welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : بحوث في الملل والنحل/ ج1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

بحوث في الملل والنحل/ ج1

بحوث
في الملل والنحل

دراسة موضوعية مقارنة للمذاهب الاسلامية

تأليف

الفقيه المحقّق
الشيخ جعفر السبحاني


(2)

(3)

(4)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله الطاهرين


(5)

مقدّمة الطبعة الأُولى

دراسة العقائد للأخذ بالموقف الحقّ

إنّ الوقوف على آراء وعقائد المذاهب المختلفة وتحليلها، ومعرفة أدلّتها من أفضل أنواع الدراسة والتحقيق، فهو السبيل الأفضل لمعرفة الرأي الأصوب، والموقف الأحقّ بالأخذ والاتّباع، وهو الأسلوب الذي سلكه القرآن الكريم في مواجهاته العقائدية مع أصحاب المذاهب والاتّجاهات الفكرية المضادة وقد حثّ عليه إذ قال تعالى: (قُلْ هاتُوا بُرْهانكُمْ) (1) أو قال: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَه) .(2)

وقد كان المسلمون هم السبّاقين إلى هذا المنهج وهذا الأسلوب من الدراسة والتحقيق، ولهذا نرى في المكتبات والدراسات الإسلامية كتباً في الفقه المقارن، والعقائد المقارنة، وغير ذلك من حقول المعرفة والثقافة.

ونظراً لأهمية هذا الأسلوب في عصرنا الحاضر طلبت مني«لجنة إدارة الحوزة العلمية» في قم المقدسة، إلقاء سلسلة محاضرات في آراء ومعتقدات الطوائف المختلفة التي شهدتها الساحة الفكرية الإسلامية في العصور اللاحقة لوفاة النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وذلك في إطار من التحليل، والمقارنة والدراسة والتقييم، فلبّيت هذا الطلب وتم بتوفيق اللّه تعالى إلقاء مجموعة من المحاضرات في هذا المجال، ليكون مقدّمة للمرحلة التخصّصية.

ثمّ حبذت لجنة الإدارة طبع ونشر هذه المحاضرات حتى يستفيد منه عامة


1 . البقرة: 111.
2 . الزّمر: 18.


(6)

طلاّب الدراسات الإسلامية، فأخرجتها في عدة أجزاء، وهذا هو الجزء الأوّل الذي يقدّم للقرّاء.

فشكراً لهذه اللجنة على اهتمامها بهذه العلوم، ووفّقها اللّه للمزيد من تقديم الخدمات الثقافية المفيدة إنّه سميع مجيب الدعاء.

هذا، والرجاء من القرّاء الكرام تزويدنا بنقدهم البنّاء حتى تكتمل هذه المباحث بإذنه تعالى.

جعفر السبحاني

قم ـ الحوزة العلمية

يوم ميلاد فاطمة الزهراء ـ عليها السَّلام ـ

20 جمادى الأُولى/1408هـ


(7)

مقدّمة الطبعة الثانية

مؤرّخ العقائد ومسؤوليته الخطيرة

التاريخ من العلوم الإنسانية التي اهتم بها البشر منذ فجر الحضارة، وقد قام إنسان كلّ عصر وجيل بضبط الحوادث التي عاصرها وعايشها أو تقدّمت عليه، بمختلف الوسائل من أبسطها إلى أعقدها حيث كان يسجل الحوادث، يوماً بالنقش على الأحجار والجدران، ويوماً بالكتابة على الجلود والعظام وجريد النخل، ويوماً بالتحرير على القراطيس والأوراق حتى وصل إلى ما وصل إليه في العصر الحاضر من وسائل الإعلام والنشر.

وقد قدّم بعمله هذا إلى الأجيال المتأخّرة كنزاً ثميناً، ورصيداً فكرياً غالياً وغنياً وتجارب ملؤها العبر والدروس، والمواعظ والنصائح التي لا يوجد نظيرها في أيّ مختبر من مختبرات العالم سوى في هذا المختبر(التاريخ).

(لَقَدْ كانَ في قصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولي الأَلْباب) .(1)

وربما يتصوّر متصوّر أنّ تسجيل التاريخ وضبط الحوادث أمر سهل لا يستدعي سوى الشعور بالوقائع، ومعرفة اللغة والكتابة، ولكنّني أعتقد ـ ككثير ممّن لهم إلمام بالمسائل التاريخية ـ أنّ كتابة التاريخ الحقيقي الصحيح الذي يمكن أن يكون مساقط العبر والاعتبار، ومهابط الوعظ والنصح، أمر مشكل جداً، لأنّ الهدف من تسجيل الحوادث، هو: إراءتها للأجيال المتأخّرة على ما هي عليه سواء أكانت الحوادث بعامّة خصوصياتها موافقة مع ميوله


1 . يوسف: 111.


(8)

ونزعاته أم لا، وسواء أكانت لصالح المؤرّخ وقومه أم لا; ومن المعلوم أنّ القيام بذلك، يتوقّف على كون المؤرّخ رجلاً موضوعياً متبنّياً للحقيقة، ومحباً لها أكثر من حبه لنفسه ونفيسه و مصالحه، و لكن هذا النمط نادر بين المؤرّخين و لا يقوم به منهم إلاّ الأمثل فالأمثل ولا يأتي بمثله الزمان إلاّ في الفينة بعد الأُخرى; ولأجل ذلك قلّ المؤرّخون الموضوعيون المنصفون، فإنّ أكثرهم يركّزون على ما يروقهم وما يلائم أهواءهم والمذهب الذي يعتنقونه،ويتركون ما سوى ذلك، وليس هذا شيئاً محتاجاً إلى البرهنة والاستدلال، بل يتّضح بالرجوع إلى ما أُلّف من التواريخ أيّام الدولتين: الأموية والعباسية، فكلّ يخدم الحكومة التي كانت تعاصره وتدر عليه الرزق، ومن ثمّ صارت التواريخ علبة المتناقضات، وما ذاك إلاّ لأنّ الكاتب لم يراع واجبه الأخلاقي والاجتماعي وقبل كلّ شيء مسؤوليته الدينية.

تاريخ العقائد وتسجيل الفرق

هذا فيما يرجع إلى مطلق التاريخ والوقائع التي يواجهها المؤرّخ في كلّ عصر ومصر سواء أكانت راجعة إلى الملوك والساسة، أو السوقة والشعوب، وأمّا تبيين عقائد الأُمم ومذاهبها التي كانت تدين أو تتمذهب بها على ما هي عليه، فذاك أمر صعب مستصعب، وأشكل من القيام بالرسالة المتقدّمة في مجال تسجيل الحوادث وضبط الوقائع، وما هذا إلاّ لأنّ المؤلّف في هاتيك المجالات ـ إلاّ ما شذّ ـ مشدود إلى نزعات دينية وعقائد قومية ترسّخت في ذهنه ونفسه وروحه،والفكرة الدينية صحيحة كانت أو باطلة من أحبّ الأشياء عند الإنسان وربما يضحّي في سبيلها بأثمن الأشياء وأغلاها.

هذا من جهة ومن جهة أُخرى: إنّ القيام بهذه المهمة في مجال تاريخ العقائد يتوقّف على تحلّي المؤرّخ بالشجاعة الأدبية والعلمية حتى يتمكّن بهما من البحث الموضوعي حول عقائد الشعوب وعرضها على ما هي عليه، والقيام بهذا الواجب عند فقدان هذين العاملين مشكل جدّاً، ومن ثمّ يتحمّل مؤرّخ العقائد مسؤولية جسيمة أمام اللّه أوّلاً، وأمام وجدانه ثانياً، وأمام الأجيال القادمة والتاريخ ثالثاً.


(9)

ومن المؤسف أنّ أكثر من قام بتدوين عقائد الملل لم يتجرّد عن أهوائه وميوله ومصالحه الشخصية وغلبت نزعاته وعواطفه الدينية وتعصّباته الباطلة على تبنّي الواقع وإراءة الحقيقة، فترى أنّ أكثرهم يكتب عقيدة نحلته بشكل مرغوب منمّق ويحاول أن يصحّح ما لا يصحّ ولو بتحريف التاريخ وإنكار المسلّمات، وأمّا إذا أراد الكتابة عن عقائد الآخرين فلا يستطيع أن يكن عداءه لها، ولهذا يحاول أن يعرضها بصورة مشوّهة، فيأتي في غضون كلامه بنسب مفتعلة وآراء مختلقة وأكاذيب جمّة نزولاً على حكم العاطفة الدينية الكاذبة، أو اعتماداً على الكتب التي لا يصحّ الاعتماد عليها، أو تساهلاً في ضبط العقائد والمذاهب، إلى غير ذلك من العوامل التي صارت سبباً لحيرة الأجيال المتأخّرة في مجال التعرّف على عقائد الأقوام والملل، وضلالها وإساءة الظن فيها.

وأخصّ من بين تلك العوامل، الاكتفاء في تبيين عقائد قوم بالرجوع إلى كتب خصومهم وأعدائهم، وهذا داء عمّ أكثر مؤرّخي العقائد والنحل، نظير من ألّف من الأشاعرة في ضبط عقائد المعتزلة، فهم يكتبون عن المعتزلة في ضوء ما وجدوه في كتاب إمام الحنابلة (أحمد بن حنبل) أو إمامهم(أبو الحسن الأشعري) فينسبون إليهم أُموراً لا تجد لها أثراً في كتبهم، بل تجد نقيضه فيها، ولأجل ذلك صارت المعتزلة مهضومة الحق.

وليست المعتزلة هي الفرقة الوحيدة التي تعرّضت لمثل هذا الهضم، بل قد تحمّلت الشيعة الإمامية القسط الأوفر من الاضطهاد والهضم، وكأنّ أصحاب المقالات والفرق اتّفقت كلمتهم على الكتابة عنهم من دون مراجعة ـولو عابرةـ إلى مصادرهم ومؤلّفاتهم، وكأنّ عرض الشيعة حلال ينهبه كلّ من استولى عليه بقلمه وبيانه، والقوم يكتبون عن الشيعة كلّ شيء وليس عندهم من الشيعة شيء سوى كتب أعدائهم وخصمائهم ومن لا يحتج به في باب القضاء والحجاج.

وها نحن نقدّم نموذجاً في هذا الباب ونشير إلى كتابين أحدهما لبعض المتقدمين والآخر لبعض المعاصرين، فنرى كيف أنّهما تساهلا في عرض عقائد الشيعة ونزلا على حكم العاطفة، ورمياها بكلّ فرية، وكأنّ الصدور مملوءة بالحقد والعداء، وإليك البيان:


(10)

الشهرستاني وكتابه «الملل والنحل»

إنّ كتاب «الملل والنحل» للمتكلّم الأشعري «أبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني»(المتوفّى سنة 548هـ) من الكتب المشهورة في هذا الباب وأكثرها تداولاً بين أترابه، ولعلّ كثيراً من أهل العلم لا يعرفون كتاباً في هذا الموضوع سواه.

ومع هذه الشهرة ترى في طيّات الكتاب نسباً مفتعلة وآراء مختلقة عندما يعرّف الشيعة، ممّا يندى له الجبين،ويخجل القلم من تحريره وتسطيره، وإليك بعض ما نسبه إليهم:

1. من خصائص الشيعة القول بالتناسخ والحلول والتشبيه.(1)

2. إنّ الإمام الهادي ـ عليه السَّلام ـ ـ عاشر الأئمّة الاثني عشر ـ توفّي بقم ومشهده هناك.(2)

3. إنّ هشام بن الحكم كان يقول: إنّ للّه جسماً ذا أبعاض في سبعة أشبار بشبر نفسه في مكان مخصوص وجهة مخصوصة.(3)

4. إنّ علياً إله واجب الطاعة(4)!!

إلى غير ذلك من النسب الكاذبة التي نسبها إلى متكلّم الشيعة ربيب بيت الإمام جعفر الصادق ـ عليه السَّلام ـ «هشام بن الحكم» وإلى نظرائه كهشام بن سالم وزرارة ابن أعين ومحمد بن النعمان ويونس بن عبدالرحمن.

هذا مع العلم بأنّ هؤلاء ـ أعاظم الشيعة ـ كانوا يقتفون أثر أئمتهم ولم يكونوا يعتنقون مبدأ إلاّ بعد عرضه عليهم، ومن المعلوم أنّ أئمّة أهل البيت


1 . الملل و النحل:1/166.
2 . نفس المصدر.
3 . الملل والنحل:1/184، وهو في هذا الافتعال تبع عبد القاهر البغدادي في «الفَرْق بين الفِرَق» ص 65، والشيخ الأشعري في «مقالات الإسلاميين»:1/102 و... والأخير هو الأساس لأكثر من كتب في الملل والنحل.
4 . الملل والنحل:1/185.


(11)

وهم دعاة التنزيه كانوا يكافحون البدع اليهودية والمسيحية والمجوسية التي كانت تدور بين أندية أهل الحديث حتى قيل: «التوحيد والعدل علويان والتجسيم والجبر أمويان».

فمن راجع كتب الشيعة وأحاديث أئمّتهم يجد أنّهم حكموا بكفر القائلين بالتناسخ والحلول والتشبيه و أُلوهية غيره سبحانه، فكيف ينسب هذا الكاتب ـ بصلف ووقاحة ـ هذه الأُمور إلى تلاميذ قرناء الكتاب وأعداله؟!!

وأعجب من ذلك أنّه يختلق للشيعة فرقاً لم تسمع بها أذن الدهر وإنّما توجد في كتب أعدائهم، فمن هشامية إلى زرارية إلى يونسية إلى... من الفرق التي لا توجد لا في كتب القصّاصين المحترفين للكذب، ولا في علب العطّارين.

والشيعة وعلماؤهم ـ و في مقدّمتهم السيد الشريف المرتضى ـ يكذّبون هذه الفرق، وقد شطبوا على وجودها بقلم عريض وهم لا يعرفونها وإنّما اختلقتها الأوهام لإسقاط الشيعة من عيون الناس.

هذا بعض ما يوجد في هذا الكتاب وأعجب منه أنّه يعرف الإمام الهاديـ عليه السَّلام ـ ـ الإمام العاشر للشيعة ـ بأنّه مدفون بقم مع أنّه دفن بسامراء يزوره القريب والبعيد، وقد دفن إلى جنبه ولده الزكي «الحسن بن علي»، والتواريخ والمعاجم طافحة بذكرهما وموضع قبرهما.(1)

هذا نموذج من زلاّت هذا المؤرّخ وهو من القدماء.

وهلمّ معي إلى نموذج آخر و هو من متأخّري القوم ومتنوّريهم، العائشين في عصر النور والأمانة التاريخية والعلمية.

النشار وكتابه «نشأة الفكر الفلسفي»

الكتاب للدكتور «علي سامي النشار» يقع في ثلاثة أجزاء أو أزيد، وقد


1 . راجع وفيات الأعيان لابن خلّكان:3/272ـ 273 وغيره.


(12)

خص الجزء الثاني من كتابه ببيان عقائد الشيعة وهو يحاول في مقدّمته أن يكتب عن عقائد الفرق بصورة محايدة، وهو يقول في مقدمة الطبعة السادسة:

ولكنّي ما زلت أرى أنّ التفسير الموضوعي المحايد هو أهمّ تفسير في دراسة الفكر عامة والفكر الإسلامي خاصة.(1)

وربما يتصوّر الإنسان أنّ لما ذكره مسحة من الحق أو لمسة من الصدق، ولكنّه عندما يسبر الكتاب ويلاحظ ما في غضونه من النسب إلى الشيعة يقف على أنّ ما ذكره في المقدّمة واجهة ستر بها كلّ ما في الكتاب من العداء المستكن وأنّه لا يريد إلاّ إبطال عقائد الشيعة ولو بالنسب الباطلة، والحقّ أنّ الدكتور النشار وضع منشاره على حياة الشيعة تاريخاً وعقيدة، ولا يرسم عن تلك الطائفة إلاّ أُموراً مشوّهة وعقائد باطلة، والكتاب يحتاج جداً إلى نظارة التنقيب، وإليك نموذجاً من نسبه المفتعلة:

1. يقول عند البحث عن الإيمان: ونلحظ أنّ في رأي «جهم» عنصراً شيعياً، فالإيمان عند الشيعة هو معرفة بالقلب فقط.(2)

2. إنّ الرجل يصر على إنكار كون علي ـ عليه السَّلام ـ رائد الفكر الفلسفي في الإسلام حتى جر عداؤه لعلي ـ عليه السَّلام ـ إلى إنكار النص الذي صدر عنه في منصرفه عن «صفين» حول القضاء والقدر وذهب إلى أنّ النص موضوع، قائلاً بأنّ الذين أرادوا أن يحاربوا أهل السنّة في الروايات التي رووها عن علي ـ عليه السَّلام ـ حول القدر، التجأوا إلى وضع هذا النص، وقد زعم أنّ جاعل هذا النص هو المعتزلة.(3)

أمّا كون علي ـ عليه السَّلام ـ رائد الفكر العقلي فنترك البحث فيه إلى آونة أُخرى ويكفينا في ذلك تراثه الوحيد: «نهج البلاغة» وأمّا كون النص مجعولاً من جانب المعتزلة فهذا ناجم من جهله بمصادر نهج البلاغة فقد رواها علماء الشيعة


1 . نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام:1/17.
2 . نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام:1/345 الطبعة السابعة، وستوافيك عقيدة الشيعة في حقيقة الإيمان عند البحث عن عقائد المرجئة، فلاحظ الجزء الثالث.
3 . نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام:1/412.


(13)

أنفسهم بلا توسيط أحد من المعتزلة، وسيوافيك بيانه في هذا الجزء عند البحث عن الرسائل الثلاث حول القدر.

والذي أوقعه في هذا الخبط والخلط لدى عرض تاريخ الشيعة وعقائدهم هو أنّه اعتمد في دراسته على كتب خصمائهم وأعدائهم من دون أن يعتمد على مصادر الشيعة المتوفرة، إلاّ قليلاً لا يكفي.

فاعتمد أوّلاً على كتاب «أبي الحسين محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الملطي»(المتوفّى عام 377هـ) باسم «التنبيه والردّعلى أهل الأهواء والبدع» نشر عام 1399هـ، والكاتب حنبلي حشوي قد حشد في كتابه شيئاً كثيراً من الأكاذيب ونسب أُصولاً إلى الصحابة والتابعين بسند مزوّر كما سيوافيك بيانه في هذا الجزء.

أفيصحّ في ميزان النصفة الكتابة عن أُمّة كبيرة يعدّون ربع المسلمين بالنقل عن كاتب حشوي وكتاب حشو؟!

والعجب أنّ الدكتور عرفه بأنّه أوّل من كتب حول الشيعة من أهل السنّة مع أنّ الإمام الأشعري أسبق منه، فقد كتب عن الشيعة في «مقالات الإسلاميين» شيئاً كثيراً، وقد توفّي الإمام عام 324هـ وعلى احتمال ضعيف 330هـ فكيف يكون الملطي أوّل من كتب حول الشيعة من أهل السنة؟!!

واعتمد ثانياً على كتاب «الفرق بين الفرق» لأبي منصور عبد القاهر البغدادي(المتوفّى عام 429هـ) ومن راجع هذا الكتاب لمس منه ـ مضافاً إلى البذاءة في اللسان ـ تعصّباً في بيان عقائد الفرق ونوقفك على نموذج من هذا، فقد قال في خلال بيان أصناف فرق السنّة والجماعة: ولم يكن بحمد اللّه ومنّه في الروافض و... إمام في الفقه ولا إمام في رواية الحديث ولا إمام في اللغة والنحو، ولا موثوق به في نقل المغازي والسير والتواريخ ولا إمام في الوعظ والتذكير ولا إمام في التأويل والتفسير، وإنّما كان أئمّة هذه العلوم على الخصوص والعموم من أهل السنّة والجماعة.(1)

وقال في موضع آخر:


1 . الفرق بين الفرق للبغدادي:ص 232 طبع دار المعرفة، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد.


(14)

يا أيّهـا الـرافضــة المبطلــة * دعواكم من أصلها مبطلة(1)

هذا أدب الرجل وسيرته في الكتاب كلّه، ونحن نمر عليه مرور الكرام ونقول: الدعوى الأُولى دعوى بلا بيّنة وبرهان وإنكار وجود الأئمّة في مجالات هذه العلوم بين الشيعة كإنكار البديهيات، ولا نطيل الكلام في ردّه بذكر أسماء أئمتهم في مختلف المجالات والأُمور، وكفانا في ذلك كتاب «تأسيس الشيعة الكرام لفنون الإسلام» تأليف السيد حسن الصدر(المتوفّى عام 1354هـ).

غير أنّي أتعجب من هذه الفرية القارصة، وكيف نفى وجود شخصيات علمية عند الشيعة مع أنّه كان معاصراً للشيخ المفيد(المتوفّى عام 413هـ) الذي يقول في حقّه اليافعي: كان عالم الشيعة وإمام الرافضة صاحب التصانيف الكثيرة، شيخهم المعروف بالمفيد وبابن المعلم أيضاً، البارع في الكلام والجدل والفقه، وكان يناظر أهل كلّ عقيدة مع الجلالة والعظمة في الدولة البويهية.(2)

ويعرّفه ابن كثير في تاريخه بقوله: كان مجلسه يحضره كثير من العلماء من سائر الطوائف.(3)

كيف يقول ذلك وبيئة بغداد تجمع بينه و بين الشريف المرتضى(المتوفّى عام 436هـ) الذي يعرّفه ابن خلّكان في تاريخه ويقول: كان إماماً في علم الكلام والأدب والشعر.(4)

وقال الثعالبي: قد انتهت الرئاسة اليوم ببغداد إلى المرتضى في المجد والشرف والعلم والأدب والفضل.(5)

واعتمد ثالثاً على كتاب «الفصل في الملل والأهواء والنحل» تأليف «ابن حزم» الأندلسي الظاهري (المتوفّى 456هـ) وكفى في التعرّف على نفسية


1 . نفس المصدر: 71.
2 . مرآة الجنان:3/28.
3 . تاريخ ابن كثير:12/15.
4 . وفيات الأعيان:3/313.
5 . تتميم يتيمة الدهر:1/53.


(15)

هذا الرجل وشذوذه أنّه صوب فعل قاتل الإمام أمير المؤمنين بحجّة أنّه كان مجتهداً متأوّلاً مثاباً في عمله هذا، وإليك نصّ عبارته:

«إنّ عبد الرحمن بن ملجم لم يقتل علياً(رضي اللّه عنه) إلاّ متأوّلاً مجتهداً مقدراً أنّه على صواب، وفي ذلك يقول«عمران بن حطان» شاعر الصفرية:

يـا ضربــة مـن تقيّ مـا أراد بهــا * إلاّليبلغ من ذي العرش رضواناً»(1)

والقارئ الكريم جد عليم بأنّه لا قيمة لهذا الاجتهاد الذي يؤدّي إلى قتل الإمام المفترض طاعته بالنصّ أوّلاً، وبإجماع الأُمّة ثانياً، ولنعم ما أجاب به معاصره القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد اللّه الشافعي فقال:

يا ضربة من شقي ما أراد بها * إلاّ ليهـدم للإسلام أركانـاً(2)

فإذا كان هذا حال المؤلّف ونفسيته ونزعاته، فكيف يكون حال من استند إلى مثله غير أنّ الجنس إلى الجنس يميل؟!!

منهجنا في دراسة المذاهب

فلأجل هذا الخبط والتخليط في أكثر كتب الملل والنحل خصوصاً في كتاب إمام الأشاعرة«مقالات الإسلاميين واختلاف المصلّين» ولا سيما في ما يرجع إلى المعتزلة والشيعة فإنّه الأساس لكلّ من كتب بعده، كـ«الفرق بين الفرق» لعبد القاهر البغدادي و «الملل والنحل» للشهرستاني وغيرهما من المتأخّرين،فقد توخّينا أن لا نعزو إلى مذهب شيئاً إلاّ بعد الوقوف عليه في كتبهم المؤلّفة بأيدي أساطينهم وأقلام علمائهم، ولا نكتب عن طائفة إلاّ بعد توفير المصادر واستحضار المنابع والرجوع إليها بدقة وإمعان.

إنّ منهجنا في دراسة المذاهب وعقائد الفرق يبتني على دعامتين:

الأُولى: تبنّي الواقع في عزو مقال إلى قوم، وذلك لما عرفت.


1 . المحلى :1/485.
2 . مروج الذهب:2/43،ولنا مع ابن حزم بحث ضاف سيوافيك في الجزء الثالث عندالبحث عن الحركات الرجعية في القرون الأُولى.


(16)

الثانية: العناية بتحليل عقائد الأُمم ونقدها، فإنّ الغالب على كتاب «الملل والنحل» هو سرد العقائد من دون نقد أو تحليل، وكأنّهم زعموا أنّ واجب المؤرّخ لا يتعدّى بيان الحوادث في التاريخ، وعرض العقائد في مجال الملل والنحل، وكأنّ إحقاق الحقّ واجب المتكلّم فقط، ونحن ضربنا عن هذا صفحاً وتوخّينا بيان الحقّ على وجه يناسب كتاب «الملل والنحل»، وهذا هو المنهج الذي مشينا عليه في أجزاء الكتاب كلّها، وهو تحقيق الموضوع الذي طرح للبحث من جانب كلّ فرقة وملة.

ولأجل ذلك أصبح الكتاب: كتاباً كلامياً أوّلاً، وتاريخياً للعقائد والمذاهب ثانياً، وموسوعة لبيان حالات رجالهم وشخصياتهم وتاريخ نشوئهم ثالثاً.

وأرجو منه سبحانه أن يوفّقنا لما فيه رضاه وأن يصوننا من الزلّة في الرأي والقول والفعل والعمل.

وأمّا الفرق التي دار حولها البحث والنقد فهي على سبيل الفهرس:

1. «أهل الحديث والحنابلة» الذين يعبّر عنهم في عصرنا هذا بـ«السلفية» حتى صارت هذه الكلمة شعاراً لهم، وكأنّ «السلف» معصوم من الزلة متحرّر من الخطأ.

2. «الأشاعرة» آراؤهم وأفكارهم وترجمة مفكّريهم ومحقّقيهم ،وإنّما قدمنا هذه الفرقة على «المعتزلة» مع أنّ الشيخ الأشعري مؤسس هذا المذهب كان معتزلياً ثمّ تاب عن الاعتزال ورجع إلى مذهب الإمام «أحمد بن حنبل» وأسّس مذهباً معتدلاً بين المذهبين ـ و إنّما قدمناه ـ لأجل الصلة القويمة بين المذهبين: «أهل الحديث» و «الأشاعرة».

3. الحركات الرجعية في القرون الأُولى كالمرجئة والجهمية والكرامية والظاهرية، وسيوافيك أنّ آراءهم وأفكارهم في هذه القرون كانت رجعية بحتة تخالف منطق العقل الذي تعتمد عليه المعتزلة، ومنطق الكتاب والسنّة الذي يعرج عليهما الحنابلة، وأمّا الذي تولى كبرها فسوف يظهر لك في ذلك الفصل.


(17)

4. «القدرية» أسلاف المعتزلة كمعبد بن عبد اللّه الجهني(المتوفّى عام 80هـ) وغيلان الدمشقي المقتول بدمشق بأمر الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك عام 105، وقد اتّهم هؤلاء بنفي القدر الوارد في الكتاب والسنّة، وقد قلنا إنّ الاتّهام في غير محله، وهؤلاء كانوا دعاة الحرية والاختيار لا نفاة القدر الذي جاء في الآثار الصحيحة. نعم كانوا يرفضون القدر السالب للاختيار الحاكم على حرية الإنسان و اختياره، بل حتى على اللّه سبحانه، وكأنّ القدر إله ثان مسلّط على كلّ شيء حتّى إرادة اللّه وفي الوقت نفسه حنق على الإنسان، فهو يدخل من يشاء الجنة، ويدخل من يشاء الجحيم بلا ملاك ولا مبرر.

5. «الماتريدية» آراؤهم ورجالهم، وهؤلاء والأشاعرة صنوان أو رضيعان يرتضعان من ثدي واحد، ولكن «الماتريدية» أقرب إلى المعتزلة من الأشاعرة، وقد وافقوا في كثير من المسائل، المعتزلة.

6. «المعتزلة» منهجهم وآراؤهم ورجالهم.

7. «الخوارج» تاريخهم وعقائدهم.

8. «الوهابية» نشوؤها ومؤسسها ومعتقداتها.

9. «الشيعة الزيدية والإسماعيلية»، ونبحث عن الباطنية في هذا الفصل.

10. «الشيعة الإمامية» الاثنا عشرية.

تلك عشرة كاملة.

و أُقدّم كتابي هذا لكلّ طالب للحقّ والحقيقة، ولكلّ متعطش للتعرّف على الواقع بين منعرجات الأهواء النفسية والانتماءات الجاهلية والتعصّبات الباطلة، ولا أشك في أنّ لفيفاً من الأُمّة سيقدّرون عملي هذا غير أنّ المتطرّفين من الطوائف الإسلامية يعدّونه تفريقاً للأُمّة وشقاً لعصاها، وكأنّهم يرون التقارب الظاهري والتصفيق في المجامع والمجالس هو روح الوحدة وسنادها، وهم في غفلة عن أنّ التعرف على المذاهب على ما هي عليه، من عوامل التقريب


(18)

وتوحيد الكلمة وعود الأخوة الإسلامية إلى المجتمع الديني، وعلى كلّ تقدير فلا أطلب رضا هؤلاء، ولا أعتمد عليه ولا أخشى سخط الآخرين ولا أخافه، ورائدي هو رضوانه تعالى لا غير.

(قُلْ إِنّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَة أَنْ تَقُومُوا للّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا) .(1)

جعفر السبحاني

قم المقدسة ـ الحوزة العلمية

1410هـ


1 . سبأ:46.


(19)

بسم الله الرحمن الرحيم

الملل والنحل في المؤلّفات الإسلامية

لقد قام ثلّة من علماء المسلمين بتدوين كتب مفصّلة أو مختصرة في هذا المضمار، فكشفوا عن مصادر الآراء ومواردها، وجمعوا واردها وشاردها، وما ألّفوه حول تبيين العقائد والنحل على أصناف نشير إليها:

أ. ما يتناول جميع الشرائع والمذاهب العالمية، إسلامية كانت أو غيرها، ومن هذا القسم:

1. «الفصل في الملل والأهواء والنحل» لإمام المذهب الظاهري، أبي محمد علي بن حزم الظاهري (المتوفّى 456هـ).

2. «الملل والنحل» لأبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني (479ـ 548هـ).

ب. ما يتناول خصوص الفرق الإسلامية، ومن هذا القسم:

1. «مقالات الإسلاميّين واختلاف المصلّين» تأليف شيخ الأشاعرة أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري(المتوفّى عام 324هـ).

2. «التنبيه والرد» لأبي الحسين محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الملطي الشافعي (المتوفّى سنة 377هـ).

3. «الفرق بين الفرق» تأليف الشيخ عبد القاهر بن طاهر بن محمد


(20)

البغدادي الإسفرائيني التميمي(المتوفّى 429هـ).

4. «التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكة» لطاهر بن محمد الإسفرائيني(المتوفّى 471هـ) المطبوع بمصر عام 1374هـ.

5. «الفرق الإسلامية» ذيل كتاب «شرح المواقف» للكرماني(المتوفّى 786هـ) وقد طبع في بغداد عام 1973م.

ج. ما يتناول خصوص مذهب من المذاهب الإسلامية، ومن هذا القسم:

1. «فرق الشيعة»، تأليف أبي محمد الحسن بن موسى النوبختي من أعلام القرن الثالث للهجرة، وقد بيّن فيه فرق أهل الإمامة.

2. «فرق الشيعة»(1) للشيخ أبي القاسم سعد بن عبد اللّه بن أبي خلف الأشعري القمي (المتوفّى 299 أو 301هـ).

وقد طبعت هذه الكتب و وزعت في العالم، وهي متاحة لكلّ من أراد معرفة هذه المذاهب والمقالات والآراء والأفكار، ولنقدّم قبل الورود في البحث أُموراً تفيد القرّاء الكرام وطلاب هذه المعرفة:

1. الملة والنحلة في اللغة

الملّة بمعنى الطريقة، والمراد هنا السنن المأخوذة والمقتبسة من الآخرين، ولأجل ذلك يضيفها القرآن إلى الرسل والأقوام إذ يقول مثلاً: (بَلْ مِلَّةَ إِبْراهيمَ حَنيفاً)(2)، و قوله: (إِنّي تَرَكْتُ مِلّةَ قَوم لا يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) (3) ولا تستعمل مضافة إلى اللّه ولا إلى آحاد أُمّة نبي بل إلى نفس النبي، ويقال ملّة إبراهيم وملّة محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ولا يقال: ملّة اللّه.

وأمّا النحلة فهي على ما في «لسان العرب» بمعنى الدعوى، والنسبة بينها وبين الدين أنّها تستعمل في الباطل كثيراً، مثل كلمة «انتحال المبطلين».


1 . كما عبر عنه النجاشي في ترجمته وربما يعبر عنه بالمقالات والفرق.
2 . البقرة:135.
3 . يوسف: 37.


(21)

والمقصود من الكلمتين في هذا العلم هو الطرق والمناهج العقائدية سواء أكانت حقّاً أم باطلاً.

2. الصلة بين علم العقائد وعلم الملل والنحل

وهناك اتّصال وثيق بين علم الكلام وعلم الملل والنحل، ووزان علم الملل والنحل بالنسبة إلى علم العقائد والكلام، وزان تاريخ العلم بالنسبة إلى العلم نفسه، نظير الفلسفة وتاريخها، فالفلسفة تطرح الموضوعات الفلسفية على بساط البحث، فتقيم برهاناً على ما تتبنّاه بينما يشرح تاريخ الفلسفة المناهج الفكرية التي نجمت في فترات مختلفة، من دون تركيز على رأي أو تبني عقيدة خاصة في كثير من الأحيان.

ومثله علم الكلام بالنسبة إلى الملل والنحل، فالأوّل يبحث عن المسائل العقائدية التي ترجع إلى المبدأ والمعاد وما يلحقهما من المباحث ويوجه عنايته إلى إثبات فكرة خاصة في موضوع معين ونقد الآراء المضادة له، ولكن الثاني يطرح المناهج الكلامية المؤسسة طيلة قرون من دون أن يتحيز إلى منهج دون منهج غالباً، وهمّه هو عرض هذه الأسّس الفكرية على روّاد الفكر والمعرفة.

وإن شئت قلت: إنّ علم الملل والنحل يتعرّض للموضوعات الكلامية المبحوث عنها في علم الكلام ويشرحها ويعرض الآراء المختلفة حولها من دون القضاء بينها، و أمّا علم الكلام فهو يتّخذ موضوعات خاصة للبحث ويبدي المؤلّف نظره الخاص فيها ويركز على رأيه بإقامة البرهان.

3. قيمة الكتب المؤلّفة في هذا المضمار

لا شكّ أنّ للكتب المؤلّفة في هذا المضمار، مكانة في الأوساط العلمية وأنّ المؤلّفين في الملل والنحل قد تحمّلوا جهوداً كثيرة في الإحاطة بالمناهج الفكرية الرائجة في الملأ العلمي خصوصاً الأوائل منهم، غير أنّه لا يمكن الاعتماد على هذه الكتب بصورة مطلقة، وذلك لأنّا نرى أنّهم يذكرون فرقاً للشيعة الإمامية لم يسمع الدهر بأسمائها كما لم يسمع ب آراء أصحابها قط.


(22)

فهذا إمام الأشاعرة يذكر للشيعة الغالية خمس عشرة فرقة، وللشيعة الإماميّة أربعاً وعشرين فرقة، وينسب إليهم القول بالتجسيم، وغير ذلك من الآراء والعقائد السخيفة، ويقسّم الزيدية إلى ست فرق، وقد أخذ عنه من جاء بعده ممّن ألّف في هذا المجال.

فإذا كان حاله وحال من نسج على منواله ـ كالبغدادي في «الفرق بين الفرق» والشهرستاني في «الملل النحل» في تلك المواضع التي نحن أعرف منهم بها ـ بهذا المنوال، فكيف حالهم فيما ينقلونه عن سائر أصحاب الشرائع من اليهود والنصارى والمجوس والبراهمة والبوذيين وغيرهم؟! ولأجل ذلك يجب أن تكون نسبة القول إلى أصحابها مقرونة بالاحتياط والتثبّت والرجوع إلى مؤلّفات نفس الفرق.

يقول المحقّق المعاصر الشيخ محمد زاهد الكوثري في تقديمه لكتاب «التبصير في الدين»: والعالم المحتاط لدينه لا ينسب إلى فرقة من الفرق ما لم يره في الكتب المردودة عليهم، الثابتة عنهم أو في كتب الثقات من أهل العلم المتثبتين في عزو الأقاويل، ولا يلزمهم إلاّ ما هو لازم قولهم لزوماً بيّناً لم يصرح قائله بالتبرّي من ذلك اللازم .(1)

وقد تصفّحنا أكثر ما كتبه أحمد بن تيمية في «المسائل الكبرى» عن الشيعة وغيرهم وفي كتابه «منهاج السنّة» عن خصوص الشيعة، فوجدناهما مليئين بالأخطاء، لو لم نقل بالكذب والوضع.

إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّه يقع الكلام في فصول:


1 . التبصير في الدين: 7.


(23)

الفصل الأوّل

افتراق الأُمّة إلى ثلاث وسبعين فرقة

روى أصحاب الصحاح والمسانيد ومؤلّفو الملل والنحل عن النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّه قال: «إنّ أُمّتي تفترق على ثلاث وسبعين فرقة» وقد اشتهر هذا الحديث بين المتكلّمين وغيرهم حتى الشعراء والأُدباء.

وتحقيق الحديث يتوقّف على البحث في جهات أربع:

1. هل الحديث نقل بسند صحيح قابل للاحتجاج به، أو لا؟

2. ما هو النصّ الصادر عن النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في هذا المجال، فإنّ نصوص الحديث في ذلك المجال مختلفة؟

3. ما هي الفرقة الناجية من هذه الفرق المختلفة، فإنّ النبي قد نصّ على نجاة فرقة واحدة، كما سيأتيك نصه؟

4. ما هي الفرق الاثنتان والسبعون التي أخبر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بنشوئها من بعده؟ وهل بلغ عدد الفرق والطوائف الإسلامية إلى هذا الحدّ؟

فإليك البحث في هذه الجهات الأربع:

أ. سند الحديث

روي الحديث المذكور في الصحاح والمسانيد بأسانيد مختلفة، و قد قام


(24)

الحافظ «عبد اللّه بن يوسف بن محمد الزيلقي المصري»(المتوفّى 762هـ) بجمع أسانيده ومتونه في كتابه: «تخريج أحاديث الكشّاف» وقد اهتم فيه بهذا الحديث سنداً ومتناً، إهتماماً بالغاً، لم يسبقه إليه غيره....

غير أنّ القضاء فيما جمعه من الأسانيد خارج عن مجال هذه الرسالة، ولأجل ذلك نبحث فيه على وجه الإجمال، فنقول:

إنّ هاهنا من لا يعتقد بصحّة الحديث منهم: ابن حزم، في كتابه: «الفصل في الأهواء والملل» قال: ذكروا حديثاً عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ «أنّ القدرية والمرجئة مجوس هذه الأُمة» وحديث آخر «تفترق هذه الأُمّة على بضع وسبعين فرقة كلّها في النار حاشا واحدة فهي في الجنة» (ثم قال:) هذان حديثان لا يصحان أصلاً من طريق الأسناد، وما كان هكذا فليس حجّة عند من يقول بخبر الواحد، فكيف من لا يقول به.(1)

وهناك من يعتقد بصحّة الاستدلال لأجل تضافر أسناده، يقول محمد محيي الدين محقّق كتاب «الفرق بين الفرق»: اعلم أنّ العلماء يختلفون في صحّة هذا الحديث، فمنهم من يقول إنّه لا يصحّ من جهة الأسناد أصلاً، لأنّه ما من إسناد روي به إلاّ وفيه ضعف، وكلّ حديث هذا شأنه لا يجوز الاستدلال به; ومنهم من اكتفى بتعدّد طرقه، و تعدد الصحابة الذين رووا هذا المعنى عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ....(2)

وقد قام الحاكم النيشابوري برواية الحديث عن سند صحيح يرتضيه الشيخان قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن سلمة العنزي (ثنا) عثمان بن سعيد الدارمي (ثنا) عمرو بن عون ووهب بن بقية الواسطيان (ثنا) خالد بن عبد اللّه، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة وافترقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أُمّتي


1 . الفصل في الأهواء والملل:1/248.
2 . الفرق بين الفرق: 7ـ 8 التعليقة.


(25)

على ثلاث وسبعين فرقة» .وهذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.(1)

وقد استدرك عليه الذهبي بأنّ في سنده «محمّد بن عمرو» ولا يحتج به منفرداً ولكن مقروناً بغيره.(2)

فإذا كان هذا حال السند الذي بذل الحاكم جهده لتصحيحه، فكيف حال سائر الأسانيد؟! وقد رواه الحاكم بأسانيد مختلفة، وقال: قد روي هذا الحديث عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص، و عمرو بن عوف المزني بإسنادين تفرّد بأحدهما عبد الرحمن بن زياد الأفريقي، والآخر كثير بن عبد اللّه المزني، ولا تقوم بهما الحجّة.(3)

هذا حال ما نقله الحاكم في مستدركه.

وأمّا ما رواه أبو داود في سننه والترمذي في سننه، وابن ماجة في صحيحه فقد قال في حقّه الشيخ محمد زاهد الكوثري: أمّا ما ورد بمعناه في صحيح ابن ماجة، وسنن البيهقي، وغيرهما ففي بعض أسانيده«عبد الرحمن بن زياد بن أنعم» وفي بعضها «كثير بن عبد اللّه» وفي بعضها «عباد بن يوسف» و «راشد بن سعد» و في بعضها «الوليد بن مسلم» و في بعضها مجاهيل كما يظهر من كتب الحديث و من تخريج الحافظ الزيلقي لأحاديث الكشاف، وهو أوسع من تكلّم في طرق هذا الحديث فيما أعلم.(4)

هذا بعض ما قيل حول سند الحديث، والذي يجبر ضعف السند هو تضافر نقله واستفاضة روايته في كتب الفريقين: الشيعة والسنّة بأسانيد مختلفة، ربما تجلب الاعتماد، وتوجب ثقة الإنسان به.


1 . المستدرك على الصحيحين:1/128، وقد رواه بسند آخر أيضاً يشتمل على محمد بن عمرو الذي لا يحتج بمفرداته، وبسند آخر أيضاً مشتمل على ضعف، وقد جعلهما الحاكم شاهدين لما صحّح من السند.
2 . التبصير في الدين: 9، المقدمة.
3 . المستدرك على الصحيحين:1/128، كتاب العلم.
4 . التبصير: 9، المقدمة .


(26)

وقد رواه من الشيعة، الصدوق في خصاله في باب السبعين وما فوق.(1) والعلاّمة المجلسي في بحاره(2)، ولعلّ هذا المقدار من النقل يكفي في صحّة الاحتجاج بالحديث.

ب. اختلاف نصوص الحديث

هذه هي الجهة الثانية التي أشرنا إليها في مطلع البحث، فنقول:

إنّ مشكلة اختلاف نصوص الحديث لا تقل إعضالاً عن مشكلة سنده، فقد تطرّق إليه الاختلاف من جهات شتى، لا يمكن معه الاعتماد على واحد منها، وإليك الإشارة إلى الاختلافات المذكورة:

1. الاختلاف في عدد الفرق

روى الحاكم عدد فرق اليهود والنصارى مردّداً بين إحدى وسبعين واثنتين وسبعين، بينما رواه عبد القاهر البغدادي بأسانيده عن أبي هريرة على وجه الجزم والقطع، وأنّ اليهود افترقت إلى إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة.

وفي الوقت نفسه روى بسند آخر افتراق بني إسرائيل على اثنتين وسبعين ملّةوقال: «ليأتين على أُمّتي ما أتى على بني إسرائيل، تفرق بنو إسرائيل على اثنتين وسبعين ملّة، وستفترق أُمّتي على ثلاث وسبعين ملّة».

ونقل بعده بسند آخر افتراق بني إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة.(3)

ويمكن الجمع بين النقلين الأخيرين بأنّ المراد من بني إسرائيل هو الأعم من اليهود والنصارى فيصحّ عدّ الفرق اثنتين وسبعين.


1 . الخصال:2/584، أبواب السبعين ومافوق، الحديث العاشر والحادي عشر.
2 . البحار:28/2ـ36.
3 . الفرق بين الفرق: 5.


(27)

نعم يحمل الأخير على خصوص اليهود من بني إسرائيل.

2. الاختلاف في عدد الهالكين والناجين

إنّ أكثر الروايات تصرّح بنجاة واحدة وهلاك الباقين. فعن البغدادي بسنده عن رسول اللّه أنّه قال: كلّهم في النار إلاّ ملّة واحدة.(1)

وروى الترمذي وابن ماجة مثل ذلك.(2)

بينما رواه شمس الدين محمد بن أحمد بن أبي بكر البشاري السياح المعروف (المتوفّى 380هـ) في كتابه«أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم» بصورة تضاده إذ قال: إنّ حديث «اثنتان وسبعون في الجنة وواحدة في النار» أصحّ إسناداً، وحديث «اثنتان وسبعون في النار وواحدة ناجية» أشهر.(3)

3. الاختلاف في تعيين الفرقة الناجية

فقد اختلف النقل في تعيين سمة الفرقة الناجية أخذاً بما يقول بأنّ جميعها في النار إلاّ واحدة.

روى الحاكم(4) و عبد القاهر البغدادي (5) وأبو داود(6) و ابن ماجة(7) بأنّ النبي قال: إلاّ واحدة وهي الجماعة، أو قال: الإسلام وجماعتهم.

وروى الترمذي(8) والشهرستاني(9) أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عرف الفرقة الناجية بقوله: ما أنا عليه اليوم وأصحابي.


1 . المصدر نفسه: 76.
2 . سنن الترمذي:5/26، كتاب الإيمان، الحديث 2641;سنن ابن ماجة:2/479، باب افتراق الأُمم.
3 . طبع الكتاب في ليدن، عام 1324 هـ الموافق لـ1906م.
4 . المستدرك على الصحيحين:1/128.
5 . الفرق بين الفرق: 7.
6 . سنن أبي داود:4/198، كتاب السنّة.
7 . سنن ابن ماجة:2/479، باب افتراق الأُمم.
8 . سنن الترمذي:5/26، كتاب الإيمان، الحديث2641.
9 . الملل والنحل : 13.


(28)

وروى الحاكم أيضاً أنّ النبي حدّد أعظم الفرق هلاكاً بقوله: «ستفترق أُمّتي على بضع وسبعين فرقة أعظمها فرقة، قوم يقيسون الأُمور برأيهم، فيحرّمون الحلال ويحلّلون الحرام» وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.(1)

وروى صاحب روضات الجنات عن كتاب «الجمع بين التفاسير» أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عرف الفرقة الناجية بقوله:«هم أنا وشيعتي».(2)

هذه الوجوه تعكس مدى الاختلاف في تحديد ملامح الفرقة الناجية.

وأمّا تحقيق القول في ذلك فسيوافيك عند البحث عن الجهة الثالثة، وهي التالية:

ج. مَن هي الفرقة الناجية؟

هذه هي الجهة الثالثة التي ينبغي الاهتمام بها حتى يستطيع الباحث من تعيين الفرقة الناجية، بها.

قال الشيخ محمد عبده: أمّا تعيين أي فرقة هي الناجية، أي التي تكون على ما كان النبي عليه وأصحابه، فلم يتعيّن إلى الآن، فإنّ كلّ طائفة ممّن يذعن لنبينا بالرسالة تجعل نفسها على ما كان عليه النبي وأصحابه.(إلى أن قال: ) وممّا يسرني ما جاء في حديث آخر أنّ الهالك منهم واحدة.(3)

أقول: ما ورد من السمات في تحديد الفرقة الناجية لا يتجاوز أهمّها عن سمتين:

أولاها: «الجماعة» وهي تارة جاءت رمزاً للنجاة، وأُخرى للهلاك، فلا يمكن الاعتماد عليها، وإليك بيان ذلك:


1 . المستدرك على الصحيحين:4/430.
2 . روضات الجنات: 508، الطبعة القديمة.
3 . تفسير المنار : 8/221ـ222.


(29)

روى ابن ماجة عن عوف بن مالك قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : افترقت اليهود... والذي نفس محمد بيده لتفترقن أُمّتي على ثلاث وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة، وثنتان وسبعون في النار. قيل: يا رسول اللّه من هم؟ قال: الجماعة.(1)

بينما نقل أنّه قال: «وإنّ هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين: ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة، وهي الجماعة»(2)، فإنّ الإتيان بضمير الجمع في الحديث الأوّل، وبضمير المفرد في الحديث الثاني يؤيد رجوع الضمير في الأوّل إلى: «اثنتان وسبعون»، ورجوع الضمير المفرد إلى «الواحدة» فتكون الجماعة تارة آية الهلاك وأُخرى آية النجاة.

أضف إلى ذلك أنّ قسماً كبيراً من النصوص لا يشتمل على هذه اللفظة، ولا يصحّ أن يقال إنّ الراوي ترك نقلها، أو نسيها، وذلك لأنّ ذكر سمة الناجي أو الهالك من الأُمور الجوهرية في هذا الحديث، فلا يمكن أن يتجاهله أو ينساه.

ومن ذلك تعلم حال ما اشتمل على لفظ«الإسلام» مع الجماعة، فإنّه لا يزيد في مقام التعريف شيئاً على المجرد منه، لوضوح أنّ الإسلام حقّ إنّما المهم معرفة المسلم الواقعي عن غيره.

ثانيتها: «ما أنا عليه وأصحابي»، أو «ما أنا عليه اليوم وأصحابي»، كون هذا آية النجاة لا يخلو عن خفاء.

أوّلاً: إنّ هذه الزيادة غير موجودة في بعض نصوص الرواية، ولا يصحّ أن يقال إنّ الراوي ترك نقلها لعدم الأهمية.

وثانياً: إنّ المعيار الوحيد للهلاك والنجاة هو شخص النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأمّا أصحابه فلا يمكن أن يكونوا معياراً للهداية والنجاة إلاّ بقدر اهتدائهم


1 . سنن ابن ماجة:2/479، باب افتراق الأُمم.
2 . سنن أبي داود:4/198 ،كتاب السنّة; المستدرك على الصحيحين:1/128.


(30)

واقتدائهم برسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وإلاّ فلو تخلّفوا عنه قليلاً أو كثيراً فلا يكون الاقتداء بهم موجباً للنجاة.

وعلى ذلك فعطف (وأصحابي) على النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لا يخلو من غرابة.

وثالثاً: إنّ المراد إمّا صحابته كلّهم، أو الأكثرية الساحقة.

فالأوّل: مفروض العدم لاختلاف الصحابة في مسالكهم ومشاربهم السياسية والدينية بعد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وأدلّ دليل على ذلك ما وقع من الخلاف في السقيفة وبعدها.

والثاني: ممّا لا يلتزم به أهل السنّة، فإنّ الأكثرية الساحقة من الصحابة خالفوا الخليفة الثالث، وقد قتله المصريون والكوفيون في مرأى ومسمع من بقية الصحابة، الذين كانوا بين مؤلّب، أو مهاجم، أو ساكت.

على أنّ حمل أصحابي على الأكثرية خلاف الظاهر، ويظن أنّ هذه الزيادة من رواة الحديث لدعم موقف الصحابة، وجعلهم المحور الوحيد الذي يدور عليه فلك الهداية بعد النبي الأعظم، والمتوقع من رسول الهداية هو أن يحدد الفرقة الناجية بسمات واضحة تستفيد منها الأجيال الآتية، فإنّ كلّ الفرق يدّعون أنّهم على ما عليه النبي بل على ما عليه أصحابه أيضاً:

وكلّ يدّعي وصلاً بليلى * وليلى لا تقر لهم بذاكـا

وأخيراً نقلنا عن الحاكم أنّه روى عن النبي قوله: «أعظمها فرقة قوم يقيسون الأُمور برأيهم» و يظن أنّ هذه الزيادة طرأت على الحديث من بعض الطوائف الإسلامية بين أهل السنّة، طعناً في أصحاب القياس، على حين أنّ القياس بمفهومه الأُصولي لم يكن أمراً معهوداً لأصحاب النبيّ حتى يكتفي النبي في تعيين الفرقة الهالكة بهذا الوصف غير المعروف في عصر صدور حديث الافتراق.

أحاديث حول مستقبل الصحابة

إنّ الأحاديث المتضافرة عن النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن مستقبل الصحابة


(31)

تصدّنا عن الأخذ بمسالكهم ومشاربهم وتمنعنا عن تصحيح ما ورد في ذيل بعض الروايات الماضية، أعني قوله: «ما أنا عليه وأصحابي» وذلك لأنّ النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يخبر عن أحوالهم بعد رحلته، وأنّهم سيحدثون في الدين أُموراً منكرة، وبدعاً محرمة وأنّهم يرتدون عن الدين ولأجل ذلك يحلأون عن الحوض ويذادون عنه، و قد روى هذه الأحاديث الشيخان(البخاري ومسلم) وغيرهما. وجمعها ابن الأثير في «جامع الأُصول» في الفصل الرابع عند البحث عن الحوض والصراط والميزان.

وإليك بعض تلك الأحاديث:

1. أخرج الشيخان عن عبد اللّه بن مسعود قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «أنا فرطكم على الحوض، وليرفعن إليّ رجال منكم حتى إذا أهويت إليهم لأناولهم اختلجوا دوني، فأقول: أي رب، أصحابي; فيقال: إنّك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك».

2. أخرج الشيخان أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي، أو قال من أُمّتي، فيحلأون عن الحوض، فأقول: يا ربّ أصحابي، فيقول: إنّه لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنّهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى».

إلى غير ذلك من الروايات البالغ عددها إلى عشرة أحاديث وفي ضوء هذه الروايات لا يمكن الحكم بعدالة كلّ صحابي لمجرّد الصحبة، للعلم بوجود الفسق والارتداد وإحداث البدع فيهم، وهذا العلم الإجمالي يصدّنا عن تعديل كلّ صحابي وتصديقه.

كما يصدنا عن القول بأنّ الأكثرية الساحقة من الصحابة إذا اتفقت على شيء يكون دليلاً على صدقه وصحته، على أنّ هذا لا يدلّ على أنّ جميع الصحابة كانوا على هذا المنوال بل كان في الصحابة الثقات العدول، والأخيار المتقون.

وقد أشبعنا الكلام حول الصحابة من حيث العدالة.(1)


1 . سيوافيك البحث عن عدالة الصحابة عند تحليل عقائد أهل الحديث في هذا الجزء.


(32)

الفرقة الناجية في ضوء النصوص الأُخر

لو أنّ شيخ الأزهر رجع إلى النصوص الأُخر للنبي الأكرم لتبيّن له الفرقة الناجية في كلام النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فإنّ لنبي الرحمة كلمات في مواضع أُخر يشد بعضها بعضاً، ويفسر بعضها البعض الآخر، وإليك ما أثر عنه في تلك المجالات ممّا تعد قرائن منفصلة موضحة للحديث الحاضر.

1. حديث الثقلين

قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «يا أيّها الناس إنّي تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا: كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي».(1)

روى إمام الحنابلة عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّه قال: «إنّي تارك فيكم خليفتين: كتاب اللّه، حبل ممدود ما بين السماء والأرض; وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض».(2)

روى الحاكم في مستدركه عن النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّه قال: «إنّي أوشك أن أُدعى فأُجيب، وإنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه عزّ وجلّ، وعترتي; كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، فإنّ اللطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما».(3)

والاختلاف الموجود بين نصوص الحديث غير مضر أبداً، لأنّ النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نطق بهذا الحديث في مواضع مختلفة، إذ في بعض الطرق أنّه قال ذلك في حجّة الوداع بعرفة، وفي أُخرى أنّه قاله بالمدينة في مرضه وقد امتلأت الحجرة بأصحابه، وفي ثالثة أنّه قال ذلك بغدير خم، وفي رابعة أنّه


1 . رواه الترمذي والنسائي في صحيحهما راجع كنز العمال:1/44 باب الاعتصام بالكتاب والسنّة.
2 . مسند أحمد بن حنبل: 5/182ـ 189.
3 . مستدرك الحاكم:3/148، وقال هذا صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه.


(33)

قال ذلك لمّا قام خطيباً بعد انصرافه من الطائف، فقد كرر ذلك في تلك المواطن اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة.(1)

والإمعان في هذا الحديث الذي بلغ من التواتر حدّاً لا يدانيه حديث، إلاّ حديث الغدير، يقود الإنسان إلى الحكم بضلال من لم يستمسك بهما معاً، فالمتمسّكون بهما هم الفرقة الناجية، والمتخلّفون عنهما، أو المتقدّمون عليهما هم الهالكة.

وقد نقل الطبراني قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في ذيل الحديث: «فلا تقدموهما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم».(2)

2. حديث السفينة

وهذا الحديث كالحديث السابق يعين على رفع الإبهام عن حديث «الافتراق». روى الحاكم بسنده عن أبي ذر رضي اللّه عنه يقول، وهو آخذ بباب الكعبة: «من عرفني فأنا من عرفني، ومن أنكرني فأنا أبوذر، سمعت النبي يقول: ألا إنّ مثل أهل بيتي فيكم، مثل سفينة نوح في قومه، من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق».(3)

والمراد بتشبيههم ـ عليهم السَّلام ـ بسفينة نوح هو أنّ من لجأ إليهم في الدين فأخذ فروعه وأُصوله عن أئمّتهم، نجا من عذاب النار، ومن تخلّف عنهم كمن آوى يوم الطوفان إلى جبل ليعصمه من أمر اللّه، غير أنّ هذا غرق في الماء، وهذا في الحميم.

قال ابن حجر: و وجه تشبيههم بالسفينة أنّ من أحبهم وعظّمهم شكراً لنعمة مشرّفهم، وأخذ بهدي علمائهم نجا من ظلمة المخالفات، ومن تخلّف عن ذلك غرق في بحر كفر النعم، وهلك في مفاوز الطغيان.(4)


1 . راجع المراجعات، المراجعة 8 فقد نقله عن مواضع مختلفة.
2 . الصواعق المحرقة: 135 باب وصية النبي بهم.
3 . المستدرك على الصحيحين:3/151.
4 . لقد علّق السيد شرف الدين في مراجعاته على هذه العبارة تعليقاً لطيفاً وهو: قل لي لماذا لم يأخذ بهدى أئمتهم في شيء من فروع الدين وعقائده ـإلى أن قال:ـ ولماذا تخلّف عنهم فأغرق نفسه في بحار كفر النعم وأهلكها في مفاوز الطغيان؟!


(34)

3. حديث أهل بيتي أمان لأُمّتي

روى الحاكم عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمان لأُمّتي من الاختلاف، فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس»(ثمّ قال): هذا حديث صحيح الإسناد،ولم يخرجاه.(1)

هذه الأحاديث تلقي الضوء على حديث الافتراق، وتحدد الفرقة الناجية وتعيّنها.

وهناك حديث آخر ورد في ذيل حديث الافتراق نقله أحد علماء أهل السنّة وهو الإمام الحافظ حسن بن محمد الصغاني (المتوفّى 650هـ) في كتابه «الشمس المنيرة» عن النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :«افترقت أُمّة أخي عيسى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أُمّتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلّها هالكة إلاّ فرقة واحدة».

فلمّا سمع ذلك منه ضاق المسلمون ذرعاً وضجّوا بالبكاء، وأقبلوا عليه، وقالوا: يا رسول اللّه كيف لنا بعدك بطريق النجاة؟ وكيف لنا بمعرفة الفرقة الناجية حتى نعتمد عليها؟

فقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «إنّي تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبداً: كتاب اللّه، وعترتي أهل بيتي; إن اللطيف الخبير نبّأني أنّهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض».(2)

ولا أظن المنصف إذا رجع إلى ما ورد حول العترة من الأحاديث الحاثّة على الرجوع إليهم، يخفى عليه مراد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من الفرقة الناجية في حديث الافتراق، مضافاً إلى أنّ آية التطهير دالّة على عصمتهم، فالمتمسك بالمعصوم مصون وبالخاطئ غير مصون بل يقع عرضة للانحراف والهلاك، و للشافعي أبيات تعرب عن عرفانه الفرقة الناجية ذكرها الشريف الحضرمي في


1 . المستدرك على الصحيحين:3/149.
2 . الشمس المنيرة، النسخة المخطوطة في مكتبة المشهد الرضوي بالرقم 1706.


(35)

«رشفة الصادي».(1)

د. الفرق التي أخبر النبي بنشوئها

هذه هي الجهة الرابعة التي يليق البحث عنها، فإنّ النبي قد أخبر عن أنّ الأُمّة الإسلامية ستبلغ في تفرّقها إلى هذا العدد الهائل، ولكن المشكلة عدم بلوغ رؤوس الفرق الإسلامية إلى هذا العدد، فإنّ كبار فرقها لا تتجاوز الأربع:

الأوّل: القدرية(المعتزلة وأسلافهم).

الثاني: الصفاتية(أهل الحديث والأشاعرة).

الثالث: الخوارج.

الرابع: الشيعة.

وهذه الفرق الأصلية، وإن تشعبت إلى شعب وفروع من مرجئة وكرامية بفرقها ،ولكن لا يبلغ المجموع إلى هذا الحد، وإن أصرّ الشهرستاني على تصحيح البلوغ إليه، فقال: ثمّ يتركب بعضها مع بعض، ويتشعب عن كلّ فرقة أصناف، فتصل إلى ثلاث وسبعين فرقة.(2)

يلاحظ عليه: أنّ المراد من أُمّتي هي الفرق الإسلامية المؤمنة برسالة النبي الأعظم، وكتاب اللّه سبحانه، وبلوغ تلك الأُمة بهذه الصفة إلى هذا الحد الهائل أوّل الكلام، لأنّ المراد هو الاختلاف في العقيدة التي يدور عليها فلك الهلاك والنجاة.

وأمّا الاختلاف في الأُصول والمعارف التي ليست مداراً للهداية والضلالة، بل لا تعد من صميم العقائد الإسلامية، فهو خارج عن إطار الحديث، فاختلاف الأشاعرة والمعتزلة، في وجود الواسطة بين الوجود


1 . رشفة الصادي: 25.
2 . الملل والنحل:1/15.


(36)

والعدم، وحقيقة الجسم والأكوان والألوان، والجزء الذي لا يتجزأ، والطفرة، الذي أوجد فرقاً كلامية، فلا يوجب دخول النار، وإن كان الحقّ واحداً، ولا يصحّ عدّ المعتقدين بها من الفرق المنصوص عليها في كلام النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

وبعبارة واضحة: إنّ الفرق المذمومة في الإسلام هي أصحاب الأهواء الضالة الذين خالفوا الفرقة الناجية، في مواضع تعد من صميم الدين كالتوحيد بأقسامه والعدل والقضاء والقدر، والتجسيم والتنزيه، والجبر والاختيار، والهداية والضلالة و رؤية اللّه سبحانه وإدراك البشر له تعالى، والإمامة والخلافة، ونظائرها.

وأمّا الاختلاف في سائر المسائل التي لا تمت إلى الدين بصلة ولا تمثل العقيدة الإسلامية فلا يكون المخالف والموافق فيها داخلاً في الحديث، والحال أنّ كثيراً من الفرق الإسلامية يرجع اختلافهم إلى أُمور عقلية أو كونية، ممّا لا يرتبط بالدين أو ما لا يسأل عنه الإنسان في حياته وبعدها ولا يجب الاعتقاد به.

محاولات لتصحيح العدد

إنّ هناك محاولات لتصحيح مفاد الحديث من حيث العدد المذكور فيه، نشير إليها فيما يلي:

1. هذا العدد الهائل كناية عن المبالغة في الكثرة، كما في قوله سبحانه وتعالى: (إِنْ تَسْتَغْفِر لَهُمْ سَبْعينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُم) .(1)

يلاحظ عليه: أنّ هذه المحاولة فاشلة، لأنّها إنّما تصحّ إذا ورد الحديث بصورة السبعين أو غيرها من العقود العددية، فإنّ هذا هو المتعارف في مقام الكناية ولكن الوارد في الحديث هو غير ذلك.


1 . التوبة:80.


(37)

ترى أنّ النبي يركز في حقّ المجوس على عدد السبعين، وفي حقّ اليهود على عدد الإحدى والسبعين وفي حقّ النصارى على اثنتين وسبعين، وفي حقّ الأُمّة الإسلامية على ثلاث وسبعين. وهذاالتدرّج يعرب بسهولة عن أنّ المراد هو بلوغ الفرق إلى هذا الحدّ، بشكل حقيقي لا بشكل مبالغي.

2. إنّ أُصول الفرق وإن كانت لا تصل إلى هذا العدد بل لا تبلغ نصفه ولا ربعه، وإنّ فروع الفرق يختلف العلماء في تفريعها، وإنّ الإنسان في حيرة حين يأخذ في العد، بأن يعتبر ـ في عدّ الفرق ـ أُصولها أو فروعها، وإذا استقر رأيه على اعتبار الفروع، فعلى أيّ حدّ من التفريع يأخذه مقياساً، إلاّ أنّ الحديث لا يختص بالعصور الماضية، فإنّ حديث الترمذي يتحدث عن افتراق أُمّة محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأُمّته مستمرة إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، فيجب أن يتحدث في كلّ عصر عن الفرق التي نجمت في هذه الأُمّة من أوّل أمرها إلى الوقت الذي يتحدث فيه المتحدث، ولا عليه إن كان العدد قد بلغ ما جاء في الحديث أو لم يبلغ، فمن الممكن بل المقطوع ـ لو صحّ الحديث ـ وقوع الأمر في واقع الناس على وفق ما أخبر به.(1)

وهناك محاولة ثالثة غير صحيحة جدّاً وهي الاهتمام بتكثير الفرق، فترى أنّ الإمام الأشعري يجعل للشيعة الغالية خمس عشرة فرقة، وللشيعة الإمامية أربعاً وعشرين فرقة، كما أنّ الشهرستاني يعدّ للمعتزلة اثنتي عشرة فرقة، ويعدّ للخوارج الفرق التالية: المحكمة، الأزارقة، النجدات، البيهسية، العجاردة، الثعالبة، الأباضية، الصفرية.

وذلك لأنّ الجميع من أصناف الشيعة والمعتزلة والخوارج يلتقون تحت أُصول خاصة معلومة في محلها، مثلاً أصناف الخوارج يجتمعون تحت أُصول أشهرها تخطئة عثمان والإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ في مسألة التحكيم، وتكفير صاحب الكبيرة وتخليده في النار. فلا يصحّ عدّ كلّ صنف فرقة، وإن اختلف كلّ مع شقيقه في أمر جزئي، ومثل ذلك أصناف الآخرين.


1 . مقدّمة الفرق بين الفرق: 7.


(38)

ثمّ إنّ الكاتب المعاصر عبد الرحمن بدوي، ذهب إلى عدم صحّة الحديث للأسباب التالية:

أوّلاً: إنّ ذكر هذه الأعداد المحددة المتوالية: 71، 72، 73 أمر مفتعل لا يمكن تصديقه فضلاً عن أن يصدر مثله عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

ثانياً: إنّه ليس في وسع النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أن يتنبأ مقدماً بعدد الفرق التي سيفترق إليها المسلمون.

ثالثاً: لا نجد لهذا الحديث ذكراً فيما ورد لنا من مؤلفات من القرن الثاني بل ولا الثالث الهجري ولو كان صحيحاً لورد في عهد متقدّم.

رابعاً: أعطت كلّ فرقة لختام الحديث، الرواية التي تناسبها، فأهل السنّة جعلوا الفرقة الناجية هي أهل السنّة، والمعتزلة جعلوها فرقة المعتزلة، وهكذا وقال:

وقد ظهر التعسّف البالغ لدى مؤرّخي الفرق في وضعهم فروقاً وأصنافاً داخل التيارات الرئيسية حتى يستطيعوا الوصول إلى 73 فرقة، وفاتهم أنّ افتراق المسلمين لم ينته عند عصرهم، وأنّه لا بدّ ستنشأ فرق جديدة باستمرار ممّا يجعل حصرهم هذا خطأ تماماً، إذ لا يحسب حساباً لما سينشأ بعد ذلك من فرق إسلامية جديدة.(1)

ولا يخفى أنّ ما ذكره من الأسباب غير صحيح عدا ما ذكره من السبب الرابع وما ذيله به.

أمّا دليله الأوّل، فلأنّ ما جاء فيه هو نفس المدّعى ولم يبيّن وجهاً لافتعال الحديث.

وأمّا دليله الثاني، فلأنّ المتبادر منه أنّه ليس في وسع النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ التنبّؤ بالأحداث الآتية، ولكنّه باطل بشهادة الصحاح والسنن على تنبوّئه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بإذن اللّه عن كثير من الحوادث الواقعة في أُمّته، وقد جمعنا


1 . مذاهب الإسلاميين:1/34.


(39)

عدّة من تنبّوئه في موسوعتنا: مفاهيم القرآن.(1)

وربما يريد الكاتب من عبارته معنى آخر، وهو أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لا يصح له أن يقدم على مثل هذا التنبّؤ، لأنّه إقدام غير مرغوب فيه، لما يحتوي على الإضرار بالأُمّة، ولكن هذا الرأي منقوض أيضاً بتنبّؤات أُخرى تضاهي المورد هذا، فهذا هو النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يتنبّأ بالمستقبل المظلم الذي يواجهه ذو الخويصرة من وجوه الخوارج الذي أتي النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ و هو يقسمالغنائم بعد منصرفهم من حنين فقال للنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : يا رسولاللّه اعدل، فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «ويلك من يعدل إن لم أعدل قد خبت وخسرت إن لم أعدل»، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول اللّه ائذن لي فيه أن أضرب عنقه؟

قال: «دعه فإنّ له أصحاباً يحقّر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يرمق السهم من الرميّة، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء».(2)

فأي فرق بين هذا التنبّؤ ونظائره الواردة في أحاديث النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، والتنبّؤ بافتراق أُمّته إلى الفرق المعدودة؟

وأمّا دليله الثالث، فعجيب جداً، فقد رواه أبو داود(202ـ 275هـ) في سننه، والترمذي (209ـ 279هـ ) في صحيحه، وابن ماجة(218ـ 276هـ) في سننه، وأحمد بن حنبل(241هـ) في مسنده، والجميع من أعيان أصحاب الحديث في القرن الثالث، فكيف يقول هذا الكاتب: «بل ولا الثالث الهجري»؟! وإليك بعض ما أسندوه:

1. روى أبو داود في كتاب السنة، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه: افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفرّقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أُمّتي على ثلاث وسبعين فرقة».

ثمّ روى عن معاوية بن أبي سفيان أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قام فينا فقال: «ألا إنّ من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة،


1 . مفاهيم القرآن:3/503ـ 508.
2 . التاج:5/286، كتاب الفتن.


(40)

وإنّ هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين: ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة».(1)

2. روى الترمذي في باب ما جاء في افتراق هذه الأُمّة مثله، عن أبي هريرة. و روى عن عبد اللّه بن عمر قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «ليأتين على أُمّتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتى أُمّه علانية، لكان في أُمّتي من يصنع ذلك، وإنّ بني إسرائيل تفرّّقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أُمّتي على ثلاث وسبعين ملّة كلّهم في النار إلاّ ملّة واحدة» قالوا: ومن هي يا رسول اللّه؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي».(2)

3. روى ابن ماجة في باب افتراق الأُمم عن أبي هريرة قال: «قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : تفرّقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفترق أُمّتي على ثلاث وسبعين فرقة».

وروى عن عوف بن مالك قال: قال رسول اللّه: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنةو سبعون في النار; وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعون في النار وواحدة في الجنة; والذي نفس محمد بيده لتفترقنّ أُمّتي على ثلاث وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار» قيل: يا رسول اللّه: من هم؟ قال: «الجماعة».

وروى عن أنس بن مالك ما يقرب من ذلك.(3)

4. وروى أحمد بن حنبل عن أبي هريرة ما نقلناه عنه آنفاً.(4)

كما روى أيضاً عن أنس بن مالك ما رويناه عنه سابقاً.(5)

وعلى كلّ تقدير فلا يهمنا البحث حول عدد الفرق وكثرتها و قلّتها، بل


1 . سنن أبي داود:4/198، كتاب السنّة.
2 . سنن الترمذي:5/26، كتاب الإيمان، الحديث 2641.
3 . سنن ابن ماجة:2/479، باب افتراق الأُمم.
4 . مسند أحمد:2/332.
5 . مسند أحمد:3/120.


(41)

الذي نتوخّاه في هذه الصحائف هو البحث عن الفرق الموجودة في الأوساط الإسلامية و هي عبارة عن هذه الفرق: أهل السنّة(1) بأصنافهم: أهل الحديث والأشاعرة والمعتزلة والخوارج، والشيعة بفرقها الثلاث: الإمامية الاثني عشرية، الزيدية، الإسماعيلية.

وأمّا الفرق التي بادت واندثرت، وقد أكل الدهر عليها و شرب، فهي غير مطروحة لنا بل البحث عنها مفصلاً ضياع للوقت إلاّ على وجه الإشارة.

***

(قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلكُمْ أَوْ يَلْبِسكُمْ شِيَعاً وَيُذيقَ بَعْضكُمْ بَأْسَ بَعْض انْظُر كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُون).(2)


1 . أهل السنّة لا يعتبرون الخوارج منهم، بل لا يعتبرون المعتزلة منهم أيضاً، ولكن المراد من أهل السنّة هنا هو المعنى الأعم، أي غير الشيعة، أي من يقول بكون الخلافة بالبيعة والشورى، فكلّ من يقول بكون الإمامة مقاماً تنصيصيّاً يعد من الشيعة، ومن يقول بكونها مقاماً انتخابياً فهو معدود من أهل السنّة، فالملاك في التقسيم هو هذا لا المصطلح المعروف بين أهل الحديث والأشاعرة، فلو خضعنا لمصطلح الأوّلين، فهم ربما لا يعدّون الأشاعرة أيضاً منهم، هذا ابن تيمية يكن العداوة للأشاعرة ولا يعدّهم منهم.
2 . الأنعام: 65.


(42)

(43)

الفصل الثاني

بدايات الاختلاف في عصر الرسالة

لا شكّ في أنّ المسلمين قد اختلفوا بعد لحوق النبي الأكرم بالرفيق الأعلى إلى فرق مختلفة، وسنبين جذور هذه الخلافات وحوافزها في الأبحاث الآتية.

إنّما الكلام في وضع المسلمين أيّام النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فهل كانوا محتفظين بوحدة كلمتهم ومستسلمين لأمر نبيّهم جميعاً كما أمر اللّه به سبحانه، أم كان هناك بعض الاختلاف بينهم في جملة من المسائل؟

لا شكّ أنّ المسلم الحقيقي هو من يستسلم لأوامر اللّه ورسوله ولا يخالفه قيد شعرة آخذاً بقوله سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَي اللّهِ وَرَسُولهِِِ واتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَميعٌ عَليم)(1). وقد فسر المفسرون قوله سبحانه: (لا تُقَدّمُوا بَيْنَ يَدَي اللّه وَرَسُوله) بقولهم: أي لا تتقدموا على اللّه ورسوله في كلّ ما يأمر وينهى، ويؤيده قوله سبحانه في نفس السورة:(وَاعْلَمُوا أَنَّ فيكُمْ رَسُولَ اللّهِ لَو يُطِيعُكُمْ في كَثير مِنَ الأَمْرِلَعَنِتّم) .(2)

وقال عزّ من قائل: (فَلا وَرَبّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحكّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرجاً مِمّا قَضَيْت وَيُسَلِّمُوا تَسْليماً) .(3)


1 . الحجرات:1.
2 . الحجرات:7.
3 . النساء:65.


(44)

ومع ذلك كلّه فقد نجمت بين الصحابة والنبي الأعظم مشاجرات ومنازعات بين آونة وأُخرى قد ضبطها التاريخ وأصحاب السير. غير أنّ الشهرستاني يصر على أنّ أكثر الخلافات كان من جانب المنافقين و قال: «إنّ شبهات أُمّته في آخر زمانه، ناشئة من شبهات خصماء أوّل زمانه من الكفّار والملحدين، وأكثرها من المنافقين، وإن خفي علينا ذلك في الأُمم السالفة لتمادي الزمان، فلم يخف في هذه الأُمّة أنّ شبهاتها نشأت كلّها من شبهات منافقي زمن النبي، إذ لم يرضوا بحكمه فيما كان يأمر وينهى، وشرعوا فيما لا مسرح للفكر فيه ولا مسرى وسألوا عمّا منعوا من الخوض فيه والسؤال عنه، وجادلوا بالباطل في ما لا يجوز الجدال فيه».

ثمّ ذكر الشهرستاني حديث ذي الخويصرة التميمي في تقسيم الغنائم إذ قال: اعدل يا محمد، فإنّك لم تعدل، حتى قال عليه الصلاة والسلام: «إن لم أعدل فمن يعدل».(1)

إنّ ما ذكره الشهرستاني صحيح لا غبار عليه غير أنّ الاعتراض والخلاف لم يكن منحصراً بالكفار و المنافقين بل كان هناك رجال من المهاجرين والأنصار، يعترضون على النبي في بعض الأُمور التي لا تروقهم، وكأنّ الشهرستاني نسي قصة الحديبية حيث آثر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الصلح يوم الحديبية على الحرب وأمر به، عملاً بما أوصى اللّه إليه، وكانت المصلحة في الواقع وفي نفس الأمر توجبه لكنّها خفيت على أصحابه فطفق بعضهم ينكره والآخر يعارضه علانية بكلّ ما لديه من قوة. هذا هو عمر بن الخطاب فإنّه بعد ما تقرر الصلح بين الفريقين على الشروط الخاصة وقد أدركته الحمية، فأتى أبا بكر و قد استشاط غضباً فقال: يا أبا بكر أليس برسول اللّه ؟ قال: بلى. قال: أو لسنا بالمسلمين؟ قال: بلى. قال: أوليسوا بالمشركين؟قال: بلى. قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا... الحديث.(2)

وكأنّ الشهرستاني غفل أيضاً عن الجدال الشديد بين النبي وبعض


1 . الملل والنحل:1/21.
2 . السيرة النبوية لابن هشام:3/317.


(45)

أصحابه في متعة الحج. قال الإمام القرطبي: «لا خلاف بين العلماء أنّ التمتع المراد بقوله تعالى: (فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَة إِلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدي) (1) هو الاعتمار في أشهر الحجّ قبل الحجّ، قلت: وهو فرض من نأى عن مكة بثمانية وأربعين ميلاً من كلّ جانب على الأصح، وإنّما أضيف الحجّ بهذه الكيفية إلى التمتع أو قيل عنه: التمتع بالحج، لما فيه من المتعة، أي اللذة بإباحة محظورات الإحرام في المدة المتخلّلة بين الإحرامين، وهذا ما كرهه عمر وبعض أتباعه فقال قائلهم: أننطلق و ذكورنا تقطر؟!

وفي «مجمع البيان» أنّ رجلاً قال: أنخرج حجاجاً ورؤوسنا تقطر؟ وأنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال له: «إنّك لن تؤمن بها أبداً».(2)

ولأجل هذه المكافحة التي نجمت في حياة النبي خطب عمر بن الخطاب في خلافته وقال: متعتان كانتا على عهد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما .(3)

وهذه الأُمور تسهل لنا التصديق بما رواه البخاري في إسناد عن عبيد اللّه بن عبد اللّه، عن ابن عباس قال: «لما اشتد بالنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وجعه قال: ايتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده». قال عمر: إنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ غلبه الوجع، وعندنا كتاب اللّه حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغط. قال: «قوموا عنّي، ولا ينبغي عندي التنازع». فخرج ابن عباس يقول: إنّ الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وبين كتابه».(4)

كما تسهل لنا التصديق بخلافهم في حال حياته عندما أمرهم بقوله:«جهزوا جيش أُسامة لعن اللّه من تخلّف عنه»، فقال قوم: يجب علينا امتثال


1 . البقرة:196.
2 . النص والاجتهاد: 120، وقد نقل مصادر كلامه.
3 . مفاتيح الغيب للرازي:3/201 في تفسير آية 24من سورة النساء; شرح التجريد للفاضل القوشجي: 484.
4 . صحيح البخاري:1/30.


(46)

أمره، وأُسامة قد برز من المدينة، وقال قوم: قد اشتد مرض النبي عليه الصلاة والسلام فلا تسع قلوبنا مفارقته والحالة هذه، فنصبر حتى نبصر أي شيء يكون من أمره.(1)

نعم كانت هناك هنابث ومشاجرات في أُمور لا تروق سليقة بعض النفوس وميولهم، غير أنّ هذه الخلافات لم تكن على حدّتنشق بها عصا الوحدة وتنفصم بها عرى الأُخوة، وأعظم خلاف بين الأُمّة هو الخلاف الذي نجم بعد لحوقه بالرفيق الأعلى، وهو الخلاف في الإمامة وقد لمست الأُمة ضرره وخسارته حتى أنّ الشهرستاني أعرب عن عظم هذه الخسارة بقوله: «ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة في كلّ زمان».(2)

وإليك بيان أساس هذا الاختلاف:

لما التحق النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بالرفيق الأعلى صارت الأُمّة فرقتين باقيتين إلى الآن:

الأُولى: القائلون بأنّ منصب الإمامة منصب إلهي وأنّ الإمام يقوم بالوظائف التي كانت قد أُلقيت على عاتق النبي من تبيين الأحكام الشرعية وتفسير كتاباللّه وصيانة الدين عن النقص والزيادة والإجابة على الأسئلة الواردة والاعتراضات المتوجهة إلى الدين مضافاً إلى إدارة المجتمع البشري وسياسته التي يعبر عنها بالحكومة الإسلامية.

الثانية: القائلون بأنّ منصب الإمامة منصب عادي يجب أن يقوم بها واحد من آحاد الأُمّة لتبرير أمر المجتمع سياسة واجتماعاً واقتصاداً وغير ذلك، وأنّه لم يرد في أمر الخلافة نص على شخص ما وهؤلاء هم الموسومون بأهل السنّة.

***

(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّه جَميعاً ولا تَفَرَّقُوا). (3)


1 . الملل والنحل:1/23 ـ 24.
2 . الملل والنحل:1/23 ـ 24.
3 . آل عمران: 103.


(47)

الفصل الثالث

علل تكوّن الفرق الإسلامية

إنّ الوقوف على تاريخ الفرق الإسلامية، وكيفية تكوّنها والعلل الباعثة على نشأتها، من الأبحاث المهمة التي تعين الباحث في تقييم المذاهب الإسلامية ومدى إخلاص أصحابها في نشرها وبثها بين الأُمّة، و هذه النقطة الحسّاسة من علم الملل والنحل، قد أهملت في كثير من كتب الفرق والنحل إلاّ شيئاً قليلاً لا يشبع نهمة الطالب، ونحن نأتي في هذه العجالة بإجمال ما وقفنا عليه في تاريخ تكوّنها والبواعث الموجدة لها، وأمّا الإسهاب في البحث فموكول إلى آونة أُخرى.

لبّى النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ دعوة ربّه وانتقل إلى جواره وترك لأُمّته ديناً قيماً عليه سمات من أبرزها «بساطة العقيدة ويسر التكليف» وأخذ المسلمون يفتحون البلاد بقوة المنطق أوّلاً وحدّالسلاح ثانياً، وأخذت قوى الكفر والشر تنسحب أمام دعاة الإسلام وجنوده البواسل، وتنصاع لهداه البلاد إثر البلاد.

ارتحل الرسول الصادع بالحق، وترك بين أُمّته كتاب اللّه العزيز الذي فيه تبيان كل شيء(1)، وسنّته الوضّاءة المقتبسة من الوحي(2) السليم من الخطأ،


1 . (وَنَزَّلنا عَلَيْكَ الكِتاب تِبْياناً لِكُلِّ شَيْء) (النحل:89).
2 . (إِنْ هُوَ اِلاّ وَحْيٌ يُوحى) (النجم:4).


(48)

المصون من الوهن وعترته الطيبين الذين هم في لسان نبيّهم قرناء الكتاب.(1)

فالمسلمون الأوّلون في ضوء بساطة العقيدة وسهولة التشريع و في ظل هذه الحجج والأدلة القويمة، كانوا في غنى عن الخوض في أقوال المدارس العقلية والمناهج الكلامية التي كانت دارجة بين الأُمم المتحضّرة آنذاك، فهم بدل الغور فيها، كانوا يخوضون غمار المنايا و يرتادون ميادين الحروب في أقطار العالم وأرجاء الدنيا لنشر الدين والتوحيد ومكافحة شتى ألوان الشرك والثنوية ومحو العدوان والظلم عن المجتمع البشري.

نعم كان هذا وصفهم وحالهم إلاّ شذاذاً منهم من الانتهازيين، عبدة المقام وعشاق المال ممن لم تهمّهم إلاّأنفسهم وإلاّعلفهم وماؤهم، وقد قلنا إنّ بساطة التكليف كانت إحدى العوامل التي صرفت المسلمين عن التوجه والتعرض للمناهج الفلسفية الدارجة في الحضارات القائمة آنذاك، فلأجل ذلك كانوا يكتفون مثلاً في معرفة اللّه سبحانه بقوله عزّمن قائل: (أَفِي اللّه شَكٌّ فاطرِ السَّمواتِ والأَرضِ) (2)، وقوله عزّجلّ:(أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْء أَمْ هُمُ الْخالِقُون).(3)

وفي نفي الشرك والثنوية كانوا يكتفون بقوله سبحانه: (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاّ اللّهُ لَفَسَدتا).(4)

وفي التعرّف على صفاته وأفعاله بقوله سبحانه: (هُوَ اللّهُ الَّذي لاإِلهَ إِلاّهُوَ عالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحيم) (5)، إلى آخر سورة الحشر.

وفي تنزيهه عن التشبيه والتجسيم بقوله سبحانه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّميعُ الْبَصير)(6)،


1 . لقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه وعترتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا علي الحوض. والتثليث في كلامنا لا يعارض التثنية في كلام الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، لأنّ مرجع كلام العترة إلى سنّة الرسول التي أودعها في قلوبهم بإذن اللّه عزّ وجلّ.
2 . إبراهيم:10.
3 . الطور:35.
4 . الأنبياء:22.
5 . الحشر:22.
6 . الشورى:11.


(49)

وبقوله: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصار). (1)

وفي سعة قدرته: (وَما قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) .(2)

إلى غير ذلك من الآيات الواردة حول المبدأ والمعاد وما يرجع إليهما من الأبحاث الكلامية الغامضة، فلكلّ واحدة من هذه المسائل نصوص في الكتاب والسنّة وهي أغنتهم عن الرجوع إلى غيرهم.

نعم إنّ مفاهيم هذه الآيات على بساطتها تهدف إلى معان بعيدة الأغوار، عالية المضامين، فالكلّ يستفيد منها حسب مقدرته واستعداده فهي هادية لكلّ البشر ومفيدة لجميع الطبقات من ساذجها إلى متعلّمها، إلى معلمها....

وهذه الميزة يختصّ بها القرآن الكريم ويتميّز فيها عن غيره، فهو مع كونه هدى للناس عامة، خير دليل للمفكّرين صغارهم وكبارهم.

