welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : بحوث في الملل والنحل/ ج1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

بحوث في الملل والنحل/ ج1
نسخة مصححة و منقحة تم اضافتها في تاريخ 2018/02/14 م

صفحه 1
   
    بحوث في الملل والنحل / ج 1
بحوث
في الملل والنحل

صفحه 2

صفحه 3
بحوث
في
الملل والنحل
دراسة موضوعيّة مقارنة للمذاهب الإسلاميّة
الجزء الأوّل
يتناول تاريخ عقائد أهل الحديث والحنابلة والسلفية
تأليف
الفقيه المحقّق
آية الله جعفر السبحاني

صفحه 4
فهرستنويسى پيش از انتشار توسط : موسسه تعليماتى وتحقيقاتى امام صادق (عليه السلام)
سبحانى تبريزى ، جعفر 1308 ـ
      بحوث في الملل والنحل / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم: مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)، 1427 ق . = 1385 .
      ج.    ISBN 964 - 357 - 230 - 7 (ج.1)
      كتابنامه
      كتاب حاضر قبلاً توسط جامعه مدرسين حوزه علميه قم منتشر شده است .
      فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
      1 ـ اسلام ـ ـ فرقه ها. الف. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
1385 3ب2س/ 236 BP    5 / 297
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم ; سـاحة الشهداء
?7745457 ـ 2925152
البريد الإلكترونيimamsadiq@gmail.com :
العنوان في شبكة المعلومات www.imamsadeq.org :
اسم الكتاب:   بحوث في الملل والنحل
الجزء :   الأوّل
المؤلــف:   آية الله جعفر السبحاني
المطبعـة:   مؤسسة الإمام الصّادق (عليه السلام)
الطبعــة:   الأُولى ـ 1427 هـ
الكمّيّـة:   1500 نسخة
الناشــر:   مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)
الإخراج الفني:   مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة

صفحه 5
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله الطاهرين.

صفحه 6

صفحه 7

مقدمة الطبعة الثالثة

لا تكفير ولا تبديع

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين وبعد :
اتّفق المسلمون تبعاً للروايات المستفيضة عن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)وأهل بيته الطاهرين(عليهم السلام)على أنّ مَن شهد بتوحيد الله تعالى ورسالة النبي الأعظم فقد دخل حظيرة الإسلام، وعصم دمه وماله وعرضه .
روى مسلم أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)دعا علياً (عليه السلام)يوم خيبر فأعطاه الراية وقال له: «أمش ولا تلتفت حتّى يفتح الله عليك». قال: فسار عليٌ شيئاً ولم يلتفت فصرخ: «يا رسول الله على ماذا أُقاتل الناس؟» قال: «قاتلهم حتّى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها وحسابهم على الله ».(1)
ومن المعلوم أنّ الإيمان برسالة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)لا ينفك عن الإيمان بيوم القيامة وحشر الناس على صعيد واحد، لتجزى كلّ نفس بما عملت.

1 . صحيح مسلم: 7 / 121، باب من فضائل علي (عليه السلام).

صفحه 8
هذا هو حدّ الإسلام وحظيرته، وعلى ذلك فالفرق الإسلامية ـ إلاّ من شذّ، كالمجسّمة والمشبّهة والنواصب ـ كلّهم داخلون في الإسلام ومحكومون بحرمة الدماء والأعراض والأموال.
وعليه يجب على الجميع أن يتمسّكوا بالوحدة الإسلامية ونبذ الخلافات والوقوف صفّاً واحداً قبال التيارات الغربية الكافرة.
ونحن نقول كما يقول شاعر الأهرام الأُستاذ محمد عبد الغني حسن:
إنّا لتجمعنا العقيدة أمّةً *** ويضمّنا دين الهدى أتباعا
ويؤلّف الإسلام بين قلوبنا *** مهما ذهبنا في الهوى أشياعا(1)
وهذا هو الإمام أبو الحسن الأشعري ينقل عنه أحمد بن زاهر السرخسي الاشعري أنّه لمّا حضرت الوفاة أبا الحسن الأشعري في داري ببغداد أمر بجمع أصحابه ثم قال: اشهدوا على أنّني لا أكفّر أحداً من أهل القبلة بذنب لأنّي رأيتهم كلّهم يشيرون إلى معبود واحد والإسلام يشملهم ويعمّهم» (2)، وتسمية كتابه المعروف حول الملل والنحل بـ «مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين» تؤكّد ما أوصى به وتعرب عن أنّ الجميع أهل ملّة واحدة.
وعلى ضوء ذلك فيجب على كلّ مسلم ينبض قلبه بضرورة حفظ الإسلام وكيانه وعزة المسلمين، أن يكافح ثقافة التكفير والتبديع الّتي رفع

1 . راجع الغدير: 8 / 9، المقدّمة.
2 . اليواقيت والجواهر للشعراني: 2 / 126 .

صفحه 9
رايتها بعض المتشددين من الحنابلة في العصر الحاضر، ويزيلوا بذلك غبار الغيظ والكراهية والأحقاد عن الأذهان والقلوب، حتّى يحلّ التسالم محلّ التخاصم، ويكون الجميع كتلة واحدة أمام الأعداء.
إنّ حركة التكفير والتبديع انطلقت من أيام ابن تيمية (المتوفّى 728 هـ) فقد كفّر بفتاواه بعض الفرق الإسلامية من دون مبرر ولا مسوّغ غير أنّ جهاد علماء مصر والشام حال دون انتشارها وتأثيرها.
وقد نقل الذهبي أنّ ابن تيمية تاب من تكفير المسلمين من الفرق المخالفة، لكنّ تفريقه بين توحيد الربوبية وتوحيد الإلوهية كاشف عن تكفيره لأكثر الفرق الإسلامية.
فإنّه فسّر توحيد الربوبية بالتوحيد في الخالقية قائلاً بأنّ هذا التوحيد أقرّ به الكفّار وانّهم كانوا مشركين في توحيد الإلوهية ـ أي العبادة ـ فالمتوسّلون بالنبي والصالحين ناقضين لتوحيد الإلوهية وإن كانواموحّدين في الربوبية، وبذلك كفّر الفرق المخالفة له.
والقارئ الكريم إذا قرأ الجزء الرابع من هذه الموسوعة يقف على أخطائه .
وقد أحيا محمد بن عبد الوهاب النجدي (المتوفّى 1206 هـ) ما اندثر من أفكار ابن تيمية ، فكفّر كثيراً من الفرق بحجة الدفاع عن التوحيد، وقد ألّف في ذلك كتابه المعروف بـ «كشف الشبهات» حتّى صار التكفير والتبديع شعارهم حتّى اليوم، فلا تجد في كتبهم المنتشرة سوى هذا الشعار دون أن يحدّوا التوحيد والبدعة بتعريف منطقي جامع ومانع.

صفحه 10
ومع الاعتراف بضرورة تعزيز الوحدة الإسلامية وتماسك القوى، لكنّ هذا لا يمنع عن البحث العلمي والنقاش المنطقي في ضوء الكتاب والسنّة مع مراعاة أدب الحوار والأخلاق الإسلامية في البحث حتّى يتجلّى الحق بأجلى مظاهره، ويكون ذلك ذريعة للوحدة وتضييق شقّة الاختلاف والفرقة .
وهذا هو المنهج الّذي سلكته في كتابي هذا، الموسوم بـ «بحوث في الملل والنحل» وقد بذلت في تأليفه جهوداً مضنية استوفت من عمري شطره الأعزّ، ولا يقف على مدى ما عانيت في تأليفه وترصيفه إلاّ من له إلمام بهذا النوع من التحقيق والتنقيب.
هذا وقد طبع الكتاب عدّة مرّات ونعيد طبعه هذه المرة بعد تنقيحه ومراجعته وإضافة بعض البحوث الجديدة وتنظيم مطالبه، ليخرج بحلّة جديدة وأُسلوب حديث، عسى أن يقع موقع القبول لدى المحقّقين البارعين الملمين بالعقائد والمقالات، ورواد هذا العلم .
والله ولي التوفيق
جعفر السبحاني
قم ; مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
27 محرم الحرام
من شهور عام 1427 هـ

صفحه 11

مقدّمة الطبعة الثانية

مؤرّخ العقائد ومسؤوليته الخطيرة

التاريخ من العلوم الإنسانية التي اهتمّ بها البشر منذ فجر الحضارة، وقد قام إنسان كلّ عصر وجيل بضبط الحوادث التي عاصرها وعايشها أو تقدّمت عليه، بمختلف الوسائل من أبسطها إلى أعقدها حيث كان يسجّل الحوادث، يوماً بالنقش على الأحجار والجدران، ويوماً بالكتابة على الجلود والعظام وجريد النخل، ويوماً بالتحرير على القراطيس والأوراق حتى وصل إلى ما وصل إليه في العصر الحاضر من وسائل الإعلام والنشر.
وقد قدّم بعمله هذا إلى الأجيال المتأخّرة كنزاً ثميناً، ورصيداً فكرياً غالياً وغنياً وتجارب ملؤها العبر والدروس، والمواعظ والنصائح التي لا يوجد نظيرها في أيّ مختبر من مختبرات العالم سوى في هذا المختبر (التاريخ).
(لَقَدْ كانَ في قصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولي الأَلْباب) .(1)
وربّما يتصوّر متصوّر أنّ تسجيل التاريخ وضبط الحوادث أمر سهل لا يستدعي سوى الشعور بالوقائع، ومعرفة اللغة والكتابة، ولكنّني أعتقد ـ

1 . يوسف: 111.

صفحه 12
ككثير ممّن لهم إلمام بالمسائل التاريخية ـ أنّ كتابة التاريخ الحقيقي الصحيح الذي يمكن أن يكون مساقط العبر والاعتبار، ومهابط الوعظ والنصح، أمر مشكل جداً، لأنّ الهدف من تسجيل الحوادث، هو: إراءتها للأجيال المتأخّرة على ما هي عليه سواء أكانت الحوادث بعامّة خصوصياتها موافقة مع ميوله ونزعاته أم لا، وسواء أكانت لصالح المؤرّخ وقومه أم لا; ومن المعلوم أنّ القيام بذلك، يتوقّف على كون المؤرّخ رجلاً موضوعياً متبنّياً للحقيقة، ومحباً لها أكثر من حبه لنفسه ونفيسه و مصالحه، و لكن هذا النمط نادر بين المؤرّخين و لا يقوم به منهم إلاّ الأمثل فالأمثل، ولا يأتي بمثله الزمان إلاّ في الفينة بعد الأُخرى; ولأجل ذلك قلّ المؤرّخون الموضوعيون المنصفون، فإنّ أكثرهم يركّزون على ما يروقهم وما يلائم أهواءهم والمذهب الذي يعتنقونه،ويتركون ما سوى ذلك، وليس هذا شيئاً محتاجاً إلى البرهنة والاستدلال، بل يتّضح بالرجوع إلى ما أُلّف من التواريخ أيّام الدولتين: الأموية والعباسية، فكلّ يخدم الحكومة التي كانت تعاصره وتدر عليه الرزق، ومن ثمّ صارت التواريخ علبة المتناقضات، وما ذاك إلاّ لأنّ الكاتب لم يراع واجبه الأخلاقي والاجتماعي وقبل كلّ شيء مسؤوليته الدينية.

تاريخ العقائد وتسجيل الفرق

هذا فيما يرجع إلى مطلق التاريخ والوقائع التي يواجهها المؤرّخ في كلّ عصر ومصر سواء أكانت راجعة إلى الملوك والساسة، أو السوقة

صفحه 13
والشعوب، وأمّا تبيين عقائد الأُمم ومذاهبها التي كانت تدين أو تتمذهب بها على ما هي عليه، فذاك أمر صعب مستصعب، وأشكل من القيام بالرسالة المتقدّمة في مجال تسجيل الحوادث وضبط الوقائع، وما هذا إلاّ لأنّ المؤلّف في هاتيك المجالات ـ إلاّ ما شذّ ـ مشدود إلى نزعات دينية وعقائد قومية ترسّخت في ذهنه ونفسه وروحه، والفكرة الدينية صحيحة كانت أو باطلة من أحبّ الأشياء عند الإنسان وربما يضحّي في سبيلها بأثمن الأشياء وأغلاها.
هذا من جهة ومن جهة أُخرى: إنّ القيام بهذه المهمة في مجال تاريخ العقائد يتوقّف على تحلّي المؤرّخ بالشجاعة الأدبية والعلمية حتى يتمكّن بهما من البحث الموضوعي حول عقائد الشعوب وعرضها على ما هي عليه، والقيام بهذا الواجب عند فقدان هذين العاملين مشكل جدّاً، ومن ثمّ يتحمّل مؤرّخ العقائد مسؤولية جسيمة أمام الله أوّلاً، وأمام وجدانه ثانياً، وأمام الأجيال القادمة والتاريخ ثالثاً.
ومن المؤسف أنّ أكثر من قام بتدوين عقائد الملل لم يتجرّد عن أهوائه وميوله ومصالحه الشخصية، وغلبت نزعاته وعواطفه الدينية وتعصّباته الباطلة على تبنّي الواقع وإراءة الحقيقة، فترى أنّ أكثرهم يكتب عقيدة نحلته بشكل مرغوب منمّق ويحاول أن يصحّح ما لا يصحّ ولو بتحريف التاريخ وإنكار المسلّمات، وأمّا إذا أراد الكتابة عن عقائد الآخرين فلا يستطيع أن يكن عداءه لها، ولهذا يحاول أن يعرضها بصورة مشوّهة، فيأتي في غضون كلامه بنسب مفتعلة وآراء مختلقة وأكاذيب جمّة نزولاً

صفحه 14
على حكم العاطفة الدينية الكاذبة، أو اعتماداً على الكتب التي لا يصحّ الاعتماد عليها، أو تساهلاً في ضبط العقائد والمذاهب، إلى غير ذلك من العوامل التي صارت سبباً لحيرة الأجيال المتأخّرة في مجال التعرّف على عقائد الأقوام والملل، وضلالها وإساءة الظن فيها.
وأخصّ من بين تلك العوامل، الاكتفاء في تبيين عقائد قوم بالرجوع إلى كتب خصومهم وأعدائهم، وهذا داء عمّ أكثر مؤرّخي العقائد والنحل، نظير من ألّف من الأشاعرة في ضبط عقائد المعتزلة، فهم يكتبون عن المعتزلة في ضوء ما وجدوه في كتاب إمام الحنابلة (أحمد بن حنبل) أو إمامهم(أبو الحسن الأشعري) فينسبون إليهم أُموراً لا تجد لها أثراً في كتبهم، بل تجد نقيضه فيها، ولأجل ذلك صارت المعتزلة مهضومة الحق.
وليست المعتزلة هي الفرقة الوحيدة التي تعرّضت لمثل هذا الهضم، بل قد تحمّلت الشيعة الإمامية القسط الأوفر من الاضطهاد والهضم، وكأنّ أصحاب المقالات والفرق اتّفقت كلمتهم على الكتابة عنهم من دون مراجعة ـ ولو عابرة ـ إلى مصادرهم ومؤلّفاتهم، وكأنّ عرض الشيعة حلال ينهبه كلّ مَن استولى عليه بقلمه وبيانه، والقوم يكتبون عن الشيعة كلّ شيء، وليس عندهم من الشيعة شيء سوى كتب أعدائهم وخصمائهم ومن لا يحتج به في باب القضاء والحجاج.
وها نحن نقدّم نموذجاً في هذا الباب ونشير إلى كتابين
أحدهما لبعض المتقدّمين والآخر لبعض المعاصرين، فنرى كيف
أنّهما تساهلا في عرض عقائد الشيعة ونزلا على حكم العاطفة، ورمياها

صفحه 15
بكلّ فرية، وكأنّ الصدور مملوءة بالحقد والعداء، وإليك البيان:

الشهرستاني وكتابه «الملل والنحل»

إنّ كتاب «الملل والنحل» للمتكلّم الأشعري «أبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني» (المتوفّى سنة 548 هـ) من الكتب المشهورة في هذا الباب وأكثرها تداولاً بين أترابه، ولعلّ كثيراً من أهل العلم لا يعرفون كتاباً في هذا الموضوع سواه.
ومع هذه الشهرة ترى في طيّات الكتاب نسباً مفتعلة وآراء مختلقة عندما يعرّف الشيعة، ممّا يندى له الجبين،ويخجل القلم من تحريره وتسطيره، وإليك بعض ما نسبه إليهم:
1. من خصائص الشيعة القول بالتناسخ والحلول والتشبيه.(1)
2. إنّ الإمام الهادي (عليه السلام) ـ عاشر الأئمّة الاثني عشر ـ توفّي بقم ومشهده هناك.(2)
3. إنّ هشام بن الحكم كان يقول: إنّ لله جسماً ذا أبعاض في سبعة أشبار بشبر نفسه في مكان مخصوص وجهة مخصوصة.(3)

1 . الملل والنحل: 1 / 166.
2 . نفس المصدر.
3 . الملل والنحل: 1 / 184، وهو في هذا الافتعال تبع عبد القاهر البغدادي في «الفَرْق بين الفِرَق» ص 65، والشيخ الأشعري في «مقالات الإسلاميين»: 1 / 102 و... والأخير هو الأساس لأكثر من كتب في الملل والنحل.

صفحه 16
4. إنّ علياً إله واجب الطاعة(1)!!
إلى غير ذلك من النسب الكاذبة التي نسبها إلى متكلّم الشيعة ربيب بيت الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) «هشام بن الحكم»، وإلى نظرائه كهشام بن سالم وزرارة ابن أعين ومحمد بن النعمان ويونس بن عبدالرحمن.
هذا مع العلم بأنّ هؤلاء ـ أعاظم الشيعة ـ كانوا يقتفون أثر أئمتهم ولم يكونوا يعتنقون مبدأ إلاّ بعد عرضه عليهم، ومن المعلوم أنّ أئمّة أهل البيت وهم دعاة التنزيه كانوا يكافحون البدع اليهودية والمسيحية والمجوسية التي كانت تدور بين أندية أهل الحديث حتى قيل: «التوحيد والعدل علويان، والتجسيم والجبر أمويان».
فمن راجع كتب الشيعة وأحاديث أئمّتهم يجد أنّهم حكموا بكفر القائلين بالتناسخ والحلول والتشبيه و أُلوهية غيره سبحانه، فكيف ينسب هذا الكاتب ـ بصلف ووقاحة ـ هذه الأُمور إلى تلاميذ قرناء الكتاب وأعداله؟!!
وأعجب من ذلك أنّه يختلق للشيعة فرقاً لم تسمع بها أذن الدهر وإنّما توجد في كتب أعدائهم، فمن هشامية إلى زرارية إلى يونسية إلى... من الفرق التي لا توجد لا في كتب القصّاصين المحترفين للكذب، ولا في علب العطّارين.
والشيعة وعلماؤهم ـ و في مقدّمتهم السيد الشريف المرتضى ـ يكذّبون هذه الفرق، وقد شطبوا على وجودها بقلم عريض وهم لا يعرفونها

1 . الملل والنحل: 1 / 185.

صفحه 17
وإنّما اختلقتها الأوهام لإسقاط الشيعة من عيون الناس.
هذا بعض ما يوجد في هذا الكتاب وأعجب منه أنّه يعرف الإمام الهادي(عليه السلام) ـ الإمام العاشر للشيعة ـ بأنّه مدفون بقم مع أنّه دفن بسامراء يزوره القريب والبعيد، وقد دفن إلى جنبه ولده الزكي «الحسن بن علي»، والتواريخ والمعاجم طافحة بذكرهما وموضع قبرهما.(1)
هذا نموذج من زلاّت هذا المؤرّخ وهو من القدماء.
وهلمّ معي إلى نموذج آخر و هو من متأخّري القوم ومتنوّريهم، العائشين في عصر النور والأمانة التاريخية والعلمية.

النشار وكتابه «نشأة الفكر الفلسفي»

الكتاب للدكتور «علي سامي النشار» يقع في ثلاثة أجزاء ، وقد خص الجزء الثاني من كتابه ببيان عقائد الشيعة وهو يحاول في مقدّمته أن يكتب عن عقائد الفرق بصورة محايدة، وهو يقول في مقدمة الطبعة السادسة:
ولكنّي ما زلت أرى أنّ التفسير الموضوعي المحايد هو أهمّ تفسير في دراسة الفكر عامة والفكر الإسلامي خاصة.(2)
وربّما يتصوّر الإنسان أنّ لما ذكره مسحة من الحق أو لمسة من الصدق، ولكنّه عندما يسبر الكتاب ويلاحظ ما في غضونه من النسب إلى الشيعة يقف على أنّ ما ذكره في المقدّمة واجهة ستر بها كلّ ما في الكتاب

1 . راجع وفيات الأعيان لابن خلّكان: 3 / 272 ـ 273 وغيره.
2 . نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام: 1 / 17.

صفحه 18
من العداء المستكن وأنّه لا يريد إلاّ إبطال عقائد الشيعة ولو بالنسب الباطلة، والحقّ أنّ الدكتور النشار وضع منشاره على حياة الشيعة تاريخاً وعقيدة، ولا يرسم عن تلك الطائفة إلاّ أُموراً مشوّهة وعقائد باطلة، والكتاب يحتاج جداً إلى نظارة التنقيب، وإليك نموذجاً من نسبه المفتعلة:
1. يقول عند البحث عن الإيمان: ونلحظ أنّ في رأي «جهم» عنصراً شيعياً، فالإيمان عند الشيعة هو معرفة بالقلب فقط.(1)
2. إنّ الرجل يصر على إنكار كون علي (عليه السلام) رائد الفكر الفلسفي في الإسلام حتى جر عداؤه لعلي (عليه السلام) إلى إنكار النص الذي صدر عنه في منصرفه عن «صفين» حول القضاء والقدر وذهب إلى أنّ النص موضوع، قائلاً بأنّ الذين أرادوا أن يحاربوا أهل السنّة في الروايات التي رووها عن علي (عليه السلام) حول القدر، التجأوا إلى وضع هذا النص، وقد زعم أنّ هذا النص هو من جعل المعتزلة.(2)
أمّا كون علي (عليه السلام) رائد الفكر العقلي فنترك البحث فيه إلى آونة أُخرى، ويكفينا في ذلك تراثه الوحيد: «نهج البلاغة» وأمّا كون النص مجعولاً من جانب المعتزلة فهذا ناجم من جهله بمصادر نهج البلاغة، فقد رواها علماء الشيعة أنفسهم بلا توسيط أحد من المعتزلة، وسيوافيك بيانه في هذا الجزء عند البحث عن الرسائل الثلاث حول القدر.

1 . نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام: 1 / 345، الطبعة السابعة. وستوافيك عقيدة الشيعة في حقيقة الإيمان عند البحث عن عقائد المرجئة، فلاحظ الجزء الثالث.
2 . نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام: 1 / 412.

صفحه 19
والذي أوقعه في هذا الخبط والخلط لدى عرض تاريخ الشيعة وعقائدهم هو أنّه اعتمد في دراسته على كتب خصمائهم وأعدائهم من دون أن يعتمد على مصادر الشيعة المتوفرة، إلاّ قليلاً لا يكفي.
فاعتمد أوّلاً على كتاب «أبي الحسين محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الملطي» (المتوفّى عام 377 هـ) باسم «التنبيه والردّعلى أهل الأهواء والبدع» نشر عام 1399 هـ ، والكاتب حنبلي حشوي قد حشد في كتابه شيئاً كثيراً من الأكاذيب ونسب أُصولاً إلى الصحابة والتابعين بسند مزوّر كما سيوافيك بيانه في هذا الجزء.
أفيصحّ في ميزان النصفة الكتابة عن أُمّة كبيرة يعدّون ربع المسلمين بالنقل عن كاتب حشوي وكتاب حشو؟!
والعجب أنّ الدكتور عرفه بأنّه أوّل من كتب حول الشيعة من أهل السنّة مع أنّ الإمام الأشعري أسبق منه، فقد كتب عن الشيعة في «مقالات الإسلاميين» شيئاً كثيراً، وقد توفّي الإمام عام 324 هـ وعلى احتمال ضعيف 330 هـ ، فكيف يكون الملطي أوّل من كتب حول الشيعة من أهل السنّة؟!!
واعتمد ثانياً على كتاب «الفرق بين الفرق» لأبي منصور عبد القاهر البغدادي (المتوفّى عام 429 هـ) ومن راجع هذا الكتاب لمس منه ـ مضافاً إلى البذاءة في اللسان ـ تعصّباً في بيان عقائد الفرق ونوقفك على نموذج من هذا، فقد قال في خلال بيان أصناف فرق السنّة والجماعة: ولم يكن بحمد الله ومنّه في الروافض قط إمام في الفقه، ولا إمام في رواية الحديث،

صفحه 20
ولا إمام في اللغة والنحو، ولا موثوق به في نقل المغازي والسير والتواريخ، ولا إمام في الوعظ والتذكير، ولا إمام في التأويل والتفسير، وإنّما كان أئمّة هذه العلوم على الخصوص والعموم من أهل السنّة والجماعة.(1)
وقال في موضع آخر:
يا أيّها الرافضة المبطلة *** دعواكم من أصلها مبطلة(2)
هذا أدب الرجل وسيرته في الكتاب كلّه، ونحن نمر عليه مرور الكرام ونقول: الدعوى الأُولى دعوى بلا بيّنة وبرهان وإنكار وجود الأئمّة في مجالات هذه العلوم بين الشيعة كإنكار البديهيات، ولا نطيل الكلام في ردّه بذكر أسماء أئمتهم في مختلف المجالات والأُمور، وكفانا في ذلك كتاب «تأسيس الشيعة الكرام لفنون الإسلام» تأليف السيد حسن الصدر (المتوفّى 1354 هـ).
غير أنّي أتعجب من هذه الفرية القارصة، وكيف نفى وجود شخصيات علمية عند الشيعة مع أنّه كان معاصراً للشيخ المفيد (المتوفّى 413 هـ) الذي يقول في حقّه اليافعي: كان عالم الشيعة وإمام الرافضة صاحب التصانيف الكثيرة، شيخهم المعروف بالمفيد وبابن المعلم أيضاً، البارع في الكلام والجدل والفقه، وكان يناظر أهل كلّ عقيدة مع الجلالة والعظمة في الدولة البويهية.(3)

1 . الفرق بين الفرق للبغدادي: 232 طبع دار المعرفة، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد.
2 . نفس المصدر: 71.
3 . مرآة الجنان: 3 / 28.

صفحه 21
ويعرّفه ابن كثير في تاريخه بقوله: كان مجلسه يحضره كثير من العلماء من سائر الطوائف.(1)
كيف يقول ذلك وبيئة بغداد تجمع بينه و بين الشريف المرتضى (المتوفّى 436 هـ) الذي يعرّفه ابن خلّكان في تاريخه ويقول: كان إماماً في علم الكلام والأدب والشعر.(2)
وقال الثعالبي: قد انتهت الرئاسة اليوم ببغداد إلى المرتضى في المجد والشرف والعلم والأدب والفضل.(2)
واعتمد ثالثاً على كتاب «الفصل في الملل والأهواء والنحل» تأليف «ابن حزم» الأندلسي الظاهري (المتوفّى 456 هـ) وكفى في التعرّف على نفسية هذا الرجل وشذوذه أنّه صوب فعل قاتل الإمام أمير المؤمنين بحجّة أنّه كان مجتهداً متأوّلاً مثاباً في عمله هذا، وإليك نصّ عبارته:
«إنّ عبد الرحمن بن ملجم لم يقتل علياً(رضي الله عنه) إلاّ متأوّلاً مجتهداً مقدراً أنّه على صواب، وفي ذلك يقول«عمران بن حطان» شاعر الصفرية:
يا ضربة من تقيّ ما أراد بها *** إلاّ ليبلغ من ذي العرش رضواناً»(4)
والقارئ الكريم جد عليم بأنّه لا قيمة لهذا الاجتهاد الذي يؤدّي إلى قتل الإمام المفترض طاعته بالنصّ أوّلاً، وبإجماع الأُمّة ثانياً، ولنعم ما أجاب

1 . تاريخ ابن كثير: 12 / 15.         2 . وفيات الأعيان: 3 / 313.
2 . تتميم يتيمة الدهر: 1 / 53.         4 . المحلى: 1 / 485.

صفحه 22
به معاصره القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله الشافعي فقال:
يا ضربة من شقي ما أراد بها *** إلاّ ليهدم للإسلام أركاناً(1)
فإذا كان هذا حال المؤلّف ونفسيته ونزعاته، فكيف يكون حال من استند إلى مثله غير أنّ الجنس إلى الجنس يميل؟!!

منهجنا في دراسة المذاهب

فلأجل هذا الخبط والتخليط في أكثر كتب الملل والنحل خصوصاً في كتاب إمام الأشاعرة«مقالات الإسلاميين واختلاف المصلّين» ولا سيما في ما يرجع إلى المعتزلة والشيعة فإنّه الأساس لكلّ من كتب بعده، كـ«الفرق بين الفرق» لعبد القاهر البغدادي، و «الملل والنحل» للشهرستاني وغيرهما من المتأخّرين، فقد توخّينا أن لا نعزو إلى مذهب شيئاً إلاّ بعد الوقوف عليه في كتبهم المؤلّفة بأيدي أساطينهم وأقلام علمائهم، ولا نكتب عن طائفة إلاّ بعد توفير المصادر واستحضار المنابع والرجوع إليها بدقة وإمعان.
إنّ منهجنا في دراسة المذاهب وعقائد الفرق يبتني على دعامتين:
الأُولى: تبنّي الواقع في عزو مقال إلى قوم، وذلك لما عرفت.
الثانية: العناية بتحليل عقائد الأُمم ونقدها، فإنّ الغالب على كتاب «الملل والنحل» هو سرد العقائد من دون نقد أو تحليل، وكأنّهم زعموا أنّ

1 . مروج الذهب: 2 / 43. ولنا مع ابن حزم بحث ضاف سيوافيك في الجزء الثالث عندالبحث عن الحركات الرجعية في القرون الأُولى.

صفحه 23
واجب المؤرّخ لا يتعدّى بيان الحوادث في التاريخ، وعرض العقائد في مجال الملل والنحل، وكأنّ إحقاق الحقّ واجب المتكلّم فقط، ونحن ضربنا عن هذا صفحاً وتوخّينا بيان الحقّ على وجه يناسب كتاب «الملل والنحل»، وهذا هو المنهج الذي مشينا عليه في أجزاء الكتاب كلّها، وهو تحقيق الموضوع الذي طرح للبحث من جانب كلّ فرقة وملة.
ولأجل ذلك أصبح الكتاب: كتاباً كلامياً أوّلاً، وتاريخياً للعقائد والمذاهب ثانياً، وموسوعة لبيان حالات رجالهم وشخصياتهم وتاريخ نشوئهم ثالثاً.
وأرجو منه سبحانه أن يوفّقنا لما فيه رضاه وأن يصوننا من الزلّة في الرأي والقول والفعل والعمل.
وأمّا الفرق التي دار حولها البحث والنقد فهي :
1. «أهل الحديث والحنابلة» الذين يعبّر عنهم في عصرنا هذا بـ«السلفية» حتى صارت هذه الكلمة شعاراً لهم، وكأنّ «السلف» معصوم من الزلة متحرّر من الخطأ.
2. «الأشاعرة» آراؤهم وأفكارهم وترجمة مفكّريهم ومحقّقيهم، وإنّما قدمنا هذه الفرقة على «المعتزلة» مع أنّ الشيخ الأشعري مؤسس هذا المذهب كان معتزلياً ثمّ تاب عن الاعتزال ورجع إلى مذهب الإمام «أحمد بن حنبل» وأسّس مذهباً معتدلاً بين المذهبين ، وإنّما قدّمناه لأجل الصلة القويمة بين المذهبين: «أهل الحديث» و «الأشاعرة».

صفحه 24
3. الحركات الرجعية في القرون الأُولى كالمرجئة والجهمية والكرامية والظاهرية، وسيوافيك أنّ آراءهم وأفكارهم في هذه القرون كانت رجعية بحتة تخالف منطق العقل الذي تعتمد عليه المعتزلة، ومنطق الكتاب والسنّة الذي يعرج عليهما الحنابلة، وأمّا الذي تولى كبرها فسوف يظهر لك في ذلك الفصل.
4. «القدرية» أسلاف المعتزلة كمعبد بن عبد الله الجهني (المتوفّى 80 هـ)، وغيلان الدمشقي المقتول بدمشق بأمر الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك عام 105 هـ ، وقد اتّهم هؤلاء بنفي القدر الوارد في الكتاب والسنّة، وقد قلنا: إنّ الاتّهام في غير محله، وهؤلاء كانوا دعاة الحرية والاختيار لا نفاة القدر الذي جاء في الآثار الصحيحة. نعم كانوا يرفضون القدر السالب للاختيار الحاكم على حرية الإنسان و اختياره، بل حتى على الله سبحانه، وكأنّ القدر إله ثان مسلّط على كلّ شيء حتّى إرادة الله وفي الوقت نفسه حنق على الإنسان، فهو يدخل من يشاء الجنة، ويدخل من يشاء الجحيم بلا ملاك ولا مبرر.
5. «الماتريدية» آراؤهم ورجالهم، وهؤلاء والأشاعرة صنوان أو رضيعان يرتضعان من ثدي واحد، ولكن «الماتريدية» أقرب إلى المعتزلة من الأشاعرة، وقد وافقوا المعتزلة في كثير من المسائل .
6. «المعتزلة» منهجهم وآراؤهم ورجالهم.
7. «الوهابية» نشوؤها ومؤسسها ومعتقداتها.
8 . «الخوارج» تاريخهم وعقائدهم.

صفحه 25
9. «الشيعة الزيدية والإسماعيلية»، ونبحث فيه عن الباطنية .
10. «الشيعة الإمامية» الاثنا عشرية.
تلك عشرة كاملة.
و أُقدّم كتابي هذا لكلّ طالب للحقّ والحقيقة، ولكلّ متعطش للتعرّف على الواقع بين منعرجات الأهواء النفسية والانتماءات الجاهلية والتعصّبات الباطلة، ولا أشك في أنّ لفيفاً من الأُمّة سيقدّرون عملي هذا غير أنّ المتطرّفين من الطوائف الإسلامية يعدّونه تفريقاً للأُمّة وشقاً لعصاها، وكأنّهم يرون التقارب الظاهري والتصفيق في المجامع والمجالس هو روح الوحدة وسنادها، وهم في غفلة عن أنّ التعرف على المذاهب على ما هي عليه، من عوامل التقريب وتوحيد الكلمة وعود الأخوة الإسلامية إلى المجتمع الديني، وعلى كلّ تقدير فلا أطلب رضا هؤلاء، ولا أعتمد عليه ولا أخشى سخط الآخرين ولا أخافه، ورائدي هو رضوانه تعالى لا غير.
(قُلْ إِنّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَة أَنْ تَقُومُوا للهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا) .(1)
جعفر السبحاني
قم المقدسة ـ الحوزة العلمية
1410 هـ

1 . سبأ: 46.

صفحه 26

صفحه 27

مقدّمة الطبعة الأُولى

دراسة العقائد للأخذ بالموقف الحقّ

إنّ الوقوف على آراء وعقائد المذاهب المختلفة وتحليلها، ومعرفة أدلّتها من أفضل أنواع الدراسة والتحقيق، فهو السبيل الأفضل لمعرفة الرأي الأصوب، والموقف الأحقّ بالأخذ والاتّباع، وهو الأُسلوب الذي سلكه القرآن الكريم في مواجهاته العقائدية مع أصحاب المذاهب والاتّجاهات الفكرية المضادة، وقد حثّ عليه إذ قال تعالى: (قُلْ هاتُوا بُرْهانكُمْ) (1)، أو قال: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَه) .(2)
وقد كان المسلمون هم السبّاقين إلى هذا المنهج وهذا الأُسلوب من الدراسة والتحقيق، ولهذا نرى في المكتبات والدراسات الإسلامية كتباً في الفقه المقارن، والعقائد المقارنة، وغير ذلك من حقول المعرفة والثقافة.
ونظراً لأهمية هذا الأُسلوب في عصرنا الحاضر طلبت مني«لجنة إدارة الحوزة العلمية» في قم المقدسة، إلقاء سلسلة محاضرات في آراء ومعتقدات الطوائف المختلفة التي شهدتها الساحة الفكرية الإسلامية في العصور اللاحقة لوفاة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وذلك في إطار من التحليل،

1 . البقرة: 111.   2 . الزّمر: 18.

صفحه 28
والمقارنة والدراسة والتقييم، فلبّيت هذا الطلب وتمّ بتوفيق الله تعالى إلقاء مجموعة من المحاضرات في هذا المجال، ليكون مقدّمة للمرحلة التخصّصية.
ثمّ حبّذت لجنة الإدارة طبع ونشر هذه المحاضرات حتى يستفيد منه عامة طلاّب الدراسات الإسلامية، فأخرجتها في عدة أجزاء، وهذا هو الجزء الأوّل الذي يقدّم للقرّاء.
فشكراً لهذه اللجنة على اهتمامها بهذه العلوم، ووفّقها الله للمزيد من تقديم الخدمات الثقافية المفيدة إنّه سميع مجيب الدعاء.
هذا، والرجاء من القرّاء الكرام تزويدنا بنقدهم البنّاء حتى تكتمل هذه المباحث بإذنه تعالى.
 
جعفر السبحاني
قم ـ الحوزة العلمية
يوم ميلاد فاطمة الزهراء (عليها السلام)
20 جمادى الأُولى/ 1408 هـ

صفحه 29

الملل والنحل في المؤلّفات الإسلامية

لقد قامت ثلّة من علماء المسلمين بتدوين كتب مفصّلة أو مختصرة في هذا المضمار، فكشفوا عن مصادر الآراء ومواردها، وجمعوا واردها وشاردها، وما ألّفوه حول تبيين العقائد والنحل على أصناف نشير إليها:
أ. ما يتناول جميع الشرائع والمذاهب العالمية، إسلامية كانت أو غيرها، ومن هذا القسم:
1. «الفصل في الملل والأهواء والنحل» لإمام المذهب الظاهري، أبي محمد علي بن حزم الظاهري (المتوفّى 456 هـ).
2. «الملل والنحل» لأبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني (479 ـ 548 هـ).
ب. ما يتناول خصوص الفرق الإسلامية، ومن هذا القسم:
1. «مقالات الإسلاميّين واختلاف المصلّين» تأليف شيخ الأشاعرة أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري (المتوفّى 243 هـ).

صفحه 30
2. «التنبيه والرد» لأبي الحسين محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الملطي الشافعي (المتوفّى 377 هـ).
3. «الفرق بين الفرق» تأليف الشيخ عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي الإسفرائيني التميمي (المتوفّى 429 هـ).
4. «التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكة» لطاهر بن محمد الإسفرائيني (المتوفّى 471 هـ)، المطبوع بمصر عام 1374 هـ .
5. «الفرق الإسلامية» ذيل كتاب «شرح المواقف» للكرماني (المتوفّى 786 هـ)، وقد طبع في بغداد عام 1973 م.
ج. ما يتناول خصوص مذهب من المذاهب الإسلامية، ومن هذا القسم:
1. «فرق الشيعة»، تأليف أبي محمد الحسن بن موسى النوبختي من أعلام القرن الثالث للهجرة، وقد بيّن فيه فرق أهل الإمامة.
2. «فرق الشيعة»(1) للشيخ أبي القاسم سعد بن عبد الله بن أبي خلف الأشعري القمي (المتوفّى 299 أو 301 هـ).
وقد طبعت هذه الكتب و وزعت في العالم، وهي متاحة لكلّ من أراد معرفة هذه المذاهب والمقالات والآراء والأفكار.

1 . كما عبر عنه النجاشي في ترجمته، وربّما يعبر عنه بالمقالات والفرق.

