welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : بحوث في الملل والنحل/ ج1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

بحوث في الملل والنحل/ ج1

بحوث
في الملل والنحل

دراسة موضوعية مقارنة للمذاهب الاسلامية

تأليف

الفقيه المحقّق
الشيخ جعفر السبحاني


(2)

(3)

(4)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله الطاهرين


(5)

مقدّمة الطبعة الأُولى

دراسة العقائد للأخذ بالموقف الحقّ

إنّ الوقوف على آراء وعقائد المذاهب المختلفة وتحليلها، ومعرفة أدلّتها من أفضل أنواع الدراسة والتحقيق، فهو السبيل الأفضل لمعرفة الرأي الأصوب، والموقف الأحقّ بالأخذ والاتّباع، وهو الأسلوب الذي سلكه القرآن الكريم في مواجهاته العقائدية مع أصحاب المذاهب والاتّجاهات الفكرية المضادة وقد حثّ عليه إذ قال تعالى: (قُلْ هاتُوا بُرْهانكُمْ) (1) أو قال: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَه) .(2)

وقد كان المسلمون هم السبّاقين إلى هذا المنهج وهذا الأسلوب من الدراسة والتحقيق، ولهذا نرى في المكتبات والدراسات الإسلامية كتباً في الفقه المقارن، والعقائد المقارنة، وغير ذلك من حقول المعرفة والثقافة.

ونظراً لأهمية هذا الأسلوب في عصرنا الحاضر طلبت مني«لجنة إدارة الحوزة العلمية» في قم المقدسة، إلقاء سلسلة محاضرات في آراء ومعتقدات الطوائف المختلفة التي شهدتها الساحة الفكرية الإسلامية في العصور اللاحقة لوفاة النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وذلك في إطار من التحليل، والمقارنة والدراسة والتقييم، فلبّيت هذا الطلب وتم بتوفيق اللّه تعالى إلقاء مجموعة من المحاضرات في هذا المجال، ليكون مقدّمة للمرحلة التخصّصية.

ثمّ حبذت لجنة الإدارة طبع ونشر هذه المحاضرات حتى يستفيد منه عامة


1 . البقرة: 111.
2 . الزّمر: 18.


(6)

طلاّب الدراسات الإسلامية، فأخرجتها في عدة أجزاء، وهذا هو الجزء الأوّل الذي يقدّم للقرّاء.

فشكراً لهذه اللجنة على اهتمامها بهذه العلوم، ووفّقها اللّه للمزيد من تقديم الخدمات الثقافية المفيدة إنّه سميع مجيب الدعاء.

هذا، والرجاء من القرّاء الكرام تزويدنا بنقدهم البنّاء حتى تكتمل هذه المباحث بإذنه تعالى.

جعفر السبحاني

قم ـ الحوزة العلمية

يوم ميلاد فاطمة الزهراء ـ عليها السَّلام ـ

20 جمادى الأُولى/1408هـ


(7)

مقدّمة الطبعة الثانية

مؤرّخ العقائد ومسؤوليته الخطيرة

التاريخ من العلوم الإنسانية التي اهتم بها البشر منذ فجر الحضارة، وقد قام إنسان كلّ عصر وجيل بضبط الحوادث التي عاصرها وعايشها أو تقدّمت عليه، بمختلف الوسائل من أبسطها إلى أعقدها حيث كان يسجل الحوادث، يوماً بالنقش على الأحجار والجدران، ويوماً بالكتابة على الجلود والعظام وجريد النخل، ويوماً بالتحرير على القراطيس والأوراق حتى وصل إلى ما وصل إليه في العصر الحاضر من وسائل الإعلام والنشر.

وقد قدّم بعمله هذا إلى الأجيال المتأخّرة كنزاً ثميناً، ورصيداً فكرياً غالياً وغنياً وتجارب ملؤها العبر والدروس، والمواعظ والنصائح التي لا يوجد نظيرها في أيّ مختبر من مختبرات العالم سوى في هذا المختبر(التاريخ).

(لَقَدْ كانَ في قصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولي الأَلْباب) .(1)

وربما يتصوّر متصوّر أنّ تسجيل التاريخ وضبط الحوادث أمر سهل لا يستدعي سوى الشعور بالوقائع، ومعرفة اللغة والكتابة، ولكنّني أعتقد ـ ككثير ممّن لهم إلمام بالمسائل التاريخية ـ أنّ كتابة التاريخ الحقيقي الصحيح الذي يمكن أن يكون مساقط العبر والاعتبار، ومهابط الوعظ والنصح، أمر مشكل جداً، لأنّ الهدف من تسجيل الحوادث، هو: إراءتها للأجيال المتأخّرة على ما هي عليه سواء أكانت الحوادث بعامّة خصوصياتها موافقة مع ميوله


1 . يوسف: 111.


(8)

ونزعاته أم لا، وسواء أكانت لصالح المؤرّخ وقومه أم لا; ومن المعلوم أنّ القيام بذلك، يتوقّف على كون المؤرّخ رجلاً موضوعياً متبنّياً للحقيقة، ومحباً لها أكثر من حبه لنفسه ونفيسه و مصالحه، و لكن هذا النمط نادر بين المؤرّخين و لا يقوم به منهم إلاّ الأمثل فالأمثل ولا يأتي بمثله الزمان إلاّ في الفينة بعد الأُخرى; ولأجل ذلك قلّ المؤرّخون الموضوعيون المنصفون، فإنّ أكثرهم يركّزون على ما يروقهم وما يلائم أهواءهم والمذهب الذي يعتنقونه،ويتركون ما سوى ذلك، وليس هذا شيئاً محتاجاً إلى البرهنة والاستدلال، بل يتّضح بالرجوع إلى ما أُلّف من التواريخ أيّام الدولتين: الأموية والعباسية، فكلّ يخدم الحكومة التي كانت تعاصره وتدر عليه الرزق، ومن ثمّ صارت التواريخ علبة المتناقضات، وما ذاك إلاّ لأنّ الكاتب لم يراع واجبه الأخلاقي والاجتماعي وقبل كلّ شيء مسؤوليته الدينية.

تاريخ العقائد وتسجيل الفرق

هذا فيما يرجع إلى مطلق التاريخ والوقائع التي يواجهها المؤرّخ في كلّ عصر ومصر سواء أكانت راجعة إلى الملوك والساسة، أو السوقة والشعوب، وأمّا تبيين عقائد الأُمم ومذاهبها التي كانت تدين أو تتمذهب بها على ما هي عليه، فذاك أمر صعب مستصعب، وأشكل من القيام بالرسالة المتقدّمة في مجال تسجيل الحوادث وضبط الوقائع، وما هذا إلاّ لأنّ المؤلّف في هاتيك المجالات ـ إلاّ ما شذّ ـ مشدود إلى نزعات دينية وعقائد قومية ترسّخت في ذهنه ونفسه وروحه،والفكرة الدينية صحيحة كانت أو باطلة من أحبّ الأشياء عند الإنسان وربما يضحّي في سبيلها بأثمن الأشياء وأغلاها.