هذا هو الكتاب، وأمّا السنّة فهي عبارة عمّا ينسب إلى النبي من قول أو فعل أو تقرير، نازلة منزلة التفسير والتبيين لمعاني الكتاب الحكيم، مبينة لمجمله، شارحة لمعانيه كما يعرب عنه قوله سبحانه: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (3)، أي لا لتقرأ فقط، بل لتبيّن وتشرح ما نزل، بقولك وفعلك وتقريرك.

وأمّا العترة فيكفي في عصمتهم وحجية أقوالهم، حديث الثقلين الذي تواتر نقله، وقام بنقله أكابر المحدّثين في العصور الإسلامية كلّها.

وكان اللائق بالمسلمين والواجب عليهم مع الحجج الإلهية، التمسّك بالعروة الوثقى ورفض الاختلاف، ولكن يا للأسف تفرقوا إلى فرق وفرق لعلل نشير إليها.

إنّ لتكوّن المذاهب الإسلامية ـ أُصولاً وفروعاً ـ عللاً وأسباباً ومعدات وممهدات ولا يقوم بحقّ بيانها الباحث إلاّ بإفراد كتاب خاص في هذا الموضوع،


1 . الأنعام:103.
2 . الأنعام:91.
3 . النحل:44.


(50)

ولكن نشير في هذه العجالة إلى العوامل الرئيسية في تكوّن الفرق ونشوئها في المجتمع الإسلامي وهي أُمور:

1. الاتجاهات الحزبية والتعصبات القبلية.

2. سوء الفهم واعوجاجه في تحديد الحقائق الدينية.

3. المنع عن كتابة حديث رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ونقله والتحدّث به كما سيجيء.

4. فسح المجال للأحبار والرهبان للتحدّث عن قصص الأوّلين والآخرين.

5. الاحتكاك الثقافي واللقاء الحضاري بين المسلمين وغيرهم من الفرس والروم والهنود.

6. الاجتهاد في مقابل النصّ.

وإليك البحث في كلّ واحد من هذه العوامل حسب ما يقتضيه المجال.

***

(وَلَوْ أَنّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعظُونَ بِهِ لَكانَ خَيراً لَهُمْ وَأَشدَّ تَثْبيتاً) (1).

***


1 . النساء: 66 .


(51)

العامل الأوّل

الاتجاهات الحزبيةُ والتعصّبات القبلية

إنّ أعظم خلاف بين الأُمّة هو الخلاف في قضية الإمامة، إذ ما سل سيف قطّ في الإسلام وفي كلّ الأزمنة على قاعدة دينية مثل ما سلّ على الإمامة، وقد كان الشقاق بين المسلمين في تلك المسألة أوّل شقاق نجم بينهم وجعلهم فرقاً أو فرقتين. فمن جانب نرى علياً صلوات اللّه عليه ورجال البيت الهاشمي ركنوا إلى النص وقالوا: إنّ الإمامة شأنها شأنالنبوة لا تكون إلاّ بالنصّ. وإنّ هذا النصّ قد صدر عن النبي في مواطن شتى، آخرها واقعة الغدير المشهورة بين كافّة الناس حينما قام النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في محتشد عظيم وقال: «من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه...».(1)

ومن جانب آخر نرى الأنصار تجتمع في سقيفة بني ساعدة قبل تجهيز النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ومواراته، يبحثون عن قضية الإمامة أو الخلافة، فيرى سيدهم أنّ القيادة حقّ للأنصار رافعاً عقيرته بقوله: يا معشر الأنصار لكم سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام ليست في العرب، إنّ محمّداً ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لبث بضع عشرة سنة في قومه يدعوهم إلى عبادة الرحمن وقلع الأنداد


1 . راجع في تواتره وكثرة رواته في جميع العصور الإسلامية من عصر الصحابة إلى عصرنا هذا، ودلالته على الولاية الكبرى للإمام أمير المؤمنين، كتاب الغدير: الجزء الأوّل، ولأجل ذلك طوينا الكلام عن نقل مصادره.


(52)

والأوثان، فما آمن به من قومه إلاّ رجال قليل ما كانوا يقدرون على أن يمنعوا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ولا أن يعزوا دينه ولا أن يدفعوا عن أنفسهم ضيماً عموا به، حتى إذا أراد بكم الفضيلة ساق إليكم الكرامة وخصّكم بالنعمة، فرزقكم اللّه الإيمان به ورسوله والمنع له ولأصحابه، والإعزاز له ولدينه، والجهاد لأعدائه، فكنتم أشدّ الناس على عدّوه منكم وأثقله على عدوه من غيركم، حتى استقامت العرب لأمر اللّه طوعاً وكرهاً ـ إلى أن قال ـ : استبدوا بهذا الأمر دون الناس.

فأجابوه بأجمعهم: أن قد وفقت في الرأي وأصبت في القول ولن نعدو ما رأيت، نولّيك هذا الأمر فإنّك فينا مقنع ولصالح المؤمنين رضى.(1)

هذا منطق الأنصار ورئيس جبهتهم ترى أنّه يجر النار إلى قرصه وحزبه بحجّة أنّهم آمنوا بمحمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ونصروه وآووه، إلى غير ذلك من الحجج التي ذكرها سعد بن عبادة، رئيس الخزرج في جبهة الأنصار.

ومن جهة ثالثة نرى بعض المهاجرين الذين اطّلعوا على اجتماع الأنصار في السقيفة، يتركون تجهيز النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ومواراته ويسرعون إلى السقيفة ويحضرون في جمعهم ويناشدونهم ويعارضون منطقهم بقولهم: إنّ المهاجرين أوّل من عبد اللّه في الأرض وآمن باللّه وبرسوله، وهم أولياؤه وعشيرته، وأحقّ الناس بهذا الأمر من بعده، ولا ينازعهم في ذلك إلاّظالم ـ إلى أن قال ـ: من ذا ينازعهم في سلطان محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وإمارته وهم أولياؤه وعشيرته، إلاّ مدل بباطل أو متجانف لإثم أو متورط في هلكة.(2)

وهذا منطق بعض المهاجرين لا يقصر في الصلابة أو الوهن عن منطق الأنصار، والكلّ يدّعي أنّ الحقّ له ولحزبه، من دون أن يتفكّروا في مصالح الإسلام والمسلمين، ومن دون أن يتفكّروا في اللياقة والكفاءة في القائد، ومن دون أن يرجعوا إلى الكتاب والسنّة وإحراز المعايير التي يجب وجودها في القائد، فيشبه منطق هؤلاء منطق المرشحين من سرد الثناء على أنفسهم وحزبهم لرئاسة الجمهورية أو عضوية المجلس الوطني.


1 . تاريخ الطبري:2/456، حوادث سنة 11هـ.
2 . تاريخ الطبري:2/457، حوادث سنة 11هـ.


(53)

وكلّ يدّعي وصلاً بليلى * وليلى لا تقر لهم بذاكـا

نعم كان هذاالتشاجر قائماً بينهم على قدم وساق إلى أن تغلب جناح هذا الصنف من المهاجرين على جبهة الأنصار بإعانة بعض الأنصار وهو«بشير بن سعد» و هو ابن عم«سعد بن عبادة»، فبايع أبا بكر حتى يكسر على سعد بن عبادة وعلى الخزرج ما كانوا أجمعوا أمرهم، ولما رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد وما تدعو إليه قريش وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة، قال بعضهم لبعض ـ و فيهم أسيد بن حضير وكان أحد النقباء ـ: واللّه لئن وليتها الخزرج عليكم مرة لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيباً، فقوموا فبايعوا أبا بكر، فقاموا إليه وبايعوه.(1)

وهناك كلمة قيمة للإمام أمير المؤمنين في تقييم احتجاج الأنصار والمهاجرين نقلها الشريف الرضي في نهج البلاغة، قال:

لمّا انتهت إلى أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ أنباء السقيفة،بعد وفاة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، قالـ عليه السَّلام ـ :«ما قالت الأنصار؟» قالوا: قالت: منّا أمير ومنكم أمير.

قال ـ عليه السَّلام ـ : «فهلا احتججتم عليهم بأنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وصى بأن يحسن إلى محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم»!

قالوا: وما في هذا من الحجّة عليهم؟ .

فقال ـ عليه السَّلام ـ : «لو كانت الإمارة فيهم، لم تكن الوصية بهم».

ثمّ قال ـ عليه السَّلام ـ : «فماذا قالت قريش؟».

قالوا: احتجت بأنّها شجرة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

فقال ـ عليه السَّلام ـ : «احتجّوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة».(2)


1 . تاريخ الطبري:2/458، حوادث سنة 11هـ.
2 . نهج البلاغة: الخطبة64.


(54)

وفي كلمة قصيرة عن الإمام ـ عليه السَّلام ـ ، قال: «واعجباه تكون الخلافة بالصحابة، ولا تكون بالصحابة والقرابة».

قال الرضي، وقد روي له شعر قريب من هذا المعنى وهو:

فإن كنت بالشورى ملكتأُمورهم فكيف بهذا والمشيرون غُيَّبُ

وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم فغيرك أولى بالنبي وأقرب(1)

وبتلك المعايير و المبررات تمت البيعة للخليفة، والكلّ أشبه بالمكافحات الحزبية أو القبلية التي لا تمت إلى الإسلام وأهله بصلة.

فعند ذلك أخذ هؤلاء المهاجرون بزمام الحكم واحداً بعد واحد إلى أن تربّع ثالث القوم عثمان بن عفان على منصة الحكم فحدثت في زمانه حوادث مؤلمة وبدع كثيرة أدّت إلى الفتك به والإجهاز عليه.

غير أنّ عليّاً صلوات اللّه عليه وبني هاشم وعدّة من المهاجرين والبدريين وعدّة من أكابر الأنصار تمسّكوا بالنصّ النبوي وبقوا على ما فارقهم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عليه، كما أنّ رئيس الأنصار الخزرجيين وداعميه لم يبايعوا أبا بكر ولا عليّاً.

هذا تحليل تكوّن أوّل تفرّق حدث في الإسلام; فجعل الأُمّة فرقتين: فرقة تشايع الخلفاء، وفرقة تشايع عليّاً ـ عليه السَّلام ـ إلى اليوم الحاضر.

والذين شايعوا عليّاً ـ عليه السَّلام ـ وتابعوه لم يكن ذلك منهم إلاّتمسكاً بالدين مذعنين بأنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قد نصّ عليه من دون أن يكون هناك اندفاع حزبي أو علاقة شخصية أو قبلية، بل تسليماً لقوله سبحانه: (وَما كانَ لِمُؤمِن وَلا مُؤْمِنَة إِذا قَضى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرهِمْ).(2)

وأمّا غيرهم فقد عرفت المعايير التي استندوا إليها في تقديمهم على غيرهم، فالكلّ معايير قبلية أو شخصية.


1 . نهج البلاغة، طبعة عبده، قسم الحكم، الرقم190. وفي المطبوع تحريف، والصحيح ما أثبتناه في المتن.
2 . الأحزاب:36.


(55)

العامل الثاني

سوء الفهم واللجاج في تحديد الحقائق

إذا كانت الدعايات الحزبية أوّل عامل لتكوّن الفرق، فهناك عامل ثان لتفريق المسلمين وتبديدهم إلى فرق متباعدة، وهو سوء الفهم ـعن تقصيرـ في تحديد العقائد الدينية من بعضهم، وقلة العقل وخفّته في بعض آخر منهم، وقد كان هذا عاملاً قويّاً لتكوّن الخوارج التي كانت من أخطر الفرق على الإسلام والمسلمين، لولا أنّ الإمام عليّاً ـ عليه السَّلام ـ استأصلهم وبدد شملهم، ومع ذلك بقيت منهم حشاشات تنجم تارة وتخفق أُخرى في الأجيال والقرون، وإليك شرحه:

لقد ثار أهل العراق والحجاز ومصر على عثمان نتيجة الأحداث المؤلمة التي ارتكبها عماله في هذه البلاد وانتهى الأمر إلى قتله وتنصيب علي ـ عليه السَّلام ـ مكانه لما عرفت الأُمّة من علمه وفضله وسابقته وجهاده المنقطع النظير، وقام علي ـ عليه السَّلام ـ بعزل الولاة والعمال الذين نصبهم عثمان على رقاب الناس، وقد انتهت أعمالهم الإضرارية من جانب، وإصرار الخليفة على إبقائهم من جانب آخر، إلى قتله.

قام علي ـ عليه السَّلام ـ بعزل الولاة آنذاك، ونصب العمال الأتقياء الزهّاد الكفاة مكانهم، وعند ذلك طمع الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد اللّه في العراقين، وطلبا منه أن يولي أحدهما على الكوفة والآخر على البصرة، والمألوف من طريقة عليـ عليه السَّلام ـ في تنصيب العمال اشتراط شروط، تخالف ما كان عليه


(56)

الرجلان وقد قال في حقّهما كلمة: «وإنّي أخاف شرهما على الأُمّة وهما معي، فكيف إذا فرقتهم في البلاد».(1)

فعند ذلك ثارا على الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ وخرجا عليه واتّهماه ـلتبرير موقفهماـ بقتل عثمان أو إيواء قتلته، وكانت نتيجة ذلك اشتعال نار الحرب بين الإمام والرجلين في نواحي البصرة«حرب الجمل» وقتل الرجلين بعد أن أُريقت دماء الأبرياء.

ثمّ إنّ معاوية قد عرف موقف علي ـ عليه السَّلام ـ بالنسبة إلى عمال الخليفة «عثمان»، و مع هذا طلب من الإمام إبقاءه والياً على الشام، فرفض الإمام ذلك لما يعرف من نفسية معاوية وانحرافه، ونشبت من ذلك«حرب صفين» ولما ظهرت بوادر الفتح المبين لعلي وجيشه، التجأ معاوية وحزبه إلى خديعة رفع المصاحف والدعوة إلى تحكيم القرآن بين الطرفين، فصار ذلك نواة لحدوث الاختلاف في جبهة علي ـ عليه السَّلام ـ . فمن قائل: نستمر في الحرب وهذه خدعة ومكر، ومن قائل: نجيبهم إلى ما دعونا إليه.

وقد أمر الإمام بمواصلة الحرب، وقام بتبيين الخدعة، غير أنّ الظروف الحاكمة السائدة على جيش الإمام ألجأته إلى قبول وقف الحرب وإدلاء الأمر إلى الحكمين وإعلان الهدنة، وكتب هناك كتاباً حول هذا.

ومن العجيب أنّ الذين كانوا يصرون على إيقاف الحرب ندموا على ما فعلوا فجاءوا إلى الإمام يصرّون على نقض العهد، والهجوم على جيش معاوية من جديد، غير أنّ الإمام وقف في وجههم بصمود لما يتضمن من نقض العهد (وَكانَ عَهْدُ اللّهِ مَسْؤُولاً) .(2)

وعند ذلك نجمت فرقة باسم الإسلام من جيش علي ـ عليه السَّلام ـ وطلع قرن الشيطان ،فعادت تلك الجماعة خارجة عن إطاعة إمامهم، رافضة لحكومته، ومبغضة إيّاه كما أبغضت عثمان وعماله، وهذه الفرقة هي فرقة الخوارج وما زالوا


1 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:11/16.
2 . الأحزاب:15.


(57)

مبدأ أحداث وعقائد في التاريخ. وكان الحافز القوي على تكوّن هذه الفرقة هو سوء الفهم واعوجاج السليقة، وقد عرّفهم الإمام بقوله ـ عندما شهروا سيوفهم عليه في النهروان ـ :«فأنا نذيركم أن تصبحوا صرعى بأثناء هذا النهر وبأهضام هذا الغائط على غير بيّنة من ربّكم ولا سلطان مبين معكم، قد طوّحت بكم الدار واحتبلكم المقدار، وقد كنت نهيتكم عن هذه الحكومة فأبيتم علي إباء المخالفين المنابذين، حتى صرفت رأيي إلى هواكم وأنتم معاشر أخفّاء الهام، سفهاء الأحلام».(1)

وللإمام كلمة أُخرى يشير فيها إلى السبب الذي فارقوا به عن الحقّ قال صلواتاللّه عليه:«لا تقتلوا الخوارج بعدي، فليس من طلب الحقّ فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه»(يعني معاوية وأصحابه).

قال الإمام عبده: والخوارج من بعده وإن كانوا قد ضلّوا بسوء عقيدتهم فيه إلاّأنّ ضلّتهم لشبهة تمكّنت في نفوسهم، فاعتقدوا أنّ الخروج عن طاعة الإمام ممّا يوجبه الدين عليهم، فقد طلبوا حقّاً وأرادوا تقريره شرعاً، فأخطأوا الصواب فيه.(2)

وقد زعموا أنّ مسألة التحكيم تخالف قوله سبحانه: (إِنِ الحُكْمُ إِلاّللّه).(3)

وسيوافيك مفاد الآية ومقالة المحتجين بهاـ عند البحث عن عقائد تلك الفرقة ـ كي يظهر مدى اعوجاج فهم القوم.

ظهور المرجئة

قد كان لظهور الخوارج أثر بارز في حدوث الفتن وظهور الحوادث الأُخر في المجتمع الإسلامي، وقد نجمت المرجئة من تلك الناحية حيث إنّ الإرجاء


1 . نهج البلاغة شرح محمد عبده:1/82، الخطبة35.
2 . نهج البلاغة شرح محمد عبده:1/103 الخطبة 58.
3 . يوسف:40.


(58)

بمعنى التأخير قال سبحانه: (أَرْجه وَأَخاهُ وَأَرسل فِي المدَائنِ حاشِرين) .(1)

ولهذه الفرقة (المرجئة) آراء خاصة نشير إليها في محلّها، غير أنّ اللبنة الأُولى لظهورها هي اختلافهم في أمر علي وعثمان، فهؤلاء (الخوارج) كانوا يحترمون الخليفتين أبا بكر وعمر ويبغضون علياً وعثمان، على خلاف أكثرية المسلمين، ولكن المرجئة الأُولى لما لم يوفقوا لحلّ هذه المشكلة التجأوا إلى القول بالإرجاء فقالوا: نحن نقدّم أمر أبي بكر وعمر، ونؤخّر أمر الآخرين إلى يوم القيامة، فصارت المرجئة فرقة نابتة من خلاف الخوارج في أمر الخليفتين، مع فوارق بينهم و بين المرجئة التي تأتي في محلّها، والعامل لتكوّنها كأصلها، هو سوء الفهم واعوجاج التفكير.

هذا هو أصل الإرجاء، ولبنته الأُولى، ولكنّه قد نسي في الآونة الأخيرة; وأخذ الأصل الآخر مكانه، و هو كون العمل داخلاً في الإيمان أو لا؟ وبعبارة أُخرى: هل مرتكب الكبيرة مؤمن أو لا؟

ذهبت الخوارج إلى دخول العمل في صميم الإيمان، فصار مرتكب الكبيرة كافراً.

واختارت المعتزلة كون مرتكب الكبيرة غير مؤمن ولكنّه ليس بكافر، بل هو في منزلة بين المنزلتين.

وذهبت المرجئة الأُولى إلى خروج العمل من الإيمان، وأنّ إيمان مرتكب الكبيرة، كإيمان الملائكة والأنبياء بحجّة عدم دخالة العمل في الإيمان. فاشتهروا بالقول: «قدّموا الإيمان وأخّروا العمل» فصار هذا أصلاً وأساساً ثانوياً للمرجئة. فكلّما أطلقت المرجئة لا يتبادر منها إلاّ هؤلاء.

إنّ الاكتفاء في تفسير الإيمان بالشهادة اللفظية أو المعرفة القلبية، وأنّ عصاة المؤمنين لا يعذبون أصلاً، وانّ النار للكافرين(2) واقتحام الكبائر لا يضر أبداً،


1 . الأعراف:111.
2 . شرح المقاصد للتفتازاني:2/229، ولاحظ أيضاً ص 238.


(59)

فكرة خاطئة تسير بالمجتمع وخصوصاً الشباب فيه إلى الخلاعة والانحلال الأخلاقي وترك القيم.

وعلى كلّ تقدير إنّ نظرية الإرجاء في كلا الموضعين نظرية باطلة نشأت من الاعوجاج في فهم المعارف والانحراف في تفسير الذكر الحكيم، والحديث المأثور عن النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

ولما كان مذهب الإرجاء لصالح السلطة الأموية أخذت تروّجه وتسانده حتى لم يلبث أن فشا في الإرجاء، ولم تبق كورة إلاّ وفيها مرجئي، كما سيوافيك ذلك عند البحث عن عقائد هذه الفرقة.

وليس ظهور الخوارج أو المرجئة وحدهما نتاج الإعوجاج الفكري، بل هناك مذاهب أُخرى نجمت من هذا المنشأ. عصمنا اللّه جميعاً من الزلل في القول والعمل.

***

(ادعُ إِلى سَبيلِ رَبّكَ بِالحكْمَةِ وَالْمَوعِظَةِ الحَسَنةِ وَجادِلْهُمْ بِالّتي هِيَ أَحْسَن) (1).


1 . النحل: 125.


(60)

العامل الثالث

المنع عن كتابة الحديث وتدوينه بل التحدّث عنه

إنّ هنا عاملاً ثالثاً لتكوّّن الفرق ونشوء الفوضى في العقائد والأُصول، وهو المنع عن كتابة الحديث وتدوينه بل التحدّث عنه بعد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلى عهد المنصور العباسي.

توضيحه: الحديث عبارة عمّا ينسب إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من قول أو فعل أو تقرير نازل منزلة التفسير لمعاني الكتاب الحكيم، مبيّن لمجمله، شارح لمعانيه، كما يعرب عنه قوله سبحانه: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون) .(1)

أي لا لتقرأ فقط، بل تبيّن وتشرح ما نزل، بقولك وفعلك وتقريرك.

إذا كانت السنّة هي في الدرجة الثانية من الدين بعد القرآن الكريم في الحجية والاعتبار، حتى إنّك لا تجد فيها شيئاً إلاّ وفي القرآن أُصوله وجذوره، ولا إسهاباً إلاّ وفيه مجمله وعناوينه.

وإذا كان الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لا يصدر في قوله وكلامه إلاّ بإيحاء من اللّه سبحانه كما يصرح بذلك قوله سبحانه: (ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى* وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى* إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى).(2)


1 . النحل:44.
2 . النجم:2 ـ 4.


(61)

فهل يصحّ للرسول أن يمنع عن تدوينه وكتابته أو مدارسته ومذاكرته؟!

وإذا كان الرسول منع دراسة الحديث ونقله ونشره وتدوينه، فما معنى قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في خطبته في منى عام حجّة الوداع: «نضر اللّه امرأً سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلّغها، فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه»(1) ؟!

وما معنى قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «نضّر اللّه امرأً سمع منا شيئاً فبلغه كما يسمع، فرب مبلّغ أوعى من سامع»(2)؟!

أو قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «اللّهمّ ارحم خلفائي، اللّهم ارحم خلفائي، اللّهمّ ارحم خلفائي» قيل: يا رسول اللّه ومن خلفاؤك؟ قال: «الذين يأتون من بعدي يروون حديثي وسنّتي»(3)؟!

كيف تصحّ نسبة المنع إلى الرسول الأعظم، مع أنّ المستفيض منه خلافه؟! وإليك بعض ما ورد عنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

أمر الرسول بكتابة حديثه

1. روى البخاري عن أبي هريرة أنّ خزاعة قتلوا رجلاً من بني ليث عام فتح مكة بقتيل منهم قتلوه، فأُخبر بذلك النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فركب راحلته فخطب، فقال: «إنّ اللّه حبس عن مكة القتل أو الفيل(شكّ أبو عبد اللّه) وسلّط عليهم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ والمؤمنين. ألا وإنّها لم تحل لأحد قبلي ولم تحل لأحد بعديـ إلى أن قال ـ : فجاء رجل من أهل اليمن فقال: اكتب لي يا رسول اللّه؟ فقال: «اكتبوا لأبي فلان ـ إلى أن قال ـ : كتب له هذه الخطبة».(4)

2. وروي أنّ رجلاً من الأنصار كان يجلس إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فيسمع من النبي الحديث فيعجبه ولا يحفظه، فشكا ذلك إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال: يا رسول اللّه إنّي أسمع منك الحديث


1 . سنن الترمذي:5/34 ح2657، 2658.
2 . سنن الترمذي:5/34 ح2658.
3 . كنزالعمال:10/221، رقم الحديث29167; و بحارالأنوار:2/145 ح7.
4 . صحيح البخاري: 29ـ30، باب كتابة العلم، الحديث 2.


(62)

فيعجبني ولا أحفظه، فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «استعن بيمينك» وأومأ بيده للخط.(1)

3. وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه قال: قلت: يا رسول اللّه أكتب كلّ ما أسمع منك؟ قال: «نعم». قلت: في الرضا والسخط؟ قال: «نعم فإنّه لا ينبغي لي أن أقول في ذلك إلاّحقاً».(2)

4. وعن عبد اللّه بن عمرو قال: كنت أكتب كلّ شيء أسمعه من رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أُريد حفظه، فنهتني قريش وقالوا: تكتب كلّ شيء سمعته من رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ورسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فأومأ بإصبعه إلى فيه وقال:«اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلاّ حقّ».(3)

5. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جدّه، قال: قلت: يا رسول اللّه إنّا نسمع منك أحاديث لا نحفظها أفلا نكتبها؟ قال: «بلى فاكتبوها».(4)

أضف إلى ذلك أنّ الذكر الحكيم يحثّ المسلمين على كتابة ما يتداينون بينهم. قال سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْن إِلى أَجَل مُسمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُب وَلْيُمْلِلِ الَّذي عَلَيْهِ الحَقّ...) ثمّ يعود ويؤكد على المؤمنين أن لا يسأموا من الكتابة فقال سبحانه:(وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغيراً أَوْ كَبيراً إِلى أَجلهِ...).(5)


1 . سنن الترمذي:5/39، كتاب العلم، باب ما جاء في الرخصة فيه، ح2666.
2 . مسند أحمد:2/207.
3 . سنن الدارمي:1/125، باب من رخّص في كتابة العلم; سنن أبي داود:2/318، باب في كتابة العلم; مسندأحمد:3/162.
4 . مسند أحمد:2/215.
5 . البقرة:282.


(63)

فإذا كان المال الذي هو زينة الحياة الدنيا من الأهمية بهذه المنزلة، فكيف بأقوال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأفعاله وتقاريره التي تعتبر تالي القرآن الكريم حجّية وبرهاناً؟

وهناك كلمة قيّمة للخطيب البغدادي نأتي بها برمتها: وقد أدّب اللّه سبحانه عباده بمثل ذلك في الدين، فقال عزّ وجلّ: (وَلا تَسأمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبيراً إِلى أَجَلهِ ذلِكُمْ أَقْسطُ عِنْدَ اللّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادةِ وَأَدنى أَلاّ تَرْتابُوا) .(1)

فلمّا أمر اللّه تعالى بكتابة الدين حفظاً له، واحتياطاً عليه وإشفاقاً من دخول الريب فيه، كان العلم الذي حفظه أصعب من حفظ الدين، أحرى أن تباح كتابته خوفاً من دخول الريب والشكّ فيه. بل كتابة العلم في هذا الزمان، مع طول الاسناد، واختلاف أسباب الرواية، أحج من الحفظ، ألا ترى أنّ اللّه عزّوجلّ جعل كتب الشهادة فيما يتعاطاه الناس من الحقوق بينهم، عوناً عند الجحود، وتذكرة عند النسيان، وجعل في عدمها عند المموّهين بها أوكد الحجج ببطلان ما ادّعوه فيها، فمن ذلك أنّ المشركين لما ادّعوا بهتاً اتخاذ اللّه سبحانه بنات من الملائكة، أمر اللّه نبينا ـ صلاى الله عليه وآله وسلَّم ـ َّن يقول لهم: (فأَتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) .(2)

ولمّا قالت اليهود: (ما أنزلَ اللّهُ على بشر مِنْ شَيْء) (3)، وقد استفاض عنهم قبل ذلك للإيمان بالتوراة، قال اللّه تعالى لنبيّنا ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قل لهم: (مَنْ أَنْزلَ الكتابَ الَّذي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهدىً لِلناسِ تَجْعَلُونهُ قَراطِيسَ تُبْدُونها وَتُخْفُونَ كَثيراً) (4)، فلم يأتوا على ذلك ببرهان، فأطلع اللّه على عجزهم عن ذلك بقوله:(قُلِ اللّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ في خَوضِهِمْ يَلْعَبُون) .(5)


1 . البقرة:282.
2 . الصافات:157.
3 . الأنعام:91.
4 . الأنعام:91.
5 . الأنعام:91.


(64)

وقال تعالى ـ رادّاً على متّخذي الأصنام آلهة من دونه ـ : (أَروني ماذا خَلَقُوا مِنَ الأَرضِ أَمْ لَهُمْ شِرِكٌ فِي السَّماواتِ ائتُوني بِكتاب مِنْ قَبْلِ هذا أَو أَثارة مِنْ عِلْم إِنْ كُنْتُمْ صادِقين) .(1) والأثارة والأثرة، راجعان في المعنى إلى شيء واحد،وهو ما أثر من كتب الأوّلين. وكذلك سبيل من ادّعى علماً أو حقاً من حقوق الأملاك، أن يقيم دون الإقرار برهاناً، إمّا شهادة ذوي عدل أو كتاباً غير مموّه، وإلاّفلا سبيل إلى تصديقه.

والكتاب شاهد عند التنازع... إلى آخر ما ذكره.(2)

نرى أنّه سبحانه قد شرح دساتير وحيه وآي قرآنه بالأمر بالقراءة مبيّناً أهمية القلم في التعليم والتعلّم حيث قال عزّمن قائل: (اقرأ بِاسْمِ رَبّكَ الَّذي خَلَق* خَلَقَ الإِنْسانَ مِنْ عَلَق* اقْرَأْ وَرَبّكَ الأَكْرَم* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَم).(3)

بل و عظّم سبحانه القلم والكتابة تعظيماً، حتى جعلها بمرتبة استحقاق القسم بها فهو جلّ وعلا يقول: (ن وَالقَلَمِ وما يَسْطُرُون) .(4)

أفهل يعقل معه أن ينهى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن كتابة ما هو قرين القرآن وتاليه في الحجية، أعني: السنة الشريفة؟! كلاّ.

أُسطورة المنع عن كتابة الحديث

هذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ ما نسب إليه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من النهي عن كتابة الحديث، يخالف منطق الوحي والحديث والعقل، وما هو إلاّوليد الأوهام والسياسات التي أخذت تمنع نشر حديث الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وتدوينه لغايات سياسية لا تخفى على ذي


1 . الأحقاف:4.
2 . تقييد العلم:70ـ71.
3 . العلق:1ـ4.
4 . القلم:1.


(65)

لب. فمثلاً روى مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «لا تكتبوا عنّي، ومن كتب عنّي غير القرآن فليمحه».(1)

وفي رواية: إنّهم استأذنوا النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أن يكتبوا عنه فلم يأذنهم.(2)

وفي مسند أحمد أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نهى أن نكتب شيئاً من حديثه(3). وأيضاً ورد في مسند أحمد عن أبي هريرة أنّه قال:«كنا قعوداً نكتب ما نسمع من النبي، فخرج علينا فقال: «ما هذا تكتبون»؟ فقلنا: ما نسمع منك، فقال: «أكتاب مع كتاب اللّه؟» فقلنا: ما نسمع. فقال: «اكتبوا كتاب اللّه، امحضوا كتاب اللّه، أكتاب غير كتاب اللّه، امحضوا أو خلصوه» . قال: فجعلنا ما كتبنا في صعيد واحد ثمّ أحرقناه بالنار».(4)

ثمّ إنّ القوم لم يكتفوا بما نسبوه إلى النبي في مجال كتابة الحديث، بل ذكروا هناك أحاديث موقوفة على الصحابة والتابعين تنتهي إلى الشخصيات البارزة: كأبي سعيد الخدري، وأبي موسى الأشعري، وعبد اللّه بن مسعود، وأبي هريرة، وعبد اللّه بن عباس، وعبد اللّه بن عمر، وعمر بن عبد العزيز، وعبيدة، وإدريس بن أبي إدريس، ومغيرة بن إبراهيم، إلى غير ذلك.(5)

وروى عروة بن الزبير أنّ عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن، فاستشار في ذلك أصحاب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فأشاروا عليه أن يكتبها فطفق عمر يستخير اللّه فيها شهراً، ثمّ أصبح يوماً و قد عزم اللّه له، فقال: إنّي كنت أردت أن أكتب السنن، وإنّي ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً فأكبّوا عليها وتركوا كتاب اللّه، وإنّي واللّه لا ألبس كتاب اللّه بشيء


1 . سنن الدارمي:1/119; مسند أحمد:3/12.
2 . سنن الدارمي:1/119.
3 . مسند أحمد:5/182.
4 . مسند أحمد:3/12.
5 . جمع الخطيب في «تقييد العلم»: 29ـ 28، الروايات المنسوبة إلى النبي والموقوفة على الصحابة والتابعين.


(66)

أبداً.(1)

وروى ابن جرير أنّ الخليفة عمر بن الخطاب كان كلّما أرسل حاكماً أو والياً إلى قطر أو بلد، يوصيه في جملة ما يوصيه: جرّدوا القرآن وأقلّوا الرواية عن محمّد وأنا شريككم.(2)

وكان عمر قد شيع قرظة بن كعب الأنصاري ومن معه إلى «صرار» على ثلاثة أميال من المدينة، وأظهر لهم أنّ مشايعته لهم إنّما كانت لأجل الوصية بهذا الأمر، وقال لهم ذلك القول.

قال قرظة بن كعب الأنصاري: أردنا الكوفة، فشيّعنا عمر إلى «صرار» فتوضأ فغسل مرتين، وقال: تدرون لم شيعتكم؟ فقلنا: نعم، نحن أصحاب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فقال: إنّكم تأتون أهل قرية لهم دويّ بالقرآن كدويّ النحل، فلا تصدّوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جرّدوا القرآن، وأقلّوا الرواية عن رسول اللّه، وامضوا وأنا شريككم.(3)

وقد حفظ التاريخ أنّ الخليفة قال لأبي ذر، وعبد اللّه بن مسعود، وأبي الدرداء:ما هذا الحديث الذي تفشون عن محمّد ؟!.(4)

وذكر الخطيب في «تقييد العلم» عن القاسم بن محمد: أنّ عمر بن الخطاب بلغه أنّ في أيدي الناس كتباً، فاستنكرها وكرهها، وقال: أيّها الناس إنّه قد بلغني أنّه قد ظهرت في أيديكم كتب، فأحبها إلى اللّه، أعدلها وأقومها، فلا يبقين أحد عنده كتاب إلاّ أتاني به فأرى فيه رأيي. قال فظنوا أنّه يريد ينظر فيها ويقوّمها على أمر لا يكون فيه اختلاف، فأتوه بكتبهم، فأحرقها بالنار ثمّ قال: أمنية كأمنية أهل الكتاب .(5)


1 . تقييد العلم: 49.
2 . تاريخ الطبري:3/273، طبعة الأعلمي بالأُفست.
3 . طبقات ابن سعد:6/7; المستدرك للحاكم:1/102.
4 . كنز العمال:10/293 ح29479.
5 . تقييد العلم: 52.


(67)

وقد صار عمل الخليفتين سنّة، فمشى عثمان مشيهما، ولكن بصورة محدودة وقال على المنبر: لا يحل لأحد يروي حديثاً لم يسمع به في عهد أبي بكر ولا عهد عمر .(1)

كما أنّ معاوية اتبع طريقة الخلفاء الثلاث فخطب وقال: يا ناس أقلّوا الرواية عن رسول اللّه وإن كنتم تتحدّثون فتحدّثوا بما كان يتحدّث به في عهد عمر.(2)

حتى أنّ عبيد اللّه بن زياد عامل يزيد بن معاوية على الكوفة، نهى زيد بن أرقم الصحابي عن التحدّث بأحاديث رسول اللّه .(3)

وبذلك أصبح ترك كتابة الحديث سنّة إسلامية، وعدّت الكتابة شيئاً منكراً مخالفاً لها.

هذه هي بعض الأقاويل التي رواها أصحاب الصحاح والسنن، وفي نفس الوقت نقلوا أحاديث تناقضها وتأمر بكتابة الحديث والسنّة كما ستوافيك.

العقل والمنع عن كتابة الحديث

كيف يسمح العقل والمنطق أن يحكم بصحّة الأحاديث الناهية عن الكتابة، مع أنّ الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أمر في أُخريات حياته أن يحضروا له قلماً ودواة ليكتب لهم كتاباً لن يضلوا بعده أبداً! وما كان المكتوب (على فرض كتابته) إلاّ حديثاً من أحاديثه، فقد روى البخاري عن ابن عباس أنّه قال:لمّا اشتدّ بالنبي وجعه قال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده، قال عمر: إنّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ غلبه الوجع وعندنا كتاب اللّه حسبنا. فاختلفوا وكثر اللغط قال: «قوموا عنّي ولا ينبغي عندي التنازع» فخرج ابن عباس يقول: الرزية كلّ الرزية ماحال بين رسول اللّه وبين كتابه.(4)


1 . كنز العمال:10/295، ح 29490.
2 . كنز العمال:10/291، ح 29473.
3 . فرقة السلفية، ص 14، نقلاً عن مسند الإمام أحمد.
4 . صحيح البخاري :1/30 كتاب العلم، باب كتابة العلم.


(68)

أفهل يجتمع هذا الأمر مع النهي عن تدوينه؟!

ثمّ إنّنا نرى أنّ الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بعث كتب إلى الملوك والساسة والأُمراء والسلاطين وشيوخ القبائل ورؤسائها ناهز عددها ثلاثمائة كتاب في طريق الدعوة والتبليغ أو حول العهود والمواثيق وقد حفظ التاريخ متون هذه الرسائل التي جمع بعضها نخبة مع المحقّقين في كتب خاصة.(1)

والتاريخ يصرح بأنّ الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان يملي والكاتب يكتب، فلما ازدادت الحاجة وكثرت العلاقات الاجتماعية أصبحت الحاجة إلى كتّاب يمارسون عملهم، فأدّى ذلك إلى كثرة الكتّاب فجعل لكلّ عمل كاتباً، ولكلّ كاتب راتباً معيناً. وقد كان أكثرهم كتابة، علي بن أبي طالب صلوات وسلامه عليه، فقد كان يكتب الوحي وغيره من العهود والمصالحات ،وقد أنهى المؤرخون كتّابه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلى سبعة عشر كاتباً.

فهل يجوز أن يكتب الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ هذه المكاتبات والعهود والمصالحات إلى بطون القبائل ورؤساء العشائر وهو يعلم أنّهم يحتفظون بهذه المكاتبات بحجّة أنّها من أوثق الوثائق السياسية والدينية، ثمّ ينهى عن تسطير كلامه وحديثه؟! فما هذان إلاّنقيضان لا يجتمعان.

الغايات السياسة والأهداف الدينية

ومع ذلك كلّه فقد غلبت الغايات السياسية على الأهداف الدينية وقامت بكلّ قوة أمام حديث النبي ونشره وكتابته، حتّى إنّ الخليفة أبا بكر أحرق في خلافته خمسمائة حديث كتبه عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ (2).

و لمّا قام عمر بعده بالخلافة نهى عن كتابة الحديث وكتب إلى الآفاق: أنّ من كتب حديثاً فليمحه.(3)

ثمّ نهى عن التحدّث، فتركت عدّة من الصحابة الحديث


1 . «كالوثائق السياسية» لمحمد حميد اللّه، و «مكاتيب الرسول» للعلاّمة الأحمدي.
2 . كنز العمال:10/237و 239.
3 . مسند أحمد:3/12و 14.


(69)

عن رسولاللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ (1) فلم يكتب الحديث ولم يدوّن إلاّ في عهد المنصور عام 143هـ كما سيوافيك بيانه.

وقد بلغت جسارة قريش على ساحة النبي الأقدس أن منعوا عبد اللّه بن عمرو عن الاهتمام بحديث النبي وكتابته مدّعين بأنّه بشر يغضب(2). أي واللّه إنّه بشر يرضى ويغضب، ولكن لا يرضى ولا يغضب إلاّ من حقّ ولا يصدر إلاّ عنه.

إنّ الرزية الكبرى هي أن يمنع التحدّث بحديث رسوله وكتابته وتدوينه ويحل محله التحدّث عن العهد القديم والجديد وعن الأحاديث الإسرائيلية والمسيحية والمجوسية(3) فتمتلئ الأذهان والصدور بالقصص الخرافية التي لا تمت إلى الإسلام بصلة ولا يصدقها العقل والمنطق كما سيمر عليك شرح تلك الفاجعة العظمى التي ألمت بالإسلام والمسلمين.

فلو صحّ ما نقل عن أبي هريرة من جمع ما كتبه الصحابة عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في مكان واحد وحرقه بالنار، لوجب على المسلمين كافة أن يجمعوا كلّ مصادر أحاديث الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وعلى رأسها صحيح البخاري وصحيح مسلم وحرقها في مكان واحد وذلك اقتداء بالسلف الصالح!!، وإذا صحّ فهل يبقى من الإسلام ما يرجع إليه في فهم القرآن الكريم وتمييز الحلال عن الحرام؟!

والذي أظنّه(وظن الألمعي صواب) أنّ الذي منع من تدوين الحديث ونشره ومدارسته وكتابته بعد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، هو الذي منع كتابة الصحيفة يوم الخميس عند احتضار النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ،


1 . مستدرك الحاكم:1/102و 104.
2 . المصدر نفسه.
3 . وقد أذن عمر بن الخطاب لتميم الداري النصراني الذي استسلم عام 9 من الهجرة أن يقص كما في كنز العمال:1/281، فالتحدّث بحديث رسول اللّه يكون ممنوعاً و «الداري» وأمثاله يكونون أحراراً في بث الأساطير والقصص المحرّفة؟!


(70)

فالغاية بداية ونهاية وقبل رحلته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وبعدها واحدة لم تتغير، وأمّا حقيقة تلك الغاية فتفصيلها موكول إلى آونة أُخرى ونأتي بمجملها:

كان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ منذ أن صدع بالدعوة، وأجهر بها، ينص على فضائل علي ومناقبه في مناسبات شتّى، فقد عرّفه في يوم الدار الذي ضم فيه أكابر بني هاشم وشيوخهم، بقوله: «إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا».

وفي يوم الأحزاب بقوله: «ضربة علي يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين».

وفي اليوم الذي غادر فيه المدينة متوجهاً إلى تبوك، وقد ترك علياً خليفته على المدينة، عرّفه بقوله: «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي».

إلى أن عرّفه في حجّة الوداع في غديرخم بقوله:«من كنت مولاه، فهذا عليٌّ مولاه».(1)

وغير ذلك من المناقب والفضائل المتواترة، وقد سمعها كثير من الصحابة فوعوها.

فكتابة حديث رسول اللّه بمعناها الحقيقي، لا تنفك عن ضبط ما أثر عنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في حقّ أوّل المؤمنين به، وأخلص المناصرين له في المواقف الحاسمة، وليس هذا شيئاً يلائم شؤون الخلافة التي تقلّدها المانع عن الكتابة.

وهناك وجه آخر للمنع عنها، هو أنّ عليّاً كان أحد المهتمين بكتابة حديث رسول اللّه وضبطه كما كان مولعاً بضبط الوحي وكتابته. وقد كتب من أحاديث رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ما أملى عليه فصار له أُذناً واعية، وهو ـ عليه السَّلام ـ


1 . سيوافيك مصادر هذه الأحاديث عند البحث عن عقيدة الشيعة، و من أراد الوقوف فليرجع إلى كتب المناقب للإمام عليـ عليه السَّلام ـ .


(71)

بالنسبة إلى رسول اللّه كما قال هو نفسه: «إنّي كنت إذا سألته أنبأني، وإذا سكتُّ ابتدأني»(1) . وهو أوّل من ألّف أحاديث رسول اللّه وكتب، وهذه منقبة عالية لأمير المؤمنين دون غيره، إلاّ أقلّ القليل. فاهتم مخالفوه بإخفاء هذه الفضيلة، باختلاق حديث منع الكتابة، فروى مسلم وغيره عنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لا تكتبوا عنّي سوى القرآن، ومن كتب فليمحه»(2) وكانت الغاية من تلك المقالة، الطمس على ما كتبه علي ـ عليه السَّلام ـ من الأحاديث.

على أنّهم لم يكتفوا بذلك، فرووا عن علي أنّه قال: «ليس عندنا كتاب سوى ما في قراب السيف».(3)

وروى البخاري عن أبي جحيفة، قال: قلت لعلي: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلاّ كتاب اللّه، أو فهم أعطيه رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة، قال: قلت: فما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر.(4)

مع أنّ الكتاب الذي كتبه علي بإملاء رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، كتاب كبير رآه أئمة الشيعة، وهو من مواريث النبوة وكان مشتملاً على أحاديث فقهية، وغيرها. وقد نقل عنه مشايخنا المحدّثون الأُول في جوامعهم، ولو صحّ وجود كتاب في قراب سيفه، فهو لا يمت إلى هذا الكتاب بصلة.

وقد قام زميلنا العلاّمة الحجّة الشيخ علي الأحمدي، بجمع ما روى الأئمّة عن هذا الكتاب من الأحاديث في موسوعته، وأخرجها من الكتب الأربعة، والجامع الأخير وسائل الشيعة.(5)

إنّ الخسارات التي مني الإسلام والمسلمون بها من جراء مثل هذا المنع،


1 . تاريخ الخلفاء: 115.
2 . سنن الدارمي:1/119.
3 . مسند أحمد:1/119.
4 . صحيح البخاري:1/ 29، باب كتابة العلم، الحديث1.
5 . لاحظ مكاتيب الرسول:1/72ـ 89.


(72)

كائناً ما كان سببه، كانت وما تزال عظيمة ووخيمة، وسنشير إلى بعضها في محلها إن شاء اللّه تعالى.

أعذار مفتعلة

إذا كان المنع من كتابة السنّة أمراً عجيباً، فتبرير هذا المنع بأنّه كان لصيانة اختلاط الحديث بالقرآن الكريم أعجب منه، وذلك لأنّ التبرير هذا أشبه بالاعتذار الأقبح من الذنب، لأنّ القرآن الكريم في أُسلوبه وبلاغته يغاير أُسلوب الحديث وبلاغته، فلا يخاف عليه من الاختلاط بالقرآن مهما بلغ من الفصاحة، فقبول هذا التبرير يلازم إبطال إعجاز القرآن الكريم وهدم أُصوله من القواعد.

ومثله، الأعذار المنحوتة الأُخرى لتبرير هذا المنع، كخوف الانكباب على دراسة غير القرآن، الذي نسب إلى الخليفة عمر بن الخطاب على ما مرّ، غير أنّ مرور الزمان أثبت خلاف تلك الفكرة، لأنّ كتابة الحديث من عصر المنصور لم تؤثر في دراسة القرآن وحفظه وتعليمه وتعلّمه. وهناك أعذار منحوتة أُخرى لا تقصر في البطلان عن سابقيها ولم تخطر ببال المانع أو المانعين أبداً، وإنّما هي وليدة «حبّ الشيء الذي يعمي ويصم» بعد لأي من الدهر، والهدف منه هو إسدال العذر على العمل السيِّء، أعاذنا اللّه منه.

وقد نحت الخطيب البغدادي مثل هذه الأعذار، وقال: قد ثبت أنّ كراهة من كره الكتابة من الصدر الأوّل، إنّما هي لئلا يضاهى بكتاب اللّه تعالى غيره، أو يشتغل عن القرآن بسواه. ونهى عن الكتب القديمة أن تتخذ، لأنّه لا يعرف حقّها من باطلها، وصحيحها من فاسدها. مع أنّ القرآن كفى منها، وصار مهيمناً عليها، ونهى عن كتب العلم في صدر الإسلام وجدته، لقلّة الفقهاء في ذلك الوقت، والمميزين بين الوحي وغيره، لأنّ أكثر الأعراب لم يكونوا فقهوا في الدين، ولا جالسوا العلماء العارفين، فلم يؤمن أن يلحقوا ما يجدون من الصحف بالقرآن. ويعتقدوا أنّ ما اشتملت عليه كلام الرحمن.(1)


1 . تقييد العلم: 57.


(73)

وقد استمر المنع من تدوين الحديث إلى عهد الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز(99ـ101هـ) فأحسّ بضرورة تدوين الحديث، فكتب إلى أبي بكر بن حزم في المدينة: انظر ما كان من حديث رسول اللّه فاكتبه، فإنّي خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلاّ أحاديث النبي، ولتفشوا العلم ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإنّ العلم لا يهلك حتى يكون سراً.(1)

ومع هذا الإصرار المؤكّد من الخليفة، صارت رواسب الحظر السابق المؤكّد من قبل الخلفاء الماضين حائلة دون القيام بما أمر به الخليفة، فلم يكتب شيء من أحاديث النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بعد صدور الأمر منه، إلاّ صحائف غير منظمة ولا مرتبة، إلى أن دالت دولة الأمويّين وقامت دولة العباسيّين، وأخذ أبو جعفر المنصور بمقاليد الحكم، فقام المحدّثون في سنة مائة وثلاثة وأربعين بتدوين الحديث، وفي ذلك قال الذهبي:

وفي سنة مائة وثلاثة وأربعين شرع علماء الإسلام في هذا العصر في تدوين الحديث والفقه والتفسير، فصنّف ابن جريج بمكة، ومالك الموطأ بالمدينة، والأوزاعي بالشام،وابن أبي عروبة، وحماد بن سلمة وغيرهما في البصرة، ومعمر باليمن، وسفيان الثوري بالكوفة، وصنّف ابن إسحاق المغازي، وصنّف أبوحنيفة الفقه والرأي ـإلى أن قالـ: وقبل هذا العصر كان الأئمّة يتكلمون من حفظهم أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة.(2)

ومعنى هذا، أنّ العالم الإسلامي اندفع فجأة بعد مضي 143 سنة من هجرة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نحو هذا الأمر، فاشتغل العلماء بجمع الأحاديث والفقه وتدوينهما، وأُلّفت كتب كثيرة في هذا المجال، واستمرت تلك الحركة إلى حدود سنة 250، فجمعت أحاديث كثيرة، و دُوّنت العقائد على طبق الأحاديث المضبوطة، فإذا كان هذا هو تاريخ الحديث وتدوينه وانتشاره، يتبيّن للقارئ بسهولة أنّ حديثاً لم يكتب طوال قرن ونصفه كيف تكون حاله مع أعدائه الذين كانوا له بالمرصاد، وكانوا يكذبون عليه بما يقدرون، وينشرون


1 . صحيح البخاري:1/27.
2 . تاريخ الخلفاء للسيوطي:261.


(74)

كل غث وسمين باسم الدين وباسم الرسول، كما سيوافيك بيانه، وما قيمة العقائد التي دونت على أساس تلك الأحاديث؟!!

نحن لا ننكر أنّ العلماء والمحدّثين قاموا بوظيفتهم وواجبهم الديني تجاه السنّة النبوية، وكابدوا وتحملوا المشاق في استخراج الصحيح من السقيم، لكن العثور على الصحيح بعد هذه الحيلولة الطويلة، من أشقّ المشاكل وأصعب الأُمور.

وبسبب هذه الحيلولة كلّما بعد الناس عن عصر الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ازداد عدد الأحاديث، حتى أخرج محمد بن إسماعيل البخاري صحيحه عن ستمائة ألف (000،600) حديث ولأجل ذلك نرى أنّ هرم الأحاديث يتصل بزمن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وقاعدة ذلك الهرم تنتهي إلى القرون المتأخّرة، فكلّما قربنا من زمن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نجد الحديث قليلاً، والعكس بالعكس. وهذا يدّل على أنّ الأحاديث عالت حسب وضع الوضّاعين وكذب الكذّابين.

كلمتان قيّمتان

1. هناك كلمة للدكتور محمد حسين هيكل أماط الستر عن وجه الأحاديث المنسوبة إلى النبي الأكرم وقال:

وسبب آخر يوجب تمحيص ما ورد في كتب السلف، ونقده نقداً دقيقاً على الطريقة العلمية، أن أقدمها، كتب بعد وفاة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بمائة سنة أو أكثر، وبعد أن فشت في الدولة الإسلامية دعايات سياسية وغير سياسية. كان اختلاق الروايات والأحاديث بعض وسائلها إلى الذيوع والغلب، فما بالك بالمتأخر ممّا كتب في أشد أزمان التقلقل والاضطراب؟ وقد كانت المنازعات السياسية سبباً فيما لقيه الذين جمعوا الحديث ونفوا زيفه و دوّنوا ما اعتقدوه صحيحاً منه، من جهد وعنت أدى إليهما حرص هؤلاء الجامعين على الدقة في التمحيص حرصاً لا يتطرق إليه ريب. ويكفي أن يذكر الإنسان ما كابده البخاري من مشاق وأسفار في مختلف أقطار الدولة الإسلامية لجمع


(75)

الحديث وتمحيصه، وما رواه بعد ذلك من أنّه ألفى الأحاديث المتداولة تربي على ستمائة ألف حديث لم يصح منها أكثر من أربعة آلاف. وهذا معناه أنّه لم يصح لديه من كلّ مائة وخمسين حديثاً إلاّحديث واحد.

أمّا أبو داود فلم يصحّ لديه من خمسمائة ألف حديث غير أربعة آلاف وثمانمائة، وكذلك كان شأن سائر الذين جمعوا الحديث. وكثير من هذه الأحاديث التي صحت عندهم كانت موضع نقد وتمحيص عند غيرهم من العلماء، انتهى بهم إلى نفي كثير منها، كما كان الشأن في مسألة الغرانيق. فإذا كان ذلك شأن الحديث، وقد جهد فيه جامعوه الأوّلون ما جهدوا، فما بالك بما ورد في المتأخر من كتب السيرة؟ وكيف يستطاع الأخذ به دون التدقيق العلمي في تمحيصه.

والواقع أنّ المنازعات السياسية التي حدثت بعد الصدر الأوّل من الإسلام أدت إلى اختلاق كثير من الروايات والأحاديث تأييداً لها. فلم يكن الحديث قد دون إلى عهد متأخر من عصر الأمويين. وقد أمر عمر بن عبد العزيز بجمعه، ثمّ لم يجمع إلاّ في عهد المأمون، بعد أن أصبح«الحديث الصحيح في الحديث الكذب، كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود» على قول الدارقطني.(1)

2. وهناك كلمة أُخرى للعلاّمة الأميني قال: «ويعرب عن كثرة الموضوعات اختيار أئمّة الحديث أخبار تأليفهم الصحاح والمسانيد من أحاديث كثيرة هائلة، والصفح عن ذلك الهوش الهائش. قد أتى أبو داود في سننه بأربعة آلاف وثمانمائة حديث وقال: انتخبته من خمسمائة ألف حديث.(2)

ويحتوي صحيح البخاري من الخالص بلا تكرار ألفي حديث وسبعمائة وواحداً وستين حديثاً اختارها من زهاء ستمائة ألف حديث.(3)

وفي صحيح مسلم أربعة


1 . «حياة محمد» تأليف محمد حسين هيكل : 49ـ 50 من الطبعة الثالثة عشر.
2 . طبقات الحفاظ للذهبي:2/154; تاريخ بغداد:2/57; المنتظم لابن الجوزي:5/97.
3 . إرشاد الساري:1/28 و صفة الصفوة:4/143.


(76)

آلاف حديث أصول، دون المكررات صنّفها من ثلاثمائة ألف.(1)

وذكر أحمد بن حنبل في مسنده ثلاثين ألف حديث، وقد انتخبها من أكثر من سبعمائة وخمسين ألف حديث، وكان يحفظ ألف ألف حديث.(2) وكتب أحمد بن الفرات (المتوفّى 258هـ) ألف ألف وخمسمائة ألف حديث، فأخذ من ذلك ثلاثمائة ألف في التفسير والأحكام والفوائد وغيرها.(3)

هذا كلام إجمالي عن الحديث، والتفصيل في تاريخ الحديث وتطوره يترك إلى الكتب المختصة بذلك، غير أنّ الذي نركز القول عليه هو الآثار السلبية التي خلفها هذا المنع في المجتمع الإسلامي يوم ذاك، حتى يقف القارئ على علل تكوّن المذاهب وتشعب الفرق، وإنّ من الآثار المهمة حرمان الأُمّة عن السنّة النبوية الصحيحة قرابة قرن ونصف، وعول الأحاديث حسب جعل الوضّاعين والكذّابين، وبالتالي تكوّن العقائد والمذاهب حسبها.


1 . المنتظم :5/32; طبقات الحفّاظ:2/151ـ 157.
2 . ترجمة أحمد المنقولة من طبقات ابن السبكي المطبوعة في آخر الجزء الأوّل من مسنده; طبقات الذهبي:2/17.
3 . خلاصة التهذيب:9، ولاحظ الغدير:5/292ـ 293.


(77)

العامل الرابع

فسح المجال للأحبار والرهبان للتحدّث عن العهدين

لقد خسر الإسلام والمسلمون من جرّاء حظر تدوين الحديث ونشره، خسارة عظمى لا يمكن تحديدها بالأرقام والأعداد. كيف؟! وقد انتشرت الفوضى في العقائد، والأعمال، والأخلاق، والآداب، وصميم الدين، ولباب الأُصول، كنتيجة لهذا المنع، لأنّ الفراغ الذي خلفه هذا العمل، أوجد أرضية مناسبة لظهور بدع يهودية، وسخافات مسيحية، وأساطير مجوسية، خاصة من ناحية كهنة اليهود، ورهبان النصارى، الذين افتعلوا أحاديث كثيرة ونسبوها إلى الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام كما افتعلوا على لسان النبي الأكرم ـ صلاى الله عليه وآله وسلَّم ـ َّلأساطير، وقد وقف على ذلك عدة من الأجلّة.

1. يقول الشهرستاني: وضع كثير من اليهود الذين اعتنقوا الإسلام، أحاديث متعددة في مسائل التجسيم والتشبيه، وهي كلّها مستمدة من التوراة.(1)

2. ويظهر من المقدسي وجود تلك العقائد في العرب الجاهليين، يقول في «البدء والتاريخ» عند الكلام عن شرائع أهل الجاهلية: كان فيهم من كلّ ملّة ودين، وكانت الزندقة والتعطيل في قريش والمزدكية والمجوسية في تميم


1 . الملل والنحل:1/117.


(78)

واليهودية والنصرانية في غسان والشرك وعبادة الأوثان في سائرهم.(1)

3. نعم كان لليهود المتظاهرين بالإسلام دور كبير في بثّ هذه العقائد، يقول الكوثري: إنّ عدّة من أحبار اليهود ورهبان النصارى ومؤابذة المجوس أظهروا الإسلام في عهد الراشدين ثمّ أخذوا بعدهم في بثّ ما عندهم من الأساطير.(2)

4. قال ابن خلدون، عندما تكلّم عن التفسير النقلي وأنّه كان يشتمل على الغث والسمين والمردود: والسبب في ذلك أنّ العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم، وإنّما غلبت عليهم البداوة والأُمّية. وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء ممّا تتشوّق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة، وأسرار الوجود، فإنّما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم، ويستفيدونه منهم، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى، ... مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وعبد اللّه بن سلام وأمثالهم، فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم وتساهل المفسرون في مثل ذلك، وملأوا كتب التفسير بهذه المنقولات، وأصلها كلها كما قلنا من التوراة أو ممّا كانوا يفترون.(3)

5. قال الإمام محمد عبده: قد وضع الزنادقة اللابسون لباس الإسلام غشاً ونفاقاً وقصدهم بذلك إفساد الدين، وإيقاع الخلاف والافتراق في المسلمين. وقال حماد بن زيد: وضعت الزنادقة أربعة عشر ألف حديث وهذا بحسب ما وصل إليه علمه واختباره في كشف كذبها، وإلاّفقد نقل المحدّثون أنّ زنديقاً واحداً وضع هذا المقدار. قالوا: لما أخذ ابن أبي العوجاء ليضرب عنقه، قال وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أُحرّم فيها الحلال و أُحلّ الحرام.(4)

وابن أبي العوجاء هو ربيب حماد بن سلمة المحدّث الشهير الذي ينقل الذهبي عن ابن الثلجي قال: سمعت عباد بن صهيب


1 . البدء والتاريخ:4/31.
2 . مقدّمة تبيين كذب المفتري:10.
3 . مقدّمة ابن خلدون:439.
4 . تفسير المنار:3/545، ونقله في الأضواء:115 ولعلّ في قوله«هذا المقدار» تصحيفاً.


(79)

يقول: إنّ حماداً كان لا يحفظ وكانوا يقولون إنّها دسّت في كتبه. وقد قيل: إنّ ابن أبي العوجاء كان ربيبه فكان يدسّ في كتبه.(1)

6. قال السيد المرتضى: لما قبض محمد بن سليمان، وهو والي الكوفة من قبل المنصور، عبد الكريم بن أبي العوجاء وأحضره للقتل وأيقن بمفارقة الحياة قال: لئن قتلتموني فقد وضعت في أحاديثكم أربعة آلاف حديث مكذوبة.(2)

7. يقول ابن الجوزي: إنّ عبد الكريم كان ربيباً لحماد بن سلمة وقد دسّ في كتب حماد بن سلمة.(3)

نرى أنّ المحدّثين يروون باسنادهم عن حماد، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، مرفوعاً: رأيت ربي جعداً أمرد عليه حلّة خضراء.

وفي رواية أُخرى: إنّ محمّداً رأى ربّه في صورة شاب أمرد، دونه ستر من لؤلؤ قدميه أو رجليه في خضرة.(4)

8. وقال الشيخ محمد زاهد الكوثري المصري في تقديمه على كتاب «الأسماء والصفات» للحافظ أبي بكر البيهقي: إنّ مرويات حماد بن سلمة في الصفات، تجدها تحتوي على كثير من الأخبار التافهة تتناقلها الرواة طبقة عن طبقة، مع أنّه قد تزوج نحو مائة امرأة، من غير أن يولد له ولد منهن، وقد فعل هذا الزواج والنكاح فعله، بحيث أصبح في غير حديث «ثابت البناني» لا يميز بين مروياته الأصليّة وبين ما دسّه في كتبه ربيبه ابن أبي العوجاء، وربيبه الآخر زيد المدعو بـ«ابن حماد»، فضلّ بمروياته الباطلة كثير من البسطاء . ويجد المطالع الكريم نماذج شتّى من أخباره الواهية في باب التوحيد من كتب الموضوعات المبسوطة وفي كتب الرجال، وفعلت مرويات نعيم بن


1 . ميزان الاعتدال:1/593، ومات حماد عام 167هـ.
2 . أمالي المرتضي:1/127ـ 128.
3 . الموضوعات:37 طبع المدينة، ولاحظ تهذيب التهذيب:3/11ـ16.
4 . ميزان الاعتدال:1/593ـ 594،وهذه الأساطير المزخرفة من مفتعلات الزنادقة نظراء: ابن أبي العوجاء دسّوها في كتب المحدّثين الإسلاميين، تعالى اللّه عمّا يقول الظالمون.


(80)

حماد مثل ذلك، بل تحمّسه البالغ أدّى به إلى التجسيم، كما وقع ذلك لشيخ شيخه مقاتل بن سليمان، وتجد آثار الضرر الوبيل في مروياتهما في كتب الرواة الذين كانوا يتقلّدونها من غير معرفة منهم لما في هذه الكتب ككتاب «الاستقامة» لخشيش بن أصرم، والكتب التي تسمّى بـ«السنّة» لعبد اللّه (ابن أحمد بن حنبل) وللخلال، و «التوحيد» لابن خزيمة وغيرهم ممّا تجد فيها ما ينبذه الشرع والعقل، ولا سيما كتاب «النقض» لعثمان بن سعيد الدارمي السجزيّ المجسّم فإنّه أوّل من اجترأ بالقول «إنّ اللّه لو شاء لاستقرّ على ظهر بعوضة فاستقلّت به بقدرته فكيف على عرش عظيم» هذا بعض ما لعب به أعداء الإسلام في أُصول الدين.(1) ولا يقصر عنها كتاب «العلو» للذهبي.

9. وقال الدكتور أحمد أمين: اتصل بعض الصحابة بوهب بن منبه، وكعب الأحبار، وعبد اللّه بن سلام، واتصل التابعون بابن جريج،وهؤلاء كانت لهم معلومات رووا عن التوراة والإنجيل وشروحها وحواشيها، فلم ير المسلمون بأساً من أن يقصوها بجانب آيات القرآن، فكانت منبعاً من منابع التضخيم.(2)

10. قال أبو رية: لما قويت شوكة الدعوة المحمدية، واشتد ساعدها، وتحطمت أمامها كل قوة تنازعها، لم ير من كانوا يقفون أمامها، ويصدون عن سبيلها، إلاّ أن يكيدوا لها عن طريق الحيلة والخداع، بعد أن عجزوا عن النيل منها بعدد القوة والنزاع. ولما كان أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود، لم يجدوا بدّاً من أن يستعينوا بالمكر، ويتوسّلوا بالدهاء، لكي يصلوا إلى ما يبتغون، فهداهم المكر اليهودي إلى أن يتظاهروا بالإسلام، ويطووا نفوسهم على دينهم، حتى يخفى كيدهم، ويجوز على المسلمين مكرهم.(3)

أو ليس ذلك الاستغلال والسيطرة على عقول المسلمين، هو نتيجة


1 . نظرة في كتاب «الأسماء والصفات» للبيهقي مقدمة الشيخ محمد زاهد الكوثري:ص 5، وقال بمقالة السجزي ابن تيمية في كتابه «غوث العباد» المطبوع بمصر مطبعة الحلبي عام 1351هـ.
2 . ضحى الإسلام:2/139.
3 . أضواء على السنّة المحمدية:137.


(81)

أُمور، منها: المنع من التحدّث عن الرسول، وفسح المجال لأبناء أهل الكتاب، حتى يتمكّنوا من نشر الكلم الباطل، ويمزقوا أُصول الإسلام وفروعه؟ والعجب أنّ التفاسير إلى يومنا هذا مكتظة بأقوالهم و أحاديثهم، ولها من القيمة عند قرّائها مكان.

11. قال العلاّمة الشيخ جواد البلاغي: الرجوع في التفسير وأسباب النزول إلى أمثال عكرمة، ومجاهد، وعطاء، والضحاك، كما ملئت كتب التفاسير بأقوالهم المرسلة، ممّا لا يعذر فيه المسلم في أمر دينه، لأنّ هؤلاء الرجال غير ثقات في أنفسهم، ومجتمعون على موائد أهل الكتاب من الأحبار والرهبان.

قيل للأعمش: ما بال تفسير مجاهد مخالف؟ أو شيء نحوه قال: أخذه من أهل الكتاب ويكفي في ذلك أنّ مجاهداً الآخذ منهم فسر قوله تعالى: (عَسى أَنْ يَبْعَثَك رَبّكَ مَقاماً مَحْمُوداً) قال: يجلسه معه على العرش.

وأمّا عطاء، فقد قال أحمد: ليس في المراسيل أضعف من مراسيل الحسن وعطاء، كانا يأخذان عن كلّ أحد.

وقال النسائي: وأمّا مقاتل بن سليمان كان يكذب، وعن يحيى قال: حديثه ليس بشيء، وقال ابن حبان: كان يأخذ من اليهود والنصارى من علم القرآن الذي يوافق كتبهم.(1)

وأمّا الخرافات والأساطير في تفسير الكون وبدء الخليقة وأحوال الأُمم الماضية فحدث عنها ولا حرج، فقد ملأوا الصدور والطوامير وتأثّرت بهم طبقات من المسلمين، ممن كتبوا حول المواضيع السالفة.

يقول الدكتور علي سامي النشار: إنّ الحديث كان معتركاً متلاحماً وبحراً خضماً لا يعرف السالك فيه موطن الأمان ولذلك قام أهل الحديث بمجهود رائع في محض الأحاديث وتوضيح الصادق والكاذب منها عن طريق الرواية وفيها السند،وعن طريق الدراية وفيها النقد الباطني للنصوص،ولذلك أنشأوا


1 . آلاء الرحمن:1/46، نقلاً عن الذهبي.


(82)

علم مصطلح الحديث.(1)

يلاحظ عليه: أنّ جهود أهل الحديث غير منكرة، ولكنّها لم تكن على وجه تقلع الموضوعات عن كتب الحديث وموسوعاتهم لأنّ القائمين بهذا الأمر كانوا متأثرين بها، ولأجل ذلك تجد أحاديث التشبيه والتجسيم والجبر والرؤية وعصيان الأنبياء مبثوثة في الصحاح والمسانيد، و سيمرّ عليك بعضها في هذا الجزء.

ولعل القارئ الكريم يحسب أنّ هذه الكلمات الصادرة من أساتذة الفن، ورجال التحقيق في الملل والنحل، صدرت من غير تحقيق وتدقيق، إلاّ أنّ المراجع للكتب الرجالية، يقف على صدق المقال، ويكتشف أنّه كان هناك رجال يتظاهرون بالإسلام ـ و في الوقت نفسه ـ يبثّون ما لديهم من الإسرائيليات والمسيحيات والمجوسيات، تحت غطاء هذا التظاهر، وإليك نزراً من تاريخ بعض هؤلاء الرجال:

1. كعب الأحبار

هو كعب بن ماتع الحميري، قالوا: هو من أوعية العلم ومن كبار علماء أهل الكتاب، أسلم في زمن أبي بكر، وقدم من اليمن في خلافة عمر، فأخذ عنه الصحابة وغيرهم، وأخذ هو من الكتاب والسنّة عن الصحابة، وتوفّي في خلافة عثمان، وروى عنه جماعة من التابعين، وله شيء في صحيح البخاري وغيره.

قال الذهبي: العلاّمة الحبر الذي كان يهودياً فأسلم بعد وفاة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وقدم المدينة من اليمن في أيام عمر ، فجالس أصحاب محمد فكان يحدّثهم عن الكتب الإسرائيلية ويحفظ عجائب.

إلى أن قال: حدّث عنه أبو هريرة ومعاوية وابن عباس، وذلك من قبيل


1 . نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام:1/286، الطبعة السابعة.


(83)

رواية الصحابي عن التابعي وهو نادر عزيز، وحدّث عنه أيضاً أسلم مولى عمر وتبيع الحميري ابن امرأة كعب.

وروى عنه عدّة من التابعين كعطاء بن يسار وغيره مرسلاً.

وقع له رواية في سنن أبي داود والترمذي والنسائي.(1)

ترى الذهبي أيضاً في كتابه«تذكرة الحفاظ» يعرفه بأنّه من أوعية العلم.(2)

ومعنى ذلك أنّ الصحابة كانوا يعتقدون أنّه من محال العلم والفضل، ولهذا السبب أخذ عنه الصحابة وغيرهم. وعندئذ يسأل: إذا أخذ عنه الصحابة وغيرهم على أنّه من أوعية العلم، فما هو ذاك الذي أخذوه عنه؟ هل أخذوا عنه سوى الإسرائيليات المحرّفة والكاذبة؟ فإنّه لم يكن عنده ـ على فرض كونه صادقاً ـ سوى تلك الأساطير والقصص الموهومة. فهل تسعد أُمّة أخذت معالم دينها عن المحدّث اليهودي، المعتمد على الكتب المحرفة بنص القرآن الكريم؟! ولكن كما قلنا، هذا الفرض مبني على كونه صادقاً، أمّا إذا كان كاذباً فالخطب أفدح وأجل، ولا يقارن بشيء.

والمطالع الكريم في مروياته يقف على أنّه يركز على القول بأمرين: التجسيم والرؤية، وقد اتخذهما أهل الحديث والحنابلة من الآثار الصحيحة، فبنوا عليهما العقائد الإسلامية وكفروا المخالف، وإليك كلا الأمرين:


1 . سير أعلام النبلاء:3/489 ولاحظ تفسير ابن كثير :3/339 سورة النمل حيث قال: ـ بعد ما أورد طائفة من الأخبار في قصة ملكة سبأ مع سليمان ـ : والأقرب في مثل هذه السياقات أنّها متلقاة عن أهل الكتاب، ممّا وجد في صحفهم كروايات كعب ووهب، سامحهما اللّه تعالى في ما نقلاه إلى هذه الأُمّة، من أخبار بني إسرائيل من الأوابد والغرائب والعجائب ممّا كان وما لم يكن، وممّاحرف وبدل ونسخ، وقد أغنانا اللّه سبحانه عن ذلك بما هو أصحّ منه وأنفع وأوضح وأبلغ.
2 . تذكرة الحفاظ :1/52.


(84)

الأوّل: تركيزه على التجسيم

إنّ الأحاديث المنقولة عن ذلك الحبر اليهودي، تعرب بوضوح عن أنّه نشر بين الأُمّة الإسلامية فكرة التجسيم، التي هي من عقائد اليهود. قال: إنّ اللّه تعالى نظر إلى الأرض فقال: إنّي واطئ على بعضك، فاستعلت إليه الجبال وتضعضعت له الصخرة، فشكر لها ذلك فوضع عليها قدمه، فقال: هذا مقامي، ومحشر خلقي، وهذه جنتي وهذه ناري، وهذا موضع ميزاني، وأنا ديان الدين.(1)

ففي هذه الكلمة من هذا الحبر، تصريح بتجسيمه سبحانه أوّلاً: وقد شاعت هذه النظرية بين أبناء الحديث والحشوية منهم; وثانياً: التركيز على الصخرة التي هي مركز بيت المقدس; وثالثاً: أنّ الجنة والنار والميزان ستكون على هذه الأرض، ومركز سلطانها سيكون على الصخرة، وهذا من صميم الدين اليهودي المحرف.

الثاني: تركيزه على رؤية اللّه

ومن كلامه أيضاً: إنّ اللّه تعالى قسم كلامه ورؤيته بين موسى ومحمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .(2)

وقد صار هذا النصّ وأمثاله مصدراً لتجويز فكرة رؤية اللّه سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة، وبالأخص في الآخرة، وقد صارت هذه العقيدة اليهودية المحضة، إحدى الأُصول التي بني عليها مذهب أهل الحديث والأشاعرة.

ومن أعظم الدواهي، أنّ الرجل خدع عقول المسلمين وخلفائهم، فاتّخذوه واعظاً ومعلماً ومفتياً يفتيهم. وهنالك شواهد على ذلك:

منها: التزلف إلى الخليفة الثاني

قال ابن كثير: أسلم كعب في الدولة العمرية، وجعل يحدّث عمر عن


1 . حلية الأولياء:6/20.
2 . الشرح الحديدي:3/237.


(85)

كتبه قديماً، فربما استمع له عمر، فترخّص الناس في استماع ما عنده، ونقلوا ما عنده عنه غثّها وسمينها. وليس لهذه الأُمّة ـ و اللّه أعلم ـ حاجة إلى حرف و احد ممّا عنده.(1)

إنّ لهذا الرجل أساليب عجيبة في اللعب بعقول المسلمين وخلفائهم، وإليك نماذج منها:

أ. قال كعب، لعمر بن الخطاب: إنّا نجدك شهيداً وإنّا نجدك إماماً عادلاً، ونجدك لا تخاف في اللّه لومة لائم. قال:هذا لا أخاف في اللّه لومة لائم فأنى لي بالشهادة.(2)

ترى أنّه كيف يتزلّف إلى الخليفة، ويتنبّأ بشهادته وقتله في سبيل اللّه.

ب. نقل أبو نعيم أيضاً: أنّ كعباً مر بعمر، وهو يضرب رجلاً بالدرة. فقال كعب: على رسلك يا عمر، فوالذي نفسي بيده إنّه لمكتوب في التوراة، ويل لسلطان الأرض من سلطان السماء، ويل لحاكم الأرض من حاكم السماء; فقال عمر: إلاّ من حاسب نفسه، فقال كعب: والذي نفسي بيده إنّها لفي كتاب اللّه المنزل، ما بينهما حرف: إلاّ من حاسب نفسه.(3)

وهذه الجملة تعرب عن أنّ كعباً كان يتزلّف إلى عمر، حتى إنّه يقرأ عليه نصّ التوراة المحرف لتصديق كلامه.

ج. وروي أيضاً: أنّ عمر جلد رجلاً يوماً وعنده كعب، فقال الرجل حين وقع به السوط: سبحان اللّه، فقال عمر للجلاد: دعه فضحك كعب، فقال له: وما يضحكك، فقال: والذي نفسي بيده إنّ «سبحان اللّه» تخفيف من العذاب.(4)


1 . تفسير ابن كثير:4/17 .
2 . حلية الأولياء:5/388ـ 389.
3 . المصدر السابق.
4 . حلية الأولياء:5/389ـ 390.


(86)

والكلمة هذه محاولة من الحبر اليهودي، لتوجيه عمل عمر، عندما أمر الجلاّد بترك المجلود.

وهذه الأُمور صارت سبباً لجلب عطف الخليفة، ففسح له التحدّث في عاصمة الوحي، وأوساط المسلمين.

ومنها: تزلّفه إلى عثمان

ومن الخطب الفادح، أنّه صار بأفانين مكره، موضع ثقة لعثمان ومفتياً له في الأحكام، يصدر الخليفة عن فتياه، ويعمل بقوله، وإليك ما يلي:

أ. ذكر المسعودي أنّه حضر أبو ذر، مجلس عثمان ذات يوم، فقال عثمان: أرأيتم من زكى ماله هل فيه حق لغيره؟ فقال كعب: لا يا أمير المؤمنين، فدفع أبو ذر في صدر كعب، وقال له: كذبت يا ابن اليهودي، ثمّ تلا:(ليسَ البرَّ أَنْ تُولّوا وُجُوهكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِوالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ البِرّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَاليَومِ الآخرِ وَالمَلائِكةِ وَالكِتابِ والنَّبِيّينَ وَآتى المالَ عَلى حُبّهِ ذَوي القُربى وَاليَتامى وَالمساكِينَ وَابنَ السَّبيلِ والسائلينَ وَفِي الرِقابِ وَأقامَ الصَّلاةَ وَآتىَ الزَّكاةَ وَالمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا) .(1)

فقال عثمان: أترون بأساً أن نأخذ مالاً من بيت مال المسلمين فننفقه في ما ينوبنا من أُمورنا ونعطيكموه؟ فقال كعب: لا بأس بذلك، فرفع أبو ذر العصا فدفع بها في صدر كعب وقال: يابن اليهودي ما أجرأك على القول في ديننا، فقال له عثمان: ما أكثر أذاك لي، غيّب وجهك عنّي فقد آذيتنا.(2)

ب. ونقل أيضاً: أتى عثمان بتركة عبد الرحمن بن عوف الزهري من المال، فَنُضِدَ البدر، حتى حالت بين عثمان و بين الرجل القائل، فقال عثمان: إنّي لأرجو لعبد الرحمن خيراً، لأنّه كان يتصدّق، ويقري الضيف، وترك ما ترون; فقال كعب الأحبار: صدقت يا أمير المؤمنين، فشال أبوذر العصا فضرب بها رأس كعب، ولم يشغله ما كان فيه من الألم، وقال: يابن اليهودي


1 . البقرة:177.
2 . مروج الذهب:2/339 ـ 340.


(87)

تقول لرجل مات وترك هذا المال إنّ اللّه أعطاه خير الدنيا وخير الآخرة، وتقطع على اللّه بذلك، وأنا سمعت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول: «ما يسرني أن أموت وأدع ما يزن قيراطاً» فقال له عثمان: وار عنّي وجهك.(1)

ومنها: تزلّفه إلى معاوية

نرى أنّ كعباً يتنبّأ بمولد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وهجرته وملكه، فيقول: مولده بمكة، وهجرته بطيبة، وملكه بالشام.(2)

فماذا يريد كعب بقوله: وملكه بالشام؟ هل هو إلاّ تزلف إلى معاوية، وأنّه يريد أن يقول: إن ملك النبي لن يستقر إلاّ فيها؟ وقد كان معاوية يمهد وسائل الملك لنفسه بالشام.

وقال أيضاً: إنّ أوّل هذه الأُمّة نبوة ورحمة، ثمّ خلافة ورحمة، ثمّ سلطان ورحمة، ثمّ ملك وجبرية، فإذاكان ذلك، فإنّ بطن الأرض يومئذ خير من ظهرها.(3)

فترى أنّه يتنبّأ بالسلطنة ويعدّها رحمة، وهذا المضمون انتشر في الصحاح والمسانيد بكثرة، وقد روى الترمذي، قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «الخلافة في أُمّتي ثلاثون سنة ثمّ ملك بعد ذلك».(4)

و روى أبو داود قال: قال رسولاللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «خلافة النبوّة ثلاثون سنة ثم يؤتي اللّه الملك من يشاء».(5)

وسيوافيك أنّه أخذ منه أبو هريرة، ولأجل ذلك نرى تلك الفكرة ـ فكرة الملك ـ جاءت في روايات أبي هريرة، قال: الخلافة بالمدينة والملك بالشام.(6)


1 . مروج الذهب:2/340.
2 . سنن الدارمي:1/5.
3 . حلية الأولياء:6/25.
4 . سنن الترمذي:4/503، كتاب الفتن، باب ما جاء في الخلافة، رقم 2226.
5 . سنن أبي داود: 4/211.
6 . كنز العمال:6/88.


(88)

وقد أخذ عن ذلك الحبر الماكر عدة من الصحابة كابن عباس وأبي هريرة، ومعاوية وغيرهم.(1)

قال الذهبي: توفي في خلافة عثمان(2). وقال أبو نعيم في حلية الأولياء إنّه توفّي كعب قبل مقتل عثمان بسنة(3). وعلى ذلك توفّي عام 34.

وقال ابن الأثير في حوادث سنة 34: ففي هذه السنة توفّي كعب الأحبار.(4)

نعم توفّي في ذاك العام، لكن بعد ما ملأ المجتمع الإسلامي بأساطير، وقصص، وعقائد إسرائيلية، حسبها السذّج من المحدّثين أنّها حقائق راهنة، فنقلوها ناسبين لها إلى كعب تارة، وإلى النبي الأعظم أُخرى، وعليها بنيت العقائد وانتظمت الأُصول، ومن تفحّص في كتب الحديث والتفسير والتاريخ، يقف بوضوح على أنّ كثيراً من المحدّثين والمفسرين والمؤرّخين، اعتمدوا على أقواله ومروياته من دون أي غمز وطعن أو تردد وشك، وهذا من عجائب الأُمور وغرائبها.

هذا غيض من فيض، وقليل من كثير من روايات ذلك الرجل وتسويلاته. فمن أراد الوقوف على أحواله وأقواله وما بثّ بين المسلمين من أساطير وقصص إسرائيلية، فليرجع إلى المصادر التالية.(5)

هذا وإنّ صاحب الثقافة المنحرفة يبثّ فكرته بين المجتمع في ظل دعامتين مؤثرتين:


1 . سير أعلام النبلاء:3/490.
2 . تذكرة الحفاظ :1/52.
3 . حلية الأولياء:6/45.
4 . الكامل في التاريخ:3/77.
5 . الأعلام للزركلي:5/228; تذكرة الحفاظ:1/52; سير أعلام النبلاء:3/489ـ 494; حلية الأولياء:5/364و 6/1ـ48; الإصابة:1/186; النجوم الزاهرة:1/9; الكامل:3/177; شرح ابن أبي الحديد في أجزائه المختلفة:3/54و4/77ـ 147و 8/265و 10/22و 12/81و 191و 18/36.


(89)

الأُولى: يحاول الاتسام بالعلم، ويعرّف نفسه للمجتمع بأنّه عالم كبير، ومفكّر اجتماعي بلا منازع، حتى يتّخذ لنفسه من هذا الطريق مكاناً في القلوب تنعطف إليه النفوس وترتاح به.

الثانية: يحاول الاتّصال بأصحاب السلطة، حتى يتخذهم سناداً وعماداً في مقابل العواصف القارعة التي يثيرها صلحاء الأُمّة ومفكّروها الواقعيون.

فإذا تهيّأت لأصحاب الفكرة المنحرفة هاتان الدعامتان، سهل لهم النفوذ في عقول بسطاء الأُمّة، وتمكّنوا من نفث أفكارهم المسمومة في نفوسها، ولا تمر الأيام حتى تصبح أفكارهم حقيقة راهنة لا يمكن تجاوزها، ولا الدعوة على خلافها، بل تصير المخالفة لها ارتداداً عن الدين، وتشبّثاً بالباطل.

ومن عجائب الأُمور أنّ الأحبار والرهبان عندما تظاهروا بالإيمان ولما يدخل الإيمان في قلوبهم، هيمنوا على عقول المسلمين من خلال الأمرين المذكورين.

فمن جانب عرفوا بأنّهم من أوعية العلم، وأنّ عندهم علوم الأوّلين والآخرين بتفصيلاتها، وأنّهم حفظة التوراة والإنجيل والزبور وغيرها من الكتب السماوية.

ومن جانب آخر استعانوا بالحكم السائد، بحيث صاروا موضع ثقة عنده، يسمع لكلامهم ويصدر عن رأيهم.

عند ذلك أخذت الإسرائيليات والمسيحيات، مكان السنّة النبوية وصار نقلتها مصادر الحكم والفتيا، فأصبحت آراؤهم وأقوالهم مدارك الفقه وسناد التاريخ، ومعياراً للحقّ والباطل في العقائد، فيا لها من رزية عظمت، ويا لها من مصيبة كبرت.

هذا هو كعب الأحبار فقد استعان في بث ثقافته (الثقافة اليهودية) بهاتين الدعامتين، فهلم معي ندرس حياة بعض زملائه، وسوف تقف على أنّ الخط الذي مشى عليه كعب، قد مشى عليه زملاؤه، وإليك البيان:


(90)

2.وهب بن منبه اليماني

وقد ابتلي المسلمون بعد كعب الأحبار بكتابي آخر قد بلغ الغاية في بثّ الإسرائيليات بين المسلمين حول تاريخ الأنبياء والأُمم السالفة، وهو وهب بن منبه. قال الذهبي: ولد في آخر خلافة عثمان، كثير النقل عن كتب الإسرائيليات، توفّي سنة 114هـ وقد ضعّفه الفلاس.(1)

وقال في تذكرة الحفاظ: عالم أهل اليمن، ولد سنة أربع وثلاثين وعنده من علم أهل الكتاب شيء كثير، فإنّه صرف عنايته إلى ذلك وبالغ، وحديثه في الصحيحين عن أخيه همام.(2)

وترجمه أبو نعيم في حلية الأولياء ترجمة مفصلة استغرقت قرابة ستين صفحة، وبسط الكلام في نقل أقواله وكلماته القصار.(3)

وقد خدع عقول الصحابة بأفانين المكر، حيث صار يعرّف نفسه بأنّه أعلم ممّن قبله ومن عاصره بقوله لبعض حضّار مجلسه: يقولون عبد اللّه بن سلام أعلم أهل زمانه، وكعب أعلم أهل زمانه، أفرأيت من جمع علمهما؟ يعني نفسه.(4)

وقد تسنّم الرجل، منبر التحدّث عن الأنبياء والأُمم السالفة يوم كان نقل الحديث عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ممنوعاً وأخذ بمجامع القلوب فأخذ عنه من أخذ، وكانت نتيجة ذلك التحدّث، انتشار الإسرائيليات حول حياة الأنبياء في العواصم الإسلامية، وقد دوّن ما ألقاه في مجلد واحد، أسماه في كشف الظنون«قصص الأبرار وقصص الأخيار».(5)


1 . ميزان الاعتدال:4/352 ـ 353.
2 . تذكرة الحفاظ:1/100ـ 101.
3 . حلية الأولياء:1/23ـ 81.
4 . تذكرة الحفاظ:1/101.
5 . كشف الظنون:2/223، مادة قصص.


(91)

وهب بن منبه والتركيز على القدر

وليته اكتفى بهذا المقدار ولم يلعب بعقيدة المسلمين ولم ينشر نظرية الجبر التي لو ثبتت لما بقيت للشرائع دعامة، ويظهر من تاريخ حياته أنّه أحد المصادر لانتشار نظرية نفي الاختيار والمشيئة عن الإنسان، حتّى المشيئة الظلية التي لولاها لبطل التكليف ولغت الشريعة.

