّم اللّه الأجر في مسيركم وأنتم سائرون، وفي مقامكم وأنتم مقيمون، وفي منصرفكم وأنتم منصرفون، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ولا إليه مضطرين».

فقال له الشيخ: وكيف لم نكن في شيء من حالاتنا مكرهين ولا إليه مضطرين، وكان بالقضاء والقدر مسيرنا ومنقلبنا ومنصرفنا؟

فقال له: «وتظن أنّه كان قضاء حتماً وقدراً لازماً؟ إنّه لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب، والأمر والنهي والزجر من اللّه، وسقط معنى الوعد والوعيد، فلم تكن لائمة للمذنب، ولا


1 . جثا يجثوا جثواً وجثياً بضمهما: جلس على ركبتيه وأقام على أطراف أصابعه.
2 . والتلعة ما ارتفع من الأرض.
3 . أي منه أطلب أجر مشقتي.


(265)

محمدة للمحسن، ولكان المذنب أولى بالإحسان من المحسن، ولكان المحسن أولى بالعقوبة من المذنب، تلك مقالة إخوان عبدة الأوثان وخصماء الرحمن وحزب الشيطان وقدرية هذه الأُمّة ومجوسها.

إنّ اللّه تبارك وتعالى كلّف تخييراً، ونهى تحذيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يعص مغلوباً، ولم يطع مكرهاً، ولم يملك مفوضاً، ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً، ولم يبعث النبيين مبشرين ومنذرين عبثاً، ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار».

فأنشأ الشيخ يقول:

أنت الإمام الـذي نرجـو بطاعتـه * يـوم النجـاة مـن الرحمـن غفـراناً

أوضـحت من أمرنا ماكان ملتبساً * جزاك ربّك بالإحسـان إحسـاناً (1)

وقال الرضي: ومن كلام له ـ عليه السَّلام ـ للسائل الشامي لما سأله: أكان مسيرنا إلى الشام بقضاء من اللّه وقدر؟ بعد كلام طويل هذا مختاره:

ويحك! لعلك ظننت قضاء لازماً، وقدراً حاتماً! ولو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب، وسقط الوعد والوعيد. وإنّ اللّه سبحانه أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلّف يسيراً، ولم يكلّف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يعص مغلوباً، ولم يطع مكرهاً،ولم يرسل الأنبياء لعباً، ولم ينزل الكتاب للعباد عبثاً، ولا خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً: (ذلِكَ ظَنُّالّذِينَ كفَروا فَوَيلٌ لِلّذينَ كَفَرُوا مِنَ النّار)(2) .(3)

روى هذا النصّ من الإمام مشايخ الحديث في القرن الثالث والرابع منهم:

1. ثقة الإسلام الكليني ( حوالي 250 ـ 329هـ) في جامعه «الكافي» ج1، ص 155 بسند مرفوع.

2. الصدوق (306ـ 381هـ) في توحيده ص 273، و في عيون أخبار الرضا ، ج1، ص 138 بأسانيد ثلاثة.


1 . الكافي:1/155ـ 156، كتاب التوحيد باب الجبر والقدر.
2 . ص : 27.
3 . نهج البلاغة: قسم الحكم الرقم 78.


(266)

3. أبو محمد الحسن بن علي الحسيني بن شعبة الحرّاني الذي يروي عن أبي علي محمد بن الهمام الإسكافي الذي (توفّي عام 336هـ) فالرجل من أعلام أواسط القرن الرابع.

4. الشيخ المفيد(336ـ 413هـ) في كتابه «العيون والمحاسن» ص 40.

5. محمد الرضي جامع نهج البلاغة (359 ـ 406هـ).

6. محمد بن علي الكراجكي (المتوفّى 449هـ) في كتابه «كنز الفوائد» ص 169.

وهؤلاء أساتذة الحديث عند الشيعة لا يمتون للاعتزال ولا للمعتزلة بصلة، بل يصارعونهم في كثير من المسائل والمبادئ، ولبعضهم ردود على المعتزلة في بعض المجالات، كما ستوافيك أسماؤها في الجزء الثالث من هذه الموسوعة عند البحث عن عقائد المعتزلة، وبعد هذا لا يصحّ تقوّل بعض المتحذلقين كالدكتور علي سامي النشار حيث رأى أنّ هذا النصّ موضوع على لسان علي ـ عليه السَّلام ـ ببراعة نادرة يرى فيه محاكاة ممتازة بأسلوب علي ـ عليه السَّلام ـ بحجة أنّه ورد فيه جميع المصطلحات المعتزلية.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الكاتب لم يتحمّل جهد التتبّع حتى يقف على مصادر الحديث في كتب الشيعة في القرن الثالث والرابع فألقى الكلام على عواهنه فحكم بوضع النصّ، وقد عرفت وجوده في كتب الشيعة الذين كانوا هم والمعتزلة متصارعين وأمّا ما تمسّك به من وجود مصطلحات المعتزلة في الكلام فهو ناشئ عن عدم إلمام الرجل بتاريخ تكوّن المعتزلة فإنّهم أخذوا أكثر مبادئهم من خطب الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ في التوحيد والعدل، مضافاً إلى أنّ «عطاء بن واصل» مؤسس المنهج تتلمذ على يد «أبي هاشم» ولد «محمد بن الحنفية»، وهو أخذ عقائده عن أبيه وهو عن علي ـ عليه السَّلام ـ ، و هذا شيء قطعي في التاريخ، ولا ينكره إلاّ المتعصّب وهو


1 . نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام:1/412.


(267)

ممّا تعترف به أئمّة الاعتزال، كما سيوافيك نصوصهم في الجزء الثالث إن شاءاللّه.

إنّ مسألة القضاء والقدر و كون الإنسان مخيّراً أو مسيّراً ليست من المسائل التي طرحتها المعتزلة بل من المسائل القديمة التي كانت مطروحة عند جميع الأُمم، و قد عرفت عقيدة المشركين المعاصرين للنبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كما عرفت بعض الأحاديث المروية عن الخلفاء حول القدر والجبر، فلو كان وجود تلك المصطلحات شاهداً على وضع النص، فليكن ذلك شاهداً على كون أحاديث القدر بأجمعها موضوعة لاشتمالها على مصطلحات لم تكن موجودة في عصر الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

والعجب العجاب أنّ الدكتور ينكر النص ولكنّه يصحح روايات أبي هريرة ويقول: وقد أكثر حقاً من روايات الحديث لكثرة ملازمة الرسول.(1)

ولا أظن أنَّ من درس تاريخ حياة أبي هريرة يوافق الدكتور في هذا الرأي، فإنّه أسلم بعد خيبر وما أدرك من حياة الرسول إلاّسنتين وبضعة أشهر، ومع ذلك فهوأكثر الصحابة حديثاً!!

فيفوق عدد أحاديثه أحاديث عائشة وعلي ـ عليه السَّلام ـ مع أنّ عليّاً ـ عليه السَّلام ـ عاش في كنف النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من لدن ولادته إلى أن لبّى الرسول دعوة ربّه، فمرويات الإمام في الصحاح والمسانيد حوالي خمسمائة حديثاً و مرويات أبي هريرة تناهز خمسة آلاف حديث!!


1 . المصدر السابق:1/285.