هذا من جهة ومن جهة أُخرى: إنّ القيام بهذه المهمة في مجال تاريخ العقائد يتوقّف على تحلّي المؤرّخ بالشجاعة الأدبية والعلمية حتى يتمكّن بهما من البحث الموضوعي حول عقائد الشعوب وعرضها على ما هي عليه، والقيام بهذا الواجب عند فقدان هذين العاملين مشكل جدّاً، ومن ثمّ يتحمّل مؤرّخ العقائد مسؤولية جسيمة أمام اللّه أوّلاً، وأمام وجدانه ثانياً، وأمام الأجيال القادمة والتاريخ ثالثاً.


(9)

ومن المؤسف أنّ أكثر من قام بتدوين عقائد الملل لم يتجرّد عن أهوائه وميوله ومصالحه الشخصية وغلبت نزعاته وعواطفه الدينية وتعصّباته الباطلة على تبنّي الواقع وإراءة الحقيقة، فترى أنّ أكثرهم يكتب عقيدة نحلته بشكل مرغوب منمّق ويحاول أن يصحّح ما لا يصحّ ولو بتحريف التاريخ وإنكار المسلّمات، وأمّا إذا أراد الكتابة عن عقائد الآخرين فلا يستطيع أن يكن عداءه لها، ولهذا يحاول أن يعرضها بصورة مشوّهة، فيأتي في غضون كلامه بنسب مفتعلة وآراء مختلقة وأكاذيب جمّة نزولاً على حكم العاطفة الدينية الكاذبة، أو اعتماداً على الكتب التي لا يصحّ الاعتماد عليها، أو تساهلاً في ضبط العقائد والمذاهب، إلى غير ذلك من العوامل التي صارت سبباً لحيرة الأجيال المتأخّرة في مجال التعرّف على عقائد الأقوام والملل، وضلالها وإساءة الظن فيها.

وأخصّ من بين تلك العوامل، الاكتفاء في تبيين عقائد قوم بالرجوع إلى كتب خصومهم وأعدائهم، وهذا داء عمّ أكثر مؤرّخي العقائد والنحل، نظير من ألّف من الأشاعرة في ضبط عقائد المعتزلة، فهم يكتبون عن المعتزلة في ضوء ما وجدوه في كتاب إمام الحنابلة (أحمد بن حنبل) أو إمامهم(أبو الحسن الأشعري) فينسبون إليهم أُموراً لا تجد لها أثراً في كتبهم، بل تجد نقيضه فيها، ولأجل ذلك صارت المعتزلة مهضومة الحق.

وليست المعتزلة هي الفرقة الوحيدة التي تعرّضت لمثل هذا الهضم، بل قد تحمّلت الشيعة الإمامية القسط الأوفر من الاضطهاد والهضم، وكأنّ أصحاب المقالات والفرق اتّفقت كلمتهم على الكتابة عنهم من دون مراجعة ـولو عابرةـ إلى مصادرهم ومؤلّفاتهم، وكأنّ عرض الشيعة حلال ينهبه كلّ من استولى عليه بقلمه وبيانه، والقوم يكتبون عن الشيعة كلّ شيء وليس عندهم من الشيعة شيء سوى كتب أعدائهم وخصمائهم ومن لا يحتج به في باب القضاء والحجاج.

وها نحن نقدّم نموذجاً في هذا الباب ونشير إلى كتابين أحدهما لبعض المتقدمين والآخر لبعض المعاصرين، فنرى كيف أنّهما تساهلا في عرض عقائد الشيعة ونزلا على حكم العاطفة، ورمياها بكلّ فرية، وكأنّ الصدور مملوءة بالحقد والعداء، وإليك البيان:


(10)

الشهرستاني وكتابه «الملل والنحل»

إنّ كتاب «الملل والنحل» للمتكلّم الأشعري «أبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني»(المتوفّى سنة 548هـ) من الكتب المشهورة في هذا الباب وأكثرها تداولاً بين أترابه، ولعلّ كثيراً من أهل العلم لا يعرفون كتاباً في هذا الموضوع سواه.

ومع هذه الشهرة ترى في طيّات الكتاب نسباً مفتعلة وآراء مختلقة عندما يعرّف الشيعة، ممّا يندى له الجبين،ويخجل القلم من تحريره وتسطيره، وإليك بعض ما نسبه إليهم:

1. من خصائص الشيعة القول بالتناسخ والحلول والتشبيه.(1)

2. إنّ الإمام الهادي ـ عليه السَّلام ـ ـ عاشر الأئمّة الاثني عشر ـ توفّي بقم ومشهده هناك.(2)

3. إنّ هشام بن الحكم كان يقول: إنّ للّه جسماً ذا أبعاض في سبعة أشبار بشبر نفسه في مكان مخصوص وجهة مخصوصة.(3)

4. إنّ علياً إله واجب الطاعة(4)!!

إلى غير ذلك من النسب الكاذبة التي نسبها إلى متكلّم الشيعة ربيب بيت الإمام جعفر الصادق ـ عليه السَّلام ـ «هشام بن الحكم» وإلى نظرائه كهشام بن سالم وزرارة ابن أعين ومحمد بن النعمان ويونس بن عبدالرحمن.

هذا مع العلم بأنّ هؤلاء ـ أعاظم الشيعة ـ كانوا يقتفون أثر أئمتهم ولم يكونوا يعتنقون مبدأ إلاّ بعد عرضه عليهم، ومن المعلوم أنّ أئمّة أهل البيت


1 . الملل و النحل:1/166.
2 . نفس المصدر.
3 . الملل والنحل:1/184، وهو في هذا الافتعال تبع عبد القاهر البغدادي في «الفَرْق بين الفِرَق» ص 65، والشيخ الأشعري في «مقالات الإسلاميين»:1/102 و... والأخير هو الأساس لأكثر من كتب في الملل والنحل.
4 . الملل والنحل:1/185.


(11)

وهم دعاة التنزيه كانوا يكافحون البدع اليهودية والمسيحية والمجوسية التي كانت تدور بين أندية أهل الحديث حتى قيل: «التوحيد والعدل علويان والتجسيم والجبر أمويان».

فمن راجع كتب الشيعة وأحاديث أئمّتهم يجد أنّهم حكموا بكفر القائلين بالتناسخ والحلول والتشبيه و أُلوهية غيره سبحانه، فكيف ينسب هذا الكاتب ـ بصلف ووقاحة ـ هذه الأُمور إلى تلاميذ قرناء الكتاب وأعداله؟!!

وأعجب من ذلك أنّه يختلق للشيعة فرقاً لم تسمع بها أذن الدهر وإنّما توجد في كتب أعدائهم، فمن هشامية إلى زرارية إلى يونسية إلى... من الفرق التي لا توجد لا في كتب القصّاصين المحترفين للكذب، ولا في علب العطّارين.

والشيعة وعلماؤهم ـ و في مقدّمتهم السيد الشريف المرتضى ـ يكذّبون هذه الفرق، وقد شطبوا على وجودها بقلم عريض وهم لا يعرفونها وإنّما اختلقتها الأوهام لإسقاط الشيعة من عيون الناس.