روى حماد بن سلمة عن أبي سنان قال: سمعنا وهب بن منبه قال: كنت أقول بالقدر حتى قرأت بضعة وسبعين كتاباً من كتب الأنبياء في كلّها: من جعل لنفسه شيئاً من المشيئة فقد كفر، فتركت قولي.(1)

والمراد من القدر في قوله: «كنت أقول بالقدر» ليس القول بتقدير اللّه سبحانه وقضائه، بل المراد هو القول بالاختيار والمشيئة للعبد كما يظهر من ذيل كلامه، وهذا النقل يعطي أنّ القول بنفي القدر والمشيئة للإنسان، قد تسرب إلى الأوساط الإسلامية، عن طريق هذه الجماعة وعن الكتب الإسرائيلية. أفيصح بعد هذا أن نعدّ القول بنفي المشيئة عقيدة جاء بها القرآن والسنة النبوية، ونكفّر من قال بالمشيئة للإنسان ولو مشيئة ظلية تابعة لمشيئته سبحانه، ونقاتل في سبيل هذه العقيدة؟!

3. تميم بن أوس الداري من رواة الأساطير

الإسرائيليات المبثوثة في كتب التفسير والحديث والتاريخ ترجع أُصولها إلى رجال الكنائس والبيع، وقد تعرّفت على اثنين منهم وهما كعب الأحبار ووهب بن منبه، وثالثهم هو تميم الداري وله دور كبير في بثّها حيث إنّه أوّل من تولى نشر هذه الأساطير، وقد حدّث عنه علماء الرجال والتراجم وأطبقوا على أنّه كان نصرانياً قدم المدينة فأسلم في سنة 9 هجرية، وله من الأوّليات أمران:


1 . ميزان الاعتدال:4/353.


(92)

1.كان أوّل من أسرج في المسجد.

2. أوّل من قصّ بين المسلمين، واستأذن عمر أن يقصّ على الناس قائماً، فأذن له.(1) وكان يسكن المدينة ثمّ انتقل إلى الشام بعد قتل عثمان.(2)

هذا ما اتّفقت عليه الكتب الرجالية، ويستنتج منها ما يلي:

إنّ الرجل كان قصّاصاً في المدينة يوم لم يكن هناك من يعارضه ويكافئه، وبما أنّ الرجل كان قد قضى شطراً من عمره بين الأحبار والرهبان، فمن الطبيعي أن يقوم بقص كلّ ما تعلّمه من أساتذته من الإسرائيليات والأساطير المسيحية وبثّها بين المسلمين وهم يأخذونها منه زاعماً أنّها حقائق راهنة.

ومن المؤسف أنّ السياسة الحاكمة سمحت لهذا الكتابي الذي أسلم في أُخريات حياة الرسول بأن يتحدّث عن الأُمم السالفة والأنبياء السابقين. وفي الوقت نفسه منعت عن التحدّث عن رسول اللّه ونشر كلامه وتدوينه، بحجة واهية قد تعرّفت عليها.

أو ليس النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم» على ما رواه أبو هريرة حيث إنّه قال: كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا باللّه وما أُنزل إليكم».(3)

وإذا كان النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أمرنا بعدم تصديق هؤلاء القصّاصين من أهل الكتاب، فما فائدة نقل هذه القصص وبثها بين المسلمين وإتلاف عمر الشباب والكهول بالاستماع إليها؟!


1 . كنز العمال:1/281 الرقم 29448.
2 . الإصابة:1/189; الاستيعاب في هامش الإصابة; أُسد الغابة:1/215 وغيرها من المصادر.
3 . صحيح البخاري:9/ 111، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة.


(93)

ولكن ابن عباس يقول أشد مما نقله أبو هريرة: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء؟ وكتابكم الذي أُنزل على رسول اللّه أحدث الكتب تقرأونه محضاً لم يشب وقد حدثكم أنّ أهل الكتاب بدّلوا كتاب اللّه وغيّروه وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا هو من عند اللّه ليشتروا به ثمناً قليلاً؟!

ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم؟! لا واللّه ما رأينا منهم رجلاً يسألكم عن الذي أُنزل إليكم.(1)

إنّ ابن عباس الذي هو وليد البيت النبوي أعرف بسنّة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من أبي هريرة، فهو ينهى عن السؤال والاستماع إلى كلماتهم بالمرة.

وبذلك يعلم أنّ ما أسند إلى النبي في المسانيد من القول : «حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج».(2) إمّا موضوع، أو مؤوّل محمول على ما علم من صدق الكلام.

طعن الشيطان لكلّ بني آدم إلاّ عيسى

إذا كان كعب الأحبار و زميله وهب بن منبه والمتقدّم عليهما تميم الداري، هم القصّاصون في المجتمع الإسلامي والمتحدّثون عن التوراة والإنجيل، وكانت الصحابة ممنوعة عن التحدث عن النبي فمن الطبيعي أن ينتشر في العواصم الإسلامية الأساطير الخرافية حتى ما يمس بكرامة الأنبياء وكرامة النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ . وهذا البخاري ينقل في صحيحه عن أبي هريرة، قال: قال النبي : كلّ بني آدم يطعن الشيطان في جنبيه باصبعه حين يولد غير عيسى بن مريم ذهب يطعن فطعن في الحجاب.(3)


1 . أضواء على السنّة المحمدية: 154ـ 155، نقلاً عن البخاري من حديث الزهري.
2 . مسند أحمد:3/46.
3 . صحيح البخاري:4/125، باب صفة إبليس وجنوده; و 4/164، كتاب بدء الخلق.


(94)

وقد نقله أحمد في مسنده باختلاف يسير. ومعنى هذا الحديث الذي ينقله عن ذلك الصحابي عن الرسول: أنّ الشيطان يطعن كلّ ابن آدم إلاّ واحداً منه وهو عيسى بن مريم، وأمّا الأنبياء كموسى ونوح وإبراهيم وحتى خاتمهم، لم يسلموا من طعن الشيطان. أو ليس ذلك الحديث يخالف كتاباللّه حيث يقول:(إِنّ عِبادي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ، إِلاّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِين) (1)؟!

فإذن، كيف يمكن أن يقول النبي ذلك و قدأُوحي إليه أنّه ليس للشيطان سلطان على عباد اللّه المخلصين(2) وخيرهم الأنبياء والمرسلون وفي مقدّمهم نبي العظمة؟! ومن المحتمل جداً أنّ هذا الخبر وصل إلى أبي هريرة من رواة عصره، نظراء كعب الأحبار أو زميله تميم الداري وأضرابهما وقد نسبوه إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ . إنّ هذا الحديث ونظائره أوجد مشاكل في الدين وأعطى حججاً بأيدي المخالفين حتى يهاجموا الرسول الأكرم والأنبياء، ويزعموا بأنّهم سقطوا في الخطيئة واقترفوا الآثام، إلاّعيسى بن مريم فإنّه أرفع من طبقة البشر وإنّه وحده قد استحقّ العصمة والصون من الآثام.

فهؤلاء المحدّثون لو فرض أنّهم صادقون في نيّاتهم، لكنّهم كالصديق الجاهل أضروا بالإسلام بنقل هذه القصص والأساطير وأيّدوا العدو بها وأتعبوا المسلمين من بعدهم.

تميم الداري وقصة الجساسة

إنّ لتميم الداري حديثاً معروفاً باسم حديث الجساسة، نقله مسلم في الجزء الثامن من صحيحه تجد فيه من الغرائب ما تندهش منها العقول.

روي عن فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس ـوكانت من المهاجرات الأُول ـ : سمعت نداء المنادي (منادي رسول اللّه) ينادي:


1 . الحجر:42.
2 . النحل:99; والحجر:42.


(95)

الصلاة جامعة، فخرجت إلى المسجد فصلّيت مع رسول اللّه، فكنت في صف النساء التي تلي ظهور القوم فلما قضى رسول اللّه صلاته جلس على المنبر وهو يضحك، فقال: ليلزم كلّ إنسان مصلاّه.

ثمّ قال: أتدرون لم جمعتكم؟

قالوا: اللّه ورسوله أعلم.

قال: إنّي واللّه ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة، ولكن جمعتكم لأنّ تميماً الداري كان رجلاً نصرانياً فجاء فبايع وأسلم وحدّثني حديثاً وافق الذي كنت أُحدثكم عن مسيح الدجال، حدّثني أنّه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلاً من لخم وجذام فلعب بهم الموج شهراً في البحر، ثمّ أرفئوا إلى جزيرة في البحر حتى مغرب الشمس، فجلسوا في أقرب السفينة فدخلوا الجزيرة فلقيتهم دابة أهلب كثير الشعر لا يدرون ما قبله من دبره من كثرة الشعر، فقالوا: ويلك ما أنت؟

فقالت: أنا الجسّاسة.

قالوا: وما الجسّاسة؟ قالت: أيّها القوم انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير فإنّه إلى خبركم بالأشواق.

قال: لما سمّت لنا رجلاً فزعنا منها أن تكون شيطانة. قال: فانطلقنا سراعاً حتى دخلنا الدير، فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقاً وأشده وثاقاً، مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد، قلنا: ويلك ما أنت؟

قال: قد قدرتم على خبري فأخبروني ما أنتم؟

قالوا: نحن أُناس من العرب ركبنا في سفينة بحرية فصادفنا البحر حين اغتلم، فلعب بنا الموج شهراً ثمّ أرفأنا إلى جزيرتك هذه، فجلسنا في أقربها، فدخلنا الجزيرة فلقيتنا دابة أهلب كثير الشعر لا يدرى ما قبله من دبره من كثرة الشعر. فقلنا: ويلك ما أنت؟ قالت: أنا الجسّاسة. قلنا:وما الجسّاسة؟ قالت: اعمدوا إلى هذا الرجل في الدير فإنّه إلى خبركم بالأشواق، فأقبلنا إليك سراعاً وفزعنا منها ولم نأمن أن تكون شيطانة.

فقال: أخبروني عن نخل بيسان. قلنا:عن أي شأنها تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها هل يثمر؟

قلنا له: نعم. قال: أمّا إنّه يوشك أن لا يثمر. قال: أخبروني عن بحيرة الطبرية.

قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل فيها ماء؟

قالوا:هي كثيرة الماء. قال: أما إنّ ماءها يوشك أن يذهب.

قال: أخبروني عن عين زغر. قالوا: عن أي شأنهاتستخبر؟

قال: هل في العين ماء وهل يزرع أهلها بماء العين؟

قلنا له: نعم هي كثيرة الماء وأهلها يزرعون من مائها.

قال: أخبروني عن نبي الأُميّين ما فعل؟

قالوا: قد


(96)

خرج من مكة ونزل يثرب.

قال: أقاتله العرب؟

قلنا: نعم.

قال: كيف صنع بهم؟فأخبرناه أنّه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه.

قال لهم: قد كان ذلك؟

قلنا: نعم. أما إنّ ذاك خير لهم أن يطيعوه وإنّي مخبركم عنّي إنّي أنا المسيح وإنّي أوشك أن يؤذن لي في الخروج، فأخرج فأسير في الأرض، فلا أدع قرية إلاّ هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة فهما محرّمتان عليّ كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة أو واحداً منهما استقبلني ملك بيده السيف صلتاً يصدني عنها وإنّ على كل نقب منها ملائكة يحرسونها.

قالت: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : وطعن بمخصرته في المنبر هذه طيبة، هذه طيبة، هذه طيبة، يعني: المدينة، ألا هل كنت حدّثتكم ذلك؟

فقال الناس: نعم، فإنّه أعجبني حديث تميم إنّه وافق الذي كنت أحدثكم عنه وعن المدينة ومكة ألا إنّه في بحر الشام أو بحر اليمن لا بل من قبل المشرق ما هو من قبل المشرق ما هو من قبل المشرق، ما هو. وأومأ بيده إلى المشرق. قالت: فحفظت هذا من رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .(1)

وقد علّق المحقّق المصري أبو رية على هذا الحديث وقال: لعل علماء الجغرافية يبحثون عن هذه الجزيرة ويعرفون أين مكانها من الأرض، ثمّ يخبروننا حتى نرى ما فيها من الغرائب التي حدثنا بها سيدنا تميم الداري ؟!!(2)

وأعجب منه أن يحدث نبي العظمة الذي يقول سبحانه في حقّه :(وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللّه عَلَيْكَ عَظيماً).(3) عن تميمم الداري ويستشهد بكلام نصراني دخل في الإسلام حديثاً، ونعم ما قال شاعر المعرة:

فيا موت زر إنّ الحياة ذميمة.


1 . صحيح مسلم:8/203ـ205، باب في الدجّال.
2 . أضواء على السنة النبويّة:171.
3 . النساء:113.


(97)

4. ابن جريج الرومي ورواية الموضوعات

عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الرومي، ولاؤه لآل خالد بن أسيد الأموي، ولد سنة 80 وتوفّي عام 150، قال أحمد بن حنبل: كان من أوعية العلم وهو وابن أبي عروبة أوّل من صنف الكتب، وقال عبد الرزاق: كان ابن جريج ثبتاً لكنّه يدس.(1)

ونقل الذهبي أيضاً عن عبد اللّه بن حنبل قال: «إنّ بعض هذه الأحاديث الذي يرسلها ابن جريج أحاديث موضوعة كان ابن جريج لا يبالي من أين يأخذها».(2)

نعم، روى الكليني بسنده عن الفضل الهاشمي، قال: سألت أبا عبد اللّهـ عليه السَّلام ـ عن المتعة فقال: «الق عبد الملك ابن جريج، فسله عنها، فإنّ عنده منها علماً، فلقيته، فأملى علي شيئاً كثيراً في استحلالها، وكان فيما روى لي فيها ابن جريج أنّه ليس فيها وقت ولا عدد، وإنّما هي بمنزلة الإماء، يتزوج منهن كم شاء، وصاحب الأربع نسوة يتزوج منهن ما شاء، بغير ولي ولا شهود، فإذا انقضى الأجل، بانت منه بغير طلاق، ويعطيها الشيء اليسير، وعدتها حيضتان، وإن كانت لا تحيض فخمسة وأربعون يوماً. قال: فأتيت بالكتاب أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، فقال: «صدق». وأقر به.(3)

ولعلّ إرجاع الإمام ـ عليه السَّلام ـ سائله إليه، لأجل اعترافه بالحق في تلك المسألة، وليس هذا دليلاً على وثاقته مطلقاً.

حصيلة البحث

إنّ هذه العصابة التي أتينا بأسمائهم وذكرنا عنهم شيئاً، كانوا هم الأُسس في تسرب القصص الخرافية لليهود و المسيحيين إلى متون كتب المسلمين وصارت


1 . تذكرة الحفاظ:1/169ـ 171.
2 . ميزان الاعتدال:2/659.
3 . الوسائل:14، كتاب النكاح، الباب 4 من أبواب المتعة، الحديث8.


(98)

نواة لكثير من القصّاصين والوضّاعين الذين نسجوا على منوالهم ونقلوا كلّ ما سمعوه من غث وسمين باسم الدين، ولأجل ذلك نجد كثيراً من كتب التفسير والتاريخ والحديث حتى ما يسمّى بالصحاح والمسانيد، مملوءة بالإسرائيليات والمسيحيات بل والمجوسيات.

يقول «جولد تسيهر» في هذا المضمار في كتابه «العقيدة والشريعة»: هناك جمل أخذت من العهد القديم والعهد الجديد وأقوال للربانيّين، أو مأخوذة من الأناجيل الموضوعة وتعاليم من الفلسفة اليونانية، وأقوال من حكم الفرس والهنود، كلّ ذلك أخذ مكانه في الإسلام عن طريق الحديث ـ إلى أن قال ـ : ومن هذا الطريق تسرب كنز كبير من القصص الدينية حتى إذا ما نظرنا إلى الرواة المعدودة من الحديث ونظرنا إلى الأدب الديني اليهودي، فإنّنا نستطيع أن نعثر على قسم كبير دخل الأدب الديني الإسلامي من هذه المصادر اليهودية.(1)

نحن لا نصدق هذا المستشرق الحاقد على الإسلام في كلّ ما يقول ويقضي، إلاّ أنّنا نوافقه في أنّ ما يؤثر عن أمثال كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وتميم الداري، وعبد الملك بن جريج وغيرهم، من الإسرائيليات، ليس من صلب الإسلام وحديثه. والعجب أنّ هذه الجماعة لم تتمكن من إخفاء نواياها السيئة، فترى أنّ اليهودي منهم ينقل فضائل موسى ويرفعه فوق جميع الأنبياء، كما أنّ النصراني منهم أخذ يرفع مقام المسيح ـ عليه السَّلام ـ على جميعهم ويصفه بالعصمة وحده دون غيرهم.

نعم ليس كلّ ما ورد في الشريعة الإسلامية ووافق التعاليم اليهودية والنصرانية، مأخوذاً من كتبهم لأنّ الشرائع السماوية واحدة في جوهرها متحدة في أُصولها، وبينها مشتركات كثيرة والاختلاف إنّما هو في الشرعة والمنهاج لا في الجوهر واللباب، قال سبحانه: (لِكُلّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرعَةً وَمِنْهاجاً) .(2)


1 . العقيدة والشريعة في الإسلام تأليف المستشرق «جولد تسيهر» ترجمة الأساتذة الثلاثة.
2 . المائدة:48.


(99)

فالاختلاف إنّما هو في الطرق الموصلة إلى ماء الحياة، أعني: الأُصول والتعاليم السماوية النازلة من مصدر الوحي. فلو كان هناك اختلاف فإنّما هو في القشور والأثواب، لا في الجوهر واللباب. وقد فصلنا الكلام في ذلك في «مفاهيم القرآن».(1)

خاتمة المطاف

وأخيراً نقول: إنّ المتظاهرين بالإسلام من الأحبار والرهبان الذين كان لهم دور كبير في بثّ الإسرائيليات وتكوين المذاهب، ليسوا منحصرين في من ذكرناهم، بل هناك جماعة منهم لعبوا دوراً في هذا المضمار يجد المتتبع أسماءهم ويقف على أقوالهم في كتب الرجال والتراجم والروايات والأحاديث، كعبد اللّه بن سلام الذي أسلم في حياة النبي، وطاووس بن كيسان الخولاني، الحمداني بالولاء من التابعين، ولد عام 33 وتوفّي عام 106، وغيرهم ممّن تركنا البحث عنهم اختصاراً.

ولإتمام البحث نأتي بنص بعض المحقّقين في ذاك المجال وهي كلمة للدكتور «رمزي نعناعة» حول الإسرائيليات، قال: تسرب كثير من الإسرائيليات عن طريق نفر من المسلمين أنفسهم أمثال: عبد اللّه بن عمرو بن العاص، فقد روي أنّه أصاب زاملتين من كتب أهل الكتاب يوم اليرموك، فكان يحدّث الناس ببعض ما فيها اعتماداً على حديث مروي.(2)

وعن هؤلاء المفسرين الذين لا يتورّعون عن تفسير القرآن بمثل هذه الخيالات والأوهام يقول النظام: لا تسترسلوا إلى كثير من المفسرين وإن نصبوا أنفسهم للعامة وأجابوا في كلّ مسألة، فإنّ كثيراً منهم يقول بغير رواية من أساس، وليكن عندكم عكرمة والكلبي والسدي والضحاك ومقاتل بن سليمان وأبو بكر


1 . مفاهيم القرآن:3/119ـ 124.
2 . وهو قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : حدّثوا عني...،وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج . مسند أحمد:3/46.


(100)

الأصم في سبيل واحدة فكيف أثق بتفسيرهم وأسكن إلى صوابهم.(1)

وقال أيضاً حول قصة آدم وحواء: ونقرأ تفسير الطبري وتفسير مقاتل بن سليمان في هذه القصة فيتجلّى لنا بوضوح انّهما أخذا ما جاء في التوراة وشروحها من تفصيل لهذه القصة، ووضعوه تفسيراً لآيات القرآن الكريم وهم يروون ذلك عن وهب بن منبه تارة، وعن إسرائيل عن أسباط عن السدي تارة أُخرى.(2) ومثلاً نجد القرآن الكريم قد اشتمل على موضوعات وردت في الإنجيل كقصة ولادة عيسى بن مريم ومعجزاته، فجاء المفسرون ينقلون عن مسلمة اليهود والنصارى شروحاً لهذه الآيات.(3)

وقال أيضاً: ولم يقتصر تأثير الإسرائيليات على كتب التفسير، بل تعدّاها إلى العلوم الإسلامية الأُخرى، فقد عني بعض المسلمين بنقل تاريخ بني إسرائيل وأنبيائهم كما فعل أبو إسحاق والطبري في تاريخيهما وكما فعل ابن قتيبة في كتاب المعارف... كذلك كان لليهود أثر غير قليل في بعض المذاهب الكلامية، فابن الأثير يروي عند الكلام على «أحمد بن أبي دؤاد» أنّه كان داعية إلى القول بخلق القرآن، وأخذ ذلك عن بشر المريسي وأخذ بشر من الجهم بن صفوان، وأخذ الجهم من الجعد بن أدهم، وأخذه الجعد عن أبان بن سمعان، وأخذه أبان عن طالوت ابن أُخت لبيد الأعصم وختنه، وأخذه طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودي وكان لبيد يقول:خلق التوراة، وأوّل من صنف في ذلك طالوت وكان زنديقاً فأفشى الزندقة.(4)

وسيوافيك أنّ القول بقدم القرآن وكونه غير مخلوق، أيضاً تسرّبت من اليهود حينما قالوا بقدم التوراة، أو من النصرانية حينما قالوا بقدم «الكلمة» التي هي المسيح. فللأحبار والرهبان دور راسخ في خلق هذه


1 . الحيوان للجاحظ:1/343ـ 346.
2 . تفسير مقاتل:1/18; وتفسير الطبري:1/186 ومابعده.
3 . تفسير الطبري:3/190 و ص 112.
4 . الكامل لابن الأثير:5/294 حوادث سنة 240; ولاحظ الإسرائيليات وأثرها في كتب التفسير للدكتور رمزي نعناعة: 110ـ111.


(101)

العقائد وطرح قدم القرآن خاصة على بساط البحث مع أنّه لم يرد في ذلك نصّ عن النبي والصحابة.

قال«زهدي حسن» ـ عند البحث عن تأثير الديانات ـ في تكون العقائد: فمن أهل تلك الأديان من تركوا أديانهم ودخلوا في الإسلام. لكنّهم لم يستطيعوا أن يتخلصوا من عقائدهم القديمة ولم يتسن لهم أن يتجرّدوا من سلطانها، لأنّ للمعتقدات الدينية على نفوس الناس قوة نافذة وهيمنة عظيمة فلا تزول بسهولة ولا تنسى بسرعة، ولهذا فإنّهم نقلوا إلى الإسلام ـ عن غير تعمد أو سوء قصد ـ بعض تلك المعتقدات ونشروها بين أهله.

ومنهم ـ و هذا يصحّ عن الفرس كما سنرى ـ من اعتنق الإسلام لا عن إيمان به أو تحمس له وإنّما لغايات في نفوسهم فعل بعضهم ذلك طمعاً في مال يجنيه أو جاه يناله، وأقدم البعض الآخر عليه بدافع الحقد على المسلمين الذين هزموا دينهم وهدموا ملكهم، فأظهروا الإسلام وأبطنوا عداوته ودأبوا على محاربته والكيد له، فكانوا خطراً عليه كبيراً، وشراً مستطيراً، لأنّهم ما انفكوا ينفثون فيه ما في صدورهم من الغل والغيظ، ويروجون بين أبنائه من الأفكار والآراء ما لا تقره العقيدة الإسلامية حباً في تشويه تلك العقيدة ورغبة في إفسادها.

وكثيرون من غير المسلمين تمسكوا بأديانهم الأصلية، لأنّ الإسلام منحهم حرية العبادة، ولم يتدخل في شؤونهم الخاصة ما داموا يدفعون الجزية، ولما توطدت أركان الدولة الإسلامية وتوسعت أعمالها في عهد بني أُمية، ولما لم تكن للعرب الخبرة الكافية في أُمور الإدارة، فإنّهم اضطروا إلى أن يعتمدوا في تصريف شؤون البلاد على أهل الأمصار المتعلمين الذين اقتبسوا مدنية الفرس وحضارة البيزنطيين، فأسندوا إليهم أعمال الدواوين. وهكذا كانوا يحيون بين ظهراني المسلمين، ويحتكون دوماً بهم...والاحتكاك يؤدي إلى تبادل الرأي،والآراء سريعة الانتقال شديدة العدوى.

وقال أيضاً: إنّ الأمويين قربوهم (المسيحيين) إليهم، واستعانوا بهم، وأسندوا إليهم بعض المناصب العالية، فقد جعل معاوية بن أبي سفيان


(102)

«سرجون بن منصور» الرومي المسيحي كاتبه وصاحب أمره(1) وبعد أن قضى معاوية بقيت لسرجون مكانته فكان يزيد يستشيره في الملمّات ويسأله الرأي.(2) ثمّ ورث تلك المكانة ولده يحيى الدمشقي(3) الذي خدم الأمويين زمناً ثمّ اعتزل العمل سنة (112هـ/ 730م) والتحق بأحد الأديرة القريبة من القدس حيث قضى بقية حياته يشتغل في الأبحاث الدينية ويصنف الكتب اللاهوتية، وليس من يجهل الأخطل الشاعر المسيحي الذي قدمه الأمويون وأغدقوا عليه العطايا وجعلوه شاعر بلاطهم. وكيف كان يزيد بن معاوية يعتمد عليه في الرد على أعداء بني أُمية وهجوهم.(4)

إنّ احتكاك المسلمين بأُولئك المسيحيين لا يمكن أن يكون قد مضى دون أن يترك فيهم أثراً، ولا سيما برجل ممتاز كيحيى الدمشقي الذي كان آخر علماء اللاهوت الكبار في الكنيسة الشرقية وأعظم علماء الكلام في الشرق المسيحي.(5)

***

وقال أحمد أمين عندالبحث عن مصادر القصص في العصر الأوّل: ولا بدّ أن نشير هنا إلى منبعين كبيرين لهؤلاء القصص وأمثالهم(6)، تجد ذكرهما كثيراً في رواية القصص وفي التاريخ وفي الحديث وفي التفسير، هما: وهب بن منبه، وكعب الأحبار.

فأمّا وهب بن منبه فيمني من أصل فارسي، وكان من أهل الكتاب الذين


1 . تاريخ الطبري:6/183; وابن الأثير:4/7.
2 . الطبري:6/194ـ 199 وابن الأثير:4/17.
3 . هو القديس يحيى الدمشقي (81ـ 137هـ=700 ـ 754م) واسمه العربي منصور. كان يحيى الدمشقي عالماً كبير القدر من علماء الدين وقديساً محترماً في الكنيستين: الشرقية والغربية .
4 . الأغاني:14/117.
5 . لاحظ كتاب «المعتزلة» : 23ـ 24تأليف زهدي حسن جار اللّه.
6 . كذا في المصدر.


(103)

أسلموا، وله أخبار كثيرة وقصص تتعلّق بأخبار الأول ومبدأ العالم وقصص الأنبياء، وكان يقول: قرأت من كتب اللّه اثنين وسبعين كتاباً وقد توفي حوالي سنة (110هـ) بصنعاء.

وأمّا كعب الأحبار أو كعب بن ماتع فيهودي من اليمن كذلك، ومن أكبر من تسربت منهم أخبار اليهود إلى المسلمين، أسلم في خلافة أبي بكر وعمر ـ على خلاف في ذلك ـ و انتقل بعد إسلامه إلى المدينة ثمّ إلى الشام، وقد أخذ عنه اثنان، هما أكبر من نشر علمه: ابن عباس ـ و هذا يعلل ما في تفسيره من إسرائيليات ـ وأبو هريرة ولم يؤثر عنه أنّه ألّف كما أثر عن وهب بن منبه، ولكن كلّ تعاليمه ـ على ما وصل إلينا ـ كانت شفوية، وما نقل عنه يدلّ على علمه الواسع بالثقافة اليهودية وأساطيرها.

جاء في «الطبقات الكبرى» حكاية عن رجل دخل المسجد فإذا عامر بن عبد اللّه بن القيس جالس إلى كتب وبينها سفر من أسفار التوراة وكعب يقرأ.(1)

وقد لاحظ بعض الباحثين أنّ بعض الثقات كابن قتيبة والنووي ما رويا عنه أبداً. وابن جرير الطبري يروي عنه قليلاً، ولكن غيرهم كالثعلبي والكسائي ينقل عنه كثيراً من قصص الأنبياء كقصة يوسف والوليد بن الريان وأشباه ذلك. ويروي «ابن جرير» أنّه جاء إلى عمر بن الخطاب قبل مقتله بثلاثة أيام وقال له:اعهد، فإنّك ميت في ثلاثة أيام. قال: وما يدريك؟ قال: أجده في كتاب اللّه عزّوجلّ في التوراة. قال عمر:إنّك لتجد عمر بن الخطاب في التوراة؟ قال: اللّهمّ لا، ولكن أجد صفتك وحليتك وأنّه قد فني أجلك.

وهذه القصة إن صحت، دلّت على وقوف كعب على مكيدة قتل عمر، ثمّ وضعها هو في هذه الصبغة الإسرائيلية، كما تدلنا على مقدار اختلاقه فيما ينقل.

وعلى الجملة: فقد دخل على المسلمين من هؤلاء وأمثالهم في عقيدتهم وعلمهم كثير كان له فيهم أثر غير صالح.(2)

***


1 . طبقات ابن سعد:7/79.
2 . فجر الإسلام: طبع دار الكتاب العربي:160ـ 161.


(104)

(وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ) .(1)


1 . آل عمران:69.


(105)

العامل الخامس

الاحتكاك الثقافي واللقاء الحضاري

مضى النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلى جوار ربّه وقام المسلمون بعده بفتح البلاد ومكافحة الأُمم المخالفة للإسلام والسيطرة على أقطارها، وكانت تلك الأُمم ذات حضارة وثقافة في المعارف والعلوم والآداب، وكان بين المسلمين رجال ذوو دراية ورغبة في كسب العلوم وتعلم ما في تلك الحضارات من آداب وفنون فأدّت هذه الرغبة إلى المذاكرة والمحاورة أوّلاً، ونقل كتبهم إلى اللغة العربية ثانياً.

يقول بعض المؤرّخين في هذا الصدد: ولم تلبث كتب أرسطو، وأنبذقليس، وهرقليوس،وسقراط، وأبيقور،وجميع أساتذة مدرسة الإسكندرية من الفلاسفة، أن ترجمت إلى اللغة العربية وكان هناك ما جعل أمر تلك الترجمة سهلاً، فقد كانت معارف اليونان والرومان منتشرة في بلاد الفرس وسوريا منذ أن وجد العرب في بلاد فارس وسوريا، فلمّا استولى المسلمون على ما فيها من خزائن العلوم اليونانية قاموا بنقل ما هو باللغة السريانية إلى اللغة العربية.

وأعان على أمر الترجمة أنّه نقل عدّة من الأسرى إلى العواصم الإسلامية، فصار ذلك سبباً لانتقال كثيرمن آراء الرومان والفرس إلى المجتمع الإسلامي


(106)

وانتشارها بينهم ولا شكّ أنّ بين تلك المعارف ما كان يضاد مبادئ الإسلام وأُسسه وكان بين المسلمين من لم يتدرع في مقابلها ومنهم من لم يتورع في أخذ الفاسد منها.

فأصبحوا مغمورين في هذه التيارات، نظراء: ابن أبي العوجاء، وحماد بن عجرد، ويحيى بن زياد، ومطيع بن أياس، وعبد اللّه بن المقفع، فهؤلاء وأمثالهم بين غير متدرع وغير متورع، اهتموا بنشر الإلحاد بين المسلمين وترجمة كتب الملاحدة والثنوية من الروم والفرس إلى أن عاد بعض المتفكّرين غير مسلمين للإسلام إلاّ بالقواعد الأساسية كالتوحيد والنبوة و المعاد وكانوا ينشرون آراءهم علناً ويهاجمون بها عقائد المؤمنين.

نحن نرى في التراث اليوناني بفضل التراجم التي وصلت إلينا أبحاثاً حول علمه سبحانه وإرادته وقدرته وأفعاله حتى مسألة الجبر والاختيار، وقد كان لتلك الآراء تأثير عميق على عقول المسلمين وهم بين متدرّع بالحضارة الإسلامية يكافح الشبه ويميز الصحيح من الفاسد، وبين ضعيف في التعقّل والتفكّر ليس له من الشأن إلاّ الأخذ، فصارت تلك الآراء من مبادئ تكوّن الفرق واختلاق النحل.

دور أهل البيت في عصر الترجمة

وفي هذا الجو المشحون بالآراء والعقائد الصحيحة وغير الصحيحة، قام أهل البيت بتربية جموع غفيرة من ذوي الاستعداد على المبادئ الأصيلة والمفاهيم الإسلامية وتعريفهم بالأُصول الدينية المستقاة من الكتاب والسنّة والعقل،وصاروا يناظرون كلّ فرقة ونحلة بما فيهم الملاحدة والثنوية بأمتن البراهين وأسلمها.

وقد حفظ التاريخ أسماء طائفة منهم، كهشام بن الحكم، وأبي جعفر مؤمن الطاق، وجابر بن يزيد، وأبان بن تغلب البكري، ويونس بن


(107)

عبد الرحمن، وفضال بن الحسن بن فضال، ومحمد بن خليل السكاك، وأبي مالك الضحاك، وآل نوبخت جميعاً، إلى غير ذلك ممن برع في علم الكلام، وناظر الفرق، بين من تتلمذ على الأئمة، أو من تتلمذ على خريجي مذهبهم، وتواصلت حلقات مناظراتهم حتى القرون المتأخرة وألفت كتب في العقائد والكلام والملل والنحل، يقف القارئ على تاريخهم في كتب الرجال والتراجم وقد حفظ الكثير من نصوص هذه المناظرات والاحتجاجات لحدّ الآن.

كما قامت المعتزلة بمقاومة هذه التيارات الإلحادية والثنوية، وبإزالة الشبه بفضل الأُصول القرآنية والعقلية، وقد نجحوا في ذلك نجاحاً باهراً وإن لم يكونوا ناجحين في كلّ ما هو الحقّ من الأُصول والفروع الإسلامية.

وبما أنّ أهل الحديث لا يحسنون طريقة المعتزلة في الاحتجاج والبرهنة، لذا كانوا يعادونهم، كما أنّ الملاحدة والثنوية كانوا يعادونهم أيضاً، لما يجدون فيهم من قوّة التفكير والقدرة على الاحتجاج والمناظرة. وعلى ذلك فقد وقعت المعتزلة بين عدوين:أحدهما من الداخل، وهم أهل الحديث، والآخر من الخارج، وهم الملاحدة والثنوية.

نعم كان بين المسلمين من يأبى الخوض في المسائل العقلية ويكتفي بما وصل إليه من الصحابة، ويقتصر على ما حصل عليه من الدين بالضرورة وهم الحشوية من أهل الحديث وأكثر الحنابلة ولما التحق الشيخ أبو الحسن الأشعري بالحنابلة لم يجد محيصاً في الدفاع عن عقائدهم عن الخوض في المسائل الكلامية، فألّف رسالة أسماها «في استحسان الخوض في الكلام».


(108)

العامل السادس

الاجتهاد في مقابل النص

إذا كانت العوامل الخمسة الماضية من عوامل تكون المذاهب الكلامية فالاجتهاد في مقابل النص ممّا يتكون به المذاهب الكلامية والفقهية.

روى الفريقان أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان مسجى على فراش الموت والحجرة غاصة بأصحابه فقال: «يا أيّها الناس يوشك أن أقبض سريعاً فينطلق بي، وقد قدمت إليكم القول معذرة إليكم ألا أنّي مخلف فيكم كتاب اللّه عزّ وجلّ وعترتي أهل بيتي».(1)

فجعل العترة أعدال كتاب اللّه وقرناءه كما أنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ جعلهم أمان الأُمّة من الاختلاف وسفينتها من الهلاك، إلى غير ذلك من الأحاديث التي ستمر عليك عند البحث عن الشيعة.

ومع ذلك استأثر القوم بالأمر يوم السقيفة و أوّلوا نصوصه لا يلوون على شيء وقد قضوا أمرهم بينهم دون أن يؤذنوا به أحداً من بني هاشم وأهل بيت النبوة وكأنّه عناهم الشاعر في المثل السائر حيث قال:

ويقضى الأمر حين تغيب تيم * ولا يستـأذنـون وهــم شهـود

نرى أنّ الأُمّة بعد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ رجعوا إلى كلّ صحابي وتابعي وإلى


1 . لاحظ ص 36 من كتابنا هذا.


(109)

من أدرك صحبة النبي شهراً أو أقلّ ومع ذلك أعرضوا عن أهل بيته وعترته وهم أهل بيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة ومهبط الوحي والتنزيل، وما هذا إلاّ اجتهاد في مقابل النصّ.

وأمّا المذاهب الفقهية التي أُسّست في ظل هذا العامل فحدث عنها ولا حرج، ويكفي في ذلك المراجعة إلى الكتب الفقهية في المسائل التالية:

1. إسقاط سهم المؤلّفة قلوبهم من الزكاة مع النص عليه في محكم الذكر.

2. إسقاط سهم ذوي القربى من الخمس بوفاة رسول اللّه مع النصّ عليه في محكمات الفرقان وصحاح السنن.

3. الحكم بعدم توريث الأنبياء مع ما في الذكرالحكيم من النصوص الصريحة في توريثهم.

4. النهي عن متعة الحجّ مع النصّ الوارد عليها في الآية (196) من سورة البقرة.

5. النهي عن متعة النساء مع النصّ عليه في محكم الذكر وصحاح الروايات.

6.إسقاط «حي على خير العمل» من الأذان والإقامة مع كونه جزءاً من كلّ منهما.

إلى غير ذلك من الموارد التي جمعها العلاّمة الأكبر السيد شرف الدين العاملي (المتوفّى1377هـ) في كتابه«النص والاجتهاد» وهو من الكتب الممتعة في ذلك الموضوع وفي آخر الكتاب فصل جمع فيه نصوص الإمامة المتوالية من مبدأ أمر الرسول إلى انتهاء عمره الشريف.

***

(ثُمَّ أَورَثنا الكِتابَ الَّذينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسهِِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإِذْنِ اللّه ذلِكَ هُوَ الفَضْلُ الْكَبير) (1).


1 . فاطر: 32 .


(110)

(111)

الفصل الرابع

في معنى القدرية والمعتزلة والرافضةوالحشوية

إنّ كتب الملل والنحل مشحونة باصطلاحات يستخدمونها في التعبير عن الفرق ويعبرون عن أكثرهم بإدخال ياء النسبة إلى أصحاب الرأي، غير أنّ هناك اصطلاحات اختلفوا في معناها أو وقع لهم الاشتباه في تفسيرها، فلنذكر هاهنا القسم الأخير:

1. القدرية

قد تداول استعمال لفظ القدرية في علمي الملل والكلام، فأصحاب الحديث كإمام الحنابلة ومتكلّمي الأشاعرة يطلقونها ويريدون منها «نفاة القدر ومنكريه» بينما تستعملها المعتزلة في مثبتي القدر والمقرين به، وكلّ من الطائفتين ينزجر من الوصمة بها ويفر منها فرار المزكوم من المسك; وذلك لما رواه أبو داود في سننه، والترمذي في صحيحه، من روايات في ذم القدرية والقدح فيهم. وإليك بيانها:

1. عبد اللّه بن عمر: إنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: القدرية مجوس هذه الأُمّة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم.

2. عبد اللّه بن عباس: إنّ النبي قال: لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم.(1)


1 . أي لا تحاكموهم وتناظروهم ولا تجادلوهم. وفي المصدر عمر بن الخطاب مكان «عبد اللّه بن عباس».


(112)

3. عبد اللّه بن عباس قال: قال رسول اللّه: صنفان من أُمّتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية.(1)

ولأجل هذه الروايات يتهم كلّ من الطائفتين، الأُخرى بالقدرية لينزّه نفسه من ذلك العار والشنار.

ولا يخفى أنّ متون الأحاديث تعرب عن كونها موضوعة على النبي الأكرم، خصوصاً الحديث الأخير فقد جاء فيه: المرجئة والقدرية معاً، إذ إنّ هذين المصطلحين برزا بين المسلمين في النصف الثاني من القرن الأوّل عندما اتّهم معبد الجهني وتلميذه غيلان الدمشقي بالقدر والإرجاء، و ذاع هذان الاصطلاحان بين المسلمين إلى الآن ومن البعيد وجودهما في زمن الرسول الأعظم وشيوعهما في ذلك العصر،وعند ذلك كيف يتكلّم الرسول بكلمات بعيدة عن أذهان أصحابه، وغريبة على مخاطبيه، كلّ ذلك يثير الشكّ أو سوء الظن بوضع هذه الأحاديث ودسّها بين المسلمين، حتى يتسنّى لكلّ من الطائفتين، تعيير الأُخرى بها والنيل من كرامتها،وما ذكرناه من التشكيك وإن كان لا يخرج عن دائرة الاستحسان، غير أنّ وقوع الضعاف في أسنادها يؤيد ذلك التشكيك ويقوّيه.

أمّا الحديث الأوّل، فقد رواه أبو داود في سننه بالسند التالي:

حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، قال: حدثني بمنى عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي.(2)

ويكفي في ضعف الحديث، أنّ أبا حازم سلمة بن دينار، لم يدرك عبد اللّه بن عمر، وقد روى عنه في مواضع بوسائط، لا يثبت منها شيء.(3)

وأمّا الحديث الثاني، فقد رواه أيضاً بالسند التالي:


1 . جامع الأُصول:10/526. راجع سنن أبي داود:4/222، باب في القدر، الحديث 6491 و 6492; سنن الترمذي:ج4، كتاب القدر باب 13، الحديث 2149.
2 . سنن أبي داود:4/222، الباب في القدر، الحديث 4691.
3 . جامع الأُصول :10/526 قسم التعليق; واللآلي المصنوعة :1/258.


(113)

حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا عبد اللّه بن يزيد المقري أبو عبد الرحمن، قال حدثني سعيد بن أبي أيوب، قال حدثني عطاء بن دينار، عن حكيم بن شريك الهذلي، عن يحيى بن ميمون الحضرمي، عن ربيعة الجرشي، عن أبي هريرة، عن عمر بن الخطاب.(1)

ويكفي في ضعف الحديث أنّ في أسناده، حكيم بن شريك الهذلي البصري الذي هو مجهول.(2)

وأمّا الحديث الثالث، فقد رواه الترمذي في سننه بالسند التالي:

حدثنا واصل بن عبد الأعلى الكوفي، حدثنا محمد بن فضيل، عن القاسم بن حبيب، وعلي بن نزار، عن نزار عن عكرمة.(3)

ويكفي في ضعف الحديث أنّ قاسم بن حبيب ضعيف، ونزار وابنه علي، من المجاهيل.

أفيصح الاحتجاج بأحاديث هذه أسنادها؟

هذه حال الأحاديث الواردة في الصحاح. غير أنّ هناك أحاديث وردت في غيرها تختلف مع ما ورد فيها سنداً، وإن كانت تتحد لفظاً. وقد جمعها السيوطي في كتابه «اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة».(4)

مثلاً: روى ابن عدي، بسند عن مكحول عن أبي هريرة مرفوعاً: إنّ لكلّ أُمّة مجوساً، وإنّ مجوس هذه الأُمّة القدرية، فلا تعودوهم إذامرضوا، ولا تصلّوا عليهم إذا ماتوا.

وفي سنده جعفر بن الحارث، قال عنه السيوطي: ليس بشيء.

ورواه خيثمة بسند عن أبي هريرة، وفي سنده غسان، قال عنه السيوطي: مجهول.


1 . سنن أبي داود:4/228، باب في القدر، الحديث 4710.
2 . جامع الأُصول:1/526، قسم التعليق.
3 . سنن الترمذي :4/454، باب ما جاء في القدرية، رقم الحديث 2149.
4 . لاحظ ج1، ص 254 ـ 256.


(114)

ورواه الدارقطني، بسند عن أبي هريرة، وفيه مجاهيل، حتى قال النسائي: هذا الحديث باطل كذب.(1)

ونكتفي بهذا المقدار في البحث عن سند الروايات.

هذا حال رجال الأحاديث المذكورة، ومن المعلوم أنّه لا يمكن الاحتجاج بأحاديث هذا شأنها، وعلى فرض صحتها فالصحيح تفسير القدرية بمعنى مثبتي القدر والحاكمين به، لا نفاته. فإنّ تلك الكلمة كأشباهها من العدلية وغيرها تطلق ويراد منها مثبتو مبادئها، أعني: العدل، لا نفاتها. وإطلاق تلك الكلمة وإرادة النفي منها من غرائب الاستعمالات.

نعم أخرج أبو داود في سننه(2)، عن حذيفة بناليمان قال: «قال رسول اللّه: لكلّ أُمّة مجوس، ومجوس هذه الأُمّة الذين يقولون لا قدر».

وهذا الحديث على فرض صحته يمكن أن يكون قرينة على تفسير القدرية في هذا المورد، ويكشف عن أنّ ذلك الاستعمال البعيد عن الأذهان، كان مقروناً بالقرينة. ولكن الاحتجاج بالحديث غير تام، إذ في سنده عمر مولى غفرة، عن رجل من الأنصار، عن حذيفة، فالراوي والمروي عنه مجهولان.(3)

فقه الحديث

وبعد ذلك كلّه، ففقه الحديث يقتضي أن نقول: إنّ المراد من القدرية هم مثبتو القدر، لا نفاته، بقرينة تشبيههم بالمجوس، فإنّ المجوس معروفة بالثنوية، وإنّ خالق الخير غير خالق الشر، ومبدع النور غير مبدع الظلمة، وإنّ هناك إلهين خالقين في عالم واحد، يستقل كلّ في مجاله الخاص، حسب ما يناسب ذاته.

والقائل بالقدر يحكّم القدر على أفعاله سبحانه وأفعال عباده، فكأنّ


1 . اللآلي المصنوعة: 1/258.
2 . سنن أبي داود: 4/222 ح 4692.
3 . الجرح والتعديل:6/143.


(115)

التقدير إله حاكم على أفعال اللّه وأفعالهم، فإذا قدر شيئاً وقضى لا يمكن له نقض قضائه وقدره، بل يجب عليهما أن يصيرا حسب ما قدر، فالفواعل على هذا المعنى ـ سواء أكانت شاعرة عالمة بذاتها وأفعالها أو غير شاعرة وعالمة ـ مسيّرة لا مخيّرة، لأجل حكومة القدر وسيادته على اللّه وأفعاله وعلى حرية عبده، فأي إله أعلى وأسمى من القدر بهذا المعنى. فصحّ تشبيه القدرية ـ بهذا المعنى ـ بالمجوس القائلين بالثنوية وتعدد الإله.

وأمّا نفاة القدر الذين يقولون لا قدر ولا قضاء بل للّه الحكم في أوّله وآخره، وأنّ عباده مخيّرون في أعمالهم وأفعالهم، فهم أشبه بالموحدين من القائلين بالمعنى السابق الذكر.

نعم يمكن تقريب كون النفاة بحكم المجوس ببيان آخر وهو: أنّ تلك الفرقة يعتقدون بالتفويض، وأنّ الإنسان مفوض إليه في فعله، مستقل في عمله وكلّ ما يقوم به. فعند ذلك يكون الإنسان فاعلاً غير محتاج في فعله إلى خالقه وبارئه،ويصير نداً له سبحانه وتعالى فكما هو مستقل في خلقه فذاك أيضاً مستقل في عمله.

وهذا الاعتقاد يشبه قول الثنوية، من الاعتقاد بخالقين مستقلين: خالق النور وخالق الظلمة. وفي مورد البحث يعتقد نفاة القدر بخالقين: اللّه سبحانه بالنسبة إلى ما سواه غير أفعال الإنسان، والإنسان في مجال أفعاله وأعماله، فلكلّ مجال خاص، وهذا الاعتقاد يخالف التوحيد في الخالقية والفاعلية، وأنّه ليس هناك إلاّ خالق واحد، كما أنّه ليس هناك فاعل مستقل. فكلّ ما في الوجود من الآثار مع استناده إلى مبادئها ومؤثراتها، مستند إلى اللّه سبحانه، وسيوافيك توضيحه عند البحث في القضاء والقدر.

ولا يخفى ما في هذا الوجه من الوهن، لأنّ الحديث يركز على كونهم بمنزلة المجوس، لأجل كونهم نافين للقدر، لا لأجل كونهم قائلين بالتفويض،وأنّ الإنسان بعد الوجود،مفوض إليه فعله وعمله،ولا صلة لفعله إلى اللّه سبحانه بوجه من الوجوه. وقولهم بالتفويض وإن كان يصحح ذلك، لكنّه


(116)

ليس مذكوراً في الحديث فالحقّ تفسير الحديث بالقائلين بالقدر والمثبتين له على الوجه الذي عرفته، لا بنفاته.

هذا، والقاضي عبد الجبار نقل حديثاً يوضح لنا مفاد هذا الحديث حيث قال: «لعنت القدرية والمرجئة على لسان سبعين نبياً، قيل له: ومن القدرية يا رسول اللّه؟ قال: «قوم يزعمون أنّ اللّه قدّر عليهم المعاصي وعذبهم عليها. والمرجئة قوم يزعمون أنّ الإيمان بلا عمل».(1)

ونقل أيضاً قول الرسول:«لعن اللّه القدرية على لسان سبعين نبياً، قيل: من القدرية يا رسول اللّه؟قال: «الذين يعصون اللّه تعالى ويقولون كان ذلك بقضاء اللّه وقدره... وهم خصماء الرحمن وشهود الزور وجنود إبليس».(2)

وقد رواه بعض المفسرين أيضاً، كالزمخشري في كشافه(3)، والرازي في مفاتيحه.(4)

هذا وإنّ تنبّؤ النبي الأكرم عن طائفة باسمهم دون أن يذكر وصفهم بعيد جداً.

وهنا نكتة يجب التنبيه عليها وهي أنّه لا شكّ أنّ للّه سبحانه قضاء وقدراً، وانّه لا يمكن للمؤمن العارف بالكتاب والسنّة إنكار ذلك،وقد قال سبحانه: (ما أَصابَ مِنْ مُصيبَة فِي الأَرْضِ وَلا في أَنفُسِكُمْ إِلاّ في كِتاب مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلى اللّهِ يَسير) (5) وقال سبحانه: (إِنّا أَنْزَلْناهُ في لَيْلَة مُبارَكة إِنّا كُنّا مُنْذِرينَ* فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْر حَكِيم).(6)


1 . المغني:8/326(المخلوق).
2 . شرح الأُصول الخمسة: 775، الطبعة الأُولى.
3 . الكشاف:1/103.
4 . المفاتيح:13/184.
5 . الحديد:22.
6 . الدخان:3 و 4.


(117)

وهذه الآيات والأحاديث المتضافرة التي نقلها أصحاب الحديث لا تترك منتدحاً لمسلم أن ينكر القضاء والقدر، نعم الكلام في تفسيرهما وتحديد معناهما على نحو لا يضاد ولا يخالف حاكمية اللّه واختياره أوّلاً، ولا يزاحم حرية الإنسان وإرادته ثانياً، إذ كما أنّ القدر والقضاء من الأُمور اليقينية، فكذا حاكميته سبحانه واختياره، وحرية العبد وإرادته من الأُمور اليقينية أيضاً وسوف يوافيك أنّ معنى القضاء والقدر الثابتين في الشرع، ليس كما تصوّره أصحاب الحديث والأشاعرة: من تحكيم القدر على اختياره سبحانه، وإرادة عباده. بل تقديره وقضاؤه لا يعني إبطال حرية الإنسان واختياره، ولأجل كون المقام من مزال الأقدام، نهى الإمام أمير المؤمنين البسطاء عن الخوض في القضاء والقدر، فقال في جواب من سأله عن القدر:«طريق مظلم فلا تسلكوه، وبحر عميق فلا تلجوه، وسر اللّه فلا تتكلّفوه».(1)

ولكن كلامه ـ عليه السَّلام ـ متوجه إلى البسطاء من الأُمّة الذين لا يتحملون المعارف العليا، لا إلى أهل المعرفة والنظر. ولأجل ذلك وردت جمل شافية في القضاء والقدر عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ وسيوافيك شطر منها عند عرض مذهب أهل الحديث في هذا الموقف.

2. الاعتزال والمعتزلة

المعتزلة طائفة من العدلية نشأت في أوائل القرن الثاني الهجري، ويرجع أصلها إلى «واصل بن عطاء» تلميذ الحسن البصري، ولهم منهج كلامي خاص وأُصول معينة اتفقوا عليها، وسوف نرجع إلى دراسة مذهبهم بعد الفراغ من دراسة مذهب أهل الحديث أوّلاً، والأشاعرة ثانياً، غير أنّ الذي نركز عليه هنا هو الوقوف على وجه تسميتهم بالمعتزلة تارة، ووصف مدرستهم بالاعتزال أُخرى، وهناك آراء ستة نشير إلى بعضها:

أ. دخل رجل على الحسن البصري (المتوفّى عام 110هـ) فقال: يا إمام الدين لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفّرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم


1 . شرح نهج البلاغة للشيخ محمد عبده:قسم الحكم، الرقم 287.


(118)

كفر يخرج به عن الملة وهم وعيدية الخوارج; وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان، بل العمل ليس ـ على مذهبهم ـ ركناً من الإيمان، ولا يضر مع الإيمان معصية، كمالا ينفع مع الكفر طاعة، وهم مرجئة الأُمّة فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقاداً؟

فتفكّر الحسن في ذلك وقبل أن يجيب، قال واصل بن عطاء (تلميذه): أنا لا أقول إنّ صاحب الكبيرة مؤمن مطلقاً، ولا كافر مطلقاً، بل هو في منزلة بين المنزلتين لا مؤمن ولا كافر.

ثمّ قام واعتزل إلى أسطوانة من اسطوانات المسجد، يقرر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزل عنّا واصل، فسمّي هو وأصحابه معتزلة.(1)

وقد كان لمسألة مرتكب الكبائر دوي عظيم في تلك العصور، وهو أمر أحدثه الخوارج في البيئات الإسلامية تعييراً لعلي ـ عليه السَّلام ـ حيث إنّه بزعمهم ارتكب الكبيرة لمّا حكّم الرجال في أمر الدين، وليس للرجال شأن في هذا المجال، فعادوا يكفّرونه حسب معاييرهم الباطلة. ولأجل ذلك انتشر السؤال عن حكم مرتكب الكبيرة، هل هو كافر أو مؤمن فاسق؟ فالتجأ واصل بن عطاء إلى القول بالمنزلة بين المنزلتين.

وظاهر الرواية، أنّ واصل بن عطاء أجاب عن السؤال ارتجالاً وبلا تروّ، غير أنّا نرى أنّ المعتزلة اتّخذوه أصلاً من الأُصول الخمسة التي لا يختلف فيها أحد منهم، فيبدو أنّه انتهى إلى تلك النظرية عن تحقيق وتفكير وتبعه أصحابه طوال قرون من دون أن يكون هناك حافز سياسي أو داع غير إراءة الحقّ وإصابة الواقع.

ومع ذلك كلّه نرى عبد الرحمن بدوي يعتبر تلك الفكرة منهم فكرة سياسية اتّخذوها ذريعة على ألاّ ينصروا أحد الفريقين المتنازعين(أهل السنّة والخوارج) حيث قال: وإنّما اختار المعتزلة الأوّلون هذا الاسم، أو على الأقل


1 . الفرق بين الفرق : 118; الملل والنحل للشهرستاني:1/48.


(119)

تقبّلوه، بمعنى المحايدين أو الذين لا ينصرون أحد الفريقين المتنازعين(أهل السنة والخوارج) على الآخر في المسألة السياسيّة الدينية الخطيرة: مسألة الفاسق ما هو حكمه؟ هل هو كافر مخلّد في النار كما يقول الخوارج، أو هو مؤمن يعاقب على الكبيرة بقدرها كما يقول أهل السنّة، أو هو في منزلة بين المنزلتين وهو ما يقول به المعتزلة.(1)

ب. وهناك رأي ثان في وجه تسميتهم بها، يظهر ممّا ذكره أبو الحسين محمد ابن أحمد بن عبد الرحمن الملطي الشافعي(المتوفّى عام 377هـ) حيث يقول: وهم سمّوا أنفسهم معتزلة وذلك عندما بايع الحسن بن علي ـ عليه السَّلام ـ معاوية وسلم إليه الأمر، اعتزلوا الحسن ومعاوية وجميع الناس، وقد كانوا من أصحاب علي،ولزموا منازلهم ومساجدهم وقالوا: نشتغل بالعلم والعبادة فسمّوا بذلك معتزلة.(2)

وهذا الرأي قريب من جهة أنّ المعتزلة أخذوا تعاليمهم في التوحيد والعدل، عن الإمام علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ لأنّهم يقرّون بأنّ مذهبهم يصل إلى واصل بن عطاء، وأنّ واصلاً يستند إلى محمد بن علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ المعروف بابن الحنفية بواسطة ابنه أبي هاشم وأنّ محمداً أخذ عن أبيه، وأنّ علياً أخذ عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .(3)

وعلى ذلك فليس ببعيد أن يرجع وجه التسمية إلى زمن تصالح الإمام الحسن ـ عليه السَّلام ـ مع معاوية.

والذي يبعد ذلك أنّ من الأُصول الاعتقادية للمعتزلة هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى هذا الأصل خرجت أوائلهم على الوليد الفاسق بن يزيد ابن عبد الملك ونصروا يزيد الناقص بن الوليد بن عبد الملك الذي كان على خط


1 . مذاهب الإسلاميين للدكتور عبد الرحمن بدوي:1/37.
2 . التنبيه والرد: 36.
3 . رسائل الجاحظ تحقيق عمر أبي النصر: 228، وغيره ممّا كتب في تاريخ المعتزلة كطبقات المعتزلة للقاضي عبد الجبار، والمنية والأمل لأحمد بن يحيى بن المرتضى.


(120)

الاعتزال، وقد فصّل الكلام فيه المسعودي في تاريخه(1)، وعلى ذلك فلا يصح أن يقال إنّهم لزموا منازلهم ومساجدهم وقالوا نشتغل بالعلم والعبادة.

والحقّ أن يقال: إنّ هناك طائفتين سمّيتا بالمعتزلة، لا صلة بينهما سوى الاشتراك في الاسم، ظهرت إحداهما بعد تصالح الإمام الحسن بن علي ـ عليهما السَّلام ـ مع معاوية، وهؤلاء طائفة سياسية بحتة. وطلعت الأُخرى في زمن الحسن البصري بعد اعتزال واصل إلى اسطوانة من اسطوانات المسجد، وهؤلاء طائفة كلامية عقائدية.

هذا وإنّ المعروف في وجه التسمية هو الوجه الأوّل دون الثاني ودون سائر الوجوه البالغة ستة أوجه.

وسيوافيك بيان تلك الأوجه الستة عند بيان عقائد المعتزلة في الجزء الثالث من هذه الموسوعة.

3. الرفض والرافضة ووجه التسمية

الرفض: بمعنى الترك. قال ابن منظور في اللسان: «الرفض تركك الشيء تقول: رفضني فرفضته، رفضت الشيء أرفضه رفضاً. تركته وفرقته، والرفض، الشيء المتفرق والجمع: أرفاض».

هذا هو المعنى اللغوي وأمّا حسب الاصطلاح في الأعصار المتأخرة فهو يطلق على مطلق محبي أهل البيت تارة، أو على شيعتهم جميعاً أُخرى، أو على طائفة خاصة منهم ثالثة.

وعلى كلّ تقدير فهذاالاصطلاح اصطلاح سياسي أُطلق على هذه الطائفة وهو موضوع لا كلام فيه، إنّما الكلام في وجه التسمية ومبدأ نشوئها، فإنّنا نرى ابن منظور يقول في وجه التسمية«الروافض: جنود تركوا قائدهم وانصرفوا، فكلّ طائفة منهم رافضة، والنسبة إليهم رافضي، والروافض قوم من الشيعة سمّوا بذلك لأنّهم تركوا زيد بن علي، قال الأصمعي: كانوا


1 . مروج الذهب:3/212ـ 226.


(121)

قد بايعوا زيد بن علي ثمّ قالوا له: ابرأ من الشيخين نقاتل معك فأبى وقال: كانا وزيري جدي فلا أبرأ منهما، فرفضوه وارفضوا عنه، فسمّوا رافضة،وقالوا الروافض ولم يقولوا: الرفاض لأنّهم عنوا الجماعات.(1)

غير أنّ ابن منظور، وإن أصاب الحقّ في صدر كلامه وجعل للّفظ معنى وسيعاً يطلق على المسلم والكافر، والمسلم شيعيّه و سنيّه لكن استشهد على وجه تسمية قسم من شيعة علي ـ عليه السَّلام ـ بها بقول الأصمعي، وهو منحرف عن علي وشيعته، فكيف يمكن الاعتماد على قوله، خصوصاً إذا تضمن تنقيصاً وازدراء بهم، وليس ذلك بدعاًمن ابن منظور وأضرابه، بل هو مطرد في كلّ مورد يستشهدون بشيء فيه وقيعة للشيعة، فترى هناك أثراً من مطعون إلى منحرف إلى ناصبي إلى خارجي و«في كلّواد أثر من ثعلبة» وعلى أي تقدير هذه الفكرة هي المعروفة بين أرباب الملل في تسمية شيعة الإمام بالرافضة، ونداء محبيه بالرفضة.

يقول البغدادي في «الفَرْق بينالفِرَق» عند البحث عن الزيدية: وكان زيد بن علي قد بايعه خمسة عشر ألف رجل من أهل الكوفة وخرج بهم على والي العراق وهو يوسف بن عمر الثقفي عامل هشام بن عبد الملك، فلمّا استمر القتال بينه و بين يوسف بن عمر الثقفي قالوا له: إنّا ننصرك على أعدائك بعد أن تخبرنا برأيك في أبي بكر وعمر، بعد أن ظلما جدك علي بن أبي طالب. فقال زيد بن علي: لا أقول فيهم إلاّ خيراً، وما سمعت من أبي فيهم إلاّ خيراً. وإنّما خرجت على بني أُمية الذين قتلوا جدي الحسين، وأغاروا على المدينة يوم وقعة الحرة، ثمّ رموا بيت اللّه بالمنجنيق والنار. ففارقوه عند ذلك، حتى قال لهم رفضتموني، ومن يومئذ سمّوا رافضة.(2)

قال البزدوي أحد المؤلفين في الفرق عند البحث عن مذهب الروافض: «وإنّما سموا روافض، لأنّهم وقعوا في أبي بكر وعمر فزجرهم زيد فرفضوه


1 . لسان العرب:7/157، مادة رفض.
2 . الفرق بين الفرق: 35.


(122)

وتركوه فسموا روافض».(1)

هذا ما لدى القوم من أوّلهم وآخرهم، فقد أخذوا بقول الأصمعي الناصبي في التسمية ومن لفّ لفّه وحذا حذوه.

نظرنا في الموضوع

لا أظن الأصمعي وهو خبير في اللغة يجهل بحقيقة الحال ولكن عداءه قد جرّه إلى هذا التفسير، فإنّ الحقّ أنّ الرافضة كلمة سياسية كانت تستعمل قبل أن يولد زيد بن علي ومن بايعه من أهل الكوفة، فالكلمة تطلق على كلّ جماعة لم تقبل الحكومة القائمة، سواء أكانت حقاً أو باطلاً. هذا هو معاوية بن أبي سفيان يصف شيعة عثمان ـ الذين لم يخضعوا لحكومة علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ وسلطته ـ بالرافضة ويكتب في كتابه إلى «عمرو بن العاص» وهو في البيع في فلسطين أمّا بعد: فإنّه كان من أمر علي وطلحة والزبير ما قد بلغك، وقد سقط إلينا(2) مروان ابن الحكم في رافضة أهل البصرة وقدم علينا جرير بن عبد اللّه في بيعة علي، وقد حبست نفسي عليك حتى تأتيني، أقبل أُذاكرك أمراً.(3)

ترى أنّ معاوية يصف من جاء مع مروان بن الحكم بالرافضة وهؤلاء كانوا أعداء علي ومخالفيه، وما هذا إلاّ لأنّ هؤلاء الجماعة كانوا غير خاضعين للحكومة القائمة آنذاك.

وعلى ذلك فتلك لفظة سياسية تطلق على القاعدين عن نصرة الحكومة والالتفاف حولها، وبما أنّه كان من واجب هذه الجماعة البيعة للحكومة والمعاملة معاملة الحكومة الحقة، ولكنّهم لم يقوموا بواجبهم فتركوه فتفرقوا عنها، فسمّوا رافضة.

فقد خرجنا بهذه النتيجة: إنّ كلمة الرفض والرافضة ليستا من


1 . أُصول الدين: 248.
2 . سقط إلينا: نزل إلينا.
3 . وقعة صفين : 29.


(123)

خصائص الشيعة، بل هي لغة عامة تستعمل في كلّ جماعة غير خاضعة للحكومة القائمة، وبما أنّ الشيعة منذ تكونها لم تخضع للحكومات القائمة بعد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فكانت رافضة حسب الاصطلاح الذي عرفت، ولم يكن ذلك الاصطلاح موهوباً من زيد بن علي لشيعة جدّه. كيف وقد ورد ذلك المصطلح على لسان أخيه محمد الباقر ـ عليه السَّلام ـ الذي توفّي قبل زيد بن علي وثورته بست سنوات؟!

روى أبو الجارود عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ : إنّ رجلاً يقول إنّ فلاناً سمّانا باسم، قال: وما ذاك الاسم؟ قال: سمّانا الرافضة. فقال أبو جعفر ـ مشيراً بيده إلى صدره ـ: وأنا من الرافضة وهو مني، قالها ثلاثاً.(1)

وروى أبو بصير فقال: «قلت لأبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ : جعلت فداك اسم سمينا به، استحلت به الولاة دماءنا وأموالنا وعذابنا، قال: «وما هو؟» قال: الرافضة، فقال أبو جعفرـ عليه السَّلام ـ : «إنّ سبعين رجلاً من عسكر فرعون رفضوا فرعون، فأتوا موسى ـ عليه السَّلام ـ فلم يكن في قوم موسى أحد أشدّ اجتهاداً وأشد حباً لهارون منهم، فسمّاهم قوم موسى الرافضة».(2)

وهذه التعابير عن أبي جعفر باقر العلومـ عليه السَّلام ـ أصدق شاهد على أنّ مصطلح الرفض ليس وليد فكرة زيد، وأجلّه عن هذه النسبة والفكرة، بل كان مصطلحاً سائداً في أقوام، فكلّ من لم يخضع للحاكم القائم، والحكومة السائدة وصار يعيش بلا إمام ولا حاكم سمّي رافضياً والجماعة رافضة أو رفضة.

وبهذا الملاك أطلق لفظ الرافضي على من لم يعتقد بشرعية حكومة الخلفاء حتى شاع وذاع قبل مقتل زيد كما عرفت وبعده.

فعن معاذ بن سعيد الحميري قال: «شهد السيد إسماعيل بن محمد الحميري رحمه اللّه ، عند «سوار» القاضي بشهادة فقال له: ألست


1 . بحار الأنوار:65/97 الحديث2 نقلاً عن المحاسن للبرقي، المتوفّى عام 274هـ.
2 . بحارالأنوار:65/97 الحديث3.


(124)

إسماعيل بن محمد الذي يعرف بالسيد؟ فقال: نعم. فقال له: كيف أقدمت على الشهادة عندي، وأنا أعرف عداوتك للسلف؟ فقال السيد: قد أعاذني اللّه من عداوة أولياء اللّه، وإنّما هو شيء لزمني. ثمّ نهض فقال له: قم يا رافضي فواللّه ما شهدت بحقّ، فخرج السيد رحمه اللّه وهو يقول:

أبـوك ابن سارق عنـز النبي * وأنت ابن بنت أبي جحـدر

ونحن على زعمك الرافضو * ن لأهل الضلالة والمنكـر(1)

وروي أنّه كان عبد الملك بن مروان لمّا سمع من الفرزدق قصيدته المعروفة في مدح الإمام علي بن الحسين قال له: أو رافضي أيضاً أنت؟ فقال الفرزدق: إن كان حبّ آل محمّد رفضاً فأنا هذاك، فقال عبد الملك: قل فيّ مثل ما قلته فيه وعليّ أن أضعف عطاءك....(2)

4. الحشوية

لقد كثر الكلام حول تفسير الحشوية و ما هو المراد منها ؟ ونحن نأتي هنا بمجمل القول من أوثق المصادر..

قال الجرجاني: وسمّيت الحشوية حشوية، لأنّهم يحشون الأحاديث التي لا أصل لها في الأحاديث المروية عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وجميع الحشوية يقولون بالجبر والتشبيه، وتوصيفه تعالى بالنفس واليد والسمع والبصر، وقالوا: إنّ كلّ حديث يأتي به الثقة من العلماء فهو حجّة أيّاً كانت الواسطة.(3)

وقد ذكر الصفدي: أنّ الغالب في الحنفية معتزلة. والغالب في الشافعية أشاعرة، والغالب في المالكية قدرية (لعلّه يعني جبرية) والغالب في الحنابلة حشوية.(4)

ونقل الشيخ محمد زاهد الكوثري في تقديمه على كتاب «تبيين كذب


1 . الغدير:2/256 طبع بيروت.
2 . أمالي السيد المرتضى:1/68 في التعليق.
3 . التعريفات: 341; الحور العين: 204; معرفة المذاهب: 15.
4 . الغيث المنسجم للصفدي:2/47، وراجع ضحى الإسلام لأحمد أمين:3/71.


(125)

المفتري» وجهاً آخر، وقال: وكان الحسن البصري من جلة التابعين، ومن استمر سنين ينشر العلم في البصرة، ويلازم مجلسه نبلاء أهل العلم، وقد حضر مجلسه يوماً أُناس من رعاع الرواة، و لمّا تكلموا بالسقط عنده قال ردّوا هؤلاء إلى حشا الحلقة ـأي جانبهاـ فسمّوا الحشوية، ومنهم أصناف المجسمة والمشبهة.(1)

***

قال الصادق ـ عليه السَّلام ـ :

«العامل على غير بصيرة كالسائر على سراب بقيعة، لا يزيده سرعة السير إلاّ بعداً».(2)


1 . تبيين كذب المفتري:11.
2 . الوسائل:الباب 18 من أبواب صفات القاضي، الحديث 36.


(126)

(127)

الفصل الخامس

نظرة في كتب أهل الحديث

(الحنابلة والحشوية)

لا نقاش في أنّ الحديث النبوي حجّة إلهية كالقرآن الكريم ولا يعدل المسلم المؤمن عنهما إلى غيرهما، فالكتاب معجزة خالدة واللفظ والمعنى منه سبحانه، وأمّا السنّة فلفظها للنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ والمفاد والمضمون منه سبحانه.

فلا فرق بين قوله تعالى: (فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُم) (1) وقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «الصلح جائز بين المسلمين».(2)

كما لا فرق بين قوله سبحانه:(فَتَيمَّمُوا صَعيداً طَيّباً) (3) وقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «التراب أحد الطهورين يكفيك عشر سنين».(4)

فالمسلم المؤمن باللّه وكتابه ورسالة نبيه لا يفرّق بين كتابه تعالى وكلامه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، كما لا يفرق بين قوله وفعله، بين إشارته وتقريره، فكلّ حجّة إلهية يجب العمل على وفقه ولا يكون المسلم مسلماً إلاّ إذا استسلم في هذه المجالات كلّها. قال سبحانه:(يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا )


1 . الحجرات:10.
2 . التاج الجامع للأُصول:2/202، رواه الترمذي وأبو داود والبخاري.
3 . المائدة:6.
4 . سنن الترمذي:1/212 باب ما جاء في التيمم للجنب.


(128)

تُقَدّمُوا بَيْنَ يَدَي اللّه وَرَسُولهِ وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَميعٌ عَليمٌ) .(1)

إنّ للحديث النبوي من جلالة الشأن وعلو القدر مالا يختلف فيه اثنان، ولا يحتاج في إثباته إلى برهان. إذ هي الدعامة الثانية ـ بعد الذكر الحكيم ـ للدين والأخلاق، والحكم والآداب، ممّا يتمتع به المسلمون في دينهم ودنياهم.

وهذه المكانة الجليلة والمنزلة الرفيعة، تقتضي مزيد العناية بها ودراستها بأحسن الأساليب العلمية والمنطقية، حتى يتميّز الصحيح من الزائف ولا ينسب إليه كلّ ما يحمل اسم الحديث والسنّة، أو كلّ ما يوجد في بطون الكتب وضمائر الأسفار، معقولاً كان أو غير معقول، مخالفاً كان للقرآن أو لا.

إنّ قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «من كذب علي متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار» إخطار أكيد للواعين بأنّ أعداء الدين لبالمرصاد وسوف ينسبون إليه كلّ مغسول من البلاغة، وعار عن الفصاحة وينقلون منه كلّ معنى ثقيل على الفطرة، أو مضاد للعقل السليم، الذي به عرفناه سبحانه وعرفنا براهين رسالة رسوله.

وقد دق رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بكلامه هذا جرس الإنذار للأُمّة لا سيما للوعاة منهم وحفاظ أحاديثه حتى لا يظنوا أنّ كلّ ما يصل إليهم باسم الحديث هو الحديث النبوي على حقيقته، بألفاظه ومعانيه، وليس قبول كلّ حديث ـ ولو كان فيه ما فيه ـ آية التسليم للّه وللرسول، وآية عدم التقدّم عليهما في ميادين الأُصول والفروع.

ويتضح ذلك أشد الوضوح إذا وقفت على ما تلوناه عليك من أنّ الحديث النبوي رزيء بالموضوعات التي تولّى كبرها أعداء الدين والإسلام أوّلاً، وتجرة الحديث ثانياً، يضعون الأحاديث تزلّفاً إلى الحكام وتقرّباً منهم.

هذا هو أبو هريرة أكثر الصحابة رواية عن رسول اللّه مع أنّه لم يصاحب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلاّ سنتين أو أقلّ منهما جاء بروايات فيها


1 . الحجرات:1.


(129)

طامات وغرائب بقيت على مر الدهر، وقد أتعب شراح الصحاح والمسانيد أنفسهم الزكية لحلها وتوجيهها. غير أنّ المتحري للحقيقة ومن يرى أنّ الحقّ أولى من الصحابة والصحابي يرى في أحاديثه آثار الوضع والدس والاختلاق بما لا مجال في المقام لذكرها.(1)

وقد أتينا في بعض الفصول السابقة بإلمامة توقفك على مأساة نقل الحديث والتحدّث به وكتابته ونشره بين الأُمّة،وعرفت أنّ ترك الكتابة بل ترك التحدث كان فضيلة، وخلافه بدعة. ولكن الظروف والأحوال ألجأت المسلمين إلى الكتابة والتدوين ونشره في أواخر النصف الأوّل من القرن الثاني.

ولأجل ذلك صار العثور على الحديث الصحيح الذي حدث به رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أمراً صعباً لما مر من دس الدسّاسين ووضع الوضّاعين تزلّفاً إلى أصحاب السلطة والعروش، وغير ذلك من دواعي الجعل.

غير أنّ الأحاديث والمأثورات المروية في كتب الحديث، أخذت لنفسها بعد التدوين مقاماً عالياً، وأضيفت إليها آراء الصحابة وأقوال التابعين فصار الجميع هو الأصل الأصيل في تنظيم العقائد وتشريع الأحكام سواء أكان موافقاً للقرآن أم مخالفاً، وسواء أكان موافقاً للعقل السليم أم مخالفاً له، وقد بلغ التحجّر بهم إلى حدّ أن قالوا:

1. إنّ السنّة لا تنسخ بالقرآن، ولكن السنّة تنسخ القرآن وتقضي عليه، والقرآن لا ينسخ السنّة ولا يقضي عليها.(2)

2. إنّ القرآن أحوج إلى السنّة من السنّة إلى القرآن.(3)

3. إنّ القول بعرض الأحاديث على الكتاب قول وضعه الزنادقة.(4)


1 . لاحظ في الوقوف على قيمة أحاديث أبي هريرة كتاب «أبوهريرة شيخ المضيرة» للعلاّمة المصري الشيخ محمود أبو رية.
2 . مقالات الإسلاميين:2/251.
3 . جامع بيان العلم:2/234.
4 . عون المعبود في شرح سنن أبي داود:4/429.


(130)

فبلغ بهم التقليد إلى حدّ صاروا يأخذون بظواهر كلّ ما رواه الرواة من الأخبار والآثار الموقوفة والمرفوعة، والموضوعة والمصنوعة وإن كانت شاذة أو منكرة أو غريبة المتن أو من الإسرائيليات مثل ما روي عن كعب ووهب و... أو معارضة بالقطعيات التي تعد من نصوص الشرع ومدركات الحس ويقينيات العقل ويكفّرون من أنكرها ويفسّقون من خالفها....(1)

فإذا كان هذا مصير الحديث مع كونه مصدراً للعقائد والأُصول فلا محالة تنجم عنه مناهج ومذاهب لا تفترق عن معتقدات اليهودية والنصرانية والمجوسية بكثير. فظهرت بينهم مذاهب التجسيم والتشبيه والرؤية والجبر وقدم كلام اللّه وغيره ممّا سبقهم إليه أهل الكتاب في عهودهم القديمة والحديثة. وما هذا إلاّ لأجل أنّ الأحاديث المروية صارت حجّة في مفادها ودليلاً في مضامينها على إطلاقها من دون نظر في إسنادها، أو دقة في معانيها، ومن دون عرضها على الكتاب والعقل.

فإذا كان الحديث بهذا المعنى مصدراً للأُصول والعقائد، فلا محالة تكون العقيدة الإسلامية أسيرة ما حدث عنه أصحاب الحديث في القرون الثلاثة الأُولى، فيوجد فيها ما أوعزنا إليه من مسألة التجسيم وأخواتها.

إنّ التجسيم والتشبيه والجبر وخلق الأعمال، التي ابتلي بها المسلمون في القرون الأُولى، وبقيت آثارها إلى العصور الأخيرة، كلّها من نتائج غفلة عدّة من المحدّثين وتقصيرهم في هذا المجال. فرووا مناكير الروايات، واغتروا بها، وبالتالي تورطوا في جهالات متراكمة، وظلمات متكاثفة، نأتي بأسماء عدّة من هؤلاء وآثارهم الباقية، وإلاّفالمحدّثون المشبهون أكثر من هؤلاء بكثير، إلاّأنّ الدهر أكل على آثارهم وشرب:

1. عثمان بن سعيد بن خالد بن سعيد التميمي الدارمي السجستاني، صاحب المسند، ولد قبل المائتين بيسير، وتوفي عام 280هـ، له كتاب


1 . من كلام السيد رشيد رضا تلميذ الإمام عبده، لاحظ الأضواء:ص 23.


(131)

«النقض»، يقول فيه: «اتّفق المسلمون على أنّ اللّه تعالى فوق عرشه و سماواته».

و لمّا كان الذهبي، شديد الميل إلى الحنابلة، كثير الازدراء بأهل التنزيه، أخذته العصبية فحاول إصلاح عبارته، فقال: أوضح شيء في هذا الباب قول اللّه عزّ وجلّ:(الرَّحمن عَلى العَرْش اسْتَوى)(1) فليُمَرْ كما جاء، كما هو معلوم من مذهب السلف، وينهى الشخص عن المراقبة والجدال وتأويلات المعتزلة.(2)

يلاحظ عليه: أنّ كتاب اللّه ليس كتاب لغز، بل هو كتاب هداية، فما معنى إثبات شيء للّه تعالى وإمراره عليه، من دون التعرف على مفهومه ومعناه، وما أحسن قول تلميذه تاج الدين عبد الوهاب السبكي (728ـ 778هـ) في طبقات الشافعية الكبرى في حقّه: «إنّ الذهبي غلب عليه مذهب الإثبات ومنافرة التأويل والغفلة عن التنزيه، حتى أثر ذلك في طبعه انحرافاً شديداً عن أهل التنزيه، وميلاً قوياً إلى أهل الإثبات، فإذا ترجم لواحد من أهل الإثبات، يطنب في وصفه بجميع ما قيل فيه من المحاسن ويبالغ في حقّه، ويتغافل عن غلطاته، ويتأوّل له ما أمكن; وأمّا إذا ترجم أحداً من الطرف الآخر، كإمام الحرمين، والغزالي ونحوهما، لا يبالغ في وصفه، ويكثر في قول من طعن فيه، ويعيد ذلك، ويبديه، ويعتقده ديناً، وهو لا يشعر، ويعرض عن محاسنهم الطافحة، فلا يستوعبها، فإذا ظفر لأحد منهم بغلطة ذكرها، وكذلك فعله في أهل عصرنا، إذا لم يقدر على أحد منهم بتصريح يقول في ترجمته: «واللّه يصلحه»، وسببه المخالفة في العقائد.(3)

2. خشيش بن أصرم، مصنف كتاب «الاستقامة» يعرّفه الذهبي بأنّه يرد فيه على أهل البدع(4)، ويريد منه أهل التنزيه الذين لا يثبتون للّه سبحانه


1 . طه:5.
2 . سير أعلام النبلاء:13/325.
3 . طبقات الشافعية الكبرى:2/13.
4 . تذكرة الحفاظ:2/551.


(132)

خصائص الموجود الإمكاني، وينزّهونه عن الجسم والجسمانيات. توفّي في شهر رمضان سنة 253هـ.(1)

3. أحمد بن محمد بن الأزهر بن حريث السجستاني السجزي. نقل الذهبي في «ميزان الاعتدال» عن السلمي قال: سألت الدارقطني عن الأزهري، فقال هو أحمد بن محمد بن الأزهر بن حريث، سجستاني، منكر الحديث، لكن بلغني أنّ ابن خزيمة حسن الرأي فيه وكفى بهذا فخراً. (2)توفّي سنة 312هـ.(3)

يلاحظ عليه: أنّه كفى بهذا ضعفاً، لأنّ ابن خزيمة هذا رئيس المجسمة والمشبهة، ومنه يعلم حال السجستاني، والجنس إلى الجنس يميل

4. محمد بن إسحاق بن خزيمة. ولد عام 311هـ. وقد ألّف «التوحيد وإثبات صفات الرب»، وكتابه هذا مصدر المشبّهة والمجسّمة في العصور الأخيرة. وقد اهتمت به الحنابلة، وخصوصاً الوهابية، فقاموا بنشره على نطاق وسيع. وسيوافيك بعض أحاديثه.

5. عبد اللّه بن أحمد بن حنبل، (ولد عام 213، وتوفّي عام 290، يروي أحاديث أبيه (الإمام أحمد بن حنبل). وكتابه «السنّة» المطبوع لأوّل مرة بالمطبعة السلفية ومكتبتهاعام 1349هـ، مشحون بروايات التجسيم والتشبيه، يروي فيه ضحك الرب، وتكلّمه، وأصبعه، ويده، ورجله، وذراعيه، وصدره، وغير ذلك ممّا سيمر عليك بعضه.

وهذه الكتب الحديثية الطافحة بالإسرائيليات والمسيحيات جرّت الويل على الأُمّة وخدع بها المغفلون من الحنابلة والحشوية وهم يظنون أنّهم يحسنون صنعاً.


1 . سير أعلام النبلاء:2/250ـ 251.
2 . ميزان الاعتدال:1/132.
3 . سير أعلام النبلاء:14/396.


(133)

ولأجل أن يقف القارئ على بعض ما في هذه الكتب من الأحاديث المزورة التي تخالف الذكر الحكيم وتناقض العقل والفطرة، نأتي بنماذج مما ورد في الكتابين التاليين:

1.« السنّة» لأحمد بن حنبل الذي رواه عنه ابنه عبداللّه.

2. التوحيد لابن خزيمة.

وهؤلاء وإن كانوا يتلون قوله سبحانه:(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء) ولكنّهم يروون أحاديث تثبت للربّ سبحانه آلاف الأمثال و الأشباه.

نعم، يقول ابن خزيمة: إنّا نثبت للّه ما أثبته اللّه لنفسه ونقر بذلك بألسنتنا ونصدق بذلك بقلوبنا من غير أن نشبه وجه خالقنا بوجه أحد المخلوقين، وعز ربّنا عن أن نشبهه بالمخلوقين.(1)

لكن هذه ا لعبارة اتخذها واجهة لتبرير نقل الروايات الصريحة في التجسيم والجهة، ولا تتحمل تلك الروايات هذا التأويل الذي لهج به ابن خزيمة وأبناء جلدته.

و هذا كتاب السنة لإمام الحنابلة وقد رواه عنه ابنه تجد فيه أحاديث تعرب عن أنّ للّه سبحانه ضحكاً وأصبعاً ويداً وذراعين ووجهاً، التي يتبادر منها البدع اليهودية والمسيحية.

و ما نذكره هنا إنّما هو نماذج ممّا ورد في الكتابين المذكورين، والسابر فيهما يجد أضعاف أمثاله، وأكثر هذه الأحاديث قد أخرجت في الصحاح والسنن.

إنّ كتاب «التوحيد» لابن خزيمة قد وقع مورد القبول عند أهل الحديث والحنابلة، كيف، وقد جمع الأحاديث من هنا وهناك وحشاها في كتابه من غير فحص ولا تنقيب، وهذه كانت المنية الكبرى للحنابلة في تلك العصور. ولأجل ذلك صار الكتاب يقرأ على العلماء والفضلاء حتى يتخذوه ميزاناً لتمييز الحقّ عن الباطل، ولا يتخلف أحد عن الاعتراف بما جاء فيه.


1 . التوحيد لابن خزيمة: 11.


(134)

قال ابن كثير في حوادث سنة 460هـ: وفي يوم النصف من جمادى الآخرة قرأ«الاعتقاد القادري» الذي فيه مذهب أهل السنّة و الإنكار على أهل البدع. وقرأ أبو مسلم الكجي البخاري المحدّث كتاب «التوحيد»لابن خزيمة على الجماعة الحاضرين، وذكر بمحضر من الوزير ابن جهير وجماعة الفقهاء وأهل الكلام،واعترفوا بالموافقة.(1)

هذا، وبمرور الزمن وعلى أثر تفتح العقول أفلت شمس كتاب التوحيد وشطب المفكّرون من الأشاعرة على ما فيه.

يقول الرازي في هذا الصدد عند تفسير قوله سبحانه (ليس كمثله شيء) : «واعلم أنّ محمد بن إسحاق بن خزيمة أورد استدلال أصحابنا بهذه الآية في الكتاب الذي سمّاه بـ«التوحيد» وهو في الحقيقة كتاب الشرك، واعترض عليها. وأنا أذكر حاصل كلامه بعد حذف التطويلات، لأنّه كان رجلاً مضطرب الكلام، قليل الفهم، ناقص العقل.(2)

هذا، ولو أنّ الرازي وقف على ما في تعاليم الأشاعرة من الجبر الملتوي في مقابل الجبر الصريح كما سيبين، والتجسيم والتشبيه الخفيين، لما اتخذ المذهب الأشعري ـ الذي هو أحد وجهي العملةوالوجه الآخر هو عقيدة أهل الحديث ـ لنفسه شعاراً، ولما حماهم بحماس.

يقول الدكتور أحمد أمين: وفي رأيي لو سادت تعاليم المعتزلة إلى اليوم لكان للمسلمين موقف آخر في التاريخ غير موقفهم الحالي وقد أعجزهم التسليم وشلّهم الجبر،وقعد بهم التواكل.(3)

والصحيح أن يقال: لو سادتهم الحرية في البحث والاستماع واتّباع الأحسن لكان موقفهم غير هذا.