صفحه 31
وقبل الورود في البحث نقدّم أُموراً تفيد القرّاء الكرام وطلاب هذه المعرفة:

1. الملّة والنحلة في اللغة

الملّة بمعنى الطريقة، والمراد هنا السنن المأخوذة والمقتبسة من الآخرين، ولأجل ذلك يضيفها القرآن إلى الرسل والأقوام، إذ يقول مثلاً: (بَلْ مِلَّةَ إِبْراهيمَ حَنيفاً)(1)، و قوله: (إِنّي تَرَكْتُ مِلّةَ قَوم لا يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) (2)، ولا تستعمل مضافة إلى الله ولا إلى آحاد أُمّة نبي، بل إلى نفس النبي، ويقال: ملّة إبراهيم وملّة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا يقال: ملّة الله.
وأمّا النحلة فهي على ما في «لسان العرب» بمعنى الدعوى، والنسبة بينها وبين الدين أنّها تستعمل في الباطل كثيراً، مثل كلمة «انتحال المبطلين».
والمقصود من الكلمتين في هذا العلم هو الطرق والمناهج العقائدية، سواء أكانت حقّاً أم باطلاً.

2. الصلة بين علم العقائد وعلم الملل والنحل

وهناك اتّصال وثيق بين علم الكلام وعلم الملل والنحل، ووزان علم الملل والنحل بالنسبة إلى علم العقائد والكلام، وزان تاريخ العلم بالنسبة إلى العلم نفسه، نظير الفلسفة وتاريخها، فالفلسفة تطرح الموضوعات الفلسفية

1 . البقرة: 135.
2 . يوسف: 37.

صفحه 32
على بساط البحث، فتقيم برهاناً على ما تتبنّاه بينما يشرح تاريخ الفلسفة المناهج الفكرية التي نجمت في فترات مختلفة، من دون تركيز على رأي أو تبنّي عقيدة خاصة في كثير من الأحيان.
ومثله علم الكلام بالنسبة إلى الملل والنحل، فالأوّل يبحث عن المسائل العقائدية التي ترجع إلى المبدأ والمعاد وما يلحقهما من المباحث ويوجه عنايته إلى إثبات فكرة خاصة في موضوع معين ونقد الآراء المضادة له، ولكن الثاني يطرح المناهج الكلامية المؤسسة طيلة قرون من دون أن يتحيز إلى منهج دون منهج غالباً، وهمّه هو عرض هذه الأُسس الفكرية على روّاد الفكر والمعرفة.
وإن شئت قلت: إنّ علم الملل والنحل يتعرّض للموضوعات الكلامية المبحوث عنها في علم الكلام ويشرحها ويعرض الآراء المختلفة حولها من دون القضاء بينها، و أمّا علم الكلام فهو يتّخذ موضوعات خاصة للبحث ويبدي المؤلّف نظره الخاص فيها ويركز على رأيه بإقامة البرهان.

3. قيمة الكتب المؤلّفة في هذا المضمار

لا شكّ أنّ للكتب المؤلّفة في هذا المضمار، مكانة في الأوساط العلمية، وأنّ المؤلّفين في الملل والنحل قد تحمّلوا جهوداً كثيرة في الإحاطة بالمناهج الفكرية الرائجة في الملأ العلمي خصوصاً الأوائل منهم، غير أنّه لا يمكن الاعتماد على هذه الكتب بصورة مطلقة، وذلك لأنّا نرى

صفحه 33
أنّهم يذكرون فرقاً للشيعة الإمامية لم يسمع الدهر بأسمائها كما لم يسمع بآراء أصحابها قط.
فهذا إمام الأشاعرة يذكر للشيعة الغالية خمس عشرة فرقة، وللشيعة الإماميّة أربعاً وعشرين فرقة، وينسب إليهم القول بالتجسيم، وغير ذلك من الآراء والعقائد السخيفة، ويقسّم الزيدية إلى ست فرق، وقد أخذ عنه من جاء بعده ممّن ألّف في هذا المجال.
فإذا كان حاله وحال مَن نسج على منواله ـ كالبغدادي في «الفرق بين الفرق»، والشهرستاني في «الملل النحل» ـ في تلك المواضع التي نحن أعرف منهم بها ـ بهذا المنوال، فكيف حالهم فيما ينقلونه عن سائر أصحاب الشرائع من اليهود والنصارى والمجوس والبراهمة والبوذيين وغيرهم؟! ولأجل ذلك يجب أن تكون نسبة القول إلى أصحابها مقرونة بالاحتياط والتثبّت والرجوع إلى مؤلّفات نفس الفرق.
يقول المحقّق المعاصر الشيخ محمد زاهد الكوثري في تقديمه لكتاب «التبصير في الدين»: والعالم المحتاط لدينه لا ينسب إلى فرقة من الفرق ما لم يره في الكتب المردودة عليهم، الثابتة عنهم، أو في كتب الثقات من أهل العلم المتثبتين في عزو الأقاويل، ولا يلزمهم إلاّ ما هو لازم قولهم لزوماً بيّناً لم يصرح قائله بالتبرّي من ذلك اللازم .(1)
وقد تصفّحنا أكثر ما كتبه أحمد بن تيمية في «المسائل الكبرى» عن

1 . التبصير في الدين: 7.

صفحه 34
الشيعة وغيرهم، وفي كتابه «منهاج السنّة» عن خصوص الشيعة، فوجدناهما مليئين بالأخطاء، لو لم نقل بالكذب والوضع.
إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ الكلام يقع في فصول:

صفحه 35
الفصل الأوّل
افتراق الأُمّة
إلى ثلاث وسبعين فرقة

صفحه 36

صفحه 37
افتراق الأُمّة إلى ثلاث وسبعين فرقة   
روى أصحاب الصحاح والمسانيد ومؤلّفو الملل والنحل عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «إنّ أُمّتي تفترق على ثلاث وسبعين فرقة». وقد اشتهر هذا الحديث بين المتكلّمين وغيرهم حتى الشعراء والأُدباء.
وتحقيق الحديث يتوقّف على البحث في جهات أربع:
1. هل الحديث نقل بسند صحيح قابل للاحتجاج به، أو لا؟
2. ما هو النصّ الصادر عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا المجال، فإنّ نصوص الحديث في ذلك المجال مختلفة؟
3. ما هي الفرقة الناجية من هذه الفرق المختلفة، فإنّ النبي قد نصّ على نجاة فرقة واحدة، كما سيأتيك نصه؟
4. ما هي الفرق الاثنتان والسبعون التي أخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بنشوئها من بعده؟ وهل بلغ عدد الفرق والطوائف الإسلامية إلى هذا الحدّ؟
فإليك البحث في هذه الجهات الأربع:

صفحه 38
 
أ. سند الحديث
روي الحديث المذكور في الصحاح والمسانيد بأسانيد مختلفة، و قد قام الحافظ «عبد الله بن يوسف بن محمد الزيلقي المصري» (المتوفّى 762 هـ) بجمع أسانيده ومتونه في كتابه: «تخريج أحاديث الكشّاف» وقد اهتم فيه بهذا الحديث سنداً ومتناً، اهتماماً بالغاً، لم يسبقه إليه غيره....
غير أنّ القضاء فيما جمعه من الأسانيد خارج عن مجال هذه الرسالة، ولأجل ذلك نبحث فيه على وجه الإجمال، فنقول:
إنّ هاهنا من لا يعتقد بصحّة الحديث، منهم: ابن حزم، في كتابه: «الفصل في الأهواء والملل» قال: ذكروا حديثاً عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)«أنّ القدرية والمرجئة مجوس هذه الأُمة»، وحديث آخر «تفترق هذه الأُمّة على بضع وسبعين فرقة كلّها في النار حاشا واحدة فهي في الجنة» ] ثم قال: [هذان حديثان لا يصحّان أصلاً من طريق الأسناد، وما كان هكذا فليس حجّة عند من يقول بخبر الواحد، فكيف من لا يقول به.(1)
وهناك من يعتقد بصحّة الاستدلال لأجل تضافر أسناده، يقول محمد محيي الدين محقّق كتاب «الفرق بين الفرق»: اعلم أنّ العلماء يختلفون في صحّة هذا الحديث، فمنهم من يقول: إنّه لا يصحّ من جهة الأسناد أصلاً، لأنّه ما من إسناد روي به إلاّ وفيه ضعف، وكلّ حديث هذا شأنه لا يجوز

1 . الفصل في الأهواء والملل: 1 / 248.

صفحه 39
الاستدلال به; ومنهم من اكتفى بتعدّد طرقه، و تعدد الصحابة الذين رووا هذا المعنى عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ....(1)
وقد قام الحاكم النيشابوري برواية الحديث عن سند صحيح يرتضيه الشيخان قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن سلمة العنزي (ثنا) عثمان بن سعيد الدارمي (ثنا) عمرو بن عون ووهب بن بقية الواسطيان (ثنا) خالد بن عبد الله، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أُمّتي على ثلاث وسبعين فرقة». وهذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.(2)
وقد استدرك عليه الذهبي بأنّ في سنده «محمّد بن عمرو» ولا يحتج به منفرداً ولكن مقروناً بغيره.(3)
فإذا كان هذا حال السند الذي بذل الحاكم جهده لتصحيحه، فكيف حال سائر الأسانيد؟! وقد رواه الحاكم بأسانيد مختلفة، وقال: قد روي هذا الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص، و عمرو بن عوف المزني بإسنادين تفرّد بأحدهما عبد الرحمن بن زياد الأفريقي، والآخر كثير بن عبد الله المزني، ولا تقوم بهما الحجّة.(4)

1 . الفرق بين الفرق: 7 ـ 8 التعليقة.
2 . المستدرك على الصحيحين: 1 / 128، وقد رواه بسند آخر أيضاً يشتمل على محمد بن عمرو الذي لا يحتج بمفرداته، وبسند آخر أيضاً مشتمل على ضعف، وقد جعلهما الحاكم شاهدين لما صحّح من السند.
3 . التبصير في الدين: 9، المقدمة.   4 . المستدرك على الصحيحين: 1 / 128، كتاب العلم.

صفحه 40
هذا حال ما نقله الحاكم في مستدركه.
وأمّا ما رواه أبو داود في سننه والترمذي في سننه، وابن ماجة في صحيحه فقد قال في حقّه الشيخ محمد زاهد الكوثري: أمّا ما ورد بمعناه في صحيح ابن ماجة، وسنن البيهقي، وغيرهما ففي بعض أسانيده: «عبد الرحمن بن زياد بن أنعم»، وفي بعضها: «كثير بن عبد الله»، وفي بعضها: «عباد بن يوسف» و «راشد بن سعد»، وفي بعضها: «الوليد بن مسلم»، وفي بعضها مجاهيل كما يظهر من كتب الحديث، ومن تخريج الحافظ الزيلقي لأحاديث الكشاف، وهو أوسع من تكلّم في طرق هذا الحديث فيما أعلم.(1)
هذا بعض ما قيل حول سند الحديث، والذي يجبر ضعف السند هو تضافر نقله واستفاضة روايته في كتب الفريقين: الشيعة والسنّة بأسانيد مختلفة، ربما تجلب الاعتماد، وتوجب ثقة الإنسان به.
وقد رواه من الشيعة: الصدوق في خصاله في باب السبعين وما فوق(2)، والعلاّمة المجلسي في بحاره(3)، ولعلّ هذا المقدار من النقل يكفي في صحّة الاحتجاج بالحديث.

ب. اختلاف نصوص الحديث

هذه هي الجهة الثانية التي أشرنا إليها في مطلع البحث، فنقول:

1 . التبصير: 9، المقدمة .
2 . الخصال: 2 / 584، أبواب السبعين ومافوق، الحديث العاشر والحادي عشر.
3 . البحار: 28 / 2 ـ 36.

صفحه 41
إنّ مشكلة اختلاف نصوص الحديث لا تقل إعضالاً عن مشكلة سنده، فقد تطرّق إليه الاختلاف من جهات شتى، لا يمكن معه الاعتماد على واحد منها، وإليك الإشارة إلى الاختلافات المذكورة:

1. الاختلاف في عدد الفرق

روى الحاكم عدد فرق اليهود والنصارى مردّداً بين إحدى وسبعين واثنتين وسبعين، بينما رواه عبد القاهر البغدادي بأسانيده عن أبي هريرة على وجه الجزم والقطع، وأنّ اليهود افترقت إلى إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة.
وفي الوقت نفسه روى بسند آخر افتراق بني إسرائيل على اثنتين وسبعين ملّةوقال: «ليأتين على أُمّتي ما أتى على بني إسرائيل، تفرق بنو إسرائيل على اثنتين وسبعين ملّة، وستفترق أُمّتي على ثلاث وسبعين ملّة».
ونقل بعده بسند آخر افتراق بني إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة.(1)
ويمكن الجمع بين النقلين الأخيرين بأنّ المراد من بني إسرائيل هو الأعم من اليهود والنصارى فيصحّ عدّ الفرق اثنتين وسبعين.
نعم يحمل الأخير على خصوص اليهود من بني إسرائيل.

1 . الفرق بين الفرق: 5.

صفحه 42
 
2. الاختلاف في عدد الهالكين والناجين
إنّ أكثر الروايات تصرّح بنجاة واحدة وهلاك الباقين. فعن البغدادي بسنده عن رسول الله أنّه قال: كلّهم في النار إلاّ ملّة واحدة.(1)
وروى الترمذي وابن ماجة مثل ذلك.(2)
بينما رواه شمس الدين محمد بن أحمد بن أبي بكر البشاري السياح المعروف (المتوفّى 380 هـ) في كتابه«أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم» بصورة تضاده إذ قال: إنّ حديث «اثنتان وسبعون في الجنة وواحدة في النار» أصحّ إسناداً، وحديث «اثنتان وسبعون في النار وواحدة ناجية» أشهر.(3)
مَن هي الفرقة الناجية؟   

3. الاختلاف في تعيين الفرقة الناجية

فقد اختلف النقل في تعيين سمة الفرقة الناجية أخذاً بما يقول بأنّ جميعها في النار إلاّ واحدة.
روى الحاكم(4) وعبد القاهر البغدادي (5) وأبو داود(6) وابن ماجة(7)

1 . المصدر نفسه: 76.
2 . سنن الترمذي: 5 / 26، كتاب الإيمان، الحديث 2641; سنن ابن ماجة: 2 / 479، باب افتراق الأُمم.
3 . طبع الكتاب في ليدن، عام 1324 هـ الموافق لـ 1906 م.
4 . المستدرك على الصحيحين: 1 / 128.
5 . الفرق بين الفرق: 7.
6 . سنن أبي داود: 4 / 198، كتاب السنّة.   7 . سنن ابن ماجة: 2 / 479، باب افتراق الأُمم.

صفحه 43
بأنّ النبي قال: إلاّ واحدة وهي الجماعة، أو قال: الإسلام وجماعتهم.
وروى الترمذي(1) والشهرستاني(2) أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عرف الفرقة الناجية بقوله: ما أنا عليه اليوم وأصحابي.
وروى الحاكم أيضاً أنّ النبي حدّد أعظم الفرق هلاكاً بقوله: «ستفترق أُمّتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمها فرقة قوم يقيسون الأُمور برأيهم، فيحرّمون الحلال ويحلّلون الحرام» وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.(3)
وروى صاحب روضات الجنات عن كتاب «الجمع بين التفاسير» أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عرف الفرقة الناجية بقوله:«هم أنا وشيعتي».(3)
هذه الوجوه تعكس مدى الاختلاف في تحديد ملامح الفرقة الناجية.
وأمّا تحقيق القول في ذلك فسيوافيك عند البحث عن الجهة الثالثة، وهي التالية:

ج. مَن هي الفرقة الناجية؟

هذه هي الجهة الثالثة التي ينبغي الاهتمام بها حتى يستطيع الباحث من تعيين الفرقة الناجية، بها.
قال الشيخ محمد عبده: أمّا تعيين أي فرقة هي الناجية، أي التي تكون

1 . سنن الترمذي: 5 / 26، كتاب الإيمان، الحديث 2641.
2 . الملل والنحل : 13.   3 . المستدرك على الصحيحين: 4 / 430.
3 . روضات الجنات: 508، الطبعة القديمة.

صفحه 44
على ما كان النبي عليه وأصحابه، فلم يتعيّن إلى الآن، فإنّ كلّ طائفة ممّن يذعن لنبينا بالرسالة تجعل نفسها على ما كان عليه النبي وأصحابه ـ إلى أن قال: ـ وممّا يسرّني ما جاء في حديث آخر أنّ الهالك منهم واحدة.(1)
أقول: ما ورد من السمات في تحديد الفرقة الناجية لا يتجاوز أهمّها عن سمتين:
أولاها: «الجماعة» وهي تارة جاءت رمزاً للنجاة، وأُخرى للهلاك، فلا يمكن الاعتماد عليها، وإليك بيان ذلك:
روى ابن ماجة عن عوف بن مالك قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): افترقت اليهود... والذي نفس محمد بيده لتفترقنّ أُمّتي على ثلاث وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة، وثنتان وسبعون في النار. قيل: يا رسول الله من هم؟ قال: الجماعة.(2)
بينما نقل عنه أنّه قال: «وإنّ هذه الملّة ستفترق على ثلاث وسبعين: ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة، وهي الجماعة»(3)، فإنّ الإتيان بضمير الجمع في الحديث الأوّل، وبضمير المفرد في الحديث الثاني يؤيد رجوع الضمير في الأوّل إلى: «اثنتان وسبعون»، ورجوع الضمير المفرد إلى «الواحدة» فتكون الجماعة تارة آية الهلاك وأُخرى آية النجاة.
أضف إلى ذلك أنّ قسماً كبيراً من النصوص لا يشتمل على هذه

1 . تفسير المنار : 8 / 221 ـ 222.
2 . سنن ابن ماجة: 2 / 479، باب افتراق الأُمم.
3 . سنن أبي داود: 4 / 198 ،كتاب السنّة; المستدرك على الصحيحين: 1 / 128.

صفحه 45
اللفظة، ولا يصحّ أن يقال إنّ الراوي ترك نقلها، أو نسيها، وذلك لأنّ ذكر سمة الناجي أو الهالك من الأُمور الجوهرية في هذا الحديث، فلا يمكن أن يتجاهله أو ينساه.
ومن ذلك تعلم حال ما اشتمل على لفظ«الإسلام» مع الجماعة، فإنّه لا يزيد في مقام التعريف شيئاً على المجرد منه، لوضوح أنّ الإسلام حقّ إنّما المهم معرفة المسلم الواقعي عن غيره.
ثانيتها: «ما أنا عليه وأصحابي»، أو «ما أنا عليه اليوم وأصحابي»، كون هذا آية النجاة لا يخلو عن خفاء.
أوّلاً: إنّ هذه الزيادة غير موجودة في بعض نصوص الرواية، ولا يصحّ أن يقال إنّ الراوي ترك نقلها لعدم الأهمية.
وثانياً: إنّ المعيار الوحيد للهلاك والنجاة هو شخص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأمّا أصحابه فلا يمكن أن يكونوا معياراً للهداية والنجاة إلاّ بقدر اهتدائهم واقتدائهم برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وإلاّ فلو تخلّفوا عنه قليلاً أو كثيراً فلا يكون الاقتداء بهم موجباً للنجاة.
وعلى ذلك فعطف (وأصحابي) على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يخلو من غرابة.
وثالثاً: إنّ المراد إمّا صحابته كلّهم، أو الأكثرية الساحقة.
فالأوّل: مفروض العدم لاختلاف الصحابة في مسالكهم ومشاربهم السياسية والدينية بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأدلّ دليل على ذلك ما وقع من الخلاف في السقيفة وبعدها.

صفحه 46
والثاني: ممّا لا يلتزم به أهل السنّة، فإنّ الأكثرية الساحقة من الصحابة خالفوا الخليفة الثالث، وقد قتله المصريون والكوفيون في مرأى ومسمع من بقية الصحابة، الذين كانوا بين مؤلّب، أو مهاجم، أو ساكت.
على أنّ حمل أصحابي على الأكثرية خلاف الظاهر، ويظن أنّ هذه الزيادة من رواة الحديث لدعم موقف الصحابة، وجعلهم المحور الوحيد الذي يدور عليه فلك الهداية بعد النبي الأعظم، والمتوقع من رسول الهداية هو أن يحدد الفرقة الناجية بسمات واضحة تستفيد منها الأجيال الآتية، فإنّ كلّ الفرق يدّعون أنّهم على ما عليه النبي، بل على ما عليه أصحابه أيضاً:
وكلّ يدّعي وصلاً بليلى *** وليلى لا تقر لهم بذاكا
وأخيراً نقلنا عن الحاكم أنّه روى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قوله: «أعظمها فرقة قوم يقيسون الأُمور برأيهم» و يظن أنّ هذه الزيادة طرأت على الحديث من بعض الطوائف الإسلامية بين أهل السنّة، طعناً في أصحاب القياس، على حين أنّ القياس بمفهومه الأُصولي لم يكن أمراً معهوداً لأصحاب النبيّ حتى يكتفي النبي في تعيين الفرقة الهالكة بهذا الوصف غير المعروف في عصر صدور حديث الافتراق.
أحاديث حول مستقبل الصحابة   

أحاديث حول مستقبل الصحابة

إنّ الأحاديث المتضافرة عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) عن مستقبل الصحابة تصدّنا عن الأخذ بمسالكهم ومشاربهم، وتمنعنا عن تصحيح ما ورد في ذيل بعض الروايات الماضية، أعني قوله: «ما أنا عليه وأصحابي»، وذلك لأنّ

صفحه 47
النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) يخبر عن أحوالهم بعد رحلته، وأنّهم سيحدثون في الدين أُموراً منكرة، وبدعاً محرمة وأنّهم يرتدون عن الدين، ولأجل ذلك يحلأون عن الحوض ويذادون عنه، و قد روى هذه الأحاديث الشيخان(البخاري ومسلم) وغيرهما. وجمعها ابن الأثير في «جامع الأُصول» في الفصل الرابع عند البحث عن الحوض والصراط والميزان.
وإليك بعض تلك الأحاديث:
1. أخرج الشيخان عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «أنا فرطكم على الحوض، وليرفعن إليّ رجال منكم حتى إذا أهويت إليهم لأناولهم اختلجوا دوني، فأقول: أي رب أصحابي; فيقال: إنّك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك».
2. أخرج الشيخان أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي ـ أو قال: من أُمّتي ـ فيحلأون عن الحوض، فأقول: يا ربّ أصحابي، فيقول: إنّه لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنّهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى».
إلى غير ذلك من الروايات البالغ عددها إلى عشرة أحاديث وفي ضوء هذه الروايات لا يمكن الحكم بعدالة كلّ صحابي لمجرّد الصحبة، للعلم بوجود الفسق والارتداد وإحداث البدع فيهم، وهذا العلم الإجمالي يصدّنا عن تعديل كلّ صحابي وتصديقه.
كما يصدنا عن القول بأنّ الأكثرية الساحقة من الصحابة إذا اتفقت

صفحه 48
على شيء يكون دليلاً على صدقه وصحّته، على أنّ هذا لا يدلّ على أنّ جميع الصحابة كانوا على هذا المنوال، بل كان في الصحابة الثقات العدول، والأخيار المتقون.
وقد أشبعنا الكلام حول الصحابة من حيث العدالة.(1)

الفرقة الناجية في ضوء النصوص الأُخر

لو أنّ شيخ الأزهر رجع إلى النصوص الأُخر للنبي الأكرم لتبيّن له الفرقة الناجية في كلام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فإنّ لنبي الرحمة كلمات في مواضع أُخر يشد بعضها بعضاً، ويفسر بعضها البعض الآخر، وإليك ما أثر عنه في تلك المجالات ممّا تعد قرائن منفصلة موضحة للحديث الحاضر.
حديث الثقلين   

1. حديث الثقلين

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «يا أيّها الناس إنّي تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي».(2)
روى إمام الحنابلة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «إنّي تارك فيكم خليفتين: كتاب الله، حبل ممدود ما بين السماء والأرض; وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض».(3)

1 . سيوافيك البحث عن عدالة الصحابة عند تحليل عقائد أهل الحديث في هذا الجزء.
2 . رواه الترمذي في سننه: 5 / 329 ح 3876، باب مناقب أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم); ومسلم في صحيحه: 7 / 122، باب فضائل علي، بلفظ آخر. راجع كنز العمال: 1 / 173 و 185 و 186 و 187، باب الاعتصام بالكتاب والسنّة.
3 . مسند أحمد بن حنبل: 5 / 182 ـ 189.

صفحه 49
روى الحاكم في مستدركه عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «إنّي أُوشك أن أُدعى فأُجيب، وإنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله عزّ وجلّ، وعترتي; كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، فإنّ اللطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما».(1)
والاختلاف الموجود بين نصوص الحديث غير مضر أبداً، لأنّ النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) نطق بهذا الحديث في مواضع مختلفة، إذ في بعض الطرق أنّه قال ذلك في حجّة الوداع بعرفة، وفي أُخرى أنّه قاله بالمدينة في مرضه وقد امتلأت الحجرة بأصحابه، وفي ثالثة أنّه قال ذلك بغدير خم، وفي رابعة أنّه قال ذلك لمّا قام خطيباً بعد انصرافه من الطائف، فقد كرر ذلك في تلك المواطن اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة.(2)
والإمعان في هذا الحديث الذي بلغ من التواتر حدّاً لا يدانيه حديث، إلاّ حديث الغدير، يقود الإنسان إلى الحكم بضلال من لم يستمسك بهما معاً، فالمتمسّكون بهما هم الفرقة الناجية، والمتخلّفون عنهما، أو المتقدّمون عليهما هم الهالكة.
وقد نقل الطبراني قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذيل الحديث: «فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم».(3)

1 . مستدرك الحاكم: 3 / 148، وقال هذا صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
2 . راجع المراجعات، المراجعة 8 فقد نقله عن مواضع مختلفة.
3 . الصواعق المحرقة: 135، باب وصية النبي بهم.

صفحه 50
 
2. حديث السفينة
وهذا الحديث كالحديث السابق يعين على رفع الإبهام عن حديث «الافتراق». روى الحاكم بسنده عن أبي ذر رضي الله عنه يقول، وهو آخذ بباب الكعبة: «من عرفني فقد عرفني، ومن أنكرني فأنا أبوذر، سمعت النبي يقول: ألا إنّ مثل أهل بيتي فيكم، مثل سفينة نوح في قومه، من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق».(1)
والمراد بتشبيههم (عليهم السلام) بسفينة نوح هو أنّ من لجأ إليهم في الدين فأخذ فروعه وأُصوله عن أئمّتهم، نجا من عذاب النار، ومن تخلّف عنهم كمن آوى يوم الطوفان إلى جبل ليعصمه من أمر الله، غير أنّ هذا غرق في الماء، وهذا في الحميم.
قال ابن حجر: ووجه تشبيههم بالسفينة أنّ من أحبهم وعظّمهم شكراً لنعمة مشرّفهم، وأخذ بهدي علمائهم نجا من ظلمة المخالفات، ومن تخلّف عن ذلك غرق في بحر كفر النعم، وهلك في مفاوز الطغيان.(2)
حديث أهل بيتي أمان لأُمّتي   

3. حديث أهل بيتي أمان لأُمّتي

روى الحاكم عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمان لأُمّتي من الاختلاف، فإذا خالفتها

1 . المستدرك على الصحيحين: 3 / 151.
2 . لقد علّق السيد شرف الدين في مراجعاته على هذه العبارة تعليقاً لطيفاً وهو: قل لي لماذا لم يأخذ بهدى أئمتهم في شيء من فروع الدين وعقائده ـ إلى أن قال:ـ ولماذا تخلّف عنهم فأغرق نفسه في بحار كفر النعم وأهلكها في مفاوز الطغيان؟!

صفحه 51
قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس». ثمّ قال : هذا حديث صحيح الإسناد،ولم يخرجاه.(1)
هذه الأحاديث تلقي الضوء على حديث الافتراق، وتحدد الفرقة الناجية وتعيّنها.
وهناك حديث آخر ورد في ذيل حديث الافتراق نقله أحد علماء أهل السنّة وهو الإمام الحافظ حسن بن محمد الصغاني (المتوفّى 650 هـ) في كتابه «الشمس المنيرة» عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم): «افترقت أُمّة أخي عيسى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أُمّتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلّها هالكة إلاّ فرقة واحدة».
فلمّا سمع ذلك منه ضاق المسلمون ذرعاً وضجّوا بالبكاء، وأقبلوا عليه، وقالوا: يا رسول الله كيف لنا بعدك بطريق النجاة؟ وكيف لنا بمعرفة الفرقة الناجية حتى نعتمد عليها؟
فقال(صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّي تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبداً: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي; إن اللطيف الخبير نبّأني أنّهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض».(2)
ولا أظن المنصف إذا رجع إلى ما ورد حول العترة من الأحاديث الحاثّة على الرجوع إليهم، يخفى عليه مراد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من الفرقة الناجية في

1 . المستدرك على الصحيحين: 3 / 149.
2 . الشمس المنيرة، النسخة المخطوطة في مكتبة المشهد الرضوي بالرقم 1706.

صفحه 52
حديث الافتراق، مضافاً إلى أنّ آية التطهير دالّة على عصمتهم، فالمتمسك بالمعصوم مصون وبالخاطئ غير مصون، بل يقع عرضة للانحراف والهلاك، وللشافعي أبيات تعرب عن عرفانه الفرقة الناجية ذكرها الشريف الحضرمي في «رشفة الصادي».(1)
الفرق التي أخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بنشوئها   

د. الفرق التي أخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بنشوئها

هذه هي الجهة الرابعة التي يليق البحث عنها، فإنّ النبي قد أخبر عن أنّ الأُمّة الإسلامية ستبلغ في تفرّقها إلى هذا العدد الهائل، ولكن المشكلة عدم بلوغ رؤوس الفرق الإسلامية إلى هذا العدد، فإنّ كبار فرقها لا تتجاوز الأربع:
الأوّل: القدرية (المعتزلة وأسلافهم).
الثاني: الصفاتية (أهل الحديث والأشاعرة).
الثالث: الخوارج.
الرابع: الشيعة.
وهذه الفرق الأصلية، وإن تشعبت إلى شعب وفروع من مرجئة وكرامية بفرقها، ولكن لا يبلغ المجموع إلى هذا الحد، وإن أصرّ الشهرستاني على تصحيح البلوغ إليه، فقال: ثمّ يتركب بعضها مع بعض، ويتشعب عن كلّ فرقة أصناف، فتصل إلى ثلاث وسبعين فرقة.(2)

1 . رشفة الصادي: 25.
2 . الملل والنحل: 1 / 15.

صفحه 53
يلاحظ عليه: أنّ المراد من أُمّتي هي الفرق الإسلامية المؤمنة برسالة النبي الأعظم، وكتاب الله سبحانه، وبلوغ تلك الأُمّة بهذه الصفة إلى هذا الحد الهائل أوّل الكلام، لأنّ المراد هو الاختلاف في العقيدة التي يدور عليها فلك الهلاك والنجاة.
وأمّا الاختلاف في الأُصول والمعارف التي ليست مداراً للهداية والضلالة، بل لا تعد من صميم العقائد الإسلامية، فهو خارج عن إطار الحديث، فاختلاف الأشاعرة والمعتزلة في وجود الواسطة بين الوجود والعدم، وحقيقة الجسم والأكوان والألوان، والجزء الذي لا يتجزأ، والطفرة، الذي أوجد فرقاً كلامية، فلا يوجب دخول النار، وإن كان الحقّ واحداً، ولا يصحّ عدّ المعتقدين بها من الفرق المنصوص عليها في كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وبعبارة واضحة: إنّ الفرق المذمومة في الإسلام هي أصحاب الأهواء الضالة الذين خالفوا الفرقة الناجية، في مواضع تعد من صميم الدين كالتوحيد بأقسامه والعدل والقضاء والقدر، والتجسيم والتنزيه، والجبر والاختيار، والهداية والضلالة و رؤية الله سبحانه وإدراك البشر له تعالى، والإمامة والخلافة، ونظائرها.
وأمّا الاختلاف في سائر المسائل التي لا تمت إلى الدين بصلة ولا تمثل العقيدة الإسلامية، فلا يكون المخالف والموافق فيها داخلاً في الحديث، والحال أنّ كثيراً من الفرق الإسلامية يرجع اختلافهم إلى أُمور عقلية أو كونية، ممّا لا يرتبط بالدين أو ما لا يسأل عنه الإنسان في حياته وبعدها ولا يجب الاعتقاد به.

صفحه 54
محاولات لتصحيح العدد   
 
محاولات لتصحيح العدد
إنّ هناك محاولات لتصحيح مفاد الحديث من حيث العدد المذكور فيه، نشير إليها فيما يلي:
1. هذا العدد الهائل كناية عن المبالغة في الكثرة، كما في قوله سبحانه وتعالى: (إِنْ تَسْتَغْفِر لَهُمْ سَبْعينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُم) .(1)
يلاحظ عليه: أنّ هذه المحاولة فاشلة، لأنّها إنّما تصحّ إذا ورد الحديث بصورة السبعين أو غيرها من العقود العددية، فإنّ هذا هو المتعارف في مقام الكناية ولكن الوارد في الحديث هو غير ذلك.
ترى أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يركز في حقّ المجوس على عدد السبعين، وفي حقّ اليهود على عدد الإحدى والسبعين وفي حقّ النصارى على اثنتين وسبعين، وفي حقّ الأُمّة الإسلامية على ثلاث وسبعين. وهذا التدرّج يعرب بسهولة عن أنّ المراد هو بلوغ الفرق إلى هذا الحدّ، بشكل حقيقي لا بشكل مبالغي.
2. إنّ أُصول الفرق وإن كانت لا تصل إلى هذا العدد، بل لا تبلغ نصفه ولا ربعه، وإنّ فروع الفرق يختلف العلماء في تفريعها، وإنّ الإنسان في حيرة حين يأخذ في العد، بأن يعتبر ـ في عدّ الفرق ـ أُصولها أو فروعها، وإذا

1 . التوبة: 80.

صفحه 55
استقر رأيه على اعتبار الفروع، فعلى أيّ حدّ من التفريع يأخذه مقياساً، إلاّ أنّ الحديث لا يختص بالعصور الماضية، فإنّ حديث الترمذي يتحدث عن افتراق أُمّة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأُمّته مستمرة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، فيجب أن يتحدث في كلّ عصر عن الفرق التي نجمت في هذه الأُمّة من أوّل أمرها إلى الوقت الذي يتحدّث فيه المتحدّث، ولا عليه إن كان العدد قد بلغ ما جاء في الحديث أو لم يبلغ، فمن الممكن
بل المقطوع ـ لو صحّ الحديث ـ وقوع الأمر في واقع الناس على وفق ما أخبر به.(1)
وهناك محاولة ثالثة غير صحيحة جدّاً وهي الاهتمام بتكثير الفرق، فترى أنّ الإمام الأشعري يجعل للشيعة الغالية خمس عشرة فرقة، وللشيعة الإمامية أربعاً وعشرين فرقة، كما أنّ الشهرستاني يعدّ للمعتزلة اثنتي عشرة فرقة، ويعدّ للخوارج الفرق التالية: المحكمة، الأزارقة، النجدات، البيهسية، العجاردة، الثعالبة، الأباضية، الصفرية.
وذلك لأنّ الجميع من أصناف الشيعة والمعتزلة والخوارج يلتقون تحت أُصول خاصة معلومة في محلّها، مثلاً أصناف الخوارج يجتمعون تحت أُصول أشهرها تخطئة عثمان والإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في مسألة التحكيم، وتكفير صاحب الكبيرة وتخليده في النار. فلا يصحّ عدّ كلّ صنف فرقة، وإن اختلف كلّ مع شقيقه في أمر جزئي، ومثل ذلك أصناف الآخرين.

1 . مقدّمة الفرق بين الفرق: 7.

صفحه 56
ثمّ إنّ الكاتب المعاصر عبد الرحمن بدوي، ذهب إلى عدم صحّة الحديث للأسباب التالية:
أوّلاً: إنّ ذكر هذه الأعداد المحددة المتوالية: 71، 72، 73 أمر مفتعل لا يمكن تصديقه فضلاً عن أن يصدر مثله عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
ثانياً: إنّه ليس في وسع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتنبّأ مقدماً بعدد الفرق التي سيفترق إليها المسلمون.
ثالثاً: لا نجد لهذا الحديث ذكراً فيما ورد لنا من مؤلفات من القرن الثاني بل ولا الثالث الهجري، ولو كان صحيحاً لورد في عهد متقدّم.
رابعاً: أعطت كلّ فرقة لختام الحديث، الرواية التي تناسبها، فأهل السنّة جعلوا الفرقة الناجية هي أهل السنّة، والمعتزلة جعلوها فرقة المعتزلة، وهكذا. وقال:
وقد ظهر التعسّف البالغ لدى مؤرّخي الفرق في وضعهم فروقاً وأصنافاً داخل التيارات الرئيسية حتى يستطيعوا الوصول إلى 73 فرقة، وفاتهم أنّ افتراق المسلمين لم ينته عند عصرهم، وأنّه لا بدّ ستنشأ فرق جديدة باستمرار ممّا يجعل حصرهم هذا خطأ تماماً، إذ لا يحسب حساباً لما سينشأ بعد ذلك من فرق إسلامية جديدة.(1)
ولا يخفى أنّ ما ذكره من الأسباب غير صحيح عدا ما ذكره من السبب الرابع وما ذيله به.

1 . مذاهب الإسلاميين: 1 / 34.

صفحه 57
أمّا دليله الأوّل، فلأنّ ما جاء فيه هو نفس المدّعى ولم يبيّن وجهاً لافتعال الحديث.
وأمّا دليله الثاني، فلأنّ المتبادر منه أنّه ليس في وسع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)التنبّؤ بالأحداث الآتية، ولكنّه باطل بشهادة الصحاح والسنن على تنبوّئه (صلى الله عليه وآله وسلم)بإذن الله عن كثير من الحوادث الواقعة في أُمّته، وقد جمعنا عدّة من تنبّؤاته في موسوعتنا: مفاهيم القرآن.(1)
وربما يريد الكاتب من عبارته معنى آخر، وهو أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لا يصح له أن يقدم على مثل هذا التنبّؤ، لأنّه إقدام غير مرغوب فيه، لما يحتوي على الإضرار بالأُمّة، ولكن هذا الرأي منقوض أيضاً بتنبّؤات أُخرى تضاهي المورد هذا، فهذا هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يتنبّأ بالمستقبل المظلم الذي يواجهه ذو الخويصرة من وجوه الخوارج الذي أتى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) و هو يقسّم الغنائم بعد منصرفهم من حنين، فقال للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : يا رسول الله اعدل، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «ويلك من يعدل إن لم أعدل، قد خبت وخسرت إن لم أعدل»، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ائذن لي فيه أن أضرب عنقه؟
قال: «دعه فإنّ له أصحاباً يحقّر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يرمق السهم من الرميّة، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء».(2)

1 . مفاهيم القرآن: 3 / 503 ـ 508.
2 . التاج: 5 / 286، كتاب الفتن.

صفحه 58
فأي فرق بين هذا التنبّؤ ونظائره الواردة في أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والتنبّؤ بافتراق أُمّته إلى الفرق المعدودة؟
وأمّا دليله الثالث، فعجيب جداً، فقد رواه أبو داود (202 ـ 275 هـ) في سننه، والترمذي (209 ـ 279 هـ ) في صحيحه، وابن ماجة (218 ـ 276 هـ) في سننه، وأحمد بن حنبل (المتوفّى 241 هـ) في مسنده، والجميع من أعيان أصحاب الحديث في القرن الثالث، فكيف يقول هذا الكاتب: «بل ولا الثالث الهجري»؟! وإليك بعض ما أسندوه:
1. روى أبو داود في كتاب السنة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفرّقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أُمّتي على ثلاث وسبعين فرقة».
ثمّ روى عن معاوية بن أبي سفيان أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قام فينا فقال: «ألا إنّ من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإنّ هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين: ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة».(1)
2. روى الترمذي في باب ما جاء في افتراق هذه الأُمّة مثله، عن أبي هريرة. و روى عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «ليأتين على أُمّتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتى أُمّه علانية، لكان في أُمّتي من يصنع ذلك، وإنّ بني إسرائيل تفرّقت على

1 . سنن أبي داود: 4 / 198، كتاب السنّة.