هذا بعض ما يوجد في هذا الكتاب وأعجب منه أنّه يعرف الإمام الهاديـ عليه السَّلام ـ ـ الإمام العاشر للشيعة ـ بأنّه مدفون بقم مع أنّه دفن بسامراء يزوره القريب والبعيد، وقد دفن إلى جنبه ولده الزكي «الحسن بن علي»، والتواريخ والمعاجم طافحة بذكرهما وموضع قبرهما.(1)

هذا نموذج من زلاّت هذا المؤرّخ وهو من القدماء.

وهلمّ معي إلى نموذج آخر و هو من متأخّري القوم ومتنوّريهم، العائشين في عصر النور والأمانة التاريخية والعلمية.

النشار وكتابه «نشأة الفكر الفلسفي»

الكتاب للدكتور «علي سامي النشار» يقع في ثلاثة أجزاء أو أزيد، وقد


1 . راجع وفيات الأعيان لابن خلّكان:3/272ـ 273 وغيره.


(12)

خص الجزء الثاني من كتابه ببيان عقائد الشيعة وهو يحاول في مقدّمته أن يكتب عن عقائد الفرق بصورة محايدة، وهو يقول في مقدمة الطبعة السادسة:

ولكنّي ما زلت أرى أنّ التفسير الموضوعي المحايد هو أهمّ تفسير في دراسة الفكر عامة والفكر الإسلامي خاصة.(1)

وربما يتصوّر الإنسان أنّ لما ذكره مسحة من الحق أو لمسة من الصدق، ولكنّه عندما يسبر الكتاب ويلاحظ ما في غضونه من النسب إلى الشيعة يقف على أنّ ما ذكره في المقدّمة واجهة ستر بها كلّ ما في الكتاب من العداء المستكن وأنّه لا يريد إلاّ إبطال عقائد الشيعة ولو بالنسب الباطلة، والحقّ أنّ الدكتور النشار وضع منشاره على حياة الشيعة تاريخاً وعقيدة، ولا يرسم عن تلك الطائفة إلاّ أُموراً مشوّهة وعقائد باطلة، والكتاب يحتاج جداً إلى نظارة التنقيب، وإليك نموذجاً من نسبه المفتعلة:

1. يقول عند البحث عن الإيمان: ونلحظ أنّ في رأي «جهم» عنصراً شيعياً، فالإيمان عند الشيعة هو معرفة بالقلب فقط.(2)

2. إنّ الرجل يصر على إنكار كون علي ـ عليه السَّلام ـ رائد الفكر الفلسفي في الإسلام حتى جر عداؤه لعلي ـ عليه السَّلام ـ إلى إنكار النص الذي صدر عنه في منصرفه عن «صفين» حول القضاء والقدر وذهب إلى أنّ النص موضوع، قائلاً بأنّ الذين أرادوا أن يحاربوا أهل السنّة في الروايات التي رووها عن علي ـ عليه السَّلام ـ حول القدر، التجأوا إلى وضع هذا النص، وقد زعم أنّ جاعل هذا النص هو المعتزلة.(3)

أمّا كون علي ـ عليه السَّلام ـ رائد الفكر العقلي فنترك البحث فيه إلى آونة أُخرى ويكفينا في ذلك تراثه الوحيد: «نهج البلاغة» وأمّا كون النص مجعولاً من جانب المعتزلة فهذا ناجم من جهله بمصادر نهج البلاغة فقد رواها علماء الشيعة


1 . نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام:1/17.
2 . نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام:1/345 الطبعة السابعة، وستوافيك عقيدة الشيعة في حقيقة الإيمان عند البحث عن عقائد المرجئة، فلاحظ الجزء الثالث.
3 . نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام:1/412.


(13)

أنفسهم بلا توسيط أحد من المعتزلة، وسيوافيك بيانه في هذا الجزء عند البحث عن الرسائل الثلاث حول القدر.

والذي أوقعه في هذا الخبط والخلط لدى عرض تاريخ الشيعة وعقائدهم هو أنّه اعتمد في دراسته على كتب خصمائهم وأعدائهم من دون أن يعتمد على مصادر الشيعة المتوفرة، إلاّ قليلاً لا يكفي.

فاعتمد أوّلاً على كتاب «أبي الحسين محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الملطي»(المتوفّى عام 377هـ) باسم «التنبيه والردّعلى أهل الأهواء والبدع» نشر عام 1399هـ، والكاتب حنبلي حشوي قد حشد في كتابه شيئاً كثيراً من الأكاذيب ونسب أُصولاً إلى الصحابة والتابعين بسند مزوّر كما سيوافيك بيانه في هذا الجزء.

أفيصحّ في ميزان النصفة الكتابة عن أُمّة كبيرة يعدّون ربع المسلمين بالنقل عن كاتب حشوي وكتاب حشو؟!

والعجب أنّ الدكتور عرفه بأنّه أوّل من كتب حول الشيعة من أهل السنّة مع أنّ الإمام الأشعري أسبق منه، فقد كتب عن الشيعة في «مقالات الإسلاميين» شيئاً كثيراً، وقد توفّي الإمام عام 324هـ وعلى احتمال ضعيف 330هـ فكيف يكون الملطي أوّل من كتب حول الشيعة من أهل السنة؟!!

واعتمد ثانياً على كتاب «الفرق بين الفرق» لأبي منصور عبد القاهر البغدادي(المتوفّى عام 429هـ) ومن راجع هذا الكتاب لمس منه ـ مضافاً إلى البذاءة في اللسان ـ تعصّباً في بيان عقائد الفرق ونوقفك على نموذج من هذا، فقد قال في خلال بيان أصناف فرق السنّة والجماعة: ولم يكن بحمد اللّه ومنّه في الروافض و... إمام في الفقه ولا إمام في رواية الحديث ولا إمام في اللغة والنحو، ولا موثوق به في نقل المغازي والسير والتواريخ ولا إمام في الوعظ والتذكير ولا إمام في التأويل والتفسير، وإنّما كان أئمّة هذه العلوم على الخصوص والعموم من أهل السنّة والجماعة.(1)

وقال في موضع آخر:


1 . الفرق بين الفرق للبغدادي:ص 232 طبع دار المعرفة، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد.


(14)

يا أيّهـا الـرافضــة المبطلــة * دعواكم من أصلها مبطلة(1)

هذا أدب الرجل وسيرته في الكتاب كلّه، ونحن نمر عليه مرور الكرام ونقول: الدعوى الأُولى دعوى بلا بيّنة وبرهان وإنكار وجود الأئمّة في مجالات هذه العلوم بين الشيعة كإنكار البديهيات، ولا نطيل الكلام في ردّه بذكر أسماء أئمتهم في مختلف المجالات والأُمور، وكفانا في ذلك كتاب «تأسيس الشيعة الكرام لفنون الإسلام» تأليف السيد حسن الصدر(المتوفّى عام 1354هـ).