(268)

2. كتاب الحسن السبط ـ عليه السَّلام ـ

إلى الحسن البصري

كتب الحسن بن أبي الحسن البصري(1) إلى أبي محمد الحسن بن علي ـ عليهما السَّلام ـ : أما بعد فإنّكم معشر بني هاشم الفلك الجارية في اللجج الغامرة والأعلام النيرة الشاهرة أو كسفينة نوح ـ عليه السَّلام ـ التي نزلها المؤمنون ونجا فيها المسلمون، كتبت إليك يابن رسول اللّه عند اختلافنا في القدر وحيرتنا في الاستطاعة، فأخبرنا بالذي عليه رأيك ورأي آبائك ـ عليهم السَّلام ـ . فإنّ من علماللّه علمكم وأنتم شهداء على الناس واللّه الشاهد عليكم، ذرّية بعضها من بعض، واللّه سميع عليم.

فأجابه الحسن ـ عليه السَّلام ـ : «بسم اللّه الرحمن الرّحيم وصل إلي كتابك، ولولا ما ذكرته من حيرتك وحيرة من مضى قبلك إذاً ما أخبرتك، أمّا بعد: فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره، [و]أنّ اللّه يعلمه فقد كفر، ومن أحال المعاصي على اللّه فقد فجر، إنّ اللّه لم يطع مكرهاً ولم يعص مغلوباً ولم يهمل العباد سدى من المملكة، بل هو المالك لما ملكهم والقادر على ما عليه أقدرهم، بل أمرهم تخييراً، ونهاهم تحذيراً، فإن ائتمروا بالطاعة لم يجدوا عنها صاداً، وإن انتهوا إلى معصية فشاء أن يمن عليهم بأن يحول بينهم وبينها فعل، وإن لم يفعل


1 . هو الحسن بن يسار، مولى زيد بن ثابت، أخو سعيد وعمارة، المعروف بالحسن البصري، مات سنة 110 هـ وله تسع وثمانون سنة.


(269)

فليس هو الذي حملهم عليها جبراً ولا أُلزموها كرهاً، بل منّ عليهم بأن بصّرهم وعرّفهم وحذّرهم وأمرهم ونهاهم لا جبلاً لهم على ما أمرهم به فيكونوا كالملائكة، ولا جبراً لهم على ما نهاهم عنه وللّه الحجّة البالغة، فلو شاء لهداكم أجمعين، والسلام على من اتّبع الهدى».(1)


1 . تحف العقول: 231; ورواه المجلسي في البحار:10/136 نقلاً عن كتاب العدد القوية لدفع المخاوف اليومية تأليف الشيخ الفقيه رضي الدين علي بن يوسف بن المطهّر الحلّي; وأيضاً رواه الكراجكي في كنز الفوائد: 170 الطبعة الأُولى، بأدنى اختلاف في اللفظ.


(270)

3. رسالة عمر بن عبد العزيز

في الرد على القدرية(1)

حدثنا أبو حامد بن جبلة، ثنا محمد بن إسحاق السراج، ثنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام، ثنا محمد بن بكر البرساني، ثنا سليم بن نفيع القرشي، عن خلف أبي الفضل القرشي، عن كتاب عمر بن عبد العزيز:

1. إلى النفر الذين كتبوا إليّ بما لم يكن لهم بحق في ردّ كتاب اللّه، وتكذيبهم بأقداره النافذة في علمه السابق الذي لا حدّ له إلاّ اللّه وليس لشيء مخرج منه، وطعنهم في دين اللّه و سنّة رسوله القائمة في أُمّته.

2. أمّا بعد، فإنّكم كتبتم إليّ بما كنتم تستترون فيه قبل اليوم في ردّعلم اللّه والخروج منه إلى ما كان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يتخوّفه على أُمّته من التكذيب بالقدر.

3. وقد علمتم أنَّ أهل السنّة كانوا يقولون: الاعتصام بالسنّة نجاة، وسينقص العلم نقصاً سريعاً، وقول عمر بن الخطاب وهو يعظ الناس: «إنّه لا عذر لأحد عند اللّه بعد البيّنة بضلالة ركبها حسبها هدى،ولا في هدى تركه


1 . نقلها أبو نعيم الإصبهاني في كتابه «حلية الأولياء» :5/346ـ 353 في ترجمة عمر بن عبد العزيز. ونحن ننقلها عمّا نشره «المعهد الألماني للأبحاث الشرقية» تحت عنوان «بدايات علم الكلام» عام النشر1977م.


(271)

حسبه ضلالة. قد تبيّنت الأُمور وثبتت الحجة وانقطع العذر» فمن رغب عن أنباء النبوة وما جاء به الكتاب تقطعت من يديه أسباب الهدى ولم يجد له عصمة ينجو بها من الردى.

4. وإنّكم ذكرتم أنّه بلغكم أنّي أقول: إنّ اللّه قد علم ما العباد عاملون وإلى ما هم صائرون، فأنكرتم ذلك عليّ وقلتم: إنّه ليس يكون ذلك من اللّه في علم حتى يكون ذلك من الخلق عملاً.

5. فكيف ذاك كما قلتم؟! واللّه يقول:(إِنّا كاشِفُوا العَذابِ قَليلاً إِنَّكُمْ عائِدُون) (1) يعني العائدين في الكفر وقال: (وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُون) .(2)

6. فزعمتم بجهلكم في قول اللّه: (فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُر) (3) أنّ المشيئة في أي ذلك أحببتم، إليكم من ضلالة أو هدى.

7. واللّه يقول: (وَما تَشاءُونَ إِلاّأَنْ يَشاء اللّهُ ربُّ العالمينَ) (4)، فبمشيئة اللّه لهم شاءوا، لو لم يشأ لم ينالوا بمشيئتهم من طاعته شيئاً، قولاً ولا عملاً، لأنّ اللّه لم يملّك العباد ما بيده و لم يفوّض إليهم ما يمنعه من رسله. فقد حرصت الرسل على هدى الناس جميعاً، فما اهتدى منهم إلاّمن هداه اللّه; ولقد حرص إبليس على ضلالتهم جميعاً، فما ضلّ منهم إلاّمن كان في علم اللّه ضالاً.

8. وزعمتم بجهلكم أنّ علم اللّه ليس بالذي يضطر العباد إلى ما عملوا من معصيته ولا بالذي يصدّهم عمّا تركوا من طاعته، ولكنّه بزعمكم كما علم أنّهم سيعملون بمعصيته، كذلك علم أنّهم سيستطيعون تركها.

9. فجعلتم علم اللّه لغواً، تقولون: لو شاء العبد لعمل بطاعة اللّه وإن كان في علم اللّه أنّه غير عامل بها، ولو شاء ترك معصيته وإن كان في علم


1 . الدخان:15.
2 . الأنعام:28.
3 . الكهف:29.
4 . التكوير:29.


(272)

اللّه أنّه غير تارك لها، فأنتم إذا شئتم أصبتموه وكان علماً، وإذا شئتم رددتموه وكان جهلاً، وإن شئتم أحدثتم من أنفسكم علماً ليس في علم اللّه، وقطعتم به علم اللّه عنكم، وهذا ما كان ابن عباس يعده للتوحيد نقضاً، وكان يقول: «إنّ اللّه لم يجعل فضله ورحمته هملاً بغير قسم ولا احتظار، ولم يبعث رسله بإبطال ما كان في سابق علمه» فأنتم تقرّون بالعلم في أمر وتنقضونه في آخر، واللّه يقول: (...يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيديهِمْ وَما خَلفَهُمْ وَلا يُحيطُونَ بِشَيء مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاءَ...) .(1) فالخلق صائرون إلى علم اللّه ونازلون عليه وليس بينه شيء هو كائن حجاب يحجبه عنه ولا يحول دونه، إنّه عليم حكيم.

10. وقلتم: لو شاء لم يعذب بعمل.