صفحه 59
ثنتين وسبعين ملّة، وتفترق أُمّتي على ثلاث وسبعين ملّة كلّهم في النار إلاّ ملّة واحدة» قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي».(1)
3. روى ابن ماجة في باب افتراق الأُمم عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : تفرّقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفترق أُمّتي على ثلاث وسبعين فرقة».
وروى عن عوف بن مالك قال: قال رسول الله: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنةو سبعون في النار; وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعون في النار وواحدة في الجنة; والذي نفس محمد بيده لتفترقنّ أُمّتي على ثلاث وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار» قيل: يا رسول الله: من هم؟ قال: «الجماعة».
وروى عن أنس بن مالك ما يقرب من ذلك.(2)
4. وروى أحمد بن حنبل عن أبي هريرة ما نقلناه عنه آنفاً.(3)
كما روى أيضاً عن أنس بن مالك ما رويناه عنه سابقاً.(4)
وعلى كلّ تقدير فلا يهمنا البحث حول عدد الفرق وكثرتها و قلّتها، بل الذي نتوخّاه في هذه الصحائف هو البحث عن الفرق الموجودة في

1 . سنن الترمذي: 5 / 26، كتاب الإيمان، الحديث 2641.
2 . سنن ابن ماجة: 2 / 479، باب افتراق الأُمم.
3 . مسند أحمد: 2 / 332.
4 . مسند أحمد: 3 / 120.

صفحه 60
الأوساط الإسلامية و هي عبارة عن هذه الفرق: أهل السنّة(1) بأصنافهم: أهل الحديث والأشاعرة والمعتزلة والخوارج، والشيعة بفرقها الثلاث: الإمامية الاثني عشرية، الزيدية، الإسماعيلية.
وأمّا الفرق التي بادت واندثرت، وقد أكل الدهر عليها و شرب، فهي غير مطروحة لنا، بل البحث عنها مفصلاً ضياع للوقت إلاّ على وجه الإشارة.
***
(قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلكُمْ أَوْ يَلْبِسكُمْ شِيَعاً وَيُذيقَ بَعْضكُمْ بَأْسَ بَعْض انْظُر كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُون).(2)

1 . أهل السنّة لا يعتبرون الخوارج منهم، بل لا يعتبرون المعتزلة منهم أيضاً، ولكن المراد من أهل السنّة هنا هو المعنى الأعم، أي غير الشيعة، أي من يقول بكون الخلافة بالبيعة والشورى، فكلّ من يقول بكون الإمامة مقاماً تنصيصيّاً يعد من الشيعة، ومن يقول بكونها مقاماً انتخابياً فهو معدود من أهل السنّة، فالملاك في التقسيم هو هذا لا المصطلح المعروف بين أهل الحديث والأشاعرة، فلو خضعنا لمصطلح الأوّلين، فهم ربما لا يعدّون الأشاعرة أيضاً منهم، هذا ابن تيمية يكن العداوة للأشاعرة ولا يعدّهم منهم.
2 . الأنعام: 65.

صفحه 61
الفصل الثاني
بدايات الاختلاف
في عصر الرسالة

صفحه 62

صفحه 63
بدايات الاختلاف في عصر الرسالة   
لا شكّ في أنّ المسلمين قد اختلفوا بعد لحوق النبي الأكرم بالرفيق الأعلى إلى فرق مختلفة، وسنبين جذور هذه الخلافات وحوافزها في الأبحاث الآتية.
إنّما الكلام في وضع المسلمين أيّام النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فهل كانوا محتفظين بوحدة كلمتهم ومستسلمين لأمر نبيّهم جميعاً كما أمر الله به سبحانه، أم كان هناك بعض الاختلاف بينهم في جملة من المسائل؟
لا شكّ أنّ المسلم الحقيقي هو من يستسلم لأوامر الله ورسوله ولا يخالفه قيد شعرة آخذاً بقوله سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَي اللهِ وَرَسُولهِ واتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَميعٌ عَليم)(1). وقد فسر المفسرون قوله سبحانه: (لا تُقَدّمُوا بَيْنَ يَدَي الله وَرَسُوله) بقولهم: أي لا تتقدموا على الله ورسوله في كلّ ما يأمر وينهى.
ويؤيده قوله سبحانه في نفس السورة: (وَاعْلَمُوا أَنَّ فيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَو يُطِيعُكُمْ في كَثير مِنَ الأَمْرِلَعَنِتّم).(2)

1 . الحجرات: 1.
2 . الحجرات: 7.

صفحه 64
وقال عزّ من قائل: (فَلا وَرَبّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحكّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرجاً مِمّا قَضَيْت وَيُسَلِّمُوا تَسْليماً) .(1)
ومع ذلك كلّه فقد نجمت بين الصحابة والنبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)مشاجرات ومنازعات بين آونة وأُخرى قد ضبطها التاريخ وأصحاب السير. غير أنّ الشهرستاني يصر على أنّ أكثر الخلافات كان من جانب المنافقين و قال: «إنّ شبهات أُمّته في آخر زمانه، ناشئة من شبهات خصماء أوّل زمانه من الكفّار والملحدين، وأكثرها من المنافقين، وإن خفي علينا ذلك في الأُمم السالفة لتمادي الزمان، فلم يخف في هذه الأُمّة أنّ شبهاتها نشأت كلّها من شبهات منافقي زمن النبي، إذ لم يرضوا بحكمه فيما كان يأمر وينهى، وشرعوا فيما لا مسرح للفكر فيه ولا مسرى وسألوا عمّا منعوا من الخوض فيه والسؤال عنه، وجادلوا بالباطل في ما لا يجوز الجدال فيه».
ثمّ ذكر الشهرستاني حديث ذي الخويصرة التميمي في تقسيم الغنائم إذ قال: اعدل يا محمد، فإنّك لم تعدل، حتى قال عليه الصلاة والسلام: «إن لم أعدل فمن يعدل».(2)
إنّ ما ذكره الشهرستاني صحيح لا غبار عليه، غير أنّ الاعتراض والخلاف لم يكن منحصراً بالكفار و المنافقين، بل كان هناك رجال من المهاجرين والأنصار، يعترضون على النبي في بعض الأُمور التي لا تروقهم، وكأنّ الشهرستاني نسي قصة الحديبية حيث آثر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الصلح يوم

1 . النساء: 65.   2 . الملل والنحل: 1 / 21.

صفحه 65
الحديبية على الحرب وأمر به، عملاً بما أوصى الله إليه، وكانت المصلحة في الواقع وفي نفس الأمر توجبه لكنّها خفيت على أصحابه، فطفق بعضهم ينكره والآخر يعارضه علانية بكلّ ما لديه من قوة. فهذا عمر بن الخطاب بعد ما تقرر الصلح بين الفريقين على الشروط الخاصة أدركته الحمية، فأتى أبا بكر و قد استشاط غضباً فقال: يا أبا بكر أليس برسول الله ؟ قال: بلى. قال: أو لسنا بالمسلمين؟ قال: بلى. قال: أوليسوا بالمشركين؟قال: بلى. قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا... الحديث.(1)
وكأنّ الشهرستاني غفل أيضاً عن الجدال الشديد بين النبي وبعض أصحابه في متعة الحج. قال الإمام القرطبي: «لا خلاف بين العلماء أنّ التمتع المراد بقوله تعالى: (فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَة إِلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدي) (2) هو الاعتمار في أشهر الحجّ قبل الحجّ، قلت: وهو فرض من نأى عن مكة بثمانية وأربعين ميلاً من كلّ جانب على الأصح، وإنّما أضيف الحجّ بهذه الكيفية إلى التمتع أو قيل عنه: التمتع بالحج، لما فيه من المتعة، أي اللذة بإباحة محظورات الإحرام في المدة المتخلّلة بين الإحرامين، وهذا ما كرهه عمر وبعض أتباعه فقال قائلهم: أننطلق و ذكورنا تقطر؟!
وفي «مجمع البيان» أنّ رجلاً قال: أنخرج حجاجاً ورؤوسنا تقطر؟ وأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال له: «إنّك لن تؤمن بها أبداً».(2)
ولأجل هذه المكافحة التي نجمت في حياة النبي خطب عمر بن

1 . السيرة النبوية لابن هشام: 3 / 317.   2 . البقرة: 196.
2 . النص والاجتهاد: 120، وقد نقل مصادر كلامه.

صفحه 66
الخطاب في خلافته وقال: متعتان كانتا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما .(1)
وهذه الأُمور تسهل لنا التصديق بما رواه البخاري في إسناد عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: «لما اشتد بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وجعه قال: ايتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده». قال عمر: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغط. قال: «قوموا عنّي، ولا ينبغي عندي التنازع». فخرج ابن عباس يقول: إنّ الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين كتابه».(2)
كما تسهل لنا التصديق بخلافهم في حال حياته عندما أمرهم بقوله: «جهزوا جيش أُسامة، لعن الله من تخلّف عنه»، فقال قوم: يجب علينا امتثال أمره، وأُسامة قد برز من المدينة، وقال قوم: قد اشتد مرض النبي عليه الصلاة والسلام فلا تسع قلوبنا مفارقته والحالة هذه، فنصبر حتى نبصر أي شيء يكون من أمره.(3)
نعم كانت هناك هنابث ومشاجرات في أُمور لا تروق سليقة بعض النفوس وميولهم، غير أنّ هذه الخلافات لم تكن على حدّ تنشق بها عصا الوحدة وتنفصم بها عرى الأُخوة، وأعظم خلاف بين الأُمّة هو الخلاف الذي نجم بعد لحوقه بالرفيق الأعلى، وهو الخلاف في الإمامة وقد لمست

1 . مفاتيح الغيب للرازي: 3 / 201 في تفسير آية 24 من سورة النساء; شرح التجريد للفاضل القوشجي: 484.
2 . صحيح البخاري: 1 / 30.   3 . الملل والنحل: 1 / 23 ـ 24.

صفحه 67
الأُمة ضرره وخسارته حتى أنّ الشهرستاني أعرب عن عظم هذه الخسارة بقوله: «ما سلّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سلّ على الإمامة في كلّ زمان».(1)
وإليك بيان أساس هذا الاختلاف:
لما التحق النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) بالرفيق الأعلى صارت الأُمّة فرقتين باقيتين إلى الآن:
الأُولى: القائلون بأنّ منصب الإمامة منصب إلهي وأنّ الإمام يقوم بالوظائف التي كانت قد أُلقيت على عاتق النبي من تبيين الأحكام الشرعية وتفسير كتاب الله وصيانة الدين عن النقص والزيادة والإجابة على الأسئلة الواردة والاعتراضات المتوجهة إلى الدين مضافاً إلى إدارة المجتمع البشري وسياسته التي يعبر عنها بالحكومة الإسلامية.
الثانية: القائلون بأنّ منصب الإمامة منصب عادي يجب أن يقوم بها واحد من آحاد الأُمّة لتبرير أمر المجتمع سياسة واجتماعاً واقتصاداً وغير ذلك، وأنّه لم يرد في أمر الخلافة نص على شخص ما وهؤلاء هم الموسومون بأهل السنّة.
***
(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَميعاً ولا تَفَرَّقُوا). (2)

1 . الملل والنحل: 1 / 23 ـ 24.
2 . آل عمران: 103.

صفحه 68

صفحه 69
الفصل الثالث
علل تكوّن الفرق الإسلامية

صفحه 70

صفحه 71
علل تكوّن الفرق الإسلامية   
إنّ الوقوف على تاريخ الفرق الإسلامية، وكيفية تكوّنها والعلل الباعثة على نشأتها، من الأبحاث المهمة التي تعين الباحث في تقييم المذاهب الإسلامية ومدى إخلاص أصحابها في نشرها وبثّها بين الأُمّة، و هذه النقطة الحسّاسة من علم الملل والنحل، قد أُهملت في كثير من كتب الفرق والنحل إلاّ شيئاً قليلاً لا يشبع نهمة الطالب، ونحن نأتي في هذه العجالة بإجمال ما وقفنا عليه في تاريخ تكوّنها والبواعث الموجدة لها، وأمّا الإسهاب في البحث فموكول إلى آونة أُخرى.
لبّى النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) دعوة ربّه وانتقل إلى جواره وترك لأُمّته ديناً قيماً عليه سمات من أبرزها «بساطة العقيدة ويسر التكليف»، وأخذ المسلمون يفتحون البلاد بقوة المنطق أوّلاً وحدّ السلاح ثانياً، وأخذت قوى الكفر والشر تنسحب أمام دعاة الإسلام وجنوده البواسل، وتنصاع لهداه البلاد إثر البلاد.
ارتحل الرسول الصادع بالحق، وترك بين أُمّته كتاب الله العزيز الذي فيه تبيان كل شيء(1)، وسنّته الوضّاءة المقتبسة من الوحي(2) السليم من

1 . (وَنَزَّلنا عَلَيْكَ الكِتاب تِبْياناً لِكُلِّ شَيء) (النحل: 89).
2 . (إِنْ هُوَ إلاّ وَحْيٌ يُوحى) (النجم: 4) .

صفحه 72
الخطأ، المصون من الوهن وعترته الطيبين الذين هم في لسان نبيّهم قرناء الكتاب.(1)
فالمسلمون الأوّلون في ضوء بساطة العقيدة وسهولة التشريع و في ظل هذه الحجج والأدلة القويمة، كانوا في غنى عن الخوض في أقوال المدارس العقلية والمناهج الكلامية التي كانت دارجة بين الأُمم المتحضّرة آنذاك، فهم بدل الغور فيها، كانوا يخوضون غمار المنايا و يرتادون ميادين الحروب في أقطار العالم وأرجاء الدنيا لنشر الدين والتوحيد ومكافحة شتى ألوان الشرك والثنوية ومحو العدوان والظلم عن المجتمع البشري.
نعم كان هذا وصفهم وحالهم إلاّ شذاذاً منهم من الانتهازيين، عبدة المقام وعشاق المال ممّن لم تهمّهم إلاّ أنفسهم وإلاّ علفهم وماؤهم، وقد قلنا إنّ بساطة التكليف كانت إحدى العوامل التي صرفت المسلمين عن التوجه والتعرض للمناهج الفلسفية الدارجة في الحضارات القائمة آنذاك، فلأجل ذلك كانوا يكتفون مثلاً في معرفة الله سبحانه بقوله عزّ من قائل: (أَفِي الله شَكٌّ فاطرِ السَّمواتِ والأَرضِ) (2)، وقوله عزّجلّ:(أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيء أَمْ هُمُ الْخالِقُون).(3)

1 . لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا علي الحوض. والتثليث في كلامنا لا يعارض التثنية في كلام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، لأنّ مرجع كلام العترة إلى سنّة الرسول التي أودعها في قلوبهم بإذن الله عزّ وجلّ.
2 . إبراهيم: 10.
3 . الطور: 35.

صفحه 73
وفي نفي الشرك والثنوية كانوا يكتفون بقوله سبحانه: (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاّ اللهُ لَفَسَدتا).(1)
وفي التعرّف على صفاته وأفعاله بقوله سبحانه: (هُوَ اللهُ الَّذي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحيم) (2)، إلى آخر سورة الحشر.
وفي تنزيهه عن التشبيه والتجسيم بقوله سبحانه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّميعُ الْبَصير)(3)، وبقوله: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصار)(4)
وفي سعة قدرته: (وَما قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) .(5)
إلى غير ذلك من الآيات الواردة حول المبدأ والمعاد وما يرجع إليهما من الأبحاث الكلامية الغامضة، فلكلّ واحدة من هذه المسائل نصوص في الكتاب والسنّة وهي أغنتهم عن الرجوع إلى غيرهم.
نعم إنّ مفاهيم هذه الآيات على بساطتها تهدف إلى معان بعيدة الأغوار، عالية المضامين، فالكلّ يستفيد منها حسب مقدرته واستعداده فهي هادية لكلّ البشر ومفيدة لجميع الطبقات من ساذجها إلى متعلّمها، إلى معلمها....

1 . الأنبياء: 22.
2 . الحشر: 22.
3 . الشورى: 11.
4 . الأنعام: 103.
5 . الأنعام: 91.

صفحه 74
وهذه الميزة يختصّ بها القرآن الكريم ويتميّز فيها عن غيره، فهو مع كونه هدى للناس عامة، خير دليل للمفكّرين صغارهم وكبارهم.
هذا هو الكتاب، وأمّا السنّة فهي عبارة عمّا ينسب إلى النبي من قول أو فعل أو تقرير، نازلة منزلة التفسير والتبيين لمعاني الكتاب الحكيم، مبينة لمجمله، شارحة لمعانيه كما يعرب عنه قوله سبحانه: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (1)، أي لا لتقرأ فقط، بل لتبيّن وتشرح ما نزل، بقولك وفعلك وتقريرك.
وأمّا العترة فيكفي في عصمتهم وحجية أقوالهم، حديث الثقلين الذي تواتر نقله، وقام بنقله أكابر المحدّثين في العصور الإسلامية كلّها.
وكان اللائق بالمسلمين والواجب عليهم مع الحجج الإلهية، التمسّك بالعروة الوثقى ورفض الاختلاف، ولكن يا للأسف تفرقوا إلى فرق وفرق لعلل نشير إليها.
إنّ لتكوّن المذاهب الإسلامية ـ أُصولاً وفروعاً ـ عللاً وأسباباً ومعدات وممهدات ولا يقوم بحقّ بيانها الباحث إلاّ بإفراد كتاب خاص في هذا الموضوع، ولكن نشير في هذه العجالة إلى العوامل الرئيسية في تكوّن الفرق ونشوئها في المجتمع الإسلامي وهي أُمور:
1. الاتجاهات الحزبية والتعصبات القبلية.
2. سوء الفهم واعوجاجه في تحديد الحقائق الدينية.

1 . النحل: 44.

صفحه 75
3. المنع عن كتابة حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ونقله والتحدّث به كما سيجيء.
4. فسح المجال للأحبار والرهبان للتحدّث عن قصص الأوّلين والآخرين.
5. الاحتكاك الثقافي واللقاء الحضاري بين المسلمين وغيرهم من الفرس والروم والهنود.
6. الاجتهاد في مقابل النصّ.
وإليك البحث في كلّ واحد من هذه العوامل حسب ما يقتضيه المجال.
***
(وَلَوْ أَنّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعظُونَ بِهِ لَكانَ خَيراً لَهُمْ وَأَشدَّ تَثْبيتاً) (1).
***

1 . النساء: 66 .

صفحه 76
   
 
العامل الأوّل

الاتجاهات الحزبيةُ والتعصّبات القبلية

إنّ أعظم خلاف بين الأُمّة هو الخلاف في قضية الإمامة، إذ ما سلّ سيف قطّ في الإسلام وفي كلّ الأزمنة على قاعدة دينية مثل ما سلّ على الإمامة، وقد كان الشقاق بين المسلمين في تلك المسألة أوّل شقاق نجم بينهم وجعلهم فرقاً أو فرقتين. فمن جانب نرى علياً صلوات الله عليه ورجال البيت الهاشمي ركنوا إلى النص وقالوا: إنّ الإمامة شأنها شأن النبوة لا تكون إلاّ بالنصّ. وإنّ هذا النصّ قد صدر عن النبي في مواطن شتّى، آخرها واقعة الغدير المشهورة بين كافّة الناس حينما قام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في محتشد عظيم وقال: «من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه...».(1)
ومن جانب آخر نرى الأنصار تجتمع في سقيفة بني ساعدة قبل تجهيز النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومواراته، يبحثون عن قضية الإمامة أو الخلافة، فيرى سيدهم أنّ القيادة حقّ للأنصار رافعاً عقيرته بقوله: يا معشر الأنصار لكم سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام ليست في العرب، إنّ محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم)لبث بضع عشرة سنة في قومه يدعوهم إلى عبادة الرحمن وقلع الأنداد والأوثان،

1 . راجع في تواتره وكثرة رواته في جميع العصور الإسلامية من عصر الصحابة إلى عصرنا هذا، ودلالته على الولاية الكبرى للإمام أمير المؤمنين، كتاب الغدير: الجزء الأوّل، ولأجل ذلك طوينا الكلام عن نقل مصادره.

صفحه 77
فما آمن به من قومه إلاّ رجال قليل ما كانوا يقدرون على أن يمنعوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا أن يعزّوا دينه ولا أن يدفعوا عن أنفسهم ضيماً عمّوا به، حتى إذا أراد بكم الفضيلة ساق إليكم الكرامة وخصّكم بالنعمة، فرزقكم الله الإيمان به ورسوله والمنع له ولأصحابه، والإعزاز له ولدينه، والجهاد لأعدائه، فكنتم أشدّ الناس على عدّوه منكم وأثقله على عدوه من غيركم، حتى استقامت العرب لأمر الله طوعاً وكرهاً ـ إلى أن قال ـ : استبدوا بهذا الأمر دون الناس.
فأجابوه بأجمعهم: أن قد وفقت في الرأي وأصبت في القول ولن نعدو ما رأيت، نولّيك هذا الأمر فإنّك فينا مقنع ولصالح المؤمنين رضى.(1)
هذا منطق الأنصار ورئيس جبهتهم ترى أنّه يجر النار إلى قرصه وحزبه بحجّة أنّهم آمنوا بمحمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ونصروه وآووه، إلى غير ذلك من الحجج التي ذكرها سعد بن عبادة، رئيس الخزرج في جبهة الأنصار.
ومن جهة ثالثة نرى بعض المهاجرين الذين اطّلعوا على اجتماع الأنصار في السقيفة، يتركون تجهيز النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومواراته ويسرعون إلى السقيفة ويحضرون في جمعهم ويناشدونهم ويعارضون منطقهم بقولهم: إنّ المهاجرين أوّل من عبد الله في الأرض وآمن بالله وبرسوله، وهم أولياؤه وعشيرته، وأحقّ الناس بهذا الأمر من بعده، ولا ينازعهم في ذلك إلاّ ظالم ـ إلى أن قال ـ : من ذا ينازعهم في سلطان محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) وإمارته وهم أولياؤه وعشيرته، إلاّ مدل بباطل أو متجانف لإثم أو متورط في هلكة.(2)

1 . تاريخ الطبري: 2 / 456، حوادث سنة 11 هـ .
2 . تاريخ الطبري: 2 / 457، حوادث سنة 11 هـ .

صفحه 78
وهذا منطق بعض المهاجرين لا يقصر في الصلابة أو الوهن عن منطق الأنصار، والكلّ يدّعي أنّ الحقّ له ولحزبه، من دون أن يتفكّروا في مصالح الإسلام والمسلمين، ومن دون أن يتفكّروا في اللياقة والكفاءة في القائد، ومن دون أن يرجعوا إلى الكتاب والسنّة وإحراز المعايير التي يجب وجودها في القائد، فيشبه منطق هؤلاء منطق المرشحين من سرد الثناء على أنفسهم وحزبهم لرئاسة الجمهورية أو عضوية المجلس الوطني.
وكلّ يدّعي وصلاً بليلى *** وليلى لا تقر لهم بذاكا
نعم كان هذا التشاجر قائماً بينهم على قدم وساق إلى أن تغلب جناح هذا الصنف من المهاجرين على جبهة الأنصار بإعانة بعض الأنصار وهو «بشير بن سعد» و هو ابن عم «سعد بن عبادة»، فبايع أبا بكر حتى يكسر على سعد بن عبادة وعلى الخزرج ما كانوا أجمعوا أمرهم، ولما رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد وما تدعو إليه قريش وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة، قال بعضهم لبعض ـ و فيهم أسيد بن حضير وكان أحد النقباء ـ : والله لئن وليتها الخزرج عليكم مرة لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيباً، فقوموا فبايعوا أبا بكر، فقاموا إليه وبايعوه.(1)
وهناك كلمة قيمة للإمام أمير المؤمنين في تقييم احتجاج الأنصار والمهاجرين نقلها الشريف الرضي في «نهج البلاغة»، قال:
لمّا انتهت إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) أنباء السقيفة،بعد وفاة رسول

1 . تاريخ الطبري: 2 / 458، حوادث سنة 11 هـ .

صفحه 79
الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال(عليه السلام): «ما قالت الأنصار ؟» قالوا: قالت: منّا أمير ومنكم أمير.
قال (عليه السلام) : «فهلا احتججتم عليهم بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وصى بأن يحسن إلى محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم»!
قالوا: وما في هذا من الحجّة عليهم؟ .
فقال (عليه السلام) : «لو كانت الإمارة فيهم، لم تكن الوصية بهم».
ثمّ قال (عليه السلام) : «فماذا قالت قريش؟».
قالوا: احتجت بأنّها شجرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) .
فقال (عليه السلام) : «احتجّوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة».(1)
وفي كلمة قصيرة عن الإمام (عليه السلام) ، قال: «واعجباه تكون الخلافة بالصحابة، ولا تكون بالصحابة والقرابة».
قال الرضي، وقد روي له شعر قريب من هذا المعنى وهو:
فإن كنت بالشورى ملكت أُمورهم *** فكيف بهذا والمشيرون غُيَّبُ
وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم *** فغيرك أولى بالنبي وأقرب(2)

1 . نهج البلاغة: الخطبة 64.
2 . نهج البلاغة، طبعة عبده، قسم الحكم، الرقم 190. وفي المطبوع تحريف، والصحيح ما أثبتناه في المتن.

صفحه 80
وبتلك المعايير و المبررات تمت البيعة للخليفة، والكلّ أشبه بالتحالفات الحزبية أو القبلية التي لا تمت إلى الإسلام وأهله بصلة.
فعند ذلك أخذ هؤلاء المهاجرون بزمام الحكم واحداً بعد واحد إلى أن تربّع ثالث القوم عثمان بن عفان على منصة الحكم، فحدثت في زمانه حوادث مؤلمة وبدع كثيرة أدّت إلى الفتك به والإجهاز عليه.
غير أنّ عليّاً صلوات الله عليه وبني هاشم وعدّة من المهاجرين والبدريين وعدّة من أكابر الأنصار تمسّكوا بالنصّ النبوي وبقوا على ما فارقهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليه، كما أنّ رئيس الأنصار الخزرجيين وداعميه لم يبايعوا أبا بكر ولا عليّاً.
هذا تحليل تكوّن أوّل تفرّق حدث في الإسلام; فجعل الأُمّة فرقتين: فرقة تشايع الخلفاء، وفرقة تشايع عليّاً (عليه السلام) إلى اليوم الحاضر.
والذين شايعوا عليّاً (عليه السلام) وتابعوه لم يكن ذلك منهم إلاّ تمسكاً بالدين مذعنين بأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد نصّ عليه من دون أن يكون هناك اندفاع حزبي أو علاقة شخصية أو قبلية، بل تسليماً لقوله سبحانه: (وَما كانَ لِمُؤمِن وَلا مُؤْمِنَة إِذا قَضى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرهِمْ).(1)
وأمّا غيرهم فقد عرفت المعايير التي استندوا إليها في تقديمهم على غيرهم، فالكلّ معايير قبلية أو شخصية.

1 . الأحزاب: 36.

صفحه 81

العامل الثاني

سوء الفهم واللجاج في تحديد الحقائق

إذا كانت الدعايات الحزبية أوّل عامل لتكوّن الفرق، فهناك عامل ثان لتفريق المسلمين وتبديدهم إلى فرق متباعدة، وهو سوء الفهم ـ عن تقصير ـ في تحديد العقائد الدينية من بعضهم، وقلة العقل وخفّته في بعض آخر منهم، وقد كان هذا عاملاً قويّاً لتكوّن الخوارج التي كانت من أخطر الفرق على الإسلام والمسلمين، لولا أنّ الإمام عليّاً (عليه السلام) استأصلهم وبدد شملهم، ومع ذلك بقيت منهم حشاشات تنجم تارة وتخفق أُخرى في الأجيال والقرون، وإليك شرحه:
لقد ثار أهل العراق والحجاز ومصر على عثمان نتيجة الأحداث المؤلمة التي ارتكبها عماله في هذه البلاد وانتهى الأمر إلى قتله وتنصيب علي (عليه السلام) مكانه لما عرفت الأُمّة من علمه وفضله وسابقته وجهاده المنقطع النظير، وقام علي (عليه السلام) بعزل الولاة والعمال الذين نصبهم عثمان على رقاب الناس، وقد انتهت أعمالهم الإضرارية من جانب، وإصرار الخليفة على إبقائهم من جانب آخر، إلى قتله.
قام علي (عليه السلام) بعزل الولاة آنذاك، ونصب العمال الأتقياء الزهّاد مكانهم،

صفحه 82
وعند ذلك طمع الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله في العراقين، وطلبا منه أن يولي أحدهما على الكوفة والآخر على البصرة، والمألوف من طريقة علي(عليه السلام) في تنصيب العمال اشتراط شروط، تخالف ما كان عليه الرجلان وقد قال في حقّهما كلمة: «وإنّي أخاف شرهما على الأُمّة وهما معي، فكيف إذا فرقتهم في البلاد».(1)
فعند ذلك ثارا على الإمام علي (عليه السلام) وخرجا عليه واتّهماه ـ لتبرير موقفهماـ بقتل عثمان أو إيواء قتلته، وكانت نتيجة ذلك اشتعال نار الحرب بين الإمام والرجلين في نواحي البصرة«حرب الجمل» وقتل الرجلين بعد أن أُريقت دماء الأبرياء.
ثمّ إنّ معاوية قد عرف موقف علي (عليه السلام) بالنسبة إلى عمال الخليفة «عثمان»، و مع هذا طلب من الإمام إبقاءه والياً على الشام، فرفض الإمام ذلك لما يعرف من نفسية معاوية وانحرافه، ونشبت من ذلك «حرب صفين»، ولما ظهرت بوادر الفتح المبين لعلي وجيشه، التجأ معاوية وحزبه إلى خديعة رفع المصاحف والدعوة إلى تحكيم القرآن بين الطرفين، فصار ذلك نواة لحدوث الاختلاف في جبهة علي (عليه السلام)، فمن قائل: نستمر في الحرب وهذه خدعة ومكر، ومن قائل: نجيبهم إلى ما دعونا إليه.
وقد أمر الإمام بمواصلة الحرب، وقام بتبيين الخدعة، غير أنّ الظروف الحاكمة السائدة على جيش الإمام ألجأته إلى قبول وقف الحرب وإدلاء

1 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 11 / 16.

صفحه 83
الأمر إلى الحكمين وإعلان الهدنة، وكتب هناك كتاباً حول هذا.
ومن العجيب أنّ الذين كانوا يصرون على إيقاف الحرب ندموا على ما فعلوا، فجاءوا إلى الإمام يصرّون على نقض العهد، والهجوم على جيش معاوية من جديد، غير أنّ الإمام وقف في وجههم بصمود لما يتضمن من نقض العهد (وَكانَ عَهْدُ اللّهِ مَسْؤُولاً) .(1)
وعند ذلك نجمت فرقة باسم الإسلام من جيش علي (عليه السلام) وطلع قرن الشيطان ،فعادت تلك الجماعة خارجة عن إطاعة إمامهم، رافضة لحكومته، ومبغضة إيّاه كما أبغضت عثمان وعماله، وهذه الفرقة هي فرقة الخوارج وما زالوا مبدأ أحداث وعقائد في التاريخ. وكان الحافز القوي على تكوّن هذه الفرقة هو سوء الفهم واعوجاج السليقة، وقد عرّفهم الإمام بقوله ـ عندما شهروا سيوفهم عليه في النهروان ـ :«فأنا نذيركم أن تصبحوا صرعى بأثناء هذا النهر وبأهضام هذا الغائط، على غير بيّنة من ربّكم ولا سلطان مبين معكم، قد طوّحت بكم الدار واحتبلكم المقدار، وقد كنت نهيتكم عن هذه الحكومة فأبيتم علي إباء المخالفين المنابذين، حتى صرفت رأيي إلى هواكم وأنتم معاشر أخفّاء الهام، سفهاء الأحلام».(2)
وللإمام كلمة أُخرى يشير فيها إلى السبب الذي فارقوا به عن الحقّ قال صلوات اللّه عليه: «لا تقتلوا الخوارج بعدي، فليس من طلب الحقّ

1 . الأحزاب: 15.
2 . نهج البلاغة شرح محمد عبده: 1 / 82، الخطبة 35.

صفحه 84
فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه» (يعني معاوية وأصحابه).
قال الإمام عبده: والخوارج من بعده وإن كانوا قد ضلّوا بسوء عقيدتهم فيه إلاّ أنّ ضلّتهم لشبهة تمكّنت في نفوسهم، فاعتقدوا أنّ الخروج عن طاعة الإمام ممّا يوجبه الدين عليهم، فقد طلبوا حقّاً وأرادوا تقريره شرعاً، فأخطأوا الصواب فيه.(1)
وقد زعموا أنّ مسألة التحكيم تخالف قوله سبحانه: (إِنِ الحُكْمُ إِلاّلله).(2)
وسيوافيك مفاد الآية ومقالة المحتجين بهاـ عند البحث عن عقائد تلك الفرقة ـ كي يظهر مدى اعوجاج فهم القوم.
ظهور المرجئة   

ظهور المرجئة

قد كان لظهور الخوارج أثر بارز في حدوث الفتن وظهور الحوادث الأُخر في المجتمع الإسلامي، وقد نجمت المرجئة من تلك الناحية حيث إنّ الإرجاء بمعنى التأخير، قال سبحانه: (أَرْجه وَأَخاهُ وَأَرسل فِي المدَائنِ حاشِرين) .(3)
ولهذه الفرقة (المرجئة) آراء خاصة نشير إليها في محلّها، غير أنّ اللبنة الأُولى لظهورها هي اختلافهم في أمر علي وعثمان، فهؤلاء (الخوارج) كانوا

1 . نهج البلاغة شرح محمد عبده: 1 / 103 الخطبة 58.
2 . يوسف:40.
3 . الأعراف:111.

صفحه 85
يحترمون الخليفتين أبا بكر وعمر ويبغضون علياً وعثمان، على خلاف أكثرية المسلمين، ولكن المرجئة الأُولى لما لم يوفقوا لحلّ هذه المشكلة التجأوا إلى القول بالإرجاء فقالوا: نحن نقدّم أمر أبي بكر وعمر، ونؤخّر أمر الآخرين إلى يوم القيامة، فصارت المرجئة فرقة نابتة من خلاف الخوارج في أمر الخليفتين، مع فوارق بينهم و بين المرجئة التي تأتي في محلّها، والعامل لتكوّنها كأصلها، هو سوء الفهم واعوجاج التفكير.
هذا هو أصل الإرجاء، ولبنته الأُولى، ولكنّه قد نسي في الآونة الأخيرة; وأخذ الأصل الآخر مكانه، و هو كون العمل داخلاً في الإيمان أو لا؟ وبعبارة أُخرى: هل مرتكب الكبيرة مؤمن أو لا؟
ذهبت الخوارج إلى دخول العمل في صميم الإيمان، فصار مرتكب الكبيرة كافراً.
واختارت المعتزلة كون مرتكب الكبيرة غير مؤمن ولكنّه ليس بكافر، بل هو في منزلة بين المنزلتين.
وذهبت المرجئة الأُولى إلى خروج العمل من الإيمان، وأنّ
إيمان مرتكب الكبيرة، كإيمان الملائكة والأنبياء بحجّة عدم دخالة
العمل في الإيمان. فاشتهروا بالقول: «قدّموا الإيمان وأخّروا العمل» فصار هذا أصلاً وأساساً ثانوياً للمرجئة. فكلّما أطلقت المرجئة لا يتبادر منها إلاّ هؤلاء.
إنّ الاكتفاء في تفسير الإيمان بالشهادة اللفظية أو المعرفة القلبية، وأنّ

صفحه 86
عصاة المؤمنين لا يعذبون أصلاً، وانّ النار للكافرين(1) واقتحام الكبائر لا يضر أبداً، فكرة خاطئة تسير بالمجتمع وخصوصاً الشباب فيه إلى الخلاعة والانحلال الأخلاقي وترك القيم.
وعلى كلّ تقدير إنّ نظرية الإرجاء في كلا الموضعين نظرية باطلة نشأت من الاعوجاج في فهم المعارف والانحراف في تفسير الذكر الحكيم، والحديث المأثور عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم).
ولما كان مذهب الإرجاء لصالح السلطة الأموية أخذت تروّجه وتسانده حتى لم يلبث أن فشا في الإرجاء، ولم تبق كورة إلاّ وفيها مرجئي، كما سيوافيك ذلك عند البحث عن عقائد هذه الفرقة.
وليس ظهور الخوارج أو المرجئة وحدهما نتاج الإعوجاج الفكري، بل هناك مذاهب أُخرى نجمت من هذا المنشأ. عصمنا الله جميعاً من الزلل في القول والعمل.
***
( ادعُ إِلى سَبيلِ رَبّكَ بِالحكْمَةِ وَالْمَوعِظَةِ الحَسَنةِ وَجادِلْهُمْ بِالّتي هِيَ أَحْسَن) (2).
   

1 . شرح المقاصد للتفتازاني:2/229، ولاحظ أيضاً ص 238.
2 . النحل: 125.

صفحه 87

العامل الثالث

المنع عن كتابة الحديث وتدوينه بل التحدّث عنه

إنّ هنا عاملاً ثالثاً لتكوّّن الفرق ونشوء الفوضى في العقائد والأُصول، وهو المنع عن كتابة الحديث وتدوينه بل التحدّث عنه بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى عهد المنصور العباسي.
توضيحه: الحديث عبارة عمّا ينسب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من قول أو فعل أو تقرير نازل منزلة التفسير لمعاني الكتاب الحكيم، مبيّن لمجمله، شارح لمعانيه، كما يعرب عنه قوله سبحانه: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون) .(1)
أي لا لتقرأ فقط، بل تبيّن وتشرح ما نزل، بقولك وفعلك وتقريرك.
إذا كانت السنّة هي في الدرجة الثانية من الدين بعد القرآن الكريم في الحجية والاعتبار، حتى إنّك لا تجد فيها شيئاً إلاّ وفي القرآن أُصوله وجذوره، ولا إسهاباً إلاّ وفيه مجمله وعناوينه.
وإذا كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يصدر في قوله وكلامه إلاّ بإيحاء من الله

1 . النحل:44.

صفحه 88
سبحانه كما يصرح بذلك قوله سبحانه: (ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى* وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى* إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى).(1)
فهل يصحّ للرسول أن يمنع عن تدوينه وكتابته أو مدارسته ومذاكرته؟!
وإذا كان الرسول منع دراسة الحديث ونقله ونشره وتدوينه، فما معنى قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) في خطبته في منى عام حجّة الوداع: «نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلّغها، فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه»(2) ؟!
وما معنى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «نضّر الله امرأً سمع منا شيئاً فبلغه كما يسمع، فرب مبلّغ أوعى من سامع»(3)؟!
أو قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «اللّهمّ ارحم خلفائي، اللّهم ارحم خلفائي، اللّهمّ ارحم خلفائي» قيل: يا رسول الله ومن خلفاؤك؟ قال: «الذين يأتون من بعدي يروون حديثي وسنّتي»(4)؟!
كيف تصحّ نسبة المنع إلى الرسول الأعظم، مع أنّ المستفيض منه خلافه؟! وإليك بعض ما ورد عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) .
أمر الرسول بكتابة حديثه   

1 . النجم:2 ـ 4.
2 . سنن الترمذي: 5 / 34 ح 2657.
3 . سنن الترمذي:5/34 ح2658.
4 . كنزالعمال:10/221، رقم الحديث29167; و بحارالأنوار:2/145 ح7.