1 . البداية والنهاية:12/96.
2 . تفسير الإمام الرازي:27/150.
3 . ضحى الإسلام:3/70.


(135)

في أنّ اللّه يضحك

1. روى ابن حنبل: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حماد بن سلمة، عن يعلى ابن عطاء، عن وكيع بن حدس، عن عمّه أبي رزين قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : ضحك ربّنا من قنوط عباده وقرب غيره قال: قلت: يا رسول اللّه أو يضحك الرب؟ قال: نعم. قلت: لن نعدم من ربّ يضحك خيراً.(1)

رواه ابن خزيمة لكن بدل قوله نعم، قال: إي والذي نفسي بيده إنّه ليضحك.(2)

2. روى عبد اللّه بن أحمد بن حنبل، عن إسماعيل بن أبي معمر، حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : ضحك ربّنا من رجلين يقتل أحدهما صاحبه ثمّ يصيران إلى الجنة.(3)

ورواه ابن خزيمة بأسانيد مختلفة.(4)

3. وجاء في خبر طويل رواه عن إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة الحراني أبو أحمد قال: أملاه علينا إملاء في دار كعب: قال حدّثني محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحمن خالد بن أبي يزيد، حدّثني زيد بن أبي أنيسة، عن المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة بن عبد اللّه، عن مسروق بن الأجدع، حدثنا عبد اللّه بن مسعود، عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: ... فيقول اللّه له ـ أي لمن أدخله الجنة ثمّ لم يزل يطلب منزلة أرفع من أُخرى ـ : لن ترضى أن أعطيك مثل الدنيا مذ يوم خلقتها إلى يوم أفنيتها وعشرة أضعافها؟ فيقول: أتستهزئ بي وأنت ربّ العالمين؟!


1 . السنّة لعبد اللّه بن حنبل:54.
2 . التوحيد وإثبات صفات الرب:235.
3 . السنّة:166.
4 . التوحيد:234.


(136)

قال: فضحك الرب من قوله. قال: فرأيت ابن مسعود إذا بلغ هذا المكان من هذا الحديث ضحك، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن قد سمعتك تحدّث هذا الحديث مراراً كلّما بلغت هذا المكان من هذا الحديث ضحكت. فقال ابن مسعود: إنّي سمعت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يحدث بهذا الحديث مراراً، كلما بلغ هذا المكان من هذا الحديث ضحك حتى تبدو آخر أضراسه. الحديث.(1)

ورواه ابن خزيمة عن ابن مسعود(2) وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي.

4. وروى ابن خزيمة بأسانيد متعددة عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «يتجلّى لنا ربّنا عزّ وجلّ يوم القيامة ضاحكاً».(3)

قال ابن خزيمة في«باب ذكر إثبات ضحك ربّنا عزّ وجلّ»: بلا صفة تصف ضحكه ـ جلّ ثناؤه ـ لا ولا يشبه ضحكه بضحك المخلوقين وضحكهم كذلك. بل نؤمن بأنّه يضحك كما أعلم النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ونسكت عن صفة ضحكه جلّ وعلا، إذ اللّه عزّوجلّ استأثر بصفة ضحكه لم يطلعنا على ذلك، فنحن قائلون بما قال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مصدقون بذلك بقلوبنا، منصتون عمّا لم يبيّن لنا، ممّا استأثر اللّه تعالى بعلمه.(4)

وقد عرفت ما في تأويله من الوهن وأنّ هذه الأحاديث لو صحت لوجب حملها على ظواهرها من الضحك الملازم لبدو الأسنان والفم، والقول بأنّه يضحك ولا نعلم حقيقته، تأويل سخيف، بل الأمر دائر بين القبول تماماً أو الردّ كذلك.


1 . السنّة:206ـ 208.
2 . التوحيد:231.
3 . التوحيد:236.
4 . التوحيد:230ـ 231.


(137)

في أنّ للّه يداً

1. قال عبد اللّه بن أحمد بن حنبل: قرأت على أبي إبراهيم بن الحكم بن أبان، حدّثني أبي، عن عكرمة قال: إنّ اللّه لم يمس بيده شيئاً إلاّثلاثاً:خلق آدم بيده،وغرس الجنة بيده، وكتب التوراة بيده.(1)

2. وقال: قرأت على أبي، حدّثنا إسحاق بن سليمان، حدّثنا أبو الجنيد ـ شيخ كان عندنا ـ عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير: أنّهم يقولون إنّ الألواح من ياقوتة لا أدري قال حمراء أو لا ؟وأنا أقول: سعيد بن جبير يقول: إنّها كانت من زمردة وكتابتها الذهب، وكتبها الرحمن بيده، ويسمع أهل السماوات صرير القلم.(2)

3. وقال: حدّثني أبي، حدّثنا يزيد بن هارون، أنا الجرير، عن أبي عطاف قال: كتب اللّه التوراة لموسى بيده وهو مسند ظهره إلى الصخرة في الألواح من در، يسمع صريف القلم، ليس بينه و بينه إلاّ الحجاب.(3)

4. وقد أفرد ابن خزيمة لإثبات اليد للّه صفحات كثيرة وممّا رواه عن أبي هريرة، عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: لمّا خلق اللّه الخلق كتب كتاباً وجعله تحت العرش: إنّ رحمتي تغلب غضبي.(4)

5. ومنها عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال:«إنّ اللّه يفتح أبواب السماء في ثلث الليل فيبسط يديه فيقول: ألا عبد يسألني فأعطه».(5)

6. ومنها: عن أبي هريرة، عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «ما تصدّق أحد بصدقة من طيب ـ و لا يقبل اللّه إلاّالطيب ـ إلاّ أخذها اللّه


1 . السنّة:209.
2 . السنّة:76.
3 . السنّة:76.
4 . التوحيد:58.
5 . التوحيد:58، وروى ابن خزيمة أحاديث كثيرة جداً في نزول اللّه إلى السماء الدنيا كل ليلة: 125ـ 136 ووصفها بأنّها أخبار ثابتة السند صحيحة القوام.


(138)

بيمينه، وإن كانت مثل تمرة، فتربو له من كف الرحمن».الحديث.(1)

في أنّ للّه عينين

استدلّ ابن خزيمة بما ورد من أنّ اللّه بصير، على أنّ له عينين، قال: نحن نقول: لربنا الخالق عينان يبصر بهما ما تحت الثرى وتحت الأرض السابعة السفلى وما في السماوات العلى وما بينهما من صغير وكبير... إلى أن قال: كما يرى عرشه الذي هو مستو عليه. وبنو آدم وإن كانت لهم عيون يبصرون بها فإنّهم إنّما يرون ما قرب من أبصارهم ممّا لا حجب ولا ستر بين المرئي وبين أبصارهم... واستطرد في ذكر نواقص عيون بني آدم ثمّ قال: فما الذي يشبه ـ يا ذوي الحجا ـ عين اللّه الموصوفة بما ذكرنا، عيون بني آدم التي وصفناها بعد.(2)

في أنّ للّه أصبعاً

1. روى عبد اللّه بن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبي يقول: حدّثنا يحيى بن سعيد بحديث سفيان، عن الأعمش ومنصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد اللّه، عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : إنّ اللّه يمسك السماوات على أصبع. قال أبي: وجعل يحيى يشير بأصابعه، وأراني كيف جعل يحيى يشير بأصابعه يضع أصبعاً أصبعاً حتى أتى على آخرها.(3)

2. أمّا حديث سفيان المشار إليه فهو ما رواه بإسناده عن عبد اللّه: أنّ يهودياً أتى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال: يا محمّد إنّ اللّه يمسك السماوات على أصبع والأرضين على أصبع والثرى على أصبع والجبال على أصبع والخلائق على أصبع ثمّ يقول: أنّا الملك. فضحك رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حتى بدت نواجذه. ثمّ قال: «وما قدروا اللّه حقّ قدره».


1 . التوحيد: 61.
2 . التوحيد: 50ـ 51.
3 . السنّة: 63.


(139)

ثمّ أضاف عبد اللّه بن أحمد: قال أبي، قال يحيى، قال فضيل بن عياض، فضحك رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ تعجباً وتصديقاً له.

وروي هذا الخبر وما في معناه بأسانيد مختلفة عن ابن مسعود تارة، وعن ابن عباس أُخرى.(1)

3. وقال حدّثني أحمد بن إبراهيم سمعت وكيعاً يقول: نسلم هذه الأحاديث كما جاءت ولا نقول كيف كذا، ولا لم كذا، يعني مثل حديث ابن مسعود«إنّ اللّه يحمل السماوات على أصبع والجبال على أصبع وحديث أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن» ونحوها من الأحاديث.(2)

وأورد أخباراً مفادها أنّ اللّه تعالى حيث تجلّى للجبل فجعله دكاً إنّما تجلّى بأصبعه، ضربه على رأس الجبل فاندك.

4. منها: حدّثني محمد بن أبي بكر المقدمي، حدّثنا هريم، حدّثنا محمد بن سواء، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «فلمّا تجلّى ربّه للجبل» قال هكذا،وأشار بطرف الخنصر يحكيه.(3)

5. ومنها ما ذكره ابن خزيمة قال: حدّثنا عبد الوارث بن عبد الصمد، قال حدّثنا حماد بن سلمة، قال: حدّثنا ثابت، عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لمّا تجلّى ربّه للجبل» رفع خنصره وقبض على مفصل منها، فانساخ الجبل، فقال له حميد:أتحدّث بهذا؟! فقال: حدّثنا أنس عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وتقول: لا تحدّث به؟(4)


1 . السنّة: 62ـ 64.
2 . السنّة: 64.
3 . السنّة: 65.
4 . التوحيد: 113.


(140)

في أنّ للّه كلاماً وصوتاً

1. قال عبد اللّه بن أحمد، حدّثني أبو معمر، حدّثنا جرير، عن الأعمش، قال: وحدّثنا ابن نمير وأبو معاوية كلّهم عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عبد اللّه قال: إذا تكلم اللّه بالوحي، سمع أهل السماء صلصلة كصلصلة الحديدة على الصفا .(1)

وأخرج ابن خزيمة أخباراً كثيرة في ذلك.(2)

في أنّ للّه ذراعين وصدراً

1. قال عبد اللّه بن أحمد، حدّثني سريج بن يونس، حدّثنا سليمان بن حيان أبوخالد الأحمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد اللّه بن عمرو قال: ليس شيء أكثر من الملائكة، إنّ اللّه خلق الملائكة من نور، فذكره وأشار سريج بيده إلى صدره، قال: وأشار خالد إلى صدره فيقول: كن ألف ألف ألفين فيكونون.(3)

2. وقال:حدّثني أبي، حدّثنا أبو أُسامة حماد بن أُسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عبد اللّه بن عمرو قال: خلقت الملائكة من نور الذراعين والصدر.(4)

3. وقال:حدّثنيه أبو خيثمة زهر بن حرب، حدّثنا عبيد اللّه بن موسى، حدّثنا شيبان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: إن غلظ جلد الكافر اثنان وسبعون ذراعاً بذراع الجبار وضرسه مثل ذلك.(5)


1 . السنّة: 71.
2 . التوحيد: 145ـ 147.
3 . السنّة: 190.
4 . السنّة: 190.
5 . السنّة: 190.


(141)

في أنّ للّه نفساً

1. قال عبد اللّه بن أحمد، حدّثني أبو معمر، حدّثنا جرير، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ذر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن بزي، عن أبيه، عن أُبي بن كعب قال: لا تسبوا الريح فإنّها من نفس الرحمن.(1)

في أنّ للّه رجلاً

1. قال عبد اللّه بن أحمد بن حنبل، حدّثني عبيد اللّه بن عمر القواريري، حدّثني حرمى بن عمارة، حدّثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «يلقى في النار وتقول هل من مزيد حتى يضع قدمه أو رجله عليها فتقول قط قط».(2)

وبهذا فسروا آية (رَبّنا عَجِّل لَنا قِطَّنا قَبلَ يومِ الحِسَابِ) .(3)

وأخرج ابن خزيمة نحوه، عن أبي هريرة.(4)

2. وروى ابن خزيمة، عن أبي هريرة، عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «وأمّا النار فلا تمتلئ حتى يضع اللّه رجله فيها فتقول قط قط، فهنالك تمتلئ». الحديث.

وهو حديث اختصام الجنة والنار، وأشار إلى أنّه مستفيض(5) والأخبار في وضع اللّه رجله في النار كثيرة جدّاً.

3. روى عبد اللّه بن أحمد في حديث طويل تقدّمت الإشارة إليه في مسألة الضحك، عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «فيتمثل الرب


1 . السنّة: 190.
2 . السنّة: 184.
3 . ص:16.
4 . التوحيد:92.
5 . التوحيد:93ـ 95.


(142)

فيأتيهم، فيقول لهم ما لكم لا تنطلقون كما انطلق الناس؟ فيقولون: إنّ لنا إلهاً(ما رأيناه) فيقول: وهل تعرفونه إن رأيتموه؟ فيقولون: بيننا وبينه علامة إذا رأيناها عرفناه، فيقول: ما هي؟ فيقولون: يكشف عن ساقه، قال: فعند ذاك يكشف اللّه عن ساقه. قال: فيخر كلّ من كان نظره، ويبقى قوم ظهورهم كصياصي البقر يدعون إلى السجود فلا يستطيعون وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون».(1)

وأمّا موضع الرجلين فقد استفاضت الأخبار في أنّه على الكرسي.

4. فمن ذلك ما رواه عبد اللّه بن أحمد، بإسناده عن عمر قال: إذا جلس على الكرسي سمع له أطيط(2) كأطيط الرحل الجديد.(3)

5. وبإسناده إلى ابن عباس قال: الكرسي موضع قدميه، والعرش لا يقدر أحد قدره.(4)

6. وقال: كتب إلى عباس بن عبد العظيم، حدّثنا أبو أحمد الزبيري، حدّثنا إسرائيل، عن ابن إسحاق، عن عبد اللّه بن خليفة قال: جاءت امرأة إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقالت: ادع اللّه أن يدخلني الجنة، قال: فعظم الرب وقال وسع كرسيه السماوات والأرض. إنّه ليقعد عليه فما يفضل منه إلاّقيد أربع أصابع، وإنّ له أطيطاً كأطيط الرحل إذ ركب.(5)

ورواه ابن خزيمة بزيادة«من ثقله» في آخره.(6) وقال المعلّق في ذلك الحديث: «مسألة أطيط العرش به سبحانه كأطيط الرحل وردت في عدة أحاديث، فمن العلماء من ينكر ذلك ويقول: إنّ الأطيط صفة للعرش لا مدخل له في الصفات، كالحافظ الذهبي والحق الذي يجب اتّباعه في ذلك أن نؤمن بما


1 . السنّة: 206.
2 . أي ليصوت باللّه كصوت الرحل ـ و هو كور الناقة ـ بالراكب الثقيل.
3 . السنّة: 79.
4 . السنّة: 79.
5 . السنّة: 80.
6 . التوحيد: 106.


(143)

ورد به النص من غير تشبيه ولا تكييف، وأن نعتقد أنّ ربّنا ليس محمولاً على العرش ولا محتاجاً إليه بل العرش وما تحته كلّه محمول بقدرته.(1)

وذكر في الكتابين أنّ العرش حملته أربعة ملائكة أحدهم على صورة إنسان والثاني على صورة ثور، والثالث على صورة نسر، والرابع على صورة أسد.(2)

وعلّق عليه في الحاشية بأنّ هذا لم يرد في حديث صحيح، ولعلّ الراوي أخذه من كعب الأحبار أو غيره من مسلمة أهل الكتاب.(3)

و مع ذلك ورد في الكتابين وأخرجه ابن حنبل في مسنده(4) بالإسناد إلى عكرمة مولى ابن عباس: أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنشد قول أُمية بن أبي الصلت الثقفي:

رجل وثـور تحـت رجـل يمينـه * والنسر للأُخرى وليث مرصد(5)

ورواه في كتاب السنّة(6) بزيادة: فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : صدق صدق.

في أنّ للّه وجهاً

1. روى عبد اللّه بن أحمد: حدّثني أبي، حدّثنا يحيى بن سعيد، حدّثنا ابن عجلان، حدّثني سعيد، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :


1 . التوحيد: 106، لاحظ التناقض في كلامه، ولاحظ أنّ الأخبار تارة فصلت بين العرش والكرسي فجعلته جالساً على العرش واضعاً قدميه على الكرسي، وأُخرى جعلت جلوسه على الكرسي.
2 . السنّة: 161; التوحيد: 92.
3 . التوحيد: 92.
4 . مسند أحمد:1/256.
5 . التوحيد: 90 مع أبيات أُخر. قالوا: إنّ أُميّة تنصّر في الجاهلية هو وورقة بن نوفل وكان ينشد الأشعار في تمجيد اللّه، ونسبوا إلى الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّه قال في حقّه: آمن شعره وكفر قلبه.
6 . السنّة: 187.


(144)

إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه، ولا يقل قبح اللّه وجهك ووجه من أشبه وجهك، فإنّ اللّه خلق آدم على صورته.(1)

2. وقال حدّثني أبو معمر، حدّثنا جرير، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء، عن ابن عمر قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لا تقبحوا الوجه، فإنّ اللّه خلق آدم على صورة الرحمن».(2)

3. نقل ابن خزيمة أخباراً كثيرة في ذلك(3)، ثمّ قال: هذا باب طويل لو استخرج في هذا الكتاب أخبار النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ التي فيها ذكر وجه ربّنا عزّوجلّ لطال الكتاب، وقد خرجنا كلّ صنف من هذه الأخبار في مواضعها في كتب مصنّفة(4) ثمّ استطرد في كلام طويل محاولاً من جهة إثبات ما تقدّم للّه تعالى ومن جهة أُخرى نفي التشبيه.(5)

في أنّ اللّه يُرى

لقد تضافرت الأخبار في الكتابين على أنّ اللّه يُرى يوم القيامة كالبدر المنير. وأنّه تعالى لا يُرى في الدنيا، غير أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ رآه عندما عرج به إلى السماء(6)، ونحن نكتفي بهذين الخبرين.

1. روى ابن خزيمة، عن معاذ بن هشام، قال: حدّثني أبي، عن قتادة، عن أبي قلابة، عن خالد بن اللجلاج، عن عبد اللّه بن عباس: أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «رأيت ربي في أحسن صورة، فقال: يا محمد! قلت: لبيك وسعديك، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: يا


1 . السنّة : 169 ورواه أيضاً بسند آخر في ص 64.
2 . السنّة: 64.
3 . التوحيد: 10ـ 18.
4 . التوحيد: 18.
5 . التوحيد: 21ـ 24.
6 . راجع التوحيد: 167ـ 230.


(145)

رب لا أدري. قال: فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي فعلمت ما بين المشرق والمغرب». الحديث(1). وقد رواه بأسانيد وطرق مختلفة.

2. وقال: حدّثنا محمد بن عيسى، قال: حدّثنا سلمة بن الفضل، قال; حدّثني محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الحرث بن عبد اللّه بن عياش بن أبي ربيعة، عن عبد اللّه بن أبي سلمة، أنّ عبد اللّه بن عمر بن الخطاب بعث إلى عبد اللّه بن عباس يسأله: هل رأى محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ربّه؟ فأرسل إليه عبد اللّه بن عباس أن نعم. فرد عليه عبد اللّه بن عمر رسوله أن كيف رآه؟ قال: فأرسل أنّه رآه في روضة خضراء دونه فراش من ذهب على كرسي من ذهب يحمله أربعة من الملائكة: ملك في صورة رجل، وملك في صورة ثور، وملك في صورة نسر، وملك في صورة أسد.(2)

ونختم المقال بما ذكره ابن خزيمة قال: إنّا لا نصف معبودنا إلاّبما وصف به نفسه، إمّا في كتاب اللّه أو على لسان نبيه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بنقل العدل موصولاً إليه، لا نحتج بالمراسيل ولا بالأخبار الواهية ولا نحتج أيضاً في صفات معبودنا بالآراء والمقاييس.(3)

في الجبر والقدر

روى عبد اللّه بن أحمد، عن أبيه أحمد بن حنبل، في كتاب «السنّة» الروايات التالية:

1. روى عبد اللّه بن أحمد قال: حدّثني أبي، حدّثنا زيد بن يحيى الدمشقي، حدّثنا خالد بن صبيح المري، حدّثنا إسماعيل بن عبيد اللّه أنّه سمع أُم الدرداء تحدّث عن أبي الدرداء، أنّه قال: سمعت النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول: «فرغ اللّه إلى كلّ عبد من خمس: من أجله ورزقه وأثره،


1 . التوحيد: 217.
2 . التوحيد: 198.
3 . التوحيد: 59.


(146)

وشقي أم سعيد».(1)

2. حدّثني أبي، حدّثنا هشيم، حدّثنا علي بن زيد، سمعت أبا عبيدة بن عبد اللّه يحدّث قال: قال عبد اللّه: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «إنّ النطفة تكون في الرحم أربعين يوماً على حالها لا تغير، فإذا مضت الأربعون صار علقة ومضغة كذلك، ثمّ عظاماً كذلك، فإذا أراد اللّه أن يسوي خلقه بعث إليها ملكاً فيقول الملك الذي يليه: أي رب أذكر أم أُنثى؟، أشقي أم سعيد؟ قصير أم طويل؟ أناقص أم زائد، قوته وأجله؟، أصحيح أم سقيم؟، قال: فيكتب ذلك كلّه. فقال رجل من القوم: فيم العمل إذاً وقد فرغ من هذا كلّه؟ فقال: اعملوا فكلّ سيؤخذ لما خلق له».(2)

3. حدّثني أبي، حدّثنا بهز بن أسد، حدّثنا بشر بن المفضل، حدّثنا داود، عن أبي نضرة، عن أسير بن جابر، قال: طلبت علياً في منزله فلم أجده، فنظرت فإذا هو في ناحية المسجد. قال: فقلت له: كأنّه خوفه قال: فقال: إيه ليس أحد إلاّ ومعه ملك يدفع عنه ما لم ينزل القدر فإذا نزل القدر لم يغن شيئاً.(3)

4. حدّثني أبي، حدّثنا معاذ بن معاذ، حدّثنا ابن عون، قال: حدّث رجل محمّداً عن رجلين اختصما في القدر فقال أحدهما لصاحبه: أرأيت الزنى بقدر هو؟ قال الآخر: نعم، قال محمد: آي وافق رجل حياً.(4)

5. حدّثني أبي، قال عبد اللّه بن الحارث المخزومي، حدّثنا شبل بن عباد ـ مولى لعبد اللّه بن عامر ـ ، عن ابن نجيح، عن مجاهد قول اللّه: (إِنّي )


1 . السنّة: 125.
2 . السنّة: 126.
3 . السنّة: 132.
4 . السنّة: 134ـ 135.


(147)

أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُون) (1) قال: علم من إبليس المعصية وخلقه لها.(2)

6.حدّثني أبي، حدّثنا عصام بن خالد الحضرمي، حدّثنا العطاف بن خلد، عن شيخ من أهل البصرة، حدّثني طلحة بن عبد اللّه بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، حدّثني أبي، عن جدّي أنّه قال لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : يا رسول اللّه: العمل على ما فرغ منه أو على أمر مؤتنف؟ قال: بل على أمر قد فرغ منه. قال: قلت: يا رسول اللّه ففيم العمل؟ قال: «إنّ كلاً ميسر لما خلق له».(3)

7. حدّثني أبي، حدّثنا وكيع، حدّثنا ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: (يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ ويُثبِت)(4) قال: إلاّ الشقاء والسعادة والحياة والموت.(5)

8. حدّثني أبي، حدّثنا إسحاق بن عيسى، أخبرني مالك، عن زياد بن سعد، عن عمرو بن مسلم، عن طاووس اليماني، قال: «أدركت ناساً من أصحاب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقولون كلّ شيء بقدر، قال: وسمعت عبد اللّه بن عمر يقول: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «كلّ شيء بقدر حتى العجز والكيس».(6)

9. حدّثني أبي، حدّثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن سعيد بن حيّان، عن يحيى بن يعمر، قال: «قلت لابن عمر: إنّ ناساً عندنا يقولون: الخير والشر بقدر، وناس عندنا يقولون: الخير بقدر والشر ليس بقدر. فقال ابن عمر: إذا رجعت إليهم فقل لهم: إنّ ابن عمر يقول إنّه منكم بريء وأنتم منه براء.(7)


1 . البقرة:30.
2 . السنّة:134ـ 135.
3 . السنّة:134ـ 135.
4 . الرعد:39.
5 . السنّة:134ـ 135.
6 . السنّة: 139.
7 . السنّة: 141.


(148)

10. حدّثني أبي، حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدّثنا سفيان، عن عمرو ابن محمد، قال: كنت عند سالم بن عبد اللّه فجاءه رجل فقال: الزنى بقدر؟ فقال: نعم. قال: كتبه علي؟! قال: نعم، قال: كتبه علي؟ قال: نعم .ويعذبني عليه؟ قال: فأخذ له الحصا.(1)

11. حدّثني أبي، حدّثنا عبد الرزاق، أنا معمر، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطأة: أما بعد، فإن استعمالك سعد بن مسعود على عمان كان من الخطايا التي قدر اللّه عليك، وقدر أن تبتلى بها.(2)

12. حدّثني أبي، حدّثنا وكيع، حدّثنا العلاء بن عبد الكريم سمعت مجاهداً يقول:(لَهُمْ أَعمال مِنْ دُون ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ) قال: أعمال لابدّ لهم من أن يعملوها.(3)

13. حدّثني أبي، حدّثنا وكيع، وابن بشر قالا: حدّثنا إسماعيل بن أبي خالد،عن أبي صالح:(ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَة فَمِن اللّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئة فَمِنْ نَفْسِك) (4) وأنا قدرتها عليك.(5)

14. حدّثني أبي، حدّثنا عبد الصمد، حدّثنا حماد، حدّثنا حميد، قال قدم الحسن مكة، فقال لي فقهاء مكة: الحسن بن مسلم وعبد اللّه بن عبيد لو كلمت الحسن فأخلأنا يوماً، فكلّمت الحسن فقلت: يا أبا سعيد إخوانك يحبون أن تجلس لهم يوماً، قال: نعم ونعمة عين، فواعدهم يوماً فجاءوا فاجتمعوا وتكلّم الحسن وما رأيته قبل ذلك اليوم ولا بعده أبلغ منه ذلك اليوم، فسألوه عن صحيفة طويلة فلم يخطئ فيها شيئاً إلاّ في مسألة. فقال له رجل: يا أبا سعيد من خلق الشيطان؟ قال: سبحان اللّه، سبحان اللّه، وهل من خالق غير اللّه! ثمّ قال: إنّ اللّه خلق الشيطان وخلق الشر وخلق الخير، فقال


1 . السنّة:143.
2 . السنّة: 143ـ 144.
3 . السنّة: 143ـ 144.
4 . النساء:79.
5 . السنّة: 144.


(149)

رجل منهم: قاتلهم اللّه يكذبون على الشيخ.(1)

15. حدّثني أبي، حدّثنا إسماعيل ـ يعني ابن علية ـ ، حدّثنا خالد الحذّاء قال: قلت للحسن: أرأيت آدم، أللجنة خلق أم للأرض؟ قال: للأرض. قال: قلت: أرأيت لو اعتصم؟ قال: لم يكن بدّمن أن يأتي على الخطيئة.(2)

التدرّع باللا كيفية

إنّ دلالة الأحاديث المتقدّمة على التشبيه والتجسيم ممّا لا كلام فيه غير أنّ جماعة منهم ـ لأجل الفرار عنهما ـ يتدرعون بلفظة «بلا كيف ولا تشبيه» أو غيرهما من العبارات المشابهة. فيقولون تارة: إنّ للّه يداً ورجلاً ووجهاً وقدماً بلا كيف ولا تشبيه، وأُخرى: إنّ للّه يداً لا كالأيدي، ووجهاً لا كالوجوه، وقدماً لا كالأقدام، وثالثة: إنّ له يداً تناسب ذاته وهكذا سائر الأعضاء.

يقول الإمام الخطابي:وليست اليد عندنا الجارحة وإنّما هي صفة جاء بها التوقيف، فنحن نطلقها على ما جاء ولا نكيّفها وهذا مذهب أهل السنّة والجماعة.(3)

ويقول ابن عبد البر: أهل السنّة مجمعون على الإقرار بهذه الصفات الواردة في الكتاب والسنّة ولم يكيفوا شيئاً فيها.(4)

إلى غير ذلك من الكلمات التي اتخذتها الأشاعرة وقبلهم بعض الحنابلة درعاً يتقون به عار التشبيه والتمثيل. وسيوافيك عند البحث عن عقائد الأشاعرة أنّ هذه الألفاظ لا تفيد شيئاً، وإليك إجمال ذلك:


1 . السنّة: 144.
2 . السنّة: 145.
3 . فتح الباري:13/417.
4 . فتح الباري:13/407.


(150)

أوّلاً: إذا كان المصدر للاعتقاد بأنّ للّه سبحانه أعضاء هي هذه الأحاديث ـ أو بعض الآيات على ما زعموا ـ فليس فيها شيء يدل على هذه الكلمة: «بلا كيف»، بل هي إضافة منهم بلا دليل. فليس لأهل الحديث الذين يفرون من التأويل، وحتى يسمّون الحمل على المجاز والكناية تأويلاً ، إلاّ الأخذ بحرفية هذه الأحاديث بتمامها، لا التصرف فيها.

وثانياً: إنّ اليد وأضرابها، موضوعة حسب اللغة للأعضاء المحسوسة التي يعرفها كلّ من عرف اللغة، فإجراء هذه الصفات عليه سبحانه يمكن بإحدى صورتين:

1. أن يجري عليه بما هو المتبادر عند أهل اللغة بلا تصرف فيه. وهذا ما عليه المشبّهة والمجسّمة.

2. أن يجري عليه بما أنّها كناية عن معان كالبخل في قول اليهود (يَدُ اللّهِ مَغْلُولة) (1)والإحسان والجود في قوله سبحانه: (بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتان) (2) وهذا ما عليه أهل التنزيه، وليس ذلك تأويلاً للقرآن أبداً ولا اتّباعاً لخلاف الظاهر، إذ لهذه الألفاظ عند الإفراد ظهور تصوّري ويراد منها الأعضاء، وعند التركيب مع سائرها والوقوع في طي الجمل ظهور آخر، فربما يتّحد الظهوران، مثل قولك لولدك:اغسل يدك قبل الغذاء. وربما يختلفان كما في الجملتين المتقدّمتين، وليس هنا وجه ثالث حتى يتدرّع به أهل الحديث والحنابلة، دعاة التنزيه لفظاً لا معنى. وما يتفوّه به هؤلاء من أنّ للّه يداً لا كالأيدي، فإن رجع إلى أحد هذين المعنيين فنعم الوفاق إمّا مع أهل التشبيه أو مع أهل التنزيه، وإلاّفيكون أشبه بلقلقة اللسان.

وباختصار: إنّ القائل بأنّ له يداً لا يخلو في إجراءاللفظ عليه سبحانه أن يريد أحد وجهين: إمّا أن يريد المعنى الحقيقي وهو العضو المحسوس فيكون مجسّماً ومشبّهاً، أو يريد المعنى المجازي وهو البخل أو الجود فيكون مؤوّلاً، وهو


1 . المائدة:64.
2 . المائدة:64.


(151)

يتحرز عن كلتا الطائفتين، فليس هنا وجه ثالث يلتجئ إليه أهل الحديث والحنابلة والأشاعرة.

فظهر أنّ قولهم بأنّ للّه يداً كالأيدي، لا مفاد صحيح له.

وبعبارة ثالثة: إنّ لفظة اليد إمّا مشترك معنوي يطلق على جميع مصاديقه وأفراده من الواجب والممكن بوضع ومعنى واحد. أو مشترك لفظي يجري على كلّ من الواجب والممكن بمعنى ووضع خاص.

فعلى الأوّل يجب أن يكون بين يد الإنسان ويد الواجب وجه مشترك وهو عين القول بالتشبيه.

وعلى الثاني يجب أن يكون المعنى الذي يجري على الإنسان مبائناً لما يجري على اللّه سبحانه فهل هو البخل والجود؟ فهذا هو التأويل بزعمكم، أو غيرهما فبيّنوه لنا ما هو؟

الصحاح والمسانيد ومسألة التشبيه والتجسيم

ربما يتصوّر القارئ أنّ أمثال كتاب «السنّة» لابن حنبل وكتاب «التوحيد» لابن خزيمة، تشتمل على أحاديث التشبيه والتجسيم، وأمّا الصحاح فهي خالية عن هذه الأساطير. ولكنّه إذا سبرها سرعان ما يرجع عن هذه الفكرة ويرى أنّ الصحاح كلّها وعلى رأسها الصحيحان قد زخرت بها، حتّى مع غض النظر عن رؤية اللّه بهذه العيون المادية على ما رووا عن رسول اللّه من أنّه قال: «إنّكم ترون ربّكم عياناً كما ترون هذا القمر» فالصحاح أيضاً تزخر بأحاديث التشبيه والتجسيم والجبر وما أشبه ذلك التي ورثها الرواة المسلمون من اليهود المجسمة والمجبرة... وإليك نماذج من ذلك:

1. إنّ للّه مكاناً

قد احتل تحيّزاللّه سبحانه بمكان معين في الصحاح مكانة عظيمة فتارة ترى أنّ مكانه حيال المصلّي وأمام وجهه، وأُخرى بأنّه فوق العرش وهو يئط


(152)

تحته أطيط الرحل بالراكب، وثالثة بين السحب الكثيفة، وإليك بعض ما روي في ذلك المجال:

1. روى عبد اللّه بن عمر أنّ رسول اللّه رأى بصاقاً في جدار القبلة فحكه بيده ثمّ أقبل على الناس فقال: «إذا كان أحدكم يصلي لا يبصق قبل وجهه فإنّ اللّه قبل وجهه إذا صلّى».(1)

2. روى جبير بن محمد عن جدّه قال: أتى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أعرابي فقال: يا رسول اللّه جهدت الأنفس، وضاعت العيال ونهكت الأموال وهلكت الأنعام فاستسق اللّه لنا، فإنّا نستشفع بك على اللّه ونستشفع باللّه عليك.

قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : ويحك أتدري ما تقول؟ وسبح رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فمازال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثمّ قال: ويحك إنّه لا يستشفع باللّه على أحد من خلقه، شأن اللّه أعظم من ذلك، ويحك أتدري ما اللّه: إنّ عرشه على سماواته لهكذا، وقال بأصابعه مثل القبة عليه وإنّه ليئط به أطيط الرحل بالراكب.

قال ابن بشار: إنّ اللّه فوق عرشه وعرشه فوق سماواته.(2)

3. روى أبو رزين قال: قلت: يا رسول اللّه أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: «كان في عماء، ما تحته هواء و ما فوقه هواء و ماء ثمّ خلق عرشه على الماء».(3)

قال ابن منظور: العماء(ممدودة): السحاب المرتفع وقيل الكثيف. قال أبو زيد هو شبه الدخان يركب رؤوس الجبال وقال ابن سيده: العماء: الغيم الكثيف الممطر.


1 . صحيح البخاري:1، كتا ب الصلاة باب «حك البزاق باليد في المسجد» ولاحظ أيضاً كتاب الصلاة باب «هل يلتفت لأمر ينزل» و صحيح مسلم:2، باب «النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة».
2 . سنن أبي داود:4/232، رقم الحديث4726، باب في الجهمية.
3 . سنن ابن ماجة:1/78، باب فيما أنكرت الجهمية.


(153)

وعلى هذه الأحاديث نسجت عقيدة أهل الحديث والسلفية، وقال ابن تيمية محيي طريقتهم في القرن الثامن بعد اندراسها:

إنّه سبحانه فوق سماواته على عرشه، علي على خلقه.(1)

إنّ هذه الروايات ونظائرها التي اكتفينا بالقليل منها أوجدت حجاباً غليظاً أمام الحقائق، فلم يقدر أحد حتى المتحرّرون من أهل السنّة كالشيخ محمّد عبده وأتباع منهجه وتلامذة مدرسته على رفض تلك النصوص المخالفة للعقل الذي به عرف سبحانه وصدق نبيّه وإعجاز كتابه. حتى التجأ الإمام أحمد ـ لأجل هذه الأحاديث ـ إلى تأويل الآيات الدالّة على كونه سبحانه محيطاً بالعالم كلّه، أعني قوله سبحانه: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ) (2) وقال: إنّ المراد هو إحاطة علمه سبحانه لا معيته وجوداً.(3)

نزوله سبحانه إلى السماء الدنيا

لم يقتنع أصحاب الحديث بما وصفوا به سبحانه من نسبة التحيز والمكان إليه حتى أثبتوا له الهبوط إلى السماء الدنيا. روى أبو هريرة أنّ رسول اللّه قال: «ينزل ربنا تبارك وتعالى كلّ ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فاستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فاغفر له؟».(4)

بل لم يقتنعوا بهذا وأثبتوا له الضحك. وهذا البخاري روى في حديث: فلمّا أصبح غدا إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال: ضحك اللّه الليلة أو عجب من فعالكما.(5)


1 . مجموعة الرسائل الكبرى لابن تيمية، والعقيدة الواسطية ص 401.
2 . الحديد:4.
3 . السنّة: 36 .
4 . صحيح البخاري:2/53 با ب«الدعاء والصلاة من آخر الليل».
5 . صحيح البخاري:5/34 باب (وَيؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) من كتاب مناقب الأنصار.


(154)

وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «يضحك اللّه لرجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة». قالوا: كيف يا رسول اللّه؟ قال: «يقتل هذا فيلج الجنة ثمّ يتوب اللّه على الآخر فيهديه إلى الإسلام ثمّ يجاهد في سبيل اللّه فيستشهد».(1)

له سبحانه أعضاء، كأعضاء الإنسان

وذهب أصحاب الصحاح في المجال إلى أكثر من ذلك ولم يقفوا عند ما ذكرناه من الصفات حتى أخذوا يصوّرونه كإنسان له أعضاء كالوجه واليد والأصابع والحقو، والساق والقدم، والقلم يخجل من نشر هذه الأساطير التي أدرجت ـ مع الأسف ـ باسم الحديث عن النبي الخاتم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في الكتب وزخرت بها الصحاح، ونسجت على منوالها العقائد والأُصول، وعدّ من خالفها مرتداً كافراً يضرب عنقه وتقسم أمواله على الورثة.

ولأجل إيقاف القارئ على صدق ما ادّعيناه في حقّ أصحاب الصحاح نأتي من كلّ مورد بنموذج أو نموذجين:

1. الوجه

عن أبي هريرة، عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «خلق اللّه آدم على صورته طوله ستون ذراعاً...».(2)

عن أبي هريرة عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإنّ اللّه خلق آدم على صورته».(3)

وقد أخذه أبو هريرة عن الأحبار و على رأسهم كعب الأحبار أُستاذه في


1 . صحيح مسلم:6/40، باب «بيان الرجلين يقتل أحدهما الآخر ويدخلان الجنة» من كتاب الإمارة.
2 . صحيح البخاري:8/50 كتاب الاستئذان باب «بدو السلام».
3 . صحيح مسلم:8/32 باب «النهي عن ضرب الوجه» من كتاب البر والصلة والآداب.


(155)

الأساطير والقصص. فهذه هي التوراة قد جاء فيها في الإصحاح الخامس من سفر التكوين: لما خلق اللّه آدم، خلقه على صورة اللّه.

وكان على أبي هريرة أن يبيّن عرض وجه آدم بعد أن بين أنّ طوله كان ستين ذراعاً، واللّه يعلم طول وجهه وعرضه وهو القائل (لَقَدْ خَلَقْنا الإِنْسانَ في أَحْسَنِ تَقْويم) .(1)

2. له سبحانه يدان

روى أبوهريرة عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال:«إنّ يمين اللّه ملأى لاتغيضها نفقة، سحّاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنّه لم ينقص ما في يمينه، وعرشه على الماء وبيده الأُخرى الفيض أو القبض، يرفع ويخفض».(2)

3. له سبحانه أصابع

روي عن عبد اللّه قال:جاء حبر من الأحبار إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال: يا محمد إنّ اللّه يجعل السماوات على أصبع والأرضين على اصبع والشجر على أصبع والماء والثرى على أصبع وسائر الخلائق على أصبع فيقول أنا الملك. فضحك النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر ثمّ قرأ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : (وَمَا قَدَروا اللّهَ حقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَميعاً قَبضتُهُ يَومَ القِيامَةِ وَالسَّمواتُ مَطوياتٌ بيمينهِ سُبحانهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُون).(3)

4. له سبحانه حقو(4)

!

عن أبي هريرة، عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «خلق اللّه الخلق


1 . التين:4.
2 . صحيح البخاري:9/124، باب «وكان عرشه على الماء» من كتاب التوحيد.
3 . صحيح البخاري:6/126 تفسير سورة الزمر. والآية 67 من سورة الزُّمر.

4 . الحقو: ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلف.


(156)

فلمّا فرغ قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن، فقال له: مه، قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال: ألا ترضين أنّ أصل من وصلك، وأقطع من قطعك، قالت: بلى يا رب قال: فذاك».(1)

5. اللّه سبحانه وساقه!

روي عن أبي سعيد قال: سمعت النبي يقول:«يكشف ربّنا عن ساقه فيسجد له كلّ مؤمن ومؤمنة ويبقى من كان يسجد في الدنيا رئاء وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً».(2)

6. اللّه سبحانه وقدمه!

روي عن أنس، عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «يلقى في النار وتقول هل من مزيد حتى يضع قدمه فتقول: قط قط».(3)

هذه نماذج ممّا ورد في الصحاح من أحاديث التشبيه والتجسيم اكتفينا من كلّ مورد بحديث واحد. وقد تركت هذه الأحاديث آثاراً سلبية في معتقدات المسلمين فمن مشبه يقول: اعفوني من الفرج واللحية وسلوني عمّا وراء ذلك(4)، إلى متمسك بظواهرها لكن بلا تكييف، إلى مؤول يحملها على معان بعيدة عن ظاهرها ليتخلص عن مغبة التجسيم.

ولو أنّهم رجعوا إلى الذكر الحكيم وعرضوا هذه الأحاديث عليه لميّزوا الصحيح عن الزائف، والمقبول عن المردود.

(وَلَوْ أنّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيراً لَهُمْ) .(5)


1 . صحيح البخاري:6/134.
2 . صحيح البخاري:6/159 تفسير سوره ن والقلم.
3 . صحيح البخاري:6/138 تفسير سورة ق.
4 . الملل والنحل للشهرستاني:ص 105 فصل المشبهة.
5 . النساء:66.


(157)

الجبر في ثوب الإيمان بالقدر

ذلك بعض ما ورد في الصحاح حول التجسيم والتشبيه وإنّا نجل النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وصحابته الأخيار عن أن ينبسوا بشيء منها ببنت شفة، وإنّما هي أساطير وأوهام أخذها الضعاف من الرواة عن الأحبار والرهبان من دون اكتراث ولا مبالاة.

وأمّا أحاديث الجبر ونفي الاختيار وأنّ الإنسان في الحياة كالريشة في مهب الرياح فحدّث عنها ولا حرج. فالصحاح تزخر بها في باب الإيمان بالقدر، وسيوافيك بعضها عند البحث عنه، ولو صحت هذه الأحاديث لما بقي لبعث الأنبياء وتكليف العباد بالواجبات والمحرّمات وغيرها معنى معقول.

ونذكر هنا ما لا نذكره هناك:

1. روى الترمذي عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال: خرج علينا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وفي يده كتابان فقال: أتدرون ما هذان الكتابان؟ قلنا: لا يا رسول اللّه إلاّ أن تخبرنا. فقال للذي بيده اليمنى: هذا كتاب من ربّ العالمين فيه أسماء أهل الجنّة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثمّ أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً، وقال للذي في شماله: هذا كتاب من ربّ العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثمّ أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً. قال أصحابه: ففيم العمل يا رسول اللّه إن كان أمر قد فرغ منه؟ فقال: سدّدوا وقاربوا فإنّ صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنّة، وإن عمل أي عمل، وإنّ صاحب النار يختم له بعمل أهل النار، وإن عمل أي عمل، ثمّ قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بيده فنبذهما ثمّ قال: فرغ ربكم من عمل العباد، فريق في الجنة وفريق في السعير.(1)


1 . جامع الأُصول:10/513، رقم الحديث 7555.


(158)

ولا يخفى أنّ السؤال الوارد في الحديث موجه جدّاً، والجواب عنه غير مقنع، فما معنى قوله :«سددوا وقاربوا»؟ لأنّه إذا كان الأمر قد فرغ منه فما معنى التسديد والتقارب؟! وما معنى الحث على التوبة والإنابة؟! ولماذا جعل فريقاً في الجنّةوفريقاً في السعير مع كونه رحماناً على الكل، لا قسيّاً ولا متعنّتاً؟!

2. روى البخاري ومسلم والترمذي عن علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ : قال: «كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكس وجعل ينكت بمخصرته، ثمّ قال: ما منكم من أحد إلاّوقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة. قالوا: يا رسول اللّه أفلا نتكل على كتابنا؟ فقال: اعملوا فكلّ ميسر لما خلق له. أمّا من كان من أهل السعادة فسيصير لعمل أهل السعادة . وأمّا من كان من أهل الشقاء، فسيصير لعمل أهل الشقاء، ثمّ قرأ(فَأَمّا مَنْ أَعْطى واتَّقى* وَصَدَّقَ بِالحُسْنى* فَسَنُيَسِّرهُ لِلْيُسْرى) (1). أخرجه البخاري ومسلم.(2)

وفي رواية الترمذي قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقعد وقعدنا ومعه مخصرة فجعل ينكت بها ثمّ قال: ما منكم من أحد أو من نفس منفوسة، إلاّ وقد كتب اللّه مكانها من الجنة والنار، وإلاّ وقد كتبت شقية أو سعيدة فقال رجل: يا رسول اللّه أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ فمن كان منّا من أهل السعادة ليكونن إلى أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة ليكونن إلى أهل الشقاوة. فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : بل اعملوا فكلّ ميسر، فأمّا أهل السعادة، فييّسّرون لعمل أهل السعادة، وأمّا أهل الشقاوة، فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثمّ قرأ(فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى* وَصَدَّقَ بِالحُسْنى* فَسَنُيَسِّرهُ لِلْيُسرى* وَأَمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى* وَكَذَّبَ بِالحُسْنى* فَسَنُيَسِّرهُ لِلْعُسرى) (3) . (4)


1 . الليل:5ـ7.
2 . جامع الأُصول:10/513، رقم الحديث7555.
3 . الليل:5ـ10.
4 . جامع الأُصول:10/515ـ 516، رقم الحديث7557 وذيله.


(159)

3. وفي أُخرى للترمذي: قال: بينما نحن مع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وهو ينكت في الأرض إذ رفع رأسه إلى السماء ثمّ قال: ما منكم من أحد إلاّ قد علم ـ و في رواية إلاّقد كتب ـ مقعده من النار ومقعده من الجنة، قالوا: أفلا نتّكل يا رسول اللّه؟ قال: لا، اعملوا، فكلّ ميسر لما خلق له. وأخرج أبو داود الرواية الأُولى من روايتي الترمذي.(1)

و هذه الروايات لا تصف العبد فقط بأنّه مكتوف اليد بل تصف اللّه أيضاً مكتوف اليد ومغلولها فلا يخضع القدر لقدرته، فلا يقدر على تغييره وتبديله. وهذا بنفسه نفس عقيدة اليهود التي نقلها القرآن عنهم (وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيديهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشاء) .(2)

كلام أحمد حول القدر

السابر في كتب أهل الحديث يرى أنّهم يهتمون بأمر التقدير أكثر من اهتمامهم بسائر المسائل العقائدية، وكأنّ الاعتقاد بالتقدير عندهم أهمّ من الاعتقاد بالمبدأ والمعاد.

ولأجل ذلك لا ترى تشاجراً ولا بحثاً مبسوطاً حول إمكان المعاد، ورفع شبهاته وتبيين خصوصياته. ولكن التقدير قد احتل مكانة مرموقة في مجال العقيدة.

وهذا القاضي أبو الحسين محمد بن أبي يعلى قد أخرج في كتابه ما أملاه أحمد ابن محمد بن حنبل أو كتبه باسم «عقيدة أهل السنّة» وممّا جاء فيه(3): قال: والقدر خيره وشره، وقليله وكثيره، وظاهره وباطنه، وحلوه ومره، ومحبوبه ومكروهه، وحسنه وسيئه،وأوّله وآخره، من اللّه، قضاء قضاه، وقدر قدّره عليهم، لا يعدو واحد منهم مشيئة اللّه عزّوجلّ، ولا يجاوز قضاءه، بل


1 . المصدر السابق.
2 . المائدة:64.
3 . طبقات الحنابلة:1/25ـ 27.


(160)

هم كلّهم صائرون إلى ما خلقهم له، واقفون فيما قدر عليهم لأفعاله، وهو عدل منه عزّربّنا وجل، والزنى والسرقة وشرب الخمر وقتل النفس وأكل المال الحرام والشرك باللّه والمعاصي كلّها بقضاء وقدر، من غير أن يكون لأحد من الخلق على اللّه حجّة، بل للّه الحجّة البالغة على خلقه، (لا يُسْألُ عَمّا يَفْعلُ وهُمْ يُسألُونَ)(1) وعلم اللّه عزّ وجلّ ماض في خلقه بمشيئة منه، قد علم من إبليس ومن غيره ممّن عصاه ـ من لدن أن عصى تبارك و تعالى إلى أن تقوم الساعة ـ المعصية، وخلقهم لها، وعلم الطاعة من أهل الطاعة وخلقهم لها. وكلّ يعمل لما خلق له، وصائر لما قضى عليه وعلم منه، لا يعدو واحد منهم قدر اللّه ومشيئته. واللّه الفاعل لما يريد، الفعّال لما يشاء.

ومن زعم أنّ اللّه شاء لعباده الذين عصوه الخير والطاعة وأنّ العباد شاءوا لأنفسهم الشر والمعصية، فعملوا على مشيئتهم، فقد زعم أنّ مشيئة العباد أغلظ من مشيئة اللّه تبارك و تعالى، فأي افتراء أكثر على اللّه عزّوجلّ من هذا؟

ومن زعم أنّ الزنى ليس بقدر، قيل له: أرأيت هذه المرأة، حملت من الزنى وجاءت بولد، هل شاء اللّه عزّوجلّ أن يخلق هذا الولد؟ وهل مضى في سابق علمه؟ فإن قال: لا، فقد زعم أنّ مع اللّه خالقاً وهذا هو الشرك صراحاً.

ومن زعم أنّ السرقة وشرب الخمر وأكل المال الحرام، ليس بقضاء وقدر، فقد زعم أنّ هذا الإنسان قادر على أن يأكل رزق غيره، وهذا صراح قول المجوسية. بل أكل رزقه وقضى اللّه أن يأكله من الوجه الذي أكله.

ومن زعم أنّ قتل النفس ليس بقدر من اللّه عزّوجلّ، وأنّ ذلك (ليس) بمشيئته في خلقه، فقد زعم أنّ المقتول مات بغير أجله. وأي كفر أوضح من هذا. بل ذلك بقضاء اللّه عزّ وجلّ وذلك بمشيئته في خلقه، وتدبيره فيهم، وما جرى من سابق علمه فيهم. وهو العدل الحقّ الذي يفعل ما يريد، ومن أقرّ بالعلم لزمه الإقرار بالقدر والمشيئة على الصغر والقماءة.(2)


1 . الأنبياء: 23.
2 . طبقات الحنابلة للقاضي محمد بن أبي يعلى:1/25ـ26.


(161)

وسيوافيك تمام الرسالة في الفصل القادم.

وممّا يوجب الأسف أنّ الوهابية أخذت تروّج عقائد التجسيم والتشبيه، وإليك قصيدة في ذلك الباب نشرت في عاصمة التوحيد مكة المكرمة:

للّه وجه لا يحد بصورة * ولربّنا عينان ناظرتان

وله يدان كما يقول إلهنا * ويمينه جلّت عن الأيمان

كلتا يديه يمين وصفها * فهما على الثقلان منفقتان(1)

كرسيه وسع السماوات العلى * والأرض وهو يعمه القدمان

واللّه يضحك لا كضحك عبيده * والكيف ممتنع على الرحمن

واللّه ينزل كلّ آخر ليلة * لسمائه الدنيا بلا كتمان

فيقول: هل من سائل فأجيبه * فأنا القريب أجيب من ناداني

من قصيدة عبد اللّه بن محمد الأندلسي المالكي نشرت في «أربح البضاعة في معتقد أهل السنّة والجماعة» ص 32 جمع علي بن سليمان آل يوسف، منشور مكة المكرمة سنّة 1393هـ. كما في التمهيد، الجزء الثالث ص 90 لشيخنا الحجة محمّد هادي معرفة ـ دام ظلّه ـ.


1 . هكذا ورد.


(162)

(163)

الفصل السادس

عصارات مدونة من عقائد أهل الحديث

إنّ هذه الروايات التي سبقت تمثل عقائد أهل الحديث في العصور الأُولى الإسلامية حيث نسجت العقائد عليها وحيكت على نولها، وقد بلغت بشاعة الأمر إلى حدّ أوجبت سقوط عقيدة أهل الحديث عن مقامها في نفوس الناس بعد ما انتشرت في أرجاء البلاد، ولولا ثورة الإمام الأشعري على عقيدة أهل الحديث لكانت البشاعة أكثر.

ونحن نأتي في هذا المجال ببعض الرسائل المدونة لبيان عقيدة أهل الحديث والحنابلة:

1. عقيدة الحنابلة على لسان إمامهم

إنّ إمام الحنابلة كتب رسالة صغيرة حول عقيدة أهل الحديث والسنّة وهي أخف وطأة ممّا ورد في كتب الحديث، وإليك نصّ تلك الرسالة.

قال: هذه مذاهب أهل العلم، وأصحاب الأثر، وأهل السنّة، المتمسّكين بعروتها، المعروفين بها، المقتدى بهم فيها، من لدن أصحاب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلى يومنا هذا. وأدركت من أدركت ـ من علماء الحجاز والشام وغيرها ـ عليها.

فمن خالف شيئاً من هذه المذاهب، أو طعن فيها، أو عاب قائلها،


(164)

فهو مخالف مبتدع، وخارج عن الجماعة، زائل عن منهج السنّة، وسبيل الحقّ.

فكان قولهم: إنّ الإيمان قول وعمل ونية، و تمسّك بالسنّة. والإيمان يزيد وينقص. ويستثنى في الإيمان، من غير أن يكون لشك. إنّما هو سنّة ماضية عن العلماء.

فإذا سئل الرجل: مؤمن أنت؟ فإنّه يقول: أنا مؤمن إن شاء اللّه. ومؤمن أرجو، أو يقول: آمنت باللّه وملائكته وكتبه ورسله.

ومن زعم أنّ الإيمان قول بلا عمل، فهو مرجئي.

ومن زعم أنّ الإيمان هو القول، والأعمال فشرائع: فهو مرجئي.

ومن زعم أنّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فقد قال بقول المرجئة.

ومن أنكر الاستثناء في الإيمان، فهو مرجئي.

ومن زعم أنّ إيمانه كإيمان جبريل والملائكة فهو جهمي.

والقدر خيره وشره، وقليله وكثيره، وظاهره وباطنه،وحلوه ومرّه، ومحبوبه ومكروهه، وحسنه وسيّئه، وأوّله وآخره.

واللّه عزّوجلّ قضى قضاءه على عباده، لا يجاوزون قضاءه، بل هم كلّهم صائرون إلى ما خلقهم له، واقعون فيما قدر عليهم لا محالة، وهو عدل منه عزّ وجلّ.

والزنى والسرقة، وشرب الخمر، وقتل النفس، وأكل المال الحرام، والشرك باللّه عزّ وجلّ،والذنوب والمعاصي، كلّها بقضاء وقدر من اللّه عزّ وجلّ، من غير أن يكون لأحد من الخلق على اللّه حجّة، بل للّه عزّوجلّ الحجّة البالغة على خلقه (لا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون) .

وعلم اللّه عزّ وجلّ ماض في خلقه بمشيئة منه، قد علم من إبليس ومن غيره ممّن عصاه ـ من لدن أن عصاه إبليس إلى أن تقوم الساعة ـ المعصية، وخلقهم لها، وعلم الطاعة من أهل الطاعة وخلقهم لها، فكلّ يعمل بما خلق


(165)

له، وصائر إلى ما قضى اللّه عليه منه، لم يعد أحد منهم قدر اللّه عزّوجلّ ومشيئته، واللّه الفعّال لما يريد.

ومن زعم أنّ اللّه عزّ وجلّ شاء لعباده الذين عصوا، الخير والطاعة وأنّ العباد شاءوا لأنفسهم الشر والمعصية، يعملون على مشيئتهم، فقد زعم أنّ مشيئة العباد أغلب من مشيئة اللّه عزّ وجلّ. فأيّ افتراء على اللّه أكبر من هذا؟!

ومن زعم أنّ الزنى ليس بقدر، قيل له: أرأيت هذه المرأة حملت من الزنى، وجاءت بولد، هل شاء اللّه عزّوجلّ أن يخلق هذا الولد؟ وهل مضى هذا في سابق علمه؟ فإن قال: لا، فقد زعم أنّ مع اللّه تعالى خالقاً وهذا هو الشرك صريحاً.

ومن زعم أنّ السرقة وشرب الخمر وأكل المال الحرام، ليس بقضاء فقد زعم أنّ هذا الإنسان قادر على أن يأكل رزق غيره. وهذا يضارع قول المجوسية. بل كلّ رزقه اللّه، وقضى اللّه عزّوجلّ أن يأكله من الوجه الذي أكله.

ومن زعم أنّ قتل النفس ليس بقدر من اللّه عزّوجلّ، فقد زعم أنّ المقتول مات بغير أجله، وأيّ كفر أوضح من هذا؟ بل كان ذلك بقضاءاللّه عزّ وجلّ وقدره وكلّ ذلك بمشيئته في خلقه، وتدبيره فيهم، وما جرى من سابق علمه فيهم. وهو العدل الحقّ الذي يفعل ما يريد.

ومن أقرّ بالعلم لزمه الإقرار بالقدر والمشيئة.

ولا نشهد على أحد من أهل القبلة أنّه في النار لذنب عمله ولا بكبيرة أتاها، إلاّ أن يكون في ذلك حديث، فنروي الحديث كما جاء على ما روي. نصدق به. ونعلم أنّه كما جاء. ولا تنقض الشهادة.

والخلافة في قريش ما بقي من الناس اثنان، ليس لأحد من الناس أن ينازعهم فيها، ولا يخرج عليهم، ولا نقر لغيرهم بها إلى قيام الساعة.

والجهاد ماض، قائم مع الإمام، برّاً أو فاجراً. ولا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل.


(166)

والجمعة والحجّ والعيدان مع الأئمّة، وإن لم يكونوا بررة عدولاً أتقياء.

ودفع الصدقات والأعشار والخراج والفيء، والغنائم إلى الأمراء، عدلوا فيها أو جاروا. والانقياد لمن ولاّه اللّه عزّوجلّ أمركم لا تنزع يداً من طاعته، ولا تخرج عليه بسيفك، يجعل اللّه لك فرجاً ومخرجاً، ولا تخرج على السلطان، بل تسمع وتطيع فإن أمرك السلطان بأمر، هو للّه عزّ وجلّ معصية، فليس لك أن تطيعه وليس لك أن تخرج عليه، ولا تمنعه حقّه، ولا تعن على فتنة بيد ولا لسان، بل كفّ يدك ولسانك، وهواك. واللّه عزّوجلّ المعين.

والكفّ عن أهل القبلة. ولا نكفر أحداً منهم بذنب، ولانخرجهم عن الإسلام بعمل، إلاّ أن يكون في ذلك حديث فيروى كما جاء، وكما روي، ونصدقه ونقبله ونعلم أنّه كما روي نحو ترك الصلاة وشرب الخمر، وما أشبه ذلك أو يبتدع بدعة ينسب صاحبها إلى الكفر والخروج عن الإسلام فاتبع الأثر في ذلك ولا تجاوزه.

ولا أحب الصلاة خلف أهل البدع، ولا الصلاة على من مات منهم.

والأعور الدجّال خارج لا شكّ في ذلك ولا ارتياب. وهو أكذب الكذّابين.

وعذاب القبر حقّ. يسأل العبد عن دينه، وعن ربّه، ويرى مقعده من النار والجنة.

ومنكر ونكير حق وهما فتاناالقبور، نسأل اللّه عزّوجلّ الثبات.

وحوض النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حقّ، ترده أُمّته، وله آنية يشربون بها منه.

الصراط حق يوضع على شفير جهنم ويمر الناس عليه، والجنة من وراء ذلك، نسأل اللّه عزّوجلّ السلامة في الجواز.

والميزان حقّ، توزن به الحسنات والسيّئات، كما شاء أن توزن.

والصور حقّ، ينفخ فيه إسرافيل ـ عليه السَّلام ـ فيموت الخلق، ثمّ ينفخ


(167)

فيه أُخرى فيقومون لربّ العالمين عزّ وجلّ للحساب والقصاص والثواب والعقاب.

والجنة والنار واللوح المحفوظ حقّ، تستنسخ منه أعمال العباد ممّا سبقت فيه من المقادير والقضاء.

والقلم حقّ، كتب اللّه به مقادير كلّ شيء وأحصاه في الذكر تبارك وتعالى.

والشفاعة حقّ يوم القيامة، يشفع قوم في قوم فلا يصيرون إلى النار، ويخرج قوم من النار بعدما دخلوها بشفاعة الشافعين، ويخرج قوم من النار برحمة اللّه عزّوجلّ بعدما لبثوا فيهاما شاء اللّه عزّوجلّ، وقوم يخلدون فيها أبداً، وهم أهل الشرك والتكذيب والجحود والكفر باللّه عزّ وجلّ.

ويذبح الموت يوم القيامة بين الجنّة والنار.

وقد خلقت النار وما فيها، وخلقت الجنة وما فيها،خلقهما اللّه عزّوجلّ، ثمّ خلق الخلق لهما، لا يفنيان، ولا يفنى ما فيهما أبداً.

فإن احتج مبتدع بقوله تعالى: (كُلُّ شَيء هالِكٌ إِلاّ وجهَه) (1) ونحو هذا من متشابه القرآن.

قيل له: كلّ شيء ممّا كتب اللّه عزّوجلّ عليه الفناء والهلاك هالك، والجنة والنار خلقهما اللّه عزّوجلّ للبقاء لا للفناءولا للهلاك، وهما من الآخرة لا من الدنيا.

والحور العين، لا يمتن عند قيام الساعة، ولا عند النفخة أبداً لأنّ اللّه عزّ وجلّ خلقهنّ للبقاء، لا للفناء، ولم يكتب عليهن الفناء ولا الموت، فمن قال خلاف ذلك فهو مبتدع.

وخلق اللّه سبع سماوات، بعضها فوق بعض، وسبع أرضين بعضها


1 . القصص:88.


(168)

أسفل من بعض.

وبين الأرض العليا والسماء الدنيا خمسمائة عام، وبين كلّ سماءين مسيرة خمسمائة عام. والماء فوق السماء السابعة، وعرش الرحمن تبارك وتعالى فوق الماء. واللّه عزّوجلّ على العرش. وهو يعلم ما في السماوات السبع والأرضين السبع و[ما] بينهما وما تحت الثرى، وما في قعر البحار ومنبت كلّ شعرة، وكل شجرة، وكل زرعة، وكل نبت، ومسقط كلّ ورقة، وعدد ذلك وعدد الحصا والرمل والتراب، ومثاقيل الجبال، وأعمال العباد وآثارهم، وكلامهم وأنفاسهم ويعلم كلّ شيء لا يخفى عليه شيء من ذلك، وهو على العرش، فوق السماء السابعة وعنده حجب من نار ونور وظلمة وماء، وهو أعلم بها.

فإن احتج مبتدع أو مخالف بقوله تعالى: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِليهِ مِنْ حَبْلِ الْوَريد) (1) ، أو بقوله عزّ وجلّ:(وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ) (2) ، أو بقوله تعالى: (ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَة إِلاّهُوَ رابِعُهُمْ) (3)ونحو هذا من متشابه القرآن.

قيل: إنّما يعني بذلك العلم. لأنّ اللّه تبارك وتعالى على العرش فوق السماء السابعة العليا، يعلم ذلك كلّه، وهو تعالى بائن من خلقه لا يخلو من علمه مكان، واللّه تعالى على العرش. وللعرش حملة يحملونه. واللّه عزّوجلّ على عرشه.

واللّه تعالى سميع لا يشكّ، بصير لا يرتاب، عليم لا يجهل، جواد لا يبخل، حليم لا يعجل، حفيظ لا ينسى، يقظان(4) لا يسهو، قريب لا يغفل، يتكلّم ويسمع وينظر، ويبصر ويضحك،ويفرح ويحب، ويكره ويبغض،ويرضى ويغضب ويسخط، ويرحم ويعفو ويعطي ويمنع، وينزل تبارك وتعالى كلّ ليلة إلى السماء الدنيا كيف يشاء (ليْسَ كَمِثْلهِ شَيْءٌ وَهُوَ )


1 . ق:16.
2 . الحديد:4.
3 . المجادلة:7.
4 . لم ترد هذه الكلمة في الكتاب ولا السنّة. ولعلّ الأولى أن يقال: (لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوم) .


(169)

السَّميعُ الْبَصِير) (1) وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الربّ عزّوجلّ، يقلبها كيف يشاء ويوعيها ما أراد.

وخلق اللّه عزّوجلّ آدم ـ عليه السَّلام ـ بيده والسماوات والأرض يوم القيامة في كفّه. ويخرج قوماً من النار بيده، وينظر أهل الجنة إلى وجهه. ويرونه فيكرمهم ويتجلى لهم فيعطيهم. ويعرض عليه العباد يوم الفصل والدين، ويتولّى حسابهم بنفسه، لا يولى ذلك غيره عزّ وجلّ.

والقرآن كلام اللّه، ليس بمخلوق، فمن زعم أنّ القرآن مخلوق فهو جهمي كافر.

ومن زعم أنّ القرآن كلام اللّه عزّوجلّ ووقف، ولم يقل: مخلوق ولا غير مخلوق، فهو أخبث من الأوّل. ومن زعم أنّ ألفاظنا بالقرآن وتلاوتنا له مخلوقة، والقرآن كلام اللّه فهو جهمي. ومن لم يكّفر هؤلاء القوم كلّهم فهو مثلهم.

وكلّم اللّه موسى تكليماً، من اللّه سمع موسى يقيناً، وناوله التوراة من يده، ولم يزل اللّه متكلماً عالماً، تبارك اللّه أحسن الخالقين.

والرؤيا من اللّه عزّ وجلّ حقّ، إذا رأى صاحبها شيئاً في منامه يقصّها على عالم،وقد كانت الرؤيا من الأنبياء وحياً.

ومن السنّة: ذكر محاسن أصحاب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كلّهم أجمعين والكفّ عن الذي شجر بينهم. فمن سب أصحاب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، أو واحداً منهم، فهو مبتدع رافضي، حبهم سنّة، الدعاء لهم قربة، والاقتداء بهم وسيلة، والأخذ ب آثارهم فضيلة.

وخير هذه الأُمّة ـ بعد نبيّها ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ـ أبو بكر، وخيرهم ـ بعد أبي بكر ـ عمر، وخيرهم ـ بعد عمر ـ عثمان، وخيرهم ـ بعد عثمان ـ


1 . الشورى:11.


(170)

علي، رضوان اللّه عليهم، خلفاء راشدون مهديون. ثمّ أصحاب محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بعد هؤلاء الأربعة، لا يجوز لأحد أن يذكر شيئاً من مساويهم، ولا يطعن على أحد منهم، فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته، ليس له أن يعفو عنه، بل يعاقبه ثمّ يستتيبه، فإن تاب قبل منه. وإن لم يتب أعاد عليه العقوبة. وجلده في المجلس حتى يتوب ويراجع.(1)

ثمّ إنّ الشيخ أبا جعفر المعروف بالطحاوي المصري (المتوفّى عام 321هـ) كتب رسالة حول عقيدة أهل السنّة تشتمل على مائة وخمسة أُصول، زعم أنّها عقيدة الجماعة والسنّة على مذهب فقهاء الملة: أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وأبي عبد اللّه محمّد بن الحسن الشيباني والرسالة صغيرة كتب عليها تعاليق وشروح كثيرة.

ولما ثار الإمام الأشعري على المعتزلة وانخرط في سلك أهل الحديث، جاء في الباب الثاني من كتاب «الإبانة» بعقيدة أهل السنّةوالجماعة في واحد وخمسين أصلاً، وإليك هذه الرسالة.

2. رسالة«الأشعري» في عقيدة أهل الحديث

قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب ربّنا عزّ وجلّ، وبسنّة نبيّنا ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ،و ما روي عن الصحابة والتابعين وأئمّة الحديث ونحن بذلك معتصمون. وبما كان يقول به أبو عبد اللّه أحمد بن محمد بن حنبل ـ نضر اللّه وجهه، ورفع درجته وأجزل مثوبته ـ قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون، لأنّه الإمام الفاضل والرئيس الكامل، الذي أبان اللّه به الحقّ، ودفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ


1 . السنّة : 44ـ50.


(171)

الزائغين وشك الشاكّين، فرحمة اللّه عليه من إمام مقدم، وجليل معظم، وكبير مفخم، وعلى جميع أئمّة المسلمين.

وجملة قولنا:

1. أنا نقرّ باللّه، وملائكته، وكتبه، ورسله، وما جاء من عند اللّه، وما رواه الثقات عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لا نرد من ذلك شيئاً.

2. وأنّ اللّه عزّوجلّ إله واحد لاإله إلاّ هو، فرد صمد لم يتخذ صاحبة ولا ولداً.

3. وأنّ محمّداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحقّ.

4. وأنّ الجنّة والنار حقّ.

5. وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنّ اللّه يبعث من في القبور.

6. وأنّ اللّه استوى على عرشه كما قال:(الرَّحمنُ عَلى العرشِ اسْتَوى).(1)

7.وأنّ له وجهاً بلا كيف كما قال: (وَيَبْقى وَجْهُ رَبّكَ ذُو الجَلالِ وَالإِكْرام) .(2)

8. وأنّ له يدين بلا كيف كما قال: (خَلَقْتُ بيدي) (3)، وكما قال:(بَلْ يَداهُ مَبْسُوطتان) .(4)

9. وأنّ له عيناً بلا كيف كما قال: (تَجْري بِأَعْيُننا) .(5)

10. وأنّ من زعم أنّ أسماء اللّه غيره كان ضالاً.


1 . طه:5.
2 . الرحمن:27.
3 . ص:75.
4 . المائدة:64.
5 . القمر:14.


(172)

11. وأنّ للّه علماً كما قال:(أَنْزَلَهُ بعِلْمِهِ) (1)، وكما قال:(وَماتَحْمِل مِنْ أُنْثى وَلاتَضَعُ إِلاّبِعِلْمِهِ).(2)

12. ونثبت للّه السمع والبصر ولا ننفي ذلك، كما نفته المعتزلة والجهمية والخوارج.

13. وثبت أنّ للّه قوّة كما قال:(أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللّهَ الَّذي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشدُّ مِنْهُمْ قُوّة) .(3)

14. ونقول: إنّ كلام اللّه غير مخلوق، وإنّه لم يخلق شيئاً إلاّ وقد قال له: كن فيكون،كما قال: (إِنّماقَوْلُنا لِشَيء إذا أََرْدناهُ أَنْ نَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) .(4)

15. وإنّه لا يكون في الأرض شيء من خير وشر إلاّما شاء اللّه، وإنّ الأشياء تكون بمشيئة اللّه عزّوجلّ.

وإنّ أحداً لا يستطيع أن يفعل شيئاً قبل أن يفعله اللّه.

16. ولا نستغني عن اللّه، ولا نقدر على الخروج من علم اللّه عزّوجلّ.

17. وإنّه لا خالق إلاّ اللّه، وإنّ أعمال العبد مخلوقة للّه مقدورة، كما قال: (وَاللّهُ خَلَقكُمْ وَما تَعْمَلُون) .(5)

وإنّ العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئاً وهم يخلقون، كما قال: (هَلْ مِنْ خالِق غَيرُ اللّهِ) (6)، وكما قال:(لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وهُمْ يُخْلَقُون) (7) وكما


1 . النساء:166.
2 . فاطر:11.
3 . فصلت:15.
4 . النحل:40.
5 . الصافات:96.
6 . فاطر:3.
7 . النحل:20.


(173)

قال: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُق) (1)، وكما قال: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غيَرْ ِشَيء أم هُمُ الخالِقُونَ)(2) وهذا في كتاب اللّه كثير.

18. وإنّ اللّه وفق المؤمنين لطاعته، ولطف بهم، ونظر إليهم، وأصلحهم وهداهم، وأضل الكافرين ولم يهدهم، ولم يلطف بهم بالإيمان، كما زعم أهل الزيغ والطغيان، ولو لطف بهم وأصلحهم لكانوا صالحين. ولو هداهم لكانوا مهتدين، كما قال تبارك و تعالى:(مَنْ يَهْد اللّهُ فَهُوَ المُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الخاسِرُون) .(3)

وإنّ اللّه يقدر أن يصلح الكافرين، ويلطف بهم حتى يكونوا مؤمنين، ولكنّه أراد أن يكونوا كافرين كما علم، وإنّه خذلهم وطبع على قلوبهم.

19. وإنّ الخير والشر بقضاء اللّه وقدره. وإنّا نؤمن بقضاء اللّه وقدره، خيره وشرّه، حلوه ومرّه، ونعلم أنّ ما أخطأنا لم يكن ليصيبنا، وأنّ ما أصابنا لم يكن ليخطئنا وأنّ العباد لا يملكون لأنفسهم ضرّاً ولا نفعاً إلاّ ما شاء اللّه كما قال عزّوجلّ:(قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاّما شاءَ اللّه) (4) وإنّا نلجأ في أُمورنا إلى اللّه، ونثبت الحاجة والفقر في كلّ وقت إليه.

20. ونقول: إنّ القرآن كلام اللّه غير مخلوق، وإنّ من قال بخلق القرآن فهو كافر.

21. وندين بأنّ اللّه تعالى يُرى في الآخرة بالأبصار كما يُرى القمر ليلة البدر يراه المؤمنون كما جاءت الروايات عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

ونقول: إنّ الكافرين محجوبون عنه إذا رآه المؤمنون في الجنة، كما قال


1 . النحل:17.
2 . الطور:35.
3 . الأعراف:178.
4 . الأعراف:188.


(174)

اللّه عزّ وجلّ:(كَلاّإِنّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمئِذ لَمَحْجُوبُون) (1) وإنّ موسى ـ عليه السَّلام ـ سأل اللّه عزّوجلّ الرؤية في الدنيا، وإنّ اللّه تعالى تجلّى للجبل، فجعله دكّاً، فاعلم بذلك موسى أنّه لا يراه في الدنيا.

22. وندين بأن لا نكفّر أحداً من أهل القبلة بذنب يرتكبه كالزنى والسرقة وشرب الخمر، كما دانت بذلك الخوارج وزعمت أنّهم كافرون.

ونقول: إنّ من عمل كبيرة من هذه الكبائر مثل الزنى والسرقة وما أشبههما مستحلاً لها غير معتقد لتحريمها كان كافراً.

23. ونقول: إنّ الإسلام أوسع من الإيمان، وليس كلّ إسلام إيماناً.

24. وندين بأنّ اللّه تعالى يقلّب القلوب «وأنّ القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن»(2)، وأنّه سبحانه«يضع السماوات على أصبع والأرضين على أصبع»(3) كما جاءت الرواية عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من غير تكييف.

25. وندين بأن لا ننزل أحداً من أهل التوحيد والمتمسكين بالإيمان جنة


1 . المطففين:15.
2 . رواه مسلم رقم (2654) في القدر: باب تصريف اللّه تعالى القلوب كيف شاء. وأحمد2/168و 173 من حديث عبد اللّه عمرو. وابن ماجه برقم (3834) في الدعاء: باب دعاء رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ والترمذي رقم (2141) في القدر: باب ما جاء أنّ القلوب بين أصبعي الرحمن من حديث أنس بن مالك وأحمد:6/302 و 315 والترمذي رقم (3517) في الدعوات باب رقم 89 من حديث أُمّ سلمة وأحمد:6/251 من حديث عائشة 302، 315.
3 . أخرجه البخاري:13/335، 336و 369 و 397 في التوحيد:باب قوله تعالى: (لما خلقت بيدي) وباب قوله تعالى: (إنّ اللّه يمسك السموات والأرض) وباب كلام الرب تعالى يوم القيامة مع الأنبياء. و8/423 وفي التفسير: باب قوله تعالى: (والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة) و مسلم رقم (2786)(21) في المنافقين: باب صفة القيامةوالجنة والنار والترمذي رقم (3236) و (3238) في التفسير: باب و من سورة الزمر كلّهم من حديث عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه.


(175)

ولا ناراً إلاّ من شهد له رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بالجنة، ونرجو الجنة للمذنبين ونخاف عليهم أن يكونوا بالنار معذبين.

ونقول: إنّ اللّه عزّوجلّ يخرج قوماً من النار بعد أن امتحشوا بشفاعة محمّد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ تصديقاً لما جاءت به الروايات عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .(1)

26. ونؤمن بعذاب القبر وبالحوض، وأنّ الميزان حقّ، والصراط حقّ، والبعث بعد الموت حقّ، وأنّ اللّه عزّ وجلّ يوقف العباد في الموقف ويحاسب المؤمنين.

27. وأنّ الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ونسلم الروايات الصحيحة في ذلك عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ التي رواها الثقاة عدل عن عدل حتى تنتهي الرواية إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

28. وندين بحب السلف، الذين اختارهم اللّه عزّوجلّ لصحبة نبيّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، ونثني عليهم بما أثنى اللّه به عليهم، ونتولاهم أجمعين.

29. ونقول: إنّ الإمام الفاضل بعد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أبو بكر الصديق رضوان اللّه عليه، وإنّ اللّه أعزّ به الدين وأظهره على المرتدين، وقدمه المسلمون للإمامة، كما قدمه رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ للصلاة، وسمّوه بأجمعهم خليفة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ . ثمّ عمر بن الخطاب ، ثمّ عثمان بن عفان ، وإنّ الذين قتلوه، قتلوه ظلماً وعدواناً، ثمّ علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه،


1 . خروجهم من النار بعد أن امتحشوا وحديث الشفاعة، رواه البخاري:13/395ـ 397 في التوحيد: باب كلام الرب تعالى يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم. و 13/332 باب قوله تعالى (لما خلقت بيدي) . و13/398 باب قوله تعالى: (وكلّم اللّه موسى تكليماً) و 8/122 في تفسير سورة البقرة: باب (علّم آدم الأسماء كلّها) ومسلم رقم (193) من حديث أنس بن مالك والبخاري6/264 و 265 ومسلم (194) في الإيمان: باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها من حديث أبي هريرة والبخاري:11/367 و371 من حديث جابر.


(176)

فهؤلاء الأئمّة بعد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وخلافتهم خلافة النبوة.

ونشهد بالجنة للعشرة الذين شهد لهم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بها، ونتولّى سائر أصحاب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ و نكف عمّا شجر بينهم، وندين اللّه بأنّ الأئمّة الأربعة خلفاء راشدون مهديون فضلاء لا يوازيهم في الفضل غيرهم.

30. ونصدق بجميع الروايات التي يثبتها أهل النقل من النزول إلى السماء الدنيا، وأنّ الربّ عزّ وجلّ يقول: «هل من سائل، هل من مستغفر»(1) وسائر ما نقلوه وأثبتوه خلافاً لما قاله أهل الزيغ والتضليل.

31. ونعول فيما اختلفنا فيه على كتاب ربّنا تبارك وتعالى وسنّة نبيّنا ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وإجماع المسلمين، وما كان في معناه، ولا نبتدع في دين اللّه بدعة لم يأذن اللّه بها، ولا نقول على اللّه مالا نعلم.

32. ونقول: إنّ اللّه عزّوجلّ يجيء يوم القيامة كما قال: (وَجاءَ ربّكَ وَالمَلَكُ صَفّاً صَفّاً) (2)، وإنّ اللّه عزّ وجلّ يقرب من عباده كيف شاء، كما قال: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِليهِ مِنْ حَبْلِ الْوَريد) (3) وكما قال: (ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى* فَكانَ قابَ قَوسين أَوْ أَدنى) .(4)

33. ومن ديننا أن نصلي الجمعة والأعياد وسائر الصلوات والجماعات


1 . رواه مسلم(758) (170) (172) في صلاة المسافرين:باب الترغيب والدعاء والذكر في آخر الليل. وللحديث صيغ أُخرى رواها البخاري في التهجد: باب الدعاء والصلاة من آخر الليل وفي الدعوات: باب الدعاء نصف الليل وفي التوحيد: باب قوله تعالى: (يريدون أن يبدلوا كلام اللّه) ومسلم (758) (168) (169) وأبو داود رقم (4733) في السنّة. والترمذي رقم (3493) في الدعوات وأحمد2/258و 267 و 282و 419 و 487و 504و 521 من حديث أبي هريرة.
2 . الفجر:22.
3 . ق:16.
4 . النجم: 8ـ9.


(177)

خلف كلّ برّ وفاجر، كما روي عن عبد اللّه بن عمر أنّه كان يصلّي خلف الحجّاج.

34. وأنّ المسح على الخفين سنّة في الحضر والسفر خلافاً لقول من أنكر ذلك.

35. ونرى الدعاء لأئمّة المسلمين بالصلاح والإقرار بإمامتهم، وتضليل من رأى الخروج عليهم، إذا ظهر منهم ترك الاستقامة، وندين بإنكار الخروج عليهم بالسيف، وترك القتال في الفتنة.

36. ونقرّ بخروج الدجّال، كما جاءت به الرواية عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .(1)

37. ونؤمن بعذاب القبر ومنكر ونكير ومسألتهما المدفونين في قبورهم.

38. ونصدّق بحديث المعراج.(2)

39. ونصحّح كثيراً من الرؤيا في المنام ونقرّ أنّ لذلك تفسيراً.

40. ونرى الصدقة عن موتى المسلمين، والدعاء لهم ونؤمن بأنّ اللّه ينفعهم بذلك.


1 . صحيح البخاري:13/87 في الفتن: باب ذكر الدجال وفي الأنبياء:باب ما ذكر عن بني إسرائيل، و13/89ـ 91، وفي فضائل المدينة: باب لا يدخل الدجال المدينة. ومسلم (2933) في الفتن: باب ذكر الدجال وصفته ومن معه ولغاية(2947)، و الترمذي(2235) لغاية(2246) في الفتن، وأبو داود(4315) في الملاحم ولغاية(4328) وأحمد في «المسند»:1/4، 7; 2/33، 37، 67، 104، 108، 124، 131، 237، 349، 429، 457، 530; 3/42; 5/32، 38، 43، 47. وابن ماجة من (4071) ولغاية (4988) في الفتن باب فتنة الدجال.
2 . رواه البخاري:13/399ـ 406 في التوحيد: باب ما جاء في قوله عزّ وجلّ:(وكلّم اللّه موسى تكليماً) وفي الأنبياء: باب صفة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، ومسلم رقم (162) في الإيمان: باب الإسراء برسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلى السماوات، والنسائي:1/221 في الصلاة: باب فرض الصلاة، والترمذي رقم (3130) في التفسير: باب و من سورة بني إسرائيل.


(178)

41. ونصدّق بأنّ في الدنيا سحراً وسحرة، وأنّ السحر كائن موجود في الدنيا.

42. وندين بالصلاة على من مات من أهل القبلة برّهم وفاجرهم وتوارثهم.

43. ونقرّ أنّ الجنة والنّار مخلوقتان.

44. وأنّ من مات أو قتل فبأجله مات أو قتل.

45. وأنّ الأرزاق من قبل اللّه عزّوجلّ يرزقها عباده حلالاً وحراماً.

46. وأنّ الشيطان يوسوس للإنسان ويشككه ويتخبطه خلافاً لقول المعتزلة والجهمية، كما قال اللّه عزّوجلّ:(الّذينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَما يَقُومُ الَّذي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَس) (1)، وكما قال: (مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الخَنّاس* الَّذي يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النّاس* مِنَ الجِنَّةِ وَالنّاس) .(2)

47. ونقول: إنّ الصالحين يجوز أن يخصّهم اللّه عزّوجلّ ب آيات يظهرها عليهم.

48. وقولنا في أطفال المشركين: إنّ اللّه يؤجّج لهم في الآخرة ناراً، ثمّ يقول لهم اقتحموها، كما جاءت بذلك الروايات.(3)


1 . البقرة:275.
2 . الناس:4ـ6.

3 . اختلف العلماء قديماً وحديثاً في أولاد المشركين على أقوال، منها القول الذي ذكره المصنّف رحمه اللّه أنّهم يمتحنون في الآخرة بأن ترفع لهم نار، فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً، و من أبى عذّب. رواه البزاز من حديث أنس بن مالك وأبي سعيد الخدري رضي اللّه عنهما، ورواه الطبراني من حديث معاذ بن جبل رضي اللّه عنه.
قال الحافظ في «الفتح»:3/195 وقد صحّت مسألة الامتحان في حقّ المجنون و من مات في الفترة من طرق صحيحة. ومن الأقوال أنّهم في الجنة. قال النووي: وهو المذهب الصحيح الذي صار إليه المحقّقون لقوله تعالى: (وَماكُنّا معذّبين حتّى نبعث رَسولاً). وانظر «الفتح»:3/195ـ 196.


(179)

49. وندين اللّه عزّوجلّ بأنّه يعلم ما العباد عاملون، وإلى ما هم صائرون، وما كان وما يكون، وما لا يكون إن لو كان كيف كان يكون.

50. وبطاعة الأئمّة ونصيحة المسلمين.

51. ونرى مفارقة كلّ داعية إلى بدعة ومجانبة أهل الأهواء، وسنحتج لما ذكرناه من قولنا وما بقي منه ممّا لم نذكره باباً باباً وشيئاً شيئاً، إن شاء اللّه تعالى.

***

وما طرح من الأُصول في كتاب «الإبانة» هو الذي جاء به في كتاب «مقالات الإسلاميين» عند البحث عن قول أصحاب الحديث وأهل السنّة ولو كان بينهما اختلاف فإنّما هو في العرض لا في الأصل والجوهر. ويقول بعد عرضها «فهذه جملة ما يأمرون به، ويستعملونه، ويرونه وبكلّ ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب».(1)

لقد شهد التاريخ الإسلامي صراعاً عنيفاً بين الحنابلة والأشاعرة، وستوافيك صورة من ذلك في آخر هذا الجزء.

ولكن الحقّ أنّه لو كانت عقيدة الأشاعرة هي ما جاء في مقدمة رسالة «الإبانة» أو ما جاء في كتا ب«مقالات الإسلاميين» لما كان بين الفريقين أي اختلاف أبداً، وهذا ممّا يقضى منه العجب.

ولأجل ذلك ـ ربما ـ تخيّل بعضهم(2) أنّ الرسالة المطبوعة موضوعة على لسان الأشعري.

3. أُصول عقيدة أهل الحديث عند الملطي

ثمّ تتابع بعده تبيين عقيدة أهل السنّة، فكتب أبو الحسين محمد بن أحمد


1 . مقالات الإسلاميين: 320ـ 325.
2 . كالشيخ محمد زاهد الكوثري في بعض تعاليقه على الكتب.