غير أنّي أتعجب من هذه الفرية القارصة، وكيف نفى وجود شخصيات علمية عند الشيعة مع أنّه كان معاصراً للشيخ المفيد(المتوفّى عام 413هـ) الذي يقول في حقّه اليافعي: كان عالم الشيعة وإمام الرافضة صاحب التصانيف الكثيرة، شيخهم المعروف بالمفيد وبابن المعلم أيضاً، البارع في الكلام والجدل والفقه، وكان يناظر أهل كلّ عقيدة مع الجلالة والعظمة في الدولة البويهية.(2)

ويعرّفه ابن كثير في تاريخه بقوله: كان مجلسه يحضره كثير من العلماء من سائر الطوائف.(3)

كيف يقول ذلك وبيئة بغداد تجمع بينه و بين الشريف المرتضى(المتوفّى عام 436هـ) الذي يعرّفه ابن خلّكان في تاريخه ويقول: كان إماماً في علم الكلام والأدب والشعر.(4)

وقال الثعالبي: قد انتهت الرئاسة اليوم ببغداد إلى المرتضى في المجد والشرف والعلم والأدب والفضل.(5)

واعتمد ثالثاً على كتاب «الفصل في الملل والأهواء والنحل» تأليف «ابن حزم» الأندلسي الظاهري (المتوفّى 456هـ) وكفى في التعرّف على نفسية


1 . نفس المصدر: 71.
2 . مرآة الجنان:3/28.
3 . تاريخ ابن كثير:12/15.
4 . وفيات الأعيان:3/313.
5 . تتميم يتيمة الدهر:1/53.


(15)

هذا الرجل وشذوذه أنّه صوب فعل قاتل الإمام أمير المؤمنين بحجّة أنّه كان مجتهداً متأوّلاً مثاباً في عمله هذا، وإليك نصّ عبارته:

«إنّ عبد الرحمن بن ملجم لم يقتل علياً(رضي اللّه عنه) إلاّ متأوّلاً مجتهداً مقدراً أنّه على صواب، وفي ذلك يقول«عمران بن حطان» شاعر الصفرية:

يـا ضربــة مـن تقيّ مـا أراد بهــا * إلاّليبلغ من ذي العرش رضواناً»(1)

والقارئ الكريم جد عليم بأنّه لا قيمة لهذا الاجتهاد الذي يؤدّي إلى قتل الإمام المفترض طاعته بالنصّ أوّلاً، وبإجماع الأُمّة ثانياً، ولنعم ما أجاب به معاصره القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد اللّه الشافعي فقال:

يا ضربة من شقي ما أراد بها * إلاّ ليهـدم للإسلام أركانـاً(2)

فإذا كان هذا حال المؤلّف ونفسيته ونزعاته، فكيف يكون حال من استند إلى مثله غير أنّ الجنس إلى الجنس يميل؟!!

منهجنا في دراسة المذاهب

فلأجل هذا الخبط والتخليط في أكثر كتب الملل والنحل خصوصاً في كتاب إمام الأشاعرة«مقالات الإسلاميين واختلاف المصلّين» ولا سيما في ما يرجع إلى المعتزلة والشيعة فإنّه الأساس لكلّ من كتب بعده، كـ«الفرق بين الفرق» لعبد القاهر البغدادي و «الملل والنحل» للشهرستاني وغيرهما من المتأخّرين،فقد توخّينا أن لا نعزو إلى مذهب شيئاً إلاّ بعد الوقوف عليه في كتبهم المؤلّفة بأيدي أساطينهم وأقلام علمائهم، ولا نكتب عن طائفة إلاّ بعد توفير المصادر واستحضار المنابع والرجوع إليها بدقة وإمعان.

إنّ منهجنا في دراسة المذاهب وعقائد الفرق يبتني على دعامتين:

الأُولى: تبنّي الواقع في عزو مقال إلى قوم، وذلك لما عرفت.


1 . المحلى :1/485.
2 . مروج الذهب:2/43،ولنا مع ابن حزم بحث ضاف سيوافيك في الجزء الثالث عندالبحث عن الحركات الرجعية في القرون الأُولى.


(16)

الثانية: العناية بتحليل عقائد الأُمم ونقدها، فإنّ الغالب على كتاب «الملل والنحل» هو سرد العقائد من دون نقد أو تحليل، وكأنّهم زعموا أنّ واجب المؤرّخ لا يتعدّى بيان الحوادث في التاريخ، وعرض العقائد في مجال الملل والنحل، وكأنّ إحقاق الحقّ واجب المتكلّم فقط، ونحن ضربنا عن هذا صفحاً وتوخّينا بيان الحقّ على وجه يناسب كتاب «الملل والنحل»، وهذا هو المنهج الذي مشينا عليه في أجزاء الكتاب كلّها، وهو تحقيق الموضوع الذي طرح للبحث من جانب كلّ فرقة وملة.

ولأجل ذلك أصبح الكتاب: كتاباً كلامياً أوّلاً، وتاريخياً للعقائد والمذاهب ثانياً، وموسوعة لبيان حالات رجالهم وشخصياتهم وتاريخ نشوئهم ثالثاً.

وأرجو منه سبحانه أن يوفّقنا لما فيه رضاه وأن يصوننا من الزلّة في الرأي والقول والفعل والعمل.

وأمّا الفرق التي دار حولها البحث والنقد فهي على سبيل الفهرس:

1. «أهل الحديث والحنابلة» الذين يعبّر عنهم في عصرنا هذا بـ«السلفية» حتى صارت هذه الكلمة شعاراً لهم، وكأنّ «السلف» معصوم من الزلة متحرّر من الخطأ.

2. «الأشاعرة» آراؤهم وأفكارهم وترجمة مفكّريهم ومحقّقيهم ،وإنّما قدمنا هذه الفرقة على «المعتزلة» مع أنّ الشيخ الأشعري مؤسس هذا المذهب كان معتزلياً ثمّ تاب عن الاعتزال ورجع إلى مذهب الإمام «أحمد بن حنبل» وأسّس مذهباً معتدلاً بين المذهبين ـ و إنّما قدمناه ـ لأجل الصلة القويمة بين المذهبين: «أهل الحديث» و «الأشاعرة».

3. الحركات الرجعية في القرون الأُولى كالمرجئة والجهمية والكرامية والظاهرية، وسيوافيك أنّ آراءهم وأفكارهم في هذه القرون كانت رجعية بحتة تخالف منطق العقل الذي تعتمد عليه المعتزلة، ومنطق الكتاب والسنّة الذي يعرج عليهما الحنابلة، وأمّا الذي تولى كبرها فسوف يظهر لك في ذلك الفصل.


(17)

4. «القدرية» أسلاف المعتزلة كمعبد بن عبد اللّه الجهني(المتوفّى عام 80هـ) وغيلان الدمشقي المقتول بدمشق بأمر الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك عام 105، وقد اتّهم هؤلاء بنفي القدر الوارد في الكتاب والسنّة، وقد قلنا إنّ الاتّهام في غير محله، وهؤلاء كانوا دعاة الحرية والاختيار لا نفاة القدر الذي جاء في الآثار الصحيحة. نعم كانوا يرفضون القدر السالب للاختيار الحاكم على حرية الإنسان و اختياره، بل حتى على اللّه سبحانه، وكأنّ القدر إله ثان مسلّط على كلّ شيء حتّى إرادة اللّه وفي الوقت نفسه حنق على الإنسان، فهو يدخل من يشاء الجنة، ويدخل من يشاء الجحيم بلا ملاك ولا مبرر.