صفحه 89
 
أمر الرسول بكتابة حديثه
1. روى البخاري عن أبي هريرة أنّ خزاعة قتلوا رجلاً من بني ليث عام فتح مكة بقتيل منهم قتلوه، فأُخبر بذلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فركب راحلته فخطب، فقال: «إنّ الله حبس عن مكة القتل أو الفيل (شكّ أبو عبد الله) وسلّط عليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين، ألا وإنّها لم تحل لأحد قبلي ولم تحل لأحد بعديـ إلى أن قال ـ : فجاء رجل من أهل اليمن فقال: اكتب لي يا رسول الله؟ فقال: «اكتبوا لأبي فلان ـ إلى أن قال ـ : كتب له هذه الخطبة».(1)
2. وروي أنّ رجلاً من الأنصار كان يجلس إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فيسمع من النبي الحديث فيعجبه ولا يحفظه، فشكا ذلك إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: يا رسول الله إنّي أسمع منك الحديث فيعجبني ولا أحفظه، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «استعن بيمينك» وأومأ بيده للخط.(2)
3. وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه قال: قلت: يا رسول الله أكتب كلّ ما أسمع منك؟ قال: «نعم». قلت: في الرضا والسخط؟ قال: «نعم فإنّه لا ينبغي لي أن أقول في ذلك إلاّ حقاً».(3)
4. وعن عبد الله بن عمرو قال: كنت أكتب كلّ شيء أسمعه من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أُريد حفظه، فنهتني قريش وقالوا: تكتب كلّ شيء سمعته من

1 . صحيح البخاري: 1 / 29 ـ 30 ، باب كتابة العلم، الحديث 2.
2 . سنن الترمذي:5/39، كتاب العلم، باب ما جاء في الرخصة فيه، ح2666.
3 . مسند أحمد:2/207.

صفحه 90
رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فأومأ بإصبعه إلى فيه وقال: «اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلاّ حقّ».(1)
5. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جدّه، قال: قلت: يا رسول الله إنّا نسمع منك أحاديث لا نحفظها أفلا نكتبها؟ قال: «بلى فاكتبوها».(2)
أضف إلى ذلك أنّ الذكر الحكيم يحثّ المسلمين على كتابة ما يتداينون بينهم. قال سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْن إِلى أَجَل مُسمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُب وَلْيُمْلِلِ الَّذي عَلَيْهِ الحَقّ...) ثمّ يعود ويؤكد على المؤمنين أن لا يسأموا من الكتابة فقال سبحانه:(وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغيراً أَوْ كَبيراً إِلى أَجلهِ...).(3)
فإذا كان المال الذي هو زينة الحياة الدنيا من الأهمية بهذه المنزلة، فكيف بأقوال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأفعاله وتقاريره التي تعتبر تالي القرآن الكريم حجّية وبرهاناً؟
وهناك كلمة قيّمة للخطيب البغدادي نأتي بها برمتها: وقد أدّب الله سبحانه عباده بمثل ذلك في الدين، فقال عزّ وجلّ: (وَلا تَسأمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ

1 . سنن الدارمي:1/125، باب من رخّص في كتابة العلم; سنن أبي داود:2/318، باب في كتابة العلم; مسندأحمد:3/162.
2 . مسند أحمد: 2 / 215.   3 . البقرة: 282.

صفحه 91
صَغِيراً أَوْ كَبيراً إِلى أَجَلهِ ذلِكُمْ أَقْسطُ عِنْدَ اللّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادةِ وَأَدنى أَلاّ تَرْتابُوا) .(1)
فلمّا أمر الله تعالى بكتابة الدين حفظاً له، واحتياطاً عليه وإشفاقاً من دخول الريب فيه، كان العلم الذي حفظه أصعب من حفظ الدين، أحرى أن تباح كتابته خوفاً من دخول الريب والشكّ فيه. بل كتابة العلم في هذا الزمان، مع طول الاسناد، واختلاف أسباب الرواية، أحج من الحفظ، ألا ترى أنّ الله عزّوجلّ جعل كتب الشهادة فيما يتعاطاه الناس من الحقوق بينهم، عوناً عند الجحود، وتذكرة عند النسيان، وجعل في عدمها عند المموّهين بها أوكد الحجج ببطلان ما ادّعوه فيها، فمن ذلك أنّ المشركين لما ادّعوا بهتاناً اتخاذ الله سبحانه بنات من الملائكة، أمر الله نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يقول لهم: (فأَتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ).(2)
ولمّا قالت اليهود: (ما أنزلَ اللّهُ على بشر مِنْ شَيْء) (3)، وقد استفاض عنهم قبل ذلك للإيمان بالتوراة، قال الله تعالى لنبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم)قل لهم: (مَنْ أَنْزلَ الكتابَ الَّذي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهدىً لِلناسِ تَجْعَلُونهُ قَراطِيسَ تُبْدُونها وَتُخْفُونَ كَثيراً) (2)، فلم يأتوا على ذلك ببرهان، فأطلع الله على عجزهم عن ذلك بقوله:(قُلِ اللّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ في خَوضِهِمْ يَلْعَبُون) .(5)
وقال تعالى ـ رادّاً على متّخذي الأصنام آلهة من دونه ـ : (أَروني ماذا

1 . البقرة: 282.   2 . الصافات: 157.   3 . الأنعام: 91.
2 . الأنعام: 91.                      5 . الأنعام:91.

صفحه 92
خَلَقُوا مِنَ الأَرضِ أَمْ لَهُمْ شِرِكٌ فِي السَّماواتِ ائتُوني بِكتاب مِنْ قَبْلِ هذا أَو أَثارة مِنْ عِلْم إِنْ كُنْتُمْ صادِقين) .(1) والأثارة والأثرة، راجعان في المعنى إلى شيء واحد،وهو ما أثر من كتب الأوّلين. وكذلك سبيل من ادّعى علماً أو حقاً من حقوق الأملاك، أن يقيم دون الإقرار برهاناً، إمّا شهادة ذوي عدل أو كتاباً غير مموّه، وإلاّفلا سبيل إلى تصديقه.
والكتاب شاهد عند التنازع... إلى آخر ما ذكره.(2)
نرى أنّه سبحانه قد شرح دساتير وحيه وآي قرآنه بالأمر بالقراءة مبيّناً أهمية القلم في التعليم والتعلّم حيث قال عزّمن قائل: (اقرأ بِاسْمِ رَبّكَ الَّذي خَلَق * خَلَقَ الإِنْسانَ مِنْ عَلَق * اقْرَأْ وَرَبّكَ الأَكْرَم * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَم).(2)
بل و عظّم سبحانه القلم والكتابة تعظيماً، حتى جعلهما بمرتبة استحقاق القسم بهما فهو جلّ وعلا يقول: (ن وَالقَلَمِ وما يَسْطُرُون).(4)
أفهل يعقل معه أن ينهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن كتابة ما هو قرين القرآن وتاليه في الحجية، أعني: السنة الشريفة؟ كلاّ.
أُسطورة المنع عن كتابة الحديث   

أُسطورة المنع عن كتابة الحديث

هذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ ما نسب إليه (صلى الله عليه وآله وسلم)من النهي عن كتابة الحديث، يخالف منطق الوحي والحديث والعقل، وما هو إلاّوليد

1 . الأحقاف: 4.   2 . تقييد العلم: 70 ـ 71.
2 . العلق: 1 ـ 4.                4 . القلم: 1.

صفحه 93
الأوهام والسياسات التي أخذت تمنع نشر حديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وتدوينه لغايات سياسية لا تخفى على ذي لب. فمثلاً روى مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «لا تكتبوا عنّي، ومن كتب عنّي غير القرآن فليمحه».(1)
وفي رواية: إنّهم استأذنوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يكتبوا عنه فلم يأذن لهم.(2)
وفي مسند أحمد أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى أن نكتب شيئاً من حديثه(2). وأيضاً ورد في مسند أحمد عن أبي هريرة أنّه قال: «كنا قعوداً نكتب ما نسمع من النبي، فخرج علينا فقال: «ما هذا تكتبون»؟ فقلنا: ما نسمع منك، فقال: «أكتاب مع كتاب الله؟» فقلنا: ما نسمع. فقال: «اكتبوا كتاب الله، امحضوا كتاب الله، أكتاب غير كتاب الله، امحضوا أو خلصوه» . قال: فجعلنا ما كتبنا في صعيد واحد ثمّ أحرقناه بالنار».(4)
ثمّ إنّ القوم لم يكتفوا بما نسبوه إلى النبي في مجال كتابة الحديث، بل ذكروا هناك أحاديث موقوفة على الصحابة والتابعين تنتهي إلى الشخصيات البارزة: كأبي سعيد الخدري، وأبي موسى الأشعري، وعبد الله بن مسعود، وأبي هريرة، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعمر بن عبد العزيز، وعبيدة، وإدريس بن أبي إدريس، ومغيرة بن إبراهيم، إلى غير ذلك.(3)

1 . سنن الدارمي: 1 / 119; مسند أحمد: 3 / 12.            2 . سنن الدارمي: 1 / 119.
2 . مسند أحمد: 5 / 182.                              4 . مسند أحمد: 3 / 12.
3 . جمع الخطيب في «تقييد العلم»: 29ـ 28، الروايات المنسوبة إلى النبي والموقوفة على الصحابة والتابعين.

صفحه 94
وروى عروة بن الزبير أنّ عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن، فاستشار في ذلك أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأشاروا عليه أن يكتبها فطفق عمر يستخير الله فيها شهراً، ثمّ أصبح يوماً و قد عزم الله له، فقال: إنّي كنت أردت أن أكتب السنن، وإنّي ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً فأكبّوا عليها وتركوا كتاب الله، وإنّي والله لا ألبس كتاب الله بشيء أبداً.(1)
وروى ابن جرير أنّ الخليفة عمر بن الخطاب كان كلّما أرسل حاكماً أو والياً إلى قطر أو بلد، يوصيه في جملة ما يوصيه: جرّدوا القرآن وأقلّوا الرواية عن محمّد وأنا شريككم.(2)
وكان عمر قد شيع قرظة بن كعب الأنصاري ومن معه إلى «صرار» على ثلاثة أميال من المدينة، وأظهر لهم أنّ مشايعته لهم إنّما كانت لأجل الوصية بهذا الأمر، وقال لهم ذلك القول.
قال قرظة بن كعب الأنصاري: أردنا الكوفة، فشيّعنا عمر إلى «صرار» فتوضأ فغسل مرتين، وقال: تدرون لم شيعتكم؟ فقلنا: نعم، نحن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال: إنّكم تأتون أهل قرية لهم دويّ بالقرآن كدويّ النحل، فلا تصدّوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جرّدوا القرآن، وأقلّوا الرواية عن رسول الله، وامضوا وأنا شريككم.(2)
وقد حفظ التاريخ أنّ الخليفة قال لأبي ذر، وعبد الله بن مسعود، وأبي الدرداء: ما هذا الحديث الذي تفشون عن محمّد؟(4)

1 . تقييد العلم: 49.   2 . تاريخ الطبري: 3 / 273، طبعة الأعلمي بالأُفست.
2 . طبقات ابن سعد: 6 / 7; المستدرك للحاكم: 1 / 102.   4 . كنز العمال: 10 / 293 ح 29479.

صفحه 95
وذكر الخطيب في «تقييد العلم» عن القاسم بن محمد: أنّ عمر بن الخطاب بلغه أنّ في أيدي الناس كتباً، فاستنكرها وكرهها، وقال: أيّها الناس إنّه قد بلغني أنّه قد ظهرت في أيديكم كتب، فأحبها إلى الله، أعدلها وأقومها، فلا يبقين أحد عنده كتاب إلاّ أتاني به فأرى فيه رأيي. قال فظنوا أنّه يريد ينظر فيها ويقوّمها على أمر لا يكون فيه اختلاف، فأتوه بكتبهم، فأحرقها بالنار ثمّ قال: أمنية كأمنية أهل الكتاب .(1)
وقد صار عمل الخليفتين سنّة، فمشى عثمان مشيهما، ولكن بصورة محدودة وقال على المنبر: لا يحل لأحد يروي حديثاً لم يسمع به في عهد أبي بكر ولا عهد عمر. (2)
كما أنّ معاوية اتبع طريقة الخلفاء الثلاث فخطب وقال: يا ناس أقلّوا الرواية عن رسول الله وإن كنتم تتحدّثون فتحدّثوا بما كان يتحدّث به في عهد عمر.(2)
حتى أنّ عبيد الله بن زياد عامل يزيد بن معاوية على الكوفة، نهى زيد بن أرقم الصحابي عن التحدّث بأحاديث رسول الله. (4)
وبذلك أصبح ترك كتابة الحديث سنّة إسلامية، وعدّت الكتابة شيئاً منكراً مخالفاً لها.
هذه هي بعض الأقاويل التي رواها أصحاب الصحاح والسنن، وفي

1 . تقييد العلم: 52.                      2 . كنز العمال: 10 / 295، ح 29490.
2 . كنز العمال: 10 / 291، ح 29473.   4 . فرقة السلفية: 14، نقلاً عن مسند الإمام أحمد.

صفحه 96
نفس الوقت نقلوا أحاديث تناقضها وتأمر بكتابة الحديث والسنّة كما ستوافيك.

العقل والمنع عن كتابة الحديث

كيف يسمح العقل والمنطق أن يحكم بصحّة الأحاديث الناهية عن الكتابة، مع أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أمر في أُخريات حياته أن يحضروا له قلماً ودواة ليكتب لهم كتاباً لن يضلوا بعده أبداً! وما كان المكتوب (على فرض كتابته) إلاّ حديثاً من أحاديثه، فقد روى البخاري عن ابن عباس أنّه قال:لمّا اشتدّ بالنبي وجعه قال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده، قال عمر: إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا. فاختلفوا وكثر اللغط قال: «قوموا عنّي ولا ينبغي عندي التنازع» فخرج ابن عباس يقول: الرزية كلّ الرزية ماحال بين رسول الله وبين كتابه.(1)
الغايات السياسية والأهداف الدينية   
أفهل يجتمع هذا الأمر مع النهي عن تدوينه؟!
ثمّ إنّنا نرى أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث كتباً إلى الملوك والساسة والأُمراء والسلاطين وشيوخ القبائل ورؤسائها ناهز عددها ثلاثمائة كتاب في طريق الدعوة والتبليغ أو حول العهود والمواثيق وقد حفظ التاريخ متون هذه الرسائل التي جمع بعضها نخبة مع المحقّقين في كتب خاصة.(2)
والتاريخ يصرح بأنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يملي والكاتب يكتب، فلما

1 . صحيح البخاري :1/30 كتاب العلم، باب كتابة العلم.
2 . «كالوثائق السياسية» لمحمد حميد الله، و «مكاتيب الرسول» للعلاّمة الأحمدي.

صفحه 97
ازدادت الحاجة وكثرت العلاقات الاجتماعية أصبحت الحاجة إلى كتّاب يمارسون عملهم، فأدّى ذلك إلى كثرة الكتّاب فجعل لكلّ عمل كاتباً، ولكلّ كاتب راتباً معيناً. وقد كان أكثرهم كتابة، علي بن أبي طالب صلوات وسلامه عليه، فقد كان يكتب الوحي وغيره من العهود والمصالحات، وقد أنهى المؤرخون كتّابه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى سبعة عشر كاتباً.
فهل يجوز أن يكتب الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه المكاتبات والعهود والمصالحات إلى بطون القبائل ورؤساء العشائر وهو يعلم أنّهم يحتفظون بهذه المكاتبات بحجّة أنّها من أوثق الوثائق السياسية والدينية، ثمّ ينهى عن تسطير كلامه وحديثه؟ فما هذان إلاّنقيضان لا يجتمعان.

الغايات السياسية والأهداف الدينية

ومع ذلك كلّه فقد غلبت الغايات السياسية على الأهداف الدينية وقامت بكلّ قوة أمام حديث النبي ونشره وكتابته، حتّى أنّ الخليفة أبا بكر أحرق في خلافته خمسمائة حديث كتبه عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).(1)
و لمّا قام عمر بعده بالخلافة نهى عن كتابة الحديث وكتب إلى الآفاق: أنّ من كتب حديثاً فليمحه.(2)
ثمّ نهى عن التحدّث، فتركت عدّة من الصحابة الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (3) فلم يكتب الحديث ولم يدوّن إلاّ في عهد المنصور عام 143 هـ كما سيوافيك بيانه.

1. كنز العمال:10/237 و239.   2. مسند أحمد:3/12 و14.   3. مستدرك الحاكم:1/102و 104.

صفحه 98
وقد بلغت جسارة قريش على ساحة النبي الأقدس أن منعوا عبد الله بن عمرو عن الاهتمام بحديث النبي وكتابته مدّعين بأنّه بشر يغضب(1). أي والله إنّه بشر يرضى ويغضب، ولكن لا يرضى ولا يغضب إلاّ من حقّ ولا يصدر إلاّ عنه.
إنّ الرزية الكبرى هي أن يمنع التحدّث بحديث رسوله وكتابته وتدوينه، ويحلّ محله التحدّث عن العهد القديم والجديد وعن الأحاديث الإسرائيلية والمسيحية والمجوسية(2)، فتمتلئ الأذهان والصدور بالقصص الخرافية التي لا تمت إلى الإسلام بصلة ولا يصدقها العقل والمنطق كما سيمر عليك شرح تلك الفاجعة العظمى التي ألمت بالإسلام والمسلمين.
فلو صحّ ما نقل عن أبي هريرة من جمع ما كتبه الصحابة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في مكان واحد وحرقه بالنار، لوجب على المسلمين كافة أن يجمعوا كلّ مصادر أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى رأسها صحيح البخاري وصحيح مسلم وحرقها في مكان واحد وذلك اقتداء بالسلف الصالح!! وإذا صحّ فهل يبقى من الإسلام ما يرجع إليه في فهم القرآن الكريم وتمييز الحلال عن الحرام؟
والذي أظنّه ـ وظن الألمعي صواب ـ أنّ الذي منع من تدوين الحديث ونشره ومدارسته وكتابته بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، هو الذي منع كتابة الصحيفة

1 . المصدر نفسه.
2 . وقد أذن عمر بن الخطاب لتميم الداري النصراني الذي استسلم عام 9 من الهجرة أن يقص كما في كنز العمال:1/281، فالتحدّث بحديث رسول الله يكون ممنوعاً، و «الداري» وأمثاله يكونون أحراراً في بث الأساطير والقصص المحرّفة؟!

صفحه 99
يوم الخميس عند احتضار النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فالغاية بداية ونهاية وقبل رحلته (صلى الله عليه وآله وسلم)وبعدها واحدة لم تتغير، وأمّا حقيقة تلك الغاية فتفصيلها موكول إلى آونة أُخرى، نأتي هنا بمجملها:
كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) منذ أن صدع بالدعوة، وأجهر بها، ينص على فضائل علي ومناقبه في مناسبات شتّى، فقد عرّفه في يوم الدار الذي ضم فيه أكابر بني هاشم وشيوخهم، بقوله: «إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا».
وفي يوم الأحزاب بقوله: «ضربة علي يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين».
وفي اليوم الذي غادر فيه المدينة متوجهاً إلى تبوك، وقد ترك علياً خليفته على المدينة، عرّفه بقوله: «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي».
إلى أن عرّفه في حجّة الوداع في غديرخم بقوله:«من كنت مولاه، فهذا عليٌّ مولاه».(1)
وغير ذلك من المناقب والفضائل المتواترة، وقد سمعها كثير من الصحابة فوعوها.
فكتابة حديث رسول الله بمعناها الحقيقي، لا تنفك عن ضبط ما أثر

1 . سيوافيك مصادر هذه الأحاديث عند البحث عن عقيدة الشيعة، و من أراد الوقوف فليرجع إلى كتب المناقب للإمام علي(عليه السلام) .

صفحه 100
عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) في حقّ أوّل المؤمنين به، وأخلص المناصرين له في المواقف الحاسمة، وليس هذا شيئاً يلائم شؤون الخلافة التي تقلّدها المانع عن الكتابة.
وهناك وجه آخر للمنع عنها، هو أنّ عليّاً كان أحد المهتمين بكتابة حديث رسول الله وضبطه كما كان مولعاً بضبط الوحي وكتابته. وقد كتب من أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما أملى عليه فصار له أُذناً واعية، وهو (عليه السلام)بالنسبة إلى رسول الله كما قال هو نفسه: «إنّي كنت إذا سألته أنبأني، وإذا سكتُّ ابتدأني»(1) . وهو أوّل من ألّف أحاديث رسول الله وكتب، وهذه منقبة عالية لأمير المؤمنين دون غيره، إلاّ أقلّ القليل. فاهتم مخالفوه بإخفاء هذه الفضيلة، باختلاق حديث منع الكتابة، فروى مسلم وغيره عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا تكتبوا عنّي سوى القرآن، ومن كتب فليمحه»(2) وكانت الغاية من تلك المقالة، الطمس على ما كتبه علي (عليه السلام) من الأحاديث.
على أنّهم لم يكتفوا بذلك، فرووا عن علي أنّه قال: «والله ما عندنا كتاب نقرؤه عليكم إلاّ كتاب الله تعالى وهذه الصحيفة أعطاينها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فيها فرائض الصدقة، قال الصحيفة معلّقة في سيفه».(3)
أعذار مفتعلة لمنع تدوين الحديث    
وروى البخاري عن أبي جحيفة، قال: قلت لعلي: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلاّ كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة، قال:

1 . تاريخ الخلفاء: 115.
2 . سنن الدارمي:1/119.
3 . مسند أحمد:1/119.

صفحه 101
قلت: فما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر.(1)
مع أنّ الكتاب الذي كتبه علي بإملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، كتاب كبير رآه أئمة الشيعة، وهو من مواريث النبوة وكان مشتملاً على أحاديث فقهية، وغيرها. وقد نقل عنه مشايخنا المحدّثون الأُول في جوامعهم، ولو صحّ وجود كتاب في قراب سيفه، فهو لا يمت إلى هذا الكتاب بصلة.
وقد قام زميلنا العلاّمة الحجّة الشيخ علي الأحمدي، بجمع ما روى الأئمّة عن هذا الكتاب من الأحاديث في موسوعته، وأخرجها من الكتب الأربعة، والجامع الأخير وسائل الشيعة.(2)
إنّ الخسائر التي مني الإسلام والمسلمون بها من جراء مثل هذا المنع، كائناً ما كان سببه، كانت وما تزال عظيمة ووخيمة، وسنشير إلى بعضها في محلها إن شاء الله تعالى.

أعذار مفتعلة

إذا كان المنع من كتابة السنّة أمراً عجيباً، فتبرير هذا المنع بأنّه كان لصيانة اختلاط الحديث بالقرآن الكريم أعجب منه، وذلك لأنّ التبرير هذا أشبه بالاعتذار الأقبح من الذنب، لأنّ القرآن الكريم في أُسلوبه وبلاغته يغاير أُسلوب الحديث وبلاغته، فلا يخاف عليه من الاختلاط بالقرآن مهما

1 . صحيح البخاري:1/ 29، باب كتابة العلم، الحديث1.
2 . لاحظ مكاتيب الرسول:1/72ـ 89.

صفحه 102
بلغ من الفصاحة، فقبول هذا التبرير يلازم إبطال إعجاز القرآن الكريم
وهـدم أُصوله من القواعد.
ومثله، الأعذار المنحوتة الأُخرى لتبرير هذا المنع، كخوف الانكباب على دراسة غير القرآن، الذي نسب إلى الخليفة عمر بن الخطاب على ما مرّ، غير أنّ مرور الزمان أثبت خلاف تلك الفكرة، لأنّ كتابة الحديث من عصر المنصور لم تؤثر في دراسة القرآن وحفظه وتعليمه وتعلّمه. وهناك أعذار منحوتة أُخرى لا تقصر في البطلان عن سابقيها ولم تخطر ببال المانع أو المانعين أبداً، وإنّما هي وليدة «حبّ الشيء الذي يعمي ويصم» بعد لأي من الدهر، والهدف منه هو إسدال العذر على العمل السيء، أعاذنا الله منه.
وقد نحت الخطيب البغدادي مثل هذه الأعذار، وقال: قد ثبت أنّ كراهة من كره الكتابة من الصدر الأوّل، إنّما هي لئلا يضاهى بكتاب الله تعالى غيره، أو يشتغل عن القرآن بسواه. ونهى عن الكتب القديمة أن تتخذ، لأنّه لا يعرف حقّها من باطلها، وصحيحها من فاسدها. مع أنّ القرآن كفى منها، وصار مهيمناً عليها، ونهى عن كتب العلم في صدر الإسلام وجدته، لقلّة الفقهاء في ذلك الوقت، والمميزين بين الوحي وغيره، لأنّ أكثر الأعراب لم يكونوا فقهوا في الدين، ولا جالسوا العلماء العارفين، فلم يؤمن أن يلحقوا ما يجدون من الصحف بالقرآن. ويعتقدوا أنّ ما اشتملت عليه كلام الرحمن.(1)
وقد استمر المنع من تدوين الحديث إلى عهد الخليفة الأموي عمر

1 . تقييد العلم: 57.

صفحه 103
بن عبد العزيز(99 ـ 101 هـ) فأحسّ بضرورة تدوين الحديث، فكتب إلى أبي بكر بن حزم في المدينة: انظر ما كان من حديث رسول الله فاكتبه، فإنّي خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلاّ أحاديث النبي، ولتفشوا العلم ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإنّ العلم لا يهلك حتى يكون سراً.(1)
ومع هذا الإصرار المؤكّد من الخليفة، صارت رواسب الحظر السابق المؤكّد من قبل الخلفاء الماضين حائلة دون القيام بما أمر به الخليفة، فلم يكتب شيء من أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد صدور الأمر منه، إلاّ صحائف غير منظمة ولا مرتبة، إلى أن دالت دولة الأمويّين وقامت دولة العباسيّين، وأخذ أبو جعفر المنصور بمقاليد الحكم، فقام المحدّثون في سنة مائة وثلاثة وأربعين بتدوين الحديث، وفي ذلك قال الذهبي:
وفي سنة مائة وثلاثة وأربعين شرع علماء الإسلام في هذا العصر في تدوين الحديث والفقه والتفسير، فصنّف ابن جريج بمكة، ومالك الموطأ بالمدينة، والأوزاعي بالشام، وابن أبي عروبة، وحماد بن سلمة وغيرهما في البصرة، ومعمر باليمن، وسفيان الثوري بالكوفة، وصنّف ابن إسحاق المغازي، وصنّف أبوحنيفة الفقه والرأي ـ إلى أن قال ـ : وقبل هذا العصر كان الأئمّة يتكلمون من حفظهم أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة.(2)

1 . صحيح البخاري:1/27.
2 . تاريخ الخلفاء للسيوطي:261.

صفحه 104
ومعنى هذا، أنّ العالم الإسلامي اندفع فجأة بعد مضي 143 سنة من هجرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نحو هذا الأمر، فاشتغل العلماء بجمع الأحاديث والفقه وتدوينهما، وأُلّفت كتب كثيرة في هذا المجال، واستمرت تلك الحركة إلى حدود سنة 250 هـ ، فجمعت أحاديث كثيرة، و دُوّنت العقائد على طبق الأحاديث المضبوطة، فإذا كان هذا هو تاريخ الحديث وتدوينه وانتشاره، يتبيّن للقارئ بسهولة أنّ حديثاً لم يكتب طوال قرن ونصفه كيف تكون حاله مع أعدائه الذين كانوا له بالمرصاد، وكانوا يكذبون عليه بما يقدرون، وينشرون كل غث وسمين باسم الدين وباسم الرسول، كما سيوافيك بيانه، وما قيمة العقائد التي دونت على أساس تلك الأحاديث؟!!
نحن لا ننكر أنّ العلماء والمحدّثين قاموا بوظيفتهم وواجبهم الديني تجاه السنّة النبوية، وكابدوا وتحملوا المشاق في استخراج الصحيح من السقيم، لكن العثور على الصحيح بعد هذه الحيلولة الطويلة، من أشقّ المشاكل وأصعب الأُمور.
كلمتان قيّمتان لهيكل والعلاّمة الأميني   
وبسبب هذه الحيلولة كلّما بعد الناس عن عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)ازداد عدد الأحاديث، حتى أخرج محمد بن إسماعيل البخاري صحيحه عن ستمائة ألف (000,600) حديث، ولأجل ذلك نرى أنّ هرم الأحاديث يتصل بزمن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقاعدة ذلك الهرم تنتهي إلى القرون المتأخّرة، فكلّما قربنا من زمن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) نجد الحديث قليلاً، والعكس بالعكس. وهذا يدّل على أنّ الأحاديث ازدادت حسب وضع الوضّاعين وكذب الكذّابين.

صفحه 105
 
كلمتان قيّمتان
1. هناك كلمة للدكتور محمد حسين هيكل حيث أماط الستر عن وجه الأحاديث المنسوبة إلى النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وقال:
وسبب آخر يوجب تمحيص ما ورد في كتب السلف، ونقده نقداً دقيقاً على الطريقة العلمية، أن أقدمها، كتب بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمائة سنة أو أكثر، وبعد أن فشت في الدولة الإسلامية دعايات سياسية وغير سياسية. كان اختلاق الروايات والأحاديث بعض وسائلها إلى الذيوع والغلب، فما بالك بالمتأخر ممّا كتب في أشد أزمان التقلقل والاضطراب؟ وقد كانت المنازعات السياسية سبباً فيما لقيه الذين جمعوا الحديث ونفوا زيفه و دوّنوا ما اعتقدوه صحيحاً منه، من جهد وعنت أدى إليهما حرص هؤلاء الجامعين على الدقة في التمحيص حرصاً لا يتطرق إليه ريب. ويكفي أن يذكر الإنسان ما كابده البخاري من مشاق وأسفار في مختلف أقطار الدولة الإسلامية لجمع الحديث وتمحيصه، وما رواه بعد ذلك من أنّه ألفى الأحاديث المتداولة تربو على ستمائة ألف حديث لم يصح منها أكثر من أربعة آلاف. وهذا معناه أنّه لم يصح لديه من كلّ مائة وخمسين حديثاً إلاّ حديث واحد.
أمّا أبو داود فلم يصحّ لديه من خمسمائة ألف حديث غير أربعة آلاف وثمانمائة، وكذلك كان شأن سائر الذين جمعوا الحديث. وكثير من هذه

صفحه 106
الأحاديث التي صحت عندهم كانت موضع نقد وتمحيص عند غيرهم من العلماء، انتهى بهم إلى نفي كثير منها، كما كان الشأن في مسألة الغرانيق. فإذا كان ذلك شأن الحديث، وقد جهد فيه جامعوه الأوّلون ما جهدوا، فما بالك بما ورد في المتأخر من كتب السيرة؟ وكيف يستطاع الأخذ به دون التدقيق العلمي في تمحيصه.
والواقع أنّ المنازعات السياسية التي حدثت بعد الصدر الأوّل من الإسلام أدت إلى اختلاق كثير من الروايات والأحاديث تأييداً لها. فلم يكن الحديث قد دون إلى عهد متأخر من عصر الأمويين. وقد أمر عمر بن عبد العزيز بجمعه، ثمّ لم يجمع إلاّ في عهد المأمون، بعد أن أصبح «الحديث الصحيح في الحديث الكذب، كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود» على قول الدارقطني.(1)
2. وهناك كلمة أُخرى للعلاّمة الأميني قال: ويعرب عن كثرة الموضوعات اختيار أئمّة الحديث أخبار تأليفهم الصحاح والمسانيد من أحاديث كثيرة هائلة، والصفح عن ذلك الهوش الهائش. قد أتى أبو داود في سننه بأربعة آلاف وثمانمائة حديث وقال: انتخبته من خمسمائة ألف حديث.(2)
ويحتوي صحيح البخاري من الخالص بلا تكرار ألفي حديث

1 . «حياة محمد» تأليف محمد حسين هيكل : 49ـ 50 من الطبعة الثالثة عشر.
2 . طبقات الحفاظ للذهبي:2/154; تاريخ بغداد:2/57; المنتظم لابن الجوزي:5/97.

صفحه 107
وسبعمائة وواحداً وستين حديثاً اختارها من زهاء ستمائة ألف حديث.(1)
وفي صحيح مسلم أربعة آلاف حديث أصول، دون المكررات صنّفها من ثلاثمائة ألف.(2)
وذكر أحمد بن حنبل في مسنده ثلاثين ألف حديث، وقد انتخبها من أكثر من سبعمائة وخمسين ألف حديث، وكان يحفظ ألف ألف حديث.(3)وكتب أحمد بن الفرات (المتوفّى 258 هـ) ألف ألف وخمسمائة ألف حديث، فأخذ من ذلك ثلاثمائة ألف في التفسير والأحكام والفوائد وغيرها.(4)
هذا كلام إجمالي عن الحديث، والتفصيل في تاريخ الحديث وتطوره يترك إلى الكتب المختصة بذلك، غير أنّ الذي نركز القول عليه هو الآثار السلبية التي خلفها هذا المنع في المجتمع الإسلامي يوم ذاك، حتى يقف القارئ على علل تكوّن المذاهب وتشعب الفرق، وإنّ من الآثار المهمة حرمان الأُمّة عن السنّة النبوية الصحيحة قرابة قرن ونصف، وعول الأحاديث حسب جعل الوضّاعين والكذّابين، وبالتالي تكوّن العقائد والمذاهب وفقها.

1 . إرشاد الساري:1/28 و صفة الصفوة:4/143.
2 . المنتظم: 5 / 32 ; طبقات الحفّاظ: 2 / 151 ـ 157 ; شرح صحيح مسلم للنووي: 21 / 36 .
3 . ترجمة أحمد المنقولة من طبقات ابن السبكي المطبوعة في آخر الجزء الأوّل من مسنده; طبقات الذهبي:2/17.
4 . خلاصة التهذيب:9، ولاحظ الغدير:5/292ـ 293.

صفحه 108
   

العامل الرابع

فسح المجال للأحبار والرهبان للتحدّث عن العهدين

لقد خسر الإسلام والمسلمون من جرّاء حظر تدوين الحديث ونشره خسارة عظمى، لا يمكن تحديدها بالأرقام والأعداد. كيف؟! وقد انتشرت الفوضى في العقائد، والأعمال، والأخلاق، والآداب، وصميم الدين، ولباب الأُصول، كنتيجة لهذا المنع، لأنّ الفراغ الذي خلفه هذا العمل، أوجد أرضية مناسبة لظهور بدع يهودية، وسخافات مسيحية، وأساطير مجوسية، خاصة من ناحية كهنة اليهود، ورهبان النصارى، الذين افتعلوا أحاديث كثيرة ونسبوها إلى الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام كما افتعلوا على لسان النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)الأساطير، وقد وقف على ذلك عدة من الأجلّة:
1. يقول الشهرستاني: وضع كثير من اليهود الذين اعتنقوا الإسلام، أحاديث متعددة في مسائل التجسيم والتشبيه، وهي كلّها مستمدة من التوراة.(1)
2. ويظهر من المقدسي وجود تلك العقائد في العرب الجاهليين، يقول في «البدء والتاريخ» عند الكلام عن شرائع أهل الجاهلية: كان فيهم من

1 . الملل والنحل:1/117.

صفحه 109
كلّ ملّة ودين، وكانت الزندقة والتعطيل في قريش، والمزدكية والمجوسية في تميم، واليهودية والنصرانية في غسان، والشرك وعبادة الأوثان في سائرهم.(1)
3. نعم كان لليهود المتظاهرين بالإسلام دور كبير في بثّ هذه العقائد، يقول الكوثري: إنّ عدّة من أحبار اليهود ورهبان النصارى ومؤابذة المجوس أظهروا الإسلام في عهد الراشدين ثمّ أخذوا بعدهم في بثّ ما عندهم من الأساطير.(2)
4. قال ابن خلدون، عندما تكلّم عن التفسير النقلي وأنّه كان يشتمل على الغث والسمين والمردود: والسبب في ذلك أنّ العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم، وإنّما غلبت عليهم البداوة والأُمّية. وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء ممّا تتشوّق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة، وأسرار الوجود، فإنّما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم، ويستفيدونه منهم، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى، ... مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وعبد الله بن سلام وأمثالهم، فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم وتساهل المفسرون في مثل ذلك، وملأوا كتب التفسير بهذه المنقولات، وأصلها كلها كما قلنا من التوراة أو ممّا كانوا يفترون.(3)
5. قال الإمام محمد عبده: قد وضع الزنادقة اللابسون لباس الإسلام

1 . البدء والتاريخ:4/31.
2 . مقدّمة تبيين كذب المفتري:10.
3 . مقدّمة ابن خلدون:439.

صفحه 110
غشاً ونفاقاً وقصدهم بذلك إفساد الدين، وإيقاع الخلاف والافتراق في المسلمين. وقال حماد بن زيد: وضعت الزنادقة أربعة عشر ألف حديث وهذا بحسب ما وصل إليه علمه واختباره في كشف كذبها، وإلاّ فقد نقل المحدّثون أنّ زنديقاً واحداً وضع هذا المقدار. قالوا: لما أخذ ابن أبي العوجاء ليضرب عنقه، قال وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أُحرّم فيها الحلال و أُحلّ الحرام.(1)
وابن أبي العوجاء هو ربيب حمّاد بن سلمة المحدّث الشهير الذي ينقل الذهبي عن ابن الثلجي قال: سمعت عباد بن صهيب يقول: إنّ حمّاداً كان لا يحفظ وكانوا يقولون إنّها دسّت في كتبه. وقد قيل: إنّ ابن أبي العوجاء كان ربيبه فكان يدسّ في كتبه.(2)
6. قال السيد المرتضى: لما قبض محمد بن سليمان، وهو والي الكوفة من قبل المنصور، عبد الكريم بن أبي العوجاء وأحضره للقتل وأيقن بمفارقة الحياة قال: لئن قتلتموني فقد وضعت في أحاديثكم أربعة آلاف حديث مكذوبة.(3)
7. يقول ابن الجوزي: إنّ عبد الكريم كان ربيباً لحمّاد بن سلمة وقد دسّ في كتب حمّاد بن سلمة.(4)

1 . تفسير المنار:3/545، ونقله في الأضواء:115 ولعلّ في قوله«هذا المقدار» تصحيفاً.
2 . ميزان الاعتدال: 1 / 593، ومات حماد عام 167 هـ .
3 . أمالي المرتضى: 1 / 127 ـ 128.
4 . الموضوعات:37 طبع المدينة، ولاحظ تهذيب التهذيب:3/11ـ16.

صفحه 111
نرى أنّ المحدّثين يروون باسنادهم عن حمّاد، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، مرفوعاً: رأيت ربي جعداً أمرد عليه حلّة خضراء.
وفي رواية أُخرى: إنّ محمّداً رأى ربّه في صورة شاب أمرد، دونه ستر من لؤلؤ قدميه أو رجليه في خضرة.(1)
8 . وقال الشيخ محمد زاهد الكوثري المصري في تقديمه على كتاب «الأسماء والصفات» للحافظ أبي بكر البيهقي: إنّ مرويات حمّاد بن سلمة في الصفات، تجدها تحتوي على كثير من الأخبار التافهة تتناقلها الرواة طبقة عن طبقة، مع أنّه قد تزوج نحو مائة امرأة، من غير أن يولد له ولد منهن، وقد فعل هذا الزواج والنكاح فعله، بحيث أصبح في غير حديث «ثابت البناني» لا يميز بين مروياته الأصليّة وبين ما دسّه في كتبه ربيبه ابن أبي العوجاء، وربيبه الآخر زيد المدعو بـ «ابن حمّاد»، فضلّ بمروياته الباطلة كثير من البسطاء . ويجد المطالع الكريم نماذج شتّى من أخباره الواهية في باب التوحيد من كتب الموضوعات المبسوطة وفي كتب الرجال، وفعلت مرويات نعيم بن حماد مثل ذلك، بل تحمّسه البالغ أدّى به إلى التجسيم، كما وقع ذلك لشيخ شيخه مقاتل بن سليمان، وتجد آثار الضرر الوبيل في مروياتهما في كتب الرواة الذين كانوا يتقلّدونها من غير معرفة منهم لما هنالك، فدونك كتاب «الاستقامة» لخشيش بن أصرم، والكتب التي تسمّى بـ «السنّة» لعبد الله (ابن أحمد بن حنبل) وللخلال، و

1 . ميزان الاعتدال:1/593ـ 594،وهذه الأساطير المزخرفة من مفتعلات الزنادقة نظراء: ابن أبي العوجاء دسّوها في كتب المحدّثين الإسلاميين، تعالى اللّه عمّا يقول الظالمون.