(180)

ابن عبد الرحمن الملطي الشافعي (المتوفّى عام 377هـ) كتابه المعروف «التنبيه والرد» وذكر عقيدة أهل السنّة تحت أُصول نذكرها:

والذي ثبت عن محمد بن عكاشة أنّ أُصول السنّة ممّا اجتمع عليه الفقهاء والعلماء منهم: علي بن عاصم، وسفيان بن عيينة، وسفيان بن يوسف الفريابي، وشعيب، ومحمّد بن عمر الواقدي، وشابة بن ثوار، والفضل بن دكين الكوفي، وعبد العزيز بن أبان الكوفي، وعبد اللّه بن داود، ويعلى بن قبيصة، وسعيد بن عثمان، وأزهر، وأبو عبد الرحمن المقري، وزهير بن نعيم، والنضر بن شميل، وأحمد ابن خالد الدمشقي، والوليد بن مسلم القرشي، والرواد بن الجراح العسقلاني، ويحيى بن يحيى، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبو معاوية الضرير كلّهم يقولون: رأينا أصحاب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كانوا يقولون:

1. الرضا بقضاء اللّه و التسليم لأمر اللّه والصبر على حكم اللّه.

2. الأخذ بما أمر اللّه، والنهي عمّا نهى اللّه عنه.

3. الإخلاص بالعمل للّه.

4. الإيمان بالقدر، خيره وشره من اللّه.

5. ترك المراء والجدال والخصومات في الدين.

6. المسح على الخفين.

7. الجهاد مع أهل القبلة.

8. الصلاة على من مات من أهل القبلة سنّة.

9. الإيمان يزيد وينقص قول وعمل.

10. القرآن كلام اللّه.

11. الصبر تحت لواء السلطان على ما كان منهم، من عدل أو جور،


(181)

ولا يخرج على الأُمراء بالسيف وإن جاروا.

12. لا ينزل أحد من أهل التوحيد جنّة ولا ناراً.

13. لا يكفر أحد من أهل التوحيد بذنب، وإن عملوا الكبائر.

14. الكف عن أصحاب محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

15. أفضل الناس بعد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أبو بكر، ثمّ عمر، ثمّ عثمان، ثمّ علي.(1)

وهذا النصّ يجمع السنّة التي يدين بها أهل الحديث وقد اقتدى بهم الأشعري في أكثرها، وقد تقدم الأُصول التي نسبها الأشعري إلى أهل السنّة. وهذه الأُصول التي جاء بها محمّد بن عكاشة ملفقة من أُصول اتّفق على صحتها أهل القبلة وأُصول مختلف فيها، وأُصول مزورة ومختلقة ومكذوبة على الإسلام أساساً.

غير أنّنا نبحث عن بعض الأُصول التي زعمها أهل الحديث أُصولاً صحيحة وهي عندنا مفتعلة على الإسلام ومختلقة، ونختار منها المواضيع التالية:

1. إطاعة السلطان الجائر والصبر تحت لوائه.

2. عدالة الصحابة جميعاً.

3. الإيمان بالقدر خيره وشره.

4. الإيمان بخلافة الخلفاء.


1 . التنبيه والرد لأبي الحسين الملطي: ص 14ـ 15 وممّا يجب التعليق عليه: أنّ محمد بن عكاشة مرمي بالكذب ووضع الحديث، فقد قال الرازي في كتاب «الجرح والتعديل»: محمد بن عكاشة الكرماني، روى عبد الرزاق: حدّثنا عبد الرحمن قال: سئل أبو زرعة عنه؟ فقال: قد رأيته وكتبت عنه وكان كذاباً، قدم علينا مع محمد بن رافع النيسابوري وكان رفيقه، فأوّل ما أملى حديث كذب على اللّه عزّوجلّ وعلى رسوله. (لاحظ الجرح والتعديل للحافظ أبي حاتم الرازي:8/52 ط الهند).


(182)

وممّا يعجب القارئ في مثل هذه الكلمة قوله: «إنّ هؤلاء كلهم يقولون: رأينا أصحاب رسول اللّه كانوا يقولون»، مع أنّه ليس بين هؤلاء العلماء تابعي واحد حتى تصح منهم رؤية أصحاب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وهذا من أغرب الغرائب!!


(183)

الموضوعات الهامّة في عقائد أهل الحديث

1. إطاعة السلطان الجائر و الصبر تحت لوائه

2.عدالة الصحابة جميعاً

3. الإيمان بالقدر خيره وشره.

4. الإيمان بخلافة الخلفاء

***


(184)

1

إطاعة السلطان بين الوجوب والحرمة

إطاعة الحاكم العادل من صميم الدين، قال سبحانه: (أَطيعُوا اللّهَ وَأَطيعُوا الرَّسُولَ وَأُولي الأَمْرِ مِنْكُمْ) .(1)

وليس المراد منه إطاعة مطلق ولاة الأمر، بل المراد خصوص العدول منهم بقرينة النهي عن إطاعة المسرفين والغافلين عن ذكر اللّه سبحانه والمكذبين والآثمين وغيرهم.

قال سبحانه: (ولا تُطِع مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا واتّبَعَ هَواهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطاً) .(2)

وقال سبحانه: (يا أيّها النّبيُّ اتّقِ اللّهَ ولا تُطِعِ الكافرينَ والمُنافِقِين) .(3)

وقال سبحانه: (فَلا تُطِعِ المُكَذِّبين) .(4)

وقال تعالى: (ولا تُطِعْ كُلَّ حَلاّف مَهِين) .(5)


1 . النساء:59.
2 . الكهف:28.
3 . الأحزاب:1.
4 . القلم:8.
5 . القلم:10.


(185)

وقال سبحانه:(فَاصبِرْ لِحُكْمِ رَبّكَ وَلا تُطِع مِنْهُمْ آثماً أَوْ كَفُوراً) .(1)

وقال تعالى: (وَلاتُطِيعُوا أَمْرَ المُسرِفين) .(2)

إلى غير ذلك من الآيات الناهية عن طاعة الطغاة العصاة. فبقرينة هذه الآيات الناهية يصحّ أن يقال: إنّ المراد من الأمر بإطاعة أُولي الأمر، هو إطاعة العدول منهم.

وقد تضافرت الروايات على وجوب إطاعة السلطان العادل المعربة عن عدم وجوب إطاعة السلطان الجائر أوحرمتها.

قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :«السلطان العادل المتواضع، ظل اللّه ورمحه في الأرض ويرفع له عمل سبعين صدّيقاً».(3)

وقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «ما من أحد أفضل منزلة من إمام، إن قال صدق، وإن حكم عدل، وإن استرحم رحم».(4)

وقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «أحبّ الناس إلى اللّه يوم القيامة وأدناهم مجلساً، إمام عادل; وأبغض الناس إلى اللّه وأبعدهم منه، إمام جائر».(5)

وقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «السلطان ظلّ اللّه في الأرض، يأوي إليه الضعيف وبه ينصر المظلوم، ومن أكرم سلطان اللّه في الدنيا أكرمه اللّه يوم القيامة».(6)

وقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «ثلاثة من كنّ فيه من الأئمّة صلح أن يكون إماماً اضطلع بأمانته: إذا عدل في حكمه، ولم يحتجب دون رعيته، وأقام كتاب اللّه تعالى في القريب والبعيد»(7)... إلى غير ذلك من الروايات


1 . الإنسان:24.
2 . الشعراء:151.
3 . كنز العمال:6/6، الحديث 14589.
4 . المصدر السابق:الحديث 14593، 14604، 14572.
5 . المصدر السابق:الحديث 14593، 14604، 14572.
6 . المصدر السابق:الحديث 14593، 14604، 14572.
7 . المصدر السابق:5، الحديث 14315.


(186)

التي يقف عليها المتتبع في الجوامع الحديثية.

هذا من طريق أهل السنّة وأمّا من طريق الشيعة فحدّث عنه ولا حرج.

روى عمر بن حنظلة عن الصادق ـ عليه السَّلام ـ في لزوم طاعة الحاكم العادل:«من روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً، فإنّي جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه، فإنّما استخف بحكم اللّه وعلينا ردّ، والرادّ علينا، الرادّ على اللّه وهو على حدّ الشرك باللّه».(1)

ونكتفي ـ هنا ـ بقول الإمام الحسين بن علي ـ عليهما السَّلام ـ في كتابه إلى أهل الكوفة حيث قال ـ عليه السَّلام ـ : «فلعمري ما الإمام إلاّ الحاكم بالكتاب، القائم بالقسط، الدائن بدين الحقّ، الحابس نفسه على ذات اللّه».(2)

إذاً فوجوب إطاعة السلطان العادل ممّا لا شكّ فيه، ولا يحتاج إلى إسهاب الكلام فيه، ولكن الحنابلة ذهبوا إلى غير ذلك، وإليك البيان.

إطاعة السلطان الجائر

فلقد اتّفقت كلمة الحنابلة ومن لفّ لفّهم على وجوب إطاعة السلطان الجائر وإليك نصوصهم:

قال أحمد بن حنبل في إحدى رسائله: السمع والطاعة للأئمّة وأمير المؤمنين البر والفاجر، ومن ولي الخلافة فأجمع الناس ورضوا به، ومن غلبهم بالسيف وسمّي أمير المؤمنين، والغزو ماض مع الأُمراء إلى يوم القيامة، البر والفاجر، وإقامة الحدود إلى الأئمّة وليس لأحد أن يطعن عليهم وينازعهم، ودفع الصدقات إليهم جائز، من دفعها إليهم أجزأت عنهم، براً كان أو


1 . الوسائل: الجزء18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.
2 . بحار الأنوار:15/116; تاريخالطبري:4/262، أحداث سنة 60.


(187)

فاجراً، وصلاة الجمعة خلفه وخلف كلّ من ولي، جائزة إقامته، ومن أعادها فهو مبتدع تارك للآثار مخالف للسنّة.

ومن خرج على إمام من أئمّة المسلمين وكان الناس قد اجتمعوا عليه وأقرّوا له بالخلافة بأي وجه من الوجوه، أكان بالرضا أو بالغلبة فقد شق الخارج عصا المسلمين وخالف الآثار عن رسول اللّه، فإن مات الخارج عليه، مات ميتة جاهلية.(1)

هذا الرأي المنقول عن إمام الحنابلة لا يمكن إنكار صحّة نسبته إليه، ولأجل ذلك قال الأُستاذ أبو زهرة: ولأحمد رأي يتلاقى فيه مع سائر الفقهاء، وهو جواز إمامة من تغلّب ورضيه الناس وأقام الحكم الصالح بينهم، بل إنّه يرى أكثر من ذلك، إنّ من تغلّب وإن كان فاجراً تجب إطاعته حتّى لا تكون الفتن.(2)

والعبارة التي نقلناها عن إمام الحنابلة تكاد تعرب عن وجوب إطاعة الجائر ولو أمر بمعصية الخالق وهو أمر عجيب منه جدّاً مع أنّ أكثر الأشاعرة الذين يحرّمون الخروج عليه، لا يوجبون طاعته في هذا الحال كما يوافيك نصوصهم، ولغرابة رأي ابن حنبل هذا، ذيّله أبو زهرة بقوله: ولكنّه ينظر في هذه القضية إلى مصلحة المسلمين وأنّه لا بدّ من نظام مستقرّ ثابت، وأنّ الخروج على هذا النظام يحل قوة الأُمّةويفك عراها، ولأنّه رأى من أخبار الخوارج وفتنتهم ما جعله يقرر أنّ النظام الثابت أولى وأنّ الخروج عليه يرتكب فيه من المظالم أضعاف ما يرتكبه الحاكم الظالم.

ثمّ إنّه ينظر في القضية نظرة اتباع فإنّ التابعين الذين عاشوا في العصر الأموي إلى أكثر من ثلثي زمانه قد رأوا مظالم كثيرة، ومع ذلك نهوا عن الخروج ولم يسيروا مع الخارجين، وكانوا ينصحون الخلفاء والولاة إن وجدوا آذاناً تسمع، وقلوباً تفقه، وفي كلّ حال لا يخرجون ولا يؤيدون خارجه.(3)


1 . تاريخ المذاهب الإسلامية لأبي زهرة:2/322.
2 . المصدر السابق:ص 321; ولاحظ كتاب السنّة لابن حنبل : 46.
3 . تاريخ المذاهب الإسلامية:2/322.


(188)

وهذا التوجيه من الأُستاذ غريب جدّاً.

أمّا أوّلاً: فلأنّ الخروج على النظام الظالم إذا كان موجباً لحلّ قوّة الأُمّة وفك عراها، يكون الصبر تشويقاً لتماديه في الظلم وإكثار الضغط على الأُمّة وبالنتيجة: تحويل الدين وتحريفه عمّا هو عليه من الحقّ... فأي فائدة تكمن في حفظ قوّة أُمة، انحرفت عن صراطها وتبدّلت سننها وتغيّرت أُصولها، فإنّ الظالم لا يرى لظلمه حدّاً ولتعدّيه ضوابط، فلو رأى أنّ الإسلام بواقعه يضاد آراءه الشخصية وميوله الخبيثة، عمد إلى تغييره وتحويره فليس يقتصر ظلم الظالم على التعدّي على النفوس والأموال، بل الراكب على أعناق الناس يغير كلّ شيء كيفما يريد، وحيثما يرى أنّه لصالح شخصه، والتاريخ شاهدنا الأصدق على ذلك.

وأمّا ثانياً: فإنّ الأُستاذ أبا زهرة نسب إلى التابعين الذين عاشوا في العصر الأموي إلى أكثر من ثلثي زمانه بأنّهم رأوا مظالم كثيرة ومع ذلك نهوا عن الخروج ولم يسيروا مع الخارجين... ولكنّه غفل عن قضية الحرة الدامية حيث كان الخارجون فيها على الحكومة الغاشمة هم الصحابة والتابعين....

وهذا المسعودي صاحب «مروج الذهب» ينقل إلينا لمحة عمّا جرى هناك ويقول:

ولمّا انتهى الجيش من المدينة إلى الموضع المعروف بالحرة وعليهم «مسرف» خرج إلى حربه أهلها، عليهم عبد اللّه بن مطيع العدوي وعبد اللّه بن حنظلة الغسيل الأنصاري، وكانت وقعة عظيمة قتل فيها خلق كثير من بني هاشم وسائر قريش والأنصار وغيرهم من سائر


(189)

الناس، فقد قتل من آل أبي طالب اثنان: عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب، وجعفر بن محمد بن علي بن أبي طالب; ومن بني هاشم من غير آل أبي طالب: الفضل بن العباس بن ربيعة بن الحارث ابن عبد المطلب، وحمزة بن عبد اللّه بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب والعباس ابن عتبة ابن أبي لهب بن عبد المطلب، وبضع وتسعون رجلاً من سائر قريش ومثلهم من الأنصار وأربعة آلاف من سائر الناس ممّن أدركه الإحصاء دون من لم يعرف.(1)

هل نسي أبو زهرة(أو لعلّه تناسى) قضية دير الجماجم حيث قام ابن الأشعث التابعي في وجه الحجّاج السفّاك بالموضع المعروف بدير الجماجم فكان بينهم نيف وثمانون وقعة تفانى فيها خلق وذلك في سنّة اثنتين وثمانين.(2)

وعلى كلّ تقدير فقد اقتفى أثر أحمد بن حنبل جماعة من متكلّمي الأشاعرة وغيرهم وادّعوا بأنّ هذه عقيدة إسلامية كان الصحابة والتابعون يدينون بها وأنّه يجب الصبر على الطغاة الظلمة إذا تصدروا منصة الحكم، نعم غاية ما يقولونه هو: إنّه لا تجب إطاعتهم إذا أمروا بالحرام والفساد جاعلين قولهم هذا منعطفهم الوحيد عن قول ابن حنبل وبقية أهل الحديث، وإليك نبذة من أقوال القوم:

1. قال الإمام الشيخ أبو جعفر الطحاوي الحنفي(المتوفّى 321هـ) في رسالته المسمّاة بـ«بيان السنّةوالجماعة» المشهور بـ«العقيدة الطحاوية»: ونرى الصلاة خلف كلّ برّ وفاجر من أهل القبلة ولا نرى السيف على أحد من أُمّة محمّد إلاّ على من وجب عليه السيف(أي سفك الدم بالنصّ القاطع كالقاتل والزاني المحصن والمرتد) ولا نرى الخروج على أئمّتنا ولا ولاة أمرنا وإن جاروا، ولا ندعو على أحد منهم ولاننزع يداً من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعات اللّه عزّوجلّ فريضة علينا مالم يأمروا بمعصية.(3)

2. قال الإمام الأشعري من جملة ما عليه أهل الحديث و السنّة: ويرون العيد والجمعة والجماعة خلف كلّ إمام برّ وفاجر... إلى أن قال: ويرون الدعاء لأئمّة المسلمين بالصلاح، وأن لا يخرجوا عليهم بالسيف، وأن لا يقاتلوا في الفتن.(4)


1 . مروج الذهب:3/69ـ 70.
2 . نفس المصدر السابق:3/132.
3 . شرح العقيدة الطحاوية : 110و 111.
4 . مقالات الإسلاميين: 323.


(190)

3. وقال الإمام أبو اليسر محمد بن عبد الكريم البزدوي: الإمام إذاجار أو فسق لا ينعزل عند أصحاب أبي حنيفة بأجمعهم وهو المذهب المرضي... ثمّ قال: وجه قول عامة أهل السنّة والجماعة إجماع الأُمّة، فإنّهم رأوا الفسّاق أئمّة، فإنّ أكثر الصحابة كانوا يرون بني أُمية وهم بنو مروان أئمّة حتى كانوا يصلون الجمعة والجماعة خلفهم ويرون قضاياهم نافذة، وكذا الصحابة والتابعون، وكذا من بعدهم يرون خلافة بني عباس وأكثرهم فسّاق، ولأنّ القول بانعزال الأئمّة بالفسق، إيقاع الفساد في العالم، وإثبات المنازعات وقتل الأنفس، فإنّه إذا انعزل يجب على الناس تقليد غيره، وفيه فساد كثير ثمّ قال: إذا فسق الإمام يجب الدعاء له بالتوبة ولا يجوز الخروج عليه، وهذا مروي عن أبي حنيفة، لأنّ الخروج إثارة الفتن والفساد في العالم.(1)

4. وقال الإمام أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني (المتوفّى عام 403هـ) في التمهيد: إن قال قائل: ما الذي يوجب خلع الإمام عندكم؟ قيل له: يوجب ذلك أُمور: منها: كفر بعد إيمان، ومنها: تركه الصلاة والدعاء إلى ذلك، ومنها: عند كثير من الناس فسقه وظلمه بغصب الأموال وضرب الأبشار وتناول النفوس المحرمةوتضييع الحقوق وتعطيل الحدود،وقال الجمهور من أهل الإثبات وأصحاب الحديث: لا ينخلع بهذه الأُمور ولا يجب الخروج عليه، بل يجب وعظه وتخويفه وترك طاعته في شيء ممّا يدعو إليه من معاصي اللّه، إذ احتجوا في ذلك بأخبار كثيرة متضافرة عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وعن الصحابة في وجوب طاعة الأئمّة وإن جاروا واستأثروا بالأموال وأنّه قالـ عليه السَّلام ـ : واسمعوا وأطيعوا ولو لعبد أجدع، ولو لعبد حبشي، وصلوا وراء كلّ بر وفاجر. وروي أنّه قال: وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك وأطيعوهم ما أقاموا الصلاة.(2)

5. وقال الشيخ نجم الدين أبوحفص عمر بن محمد النسفي(المتوفّى عام 537هـ) في العقائد النسفية:ولا ينعزل الإمام بالفسق والجور... ويجوز


1 . أُصول الدين: 190ـ 192 .
2 . التمهيد : 186.


(191)

الصلاة خلف كلّ برّ وفاجر.

وعلّله الشارح التفتازاني بقوله: لأنّه قد ظهر الفسق واشتهر الجور من الأئمّة والأُمراء بعد الخلفاء الراشدين، والسلف كانوا ينقادون لهم، ويقيمون الجمع والأعياد بإذنهم، ولا يرون الخروج عليهم.(1)

ما استدلّوا به من روايات لإطاعة الجائر

وقد أيّدت تلك العقائد بروايات ربما يتصور القارئ انّ لها نصيباً من الحقّ أو حظاً من الصدق لكن الحقّ أنّ أكثرها مفتعلة على لسان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قد أفرغها في قالب الحديث جمع من وعاظ السلاطين ومرتزقتهم تحفّظاً على عروشهم وحفظاً لمناصبهم، وإليك بعض تلك الروايات التي رواها مسلم في صحيحه:

1. روى مسلم، عن حذيفة بن اليمان، قلت: يا رسول اللّه... إلى أن قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : يكون بعدي أئمّة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنّتي، وسيقوم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس، قال: قلت: كيف أصنع يا رسول اللّه إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع.

2. وروي عن أبي هريرة، عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّه قال: من خرج من الطاعة وفارق الجماعة مات ميتة الجاهلية... إلى أن قال: ومن خرج على أُمّتي يضرب برها وفاجرها،ولا يتحاشى من مؤمنها ولا يفي لذي عهد عهده فليس منّي ولست منه.

3. روي عن ابن عباس أنّه قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر، فإنّه من فارق الجماعة شبراً فمات، فميتته جاهلية.

4. روي عنه أيضاً، عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: من


1 . شرح العقائد النسفية : 185و 186.


(192)

رأى من أميره شيئاً فليصبر، فإنّه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبراً فمات عليه إلاّمات ميتة جاهلية.

5. روي عن عبد اللّه بن عمر، أنّه جاء إلى عبد اللّه بن مطيع حين كان من أمر الحرة ما كان زمن يزيد بن معاوية فقال: أخرجوا لأبي عبد الرحمن وسادة فقال: إنّي لم آتك لأجلس، أتيتك لأحدّثك حديثاً سمعت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقوله: من خلع يداً من طاعة لقي اللّه يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية.

وقد فسر ابن عمر قول رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بلزوم بيعة يزيد وإطاعته حتى في مسألة الحرة.

6. روي عن أُمّ سلمة، أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «ستكون أُمراء فتعرفون وتنكرون، فمن عرف بريء و من أنكر سلم ولكن من رضي وتابع». قالوا يا رسول اللّه: ألا نقاتلهم؟ قال: «لا ما صلّوا».

7. روي عن عوف بن مالك في حديث: قيل يا رسول اللّه أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئاً تكرهونه فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يداً من طاعته.(1)

وقد أورد ابن الأثير الجزري قسماً من هذه الأحاديث في «جامع الأُصول».(2)

8. روى البيهقي في سننه عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : سيكون بعدي خلفاء يعملون بما يعلمون،ويفعلون بما يؤمرون وسيكون بعدهم خلفاء يعملون بما لا يعلمون ويفعلون مالا يؤمرون، فمن أنكر عليهم برئ ومن أمسك يده سلم ولكن من رضي وتابع.(3)


1 . صحيح مسلم: 6/20ـ 24، باب الأمر بلزوم الجماعة، وباب حكم من فارق أمر المسلمين.
2 . لاحظ جامع الأُصول:4، الكتاب الرابع في الخلافة والأمارة، الفصل الخامس ص 451 الخ.
3 . السنن الكبرى: 8/158.


(193)

9.وروى ابن عبد ربه، عن عبد اللّه بن عمر: إذا كان الإمام عادلاً فله الأجر وعليك الشكر، وإذا كان الإمام جائراً فعليه الوزر وعليك الصبر.(1)

10. وهذه الأحاديث تهدف إلى قول أحمد بن حنبل فقد عرفت ما في إحدى رسائله وهذا نصّه: السمع والطاعة للأئمّة وأمير المؤمنين البر والفاجر ومن ولي الخلافة فاجتمع عليه الناس ورضوا به ومن غلبهم بالسيف وسمّي أمير المؤمنين، والغزو ماض مع الأُمراء إلى يوم القيامة.(2)

عرض أحاديث إطاعة الجائر على القرآن

وقبل كلّ شيء يجب علينا أن نعرض تلك الروايات على كتاب اللّه سبحانه فإنّه المحك الأوّل لتشخيص الحديث الصحيح من السقيم.

قال سبحانه حاكياً عن العصاة والكفّار:(يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنا اللّهَ وَأَطَعنا الرَّسُولا* و قالُوا رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سَادَتَنا وَكُبَرَاءَنا فَأَضَلُّونا السَّبِيلا* رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَينِ مِنَ العَذابِ وَالعَنْهُمْ لَعْناً كَبيراً).(3)

فهذا القسم من الآيات يندّد بقول من يرى وجوب طاعة السلطان الظالم التي توجب ضلالة المطيع له عن السبيل السوي، وثمة آيات تندّد بعمل من يصبر على عمل الطاغية من دون أن يأمره بالمعروف أو ينهاه عن المنكر، وترى نفس السكوت والصبر على طغيان الطاغية جرماً وإثماً موجباً للهلاك، وهذه الآيات هي الواردة حول قوم بني إسرائيل الذين كانوا يعيشون قرب ساحل من سواحل البحر فتقسّمهم إلى أصناف ثلاثة:

الأوّل: الجماعة المعتدية العادية التي رفضت حكم اللّه سبحانه حيث حرم عليهم صيد البحر يوم السبت قال سبحانه: (إِذْ يعدون في السّبت إِذ )


1 . العقد الفريد:1/8.
2 . تاريخ المذاهب الإسلامية:2/322.
3 . الأحزاب:66ـ 68.


(194)

تَأْتيهِمْ حيتانُهُمْ يَوْم سَبْتِهِمْ شُرّعاً وَيَومَ لا يَسْبِتُون لا تَأْتيهِمْ...).(1)

الثاني: الجماعة الساكتة التي أهمّتهم أنفسهم لا يرتكبون ماحرم اللّه وفي الوقت نفسه لا ينهون الجماعة العادية عن عدوانها، بل كانوا يعترضون على الجماعة الثالثة التي كانت تقوم بواجبها الديني من إرشاد الجاهل والقيام في وجه العاصي والطاغي، بقولهم: (لِمَ تَعِظُونَ قَوماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أو مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً) .(2)

الثالث: الجماعة الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر معتبرين ذلك وظيفة دينية عريقةونصيحة لازمة للإخوان وقد حكى اللّه سبحانه عن لسانهم في محكم كتابه العزيز حيث قال: (مَعْذِرةً إِلى ربِّكُمْ ولَعَلَّهُمْ يَتَّقُون) .(3)

نرى أنّ اللّه سبحانه أباد الطائفتين الأوّليين وأنجى الثالثة. قال سبحانه: (فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخذْنا الّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذاب بَئيس بِما كانُوا يَفْسُقُون) .(4)

فالآية الأخيرة صريحة في حصر النجاة في الناهين عن السوء فقط وهلاك العادين والساكتين عن عدوانهم، فلو كان السكوت والصبر على عدوان العادين أمراً جائزاً لماذا عمّ العذاب كلتا الطائفتين؟ أو ما كان في وسع هؤلاء أن يعتذروا للقائمين بالأمر بالمعروف، بأنّ في القيام والخروج وحتى في النصيحة بالقول، تضعيفاً لقوة الأُمّة وفكّاً لعراها؟

فلو دلّت الآية الأُولى على حرمة طاعة الظالم في الحرام، ودلّت الآية الثانية على حرمة السكوت في مقابل طغيان العادين، فهناك آية ثالثة تدلّ على حرمة الركون إلى الظالم يقول سبحانه: (وَلا تَركَنُوا إِلى الَّذينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّار).(5)


1 . الأعراف:163.
2 . الأعراف:164.
3 . الأعراف:164.
4 . الأعراف:165.
5 . هود:113.


(195)

أو ليس تأييد الحاكم الجائر والدعاء له في الجمعة والجماعات وإقامة الصلاة بأمره، وإدارة كلّ شأن خوّل منه إليه، يعد ركوناً إلى الظالم؟! فما هو جواب هؤلاء المرتزقة في ما يسمّى بالدول الإسلامية الذين يعترفون بجور حكامهم وانحرافهم عن الصراط السوي، ومع ذلك يدعون لهم عقب خطب الجمعات بطول العمر ودوام السلامة ويديرون الشؤون الدينية حسب الخطط التي يرسمها ويصوّرها لهم أُولئك الحكام، الذين يعدهم هؤلاء المرتزقة محاور ومراكز،ويعدّون أنفسهم أقماراً تدور في أفلاكها، اللّهمّ إلاّ أن يعتذر هؤلاء بعدم التمكّن ممّا يجب عليهم من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر على مراتبها المختلفة، ولكنّه عذر لا يقبل في كثير من الأحيان، وعلى ذلك الأساس فما قيمة تلك الروايات المعارضة لنصوص الكتاب وصريح الذكر الحكيم؟!

أحاديث معارضة لأحاديث طاعة الجائر

إنّ هناك روايات تنفي صحّة الروايات السابقة وتجعلها في مدحرة البطلان وقد نقلها أصحاب الصحاح والسنن أيضاً وعند المعارضة يؤخذ من السنّة الشريفة ما يوافق كتاب اللّه الحكيم. وإليك نزراً من تلك الروايات:

قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «اسمعوا: سيكون بعدي أمراء، فمن دخل عليهم فصدّقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس منّي ولست منه، وليس بوارد علي الحوض».(1)

هذا بعض ما لدى السنّة من الروايات، و أمّا ما لدى الشيعة فنأتي ببعضها:

1. عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّه قال: «ألا ومن علق سوطاً بين يدي سلطان، جعل اللّه ذلك السوط يوم القيامة ثعباناً من النار طوله سبعون ذراعاً يسلّطه اللّه عليه في نار جهنم وبئس المصير».


1 . جامع الأُصول:4/75 نقلاً عن الترمذي والنسائي.


(196)

2. وعنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّه قال: «إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين أعوان الظلمة، ومن لاق لهم دواة أو ربط لهم كيساً، أو مد لهم مدة قلم، فاحشروهم معهم».

3. وعنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّه قال: «من خفّ لسلطان جائر في حاجة كان قرينه في النار».

4. وقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «ما اقترب عبد من سلطان جائر إلاّتباعد من اللّه».

5. وعن الإمام جعفر بن محمد الصادق ـ عليهما السَّلام ـ أنّه قال: «من أحبّ بقاء الظالمين، فقد أحبّ أن يعصى اللّه».

6. و عنه ـ عليه السَّلام ـ أنّه قال: «من سوّد اسمه في ديوان الجبّارين حشرهاللّه يومالقيامة حيراناً».

7. وعنه ـ عليه السَّلام ـ أنّه قال: «من مشى إلى ظالم ليعينه وهو يعلم أنّه ظالم، فقد خرج عن الإسلام».

8. وعن الإمام الصادق جعفر بن محمد ـ عليهما السَّلام ـ أنّه قال: «ما أحبّ أنّي عقدت لهم عقدة، أو وكيت لهم وكاء وأنّ لي ما بين لابتيها، لا، ولا مدة بقلم، إنّ أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتى يفرغ اللّه من الحساب».(1)

وغيرها من عشرات الأحاديث والروايات الواردة من النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأهل بيته المعصومين ـ عليهم السَّلام ـ الناهية عن السكوت على الحاكم الجائر، والحاثّة على زجره ودفعه، والإنكار عليه بكلّ الوسائل الممكنة، فهذه الأحاديث تدلّ على أنّ ما مرّ من الروايات الحاثة على السكوت عن الحاكم الظالم، والانصياع لحكمه والتسليم لظلمه، والرضا بجوره، جميعها


1 . راجع لمعرفة هذه الأحاديث وسائل الشيعة:12، الباب 42 من أبواب ما يكتسب به، الأحاديث 6، 10، 11، 12، 14، 15و الباب 44 الحديث 5و 6.


(197)

ممّا لفّقه رواة السوء والجور بإيعاز من السلطات الحاكمة في تلك العصور المظلمة، فنسبوه إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وهو ـ روحي فداه ـ منها براء لمعارضتها الصريحة لمبادئ الكتاب والسنّة الصحيحة.

ولو لم يكن في المقام إلاّ قول علي ـ عليه السَّلام ـ في خطبته: «... وما أخذ اللّه على العلماء أن لا يقارّوا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم... » (1) لكفى في وهن تلك الروايات المفتعلة على لسان النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

***

وفي ختام الكلام نلفت نظر القارئ الكريم إلى ما قاله الإمام أبو الشهداء الحسين بن علي ـ عليهما السَّلام ـ لأهل الكوفة حيث خطب أصحابه وأصحاب الحرّ(قائد جيش عبيد اللّه بن زياد آنذاك) فحمد اللّه وأثنى عليه ثمّ قال: «أيّها الناس إنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: من رأى سلطاناً جائراً، مستحلاً لحرم اللّه، ناكثاً لعهد اللّه، مخالفاً لسنّة رسول اللّه، يعمل في عباد اللّه بالإثم والعدوان، فلم يغير عليه بفعل ولا قول، كان حقّاً على اللّه أن يدخله مدخله، ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام اللّه وحرّموا حلاله، وأنا أحقّ من غيّر».(2)

وهذه النصوص الرائعة المؤيّدة بالكتاب والسنّة وسيرة السلف الصالح من الصحابة والتابعين الذين قاموا في وجه الطغاة من بني أُمّية وبني العباس، تشهد بأنّ ما نسب إلى الصحابة والتابعين من الاستسلام والسكوت على ظلم الظالمين لكون ذلك من عقيدتهم الإسلامية ما هو إلاّ بعض مفتعلات أصحاب العروش وقد وضعها وعّاظهم ومرتزقتهم، وإلاّفالطيّبون من الصحابة والتابعين بريئون من هذه النسبة.


1 . نهج البلاغة: الخطبة 3.
2 . تاريخ الطبري: 4/304، حوادث سنة 61.


(198)

صراع بين العقيدة والوجدان

نرى أنّ بعض الشباب المسلم في البلاد الإسلامية، قد انخرطوا في الأحزاب السياسية، ورفضوا الدين من أساسه، ولعلّ بعض السبب هو أنّهم وجدوا في أنفسهم صراعاً بين العقيدة والوجدان. فمن جانب، توحي إليهم فطرتهم وعقيدتهم الإنسانية السليمة، أنّه تجب مكافحة الظالمين، والخروج عليهم، ونصرة المظلومين وانتزاع حقوقهم من أيدي الظالمين; ومن جانب آخر يسمعون من علماء الدين أو المتزيين بلباسهم، أنّه لا يجوز الخروج على السلطان، بل تجب طاعته وإن أمر بالظلم والعدوان. فحينئذ يقع الشاب في حيرة من أمره بين اتّباع الفطرة والعقل السليم، واتّباع كلام هؤلاء العلماء الذين ينطقون باسم الدين خصوصاً إذا كان المتكلّم رجلاً يكيل له المجتمع الاحترام والإكبار، ويعرفه التاريخ بالخطيب الزاهد، كالحسن البصري فإنّه عندما سئل عن مقاتلة الحجاج ـ ذلك السيف المشهر على الأُمّة والإسلام ـ فأجاب: أرى أن لا تقاتلوه، فإنّه إن يكن عقوبة من اللّه، فما أنتم برادّيها، وإن يكن بلاءً فاصبروا حتى يحكم اللّه وهو خير الحاكمين.فخرج السائلون من عنده وهم يقولون مستنكرين ما سمعوا منه: أنطيع هذا العلج. ثمّ خرجوا مع ابن الأشعث إلى قتال الحجاج.(1)

فإذا سمع الشاب الثوري هذه الكلمة من عميد الدين وخطيبه ـ كما يقال ـ عاد يصف جميع رجال الدين بما وصف به الحسن البصري، وبالتالي يخرج من الدين ويتركه، ويصف الدين سناداً للظالم وملجأ له.

وفي الختام نوجه نظر الأعلام من السنّة إلى خطورة الموقف في هذه الأيّام، وأنّ أعداءالإسلام لبالمرصاد يصطادون الشباب بسهام الدعاية الكاذبة، ويعرّفون الإسلام بأنّه سند الظالمين وركن الجائرين بحجة أنّه ينهى عن الخروج على السلطان الجائر.


1 . الطبقات الكبرى لابن سعد:7/164.


(199)

والمسلم غير العارف بالدين وما أُلصق به، لا يميّز بين الحقيقة الناصعة وبين ما أُلبس عليها من ثوب رديء قاتم.

وليس هذا أوّل ولا آخر مورد يجد الشاب الثوري صراعاً في نفسه بين العقلية الإنسانية والدعاية الكاذبة عن الإسلام، فيختار وحي الفطرة ويصبح ثائراً على القوى الطاغية، ويظن أنّه ترك الإسلام بظن أنّ المتروك هو الدين الحقيقي الذي أنزله اللّه تعالى على النبي محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، و هذه الجريمة متوجهة بالدرجة الأُولى إلى هذا النمط من العلماء.

فواجب علماء الدين أن يرجعوا إلى المصادر الإسلامية الصحيحة في تشخيص ما هو من صميم الدين عمّا أُلصق به، ولا يقتنعوا بما كتب باسم الدين عن السلف الصالح، وليس كلّ ما نسب إلى السلف الصالح، أو قالوا به من صميم الدين، كما أنّه ليس كلّ سلف صالحاً، بل هم بين صالح وطالح، وسعيد وشقي، وعالم وجاهل، وليس كلّ سلف أفضل وأتقى وأعلم من كلّ خلف، فليذكروا المثل السائر: «كم ترك الأوّل للآخر»، فليدرسوا الأُصول المسلّمة من رأس، نعم لا أنكر أنّ هناك أُناساً واقفين على الحقيقة ولكنّهم يكتمونها، لأنّ مصالحهم الشخصية لا تقتضي إظهارها، وقد نزل فيهم قوله سبحانه: (إِنَّ الّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ وَ الهُدَى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ فِي الكِتابِ أُولئكَ يَلْعَنُهُمُ اللّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُون) (1)، كما أنّ بينهم شخصيات لامعة جاهروا بالحقيقة وأصحروا بها واشتروا رضا الرب بأثمان غالية وتضحيات ثمينة.

فهذا إمام الحرمين يقول: إن الإمام إذاجار وظهر ظلمه وغشمه ولم يرعو لزاجر عن سوء صنيعه، فلأهل الحل والعقد، التواطؤ على ردعه، ولو بشهر السلاح ونصب الحروب.(2)

في الختام نعطف نظر القارئ الكريم إلى قوله سبحانه عندما يأمر


1 . البقرة:159.
2 . شرح المقاصد:2/272.


(200)

المؤمنات بالبيعة مع النبي ويقول:(ولا يَعْصينَك فِي مَعْرُوف) (1) فيقيد إطاعة النبي وحرمة مخالفته بما إذا أمر بالمعروف، ومن المعلوم أنّ النبي الأكرم معصوم لا يأمر بالمنكر أبداً وإنّما هو لتعليم غيره، فهل يجوز لمسلم أن يقول بوجوب طاعة السلطان الجائر إذا أمر بالجور والمنكر؟!

***

(وَقالُوا رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونا السَّبِيلا* رَبّنا آتِهِمْ ضِعْفَينِ مِنَ الْعَذابِ والعَنْهُمْ لَعْناً كَبيراً) .(2)


1 . الممتحنة:12.
2 . الأحزاب: 67 ـ 68.


(201)

2

عدالة الصحابة بين العاطفة والبرهان

عدالة الصحابة كلّهم بلا استثناء، ونزاهتهم من كلّ سوء هي أحد الأُصول التي يتديّن بها أهل الحديث، وقد راجت تلك العقيدة بينهم حتى اتخذها الإمام الأشعري أحد الأُصول التي يبتني عليها مذهب أهل السنّة جميعاً(1)، ونحن نعرض هذه العقيدة على الكتاب أوّلاً، وعلى السنّة النبوية الصحيحة ثانياً، وعلى التاريخ ثالثاً حتى يتجلّى الحقّ بأجلى مظاهره إن شاء اللّه تعالى، ولكن قبل أن ندخل في صلب المسألة نقدّم تعريف الصحابي فنقول:

من هو الصحابي؟

إنّ هناك تعاريف مختلفة للصحابي نأتي ببعضها على وجه الإجمال:

1. قال سعيد بن المسيب: «الصحابي، ولا نعدّه إلاّ من أقام مع رسولاللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ سنة أو سنتين وغزا معه غزوة أو غزوتين».

2. قال الواقدي: رأينا أهل العلم يقولون: كلّ من رأى رسول اللّه وقد أدرك فأسلم وعقل أمر الدين ورضيه فهو عندنا ممّن صحب رسول اللّه، ولو


1 . مقالات الإسلاميين:1/323 يقول: «ويعرفون حقّ السلف الذين اختارهم اللّه سبحانه بصحبة نبيّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ويأخذون بفضائلهم ويمسكون عمّا شجر بينهم صغيرهم وكبيرهم»; لاحظ أيضاً كتاب «السنّة»: 49.


(202)

ساعة من نهار ولكن أصحابه على طبقاتهم وتقدّمهم في الإسلام.

3. قال أحمد بن حنبل: أصحاب رسول اللّه كلّ من صحبه شهراً أو يوماً أو ساعة أو رآه.

4. قال البخاري: من صحب رسول اللّه أو رآه من المسلمين فهو أصحابه.

5. وقال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب: لا خلاف بين أهل اللغة في أنّ الصحابي مشتق من الصحبة، قليلاً كان أو كثيراً، ثمّ قال: ومع هذا فقد تقرر للأُمّة عرف فإنّهم لا يستعملون هذه التسمية إلاّ فيمن كثرت صحبته و لا يجيزون ذلك إلاّ فيمن كثرت صحبته لا على من لقيه ساعة أو مشى معه خطى، أو سمع منه حديثاً فوجب ذلك أن لا يجري هذا الاسم على من هذه حاله، ومع هذا فإنّ خبر الثقة الأمين عنه مقبول و معمول به وإن لم تطل صحبته ولا سمع عنه إلاّ حديثاً واحداً».

6. وقال صاحب الغوالي: لا يطلق اسم الصحبة إلاّ على من صحبه ثمّ يكفي في الاسم من حيث الوضع، الصحبة ولو ساعة ولكن العرف يخصصه بمن كثرت صحبته.

قال الجزري بعد ذكر هذه النقول، قلت: وأصحاب رسول اللّه على ما شرطوه كثيرون فإنّ رسول اللّه شهد حنيناً ومعه اثنا عشر ألف سوى الأتباع والنساء، وجاء إليه«هوازن» مسلمين فاستنقذوا حريمهم وأولادهم، وترك مكة مملوءة ناساً وكذلك المدينة أيضاً، وكلّ من اجتاز به من قبائل العرب كانوا مسلمين فهؤلاء كلّهم لهم صحبة، وقد شهد معه تبوك من الخلق الكثير ما لا يحصيهم ديوان، وكذلك حجة الوداع، وكلّهم له صحبة.(1)

ولا يخفى أنّ التوسع في مفهوم الصحابي على الوجه الذي عرفته في كلماتهم ممّا لا تساعد عليه اللغة والعرف العام، فإنّ صحابة الرجل عبارة عن


1 . أُسد الغابة:1/11ـ12، طبع مصر.


(203)

جماعة تكون لهم خلطةومعاشرة معه مدّة مديدة، فلا تصدق على من ليس له حظ إلاّالرؤية عن بعيد أو سماع الكلام أو المكالمة أو المحادثة فترة يسيرة أو الإقامة معه زمناً قليلاً.

وأظن أنّ في هذا التبسيط والتوسع غاية سياسية، لما سيوافيك أنّ النبي قد تنبّأ بارتداد ثلة من أصحابه بعد رحلته فأرادوا بهذاالتبسيط، صرف هذه النصوص إلى الأعراب وأهل البوادي، الذين لم يكن لهم حظ من الصحبة إلاّلقاء قصير وسيأتي أنّ هذه النصوص راجعة إلى الملتفين حوله الذين كانوا مع النبي ليلاً ونهاراً، صباحاً ومساءً إلى حدّ كان النبي يعرفهم بأعيانهم وأشخاصهم وأسمائهم، فكيف يصحّ صرفها إلى أهل البوادي والصحاري من الأعراب، فتربّص حتى تأتيك النصوص.

وعلى كلّ تقدير فلسنا في هذا البحث بصدد تعريف الصحابة وتحقيق الحقّ بين هذه التعاريف غير أنّا نركز الكلام على أنّ أهل السنّة يقولون بعدالة هذا الجم الغفير المدعوين باسم الصحابة، وإليك كلماتهم:

عدالة جميعالصحابة

قال ابن عبد البر: نثبت عدالة جميعهم.(1)

وقال ابن الأثير: إنّ السنن التي عليها مدار تفصيل الأحكام ومعرفة الحلال الحرام إلى غير ذلك من أُمور الدين، إنّما تثبت بعد معرفة رجال أسانيدها ورواتها. وأوّلهم والمقدّم عليهم أصحاب رسول اللّه، فإذاجهلهم الإنسان كان بغيرهم أشدّجهلاً وأعظم إنكاراً، فينبغي أن يعرفوا بأنسابهم وأحوالهم، هم وغيرهم من الرواة حتى يصحّ العمل بما رواه الثقاة منهم وتقوم به الحجّة، فإنّ المجهول لا تصحّ روايته ولا ينبغي العمل بما رواه. والصحابة يشاركون سائر الرواة في جميع ذلك إلاّفي الجرح والتعديل، فإنّهم كلّهم عدول لا يتطرق إليهم الجرح، لأنّ اللّه عزّوجلّ ورسوله زكياهم وعدلاهم، وذلك مشهور


1 . الاستيعاب في أسماء الأصحاب:1/2 في هامش «الإصابة».


(204)

لا نحتاج لذكره.(1)

وقال الحافظ ابن حجر في الفصل الثالث من الإصابة: اتّفق أهل السنّة على أنّ الجميع عدول ولم يخالف في ذلك إلاّ شذوذ من المبتدعة. وقد ذكر الخطيب في الكفاية فصلاً نفيساً في ذلك فقال: عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل اللّه لهم وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم، ثمّ نقل عدّة آيات حاول بها إثبات عدالتهم وطهارتهم جميعاً إلى أن قال: روى الخطيب بسنده إلى أبي زرعة الرازي قال: إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسو لاللّه فاعلم أنّه زنديق، وذلك أنّ الرسول حقّ، والقرآن حقّ، وما جاء به حقّ، وإنّما أدّى إلينا ذلك كلّه الصحابة، وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنّة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة.(2)

هذه كلمات القوم وكم لها من نظائر نتركها طلباً للاختصار.

تقييم نظرية عدالة جميعالصحابة

تقييم هذه النظرية يتم بتبيين أُمور:

1. إنّ البحث عن عدالة الصحابي أو جرحه ليس لغاية إبطال الكتاب والسنّة ولا لإبطال شهود المسلمين، لما سيوافيك من أنّ الكتاب شهد على فضل عدّة منهم، وزيغ آخرين وهكذا السنّة، إنّما الغاية في هذا البحث هي الغاية في البحث عن عدالة التابعين ومن تلاهم من رواة القرون المختلفة، فالغاية في الجميع هي التعرّف على الصالحين والطالحين، حتى يتسنّى لنا أخذ الدين عن الصلحاء والتجنب عن أخذه عن غيرهم، فلو قام الرجل بهذا العمل وتحمل العبء الثقيل، لما كان عليه لوم فلو قال أبو زرعة ـ مكان قوله الآنف ـ هذا القول: «إذا رأيت الرجل يتفحّص عن أحد من أصحاب الرسول لغاية العلم بصدقه أو كذبه، أو خيره أو شره، حتى يأخذ دينه عن


1 . أُسد الغابة:2/3.
2 . الإصابة:1/17.


(205)

الخيرة الصادقين، ويحترز عن الآخرين، فاعلم أنّه من جملة المحقّقين في الدين والمتحرين للحقيقة»، لكان أحسن وأولى بل هو الحسن والمتعيّن.

ومن غير الصحيح أن يتهم العالم أحداً، يريد التثبت في أُمور الدين، والتحقيق في مطالب الشريعة، بالزندقة وأنّه يريد جرح شهود المسلمين لإبطال الكتاب والسنّة، وما شهود المسلمين إلاّالآلاف المؤلّفة من أصحابه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فلا يضر بالكتاب والسنّة جرح لفيف منهم وتعديل قسم منهم، وليس الدين القيم قائماً بهذا الصنف من المجروحين. ما هكذا تورد يا سعد الإبل!!.

2. إنّ هذه النظرية تكوّنت ونشأت من العاطفة الدينية التي حملها المسلمون تجاه الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وجرّتهم إلى تبنّي تلك الفكرة وقد قيل: من عشق شيئاً، عشق لوازمه وآثاره.

إنّ صحبة الصحابة لم تكن بأكثر ولا أقوى من صحبة امرأة نوح وامرأة لوط فما أغنتهما عن اللّه شيئاً، قال سبحانه: (ضَرَبَ اللّهُ مَثلاً لِلّذينَ كَفَرُوا امرأَةَ نُوح وَامرأَةَ لُوط كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللّهِ شَيئاً وَقيلَ ادخُلا النّار مَعَ الدّاخلين) .(1)

إنّ التشرّف بصحبة النبي لم يكن أكثر امتيازاً وتأثيراً من التشرّف بالزواج من النبي، وقد قال سبحانه في شأن أزواجه: (يا نِساءَ النَّبيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَة مُبَيِّنة يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلى اللّهِ يَسيراً) .(2)

3. إنّ أساتذة العلوم التربوية كشفوا عن قانون مجرب، وهو أنّ الإنسان الواقع في إطار التربية، إنّما يتأثر بعواملها إذا لم تكتمل شخصيته الروحية والفكرية، لأنّ النفوذ في النفوس المكتملة الشخصية، والتأثير عليها والثورة على أفكارها وروحياتها، يكون صعباً جدّاً (ولا أقول أمراً محالاً) بخلاف ما إذا كان الواقع في إطارها صبياً يافعاً أو شاباً في عنفوان شبابه، إذ عندئذ يكون قلبه


1 . التحريم:10.
2 . الأحزاب:30.


(206)

وروحه كالأرض الخالية تنبت ما ألقي فيها، وعلى هذا الأساس لا يصحّ لنا أن نقول: إنّ الصحبة والمجالسة وسماع بعض الآيات والأحاديث، أوجدت ثورة عارمة في صحابة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأزالت شخصياتهم المكونة طيلة سنين في العصر الجاهلي، وكونت منهم شخصيات عالية تعد مثلاً للفضل والفضيلة.

مع أنّهم كانوا متفاوتين في السن ومقدار الصحبة، مختلفين في الاستعداد والتأثر، وحسبك أنّ بعضهم أسلم وهو صبي لم يبلغ الحلم، وبعضهم أسلم وهو في أوّليات شبابه، كما أسلم بعضهم في الأربعينات والخمسينات من أعمارهم، إلى أن أسلم بعضهم وهو شيخ طاعن في السن يناهز الثمانين والتسعين.

فكما أنّهم كانوا مختلفين في السن عند الانقياد للإسلام، كذلك كانوا مختلفين أيضاً في مقدار الصحبة فبعضهم صحب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من بدء البعثة إلى لحظة الرحلة، وبعضهم أسلم بعد البعثة وقبل الهجرة، وكثير منهم أسلموا بعد الهجرة وربما أدركوا من الصحبة سنة أو شهراً أو أيّاماً أو ساعة، فهل يصحّ أن نقول: إنّ صحبة ما، قلعت ما في نفوسهم جميعاً من جذور غير صالحة وملكات رديةوكونت منهم شخصيات ممتازة أعلى وأجل من أن يقعوا في إطار التعديل والجرح؟!

إنّ تأثير الصحبة عند من يعتقد بعدالة الصحابة كلّهم أشبه شيء بمادة كيمياوية تستعمل في تحليل عنصر كالنحاس إلى عنصر آخر كالذهب، فكأنّ الصحبة قلبت كلّ مصاحب إلى إنسان مثالي يتحلّى بالعدالة، وهذا ممّا يردّه المنطق والبرهان، وذلك لأنّ الرسول الأعظم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لم يقم بتربية الناس وتعليمهم عن طريق الإعجاز(فَلَو شاء لَهَداكم أَجْمَعين) (1) بل قام بإرشاد الناس ودعوتهم إلى الحقّ وصبهم في بوتقات الكمال مستعيناً بالأساليب الطبيعية والإمكانيات الموجودة كتلاوة القرآن الكريم، والنصيحة بكلماته النافذة، وسلوكه القويم وبعث رسله ودعاة دينه إلى الأقطار ونحو


1 . الأنعام:149.


(207)

ذلك، والدعوة القائمة على هذا الأساس يختلف أثرها في النفوس حسب اختلاف استعدادها وقابلياتها، فلا يصحّ لنا أن نرمي الجميع بسهم واحد.

إلى هنا خرجنا بهذه النتيجة وهي: أنّ الأُصول التربوية تقضي بأنّ بعض الصحابة يمكن أن يصل في قوّة الإيمان و رسوخ العقيدة إلى درجات عالية، كما يمكن أن يصل بعضهم في الكمال والفضيلة إلى درجات متوسطة، ومن الممكن أن لا يتأثر بعضهم بالصحبة وسائر العوامل المؤثرة إلاّ شيئاً طفيفاً لا يجعله في صفوف العدول وزمرة الصالحين.

هذا هو مقتضى التحليل حسب الأُصول النفسية والتربوية غير أنّ البحث لا يكتمل، ولا يصحّ القضاء البات إلاّ بالرجوع إلى القرآن الكريم حتى نقف على نظره فيهم كما تجب علينا النظرة العابرة إلى كلمات الرسول في حقّهم، وملاحظة سلوكهم وحياتهم في زمنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وبعده.

الصحابة في الذكر الحكيم

نرى أنّ الذكر الحكيم يصنف صحابة النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ويمدحهم في ضمن أصناف نأتي ببعضها:

1. السابقون الأوّلون

يصف الذكر الحكيم السابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بأنّ اللّه رضي عنهم وهم رضوا عنه، قال عزّمن قائل:(وَالسّابِقُونَ الأَوّلُونَ مِنَ المُهاجِرينَ وَالأَنْصارِ وَالّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسان رَضَيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنّات تَجْري تَحْتَها الأَنْهارُ خالِدينَ فِيها أَبداً ذلِكَ الفَوزُ العَظيم)(1).


1 . التوبة:100.


(208)

2. المبايعون تحت الشجرة

يصف سبحانه جماعة من الصحابة الذين بايعوه تحت الشجرة بنزول السكينة عليهم، ويقول في محكم كتابه: (لَقَدَ رَضِيَ اللّه عَنِ الْمُؤْمِنينَ إِذْيُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكينَة عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتحاً قَريباً) .(1)

3. المهاجرون

وهؤلاء هم الذين يصفهم تعالى ذكره بقوله: (لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَموالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ) .(2)

4. أصحاب الفتح

هؤلاء هم الذين وصفهم اللّه سبحانه وتعالى في آخر سورة الفتح بقوله: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّآءُ عَلى الكُفّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضلاً مِنَ اللّهِ وَرِضْواناً سيماهُمْ في وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السُّجُود ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْع أَخْرَجَ شَطأَهُ فَ آزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاع لِيَغيظَ بِهِمُ الكُفَّارَ وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجراً عَظيماً) .(3)

الأصناف الأُخر للصحابة

فالناظر المخلص المتجرّد عن كلّ رأي مسبق، يجد في نفسه تكريماً لهؤلاء الصحابة غير أنّ القضاء البات في عامة الصحابة يستوجب النظر إلى كلّ الآيات


1 . الفتح:18.
2 . الحشر:8.
3 . الفتح:29.


(209)

القرآنية الواردة في حقّهم فعندئذ يتبيّن لنا أنّ هناك أصنافاً أُخرى من الصحابة غير ما سبق ذكرها، تمنعنا من أن نضرب الكلّ بسهم واحد، ونصف الكلّ بالرضا وبالرضوان. وهذا الصنف من الآيات يدلّ بوضوح على وجود مجموعات من الصحابة تضاد الأصناف السابقة في الخلقيات والملكات والسلوك والعمل، وإليك لفيفاً منهم:

1. المنافقون المعروفون

المنافقون المعروفون بالنفاق الذين نزلت في حقّهم سورة المنافقين، قال سبحانه: (إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللّهِ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافقينَ لَكاذِبُونَ...).(1)

فهذه الآيات تعرب بوضوح عن وجود كتلة قوية من المنافقين بين الصحابة آنذاك وكان لهم شأن فنزلت سورة قرآنية كاملة في حقّهم.

2. المنافقون المختفون

تدلّ بعض الآيات على أنّه كانت بين الأعراب القاطنين خارج المدينة ومن نفس أهل المدينة، جماعة مردوا على النفاق وكان النبي الأعظم لا يعرف بعضهم، ومن تلك الآيات قوله سبحانه: (وَمِمَّنْ حَولَكُمْ مِنَ الأَعرابِ مُنافِقُونَ وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النّفاق)(2) لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ).(3)

لقد أعطى القرآن الكريم عناية خاصة بعصبة المنافقين وأعرب عن نواياهم وندد بهم في السور التالية: البقرة، آل عمران، المائدة، التوبة، العنكبوت، الأحزاب، محمّد، الفتح، الحديد، المجادلة، الحشر، والمنافقين.


1 . المنافقون:1.
2 . مردوا على النفاق: تمرّنوا عليه وتمارسوا عليه.
3 . التوبة: 101.


(210)

وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ المنافقين كانوا جماعة هائلة في المجتمع الإسلامي، بين معروف عرف بسمة النفاق ووصمة الكذب، وغير معروف بذلك، ولكن مقنّع بقناع التظاهر بالإيمان والحب للنبي، فلو كان المنافقون جماعة قليلة غير مؤثرة لما رأيت هذه العناية البالغة في القرآن الكريم، وهناك ثلة من المحقّقين كتبوا حول النفاق والمنافقين رسائل وكتابات، وقد قام بعضهم بإحصاء ما يرجع إليهم، فبلغ مقداراً يقرب من عشر القرآن الكريم (1)، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على كثرة أصحاب النفاق وتأثيرهم يوم ذاك في المجتمع الإسلامي، وعلى ذلك لا يصحّ لنا الحكم بعدالة كلّ من صحب النبي مع غض النظر عن تلك العصابة المجرمة، المتظاهرة بالنفاق أو المختفية في أصحاب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

3. مرضى القلوب

وهذه المجموعة من الصحابة لم يكونوا من زمرة المنافقين بل كانوا يلونهم في الروحيات والملكات مع ضعف في الإيمان والثقة باللّه ورسوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال سبحانه في حقّهم: (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللّهُ وَرَسُولُهُ إِلاّغُرُوراً) .(2)

فأنّى لنا أن نصف مرضى القلوب الذين ينسبون خلف الوعد إلى اللّه سبحانه وإلى رسوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بالتقوى والعدالة؟

4. السمّاعون

تلك المجموعة كانت قلوبهم كالريشة في مهب الريح تتمايل تارة إلى هؤلاء وأُخرى إلى أُولئك بسبب ضعف إيمانهم، وقد حذّر الباري عزّوجلّ المسلمين منهم حيث قال عزّمن قائل، واصفاً إيّاهم بـ«السمّاعون» لأهل


1 . النفاق والمنافقون: تأليف الأُستاذ إبراهيم علي سالم المصري.
2 . الأحزاب:12.


(211)

الفتنة: (إِنَّمَا يَستأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ وَارتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ في رَيْبِهِمْ يَتَردَّدُونَ* ولو أرَادُوا الخُرُوجَ لأَعدُّوا لَهُ عُدَّّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبّطهُمْ وَقيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدينَ* لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاّخَبَالاً ولأَوضَعوْا خِلاَلَكُمْ يَبغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَليمٌ بِالظّالِمِينَ) (1) وذيل الآية دليل على كون السمّاعين من الظالمين لا من العدول.

5. خالطو العمل الصالح بغيره

وهؤلاء هم الذين يقومون بالصلاح والفلاح تارة، والفساد والعيث مرّة أُخرى، فلأجل ذلك خلطوا عملاً صالحاً بعمل سيِّء قال سبحانه: (وَآخَرونَ اعْتَرفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً) .(2)

6. المشرفون على الارتداد

إنّ بعض الآيات تدلّ على أنّ مجموعة من الصحابة كانت قد أشرفت على الارتداد يوم دارت عليهم الدوائر، وكانت الحرب بينهم و بين قريش طاحنة فأحسّوا بضعفهم وقد أشرفوا على الارتداد، عرّفهم الحقّ سبحانه بقوله: (وَطاِئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتهُمْ أَنْفُسهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجاهِليَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شيء قُلْ إنِ الأَمْرَ كُلَّهُ للّهِ يخفونَ في أَنفُسِهِمْ ما لا يبدُونَ لكَ يَقُولُونَ لَو كانَ لَنا مِنَ الأَمْرِ شَيءٌ ما قُتِلْنَا هَاهُنا).(3)

7. الفاسق

إنّ القرآن الكريم يحث المؤمنين وفي مقدّمتهم الصحابة الحضور، على التحرز من خبر الفاسق حتّى يتبيّن، فمن هذا الفاسق الذي أمر القرآن بالتحرّز منه؟ اقرأ أنت ما نزل حول الآية من شأن النزول واحكم بما هو الحقّ.


1 . التوبة: 45ـ 47.
2 . التوبة:102.
3 . آل عمران:154.


(212)

قال سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبأ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصيبُوا قَوماً بِجَهالة فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ) .(1)

فإنّ من المجمع عليه بين أهل العلم أنّه نزل في حقّ الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وذكره المفسرون في تفسير الآية فلا نحتاج إلى ذكر المصادر.

كما نزل في حقّه قوله تعالى: (أَفَمَنْ كانَ مَؤمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوونَ) (2)، نقل الطبري في تفسيره بإسناده أنّه كان بين الوليد وعلي كلام، فقال الوليد: أنا أبسط منك لساناً وأحد منك سناناً وأرد منك للكتيبة. فقال علي: «اسكت فإنّك فاسق» فأنزل اللّه فيهما: (أَفَمَنْ كانَ مَؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُون).(3)

وقد نظم الحديث حسان بن ثابت(شاعر عصر الرسالة) وقال:

أنزل اللّه والكتاب عزيز * في علي و في الوليد قرآناً

فتبوّأ الوليد إذ ذاك فسقاً * وعلي مبوّأ إيماناً

ليس من كان مؤمناً عرف * اللّه كمن كان فاسقاً خواناً

سوف يدعى الوليد بعد قليل * وعلي إلى الحساب عياناً

فعلي يجزى بذاك جناناً * ووليد يجزى بذاك هواناً(4)

أفهل يمكن لباحث حر، التصديق بما ذكره ابن عبد البر وابن الأثير وابن حجر، وفي مقدمتهم أبو زرعة الرازي الذي هاجم المتفحّصين المحقّقين في أحوال الصحابة واتّهمهم بالزندقة.


1 . الحجرات:6.
2 . السجدة:18.
3 . تفسير الطبري:21/62، و تفسير ابن كثير:3/452.
4 . «تذكرة الخواص» سبط ابن الجوزي: 115; «كفاية» الكنجي: 55; «مطالب السؤول» لابن طلحة : 20; «شرح النهج» ، الطبعة القديمة: 2/103; «جمهرة الخطب» لأحمد زكي:2/23. لاحظ «الغدير»: 2/42.


(213)

8. المسلمون غير المؤمنين

إنّ القرآن يعد جماعة من الأعراب الذين رأوا النبي وشاهدوه وتكلّموا معه، مسلمين غير مؤمنين وأنّهم بعد لم يدخل الإيمان في قلوبهم قال سبحانه: (قالَتِ الأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوآ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدخُلِ الإِيمَانُ في قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلتكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيئاً إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).(1)

أفهل يصحّ عدّ عصابة غير مؤمنين من العدول الأتقياء؟!

9. المؤلّفة قلوبهم

اتّفق الفقهاء على أنّ المؤّلفة قلوبهم ممّن تصرّف عليهم الصدقات قال سبحانه: (إِنَّما الصَدقات لِلْفُقَراءِ وَالمَساكينَ وَالعامِلينَ عَلَيهَا وَالمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالغارِمينَ وَفي سَبيلِ اللّهِ وَابنِ السَّبيل فَريضةً مِنَ اللّهِ وَاللّهُ عَليمٌ حَكيم) .(2)

والمراد من ( المؤلّفةِ قُلُوُبُهمْ): الذين كانوا في صدر الإسلام ممّن يظهرون الإسلام ، يتألّفون بدفع سهم من الصدقة إليهم لضعف يقينهم ، وهناك أقوال أُخر فيهم متقاربة والكلّ يهدف إلى الإعطاء لمن لا يتمكن إسلامه حقيقة إلاّ بالعطاء.(3)

10. المولّون أمام الكفّار

إنّ التولي عن الجهاد والفرار منه، من الكبائر الموبقة التي ندد بها سبحانه بقوله: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُولَّوهُمُ الأَدبَارَ* وَمَنْ يُولّهِمْ يَومئذ دُبُرَهُ إِلاّمُتَحَرِّفاً لّقِتَال أَوْ مُتَحْيّزاً إِلى فِئة فَقَدْ بَ آءَ بِغَضب مِنَ اللّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) .(4)


1 . الحجرات:14.
2 . التوبة:60.
3 . تفسير القرطبي:8/187. لاحظ: المغني لابن قدامة:2/556.
4 . الأنفال:15ـ 16.


(214)

إنّ التحذير من التولي والفرار من الزحف، والحث على الصمود أمام العدو، لم يصدر من مصدر الوحي إلاّ بعد فرار مجموعة كبيرة من صحابة النبي في غزوة «أُحد» و «حنين».

أمّا الأوّل: فيكفيك قول ابن هشام في تفسير الآيات النازلة في أُحد: قال: ثمّ أنّبهم على الفرار عن نبيهم وهم يدعون، لا يعطفون عليه لدعائه إيّاهم فقال: (إِذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلَى أحَد والرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخراكُمْ) .(1)

وأمّا الثاني: فقد قال ابن هشام فيه أيضاً فلمّا انهزم الناس ورأى من كان مع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من جفاة أهل مكة، الهزيمة تكلّم رجال منهم بما في أنفسهم من الضغن، فقال أبو سفيان بن حرب: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، وصرخ جبلة ابن حنبل: ألا بطل السحر اليوم...(2)

أفبعد هذا يصحّ أن يعد جميع الصحابة بحجة أنّهم رأوا نور النبوة، عدولاً أتقياء؟!

قال القرطبي في تفسيره: قد فر الناس يوم «أحد» وعفا اللّه عنهم، و قال اللّه فيهم يوم حنين:(ثمّ ولّيتم مُدبرين) ثمّ ذكر فرار عدّة من أصحاب النبي من بعض السرايا.(3)

هذا الإمام الواقدي يرسم لنا تولّي الصحابة منهزمين ويقول: فقالت أُمّ الحارث: فمر بي عمر بن الخطاب فقلت له: يا عمر ما هذا؟ فقال عمر: أمر اللّه. وجعلت أمّ الحارث تقول: يا رسول اللّه من جاوز بعيري فأقتله.(4)


1 . آل عمران:153.
2 . سيره ابن هشام:3/114، و 4/444، ولاحظ التفاسير.
3 . تفسير القرطبي:7/383.
4 . مغازي الواقدي:3/904. إنّ تعليل الفرار من الزحف بقضاء اللّه يشبه تعليل عبّادَالأوثان شركهم به كما في قوله سبحانه حاكياً عن المشركين: (لو شاء اللّه ما أشركنا ولا آباؤنا) (الأنعام:148) وتلزم من ذلك تبرئة العصاة والكفّار، لأنّ أعمالهم كلّها بقضاء منه.


(215)

هذه هي الأصناف العشرة من صحابة النبي ممّن لا يمكن توصيفهم بالعدالة والتقوى، أتينا بها في هذه العجالة مضافاً إلى الأصناف المضادة لها، ولكن نلفت نظر القارئ الكريم إلى الآيات الواردة في أوائل سورة البقرة وسورة النساء وغيرها من الآيات القرآنية فترى فيها أنّ الإيمان بعدالة الصحابة مطلقاً خطأ في القول،وزلة في الرأي، يضاد نصوص الذكر الحكيم ولم تكن الصحابة إلاّ كسائر الناس فيهم صالح تقي، بلغ القمة في التقى والنزاهة، وفيهم طالح شقي، سقط إلى هوة الشقاءوالدناءة.

ولكن الذي يميّز الصحابة عن غيرهم أنّهم رأوا نور النبوة وتشرّفوا بصحبة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وشاهدوا معجزاته في حلبة المباراة بأُمّ أعينهم، ولأجل ذلك تحمّلوا مسؤولية كبيرة أمام اللّه وأمام الأجيال المعاصرة لهم واللاحقة بهم، فإنّهم ليسوا كسائر الناس، فزيغهم وميلهم عن الحقّ أشدّ لا يعادل زيغ أكثر الناس وانحرافهم، وقد قال سبحانه في حقّ أزواج النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : (يا نِساءَ النَّبيَّ لَسْتُنَّ كَأَحَد مِنَ النِّساء...) (1) فلو انحرف هؤلاء فقد انحرفوا في حال شهدوا النور، ولمسوا الحقيقة، وشتان الفرق بينهم و بين غيرهم.

الصحابة في السنة النبوية

إذا راجعنا الصحاح والمسانيد نجد أنّ أصحابها أفردوا باباً بشأن فضائل الصحابة، إلاّ أنّهم لم يفردوا باباً في مثالبهم بل أقحموا ما يرجع إلى هذه الناحية في أبواب أُخر، ستراً لمثالبهم، وقد ذكرها البخاري في الجزء التاسع من صحيحه في باب الفتن، وأدرجها ابن الأثير في جامعه في أبواب القيامة عند البحث عن الحوض، والوضع الطبيعي لجمع الأحاديث وترتيبها، كان يقتضي عقد باب مستقل للمثالب في جنب الفضائل حتى يطلع القارئ على قضاء السنّة حول صحابة النبي الأكرم.


1 . الأحزاب:32.


(216)

روى أبو حازم عن سهل بن سعد قال: قال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : إنّي فرطكم على الحوض من ورد شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً وليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني ثمّ يحال بيني و بينهم ... قال أبو حازم: فسمع النعمان بن أبي عياش وأناأحدّثهم بهذا الحديث فقال: هكذا سمعت سهلاً يقول؟ فقلت: نعم قال: وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد فيقول: إنّهم منّي فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول: سحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي». أخرجه البخاري ومسلم.(1)

وظاهر الحديث أنّ المراد بقرينة «بدّل بعدي» أصحابه الذي عاصروه وصحبوه وكانوا معه مدّة ثمّ مضوا.

روى البخاري ومسلم أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «يرد علي يوم القيامة رهط من أصحابي ـ أو قال من أُمّتي ـ فيحلؤون عن الحوض فأقول يا ربّ أصحابي فيقول: إنّه لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنّهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى».(2)

ثمّ قال: وللبخاري: أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «بينما أنا قائم على الحوض إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل بيني و بينهم فقال: هلم! فقلت: أين؟ فقال: إلى النار واللّه، فقلت: ما شأنهم؟ قال: إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى; ثمّ إذا زمرة أُخرى، حتى إذا عرفتهم خرج رجل بيني و بينهم فقال لهم: هلم، فقلت: إلى أين؟ قال: إلى النار واللّه، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنّهم ارتدوا على أدبارهم فلا أراه يخلص منهم إلاّمثل همل النعم».(3)

وظاهر الحديث«حتى إذا عرفتهم» وقوله«ارتدّوا على أدبارهم


1 . جامع الأُصول لابن الأثير:11/120، كتاب الحوض في ورود الناس عليه، رقم الحديث 7972. و«الفرط»: المتقدّم قومه إلى الماء، ويستوي فيه الواحد والجمع، يقال رجل فرط وقوم فرط.
2 . جامع الأُصول 11/120، رقم الحديث 7973.
3 . جامع الأُصول:11/121، و «همل النعم» كناية عن أنّ الناجي عدد قليل، وقد اكتفينا من الكثير بالقليل، ومن أراد الوقوف على ما لم نذكره فليرجع إلى «جامع الأُصول».


(217)

القهقرى» أنّ الذين أدركوا عصره وكانوا معه، هم الذين يرتدّون بعده.

الصحابة والتاريخ المتواتر

كيف يمكن عدّالصحابة جميعاً عدولاً والتاريخ بين أيدينا نرى أنّ بعضهم ظهر عليه الفسق في حياة النبي وبعده، كوليد بن عقبة. أمّا الأوّل فقد عرفت نزول الآية في حقّه; وأمّا الثاني فروى أصحاب السير والتاريخ أنّ الوليد بن عقبة أيّام ولايته بالكوفة شرب الخمر وقام ليصلي بالناس صلاة الفجر فصلّى أربع ركعات، وكان يقول في ركوعه وسجوده: اشربي واسقني، ثمّ قاء في المحراب ثمّ سلم، و قال: هل أزيدكم... إلى آخر ما ذكروه.(1)

وبعضهم ظهرت عليه سمة الارتداد عندما بدت علائم الهزيمة عند المسلمين فقال: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر(2)، و قال الآخر: ألا بطل السحر.(3)

وهذا رسول اللّه يخاطب ذي الخويصرة عندما قال للنبي في تقسيم غنائم «حنين»: اعدل، بقوله:«ويحك إن لم يكن العدل عندي فعند من يكون؟! ثمّ قال: فإنّه يكون له شيعة يتعمّقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرميّة».(4)

وهذا أبو سفيان يضرب برجله قبر حمزة ـ عليه السَّلام ـ ويقول: ذق عقق إنّ الملك الذي كنّا نتنازع عليه أصبح اليوم بيد صبياننا.(5)


1 . الكامل لابن الأثير:2/52; أُسد الغابة:5/91 وغيرهما. وقد أقام الإمام أمير المؤمنين علي ـ عليه السَّلام ـ عليه الحد في خلافة عثمان بإصرار من الناس وإلحاح منهم لئلاّ تتعطل الحدود.
2 . سيرة ابن هشام:4/443 والقائل أبو سفيان.
3 . سيرة ابن هشام:4/444 والقائل كلدة بن الحنبل فقال له صفوان: اسكت فض اللّه فاك.
4 . سيرة ابن هشام:4/496.
5 . قاموس الرجال:10/89 نقلاً عن الشرح الحديدي.


(218)

وهذا أبو سفيان عندما بويع عثمان، دخل إليه بنو أبيه حتى امتلأت بهم الدار ثمّ أغلقوها عليهم، فقال أبو سفيان: أعندكم أحد من غيركم؟ قالوا: لا. قال: يا بني أُميّة تلقّفوها تلقّف الكرة، فوالذي يحلف به أبو سفيان ما من عذاب ولا جنة ولا نار ولا بعث ولا قيامة.(1)

أفهل بعد هذه الكلمات الكاشفة عن الردة الخبيثة يصحّ لمسلم أن يعد هؤلاء وأمثالهم من صنف العدول وطبقة الصالحين ويعد جرحهم إبطالاً للكتاب والسنّة و تضعيفاً لشهود المسلمين؟!

آراء الصحابة بعضهم حول البعض

إنّ النظرة العابرة لتاريخ الصحابة تقتضي بأنّ بعضهم كان يتهم الآخر بالنفاق والكذب، كما أنّ بعضهم كان يقاتل بعضاً، ويقود جيشاً لمحاربته، فقتل بين ذلك جماعة كثيرة، أفهل يمكن تبرير أعمالهم من الشاتم والمشتوم، والقاتل والمقتول وعدّهم عدولاً ومثلاً للفضل والفضيلة؟! وإليك نزراً يسيراً من تاريخهم ممّا حفظته يد النقل غفلة عن المبادئ العامة لأصحاب الحديث:

1. روى البخاري مشاجرة سعد بن معاذ مع سعد بن عبادة ـ سيد الخزرج ـ في قضية الإفك قال: قام رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فاستعذر يومئذ من عبد اللّه بن أبي وهو على المنبر فقال: يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني عنه أذاه في أهلي، واللّه ما علمت على أهلي إلاّخيراً ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلاّ خيراً وما كان يدخل على أهلي إلاّ معي».

فقام سعد بن معاذ، أخو بني عبد الأشهل فقال: أنا يا رسول اللّه أعذرك فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا، ففعلنا أمرك.

فقام رجل من الخزرج: وهو سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً، ولكن احتملته الحمية، فقال لسعد: كذبت لعمر اللّه لا تقتله ولا تقدر على قتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل.

فقام أسيد بن حضير


1 . الشرح الحديدي:9/53 نقلاً عن كتاب السقيفة للجوهري.


(219)

وهو ابن عمّ سعد، فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر اللّه لنقتلنّه فإنّك منافق تجادل عن المنافقين.

فثار الحيّان: الأوس والخزرج، حتى همّوا أن يقتتلوا ورسول اللّه قائم على المنبر، فلم يزل رسول اللّه يخفضهم حتى سكتوا وسكت.(1)

اقرأ فاقض، فإنّ هؤلاء يتّهم بعضهم بعضاً بالكذب والنفاق، ونحن نعتبرهم عدولاً صلحاء، والإنسان على نفسه بصيرة.

2. إنّ الحروب الدائرة بين الصحابة أنفسهم والثورة التي أقامها أصحاب النبي ومن اتّبعهم على عثمان بن عفان حتى جرّت إلى قتله، أفضل دليل على أنّه لا يصحّ تعريف الصحابة وتوصيفهم بالعدالة والتقوى، إذ كيف يصحّ أن يكون القاتل والمقتول كلاهما على الحقّ والعدالة؟!

وهذا هو طلحة وهذا الزبير قد جهّزا جيشاً جراراً لحرب الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ وأعانتهما أمّ المؤمنين فقتلت جماعة كثيرة بين ذلك، فهل يمكن تعديل كلّ هذه الجماعة حتّى الباغين على الإمام المفترض الطاعة بالنصّ أوّلاً، وببيعة المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان ثانياً؟!

وهذا معاوية بن أبي سفيان يعدّ من الصحابة وقد صنع بالإسلام والمسلمين ما قد صنع ممّا هو مشهور في التاريخ، و من ذلك أنّه حارب الإمام عليّاً عليه الصلاة والسلام في حرب صفين، وكان علي مع كلّ من بقي من البدريين وهم قريب من مائة شخص، فهل من حارب هؤلاء الصحابة جميعاً بما فيهم سيد الصحابة علي ـ عليه السَّلام ـ يعدّ من أهل الفضل والصلاح والعدالة؟! فاقض ما أنت قاض.

لقد نقل صاحب المنار: أنّه قال أحد علماء الألمان في «الآستانة» لبعض المسلمين وفيهم أحد شرفاء مكة: إنّه ينبغي لنا أن نقيم تمثالاً من الذهب لمعاوية ابن أبي سفيان في ميدان كذا من عاصمتنا «برلين». قيل له: لماذا؟! قال:


1 . صحيح البخاري:5/118ـ 119 في تفسير سورة النور.


(220)

لأنّه هو الذي حول نظام الحكم الإسلامي عن قاعدته الديمقراطية إلى عصبية الغلب (الملك لمن غلب)ولولا ذلك لعمّ الإسلام العالم كلّه، ولكنّا نحن الألمان وسائر شعوب أوروبا عرباً مسلمين.(1)

هذا خال المؤمنين و من يترحّم عليه خطباء الجمعة والجماعة، فكيف حال غيره؟! أضف إليه ما له من الموبقات والمهلكات ممّا لا يمكن لأحد إنكاره.

والاعتذار منه في تبرير أعماله القاسية باجتهاده في ما ناء به وباء بإثمه من حروب دامية وإزهاق نفوس بريئة تعد بالآلاف المؤلّفة، ليس إلاّ ضلالة وخداعاً للعقل، فإنّه اجتهاد على خلاف ما يريده اللّه وضدّ رسوله، وإلاّ يصحّ أن يعد جميع المناوئين للإسلام مجتهدين في صدر الإسلام ومؤخّره.

هذا مجمل القول في هذا الأصل الذي اتّخذه أصحاب الحديث أصلاً من أُصول الإسلام ثمّ أدخله الأشعري في الأُصول التي يتبنّاها أكثر أهل السنّة والجماعة.

التعذير التافه أو أسطورة الاجتهاد

وما أتفه قول من يريد تبرير عمل هؤلاء بالاجتهاد، وأنّهم كانوا مجتهدين في أعمالهم وأفعالهم، أفهل يصحّ تبرير عمل القتل والفتك والخروج على الإمام المفترض طاعته، بالاجتهاد؟! ولو صحّ هذا الاجتهاد (ولن يصحّ أبداً) لصحّ عن كلّ من خالف الحقّ وحالف الباطل من اليهود و النصارى وغيرهم من الطغام اللئام.

أي قيمة للاجتهاد في قبال النص وصريح السنّة النبوية وإجماع الأُمّة؟! أي قيمة للاجتهاد الذي أباح دماء المسلمين ودمّر كيانهم وشقّ عصاهم وفك عرى وحدتهم، أي، وأي، وأي؟!

إنّ القائلين بعدالة الصحابة يتمسّكون بما يروون عن النبي أنّه قال: «أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم».(2) غير أنّ متن الحديث يكذب صدوره عن


1 . تفسير المنار:11/269 في تفسير سورة يونس.
2 . جامع الأُصول:9/ 410 رقم الحديث 6359 ، كتاب الفضائل.


(221)

النبي إذ ليس كلّ نجم هادياً للإنسان في البر والبحر، بل هناك نجوم خاصة موجبة للاهتداء، ولأجل ذلك قال سبحانه: (وَعَلامات وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُون).(1)

ولم يقل : وبالنجوم هم يهتدون، ولو كان كلّ نجم هادياً للضال لكان الأنسب الإتيان بصيغة الجمع. ولو افترضنا صحّة الاهتداء بكلّ نجم في السماء، أفهل يمكن أن يكون كلّ صحابي نجماً لامعاً في سماء الحياة، هادياً للأُمّة؟!

هذا قدامة بن مظعون صحابي بدري يعد من السابقين الأوّلين ومن المهاجرين هجرتين، روي أنّه شرب الخمر وأقام عليه عمر الحد.(2) كما أنّ المشهور أنّ عبد الرحمن الأصغر بن عمر بن الخطاب قد شرب الخمر.(3)

وقد ارتد طليحة بن خويلد عن الإسلام وادّعى النبوة، ومثله مسيلمة والعنسي الكذّابان وأمرهما أشهر من أن يذكر.

إنّ بعض الصحابة خضب وجه الأرض بالدماء، فاقرأ تاريخ بسر بن أرطأة حتى إنّه قتل طفلين لعبيد اللّه بن عباس!! وكم وكم بين الصحابة لدة هؤلاء من رجال العيث والفساد قد حفل التاريخ بضبط مساوئهم، أفبعد هذه البينات يصح لأي ابن أُنثى أن يتقوّل بعدالة الصحابة مطلقاً ويتّخذها مذهباً و يرمي المخالف له، بما هو بريء منه؟!

الموقف الصحيح من الصحابة

والنظرية القويمة المستقيمة هي نظرية الشيعة المنعكسة في الدعاء المروي عن الإمام الطاهر علي بن الحسين ـ عليهما السَّلام ـ ترى أن يدعو اللّه سبحانه في حقّ أصحاب محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لا لكلّهم، بل للّذين أحسنوا


1 . النحل:16.
2 . أُسد الغابة:4/199 وسائر كتب التراجم.
3 . أُسد الغابة:3/312.


(222)

الصحبة، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، والذين عاضدوه وأسرعوا إلى وفادته وإليك تلك الكلمة المباركة من الصحيفة السجادية:

«اللّهمّ وأصحاب محمّد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ خاصة الذين أحسنوا الصحبة، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، وكانفوه وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا له حيث أسمعهم حجة رسالاته، وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوته وانتصروا به، و من كانوا منطوين على محبته، يرجون تجارة لن تبور في مودته، والذين هجرتهم العشائر إذ تعلّقوا بعروته، وانتفت منهم القرابات، إذ سكنوا في ظل قرابته، فلا تنس لهم اللّهمّ ما تركوا لك وفيك، وأرضهم من رضوانك و بما حاشوا الخلق عليك، وكانوا مع رسولك دعاة لك إليك، واشكرهم على هجرهم فيك ديار قومهم، وخروجهم من سعة المعاش إلى ضيقه، ومن كثرت في إعزاز دينك من مظلومهم، اللّهمّ وأوصل إلى التابعين لهم بإحسان الذين يقولون ربّنا اغفر لنا ولإخواننا...».(1)

خاتمة المطاف

إنّ لأبي المعالي الجويني كلاماً حول الصحابة دعا فيه إلى أنّ الواجب، الكف والإمساك عن الصحابة وعمّا شجر بينهم، نقله الشارح الحديدي في شرحه على نهج البلاغة كما نقل نقد بعض الزيدية له الذي سمعه من أستاذه النقيب أبي جعفر يحيى بن محمد العلوي البصري في سنة إحدى عشرة وستمائة ببغداد وعنده جماعة و ما نقله عن أُستاذه رسالة مبسوطة في الموضوع فيها نكات بديعة لا يسعنا إيرادها في المقام، ولذلك نقتبس بعضها وقد نقل فيها قضايا تعرب عن جريان السيرة على النقد والرد والمشاجرة، وإليك بعضها:

1. هذه عائشة أُمّ المؤمنين خرجت بقميص رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقالت للناس: هذا قميص رسول اللّه لم يبل، وعثمان قد أبلى


1 . الصحيفة السجادية: الدعاء الرابع مع شرحه، في ظلال الصحيفة السجادية ص 55ـ 59.


(223)

سنته، ثمّ تقول: اقتلوا نعثلاً قتل اللّه نعثلاً، ثمّ لم ترض بذلك حتى قالت: أشهد أنّ عثمان جيفة على الصراط غداً.

2. هذا المغيرة بن شعبة وهو من الصحابة، ادّعي عليه الزنا وشهد عليه قوم بذلك، فلم ينكر ذلك عمر، ولا قال: هذا محال وباطل بحجّة أنّ هذا صحابي من صحابة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لا يجوز عليه الزنا، كما أنّ عمر لم ينكر على الشهود ولم يقل لهم: ويحكم هلا تغافلتم عنه لما رأيتموه يفعل ذلك، فإنّ اللّه تعالى قد أوجب الإمساك عن مساوئ أصحاب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأوجب الستر عليهم، وهلاّ تركتموه لرسول اللّه في قوله:«دعوا لي أصحابي» بل ما رأينا عمر إلاّ قد انتصب لسماع الدعوى وإقامة الشهادة، وأقبل يقول للمغيرة: يا مغيرة ذهب ربعك، يا مغيرة ذهب نصفك، يا مغيرة ذهب ثلاثة أرباعك، حتى اضطرب الرابع فجلد الثلاثة.

و هلاّ قال المغيرة لعمر: كيف تسمع فيَّ قول هؤلاء وليسوا من الصحابة وأنا من الصحابة ورسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قد قال: أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم! ما رأيناه قال ذلك، بل استسلم لحكم اللّه تعالى.

3. وهاهنا، من هو أمثل من المغيرة وأفضل، كقدامة بن مظعون، لمّا شرب الخمر في أيّام عمر، فأقام عليه الحدّ، وهو رجل من علية الصحابة، ومن أهل بدر المشهود لهم بالجنة; فلم يرد عمر الشهادة ولا درأ عنه الحدّ بحجّة أنّه بدري، ولا قال قد نهى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن ذكر مساوئ الصحابة، وقد ضرب عمر أيضاً ابنه حداً فمات، و كان ممّن عاصر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ و لم تمنعه معاصرته له من إقامة الحدّ عليه.