5. «الماتريدية» آراؤهم ورجالهم، وهؤلاء والأشاعرة صنوان أو رضيعان يرتضعان من ثدي واحد، ولكن «الماتريدية» أقرب إلى المعتزلة من الأشاعرة، وقد وافقوا في كثير من المسائل، المعتزلة.

6. «المعتزلة» منهجهم وآراؤهم ورجالهم.

7. «الخوارج» تاريخهم وعقائدهم.

8. «الوهابية» نشوؤها ومؤسسها ومعتقداتها.

9. «الشيعة الزيدية والإسماعيلية»، ونبحث عن الباطنية في هذا الفصل.

10. «الشيعة الإمامية» الاثنا عشرية.

تلك عشرة كاملة.

و أُقدّم كتابي هذا لكلّ طالب للحقّ والحقيقة، ولكلّ متعطش للتعرّف على الواقع بين منعرجات الأهواء النفسية والانتماءات الجاهلية والتعصّبات الباطلة، ولا أشك في أنّ لفيفاً من الأُمّة سيقدّرون عملي هذا غير أنّ المتطرّفين من الطوائف الإسلامية يعدّونه تفريقاً للأُمّة وشقاً لعصاها، وكأنّهم يرون التقارب الظاهري والتصفيق في المجامع والمجالس هو روح الوحدة وسنادها، وهم في غفلة عن أنّ التعرف على المذاهب على ما هي عليه، من عوامل التقريب


(18)

وتوحيد الكلمة وعود الأخوة الإسلامية إلى المجتمع الديني، وعلى كلّ تقدير فلا أطلب رضا هؤلاء، ولا أعتمد عليه ولا أخشى سخط الآخرين ولا أخافه، ورائدي هو رضوانه تعالى لا غير.

(قُلْ إِنّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَة أَنْ تَقُومُوا للّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا) .(1)

جعفر السبحاني

قم المقدسة ـ الحوزة العلمية

1410هـ


1 . سبأ:46.


(19)

بسم الله الرحمن الرحيم

الملل والنحل في المؤلّفات الإسلامية

لقد قام ثلّة من علماء المسلمين بتدوين كتب مفصّلة أو مختصرة في هذا المضمار، فكشفوا عن مصادر الآراء ومواردها، وجمعوا واردها وشاردها، وما ألّفوه حول تبيين العقائد والنحل على أصناف نشير إليها:

أ. ما يتناول جميع الشرائع والمذاهب العالمية، إسلامية كانت أو غيرها، ومن هذا القسم:

1. «الفصل في الملل والأهواء والنحل» لإمام المذهب الظاهري، أبي محمد علي بن حزم الظاهري (المتوفّى 456هـ).

2. «الملل والنحل» لأبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني (479ـ 548هـ).

ب. ما يتناول خصوص الفرق الإسلامية، ومن هذا القسم:

1. «مقالات الإسلاميّين واختلاف المصلّين» تأليف شيخ الأشاعرة أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري(المتوفّى عام 324هـ).

2. «التنبيه والرد» لأبي الحسين محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الملطي الشافعي (المتوفّى سنة 377هـ).

3. «الفرق بين الفرق» تأليف الشيخ عبد القاهر بن طاهر بن محمد


(20)

البغدادي الإسفرائيني التميمي(المتوفّى 429هـ).

4. «التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكة» لطاهر بن محمد الإسفرائيني(المتوفّى 471هـ) المطبوع بمصر عام 1374هـ.

5. «الفرق الإسلامية» ذيل كتاب «شرح المواقف» للكرماني(المتوفّى 786هـ) وقد طبع في بغداد عام 1973م.

ج. ما يتناول خصوص مذهب من المذاهب الإسلامية، ومن هذا القسم:

1. «فرق الشيعة»، تأليف أبي محمد الحسن بن موسى النوبختي من أعلام القرن الثالث للهجرة، وقد بيّن فيه فرق أهل الإمامة.

2. «فرق الشيعة»(1) للشيخ أبي القاسم سعد بن عبد اللّه بن أبي خلف الأشعري القمي (المتوفّى 299 أو 301هـ).

وقد طبعت هذه الكتب و وزعت في العالم، وهي متاحة لكلّ من أراد معرفة هذه المذاهب والمقالات والآراء والأفكار، ولنقدّم قبل الورود في البحث أُموراً تفيد القرّاء الكرام وطلاب هذه المعرفة:

1. الملة والنحلة في اللغة

الملّة بمعنى الطريقة، والمراد هنا السنن المأخوذة والمقتبسة من الآخرين، ولأجل ذلك يضيفها القرآن إلى الرسل والأقوام إذ يقول مثلاً: (بَلْ مِلَّةَ إِبْراهيمَ حَنيفاً)(2)، و قوله: (إِنّي تَرَكْتُ مِلّةَ قَوم لا يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) (3) ولا تستعمل مضافة إلى اللّه ولا إلى آحاد أُمّة نبي بل إلى نفس النبي، ويقال ملّة إبراهيم وملّة محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ولا يقال: ملّة اللّه.

وأمّا النحلة فهي على ما في «لسان العرب» بمعنى الدعوى، والنسبة بينها وبين الدين أنّها تستعمل في الباطل كثيراً، مثل كلمة «انتحال المبطلين».


1 . كما عبر عنه النجاشي في ترجمته وربما يعبر عنه بالمقالات والفرق.
2 . البقرة:135.
3 . يوسف: 37.


(21)

والمقصود من الكلمتين في هذا العلم هو الطرق والمناهج العقائدية سواء أكانت حقّاً أم باطلاً.

2. الصلة بين علم العقائد وعلم الملل والنحل

وهناك اتّصال وثيق بين علم الكلام وعلم الملل والنحل، ووزان علم الملل والنحل بالنسبة إلى علم العقائد والكلام، وزان تاريخ العلم بالنسبة إلى العلم نفسه، نظير الفلسفة وتاريخها، فالفلسفة تطرح الموضوعات الفلسفية على بساط البحث، فتقيم برهاناً على ما تتبنّاه بينما يشرح تاريخ الفلسفة المناهج الفكرية التي نجمت في فترات مختلفة، من دون تركيز على رأي أو تبني عقيدة خاصة في كثير من الأحيان.

ومثله علم الكلام بالنسبة إلى الملل والنحل، فالأوّل يبحث عن المسائل العقائدية التي ترجع إلى المبدأ والمعاد وما يلحقهما من المباحث ويوجه عنايته إلى إثبات فكرة خاصة في موضوع معين ونقد الآراء المضادة له، ولكن الثاني يطرح المناهج الكلامية المؤسسة طيلة قرون من دون أن يتحيز إلى منهج دون منهج غالباً، وهمّه هو عرض هذه الأسّس الفكرية على روّاد الفكر والمعرفة.