11. بغير ما أخبر اللّه في كتابه عن قوم(وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُون) (2) وأنّه سيمتعهم قليلاً(ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنّا عَذَابٌ ألِيمٌ) (3)، فأخبر أنّهم عاملون قبل أن يعملوا وأخبر أنّه معذّبهم قبل أن يخلقوا.

12. وتقولون أنتم إنّهم لو شاءوا خرجوا من علم اللّه في عذابهم إلى ما لم يعلم من رحمته لهم.

13.ومن زعم ذلك فقد عادى كتاب اللّه بالرد. ولقد سمّى اللّه رجالاً من الرسل بأسمائهم وأعمالهم في سابق علمه، فما استطاع آباؤهم لتلك الأسماء تغييراً، وما استطاع إبليس بما سبق لهم في علمه من الفضل تبديلاً، فقال: (وَاذْكُر عِبادَنا إِبْراهيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأيدِي وَالأَبصار* إِنّا أَخلَصْناهُمْ بِخالِصة ذِكرى الدّار) (4) فاللّه أعزّ في قدرته وأمنع من أن يملك أحداً إبطال علمه في شيء من ذلك، فهو المسمّي لهم بوحيه الذي (لا يَأْتيهِ )


1 . البقرة:255.
2 . المؤمنون:63.
3 . هود:48.
4 . ص: 45 ـ 46.


(273)

الباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيهِ وَلا مِنْ خَلْفِه)(1) أو أن يشرك في خلقه أحداً، أو أن يدخل في رحمته من قد أخرجه منها، أو أن يخرج منها من قد أدخله فيها. ولقد أعظم باللّه الجهل من زعم أنّ العلم كان بعد الخلق، بل لم يزل اللّه وحده بكلّ شيء عليماً وعلى كلّ شيء شهيداً قبل أن يخلق شيئاً، وبعد ما خلق لم ينقص علمه في بدئهم ولم يزد بعد أعمالهم، ولا تغير بالجوائح التي قطع بها دابر ظلمهم، ولم يملك إبليس هدى نفسه ولا ضلالة غيره.وقد أردتم بقذف مقالتكم إبطال علم اللّه في خلقه وإهمال عبادته، وكتاب اللّه قائم بنقض بدعتكم وإفراط قذفكم. ولقد علمتم أنّ اللّه بعث رسوله والناس يومئذ أهل الشرك، فمن أراد اللّه له الهدى لم تحل ضلالته الّتي كان فيها دون إرادة اللّه له، ومن لم يرد اللّه له الهدى تركه في الكفر ضالاً فكانت ضلالته أولى به من هداه.

14. فزعمتم أنّ اللّه أثبت في قلوبكم الطاعة والمعصية، فعملتم بقدرتكم بطاعته وتركتم بقدرتكم معصيته، وإنّ اللّه خلو من أن يكون يختص أحداً برحمته أو يحجز أحداً عن معصيته.

15. وزعمتم أنّ الشيء الذي يقدر إنّما هو عندكم اليسر والرخاء والنعمة وأخرجتم منه الأعمال.

16. وأنكرتم أن يكون سبق لأحد من اللّه ضلالة أو هدى أو أنّكم الذين هديتم أنفسكم من دون اللّه، وأنّكم الذين حجزتموها عن المعصية بغير قوة من اللّه ولا إذن منه.

17. فمن زعم ذلك فقد غلا في القول، لأنّه لو كان شيء لم يسبق في علم اللّه وقدره لكان للّه في ملكه شريك ينفذ مشيئته في الخلق من دون اللّه واللّه يقول: (حَبَِّّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُم) (2) وهم له قبل ذلك كارهون (وَ كَرَّهَ إلَيْكُمُ الْكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ)(3) وهم له قبل ذلك محبون وما كانوا على شيء من ذلك لأنفسهم بقادرين. ثمّ أخبرنا بما سبق لمحمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ


1 . فصلت:42.
2 . الحجرات:7.
3 . الحجرات:7.


(274)

من الصلاة عليه والمغفرة له ولأصحابه فقال: (أَشِدّاءُ عَلَى الكُفّارِ رَُُحماءُ بَيْنَهُمْ) (1) وقال: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللّهُ مَا تَقَدَّّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ) (2)، فكرماً غفرها اللّه له قبل أن يعملها ثمّ أخبرنا بما هم عاملون قبل أن يعملوا وقال: (تَراهُمْ رُكّعاً سُجّداً يَبْتَغُونَ فَضلاً مِنَ اللّهِ وَرِضْواناً) (3). فضلاً سبق لهم من اللّه قبل أن يخلقوا ورضواناً عنهم قبل أن يؤمنوا.

18. وتقولون أنتم إنّهم قد كانوا ملكوا ردّ ماأخبر اللّه عنهم أنّهم عاملون وإنّ إليهم أن يقيموا على كفرهم مع قوله، فيكون الذي أرادوا لأنفسهم من الكفر مفعولاً ولا يكون لوحي اللّه فيما اختار تصديقاً.

19. بل (فللّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ) (4) و (هي) في قوله: ه(لولا كِتابٌ مِنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (5)، فسبق لهم العفو من اللّه فيما أخذوا قبل أن يؤذن لهم.

20. وقلتم: لو شاءوا خرجوا من علم اللّه في عفوه عنهم إلى ما لم يعلم من تركهم لما أخذوا.

21. فمن زعم ذلك فقد غلا و كذب، و لقد ذكر بشراً كثيراً هم يومئذ في أصلاب الرجال وأرحام النساء فقال:(وَآخرِينَ مِنْهُمْ لمّا يَلْحَقُوا بِهِم) (6)، (والّذِينَ جاءُوا مِنْ بَعْدِهِم يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا وَلإخوانِنَا الّذِين سَبَقُونا بالإِيمان)(7)، فسبقت لهم الرحمة من اللّه قبل أن يخلقوا والدعاء لهم بالمغفرة ممّن لم يسبقهم بالإيمان من قبل أن يدعوا.


1 . الفتح:29.
2 . الفتح:2.
3 . الفتح:29.
4 . الأنعام:149.
5 . الأنفال:68.
6 . الجمعة:3.
7 . الحشر:10.


(275)

22. ولقد علم العالمون باللّه أنّ اللّه لا يشاء أمراً فيحول مشيئته غيره دون بلاغ ما شاء، ولقد شاء لقوم الهدى فلم يضلّهم أحد وشاء إبليس لقوم الضلالة فاهتدوا. فقال لموسى وأخيه: (اذْهَبا إِلى فِرْعَونَ إِنّهُ طَغى* فَقُولا لَهُ قَولاً لَيّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكّرُ أَوْ يَخْشَى)(1)، وموسى في سابق علمه أنّه يكون لفرعون عدواً وحزناً فقال: (ونُرِيَ فِرعونَ وهامانَ وجُنُودَهُما مِنهُم ما كانُوا يَحْذَرُونَ) .(2)

23. فتقولون أنتم: لو شاء فرعون كان لموسى ولياً وناصراً، واللّه يقول:( ِلَيكونَ لَهُمْ عَدُواً وحَزَناً) (3). وقلتم: لو شاء فرعون لامتنع من الغرق واللّه يقول:(إِنّهُمْ جُنْدٌ مُغرَقُونَ) (4). فثبت ذلك عنده في وحيه في ذكر الأوّلين، كما قال في سابق علمه لآدم قبل أن يخلقه: (إِنّي جاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَة) (5) فصار إلى ذلك بالمعصية التي ابتلي بها، وكما كان إبليس في سابق علمه أنّه سيكون (مَذْمُوماً مَدْحُوراً) (6) وصار إلى ذلك بما ابتلي به من السجود لآدم فأبى، فتلقى آدم بالتوبة فرحم و تلقى إبليس باللعنة فغوى، ثمّ أهبط آدم إلى ما خلق له من الأرض مرحوماً متوباً عليه، وأهبط إبليس بنظرته مدحوراً مسخوطاً عليه.