4. كيف يصحّ أن يقول رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم؟! لأنّ هذا يوجب أن يكون أهل الشام في صفين على هدى، وأن يكون أهل العراق أيضاً على هدى، وأن يكون قاتل عمار بن ياسر مهتدياً، وقد صحّ الخبر الصحيح أنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ


(224)

قال له: «تقتلك الفئة الباغية». وقال اللّه سبحانه:(فَقاتِلُوا الَّتي تَبْغِي حَتّى تَفِيء إِلى أَمْرِ اللّه)(1) فدلّ على أنّها ما دامت موصوفة بالمقام على البغي فهي مفارقة لأمر اللّه، ومن يفارق أمر اللّه لا يكون مهتدياً. وكان يجب أن يكون بسر بن أبي أرطأة الذي ذبح ولدي عبيد اللّه بن عباس الصغيرين، مهتدياً، لأنّ بسراً من الصحابة أيضاً وكان يجب أن يكون عمرو بن العاص ومعاوية اللّذان كانا يلعنان علياً وولديه أ دبار الصلاة، مهتديين، وقد كان في الصحابة من يزني، ومن يشرب الخمر، كأبي محجن الثقفي، ومن ارتد عن الإسلام، كطليحة بن خويلد، فيجب أن يكون كلّ من اقتدى بهؤلاء في أفعالهم مهتدياً.

5. إنّ هذا الحديث «أصحابي كالنجوم» من موضوعات متعصبة الأموية، فإنّ لهم من ينصرهم بلسانه وبوضعه الأحاديث إذا عجز عن نصرهم بالسيف، وكذا القول في الحديث الآخر وهو قوله: «خير القرون القرن الذي أنا فيه» وممّا يدلّ على بطلانه أنّ القرن الذي جاء بعده بخمسين سنة، هو شرّ قرون الدنيا، وهو أحد القرون التي ذكرها في النصّ وكان ذلك القرن هو القرن الذي قتل فيه الحسين، وأوقع بالمدينة، وحوصرت مكة، ونقضت الكعبة، وشربت خلفاؤه والقائمون مقامه المنتصبون في منصب النبوة، الخمور وارتكبوا الفجور، كما جرى ليزيد بن معاوية ولزيد بن عاتكة وللوليد بن يزيد، و أُريقت الدماء الحرام، وقتل المسلمون وسبي الحريم، واستعبد أبناء المهاجرين والأنصار ونقش على أيديهم كما ينقش على أيدي الروم، وذلك في خلافة عبد الملك، وإمرة الحجاج، وإذا تأمّلت كتب التواريخ وجدت الخمسين الثانية، شراً كلّها،لا خير فيها ولا في رؤسائها وأُمرائها، والناس برؤسائهم وأُمرائهم. والقرن خمسون سنة فكيف يصحّ هذا الخبر؟

6. فأمّا ما ورد في القرآن من قوله تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللّهُ عَنِ الْمُؤْمِنين)(2)، وقوله: (محمّدٌ رسولُ اللّهِ والّذِينَ مَعهُ...) (3) وقول


1 . الحجرات:9.
2 . الفتح:18.
3 . الفتح:29.


(225)

النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «إنّ اللّه اطّلع على أهل بدر» إن كان الخبر صحيحاً، فكلّه مشروط بسلامة العاقبة، ولا يجوز أن يخبر الحكيم مكلفاً غير معصوم، بأنّه لا عقاب فيه فليفعل ما شاء.

7. من الذي يجترئ على القول بأنّ أصحاب محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لا تجوز البراءة من أحد منهم وإن أساء وعصى بعد قول اللّه تعالى للذي شرفوا برؤيته: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبِطَنَّ عَمَلكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرين) .(1)

وبعد قوله: (قُلْ إِنّي أَخافُ إِنْ عَصَيتُ رَبّي عَذاب يَوم عَظيم) .(2)

وبعد قوله:(فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاس بِالحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الهَوى فَيُضِلّكَ عَنْ سَبيلِ اللّه إِنَّ الَّذينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبيلِ اللّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَديدٌ بما نَسُوا يَومَ الحِساب).(3) إلاّ من لا فهم له ولا نظر معه ولا تمييز عنده.

8. والعجب من الحشوية وأصحاب الحديث إذ يجادلون في معاصي الأنبياء ويثبتون أنّهم عصوا اللّه تعالى، وينكرون على من ينكر ذلك ويطعنون فيه، ويقولون: قدري، معتزلي،وربما قالوا: ملحد مخالف لنصّ الكتاب، وقد رأينا منهم الواحد والمائة والألف يجادل في هذا الباب، فتارة يقولون: إنّ يوسف قعد من امرأة العزيز مقعد الرجل من المرأة، وتارة يقولون: إنّ داود قتل أوريا لينكح امرأته، وتارة يقولون: إنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان كافراً ضالاً قبل النبوة وربما ذكروا زينب بنت جحش وقصة الفداء يوم بدر، فأمّا قدحهم في آدم ـ عليه السَّلام ـ وإثباتهم معصيته ومناظرتهم من ينكر ذلك، فهو رأيهم وديدنهم، فإذا تكلّم واحد في عمرو بن العاص ومعاوية، وأمثالهما ونسبهم إلى المعصية وفعل القبيح احمرّت وجوههم، وطالت أعناقهم وتخازرت أعينهم، وقالوا: مبتدع رافضي، يسب الصحابة ويشتم السلف، فإن قالوا: إنّما اتبعنا في ذكر معاصي الأنبياء نصوص الكتاب.

قيل لهم: فاتّبعوا في البراءة من جميع العصاة نصوص الكتاب، فإنّه تعالى قال: (لا تَجِد )


1 . الزمر:65.
2 . الأنعام:15.
3 . ص: 26.


(226)

قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللّهَ وَرَسُولَه).(1)

و قال:(فَإِنْ بَغَتْ إِحداهُما عَلَى الأُخرى فَقاتِلُوا الَّتي تَبغِي حَتّى تفيَ إلى أَمْرِ اللّه). (2)

وقال: (أَطيعُوا اللّهَ وَأَطيعُوا الرَّسُولَ وَأُولي الأَمْرِ مِنْكُمْ) (3).(4)

قتل الخليفة

قد تصافق أهل السير والتاريخ أنّ عثمان بن عفان قد حوصر ثمّ هوجم وقتل في عاصمة الإسلام، قد قتله الصحابةوالتابعون لهم بإحسان، حتّى منعوا عن تجهيزه وتغسيله ودفنه والصلاة عليه، وهذا إمام المؤرّخين يتلو علينا كيفية الإجهاز عليه والهجوم على داره بعد محاصرته قرابة أربعين يوماً:

يقول الطبري: دخل محمّد بن أبي بكر على عثمان فأخذ بلحيته... ثمّ دخل الناس، فمنهم من يجأه بنعل سيفه، وآخر يلكزه، وجاءه رجل بمشاقص معه فوجأه في ترقوته، ودخل آخرون فلمّا رأوه مغشياً عليه جرّوا برجله، وجاء التجيبي مخترطاً سيفه ليضعه في بطنه فوقته نائلة فقطع يدها، واتكأ بالسيف عليه في صدره، وقتل عثمان رضى اللّه عنه قبل غروب الشمس.

وفي نصّ آخر يقول: طعن محمد بن أبي بكر جنبيه بمشقص في يده، وضرب كنانة بن بشر مقدم رأسه بعمود، وضربه سودان بن حمران المرادي بعد ما خرّ لجبينه، و وثب عمرو بن الحمق فجلس على صدره وبه رمق فطعنه تسع طعنات إلى آخر ما ذكره.(5)

وقد وقعت الواقعة بمرأى ومسمع من معظم الصحابة وليس لأحد أن يتفوّه أنّهم لم يكونوا عالمين بها، فإنّها ما كانت مباغتة ولا غيلة حتى يكونوا في غفلة


1 . المجادلة:22.
2 . الحجرات:9.
3 . النساء:59.
4 . الشرح الحديدي:20/12ـ33، والرسالة مبسوطة مفصّلة أخذنا المهم منها.
5 . تاريخ الطبري:3/423.


(227)

عنها، وقد استمر الحوار أكثر من شهرين والحصر حوالي أربعين يوماً، كلّ ذلك يعرب عن أنّهم كانوا راضين بهاتيك الأحدوثة، لو لم نقل إنّهم كانوا بين مباشر لها، إلى خاذل للمودى به، إلى مؤلّب عليه، إلى راض بما فعلوا، إلى محبذ لتلك الأحوال كما هو واضح لمن قرأ تاريخ الدار وقتل الخليفة، متجرداً عن أهواء وميول أموية.

فعندئذ يدور الأمر بين أمرين، بأيّهما أخذنا يبطل الأصل المزعوم من عدالة الصحابة أجمع.

فإن كان الخليفة قائماً على جادة الحقّ غير مائل عن الطريقة المثلى، فالمجهزون على قتله والناصرون لهم فسّاق إن لم نقل إنّهم مراق عن الدين لخروجهم على الإمام المفترضة طاعته.

وإن كان مائلاً عن الحقّ، منحرفاً عن الطريقة، مستحقاً للقتل فما معنى القول بعدالة الصحابة كلّهم من إمامهم إلى مأمومهم.

وأمّا تبرير عمل المجهزين عليه، المهاجمين على داره بأنّهم كانوا عدولاً خاطئين في اجتهادهم، فهو خداع وضلال لا يصار إليه، ولا يركن إليه أي ذي مسكة من العقل إذ أي قيمة لاجتهادهم تجاه نصوص الكتاب؟ قال عزّ من قائل:(مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْس أَوْ فَساد فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَميعاً).(1)

كلمة قيمة للإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ

وهناك كلمة قيمة للإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ تمثل نظريته في حقّ الصحابة رواها نصر بن مزاحم المنقري(المتوفّى عام 212هـ) في حديث عمر بن سعد:

دخل عبد اللّه بن عمر، وسعد بن أبي وقاص، والمغيرة بن شعبة مع


1 . المائدة:32.


(228)

أُناس معهم وكانوا قد تخلّفوا عن علي. فدخلوا عليه فسألوه أن يعطيهم عطاءهم ـ و قد كانوا تخلّفوا عن علي حين خرج إلى صفين والجمل ـ فقال لهم علي: «ما خلّفكم عنّي؟» قالوا: قتل عثمان ولا ندري أحل دمه أم لا؟ وقد كان أحدث أحداثاً ثمّ استتبتموه فتاب، ثمّ دخلتم في قتله حين قتل، فلسنا ندري أصبتم أم أخطأتم؟ مع أناّ عارفون بفضلك يا أميرالمؤمنين وسابقتك وهجرتك».

فقال علي: «ألستم تعلمون أنّ اللّه عزّ وجلّ قد أمركم أن تأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر» فقال: (وَإِنْ طائِفتان مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلى الأُخْرى فَقاتِلُوا الّتي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللّه)(1)؟

قال سعد: يا علي أعطني سيفاً يعرف الكافر من المؤمن، أخاف أن أقتل مؤمناً فأدخل النار؟ فقال لهم علي:« ألستم تعلمون أنّ عثمان كان إماماً بايعتموه على السمع والطاعة فعلام خذلتموه إن كان محسناً، وكيف لم تقاتلوه إذ كان مسيئاً. فإن كان عثمان أصاب بما صنع فقد ظلمتم، إذ لم تنصروا إمامكم; وإن كان مسيئاً فقد ظلمتم، إذ لم تعينوا من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وقد ظلمتم إذ لم تقوموا بيننا وبين عدونا بما أمركم اللّه به، فإنّه قال: (فَقاتِلُوا الّتي تَبْغي حَتّى تَفِيء إِلى أَمْرِ اللّه) » فردّهم ولم يعطهم شيئاً.

وكان علي ـ عليه السَّلام ـ إذا صلّيالغداة والمغرب وفرغ من الصلاة يقول: «اللّهمّ العن معاوية وعمراً وأبا موسى وحبيب بن مسلمة والضحاك بن قيس والوليد بن عقبة وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد»، فبلغ ذلك معاوية، فكان إذا قنت لعن علياً وابن عباس وقيس بن سعد والحسن والحسين.(2)

وفي كلامه هذا دليل قاطع على أنّ هؤلاء الجائين إلى علي لأخذ عطائهم، خونة ظلمة لا يمكن الحكم بعدالتهم، لأنّهم إمّا ظلموا إمامهم العادل، إذ لم ينصروه وإمّا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يعينوا الإمام القائم بالعدل.


1 . الحجرات:9.
2 . وقعة صفين: 551ـ 552.


(229)

أضف إلى ذلك أنّ الملاعنة من الطرفين أقوى شاهد على فساد إحدى الطائفتين وليس الحقّ خافياً على مبتغيه، كما أنّ الصبح لا يخفى على ذي عينين.

وهناك كلام للشيخ التفتازاني في شرح مقاصده أخذته العصبية في الدعوة إلى ترك الكلام في حقّ البغاة والجائرين، ومع ذلك كلّه فقد أصحر بالحقيقة فقال: ما وقع بين الصحابة من المحاربات والمشاجرات على الوجه المسطور في كتب التواريخ والمذكور على ألسنة الثقات يدلّ بظاهره على أنّ بعضهم قد حاد عن طريق الحقّ، وبلغ حدّ الظلم والفسق، وكان الباعث له الحقد والعناد والحسد واللداد وطلب الملك والرئاسة والميل إلى اللذات والشهوات، إذ ليس كلّ صحابي معصوماً، ولا كلّ من لقي النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بالخير موسوماً، إلاّ أنّ العلماء لحسن ظنّهم بأصحاب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، ذكروا لها محامل وتأويلات بها تليق، وذهبوا إلى أنّهم محفوظون عمّا يوجب التضليل و التفسيق صوناً لعقائد المسلمين عن الزيغ والضلالة في حقّ كبار الصحابة سيما المهاجرين منهم، والأنصار، والمبشّرين بالثواب في دار القرار.

وأمّا ما جرى بعدهم من الظلم على أهل بيت النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فمن الظهور بحيث لا مجال للإخفاء، ومن الشناعة بحيث لا اشتباه على الآراء، إذ تكاد تشهد به الجماد والعجماء، ويبكي له من في الأرض والسماء، وتنهد منه الجبال وتنشق الصخور، ويبقى سوء عمله على كرّ الشهور، ومر الدهور فلعنة اللّه على من باشر أو رضي أو سعى ولعذاب الآخرة أشدّوأبقى.

فإن قيل: فمن علماء المذاهب من لم يجوز اللعن على يزيد مع علمهم بأنّه يستحقّ ما يربو على ذلك ويزيد؟

قلنا: تحامياً عن أن يرتقى إلى الأعلى فالأعلى كما هو شعار الروافض على ما يروى في أدعيتهم ويجري في أنديتهم، فرأى المعتنون بأمر الدين، إلجام العوام بالكلية طريقاً إلى الاقتصاد في الاعتقاد، بحيث لا تزل الأقدام على السواء ولا تضل الأفهام بالأهواء وإلاّفمن يخفى عليه الجواز والاستحقاق وكيف لا يقع عليهما الاتفاق، وهذا هو السرّ فيما نقل عن السلف من المبالغة في مجانبة أهل الضلال وسدّطريق لا يؤمن


(230)

أن يجر إلى الغواية في الم آل مع علمهم بحقيقة الحال، وجلية المقال، وقد انكشف لنا ذلك حين اضطربت الأحوال واشرأبت الأهوال، وحيث لا متسع ولا مجال والمشتكى إلى عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال.(1)

إنّ بعض المنصفين من المصريين المعاصرين قد اعترف بالحقّوأراد الجمع بين رأيي السنةوالشيعة في حقّ الصحابة فقال: إنّ منهج أهل السنة في تعديل الصحابة أو ترك الكلام في حقّهم، منهج أخلاقي; وإنّ طريقة الشيعة في نقد الصحابة وتقسيمهم إلى عادل وجائر منهج علمي، فكلّ من المنهجين مكمّل للآخر. وهذا هو ما أعربنا عنه في صدر البحث وقلنا: «عدالة الصحابة بين العاطفة والبرهان» أي بين الأخلاق والموضوعية، وإليك نصّ كلامه:

«يرى أهل السنة: أنّ الصحابة كلّهم عدول، وأنّهم جميعاً مشتركون في العدالة وإن اختلفوا في درجتها.

وأنّ من كفّر صحابياً فهو كافر، و من فسّقه فهو فاسق.

وإن طعن في صحابي فكأنّما طعن على رسول اللّه.

وأنّ من طعن على حضرة الرسول ـ عليه السَّلام ـ فهو زنديق بل كافر.

ويرى جهابذة أهل السنّة أيضاً أنّه لا يجوز الخوض فيما جرى بين علي ـ رضي اللّه عنه ـ و معاوية من أحداث التاريخ.

وأنّ من الصحابة من اجتهد وأصاب وهو «علي» و من نحا نحوه.

وأنّ منهم من اجتهد وأخطأ مثل معاوية وعائشة رضي اللّه عنها و من نحا نحوهما.

وأنّه ينبغي ـ في نظر أهل السنّة ـ الوقوف والإمساك عند هذا الحكم دون التعرض لذكر المثالب.

ونهوا عن سب معاوية باعتباره صحابياً، و شدّدوا النكير على من سب عائشة باعتبارها أُمّ المؤمنين الثانية بعد خديجة وباعتبارها حبّ رسول اللّه.


1 . شرح المقاصد:2/306ـ 307.


(231)

وما زاد على ذلك فينبغي ترك الخوض فيه وإرجاء أمره إلى اللّه سبحانه. وفي ذلك يقول أبو الحسن البصري وسعيد بن المسيب:

تلك أُمور طهّر اللّه منها أيدينا وسيوفنا، فلنطهّر منها ألسنتنا.

هذه آراء أهل السنّة في عدالة الصحابة وفيما ينبغي أن نقف منهم.

أمّا الشيعة فيرون أنّ الصحابة كغيرهم تماماً لا فرق بينهم و بين من جاء بعدهم من المسلمين إلى يوم القيامة.

وذلك من حيث خضوعهم لميزان واحد هو ميزان العدالة، الذي توزن به أفعال الصحابة كما توزن أفعال من جاء من بعدهم من الأجيال.

وإنّ الصحبة لا تعطي لصاحبها منقبة إلاّ إذا كان أهلاً لهذه المنقبة وكان لديه الاستعداد للقيام برسالة صاحب الشريعة ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

وإنّ منهم المعصومين كالأئمّة الذين نعموا بصحبة الرسول ـ عليه السَّلام ـ كعلي وابنيه ـ عليهم السَّلام ـ .

ومنهم العدول وهم: الذين أحسنوا الصحبة لعلي بعد انتقال الرسول إلى الرفيق الأعلى.

ومنهم المجتهد المصيب، ومنهم المجتهد المخطئ.

ومنهم الفاسق، ومنهم الزنديق ـ و هو أقبح من الفاسق وأشدّ نكالاً ـ.

ويدخل في دائرة الزنديق المنافقون والذين يعبدون اللّه على حرف.

كما أنّ منهم الكفّار وهم الذين لم يتوبوا من نفاقهم والذين ارتدّوا بعد الإسلام.

ومعنى هذا أنّ الشيعة ـ و هم شطر عظيم من أهل القبلة ـ يضعون جميع المسلمين في ميزان واحد ولا يفرّقون بين صحابي وتابعي ومتأخر.

كما لا يفرقون بين مغرق في الإسلام وحديث عهد به إلاّ باعتبار درجة


(232)

الأخذ بما جاء به حضرة الرسول صلوات اللّه عليه والأئمّة الاثنا عشر من بعده.

وإنّ الصحبة في ذاتها ليست حصانة يتحصّن بها من درجة الاعتقاد.

وعلى هذا الأساس المتين أباحوا لأنفسهم ـ اجتهاداً ـ نقد الصحابة والبحث في درجة عدالتهم.

كما أباحوا لأنفسهم الطعن في نفر من الصحابة أخلّوا بشروط الصحبة وحادوا عن محبّة آل محمّد ـ عليهم السَّلام ـ .

كيف لا، و قد قال الرسول الأعظم: «إنّي تارك فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا: كتاب اللّه وعترتي آل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض فانظروا كيف تخلّفوني فيهما».

وعلى أساس من هذا الحديث و نحوه يرون أنّ كثيراً من الصحابة خالفوا هذا الحديث باضطهادهم لآل محمد، ولعنهم لبعض أفراد هذه العترة. ومن ثمّ، فكيف يستقيم لهؤلاء المخالفين شرف الصحبة، وكيف يوسمون بسمة العدالة؟!

ذلك هو خلاصة رأي الشيعة في نفي صفة العدالة عن بعض الصحابة وتلك هي الأسباب العلمية الواقعية التي بنوا عليها حججهم.

والمتأمّل يرى أنّ الفرق بين هذين الموقفين كالفرق بين المنهج الأخلاقي والمنهج العلمي، وأنّ كلا المنهجين مكمل لصاحبه.(1)

هذا غيض من فيض، وقليل من كثير من تاريخ الصحابة وأحوالهم وهي مشحونة بالصواب والخطأ والهدى والضلال. ضعه أمام عقلك وفكرك فاقض ما أنت قاض ولا تتبع الهوى.

(وَإِنْ حَكَمْتَ فاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالقِسْطِ إِنَّ )


1 . الأُستاذ حفني داود المصري: نظرات في الكتب الخالدة: 111.


(233)

اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطين).(1)

(وَلِكُلّ درجاتٌ مِمّا عَمِلُوا وَما رَبّكَ بِغافِل عَمّا يَعْمَلُون) .(2)

***

(وَهُوَ الَّذي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوقَ بعْض دَرَجات لِيَبْلُوَكُمْ في ما آتاكُمْ إِنَّ رَبّكَ سَريعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيم)(3).


1 . المائدة:42.
2 . الأنعام:132.
3 . الأنعام: 165.


(234)

3

الإيمان بالقدر خيره و شرّه

هذا هو الأصل الثالث الذي اتّفقت عليه كلمات أهل الحديث.

القدر كما ذكره بعض أئمّة اللغة. حدّ كلّ شيء ومقداره. والقضاء بمعنى الحكم البات، قال سبحانه: (إِنّا كَّلّ شَيء خَلَقْناهُ بِقَدَر) (1) وقال تعالى: (وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّإِيّاهُ) .(2)

وعلى هذا فالقدر في الأشياء، هو تحديد وجود الشيء والقضاء هو إبرامه، ويؤيد ذلك ما روي عن بعض أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ : القدر هو الهندسة ووضع الحدود في البقاء والفناء، والقضاء هو الإبرام وإقامة العين.(3)

القول بالقضاء والقدر على نحو الإجمال من العقائد الإسلامية التي لا يصحّ لمسلم إنكارها،ولو كان هناك اختلاف فإنّما هو في تفسيرهما وأنّه هل القضاء والقدر بمعنى التقدير والحتم على أفعال الإنسان وخلقها بلا إرادة واختيار منه، وأنّه في مسرح الحياة مكتوف اليدين فيما كتب وقدر عليه حتى فيما يتعلّق بالتكاليف (الحلال والحرام) أو أنّه بمعنى علمه السابق، على وجود الأشياء وتقديره وتحديده والحكم بوجودها على وجه لا ينافي اختيار العبد وحريته من


1 . القمر:49.
2 . الإسراء:23.
3 . الكافي:1/158.


(235)

الأساس.

وإن شئت قلت: ثبوت الأمر الجاري في العلم الأزلي الإلهي مع إعطاء القدرة على الفعل والترك وتعريف الخير والشر، وبيان عاقبة الأوّل ومغبة الأخير، فهذا العلم السابق لا يستلزم جبراً، وعلمه سبحانه بمقادير ما يختاره العباد من النجدين وما يأتون به من العمل من خير أو شر لا ينافي التكليف، كما لا سببية له في اختيار المكلّفين ولا يقبح معه عقلاً، العقاب على المعصية ولا يسقط معه الثواب على الطاعة.

أمّا سبق علمه سبحانه على خصوصيات الفعل وتحقّقه وعدمه، فيكفي في ذلك قوله سبحانه: (ما أَصابَ مِنْ مُصيبَة فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتاب مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلى اللّه يَسير). (1)

وقوله سبحانه: (وَكُلّ شَيء فَعَلُوهُ فِي الزُّبُر* وَكلُّ صَغيروَكَبِير مُسْتَطَر).(2)

وقال عزّ من قائل: (ما قَطَعْتُمْ مِنْ لينَة أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصولِها فَبِإِذنِ اللّه) .(3)

و أمّا كون القدر والقضاء لا ينافي التكليف، فيكفي قوله سبحانه:(إِنّا هَدَيْناهُ السَّبيلَ إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً) (4) وقوله سبحانه: (وَهَدَيْناهُ النَّجْدَين).(5)

وقوله سبحانه: (وَمَنْ يَشْكرْ فَإِنّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَميد).(6)

فاللّه سبحانه خلق الإنسان مزيجاً من العقل والنفس مع خلق عوامل النجاح تجاه النفس الأمّارة بالسوء، فمن عامل بالطاعة بحسن اختياره، ومن مقترف للمعصية بسوء الخيرة.

وتدلّ على ذلك الآيات التالية:

(فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيرات). (7)

(فَمَنِ اهْتَدى فَإِنّما يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها). (8)

(مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ )


1 . الحديد:22.
2 . القمر:52ـ 53.
3 . الحشر:5.
4 . الإنسان:3.
5 . البلد:10.
6 . لقمان:12.
7 . فاطر:32.
8 . يونس:108.


(236)

وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُون) .(1)

(فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَليْها). (2)

(إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها) .(3)

إلى غير ذلك من الآيات التي تنصّ على حرية الإنسان في اختياره خصوصاً فيما يرجع إلى الطاعة والمعصية.

إلى هنا خرجنا بهذه النتيجة:

إنّه سبحانه «يعلم ما في السماء والأرض إنّ ذلك في كتاب إنّ ذلك على اللّه يسير»(4) و في ضوء ذلك نعتقد بأنّه سبحانه يعلم أعمارنا وأرزاقنا وما يجري في حياتنا من الأحداث، وما نقوم به من الأفعال كما يعلم مواعيد وفاتنا والكلّ موجود في (كتاب مُبِين) .(5)

لكن علمه السابق بما يجري في صحيفة الكون لا يجعل الإنسان مكتوف اليد أمام الملابسات التي حوله ولا يصيره كالريشة في مهب الريح، بل هو في الكون محكوم من جهة ومختار من جهة أُخرى، محكوم بالسنن العامة السائدة على الكون والحياة ولا يمكن الخروج عنها، مختار في ما تتعلق به إرادته وفي موقفه من الملابسات التي حوله.

فالنوازل والمصائب والحروب الطاحنة تنتابه، شاء أم لم يشأ والموت يدمّر حياته وكيانه والسموم القتالة تهلكه والجراثيم الضارية تنحرف بها صحته، ولكنّه غير مسؤول أمام هذه الأُمور الخارجة عن اختياره، ولكنّه أمام نعمه سبحانه والإمكانيات التي حوله أمام خيارين: فله أن يستفيد منها بما يمد حياته في الدنيا ويسعده في الآخرة كما أنّ له خلاف ذلك. فلو قلنا: الإنسان مخيَّر لا مسيّّر، فإنّما


1 . الجاثية:15.
2 . الأنعام:104.
3 . الإسراء:7.
4 . اقتباس من قوله سبحانه: (ألم تعلم أنّ اللّه يعلم ما في السماء...) (الحج:70).
5 . إشارة إلى قوله سبحانه: (وَيَعْلَمُ ما في الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَة إِلاّ يَعْلَمُها وَلا حَبّة في ظُلُماتِ الأَرْضِ وَلا رَطْب وَلا يابِس اِلاّ في كِتاب مُبين) (الأنعام:59).


(237)

نريد هذا الجانب الثاني، ولو قيل إنّه مسيّر لا مخيّر، فلابدّ أن يراد منه الجانب الأوّل. ثمّ إنّ في الذكر الحكيم آيات ودلالات وتصريحات على كون الإنسان مخيراً، وهي على حدّ لا يمكن جمعها في مقام واحد.

يقول اللّه لِكلِّ بشر على ظهر الأرض:(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ مِنْ قَبل أَنْ يَأْتِيَ يَومٌ لا مَردَّ لَهُ مِنَ اللّهِ يَومَئِذ يَصَّدّعُون* مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُون) (1) ، فهل ربط الجزاء بالعمل هنا من قبيل المزاح أو الخديعة؟

وعندما يصف ربّنا جزاء الكذبة والمكّذبين ويبيّن عقبى عملهم ويقول: (فَلَنُذيقَنَّ الّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَديداً وَلَنَجزِيَنَّهُمْ أَسوأ الَّذي كانُوا يَعْمَلُونَ* ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءاللّه النّار لَهُمْ فِيها دارُ الخُلْد جَزاءً بِما كانُوا بِ آياتِنا يَجْحَدُون) (2) هل هذا الربط المتكرر بين العمل والجزاء؟ وهل هذه النقمة المحسوسة على المجرمين تومئ من قرب أو بعد إلى أنّ القوم كانوا أهل خير فلوى زمامهم قدر سابق أو كتاب ماحق؟ ما أقبح هذا الفهم! في يوم الحساب يحصد الناس ما زرعوا لأنفسهم. والقرآن حريص كلّ الحرص على إعلان هذه الحقيقة وهي أنّك واجد ما قدمت لن تؤخذ أبداً بشيء لم تصنعه، لم تغلب على إرادتك يوماً فيحسب عليك ما لم تشأ. إنّ المغلوب على عقله أو قصده لا يؤاخذ أبداً بل إنّ التكليف يسقط عنه.

وتدبر قوله تعالى: (أَلْقيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّار عَنِيد* مَنّاع لِلْخَيْرِ مُعْتَد مُرِيب* الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللّه ِإِلهاً آخَرَ فَألقِيَاهُ فِي العَذابِ الشَّدِيد* قالَ قَرينُهُ رَبّنا ما أَطغيتُهُ ولكِن كَانَ فِي ضَلال بَعيد) (3) ربّنا سبحانه و تعالى ينفي الظلم عن نفسه ويقول إنّه ما عذب إلاّ من فرط وأساء.(4)


1 . الروم:43ـ 44.
2 . فصلت:27ـ 28.
3 . ق: 24ـ 27.
4 . السنّة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث: 148ـ 149، ولكلامه ذيل فراجعه.


(238)

وعلى ذلك فهنا أمران مسلّمان لا يصح لأحد إنكار واحد منهما:

1. إنّ للّه سبحانه علماً سابقاً على كلّ شيء، ومنه أعمال العباد ويعبر عنه بالقدر والتقدير.

2. الإنسان مخيّر في ما تتعلّق به إرادته ومحكوم فيما هو خارج عن إطار إرادته. وللمسلم الواعي الجمع بينهما على وجه صحيح، وسوف يوافيك بيان هذا الجمع عند البحث عن عقيدة الأشاعرة في كون الإنسان مسيّراً لا مخيراً.(1)

وعلى ذلك فالاعتقاد بالتقدير والقضاء أمر لا يمكن لمسلم إنكاره كما أنّ حرية الإنسان في مجال التكليف مثله أيضاً، فإذاً ما هو الذي وقع مثاراً للنقاش؟

في النصف الثاني من القرن الأوّل بل قبله بقليل أيضاً، انتشر القول بالقدر حتى فرق المسلمين إلى قولين: إلى قدري وجبري، ولكن قد عرفت أنّ القدرية مع أنّها في اللغة بمعنى مثبتة القدر يرادمنه في المصطلح النافون للقدر.

لابدّمن أن نقف ملياً للتأمل في تشخيص النزاع بين الطرفين.

فنقول: إنّ التأمّل في عقائد بعض العرب في الجاهلية يوحي بأنّهم كانوا قائلين بالقدر ومثبتين له بشكل يستنتجون منه سلب المسؤولية عن أنفسهم وإلقاءها على عاتق القدر. وهذا التفسير كان رائجاً بينهم وإن لم يعم الجميع، يقول سبحانه:(سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيء كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْم فَتُخرجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ الظَنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تخرصُون).(2)


1 . لاحظ الجزء الثاني من هذه الموسوعة، وسيوافيك إجماله في آخر هذا البحث عند القول بأنّ «القدر لا يلازم الجبر».
2 . الأنعام:148.


(239)

ولعلّ قوله سبحانه: (وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاء أَتَقُولُونَ عَلى اللّهِ ما لا تَعْلَمُون) (1) يشير إلى أنّهم كانوا يعتذرون بأنّ تقديره سبحانه يلازم الجبر ونفي الاختيار،واللّه سبحانه يرد على تلك المزعمة بهذا القول.

فقد بقيت هذه العقيدة الموروثة من العصر الجاهلي في أذهان بعض الصحابة، فقد روى الواقدي في مغازيه عن أُمّ الحارث الأنصارية وهي تحدث عن فرار المسلمين يوم حنين قالت: مرّ بي عمر بن الخطاب(منهزماً) فقلت: ما هذا؟ فقال عمر: أمر اللّه.(2)

والعجب أنّ تلك العقيدة بقيت في أذهان بعض الصحابة حتّى بعد رحلة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فهذا السيوطي ينقل عن عبد اللّه بن عمر أنّه جاء رجل إلى أبي بكر فقال: أرأيت الزنى بقدر؟ قال:نعم، قال: فإنّ اللّه قدّره علي ثمّ يعذّبني؟! قال: نعم يابن اللخناء، أما واللّه لو كان عندي إنسان أمرته أن يجأ أنفك.(3)

لقد كان السائل في حيرة من أمر القدر، فسأل الخليفة عن كون الزنى مقدّراً من اللّه أم لا؟ فلمّا أجاب الخليفة بنعم، استغرب من ذلك لأنّ العقل لا يسوغ تقديره سبحانه شيئاً بمعنى سلب الاختيار عن الإنسان في فعله أو تركه ثمّ تعذيبه عليه، ولذلك قال: فإنّ اللّه قدره علي ثمّ يعذبني؟ فعند ذاك أقرّه الخليفة على ما استغربه وقال: نعم يابن اللخناء.


1 . الأعراف:28.
2 . مغازي الواقدي:3/904.
3 . تاريخ الخلفاء : 95.


(240)

استغلال الأمويين للقدر

لقد اتّخذ الأمويون مسألة القدر أداة تبريرية لأعمالهم السيّئة، وكانوا ينسبون وضعهم الراهن بما فيه من شتى ضروب العيث والفساد إلى القدر، قال أبو هلال العسكري: إنّ معاوية أوّل من زعم أنّ اللّه يريد أفعال العباد كلّها.(1)

ولأجل ذلك لمّا سألت أُمّ المؤمنين عائشة، معاوية عن سبب تنصيب ولده يزيد خليفة على رقاب المسلمين فأجابها: إن أمر يزيد قضاء من القضاء وليس للعباد الخيرة من أمرهم.(2)

وبهذا أيضاً أجاب معاوية عبد اللّه بن عمر عندما استفسر من معاوية عن تنصيبه يزيد بقوله: إنّي أُحذرك أن تشق عصا المسلمين وتسعى في تفريق ملئهم وأن تسفك دماءهم وإن أمر يزيد قد كان قضاء من القضاء وليس للعباد خيرة من أمرهم.(3)

وقد كانت الحكومة الأموية الجائرة متحمّسة على تثبيت هذه الفكرة في المجتمع الإسلامي، وكانت تواجه المخالف بالشتم والضرب والإبعاد.

قال الدكتور أحمد محمود صبحى في كتابه «نظرية الإمامة»: إنّ معاوية لم يكن يدعم ملكه بالقوة فحسب، ولكن ب آيديولوجية تمس العقيدة في الصميم، ولقد كان يعلن في الناس أنّ الخلافة بينه و بين علي ـ عليه السَّلام ـ قد احتكما فيها إلى اللّه فقضى اللّه له على علي، وكذلك حين أراد أن يطلب البيعة لابنه يزيد من أهل الحجاز أعلن أنّ اختيار يزيد للخلافة كان قضاء من القضاء وليس للعباد خيرة في أمرهم، وهكذا كاد أن يستقر في أذهان المسلمين، أنّ كلّ ما يأمر به الخليفة ـ حتى و لو كانت طاعة اللّه في خلافه ـ فهو قضاء من اللّه قد قدّر على العباد.(4)


1 . الأوائل:2/125.
2 . الإمامة والسياسة :1/167.
3 . الإمامة والسياسة :1/171 .
4 . نظرية الإمامة: 334.


(241)

وقد سرى هذا الاعتذار إلى غير الأمويين من الذين كانوا في خدمة خلفائهم وأُمرائهم فهذا عمر بن سعد بن أبي وقاص قاتل الإمام الشهيد الحسينـ عليه السَّلام ـ لمّا اعترض عليه عبد اللّه بن مطيع العدوي بقوله: اخترت همذان والري على قتل ابن عمك فقال عمر: كانت أُمور قضيت من السماء، وقد أعذرت إلى ابن عمي قبل الوقعة فأبى إلاّما أبى.(1)

ويظهر أيضاً ممّا رواه الخطيب عن أبي قتادة عندما ذكر قصة الخوارج في النهروان لعائشة فقالت عائشة: ما يمنعني ما بيني وبين علي أن أقول الحق سمعت النبي يقول: تفترق أُمّتي على فرقتين، تمرق بينهما فرقة محلقون رؤوسهم، مخفون شواربهم، أزرهم إلى أنصاف سوقهم، يقرأون القرآن لا يتجاوز تراقيهم، يقتلهم أحبهم إلي، وأحبهم إلى اللّه. قال: فقلت: يا أُمّ المؤمنين فأنت تعلمين هذا فلم كان الذي منك؟!

قالت: يا قتادة وكان أمر اللّه قدراً مقدوراً، وللقدر أسباب».(2)

وقد كان حماس الأمويين في هذه المسألة إلى حدّ قد كبح ألسن الخطباء عن الإصحار بالحقيقة، فهذا الحسن البصري الذي كان من مشاهير الخطباء ووجوه التابعين، وكان يسكت أمام أعمالهم الإجرامية ولكن كان يخالفهم في القول بالقدر بالمعنى الذي كانت تعتمد عليه السلطة آنذاك. فلمّا خوّفه بعض أصدقائه من السلطان، وعد أن لا يعود.

روى ابن سعد في طبقاته عن أيّوب قال: نازلت الحسن في القدر غير مرّة حتّى خوفته من السلطان ، فقال: لا أعود بعد اليوم.(3)

كيف وقد جلد محمد بن إسحاق صاحب السيرة النبوية المعروفة في مخالفته في القدر.

قال ابن حجر في تهذيب التهذيب: «إنّ محمّد بن إسحاق اتّهم بالقدر، وقال الزبير عن الدراوردي: وجلد ابن إسحاق يعني في القدر.(4)


1 . طبقات ابن سعد: 5/148.
2 . تاريخ بغداد:1/160.
3 . طبقات ابن سعد: 7/167.
4 . تهذيب التهذيب:9/38ـ 46.


(242)

أحاديث مختلقة لا تفارق الجبر

وفي ظل هذا الإصرار على القضاء والقدر بهذا المعنى نسجت أحاديث لا تفارق الجبر قيد شعرة. وإليك أمثلة منها:

1. روى مسلم في صحيحه عن زيد بن وهب، عن عبد اللّه قال: حدّثنا رسول اللّه وهو الصادق أنّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أُمّه أربعين يوماً، ثمّ يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثمّ يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثمّ يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنّة حتّى ما يكون بينه و بينها إلاّذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها; وإنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتّى ما يكون بينه و بينها إلاّذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنّة فيدخلها.(1)

2. وروى عنه أيضاً حذيفة بن أسيد يبلغ به النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة فيقول: يا ربّ أشقي أو سعيد؟ فيكتبان، فيقول: أي رب أذكر أو أنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه، ثمّ تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص.(2)

3. قال:جاء سراقة بن مالك بن جعشم قال: يا رسول اللّه بيّن لنا ديننا كأنّا خلقنا الآن فيما العمل اليوم، أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أم فيما نستقبل؟ قال: لا بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، قال: ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكلّ ميسر لما خلق له وكل عامل بعمله.(3)

فبناء على الحديث الأوّل لا يقدر الإنسان على إضلال نفسه ولا هدايتها كما


1 . صحيح مسلم:8/44 كتاب القدر.
2 . صحيح مسلم:8/45 كتاب القدر.
3 . جامع الأُصول:1/516; صحيح مسلم:8/48.


(243)

لا يقدر على أن يجعل نفسه من أهل الجنّة أو النار، فكلّما أراد من شيء يكون الكتاب السابق حائلاً بينه و بين إرادته.

والحديث الثاني يدلّ على أنّ الإنسان لا يقدر على تغيير مصيره بالأعمال الصالحة والأدعية والصدقات، وأنّ الكتاب الذي سبق، حاكم على الإنسان فلا يزاد ولا ينقص وهو يخالف النصوص الثابتة في القرآن والسنّة من تغيير المصير والزيادة والنقص على المكتوب، بالأعمال الصالحة أو الطالحة.

إنّ تفسير القضاء والقدر بهذا الشكل الذي يجعل الإنسان مكتوف اليدين في بحر الحياة ممّا ترغب عنه الفطرة السليمة.

إنّ هذه الأحاديث قد نسجت وفق المعتقدات السائدة للسلطة آنذاك حتى تبرر أنّ الوضع الاجتماعي آنذاك لا يمكن تغييره أبداً فإنّه شيء قد فرغ منه. فالفقير يجب أن يبقى هكذا، والغني كذلك يبقى غنياً، وهكذا المظلوم والظالم.

ترى أنّهم قد رووا عن عبد اللّه بن عمر، عن أبيه قال: يا رسول اللّه أرأيت ما نعمل فيه أمر مبتدع ـ أو مبتدأ ـ أو فيما قد فرغ منه؟ فقال: «بل فيما قد فرغ منه، يا ابن الخطاب وكلّ ميسر; أمّا من كان من أهل السعادة فإنّه يعمل للسعادة، وأمّا من كان من أهل الشقاء فإنّه يعمل للشقاء».

وفي رواية قال: لما نزلت (فَمِنْهُمْ شَقيٌّ وَسَعيدٌ) (1) سألت رسول اللّه، فقلت: يا نبي اللّه فعلام نعمل، على شيء قد فرغ منه، أو على شيء لم يفرغ منه؟ قال: «بل على شيء قد فرغ منه وجرت به الأقلام يا عمر! ولكن كلّ ميسر لما خلق له».(2)

وهذا الحديث يعرب عن أنّه قد تم القضاء على الناس في الأزل وجعلهم صنفين وكل ميسر لما خلق له، لا لما لم يخلق له، فأهل السعادة ميسرون


1 . هود:105.
2 . جامع الأُصول:10/516ـ 517، وفيه أخرجه الترمذي.


(244)

للأعمال الصالحة فقط، وأهل الشقاء ميّسرون للأعمال الطالحة فقط.

وهذه المرويات في الصحاح والمسانيد ـ و قد تقدّم بعضها ـ(1) لا تفترق عن الجبر وهي تناقض الأُصول المسلّمة العقلية والنقلية وحاشا رسول اللّه وخيرة أصحابه أن ينبسوا بها ببنت شفة وإنّما حيكت على منوال عقيدة السلطة، وعند ذلك لا تعجب ممّا يقوله أحمد بن حنبل في رسائله:

القدر خيره وشره وقليله وكثيره وظاهره وباطنه وحلوه ومرّه ومحبوبه ومكروهه وحسنه وسيّئه وأوّله وآخره من اللّه. قضاء قضاه، وقدر قدّره، لا يعدو أحد منهم مشيئة اللّه ولا يجاوز قضاءه، بل كلّهم صائرون إلى ما خلقهم له، واقعون فيما قدر عليهم لأفعالهم وهو عدل منه عزّ ربّنا وجلّ. والزنى والسرقة وشرب الخمر وقتل النفس وأكل المال الحرام والشرك باللّه والمعاصي كلّها بقضاء وقدر.(2)

وقد سرى الجهل إلى أكثر المستشرقين فاستنتجوا من هذه النصوص أنّ الإسلام مبني على القول بالجبر وفي ذلك يقول «ايرفنج» ـ من أعلام الكتاب في الولايات المتحدة في القرن التاسع عشرـ : القاعدة السادسة من قواعد العقيدة الإسلامية هي الجبرية، وقد أقام محمد جلّ اعتماده على هذه القاعدة لنجاج شؤونه الحربية، وهذا المذهب الذي يقرر أنّ الناس غير قادرين بإرادتهم الحرة على اجتناب الخطيئة أو النجاة من العقاب، ويعتبره بعض المسلمين منافياً لعدل اللّه، فقد تكونت عدّة فرق جاهدت وهم لا يعتبرون من أهل السنّة.(3)

هذا غيض من فيض ممّا يمكن أن يذكر حول القول بالقدر وسيوافيك توضيحه والمضاعفات الناجمة عنه عند البحث عن عقيدة الأشاعرة.

إنّ هنا كلمة للشيخ «محمد الغزالي» المعاصر حول القدر والجبر يعرب


1 . لاحظ ص 156ـ 161 من هذا الجزء.
2 . طبقات الحنابلة:1/15 بتصرّف يسير، وقد تقدّم نصّ الرسالة.
3 . حياة محمد : 549.


(245)

عن أنّ المحقّقين من أهل السنّة بدأوا يدرسون الإسلام من جديد أو يدرسون الأُصول الموروثة من أبناء الحنابلة وأهل الحديث من رأس وقد رد على القول بالقدر المستلزم للجبر رداً عنيفاً يعرب عن حريته في الرأي وشجاعته الأدبية في تحليل عقائد الإسلام نقتبس منه ما يلي:

فمن الناس من يزعم أنّ الحياة رواية تمثيلية خادعة، وأنّ التكليف أُكذوبة وأنّ الناس مسوقون إلى مصائرهم المعروفة أزلاً طوعاً أو كرهاً وأنّ المرسلين لم يبعثوا لقطع أعذار الجهل بل المرسلون خدعة تتم بها فصول الرواية أو فصول المأساة والغريب أنّ جمهوراً كبيراً من المسلمين يجنح إلى هذه الفرية بل إنّ عامة المسلمين يطوون أنفسهم على ما يشبه عقيدة الجبر، ولكنّهم حياءً من اللّه يسترون الجبر باختيار خافت موهوم، وقد أسهمت بعض المرويات في تكوين هذه الشبهة وتمكينها وكانت بالتالي سبباً في إفساد الفكر الإسلامي وانهيار الحضارة والمجتمع.

إنّ العلم الإلهي المحيط بكلّ شيء وصّاف كشّاف يصف ما كان ويكشف ما يكون والكتاب الدالّ عليه يسجل للواقع وحسب!لا يجعل السماء أرضاً ولا الجماد حيواناً إنّه صورة تطابق الأصل بلا زيادة ولا نقص ولا أثر لها في سلب أو إيجاب.

إنّ هذه الأوهام (التقدير سالب للاختيار) تكذيب للقرآن والسنّة ،فنحن بجهدنا وكدحنا ننجو أو نهلك والقول بأنّ كتاباً سبق علينا بذلك، وأنّه لا حيلة لنا بإزاء ما كتب أزلاً، هذا كلّه تضليل وإفك لقوله تعالى: (قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها) (1) ، (وَقُلِ الحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُر) .(2)

والواقع أنّ عقيدة الجبر تطويح بالوحي كلّه وتزييف للنشاط الإنساني من بدء الخلق إلى قيام الساعة بل هي تكذيب للّه والمرسلين قاطبة ومن ثمّ فإنّنا


1 . الأنعام:104.
2 . الكهف:29.


(246)

نتناول بحذر شديد ما جاء في حديث مسلم وغيره: إنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنّة حتى ما يكون بينه و بينها إلاّ ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النار....(1)

ونظير ذلك ما رواه الترمذي عن عمر بن الخطاب أنّه سئل عن قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَني آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أنفُسِهِمْ ألستُ بربِّكُمْ قاَلُوا بَلَى شَهِدْنا أن تقُولُوا يومَ القِيامَِةِ إنّا كُنّا عِنْ هذا غافِلين) (2) قال عمر ابن الخطاب: سمعت رسول اللّه يسأل عنها فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «إنّ اللّه خلق آدم ثمّ مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذريّة فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون. ثمّ مسح على ظهره فاستخرج منه ذريّة فقال: هؤلاء خلقت للنار وبعمل أهل النار يعملون فقال رجل: يا رسول اللّه ففيم العمل؟ قال: فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : إنّ اللّه إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله الجنة، وإذا خلق العبد للنّار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله اللّه النار».(3)

فإنّ هذا التفسير المنسوب لعمر يسير في اتجاه مضاد للتفسير البديهي المفهوم من الآيات البينات.

على أنّه ليس هنا أثر من الجبر الإلهي في الآية التي ورد الحديث في تفسيرها ولا يفيد أنّ اللّه خلق ناساً للنار يساقون إليها راغمين، وخلق ناساً للجنّة يساقون إليها محظوظين! وإنّ التعلق بالمرويات المعلولة إساءة بالغة للإسلام.

كلّ ميل بعقيدة القدر إلى الجبر فهو تخريب متعمد لدين اللّه ودنيا الناس،


1 . قد مرّ نصّ الحديث في ص 264.
2 . الأعراف:172.
3 . صحيح الترمذي:5/266، رقم الحديث 3075.


(247)

وقد رأيت بعض النقلة والكاتبين يهونون من الإرادة البشرية ومن أثرها في حاضر المرء ومستقبله، وكأنّهم يقولون للناس: أنتم محكومون بعلم سابق لا فكاك منه ومسوقون إلى مصير لا دخل لكم فيه، فاجهدوا جهدكم فلن تخرجوا من الخط المرسوم لكم مهما بذلتم!

إنّ هذا الكلام الرديء ليس نضح قراءة واعية لكتاب ربّنا، ولا اقتداء دقيقاً بسنة نبيّنا إنّه تخليط قد جنينا منه المر!

وكلّ أثر مروي يشغب على حرية الإرادة البشرية في صنع المستقبل الأُخروي يجب أن لا نلتفت إليه فحقائق الدين الثابتة بالعقل والنقل لا يهدها حديث واهي السند أو معلول المتن، لكنّنا مهما نوّهنا بالإرادة الإنسانية فلا ننسى أنّنا داخل سفينة يتقاذفها بحر الحياة بين مد وجزر وصعود وهبوط والسفينة تحكمها الأمواج ولا تحكم الأمواج، ويعني هذا أن نلزم موقفاً محدداً بإزاء الأوضاع المتغيرة التي تمر بنا هذا الموقف من صنعنا وبه نحاسب.

أمّا الأوضاع التي تكتنفنا فليست من صنعنا ومنها يكون الاختيار الذي يبت في مصيرنا، إنّ تصوير القدر على النحو الذي جاءت به بعض المرويات غير صحيح، وينبغي أن لا ندع كتاب ربّنا لأوهام وشائعات تأباها روح الكتاب ونصوصه.

القرآن قاطع في أنّ أعمال الكافرين هي التي أردتهم (يا أَيُّهَا الَّذينَ كَفَروا لا تَعْتَذِرُوا الْيَومَ إِنّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُون) (1) وقاطع في أنّ أعمال الصالحين هي التي تنجيهم (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الجَنّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُون) .(2)

فلا احتجاج بقدر ولا مكان لجبر وعلى من يسيئون الفهم أو النقل أن لا يعكّروا صفو الإسلام.

جاءت في القدر أحاديث كثيرة نرى أنّها بحاجة إلى دراسة جادة حتى يبرأ المسلمون من الهزائم النفسية والاجتماعية التي أصابتهم قديماً وحديثاً.(3)


1 . التحريم:7.
2 . الأعراف:43.
3 . السنّة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث: 144 ـ 157 بتلخيص.


(248)

تكوين القدرية كرد فعل

و لمّا كان القدر والقضاء بالمعنى الذي تروّجه السلطة الأموية مخالفاً للفطرة والعقل قام رجال أحرار في وجه هذه العقيدة يركّزون على القول بحرية الإنسان في إطار حياته فيما يرجع إلى سعادته وشقائه، وفيما عينت للثواب والعقاب، ولكن السلطة اتهمتهم بنفي القضاء والقدر ومخالفة الكتاب والسنة ثمّوضعت السيوف على رقاب بعضهم، هذا هو معبد الجهني اتّهموه بالقدر (نفي القدر) ذهب إلى الحسن البصري فقال له: إنّ بني أُميّة يسفكون الدماء ويقولون إنّما تجري أعمالنا على قدر اللّه، فقال: كذب أعداء اللّه.(1)

ومعبد هذا قد اتّهم بالقدرية وأنّه أخذ هذه العقيدة عن رجل نصراني، ولكنّه اتهام في غالب الظن قد أُلصق به وهو منه براء وهذا الذهبي يعرّفه بقوله: إنّه صدوق في نفسه، وإنّه خرج مع ابن الأشعث على الحجاج حتى قتل صبراً، ووثّقه ابن معين ونقل عن جعفر بن سليمان أنّه حدثه مالك بن دينار قال لقيت معبداً الجهني بمكة بعد ابن الأشعث وهوجريح وكان قاتل الحجاج في المواطن كلّها.(2)

ولا أظن أنّ الرجل الذي ضحى بنفسه في طريق الجهاد ومكافحة الظالمين ينكر ما هو من أوضح الأُصول وأمتنها، ولو أنكر فإنّما أنكر المعنى الذي استغله النظام آنذاك ويشهد بذلك محاورته الحسن البصري الآنفة.

ومثله غيلان الدمشقي فقد اتّهم بنفس ما اتهم به أُستاذه، فهذا الشهرستاني يقول: كان غيلان يقول بالقدر خيره وشره من العبد. وقيل تاب عن القول بالقدر على يد عمر بن عبد العزيز، فلمّا مات عمر جاهر بمذهبه فطلبه هشام بن عبد الملك وأحضر الأوزاعي لمناظرته، فأفتى بقتله، فصلب على باب كيسان بدمشق.(3)


1 . الخطط المقريزية:2/356.
2 . ميزان الاعتدال:4/141.
3 . الملل النحل للشهرستاني:1/47.


(249)

وقد صارت مكافحة هذا الاتجاه الظاهر عن معبد الجهني وغيلان الدمشقي ومحاربته سبباً لظهور المفوّضة الذين كانوا يعتقدون بتفويض الأُمور إلى العباد وأنّه ليس للّه سبحانه أي صنع في أفعالهم، فجعلوا الإنسان خالقاً لأفعاله، مستغنياً عن اللّه سبحانه فصار كالإله في مجال الأفعال كما كان القضاء والقدر حاكماً على كلّ شيء ولا يمكن تغييره بأي صورة أُخرى من الصور. فالطرفان يحيدان عن جادة التوحيد ويميلان إلى جانبي الإفراط والتفريط في الخلق وسيوافيك تفصيل القول في محله.

الاحتجاج بالقدر

إنّ القدر بالمعنى الذي جاء في الأحاديث النبوية من شأنه أن يجعل الإنسان مسلوب الاختيار، مسيراً في حياته غير مختار في أفعاله فعند ذلك يصحّ للعبد أن يحتجّ على المولى في عصيانه ومخالفته.

ومن العجيب انّه جاء في الصحيحين حديث عن أبي هريرة عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّه قال: «احتجّ آدم وموسى فقال موسى: يا آدم أنت أبوالبشر الذي خلقك اللّه بيده، ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته، فلماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟» فقال له آدم: أنت موسى الذي كلّمك اللّه تكليماً وكتب لك التوراة فبكم تجد فيها مكتوباً«وعصى آدم ربّه فغوى» قبل أن أخلق؟ قال: بأربعين سنة قال فحج آدم موسى».(1)

وقد اضطرب القائلون بالقدر ومالوا يميناً وشمالاً في تفسير هذا الحديث وأمثاله إذ لو صحّ القدر بالمعنى الذي جاء في الأحاديث النبوية لكان باب العذر للعبد مفتوحاً على مصراعيه.

والعجب من ابن تيمية حيث فسر الحديث في رسالة أسماها


1 . جامع الأُصول:10/523 ـ 525; صحيح البخاري:4/158 و 6/96و 8/126و 9/148.


(250)

بـ«الاحتجاج بالقدر» بأنّ موسى لم يلم آدم إلاّمن جهة المصيبة التي أصابته وذريته بما فعل لا لأجل أنّ تارك الأمر الإلهي مذنب عاص، ولهذا قال: لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة. ولم يقل: لماذا خالفت الأمر؟ ولماذا عصيت؟ والناس مأمورون عند المصائب التي تصيبهم بأفعال الناس أو بغير أفعالهم، بالتسليم للقدر وشهود الربوبية كما قال اللّه تبارك و تعالى: (ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَة إِلاّبِإِذْنِ اللّه) .(1)

ووجه العجب: أنّ ابن تيمية قصر النظر على كلام موسى حيث اعترض على آدم بأنّه لماذا أخرج نفسه وذريته من الجنة، ولم يلتفت إلى جواب آدم، فإنّه صريح في الاحتجاج بالقدر في مورد العصيان وأنّ معصيته كانت أمراً مقدراً قبل أن يخلق فلم يكن بد منها حيث قال لموسى: أنت موسى الذي كلمك اللّه تكليماً وكتب لك التوراة فبكم تجد فيها مكتوباً«وعصى آدم ربّه فغوى» قبل أن أخلق، قال: بأربعين سنة قال: فحج آدم موسى.(2)

وعلى ذلك فموسى وإن لم يلم آدم إلاّمن جهة المصيبة التي أصابته وذريته بما فعل، لكن لما كانت المصيبة نتيجة المعصية، احتج آدم على موسى بأنّ المعصية لما كانت أمراً مقدراً وهو بالنسبة إليها مسيراً، وكانت المصيبة نتيجة لها، فهو معذور في المصيبة الّتي عمّته وذريته. فالكلّ من السبب والمسبب كانا خارجين عن قدرته واختياره فلا لوم على المصيبة لعدم صحّة اللوم على المعصية المقدّرة قبل خلقته بأربعين سنة.

ثمّ إنّ كثيراً من القائلين بالقدر بالمعنى الذي تفيده ظواهر الأحاديث لمّا رأوا في صميم عقلهم وأغوار فكرهم أنّه لا يجتمع معالتكليف، صاروا إلى الإجابة بأصل مبهم جداً، وهو أنّه «لا يحتج بالقدر» .

و عندئذ يتوجه إليهم السؤال التالي:

لو كان القدر بالمعنى الذي تفيده ظواهر الأحاديث أمراً صحيحاً يجب


1 . التغابن:11.
2 . الاحتجاج بالقدر: 18.


(251)

الإذعان به و بنتائجه ولوازمه وهو كون الإنسان مجبوراً مسيراً فلا محالة يصحّ الاحتجاج به أيضاً في مقام الاعتذار.

وبالجملة: لا مناص عن اختيار أحد الأمرين: إمّا الإذعان بالقدر ونتائجه ولوازمه ومنها الاحتجاج على المولى سبحانه في مقام المخالفة، وإمّا رفض ذلك الاعتقاد والقول بكون الإنسان مخيراً مختاراً. فالجمع بين الإذعان بالقدر وعدم الاحتجاج به أشبه بالأخذ بالشجرة وإضاعة الثمرة.

ثمّ إنّ ابن تيمية قد التجأ في حلّ العقدة إلى جواب آخر: وهو أنّ القدر لا يحتج به، قال: «وليس القدر حجّة لابن آدم ولا عذراً بل القدر يؤمن به ولا يحتج به والمحتج بالقدر فاسد العقل والدين فإنّ القدر إن كان حجّة وعذراً لزم أن لا يلام أحد ولا يعاقب ولا يقتص منه، وهذا أمر ممتنع في الطبيعة لا يمكن لأحد أن يفعله، وهو ممتنع طبعاً، محرم شرعاً، ولما كان الاحتجاج بالقدر باطلاً في فطرة الخلق وعقولهم، لم تذهب إليه أُمّة من الأُمم، ولا هو مذهب أحدمن العقلاء».(1)

وكان على ابن تيمية أن يتنبّه عندئذ فيجعل عدم احتجاج العقلاء بالقدر دليلاً على بطلان القدر بالمعنى الذي اختاره وتديّن به، وإلاّفلو صحّ القدر لا يصحّ أن يقال «لا يحتج به».

وبالجملة: إمّا أن يؤمن بالقدر ويحتج به، وإمّا أن لا يؤمن به ولا يحتج به.

وهناك أمر آخر، وهو: أنّ القائل بالقدر يصرح بوجوب الإيمان بالقدر خيره وشره،وبما أنّ القدر فعل اللّه سبحانه، فتكون النتيجة كون الخير والشر من أفعاله سبحانه وتقديراته حسب ما سبق به علمه واقتضته حكمته. مع أنّ صريح الصحاح من الأحاديث خلافه وأنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «والشر ليس إليك».(2)


1 . مجموعة الرسائل والمسائل:1/88ـ91.
2 . سنن النسائي:2/130، كتاب الصلاة، أبواب الافتتاح، باب «نوع آخر من الذكر والدعاء بين التكبير والقراءة».


(252)

وعلى ذلك فيجب تفسير الشر بشكل يناسب مقام الرب كالجدب و المرض والفقر والخوف. وإطلاق الشر عليها نوع مجاز وتأويل.

محاولة للجمع بين القدر وصحّة التكليف

إنّ بعض المتحذلقين في العصر الحاضر لمّا رأى أنّ القدر بالمعنى الذي تفيده ظواهر الروايات لا يجتمع مع الاختيار والحرية ويناقض صحّة التكليف، صار بصدد الجمع بينهما فقال: «إنّ للقدر أربع مراتب:

المرتبة الأُولى: العلم: علمه الأزلي الأبدي، فلا يتجدّد له علم بعد جهل ولا يلحقه نسيان بعد علم.

المرتبة الثانية: الكتاب: فنؤمن بأنّ اللّه تعالى كتب في اللوح المحفوظ ما هو كائن إلى يوم القيامة، قال سبحانه: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالأَرضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتاب انَّ ذلكَ على اللّهِ يَسِير) .(1)

المرتبة الثالثة: المشيئة: فنؤمن بأنّ اللّه تعالى قد شاء كلّ ما في السماوات والأرض لا يكون شيء إلاّبمشيئته، ما شاء اللّه كان و ما لم يشأ لم يكن.

المرتبة الرابعة: الخلق: فنؤمن بأنّ (اللّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْء و هُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء وَكِيل* لَهُ مقالِيدُ السّماواتِ والأرض) (2) ».

وهذه المراتب الأربع شاملة لما يكون من اللّه نفسه ولما يكون من العباد. فكلّ ما يقوم به العباد من أقوال أو أفعال أو تروك، فهي معلومة للّه تعالى مكتوبة عنده واللّه قد شاءها وخلقها. ثمّ يقول:

ولكنّنا مع ذلك نؤمن بأنّ اللّه تعالى جعل للعبد اختياراً وقدرة، بهما يكون الفعل، والدليل على أنّ فعل العبد باختياره وقدرته أُمور. ثمّ استدل ب آيات تثبت للعبد إتياناً بمشيئته وإعداداً بإرادته مثل قوله سبحانه: (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُم) (3) وقوله: (وَلَو)


1 . الحج:70.
2 . الزمر:62ـ 63.
3 . البقرة:223.


(253)

أَرادُوا الخُرُوجَ لأَعدّوا لَهُ عُدَّة)(1).(2)

انظر إلى التناقض الذي ارتكبه الكاتب المعاصر وهو بصدد بيان العقيدة الإسلامية، إذ لو كان فعل العبد معلوماً للّه ومكتوباً في اللوح المحفوظ وقد شاء اللّه فعله وخلقه، فكيف يكون للعبد اختيار وقدرة بهما يوجد الفعل؟ وهل الفعل بعد علمه تعالى وكتابته، ومشيئته وخلقه يكون محتاجاً إلى شيء آخر حتّى يكون لاختيار العبد وقدرته دور في ذلك المجال؟«هل قرية وراء عبادان»؟؟!

فكما أنّه لا يكون للعباد دور في خلق السماوات والأرض بعد ما تعلّق به علمه سبحانه وكتبه في لوحه، وشاء وجوده، وخلقه، فهكذا أفعال عباده بعد ما وقعت في إطار هذه المجالات الأربعة.

وبالجملة فعندما تحقّق الخلق من اللّه لا تكون هناك أية حالة انتظارية في تكوّن الفعل ووجوده. فلا معنى لأن يكون للعبد بعد خلقه سبحانه دور أو تأثير. وأمّا مسألة «الكسب» الذي أضافه إمام الأشاعرة إلى «الخلق» فعده سبحانه خالقاً والعبد كاسباً، فسيوافيك أنّه ليس للكسب مع معقول بعد تمامية الخلقة، فتربص حتى حين.

صراع بين الوجدان وظواهر الأحاديث

لا شكّ أنّ كلّ إنسان يجد من صميم ذاته أنّ له قدرة واختياراً ولا يحتاج في إثباته إلى الاستدلال بالآيات والروايات كما ارتكبه الكاتب وهذا شيء لا يمكن لأحد إنكاره، ولذلك صحّ التكليف وحسن بعث الأنبياء وعليه يدور فلك الحياة في المجتمع الإنساني.

والقدر بالمعنى الذي تصرح به الأحاديث لا يجتمع مع اختيار العبد وقدرته، فلو صحّ القدر بالمعنى المعروف بين أهل الحديث لم يكن مناص في


1 . التوبة:46.
2 . «عقيدة أهل السنّة والجماعة» بقلم محمد صالح العثيمين من منشورات الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة: ص 27ـ 29.


(254)

الصراع عن ارتكاب أحد أمرين: إمّا إنكار القدر و القضاء وهو لا يصحّ أن يصدر من مسلم مؤمن بكتاب اللّه، وإمّا إنكار القدرة والاختيار وهو يخالف الوجدان والفطرة السليمة، وأمّا الجمع بينهما فهو أمر غير ممكن.

والحقّ أنّ الاعتقاد بالقدر بالمعنى الوارد في الروايات السابقة لا ينفك عن الجبر قيد شعرة، وللعبد الاحتجاج على المولى بأنّ الفعل ـ بعد تنزّله من مرتبة العلم إلى مرتبة الكتابة ومنهما إلى درجة المشيئة فدرجة الخلق والإيجاد ـ يكون عندئذ مخلوقاً للّه سبحانه و فعلاً له، وكلّ فاعل مسؤول عن فعل نفسه لا فعل غيره.(وَلاتَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخرى) (1). ولا تكون حينئذ للفعل أية صلة بالعبد إلاّ كونه ظرفاً للصدور ومحلاً لإيجاده سبحانه.

ولكن الإمامية مع اعترافهم بالمراتب الأربع للقدر لا يرونه ملازماً للجبر، بل يرون للعبد بعدها اختياراً وحرية. ولأجل ذلك يجب تركيز الكلام في تفسير كون الفعل مورداً لمشيئته وكونه مخلوقاً له سبحانه، وإليك بيان هذين الأمرين:

القول بالقدر لا يلازم الجبر

إنّ منشأ توهم الجبر وكون الإنسان مسيّراً لا مخيّراً ً أحد أمرين:

1. كون فعله متعلّقاً لمشيئته سبحانه وما شاء اللّه يقع حتماً.

2. كونه خالقاً لكلّ شيء حتّى أفعال عباده وإلاّ بطل التوحيد في الخالقية.

وبالبيان التالي يظهر بطلان التوهم المذكور، وأنّ واحداً من الأصلين لا يقتضي الجبر، إذا فسر على الوجه الصحيح، لا على الوجه الذي يتبنّاه أهل الحديث وحتى الأشاعرة. فنقول:


1 . الأنعام:164.


(255)

الأمر الأوّل: تعلّق مشيئته بالأفعال

أمّا كون أفعال العباد متعلّقة لمشيئته سبحانه، فهناك من ينكر ذلك ويقول: إنّ التقدير يختص بما يجري في الكون من حوادث كونية ممّا يتعلّق به تدبيره سبحانه، وأمّا أفعال العباد فليست متعلّقة بالتقدير والمشيئة، بل هي خارجة عن إطارهما، والحافز إلى ذاك التخصيص هو التحفّظ على الاختيار ونفي الجبر، فهذا القول يعترف بالقدر ولكن لا في أفعال العباد بل في غيرها.

يلاحظ عليه: أنَّّ الظاهر من الآيات أنّ فعل العباد تتعلّق به مشيئة اللّه، وأنّه لولا مشيئته سبحانه لما تمكن من الفعل.

يقول الراغب: لولا أنّ الأُمور كلّها موقوفة على مشيئة اللّه وأنّ أفعالنا معلّقة بها وموقوفة عليها لما أجمع الناس على تعليق الاستثناء به في جميع أفعالنا نحو (سَتَجِدُنِي إنْ شَاءَ اللّهُ مِنَ الصّابِرينَ) ، (سَتَجِدُنِي إنْ شَاءَ اللّهُ صابِراً) ، (يَأِتْيكُمْ بِهِ الّلهُ إن شاء) ، (ادخُلُوا مِصْرَ إن شاءَ اللّهُ) ، (قُلْ لا أملِكُ لِنَفْسِي َنْفْعاً ولا ضَرّاً إلاّ ما شاءَ اللّهُ)، (وَما يكونُ لَنا أنْ نعودَ فِيها إلاّأن يشاءَ اللّهُ ربُّنا) ، (ولا تَقُولَنَّ لِشَيء إنّي فاعِلٌ ذلِكَ غداً * إلاّ أن يشاءَ اللّهُ) .(1)

وهناك آيات أُخر لم يذكرها«الراغب»:

1. قوله سبحانه: (ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَة أو ترَكْتُمُوها قائِمَةً عَلَى أُصُولِها فبإذنِ اللّهِ ولِيُخْزِيَ الفاسِقين) .(2)

فالإذن هنا بمعنى المشيئة وما ذكر من القطع والإبقاء من باب المثال.

2. قوله سبحانه: (إن هُوَ إلاّ ذِكْرٌ لِلعالَمِين* لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أنْ يَسْتَقِيم* وما تَشاؤُونَ إلاّ أنْ يَشاءَ اللّهُ ربُّ العَالَمِينَ) .(3)

3. قوله سبحانه: (إنَّ هَذِهِ تَذْكِرةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخذَ إلى ربّهِ سَبِيلاً*)


1 . المفردات:271.و الآيات كالتالي: الصافات: 102، الكهف:69، هود:33، يوسف:99، الأعراف: 188 و 89، والكهف: 23 ـ 24.
2 . الحشر:5.
3 . التكوير:27ـ 29.


(256)

وما تَشاءُونَ إلاّ أن يَشاءَ اللّهُ إنّ اللّهَ كانَ علِيماً حكِيماً) .(1)

4. قال سبحانه: (كَلاّ بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرةَ* كَلاّ إنّهُ تَذْكِرَةٌ* فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ* و ما يَذْكُرُونَ إلاّ أنْ يَشاءَ اللّهُ هُوَ أهْلُ التَّقْوى و أهْلُ المَغْفِرَةِ).(2)

وجه الدلالة في الآيات الثلاث واحدة ومفعول الفعل(وما تشاءون) في الآية الأُولى هو الاستقامة. معناه وما تشاءون الاستقامة على الحقّ إلاّ أن يشاء اللّه ذلك، كما أنّ المفعول في الآية الثانية عبارة عن اتّخاذ الطريق والمعنى وما تشاءون اتّخاذ الطريق إلى مرضاة اللّه تعالى إلاّأن يشاء اللّه تعالى ، كما أنّ المفعول للفعل، (وما يذكرون) في الآية الثالثة هو القرآن ،أي وما يذكرون القرآن ولا يتذكّرون به إلاّ أن يشاء اللّه.

إذا عرفت ذلك ففي الآيات الثلاث الأخيرة احتمالان:

الأوّل: المراد أنّكم «لا تشاءون الاستقامة أو اتّخاذ الطريق أو التذكّر بالقرآن إلاّ أن يشاء اللّه أن يجبركم عليه ويلجئكم إليه، ولكنّه لا يفعل، لأنّه يريد منكم أن تؤمنوا اختياراً لتستحقوا الثواب، ولا يريد أن يحملكم عليه» واختاره أبو مسلم كما نقله عنه «الطبرسي» وحاصله: وما تشاءون واحداً من هذه الأُمور إلاّأن يشاء اللّه إجباركم وإلجاءكم إليه، فحينئذ تشاءون ولا ينفعكم ذلك، والتكليف زائل، ولم يشأ اللّه هذه المشيئة، بل شاء أن تختاروا الإيمان لتستحقوا الثواب.(3)

وعلى هذا فالآيات خارجة عمّا نحن فيه، أعني: كون أفعال البشر على وجه الإطلاق ـ اختيارية كانت أو جبرية ـ متعلّقة لمشيئته سبحانه.

الثاني: إنّ الآية بصدد بيان أنّ كلّ فعل من أفعال البشر ومنها الاستقامة واتخاذ الطريق والتذكّر لا تتحقّق إلاّ بعد تعلق مشيئته سبحانه بصدورها غير أنّ


1 . الإنسان: 29ـ 30.
2 . المدثر:53ـ 56.
3 . مجمع البيان:5/39 و 413 و 446.


(257)

لتعلّق مشيئته شرائط ومعدّات منها كون العبد متجرّداً عن العناد واللجاج متهيئاً لقبول الصلاح والفلاح موقعاً نفسه في مهب الهداية الإلهية، فعند ذلك تتعلّق مشيئته بهداية العبد، وبما أنّ الكفّار المخاطبين في الآية لم يكونوا واجدين لهذا الشرط لم تتعلّق مشيئته باستقامتهم واتّخاذ الطريق والاتّعاظ بالقرآن.

وليس هذا بكلام غريب وإنّه هو المحكّم في الآيات الراجعة إلى الهداية فإنّ له سبحانه هدايتين:هداية عامة تفيض إلى عامة البشر: مؤمنهم وكافرهم وإليه يشير قوله سبحانه: (إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً) (1) وهناك هداية خاصة تفيض منه سبحانه إلى من جعل نفسه في مهب الرحمة واستفاد من الهداية الأُولى، وإلى ذلك يشير قوله سبحانه: (وَيَهْدي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ) (2)، والظاهر من مجموع الآيات حول المشيئة هو الاحتمال الثاني دون الأوّل واختاره العلاّمة الطباطبائي فقال في تفسير سورة الإنسان.

الاستثناء من النفي يفيد أنّ مشيئة العبد متوقّفة في وجودها على مشيئته تعالى فلمشيئته تعالى تأثير في فعل العبد من طريق تعلّقها بمشيئة العبد وليست متعلّقة بفعل العبد مستقلاً وبلا واسطة حتى تستلزم بطلان تأثير إرادة العبد وكون الفعل جبرياً ولا أنّ العبد مستقل في إرادة يفعل ما يشاؤه، شاء اللّه أو لم يشأ، فالفعل اختياري لاستناده إلى اختيار العبد.(3)

هذا كلّه في الصغرى أي كون أفعال العباد متعلقة لمشيئته سبحانه. إنّما الكلام في الكبرى وهو أنّ تعلّق المشيئة بفعل العبد لا يستلزم الجبر، وهذه هي النقطة الحسّاسة في حلّ عقدة الجبر مع القول بكون أفعالنا متعلّقة لمشيئته.

بيان ذلك أنّ هناك فرضين:

1. تعلّقت مشيئته سبحانه بصدور الفعل من العبد إيجاداً واضطراراً.

2. تعلّقت مشيئته سبحانه بصدوره منه عن إرادة واختيار.


1 . الإنسان:3.
2 . الشورى:13.
3 . الميزان:20/ 142.


(258)

فالقول بالجبر إنّما هو نتيجة الفرض الأوّل دون الثاني.

إنّ مشيئته سبحانه تعلّقت بصدور كلّ فعل عن فاعله مع الخصوصية الموجودة فيه، كالصدور عن لا شعور في النار بالنسبة إلى الحرارة والصدور عن اختيار في الإنسان بالنسة إلى التكلم والمشي. وعلى ذلك يجب أن تصدر الحرارة من النار عن اضطرار، ويصدر التكلّم أو المشي عن الإنسان باختيار وإرادة.

فلو صدر الأوّل عن النار بغير هذا الوضع، أو الثاني من الإنسان بغير هذه الكيفية لزم التخلّف عن مشيئته سبحانه وهو محال، إذ ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.

ومجرّد كون الفعل متعلّقاً لمشيئته وأنّ ما شاء يقع، لا يستلزم القول بالجبر، ولا يصير الإنسان بموجبه مسيّراً إذا كان الفعل صادراً عن الفاعل بالخصوصية المكتنفة به. فالنار فاعل طبيعي تعلقت مشيئته سبحانه بصدور أثرها (أي الحرارة) عنها بلا شعور.

والإنسان فاعل مدرك شاعر مريد، تعلّقت مشيئته سبحانه بصدور فعله عنه مع الشعور والإرادة. فلو صدر الفعل في كلا الموردين لا مع هذه الخصوصيات لزم التخلّف. فتنزيه ساحته عن وصمة التخلّف يتوقّف على القول بأنّ كلّ معلول يصدر عن العلّة. لكن بالخصوصية التي خلقت معها. فقد شاء اللّه سبحانه أن تكون النار فاعلاً موجباً، ويصدر عنها الفعل بالإيجاب، كما شاء أن يكون الإنسان فاعلاً مختاراً ويصدر الفعل عنه لكن بقيد الاختيار والحرية.

ولقائل أن يقول: إنّ تعلّق المشيئة المهيمنة من اللّه سبحانه على صدور الفعل من العبد عن اختيار موجب لكون صدور الفعل أمراً قطعياً وعدم المناص إلاّعن إيجاده ومع هذا كيف يكون الفعل اختيارياً فإنّ معناه أنّ له أن يفعل وله أن لا يفعل وهذا لا يجتمع مع كون صدور الفعل قطعياً.

والجواب: إنّ قطعية أحد الطرفين لا تنافي كون الفعل اختيارياً، وذلك بوجهين:


(259)

1. بالنقض بفعل الباري سبحانه، فإنّ الحسن قطعي الصدور، والقبيح قطعي العدم، ومع ذلك فالفعل اختياري له واللّه سبحانه يعامل عباده بالعدل والقسط قطعاً ولا مناص عنه ولا يعاملهم ظلماً وجوراً قطعاً وبتاتاً، ومع ذلك ففعله سبحانه المتّسم بالعدل، اختياري لا اضطراري.

2. إنّ تعلّق مشيئته سبحانه بأفعال العباد، يرجع لباً إلى تعلّقها بحريتهم في الفعل والعمل، وعدم وجود موجب للجوئهم إلى أحد الطرفين حتماً فشاء اللّه سبحانه كونهم أحراراً غير مجبورين، مختارين غير مضطرين حتى يهلك من هلك عن بيّنة ويحيا من حي عن بيّنة. هذا كلّه حول المشيئة.

الأمر الثاني: خلق الأفعال

وأمّا كون أفعال العباد مخلوقة للّه سبحانه فهذا أصل يجب الاعتراف به بحكم التوحيد في الخالقية، وبحكم أنّ(اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء وََكِيلٌ) .(1)

إلاّ أنّه يجب تفسير التوحيد في الخالقية، وليس معناه انحصار الفاعلية والخالقية، أعمّ من المستقل وغير المستقل باللّه سبحانه، بأن يكون هناك فاعل واحد يقوم مقام جميع العلل والفواعل المدركة وغير المدركة، كما هو الظاهر من عبارات القوم في تفسير التوحيد في الخالقية،إذ معنى ذلك رفض مسألة العلية والمعلولية بين الأشياء.

وهذا ما لا يوافق عليه العقل ولا الذكر الحكيم، بل معناه أنّه ليس في صفحة الوجود خالق أصيل غير اللّه، ولا فاعل مستقل سواه سبحانه، وأنّ كلّ ما في الكون من كواكب وجبال، وبحار وعناصر، ومعادن وسحب، ورعود وبروق، وصواعق ونباتات، وأشجار وإنسان وحيوان وملك وجن، وعلى الجملة كلّ ما يطلق عليه عنوان الفاعل والسبب كلّها علل وأسباب غير مستقلة


1 . الزمر:62.


(260)

التأثير، وأنّ كلّ ما ينسب إلى تلك الفواعل من الآثار ليس لذوات هذه الأسباب بالاستقلال. وإنّما ينتهي تأثير هذه المؤثرات إلى اللّه سبحانه، فجميع هذه الأسباب والمسببات رغم ارتباط بعضها ببعض مخلوقة للّه، فإليه تنتهي العلية، وإليه تؤول السببية، وهو معطيها للأشياء، كما أنّ له تجريدها عنها إن شاء، فهو مسبب الأسباب وهو معطّلها.

وهذا هو نتيجة الجمع بين الآيات الناصة على حصر الخالقية باللّه سبحانه، والآيات المثبتة لها لغيره، كما في قوله سبحانه حاكياً عن سيدنا المسيح ـ على نبيّنا وآله وـ عليه السَّلام ـ ـ :(أنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكونُ طيراً بِإِذْنِ اللّه) (1)، وقوله سبحانه:(فَتَبارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الخالِقينَ).(2)

فهذا الصنف من الآيات الذي يسند الخلق إلى غيره سبحانه إذا قورن بالآيات الأُخرى المصرحة بانحصار الخالقية باللّه سبحانه، مثل قوله تعالى:(قُل اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء وَهُوَ الْواحِدُ القَهّار) (3) يستنتج أنّ الخالقية المستقلة غير المستندة إلى شيء سوى ذات الخالق منحصرة باللّه سبحانه، وفي الوقت نفسه الخالقية والفاعلية غير المستقلة المفاضة من الواهب سبحانه إلى الأسباب، تعم عباده وجميع الفواعل المدركة وغير المدركة.

وعلى ذلك فكلّ فعل صادر عن فاعل طبيعي أو مدرك كما يعد فعله سبحانه كذلك يعدّ فعلاً للعبد، لكن بنسبتين.

فاللّه سبحانه فاعل لها بالتسبيب، وغيره فاعل لها بالمباشرة. فليست ذاته سبحانه مبدأً للحرارة بلا واسطة النار، أو للأكل والمشي بلا واسطة


1 . آل عمران:49.
2 . المؤمنون:14.
3 . الرعد:16.


(261)

الإنسان، بل الفاعل الذي تصدر عنه هذه الأُمور هو النار والإنسان، ولكن فاعلية كلّ واحد بقدرته وإفاضة الوجود.

وبذلك يتبيّن أنّ أفعال العباد في حال كونها مخلوقة للّه، مخلوقة للإنسان أيضاً، فالكلّ خالق لا في عرض واحد، بل فاعلية الثاني في طول فاعلية الأوّل. والبيتان التاليان يلخّصان هذه النظرية:

وكيـف فعلنــا إلينــا فوّضـا * وإنّ ذا تفويض ذاتنا اقتضى

لكن كما الوجود منسوب لنـا * فالفعل فعل اللّه وهـو فعلنـا

وبذلك يتبين أنّ الاعتراف بالمرتبة الثالثة والرابعة من القدر لا يلازم الجبر، بشرط تفسيرهما على النحو الذي تقدّم.(1)

***

ثمّ إنّ هناك رسائل ثلاثاً تعدّ من بدايات علم الكلام في القرن الأوّل تعرب عن آراء متضاربة في استلزام القول بالعلم الإلهي السابق، القول بالجبر وعدمه. فالأمويون على الأوّل وفي مقدّمتهم عمر بن عبد العزيز.

وغيرهم على الثاني كالحسن البصري وأصحابه، نذكر نصّ الرسالتين إحداهما لعمر بن عبد العزيز والأُخرى للحسن وهما يغنيان عن الرسالة الثالثة للحسن بن محمد بن الحنفية، كما سنذكره.

عرف الأمويون منذ عصر معاوية إلى آخر دولتهم أنّ سلطتهم على الناس لا تبقى إلاّ مع إذاعة فكرة الجبر بين الأُمّة. وقد أشرنا إلى نماذج من أقوال معاوية فيما سبق، ونضيف في المقام ما نقله القاضي عبد الجبار عن الشيخ أبي علي الجبائي أنّه قال: إنّ أوّل من قال بالجبر وأظهره معاوية، وإنّه أظهر أنّ ما يأتيه بقضاء اللّه ومن خلقه، ليجعله عذراً فيما يأتيه ويوهم أنّه مصيب فيه وأنّ اللّه جعله إماماً وولاّه الأمر وفشا ذلك في ملوك بني أُميّة.

وعلى هذا القول قتل هشام بن عبد الملك غيلان رحمه اللّه ، ثمّ نشأ بعدهم


1 . ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتابنا: «مفاهيم القرآن» :1/299ـ 334.


(262)

يوسف السمني فوضع لهم القول بتكليف مالا يطاق، وأخذ هذا القول عن ضرير(1) وكان بواسط زنديقاً نبوياً(2) وقال جهم: إنّه لا فعل للعبد. وتبعه ضرار في المعنى، وإن أضاف الفعل إلى العبد وجعله كسباً له وفعلاً وإن كان خلقاً للّه عنده.(3)

الرسائل الثلاث

إنّ الأُمّة الإسلامية في النصف الثاني من القرن الأوّل ومجموع القرنين التاليين كانت تعيش في مأزق حرج بالنسبة إلى العقائد الإسلامية عامة، والجبر والاختيار خاصة، إذ لم تكن العقيدة الإسلامية مدوّنة ولا مضبوطة، وتكفينا في البرهنة على ذلك الرسائل الثلاث التي تعد من أقدم الوثائق التاريخية في مسائل علم الكلام:

الرسالة الأُولى: الرسالة المنسوبة إلى الحسن بن محمد بن الحنفية (المتوفّى حوالي 100هـ) حفيد الإمام علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ ، ويستظهر أنّها كتبت بإيحاء من الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان (المتوفّى86هـ) وأنّ تاريخ تأليفها يرجع إلى سنة 73هجري.(4)

الرسالة الثانية: ما كتبه الحسن البصري (المتوفّى110هـ) إلى الخليفة نفسه. والرسالتان تقعان على جانبي النقيض، فالأولى تمثّل فكرة الجبر لكن بصورة ملائمة، والأُخرى تبيّن عقيدة الاختيار والحرية.

الرسالة الثالثة: رسالة الخليفة عمر بن عبد العزيز رداً على قدري مجهول


1 . كلمة ضرير وصف لا علم.
2 . كذا في المصدر ويحتمل أن تكون الكلمة تحريف: «ثنوياً».
3 . المغني للقاضي عبد الجبار:8/4.
4 . ترجمه ابن سعد في الطبقات الكبرى و قال: يكنّى أبا محمد، و كان من ظرفاء بني هاشم وأهل العقل منهم و كان يقدم على أخيه أبي هاشم في الفضل والهيئة، توفّي في خلافة عمر بن عبد العزيز، ولم يكن له عقب.(الطبقات الكبرى:5/328).


(263)

الهوية افترض أنّه ينكر العلم الأزلي، ليستريح من عواقب الجبر، فردّ عليه مثبتاً لعلمه القديم، وخرج بالجبر الشديد الذي ربما لا يقع موقع القبول حتى لدى بعض الطوائف الجبرية كالأشاعرة.

ولأجل إيقاف القارئ على الحالة الحرجة التي كان المسلمون يعانون منها، ننشر نص رسالة عمر بن عبد العزيز فإنّها تغني عن الرسالة المنسوبة إلى حفيد الإمام، إذ هما تتحدان م آلاً ونهاية، ونردفها بنشر رسالة الحسن البصري التي تقع منها على جانب النقيض.

غير أنّا نقدم في المقام الخطبة المروية عن الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ حول القضاء والقدر، ثمّ نردفها بكتاب لابنه الحسن ـ عليه السَّلام ـ إلى الحسن البصري عند ما سأله عن القدر. وإليك الخطبة:


(264)

1. خطبة الإمام أمير المؤمنينـ عليه السَّلام ـ

روى الكليني عن علي بن محمد، عن سهل بن زياد مرفوعاً قال: كان أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ جالساً بالكوفة بعد منصرفه من صفين إذ أقبل شيخ فجثا بين يديه(1)، ثمّ قال له:يا أمير المؤمنين أخبرنا عن مسيرنا إلى أهل الشام أبقضاء من اللّه وقدر؟

فقال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «أجل يا شيخ ما علوتم تلعة(2) ولا هبطتم بطن واد إلاّبقضاء من اللّه وقدر.