وإن شئت قلت: إنّ علم الملل والنحل يتعرّض للموضوعات الكلامية المبحوث عنها في علم الكلام ويشرحها ويعرض الآراء المختلفة حولها من دون القضاء بينها، و أمّا علم الكلام فهو يتّخذ موضوعات خاصة للبحث ويبدي المؤلّف نظره الخاص فيها ويركز على رأيه بإقامة البرهان.

3. قيمة الكتب المؤلّفة في هذا المضمار

لا شكّ أنّ للكتب المؤلّفة في هذا المضمار، مكانة في الأوساط العلمية وأنّ المؤلّفين في الملل والنحل قد تحمّلوا جهوداً كثيرة في الإحاطة بالمناهج الفكرية الرائجة في الملأ العلمي خصوصاً الأوائل منهم، غير أنّه لا يمكن الاعتماد على هذه الكتب بصورة مطلقة، وذلك لأنّا نرى أنّهم يذكرون فرقاً للشيعة الإمامية لم يسمع الدهر بأسمائها كما لم يسمع ب آراء أصحابها قط.


(22)

فهذا إمام الأشاعرة يذكر للشيعة الغالية خمس عشرة فرقة، وللشيعة الإماميّة أربعاً وعشرين فرقة، وينسب إليهم القول بالتجسيم، وغير ذلك من الآراء والعقائد السخيفة، ويقسّم الزيدية إلى ست فرق، وقد أخذ عنه من جاء بعده ممّن ألّف في هذا المجال.

فإذا كان حاله وحال من نسج على منواله ـ كالبغدادي في «الفرق بين الفرق» والشهرستاني في «الملل النحل» في تلك المواضع التي نحن أعرف منهم بها ـ بهذا المنوال، فكيف حالهم فيما ينقلونه عن سائر أصحاب الشرائع من اليهود والنصارى والمجوس والبراهمة والبوذيين وغيرهم؟! ولأجل ذلك يجب أن تكون نسبة القول إلى أصحابها مقرونة بالاحتياط والتثبّت والرجوع إلى مؤلّفات نفس الفرق.

يقول المحقّق المعاصر الشيخ محمد زاهد الكوثري في تقديمه لكتاب «التبصير في الدين»: والعالم المحتاط لدينه لا ينسب إلى فرقة من الفرق ما لم يره في الكتب المردودة عليهم، الثابتة عنهم أو في كتب الثقات من أهل العلم المتثبتين في عزو الأقاويل، ولا يلزمهم إلاّ ما هو لازم قولهم لزوماً بيّناً لم يصرح قائله بالتبرّي من ذلك اللازم .(1)

وقد تصفّحنا أكثر ما كتبه أحمد بن تيمية في «المسائل الكبرى» عن الشيعة وغيرهم وفي كتابه «منهاج السنّة» عن خصوص الشيعة، فوجدناهما مليئين بالأخطاء، لو لم نقل بالكذب والوضع.

إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّه يقع الكلام في فصول:


1 . التبصير في الدين: 7.


(23)

الفصل الأوّل

افتراق الأُمّة إلى ثلاث وسبعين فرقة

روى أصحاب الصحاح والمسانيد ومؤلّفو الملل والنحل عن النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّه قال: «إنّ أُمّتي تفترق على ثلاث وسبعين فرقة» وقد اشتهر هذا الحديث بين المتكلّمين وغيرهم حتى الشعراء والأُدباء.

وتحقيق الحديث يتوقّف على البحث في جهات أربع:

1. هل الحديث نقل بسند صحيح قابل للاحتجاج به، أو لا؟

2. ما هو النصّ الصادر عن النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في هذا المجال، فإنّ نصوص الحديث في ذلك المجال مختلفة؟

3. ما هي الفرقة الناجية من هذه الفرق المختلفة، فإنّ النبي قد نصّ على نجاة فرقة واحدة، كما سيأتيك نصه؟

4. ما هي الفرق الاثنتان والسبعون التي أخبر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بنشوئها من بعده؟ وهل بلغ عدد الفرق والطوائف الإسلامية إلى هذا الحدّ؟

فإليك البحث في هذه الجهات الأربع:

أ. سند الحديث

روي الحديث المذكور في الصحاح والمسانيد بأسانيد مختلفة، و قد قام


(24)

الحافظ «عبد اللّه بن يوسف بن محمد الزيلقي المصري»(المتوفّى 762هـ) بجمع أسانيده ومتونه في كتابه: «تخريج أحاديث الكشّاف» وقد اهتم فيه بهذا الحديث سنداً ومتناً، إهتماماً بالغاً، لم يسبقه إليه غيره....

غير أنّ القضاء فيما جمعه من الأسانيد خارج عن مجال هذه الرسالة، ولأجل ذلك نبحث فيه على وجه الإجمال، فنقول:

إنّ هاهنا من لا يعتقد بصحّة الحديث منهم: ابن حزم، في كتابه: «الفصل في الأهواء والملل» قال: ذكروا حديثاً عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ «أنّ القدرية والمرجئة مجوس هذه الأُمة» وحديث آخر «تفترق هذه الأُمّة على بضع وسبعين فرقة كلّها في النار حاشا واحدة فهي في الجنة» (ثم قال:) هذان حديثان لا يصحان أصلاً من طريق الأسناد، وما كان هكذا فليس حجّة عند من يقول بخبر الواحد، فكيف من لا يقول به.(1)

وهناك من يعتقد بصحّة الاستدلال لأجل تضافر أسناده، يقول محمد محيي الدين محقّق كتاب «الفرق بين الفرق»: اعلم أنّ العلماء يختلفون في صحّة هذا الحديث، فمنهم من يقول إنّه لا يصحّ من جهة الأسناد أصلاً، لأنّه ما من إسناد روي به إلاّ وفيه ضعف، وكلّ حديث هذا شأنه لا يجوز الاستدلال به; ومنهم من اكتفى بتعدّد طرقه، و تعدد الصحابة الذين رووا هذا المعنى عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ....(2)

وقد قام الحاكم النيشابوري برواية الحديث عن سند صحيح يرتضيه الشيخان قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن سلمة العنزي (ثنا) عثمان بن سعيد الدارمي (ثنا) عمرو بن عون ووهب بن بقية الواسطيان (ثنا) خالد بن عبد اللّه، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة وافترقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أُمّتي


1 . الفصل في الأهواء والملل:1/248.
2 . الفرق بين الفرق: 7ـ 8 التعليقة.


(25)

على ثلاث وسبعين فرقة» .وهذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.(1)

وقد استدرك عليه الذهبي بأنّ في سنده «محمّد بن عمرو» ولا يحتج به منفرداً ولكن مقروناً بغيره.(2)

فإذا كان هذا حال السند الذي بذل الحاكم جهده لتصحيحه، فكيف حال سائر الأسانيد؟! وقد رواه الحاكم بأسانيد مختلفة، وقال: قد روي هذا الحديث عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص، و عمرو بن عوف المزني بإسنادين تفرّد بأحدهما عبد الرحمن بن زياد الأفريقي، والآخر كثير بن عبد اللّه المزني، ولا تقوم بهما الحجّة.(3)

هذا حال ما نقله الحاكم في مستدركه.