صفحه 112
«التوحيد» لابن خزيمة وغيرهم ممّا تجد فيها ما ينبذه الشرع والعقل، ولا سيما كتاب «النقض» لعثمان بن سعيد الدارمي السجزيّ المجسّم فإنّه أوّل من اجترأ بالقول «إنّ الله لو شاء لاستقرّ على ظهر بعوضة فاستقلّت به بقدرته فكيف على عرش عظيم» هذا بعض ما لعب به أعداء الإسلام في أُصول الدين.(1) ولا يقصر عنها كتاب «العلو» للذهبي.
9. وقال الدكتور أحمد أمين: اتصل بعض الصحابة بوهب بن منبه، وكعب الأحبار، وعبد الله بن سلام، واتصل التابعون بابن جريج، وهؤلاء كانت لهم معلومات رووا عن التوراة والإنجيل وشروحها وحواشيها، فلم ير المسلمون بأساً من أن يقصوها بجانب آيات القرآن، فكانت منبعاً من منابع التضخيم.(2)
10. قال أبو رية: لما قويت شوكة الدعوة المحمدية، واشتد ساعدها، وتحطمت أمامها كل قوة تنازعها، لم ير من كانوا يقفون أمامها، ويصدون عن سبيلها، إلاّ أن يكيدوا لها عن طريق الحيلة والخداع، بعد أن عجزوا عن النيل منها بعدد القوة والنزاع. ولما كان أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود، لم يجدوا بدّاً من أن يستعينوا بالمكر، ويتوسّلوا بالدهاء، لكي يصلوا إلى ما يبتغون، فهداهم المكر اليهودي إلى أن يتظاهروا بالإسلام، ويطووا نفوسهم على دينهم، حتى يخفى كيدهم، ويجوز على المسلمين مكرهم.(3)

1 . نظرة في كتاب «الأسماء والصفات» للبيهقي مقدمة الشيخ محمد زاهد الكوثري:ص 5، وقال بمقالة السجزي ابن تيمية في كتابه «غوث العباد» المطبوع بمصر مطبعة الحلبي عام 1351 هـ .
2 . ضحى الإسلام: 2 / 139.   3. أضواء على السنّة المحمدية: 137.

صفحه 113
أو ليس ذلك الاستغلال والسيطرة على عقول المسلمين، هو نتيجة أُمور، منها: المنع من التحدّث عن الرسول، وفسح المجال لأبناء أهل الكتاب، حتى يتمكّنوا من نشر الكلم الباطل، ويمزقوا أُصول الإسلام وفروعه؟ والعجب أنّ التفاسير إلى يومنا هذا مكتظة بأقوالهم و أحاديثهم، ولها من القيمة عند قرّائها مكان.
11. قال العلاّمة الشيخ جواد البلاغي: الرجوع في التفسير وأسباب النزول إلى أمثال عكرمة، ومجاهد، وعطاء، والضحاك، كما ملئت كتب التفاسير بأقوالهم المرسلة، ممّا لا يعذر فيه المسلم في أمر دينه، لأنّ هؤلاء الرجال غير ثقات في أنفسهم، ومجتمعون على موائد أهل الكتاب من الأحبار والرهبان.
قيل للأعمش: ما بال تفسير مجاهد مخالف؟ أو شيء نحوه قال: أخذه من أهل الكتاب ويكفي في ذلك أنّ مجاهداً الآخذ منهم فسر قوله تعالى: (عَسى أَنْ يَبْعَثَك رَبّكَ مَقاماً مَحْمُوداً) قال: يجلسه معه على العرش.
وأمّا عطاء، فقد قال أحمد: ليس في المراسيل أضعف من مراسيل الحسن وعطاء، كانا يأخذان عن كلّ أحد.
وقال النسائي: وأمّا مقاتل بن سليمان كان يكذب، وعن يحيى قال: حديثه ليس بشيء، وقال ابن حبان: كان يأخذ من اليهود والنصارى من علم القرآن الذي يوافق كتبهم.(1)

1 . آلاء الرحمن:1/46، نقلاً عن الذهبي.

صفحه 114
وأمّا الخرافات والأساطير في تفسير الكون وبدء الخليقة وأحوال الأُمم الماضية فحدث عنها ولا حرج، فقد ملأوا الصدور والطوامير وتأثّرت بهم طبقات من المسلمين، ممّن كتبوا حول المواضيع السالفة.
يقول الدكتور علي سامي النشار: إنّ الحديث كان معتركاً متلاحماً وبحراً خضماً لا يعرف السالك فيه موطن الأمان ولذلك قام أهل الحديث بمجهود رائع في محض الأحاديث وتوضيح الصادق والكاذب منها عن طريق الرواية وفيها السند،وعن طريق الدراية وفيها النقد الباطني للنصوص، ولذلك أنشأوا علم مصطلح الحديث.(1)
يلاحظ عليه: أنّ جهود أهل الحديث غير منكرة، ولكنّها لم تكن على وجه تقلع الموضوعات عن كتب الحديث وموسوعاتهم لأنّ القائمين بهذا الأمر كانوا متأثرين بها، ولأجل ذلك تجد أحاديث التشبيه والتجسيم والجبر والرؤية وعصيان الأنبياء مبثوثة في الصحاح والمسانيد، وسيمرّ عليك بعضها في هذا الجزء.
كعب الأحبار وما بثه من إسرائيليات   
ولعل القارئ الكريم يحسب أنّ هذه الكلمات الصادرة من أساتذة الفن، ورجال التحقيق في الملل والنحل، صدرت من غير تحقيق وتدقيق، إلاّ أنّ المراجع للكتب الرجالية، يقف على صدق المقال، ويكتشف أنّه كان هناك رجال يتظاهرون بالإسلام ـ و في الوقت نفسه ـ يبثّون ما لديهم من الإسرائيليات والمسيحيات والمجوسيات، تحت غطاء هذا التظاهر، وإليك نزراً من تاريخ بعض هؤلاء الرجال:

1 . نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام:1/286، الطبعة السابعة.

صفحه 115
 
1. كعب الأحبار
هو كعب بن ماتع الحميري، قالوا: هو من أوعية العلم ومن كبار علماء أهل الكتاب، أسلم في زمن أبي بكر، وقدم من اليمن في خلافة عمر، فأخذ عنه الصحابة وغيرهم، وأخذ هو من الكتاب والسنّة عن الصحابة، وتوفّي في خلافة عثمان، وروى عنه جماعة من التابعين، وله شيء في صحيح البخاري وغيره.
قال الذهبي: العلاّمة الحبر الذي كان يهودياً فأسلم بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقدم المدينة من اليمن في أيام عمر ، فجالس أصحاب محمد فكان يحدّثهم عن الكتب الإسرائيلية ويحفظ عجائب.
إلى أن قال: حدّث عنه أبو هريرة ومعاوية وابن عباس، وذلك من قبيل رواية الصحابي عن التابعي وهو نادر عزيز، وحدّث عنه أيضاً أسلم مولى عمر وتبيع الحميري ابن امرأة كعب.
وروى عنه عدّة من التابعين كعطاء بن يسار وغيره مرسلاً.
وقع له رواية في سنن أبي داود والترمذي والنسائي.(1)

1 . سير أعلام النبلاء:3/489 ولاحظ تفسير ابن كثير :3/339 سورة النمل حيث قال: ـ بعد ما أورد طائفة من الأخبار في قصة ملكة سبأ مع سليمان ـ : والأقرب في مثل هذه السياقات أنّها متلقاة عن أهل الكتاب، ممّا وجد في صحفهم كروايات كعب ووهب، سامحهما الله تعالى في ما نقلاه إلى هذه الأُمّة، من أخبار بني إسرائيل من الأوابد والغرائب والعجائب ممّا كان وما لم يكن، وممّاحرف وبدل ونسخ، وقد أغنانا الله سبحانه عن ذلك بما هو أصحّ منه وأنفع وأوضح وأبلغ.

صفحه 116
ترى الذهبي أيضاً في كتابه«تذكرة الحفاظ» يعرفه بأنّه من أوعية العلم.(1)
ومعنى ذلك أنّ الصحابة كانوا يعتقدون أنّه من محال العلم والفضل، ولهذا السبب أخذ عنه الصحابة وغيرهم. وعندئذ يسأل: إذا أخذ عنه الصحابة وغيرهم على أنّه من أوعية العلم، فما هو ذاك الذي أخذوه عنه؟ هل أخذوا عنه سوى الإسرائيليات المحرّفة والكاذبة؟ فإنّه لم يكن عنده ـ على فرض كونه صادقاً ـ سوى تلك الأساطير والقصص الموهومة. فهل تسعد أُمّة أخذت معالم دينها عن المحدّث اليهودي، المعتمد على الكتب المحرفة بنص القرآن الكريم؟! ولكن كما قلنا، هذا الفرض مبني على كونه صادقاً، أمّا إذا كان كاذباً فالخطب أفدح وأجل، ولا يقارن بشيء.
من يقرأ مروياته يقف على أنّه يركز على القول بأمرين: التجسيم والرؤية، وقد اتخذهما أهل الحديث والحنابلة من الآثار الصحيحة، فبنوا عليهما العقائد الإسلامية وكفروا المخالف، وإليك كلا الأمرين:
كعب الأحبار وتركيزه على رؤية الله   

الأوّل: تركيزه على التجسيم

إنّ الأحاديث المنقولة عن ذلك الحبر اليهودي، تعرب بوضوح عن أنّه نشر بين الأُمّة الإسلامية فكرة التجسيم، التي هي من عقائد اليهود. قال: إنّ الله تعالى نظر إلى الأرض فقال: إنّي واطئ على بعضك، فاستعلت إليه الجبال وتضعضعت له الصخرة، فشكر لها ذلك فوضع عليها قدمه، فقال:

1 . تذكرة الحفاظ :1/52.

صفحه 117
هذا مقامي، ومحشر خلقي، وهذه جنتي وهذه ناري، وهذا موضع ميزاني، وأنا ديان الدين.(1)
ففي هذه الكلمة من هذا الحبر، تصريح بتجسيمه سبحانه أوّلاً: وقد شاعت هذه النظرية بين أبناء الحديث والحشوية منهم; وثانياً: التركيز على الصخرة التي هي مركز بيت المقدس; وثالثاً: أنّ الجنة والنار والميزان ستكون على هذه الأرض، ومركز سلطانها سيكون على الصخرة، وهذا من صميم الدين اليهودي المحرف.

الثاني: تركيزه على رؤية الله

ومن كلامه أيضاً: إنّ الله تعالى قسّم كلامه ورؤيته بين موسى ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم).(2)
وقد صار هذا النصّ وأمثاله مصدراً لتجويز فكرة رؤية الله سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة، وبالأخص في الآخرة، وقد صارت هذه العقيدة اليهودية المحضة، إحدى الأُصول التي بني عليها مذهب أهل الحديث والأشاعرة.
ومن أعظم الدواهي، أنّ الرجل خدع عقول المسلمين وخلفائهم، فاتّخذوه واعظاً ومعلماً ومفتياً يفتيهم. وهنالك شواهد على ذلك:

1 . حلية الأولياء:6/20.
2 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 3 / 237.

صفحه 118
كعب الأحبار وتزلّفه إلى الخليفة الثاني   
 
منها: التزلف إلى الخليفة الثاني
قال ابن كثير: أسلم كعب في الدولة العمرية، وجعل يحدّث عمر عن كتبه قديماً، فربما استمع له عمر، فترخّص الناس في استماع ما عنده، ونقلوا ما عنده عنه غثّها وسمينها. وليس لهذه الأُمّة ـ و الله أعلم ـ حاجة إلى حرف و احد ممّا عنده.(1)
إنّ لهذا الرجل أساليب عجيبة في اللعب بعقول المسلمين وخلفائهم، وإليك نماذج منها:
أ. قال كعب، لعمر بن الخطاب: إنّا نجدك شهيداً وإنّا نجدك إماماً عادلاً، ونجدك لا تخاف في الله لومة لائم. قال: هذا لا أخاف في الله لومة لائم فأنّى لي بالشهادة.(2)
ترى أنّه كيف يتزلّف إلى الخليفة، ويتنبّأ بشهادته وقتله في سبيل الله.
ب. نقل أبو نعيم أيضاً: أنّ كعباً مر بعمر، وهو يضرب رجلاً بالدرة. فقال كعب: على رسلك يا عمر، فوالذي نفسي بيده إنّه لمكتوب في التوراة، ويل لسلطان الأرض من سلطان السماء، ويل لحاكم الأرض من حاكم السماء; فقال عمر: إلاّ من حاسب نفسه، فقال كعب: والذي نفسي بيده إنّها لفي كتاب الله المنزل، ما بينهما حرف: إلاّ من حاسب نفسه.(2)

1 . تفسير ابن كثير: 4 / 17 .   2 . حلية الأولياء: 5 / 388 ـ 389.
2 . المصدر السابق.

صفحه 119
وهذه الجملة تعرب عن أنّ كعباً كان يتزلّف إلى عمر، حتى إنّه يقرأ عليه نصّ التوراة المحرف لتصديق كلامه.
ج. وروي أيضاً: أنّ عمر جلد رجلاً يوماً وعنده كعب، فقال الرجل حين وقع به السوط: سبحان الله، فقال عمر للجلاد: دعه فضحك كعب، فقال له: وما يضحكك، فقال: والذي نفسي بيده إنّ «سبحان الله» تخفيف من العذاب.(1)
والكلمة هذه محاولة من الحبر اليهودي، لتوجيه عمل عمر، عندما أمر الجلاّد بترك المجلود.
وهذه الأُمور صارت سبباً لجلب عطف الخليفة، ففسح له التحدّث في عاصمة الوحي، وأوساط المسلمين.
ومنها: تزلّفه إلى عثمان
ومن الخطب الفادح، أنّه صار بأفانين مكره، موضع ثقة لعثمان ومفتياً له في الأحكام، يصدر الخليفة عن فتياه، ويعمل بقوله، وإليك ما يلي:
أ. ذكر المسعودي أنّه حضر أبو ذر، مجلس عثمان ذات يوم، فقال عثمان: أرأيتم من زكى ماله هل فيه حق لغيره؟ فقال كعب: لا يا أمير المؤمنين، فدفع أبو ذر في صدر كعب، وقال له: كذبت يا ابن اليهودي، ثمّ
تلا:(ليسَ البرَّ أَنْ تُولّوا وُجُوهكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِوالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ البِرّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَاليَومِ الآخرِ وَالمَلائِكةِ وَالكِتابِ والنَّبِيّينَ وَآتى المالَ عَلى حُبّهِ

1 . حلية الأولياء:5/389ـ 390.

صفحه 120
ذَوي القُربى وَاليَتامى وَالمساكِينَ وَابنَ السَّبيلِ والسائلينَ وَفِي الرِقابِ وَأقامَ الصَّلاةَ وَآتىَ الزَّكاةَ وَالمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا) .(1)
فقال عثمان: أترون بأساً أن نأخذ مالاً من بيت مال المسلمين فننفقه في ما ينوبنا من أُمورنا ونعطيكموه؟ فقال كعب: لا بأس بذلك، فرفع أبو ذر العصا فدفع بها في صدر كعب وقال: يابن اليهودي ما أجرأك على القول في ديننا، فقال له عثمان: ما أكثر أذاك لي، غيّب وجهك عنّي فقد آذيتني.(2)
ب. ونقل أيضاً: أُتي عثمان بتركة عبد الرحمن بن عوف الزهري من المال، فَنُضِدَ البدر، حتى حالت بين عثمان و بين الرجل القائل، فقال عثمان: إنّي لأرجو لعبد الرحمن خيراً، لأنّه كان يتصدّق، ويقري الضيف، وترك ما ترون; فقال كعب الأحبار: صدقت يا أمير المؤمنين، فشال أبوذر العصا فضرب بها رأس كعب، ولم يشغله ما كان فيه من الألم، وقال: يابن اليهودي تقول لرجل مات وترك هذا المال إنّ الله أعطاه خير الدنيا وخير الآخرة، وتقطع على الله بذلك، وأنا سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «ما يسرني أن أموت وأدع ما يزن قيراطاً» فقال له عثمان: وار عنّي وجهك.(2)
كعب الأحبار وتزلّفه إلى معاوية   

ومنها: تزلّفه إلى معاوية

نرى أنّ كعباً يتنبّأ بمولد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهجرته وملكه، فيقول: مولده بمكة، وهجرته بطيبة، وملكه بالشام.(4)

1 . البقرة: 177.                   2 . مروج الذهب: 2 / 339 ـ 340.
2 . مروج الذهب: 2 / 340.   4 . سنن الدارمي: 1 / 5.

صفحه 121
فماذا يريد كعب بقوله: وملكه بالشام؟ هل هو إلاّ تزلف إلى معاوية، وأنّه يريد أن يقول: إن ملك النبي لن يستقر إلاّ فيها؟ وقد كان معاوية يمهد وسائل الملك لنفسه بالشام.
وقال أيضاً: إنّ أوّل هذه الأُمّة نبوة ورحمة، ثمّ خلافة ورحمة، ثمّ سلطان ورحمة، ثمّ ملك وجبرية، فإذا كان ذلك، فإنّ بطن الأرض يومئذ خير من ظهرها.(1)
فترى أنّه يتنبّأ بالسلطنة ويعدّها رحمة، وهذا المضمون انتشر في الصحاح والمسانيد بكثرة، وقد روى الترمذي، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الخلافة في أُمّتي ثلاثون سنة ثمّ ملك بعد ذلك».(2)
و روى أبو داود قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : «خلافة النبوّة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله الملك من يشاء».(3)
وسيوافيك أنّه أخذ منه أبو هريرة، ولأجل ذلك نرى تلك الفكرة ـ فكرة الملك ـ جاءت في روايات أبي هريرة، قال: الخلافة بالمدينة والملك بالشام.(4)
وقد أخذ عن ذلك الحبر الماكر عدة من الصحابة كابن عباس وأبي هريرة، ومعاوية وغيرهم.(5)

1 . حلية الأولياء:6/25.
2 . سنن الترمذي:4/503، كتاب الفتن، باب ما جاء في الخلافة، رقم 2226.
3 . سنن أبي داود: 4 / 211.   4 . كنز العمال: 6 / 88.   5 . سير أعلام النبلاء: 3 / 490.

صفحه 122
كعب الأحبار وما تركه من أساطير وعقائد باطلة   
قال الذهبي: توفي في خلافة عثمان(1). وقال أبو نعيم في حلية الأولياء إنّه توفّي كعب قبل مقتل عثمان بسنة(2). وعلى ذلك توفّي عام 34 هـ .
وقال ابن الأثير في حوادث سنة 34 هـ : ففي هذه السنة توفّي كعب الأحبار.(2)
نعم توفّي في ذاك العام، لكن بعد ما ملأ المجتمع الإسلامي بأساطير، وقصص، وعقائد إسرائيلية، حسبها السذّج من المحدّثين أنّها حقائق راهنة، فنقلوها ناسبين لها إلى كعب تارة، وإلى النبي الأعظم أُخرى، وعليها بنيت العقائد وانتظمت الأُصول، ومن تفحّص في كتب الحديث والتفسير والتاريخ، يقف بوضوح على أنّ كثيراً من المحدّثين والمفسرين والمؤرّخين، اعتمدوا على أقواله ومروياته من دون أي غمز وطعن أو تردد وشك، وهذا من عجائب الأُمور وغرائبها.
هذا غيض من فيض، وقليل من كثير من روايات ذلك الرجل وتسويلاته. فمن أراد الوقوف على أحواله وأقواله وما بثّ بين المسلمين من أساطير وقصص إسرائيلية، فليرجع إلى المصادر المذكورة.(3)

1 . تذكرة الحفاظ: 1 / 52.   2 . حلية الأولياء: 6 / 45.
2 . الكامل في التاريخ: 3 / 77.
3 . الأعلام للزركلي:5/228; تذكرة الحفاظ:1/52; سير أعلام النبلاء:3/489ـ 494; حلية الأولياء:5/364و 6/1ـ48; الإصابة:1/186; النجوم الزاهرة:1/9; الكامل:3/177; شرح ابن أبي الحديد في أجزائه المختلفة:3/54و4/77ـ 147و 8/265و 10/22و 12/81و 191و 18/36.

صفحه 123
هذا وإنّ صاحب الثقافة المنحرفة يبثّ فكرته بين المجتمع في ظل دعامتين مؤثرتين:
الأُولى: يحاول الاتسام بالعلم، ويعرّف نفسه للمجتمع بأنّه عالم كبير، ومفكّر اجتماعي بلا منازع، حتى يتّخذ لنفسه من هذا الطريق مكاناً في القلوب تنعطف إليه النفوس وترتاح له.
الثانية: يحاول الاتّصال بأصحاب السلطة، حتى يتخذهم سناداً وعماداً في مقابل العواصف القارعة التي يثيرها صلحاء الأُمّة ومفكّروها الواقعيون.
فإذا تهيّأت لأصحاب الفكرة المنحرفة هاتان الدعامتان، سهل لهم النفوذ في عقول بسطاء الأُمّة، وتمكّنوا من نفث أفكارهم المسمومة في نفوسها، ولا تمر الأيام حتى تصبح أفكارهم حقيقة راهنة لا يمكن تجاوزها، ولا الدعوة على خلافها، بل تصير المخالفة لها ارتداداً عن الدين، وتشبّثاً بالباطل.
ومن عجائب الأُمور أنّ الأحبار والرهبان عندما تظاهروا بالإيمان ولما يدخل الإيمان في قلوبهم، هيمنوا على عقول المسلمين من خلال الأمرين المذكورين.
فمن جانب عرّفوا بأنّهم من أوعية العلم، وأنّ عندهم علوم الأوّلين والآخرين بتفصيلاتها، وأنّهم حفظة التوراة والإنجيل والزبور وغيرها من الكتب السماوية.

صفحه 124
ومن جانب آخر استعانوا بالحكم السائد، بحيث صاروا موضع ثقة عنده، يسمع لكلامهم ويصدر عن رأيهم.
عند ذلك أخذت الإسرائيليات والمسيحيات، مكان السنّة النبوية وصار نقلتها مصادر الحكم والفتيا، فأصبحت آراؤهم وأقوالهم مدارك الفقه وسناد التاريخ، ومعياراً للحقّ والباطل في العقائد، فيا لها من رزية عظمت، ويا لها من مصيبة كبرت.
هذا هو كعب الأحبار قد استعان في بث ثقافته (الثقافة اليهودية) بهاتين الدعامتين، فهلم معي ندرس حياة بعض زملائه، وسوف تقف على أنّ الخط الذي مشى عليه كعب، قد مشى عليه زملاؤه، وإليك البيان:

2.وهب بن منبه اليماني

وقد ابتلي المسلمون بعد كعب الأحبار بكتابي آخر قد بلغ الغاية في بثّ الإسرائيليات بين المسلمين حول تاريخ الأنبياء والأُمم السالفة، وهو وهب بن منبه. قال الذهبي: ولد في آخر خلافة عثمان، كثير النقل عن كتب الإسرائيليات، توفّي سنة 114 هـ ، وقد ضعّفه الفلاس.(1)
وهب بن منبه والتركيز على القدر   
وقال في «تذكرة الحفاظ»: عالم أهل اليمن، ولد سنة أربع وثلاثين وعنده من علم أهل الكتاب شيء كثير، فإنّه صرف عنايته إلى ذلك وبالغ، وحديثه في الصحيحين عن أخيه همام.(2)

1 . ميزان الاعتدال: 4 / 352 ـ 353.   2 . تذكرة الحفاظ: 1 / 100ـ 101.

صفحه 125
وترجمه أبو نعيم في حلية الأولياء ترجمة مفصلة استغرقت قرابة ستين صفحة، وبسط الكلام في نقل أقواله وكلماته القصار.(1)
وقد خدع عقول الصحابة بأفانين المكر، حيث صار يعرّف نفسه بأنّه أعلم ممّن قبله ومن عاصره بقوله لبعض حضّار مجلسه: يقولون عبد الله بن سلام أعلم أهل زمانه، وكعب أعلم أهل زمانه، أفرأيت من جمع علمهما؟ يعني نفسه.(2)
وقد تسنّم الرجل، منبر التحدّث عن الأنبياء والأُمم السالفة يوم كان نقل الحديث عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ممنوعاً وأخذ بمجامع القلوب فأخذ عنه من أخذ، وكانت نتيجة ذلك التحدّث، انتشار الإسرائيليات حول حياة الأنبياء في العواصم الإسلامية، وقد دوّن ما ألقاه في مجلد واحد، أسماه في كشف الظنون«قصص الأبرار وقصص الأخيار».(2)

وهب بن منبه والتركيز على القدر

وليته اكتفى بهذا المقدار ولم يلعب بعقيدة المسلمين ولم ينشر نظرية الجبر التي لو ثبتت لما بقيت للشرائع دعامة، ويظهر من تاريخ حياته أنّه أحد المصادر لانتشار نظرية نفي الاختيار والمشيئة عن الإنسان، حتّى المشيئة الظلية التي لولاها لبطل التكليف ولغيت الشريعة.
روى حماد بن سلمة عن أبي سنان قال: سمعنا وهب بن منبه قال:

1 . حلية الأولياء: 1 / 23 ـ 81 .   2 . تذكرة الحفاظ: 1 / 101.
2 . كشف الظنون:2/223، مادة قصص.

صفحه 126
كنت أقول بالقدر حتى قرأت بضعة وسبعين كتاباً من كتب الأنبياء في كلّها: من جعل لنفسه شيئاً من المشيئة فقد كفر، فتركت قولي.(1)
والمراد من القدر في قوله: «كنت أقول بالقدر» ليس القول بتقدير الله سبحانه وقضائه، بل المراد هو القول بالاختيار والمشيئة للعبد كما يظهر من ذيل كلامه، وهذا النقل يعطي أنّ القول بنفي القدر والمشيئة للإنسان، قد تسرب إلى الأوساط الإسلامية، عن طريق هذه الجماعة وعن الكتب الإسرائيلية. أفيصح بعد هذا أن نعدّ القول بنفي المشيئة عقيدة جاء بها القرآن والسنّة النبوية، ونكفّر من قال بالمشيئة للإنسان ولو مشيئة ظلية تابعة لمشيئته سبحانه، ونقاتل في سبيل هذه العقيدة؟!
تميم بن أوس الداري من رواة الأساطير   

3. تميم بن أوس الداري من رواة الأساطير

الإسرائيليات المبثوثة في كتب التفسير والحديث والتاريخ ترجع أُصولها إلى رجال الكنائس والبيع، وقد تعرّفت على اثنين منهم، وهما: كعب الأحبار ووهب بن منبه، وثالثهم هو تميم الداري وله دور كبير في بثّها حيث إنّه أوّل من تولى نشر هذه الأساطير، وقد حدّث عنه علماء الرجال والتراجم وأطبقوا على أنّه كان نصرانياً قدم المدينة فأسلم في سنة 9 هجرية، وله من الأوّليات أمران:
1. كان أوّل من أسرج في المسجد.
2. أوّل من قصّ بين المسلمين، واستأذن عمر أن يقصّ على الناس

1 . ميزان الاعتدال:4/353.

صفحه 127
قائماً، فأذن له.(1) وكان يسكن المدينة ثمّ انتقل إلى الشام بعد قتل عثمان.(2)
هذا ما اتّفقت عليه الكتب الرجالية، ويستنتج منها ما يلي:
إنّ الرجل كان قصّاصاً في المدينة يوم لم يكن هناك من يعارضه ويكافئه، وبما أنّ الرجل كان قد قضى شطراً من عمره بين الأحبار والرهبان، فمن الطبيعي أن يقوم بقص كلّ ما تعلّمه من أساتذته من الإسرائيليات والأساطير المسيحية وبثّها بين المسلمين، وهم يأخذونها منه زاعماً أنّها حقائق راهنة.
ومن المؤسف أنّ السياسة الحاكمة سمحت لهذا الكتابي الذي أسلم في أُخريات حياة الرسول بأن يتحدّث عن الأُمم السالفة والأنبياء السابقين. وفي الوقت نفسه منعت الحديث عن رسول الله ونشر كلامه وتدوينه، بحجة واهية قد تعرّفت عليها.
أو ليس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم» على ما رواه أبو هريرة حيث إنّه قال: كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وما أُنزل إليكم».(3)
وإذا كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمرنا بعدم تصديق هؤلاء القصّاصين من أهل الكتاب، فما فائدة نقل هذه القصص وبثّها بين المسلمين وإتلاف عمر

1 . كنز العمال:1/281 الرقم 29448.
2 . الإصابة: 1 / 189 ; أُسد الغابة: 1 / 215 وغيرها من المصادر.
3 . صحيح البخاري:9/ 111، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة.

صفحه 128
الشباب والكهول بالاستماع إليها؟!
ولكن ابن عباس يقول أشد مما نقله أبو هريرة: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء؟ وكتابكم الذي أُنزل على رسول الله أحدث الكتب تقرأونه محضاً لم يشب، وقد حدّثكم أنّ أهل الكتاب بدّلوا كتاب الله وغيّروه وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً؟!
ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم؟! لا والله ما رأينا منهم رجلاً يسألكم عن الذي أُنزل إليكم.(1)
إنّ ابن عباس الذي هو وليد البيت النبوي أعرف بسنّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من أبي هريرة، فهو ينهى عن السؤال والاستماع إلى كلماتهم بالمرة.
وبذلك يعلم أنّ ما أسند إلى النبي في المسانيد من القول : «حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج»(2)، إمّا موضوع، أو مؤوّل محمول على ما علم من صدق الكلام.

طعن الشيطان لكلّ بني آدم إلاّ عيسى

إذا كان كعب الأحبار و زميله وهب بن منبه والمتقدّم عليهما تميم الداري، هم القصّاصون في المجتمع الإسلامي والمتحدّثون عن التوراة والإنجيل، وكانت الصحابة ممنوعة عن التحدث عن النبي، فمن الطبيعي أن ينتشر في العواصم الإسلامية الأساطير الخرافية حتى ما يمس بكرامة

1 . أضواء على السنّة المحمدية: 154ـ 155، نقلاً عن البخاري من حديث الزهري.
2 . مسند أحمد:3/46.

صفحه 129
الأنبياء وكرامة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) . وهذا البخاري ينقل في صحيحه عن أبي هريرة، قال: قال النبي : كلّ بني آدم يطعن الشيطان في جنبيه باصبعه حين يولد غير عيسى بن مريم ذهب يطعن فطعن في الحجاب.(1)
وقد نقله أحمد في مسنده باختلاف يسير. ومعنى هذا الحديث الذي ينقله عن ذلك الصحابي عن الرسول: أنّ الشيطان يطعن كلّ ابن آدم إلاّ واحداً منه وهو عيسى بن مريم، وأمّا الأنبياء كموسى ونوح وإبراهيم وحتى خاتمهم، لم يسلموا من طعن الشيطان. أو ليس ذلك الحديث يخالف كتاب الله حيث يقول:(إِنّ عِبادي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ، إِلاّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِين) (2)؟!
فإذن، كيف يمكن أن يقول النبي ذلك و قدأُوحي إليه أنّه ليس للشيطان سلطان على عباد الله المخلصين(3) وخيرهم الأنبياء والمرسلون وفي مقدّمهم نبي العظمة؟! ومن المحتمل جداً أنّ هذا الخبر وصل إلى أبي هريرة من رواة عصره، نظراء كعب الأحبار أو زميله تميم الداري وأضرابهما وقد نسبوه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) . إنّ هذا الحديث ونظائره أوجد مشاكل في الدين وأعطى حججاً بأيدي المخالفين حتى يهاجموا الرسول الأكرم والأنبياء، ويزعموا بأنّهم سقطوا في الخطيئة واقترفوا الآثام، إلاّ عيسى بن مريم فإنّه أرفع من طبقة البشر وإنّه وحده قد استحقّ العصمة والصون من الآثام.

1 . صحيح البخاري:4/125، باب صفة إبليس وجنوده; و 4/164، كتاب بدء الخلق.
2 . الحجر:42.
3 . لاحظ النحل: 99 ; والحجر: 42.

صفحه 130
فهؤلاء المحدّثون لو فرض أنّهم صادقون في نيّاتهم، لكنّهم كالصديق الجاهل أضروا بالإسلام بنقل هذه القصص والأساطير وأيّدوا العدو بها وأتعبوا المسلمين من بعدهم.
تميم الداري وقصة الجساسة   

تميم الداري وقصة الجساسة

إنّ لتميم الداري حديثاً معروفاً باسم حديث الجساسة، نقله مسلم في الجزء الثامن من صحيحه تجد فيه من الغرائب ما تندهش منها العقول.
روي عن فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس ـ وكانت من المهاجرات الأُول ـ : سمعت نداء المنادي (منادي رسول الله) ينادي:
الصلاة جامعة، فخرجت إلى المسجد فصلّيت مع رسول الله، فكنت في صف النساء التي تلي ظهور القوم، فلمّا قضى رسول الله صلاته جلس على المنبر وهو يضحك، فقال: ليلزم كلّ إنسان مصلاّه.
ثمّ قال: أتدرون لم جمعتكم؟
قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: إنّي والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة، ولكن جمعتكم لأنّ تميماً الداري كان رجلاً نصرانياً فجاء فبايع وأسلم وحدّثني حديثاً وافق
الذي كنت أُحدثكم عن مسيح الدجال، حدّثني أنّه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلاً من لخم وجذام فلعب بهم الموج شهراً في البحر، ثمّ أرفئوا إلى جزيرة في البحر حتى مغرب الشمس، فجلسوا في أقرب السفينة

صفحه 131
فدخلوا الجزيرة فلقيتهم دابة أهلب كثير الشعر لا يدرون ما قبله من دبره من كثرة الشعر، فقالوا: ويلك ما أنت؟
فقالت: أنا الجسّاسة.
قالوا: وما الجسّاسة؟ قالت: أيّها القوم انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير فإنّه إلى خبركم بالأشواق.
قال: لما سمّت لنا رجلاً فزعنا منها أن تكون شيطانة. قال: فانطلقنا سراعاً حتى دخلنا الدير، فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقاً وأشده وثاقاً، مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد، قلنا: ويلك ما أنت؟
قال: قد قدرتم على خبري فأخبروني ما أنتم؟
قالوا: نحن أُناس من العرب ركبنا في سفينة بحرية فصادفنا البحر حين اغتلم، فلعب بنا الموج شهراً ثمّ أرفأنا إلى جزيرتك هذه، فجلسنا في أقربها، فدخلنا الجزيرة فلقيتنا دابة أهلب كثير الشعر لا يدرى ما قبله من دبره من كثرة الشعر. فقلنا: ويلك ما أنت؟ قالت: أنا الجسّاسة. قلنا: وما الجسّاسة؟ قالت: اعمدوا إلى هذا الرجل في الدير فإنّه إلى خبركم بالأشواق، فأقبلنا إليك سراعاً وفزعنا منها ولم نأمن أن تكون شيطانة.
فقال: أخبروني عن نخل بيسان. قلنا:عن أي شأنها تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها هل يثمر؟
قلنا له: نعم. قال: أما إنّه يوشك أن لا يثمر.
قال: أخبروني عن بحيرة الطبرية.

صفحه 132
قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل فيها ماء؟
قالوا: هي كثيرة الماء. قال: أما إنّ ماءها يوشك أن يذهب.
قال: أخبروني عن عين زغر. قالوا: عن أي شأنهاتستخبر؟
قال: هل في العين ماء، وهل يزرع أهلها بماء العين؟
قلنا له: نعم هي كثيرة الماء وأهلها يزرعون من مائها.
قال: أخبروني عن نبي الأُميّين ما فعل؟
قالوا: قد خرج من مكة ونزل يثرب.
قال: أقاتله العرب؟
قلنا: نعم.
قال: كيف صنع بهم؟ فأخبرناه أنّه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه.
قال لهم: قد كان ذلك؟
ابن جريج الرومي ورواية الموضوعات   
قلنا: نعم. أما إنّ ذاك خير لهم أن يطيعوه وإنّي مخبركم عنّي إنّي أنا المسيح وإنّي أوشك أن يؤذن لي في الخروج، فأخرج فأسير في الأرض، فلا أدع قرية إلاّ هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة فهما محرّمتان عليّ كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة أو واحداً منهما استقبلني ملك بيده السيف صلتاً يصدني عنها، وإنّ على كل نقب منها ملائكة يحرسونها.
قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : وطعن بمخصرته في المنبر هذه طيبة، هذه طيبة، هذه طيبة، يعني: المدينة، ألا هل كنت حدّثتكم ذلك؟

صفحه 133
فقال الناس: نعم، فإنّه أعجبني حديث تميم إنّه وافق الذي كنت أحدثكم عنه وعن المدينة ومكة، ألا إنّه في بحر الشام أو بحر اليمن لا بل من قبل المشرق ما هو من قبل المشرق ما هو من قبل المشرق، ما هو. وأومأ بيده إلى المشرق. قالت: فحفظت هذا من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).(1)
وقد علّق المحقّق المصري أبو رية على هذا الحديث وقال: لعل علماء الجغرافية يبحثون عن هذه الجزيرة ويعرفون أين مكانها من الأرض، ثمّ يخبروننا حتى نرى ما فيها من الغرائب التي حدثنا بها سيدنا تميم الداري ؟!!(2)
وأعجب منه أن يحدث نبي العظمة الذي يقول سبحانه في حقّه: (وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظيماً).(3) عن تميمم الداري ويستشهد بكلام نصراني دخل في الإسلام حديثاً، ونعم ما قال شاعر المعرة:
فيا موت زر إنّ الحياة ذميمة *** .....

4. ابن جريج الرومي ورواية الموضوعات

عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الرومي، ولاؤه لآل خالد بن أسيد الأموي، ولد سنة 80 وتوفّي عام 150، قال أحمد بن حنبل: كان من أوعية

1 . صحيح مسلم:8/203ـ205، باب في الدجّال.
2 . أضواء على السنة النبويّة:171.
3 . النساء:113.

صفحه 134
العلم وهو وابن أبي عروبة أوّل من صنف الكتب، وقال عبد الرزاق: كان ابن جريج ثبتاً لكنّه يدس.(1)
ونقل الذهبي أيضاً عن عبد الله بن حنبل قال: «إنّ بعض هذه الأحاديث الّتي كان يرسلها ابن جريج أحاديث موضوعة كان ابن جريج لا يبالي من أين يأخذها».(2)
نعم، روى الكليني بسنده عن الفضل الهاشمي، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام)عن المتعة فقال: «الق عبد الملك ابن جريج، فسله عنها، فإنّ عنده منها علماً، فلقيته، فأملى علي شيئاً كثيراً في استحلالها، وكان فيما روى لي فيها ابن جريج أنّه ليس فيها وقت ولا عدد، وإنّما هي بمنزلة الإماء، يتزوج منهن كم شاء، وصاحب الأربع نسوة يتزوج منهن ما شاء، بغير ولي ولا شهود، فإذا انقضى الأجل، بانت منه بغير طلاق، ويعطيها الشيء اليسير، وعدتها حيضتان، وإن كانت لا تحيض فخمسة وأربعون يوماً. قال: فأتيت بالكتاب أبا عبد الله (عليه السلام) ، فقال: «صدق». وأقر به.(3)
حصيلة البحث   
ولعلّ إرجاع الإمام (عليه السلام) سائله إليه، لأجل اعترافه بالحق في تلك المسألة، وليس هذا دليلاً على وثاقته مطلقاً.