فقال له الشيخ: عند اللّه أحتسب عنائي(3) يا أمير المؤمنين؟

فقال له: «مه يا شيخ! فواللّه لقد عظّم اللّه الأجر في مسيركم وأنتم سائرون، وفي مقامكم وأنتم مقيمون، وفي منصرفكم وأنتم منصرفون، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ولا إليه مضطرين».

فقال له الشيخ: وكيف لم نكن في شيء من حالاتنا مكرهين ولا إليه مضطرين، وكان بالقضاء والقدر مسيرنا ومنقلبنا ومنصرفنا؟

فقال له: «وتظن أنّه كان قضاء حتماً وقدراً لازماً؟ إنّه لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب، والأمر والنهي والزجر من اللّه، وسقط معنى الوعد والوعيد، فلم تكن لائمة للمذنب، ولا


1 . جثا يجثوا جثواً وجثياً بضمهما: جلس على ركبتيه وأقام على أطراف أصابعه.
2 . والتلعة ما ارتفع من الأرض.
3 . أي منه أطلب أجر مشقتي.


(265)

محمدة للمحسن، ولكان المذنب أولى بالإحسان من المحسن، ولكان المحسن أولى بالعقوبة من المذنب، تلك مقالة إخوان عبدة الأوثان وخصماء الرحمن وحزب الشيطان وقدرية هذه الأُمّة ومجوسها.

إنّ اللّه تبارك وتعالى كلّف تخييراً، ونهى تحذيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يعص مغلوباً، ولم يطع مكرهاً، ولم يملك مفوضاً، ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً، ولم يبعث النبيين مبشرين ومنذرين عبثاً، ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار».

فأنشأ الشيخ يقول:

أنت الإمام الـذي نرجـو بطاعتـه * يـوم النجـاة مـن الرحمـن غفـراناً

أوضـحت من أمرنا ماكان ملتبساً * جزاك ربّك بالإحسـان إحسـاناً (1)

وقال الرضي: ومن كلام له ـ عليه السَّلام ـ للسائل الشامي لما سأله: أكان مسيرنا إلى الشام بقضاء من اللّه وقدر؟ بعد كلام طويل هذا مختاره:

ويحك! لعلك ظننت قضاء لازماً، وقدراً حاتماً! ولو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب، وسقط الوعد والوعيد. وإنّ اللّه سبحانه أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلّف يسيراً، ولم يكلّف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يعص مغلوباً، ولم يطع مكرهاً،ولم يرسل الأنبياء لعباً، ولم ينزل الكتاب للعباد عبثاً، ولا خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً: (ذلِكَ ظَنُّالّذِينَ كفَروا فَوَيلٌ لِلّذينَ كَفَرُوا مِنَ النّار)(2) .(3)

روى هذا النصّ من الإمام مشايخ الحديث في القرن الثالث والرابع منهم:

1. ثقة الإسلام الكليني ( حوالي 250 ـ 329هـ) في جامعه «الكافي» ج1، ص 155 بسند مرفوع.

2. الصدوق (306ـ 381هـ) في توحيده ص 273، و في عيون أخبار الرضا ، ج1، ص 138 بأسانيد ثلاثة.


1 . الكافي:1/155ـ 156، كتاب التوحيد باب الجبر والقدر.
2 . ص : 27.
3 . نهج البلاغة: قسم الحكم الرقم 78.


(266)

3. أبو محمد الحسن بن علي الحسيني بن شعبة الحرّاني الذي يروي عن أبي علي محمد بن الهمام الإسكافي الذي (توفّي عام 336هـ) فالرجل من أعلام أواسط القرن الرابع.

4. الشيخ المفيد(336ـ 413هـ) في كتابه «العيون والمحاسن» ص 40.

5. محمد الرضي جامع نهج البلاغة (359 ـ 406هـ).

6. محمد بن علي الكراجكي (المتوفّى 449هـ) في كتابه «كنز الفوائد» ص 169.

وهؤلاء أساتذة الحديث عند الشيعة لا يمتون للاعتزال ولا للمعتزلة بصلة، بل يصارعونهم في كثير من المسائل والمبادئ، ولبعضهم ردود على المعتزلة في بعض المجالات، كما ستوافيك أسماؤها في الجزء الثالث من هذه الموسوعة عند البحث عن عقائد المعتزلة، وبعد هذا لا يصحّ تقوّل بعض المتحذلقين كالدكتور علي سامي النشار حيث رأى أنّ هذا النصّ موضوع على لسان علي ـ عليه السَّلام ـ ببراعة نادرة يرى فيه محاكاة ممتازة بأسلوب علي ـ عليه السَّلام ـ بحجة أنّه ورد فيه جميع المصطلحات المعتزلية.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الكاتب لم يتحمّل جهد التتبّع حتى يقف على مصادر الحديث في كتب الشيعة في القرن الثالث والرابع فألقى الكلام على عواهنه فحكم بوضع النصّ، وقد عرفت وجوده في كتب الشيعة الذين كانوا هم والمعتزلة متصارعين وأمّا ما تمسّك به من وجود مصطلحات المعتزلة في الكلام فهو ناشئ عن عدم إلمام الرجل بتاريخ تكوّن المعتزلة فإنّهم أخذوا أكثر مبادئهم من خطب الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ في التوحيد والعدل، مضافاً إلى أنّ «عطاء بن واصل» مؤسس المنهج تتلمذ على يد «أبي هاشم» ولد «محمد بن الحنفية»، وهو أخذ عقائده عن أبيه وهو عن علي ـ عليه السَّلام ـ ، و هذا شيء قطعي في التاريخ، ولا ينكره إلاّ المتعصّب وهو


1 . نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام:1/412.


(267)

ممّا تعترف به أئمّة الاعتزال، كما سيوافيك نصوصهم في الجزء الثالث إن شاءاللّه.

إنّ مسألة القضاء والقدر و كون الإنسان مخيّراً أو مسيّراً ليست من المسائل التي طرحتها المعتزلة بل من المسائل القديمة التي كانت مطروحة عند جميع الأُمم، و قد عرفت عقيدة المشركين المعاصرين للنبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كما عرفت بعض الأحاديث المروية عن الخلفاء حول القدر والجبر، فلو كان وجود تلك المصطلحات شاهداً على وضع النص، فليكن ذلك شاهداً على كون أحاديث القدر بأجمعها موضوعة لاشتمالها على مصطلحات لم تكن موجودة في عصر الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

والعجب العجاب أنّ الدكتور ينكر النص ولكنّه يصحح روايات أبي هريرة ويقول: وقد أكثر حقاً من روايات الحديث لكثرة ملازمة الرسول.(1)

ولا أظن أنَّ من درس تاريخ حياة أبي هريرة يوافق الدكتور في هذا الرأي، فإنّه أسلم بعد خيبر وما أدرك من حياة الرسول إلاّسنتين وبضعة أشهر، ومع ذلك فهوأكثر الصحابة حديثاً!!

فيفوق عدد أحاديثه أحاديث عائشة وعلي ـ عليه السَّلام ـ مع أنّ عليّاً ـ عليه السَّلام ـ عاش في كنف النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من لدن ولادته إلى أن لبّى الرسول دعوة ربّه، فمرويات الإمام في الصحاح والمسانيد حوالي خمسمائة حديثاً و مرويات أبي هريرة تناهز خمسة آلاف حديث!!


1 . المصدر السابق:1/285.


(268)

2. كتاب الحسن السبط ـ عليه السَّلام ـ

إلى الحسن البصري

كتب الحسن بن أبي الحسن البصري(1) إلى أبي محمد الحسن بن علي ـ عليهما السَّلام ـ : أما بعد فإنّكم معشر بني هاشم الفلك الجارية في اللجج الغامرة والأعلام النيرة الشاهرة أو كسفينة نوح ـ عليه السَّلام ـ التي نزلها المؤمنون ونجا فيها المسلمون، كتبت إليك يابن رسول اللّه عند اختلافنا في القدر وحيرتنا في الاستطاعة، فأخبرنا بالذي عليه رأيك ورأي آبائك ـ عليهم السَّلام ـ . فإنّ من علماللّه علمكم وأنتم شهداء على الناس واللّه الشاهد عليكم، ذرّية بعضها من بعض، واللّه سميع عليم.

فأجابه الحسن ـ عليه السَّلام ـ : «بسم اللّه الرحمن الرّحيم وصل إلي كتابك، ولولا ما ذكرته من حيرتك وحيرة من مضى قبلك إذاً ما أخبرتك، أمّا بعد: فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره، [و]أنّ اللّه يعلمه فقد كفر، ومن أحال المعاصي على اللّه فقد فجر، إنّ اللّه لم يطع مكرهاً ولم يعص مغلوباً ولم يهمل العباد سدى من المملكة، بل هو المالك لما ملكهم والقادر على ما عليه أقدرهم، بل أمرهم تخييراً، ونهاهم تحذيراً، فإن ائتمروا بالطاعة لم يجدوا عنها صاداً، وإن انتهوا إلى معصية فشاء أن يمن عليهم بأن يحول بينهم وبينها فعل، وإن لم يفعل


1 . هو الحسن بن يسار، مولى زيد بن ثابت، أخو سعيد وعمارة، المعروف بالحسن البصري، مات سنة 110 هـ وله تسع وثمانون سنة.


(269)

فليس هو الذي حملهم عليها جبراً ولا أُلزموها كرهاً، بل منّ عليهم بأن بصّرهم وعرّفهم وحذّرهم وأمرهم ونهاهم لا جبلاً لهم على ما أمرهم به فيكونوا كالملائكة، ولا جبراً لهم على ما نهاهم عنه وللّه الحجّة البالغة، فلو شاء لهداكم أجمعين، والسلام على من اتّبع الهدى».(1)


1 . تحف العقول: 231; ورواه المجلسي في البحار:10/136 نقلاً عن كتاب العدد القوية لدفع المخاوف اليومية تأليف الشيخ الفقيه رضي الدين علي بن يوسف بن المطهّر الحلّي; وأيضاً رواه الكراجكي في كنز الفوائد: 170 الطبعة الأُولى، بأدنى اختلاف في اللفظ.


(270)

3. رسالة عمر بن عبد العزيز

في الرد على القدرية(1)

حدثنا أبو حامد بن جبلة، ثنا محمد بن إسحاق السراج، ثنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام، ثنا محمد بن بكر البرساني، ثنا سليم بن نفيع القرشي، عن خلف أبي الفضل القرشي، عن كتاب عمر بن عبد العزيز:

1. إلى النفر الذين كتبوا إليّ بما لم يكن لهم بحق في ردّ كتاب اللّه، وتكذيبهم بأقداره النافذة في علمه السابق الذي لا حدّ له إلاّ اللّه وليس لشيء مخرج منه، وطعنهم في دين اللّه و سنّة رسوله القائمة في أُمّته.

2. أمّا بعد، فإنّكم كتبتم إليّ بما كنتم تستترون فيه قبل اليوم في ردّعلم اللّه والخروج منه إلى ما كان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يتخوّفه على أُمّته من التكذيب بالقدر.

3. وقد علمتم أنَّ أهل السنّة كانوا يقولون: الاعتصام بالسنّة نجاة، وسينقص العلم نقصاً سريعاً، وقول عمر بن الخطاب وهو يعظ الناس: «إنّه لا عذر لأحد عند اللّه بعد البيّنة بضلالة ركبها حسبها هدى،ولا في هدى تركه


1 . نقلها أبو نعيم الإصبهاني في كتابه «حلية الأولياء» :5/346ـ 353 في ترجمة عمر بن عبد العزيز. ونحن ننقلها عمّا نشره «المعهد الألماني للأبحاث الشرقية» تحت عنوان «بدايات علم الكلام» عام النشر1977م.


(271)

حسبه ضلالة. قد تبيّنت الأُمور وثبتت الحجة وانقطع العذر» فمن رغب عن أنباء النبوة وما جاء به الكتاب تقطعت من يديه أسباب الهدى ولم يجد له عصمة ينجو بها من الردى.

4. وإنّكم ذكرتم أنّه بلغكم أنّي أقول: إنّ اللّه قد علم ما العباد عاملون وإلى ما هم صائرون، فأنكرتم ذلك عليّ وقلتم: إنّه ليس يكون ذلك من اللّه في علم حتى يكون ذلك من الخلق عملاً.

5. فكيف ذاك كما قلتم؟! واللّه يقول:(إِنّا كاشِفُوا العَذابِ قَليلاً إِنَّكُمْ عائِدُون) (1) يعني العائدين في الكفر وقال: (وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُون) .(2)

6. فزعمتم بجهلكم في قول اللّه: (فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُر) (3) أنّ المشيئة في أي ذلك أحببتم، إليكم من ضلالة أو هدى.

7. واللّه يقول: (وَما تَشاءُونَ إِلاّأَنْ يَشاء اللّهُ ربُّ العالمينَ) (4)، فبمشيئة اللّه لهم شاءوا، لو لم يشأ لم ينالوا بمشيئتهم من طاعته شيئاً، قولاً ولا عملاً، لأنّ اللّه لم يملّك العباد ما بيده و لم يفوّض إليهم ما يمنعه من رسله. فقد حرصت الرسل على هدى الناس جميعاً، فما اهتدى منهم إلاّمن هداه اللّه; ولقد حرص إبليس على ضلالتهم جميعاً، فما ضلّ منهم إلاّمن كان في علم اللّه ضالاً.

8. وزعمتم بجهلكم أنّ علم اللّه ليس بالذي يضطر العباد إلى ما عملوا من معصيته ولا بالذي يصدّهم عمّا تركوا من طاعته، ولكنّه بزعمكم كما علم أنّهم سيعملون بمعصيته، كذلك علم أنّهم سيستطيعون تركها.

9. فجعلتم علم اللّه لغواً، تقولون: لو شاء العبد لعمل بطاعة اللّه وإن كان في علم اللّه أنّه غير عامل بها، ولو شاء ترك معصيته وإن كان في علم


1 . الدخان:15.
2 . الأنعام:28.
3 . الكهف:29.
4 . التكوير:29.


(272)

اللّه أنّه غير تارك لها، فأنتم إذا شئتم أصبتموه وكان علماً، وإذا شئتم رددتموه وكان جهلاً، وإن شئتم أحدثتم من أنفسكم علماً ليس في علم اللّه، وقطعتم به علم اللّه عنكم، وهذا ما كان ابن عباس يعده للتوحيد نقضاً، وكان يقول: «إنّ اللّه لم يجعل فضله ورحمته هملاً بغير قسم ولا احتظار، ولم يبعث رسله بإبطال ما كان في سابق علمه» فأنتم تقرّون بالعلم في أمر وتنقضونه في آخر، واللّه يقول: (...يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيديهِمْ وَما خَلفَهُمْ وَلا يُحيطُونَ بِشَيء مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاءَ...) .(1) فالخلق صائرون إلى علم اللّه ونازلون عليه وليس بينه شيء هو كائن حجاب يحجبه عنه ولا يحول دونه، إنّه عليم حكيم.

10. وقلتم: لو شاء لم يعذب بعمل.

11. بغير ما أخبر اللّه في كتابه عن قوم(وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُون) (2) وأنّه سيمتعهم قليلاً(ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنّا عَذَابٌ ألِيمٌ) (3)، فأخبر أنّهم عاملون قبل أن يعملوا وأخبر أنّه معذّبهم قبل أن يخلقوا.

12. وتقولون أنتم إنّهم لو شاءوا خرجوا من علم اللّه في عذابهم إلى ما لم يعلم من رحمته لهم.

13.ومن زعم ذلك فقد عادى كتاب اللّه بالرد. ولقد سمّى اللّه رجالاً من الرسل بأسمائهم وأعمالهم في سابق علمه، فما استطاع آباؤهم لتلك الأسماء تغييراً، وما استطاع إبليس بما سبق لهم في علمه من الفضل تبديلاً، فقال: (وَاذْكُر عِبادَنا إِبْراهيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأيدِي وَالأَبصار* إِنّا أَخلَصْناهُمْ بِخالِصة ذِكرى الدّار) (4) فاللّه أعزّ في قدرته وأمنع من أن يملك أحداً إبطال علمه في شيء من ذلك، فهو المسمّي لهم بوحيه الذي (لا يَأْتيهِ )


1 . البقرة:255.
2 . المؤمنون:63.
3 . هود:48.
4 . ص: 45 ـ 46.


(273)

الباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيهِ وَلا مِنْ خَلْفِه)(1) أو أن يشرك في خلقه أحداً، أو أن يدخل في رحمته من قد أخرجه منها، أو أن يخرج منها من قد أدخله فيها. ولقد أعظم باللّه الجهل من زعم أنّ العلم كان بعد الخلق، بل لم يزل اللّه وحده بكلّ شيء عليماً وعلى كلّ شيء شهيداً قبل أن يخلق شيئاً، وبعد ما خلق لم ينقص علمه في بدئهم ولم يزد بعد أعمالهم، ولا تغير بالجوائح التي قطع بها دابر ظلمهم، ولم يملك إبليس هدى نفسه ولا ضلالة غيره.وقد أردتم بقذف مقالتكم إبطال علم اللّه في خلقه وإهمال عبادته، وكتاب اللّه قائم بنقض بدعتكم وإفراط قذفكم. ولقد علمتم أنّ اللّه بعث رسوله والناس يومئذ أهل الشرك، فمن أراد اللّه له الهدى لم تحل ضلالته الّتي كان فيها دون إرادة اللّه له، ومن لم يرد اللّه له الهدى تركه في الكفر ضالاً فكانت ضلالته أولى به من هداه.

14. فزعمتم أنّ اللّه أثبت في قلوبكم الطاعة والمعصية، فعملتم بقدرتكم بطاعته وتركتم بقدرتكم معصيته، وإنّ اللّه خلو من أن يكون يختص أحداً برحمته أو يحجز أحداً عن معصيته.

15. وزعمتم أنّ الشيء الذي يقدر إنّما هو عندكم اليسر والرخاء والنعمة وأخرجتم منه الأعمال.

16. وأنكرتم أن يكون سبق لأحد من اللّه ضلالة أو هدى أو أنّكم الذين هديتم أنفسكم من دون اللّه، وأنّكم الذين حجزتموها عن المعصية بغير قوة من اللّه ولا إذن منه.

17. فمن زعم ذلك فقد غلا في القول، لأنّه لو كان شيء لم يسبق في علم اللّه وقدره لكان للّه في ملكه شريك ينفذ مشيئته في الخلق من دون اللّه واللّه يقول: (حَبَِّّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُم) (2) وهم له قبل ذلك كارهون (وَ كَرَّهَ إلَيْكُمُ الْكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ)(3) وهم له قبل ذلك محبون وما كانوا على شيء من ذلك لأنفسهم بقادرين. ثمّ أخبرنا بما سبق لمحمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ


1 . فصلت:42.
2 . الحجرات:7.
3 . الحجرات:7.


(274)

من الصلاة عليه والمغفرة له ولأصحابه فقال: (أَشِدّاءُ عَلَى الكُفّارِ رَُُحماءُ بَيْنَهُمْ) (1) وقال: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللّهُ مَا تَقَدَّّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ) (2)، فكرماً غفرها اللّه له قبل أن يعملها ثمّ أخبرنا بما هم عاملون قبل أن يعملوا وقال: (تَراهُمْ رُكّعاً سُجّداً يَبْتَغُونَ فَضلاً مِنَ اللّهِ وَرِضْواناً) (3). فضلاً سبق لهم من اللّه قبل أن يخلقوا ورضواناً عنهم قبل أن يؤمنوا.

18. وتقولون أنتم إنّهم قد كانوا ملكوا ردّ ماأخبر اللّه عنهم أنّهم عاملون وإنّ إليهم أن يقيموا على كفرهم مع قوله، فيكون الذي أرادوا لأنفسهم من الكفر مفعولاً ولا يكون لوحي اللّه فيما اختار تصديقاً.

19. بل (فللّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ) (4) و (هي) في قوله: ه(لولا كِتابٌ مِنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (5)، فسبق لهم العفو من اللّه فيما أخذوا قبل أن يؤذن لهم.

20. وقلتم: لو شاءوا خرجوا من علم اللّه في عفوه عنهم إلى ما لم يعلم من تركهم لما أخذوا.

21. فمن زعم ذلك فقد غلا و كذب، و لقد ذكر بشراً كثيراً هم يومئذ في أصلاب الرجال وأرحام النساء فقال:(وَآخرِينَ مِنْهُمْ لمّا يَلْحَقُوا بِهِم) (6)، (والّذِينَ جاءُوا مِنْ بَعْدِهِم يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا وَلإخوانِنَا الّذِين سَبَقُونا بالإِيمان)(7)، فسبقت لهم الرحمة من اللّه قبل أن يخلقوا والدعاء لهم بالمغفرة ممّن لم يسبقهم بالإيمان من قبل أن يدعوا.


1 . الفتح:29.
2 . الفتح:2.
3 . الفتح:29.
4 . الأنعام:149.
5 . الأنفال:68.
6 . الجمعة:3.
7 . الحشر:10.


(275)

22. ولقد علم العالمون باللّه أنّ اللّه لا يشاء أمراً فيحول مشيئته غيره دون بلاغ ما شاء، ولقد شاء لقوم الهدى فلم يضلّهم أحد وشاء إبليس لقوم الضلالة فاهتدوا. فقال لموسى وأخيه: (اذْهَبا إِلى فِرْعَونَ إِنّهُ طَغى* فَقُولا لَهُ قَولاً لَيّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكّرُ أَوْ يَخْشَى)(1)، وموسى في سابق علمه أنّه يكون لفرعون عدواً وحزناً فقال: (ونُرِيَ فِرعونَ وهامانَ وجُنُودَهُما مِنهُم ما كانُوا يَحْذَرُونَ) .(2)

23. فتقولون أنتم: لو شاء فرعون كان لموسى ولياً وناصراً، واللّه يقول:( ِلَيكونَ لَهُمْ عَدُواً وحَزَناً) (3). وقلتم: لو شاء فرعون لامتنع من الغرق واللّه يقول:(إِنّهُمْ جُنْدٌ مُغرَقُونَ) (4). فثبت ذلك عنده في وحيه في ذكر الأوّلين، كما قال في سابق علمه لآدم قبل أن يخلقه: (إِنّي جاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَة) (5) فصار إلى ذلك بالمعصية التي ابتلي بها، وكما كان إبليس في سابق علمه أنّه سيكون (مَذْمُوماً مَدْحُوراً) (6) وصار إلى ذلك بما ابتلي به من السجود لآدم فأبى، فتلقى آدم بالتوبة فرحم و تلقى إبليس باللعنة فغوى، ثمّ أهبط آدم إلى ما خلق له من الأرض مرحوماً متوباً عليه، وأهبط إبليس بنظرته مدحوراً مسخوطاً عليه.

24. وقلتم أنتم: إنّ إبليس وأولياءه من الجنّ قد كانوا ملكوا ردّ علم اللّه والخروج من قسمه الذي أقسم به إذ قال: (فَالحَقُّ وَالحَقَّ أقُولُ* لأَمْْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَ ممّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ) (7)حتّى لا ينفذ له علم إلاّ بعد مشيئتهم.


1 . طه:43ـ 44.
2 . القصص: 6.
3 . القصص:8.
4 . الدخان:24.
5 . البقرة:30.
6 . الإسراء:18.
7 . ص:84 ـ 85.


(276)

25. فماذا تريدون بهلكة أنفسكم في ردّ علم اللّه؟ فإنّ اللّه جلّوعلا لم يشهدكم خلق أنفسكم، وكيف يحيط جهلكم بعلمه؟ وعلم اللّه ليس بمقصر عن شيء هو كائن، ولا يسبق علمه في شيء فيقدر أحد على ردّه. ولو كنتم تنتقلون في كلّ ساعة من شيء إلى شيء هو كائن، لكانت مواقعكم عنده. ولقد علمت الملائكة قبل خلق آدم ما هو كائن من العباد في الأرض(من الفساد) وسفك الدماء فيها، وما كان لهم في الغيب من علم، فكان في علم اللّه الفساد وسفك الدماء، وما قالوه تخرصاً إلاّ بتعليم العليم الحكيم لهم فظن ذلك منهم، وأنطقهم به.

26. فأنكرتم أنّ اللّه أزاغ قوماً قبل أن يزيغوا وأضلّ قوماً قبل أن يضلّوا.

27. وهذا ممّا لا يشك فيه المؤمنون باللّه: إنّ اللّه قد عرف قبل أن يخلق العباد مؤمنهم من كافرهم وبرهم من فاجرهم. وكيف يستطيع عبد هو عند اللّه مؤمن أن يكون كافراً أو هو عند اللّه كافر أن يكون مؤمناً؟ واللّه يقول: (أو َ مَنْ كانَ مَيْتاً فأحْيَيناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِج مِنْها) (1). فهو في الضلالة ليس بخارج منها أبداً إلاّ بإذن اللّه.

28. ثمّ آخرون «اتّخذوا» من بعد الهدى(عِجْلاً جَسَداً) (2) فضلّوا به، فعفا عنهم لعلّهم يشكرون،فصاروا (مِنْ قَوْمِ مُوسى أُمّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ) (3) وصاروا إلى ما سبق لهم. ثمّ ضلّت ثمود بعد الهدى فلم يعف عنهم ولم يرحموا، فصاروا في علمه إلى (صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هُمْ خامِدُونَ) )(4)، فنفذوا إلى ما سبق لهم، لأنّ صالحاً رسولهم وأنّ الناقة (فِتْنَةً لَهُمْ) (5) وأنّه مميتهم كفّاراً، فعقروها.


1 . لأنعام:122.
2 . الأعراف:148.
3 . الأعراف:159.
4 . يس:29.
5 . القمر:27.


(277)

29. وكان إبليس فيما كانت فيه الملائكة من التسبيح والعبادة فابتلي فعصى فلم يرحم، وابتلي آدم فعصى فرحم. وهمّ آدم بالخطيئة فنسي، وهمّ يوسف بالخطيئة فعصم، فأين كانت الاستطاعة عند ذلك؟ هل كانت تغني شيئاً فيما كان من ذلك حتى لا يكون، أو تغني فيما لم يكن حتى يكون، فنعرف لكم بذلك حجّة؟ بل اللّه أعزّممّا تصفون وأقدر.

30. وأنكرتم أن يكون سبق لأحد من اللّه ضلالة أو هدى، وإنّما علمه بزعمكم حافظ وإنّ المشيئة في الأعمال إليكم، إن شئتم أحببتم الإيمان فكنتم من أهل الجنة. ثمّ جعلتم بجهلكم حديث رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الذي جاء به أهل السنّة ـ و هو مصدق للكتاب المنزل ـ أنّه من ذنب مُضاه ذنباًخبيثاً، في قول النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حين سأله عمر: «أرأيت ما نعمل أشيء قد فرغ منه أم شيء تأتنفه؟ فقال ـ عليه السَّلام ـ : «بل شيء قد فرغ منه». فطعنتم بالتكذيب له ، و تعليم من اللّه في علمه إذ قلتم: إن كنّا لا نستطيع الخروج منه فهو الجبر. والجبر عندكم الحيف.

31. فسمّيتم نفاذ علم اللّه في الخلق حيفاً.

32. وقد جاء الخبر أنّ اللّه خلق آدم فنثر ذريّته في يده فكتب أهل الجنّة وما هم عاملون، وكتب أهل النار وما هم عاملون. وقال سهل بن حنيف يوم صفين : أيّها الناس، اتهموا رأيكم على دينكم، فوالذي نفسي بيده، لقد رأيتنا يوم أبي جندل ولو نستطيع رد أمر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لرددناه. واللّه ما وضعنا سيوفنا على عواتقنا إلاّأسهلت بنا على أمر نعرفه قبل أمركم هذا.

33. ثمّ أنتم بجهلكم قد أظهرتم دعوة حقّ على تأويل باطل تدعون الناس إلى ردّ علم اللّه فقلتم: الحسنة من اللّه والسيّئة من أنفسنا; وقال أئمّتكم وهم أهل السنّة:الحسنة من اللّه في قدر سبق، والسيّئة من أنفسنا في علم قد سبق.

34. فقلتم: لا يكون ذلك حتّى يكون بدؤها من أنفسنا كما بدء السيّئة من أنفسنا.


(278)

35. وهذا رد الكتاب منكم ونقض الدين، وقد قال ابن عباس رضي اللّه عنه حين نجم القول في القدر: هذا أوّل شرك هذه الأُمّة، واللّه، ما ينتهى بهم سوء رأيهم حتّى يخرجوا اللّه من أن يكون قدر خيراً كما أخرجوه من أن يكون قدر شراً.

36. أنتم تزعمون بجهلكم أنّ من كان في علم اللّه ضالاً فاهتدى، فهو بما ملك ذلك حتّى كان في هداه ما لم يكن اللّه علمه فيه، وأنّ من شرح صدره للإسلام فهو ممّا فوض إليه قبل أن يشرحه اللّه له، وأنّه إن كان مؤمناً فكفر فهو ممّا شاء لنفسه وملك من ذلك لها وكانت مشيئته في كفره أنفذ من مشيئة اللّه في إيمانه.

37. بل أشهد أنّه من عمل حسنة فبغير معونة كانت من نفسه عليها، وأنّ من عمل سيئة فبغير حجّة كانت له فيها وأنّ الفضل بيد اللّه يؤتيه من يشاء وأنّ اللّه لو أراد أن يهدي الناس جميعاً لنفذ أمره فيمن ضلّ حتّى يكون مهتدياً.

38. فقلتم: بمشيئته شاء لكم تفويض الحسنة إليكم وتفويض السيئة، ألقى عنكم سابق علمه في أعمالكم وجعل مشيئته تبعاً لمشيئتكم.

39. ويحكم، فواللّه، ما أمضى لبني إسرائيل مشيئتهم حين أبوا أن يأخذوا ما آتاهم بقوّة حتى نتق(الجَبَلَ فَوْقَهُم كَأنّهُ ظُلَّة) (1). فهل رأيتموه أمضى مشيئة لمن كان قبلكم في ضلالته حين أراد هداه حتى صار إلى أن أدخله بالسيف في الإسلام كرهاً بموقع علمه بذلك فيه؟ أم هل أمضى لقوم يونس مشيئتهم حين أبوا أن يؤمنوا حتى أظلَّهم العذاب ف آمنوا و قبل منهم، ورد على غيرهم الإيمان فلم يقبل منهم. وقال:(فَلَمّا رأوا بَأْسنا قالُوا آمَنّا باللّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرنا بما كُنّا بِهِ مُشْرِكين* فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لما رأَوا بَأْسَنا سُنّةَ اللّهِ الّتي قَدْ خَلَتْ في عِبادهِ) (2) أي علم اللّه الذي قد خلا في خلقه(وَخَسِرَ هُنالِكَ )


1 . الأعراف:171.
2 . غافر:84ـ85.


(279)

الكافِرُون)(1)وذلك كان موقعهم عنده أن يهلكوا بغير قبول منهم، بل الهدى والضلالة والكفر والإيمان والخير والشر بيد اللّه يهدي من يشاء ويذر من يشاء (في طُغيانهم يَعْمَهُون) (2). كذلك قال إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ : (رَبِّ ... واجْنُبْني وَبَنِيَّ أَنْ نعبُدَ الأَصنامَ) (3)، قال: (رَبّنا وَاجْعَلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرّيّتِنَا أُمّةً مُسْلِمةً لَك)(4)، أي إنّ الإيمان والإسلام بيدك وإنّ عبادة من عبد الأصنام بيدك، فأنكرتم ذلك وجعلتموه ملكاً بأيديكم دون مشيئة اللّه عزّوجلّ.

40. وقلتم في القتل إنّه بغير أجل.

41. وقد سمّاه اللّه لكم في كتابه فقال ليحيى: (وَسَلامٌ عَليهِ يَومَ وُُلدَ ويَومَ يَمُوتُ وَيَوَم يُبْعَثُ حَيّاً) (5) فلم يمت يحيى إلاّ بالقتل، وهو موت كما مات من قتل شهيداً أو قتل خطأ كما مات بمرض أو بفجأة، كلّ ذلك موت بأجل استوفاه ورزق استكمله وأثر بلغه ومضجع برز إليه، (وَ ما كانَ لِنَفْس أنْ تَمُوتَ إلاّ بِإذنِ اللّهِ كِتاباً مُؤجَّلاً) (6) ولا تموت نفس ولها في الدنيا عمر ساعة إلاّ بلغته ولا موضع قدم إلاّ وطئته ولا مثقال حبة من رزق إلاّ استكملته ولا مضجع حيث كان إلاّبرزت إليه، يصدق ذلك قول اللّه عزّوجلّ(قُلْ لِلّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلبُون و تُحْشَرُون إِلى جَهَنّم) (7)، فأخبر اللّه بعذابهم بالقتل في الدنيا وفي الآخرة بالنار وهم أحياء بمكة.

42. وتقولون أنتم: إنّهم قد كانوا ملكوا رد علم اللّه في العذابين الذين أخبر اللّه ورسوله أنّهما نازلان بهم.


1 . غافر:85.
2 . الأعراف:186.
3 . إبراهيم:35.
4 . البقرة:128.
5 . مريم:15.
6 . آل عمران:145.
7 . آل عمران:12.


(280)

43. فقال: (ثانيَ عِطْفهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ لَهُ فِي الدُّنيا خِزْيٌ) (1) يعني القتل يوم بدر (ونُذِيقُهُ يَومَ القِيامَةِ عَذابَ الحَرِيقِ) (2) فانظروا إلى ما أرادكم فيه رأيكم كتاباً سبق في علمه بشقائكم إن لم يرحمكم.

44. ثمّ قول رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «بني الإسلام على ثلاثة أعمال: الجهاد ماض منذ يوم بعث اللّه رسوله إلى يوم تقوم فيه عصابة من المؤمنين يقاتلون الدجّال لا ينقض ذلك جور جائر ولا عدل عادل، والثانية: أهل التوحيد لا تكفروهم بذنب ولا تشهدوا عليهم بشرك ولا تخرجوهم من الإسلام بعمل، والثالثة: المقادير كلّها خيرها وشرها من قدر اللّه». فنقضتم من الإسلام جهاده، وجرّدتم شهادتكم على أُمّتكم بالكفر وبرئتم منهم ببدعتكم، وكذبتم بالمقادير كلّها والآجال والأعمال والأرزاق، فما بقيت في أيديكم خصلة بني الإسلام عليها إلاّنقضتموها وخرجتم منها.

***

هذه رسالة عمر بن عبد العزيز إلى بعض القدريين مجهولي الهوية، وقد نسب إليهم إنكار علمه الأزلي في أفعال العباد، ومصائرهم، ونحن نتبرّأ ممّن ينكر علمه الوسيع المحيط بكلّ شيء، ونؤمن بما قاله سبحانه:

(وَلا رَطْب وَلا يابس إِلاّ في كِتاب مُبِين). (3)

وقوله سبحانه: (ما أَصابَ مِنْ مُصيبَة فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاّ فِي كتاب من قَبلِ أَنْ نَبرَأَها إِنَّ ذلكَ عَلى اللّهِ يَسير) .(4)

ولكن نتبرّأ من كلّ من جعل علمه السابق ذريعة إلى نسبة الجبر إلى اللّه سبحانه، ونؤمن بأنّ علمه السابق المحيط لا يكون مصدراً لكون العباد مجبورين في مصائرهم وأنّهم يعملون ويفعلون، ويختارون بمشيئتهم التي منحها اللّه لهم في حياتهم، ليهلك من هلك عن بيّنة، ويحيا من حيّ عن بيّنة.


1 . الحج:9.
2 . الحج:9.
3 . الأنعام:59.
4 . الحديد:22.


(281)

فمنكر علمه السابق المحيط بكلّ شيء ضالّ مضلّ، ومن استنتج منه الجبر مثله في الضلالة والغواية، عصمنا اللّه جميعاً من الزلّة، والعثرة في العلم والعمل.

ولأجل أن يقف القارئ الكريم على أنّه كان في تلك العصور الحرجة رجال من أهل السنّة يذهبون إلى غير ما ذهب إليه أصحاب السلطة الأمويون ننشر رسالة الحسن البصري في ذلك المجال، وهي رسالة قيمة.(1)


1 . الهدف هو نشر هذه الرسالة لما فيها من فائدة، ولا صلة له بتقييم الحسن البصري في كلّ ما يقول أو ما يروى عنه أو ينسب إليه، فإنّ لبيان ذلك مجالاً آخر.


(282)

4. رسالة الحسن البصري في الدفاع

عن نظرية الاختيار

قال القاضي عبد الجبار:المشهور أنّ عبد الملك بن مروان كاتبه بأنّه قد بلغنا عنك من وصف القدر ما لم يبلغنا عن أحد من الصحابة، فاكتب بقولك إلينا في هذا الكتاب، فكتب إليه:

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

سلام عليك

أمّا بعد: فإنّ الأمير أصبح في قليل من كثير مضوا، والقليل من أهل الخير مغفول عنهم، و قديماً قد أدركنا السلف الذين قاموا بأمر اللّه، واستنّوا بسنّة رسوله، فلم يبطلوا حقاً، ولا ألحقوا بالرب تعالى إلاّ ما ألحق بنفسه،ولا يحتجون إلاّ بما احتج اللّه تعالى به على خلقه بقوله الحقّ:(وَماخَلَقْتُ الجنَّ والإِنسَ إِلاّ ِليعبُدُونِ) (1). ولم يخلقهم لأمر ثمّ حال بينهم و بينه، لأنّه تعالى ليس بظلام للعبيد ولم يكن في السلف من ينكر ذلك ولا يجادل فيه، لأنّهم كانوا على أمر واحد متسق.(2) وإنّما أحدثنا الكلام فيه، حيث أحدث الناس النكرة له، فلمّا أحدث المحدثون في دينهم ما أحدثوه، أحدث المتمسّكون بكتابه ما يبطلون به المحدثات، ويحذرون به من المهلكات.


1 . الذاريات:56.
2 . في مخطوطة أيا صوفيا:متفقين.


(283)

وذكر: إنّ الذي أوقعهم فيه تشتت الأهواء، وترك كتاب اللّه تعالى، ألم تر إلى قوله: (قُلْ هاتُوا بُرهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقيِن) (1). فافهم أيّها الأمير ما أقوله، فإنّ ما نهى اللّه عنه فليس منه، لأنّه لا يرضى ما يسخط، وهو من العباد، فإنّه تعالى يقول: (ولا يَرضى لِعبادِهِ الكُفرَ وَإِنْ تشكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) .(2)

فلو كان الكفر من قضائه وقدره، لرضي به ممّن عمله، وقال تعالى: (وَقَضى ربُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إيّاهُ) (3)؟! وقال: (وَالّذي قدَّرَ فَهَدى) (4) ولم يقل والذي قدّر فأضل، لقد أحكم اللّه آياته وسنّة نبيّه ـ عليه السَّلام ـ فقال: (قُلْ إِنْ ضَلَلتُ فَإِنّما أَضِلُّ عَلى نَفسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِليَّ رَبِّّي )(5). وقال: (الّذي أَعطى كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ ثُمّ هَدَى) (6). ولم يقل ثمّ أضل، وقال: (إِنّ عَلَيْنا لَلْهُدى) (7)، ولم يقل إنّ علينا للضلال ولا يجوز أن ينهى العباد عن شيء في العلانية، ويقدره عليهم في السر، ربّنا أكرم من ذلك وأرحم ولو كان الأمر كما يقول الجاهلون ما كان تعالى يقول: (اعْمَلُوا ما شِئْتُم)(8). ولقال: اعملوا ما قدرت عليكم، وقال: (لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أنْ يَتَقدَّمَ أو يَتَأخَّرَ) (9). لأنّه جعل فيهم من القوّة ذلك لينظر كيف يعملون، ولو كان الأمر كما قاله المخطئون، لما كان إليهم أن يتقدّموا ولا يتأخّروا،ولا كان لمتقدم حمد فيما عمل، ولا على متأخّر لوم، ولقال: جزاء بما عمل بهم، ولم يقل جزاء بما عملوا وبما كسبوا، وقال تعالى: (وَنَفْس وَما سَوّاها* فَأَلْهَمَها فُجُورَها )


1 . النمل: 64.
2 . الزمر:7.
3 . الإسراء:23.
4 . الأعلى: 3.
5 . سبأ:50.
6 . طه:50.
7 . الليل:12.
8 . فصلت: 40 .
9 . المدثر:37.


(284)

وَتَقواها) .(1) أي بيّن لها ما تأتي و ما تذر ثمّ قال: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها* وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها).(2) فلو كان هو الذي دسّاها ما كان ليخيب نفسه، تعالى عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً، وقوله تعالى: (رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لنَا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعفاً فِي النّار).(3)

فلو كان اللّه هو الذي قدّم لهم الشر، ما قال ذلك، وقال تعالى: (رَبّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونا السَّبِيلا)(4). فالكبراء أضلّوهم دون اللّه تعالى، بل قال تعالى: (إِنّا هَدَيْناهُ السَّبيلَ إِمّا شاكِراً )وَإِمّا كَفُوراً )(5) (وَمَنْ شَكَرَ فَإِنّما يَشْكُرُلِنَفْسِهِ) (6). وقال: (وَأَضلَّ فِرعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدَى).(7) وقال تعالى: (وما أضَلَّنا إلاّ المُجْرِمُون) (8). (وأضَلَّهُمُ السّامِرِي) (9). (إنَّ الشيطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ)(10). (فَزَيَّنَ لَهُمُ الشّيطانُ أعْمَالَهُم).(11) و قال: (وَ أمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحبُّوا العَمى عََلى الهُدى)(12)فكان بدو الهدى من اللّه واستحبابهم العمى بأهوائهم وظلم آدم نفسه، ولم يظلمه ربّه فقال:(رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا)(13). وقال موسى :(هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيطانِ إنّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِين)(14) . فغواه أهل الجهل وقالوا: (فَإِنَّ )


1 . الشمس:7 و 8.
2 . الشمس:9و 10.
3 . ص:61.
4 . الأحزاب:67.
5 . الإنسان:3.
6 . لنمل:40.
7 . طه:79.
8 . الشعراء:99.
9 . طه:85.
10 . الإسراء:53.
11 . النحل:63.
12 . فصلت:17.
13 . الأعراف:23.
14 . القصص:15.


(285)

اللّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ ويَهْدِي مَنْ يَشاءُ)(1) ولِمَ لم ينظروا إلى ما قبل الآية وما بعدها، ليبيّن لهم أنّه تعالى لا يضلّ إلاّ بتقدّم الكفر والفسق، كقوله تعالى: (ويُضِلُّ اللّهُ الظّالِمِينَ )(2). وقوله: (فَلَمّا زَاغُوا أزَاغَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ) (3). (وما يُضِلُّ بهِ إِلاّ الفاسِقِين) (4).

وبين الحسن في كلامه الوعيد، فقال: إنّه تعالى قال: (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذَابِ أَفأنتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النّارِ)(5). وقال :(كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الّذِيَن فَسَقُوا) .(6) وقال تعالى: (أُدْخُلُوا فِي السّلْمِ كَافَّة) (7). فكيف يدعوهم إلى ذلك وقد حال بينهم وبينه؟ وقال: (وَما أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إِلاّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللّهِ)(8). فكيف يجوز ذلك و قد منع خلقه من طاعته؟ قال: والقوم ينازعون في المشيئة وإنّما شاء اللّه الخير بمشيئته قال: (يُريدُ اللّهُ بِكُُمُ اليُسْرَ وَلا يُريدُ بِكُمُ العُسرَ) (9). وقال في ولد الزنى إنّه من خلق اللّه، وإنّما الزاني وضع نطفته في غير حقّها، فتعدّى أمر اللّه، واللّه يخلق من ذلك ما يشاء وكذلك صاحب البذر إذا وضعه في غير حقّه.(10)

وقال في الرسالة: إنّ اللّه تعالى أعدل وأرحم من أن يعمي عبداً، ثمّ يقول له: أبصر وإلاّ عذبتك، وإذا خلق اللّه الشقي شقياً، ولم يجعل له سبيلاً إلى السعادة فكيف يعذبه؟! وقد قال اللّه تعالى لآدم وحواء: (فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ)(11). فغلبهما الشيطان على هواه ثمّ قال: (يا )بَنِي


1 . فاطر:8.
2 . إبراهيم:27.
3 . الصف:5.
4 . البقرة: 26 .
5 . الزمر:19.
6 . يونس:33.
7 . البقرة:208.
8 . النساء:64.
9 . البقرة:185.
10 . كذا في النسخة والظاهر: حقله.
11 . الأعراف:19.


(286)

آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيطانُ كَما أَخرجَ أبَوَيْكُمْ مِنَ الجِنَّةِ) .(1) وليس للشيطان عليهم سلطان إلاّ ليعلم من يؤمن بالآخرة ممّن هو منها في شك. وبعث اللّه الرسول نوراً ورحمة فقال: (اسْتَجِيُبوا للّهِ وللرّسُولِ) (2) وقال: (اسْتَجِيبُوا لرَبِّكُم) (3) وقال: (أَجِيبُوا داعِيَ اللّهِ) (4) و(وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فاتَّبِعُوه)(5) وقال: (وَما كُنّا مُعذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (6) فكيف يفعل ذلك ثمّ يعميهم عن القبول. وقال تعالى: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسانِ) (7) وينهى عمّا أمر به الشيطان قال في الشيطان : (يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصحابِ السَّعِيرِ) (8) فمن أجاب الشيطان كان من حزبه، فلو كان كما قال الجاهلون لكان إبليس أصوب من الأنبياء ـ عليهم السَّلام ـ إذ دعاؤه إلى إرادة اللّه تعالى وقضائه، ودعت الأنبياء إلى خلاف ذلك، وإلى ما علموا أنّ اللّه قد حال بينهم و بينه.

وقال القوم فيمن أسخط اللّه: إنّ اللّه جبلهم على إسخاطه، وكيف يسخط أن عملوا بقضائه عليهم وإرادته، واللّه يقول: (ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَدَاكَ) (9) وهؤلاء الجهّال يقولون: إنّ اللّه قدّمه وما أضلّهم سواه: (لِيُرْدُوهُمْ ولِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ ولو شاءَ اللّهُ ما فَعَلُوهُ)(10) فلو كان الأمر كما زعموا، لكان الدعاء والأمر لا تأثير له، لأنّ الأمر مفروغ منه، لكن التأويل على غير ما قالوه وقد قال تعالى: (ذلِكَ يَوٌم مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذلِكَ )


1 . الأعراف:27.
2 . الأنفال:24.
3 . الشورى:47.
4 . الأحقاف:31.
5 . الأنعام:153.
6 . الإسراء:15.
7 . النحل:90.
8 . فاطر:6.
9 . الحج:10.
10 . الأنعام:137.


(287)

يَومٌ مَشْهُود) (1)، والسعيد ذلك اليوم هو المتمسّك بأمر اللّه والشقي هو المضيع.

وقال في الرسالة: واعلم أيّها الأمير، أنّ المخالفين لكتاب اللّه تعالى وعدله يحيلون في أمر دينهم بزعمهم على القضاء والقدر ثمّ لا يرضون في أمر دنياهم إلاّ بالاجتهاد والتعب والطلب والأخذ بالحزم فيه. وذلك لثقل الحقّ عليهم، ولا يعولون في أمر دنياهم وفي سائر تصرفهم على القضاء والقدر، فلو قيل لأحدهم: لا تستوثق في أُمورك، ولا تقفل حانوتك احترازاً لمالك و اتّكل على القضاء والقدر، لم يقبل ذلك، ثمّ يعوّلون عليه في الذي قال:

وما يحتجون به أنّ اللّه تعالى قبض قبضة فقال: «هذا في الجنّة و لا أُبالي. وقبض أُخرى و قال: هذا في النار ولا أُبالي». فإنّهم يرون ربّهم يصنع ذلك، كالمقارع بينهم المجازف، فتعالى اللّه عمّا يصفونه.

فإن كان الحديث حقّاً، فقد علم اللّه تعالى أهل الجنّة وأهل النار، قبل القبضتين وقبل أن خلقهم، فإنّما قبض اللّه أهل الجنة الذين في علمه أنّهم يصيرون إليها، و إنّما مرادهم أن يقرروا في نفوس الذين يقبلون ما رووه، أن تكون أعمال الناس هباءً منثوراً، من حيث قد فرغ من الأمر، وكيف يصح ذلك مع قوله: (تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْن َمِنْهُ و تَنْشَقّ الأرضُ وتَخِرُّالجِبَالُ هَدّاً* أن دَعَوْا للرّحمنِ وَََلداً)(2) وهو الذي حملهم عليه.

وما معنى قوله: (فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُون) (3) وقد منعهم؟ وكيف يقول: (ما كانَ لأَهلِ المَدينةِ ومَن حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعرابِ أَنْ يَتَخَلّفُوا عَنْ رَسُولِ اللّهِ) (4) بل كان يجب أن يقول: ما كان لأهل المدينة أن يعملوا بما قضيت عليهم(5)، ولما قال: (فَلَولا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيّة يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ )فِي


1 . هود:103.
2 . مريم:90ـ91.
3 . الانشقاق:20.
4 . التوبة:120.
5 . كذا في النسخة والظاهر: إلاّ بما قضيت عليهم.


(288)

الأرْضِ) (1). وهو الذي حال بينهم و بين الطاعة.

وإذا كان الأمر مفروغاً منه، فكيف يقول: (لَيْسَ عَلَيالأعْمَى حَرَجٌ ولا عَلَى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلَى المَرِيضِ حَرَجٌ) (2) وكيف ابتلى العباد فعاقبهم على فعلهم؟ وكيف يقول:(إِنّا هَدَيْناهُ السَّبيَل إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً) (3) وكيف يقول: (قَدَّرَ فَهَدَى) (4) ولم يقل قدّر فأضل، وكيف يصحّ أنّه خلقهم للرّحمة والعبادة بقوله: (فِطْرَةَ اللّهِ الّتي فَطَرَالنّاسَ عَلَيْها)(5) وقوله : (فَطَركُمْ أَوّّلَ مَرَّة) (6) وقوله: (إِلاّمَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ) (7) فإذا خلقهم لذلك، فكيف يصحّ أن لا يجعل لهم سبيلاً، ويقرهم على السعادة والشقاء على ما يذكرون.

وكيف يبتلي إبليس بالسجود لآدم، فإذا عصى يقول له(فَاهْبِطْ مِنها) (8) ويجعله شيطاناً رجيماً؟ وكيف يقول:(فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها) (9) وكيف يحذر آدم عداوته. إن كان الأمر مفروغاً منه على ما تقولون؟

وقال في الرسالة: واعلم أيّها الأمير ما أقول: إنّ اللّه تعالى لم يخف عليه بقضائه شيء، ولم يزدد علماً بالتجربة، بل هو عالم بما هو كائن وما لم يكن، ولذلك قال: (ولَوْ بَسَطَالّلهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا)(10)، (ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمّةً واحِدَةً)(11) فعلم سبحانه أنّه خلق خلقاً من ملائكة وجن وإنس، وأنّه يبتليهم قبل أن يخلقهم، وعلم ما يفعلون كما قدّر أقواتهم، وقدّر ثواب أهل


1 . هود:116.
2 . النور:61.
3 . الإنسان:3.
4 . الأعلى:3.
5 . الروم:30.
6 . الإسراء:51.
7 . هود:119.
8 . الأعراف:13.
9 . الأعراف:13.
10 . الشورى:27.
11 . الزخرف:33.


(289)

الجنّة وعقاب أهل النار قبل ذلك، ولو شاء إدخال العصاة النار لفعل، لكنّه سهل سبيلهم لتكون الحجة البالغة له على خلقه، والعلم ليس بدافع إلى معاصيه، لأنّ العلم غير العمل، (فَتَبَارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الخالِقِين) .(1)

وقال: في قولهم في الضلال والهدى، وقوله: (وَلو شاءَ ربُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأرضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً) (2)، (وَلَو شاَء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهُدَى) (3)، لأنّ المراد بذلك إظهار قدرته على ما يريده كما قال: (إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نَسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السّمَاءِ) (4)، (ولو نشاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَاَنَتِهِمْ)(5)، (ولَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أعْيُنِهِمْ)(6)، (ولَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَة نَذِيراً)(7)، و قال: (فلَعَلَكَّ َبَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا) (8)، حتّى بلغ من قوله أن قال:(فَإِنِ اسْتََطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفقَاً فِي الأَرضِ أَو سُلَّماً فِي السَّماِء)(9) ، فإنّما يدلّ بذلك رسوله على قدرته، فكذلك غير الذي شاء منهم،ولذلك قال في حجتهم يوم القيامة ردّاً عليهم لقولهم: (لَوْ أَنَّ اللّهَ هَدانِي لَكُنتُ مِنَ المُتَّقِينَ)(10) ورد ذلك بقوله: (بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ).(11)

وقال تعالى بعد ما حكى عنهم قولهم: (لو شاءَ الرّحمَنُ ما عَبَدْنَاهُمْ ما لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْم إنْ هُمْ إلاّ يَخْرُصُونَ).(12)

وقال تعالى بعد ما حكى عنهم قولهم: (سَيَقُولُ الّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللّهُ ما أشْرَكْنَا ولاَ آباؤُنا ولا حَرَّّْمنا مِنْ )


1 . المؤمنون:14.
2 . يونس:99.
3 . الأنعام:35.
4 . سبأ:9.
5 . يس:67.
6 . يس: 66 .
7 . الفرقان:51.
8 . الكهف:6.
9 . الأنعام:35.
10 . الزمر:57.
11 . الزمر:59.
12 . الزخرف:20.


(290)

شَيْء) (1) مكذباً لهم:(كَذلِكَ كَذَّبَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا) (2)، فنعوذ باللّه ممن ألحق باللّه الكذب. وجعلوا القضاء والقدر معذرة، وكيف يصحّ ذلك مع قوله: (وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظّالمين) (3)؟! وكيف يصحّ أن يقول: (وَما أَصابَكَ مِنْ سَيّئَة فَمِنْ نَفْسَكَ)(4)؟! أي العقوبة التي أصابتك هي من قبل نفسك بعملك. ولو شاء تعالى أن يأخذهم بالعقوبة من دون معصية لقدر على ذلك، لكنّه رؤوف رحيم. ولذلك أرسل موسى إلى فرعون و قد قال: (ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إله غَيْرِي)(5) فقال: (فَقُولا لَهُ قَولاً لََيِّنَاً)(6) وقال: (اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنّهُ طَغَى) )(7) (فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزكّى (8) وقال:(وَلَقَدْ أَخذنا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنينَ وَنَقْص مِنَ الثَّمراتِ لَعلَّهُمْ يَذَّكَّرون) (9) فيتوبون، فلمّا لجّوا في كفرهم بعد ذلك الأمر والترغيب إلى طاعته، أخذهم بما فعلوا.

قال: ثمّ انظر أيّها الأمير، كيف صنيعه لمن أطاع فقال: (إلاّقَوْمَ يُونُسَ لمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الخِزْيِ فِي الحَياةِ الدُّنيا ومَتَّعْناهُمْ إلى حِين)(10) ، (ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا وَاتُّّقوا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ)(11) ، (ولو أنّهُمْ أقامُوا التوراةَ والإنجيَل)(12) ، و قال موسى: (ادْخُلُوا الأرضَ المُقَدَّسَةَ الّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ ولا تَرْتَدُّوا عَلَى أدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ)(13) ، وقال: (فَلَمّا عَتَوْا عَنمّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنا)


1 . الأنعام:148.
2 . الأنعام:148.
3 . الزخرف:76.
4 . النساء: 79.
5 . القصص: 38 .
6 . طه:44.
7 . طه:24.
8 . النازعات:18.
9 . الأعراف:130.
10 . يونس:98.
11 . الأعراف:96.
12 . المائدة: 66.
13 . المائدة:21.


(291)

لَهُمْ كُونُوا قِرَدةً خاسِئِينَ)(1) ، فهذا صنيعه بأهل طاعته، وما قدّمناه صنيعه بأهل معاصيه عاجلاً، فإذا هم اتّبعوا أهواءهم، عاقبهم بما يستحقون.

وقال في الرسالة: ولا يصحّ الجبر إلاّ بمعونة اللّه، ولذلك قال لمحمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : (وَلولا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتّ تَرَُْْكَنُ إِلَيهِمْ شَيئاً قَليلاً) (2) ، وقال يوسف ـ عليه السَّلام ـ : (وإلاّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إلَيْهِنَّ) (3) فقد بيّن وأمر ونهى، وجعل للعبد السبيل على عبادته، وأعانه بكلّ وجه ولو كان عمل العبد يقع قسراً لم يصحّ ذلك.

هذا نصّ الرسالة نقلناها برمتها عن «فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة» للقاضي عبد الجبار ص 216ـ 223.

قال المعلّق على كتاب القاضي: رسالة الحسن إلى عبد الملك بن مروان مطبوعة في مجلة«دار الإسلام» طبعها رويتر عدد 21 سنة 1933 م ـ وأضاف ـ منها نسخة من مكتبة أيا صوفيا استنبول برقم 3998.

وهذه الرسالة تعترف بعلمه السابق ولكن تنكر كونه موجباً للجبر بمحكم آياته.

ومن لطيف كلامه في الرسالة قوله: «والعلم ليس بدافع إلى معاصيه، لأنّ العلم غير العمل».

كلام مؤلّف كتاب المعتزلة

إنّ عامة المسلمين في صدر الإسلام كانوا يؤمنون بالقدر خيره وشره من اللّه تعالى وأنّ الإنسان في هذه الدنيا مسيّر لا مخيّر وأنّ القلم قد جفّ على علم اللّه، وقد قال أحد رجاز ذلك الزمان معبراً عن تلك العقيدة:


1 . الأعراف:166.
2 . الإسراء:74.
3 . يوسف:33.


(292)

يــا أيّهــا المضمـر همّاً لاتهــم * إنّك إن تقدر لك الحـمى تحـم

ولو علـوت شاهقاً مـن العلـم * كيف توقيك وقد جف القلم(1)

يلاحظ عليه: أنّ نسبة كون الإنسان مسيّراً لا مخيّراً إلى عامّة المسلمين خطأ جداً، وإنّما هي عقيدة تسربت إلى المسلمين من بلاط الأمويين، وهم أخذوه من الأحبار والرهبان، وإلاّ فالطبقة المثلى من المسلمين كانوا يعتقدون بالاختيار في مقابل التسيير.

و هذه خطب علي ـ عليه السَّلام ـ وأبناء بيته الرفيع جاهرة بالاختيار ونفي كون التقدير سالباً للحرية، وهذا هو الحسن البصري يسأل «الحسن بن علي» عن مكانة القدر في التشريع الإسلامي، وهو ـ عليه السَّلام ـ يجيب بما عرفته.(2)

كيف وإنّ التكليف والوعد والوعيد يقوم على أساس الحرية ولا يجتمع مع الجبر كما أنّ إرسال الرسل لا يتم إلاّ بالقول بأنّ الإنسان مخيّر في اتّباع الرسول ومخالفته مضافاً إلى أنّ تعذيب الإنسان المسيّر ظلم قبيح منفيّ عنه سبحانه عقلاً ونقلاً. وهذه الوجوه كافية في إثبات أنّ الرأي العام للمسلمين ـ لولا الضغط من البلاط الأموي ـ هو الاختيار. وما تقدم من رسالة عادل بني أُمية! لأصدق شاهد على أنّ مذهب الجبر أذيع من قبل الحكام الأمويين.


1 . كتاب المعتزلة: 91 نقلاً عن تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة: 25.
2 . لاحظ ص:292.


(293)

4

هل الإيمان بخلافة الخلفاء من صميم الدين؟

إذا كان الخلاف في الإمامة أعظم خلاف بين الأُمّة حسب نظر الشهرستاني إذ قال: «ما سلّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سلّ على الإمامة في كلّ زمان».

فيجب على دعاة الوحدة الذين يبذلون سعيهم لتوحيد الصفوف معالجة هذه المسألة من وجهة علمية وفي جو هادئ. فإن حل هذه المسألة ونظائرها يوجب تقارب الخطى، بل يوحّد الصفوف. فإنّ الوحدة بشكلها السلبي الذي يدعو إلى تناسي الماضي، والتغافل عنه من أساسه، وإسدال الستار على كلّ ما فيه من مفارقات، على ما يتبنّاه بعض دعاتها، لا تؤثر ولا تحقّق أُمنيّتهم، وإنّما تحقّق تلك الأمنية لو أثبتت بصورة علمية أنّ جملة كبيرة من صور الخلاف لا تستند على أساس، وإنّما هي وليدة دعايات خلقتها بعض الظروف وغذّاها قسم من السلطات في عهود خاصة، ولأجل ذلك نطرح هذه المسألة على طاولة البحث حتى تتقارب الأفكار المتباعدة فإنّ الصراع العلمي والجدال بالحقّ، مهما كان بصورة علمية، يكون من أفضل عوامل التقريب ورفع التباعد، فنقول:

من راجع الكتب الكلامية لأصحاب الحديث، وبعدهم الأشاعرة وجد أنّهم يعدّون الإيمان بخلافة الخلفاء الأربع وحتى تفاضلهم حسب زمن إمامتهم من صميم الإيمان، ولابدّ أن نأتي ببعض النصوص للقدامى منهم:


(294)

1. قال إمام الحنابلة (المتوفّى عام 241هـ) في كتاب السنّة: خير هذه الأُمّة بعد نبيّنا ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أبو بكر، وخيرهم بعد أبي بكر، عمر; وخيرهم بعد عمر، عثمان; وخيرهم بعد عثمان، علي، رضوان اللّه عليهم خلفاء راشدون مهديّون.(1)

2. وقال أبو جعفر الطحاوي الحنفي في العقيدة الطحاوية المسمّاة بـ«بيان السنة والجماعة»: ونثبت الخلافة بعد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لأبي بكر الصديق تفضيلاً وتقديماً على جميع الأُمّة ثمّ لعمر بن الخطاب ثمّ لعثمان بن عفان ثمّ لعلي بن أبي طالبـ عليه السَّلام ـ .(2)

3. وقال أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري(المتوفّى عام 324هـ) عند بيان عقيدة أهل الحديث وأهل السنّة: ويقرّون بأنّهم الخلفاء الراشدون المهديون أفضل الناس كلّهم بعد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .(3)

وقال أيضاً بعد ما استعرض خلافة الأئمّة الأربعة قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :«الخلافة في أُمّتي ثلاثون سنة، ثمّ ملك بعد ذلك».(4)

4. وقال عبد القاهر البغدادي في بيان الأُصول التي اجتمع عليها أهل السنّة: وقالوا بإمامة أبي بكر الصديق بعد النبي خلاف من أثبتها لعلي وحده من


1 . كتاب «السنّة» المطبوع ضمن رسائل بإشراف حامد محمد الفقي، وهذا الكتاب ألّفه لبيان مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السنّة ووصف من خالف شيئاً من هذه المذاهب أو طغى فيها، أو عاب قائلها بأنّه مخالف مبتدع وخارج عن الجماعة، زائل عن منهج السنّة وسبيل الحقّ.
2 . «شرح العقيدة الطحاوية» للشيخ عبد الغني الميداني الحنفي الدمشقي: 471ـ 478.و قد توفّي الطحاوي عام 321هـ.
3 . مقالات الإسلاميين: 323.
4 . «الإبانة عن أُصول الديانة» الباب السادس عشر: ص 190 وما ذكره من الحديث رواه أحمد في مسنده: 5/220 ولاحظ العقائد النسفية: 177، ولمع الأدلة للإمام الأشعري: 114.


(295)

الرافضة، وخلاف قول الراوندية الذين أثبتوا إمامة العباس وحده.(1)

أقول: هذه هي عقيدة هؤلاء الأعلام وغيرهم ممّن كتب في موضوع الإمامة عن أهل السنّة، ولرفع الستار عن وجه الحقيقة، نبحث في نواح خاصة لها صلة وثيقة بالموضوع وهذه النواحي عبارة عن:

1. هل الإمامة والخلافة من أُصول الدين أو من فروعه؟

2. هل هناك نصّ في القرآن أو السنّة في مسألة الإمامة أو لا؟

3. مبدأ ظهور هذه العقيدة؟

4. هل هناك نصّ على أفضلية بعضهم على بعض وفق تسلسل زمانهم؟

فإذا تبيّن الحال في هذه المواضع يتبيّن الحال في المسألة التي بيّناها آنفاً.

أ. هل الإمامة من الأُصول أو من الفروع؟

الشيعة الإمامية على بكرة أبيهم اتّفقوا على كون الإمامة أصلاً من أُصول الدين، و قد برهنوا على ذلك في كتبهم،ولأجل ذلك يعد الاعتقاد بإمامة الأئمّة من لوازم الإيمان الصحيح عندهم، وأمّا أهل السنّة فقد صرّحوا في كتبهم الكلامية أنّها ليست من الأُصول، وإليك بعض نصوصهم:

1. قال الغزالي (المتوفّى عام 505هـ): اعلم أنّ النظر في الإمامة أيضاً ليس من المهمات، وليس أيضاً من فن المعقولات بل من الفقهيات، ثمّ إنّها مثار للتعصّبات، والمعرض عن الخوض فيها أسلم من الخائض فيها، وإن أصاب فكيف إذا أخطأ؟! ولكن إذ جرى الرسم باختتام المعتقدات بها، أردنا أن نسلك المنهج المعتاد، فإنّ فطام القلوب عن المنهج المخالف للمألوف، شديد النفار. ولكنّا نوجز القول فيه.(2)


1 . الفرق بين الفرق: 350.
2 . الاقتصاد في الاعتقاد: 234،وفي العبارة صعوبة والظاهر زيادة كلمة «المخالف» وصحيحها «المنهج المألوف».


(296)

2. قال الآمدي (551 ـ 631هـ): واعلم أنّ الكلام في الإمامة ليس من أُصول الديانات ولا من الأُمور اللابديات بحيث لا يسع المكلّف الإعراض عنها، والجهل بها بل لعمري، إنّ المعرض عنها لأرجى حالاً من الواغل فيها، فإنّها قلّما تنفك عن التعصب والأهواء وإثارة الفتن والشحناء، والرجم بالغيب في حقّ الأئمّة والسلف بالإزراء، وهذا مع كون الخائض فيها سالكاً سبيل التحقيق، فكيف إذا كان خارجاً عن سواء الطريق. لكن لما جرت العادة بذكرها في أواخر كتب المتكلّمين والإبانة عن تحقيقها في عامة مصنّفات الأُصوليّين لم نر من الصواب خرق العادة بترك ذكرها في هذا الكتاب.(1)

3. قال السيّد الشريف (المتوفّى 816هـ) في شرح المواقف: المرصد الرابع في الإمامة ومباحثها وليست من أُصول الديانات والعقائد خلافاً للشيعة بل هي عندنا من الفروع المتعلّقة بأفعال المكلّفين إذ نصب الإمامة عندنا واجب على الأُمّة سمعاً، وإنّما ذكرناها في علم الكلام تأسّياً بمن قبلنا، إذ قد جرت العادة من المتكلّمين بذكرها في أواخر كتبهم.(2)

4. قال الرازي: اتّفقت الأُمّة، إلاّ شذاذاً منهم، على وجوب الإمامة والقائلون بوجوبها، منهم من أوجبها عقلاً، ومنهم من أوجبها سمعاً، أمّا الموجبون عقلاً، فمنهم من أوجبها على اللّه تعالى، ومنهم من أوجبها على الخلق.(3)

وعلى كلّ تقدير فقد اعتبر أهل السنّة هذا الوجوب حكماً شرعياً فرعياً كسائر الأحكام الفرعية الواردة في الكتاب والسنّة والكتب الفقهية، وإذا تبيّن هذا المطلب فلنبحث عن الموضوع الثاني.

ب. هل هناك نصّ على الإمامة أم لا؟

اتّفقت الشيعة الإمامية على أنّ المذاهب الحقّ في باب الإمامة هو القول


1 . غاية المرام في علم الكلام: 363 .
2 . شرح المواقف:8/344.
3 . المحصل للرازي: 406، ط ايران.


(297)

بالتنصيص وأنّ النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نصّ في أيام حياته على الخليفة من بعده، وذلك في موارد ضبطها التاريخ أشهرها قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في يوم الغدير، أي الثامن عشر من ذي الحجة الحرام في عام حجّة الوداع في منصرفه من مكة عند بلوغه غدير خم رافعاً يد علي ـ عليه السَّلام ـ في محتشد كبير، وهو يقول: «ألست أولى بكم من أنفسكم»؟ قال الناس: نعم، فقال: «من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه». وقد قامت ثلّة كبيرة من علماء الفريقين بضبط طرق هذا الحديث وأسناده، فأّلفوا في ذلك مختصرات ومفصّلات، أجمعها وأعمّها كتاب الغدير لآية اللّه الحجّة الأميني ـ رضوان اللّه عليه ـ.

هذا ما عند الشيعة، وأمّا عند السنّة، فالرأي السائد هو عدم التنصيص على أحد والزعم بأنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مات ولم يستخلف.

فهذا هو إمام الحرمين يقول: وما نص النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ على إمامة أحد بعده وتوليته، إذ لو نص على ذلك لظهر وانتشر كما اشتهرت تولية رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وسائر ولاته، وكما اشتهر كلّ أمر خطير.(1)

وقال الأشعري: وممّا يبطل قول من قال بالنصّ على أبي بكر:

أنّ أبا بكر قال لعمر:«ابسط يدك أُبايعك» يوم السقيفة، فلو كان رسولاللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نصّ على إمامته لم يجز أن يقول أبسط يدك أُبايعك».(2)

وقد عقد ابن كثير الحنبلي في كتابه «البداية والنهاية» باباً مستقلاً في أنّ رسول اللّه لم يستخلف وتبعه السيوطي في «تاريخ الخلفاء».(3)

والمسألةـ أي عدم وجود النصّ على المتقمّصين بالخلافة بعد النبي ـ من


1 . لمع الأدلة: 114.
2 . اللمع: 136.
3 . لاحظ البداية:5/250; تاريخ الخلفاء: 7، ط مصر.


(298)

الوضوح بمكان بحيث لا تحتاج إلى إقامة الدليل عليها، كيف و هذه قصة السقيفة لم نر أحداً فيها من الذين رشّحوا أنفسهم للخلافة، كسعد بن عبادة من الأنصار، وأبي بكر من المهاجرين، استدلّ على صحّة خلافته بنصّ النبي عليه.

فهذا هو سعد بن عبادة يقول بعد أن حمد اللّه وأثنى عليه: يا معشر الأنصار لكم سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب، إنّ محمّداً لبث بضع عشرة سنة في قومه يدعوهم إلى عبادة الرحمن وخلع الأنداد والأوثان، فما آمن به من قومه إلاّ رجال قليل... إلى أن قال: حتّى إذا أراد بكم الفضيلة ساق إليكم الكرامة، وخصّكم بالنعمة، فرزقكم اللّه الإيمان به وبرسوله، والمنع له ولأصحابه والإعزاز له ولدينه، والجهاد لأعدائه... إلى أن قال: وتوفّاه اللّه وهو عنكم راض وبكم قرير عين، استبدّوا بهذا الأمر دون الناس.

هذا منطق مرشّح الأنصار لا ترى فيه تلميحاً إلى وجود النصّ عليه وليس يقصر عنه منطق أبي بكر في هذا الموقف حين قال: فهم ـ أي المهاجرين ـ أوّل من عبد اللّه في الأرض، و آمن باللّه وبالرسول، وهم أولياؤه وعشيرته، وأحقّ الناس بهذا الأمر من بعده، ولا ينازعهم في ذلك إلاّ ظالم... إلى أن قال: من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته ونحن أولياؤه وعشيرته إلاّمدل بباطل أو متجانف لإثم، أو متورط في هلكة.(1)

فهذان المنطقان من سعد بن عبادة وأبي بكر يعربان عن عدم وجود النصّ على واحد منهما، وأمّاالخليفتان الآخران فحدث عنهما ولا حرج، فقد رقى عمر بن الخطاب منصّة الخلافة بأمر من أبي بكر عندما دعا عثمان بن عفان في حال مرضه فقال له: اكتب: بسم اللّه الرّحمن الرحيم... هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين: أمّا بعد، ثمّ أُغمي عليه، فكتب عثمان: قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ولم يكن خيراً منه، ثمّ أفاق وقال: اقرأ عليَّ، فقرأ عليه


1 . تاريخ الطبري:2/456، حوادث السنّة 11.


(299)

فكبّر أبو بكر... إلى أن قال لعثمان: جزاك اللّه خيراً عن الإسلام وأهله، وأمّره أبو بكر من هذا الموضع.(1)

وأمّا عثمان فقد انتخب عن طريق الشورى التي عيّن أعضاءها عمر بن الخطاب عندما طعنه أبو لؤلؤة ـ غلام المغيرة بن شعبة ـ و كان أعضاء الشورى ستة أشخاص وهم: علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبد اللّه، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام.(2)

وقد ذكر التاريخ كيفية استلام عثمان للخلافة، فهذا هو التاريخ المسلّم به، يعرب بوضوح عن عدم وجود نصّ على واحد من الخلفاء الثلاث جميعاً، وإلاّ لم يحتج إلى تعيين أوّل الخلفاء لثانيهم وإلى تعيين الشورى وانتخاب الخليفة عن طريقها.

وقد قام المحدّثون القدامى منهم والمتأخّرون، بجمع ما ورد من الأحاديث حول الخلافة والإمارة، منهم الإمام أبو السعادات الجزري في كتابه «جامع الأُصول من أحاديث الرسول» فقد جمعها في الجزء الرابع من هذا الكتاب، ومنهم العلاّمة علاء الدين علي المتقي الهندي(المتوفّى 975هـ) فقد جمعها في كتابه «كنز العمال» الجزء الخامس، ولا يوجد فيه نصّ صريح على واحد من الخلفاء الثلاث.

نعم في المقام روايات تشير إلى أنّ الخلافة من حقّ قريش، و هي أحاديث مشهورة موجودة في الكتاب الآنف ذكره.

إذا وقفت على هذين الأمرين، تقف على أنّ ما ادّعيناه من عدم كون الاعتقاد بخلافة الخلفاء من صميم الدين نتيجة ذينك الأمرين، وذلك لأنّه إذا كان أصل الإمامة والخلافة من الفروع لا من الأُصول، من جانب، وثبت حسب نصوص القوم أنّ النبي لم ينص على خلافة واحد منهم من جانب آخر، غاية ما في الباب أنّ الأُمّة في صدر الإسلام قاموا بواجبهم الشرعي أو العقلي حيث كان


1 . الإمامة والسياسة: 18 وص 25، ط مصر; الشرح الحديدي:1/165.
2 . تاريخ الطبري:3/293.


(300)

نصب الإمام واجباً بأحد الوجهين، فإنّ أقصى ما يمكن أن يقال: إنّ خلافة هؤلاء كانت أمراً صحيحاً غير مخالف للأُصول والقواعد، ولكن يجب أن يعلم أنّه ليس كلّ قضية صحيحة جزءاً من الدين; وعلى فرض كونها من الدين، فليس كلّ ما هو من الدين يجب أن يعد من العقائد; وعلى فرض كونها من العقائد، فليس كلّ ما هو يعد من العقائد مائزاً بين الإيمان والكفر أو بين السنّة والبدعة. وهذه مراحل ثلاث يجب أن يركز عليها النظر فنقول:

إنّ غاية جهد الباحث حسب أُصول أهل السنّة هي إثبات كون خلافتهم أمراً صحيحاً، لأنّ نصب الإمام واجب على الأُمّة عقلاً أو شرعاً، فلأجل ذلك قاموا بواجبهم فنصبوا هذا وذاك للإمامة، ونتيجة ذلك أنّ عملهم كان أمراً مشروعاً ولكن ليس كلّ أمر مشروع يعد جزءاً من الدين.

فلو قام القاضي بفصل الخصومة بين المترافعين في ضوء الكتاب والسنّة فحكم بأنّ هذا المال لزيد دون عمرو وكان قضاؤه صحيحاً لا يعد خصوص هذا القضاء (لا أصل القضاء بالصورة الكلية) من الدين، إذ ليس كلّ أمر صحيح جزءاً من الدين، ولا يصحّ أن يقال إنّه يجب أن نعتقد أنّ هذا المال لزيد دون عمرو، ولو تنزّلنا عن ذلك وقلنا إنّه من الدين، ولكن ليس كلّ ما هو من الدين يعد من العقائد فكون الماء طاهراً ومطهّراً حكم شرعي، ولكن ليس من العقائد، فأيّ فرق بينه و بين خلافة الخلفاء مع اشتراك الجميع في كونه حكماً فرعياً لا أصلاً من الأُصول.

ولو تنزّلنا مرّة ثانية وقلنا إنّه من العقائد، ولكن ليس كلّ ما يجب الاعتقاد به مائزاً بين الإيمان والكفر، أو بين السنّة والبدعة، إذ للمسائل العقائدية درجات ومراتب، فالشهادة بتوحيده سبحانه ونبوة نبيّه وإحياء الناس يوم الدين، تعد مائزاً بين الكفر والإيمان، وليس كذلك الاعتقاد بعذاب القبر، أو سؤال منكر ونكير، أو كون مرتكب الكبيرة مؤمناً.

و على هذا الأساس يجب على إخواننا أهل السنّة تجديد النظر في هذا الأصل الذي ذهبوا إليه، وهو جعلهم الاعتقاد بخلافة الخلفاء المشار إليهم، آية السنّة، ومخالفته آية البدعة.


(301)

ولو توفّي الرجل عن أولاد صغار بلا وصي ولا تعيين قيّم لصغاره فعلى الحاكم الإسلامي تعيين القيّم عليهم لئلاّ تضيع أموالهم، وعندئذ يسأل فهل الاعتقاد بالأصل الكلي من صميم الدين؟ وأنّه يجب على المسلم أن يعتقد بأنّ من مات عن أولاد صغار يجب على الحاكم نصب من يلي أُمورهم؟ وعلى فرض كونه بصورته الكلية من صميمه، فهل الاعتقاد بأنّ زيداً ولي الصغار عند نصب الحاكم له، من صميم الدين، أو أنّ المطلوب في الفروع هو العمل عند الابتلاء. وأمّا الاعتقاد التفصيلي بالكبريات والصغريات فغير لازم؟

ج. مبدأ ظهور هذه العقيدة

لم يكن في عصور الخلفاء الثلاث أي أثر من هذه العقيدة ولم يكن يخطر ببال أحد من المهاجرين والأنصار أنّه يجب الاعتقاد بخلافة هذا أو ذاك أو ذلك، وأنّ من لم يكن معتقداً بخلافتهم يخرج عن صفوف المؤمنين ويلتحق بالمبدعين. وإنّما أوجدت تلك الفكرة يد السياسة بهدف الإزراء بعلي ـ عليه السَّلام ـ ، وتصحيح خروج معاوية عليه لأخذ ثأر الخليفة، ولعلّ عمرو بن العاص هو أوّل من بذر تلك الفكرة.

ويدلّ على ذلك ما ذكره المسعودي في كتابه: قال: اجتمع عمرو بن العاص مع أبي موسى الأشعري في دومة الجندل، فجرى بينهما مناظرات و قد أحضر «عمرو» غلامه لكتابة ما يتفقان عليه، فقال عمرو بن العاص ـ بعد الشهادة بتوحيده سبحانه نبوة نبيّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : ونشهد أنّ أبا بكر خليفة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عمل بكتاب اللّه وسنّة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حتّى قبضه اللّه إليه، وقد أدّى الحقّ الذي عليه.

قال أبو موسى: اكتب ثمّ قال في عمر مثل ذلك، فقال أبو موسى: اكتب، ثمّ قال عمرو: واكتب: وأنّ عثمان ولي هذا الأمر بعد عمر على إجماع من المسلمين وشورى من أصحاب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ورضاً منهم، وأنّه كان مؤمناً.

فقال أبو موسى الأشعري: ليس هذا ممّا قعدنا له.

قال عمرو: واللّه لابدّمن أن يكون مؤمناً أو كافراً.

فقال أبو موسى: كان مؤمناً.


(302)

قال عمرو: فمره يكتب .

قال أبو موسى: اكتب.

قال عمرو: فظالماً قتل عثمان أو مظلوماً؟

قال أبو موسى: بل قتل مظلوماً.

قال عمرو: أو ليس قد جعل اللّه لولي المظلوم سلطاناً يطلب بدمه؟

قال أبو موسى: نعم.

قال عمرو: فهل تعلم لعثمان ولياً أولى من معاوية؟

قال أبو موسى: لا.

قال عمرو: أفليس لمعاوية أن يطلب قاتله حيثما كان حتى يقتله أو يعجز عنه؟

قال أبو موسى: بلى.

قال عمرو للكاتب: اكتب، وأمره أبو موسى فكتب.

قال عمرو: فإنّا نقيم البيّنة على أنّ عليّاً قتل عثمان....(1)

وهذا النصّ من حجّة التاريخ وغيره يعرب عن أنّ الاعتقاد بخلافة الخلفاء إنّما برز للوجود في جو مشحون بالعداء والبغضاء والمنافسة والمغالبة، حتى جعل ذلك الداهية الماكر، الاعتقاد بخلافة الشيخين وسيلة لانتزاع الإقرار بخلافة الثالث من الخلفاء، ولم يكن الانتزاع مقصوداً بالذات، بل كان أخذه ذريعة لانتزاع الاعترافات الأُخرى من أنّه قتل مظلوماً وأنّه ليس له ولي يطلب بدمه أولى من معاوية وأنّ عليّاً هو القاتل... إلى آخره.

ثمّ إنّ الأجواء السياسية المخالفة لأمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ أخذت تروّج تلك العقيدة من أجل الإطاحة به ـ عليه السَّلام ـ وإثبات صحّة قيام معاوية وصحّة أعماله وقيامه ونصبه فصار ذلك المستمسك السياسي بمرور الزمان، عقيدة دينية، سقته الأوضاع السياسية الأموية والعباسية، إلى أن ذكرت في الكتب والمؤلفات وعدّت من صميم الدين.

وقد استفحلت أهمية الإيمان بخلافة الخلفاء ولا سيما الثالث منهم في عهد معاوية عندما كتب إلى عماله بعد عام الجماعة: أن برئت الذمة ممّن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته.

فقامت الخطباء في كلّ كورة وعلى كلّ منبر يلعنون علياً و يبرأون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته، وكان أشدّ الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة لكثرة من فيها من شيعة علي ـ عليه السَّلام ـ ، فاستعمل معاوية عليهم زياد بن سمية وضم إليها البصرة، فكان يتتبع الشيعة وهو بهم


1 . مروج الذهب:2/396ـ 397.


(303)

عارف، لأنّه كان منهم أيّام علي ـ عليه السَّلام ـ فقتلهم تحت كلّ حجر ومدر، وأخافهم وقطع الأيدي والأرجل، وسمل العيون، وصلبهم على جذوع النخل، وطردهم وشردهم عن العراق، فلم يبق بها معروف منهم.

وكتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق ألاّ يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة، وكتب إليهم: أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبّيه وأهل ولايته والذين يروون فضائله و مناقبه، فأدنوا مجالسهم وقرّبوهم وأكرموهم، واكتبوا إلي بكلّ ما يروي كلّ رجل منهم، واسمه واسم أبيه وعشيرته، ففعلوا ذلك، حتّى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطائع ويفيضه في العرب منهم و الموالي، فكثر ذلك في كلّ مصر، وتنافسوا في المنازل والدنيا، فليس يجيء أحد مردود من الناس عاملاً من عمال معاوية فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلاّكتب اسمه وقربه وشفعه، فلبثوا بذلك حيناً.

ثمّ كتب إلى عماله أنّ الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كلّ مصر وفي كلّ وجه وناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأوّلين، ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلاّوتأتوني بمناقض له في الصحابة، فإنّ هذا أحب إليّ وأقرّ لعيني، وأدحض لحجّة أبي تراب وشيعته، وأشدّ إليهم من مناقب عثمان وفضله.

فقرئت كتبه على الناس، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها، وجدّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتّى أشادوا بذكر ذلك على المنابر، و أُلقي إلى معلّمي الكتاتيب فعلّموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتّى رووه وتعلّموه كما يتعلّمون القرآن، وحتى علّموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم، فلبثوا بذلك ما شاء اللّه.(1)

كلّ ذلك يثبت أنّ الإيمان بخلافتهم ولا سيما الثالث منهم، كان وليد


1 . الشرح الحديدي:11/44ـ 45 نقله عن كتاب الأحداث لأبي الحسن علي بن محمد بن أبي سيف المدائني.


(304)

سياسات غاشمة انطلقت من البيت الأموي وأشياعه ضد البيت العلوي وأتباعه. وبذلك يسهل تصديق ما ذكره الكاتب الكبير محمود أبو رية في كتابه القيم «أضواء على السنة المحمدية»: إنّ الأهواء الشخصية والأغراض المذهبية كان لها أثر بعيد في وضع الحديث على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لكي يؤيد كلّ فريق رأيه، ويحقّق م آربه بحقّ وبغير حقّ وبصدق وبغير صدق.(1)

وفي الختام للقارئ الكريم أن يسأل : مَن جعل الاعتقاد بخلافة الخلفاء الأربع من صميم الدين دون سواهم؟! وأن يسأل عن وجه التفاضل والتمييز بينهم و بين سائر الخلفاء الذين تسلّموا دفة الخلافة عن طريق الوراثة، أو تنصيص سابق منهم على اللاحق، أو ببيعة عدّة من الشاميين وغيرهم.

وهذا عمر بن عبد العزيز قد تسلّم دفّة الحكم بأحد هذه الطرق مع أنّهم لا يجعلون الإيمان بخلافته من صميم الإيمان، مع أنّه من قريش وقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :« لا يزال هذا الأمر في قريش، ما بقي منهم اثنان».

وقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «قريش ولاة الناس في الخير والشر إلى يوم القيامة».(2)

اللّهمّ إلاّأن يعتذروا عن هذا التخصيص بأنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «الخلافة في أُمّتي ثلاثون سنة، ثمّ ملك بعد ذلك».(3)

لكن في سنده سعيد بن جمهان، قال أبو حاتم الرازي: شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به.(4)

ثمّ إنّ هنا نكتتين نبّه عليهما العلاّمة الروحاني في كتابه «بحوث مع أهل السنّة والسلفية»: (ص 24ـ 25) نأتي بهما معاً:


1 . أضواء على السنّة المحمدية.
2 . جامع الأُصول:4/437ـ 438.
3 . المصدر السابق.
4 . الجرح والتعديل:4/10.


(305)

1. الحقّ الذي يراه المتتبع في التاريخ هو أنّ عقيدة خلافة الخلفاء الثلاث وقداستهم البالغة، قد أُقحمت في عقائد أهل السنّة إقحاماً، وإنّما كان ذلك رد فعل ومحاكاة لعقيدة الشيعة في علي ـ عليه السَّلام ـ وأولاده الطاهرين، ولذا صيغت هذه العقيدة أوّلاً عند أهل السنّة في قالب الرد والمعارضة لعقيدة الشيعة فقط، ثمّ ألحقوا عليّاً ـ عليه السَّلام ـ بهم في عصر متأخر.

وبتفصيل أكثر نقول: إن جعل خلافة الشيخين من العقائد، لم يكن في القرن الأوّل. وغاية ما كان يقال فيهما هو أنّ خلافتهما كانت صحيحة.