وأمّا ما رواه أبو داود في سننه والترمذي في سننه، وابن ماجة في صحيحه فقد قال في حقّه الشيخ محمد زاهد الكوثري: أمّا ما ورد بمعناه في صحيح ابن ماجة، وسنن البيهقي، وغيرهما ففي بعض أسانيده«عبد الرحمن بن زياد بن أنعم» وفي بعضها «كثير بن عبد اللّه» وفي بعضها «عباد بن يوسف» و «راشد بن سعد» و في بعضها «الوليد بن مسلم» و في بعضها مجاهيل كما يظهر من كتب الحديث و من تخريج الحافظ الزيلقي لأحاديث الكشاف، وهو أوسع من تكلّم في طرق هذا الحديث فيما أعلم.(4)

هذا بعض ما قيل حول سند الحديث، والذي يجبر ضعف السند هو تضافر نقله واستفاضة روايته في كتب الفريقين: الشيعة والسنّة بأسانيد مختلفة، ربما تجلب الاعتماد، وتوجب ثقة الإنسان به.


1 . المستدرك على الصحيحين:1/128، وقد رواه بسند آخر أيضاً يشتمل على محمد بن عمرو الذي لا يحتج بمفرداته، وبسند آخر أيضاً مشتمل على ضعف، وقد جعلهما الحاكم شاهدين لما صحّح من السند.
2 . التبصير في الدين: 9، المقدمة.
3 . المستدرك على الصحيحين:1/128، كتاب العلم.
4 . التبصير: 9، المقدمة .


(26)

وقد رواه من الشيعة، الصدوق في خصاله في باب السبعين وما فوق.(1) والعلاّمة المجلسي في بحاره(2)، ولعلّ هذا المقدار من النقل يكفي في صحّة الاحتجاج بالحديث.

ب. اختلاف نصوص الحديث

هذه هي الجهة الثانية التي أشرنا إليها في مطلع البحث، فنقول:

إنّ مشكلة اختلاف نصوص الحديث لا تقل إعضالاً عن مشكلة سنده، فقد تطرّق إليه الاختلاف من جهات شتى، لا يمكن معه الاعتماد على واحد منها، وإليك الإشارة إلى الاختلافات المذكورة:

1. الاختلاف في عدد الفرق

روى الحاكم عدد فرق اليهود والنصارى مردّداً بين إحدى وسبعين واثنتين وسبعين، بينما رواه عبد القاهر البغدادي بأسانيده عن أبي هريرة على وجه الجزم والقطع، وأنّ اليهود افترقت إلى إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة.

وفي الوقت نفسه روى بسند آخر افتراق بني إسرائيل على اثنتين وسبعين ملّةوقال: «ليأتين على أُمّتي ما أتى على بني إسرائيل، تفرق بنو إسرائيل على اثنتين وسبعين ملّة، وستفترق أُمّتي على ثلاث وسبعين ملّة».

ونقل بعده بسند آخر افتراق بني إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة.(3)

ويمكن الجمع بين النقلين الأخيرين بأنّ المراد من بني إسرائيل هو الأعم من اليهود والنصارى فيصحّ عدّ الفرق اثنتين وسبعين.


1 . الخصال:2/584، أبواب السبعين ومافوق، الحديث العاشر والحادي عشر.
2 . البحار:28/2ـ36.
3 . الفرق بين الفرق: 5.


(27)

نعم يحمل الأخير على خصوص اليهود من بني إسرائيل.

2. الاختلاف في عدد الهالكين والناجين

إنّ أكثر الروايات تصرّح بنجاة واحدة وهلاك الباقين. فعن البغدادي بسنده عن رسول اللّه أنّه قال: كلّهم في النار إلاّ ملّة واحدة.(1)

وروى الترمذي وابن ماجة مثل ذلك.(2)

بينما رواه شمس الدين محمد بن أحمد بن أبي بكر البشاري السياح المعروف (المتوفّى 380هـ) في كتابه«أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم» بصورة تضاده إذ قال: إنّ حديث «اثنتان وسبعون في الجنة وواحدة في النار» أصحّ إسناداً، وحديث «اثنتان وسبعون في النار وواحدة ناجية» أشهر.(3)

3. الاختلاف في تعيين الفرقة الناجية

فقد اختلف النقل في تعيين سمة الفرقة الناجية أخذاً بما يقول بأنّ جميعها في النار إلاّ واحدة.

روى الحاكم(4) و عبد القاهر البغدادي (5) وأبو داود(6) و ابن ماجة(7) بأنّ النبي قال: إلاّ واحدة وهي الجماعة، أو قال: الإسلام وجماعتهم.

وروى الترمذي(8) والشهرستاني(9) أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عرف الفرقة الناجية بقوله: ما أنا عليه اليوم وأصحابي.


1 . المصدر نفسه: 76.
2 . سنن الترمذي:5/26، كتاب الإيمان، الحديث 2641;سنن ابن ماجة:2/479، باب افتراق الأُمم.
3 . طبع الكتاب في ليدن، عام 1324 هـ الموافق لـ1906م.
4 . المستدرك على الصحيحين:1/128.
5 . الفرق بين الفرق: 7.
6 . سنن أبي داود:4/198، كتاب السنّة.
7 . سنن ابن ماجة:2/479، باب افتراق الأُمم.
8 . سنن الترمذي:5/26، كتاب الإيمان، الحديث2641.
9 . الملل والنحل : 13.


(28)

وروى الحاكم أيضاً أنّ النبي حدّد أعظم الفرق هلاكاً بقوله: «ستفترق أُمّتي على بضع وسبعين فرقة أعظمها فرقة، قوم يقيسون الأُمور برأيهم، فيحرّمون الحلال ويحلّلون الحرام» وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.(1)

وروى صاحب روضات الجنات عن كتاب «الجمع بين التفاسير» أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عرف الفرقة الناجية بقوله:«هم أنا وشيعتي».(2)

هذه الوجوه تعكس مدى الاختلاف في تحديد ملامح الفرقة الناجية.

وأمّا تحقيق القول في ذلك فسيوافيك عند البحث عن الجهة الثالثة، وهي التالية:

ج. مَن هي الفرقة الناجية؟

هذه هي الجهة الثالثة التي ينبغي الاهتمام بها حتى يستطيع الباحث من تعيين الفرقة الناجية، بها.

قال الشيخ محمد عبده: أمّا تعيين أي فرقة هي الناجية، أي التي تكون على ما كان النبي عليه وأصحابه، فلم يتعيّن إلى الآن، فإنّ كلّ طائفة ممّن يذعن لنبينا بالرسالة تجعل نفسها على ما كان عليه النبي وأصحابه.(إلى أن قال: ) وممّا يسرني ما جاء في حديث آخر أنّ الهالك منهم واحدة.(3)

أقول: ما ورد من السمات في تحديد الفرقة الناجية لا يتجاوز أهمّها عن سمتين:

أولاها: «الجماعة» وهي تارة جاءت رمزاً للنجاة، وأُخرى للهلاك، فلا يمكن الاعتماد عليها، وإليك بيان ذلك:


1 . المستدرك على الصحيحين:4/430.
2 . روضات الجنات: 508، الطبعة القديمة.
3 . تفسير المنار : 8/221ـ222.