24. وقلتم أنتم: إنّ إبليس وأولياءه من الجنّ قد كانوا ملكوا ردّ علم اللّه والخروج من قسمه الذي أقسم به إذ قال: (فَالحَقُّ وَالحَقَّ أقُولُ* لأَمْْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَ ممّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ) (7)حتّى لا ينفذ له علم إلاّ بعد مشيئتهم.


1 . طه:43ـ 44.
2 . القصص: 6.
3 . القصص:8.
4 . الدخان:24.
5 . البقرة:30.
6 . الإسراء:18.
7 . ص:84 ـ 85.


(276)

25. فماذا تريدون بهلكة أنفسكم في ردّ علم اللّه؟ فإنّ اللّه جلّوعلا لم يشهدكم خلق أنفسكم، وكيف يحيط جهلكم بعلمه؟ وعلم اللّه ليس بمقصر عن شيء هو كائن، ولا يسبق علمه في شيء فيقدر أحد على ردّه. ولو كنتم تنتقلون في كلّ ساعة من شيء إلى شيء هو كائن، لكانت مواقعكم عنده. ولقد علمت الملائكة قبل خلق آدم ما هو كائن من العباد في الأرض(من الفساد) وسفك الدماء فيها، وما كان لهم في الغيب من علم، فكان في علم اللّه الفساد وسفك الدماء، وما قالوه تخرصاً إلاّ بتعليم العليم الحكيم لهم فظن ذلك منهم، وأنطقهم به.

26. فأنكرتم أنّ اللّه أزاغ قوماً قبل أن يزيغوا وأضلّ قوماً قبل أن يضلّوا.

27. وهذا ممّا لا يشك فيه المؤمنون باللّه: إنّ اللّه قد عرف قبل أن يخلق العباد مؤمنهم من كافرهم وبرهم من فاجرهم. وكيف يستطيع عبد هو عند اللّه مؤمن أن يكون كافراً أو هو عند اللّه كافر أن يكون مؤمناً؟ واللّه يقول: (أو َ مَنْ كانَ مَيْتاً فأحْيَيناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِج مِنْها) (1). فهو في الضلالة ليس بخارج منها أبداً إلاّ بإذن اللّه.

28. ثمّ آخرون «اتّخذوا» من بعد الهدى(عِجْلاً جَسَداً) (2) فضلّوا به، فعفا عنهم لعلّهم يشكرون،فصاروا (مِنْ قَوْمِ مُوسى أُمّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ) (3) وصاروا إلى ما سبق لهم. ثمّ ضلّت ثمود بعد الهدى فلم يعف عنهم ولم يرحموا، فصاروا في علمه إلى (صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هُمْ خامِدُونَ) )(4)، فنفذوا إلى ما سبق لهم، لأنّ صالحاً رسولهم وأنّ الناقة (فِتْنَةً لَهُمْ) (5) وأنّه مميتهم كفّاراً، فعقروها.


1 . لأنعام:122.
2 . الأعراف:148.
3 . الأعراف:159.
4 . يس:29.
5 . القمر:27.


(277)

29. وكان إبليس فيما كانت فيه الملائكة من التسبيح والعبادة فابتلي فعصى فلم يرحم، وابتلي آدم فعصى فرحم. وهمّ آدم بالخطيئة فنسي، وهمّ يوسف بالخطيئة فعصم، فأين كانت الاستطاعة عند ذلك؟ هل كانت تغني شيئاً فيما كان من ذلك حتى لا يكون، أو تغني فيما لم يكن حتى يكون، فنعرف لكم بذلك حجّة؟ بل اللّه أعزّممّا تصفون وأقدر.

30. وأنكرتم أن يكون سبق لأحد من اللّه ضلالة أو هدى، وإنّما علمه بزعمكم حافظ وإنّ المشيئة في الأعمال إليكم، إن شئتم أحببتم الإيمان فكنتم من أهل الجنة. ثمّ جعلتم بجهلكم حديث رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الذي جاء به أهل السنّة ـ و هو مصدق للكتاب المنزل ـ أنّه من ذنب مُضاه ذنباًخبيثاً، في قول النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حين سأله عمر: «أرأيت ما نعمل أشيء قد فرغ منه أم شيء تأتنفه؟ فقال ـ عليه السَّلام ـ : «بل شيء قد فرغ منه». فطعنتم بالتكذيب له ، و تعليم من اللّه في علمه إذ قلتم: إن كنّا لا نستطيع الخروج منه فهو الجبر. والجبر عندكم الحيف.

31. فسمّيتم نفاذ علم اللّه في الخلق حيفاً.

32. وقد جاء الخبر أنّ اللّه خلق آدم فنثر ذريّته في يده فكتب أهل الجنّة وما هم عاملون، وكتب أهل النار وما هم عاملون. وقال سهل بن حنيف يوم صفين : أيّها الناس، اتهموا رأيكم على دينكم، فوالذي نفسي بيده، لقد رأيتنا يوم أبي جندل ولو نستطيع رد أمر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لرددناه. واللّه ما وضعنا سيوفنا على عواتقنا إلاّأسهلت بنا على أمر نعرفه قبل أمركم هذا.

33. ثمّ أنتم بجهلكم قد أظهرتم دعوة حقّ على تأويل باطل تدعون الناس إلى ردّ علم اللّه فقلتم: الحسنة من اللّه والسيّئة من أنفسنا; وقال أئمّتكم وهم أهل السنّة:الحسنة من اللّه في قدر سبق، والسيّئة من أنفسنا في علم قد سبق.

34. فقلتم: لا يكون ذلك حتّى يكون بدؤها من أنفسنا كما بدء السيّئة من أنفسنا.


(278)

35. وهذا رد الكتاب منكم ونقض الدين، وقد قال ابن عباس رضي اللّه عنه حين نجم القول في القدر: هذا أوّل شرك هذه الأُمّة، واللّه، ما ينتهى بهم سوء رأيهم حتّى يخرجوا اللّه من أن يكون قدر خيراً كما أخرجوه من أن يكون قدر شراً.

36. أنتم تزعمون بجهلكم أنّ من كان في علم اللّه ضالاً فاهتدى، فهو بما ملك ذلك حتّى كان في هداه ما لم يكن اللّه علمه فيه، وأنّ من شرح صدره للإسلام فهو ممّا فوض إليه قبل أن يشرحه اللّه له، وأنّه إن كان مؤمناً فكفر فهو ممّا شاء لنفسه وملك من ذلك لها وكانت مشيئته في كفره أنفذ من مشيئة اللّه في إيمانه.

37. بل أشهد أنّه من عمل حسنة فبغير معونة كانت من نفسه عليها، وأنّ من عمل سيئة فبغير حجّة كانت له فيها وأنّ الفضل بيد اللّه يؤتيه من يشاء وأنّ اللّه لو أراد أن يهدي الناس جميعاً لنفذ أمره فيمن ضلّ حتّى يكون مهتدياً.

38. فقلتم: بمشيئته شاء لكم تفويض الحسنة إليكم وتفويض السيئة، ألقى عنكم سابق علمه في أعمالكم وجعل مشيئته تبعاً لمشيئتكم.