هذا فضلاً عن عقيدتهم في خلافة عثمان وعلي، بل إنّ عثمان لم يكن بذلك المرضي عند الناس.

ثمّ إنّ المرجئة كانت تشك في عدالة عثمان وعلي، بل في إيمانهما.(1) ونحلة الإرجاء كانت شائعة في عامة الناس آنذاك قبل غلبة أهل الحديث، بل لقد كان لهم القدح المعلّى حتى بعد وجود أهل الحديث والسنّة في كثير من البلاد. حتى قال الأمير نشوان الحميري: وليس كورة من كور الإسلام إلاّ والمرجئة غالبون عليها إلاّ القليل.(2)

2. تقرر الأمر في نحلة أهل الحديث على قبول خلافة علي ـ عليه السَّلام ـ بعد ما كانوا في الغالب من العثمانية ينكرون خلافة علي، و يظهر أنّ قبول خلافة علي ـ عليه السَّلام ـ كان على يد الإمام أحمد بن حنبل، فقد ذكر ابن أبي يعلى بالإسناد عن وديزة الحمصي قال: دخلت على أبي عبد اللّه أحمد بن حنبل حين أظهر التربيع بعلي ـ رضي اللّه عنه ـ فقلت له: يا أبا عبد اللّه إنّ هذا لطعن على طلحة والزبير، فقال: بئس ما قلت وما نحن وحرب القوم وذكرها، فقلت: أصلحك اللّه إنّما ذكرناها حين ربعت بعلي وأوجبت له الخلافة وما يجب للأئمّة قبله، فقال لي: وما يمنعني من ذلك، قال: قلت: حديث ابن


1 . طبقات النساء:6/154.
2 . الحور العين: 203.


(306)

عمر(1)، فقال لي: عمر خير من ابنه فقد رضي علياً للخلافة على المسلمين وأدخله في الشورى، وعلي بن أبي طالب رضي اللّه عنه قد سمّى نفسه أمير المؤمنين; فأقول أنا ليس للمؤمنين بأمير، فانصرفت عنه.(2)

وهذا يعرب عن أنّ مسألة التربيع كانت مسألة ثقيلة على هذا المحدّث، وقد كان غير الكوفيّين على هذا المذاق.

وممّا يؤيد عدم كون خلافة الخلفاء من صميم الدين: أنّ أحمد بن حنبل في رسالته المؤلّفة حول مذاهب أهل السنّة لم يذكرها في عداد العقائد الإسلامية، بل بعدما أكمل بيان العقائد قال: ومن السنّة ذكر محاسن أصحاب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ والكف عمّا شجر بينهم، فمن سبّ أصحاب رسول اللّه أو واحداً منهم فهو مبتدع رافضي، حبهم سنّة، والدعاء لهم قربة، والاقتداء بهم وسيلة، والأخذ ب آثارهم فضيلة، وخير هذه الأُمّة ـ بعد نبيها ـ أبو بكر، وخيرهم بعد أبي بكر عمر، وخيرهم بعد عمر عثمان، وخيرهم بعد عثمان علي، رضوان اللّه عليهم خلفاء راشدون مهديون.(3)

وأمّا البحث عن الدليل الدالّ على أفضلية بعضهم على بعض وفق تسلسل زمانهم، فسيوافيك الكلام فيه في الجزء السادس.

***

(ثُمَّ أَورَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبير) (4).

***


1 . الحديث المنسوب إلى ابن عمر هو «كنّا نعد ورسول اللّه حيّ وأصحابه متوافرون: أبو بكر ثمّ عمر ثمّ عثمان ثمّ نسكت».
2 . طبقات الحنابلة:1/393.
3 . كتاب السنّة: 49.
4 . فاطر: 32.


(307)

خاتمة المطاف

فيها أُمور:

الأوّل: المذهب الحنبلي في مجال العقائد والفقه

إنّ للمذهب السنّي على الإطلاق دعامتين:

1. المذهب الفقهي

لم يكن لأهل السنّة والجماعة في القرون الأُولى إلى القرن السابع مذهب فقهي خاص يقتفون أثره، بل كانت لهم مذاهب فقهية مختلفة متشتّتة غير أنّ يد السياسة حصرت المذاهب الفقهية في الأربعة المعروفة وهي: الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي وألغت سائر المذاهب ولم تعترف بها.

قال المقريزي: استمرت ولاية القضاة الأربعة من سنة 665 حتى لم يبق في مجموع أمصار الإسلام مذهب يعرف من مذاهب الإسلام غير هذه الأربعة، وعودي من تمذهب بغيرها وأنكر عليه، ولم يول قاض، ولا قبلت شهادة أحد ما لم يكن مقلداً لأحد هذه المذاهب، وأفتى فقهاؤهم في هذه الأمصار في طول هذه المدّة، بوجوب اتّباع هذه المذاهب وتحريم ما عداها، والعمل على هذا إلى اليوم.(1)


1 . الخطط المقريزية:2/333و 334 و 344.


(308)

وهذه الكلمة الأخيرة، أعني قوله: وتحريم ما عداها تكشف عن رزية فادحة ألمت بالإسلام حيث إنّ المسلمين قد عاشوا قرابة سبعة قرون، ومات فيها على دين الإسلام ما لا يحصي عددهم إلاّخالقهم ولم يسمع أحد في القرنين الأوّلين اسم هذه المذاهب. ثمّ في ما بعدهما كان المسلمون بالنسبة إلى الأحكام الشرعية في غاية من السعة والحرية، وكان العامي يقلّد من اعتمد من المجتهدين، وكان المجتهدون يستنبطون الأحكام من الكتاب والسنّة على موازينهم المقررة عندهم في العمل بالكتاب والسنّة ولم يعلم وجه لهذا الحصر وأنّه ليس لأحد من المقلّدين أو الفقيه المجتهد أن يخرج عن حدّتقليد الأئمّة الأربعة، فبأي دليل شرعي صار اتّباع المذاهب الأربعة واجباً مخيراً والرجوع إلى غيرها حراماً باتاً مع أنّا نعلم أنّ هذه المذاهب نشرت في ما نشرت من المناطق بالقهر والغلبة من الحكومات الإسلامية، فالحكومة التي كان يروقها الفقه الحنفي كانت تباشر نشره وتكبت غيره وتسد الطريق أمامه، والحكومة التي كان يروقها غير الحنفي تعمل مثل عمل الحكومة الأُولى، وقد أشعلت السياسات الخادعة نيران العداء بين أتباع المذاهب الأربعة طول القرون(1)، وعاد وعاظ السلاطين ينحتون لكلّ إمام من الأئمّة الأربعة فضائل ومناقب صدرت عن النبي قبل ميلادهم وإمامتهم.(2)

هذا حال الدعامة الأُولى ولا نطيل البحث فيها، والذي يجب أن يستنتج ممّا ذكرناه هو أنّ من يحلم بخلود الدين وبقاء قوانينه ويرغب في غضاضة الدين وطراوته وصيانته عن الاندراس وغناء المسلمين عن موائد الأجانب، يجب عليه


1 . لاحظ تاريخ حصر الاجتهاد لشيخنا العلاّمة الطهراني: 140 والحوادث الجامعة لابن الفوطي: ص216 في حوادث سنة 645 واقرأ فيها ملحمة النزاع بين اتّباع الأئمّة الأربعة، ولا تنس ما أنشده علي بن الجرجاني عن بعضهم:

مثل الشافعي فـي العلمـاء * مثل البدر فـي نجوم السماء
قل لمن قاسه بنعمـان جهلاً * أيقـاس الضيـاء بالظلمـاء

تاريخ بغداد:2/69.
2 . لاحظ تاريخ بغداد:1/41 «مناقب أبي حنيفة» و ج2/69«مناقب الشافعي»و قد نقل أحاديث في مناقبهما ولم يكن من الإمامين أثر إلاّ في عالم الذر.


(309)

السعي في فتح باب الاجتهاد، سواء أُوافق رأي الأئمّة الأربعة أم خالفها.(1)

2. المذهب العقائدي

ونعني به الأُصول التي يعتنقها أهل السنّة في هذا الجيل والأجيال المتقدّمة إلى زمن الإمام أحمد حول المبدأ والمعاد وأسمائه سبحانه وصفاته وما يرجع إلى الإنسان في عاجله وآجله.

ولا شكّ أنّ هذه الأُصول قد دونت و رتبت في الكتب الكلامية للحنابلة بصورة بسيطة، وفي كتب الأشاعرة بصورة علمية مبرهنة، وقد قدّمنا إليك عصارات مدوّنة من عقائدهم.

والذي نركز عليه هو أنّ هذه الأُصول على اختلاف في عددها وإن صارت عقيدة لأهل السنّة في هذه الأجيال ولكنّها أُصول اجتمعوا عليها منذ تصدّر أحمد ابن حنبل منصة الإمامة في العقائد والمعارف واستخرجها من السنّة ودوّنها في رسائله، وذكر أنّها عقائد أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السنّة المتمسكين بعروتها، المعروفين بها،المقتدى بهم فيها من لدن أصحاب النبي إلى يومنا هذا من علماء الحجاز و الشام وغيرهم.

ولكن الحقيقة غير ذلك بل كان المسلمون، أعني: بهم أصحاب الحديث، السنّة قبل تصدّر أحمد لمنصة الإمامة في مجال العقائد على فرق وشيع ولم تكن هذه الأُصول برمتها مقبولة عندهم، وإنّما الإمام أحمد وحدهم على تلك الأُصول وقضى على سائر المذاهب الدارجة بين أهل الحديث أنفسهم، فنسبة هذه الأُصول إلى إمام الحنابلة أقرب إلى الحقيقة من نسبتها إلى الصحابة والتابعين وتابعي التابعين. والغافل عن تاريخ حياة الإمام وتأثيره في نفوس المسلمين وما كسب بعد الإفراج من العطف والحنان يتخيل أنّ هذه الأُصول مذهب أهل السنّة مع أنّه لم يكن لهذه الأُصول بهذا النحو، أثر قبله، بل كان المحدّثون


1 . لاحظ مفاهيم القرآن:3/290ـ 305 تجد فيها بغيتك.


(310)

مختلفين في كثير من هذه الأُصول. فصار الإجماع والاتّفاق من جانب الإمام سبباً لتناسي ما كانوا عليه من العقائد.

إنّ الإمام أحمد لمّا ظهر منه الصمود والثبات في طريق العقيدة (عدم خلق القرآن وقدمه) وتحمّل المحنة(1) إلى أن أُفرج عنه في أيّام المتوكّل و قرّبه الخليفة إلى بلاطه، صار ذلك سبباً لشهرته وإمامته في مجال العقائد، وقد جعلت المحنة من ذلك الرجل الصمود، بطلاً سامياً تهوي إليه الأفئدة، وتخضع له الأعناق، أضف إليه أنّه جنّد بلاط الخليفة جهوده لترويج أفكاره و آرائه، فعند ذلك صار أحمد إمام السنّة وناصرها، فصارت السنة ما قاله أحمد، والبدعة ما هجره أحمد، وكأنّهم نسوا أو تناسوا ما كان عليه أسلافهم من الفرق المختلفة.

وعلى ضوء هذا فليس المذهب الحنبلي العقائدي، مذهباً لعامة أهل الحديث و أهل السنّة وإنّما هو مذهب الإمام أحمد، وقد أخذت هذه الأُصول بالانتشار والشيوع عندما انقلب الوضع أيّام المتوكل وبعده لصالحه، ولولا أنّ المحنة استبطلت الرجل وخلقت منه رجلاً مثالياً شجاعاً في طريق العقيدة، لكان المذهب السنّي في الناحية العقائدية غير مجمع على هذه الأُصول التي يتخيل أنّها أُصول اتّفق عليها أصحاب النبي والتابعون لهم بإحسان إلى زمن إمامة أحمد.

وإن كنت في ريب ممّا ذكرنا ـ أي اختلاف آراء أهل الحديث وتشتت مذاهبهم في مجال العقائد ـ فاستمع لما يقوله السيوطي ويذكره في هذا المجال ونحن نأتي بملخّص ما ذكره ذلك المحدّث الخبير وهو يكشف عن وجود المسالك المختلفة والأهواء المتضادة عند أهل الحديث، وأنّهم لم يكونوا قط على وتيرة واحدة حسبما وحدهم إمام الحنابلة فهم كانوا بين:

مرجئي يرى أنّ العمل ليس جزءاً من الإيمان وأنّه لا تضر معه معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة، ونقدم إليك بعض أسمائهم من الذين عاشوا قبل إمامة أحمد أو عاصروه، نظراء:


1 . سيوافيك تفصيل ذلك في الجزء الثالث من هذه الموسوعة عند البحث عن عقائد المعتزلة.


(311)

1. إبراهيم بن طهمان، 2. أيّوب بن عائذ الطائي، 3. ذر بن عبد اللّه المرهبي، 4. شبابة بن سوار، 5. عبد الحميد بن عبد الرحمن، 6. أبو يحيى الحماني، 7. عبد المجيد بن عبد العزيز، 8. ابن أبي راود، 9. عثمان بن غياث البصري، 10. عمر بن ذر، 11. عمر بن مرة، 12. محمد بن حازم، 13. أبو معاوية الضرير، 14. ورقاء بن عمر اليشكري، 15. يحيى بن صالح الوحاظي، 16. يونس بن بكير.

إلى ناصبي لعلي وأهل بيته الطاهرين ـ عليهم السَّلام ـ ، نظراء:

1. إسحاق بن سويد العدوي، 2. بهز بن أسد، 3. حريز بن عثمان، 4. حصين بن نمير الواسطي، 5. خالد بن سلمة الفأفاء، 6. عبد اللّه بن سالم الأشعري، 7. قيس بن أبي حازم.

إلى متشيع يحب علياً وأولاده ويرى الولاء فريضة نزل بها الكتاب ويرى الفضيلة لعلي في الإمامة والخلافة، نظراء:

1. إسماعيل بن أبان، 2. إسماعيل بن زكريا الخلقاني، 3. جرير بن عبد الحميد، 4. أبان بن تغلب الكوفي، 5. خالد بن محمد القطواني، 6. سعيد بن فيروز، 7. أبو البختري، 8. سعيد بن أشوع، 9. سعيد بن عفير، 10. عباد بن العوام، 11. عباد بن يعقوب، 12. عبد اللّه بن عيسى، 13. ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى، 14. عبد الرزاق بن همام، 15. عبد الملك بن أعين، 16. عبيد اللّه بن موسى العبسي، 17. عدي بن ثابت الأنصاري، 18. علي بن الجعد، 19. علي بن هاشم بن البريد، 20. الفضل بن دكين، 21. فضيل بن مرزوق الكوفي، 22. فطر بن خليفة، 23. محمد بن جحادة الكوفي، 24. محمد بن فضيل بن غزوان، 25. مالك بن إسماعيل أبو غسان، 26. يحيى بن الخراز.

إلى قدري ينسب محاسن العباد ومساويهم ومعاصيهم إلى أنفسهم ولا يسند فعلهم إلى اللّه سبحانه، نظراء:

1. ثور بن زيد المدني، 2. ثور بن يزيد الحمصي، 3. حسان بن عطية


(312)

المحاربي، 4. الحسن بن ذكوان، 5. داود بن الحصين، 6. زكريا بن إسحاق، 7. سالم بن عجلان، 8. سلام بن مسكين، 9. سيف بن سلمان المكي، 10. شبل بن عباد، 11. شريك بن أبي نمر، 12. صالح بن كيسان، 13. عبد اللّه بن عمرو ، 14. أبو معمر عبد اللّه بن أبي لبيد، 15. عبد اللّه بن أبي نجيح، 16. عبد الأعلى ابن عبد الأعلى، 17. عبد الرحمن بن إسحاق المدني، 18. عبد الوارث بن سعيد الثوري، 19. عطاء بن أبي ميمونة، 20. العلاء بن الحارث، 21. عمرو بن زائدة، 22. عمران بن مسلم القصير، 23. عمير بن هاني، 24. عوف الأعرابي، 25. كهمس بن المنهال، 26. محمد بن سواء البصري، 27. هارون بن موسى الأعور النحوي، 28. هشام الدستوائي، 29. وهب بن منبه، 30. يحيى بن حمزة الحضرمي.

إلى جهمي ينفي كلّ صفة للّه سبحانه ويعتقد بخلق القرآن وحدوثه، نظير: بشر بن السرى.

إلى خارجي ينكر على أمير المؤمنين مسألة التحكيم ويتبرأ منه و من عثمان و من طلحة والزبير وأُمّ المؤمنين عائشة ومعاوية وغيرهم، نظراء:

1. عكرمة مولى ابن عباس، 2. الوليد بن كثير.

إلى واقفي لا يقول في التحكيم أو في القرآن بشيء من الحدوث والقدم وإنّه مخلوق أو غير مخلوق، نظير: علي بن هشام.

إلى متقاعد يرى لزوم الخروج على أئمّة الجور ولا يباشره بنفسه، نظير:عمران ابن حطّان.(1)

إلى غير ذلك من ذوي الأهواء والآراء الذين قضى عليهم الدهر وعلى آرائهم ومذاهبهم بعد ما وصل أحمد بن حنبل إلى قمة الإمامة في العقائد. فصار أهل الحديث مجتمعين تحت الأُصول التي استخرجها أحمد وجعل الكلّ كتلة واحدة، بعد ما كانوا على سبل شتى.


1 . تدريب الراوي للسيوطي:1/328.


(313)

هذه ملحمة أهل الحديث وقصة مذهبهم الفقهي والعقائدي، والأسف أنّ المفكّرين من أهل السنّة يتخيّلون أنّ هذه الأُصول التي يدينون بها باسم عقيدة السلف الإسلامية قبل التحاق الأشعري به و باسم عقيدة الإمام الأشعري بعد التحاقه هي نفس الأُصول التي كان عليها المسلمون الأُول إلى زمن الإمام أحمد وزمن الملتحق بهم الشيخ الأشعري.

وهذا التاريخ الواضح يفرض على المفكّرين المتعطّشين لمعرفة الحقّ دراسة هذه الأُصول من رأس حتى لا يعبأوا بما جاء في هذه الكتب ممّا عليه ماركة «عقيدة السلف» أو «عقيدة الصحابة والتابعين» أو تابعي التابعين.

والذي يوضح ذلك هو أنّ كلّ واحد من هذه الأُصول ردّ لمذهب نجم في القرون الأُولى، فلأجل التبرّي منه صار خلافه شعاراً لمذهب أهل السنّة.

إمامة أحمد في الفقه

لا شكّ أنّ الفقه المنسوب إلى أحمد هو أحد المذاهب الفقهية المعروفة وتقتفيه جماعة كثيرة في الحجاز ونجد والشامات، ولكن هذا الفقه المدوّن لا يمت إلى الفقه إلاّ بصلة ضعيفة، وذلك لأنّ الإمام لم يكن إمام الفقه والاجتهاد بل كان إمام الحديث، فكان يعد أكبر محدث في عصره، وأعظم حافظ للسنّة، وأمّا الاجتهاد بالمعنى المصطلح الذي كان يتمتع به سائر الأئمّة الأربعة، فلم يكن متوفراً فيه إلاّ ببعض مراتبه الضئيلة التي لا يصحّ عدّه معها أحد الأئمّة الفقهاء، فإنّ للاجتهاد مؤهّلات وشرائط محررة في محلها، أعظمها وجود ملكة قدسية يقتدر معها الإنسان على استخراج الفروع عن الأُصول، وأمّا الإفتاء بالحكم في ضوء النصّ الصريح الوارد فيه فليس إلاّ مرتبة ضعيفة من الاجتهاد، والاجتهاد المطلق يستدعي ذهناً وقّاداً، مشققاً للفروع، ومستخرجاً إيّاها من الأُصول، إلى غير ذلك ممّا يقوم به أئمّة الفقه، والمعروف من الإمام أحمد غير ذلك، فإنّ اجتهاده كان أشبه باجتهاد الأخباريين والمحدّثين الذين يفتون بنصّ الحديث ويتوقفون في غير مورده.

وأمّا المذهب الفقهي الحنبلي الدارج بين الحنابلة فقد جمع أُصوله تلميذ


(314)

الإمام«الخلاّل» من هنا وهناك، ومن الفتاوى المتشتتة الموجودة بين أيدي الناس حتى جعله مذهباً للإمام أحمد، وجاء من جاء بعده فاستثمرها واستغلها حتّى صار مذهباً من المذاهب.

كلام للذهبي

قال: وقد دوّن عنه كبار تلامذته مسائل وافرة في عدّة مجلدات. ثمّ ذكر أسامي عدّة من تلاميذه الذين جمعوا مسائل الإمام وفتاواه، وقال: جمع أبو بكر الخلال سائر ما عند هؤلاء من أقوال أحمد وفتاويه وكلامه في العلل والرجال والسند والفروع حتى حصل عنده من ذلك ما لا يوصف كثرة ورحل إلى النواحي في تحصيله وكتب عن نحو من مائة نفس من أصحاب الإمام، ثمّ كتب كثيراً من ذلك عن أصحاب أصحابه،وبعضه عن رجل، عن آخر، عن آخر، عن الإمام، ثمّ أخذ في ترتيب ذلك وتهذيبه و تبويبه، وعمل كتاب العلم وكتاب العلل وكتاب السنة، كلّ واحد من الثلاثة في ثلاثة مجلدات.(1)

فلو صحّ ما ذكره الذهبي فهو يعرب عن أنّ الإمام أحمد لم يكن رجلاً متربعاً على منصة دراسة الفقه وأُصوله وقائماً بتربية الفقيه، وأقصى ما كان يتمتع به هو الإجابة عن الأسئلة التي كانت ترد عليه من العراق وخارجه في ضوء النصوص الموجودة عنده، فتفرقت الأجوبة طبق الأسئلة في البلاد وجمعها «الخلال»في كتاب خاص.

هذا ما ذكره الذهبي ولكنّ الظاهر عن غير واحد ممّن ترجم الإمام أنّه كان يتحفّظ عن الفتيا ويتزهّد عنه، ولعلّه يرى مقام الإفتاء أرفع وأعلى من نفسه.

روى الخطيب في تاريخه بالإسناد قال: كنت عند أحمد بن حنبل فسأله رجل عن الحلال والحرام، فقال له أحمد: سل عافاك اللّه غيرنا. قال الرجل: إنّما نريد جوابك يا أبا عبد اللّه. قال: سل عافاك اللّه غيرنا، سل الفقهاء، سل أبا


1 . سير أعلام النبلاء:11/330.


(315)

ثور.(1)

وهذا يعرب عن أنّ ديدن الإمام في حياته هو التحفّظ والتجنّب عن الإفتاء إلاّ إذا قامت الضرورة أو كان هناك نصوص واضحة في الموضوع. وهذا لا يجتمع مع ما نسب إليه الذهبي من أنّ «الخلال» كتب عنه الكتب التي ذكرها.

وهناك تحقيق بارع للشيخ أبي زهرة في كتابه حول حياة ابن حنبل نذكر خلاصة ما جاء فيه:

إنّ أحمد لم يصنّف كتاباً في الفقه يعد أصلاً يؤخذ منه مذهبه ويعد مرجعه ولم يكتب إلاّ الحديث، وقد ذكر العلماء أنّ له بعض كتابات في موضوعات فقهية، منها: المناسك الكبير، والمناسك الصغير، ورسالة صغيرة في الصلاة كتبها إلى إمام صلّى هو وراءه فأساء في صلاته، وهذه الكتابات هي أبواب قد توافر فيها الأثر، وليس فيها رأي أو قياس أو استنباط فقهي بل اتّباع لعمل، وفهم لنصوص. ورسالته في الصلاة والمناسك الكبير والصغير هي كتب حديث، وكتبه التي كتبها كلّها في الحديث في الجملة، وهي المسند والتاريخ والناسخ والمنسوخ والمقدّم والمؤخّر في كتاب اللّه وفضائل الصحابة والمناسك الكبير والصغير والزهد، وله رسائل يبيّن مذهبه في القرآن والرد على الجهمية والردّ على الزنادقة.

وإذا كان أحمد لم يدوّن في الفقه كتاباً ولم تنشر آراؤه ولم يملها على تلامذته كما كان يفعل أبو حنيفة، فإنّ الاعتماد في نقل فقهه إنّما هو على عمل تلاميذه فقط، وهنا نجد أنّ الغبار يثار حول ذلك النقل من نواح متعددة.

إنّ المروي عن ذلك الإمام الأثري ـ الذي كان يتحفّظ في الفتيا فيقيد نفسه بالأثر ، ويتوقف حيث لا أثر ولا نصّ شاملاً عاماً، ولا يلجأ إلى الرأي إلاّ حين الضرورة القصوى التي تلجئه إلى الإفتاء ـ كثير جدّاً، والأقوال المروية عنه متضاربة، وذلك لا يتّفق مع ما عرف عنه من عدم الفتوى إلاّ فيما يقع من المسائل ولا يفرض الفروض ولا يشقّق الفروع ولا يطرد العلل، ولقد كان يكثر من قول:لا أدري، فهذه الكثرة لا تتفق مع المعروف منه من الإقلال في الفتيا والمعروف عنه من قول :لا أدري، ومع المشهور عنه من أنّه لا يفتي بالرأي إلاّ للضرورة القصوى.


1 . تاريخ بغداد:2/66.


(316)

إنّ الفقه المنقول من أحمد قد تضاربت أقواله فيه تضارباً يصعب على العقل أن يقبل نسبة كلّ هذه الأقوال إليه. وافتتح أي كتاب من كتب الحنابلة واعمد إلى باب من أبوابه تجده لا يخلو من عدّة مسائل اختلفت فيها الرواية بين لا ونعم ـ أي بين النفي المجرّد والإثبات المجرّد ـ.

هذه نواح قد أثارت غباراً حول الفقه الحنبلي وإذا أضيف إليها أنّ كثيراً من القدامى لم يعدّوا «أحمد» من الفقهاء، فابن جرير الطبري لم يعدّه منهم، و «ابن قتيبة» الذي كان قريباً من عصره جدّاً لم يذكره في عصابة الفقهاء بل عدّه في جماعة المحدثين، ولو كانت تلك المجموعة الفقهية من أحمد ما ساغ لأُولئك أن يحذفوا أحمد عن سجل الفقهاء.(1)

الثاني : شكوى تاريخية للأشاعرة ضد الحنابلة

لم يزل النزاع قائماً على قدم وساق بين الحشوية والحنابلة من أهل الحديث من جهة و متكلّمي الأشاعرة من جهة أُخرى ـ مع أنّ إمام الأشاعرة كان قد أعلن اقتفاء أثر إمام الحنابلة ـ و نار الجدال مستعرة بين الفريقين،عبر العصور المختلفة، وذلك أنّ الطائفة الأُولى كانت متمسكة بروايات التشبيه والتجسيم، ومثبتة للّه سبحانه ما لا تصحّ نسبته إليه،وكانت الطائفة الثانية تتبرأ من هذه الأُمور، ولقد بلغ السيل الزبى في عصر أبي نصر عبد الرحيم بن أبي القاسم عبد الكريم القشيري رئيس الأشاعرة في وقته، فقام فطاحل الأشاعرة في عصره، تعضيداً ومساندة لشيخهم برفع الشكوى إلى الوزير نظام الملك ممّا تبثه الحنابلة من سموم التشبيه و التجسيم، و تمت الرسالة بتوقيع كثير من علمائهم التي تبيّن جوهر العقيدة الحنبلية في ذلك العصر.

أمّا الوالد فهو أبو القاسم القشيري النيشابوري، وهو من أعاظم الأشاعرة في عصره (ولد عام 376هـ) من العرب الذين وردوا خراسان وسكنوا النواحي،


1 . ابن حنبل، حياته وعصره :168ـ 171.


(317)

كان يعرف الأُصول على مذهب الأشعري والفقه على مذهب الشافعي(توفيّ عام 465هـ).(1)

وأمّا الولد فهو أبو نصر عبد الرحيم بن أبي القاسم القشيري، ويعرّفه ابن عساكر بأنّه إمام الأئمّة وحبر الأُمّة تخرّج على إمام الحرمين حتى حصل طريقته في المذهب، وتوفّي عديم النظير فريد الوقت سنة 514هـ.(2)

يقول ابن عساكر:

وهذه الرسالة بخط بعض أصحاب الإمام أبي نصر عبد الرحيم ابن الأُستاذ القشيري فيها خطوط الأئمّة بتصحيح مقاله وموافقته في اعتقاده على الوجه الذي هو مذكور في هذا الكتاب، فأوقفنا عليه شيخنا أبو محمد القاسم وأسمعناه، وأمرنا بكتابته، فاكتتبناه على ما هو عليه، وأثبتناه في هذه الترجمة اللائقة به، وقد رفع الإمام أبو إسحاق الشيرازي وأصحابه هذا المحضر إلى نظام الملك منتصرين للشيخ أبي نصر بن القشيري، فعاد جواب نظام الملك إلى فخر الدولة وإلى الإمام أبي إسحاق بإنكار ما وقع، والتشديد على خصوم ابن القشيري، و ذلك سنة 469هـ، و إليكالمحضر:

شكوى الأشاعرة من المتوسمين بالحنبلية

بسم اللّه الرحمن الرحيم يشهد من ثبت اسمه ونسبه وصحّ نهجه ومذهبه واختبر دينه وأمانته من الأئمّة الفقهاء والأماثل العلماء وأهل القرآن والمعدلين الأعيان وكتبوا خطوطهم المعروفة بعباراتهم المألوفة، مسارعين إلى أداءالأمانة، وتوخّوا في ذلك ما تحظره الديانة مخافة قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلم مِمَّن كَتَم شَهادةً عِنْدَهُ مِنَ اللّه) إنّ جماعة من الحشوية والأوباش الرعاع المتوسمين بالحنبلية أظهروا ببغداد من البدع الفظيعة والمخازي الشنيعة ما لم يتسمح به ملحد فضلاً عن موحّد، ولا تجوّز به قادح في أصل الشريعة، ولا معطل; ونسبوا كلّ من ينزّه الباري تعالى وجلّ عن النقائص والآفات وينفي عنه الحدوث والتشبيهات،


1 . التبيين: 271ـ 276.
2 . المصدر السابق: 308ـ 310.


(318)

ويقدّسه عن الحلول والزوال، ويعظمه عن التغيّر من حال إلى حال، وعن حلوله في الحوادث وحدوث الحوادث فيه، إلى الكفر والطغيان ومنافاة أهل الحق والإيمان، وتناهوا في قذف الأئمّة الماضين، وثلب أهل الحقّ وعصابة الدين، ولعنهم في الجوامع والمشاهد والمحافل والمساجد والأسواق والطرقات والخلوة، والجماعات.

ثمّ غرّهم الطمع والإهمال، ومدّهم في طغيانهم الغي والضلال إلى الطعن فيمن يعتضد به أئمّة الهدى وهو للشريعة العروة الوثقى، وجعلوا أفعاله الدينية معاصي دنية، وترقّوا من ذلك إلى القدح في الشافعي رحمة اللّه عليه وأصحابه، واتفق عود الشيخ الإمام الأوحد أبي نصر ابن الأُستاذ الإمام زين الإسلام أبي القاسم القشيري رحمة اللّه عليه من مكة حرسها اللّه، فدعا الناس إلى التوحيد وقدس الباري عن الحوادث والتحديد، فاستجاب له أهل التحقيق من الصدور الأفاضل السادة الأماثل، وتمادت الحشوية في ضلالتها والإصرار على جهالتها وأبوا إلاّ التصريح بأنّ المعبود ذو قدم وأضراس ولهوات وأنامل، وأنّه ينزل بذاته ويتردّد على حمار في صورة شاب أمرد بشعر قطط وعليه تاج يلمع وفي رجليه نعلان من ذهب، وحفظ ذلك عنهم وعلّلوه ودوّنوه في كتبهم، وإلى العوام ألقوه، وأنّ هذه الأخبار لا تأويل لها، وأنّها تجري على ظواهرها، وتعتقد كما ورد لفظها، وأنّه تعالى يتكلّم بصوت كالرّعد و كصهيلالخيل، و ينقمون على أهلالحق لقولهم إنّاللّه تعالى موصوف بصفات الجلال، منعوت بالعلم والقدرة والسمع والبصر والحياة والإرادة والكلام، وهذه الصفات قديمة، وإنّه يتعالى عن قبول الحوادث، ولا يجوز تشبيه ذاته بذات المخلوقين ولا تشبيه كلامه بكلام المخلوقين.

ومن المشهور المعلوم: أنّ الأئمّة الفقهاء على اختلاف مذاهبهم في الفروع كانوا يصرّحون بهذا الاعتقاد ويدرسونه ظاهراً مكشوفاً لأصحابهم ومن هاجر من البلاد إليهم ولم يتجاسر أحد على إنكاره ولا تجوز متجوّز بالرد عليهم دون القدح والطعن فيهم، وانّ هذه عقيدة أصحاب الشافعي ـرحمة اللّه عليهـ يدينون اللّه تعالى بها ويلقونه باعتقادها، و يبرأون إليه من سواها من غير شكّ ولا


(319)

انحراف عنها، وما لهذه العصابة مستند، ولا للحق مغيث يعتمد إلاّ اللّه تعالى، ورأفة المجلس السامي الأجلي العالمي العادلي القوامي النظامي الرضوي أمتعه اللّه بحياة يأمن خطوبها باسمة فلا يعرف قطوبها، فإن لم ينصر ما أظهره ويشيد ما أسّسه وعمره بأمر جزم وعزم حتم يزجر أهل الغواية عن غيهم ويردع ذوي العناد عن بغيهم ويأمر بالمبالغة في تأديبهم، رجع الدين بعد تبسّمه قطوباً، وعاد الإسلام كما بدأ غريباً، وعيونهم ممتدة إلى الجواب بنيل المأمول والمراد، وقلوبهم متشوّفة إلى النصرة والإمداد، فإن هو لم ينعم النظر في الحادث الذي طرقهم ويصرف معظم هممه العالية إلى الكارث الذي أزعجهم وأقلقهم ويكشف عن الشريعة هذه الغمة ويحسم نزغات الشيطان بين هذه الأُمّة، كان عن هذه الظلامة يوم القيامة مسؤولاً.

إذ قد أديت إليه النصائح والأمانات من أهل المعارف والديانات، وبرئوا من عهدة ما سمعوه بما أدّوه إلى سمعه العالي وبلغوه، والحجّة للّه تعالى متوجهة نحوه بما مكّنه في شرق الأرض وغربها وبسط قدرته في عجمها وعربها، وجعل إليه القبض والإبرام واصطفاه من جميع الأنام، فما ترد نواهيه وأوامره ولا تعصى مراسمه زواجره، واللّه تعالى بكرمه يوفقه ويسدّده ويؤيد مقاصده ويرشده ويقف فكرته وخواطره على نصرة ملته وتقوية دينه وشريعته بمنّه ورأفته وفضله ورحمته.

صورة الخطوط

1. الأمر على ما ذكر في هذا المحضر من حال الشيخ الإمام الأوحد أبي نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري أكثر اللّه في أئمّة الدين مثله من عقد المجالس وذكر اللّه عزّوجلّ بما يليق به من توحيده وصفاته ونفي التشبيه عنه، وقمع المبتدعة من المجسمة والقدرية وغيرهم، ولم أسمع منه غير مذهب أهل الحقّ من أهل السنّة والجماعة، وبه أدين اللّه عزّوجلّ وإيّاه اعتقد، وهو الذي أدركت أئمّة أصحابنا عليه، واهتدى به خلق كثير من المجسمة وصاروا كلّهم على مذهب أهل الحقّ، ولم يبق من المبتدعة إلاّ نفر يسير، فحملهم الحسد والغيظ على سبّه وسبّ الشافعي وأئمّة أصحابه ونصّار مذهبه، وهذا أمر لا يجوز الصبر عليه


(320)

ويتعيّن على المولى أعز اللّه نصره التنكيل بهذا النفر اليسير الذين تولّوا كبر هذا الأمر وطعنوا في الشافعي وأصحابه، لأنّ اللّه عزّوجلّ أقدره، وهو الذي برأ في هذا البلد بإعزاز المذهب بما بنى فيه من المدرسة التي مات كلّ مبتدع من المجسمة والقدرية غيظاً منها وبما يرتفع فيها من الأصوات بالدعاء لأيامه، استجاب اللّه فيه صالح الأدعية، ومتى أهمل نصرهم لم يكن له عذر عند اللّه عزّجلّ. وكتب إبراهيم بن علي الفيروز آبادي.

2. الأمر على ما ذكر في هذا المحضر من حال الشيخ الإمام الأوحد أبي نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري جمّل اللّه الإسلام به وكثّر في أئمّة الدين مثله من عقد المجالس وذكر اللّه عزّوجلّ بما وصف به نفسه من التنزيه ونفي التشبيه عنه وقمع المبتدعة من المجسمة والقدرية وغيرهم، ولم نسمع منه غير مذهب أهل الحقّ من أهل السنّة والجماعة وبه ندين اللّه عزّوجلّ، وهو الذي كان عليه أئمّة أصحابنا واهتدى به خلق كثير من المجسّمة واليهود والنصارى فصاروا أكثرهم على مذهب أهل الحقّ ولم يبق من المبتدعة إلاّ نفر يسير، فحملهم الحسد والغيظ على سبّه وسب الشافعي رضي اللّه عنه و نصّار مذهبه حتى ظهر ذلك بمدينة السلام، وهذا أمر لا يحل الصبر عليه ويتعيّن على من بيده قوام الدين والنظر في أُمور المسلمين أن ينظر في هذا ويزيل هذا المنكر، فإنّ من يقدر على إزالته ويتوقف فيه يأثم، ولا نعلم اليوم من جعل اللّه سبحانه أمر عباده إليه إلاّ المولى أعزّ اللّه أنصاره، فيتعيّن عليه الإنكار على هذه الطائفة والتنكيل بهم، لأنّ اللّه سبحانه أقدره على ذلك، وهو المسؤول عنه غداً إن توقف فيه وصار قصد المبتدعة أكثره معاداة الفقهاء الذين هم سكان المدرسة الميمونة فإنّهم يموتون غيظاً منهم لما هم عليه من مذاكرة علم الشافعي وإحياء مذهبه. وكتب الحسين ابن محمد الطبري.

3. الأمر على ما شرح في صدر هذا المحضر. وكتب عبيد اللّه بن سلامة الكرخي.

4. الأمر على ما ذكر في هذا المحضر من حال الشيخ الإمام الأوحد أبي نصر عبد الرحيم بن عبدالكريم القشيري أدام اللّه حراسته من عقد المجالس


(321)

للوعظ والتذكير في المدرسة النظامية المعمورة والرباط، وأطنب في توحيد االلّه عزّوجلّ والثناء عليه بما يستوجبه من صفات الكمال وتنزيهه عن النقائص و نفي التشبيه عنه واستوفى في الاعتقاد ما هو معتقد أهل السنّة بأوضح الحجج وأقوى البراهين، فوقع في النفوس كلامه، ومال إليه الخلق الكثير من العامة، ورجع جماعة كثيرة من اعتقاد التجسيم والتشبيه واعترفت بأنّها الآن بان لها الحقّ، فحسده المبتدعة المجسمة وغيرهم فحملهم ذلك على بسط اللسان فيه غيظاً منه و سبّ الشافعي رحمة اللّه عليه وأئمّة أصحابه ومن ينصرهم، وتظاهروا من ذلك بما لا يمكن الصبر معه، ويتعيّن على من جعل اللّه إليه أمر الرعية أن يتقدّم في ذلك بما يحسم مادة الفساد، لأنّ سبب ذلك فرط غيظهم من اجتماع شمل العصابة الشافعية في الاشتغال بالعلم بعمارة المدرسة الميمونة ،وتوفّرهم على الدعاء لأيّام من به عزّهم ولا عذر للتفريط في ذلك. وكتب محمد بن أحمد الشاشي.

5. الأمر على ما ذكر فيه. وكتب سعد اللّه بن محمد الخاطب.

6. الأمر على المشروح في هذا الصدر من حال الشيخ الإمام الأوحد أبي نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري أكثر اللّه في أئمّة أهل العلم مثله من عقد المجالس ونشر العلم ووصف اللّه تعالى بما وصف به نفسه من توحيده وصفاته ونفي التشبيه عنه وقمع أهل البدع من المجسمة والقدرية وغيرهم، ولم أسمع منه عدولاً عن مذاهب أهل الحقّ والسنّة والدين القويم والمنهج المستقيم الذي به يدان اللّه تعالى و يعبد ويعتقد، فاهتدى بهديه خلق من المخالفين وصار إلى قوله ومعتقده جمع كثير إلاّ من شقي به من الحاسدين، فأخلدوا إلى ذمّه وسبه وسب أئمّة الشافعيين، وقدحوا في الشافعي وأصحابه، وصرّحوا بالطعن فيهم في الأسواق وعلى رؤوس الأشهاد، وهذه غمّة و ردّة لا يرجى لكشفها بعد اللّه تعالى إلاّ المجلس السامي الأجلي النظامي القوامي العادلي الرضوي، أمتع اللّه الدنيا والدين ببقائه وحرس على الإسلام والمسلمين ظليل ظله ونعمائه، ويفعل اللّه ذلك بقدرته وطوله ومشيئته. وكتب الحسين بن أحمد البغدادي.

7. حضرت المدرسة النظامية المنصورة المعمورة أدام اللّه سلطان إعزازها والرباط المقدس للصوفية أجاب اللّه صالح أدعيتهم في المسلمين مجالس هذا


(322)

الشيخ الأجل الإمام ناصر الدين محيي الإسلام أبي نصر عبد الرحيم بن الأُستاذ الإمام زين الإسلام أبي القاسم القشيري أحسن اللّه عن الشريعة جزاءه، فلم أسمع منه قط إلاّ ما يجب على كلّ مكلّف علمه وتصحيح العقيدة به من علم الأُصول وتنزيه الحقّ سبحانه وتعالى ونفي التشبيه عنه، وإقماع الأباطيل والأضاليل وإظهار الحقّ والصدق، حتى أسلم على يديه ببركة التوحيد والتنزيه من أنواع أهل الذمّة عشرات، ورجع إلى الحقّ وعلم الصدق من المبتدعة مئات، وتبعه خلق غير محصور بحيث لم يستطع أحد ممّن تقدّم أو علماء العصر أن يشقّوا غباره في مثل ذلك فخامرهم الحسد وعداوة الجهل وحملهم على الطعن فيه عدواناً وبهتاناً، ثمّ تمادى بهم الجهل إلى اللعن الظاهر للإمام الشافعي ـقدس اللّه روحهـ وسائر أصحابه عجماً وعرباً.

وقائلوا ذلك شرذمة من ناشية أغبياء المجسمة، وطائفة من أرذال الحشوية، استغنوا من الإسلام بالاسم، ومن العلم بالرسم، وتبعهم سوقة لا نسب لهم ولا حسب، وتظاهرت هذه اللعنة منهم في الأسواق، ولم يستحسن أحد من أصحابه ـكثرهم اللّهـ دفع السفاهة بالسفاهة والسيئة بالسيّئة، ويجب على الناظر في أُمور المسلمين من الذي قد انتشر في المشارق والمغارب علمه وعدله وأمره ونهيه، الذي لطاعته نبأت صدور الأولياء والأعداء رغبة ورهبة، نصرته، ومدّ ضبعيه والشد على يديه وتقديم كلمته العليا وتدحيض كلمة أعدائه السفلى، فالصبر في الصدمة الأُولى وهذه الصدمة التي كانت قلوب أصحاب الشافعي كثّرهم اللّه وغرة وغلة شغله بها منذ سنين، فانقشع ذلك وانكشف في هذه الأيام المؤيدة المنصورة المؤبدة النظامية القوامية العالمية العادلية نصرها اللّه وأعلاها، وقد وقف تمامه على الأمر الماضي المنصور منه فإنّ في شعبة من شعب عنايته ونصرته وكلمته للدين الذي مد أطراره كفاية وبلاغاً وعلى الغارس تعهد غراسه فضلاً وتعصباً في كلّ وقت. وكتب عزيزي بن عبد الملك في التاريخ حامداً للّه ومصلياً على محمّد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وصحبه وسلم وشرف وكرم.(1)


1 . تبيين كذب المفتري: 310ـ 318.


(323)

وأصحاب الخطوط في هذا المحضر هم كبار أئمّة المذهب الشافعي ببغداد في ذلك العهد، فقد ترجمهم محقّق كتاب «تبيين كذب المفترى» في تعليقته على الكتاب، ثمّ أضاف:

ولما طفح كيل فتن الحشوية الذين لا يكادون يفقهون حديثاً ، اضطر أكابر العلماء المعروفون بكمال الهدوء والتؤدة والأناة إلى قمع فتنتهم بالسعي لدى ولي الأمر سعياً حثيثاً، ورفع الإمام أبو إسحاق الشيرازي وأصحابه هذا المحضر إلى نظام الملك منتصرين للشيخ أبي نصر ابن القشيري، فعاد جواب نظام الملك إلى فخر الدولة و إلى الإمام أبي إسحاق بإنكار ما وقع، والتشديد على خصوم ابن القشيري وذلك سنة تسع وستين وأربعمائة، فسكن الحال ثمّ أخذ الشريف أبو جعفر بن أبي موسى ـ و هو شيخ الحنابلة إذ ذاك ـ و جماعته يتكلّمون في الشيخ أبي إسحاق ويبلغونه الأذى بألسنتهم، فأمر الخليفة بجمعهم والصلح بينهم بعد ما ثارت بينهم فتنة هائلة ذهب فيها نحو من عشرين قتيلاً، فلمّا وقع الصلح وسكن الأمر أخذ الحنابلة يشيعون أنّ الشيخ أبا إسحاق تبرأ من مذهب الأشعري، فغضب الشيخ لذلك غضباً لم يصل أحد إلى تسكينه حتى كتب إلى نظام الملك يشكو أهل الفتن، فعاد الجواب في سنة سبعين وأربعمائة إلى الشيخ باستجلاب خاطره وتعظيمه، والأمر بتأديب الذين أثاروا الفتنة وبأن يسجن الشريف أبو جعفر، فهدأ الحال وسكن جأش الشيخ وانقمعت الحشوية، وتنفّس أهل السنّة الصعداء وإلى اللّه عاقبة الأُمور.

الثالث: تطور الدعوة السلفية ومراحلها

قد تعرّفت في البحوث السابقة على أنّه كان لمنع تدوين الحديث في العصور الأُولى الإسلامية تأثير خاص في تسرب عقائد اليهود والنصارى إلى أوساط المسلمين ولا سيما أهل الحديث منهم. ففي ظل ذلك المنع، ظهرت الفرق الباطلة من المجسّمة والمشبّهة ودعاة القول بالجهة للّه سبحانه وجلوسه على العرش ناظراً إلى ما دونه ممّا يتحاشى عنه أهل التنزيه.

ولم يكن ظهور تلك العقائد أمراً غير مترقب، بل كان نتيجة حتمية للعوامل السائدة على تلك البيئة، إذ في الظروف التي يصلب فيها العقل


(324)

ويعدم، ويعاب فيها التفكير في العقائد والمعارف، ويكتفى عن التدبر في الذكر الحكيم، بالبحث عن القراءات السبع أو العشر، ويعرف الاستدلال والإمعان في الكتاب العزيز بأنّه تأويل باطل، بل كفر و زندقة، ويفسح المجال للمتظاهرين بالإسلام من الأحبار والرهبان ليقوموا بنشر قصص الأوّلين وأساطير الآخرين ـ ففي تلك الظروف ـ لا تظهر على مسرح العقائد، إلاّ عقائد الطوائف المنحرفة، ولا غرو حينئذ في أن يصوّر إله العالم بصورة موجود مادي ذي جهات وأبعاض وأيد وأرجل، له تكلم وضحك وما يضاهي هذه النظريات.

وقد جاء بعض الخلف محاولاً تصحيح هذه المأثورات، بإضافة «بلا كيف» عقيب هذه الصفات، ولكن المحاولة فاشلة جدّاً، فإنّ مرجعها إلى أنّه سبحانه جسم بلا كيف، ولا يختلف التعبيران إلاّ في الصراحة والكناية.

ومن العقائد الغريبة التي ظهرت في أواخر القرن الثاني، كون كلامه سبحانه قديماً غير مخلوق، وقد تلقّاه أهل الحديث أمراً مسلماً، وكان اللائق بمنهجهم هو السكوت، لاعترافهم بعدم ورود نصّ من رسول اللّه فيها، ولكنّهم اعتنقوا هذه العقيدة اعتناقاً وثيقاً لم ير مثله في سائر المسائل، حتّى استعدوا في طريقه لتقديم التضحيات الثمينة، من شتى أنواع الضرب والحبس والتقيد، وذلك عندما عزم المأمون على ردعهم عن القول بقدم القرآن، فاستتاب أهل الحديث منه، فاستجاب بعضهم دون بعض وممّن أظهر الصمود والثبات على تلك العقيدة إمام الحنابلة أحمد بن حنبل. وقد ضرب في عصر الخليفة المعتصم فلم يرتدع، فصار ذلك سبباً لاشتهار الرجل بينهم، وبلوغه قمة الإمامة في العقائد والسنّة، واكتسابه مكانة مرموقة بين الناس. فصارت السنّة ما أمضاه الإمام والبدعة ما هجره، فراجت رسائله وكتبه التي ألّفت باسم عقيدة أهل السنّة، وكانت الرئاسة في باب العقائد منحصرة به إلى أن ظهر الإمام الأشعري تائباً عن الاعتزال، معلناً التحاقه في العقائد بالإمام أحمد، و عدّ نفسه مدافعاً عن عقائد أهل السنّة تارة بالنصوص والأحاديث، وأُخرى بالاستدلال والبرهنة: فألّف في بداية الالتحاق كتاب «الإبانة» وهو تصوير خاص لرسائل إمام مذهبه، كما ألّف في الفترة الأُخرى كتاب «اللمع» وهو


(325)

تصوير لما يملكه من الفكر الذي ورثه عن المعتزلة حينما كان منتهجاً مناهجهم.

وبما أنّ الإمام الأشعري قد قضى شطراً كبيراً من عمره بين أهل الفكر والتعقّل، فلذا أخذ بالتعديل والتهذيب في عقائد المذهب الأُم ـ أهل الحديث ـ وما قام به من العملية العقلية وإن أغضبت ثلة من الحنابلة وأهل الحديث، حتى إنّ كبير الحنابلة (البربهاري) في ذلك الوقت لم يقبل دفاع الشيخ الأشعري عن عقائد أهل السنّة بالبرهنة والاستدلال، ولكن النفوس المستعدة المتنورة تأثّرت بمنهج الإمام الأشعري، وزاد الإقبال عليه وتوفر الثناء على فكرته.

وعلى ضوء منهجه ألّف الإمام البيهقي (1) صاحب السنن الكبرى كتاب «الأسماء والصفات» وعالج فيه كثيراً من روايات التشبيه والتجسيم، كما قام ابن فورك(2) بتأليف كتاب «مشكل الحديث وبيانه»، كلّ ذلك على الخط الذي رسمه الأشعري في تنزيهه سبحانه.


1 . هو الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي(المتوفّي عام 458هـ) وطبع كتاب «الأسماء والصفات» في مصر بتصحيح الشيخ محمد زاهد الكوثري. ومن المأسوف عليه أنّ يد الخيانة أسقطت مقدمة الأُستاذ الشيخ سلامة العزامي الشافعي عند إعادة الطبع بالأفست، وما هذا إلاّ لأنّ المقدمة كانت على ضد السلفيةوالوهابية.
2 . هو أبو بكر محمد بن حسن بن فورك(المتوفّى عام 406هـ) له ترجمة في تبيين ابن عساكر:232ـ 233.
يقول المقريزي في خططه (ج2،ص 358) في بيان حقيقة المذهب الأشعري: إنّه سلك طريقاً بين النفي الذي هو مذهب الاعتزال (نفي الصفات الخبرية كاليد والوجه)، وبين الإثبات الذي هو مذهب أهل التجسيم وناظر على قوله هذا واحتج لمذهبه فمال إليه جماعة وعوّلوا على رأيه، منهم: القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني المالكي، و أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك، والشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن مهران الإسفرائيني، والشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي، والشيخ أبو حامد محمد بن أحمد الغزالي، وأبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أحمد الشهرستاني،والإمام فخر الدين محمد بن عمر بن حسين الرازي وغيرهم ممن يطول ذكره ونصروا مذهبه وناظروا عليه وجادلوا فيه واستدلّوا له في مصنّفات لا تكاد تحصر، فانتشر مذهب أبي الحسن الأشعري في العراق من نحو سنة ثمانين وثلاثمائة وانتقل منه إلى الشام، إلى آخر ما ذكره.


(326)

إبعاد أحمد عن الإمامة في العقائد

قد كان لانتشار مذهب الأشعري تأثير خاص في إبعاد الإمام أحمد عن ساحة العقائد، وأُفول إمامته في الأُصول، وانزوائه في كثير من البلدان وإقامة الأشعري مقامه. فصار الفرع الذي اشتق من الأصل المذهب الرسمي لأهل السنّة. وبلغت إمامة الفرع إلى الحدّ الذي كلّما أطلق مذهب أهل السنّة لا يتبادر منه إلاّ ذلك المذهب أو ما يشابهه كالماتريدية.

يقول المقريزي بعد الإشارة إلى أُصول عقيدة الإمام الأشعري: هذه جملة من أُصول عقيدته التي عليها الآن جماهير أهل الأمصار الإسلامية، والتي من جهر بخلافها أريق دمه.(1)

نعم، بلغ الإمام الأشعري قمة الإمامة في العقائد من دون أن يمس إمامة أحمد في الفروع ومرجعيته في الفتيا، كيف وهو أحد المذاهب الأربعة الرسمية بين أهل السنّة إلى الآن في العواصم الإسلامية، لكن لا في نطاق واسع بل في درجة محدودة تتلو إمامة أبي حنيفة والشافعي ومالك.

تجديد الدعوة السلفية في القرن الثامن

لقد اهتم بعض الحنابلة ـ أعني: أحمد بن تيمية الحراني الدمشقي (المتوفّى عام 728هـ) ـ بإحياء مذهب السلفية على المفهوم الذي كان رائجاً في عصر الإمام أحمد وقبله وبعده إلى ظهور الأشعري، فأصرّ على إبقاء أحاديث التشبيه والجهة بحالها من دون توجيه وتصرف، وهاجم التأويلات التي ذكرها بعض الأشاعرة في كتبهم حول تلك الأحاديث. ولكنّه لم يكتف بمجرّد الإحياء، بل أدخل في عقائد السلف أُموراً لا ترى منها أثراً في كتبهم، فعد السفر لزيارة الرسول الأعظم بدعة وشركاً، كما عدّ التبرّك ب آثارهم والتوسّل بهم شيئاً يضاد التوحيد في العبادة. وقد ضم إلى ذينك الأمرين شيئاً ثالثاً وهو إنكار كثير من الفضائل الواردة في آل البيت، المروية في الصحاح و المسانيد حتى في مسند


1 . الخطط المقريزية:2/390.


(327)

إمامه أحمد. وبذلك جدد الفكرة السلفية الخاصة المتبلورة في الفكرة العثمانية التي تعتمد على التنقيص من شأن علي وإشاعة بغضه وعناده.

وبذلك نقض قواعد ما أرساه إمامه أحمد من مسألة التربيع وجعل عليـ عليه السَّلام ـ رابع الخلفاء الراشدين، وأنّ عليّاً كان أولى وأحقّ من خصومه.

ومن حسن الحظ إنّه لم يتأثر بدعوته إلاّ القليل من تلامذته كابن القيم (المتوفّى عام 751هـ) كيف وقد عصفت الرياح المدمرة على هذه البراعم التي أظهرها، حيث قابل منهجه المحقّقون بالطعن والردّ الشديدين، فأفرد بعضهم في الوقيعة به ت آليف حافلة، وجاء البعض الآخر يزيف آراءه و معتقداته في طي كتبه، وقام ثالث يترجمه ويعرفه للملأ ببدعه وضلالاته.

وكفى في ذلك ما كتبه بعض معاصريه كالذهبي، فإنّه كتب رسالة مبسوطة إليه ينصحه ويعرفه بأنّه ممّن يرى القذاة في عين أخيه وينسى الجذع في عينيه، وأنّه لم تسلم أحاديث الصحيحين من جانبه ثمّ خاطبه بقوله: أما آن لك أن ترعوي؟ أما حان لك أن تتوب وتنيب؟ أما أنت في عشر السبعين وقد قرب الرحيل؟.(1)

وهناك كلام للمقريزي يقول بعد الإشارة إلى اشتهار مذهب الأشعري وانتشاره في أمصار الإسلام: إنّه نسي غيره من المذاهب وجهل حتى لم يبق اليوم مذهب يخالفه. إلاّ أن يكون مذهب الحنابلة أتباع الإمام أبي عبد اللّه أحمد بن محمد ابن حنبل ـ رضي اللّه عنه ـ فإنّهم كانوا على ما كان عليه السلف لا يرون تأويل ما ورد من الصفات، إلى أن كان بعد السبعمائة من سني الهجرة، اشتهر بدمشق وأعمالها تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية الحراني، وتصدّى للانتصار لمذهب السلف، وبالغ في الرد على مذهب الأشاعرة، وصدع بالنكيرة عليهم وعلى الرافضة وعلى الصوفية، فافترق الناس فيه فريقان فريق يقتدي به


1 . تكملة السيف الصقيل: 190، ونقل قسماً من هذه الرسالة العزامي في الفرقان الذي طبع في مقدّمة الأسماء والصفات للبيهقي ونقله العلاّمة الأميني في غديره:5/87 ـ 89.


(328)

ويعول على أقواله ويعمل برأيه ويرى أنّه شيخ الإسلام وأجل حفاظ أهل الملّة الإسلامية، وفريق يبدعه ويضلّله ويزري عليه بإثباته الصفات وينتقد عليه مسائل منها ما له فيه سلف ومنها ما زعموا أنّه خرق فيه الإجماع ولم يكن له فيه سلف، وكانت له ولهم خطوب كثيرة وحسابه وحسابهم على اللّه الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء وله إلى وقتنا هذا عدة أتباع بالشام وقليل بمصر.(1)

الدعوة السلفية في القرن الثاني عشر

لم يتعظ الرجل من قوة ناصحه المشفق حتى أدركته المنية في سجن دمشق، ولكن كانت بذرة الضلال مدفونة في الكتب وزوايا المكتبات إلى أن ألقى الشر بجرانه، وجاء الدهر بمحمّد بن عبد الوهاب النجدي في القرن الثاني عشر(1115ـ 1206هـ) فحذا حذو ابن تيمية، وأخذ وتيرته واتبع طريقته، فأحيا ما دثره الدهر، ودعا إلى السلفية من جديد، غير أنّه اتّخذ ما أضافه ابن تيمية إلى عقائد السلف ممّا لا يرتبط بمسألة التوحيد والشرك، كالسفر إلى زيارة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ والتبرك ب آثاره، والتوسل به، وبناء القبة على قبره، قاعدة أساسية لدعوته، ولم يهتم في ت آليفه بمسألة التشبيه وإثبات الجهة والفوق.

نعم، لمّا استفحلت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نجد وقام أُمراء المنطقة (آل سعود) بترويج منهجه واستغلوه للسيطرة على الجزيرة العربية، اهتمت الوهابية بنشر ما ألّفه السلف حول البدع السابقة الموروثة من اليهود والنصارى ،فصار إثبات الصفات الخبرية كاليد والوجه والاستواء بمفهومها اللغوي مذهباً رسمياً لدعاة الوهابية، لا يجترئ عالم على مخالفته في أوساطهم.(2)


1 . الخطط المقريزية:2/358ـ 359.
2 . وقد ألّف رضا بن نعسان معطي في مكة المكرمة كتاباً حول الصفات الخبرية سماه «علاقة الإثبات والتفويض بصفات ربّ العالمين» وقدم عليه عبد العزيز بن باز رئيس إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد وأصر فيه على أنّ عقيدة السلف في هذه الصفات إبقاؤها على مفاهيمها اللغوية بلا تغيير وتصرف. وغير خفي على النبيه أنّه لا ينتج إلاّ التجسيم وإن كان الكاتب والمقرظ لا يعترفان به، ولكنّه لا ينفك عن تلك النتيجة.


(329)

وبذلك وردت الدعوة السلفية في مراحلها التاريخية المرحلة الثالثة بعد الاندراس و لمّا تمّت معاملة الدول الكبرى على الخلافة العثمانية المسيطرة على أكثر ربوع الإسلام ـ يوم ذاك ـ و أُقصيت من ساحة البلاد العربية، حلّت سيطرة آل سعود المتبنين للعقيدة الوهابية من لدن ميلادها، محلها في أرض الحجاز عموماً، والحرمين الشريفين خصوصاً. ومن جراء ذلك أخذت الدعوة الوهابية تنتشر في الأراضي المقدسة بالطابع السلفي، فصارت السلفية والوهابية وجهين لعملة واحدة، وقد استعانت السلطة السعودية بكلّ ما تملك من قوّة وقدرة إرهابية، ودراهم ودنانير ترغيبية، لنشر المنهج الوهابي، ولكلّ من ذينك الأمرين أهله ومحله. فاستعملت الأوّل في الأُميّين والرعاع من الناس، واشترت بالثاني أصحاب القلم وأرباب الجرائد والمجلات وسائر وسائل الإعلام. فصارت السلفية في هذه الأماكن رمز الإسلام الأصيل، وآية الدين الصحيح، المجرّد عن البدع اللصيقة به بعد لحوق النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بالرفيق الأعلى.

وقد استعانت هذه السلطة في تسريع الحركة الوهابية في هذا الزمان بما ظهر في المناطق الشرقية من الجزيرة من الذهب الأسود، فاستولت على زبرج الدنيا وزينتها وتمادت في غيّها وساقت كثيراً من الناس إلى معاسيف السبل ومعاميها، حتّى تأثر بتلك الحركة بعض الشبان وغيرهم خارج الجزيرة العربية.

إنّ الدعايات الخادعة، أثرت في تفكير كثير من الناس إلى حدّ تخيل لهم أنّ تجديد مجد الإسلام وبلوغ المسلمين إلى ذروة السنام لا يتم إلاّ بإحياء ما كان عليه السلف في الأُصول والفروع، ويريدون منه عهود الخلافة الراشدة والأمويين والعباسيين، فكأنّ حياتهم في تلك العصور كانت باقات زهور تفتحت في تلك القرون، فعم ريحها وريحانها أجواء الأقطار الإسلامية،


(330)

فلأجل ذلك يتطلّعون إلى تلك العهود تطلع الصائم إلى الهلال، والظامئ إلى الماء.

لكن الدعايات الخاطئة عاقتهم عن التعرف على ما في تلك العصور من النقاش والخلاف بين المسلمين وسفك الدماء وقتل الأولياء وحكومة الإرهاب والإرعاب، إلى غير ذلك من المصائب والطامات الكبرى.

ولو درسوا تاريخ السلف ـ منذ فارق النبي الأعظم المسلمين وتسنم الأمويون منصة الخلافة إلى أن انتكث فتلهم، وأجهز عليهم عملهم، وورثهم العباسيون ولم يكونوا في العمل والسيرة بأحسن حال منهم ـ لوقفوا على أنّ حياة السلف لم تكن حياة مثالية راقية، بل كانت تسودها المجازر الطاحنة الدامية، والجنايات الفظيعة التي ارتكبتها الطغمة الأموية والعباسية في حقّ الأبرياء الأولياء والعلويين من العترة الطاهرة. فلو صحّ ما في التواريخ المتواترة، لدلّ قبل كلّ شيء على أنّ السلف لم يكن بأفضل من الخلف، وأنّ الخلف لم يكن بأسوأ من السلف، ففي كلتا الفئتين رجال صالحون مثاليون كما فيهما رجال دجّالون وأُناس طالحون.

المفكّرون الإسلاميون المعاصرون والسلفية

ومن المؤسف أنّ السلفية اتخذت لنفسها في الآونة الأخيرة طابعاً حاداً وسلوكاً في غاية الجمود و التحجّر، وفي منتهى التقشف والتزمت حتى ذهب من ينحو هذا المنحى إلى تحريم كلّ ما يتصل بالحضارة ومعطياتها المباحة شرعاً، فإذا بهم يحرمون حتى التصوير الفوتوغرافي ويهاجمون الراديو و التلفزيون(1) عتواً وجهلاً.

وقد كان هذا الموقف الجامد المتحجّر، وهذا التزمت والجفاف الذي ما أنزل اللّه به من سلطان، والذي أسند ـ و للأسف ـ إلى الإسلام، وما رافقه من قوة على الآخرين ورميهم بالبدعة، والخروج على الدين بحجة عدم


1 . راجع مجلة الفرقان العدد الخامس من السنّة الأُولى وتصدرها جماعة من السلفيّين المتشدّدين.


(331)

الانقياد لمواقف السلف، وآرائهم، وراء ابتعاد جماعات كبيرة من الشباب من أبناء المسلمين عن الإسلام السهل الحنيف، وإساءة الظن به وبمؤسساته. وهذا هو ما حدا ببعض الغيارى والمتحررين من المفكّرين الإسلاميين إلى التصدّي لهذا الاتجاه الدخيل على الإسلام البعيد عن روحه النقية السمحة.

وممن انبرى لإبطال هذا المذهب وإزالة الغبار عن وجه الحقيقة الأُستاذ محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه «السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي».

حيث عمد أوّلاً إلى تفنيد زعم السلفيين المعاصرين بأنّ على المسلم أن يجمد على ما ورد عن السلف وعلى منهجهم وكأنّه مذهب إسلامي مقدس لا يجوز أن تناله يد الجرح والتعديل، ولا أن يخضع للنقاش والنقد، بل لا يجوز أن يتخطى في مقام العمل والسلوك.

حيث قال: إنّ اتّباع السلف لا يكون بالانحباس في حرفية الكلمات التي نطقوا بها أو المواقف الجزئية التي اتخذوها، لأنّهم هم أنفسهم لم يفعلوا ذلك.(1)

ثمّ قال: إنّ من الخطأ بمكان أن نعمد إلى كلمة (السلف) فنصوغ منها مصطلحاً جديداً طارئاً على تاريخ الشريعة الإسلامية والفكر الإسلامي ألا وهو (السلفية) فنجعله عنواناً مميزاً تندرج تحته فئة معينة من المسلمين تتخذ لنفسها من معنى هذا العنوان وحده، مفهوماً معيناً، وتعتمد فيه على فلسفة متميزة بحيث تغدو هذه الفئة بموجب ذلك، جماعة إسلامية جديدة في قائمة جماعات المسلمين المتكاثرة والمتعارضة بشكل مؤسف في هذا العصر، تمتاز عن بقية المسلمين بأفكارها وميولها، بل تختلف عنهم حتّى بمزاجها النفسي ومقاييسها الأخلاقيّة كما هو الواقع اليوم فعلاً.

بل إنّنا لا نعدو الحقيقة إن قلنا: إنّ اختراع هذا المصطلح بمضامينه الجديدة التي أشرنا إليها بدعة طارئة في الدين لم يعرفها السلف الصالح لهذا الأُمّة، ولا الخلف الملتزم بنهجه.(2)


1 . السلفية مرحلة زمنية: 12.
2 . المصدر نفسه: 13.


(332)

ويقول: إنّ السلف أنفسهم لم يكونوا ينظرون إلى ما يصدر عنهم من أقوال أو أعمال أو تصرفات، هذه النظرة القدسية الجامدة التي تقتضيهم أن يسمِّروها بمسامير البقاء والخلود، بل ساروا وراء ذلك مع ما تقتضيه علل الأحكام وسنة التطور في الحياة، وعوامل التقدم العلمي، ومنطق التجاوز المستمر من الصالح إلى الأصلح كما سايروا الأعراف المتطورة من عصر إلى آخر، أو المتبدلة ما بين بلدة وأُخرى ما دام ذلك كلّه منتشراً وراء أسوار النصوص الحاكمة والمهيمنة.(1)

ثمّ أشار إلى نماذج من مواقف السلف التي تطورت مع تطور الأحوال والأوضاع في شتى مجالات العلم والسلوك.

ثمّ قال: إنّ السلف أنفسهم لم يجمدوا عند حرفية أقوال صدرت منهم، كما لم يتشبّثوا بصور أعمال أو عادات ثبتوا عندها ثمّ لم يتحولوا عنها، بل الذي رأيناه في هذه النماذج اليسيرة هو نقيض ذلك تماماً، فكيف نقلّدهم في شيء لم يفعلوه، بل ساروا في طريق معاكس له...؟(2)

ثمّ ينتهي إلى القول: إنّ كلّ ما ذكرنا هنا تلخيص إجمالي للبرهان على أنّ السلفية لا تعني على كلّ حال إلاّ مرحلة زمنية مرت... فإن قصدت بها جماعة إسلامية ذات منهج معين خاص بها، يتمسّك به من شاء، ليصبح بذلك منتسباً إليها منضوياً تحت لوائها، فتلك إذن إحدى البدع المستحدثة بعد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .(3)

ثمّ لإبطال حجّية مواقف السلف على من بعدهم ما لم يستند إلى برهان يشير إلى نماذج من خلافاتهم واختلافاتهم في المواقف والآراء(4) ثمّ يقول: فلو كانت اتجاهات السلف واجتهاداتهم هذه حجّة لذاتها، لا تحتاج هي بدورها إلى برهان أو مستند يدعمها، لأنّها هي برهان نفسها، إذن لوجب أن تكون تلك


1 . نفس المصدر:14ـ 15.
2 . نفس المصدر: 18.
3 . نفس المصدر:23.
4 . نفس المصدر:23.


(333)

النظرات المتباعدة بل المتناقضة كلّها حقّاً وصواباً، ولوجب المصير دون أي تردد إلى رأي المصوبة.

وعن إمكانية طروء الخطأ على مواقف السلف يقول: إنّ اقتداءنا بالسلف لا يجوز أن يكون بواقعهم الذي عاشوه من حيث إنّهم أشخاص من البشر يجوز عليهم كلّ أنواع الخطأ والسهو والنسيان، فإنّهم من هذا الجانب بشر مثلنا لا يمتازون عن سائر المسلمين بشيء.(1)

من هنا يرى أنّ على الأُمّة إذا أرادت أن تصل إلى الحقيقة الإسلامية في مجال العقيدة والسلوك أن تتبع منهجاً في هذا المجال لا أن تكتفي بمجرّد اتباع السلف بشكل مطلق، فيقول في هذا الصدد:

إنّ الإنسان لكي يمارس الإسلام يقيناً وسلوكاً لابدّ أن يجتاز المراحل الثلاث التالية:

أ. التأكّد من صحّة النصوص الواردة والمنقولة عن فم سيدنا محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قرآناً كانت هذه النصوص أم حديثاً، بحيث ينتهي إلى يقين بأنّها موصولة النسب إليه، وليست متقوّلة عليه.

ب. الوقوف بدقة على ما تتضمنه وتعينه تلك النصوص بحيث يطمئن إلى ما يعنيه ويقصده صاحب تلك النصوص منها.

ج. عرض حصيلة تلك المعاني والمقاصد التي وقف عليها وتأكد منها، على موازين المنطق والعقل (ونعني بالمنطق هنا قواعد الدراية والمعرفة عموماً) لتمحيصها ومعرفة موقف العقل منها.(2)

وعندما شرح البند الأوّل والعلّة الموجبة له يشير إلى ما تعرض له الحديث النبوي على يد الوضّاعين والزنادقة، ويشير إلى أقسام الحديث من متواتر وصحيح وضعيف، ممّا يجعلنا نتحفظ تجاه النصوص، ولا نقدم على الأخذ بها


1 . السلفية مرحلة زمنية:55ـ56.
2 . نفس المصدر:63.


(334)

لمجرّد رواية السلف لها أو روايتها عن السلف، بل نأخذ بها بعد التمحيص والتحقيق حسب الميزان المذكور.

فيقول: فمن التزم بمقتضى هذا الميزان فهو متبع كتاب اللّه متقيد بسنة رسول اللّه، سواء أكان يعيش في عصر السلف أو جاء بعدهم، ومن لم يلتزم بمقتضاه فهو متنكب عن كتاب اللّه، تائه عن سنة رسوله عليه الصلاة والسلام وإن كان من الرعيل الأوّل، ولم يكن يفارق مجلس رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .(1)

وبعد أن يسهب في شرح تفاصيل هذا المنهج يقول: ولم نعلم أنّ في أهل هذه القرون الغابرة كلّها من قد استبدل بهذا المنهج الذي كان ولا يزال فيصل ما بين أهل الهداية والضلال، التمذهب بمذهب يسمّى السلفية بحيث يكون الانتماء إليه هو عنوان الدخول في ساحة أهل الهداية والرشاد. وعدم الانتماء إليه هو عنوان الجنوح إلى الزيغ والضلالة والابتداع.

ولقد أصغينا طويلاً ونقبنا كثيراً فلم نسمع بهذا المذهب في أيّ عصر من عصور الإسلام الغابرة، ولم يأت من يحدثنا بأنّ المسلمين في عصر ما قد انقسموا إلى فئة تسمّي نفسها السلفية وتحدد شخصيتها المذهبية هذه ب آراء محددة تنادي بها، وأخلاقية معينة تصطبغ بها، وإلى فئة أُخرى تسمى من وجهة نظر الأُولى بدعية أو ضلالية أو خلفية أو نحو ذلك، كلّ الذي سمعناه وعرفناه أنّ ميزان استقامة المسلمين على الحقّ أو جنوحهم عنه إنّما مردّه إلى اتّباع المنهج المذكور.

وهكذا، فقد مرّ التاريخ الإسلامي بقرونه الأربعة عشر دون أن نسمع عن أي من علماء وأئمّة هذه القرون أنّ برهان استقامة المسلمين على الرشد يتمثل في انتسابهم إلى مذهب يسمّى بالسلفية فإن هم لم ينتموا إليه ويصطبغوا بمميزاته وضوابطه، فأُولئك هم البدعيون الضالّون.


1 . السلفية مرحلة زمنية: 79.


(335)

إذن فمتى ظهرت هذه المذهبية التي نراها بأُمّ أعيننا اليوم والتي تستثير الخصومات والجدل في كثير من أصقاع العالم الإسلامي، بل تستثير التنافس والهرج في كثير من بقاع أوروبا حيث يقبل كثير من الأوروبيين على فهم الإسلام ويبدون رغبة في الانتساب إليه؟(1)

وبعد أن يشير إلى مبدأ ظهور هذه الكلمة (السلفية) وسبب ذلك، و كيف أنّها استخدمت في ذلك الوقت للدعوة إلى السير على خطا المسلمين الأُول في الالتزام بأصل الإسلام في مواجهة الموجة المادية الغربية التي اجتاحت البلاد الإسلامية في أوائل القرن العشرين، ولكنّها تحولت فيما بعد إلى لقب، لقب به الوهابيون مذهبهم، وهم يرون أنّهم دون غيرهم من المسلمين على حقّ، وأنّهم دون غيرهم الأُمناء على عقيدة السلف، والمعبرون عن منهجهم في فهم الإسلام وتطبيقه، وأمّا الآخرون فكفرة ضالّون.

يقول بعد كلّ هذا تحت عنوان: «التمذهب بالسلفية بدعة لم يكن من قبل»:

إذا عرف المسلم نفسه بأنّه ينتمي إلى ذلك المذهب الذي يسمّى اليوم بالسلفية، فلا ريب أنّه مبتدع...

فالسلفي اليوم، كلّ من تمسّك بقائمة من الآراء الاجتهادية المعينة ودافع عنها وسفّه الخارجين عليها ونسبهم إلى الابتداع، سواء منها ما يتعلق بالأُمور الاعتقادية، أو الأحكام الفقهية والسلوكية.(2)

ثمّ أشار الأُستاذ البوطي إلى الآثار الضارة اللاحقة بالأُمّة الإسلامية من جرّاء هذه البدعة، وما يلازمها من عصبية مقيتة ومواقف متصلّبة وعنيفة. وما أوجدت من مشاكل في الأوساط الإسلامية... وأشار ـ فيما أشار ـ إلى تهجّم السلفيين على جماعة من المسلمين المجاهدين في سبيل اللّه لا لشيء إلاّ لأنّ السلفيين لا يرتضون بعض أعمالهم المباحة شرعاً.


1 . السلفية مرحلة زمنية: 230ـ 231.
2 . نفس المصدر: 236ـ 237.


(336)

حيث قال: وفي إحدى الأصقاع النائية (1) حيث تدافع أُمّة من المسلمين الصادقين في إسلامهم عن وجودها الإسلامي وعن أوطانها وأراضيها المغتصبة، تصوّب إليهم من الجماعات السلفية سهام الاتّهام بالشرك والابتداع، لأنّهم قبوريون توسّليون(2) ثمّ تتبعها الفتاوى المؤكّدة بحرمة إغاثتهم بأيّ دعم معنوي أو عون مادي، ويقف أحد علماء تلك الأُمّة المنكوبة المجاهدة ينادي في أصحاب تلك الفتاوى والاتهامات: يا عجباً لإخوة يرموننا بالشرك مع أنّنا نقف بين يدي اللّه كلّ يوم خمس مرات نقول:(إِيّاك نعبدُ وإِيّاكَ نَسْتَعين) (3)... لكن النداء يضيع، ويتبدّد في الجهات دون أيّ متدبر أو مجيب!!(4)

ثمّ يقول: إنّ استنكار هذه الرعونات الشنيعة لا يكون إلاّ بمعالجتها، ولا تكون معالجتها إلاّ بسد الباب الذي اقتحمت منه، وإنّما الباب الذي اقتحمت منه هو الإقدام على اقتطاع جماعة من جسم الجماعة الإسلامية الواحدة، واختراع اسم مبتدع لها ثمّ تغذية روحها العصبية وأنانيّتها الجماعية بمقوّمات معينة وأساليب وأخلاقيات متميزة تدافع بها عن كيانها الذاتي، بل تتّخذ من هذا الاسم سلاحاً لمقاومة الآخرين وطعنهم دون هوادة إذا اقتضى الأمر.(5)

ثمّ يشير الأُستاذ إلى استفادة أصحاب الفكر اليساري من هذه البدعة لصالح المادية الماركسية الجدلية حيث اعتبروا هذه البدعة دليلاً على صحّة نظريتهم التاريخية في مجال التناقض والصيرورة، في غفلة من أصحاب هذه البدعة.


1 . والمراد هو إيران المسلمة وذلك عند دفاع أهلها عن وطنهم ومقدّساتهم في الحرب المفروضة عليهم من جانب الاستكبار العالمي وعملائه.
2 . نعم هذا هو ما كان يفعله السعوديون الذين يتسترون تحت غطاء السلفية فكانوا يساعدون النظام الإلحادي البعثي العراقي بالمال والسلاح والدعاية مجاهرين بذلك. وحبذا لو أنّ الأُستاذ الشهم كشف عن اسم هذه الفرقة المتجنّية على الإسلام والمسلمين،التي لم تكتف بتكفير المسلمين في إيران بل كفرت كلّ المسلمين وضلّلتهم.
3 . الفاتحة:5.
4 . السلفية مرحلة زمنية: 245.
5 . المصدر نفسه: 246.


(337)

السلفية وتدمير الآثار الإسلامية

لقد قامت «الوهابية» المفروضة على الشعب المسلم في الجزيرة العربية باسم «السلفية» بتدمير الآثار الإسلامية وقد ركزت جهودها في هذه الأيّام على محو آثار الإسلام ومعالمه وطمس كلّ أثر ديني حتى المساجد، مع أنّ مؤسس«الوهابية»، أعني: «محمد بن عبد الوهاب» ، كان يركز جهوده على هدم القبور فقط لا على هدم كلّ أثر ديني للرسول الأعظم وصحابته المنتجبين، لكنّ حلفاءه بدأوا في هذه الأيام بالقضاء على الآثار الدينية باسم تطوير البلدين: مكة والمدينة فترى كيف طمست حتى في هذه السنوات الأخيرة(1396ـ 1408هـق) عشرات من الآثار الإسلامية ومحيت معالمها تحت غطاء توسعة المسجد النبوي، أو تطوير المدينة وإعمارها، وكأنّ التطوير يتوقف على التدمير ولا يجتمع مع حفظ تلك الآثار في مكانها، ولا نشكّ نحن وكلّ متحرق على الحقّ والحقيقة أنّها مؤامرة شيطانية على الإسلام وأهله.

والعجب أنّ «السعوديين» يقومون بهذا العمل باسم الاقتداء بالسلف مع أنّ السلف في القرون السابقة فرضوا على أنفسهم رعايتها، فإنّ الحكام ـ الذين تعاقبوا على مسند الحكم في الحجاز عدا يزيد ـ فرضوا على أنفسهم حفظها ورعايتها غير أنّها في هذه الأيام، كأنّها أصبحت ملكاً صرفاً لآل سعود، وكأنّها ليست آثاراً إسلامية ولا تخص مليار مسلم فضلاً عن الأجيال اللاحقة، ولو نظر المسلم في تاريخ الآثار الإسلامية قبل استيلاء «السعوديين» عليها لوجد جميع الآثار تتمتع بأفضل عناية ورعاية من جانب السلف. فما معنى هذه السلفية التي تتبعض في مفهومها فيؤخذ منها شيء ويترك منها شيء؟! يقولون : «نؤمن ببعض ونكفر ببعض».

وفي الوقت الذي تحرص فيه الدول المتحضّرة على إحياء أمجادها وتراثها، وتتعهد بإنشاء كليات ومعاهد ومؤسسات ومتاحف لحفظ الآثار وصيانتها ـ في هذا الوقت نفسه ـ تعمد السعودية إلى القضاء على أنفس الآثار الإسلامية وأعزها على كلّ مسلم.

والعجب العجاب أنّ هؤلاء يدّمرون بيوت بني هاشم وبيت الإمام


(338)

الصادق ـ عليه السَّلام ـ ، وقبر والد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ومشهد ذي النفس الزكية، وبيت أبي أيّوب الأنصاري مضيف النبي، ولكنّهم يعتنون ب آثار اليهود في المدينة المنوّرة، فترى فيها حصن «كعب بن الأشرف» رأس اليهود الذي اغتاله بعض الصحابة بأمر النبي الأعظم محفوظاً، وقد وضعت أمامه لوحة تحمل مرسوماً ملكياً بحفظه تحت عنوان حفظ الآثار.

وليس هذا التخطيط منحصراً بحفظ تراث ذلك اليهودي بل حصون خيبر بجميع شقوقها وفروعها سجلت في ديوان الآثار التي يجب حفظها عن الاندراس، لأنّها شارة خاصة لأسلاف الحافظين لها«فاعتبروا يا أُولي الأَبصار».

فأين المسلمون الغيارى، أعني: الذين افتقدوا يوماً شعرة من رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وكانوا يحتفظون بها في مسجد من مساجد الهند فانتابتهم رجّة عظيمة، وثارت ثائرتهم حتى اضطرت الدولة العلمانية الهندية إلى بذل الجهود للعثور على تلك الشعرة، حتّى عثر عليها وأعيدت إلى مكانها.

فأين أُولئك الغيارى حتّى يروا بأُم أعينهم أنّ الآثار النبوية تدمّر، الواحد تلو الآخر وفي كلّ شهر ويوم على أيدي السلطات السعودية.

ولن تنتهي الجريمة إلى هذا الحدّ، بل ربما تتعدى إلى ما لا سمح اللّه به لهم.

ومن الملفت للنظر أنّ المفكّرين من علماء الإسلام عندما قام الوهابيون بهدم قبور أئمّة أهل البيت في البقيع(1) أعلنوا للعالم الإسلامي بأنّ الجريمة لن تتوقف عند هذا الحد، بل إنّ هدم البقيع مقدمة لهدم ومحو جميع آثار الرسالة، وفي ذلك يقول المرجع الديني الراحل (2) السيد صدر الدين العاملي:


1 . عام 1344هـ .
2 . لبى دعوة ربّه عام 1373هـ.


(339)

لعمـري إنّ فـاجعـة البقيـع * يشيـب لهولهـا فـود الرضيـع

وسوف تكون فاتحـة الرزايــا * إذا لم نصح من هذا الهجـوع

أمــا مــن مسلـم للّه يرعـى * حقوق نبيّه الهـادي الشفيـع

(وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلب يَنْقَلِبُونَ) .

الرابع: نصيحة لأعلام الحنابلة وقادتهم

اتّفق المسلمون تبعاً للذكر الحكيم على أنّ الرسالة المحمّدية رسالة عالمية أوّلاً، وخاتمية ثانياً، قال سبحانه: (قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَميعاً)(1)، وقد حملت الأُمّة الإسلامية رسالة إبلاغ الإسلام على عواتقها بعد التحاق النبي الأكرم بالرفيق الأعلى فنشروها في مشارق الأرض ومغاربها حسبما توفر لديهم من الإمكانيات، وقد وصلت النوبة في هذا العصر إلى قادة المسلمين وأئمّتهم، فيجب عليهم بث الإسلام وتعاليمه بين الناس ـشرقيّهم وغربيّهمـ في حدود الإمكانيات والوسائل الموجودة في سبيل بسط الدعوة ونشرها حتّى ينقذوا العالم من مخالب المادية ومن الحروب التي تهدد كيان الإنسانية.

وممّا لا شكّ فيه أنّ للتأثير في النفوس وجذب القلوب، عللاً وأسباباً مختلفة، أهمها كون الداعي مجهزاً بقوة المنطق والاستدلال القاطع الذي تخضع له العقول السليمة، فعند حسن الدعوة وأسلوبها،وقوّة المادة ورصانتها، ترى القلوب تهوي إليها من كلّ صوب وجانب،والناس يدخلون في دين اللّه أفواجاً، وأمّا إذا كانت الدعوة غير منسجمة مع الفطرة السليمة، فنفور الناس هو النتيجة الحتمية وتكون من قبيل«مايفسده أكثر ممّا يصلحه».

وفي ظل هذا العامل سيطرت الدعوة المحمدية ـ آن ظهورها ـ على قلوب العالم واكتسحت العراقيل الموجودة أمامها، وما ذاك إلاّ لكون الدعوة حائزة للشرائط موافقة للطباع، وإلى هذا الانسجام يشير قوله سبحانه: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّين حَنيفاً فِطْرَةَ اللّهِ الّتي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبدِيلَ لِخَلْقِ اللّهِ ذلِكَ )


1 . الأعراف:158.


(340)

الدِّينُ القَيِّمْ وَلكَّنْ أَكْثََرَ النّاسِ لا يَعْلَمُون) .(1)

فالدعوة إلى التوحيد ورفض الأصنام، وبسط العدل والقسط بين الناس، والدعوة إلى الاعتدال في ما يرجع إلى أُمور الدنيا والآخرة، وتأمين سبل الحياة، والحفاظ على الروابط العائلية و... كلّها أُصول إسلامية مطابقة للفطرة الإنسانية.

فإذا كان هذا هو الأساس لنشر الإسلام في العالم وجذب النفوس إليه، فيجب على قادة المسلمين على الإطلاق والحنابلة وأهل الحديث بالخصوص، تجريد الدعوة عن الأُمور التي تعارض الفطرة ومن التي تناطح العقل السليم، ثمّ عرض الإسلام بشكل يتجاوب مع العقول السليمة كما كانت عليه الدعوة المحمدية آن ظهورها وبعدها، وهذه الغاية المتوخاة لا تتحقّق ـ بلا مجاملة ـ إلاّبدراسة الأُصول والعقائد التي نسجت على طبق الأحاديث الموجودة في الصحاح والمسانيد من رأس والعودة إليها من جديد حتى تصفو الدعوة من الأُمور التي يشمئز منها شعور الإنسان الحر صاحب الفطرة السليمة التي بني عليها دين اللّه في عامة الشرائع السماوية.

هلمّ معي نلاحظ نماذج من الأُصول التي قامت عليها الدعوة الحنبلية المتسمّية في هذه العصور بالدعوة السلفية، ثمّ نعرضها على