(29)

روى ابن ماجة عن عوف بن مالك قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : افترقت اليهود... والذي نفس محمد بيده لتفترقن أُمّتي على ثلاث وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة، وثنتان وسبعون في النار. قيل: يا رسول اللّه من هم؟ قال: الجماعة.(1)

بينما نقل أنّه قال: «وإنّ هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين: ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة، وهي الجماعة»(2)، فإنّ الإتيان بضمير الجمع في الحديث الأوّل، وبضمير المفرد في الحديث الثاني يؤيد رجوع الضمير في الأوّل إلى: «اثنتان وسبعون»، ورجوع الضمير المفرد إلى «الواحدة» فتكون الجماعة تارة آية الهلاك وأُخرى آية النجاة.

أضف إلى ذلك أنّ قسماً كبيراً من النصوص لا يشتمل على هذه اللفظة، ولا يصحّ أن يقال إنّ الراوي ترك نقلها، أو نسيها، وذلك لأنّ ذكر سمة الناجي أو الهالك من الأُمور الجوهرية في هذا الحديث، فلا يمكن أن يتجاهله أو ينساه.

ومن ذلك تعلم حال ما اشتمل على لفظ«الإسلام» مع الجماعة، فإنّه لا يزيد في مقام التعريف شيئاً على المجرد منه، لوضوح أنّ الإسلام حقّ إنّما المهم معرفة المسلم الواقعي عن غيره.

ثانيتها: «ما أنا عليه وأصحابي»، أو «ما أنا عليه اليوم وأصحابي»، كون هذا آية النجاة لا يخلو عن خفاء.

أوّلاً: إنّ هذه الزيادة غير موجودة في بعض نصوص الرواية، ولا يصحّ أن يقال إنّ الراوي ترك نقلها لعدم الأهمية.

وثانياً: إنّ المعيار الوحيد للهلاك والنجاة هو شخص النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأمّا أصحابه فلا يمكن أن يكونوا معياراً للهداية والنجاة إلاّ بقدر اهتدائهم


1 . سنن ابن ماجة:2/479، باب افتراق الأُمم.
2 . سنن أبي داود:4/198 ،كتاب السنّة; المستدرك على الصحيحين:1/128.


(30)

واقتدائهم برسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وإلاّ فلو تخلّفوا عنه قليلاً أو كثيراً فلا يكون الاقتداء بهم موجباً للنجاة.

وعلى ذلك فعطف (وأصحابي) على النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لا يخلو من غرابة.

وثالثاً: إنّ المراد إمّا صحابته كلّهم، أو الأكثرية الساحقة.

فالأوّل: مفروض العدم لاختلاف الصحابة في مسالكهم ومشاربهم السياسية والدينية بعد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وأدلّ دليل على ذلك ما وقع من الخلاف في السقيفة وبعدها.

والثاني: ممّا لا يلتزم به أهل السنّة، فإنّ الأكثرية الساحقة من الصحابة خالفوا الخليفة الثالث، وقد قتله المصريون والكوفيون في مرأى ومسمع من بقية الصحابة، الذين كانوا بين مؤلّب، أو مهاجم، أو ساكت.

على أنّ حمل أصحابي على الأكثرية خلاف الظاهر، ويظن أنّ هذه الزيادة من رواة الحديث لدعم موقف الصحابة، وجعلهم المحور الوحيد الذي يدور عليه فلك الهداية بعد النبي الأعظم، والمتوقع من رسول الهداية هو أن يحدد الفرقة الناجية بسمات واضحة تستفيد منها الأجيال الآتية، فإنّ كلّ الفرق يدّعون أنّهم على ما عليه النبي بل على ما عليه أصحابه أيضاً:

وكلّ يدّعي وصلاً بليلى * وليلى لا تقر لهم بذاكـا

وأخيراً نقلنا عن الحاكم أنّه روى عن النبي قوله: «أعظمها فرقة قوم يقيسون الأُمور برأيهم» و يظن أنّ هذه الزيادة طرأت على الحديث من بعض الطوائف الإسلامية بين أهل السنّة، طعناً في أصحاب القياس، على حين أنّ القياس بمفهومه الأُصولي لم يكن أمراً معهوداً لأصحاب النبيّ حتى يكتفي النبي في تعيين الفرقة الهالكة بهذا الوصف غير المعروف في عصر صدور حديث الافتراق.

أحاديث حول مستقبل الصحابة

إنّ الأحاديث المتضافرة عن النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن مستقبل الصحابة


(31)

تصدّنا عن الأخذ بمسالكهم ومشاربهم وتمنعنا عن تصحيح ما ورد في ذيل بعض الروايات الماضية، أعني قوله: «ما أنا عليه وأصحابي» وذلك لأنّ النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يخبر عن أحوالهم بعد رحلته، وأنّهم سيحدثون في الدين أُموراً منكرة، وبدعاً محرمة وأنّهم يرتدون عن الدين ولأجل ذلك يحلأون عن الحوض ويذادون عنه، و قد روى هذه الأحاديث الشيخان(البخاري ومسلم) وغيرهما. وجمعها ابن الأثير في «جامع الأُصول» في الفصل الرابع عند البحث عن الحوض والصراط والميزان.

وإليك بعض تلك الأحاديث:

1. أخرج الشيخان عن عبد اللّه بن مسعود قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «أنا فرطكم على الحوض، وليرفعن إليّ رجال منكم حتى إذا أهويت إليهم لأناولهم اختلجوا دوني، فأقول: أي رب، أصحابي; فيقال: إنّك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك».

2. أخرج الشيخان أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي، أو قال من أُمّتي، فيحلأون عن الحوض، فأقول: يا ربّ أصحابي، فيقول: إنّه لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنّهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى».

إلى غير ذلك من الروايات البالغ عددها إلى عشرة أحاديث وفي ضوء هذه الروايات لا يمكن الحكم بعدالة كلّ صحابي لمجرّد الصحبة، للعلم بوجود الفسق والارتداد وإحداث البدع فيهم، وهذا العلم الإجمالي يصدّنا عن تعديل كلّ صحابي وتصديقه.

كما يصدنا عن القول بأنّ الأكثرية الساحقة من الصحابة إذا اتفقت على شيء يكون دليلاً على صدقه وصحته، على أنّ هذا لا يدلّ على أنّ جميع الصحابة كانوا على هذا المنوال بل كان في الصحابة الثقات العدول، والأخيار المتقون.

وقد أشبعنا الكلام حول الصحابة من حيث العدالة.(1)


1 . سيوافيك البحث عن عدالة الصحابة عند تحليل عقائد أهل الحديث في هذا الجزء.

Website Security Test