1 . تذكرة الحفاظ:1/169ـ 171.
2 . ميزان الاعتدال:2/659.
3 . الوسائل:14، كتاب النكاح، الباب 4 من أبواب المتعة، الحديث8.

صفحه 135
 
حصيلة البحث
إنّ هذه العصابة التي أتينا بأسمائهم وذكرنا عنهم شيئاً، كانوا هم الأُسس في تسرب القصص الخرافية لليهود و المسيحيين إلى متون كتب المسلمين وصارت نواة لكثير من القصّاصين والوضّاعين الذين نسجوا على منوالهم ونقلوا كلّ ما سمعوه من غث وسمين باسم الدين، ولأجل ذلك نجد كثيراً من كتب التفسير والتاريخ والحديث حتى ما يسمّى بالصحاح والمسانيد، مملوءة بالإسرائيليات والمسيحيات بل والمجوسيات.
يقول «جولد تسيهر» في هذا المضمار في كتابه «العقيدة والشريعة»: هناك جمل أخذت من العهد القديم والعهد الجديد وأقوال للربانيّين، أو مأخوذة من الأناجيل الموضوعة وتعاليم من الفلسفة اليونانية، وأقوال من حكم الفرس والهنود، كلّ ذلك أخذ مكانه في الإسلام عن طريق الحديث ـ إلى أن قال ـ : ومن هذا الطريق تسرب كنز كبير من القصص الدينية حتى إذا ما نظرنا إلى الرواة المعدودة من الحديث ونظرنا إلى الأدب الديني اليهودي، فإنّنا نستطيع أن نعثر على قسم كبير دخل الأدب الديني الإسلامي من هذه المصادر اليهودية.(1)

1 . العقيدة والشريعة في الإسلام للمستشرق «جولد تسيهر»: 42 ـ 43 ; أضواء على السنّة المحمدية: 190 .

صفحه 136
نحن لا نصدق هذا المستشرق الحاقد على الإسلام في كلّ ما يقول ويقضي، إلاّ أنّنا نوافقه في أنّ ما يؤثر عن أمثال كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وتميم الداري، وعبد الملك بن جريج وغيرهم، من الإسرائيليات، ليس من صلب الإسلام وحديثه. والعجب أنّ هذه الجماعة لم تتمكن من إخفاء نواياها السيئة، فترى أنّ اليهودي منهم ينقل فضائل موسى ويرفعه فوق جميع الأنبياء، كما أنّ النصراني منهم أخذ يرفع مقام المسيح (عليه السلام) على جميعهم ويصفه بالعصمة وحده دون غيرهم.
نعم ليس كلّ ما ورد في الشريعة الإسلامية ووافق التعاليم اليهودية والنصرانية، مأخوذاً من كتبهم لأنّ الشرائع السماوية واحدة في جوهرها متحدة في أُصولها، وبينها مشتركات كثيرة والاختلاف إنّما هو في الشرعة والمنهاج لا في الجوهر واللباب، قال سبحانه: (لِكُلّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرعَةً وَمِنْهاجاً) .(1)
فالاختلاف إنّما هو في الطرق الموصلة إلى ماء الحياة، أعني: الأُصول والتعاليم السماوية النازلة من مصدر الوحي. فلو كان هناك اختلاف فإنّما هو في القشور والأثواب، لا في الجوهر واللباب. وقد فصلنا الكلام في ذلك في «مفاهيم القرآن».(2)
خاتمة المطاف: كلمة للدكتور رمزي نعناعة حول الإسرائيليات   

1 . المائدة:48.
2 . مفاهيم القرآن:3/119ـ 124.

صفحه 137
 
خاتمة المطاف
وأخيراً نقول: إنّ المتظاهرين بالإسلام من الأحبار والرهبان الذين كان لهم دور كبير في بثّ الإسرائيليات وتكوين المذاهب، ليسوا منحصرين في من ذكرناهم، بل هناك جماعة منهم لعبوا دوراً في هذا المضمار يجد المتتبع أسماءهم ويقف على أقوالهم في كتب الرجال والتراجم والروايات والأحاديث، كعبد الله بن سلام الذي أسلم في حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وطاووس بن كيسان الخولاني، الحمداني بالولاء من التابعين، ولد عام 33 وتوفّي عام 106، وغيرهم ممّن تركنا البحث عنهم اختصاراً.
ولإتمام البحث نأتي بنص بعض المحقّقين في ذاك المجال وهي كلمة للدكتور «رمزي نعناعة» حول الإسرائيليات، قال: تسرب كثير من الإسرائيليات عن طريق نفر من المسلمين أنفسهم أمثال: عبد الله بن عمرو بن العاص، فقد روي أنّه أصاب زاملتين من كتب أهل الكتاب يوم اليرموك، فكان يحدّث الناس ببعض ما فيها اعتماداً على حديث مروي.(1)
وعن هؤلاء المفسرين الذين لا يتورّعون عن تفسير القرآن بمثل هذه الخيالات والأوهام يقول النظام: لا تسترسلوا إلى كثير من المفسرين وإن نصبوا أنفسهم للعامة وأجابوا في كلّ مسألة، فإنّ كثيراً منهم يقول بغير رواية من أساس، وليكن عندكم عكرمة والكلبي والسدي والضحاك ومقاتل بن

1 . وهو قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : حدّثوا عني...،وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج . مسند أحمد:3/46.

صفحه 138
سليمان وأبو بكر الأصم في سبيل واحدة فكيف أثق بتفسيرهم وأسكن إلى صوابهم.(1)
وقال أيضاً حول قصة آدم وحواء: ونقرأ تفسير الطبري وتفسير مقاتل بن سليمان في هذه القصة فيتجلّى لنا بوضوح انّهما أخذا ما جاء في التوراة وشروحها من تفصيل لهذه القصة، ووضعوه تفسيراً لآيات القرآن الكريم وهم يروون ذلك عن وهب بن منبه تارة، وعن إسرائيل عن أسباط عن السدي تارة أُخرى.(2) ومثلاً نجد القرآن الكريم قد اشتمل على موضوعات وردت في الإنجيل كقصة ولادة عيسى بن مريم ومعجزاته، فجاء المفسرون ينقلون عن مسلمة اليهود والنصارى شروحاً لهذه الآيات.(3)
خاتمة المطاف: كلمة لزهدي حسن حول تأثير الديانات على المسلمين   
وقال أيضاً: ولم يقتصر تأثير الإسرائيليات على كتب التفسير، بل تعدّاها إلى العلوم الإسلامية الأُخرى، فقد عني بعض المسلمين بنقل تاريخ بني إسرائيل وأنبيائهم كما فعل أبو إسحاق والطبري في تاريخيهما وكما فعل ابن قتيبة في كتاب المعارف... كذلك كان لليهود أثر غير قليل في بعض المذاهب الكلامية، فابن الأثير يروي عند الكلام على «أحمد بن دؤاد» أنّه كان داعية إلى القول بخلق القرآن، وأخذ ذلك عن بشر المريسي وأخذ بشر عن الجهم بن صفوان، وأخذ الجهم عن الجعد بن أدهم، وأخذه الجعد عن أبان بن سمعان، وأخذه أبان عن طالوت ابن أُخت لبيد الأعصم وختنه،

1 . الحيوان للجاحظ:1/343ـ 346.
2 . تفسير مقاتل:1/18; وتفسير الطبري:1/186 ومابعده.
3 . تفسير الطبري: 3 / 190 .

صفحه 139
وأخذه طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودي وكان لبيد يقول:خلق التوراة، وأوّل من صنف في ذلك طالوت وكان زنديقاً فأفشى الزندقة.(1)
وسيوافيك أنّ القول بقدم القرآن وكونه غير مخلوق، أيضاً تسرّبت من اليهود حينما قالوا بقدم التوراة، أو من النصرانية حينما قالوا بقدم «الكلمة» التي هي المسيح. فللأحبار والرهبان دور راسخ في خلق هذه العقائد وطرح قدم القرآن خاصة على بساط البحث مع أنّه لم يرد في ذلك نصّ عن النبي والصحابة.
قال «زهدي حسن» ـ عند البحث عن تأثير الديانات ـ في تكون العقائد: فمن أهل تلك الأديان من تركوا أديانهم ودخلوا في الإسلام. لكنّهم لم يستطيعوا أن يتخلصوا من عقائدهم القديمة ولم يتسن لهم أن يتجرّدوا من سلطانها، لأنّ للمعتقدات الدينية على نفوس الناس قوة نافذة وهيمنة عظيمة فلا تزول بسهولة ولا تنسى بسرعة، ولهذا فإنّهم نقلوا إلى الإسلام ـ عن غير تعمد أو سوء قصد ـ بعض تلك المعتقدات ونشروها بين أهله.
ومنهم ـ و هذا يصحّ عن الفرس كما سنرى ـ من اعتنق الإسلام لا عن إيمان به أو تحمس له وإنّما لغايات في نفوسهم فعل بعضهم ذلك طمعاً في مال يجنيه أو جاه يناله، وأقدم البعض الآخر عليه بدافع الحقد على المسلمين الذين هزموا دينهم وهدموا ملكهم، فأظهروا الإسلام وأبطنوا عداوته ودأبوا على محاربته والكيد له، فكانوا خطراً عليه كبيراً، وشراً

1 . الكامل لابن الأثير:5/294 حوادث سنة 240; ولاحظ الإسرائيليات وأثرها في كتب التفسير للدكتور رمزي نعناعة: 110ـ111.

صفحه 140
مستطيراً، لأنّهم ما انفكوا ينفثون فيه ما في صدورهم من الغل والغيظ، ويروجون بين أبنائه من الأفكار والآراء ما لا تقره العقيدة الإسلامية حباً في تشويه تلك العقيدة ورغبة في إفسادها.
وكثيرون من غير المسلمين تمسكوا بأديانهم الأصلية، لأنّ الإسلام منحهم حرية العبادة، ولم يتدخل في شؤونهم الخاصة ما داموا يدفعون الجزية، ولما توطدت أركان الدولة الإسلامية وتوسعت أعمالها في عهد بني أُمية، ولما لم تكن للعرب الخبرة الكافية في أُمور الإدارة، فإنّهم اضطروا إلى أن يعتمدوا في تصريف شؤون البلاد على أهل الأمصار المتعلمين الذين اقتبسوا مدنية الفرس وحضارة البيزنطيين، فأسندوا إليهم أعمال الدواوين. وهكذا كانوا يحيون بين ظهراني المسلمين، ويحتكون دوماً بهم... والاحتكاك يؤدي إلى تبادل الرأي، والآراء سريعة الانتقال شديدة العدوى.
خاتمة المطاف: كلمة لأحمد أمين حول الإسرائيليات   
وقال أيضاً: إنّ الأمويين قربوهم (المسيحيين) إليهم، واستعانوا بهم، وأسندوا إليهم بعض المناصب العالية، فقد جعل معاوية بن أبي سفيان «سرجون بن منصور» الرومي المسيحي كاتبه وصاحب أمره(1)، وبعد أن قضى معاوية بقيت لسرجون مكانته فكان يزيد يستشيره في الملمّات ويسأله الرأي.(2) ثمّ ورث تلك المكانة ولده يحيى الدمشقي(3) الذي خدم

1 . تاريخ الطبري:6/183; وابن الأثير:4/7.
2 . تاريخ الطبري: 6 / 194 ـ 199 وابن الأثير: 4 / 17.
3 . هو القديس يحيى الدمشقي (81 ـ 137 هـ = 700 ـ 754 م) واسمه العربي منصور. كان يحيى الدمشقي عالماً محترماً في الكنيستين: الشرقية والغربية .

صفحه 141
الأمويين زمناً ثمّ اعتزل العمل سنة (112 هـ / 730 م) والتحق بأحد الأديرة القريبة من القدس حيث قضى بقية حياته يشتغل في الأبحاث الدينية ويصنف الكتب اللاهوتية، وليس من يجهل الأخطل الشاعر المسيحي الذي قدمه الأمويون وأغدقوا عليه العطايا وجعلوه شاعر بلاطهم. وكيف كان يزيد بن معاوية يعتمد عليه في الرد على أعداء بني أُمية وهجوهم.(1)
إنّ احتكاك المسلمين بأُولئك المسيحيين لا يمكن أن يكون قد مضى دون أن يترك فيهم أثراً، ولا سيما برجل ممتاز كيحيى الدمشقي الذي كان آخر علماء اللاهوت الكبار في الكنيسة الشرقية وأعظم علماء الكلام في الشرق المسيحي.(2)
***
وقال أحمد أمين عند البحث عن مصادر القصص في العصر الأوّل: ولابدّ أن نشير هنا إلى منبعين كبيرين لهؤلاء القصص وأمثالهم(3)، تجد ذكرهما كثيراً في رواية القصص وفي التاريخ وفي الحديث وفي التفسير، هما: وهب بن منبه، وكعب الأحبار.
فأمّا وهب بن منبه فيمني من أصل فارسي، وكان من أهل الكتاب الذين أسلموا، وله أخبار كثيرة وقصص تتعلّق بأخبار الأول ومبدأ العالم

1 . الأغاني:14/117.
2 . لاحظ كتاب «المعتزلة» : 23ـ 24 تأليف زهدي حسن جار الله.
3 . كذا في المصدر.

صفحه 142
وقصص الأنبياء، وكان يقول: قرأت من كتب الله اثنين وسبعين كتاباً، وقد توفّي حوالي سنة (110 هـ) بصنعاء.
وأمّا كعب الأحبار أو كعب بن ماتع فيهودي من اليمن كذلك، ومن أكبر من تسربت منهم أخبار اليهود إلى المسلمين، أسلم في خلافة أبي بكر وعمر ـ على خلاف في ذلك ـ و انتقل بعد إسلامه إلى المدينة ثمّ إلى الشام، وقد أخذ عنه اثنان، هما أكبر من نشر علمه: ابن عباس ـ وهذا يعلل ما في تفسيره من إسرائيليات ـ وأبو هريرة ولم يؤثر عنه أنّه ألّف كما أثر عن وهب بن منبه، ولكن كلّ تعاليمه ـ على ما وصل إلينا ـ كانت شفوية، وما نقل عنه يدلّ على علمه الواسع بالثقافة اليهودية وأساطيرها.
جاء في «الطبقات الكبرى» حكاية عن رجل دخل المسجد فإذا عامر بن عبد الله بن القيس جالس إلى كتب وبينها سفر من أسفار التوراة وكعب يقرأ.(1)
خاتمة المطاف: كلمة لأحمد أمين حول الإسرائيليات   
وقد لاحظ بعض الباحثين أنّ بعض الثقات كابن قتيبة والنووي ما رويا عنه أبداً. وابن جرير الطبري يروي عنه قليلاً، ولكن غيرهم كالثعلبي والكسائي ينقل عنه كثيراً من قصص الأنبياء كقصة يوسف والوليد بن الريان وأشباه ذلك. ويروي «ابن جرير» أنّه جاء إلى عمر بن الخطاب قبل مقتله بثلاثة أيام وقال له: اعهد، فإنّك ميت في ثلاثة أيام. قال: وما يدريك؟ قال: أجده في كتاب الله عزّوجلّ في التوراة. قال عمر: إنّك لتجد عمر بن

1 . طبقات ابن سعد:7/79.

صفحه 143
الخطاب في التوراة؟ قال: اللّهمّ لا، ولكن أجد صفتك وحليتك وأنّه قد فني أجلك.
وهذه القصة إن صحت، دلّت على وقوف كعب على مكيدة قتل عمر، ثمّ وضعها هو في هذه الصبغة الإسرائيلية، كما تدلنا على مقدار اختلاقه فيما ينقل.
وعلى الجملة: فقد دخل على المسلمين من هؤلاء وأمثالهم في عقيدتهم وعلمهم كثير كان له فيهم أثر غير صالح.(1)
***
(وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ) .(2)

1 . فجر الإسلام: 160 ـ 161، طبع دار الكتاب العربي.
2 . آل عمران:69.

صفحه 144
   

العامل الخامس

الاحتكاك الثقافي واللقاء الحضاري

مضى النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى جوار ربّه وقام المسلمون بعده بفتح البلاد ومكافحة الأُمم المخالفة للإسلام والسيطرة على أقطارها، وكانت تلك الأُمم ذات حضارة وثقافة في المعارف والعلوم والآداب، وكان بين المسلمين رجال ذوو دراية ورغبة في كسب العلوم وتعلم ما في تلك الحضارات من آداب وفنون فأدّت هذه الرغبة إلى المذاكرة والمحاورة أوّلاً، ونقل كتبهم إلى اللغة العربية ثانياً.
يقول بعض المؤرّخين في هذا الصدد: ولم تلبث كتب أرسطو، وأنبذقليس، وهرقليوس، وسقراط، وأبيقور، وجميع أساتذة مدرسة الإسكندرية من الفلاسفة، أن ترجمت إلى اللغة العربية وكان هناك ما جعل أمر تلك الترجمة سهلاً، فقد كانت معارف اليونان والرومان منتشرة في بلاد الفرس وسوريا منذ أن وجد العرب في بلاد فارس وسوريا، فلمّا استولى المسلمون على ما فيها من خزائن العلوم اليونانية قاموا بنقل ما هو باللغة السريانية إلى اللغة العربية.
وأعان على أمر الترجمة أنّه نقل عدّة من الأسرى إلى العواصم

صفحه 145
الإسلامية، فصار ذلك سبباً لانتقال كثيرمن آراء الرومان والفرس إلى المجتمع الإسلامي وانتشارها بينهم، ولا شكّ أنّ بين تلك المعارف ما كان يضاد مبادئ الإسلام وأُسسه، وكان بين المسلمين من لم يتدّرع في مقابلها ومنهم من لم يتوّرع في أخذ الفاسد منها فأقبلوا عليها وتبنّوها، نظراء: ابن أبي العوجاء، وحماد بن عجرد، ويحيى بن زياد، ومطيع بن أياس، وعبد الله بن المقفع، فهؤلاء وأمثالهم بين غير متدرع وغير متورع، اهتموا بنشر الإلحاد بين المسلّمين وترجمة كتب الملاحدة والثنوية من الروم والفرس إلى أن عاد بعض المتفكّرين غير مسلمين للإسلام إلاّ بالقواعد الأساسية كالتوحيد والنبوة و المعاد وكانوا ينشرون آراءهم علناً ويهاجمون بها عقائد المؤمنين.
نحن نرى في التراث اليوناني بفضل التراجم التي وصلت إلينا أبحاثاً حول علمه سبحانه وإرادته وقدرته وأفعاله حتى مسألة الجبر والاختيار، وقد كان لتلك الآراء تأثير عميق على عقول المسلمين وهم بين متدرّع بالحضارة الإسلامية يكافح الشبه ويميز الصحيح من الفاسد، وبين ضعيف في التعقّل والتفكّر ليس له من الشأن إلاّ الأخذ، فصارت تلك الآراء من مبادئ تكوّن الفرق واختلاق النحل.

صفحه 146
دور أهل البيت في عصر الترجمة   
 
دور أهل البيت في عصر الترجمة
وفي هذا الجو المشحون بالآراء والعقائد الصحيحة وغير الصحيحة، قام أهل البيت بتربية جموع غفيرة من ذوي الاستعداد على المبادئ الأصيلة والمفاهيم الإسلامية وتعريفهم بالأُصول الدينية المستقاة من الكتاب والسنّة والعقل،وصاروا يناظرون كلّ فرقة ونحلة بما فيهم الملاحدة والثنوية بأمتن البراهين وأسلمها.
وقد حفظ التاريخ أسماء طائفة منهم، كهشام بن الحكم، وأبي جعفر مؤمن الطاق، وجابر بن يزيد، وأبان بن تغلب البكري، ويونس بن عبد الرحمن، وفضال بن الحسن بن فضال، ومحمد بن خليل السكاك، وأبي مالك الضحاك، وآل نوبخت جميعاً، إلى غير ذلك ممن برع في علم الكلام، وناظر الفرق، بين من تتلمذ على الأئمة، أو من تتلمذ على خريجي مذهبهم، وتواصلت حلقات مناظراتهم حتى القرون المتأخرة وألفت كتب في العقائد والكلام والملل والنحل، يقف القارئ على تاريخهم في كتب الرجال والتراجم وقد حفظ الكثير من نصوص هذه المناظرات والاحتجاجات لحدّ الآن.
كما قامت المعتزلة بمقاومة هذه التيارات الإلحادية والثنوية، وبإزالة الشبه بفضل الأُصول القرآنية والعقلية، وقد نجحوا في ذلك نجاحاً باهراً وإن لم يكونوا ناجحين في كلّ ما هو الحقّ من الأُصول والفروع الإسلامية.

صفحه 147
وبما أنّ أهل الحديث لا يحسنون طريقة المعتزلة في الاحتجاج والبرهنة، لذا كانوا يعادونهم، كما أنّ الملاحدة والثنوية كانوا يعادونهم أيضاً، لما يجدون فيهم من قوّة التفكير والقدرة على الاحتجاج والمناظرة. وعلى ذلك فقد وقعت المعتزلة بين عدوين:أحدهما من الداخل، وهم أهل الحديث، والآخر من الخارج، وهم الملاحدة والثنوية.
نعم كان بين المسلمين من يأبى الخوض في المسائل العقلية ويكتفي بما وصل إليه من الصحابة، ويقتصر على ما حصل عليه من الدين بالضرورة وهم الحشوية من أهل الحديث وأكثر الحنابلة، ولمّا التحق الشيخ أبو الحسن الأشعري بالحنابلة لم يجد محيصاً في الدفاع عن عقائدهم عن الخوض في المسائل الكلامية، فألّف رسالة أسماها «في استحسان الخوض في الكلام».

صفحه 148
   

العامل السادس

الاجتهاد في مقابل النص

إذا كانت العوامل الخمسة الماضية من عوامل تكون المذاهب الكلامية فالاجتهاد في مقابل النص ممّا يتكون به المذاهب الكلامية والفقهية.
روى الفريقان أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان مسجى على فراش الموت والحجرة غاصة بأصحابه فقال: «يا أيّها الناس يوشك أن أُقبض سريعاً فينطلق بي، وقد قدمت إليكم القول معذرة إليكم ألا إنّي مخلف فيكم كتاب الله عزّ وجلّ وعترتي أهل بيتي».(1)
فجعل العترة أعدال كتاب الله وقرناؤه، كما أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) جعلهم أمان الأُمّة من الاختلاف وسفينتها من الهلاك، إلى غير ذلك من الأحاديث التي ستمر عليك عند البحث عن الشيعة.
ومع ذلك استأثر القوم بالأمر يوم السقيفة و أوّلوا نصوصه لا يلوون على شيء وقد قضوا أمرهم بينهم دون أن يؤذنوا به أحداً من بني هاشم

1 . لاحظ ص 48 من كتابنا هذا.

صفحه 149
وأهل بيت النبوة، وكأنّه عناهم الشاعر في المثل السائر حيث قال:
ويقضى الأمر حين تغيب تيم *** ولا يستأذنون وهم شهود
نرى أنّ الأُمّة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رجعوا إلى كلّ صحابي وتابعي وإلى من أدرك صحبة النبي شهراً أو أقلّ ومع ذلك أعرضوا عن أهل بيته وعترته وهم أهل بيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة ومهبط الوحي والتنزيل، وما هذا إلاّ اجتهاد في مقابل النصّ.
وأمّا المذاهب الفقهية التي أُسّست في ظل هذا العامل فحدث عنها ولا حرج، ويكفي في ذلك المراجعة إلى الكتب الفقهية في المسائل التالية:
1. إسقاط سهم المؤلّفة قلوبهم من الزكاة مع النص عليه في محكم الذكر.
2. إسقاط سهم ذوي القربى من الخمس بوفاة رسول الله مع النصّ عليه في محكمات الفرقان وصحاح السنن.
3. الحكم بعدم توريث الأنبياء مع ما في الذكر الحكيم من النصوص الصريحة في توريثهم.
4. النهي عن متعة الحجّ مع النصّ الوارد عليها في الآية (196) من سورة البقرة.
5. النهي عن متعة النساء مع النصّ عليه في محكم الذكر وصحاح الروايات.

صفحه 150
6.إسقاط «حي على خير العمل» من الأذان والإقامة مع كونه جزءاً من كلّ منهما.
إلى غير ذلك من الموارد التي جمعها العلاّمة الأكبر السيد شرف الدين العاملي (المتوفّى 1377 هـ) في كتابه «النص والاجتهاد» وهو من الكتب الممتعة في ذلك الموضوع، وفي آخر الكتاب فصل جمع فيه نصوص الإمامة المتوالية من مبدأ أمر الرسول إلى انتهاء عمره الشريف.
***
(ثُمَّ أَورَثنا الكِتابَ الَّذينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإِذْنِ الله ذلِكَ هُوَ الفَضْلُ الْكَبير) (1).

1 . فاطر: 32 .

صفحه 151
الفصل الرابع
في معنى القدرية
والمعتزلة والرافضة والحشوية

صفحه 152

صفحه 153
في معنى القدرية   
إنّ كتب الملل والنحل مشحونة باصطلاحات يستخدمونها في التعبير عن الفرق ويعبرون عن أكثرها بإدخال ياء النسبة إلى أصحاب الرأي، غير أنّ هناك اصطلاحات اختلفوا في معناها أو وقع لهم الاشتباه في تفسيرها، فلنذكر هاهنا القسم الأخير منها:

1. القدرية

قد تداول استعمال لفظ القدرية في علمي الملل والكلام، فأصحاب الحديث كإمام الحنابلة ومتكلّمي الأشاعرة يطلقونها ويريدون منها «نفاة القدر ومنكريه» بينما تستعملها المعتزلة في مثبتي القدر والمقرين به، وكلّ من الطائفتين ينزجر من الوصمة بها ويفر منها فرار المزكوم من المسك; وذلك لما رواه أبو داود في سننه، والترمذي في صحيحه، من روايات في ذم القدرية والقدح فيهم. وإليك بيانها:
1. عبد الله بن عمر: انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: القدرية مجوس هذه الأُمّة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم.
2. عبد الله بن عباس: انّ النبي قال: لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم.(1)

1 . أي لا تحاكموهم وتناظروهم ولا تجادلوهم. وفي المصدر عمر بن الخطاب مكان «عبد الله بن عباس».

صفحه 154
3. عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): صنفان من أُمّتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية.(1)
ولأجل هذه الروايات يتهم كلّ من الطائفتين، الأُخرى بالقدرية لينزّه نفسه من ذلك العار والشنار.
ولا يخفى أنّ متون الأحاديث تعرب عن كونها موضوعة على النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، خصوصاً الحديث الأخير فقد جاء فيه: المرجئة والقدرية معاً، إذ انّ هذين المصطلحين برزا بين المسلمين في النصف الثاني من القرن الأوّل عندما اتّهم معبد الجهني وتلميذه غيلان الدمشقي بالقدر والإرجاء، و ذاع هذان الاصطلاحان بين المسلمين إلى الآن ومن البعيد وجودهما في زمن الرسول الأعظم وشيوعهما في ذلك العصر،وعند ذلك كيف يتكلّم الرسول بكلمات بعيدة عن أذهان أصحابه، وغريبة على مخاطبيه، كلّ ذلك يثير الشكّ أو سوء الظن بوضع هذه الأحاديث ودسّها بين المسلمين، حتى يتسنّى لكلّ من الطائفتين، تعيير الأُخرى بها والنيل من كرامتها،وما ذكرناه من التشكيك وإن كان لا يخرج عن دائرة الاستحسان، غير أنّ وقوع الضعاف في أسنادها يؤيد ذلك التشكيك ويقوّيه.
أمّا الحديث الأوّل، فقد رواه أبو داود في سننه بالسند التالي:
حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، قال: حدثني بمنى عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).(2)

1 . جامع الأُصول:10/526. راجع سنن أبي داود:4/222، باب في القدر، الحديث 4691 و 4692; سنن الترمذي:ج4، كتاب القدر باب 13، الحديث 2149.
2 . سنن أبي داود: 4 / 222، باب في القدر، الحديث 4691.

صفحه 155
ويكفي في ضعف الحديث، أنّ أبا حازم سلمة بن دينار، لم يدرك عبد الله بن عمر، وقد روى عنه في مواضع بوسائط، لا يثبت منها شيء.(1)
وأمّا الحديث الثاني، فقد رواه أيضاً بالسند التالي:
حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا عبد الله بن يزيد المقري أبو عبد الرحمن، قال حدثني سعيد بن أبي أيوب، قال حدثني عطاء بن دينار، عن حكيم بن شريك الهذلي، عن يحيى بن ميمون الحضرمي، عن ربيعة الجرشي، عن أبي هريرة، عن عمر بن الخطاب.(2)
ويكفي في ضعف الحديث أنّ في أسناده، حكيم بن شريك الهذلي البصري المجهول.(3)
وأمّا الحديث الثالث، فقد رواه الترمذي في سننه بالسند التالي:
حدثنا واصل بن عبد الأعلى الكوفي، حدثنا محمد بن فضيل، عن القاسم بن حبيب، وعلي بن نزار، عن نزار عن عكرمة.(4)
ويكفي في ضعف الحديث أنّ قاسم بن حبيب ضعيف، ونزار وابنه علي، من المجاهيل.
أفيصح الاحتجاج بأحاديث هذه أسنادها؟
هذه حال الأحاديث الواردة في الصحاح. غير أنّ هناك أحاديث

1 . جامع الأُصول: 10 / 526 قسم التعليق; واللآلي المصنوعة :1/258.
2 . سنن أبي داود:4/228، باب في القدر، الحديث 4710.
3 . جـامـع الأُصول: 10 / 526، قسم التعليق.
4 . سنن الترمذي :4/454، باب ما جاء في القدرية، رقم الحديث 2149.

صفحه 156
وردت في غيرها تختلف مع ما ورد فيها سنداً، وإن كانت تتحد لفظاً. وقد جمعها السيوطي في كتابه: «اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة».(1)
مثلاً: روى ابن عدي، بسند عن مكحول عن أبي هريرة مرفوعاً: إنّ لكلّ أُمّة مجوساً، وإنّ مجوس هذه الأُمّة القدرية، فلا تعودوهم إذا مرضوا، ولا تصلّوا عليهم إذا ماتوا.
وفي سنده جعفر بن الحارث، قال عنه السيوطي: ليس بشيء.
ورواه خيثمة بسند عن أبي هريرة، وفي سنده غسان، قال عنه السيوطي: مجهول.
ورواه الدارقطني، بسند عن أبي هريرة، وفيه مجاهيل، حتى قال النسائي: هذا الحديث باطل كذب.(2)
ونكتفي بهذا المقدار في البحث عن سند الروايات.
هذا حال رجال الأحاديث المذكورة، ومن المعلوم أنّه لا يمكن الاحتجاج بأحاديث هذا شأنها، وعلى فرض صحتها فالصحيح تفسير القدرية بمعنى مثبتي القدر والحاكمين به، لا نفاته. فإنّ تلك الكلمة كأشباهها من العدلية وغيرها تطلق ويراد منها مثبتو مبادئها، أعني: العدل، لا نفاتها. وإطلاق تلك الكلمة وإرادة النفي منها من غرائب الاستعمالات.
نعم أخرج أبو داود في سننه(2)، عن حذيفة بن اليمان قال: «قال

1 . لاحظ اللآلي المصنوعة: 1 / 254 ـ 256.   2 . اللآلي المصنوعة: 1 / 258.
2 . سنن أبي داود: 4 / 222، الحديث: 4692.

صفحه 157
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لكلّ أُمّة مجوس، ومجوس هذه الأُمّة الذين يقولون
لا قدر».
وهذا الحديث على فرض صحته يمكن أن يكون قرينة على تفسير القدرية في هذا المورد، ويكشف عن أنّ ذلك الاستعمال البعيد عن الأذهان، كان مصحوباً بقرينة. ولكن الاحتجاج بالحديث غير تام، إذ في سنده عمر مولى غفرة، عن رجل من الأنصار، عن حذيفة، فالراوي والمروي عنه مجهولان.(1)

فقه الحديث

وبعد ذلك كلّه، ففقه الحديث يقتضي أن نقول: إنّ المراد من القدرية هم مثبتو القدر، لا نفاته، بقرينة تشبيههم بالمجوس، فإنّ المجوس معروفة بالثنوية، وإنّ خالق الخير غير خالق الشر، ومبدع النور غير مبدع الظلمة، وإنّ هناك إلهين خالقين في عالم واحد، يستقل كلّ في مجاله الخاص، حسب ما يناسب ذاته.
والقائل بالقدر يحكّم القدر على أفعاله سبحانه وأفعال عباده، فكأنّ التقدير إله حاكم على أفعال الله وأفعالهم، فإذا قدر شيئاً وقضى لا يمكن له نقض قضائه وقدره، بل يجب عليهما أن يصيرا حسب ما قدر، فالفواعل على هذا المعنى ـ سواء أكانت شاعرة عالمة بذاتها وأفعالها أو غير شاعرة وعالمة ـ مسيّرة لا مخيّرة، لأجل حكومة القدر وسيادته على الله وأفعاله

1 . الجرح والتعديل:6/143.

صفحه 158
وعلى حرية عبده، فأي إله أعلى وأسمى من القدر بهذا المعنى. فصحّ تشبيه القدرية ـ بهذا المعنى ـ بالمجوس القائلين بالثنوية وتعدد الإله.
وأمّا نفاة القدر الذين يقولون لا قدر ولا قضاء بل لله الحكم في أوّله وآخره، وأنّ عباده مخيّرون في أعمالهم وأفعالهم، فهم أشبه بالموحدين من القائلين بالمعنى السابق الذكر.
نعم يمكن تقريب كون النفاة بحكم المجوس ببيان آخر وهو: أنّ تلك الفرقة يعتقدون بالتفويض، وأنّ الإنسان مفوض إليه في فعله، مستقل في عمله وكلّ ما يقوم به. فعند ذلك يكون الإنسان فاعلاً غير محتاج في فعله إلى خالقه وبارئه، ويصير نداً له سبحانه وتعالى فكما هو مستقل في خلقه، فذاك أيضاً مستقل في عمله.
وهذا الاعتقاد يشبه قول الثنوية، من الاعتقاد بخالقين مستقلين: خالق النور وخالق الظلمة. وفي مورد البحث يعتقد نفاة القدر بخالقين: الله سبحانه بالنسبة إلى ما سواه غير أفعال الإنسان، والإنسان في مجال أفعاله وأعماله، فلكلّ مجال خاص، وهذا الاعتقاد يخالف التوحيد في الخالقية والفاعلية، وأنّه ليس هناك إلاّ خالق واحد، كما أنّه ليس هناك فاعل مستقل. فكلّ ما في الوجود من الآثار مع استناده إلى مبادئها ومؤثراتها، مستند إلى الله سبحانه، وسيوافيك توضيحه عند البحث في القضاء والقدر.
ولا يخفى ما في هذا الوجه من الوهن، لأنّ الحديث يركز على كونهم بمنزلة المجوس، لأجل كونهم نافين للقدر، لا لأجل كونهم قائلين

صفحه 159
بالتفويض، وأنّ الإنسان بعد الوجود، مفوض إليه فعله وعمله، ولا صلة لفعله بالله سبحانه بوجه من الوجوه. وقولهم بالتفويض وإن كان يصحح ذلك، لكنّه ليس مذكوراً في الحديث فالحقّ تفسير الحديث بالقائلين بالقدر والمثبتين له على الوجه الذي عرفته، لا بنفاته.
هذا، والقاضي عبد الجبار نقل حديثاً يوضح لنا مفاد هذا الحديث حيث قال: «لعنت القدرية والمرجئة على لسان سبعين نبياً، قيل له: ومن القدرية يا رسول الله؟ قال: «قوم يزعمون أنّ الله قدّر عليهم المعاصي وعذبهم عليها. والمرجئة قوم يزعمون أنّ الإيمان بلا عمل».(1)
ونقل أيضاً قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): «لعن الله القدرية على لسان سبعين نبياً، قيل: من القدرية يا رسول الله؟ قال: «الذين يعصون الله تعالى ويقولون كان ذلك بقضاء الله وقدره... وهم خصماء الرحمن وشهود الزور وجنود إبليس».(2)
وقد رواه بعض المفسرين أيضاً، كالزمخشري في كشافه(2)، والرازي في مفاتيحه.(4)
هذا وإنّ تنبّؤ النبي الأكرم عن طائفة باسمهم دون أن يذكر وصفهم بعيد جداً.
وهنا نكتة يجب التنبيه عليها وهي أنّه لا شكّ أنّ لله سبحانه قضاء

1 . المغني: 8 / 326 (المخلوق).   2 . شرح الأُصول الخمسة: 775، الطبعة الأُولى.
2 . الكشاف: 1 / 103.                     4 . المفاتيح: 13 / 184.

صفحه 160
وقدراً، وانّه لا يمكن للمؤمن العارف بالكتاب والسنّة إنكار ذلك،وقد قال سبحانه: (ما أَصابَ مِنْ مُصيبَة فِي الأَرْضِ وَلا في أَنفُسِكُمْ إِلاّ في كِتاب مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلى اللّهِ يَسير) (1) وقال سبحانه: (إِنّا أَنْزَلْناهُ في لَيْلَة مُبارَكة إِنّا كُنّا مُنْذِرينَ* فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْر حَكِيم).(2)
وهذه الآيات والأحاديث المتضافرة التي نقلها أصحاب الحديث لا تترك منتدحاً لمسلم أن ينكر القضاء والقدر، نعم الكلام في تفسيرهما وتحديد معناهما على نحو لا يضاد ولا يخالف حاكمية الله واختياره أوّلاً، ولا يزاحم حرية الإنسان وإرادته ثانياً، إذ كما أنّ القدر والقضاء من الأُمور اليقينية، فكذا حاكميته سبحانه واختياره، وحرية العبد وإرادته من الأُمور اليقينية أيضاً، وسوف يوافيك أنّ معنى القضاء والقدر الثابتين في الشرع، ليس كما تصوّره أصحاب الحديث والأشاعرة: من تحكيم القدر على اختياره سبحانه، وإرادة عباده. بل تقديره وقضاؤه لا يعني إبطال حرية الإنسان واختياره، ولأجل كون المقام من مزال الأقدام، نهى الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)البسطاء عن الخوض في القضاء والقدر، فقال في جواب من سأله عن القدر:«طريق مظلم فلا تسلكوه، وبحر عميق فلا تلجوه، وسر الله فلا تتكلّفوه».(3)
الاعتزال والمعتزلة   
ولكن كلامه (عليه السلام) متوجه إلى البسطاء من الأُمّة الذين لا يتحملون

1 . الحديد:22.
2 . الدخان:3 و 4.
3 . شرح نهج البلاغة للشيخ محمد عبده:قسم الحكم، الرقم 287.

صفحه 161
المعارف العليا، لا إلى أهل المعرفة والنظر. ولأجل ذلك وردت جمل شافية في القضاء والقدر عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)وسيوافيك شطر منها عند عرض مذهب أهل الحديث في هذا الموقف.
 