39. ويحكم، فواللّه، ما أمضى لبني إسرائيل مشيئتهم حين أبوا أن يأخذوا ما آتاهم بقوّة حتى نتق(الجَبَلَ فَوْقَهُم كَأنّهُ ظُلَّة) (1). فهل رأيتموه أمضى مشيئة لمن كان قبلكم في ضلالته حين أراد هداه حتى صار إلى أن أدخله بالسيف في الإسلام كرهاً بموقع علمه بذلك فيه؟ أم هل أمضى لقوم يونس مشيئتهم حين أبوا أن يؤمنوا حتى أظلَّهم العذاب ف آمنوا و قبل منهم، ورد على غيرهم الإيمان فلم يقبل منهم. وقال:(فَلَمّا رأوا بَأْسنا قالُوا آمَنّا باللّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرنا بما كُنّا بِهِ مُشْرِكين* فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لما رأَوا بَأْسَنا سُنّةَ اللّهِ الّتي قَدْ خَلَتْ في عِبادهِ) (2) أي علم اللّه الذي قد خلا في خلقه(وَخَسِرَ هُنالِكَ )


1 . الأعراف:171.
2 . غافر:84ـ85.


(279)

الكافِرُون)(1)وذلك كان موقعهم عنده أن يهلكوا بغير قبول منهم، بل الهدى والضلالة والكفر والإيمان والخير والشر بيد اللّه يهدي من يشاء ويذر من يشاء (في طُغيانهم يَعْمَهُون) (2). كذلك قال إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ : (رَبِّ ... واجْنُبْني وَبَنِيَّ أَنْ نعبُدَ الأَصنامَ) (3)، قال: (رَبّنا وَاجْعَلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرّيّتِنَا أُمّةً مُسْلِمةً لَك)(4)، أي إنّ الإيمان والإسلام بيدك وإنّ عبادة من عبد الأصنام بيدك، فأنكرتم ذلك وجعلتموه ملكاً بأيديكم دون مشيئة اللّه عزّوجلّ.

40. وقلتم في القتل إنّه بغير أجل.

41. وقد سمّاه اللّه لكم في كتابه فقال ليحيى: (وَسَلامٌ عَليهِ يَومَ وُُلدَ ويَومَ يَمُوتُ وَيَوَم يُبْعَثُ حَيّاً) (5) فلم يمت يحيى إلاّ بالقتل، وهو موت كما مات من قتل شهيداً أو قتل خطأ كما مات بمرض أو بفجأة، كلّ ذلك موت بأجل استوفاه ورزق استكمله وأثر بلغه ومضجع برز إليه، (وَ ما كانَ لِنَفْس أنْ تَمُوتَ إلاّ بِإذنِ اللّهِ كِتاباً مُؤجَّلاً) (6) ولا تموت نفس ولها في الدنيا عمر ساعة إلاّ بلغته ولا موضع قدم إلاّ وطئته ولا مثقال حبة من رزق إلاّ استكملته ولا مضجع حيث كان إلاّبرزت إليه، يصدق ذلك قول اللّه عزّوجلّ(قُلْ لِلّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلبُون و تُحْشَرُون إِلى جَهَنّم) (7)، فأخبر اللّه بعذابهم بالقتل في الدنيا وفي الآخرة بالنار وهم أحياء بمكة.

42. وتقولون أنتم: إنّهم قد كانوا ملكوا رد علم اللّه في العذابين الذين أخبر اللّه ورسوله أنّهما نازلان بهم.


1 . غافر:85.
2 . الأعراف:186.
3 . إبراهيم:35.
4 . البقرة:128.
5 . مريم:15.
6 . آل عمران:145.
7 . آل عمران:12.


(280)

43. فقال: (ثانيَ عِطْفهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ لَهُ فِي الدُّنيا خِزْيٌ) (1) يعني القتل يوم بدر (ونُذِيقُهُ يَومَ القِيامَةِ عَذابَ الحَرِيقِ) (2) فانظروا إلى ما أرادكم فيه رأيكم كتاباً سبق في علمه بشقائكم إن لم يرحمكم.

44. ثمّ قول رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «بني الإسلام على ثلاثة أعمال: الجهاد ماض منذ يوم بعث اللّه رسوله إلى يوم تقوم فيه عصابة من المؤمنين يقاتلون الدجّال لا ينقض ذلك جور جائر ولا عدل عادل، والثانية: أهل التوحيد لا تكفروهم بذنب ولا تشهدوا عليهم بشرك ولا تخرجوهم من الإسلام بعمل، والثالثة: المقادير كلّها خيرها وشرها من قدر اللّه». فنقضتم من الإسلام جهاده، وجرّدتم شهادتكم على أُمّتكم بالكفر وبرئتم منهم ببدعتكم، وكذبتم بالمقادير كلّها والآجال والأعمال والأرزاق، فما بقيت في أيديكم خصلة بني الإسلام عليها إلاّنقضتموها وخرجتم منها.

***

هذه رسالة عمر بن عبد العزيز إلى بعض القدريين مجهولي الهوية، وقد نسب إليهم إنكار علمه الأزلي في أفعال العباد، ومصائرهم، ونحن نتبرّأ ممّن ينكر علمه الوسيع المحيط بكلّ شيء، ونؤمن بما قاله سبحانه:

(وَلا رَطْب وَلا يابس إِلاّ في كِتاب مُبِين). (3)

وقوله سبحانه: (ما أَصابَ مِنْ مُصيبَة فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاّ فِي كتاب من قَبلِ أَنْ نَبرَأَها إِنَّ ذلكَ عَلى اللّهِ يَسير) .(4)

ولكن نتبرّأ من كلّ من جعل علمه السابق ذريعة إلى نسبة الجبر إلى اللّه سبحانه، ونؤمن بأنّ علمه السابق المحيط لا يكون مصدراً لكون العباد مجبورين في مصائرهم وأنّهم يعملون ويفعلون، ويختارون بمشيئتهم التي منحها اللّه لهم في حياتهم، ليهلك من هلك عن بيّنة، ويحيا من حيّ عن بيّنة.


1 . الحج:9.
2 . الحج:9.
3 . الأنعام:59.
4 . الحديد:22.


(281)

فمنكر علمه السابق المحيط بكلّ شيء ضالّ مضلّ، ومن استنتج منه الجبر مثله في الضلالة والغواية، عصمنا اللّه جميعاً من الزلّة، والعثرة في العلم والعمل.

ولأجل أن يقف القارئ الكريم على أنّه كان في تلك العصور الحرجة رجال من أهل السنّة يذهبون إلى غير ما ذهب إليه أصحاب السلطة الأمويون ننشر رسالة الحسن البصري في ذلك المجال، وهي رسالة قيمة.(1)


1 . الهدف هو نشر هذه الرسالة لما فيها من فائدة، ولا صلة له بتقييم الحسن البصري في كلّ ما يقول أو ما يروى عنه أو ينسب إليه، فإنّ لبيان ذلك مجالاً آخر.


(282)

4. رسالة الحسن البصري في الدفاع

عن نظرية الاختيار

قال القاضي عبد الجبار:المشهور أنّ عبد الملك بن مروان كاتبه بأنّه قد بلغنا عنك من وصف القدر ما لم يبلغنا عن أحد من الصحابة، فاكتب بقولك إلينا في هذا الكتاب، فكتب إليه:

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

سلام عليك

أمّا بعد: فإنّ الأمير أصبح في قليل من كثير مضوا، والقليل من أهل الخير مغفول عنهم، و قديماً قد أدركنا السلف الذين قاموا بأمر اللّه، واستنّوا بسنّة رسوله، فلم يبطلوا حقاً، ولا ألحقوا بالرب تعالى إلاّ ما ألحق بنفسه،ولا يحتجون إلاّ بما احتج اللّه تعالى به على خلقه بقوله الحقّ:(وَماخَلَقْتُ الجنَّ والإِنسَ إِلاّ ِليعبُدُونِ) (1). ولم يخلقهم لأمر ثمّ حال بينهم و بينه، لأنّه تعالى ليس بظلام للعبيد ولم يكن في السلف من ينكر ذلك ولا يجادل فيه، لأنّهم كانوا على أمر واحد متسق.(2) وإنّما أحدثنا الكلام فيه، حيث أحدث الناس النكرة له، فلمّا أحدث المحدثون في دينهم ما أحدثوه، أحدث المتمسّكون بكتابه ما يبطلون به المحدثات، ويحذرون به من المهلكات.