2. الاعتزال والمعتزلة
المعتزلة طائفة من العدلية نشأت في أوائل القرن الثاني الهجري، ويرجع أصلها إلى «واصل بن عطاء» تلميذ الحسن البصري، ولهم منهج كلامي خاص وأُصول معينة اتفقوا عليها، وسوف نرجع إلى دراسة مذهبهم بعد الفراغ من دراسة مذهب أهل الحديث أوّلاً، والأشاعرة ثانياً، غير أنّ الذي نركز عليه هنا هو الوقوف على وجه تسميتهم بالمعتزلة تارة، ووصف مدرستهم بالاعتزال أُخرى، وهناك آراء ستة نشير إلى بعضها:
أ. دخل رجل على الحسن البصري (المتوفّى عام 110 هـ) فقال: يا إمام الدين لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفّرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملة وهم وعيدية الخوارج; وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان، بل العمل ـ على مذهبهم ـ ليس ركناً من الإيمان، ولا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهم مرجئة الأُمّة فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقاداً؟
فتفكّر الحسن في ذلك وقبل أن يجيب، قال واصل بن عطاء (تلميذه): أنا لا أقول إنّ صاحب الكبيرة مؤمن مطلقاً، ولا كافر مطلقاً، بل هو

صفحه 162
في منزلة بين المنزلتين لا مؤمن ولا كافر.
ثمّ قام واعتزل إلى أسطوانة من اسطوانات المسجد، يقرر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزل عنّا واصل، فسمّي هو وأصحابه معتزلة.(1)
وقد كان لمسألة مرتكب الكبائر دوي عظيم في تلك العصور، وهو أمر أحدثه الخوارج في البيئات الإسلامية تعييراً لعلي (عليه السلام) حيث إنّه بزعمهم ارتكب الكبيرة لمّا حكّم الرجال في أمر الدين، وليس للرجال شأن في هذا المجال، فعادوا يكفّرونه حسب معاييرهم الباطلة. ولأجل ذلك انتشر السؤال عن حكم مرتكب الكبيرة، هل هو كافر أو مؤمن فاسق؟ فالتجأ واصل بن عطاء إلى القول بالمنزلة بين المنزلتين.
وظاهر الرواية، أنّ واصل بن عطاء أجاب عن السؤال ارتجالاً وبلا تروّ، غير أنّا نرى أنّ المعتزلة اتّخذوه أصلاً من الأُصول الخمسة التي لا يختلف فيها أحد منهم، فيبدو أنّه انتهى إلى تلك النظرية عن تحقيق وتفكير وتبعه أصحابه طوال قرون من دون أن يكون هناك حافز سياسي أو داع غير إراءة الحقّ وإصابة الواقع.
ومع ذلك كلّه نرى عبد الرحمن بدوي يعتبر تلك الفكرة منهم فكرة سياسية اتّخذوها ذريعة على ألاّ ينصروا أحد الفريقين المتنازعين(أهل السنّة والخوارج) حيث قال: وإنّما اختار المعتزلة الأوّلون هذا الاسم، أو

1 . الفرق بين الفرق : 118; الملل والنحل للشهرستاني:1/48.

صفحه 163
على الأقل تقبّلوه، بمعنى المحايدين أو الذين لا ينصرون أحد الفريقين المتنازعين (أهل السنة والخوارج) على الآخر في المسألة السياسيّة الدينية الخطيرة: مسألة الفاسق ما هو حكمه؟ هل هو كافر مخلّد في النار كما يقول الخوارج، أو هو مؤمن يعاقب على الكبيرة بقدرها كما يقول أهل السنّة، أو هو في منزلة بين المنزلتين وهو ما يقول به المعتزلة.(1)
ب. وهناك رأي ثان في وجه تسميتهم بها، يظهر ممّا ذكره أبو الحسين محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الملطي الشافعي (المتوفّى عام 377 هـ) حيث يقول: وهم سمّوا أنفسهم معتزلة وذلك عندما بايع الحسن بن علي (عليه السلام)معاوية وسلم إليه الأمر، اعتزلوا الحسن (عليه السلام) ومعاوية وجميع الناس، وقد كانوا من أصحاب علي (عليه السلام)، ولزموا منازلهم ومساجدهم وقالوا: نشتغل بالعلم والعبادة فسمّوا بذلك معتزلة.(2)
وهذا الرأي قريب من جهة أنّ المعتزلة أخذوا تعاليمهم في التوحيد والعدل، عن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لأنّهم يقرّون بأنّ مذهبهم يصل إلى واصل بن عطاء، وأنّ واصلاً يستند إلى محمد بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)المعروف بابن الحنفية بواسطة ابنه أبي هاشم وأنّ محمداً أخذ عن أبيه، وأنّ علياً أخذ عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).(3)

1 . مذاهب الإسلاميين، للدكتور عبد الرحمن بدوي:1/37.
2 . التنبيه والرد: 36.
3 . رسائل الجاحظ تحقيق عمر أبي النصر: 228، وغيره ممّا كتب في تاريخ المعتزلة كطبقات المعتزلة للقاضي عبد الجبار، والمنية والأمل لأحمد بن يحيى بن المرتضى.

صفحه 164
وعلى ذلك فليس ببعيد أن يرجع وجه التسمية إلى زمن تصالح الإمام الحسن (عليه السلام) مع معاوية.
والذي يبعد ذلك أنّ من الأُصول الاعتقادية للمعتزلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى هذا الأصل خرجت أوائلهم على الوليد الفاسق بن يزيد بن عبد الملك ونصروا يزيد الناقص بن الوليد بن عبد الملك الذي كان على خط الاعتزال، وقد فصّل الكلام فيه المسعودي في تاريخه(1)، وعلى ذلك فلا يصح أن يقال إنّهم لزموا منازلهم ومساجدهم وقالوا: نشتغل بالعلم والعبادة.
والحقّ أن يقال: إنّ هناك طائفتين سمّيتا بالمعتزلة، لا صلة بينهما سوى الاشتراك في الاسم، ظهرت إحداهما بعد تصالح الإمام الحسن بن علي (عليهما السلام)مع معاوية، وهؤلاء طائفة سياسية بحتة. وظهرت الأُخرى في زمن الحسن البصري بعد اعتزال واصل إلى اسطوانة من اسطوانات المسجد، وهؤلاء طائفة كلامية عقائدية.
هذا وإنّ المعروف في وجه التسمية هو الوجه الأوّل دون الثاني ودون سائر الوجوه البالغة ستة أوجه.
وسيوافيك بيان تلك الأوجه الستة عند بيان عقائد المعتزلة في الجزء الثالث من هذه الموسوعة.
الرفض والرافضة ووجه التسمية   

1 . مروج الذهب:3/212ـ 226.

صفحه 165
 
3. الرفض والرافضة ووجه التسمية
الرفض: بمعنى الترك. قال ابن منظور في اللسان: «الرفض تركك الشيء تقول: رفضني فرفضته، رفضت الشيء أرفضه رفضاً; تركته وفرقته، والرفض، الشيء المتفرق والجمع: أرفاض».
هذا هو المعنى اللغوي، وأمّا حسب الاصطلاح في الأعصار المتأخرة فهو يطلق على مطلق محبي أهل البيت تارة، أو على شيعتهم جميعاً أُخرى، أو على طائفة خاصة منهم ثالثة.
وعلى كلّ تقدير فهذا الاصطلاح اصطلاح سياسي أُطلق على هذه الطائفة وهو موضوع لا كلام فيه، إنّما الكلام في وجه التسمية ومبدأ نشوئها، فإنّنا نرى ابن منظور يقول في وجه التسمية «الروافض: جنود تركوا قائدهم وانصرفوا، فكلّ طائفة منهم رافضة، والنسبة إليهم رافضي، والروافض قوم من الشيعة سمّوا بذلك لأنّهم تركوا زيد بن علي، قال الأصمعي: كانوا قد بايعوا زيد بن علي ثمّ قالوا له: ابرأ من الشيخين نقاتل معك فأبى وقال: كانا وزيري جدي فلا أبرأ منهما، فرفضوه وارفضوا عنه، فسمّوا رافضة، وقالوا الروافض ولم يقولوا: الرفاض لأنّهم عنوا الجماعات.(1)
غير أنّ ابن منظور، وإن أصاب الحقّ في صدر كلامه وجعل للّفظ معنى وسيعاً يطلق على المسلم والكافر، والمسلم شيعيّه و سنيّه لكن

1 . لسان العرب:7/157، مادة رفض.

صفحه 166
استشهد على وجه تسمية قسم من شيعة علي (عليه السلام)بها بقول الأصمعي، وهو منحرف عن علي وشيعته، فكيف يمكن الاعتماد على قوله، خصوصاً إذا تضمن تنقيصاً وازدراء بهم، وليس ذلك بدعاً من ابن منظور وأضرابه، بل هو مطرد في كلّ مورد يستشهدون بشيء فيه وقيعة للشيعة، فترى هناك أثراً من مطعون إلى منحرف إلى ناصبي إلى خارجي و«في كلّ واد أثر من ثعلبة» وعلى أي تقدير هذه الفكرة هي المعروفة بين أرباب الملل في تسمية شيعة الإمام بالرافضة، ونداء محبيه بالرفضة.
يقول البغدادي في «الفَرْق بين الفِرَق» عند البحث عن الزيدية:
وكان زيد بن علي قد بايعه خمسة عشر ألف رجل من أهل الكوفة وخرج بهم على والي العراق وهو يوسف بن عمر الثقفي عامل هشام بن عبد الملك، فلمّا استمر القتال بينه و بين يوسف بن عمر الثقفي قالوا له: إنّا ننصرك على أعدائك بعد أن تخبرنا برأيك في أبي بكر وعمر، بعد أن ظلما جدك علي بن أبي طالب. فقال زيد بن علي: لا أقول فيهم إلاّ خيراً، وما سمعت من أبي فيهم إلاّ خيراً. وإنّما خرجت على بني أُمية الذين قتلوا جدي الحسين، وأغاروا على المدينة يوم وقعة الحرة، ثمّ رموا بيت الله بالمنجنيق والنار. ففارقوه عند ذلك، حتى قال لهم رفضتموني، ومن يومئذ سمّوا رافضة.(1)
قال البزدوي أحد المؤلفين في الفرق عند البحث عن مذهب

1 . الفرق بين الفرق: 35.

صفحه 167
الروافض: «وإنّما سموا روافض، لأنّهم وقعوا في أبي بكر وعمر فزجرهم زيد فرفضوه وتركوه فسموا روافض».(1)
هذا ما لدى القوم من أوّلهم وآخرهم، فقد أخذوا بقول الأصمعي الناصبي في التسمية ومن لفّ لفّه وحذا حذوه.

نظرنا في الموضوع

لا أظن الأصمعي وهو خبير في اللغة يجهل بحقيقة الحال ولكن عداءه قد جرّه إلى هذا التفسير، فإنّ الحقّ أنّ الرافضة كلمة سياسية كانت تستعمل قبل أن يولد زيد بن علي ومن بايعه من أهل الكوفة، فالكلمة تطلق على كلّ جماعة لم تقبل الحكومة القائمة، سواء أكانت حقاً أو باطلاً. هذا هو معاوية بن أبي سفيان يصف شيعة عثمان ـ الذين لم يخضعوا لحكومة علي بن أبي طالب (عليه السلام)وسلطته ـ بالرافضة ويكتب في كتابه إلى «عمرو بن العاص» وهو في البيع في فلسطين أمّا بعد: فإنّه كان من أمر علي وطلحة والزبير ما قد بلغك، وقد سقط إلينا(2) مروان ابن الحكم في رافضة أهل البصرة وقدم علينا جرير بن عبد الله في بيعة علي، وقد حبست نفسي عليك حتى تأتيني، أقبل أُذاكرك أمراً.(3)
ترى أنّ معاوية يصف من جاء مع مروان بن الحكم بالرافضة وهؤلاء

1 . أُصول الدين: 248.
2 . سقط إلينا: نزل إلينا.
3 . وقعة صفين : 29.

صفحه 168
كانوا أعداء علي ومخالفيه، وما هذا إلاّ لأنّ هؤلاء الجماعة كانوا غير خاضعين للحكومة القائمة آنذاك.
وعلى ذلك فتلك لفظة سياسية تطلق على القاعدين عن نصرة الحكومة والالتفاف حولها، وبما أنّه كان من واجب هذه الجماعة البيعة للحكومة والتعامل معها معاملة الحكومة الحقة، ولكنّهم لم يقوموا بواجبهم فتركوه فتفرقوا عنها، فسمّوا رافضة.
فقد خرجنا بهذه النتيجة: إنّ كلمة الرفض والرافضة ليستا من خصائص الشيعة، بل هي لغة عامة تستعمل في كلّ جماعة غير خاضعة للحكومة القائمة، وبما أنّ الشيعة منذ تكونها لم تخضع للحكومات القائمة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فكانت رافضة حسب الاصطلاح الذي عرفت، ولم يكن ذلك الاصطلاح موهوباً من زيد بن علي لشيعة جدّه. كيف وقد ورد ذلك المصطلح على لسان أخيه محمد الباقر (عليه السلام) الذي توفّي قبل زيد بن علي وثورته بست سنوات؟!
روى أبو الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): إنّ رجلاً يقول إنّ فلاناً سمّانا باسم، قال: وما ذاك الاسم؟ قال: سمّانا الرافضة. فقال أبو جعفر ـ مشيراً بيده إلى صدره ـ: وأنا من الرافضة وهو مني» قالها ثلاثاً.(1)
وروى أبو بصير، قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): جعلت فداك اسم سمينا به، استحلت به الولاة دماءنا وأموالنا وعذابنا، قال: «وما هو؟» قال: الرافضة،

1 . بحار الأنوار: 65 / 97 الحديث 2، نقلاً عن المحاسن للبرقي، المتوفّى عام 274 هـ .

صفحه 169
فقال أبو جعفر(عليه السلام): «إنّ سبعين رجلاً من عسكر فرعون رفضوا فرعون، فأتوا موسى (عليه السلام) فلم يكن في قوم موسى أحد أشدّ اجتهاداً وأشد حباً لهارون منهم، فسمّاهم قوم موسى الرافضة».(1)
وهذه التعابير عن أبي جعفر باقر العلوم(عليه السلام) أصدق شاهد على أنّ مصطلح الرفض ليس وليد فكرة زيد، وأجلّه عن هذه النسبة والفكرة، بل كان مصطلحاً سائداً في أقوام، فكلّ من لم يخضع للحاكم القائم، والحكومة السائدة وصار يعيش بلا إمام ولا حاكم سمّي رافضياً والجماعة رافضة أو رفضة.
وبهذا الملاك أطلق لفظ الرافضي على من لم يعتقد بشرعية حكومة الخلفاء حتى شاع وذاع قبل مقتل زيد كما عرفت وبعده.
فعن معاذ بن سعيد الحميري قال: «شهد السيد إسماعيل بن محمد الحميري رحمه الله ، عند «سوار» القاضي بشهادة فقال له: ألست إسماعيل بن محمد الذي يعرف بالسيد؟ فقال: نعم. فقال له: كيف أقدمت على الشهادة عندي، وأنا أعرف عداوتك للسلف؟ فقال السيد: قد أعاذني الله من عداوة أولياء الله، وإنّما هو شيء لزمني. ثمّ نهض فقال له: قم يا رافضي فو الله ما شهدت بحقّ، فخرج السيد رحمه الله وهو يقول:
أبوك ابن سارق عنز النبي *** وأنت ابن بنت أبي جحدر
ونحن على زعمك الرافضو *** ن لأهل الضلالة والمنكر(2)

1 . بحارالأنوار:65/97 الحديث3.
2 . الغدير: 2 / 256، طبع بيروت.

صفحه 170
وروي أنّه كان عبد الملك بن مروان لمّا سمع من الفرزدق قصيدته المعروفة في مدح الإمام علي بن الحسين (عليهما السلام)قال له: أو رافضي أيضاً أنت؟ فقال الفرزدق: إن كان حبّ آل محمّد رفضاً فأنا هذاك، فقال عبد الملك: قل فيّ مثل ما قلته فيه وعليّ أن أضعف عطاءك....(1)
الحشوية   

4. الحشوية

لقد كثر الكلام حول تفسير الحشوية و ما هو المراد منها ؟ ونحن نأتي هنا بمجمل القول من أوثق المصادر..
قال الجرجاني: وسمّيت الحشوية حشوية، لأنّهم يحشون الأحاديث التي لا أصل لها في الأحاديث المروية عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وجميع الحشوية يقولون بالجبر والتشبيه، وتوصيفه تعالى بالنفس واليد والسمع والبصر، وقالوا: إنّ كلّ حديث يأتي به الثقة من العلماء فهو حجّة أيّاً كانت الواسطة.(2)
وقد ذكر الصفدي: أنّ الغالب في الحنفية معتزلة. والغالب في الشافعية أشاعرة، والغالب في المالكية قدرية (لعلّه يعني جبرية) والغالب في الحنابلة حشوية.(3)
ونقل الشيخ محمد زاهد الكوثري في تقديمه على كتاب «تبيين كذب

1 . أمالي السيد المرتضى: 1 / 68، في التعليق.
2 . التعريفات: 341; الحور العين: 204; معرفة المذاهب: 15.
3 . الغيث المنسجم للصفدي:2/47، وراجع ضحى الإسلام لأحمد أمين:3/71.

صفحه 171
المفتري» وجهاً آخر، وقال: وكان الحسن البصري من جلة التابعين، ومن استمر سنين ينشر العلم في البصرة، ويلازم مجلسه نبلاء أهل العلم، وقد حضر مجلسه يوماً أُناس من رعاع الرواة، و لمّا تكلموا بالسقط عنده قال ردّوا هؤلاء إلى حشا الحلقة ـ أي جانبها ـ فسمّوا الحشوية، ومنهم أصناف المجسمة والمشبهة.(1)
***
قال الإمام الصادق (عليه السلام):
«العامل على غير بصيرة كالسائر على سراب بقيعة، لا يزيده سرعة السير إلاّ بعداً».(2)

1 . تبيين كذب المفتري:11.
2 . الوسائل: 18، الباب 18 من أبواب صفات القاضي، الحديث 36.

صفحه 172

صفحه 173
الفصل الخامس
نظرة في كتب أهل الحديث
(الحنابلة والحشوية)

صفحه 174

صفحه 175
نظرة في كتب أهل الحديث (الحنابلة والحشوية)   
لا نقاش في أنّ الحديث النبوي حجّة إلهية كالقرآن الكريم ولا يعدل المسلم المؤمن عنهما إلى غيرهما، فالكتاب معجزة خالدة واللفظ والمعنى منه سبحانه، وأمّا السنّة فلفظها للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)والمفاد والمضمون منه سبحانه.
فلا فرق بين قوله تعالى: (فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُم) (1) وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الصلح جائز بين المسلمين».(2)
كما لا فرق بين قوله سبحانه:(فَتَيمَّمُوا صَعيداً طَيّباً) (3) وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «التراب أحد الطهورين يكفيك عشر سنين».(4)
فالمسلم المؤمن بالله وكتابه ورسالة نبيه لا يفرّق بين كتابه تعالى وكلامه(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما لا يفرق بين قوله وفعله، بين إشارته وتقريره، فكلّ حجّة إلهية يجب العمل على وفقه، ولا يكون المسلم مسلماً إلاّ إذا استسلم في هذه المجالات كلّها. قال سبحانه:(يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدّمُوا بَيْنَ يَدَي الله وَرَسُولهِ وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَميعٌ عَليمٌ) .(5)

1 . الحجرات:10.
2 . التاج الجامع للأُصول:2/202، رواه الترمذي وأبو داود والبخاري.
3 . المائدة:6.
4 . سنن الترمذي: 1 / 212، باب ما جاء في التيمم للجنب.
5 . الحجرات:1.

صفحه 176
إنّ للحديث النبوي من جلالة الشأن وعلو القدر مالا يختلف فيه اثنان، ولا يحتاج في إثباته إلى برهان. إذ هي الدعامة الثانية ـ بعد الذكر الحكيم ـ للدين والأخلاق، والحكم والآداب، ممّا يتمتع به المسلمون في دينهم ودنياهم.
وهذه المكانة الجليلة والمنزلة الرفيعة، تقتضي مزيد العناية بها ودراستها بأحسن الأساليب العلمية والمنطقية، حتى يتميّز الصحيح من الزائف ولا ينسب إليه كلّ ما يحمل اسم الحديث والسنّة، أو كلّ ما يوجد في بطون الكتب وضمائر الأسفار، معقولاً كان أو غير معقول، مخالفاً كان للقرآن أو لا.
إنّ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من كذب علي متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار» إخطار أكيد للواعين بأنّ أعداء الدين لبالمرصاد وسوف ينسبون إليه كلّ مغسول من البلاغة، وعار عن الفصاحة وينقلون منه كلّ معنى ثقيل على الفطرة، أو مضاد للعقل السليم، الذي به عرفناه سبحانه وعرفنا براهين رسالة رسوله.
وقد دق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بكلامه هذا جرس الإنذار للأُمّة لا سيما للوعاة منهم وحفاظ أحاديثه حتى لا يظنوا أنّ كلّ ما يصل إليهم باسم الحديث هو الحديث النبوي على حقيقته، بألفاظه ومعانيه، وليس قبول كلّ حديث ـ ولو كان فيه ما فيه ـ آية التسليم لله وللرسول، وآية عدم التقدّم عليهما في ميادين الأُصول والفروع.
ويتضح ذلك أشد الوضوح إذا وقفت على ما تلوناه عليك من أنّ

صفحه 177
الحديث النبوي رزيء بالموضوعات التي تولّى كبرها أعداء الدين والإسلام أوّلاً، وتجّار الحديث ثانياً، يضعون الأحاديث تزلّفاً إلى الحكام وتقرّباً منهم.
هذا هو أبو هريرة أكثر الصحابة رواية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)مع أنّه لم يصاحب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إلاّ سنتين أو أقلّ منهما جاء بروايات فيها طامات وغرائب بقيت على مر الدهر، وقد أتعب شراح الصحاح والمسانيد أنفسهم الزكية لحلها وتوجيهها. غير أنّ المتحري للحقيقة ومن يرى أنّ الحقّ أولى من الصحابة والصحابي يرى في أحاديثه آثار الوضع والدس والاختلاق بما لا مجال في المقام لذكرها.(1)
وقد أتينا في بعض الفصول السابقة بإلمامة توقفك على مأساة نقل الحديث والتحدّث به وكتابته ونشره بين الأُمّة،وعرفت أنّ ترك الكتابة بل ترك التحدث كان فضيلة، وخلافه بدعة. ولكن الظروف والأحوال ألجأت المسلمين إلى الكتابة والتدوين ونشره في أواخر النصف الأوّل من القرن الثاني.
ولأجل ذلك صار العثور على الحديث الصحيح الذي حدث به رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)أمراً صعباً لما مر من دس الدسّاسين ووضع الوضّاعين تزلّفاً إلى أصحاب السلطة والعروش، وغير ذلك من دواعي الجعل.
غير أنّ الأحاديث والمأثورات المروية في كتب الحديث، أخذت

1 . ولأجل الوقوف على قيمة أحاديث أبي هريرة انظر كتاب «أبوهريرة شيخ المضيرة» للعلاّمة المصري الشيخ محمود أبو رية.

صفحه 178
لنفسها بعد التدوين مقاماً عالياً، وأضيفت إليها آراء الصحابة وأقوال التابعين فصار الجميع هو الأصل الأصيل في تنظيم العقائد وتشريع الأحكام سواء أكان موافقاً للقرآن أم مخالفاً، وسواء أكان موافقاً للعقل السليم أم مخالفاً له، وقد بلغ التحجّر بهم إلى حدّ أن قالوا:
1. إنّ السنّة لا تنسخ بالقرآن، ولكن السنّة تنسخ القرآن وتقضي عليه، والقرآن لا ينسخ السنّة ولا يقضي عليها.(1)
2. إنّ القرآن أحوج إلى السنّة من السنّة إلى القرآن.(2)
3. إنّ القول بعرض الأحاديث على الكتاب قول وضعه الزنادقة.(2)
فبلغ بهم التقليد إلى حدّ صاروا يأخذون بظواهر كلّ ما رواه الرواة من الأخبار والآثار الموقوفة والمرفوعة، والموضوعة والمصنوعة وإن كانت شاذة أو منكرة أو غريبة المتن أو من الإسرائيليات مثل ما روي عن كعب ووهب و... أو معارضة بالقطعيات التي تعد من نصوص الشرع ومدركات الحس ويقينيات العقل ويكفّرون من أنكرها ويفسّقون من خالفها....(3)
فإذا كان هذا مصير الحديث مع كونه مصدراً للعقائد والأُصول فلا محالة تنجم عنه مناهج ومذاهب لا تفترق عن معتقدات اليهودية والنصرانية والمجوسية بكثير. فظهرت بينهم مذاهب التجسيم والتشبيه والرؤية والجبر

1 . مقالات الإسلاميين: 2 / 251.   2 . جامع بيان العلم: 2 / 234.
2 . عون المعبود في شرح سنن أبي داود:4/429.
3 . من كلام السيد رشيد رضا تلميذ الإمام عبده، لاحظ الأضواء:ص 23.

صفحه 179
وقدم كلام الله وغيره ممّا سبقهم إليه أهل الكتاب في عهودهم القديمة والحديثة. وما هذا إلاّ لأجل أنّ الأحاديث المروية صارت حجّة في مفادها ودليلاً في مضامينها على إطلاقها من دون نظر في إسنادها، أو دقة في معانيها، ومن دون عرضها على الكتاب والعقل.
فإذا كان الحديث بهذا المعنى مصدراً للأُصول والعقائد، فلا محالة تكون العقيدة الإسلامية أسيرة ما حدث عنه أصحاب الحديث في القرون الثلاثة الأُولى، فيوجد فيها ما أوعزنا إليه من مسألة التجسيم وأخواتها.
إنّ التجسيم والتشبيه والجبر وخلق الأعمال، التي ابتلي بها المسلمون في القرون الأُولى، وبقيت آثارها إلى العصور الأخيرة، كلّها من نتائج غفلة عدّة من المحدّثين وتقصيرهم في هذا المجال. فرووا مناكير الروايات، واغتروا بها، وبالتالي تورطوا في جهالات متراكمة، وظلمات متكاثفة، نأتي بأسماء عدّة من هؤلاء وآثارهم الباقية، وإلاّ فالمحدّثون المشبهون أكثر من هؤلاء بكثير، إلاّ أنّ الدهر أكل على آثارهم وشرب:
1. عثمان بن سعيد بن خالد بن سعيد التميمي الدارمي السجستاني، صاحب المسند، ولد قبل المائتين بيسير، وتوفي عام 280 هـ ، له كتاب «النقض»، يقول فيه: «اتّفق المسلمون على أنّ الله تعالى فوق عرشه و سماواته».
و لمّا كان الذهبي، شديد الميل إلى الحنابلة، كثير الازدراء بأهل التنزيه، أخذته العصبية فحاول إصلاح عبارته، فقال: أوضح شيء في هذا

صفحه 180
الباب قول الله عزّ وجلّ:(الرَّحمن عَلى العَرْش اسْتَوى)(1) فليُمَرْ كما جاء، كما هو معلوم من مذهب السلف، وينهى الشخص عن المراقبة والجدال وتأويلات المعتزلة.(2)
يلاحظ عليه: أنّ كتاب الله ليس كتاب لغز، بل هو كتاب هداية، فما معنى إثبات شيء لله تعالى وإمراره عليه، من دون التعرف على مفهومه ومعناه، وما أحسن قول تلميذه تاج الدين عبد الوهاب السبكي (728 ـ 778 هـ) في طبقات الشافعية الكبرى في حقّه: «إنّ الذهبي غلب عليه مذهب الإثبات ومنافرة التأويل والغفلة عن التنزيه، حتى أثر ذلك في طبعه انحرافاً شديداً عن أهل التنزيه، وميلاً قوياً إلى أهل الإثبات، فإذا ترجم لواحد من أهل الإثبات، يطنب في وصفه بجميع ما قيل فيه من المحاسن ويبالغ في حقّه، ويتغافل عن غلطاته، ويتأوّل له ما أمكن; وأمّا إذا ترجم أحداً من الطرف الآخر، كإمام الحرمين، والغزالي ونحوهما، لا يبالغ في وصفه، ويكثر في قول من طعن فيه، ويعيد ذلك، ويبديه، ويعتقده ديناً، وهو لا يشعر، ويعرض عن محاسنهم الطافحة، فلا يستوعبها، فإذا ظفر لأحد منهم بغلطة ذكرها، وكذلك فعله في أهل عصرنا، إذا لم يقدر على أحد منهم بتصريح يقول في ترجمته: «والله يصلحه»، وسببه المخالفة في العقائد.(3)
2. خشيش بن أصرم، مصنف كتاب «الاستقامة» يعرّفه الذهبي بأنّه يرد

1 . طه:5.
2 . سير أعلام النبلاء:13/325.
3 . طبقات الشافعية الكبرى:2/13.

صفحه 181
فيه على أهل البدع(1)، ويريد منه أهل التنزيه الذين لا يثبتون لله سبحانه خصائص الموجود الإمكاني، وينزّهونه عن الجسم والجسمانيات. توفّي في شهر رمضان سنة 253 هـ .(2)
3. أحمد بن محمد بن الأزهر بن حريث السجستاني السجزي. نقل الذهبي في «ميزان الاعتدال» عن السلمي قال: سألت الدارقطني عن الأزهري، فقال هو أحمد بن محمد بن الأزهر بن حريث، سجستاني، منكر الحديث، لكن بلغني أنّ ابن خزيمة حسن الرأي فيه وكفى بهذا فخراً. (3)توفّي سنة 312 هـ .(4)
يلاحظ عليه: أنّه كفى بهذا ضعفاً، لأنّ ابن خزيمة هذا رئيس المجسمة والمشبهة، ومنه يعلم حال السجستاني، والجنس إلى الجنس يميل.
4. محمد بن إسحاق بن خزيمة. ولد عام 311 هـ . وقد ألّف «التوحيد وإثبات صفات الرب»، وكتابه هذا مصدر المشبّهة والمجسّمة في العصور الأخيرة. وقد اهتمت به الحنابلة، وخصوصاً الوهابية، فقاموا بنشره على نطاق وسيع. وسيوافيك بعض أحاديثه.
5. عبد الله بن أحمد بن حنبل، (ولد عام 213، وتوفّي عام 290،

1 . تذكرة الحفاظ:2/551.
2 . سير أعلام النبلاء:2/250ـ 251.
3 . ميزان الاعتدال:1/132.
4 . سير أعلام النبلاء:14/396.

صفحه 182
يروي أحاديث أبيه الإمام أحمد بن حنبل). وكتابه «السنّة» المطبوع لأوّل مرة بالمطبعة السلفية ومكتبتها عام 1349 هـ ، مشحون بروايات التجسيم والتشبيه، يروي فيه ضحك الرب، وتكلّمه، وأصبعه، ويده، ورجله، وذراعيه، وصدره، وغير ذلك ممّا سيمر عليك بعضه.
وهذه الكتب الحديثية الطافحة بالإسرائيليات والمسيحيات جرّت الويل على الأُمّة وخدع بها المغفلون من الحنابلة والحشوية وهم يظنون أنّهم يحسنون صنعاً.
ولأجل أن يقف القارئ على بعض ما في هذه الكتب من الأحاديث المزورة التي تخالف الذكر الحكيم وتناقض العقل والفطرة، نأتي بنماذج مما ورد في الكتابين التاليين:
1. « السنّة» لأحمد بن حنبل الذي رواه عنه ابنه عبدالله.
2. «التوحيد» لابن خزيمة.
وهؤلاء وإن كانوا يتلون قوله سبحانه:(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء) ولكنّهم يروون أحاديث تثبت للربّ سبحانه آلاف الأمثال و الأشباه.
نعم، يقول ابن خزيمة: إنّا نثبت لله ما أثبته الله لنفسه ونقر بذلك بألسنتنا ونصدق بذلك بقلوبنا من غير أن نشبه وجه خالقنا بوجه أحد المخلوقين، وعز ربّنا عن أن نشبهه بالمخلوقين.(1)
لكن هذه العبارة اتخذها واجهة لتبرير نقل الروايات الصريحة في

1 . التوحيد لابن خزيمة: 11.

صفحه 183
التجسيم والجهة، ولا تتحمل تلك الروايات هذا التأويل الذي لهج به ابن خزيمة وأبناء جلدته.
و هذا كتاب «السنة» لإمام الحنابلة ـ وقد رواه عنه ابنه ـ تجد فيه أحاديث تعرب عن أنّ لله سبحانه ضحكاً وأصبعاً ويداً وذراعين ووجهاً، التي يتبادر منها البدع اليهودية والمسيحية.
و ما نذكره هنا إنّما هو نماذج ممّا ورد في الكتابين المذكورين، والسابر فيهما يجد أضعاف أمثاله، وأكثر هذه الأحاديث قد أخرجت في الصحاح والسنن.
إنّ كتاب «التوحيد» لابن خزيمة قد وقع مورد القبول عند أهل الحديث والحنابلة، كيف، وقد جمع الأحاديث من هنا وهناك وحشاها في كتابه من غير فحص ولا تنقيب، وهذه كانت المنية الكبرى للحنابلة في تلك العصور. ولأجل ذلك صار الكتاب يقرأ على العلماء والفضلاء حتى يتخذوه ميزاناً لتمييز الحقّ عن الباطل، ولا يتخلف أحد عن الاعتراف بما جاء فيه.
قال ابن كثير في حوادث سنة 460 هـ : وفي يوم النصف من جمادى الآخرة قرأ«الاعتقاد القادري» الذي فيه مذهب أهل السنّة و الإنكار على أهل البدع. وقرأ أبو مسلم الكجي البخاري المحدّث كتاب «التوحيد» لابن خزيمة على الجماعة الحاضرين، وذكر بمحضر من الوزير ابن جهير وجماعة الفقهاء وأهل الكلام، واعترفوا بالموافقة.(1)

1 . البداية والنهاية:12/96.

صفحه 184
هذا، وبمرور الزمن وعلى أثر تفتح العقول أفلت شمس كتاب التوحيد وشطب المفكّرون من الأشاعرة على ما فيه.
يقول الرازي في هذا الصدد عند تفسير قوله سبحانه، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءْ)(1) : واعلم أنّ محمد بن إسحاق بن خزيمة أورد استدلال أصحابنا بهذه الآية في الكتاب الذي سمّاه بـ «التوحيد» وهو في الحقيقة كتاب الشرك، واعترض عليها. وأنا أذكر حاصل كلامه بعد حذف التطويلات، لأنّه كان رجلاً مضطرب الكلام، قليل الفهم، ناقص العقل.(2)
هذا، ولو أنّ الرازي وقف على ما في تعاليم الأشاعرة من الجبر الملتوي في مقابل الجبر الصريح كما سيبين، والتجسيم والتشبيه الخفيين، لما اتخذ المذهب الأشعري ـ الذي هو أحد وجهي العملة والوجه الآخر هو عقيدة أهل الحديث ـ لنفسه شعاراً، ولما حماهم بحماس.
يقول الدكتور أحمد أمين: وفي رأيي لو سادت تعاليم المعتزلة إلى اليوم لكان للمسلمين موقف آخر في التاريخ غير موقفهم الحالي وقد أعجزهم التسليم وشلّهم الجبر،وقعد بهم التواكل.(3)
والصحيح أن يقال: لو سادتهم الحرية في البحث والاستماع واتّباع الأحسن لكان موقفهم غير هذا.

1 . الشورى: 11 .
2 . تفسير الإمام الرازي:27/150.
3 . ضحى الإسلام:3/70.

صفحه 185
 
في أنّ الله يضحك
1. روى ابن حنبل: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حماد بن سلمة، عن يعلى ابن عطاء، عن وكيع بن حدس، عن عمّه أبي رزين قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ضحك ربّنا من قنوط عباده وقرب غيره قال: قلت: يا رسول الله أو يضحك الرب؟ قال: نعم. قلت: لن نعدم من ربّ يضحك خيراً.(1)
رواه ابن خزيمة لكن بدل قوله نعم، قال: إي والذي نفسي بيده إنّه ليضحك.(2)
2. روى عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن إسماعيل بن أبي معمر، حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ضحك ربّنا من رجلين يقتل أحدهما صاحبه ثمّ يصيران إلى الجنة.(2)
ورواه ابن خزيمة بأسانيد مختلفة.(4)
3. وجاء في خبر طويل رواه عن إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة الحراني أبو أحمد قال: أملاه علينا إملاء في دار كعب: قال حدّثني محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحمن خالد بن أبي يزيد، حدّثني زيد بن أبي أنيسة، عن المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة بن عبد الله، عن مسروق بن الأجدع،

1 . السنّة لعبد الله بن حنبل: 54.          2 . التوحيد وإثبات صفات الرب: 235.
2 . السنّة: 166.   4 . التوحيد: 234.

صفحه 186
حدثنا عبد الله بن مسعود، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: ... فيقول الله له ـ أي لمن أدخله الجنة ثمّ لم يزل يطلب منزلة أرفع من أُخرى ـ : لن ترضى أن أعطيك مثل الدنيا مذ يوم خلقتها إلى يوم أفنيتها وعشرة أضعافها؟ فيقول: أتستهزئ بي وأنت ربّ العالمين؟!
قال: فضحك الرب من قوله. قال: فرأيت ابن مسعود إذا بلغ هذا المكان من هذا الحديث ضحك، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن قد سمعتك تحدّث هذا الحديث مراراً كلّما بلغت هذا المكان من هذا الحديث ضحكت. فقال ابن مسعود: إنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يحدث بهذا الحديث مراراً، كلما بلغ هذا المكان من هذا الحديث ضحك حتى تبدو آخر أضراسه. الحديث.(1)
ورواه ابن خزيمة عن ابن مسعود(2) وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي.
4. وروى ابن خزيمة بأسانيد متعددة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «يتجلّى لنا ربّنا عزّ وجلّ يوم القيامة ضاحكاً».(2)
قال ابن خزيمة في«باب ذكر إثبات ضحك ربّنا عزّ وجلّ»: بلا صفة تصف ضحكه ـ جلّ ثناؤه ـ لا ولا يشبه ضحكه بضحك المخلوقين وضحكهم كذلك. بل نؤمن بأنّه يضحك كما أعلم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ونسكت عن صفة ضحكه جلّ وعلا، إذ الله عزّوجلّ استأثر بصفة ضحكه لم يطلعنا على

1 . السنّة: 206 ـ 208.   2 . التوحيد: 231.
2 . التوحيد:236.

صفحه 187
ذلك، فنحن قائلون بما قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)مصدقون بذلك بقلوبنا، منصتون عمّا لم يبيّن لنا، ممّا استأثر الله تعالى بعلمه.(1)
وقد عرفت ما في تأويله من الوهن وأنّ هذه الأحاديث لو صحت لوجب حملها على ظواهرها من الضحك الملازم لبدو الأسنان والفم، والقول بأنّه يضحك ولا نعلم حقيقته، تأويل سخيف، بل الأمر دائر بين القبول تماماً أو الردّ كذلك.

في أنّ لله يداً

1. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قرأت على أبي إبراهيم بن الحكم بن أبان، حدّثني أبي، عن عكرمة قال: إنّ الله لم يمس بيده شيئاً إلاّ ثلاثاً: خلق آدم بيده، وغرس الجنة بيده، وكتب التوراة بيده.(2)
2. وقال: قرأت على أبي، حدّثنا إسحاق بن سليمان، حدّثنا أبو الجنيد ـ شيخ كان عندنا ـ عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير: أنّهم يقولون إنّ الألواح من ياقوتة لا أدري قال حمراء أو لا ؟وأنا أقول: سعيد بن جبير يقول: إنّها كانت من زمردة وكتابتها الذهب، وكتبها الرحمن بيده، ويسمع أهل السماوات صرير القلم.(2)
3. وقال: حدّثني أبي، حدّثنا يزيد بن هارون، أنا الجرير، عن أبي عطاف قال: كتب الله التوراة لموسى بيده وهو مسند ظهره إلى الصخرة في

1 . التوحيد: 230 ـ 231.   2 . السنّة: 209.
2 . السنّة:76.