1 . الذاريات:56.
2 . في مخطوطة أيا صوفيا:متفقين.


(283)

وذكر: إنّ الذي أوقعهم فيه تشتت الأهواء، وترك كتاب اللّه تعالى، ألم تر إلى قوله: (قُلْ هاتُوا بُرهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقيِن) (1). فافهم أيّها الأمير ما أقوله، فإنّ ما نهى اللّه عنه فليس منه، لأنّه لا يرضى ما يسخط، وهو من العباد، فإنّه تعالى يقول: (ولا يَرضى لِعبادِهِ الكُفرَ وَإِنْ تشكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) .(2)

فلو كان الكفر من قضائه وقدره، لرضي به ممّن عمله، وقال تعالى: (وَقَضى ربُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إيّاهُ) (3)؟! وقال: (وَالّذي قدَّرَ فَهَدى) (4) ولم يقل والذي قدّر فأضل، لقد أحكم اللّه آياته وسنّة نبيّه ـ عليه السَّلام ـ فقال: (قُلْ إِنْ ضَلَلتُ فَإِنّما أَضِلُّ عَلى نَفسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِليَّ رَبِّّي )(5). وقال: (الّذي أَعطى كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ ثُمّ هَدَى) (6). ولم يقل ثمّ أضل، وقال: (إِنّ عَلَيْنا لَلْهُدى) (7)، ولم يقل إنّ علينا للضلال ولا يجوز أن ينهى العباد عن شيء في العلانية، ويقدره عليهم في السر، ربّنا أكرم من ذلك وأرحم ولو كان الأمر كما يقول الجاهلون ما كان تعالى يقول: (اعْمَلُوا ما شِئْتُم)(8). ولقال: اعملوا ما قدرت عليكم، وقال: (لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أنْ يَتَقدَّمَ أو يَتَأخَّرَ) (9). لأنّه جعل فيهم من القوّة ذلك لينظر كيف يعملون، ولو كان الأمر كما قاله المخطئون، لما كان إليهم أن يتقدّموا ولا يتأخّروا،ولا كان لمتقدم حمد فيما عمل، ولا على متأخّر لوم، ولقال: جزاء بما عمل بهم، ولم يقل جزاء بما عملوا وبما كسبوا، وقال تعالى: (وَنَفْس وَما سَوّاها* فَأَلْهَمَها فُجُورَها )


1 . النمل: 64.
2 . الزمر:7.
3 . الإسراء:23.
4 . الأعلى: 3.
5 . سبأ:50.
6 . طه:50.
7 . الليل:12.
8 . فصلت: 40 .
9 . المدثر:37.


(284)

وَتَقواها) .(1) أي بيّن لها ما تأتي و ما تذر ثمّ قال: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها* وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها).(2) فلو كان هو الذي دسّاها ما كان ليخيب نفسه، تعالى عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً، وقوله تعالى: (رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لنَا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعفاً فِي النّار).(3)

فلو كان اللّه هو الذي قدّم لهم الشر، ما قال ذلك، وقال تعالى: (رَبّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونا السَّبِيلا)(4). فالكبراء أضلّوهم دون اللّه تعالى، بل قال تعالى: (إِنّا هَدَيْناهُ السَّبيلَ إِمّا شاكِراً )وَإِمّا كَفُوراً )(5) (وَمَنْ شَكَرَ فَإِنّما يَشْكُرُلِنَفْسِهِ) (6). وقال: (وَأَضلَّ فِرعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدَى).(7) وقال تعالى: (وما أضَلَّنا إلاّ المُجْرِمُون) (8). (وأضَلَّهُمُ السّامِرِي) (9). (إنَّ الشيطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ)(10). (فَزَيَّنَ لَهُمُ الشّيطانُ أعْمَالَهُم).(11) و قال: (وَ أمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحبُّوا العَمى عََلى الهُدى)(12)فكان بدو الهدى من اللّه واستحبابهم العمى بأهوائهم وظلم آدم نفسه، ولم يظلمه ربّه فقال:(رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا)(13). وقال موسى :(هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيطانِ إنّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِين)(14) . فغواه أهل الجهل وقالوا: (فَإِنَّ )


1 . الشمس:7 و 8.
2 . الشمس:9و 10.
3 . ص:61.
4 . الأحزاب:67.
5 . الإنسان:3.
6 . لنمل:40.
7 . طه:79.
8 . الشعراء:99.
9 . طه:85.
10 . الإسراء:53.
11 . النحل:63.
12 . فصلت:17.
13 . الأعراف:23.
14 . القصص:15.


(285)

اللّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ ويَهْدِي مَنْ يَشاءُ)(1) ولِمَ لم ينظروا إلى ما قبل الآية وما بعدها، ليبيّن لهم أنّه تعالى لا يضلّ إلاّ بتقدّم الكفر والفسق، كقوله تعالى: (ويُضِلُّ اللّهُ الظّالِمِينَ )(2). وقوله: (فَلَمّا زَاغُوا أزَاغَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ) (3). (وما يُضِلُّ بهِ إِلاّ الفاسِقِين) (4).

وبين الحسن في كلامه الوعيد، فقال: إنّه تعالى قال: (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذَابِ أَفأنتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النّارِ)(5). وقال :(كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الّذِيَن فَسَقُوا) .(6) وقال تعالى: (أُدْخُلُوا فِي السّلْمِ كَافَّة) (7). فكيف يدعوهم إلى ذلك وقد حال بينهم وبينه؟ وقال: (وَما أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إِلاّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللّهِ)(8). فكيف يجوز ذلك و قد منع خلقه من طاعته؟ قال: والقوم ينازعون في المشيئة وإنّما شاء اللّه الخير بمشيئته قال: (يُريدُ اللّهُ بِكُُمُ اليُسْرَ وَلا يُريدُ بِكُمُ العُسرَ) (9). وقال في ولد الزنى إنّه من خلق اللّه، وإنّما الزاني وضع نطفته في غير حقّها، فتعدّى أمر اللّه، واللّه يخلق من ذلك ما يشاء وكذلك صاحب البذر إذا وضعه في غير حقّه.(10)

وقال في الرسالة: إنّ اللّه تعالى أعدل وأرحم من أن يعمي عبداً، ثمّ يقول له: أبصر وإلاّ عذبتك، وإذا خلق اللّه الشقي شقياً، ولم يجعل له سبيلاً إلى السعادة فكيف يعذبه؟! وقد قال اللّه تعالى لآدم وحواء: (فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ)(11). فغلبهما الشيطان على هواه ثمّ قال: (يا )بَنِي


1 . فاطر:8.
2 . إبراهيم:27.
3 . الصف:5.
4 . البقرة: 26 .
5 . الزمر:19.
6 . يونس:33.
7 . البقرة:208.
8 . النساء:64.
9 . البقرة:185.
10 . كذا في النسخة والظاهر: حقله.
11 . الأعراف:19.


(286)

آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيطانُ كَما أَخرجَ أبَوَيْكُمْ مِنَ الجِنَّةِ) .(1) وليس للشيطان عليهم سلطان إلاّ ليعلم من يؤمن بالآخرة ممّن هو منها في شك. وبعث اللّه الرسول نوراً ورحمة فقال: (اسْتَجِيُبوا للّهِ وللرّسُولِ) (2) وقال: (اسْتَجِيبُوا لرَبِّكُم) (3) وقال: (أَجِيبُوا داعِيَ اللّهِ) (4) و(وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فاتَّبِعُوه)(5) وقال: (وَما كُنّا مُعذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (6) فكيف يفعل ذلك ثمّ يعميهم عن القبول. وقال تعالى: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسانِ) (7) وينهى عمّا أمر به الشيطان قال في الشيطان : (يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصحابِ السَّعِيرِ) (8) فمن أجاب الشيطان كان من حزبه، فلو كان كما قال الجاهلون لكان إبليس أصوب من الأنبياء ـ عليهم السَّلام ـ إذ دعاؤه إلى إرادة اللّه تعالى وقضائه، ودعت الأنبياء إلى خلاف ذلك، وإلى ما علموا أنّ اللّه قد حال بينهم و بينه.

وقال القوم فيمن أسخط اللّه: إنّ اللّه جبلهم على إسخاطه، وكيف يسخط أن عملوا بقضائه عليهم وإرادته، واللّه يقول: (ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَدَاكَ) (9) وهؤلاء الجهّال يقولون: إنّ اللّه قدّمه وما أضلّهم سواه: (لِيُرْدُوهُمْ ولِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ ولو شاءَ اللّهُ ما فَعَلُوهُ)(10) فلو كان الأمر كما زعموا، لكان الدعاء والأمر لا تأثير له، لأنّ الأمر مفروغ منه، لكن التأويل على غير ما قالوه وقد قال تعالى: (ذلِكَ يَوٌم مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذلِكَ )


1 . الأعراف:27.
2 . الأنفال:24.
3 . الشورى:47.
4 . الأحقاف:31.
5 . الأنعام:153.
6 . الإسراء:15.
7 . النحل:90.
8 . فاطر:6.
9 . الحج:10.
10 . الأنعام:137.


(287)

يَومٌ مَشْهُود) (1)، والسعيد ذلك اليوم هو المتمسّك بأمر اللّه والشقي هو المضيع.

وقال في الرسالة: واعلم أيّها الأمير، أنّ المخالفين لكتاب اللّه تعالى وعدله يحيلون في أمر دينهم بزعمهم على القضاء والقدر ثمّ لا يرضون في أمر دنياهم إلاّ بالاجتهاد والتعب والطلب والأخذ بالحزم فيه. وذلك لثقل الحقّ عليهم، ولا يعولون في أمر دنياهم وفي سائر تصرفهم على القضاء والقدر، فلو قيل لأحدهم: لا تستوثق في أُمورك، ولا تقفل حانوتك احترازاً لمالك و اتّكل على القضاء والقدر، لم يقبل ذلك، ثمّ يعوّلون عليه في الذي قال:

وما يحتجون به أنّ اللّه تعالى قبض قبضة فقال: «هذا في الجنّة و لا أُبالي. وقبض أُخرى و قال: هذا في النار ولا أُبالي». فإنّهم يرون ربّهم يصنع ذلك، كالمقارع بينهم المجازف، فتعالى اللّه عمّا يصفونه.

فإن كان الحديث حقّاً، فقد علم اللّه تعالى أهل الجنّة وأهل النار، قبل القبضتين وقبل أن خلقهم، فإنّما قبض اللّه أهل الجنة الذين في علمه أنّهم يصيرون إليها، و إنّما مرادهم أن يقرروا في نفوس الذين يقبلون ما رووه، أن تكون أعمال الناس هباءً منثوراً، من حيث قد فرغ من الأمر، وكيف يصح ذلك مع قوله: (تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْن َمِنْهُ و تَنْشَقّ الأرضُ وتَخِرُّالجِبَالُ هَدّاً* أن دَعَوْا للرّحمنِ وَََلداً)(2) وهو الذي حملهم عليه.

وما معنى قوله: (فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُون) (3) وقد منعهم؟ وكيف يقول: (ما كانَ لأَهلِ المَدينةِ ومَن حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعرابِ أَنْ يَتَخَلّفُوا عَنْ رَسُولِ اللّهِ) (4) بل كان يجب أن يقول: ما كان لأهل المدينة أن يعملوا بما قضيت عليهم(5)، ولما قال: (فَلَولا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيّة يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ )فِي


1 . هود:103.
2 . مريم:90ـ91.
3 . الانشقاق:20.
4 . التوبة:120.
5 . كذا في النسخة والظاهر: إلاّ بما قضيت عليهم.


(288)

الأرْضِ) (1). وهو الذي حال بينهم و بين الطاعة.

وإذا كان الأمر مفروغاً منه، فكيف يقول: (لَيْسَ عَلَيالأعْمَى حَرَجٌ ولا عَلَى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلَى المَرِيضِ حَرَجٌ) (2) وكيف ابتلى العباد فعاقبهم على فعلهم؟ وكيف يقول:(إِنّا هَدَيْناهُ السَّبيَل إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً) (3) وكيف يقول: (قَدَّرَ فَهَدَى) (4) ولم يقل قدّر فأضل، وكيف يصحّ أنّه خلقهم للرّحمة والعبادة بقوله: (فِطْرَةَ اللّهِ الّتي فَطَرَالنّاسَ عَلَيْها)(5) وقوله : (فَطَركُمْ أَوّّلَ مَرَّة) (6) وقوله: (إِلاّمَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ) (7) فإذا خلقهم لذلك، فكيف يصحّ أن لا يجعل لهم سبيلاً، ويقرهم على السعادة والشقاء على ما يذكرون.

وكيف يبتلي إبليس بالسجود لآدم، فإذا عصى يقول له(فَاهْبِطْ مِنها) (8) ويجعله شيطاناً رجيماً؟ وكيف يقول:(فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها) (9) وكيف يحذر آدم عداوته. إن كان الأمر مفروغاً منه على ما تقولون؟

وقال في الرسالة: واعلم أيّها الأمير ما أقول: إنّ اللّه تعالى لم يخف عليه بقضائه شيء، ولم يزدد علماً بالتجربة، بل هو عالم بما هو كائن وما لم يكن، ولذلك قال: (ولَوْ بَسَطَالّلهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا)(10)، (ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمّةً واحِدَةً)(11) فعلم سبحانه أنّه خلق خلقاً من ملائكة وجن وإنس، وأنّه يبتليهم قبل أن يخلقهم، وعلم ما يفعلون كما قدّر أقواتهم، وقدّر ثواب أهل


1 . هود:116.
2 . النور:61.
3 . الإنسان:3.
4 . الأعلى:3.
5 . الروم:30.
6 . الإسراء:51.
7 . هود:119.
8 . الأعراف:13.
9 . الأعراف:13.
10 . الشورى:27.
11 . الزخرف:33.


(289)

الجنّة وعقاب أهل النار قبل ذلك، ولو شاء إدخال العصاة النار لفعل، لكنّه سهل سبيلهم لتكون الحجة البالغة له على خلقه، والعلم ليس بدافع إلى معاصيه، لأنّ العلم غير العمل، (فَتَبَارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الخالِقِين) .(1)

وقال: في قولهم في الضلال والهدى، وقوله: (وَلو شاءَ ربُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأرضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً) (2)، (وَلَو شاَء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهُدَى) (3)، لأنّ المراد بذلك إظهار قدرته على ما يريده كما قال: (إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نَسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السّمَاءِ) (4)، (ولو نشاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَاَنَتِهِمْ)(5)، (ولَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أعْيُنِهِمْ)(6)، (ولَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَة نَذِيراً)(7)، و قال: (فلَعَلَكَّ َبَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا) (8)، حتّى بلغ من قوله أن قال:(فَإِنِ اسْتََطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفقَاً فِي الأَرضِ أَو سُلَّماً فِي السَّماِء)(9) ، فإنّما يدلّ بذلك رسوله على قدرته، فكذلك غير الذي شاء منهم،ولذلك قال في حجتهم يوم القيامة ردّاً عليهم لقولهم: (لَوْ أَنَّ اللّهَ هَدانِي لَكُنتُ مِنَ المُتَّقِينَ)(10) ورد ذلك بقوله: (بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ).(11)

وقال تعالى بعد ما حكى عنهم قولهم: (لو شاءَ الرّحمَنُ ما عَبَدْنَاهُمْ ما لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْم إنْ هُمْ إلاّ يَخْرُصُونَ).(12)

وقال تعالى بعد ما حكى عنهم قولهم: (سَيَقُولُ الّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللّهُ ما أشْرَكْنَا ولاَ آباؤُنا ولا حَرَّّْمنا مِنْ )


1 . المؤمنون:14.
2 . يونس:99.
3 . الأنعام:35.
4 . سبأ:9.
5 . يس:67.
6 . يس: 66 .
7 . الفرقان:51.
8 . الكهف:6.
9 . الأنعام:35.
10 . الزمر:57.
11 . الزمر:59.
12 . الزخرف:20.


(290)

شَيْء) (1) مكذباً لهم:(كَذلِكَ كَذَّبَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا) (2)، فنعوذ باللّه ممن ألحق باللّه الكذب. وجعلوا القضاء والقدر معذرة، وكيف يصحّ ذلك مع قوله: (وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظّالمين) (3)؟! وكيف يصحّ أن يقول: (وَما أَصابَكَ مِنْ سَيّئَة فَمِنْ نَفْسَكَ)(4)؟! أي العقوبة التي أصابتك هي من قبل نفسك بعملك. ولو شاء تعالى أن يأخذهم بالعقوبة من دون معصية لقدر على ذلك، لكنّه رؤوف رحيم. ولذلك أرسل موسى إلى فرعون و قد قال: (ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إله غَيْرِي)(5) فقال: (فَقُولا لَهُ قَولاً لََيِّنَاً)(6) وقال: (اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنّهُ طَغَى) )(7) (فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزكّى (8) وقال:(وَلَقَدْ أَخذنا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنينَ وَنَقْص مِنَ الثَّمراتِ لَعلَّهُمْ يَذَّكَّرون) (9) فيتوبون، فلمّا لجّوا في كفرهم بعد ذلك الأمر والترغيب إلى طاعته، أخذهم بما فعلوا.

قال: ثمّ انظر أيّها الأمير، كيف صنيعه لمن أطاع فقال: (إلاّقَوْمَ يُونُسَ لمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الخِزْيِ فِي الحَياةِ الدُّنيا ومَتَّعْناهُمْ إلى حِين)(10) ، (ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا وَاتُّّقوا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ)(11) ، (ولو أنّهُمْ أقامُوا التوراةَ والإنجيَل)(12) ، و قال موسى: (ادْخُلُوا الأرضَ المُقَدَّسَةَ الّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ ولا تَرْتَدُّوا عَلَى أدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ)(13) ، وقال: (فَلَمّا عَتَوْا عَنمّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنا)


1 . الأنعام:148.
2 . الأنعام:148.
3 . الزخرف:76.
4 . النساء: 79.
5 . القصص: 38 .
6 . طه:44.
7 . طه:24.
8 . النازعات:18.
9 . الأعراف:130.
10 . يونس:98.
11 . الأعراف:96.
12 . المائدة: 66.
13 . المائدة:21.


(291)

لَهُمْ كُونُوا قِرَدةً خاسِئِينَ)(1) ، فهذا صنيعه بأهل طاعته، وما قدّمناه صنيعه بأهل معاصيه عاجلاً، فإذا هم اتّبعوا أهواءهم، عاقبهم بما يستحقون.

وقال في الرسالة: ولا يصحّ الجبر إلاّ بمعونة اللّه، ولذلك قال لمحمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : (وَلولا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتّ تَرَُْْكَنُ إِلَيهِمْ شَيئاً قَليلاً) (2) ، وقال يوسف ـ عليه السَّلام ـ : (وإلاّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إلَيْهِنَّ) (3) فقد بيّن وأمر ونهى، وجعل للعبد السبيل على عبادته، وأعانه بكلّ وجه ولو كان عمل العبد يقع قسراً لم يصحّ ذلك.

هذا نصّ الرسالة نقلناها برمتها عن «فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة» للقاضي عبد الجبار ص 216ـ 223.

قال المعلّق على كتاب القاضي: رسالة الحسن إلى عبد الملك بن مروان مطبوعة في مجلة«دار الإسلام» طبعها رويتر عدد 21 سنة 1933 م ـ وأضاف ـ منها نسخة من مكتبة أيا صوفيا استنبول برقم 3998.

وهذه الرسالة تعترف بعلمه السابق ولكن تنكر كونه موجباً للجبر بمحكم آياته.

ومن لطيف كلامه في الرسالة قوله: «والعلم ليس بدافع إلى معاصيه، لأنّ العلم غير العمل».

كلام مؤلّف كتاب المعتزلة

إنّ عامة المسلمين في صدر الإسلام كانوا يؤمنون بالقدر خيره وشره من اللّه تعالى وأنّ الإنسان في هذه الدنيا مسيّر لا مخيّر وأنّ القلم قد جفّ على علم اللّه، وقد قال أحد رجاز ذلك الزمان معبراً عن تلك العقيدة:


1 . الأعراف:166.
2 . الإسراء:74.
3 . يوسف:33.


(292)

يــا أيّهــا المضمـر همّاً لاتهــم * إنّك إن تقدر لك الحـمى تحـم

ولو علـوت شاهقاً مـن العلـم * كيف توقيك وقد جف القلم(1)

يلاحظ عليه: أنّ نسبة كون الإنسان مسيّراً لا مخيّراً إلى عامّة المسلمين خطأ جداً، وإنّما هي عقيدة تسربت إلى المسلمين من بلاط الأمويين، وهم أخذوه من الأحبار والرهبان، وإلاّ فالطبقة المثلى من المسلمين كانوا يعتقدون بالاختيار في مقابل التسيير.

و هذه خطب علي ـ عليه السَّلام ـ وأبناء بيته الرفيع جاهرة بالاختيار ونفي كون التقدير سالباً للحرية، وهذا هو الحسن البصري يسأل «الحسن بن علي» عن مكانة القدر في التشريع الإسلامي، وهو ـ عليه السَّلام ـ يجيب بما عرفته.(2)

كيف وإنّ التكليف والوعد والوعيد يقوم على أساس الحرية ولا يجتمع مع الجبر كما أنّ إرسال الرسل لا يتم إلاّ بالقول بأنّ الإنسان مخيّر في اتّباع الرسول ومخالفته مضافاً إلى أنّ تعذيب الإنسان المسيّر ظلم قبيح منفيّ عنه سبحانه عقلاً ونقلاً. وهذه الوجوه كافية في إثبات أنّ الرأي العام للمسلمين ـ لولا الضغط من البلاط الأموي ـ هو الاختيار. وما تقدم من رسالة عادل بني أُمية! لأصدق شاهد على أنّ مذهب الجبر أذيع من قبل الحكام الأمويين.


1 . كتاب المعتزلة: 91 نقلاً عن تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة: 25.
2 . لاحظ ص:292.