صفحه 188
الألواح من در، يسمع صريف القلم، ليس بينه و بينه إلاّ الحجاب.(1)
4. وقد أفرد ابن خزيمة لإثبات اليد لله صفحات كثيرة وممّا رواه عن أبي هريرة، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: لمّا خلق الله الخلق كتب كتاباً وجعله تحت العرش: إنّ رحمتي تغلب غضبي.(2)
5. ومنها عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال:«إنّ الله يفتح أبواب السماء في ثلث الليل فيبسط يديه فيقول: ألا عبد يسألني فأعطه».(2)
6. ومنها: عن أبي هريرة، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما تصدّق أحد بصدقة من طيب ـ و لا يقبل الله إلاّالطيب ـ إلاّ أخذها الله بيمينه، وإن كانت مثل تمرة، فتربو له من كف الرحمن».الحديث.(3)

في أنّ لله عينين

استدلّ ابن خزيمة بما ورد من أنّ الله بصير، على أنّ له عينين، قال: نحن نقول: لربنا الخالق عينان يبصر بهما ما تحت الثرى وتحت الأرض السابعة السفلى وما في السماوات العلى وما بينهما من صغير وكبير... إلى أن قال: كما يرى عرشه الذي هو مستو عليه. وبنو آدم وإن كانت لهم عيون يبصرون بها فإنّهم إنّما يرون ما قرب من أبصارهم ممّا لا حجب ولا ستر

1 . السنّة: 76.   2 . التوحيد: 58.
2 . التوحيد:58، وروى ابن خزيمة أحاديث كثيرة جداً في نزول الله إلى السماء الدنيا كل ليلة: في 125 ـ 136 ـ من كتابه ـ ووصفها بأنّها أخبار ثابتة السند صحيحة القوام.
3 . التوحيد: 61.

صفحه 189
بين المرئي وبين أبصارهم... واستطرد في ذكر نواقص عيون بني آدم ثمّ قال: فما الذي يشبه ـ يا ذوي الحجا ـ عين الله الموصوفة بما ذكرنا، عيون بني آدم التي وصفناها بعد.(1)

في أنّ لله أصبعاً

1. روى عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبي يقول: حدّثنا يحيى بن سعيد بحديث سفيان، عن الأعمش ومنصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ الله يمسك السماوات على أصبع. قال أبي: وجعل يحيى يشير بأصابعه، وأراني كيف جعل يحيى يشير بأصابعه يضع أصبعاً أصبعاً حتى أتى على آخرها.(2)
2. أمّا حديث سفيان المشار إليه فهو ما رواه بإسناده عن عبد الله: أنّ يهودياً أتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: يا محمّد إنّ الله يمسك السماوات على أصبع والأرضين على أصبع والثرى على أصبع والجبال على أصبع والخلائق على أصبع ثمّ يقول: أنّا الملك. فضحك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حتى بدت نواجذه. ثمّ قال: (وَ مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ )(3).
ثمّ أضاف عبد الله بن أحمد: قال أبي، قال يحيى، قال فضيل بن عياض، فضحك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)تعجباً وتصديقاً له.

1 . التوحيد: 50ـ 51.
2 . السنّة: 63.
3 . الانعام: 91 .

صفحه 190
وروي هذا الخبر وما في معناه بأسانيد مختلفة عن ابن مسعود تارة، وعن ابن عباس أُخرى.(1)
3. وقال حدّثني أحمد بن إبراهيم سمعت وكيعاً يقول: نسلم هذه الأحاديث كما جاءت ولا نقول كيف كذا، ولا لم كذا، يعني مثل حديث ابن مسعود «إنّ الله يحمل السماوات على أصبع والجبال على أصبع وحديث أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن» ونحوها من الأحاديث.(2)
وأورد أخباراً مفادها أنّ الله تعالى حينما تجلّى للجبل فجعله دكاً إنّما تجلّى بأصبعه، ضربه على رأس الجبل فاندك.
4. ومنها: حدّثني محمد بن أبي بكر المقدمي، حدّثنا هريم، حدّثنا محمد بن سواء، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «فلمّا تجلّى ربّه للجبل» قال هكذا، وأشار بطرف الخنصر يحكيه.(2)
5. ومنها ما ذكره ابن خزيمة قال: حدّثنا عبد الوارث بن عبد الصمد، قال حدّثنا حماد بن سلمة، قال: حدّثنا ثابت، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لمّا تجلّى ربّه للجبل» رفع خنصره وقبض على مفصل منها، فانساخ الجبل، فقال له حميد:أتحدّث بهذا؟! فقال: حدّثنا أنس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وتقول: لا تحدّث به؟(4)

1 . السنّة: 62 ـ 64.                   2 . السنّة: 64.
2 . السنّة: 65.   4 . التوحيد: 113.

صفحه 191
 
في أنّ لله كلاماً وصوتاً
قال عبد الله بن أحمد، حدّثني أبو معمر، حدّثنا جرير، عن الأعمش، قال: وحدّثنا ابن نمير وأبو معاوية كلّهم عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عبد الله قال: إذا تكلم الله بالوحي، سمع أهل السماء صلصلة كصلصلة الحديدة على الصفا .(1)
وأخرج ابن خزيمة أخباراً كثيرة في ذلك.(2)

في أنّ لله ذراعين وصدراً

1. قال عبد الله بن أحمد، حدّثني سريج بن يونس، حدّثنا سليمان بن حيان أبوخالد الأحمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو قال: ليس شيء أكثر من الملائكة، إنّ الله خلق الملائكة من نور، فذكره وأشار سريج بيده إلى صدره، قال: وأشار خالد إلى صدره فيقول: كن ألف ألف ألفين فيكونون.(2)
2. وقال: حدّثني أبي، حدّثنا أبو أُسامة حماد بن أُسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو قال: خلقت الملائكة من نور الذراعين والصدر.(4)

1 . السنّة: 71.                      2 . التوحيد: 145 ـ 147.
2 . السنّة: 190.   4 . السنّة: 190.

صفحه 192
3. وقال: حدّثنيه أبو خيثمة زهر بن حرب، حدّثنا عبيد الله بن موسى، حدّثنا شيبان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: إن غلظ جلد الكافر اثنان وسبعون ذراعاً بذراع الجبار وضرسه مثل ذلك.(1)

في أنّ لله نفساً

قال عبد الله بن أحمد، حدّثني أبو معمر، حدّثنا جرير، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ذر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن بزي، عن أبيه، عن أُبي بن كعب قال: لا تسبوا الريح فإنّها من نفس الرحمن.(2)

في أنّ لله رجلاً

1. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدّثني عبيد الله بن عمر القواريري، حدّثني حرمي بن عمارة، حدّثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «يلقى في النار وتقول هل من مزيد حتى يضع قدمه أو رجله عليها فتقول قط قط».(2)
وبهذا فسروا آية (رَبّنا عَجِّل لَنا قِطَّنا قَبلَ يومِ الحِسَابِ) .(4)
وأخرج ابن خزيمة نحوه، عن أبي هريرة.(3)

1 . السنّة: 190.                        2 . السنّة: 190.
2 . السنّة: 184.   4 . ص: 16.
3 . التوحيد:92.

صفحه 193
2. وروى ابن خزيمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «وأمّا النار فلا تمتلئ حتى يضع الله رجله فيها فتقول قط قط، فهنالك تمتلئ». الحديث.
وهو حديث اختصام الجنة والنار، وأشار إلى أنّه مستفيض(1)والأخبار في وضع الله رجله في النار كثيرة جدّاً.
3. روى عبد الله بن أحمد في حديث طويل تقدّمت الإشارة إليه في مسألة الضحك، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «فيتمثل الرب فيأتيهم، فيقول لهم ما لكم لا تنطلقون كما انطلق الناس؟ فيقولون: إنّ لنا إلهاً(ما رأيناه) فيقول: وهل تعرفونه إن رأيتموه؟ فيقولون: بيننا وبينه علامة إذا رأيناها عرفناه، فيقول: ما هي؟ فيقولون: يكشف عن ساقه، قال: فعند ذاك يكشف الله عن ساقه. قال: فيخر كلّ من كان نظره، ويبقى قوم ظهورهم كصياصي البقر يدعون إلى السجود فلا يستطيعون، وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون».(2)
وأمّا موضع الرجلين فقد استفاضت الأخبار في أنّه على الكرسي.
4. فمن ذلك ما رواه عبد الله بن أحمد، بإسناده عن عمر قال: إذا جلس على الكرسي سمع له أطيط(2) كأطيط الرحل الجديد.(3)
5. وبإسناده إلى ابن عباس قال: الكرسي موضع قدميه، والعرش لا يقدر أحد قدره.(5)

1 . التوحيد: 93 ـ 95.   2 . السنّة: 206.
2 . أي ليصوت بالله كصوت الرحل ـ و هو كور الناقة ـ بالراكب الثقيل.
3 . السنّة: 79.   5 . السنّة: 79.

صفحه 194
6. وقال: كتب إلي عباس بن عبد العظيم، حدّثنا أبو أحمد الزبيري، حدّثنا إسرائيل، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن خليفة قال: جاءت امرأة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة، قال: فعظم الرب وقال: وسع كرسيه السماوات والأرض. إنّه ليقعد عليه فما يفضل منه إلاّ قيد أربع أصابع، وإنّ له أطيطاً كأطيط الرحل إذ ركب.(1)
ورواه ابن خزيمة بزيادة«من ثقله» في آخره.(2) وقال المعلّق في ذلك الحديث: «مسألة أطيط العرش به سبحانه كأطيط الرحل وردت في عدة أحاديث، فمن العلماء من ينكر ذلك ويقول: إنّ الأطيط صفة للعرش لا مدخل له في الصفات، كالحافظ الذهبي، والحق الذي يجب اتّباعه في ذلك أن نؤمن بما ورد به النص من غير تشبيه ولا تكييف، وأن نعتقد أنّ ربّنا ليس محمولاً على العرش ولا محتاجاً إليه بل العرش وما تحته كلّه محمول بقدرته.(2)
وذكر في الكتابين أنّ العرش حملته أربعة ملائكة أحدهم على صورة إنسان والثاني على صورة ثور، والثالث على صورة نسر، والرابع على صورة أسد.(3)
وعلّق عليه في الحاشية بأنّ هذا لم يرد في حديث صحيح، ولعلّ

1 . السنّة: 80.   2 . التوحيد: 106.
2 . التوحيد: 106، لاحظ التناقض في كلامه، ولاحظ أنّ الأخبار تارة فصلت بين العرش والكرسي فجعلته جالساً على العرش واضعاً قدميه على الكرسي، وأُخرى جعلت جلوسه على الكرسي.
3 . السنّة: 161; التوحيد: 92.

صفحه 195
الراوي أخذه من كعب الأحبار أو غيره من مسلمة أهل الكتاب.(1)
و مع ذلك ورد في الكتابين وأخرجه ابن حنبل في مسنده (2) بالإسناد إلى عكرمة مولى ابن عباس: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)أنشد قول أُمية بن أبي الصلت الثقفي:
رجل وثور تحت رجل يمينه *** والنسر للأُخرى وليث مرصد(2)
ورواه في كتاب السنّة(3) بزيادة: فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): صدق صدق.

في أنّ لله وجهاً

1. روى عبد الله بن أحمد: حدّثني أبي، حدّثنا يحيى بن سعيد، حدّثنا ابن عجلان، حدّثني سعيد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):
إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه، ولا يقل قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، فإنّ الله خلق آدم على صورته.(5)
2. وقال حدّثني أبو معمر، حدّثنا جرير، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء، عن ابن عمر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لا تقبحوا الوجه، فإنّ الله خلق آدم على صورة الرحمن.(4)

1 . التوحيد: 92.   2 . مسند أحمد: 1 / 256.
2 . التوحيد: 90 مع أبيات أُخر. قالوا: إنّ أُميّة تنصّر في الجاهلية هو وورقة بن نوفل وكان ينشد الأشعار في تمجيد الله، ونسبوا إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال في حقّه: آمن شعره وكفر قلبه.
3 . السنّة: 187.                   5 . السنّة : 169 ورواه أيضاً بسند آخر في ص 64.
4 . السنّة: 64.

صفحه 196
3. نقل ابن خزيمة أخباراً كثيرة في ذلك(1)، ثمّ قال: هذا باب طويل لو استخرج في هذا الكتاب أخبار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)التي فيها ذكر وجه ربّنا عزّوجلّ لطال الكتاب، وقد خرجنا كلّ صنف من هذه الأخبار في مواضعها في كتب مصنّفة(2) ثمّ استطرد في كلام طويل محاولاً من جهة إثبات ما تقدّم لله
تعالى ومن جهة أُخرى نفي التشبيه.(2)

في أنّ الله يُرى

لقد تضافرت الأخبار في الكتابين على أنّ الله يُرى يوم القيامة كالبدر المنير. وأنّه تعالى لا يُرى في الدنيا، غير أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)رآه عندما عرج به إلى السماء(4)، ونحن نكتفي بهذين الخبرين.
1. روى ابن خزيمة، عن معاذ بن هشام، قال: حدّثني أبي، عن قتادة، عن أبي قلابة، عن خالد بن اللجلاج، عن عبد الله بن عباس: أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: رأيت ربي في أحسن صورة، فقال: يا محمد! قلت: لبيك وسعديك، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: يا رب لا أدري. قال: فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي فعلمت ما بين المشرق والمغرب. الحديث(3). وقد رواه بأسانيد وطرق مختلفة.
في الجبر والقدر   
2. وقال: حدّثنا محمد بن عيسى، قال: حدّثنا سلمة بن الفضل، قال;

1 . التوحيد: 10 ـ 18.   2 . التوحيد: 18.
2 . التوحيد: 21 ـ 24.                4 . راجع التوحيد: 167 ـ 230.
3 . التوحيد: 217.

صفحه 197
حدّثني محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الحرث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، عن عبد الله بن أبي سلمة، أنّ عبد الله بن عمر بن الخطاب بعث إلى عبد الله بن عباس يسأله: هل رأى محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)ربّه؟ فأرسل إليه عبد الله بن عباس أن نعم. فرد عليه عبد الله بن عمر رسوله أن كيف رآه؟ قال: فأرسل أنّه رآه في روضة خضراء دونه فراش من ذهب على كرسي من ذهب يحمله أربعة من الملائكة: ملك في صورة رجل، وملك في صورة ثور، وملك في صورة نسر، وملك في صورة أسد.(1)
ونختم المقال بما ذكره ابن خزيمة قال: إنّا لا نصف معبودنا إلاّ بما وصف به نفسه، إمّا في كتاب الله أو على لسان نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم)بنقل العدل موصولاً إليه، لا نحتج بالمراسيل ولا بالأخبار الواهية ولا نحتج أيضاً في صفات معبودنا بالآراء والمقاييس.(2)

في الجبر والقدر

روى عبد الله بن أحمد، عن أبيه أحمد بن حنبل، في كتاب «السنّة» الروايات التالية:
1. روى عبد الله بن أحمد قال: حدّثني أبي، حدّثنا زيد بن يحيى الدمشقي، حدّثنا خالد بن صبيح المري، حدّثنا إسماعيل بن عبيد الله أنّه سمع أُم الدرداء تحدّث عن أبي الدرداء، أنّه قال: سمعت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول:

1 . التوحيد: 198.
2 . التوحيد: 59.

صفحه 198
«فرغ الله إلى كلّ عبد من خمس: من أجله ورزقه وأثره، وشقي أم سعيد».(1)
2. حدّثني أبي، حدّثنا هشيم، حدّثنا علي بن زيد، سمعت أبا عبيدة بن عبد الله يحدّث قال: قال عبد الله: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ النطفة تكون في الرحم أربعين يوماً على حالها لا تغير، فإذا مضت الأربعون صار علقة ومضغة كذلك، ثمّ عظاماً كذلك، فإذا أراد الله أن يسوي خلقه بعث إليها ملكاً فيقول الملك الذي يليه: أي رب أذكر أم أُنثى؟ أشقي أم سعيد؟ قصير أم طويل؟ أناقص أم زائد، قوته وأجله؟ أصحيح أم سقيم؟ قال: فيكتب ذلك كلّه. فقال رجل من القوم: فيم العمل إذاً وقد فرغ من هذا كلّه؟ فقال: اعملوا فكلّ سيؤخذ لما خلق له.(2)
3. حدّثني أبي، حدّثنا بهز بن أسد، حدّثنا بشر بن المفضل، حدّثنا داود، عن أبي نضرة، عن أسير بن جابر، قال: طلبت علياً في منزله فلم أجده، فنظرت فإذا هو في ناحية المسجد. قال: فقلت له: كأنّه خوفه، قال: فقال: إيه ليس أحد إلاّ ومعه ملك يدفع عنه ما لم ينزل القدر، فإذا نزل القدر لم يغن شيئاً.(2)
4. حدّثني أبي، حدّثنا معاذ بن معاذ، حدّثنا ابن عون، قال: حدّث رجل محمّداً عن رجلين اختصما في القدر فقال أحدهما لصاحبه: أرأيت الزنا بقدر هو؟ قال الآخر: نعم، قال محمد: آي وافق رجل حياً.(4)
5. حدّثني أبي، قال عبد الله بن الحارث المخزومي، حدّثنا شبل بن

1 . السنّة: 125.    2 . السنّة: 126.
2 . السنّة: 132.   4 . السنّة: 134.

صفحه 199
عباد ـ مولى لعبد الله بن عامر ـ ، عن ابن نجيح، عن مجاهد قول الله: (إِنّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُون) (1) قال: علم من إبليس المعصية وخلقه لها.(2)
6.حدّثني أبي، حدّثنا عصام بن خالد الحضرمي، حدّثنا العطاف بن خلد، عن شيخ من أهل البصرة، حدّثني طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، حدّثني أبي، عن جدّي أنّه قال لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا رسول الله: العمل على ما فرغ منه أو على أمر مؤتنف؟ قال: بل على أمر قد فرغ منه. قال: قلت: يا رسول الله ففيم العمل؟ قال: «إنّ كلاً ميسر لما خلق له».(2)
7. حدّثني أبي، حدّثنا وكيع، حدّثنا ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: (يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ ويُثبِت)(4) قال: إلاّ الشقاء والسعادة والحياة والموت.(3)
8 . حدّثني أبي، حدّثنا إسحاق بن عيسى، أخبرني مالك، عن زياد بن سعد، عن عمرو بن مسلم، عن طاووس اليماني، قال: «أدركت ناساً من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يقولون كلّ شيء بقدر، قال: وسمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «كلّ شيء بقدر حتى العجز والكيس».(6)
9. حدّثني أبي، حدّثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن سعيد بن حيّان، عن يحيى بن يعمر، قال: «قلت لابن عمر: إنّ ناساً عندنا يقولون: الخير والشر

1 . البقرة: 30.                      2 . السنّة: 134 ـ 135.
2 . السنّة: 134 ـ 135.   4 . الرعد: 39.
3 . السنّة: 134 ـ 135.   6 . السنّة: 139.

صفحه 200
بقدر، وناس عندنا يقولون: الخير بقدر والشر ليس بقدر. فقال ابن عمر: إذا رجعت إليهم فقل لهم: إنّ ابن عمر يقول إنّه منكم بريء وأنتم منه براء.(1)
10. حدّثني أبي، حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدّثنا سفيان، عن عمرو بن محمد، قال: كنت عند سالم بن عبد الله فجاءه رجل فقال: الزنى بقدر؟ فقال: نعم. قال: كتبه علي؟! قال: نعم، قال: كتبه علي؟ قال: نعم. ويعذبني عليه؟ قال: فأخذ له الحصا.(2)
11. حدّثني أبي، حدّثنا عبد الرزاق، أنا معمر، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطأة: أما بعد، فإن استعمالك سعد بن مسعود على عمان كان من الخطايا التي قدر الله عليك، وقدر أن تبتلى بها.(2)
12. حدّثني أبي، حدّثنا وكيع، حدّثنا العلاء بن عبد الكريم سمعت مجاهداً يقول: لَهُمْ أَعمال مِنْ دُون ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ، قال: أعمال لابدّ لهم من أن يعملوها.(4)
13. حدّثني أبي، حدّثنا وكيع، وابن بشر قالا: حدّثنا إسماعيل بن أبي خالد،عن أبي صالح:(ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَة فَمِن اللّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئة فَمِنْ نَفْسِك) (3) وأنا قدرتها عليك.(6)
التدرّع باللاكيفية   
14. حدّثني أبي، حدّثنا عبد الصمد، حدّثنا حماد، حدّثنا حميد، قال قدم الحسن مكة، فقال لي فقهاء مكة: الحسن بن مسلم وعبد الله بن عبيد لو

1 . السنّة: 141.   2 . السنّة: 143.
2 . السنّة: 143 ـ 144.   4 . السنّة: 144.
3 . النساء: 79.   6 . السنّة: 144.

صفحه 201
كلمت الحسن فأخلأنا يوماً، فكلّمت الحسن فقلت: يا أبا سعيد إخوانك يحبون أن تجلس لهم يوماً، قال: نعم ونعمة عين، فواعدهم يوماً فجاءوا فاجتمعوا وتكلّم الحسن وما رأيته قبل ذلك اليوم ولا بعده أبلغ منه ذلك اليوم، فسألوه عن صحيفة طويلة فلم يخطئ فيها شيئاً إلاّ في مسألة. فقال له رجل: يا أبا سعيد من خلق الشيطان؟ قال: سبحان الله، سبحان الله، وهل من خالق غير الله! ثمّ قال: إنّ الله خلق الشيطان وخلق الشر وخلق الخير، فقال رجل منهم: قاتلهم الله يكذبون على الشيخ.(1)
15. حدّثني أبي، حدّثنا إسماعيل ـ يعني ابن علية ـ ، حدّثنا خالد الحذّاء قال: قلت للحسن: أرأيت آدم، أللجنة خلق أم للأرض؟ قال: للأرض. قال: قلت: أرأيت لو اعتصم؟ قال: لم يكن بدّمن أن يأتي على الخطيئة.(2)

التدرّع باللا كيفية

إنّ دلالة الأحاديث المتقدّمة على التشبيه والتجسيم ممّا لا كلام فيه غير أنّ جماعة منهم ـ لأجل الفرار عنهما ـ يتدرعون بلفظة «بلا كيف ولا تشبيه» أو غيرهما من العبارات المشابهة. فيقولون تارة: إنّ لله يداً ورجلاً ووجهاً وقدماً بلا كيف ولا تشبيه، وأُخرى: إنّ لله يداً لا كالأيدي، ووجهاً لا كالوجوه، وقدماً لا كالأقدام، وثالثة: إنّ له يداً تناسب ذاته، وهكذا سائر الأعضاء.
يقول الإمام الخطابي:وليست اليد عندنا الجارحة وإنّما هي صفة جاء

1 . السنّة: 144.   2 . السنّة: 145.

صفحه 202
بها التوقيف، فنحن نطلقها على ما جاء ولا نكيّفها وهذا مذهب أهل السنّة والجماعة.(1)
ويقول ابن عبد البر: أهل السنّة مجمعون على الإقرار بهذه الصفات الواردة في الكتاب والسنّة ولم يكيفوا شيئاً فيها.(2)
إلى غير ذلك من الكلمات التي اتخذتها الأشاعرة وقبلهم بعض الحنابلة درعاً يتّقون به عار التشبيه والتمثيل. وسيوافيك عند البحث عن عقائد الأشاعرة أنّ هذه الألفاظ لا تفيد شيئاً، وإليك إجمال ذلك:
أوّلاً: إذا كان المصدر للاعتقاد بأنّ لله سبحانه أعضاء هي هذه الأحاديث ـ أو بعض الآيات على ما زعموا ـ فليس فيها شيء يدل على هذه الكلمة: «بلا كيف»، بل هي إضافة منهم بلا دليل. فليس لأهل الحديث الذين يفرون من التأويل، وحتى يسمّون الحمل على المجاز والكناية تأويلاً ، إلاّ الأخذ بحرفية هذه الأحاديث بتمامها، لا التصرف فيها.
وثانياً: إنّ اليد وأضرابها، موضوعة حسب اللغة للأعضاء المحسوسة التي يعرفها كلّ من عرف اللغة، فإجراء هذه الصفات عليه سبحانه يمكن بإحدى صورتين:
1. أن يجري عليه بما هو المتبادر عند أهل اللغة بلا تصرف فيه. وهذا ما عليه المشبّهة والمجسّمة.
2. أن يجري عليه بما أنّها كناية عن معان، كالبخل في قول اليهود (يَدُ

1 . فتح الباري: 13 / 417.   2 . فتح الباري: 13 / 407.

صفحه 203
اللّهِ مَغْلُولة) (1)، والإحسان والجود في قوله سبحانه: (بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتان) (2)، وهذا ما عليه أهل التنزيه، وليس ذلك تأويلاً للقرآن أبداً ولا اتّباعاً لخلاف الظاهر، إذ لهذه الألفاظ عند الإفراد ظهور تصوّري ويراد منها الأعضاء، وعند التركيب مع سائرها والوقوع في طي الجمل ظهور آخر، فربما يتّحد الظهوران، مثل قولك لولدك:اغسل يدك قبل الغذاء. وربما يختلفان كما في الجملتين المتقدّمتين، وليس هنا وجه ثالث حتى يتدرّع به أهل الحديث والحنابلة، دعاة التنزيه لفظاً لا معنى. وما يتفوّه به هؤلاء من أنّ لله يداً لا كالأيدي، فإن رجع إلى أحد هذين المعنيين فنعم الوفاق إمّا مع أهل التشبيه أو مع أهل التنزيه، وإلاّ فيكون أشبه بلقلقة اللسان.
وباختصار: إنّ القائل بأنّ له يداً لا يخلو في إجراء اللفظ عليه سبحانه أن يريد أحد وجهين: إمّا أن يريد المعنى الحقيقي وهو العضو المحسوس فيكون مجسّماً ومشبّهاً، أو يريد المعنى المجازي وهو البخل أو الجود فيكون مؤوّلاً، وهو يتحرز عن كلتا الطائفتين، فليس هنا وجه ثالث يلتجئ إليه أهل الحديث والحنابلة والأشاعرة.
فظهر أنّ قولهم بأنّ لله يداً كالأيدي، لا مفاد صحيح له.
وبعبارة ثالثة: إنّ لفظة اليد إمّا مشترك معنوي يطلق على جميع مصاديقه وأفراده من الواجب والممكن بوضع ومعنى واحد. أو مشترك لفظي يجري على كلّ من الواجب والممكن بمعنى ووضع خاص.

1 . المائدة: 64.   2 . المائدة: 64.

صفحه 204
فعلى الأوّل يجب أن يكون بين يد الإنسان ويد الواجب وجه مشترك وهو عين القول بالتشبيه.
وعلى الثاني يجب أن يكون المعنى الذي يجري على الإنسان مبائناً لما يجري على الله سبحانه فهل هو البخل والجود؟ فهذا هو التأويل بزعمكم، أو غيرهما فبيّنوه لنا ما هو؟
الصحاح والمسانيد ومسألة التشبيه والتجسيم   

الصحاح والمسانيد ومسألة التشبيه والتجسيم

ربما يتصوّر القارئ أنّ أمثال كتاب «السنّة» لابن حنبل وكتاب «التوحيد» لابن خزيمة، تشتمل على أحاديث التشبيه والتجسيم، وأمّا الصحاح فهي خالية عن هذه الأساطير. ولكنّه إذا سبرها سرعان ما يرجع عن هذه الفكرة ويرى أنّ الصحاح كلّها وعلى رأسها الصحيحان قد زخرت بها، حتّى مع غض النظر عن رؤية الله بهذه العيون المادية على ما رووا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)من أنّه قال: «إنّكم ترون ربّكم عياناً كما ترون هذا القمر» فالصحاح أيضاً تزخر بأحاديث التشبيه والتجسيم والجبر وما أشبه ذلك التي ورثها الرواة المسلمون من اليهود المجسمة والمجبرة... وإليك نماذج من ذلك:

إنّ لله مكاناً

قد احتل تحيّز الله سبحانه بمكان معين في الصحاح مكانة عظيمة فتارة ترى أنّ مكانه حيال المصلّي وأمام وجهه، وأُخرى بأنّه فوق العرش

صفحه 205
وهو يئط تحته أطيط الرحل بالراكب، وثالثة بين السحب الكثيفة، وإليك بعض ما روي في ذلك المجال:
1. روى عبد الله بن عمر أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)رأى بصاقاً في جدار القبلة فحكه بيده ثمّ أقبل على الناس فقال: «إذا كان أحدكم يصلي لا يبصق قبل وجهه فإنّ الله قبل وجهه إذا صلّى».(1)
2. روى جبير بن محمد عن جدّه قال: أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أعرابي فقال: يا رسول الله جهدت الأنفس، وضاعت العيال ونهكت الأموال وهلكت الأنعام فاستسق الله لنا، فإنّا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك.
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ويحك أتدري ما تقول؟ وسبح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فمازال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثمّ قال: ويحك إنّه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك، ويحك أتدري ما الله: إنّ عرشه على سماواته لهكذا، وقال بأصابعه مثل القبة عليه وإنّه ليئط به أطيط الرحل بالراكب.
قال ابن بشار: إنّ الله فوق عرشه وعرشه فوق سماواته.(2)
3. روى أبو رزين قال: قلت: يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق

1 . صحيح البخاري:1، كتا ب الصلاة باب «حك البزاق باليد في المسجد» ولاحظ أيضاً كتاب الصلاة باب «هل يلتفت لأمر ينزل» و صحيح مسلم:2، باب «النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة».
2 . سنن أبي داود:4/232، رقم الحديث4726، باب في الجهمية.

صفحه 206
خلقه؟ قال: «كان في عماء، ما تحته هواء و ما فوقه هواء و ماء ثمّ خلق عرشه على الماء».(1)
قال ابن منظور: العماء (ممدودة): السحاب المرتفع وقيل الكثيف. قال أبو زيد هو شبه الدخان يركب رؤوس الجبال وقال ابن سيده: العماء: الغيم الكثيف الممطر.
وعلى هذه الأحاديث نسجت عقيدة أهل الحديث والسلفية، وقال ابن تيمية محيي طريقتهم في القرن الثامن بعد اندراسها:
إنّه سبحانه فوق سماواته على عرشه، علي على خلقه.(2)
إنّ هذه الروايات ونظائرها التي اكتفينا بالقليل منها أوجدت حجاباً غليظاً أمام الحقائق، فلم يقدر أحد حتى المتحرّرون من أهل السنّة كالشيخ محمّد عبده وأتباع منهجه وتلامذة مدرسته على رفض تلك النصوص المخالفة للعقل الذي به عرف سبحانه وصدق نبيّه وإعجاز كتابه. حتى التجأ الإمام أحمد ـ لأجل هذه الأحاديث ـ إلى تأويل الآيات الدالّة على كونه سبحانه محيطاً بالعالم كلّه، أعني قوله سبحانه: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ)(3)وقال: إنّ المراد هو إحاطة علمه سبحانه لا معيته وجوداً.(4)

نزوله سبحانه إلى السماء الدنيا

لم يقتنع أصحاب الحديث بما وصفوا به سبحانه من نسبة التحيز والمكان إليه حتى أثبتوا له الهبوط إلى السماء الدنيا. روى أبو هريرة أنّ

1 . سنن ابن ماجة:1/78، باب فيما أنكرت الجهمية.
2 . مجموعة الرسائل الكبرى لابن تيمية، والعقيدة الواسطية ص 401.
3 . الحديد: 4.   4 . السنّة: 36 .

صفحه 207
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «ينزل ربنا تبارك وتعالى كلّ ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فاستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فاغفر له؟».(1)
بل لم يقتنعوا بهذا وأثبتوا له الضحك. وهذا البخاري روى في حديث: فلمّا أصبح غدا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: ضحك الله الليلة أو عجب من فعالكما.(2)
وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «يضحك الله لرجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة». قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: «يقتل هذا فيلج الجنة ثمّ يتوب الله على الآخر فيهديه إلى الإسلام ثمّ يجاهد في سبيل الله فيستشهد».(3)

له سبحانه أعضاء، كأعضاء الإنسان

وذهب أصحاب الصحاح في هذا المجال إلى أكثر من ذلك ولم يقفوا عند ما ذكرناه من الصفات حتى أخذوا يصوّرونه كإنسان له أعضاء كالوجه واليد والأصابع والحقو، والساق والقدم، والقلم يخجل من نشر هذه الأساطير التي أدرجت ـ مع الأسف ـ باسم الحديث عن النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم)

1 . صحيح البخاري:2/53 با ب«الدعاء والصلاة من آخر الليل».
2 . صحيح البخاري:5/34 باب (وَ يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) من كتاب مناقب الأنصار.
3 . صحيح مسلم: 6 / 40، باب «بيان الرجلين يقتل أحدهما الآخر ويدخلان الجنة» من كتاب الإمارة.

صفحه 208
في الكتب وزخرت بها الصحاح، ونسجت على منوالها العقائد والأُصول، وعدّ من خالفها مرتداً كافراً يضرب عنقه وتقسم أمواله على الورثة.
ولأجل إيقاف القارئ على صدق ما ادّعيناه في حقّ أصحاب الصحاح نأتي من كلّ مورد بنموذج أو نموذجين:

1. الوجه

عن أبي هريرة، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعاً...».(1)
عن أبي هريرة، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإنّ الله خلق آدم على صورته».(2)
وقد أخذه أبو هريرة عن الأحبار و على رأسهم كعب الأحبار أُستاذه في الأساطير والقصص. فهذه هي التوراة قد جاء فيها في الإصحاح الخامس من سفر التكوين: لما خلق الله آدم، خلقه على صورة الله.
وكان على أبي هريرة أن يبيّن عرض وجه آدم بعد أن بين أنّ طوله كان ستين ذراعاً، والله يعلم طول وجهه وعرضه وهو القائل (لَقَدْ خَلَقْنا الإِنْسانَ في أَحْسَنِ تَقْويم) .(3)

2. له سبحانه يدان

روى أبوهريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال:«إنّ يمين الله ملأى لاتغيضها نفقة،

1 . صحيح البخاري:8/50 كتاب الاستئذان، باب «بدو السلام».
2 . صحيح مسلم: 8 / 32، باب «النهي عن ضرب الوجه» من كتاب البر والصلة والآداب.
3 . التين:4.

صفحه 209
سحّاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنّه لم ينقص ما في يمينه، وعرشه على الماء وبيده الأُخرى الفيض أو القبض، يرفع ويخفض».(1)

3. له سبحانه أصابع

روي عن عبد الله قال:جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: يا محمد إنّ الله يجعل السماوات على أصبع والأرضين على اصبع والشجر على أصبع والماء والثرى على أصبع وسائر الخلائق على أصبع فيقول أنا الملك. فضحك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر ثمّ قرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (وَمَا قَدَروا اللّهَ حقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَميعاً قَبضتُهُ يَومَ القِيامَةِ وَالسَّمواتُ مَطوياتٌ بيمينهِ سُبحانهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُون).(2)

4. له سبحانه حقو(3)!

عن أبي هريرة، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «خلق الله الخلق فلمّا فرغ قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن، فقال له: مه، قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: ألا ترضين أنّ أصل من وصلك، وأقطع من قطعك، قالت: بلى يا رب، قال: فذاك».(4)

1 . صحيح البخاري:9/124، باب «وكان عرشه على الماء» من كتاب التوحيد.
2 . صحيح البخاري: 6 / 126، تفسير سورة الزمر. والآية 67 من سورة الزُّمر.
3 . الحقو: ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلف.
4 . صحيح البخاري:6/134.

صفحه 210

5. الله سبحانه وساقه!

روي عن أبي سعيد قال: سمعت النبي يقول:«يكشف ربّنا عن ساقه فيسجد له كلّ مؤمن ومؤمنة ويبقى من كان يسجد في الدنيا رئاء وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً».(1)

6. الله سبحانه وقدمه!

روي عن أنس، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «يلقى في النار وتقول هل من مزيد حتى يضع قدمه فتقول: قط قط».(2)
هذه نماذج ممّا ورد في الصحاح من أحاديث التشبيه والتجسيم اكتفينا من كلّ مورد بحديث واحد. وقد تركت هذه الأحاديث آثاراً سلبية في معتقدات المسلمين، فمن مشبه يقول: اعفوني من الفرج واللحية وسلوني عمّا وراء ذلك(3)، إلى متمسك بظواهرها لكن بلا تكييف، إلى مؤول يحملها على معان بعيدة عن ظاهرها ليتخلص عن مغبة التجسيم.
ولو أنّهم رجعوا إلى الذكر الحكيم وعرضوا هذه الأحاديث عليه لميّزوا الصحيح عن الزائف، والمقبول عن المردود.
الجبر في ثوب الإيمان بالقدر   
(وَلَوْ أنّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيراً لَهُمْ) .(4)

1 . صحيح البخاري: 6 / 159، تفسير سورة القلم.
2 . صحيح البخاري: 6 / 138، تفسير سورة ق.
3 . الملل والنحل للشهرستاني: ص 105، فصل المشبهة.
4 . النساء:66.

صفحه 211

الجبر في ثوب الإيمان بالقدر

ذلك بعض ما ورد في الصحاح حول التجسيم والتشبيه وإنّا نجل النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وصحابته الأخيار عن أن ينبسوا بشيء منها ببنت شفة، وإنّما هي أساطير وأوهام أخذها الضعاف من الرواة عن الأحبار والرهبان من دون اكتراث ولا مبالاة.
وأمّا أحاديث الجبر ونفي الاختيار وأنّ الإنسان في الحياة كالريشة في مهب الرياح فحدّث عنها ولا حرج. فالصحاح تزخر بها في باب الإيمان بالقدر، وسيوافيك بعضها عند البحث عنه، ولو صحت هذه الأحاديث لما بقي لبعث الأنبياء وتكليف العباد بالواجبات والمحرّمات وغيرها معنى معقول.
ونذكر هنا ما لا نذكره هناك:
1. روى الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: خرج علينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وفي يده كتابان فقال: أتدرون ما هذان الكتابان؟ قلنا: لا يا رسول الله إلاّ أن تخبرنا. فقال للذي بيده اليمنى: هذا كتاب من ربّ العالمين فيه أسماء أهل الجنّة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثمّ أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً، وقال للذي في شماله: هذا كتاب من ربّ العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثمّ أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً. قال أصحابه: ففيم العمل يا رسول الله إن كان أمر قد فرغ منه؟ فقال: سدّدوا وقاربوا فإنّ صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنّة، وإن عمل أي عمل، وإنّ صاحب النار يختم له بعمل أهل النار،

صفحه 212
وإن عمل أي عمل، ثمّ قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بيده فنبذهما ثمّ قال: فرغ ربكم من عمل العباد، فريق في الجنة وفريق في السعير.(1)
ولا يخفى أنّ السؤال الوارد في الحديث موجه جدّاً، والجواب عنه غير مقنع، فما معنى قوله: «سددوا وقاربوا»؟ لأنّه إذا كان الأمر قد فرغ منه فما معنى التسديد والتقارب؟! وما معنى الحث على التوبة والإنابة؟! ولماذا جعل فريقاً في الجنّةوفريقاً في السعير مع كونه رحماناً على الكل، لا قسيّاً ولا متعنّتاً؟!
2. روى البخاري ومسلم والترمذي عن علي بن أبي طالب (عليه السلام): قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة، فنكس وجعل ينكت بمخصرته، ثمّ قال: ما منكم من أحد إلاّوقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة. قالوا: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا؟ فقال: اعملوا فكلّ ميسر لما خلق له. أمّا من كان من أهل السعادة فسيصير لعمل أهل السعادة . وأمّا من كان من أهل الشقاء، فسيصير لعمل أهل الشقاء، ثمّ قرأ(فَأَمّا مَنْ أَعْطى واتَّقى* وَصَدَّقَ بِالحُسْنى* فَسَنُيَسِّرهُ لِلْيُسْرى) (2). أخرجه البخاري ومسلم.(2)
وفي رواية الترمذي قال: كنّا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فجعل ينكت بها ثمّ قال: ما منكم من أحد أو من نفس منفوسة، إلاّ وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار، وإلاّ

1 . جامع الأُصول: 10 / 513، رقم الحديث 7555.   2 . الليل: 5 ـ7.
2 . جامع الأُصول:10/513، رقم الحديث7555.

صفحه 213
وقد كتبت شقية أو سعيدة فقال رجل: يا رسول الله أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ فمن كان منّا من أهل السعادة ليكونن إلى أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة ليكونن إلى أهل الشقاوة. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): بل اعملوا فكلّ ميسر، فأمّا أهل السعادة، فييسّرون لعمل أهل السعادة، وأمّا أهل الشقاوة، فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثمّ قرأ(فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى* وَصَدَّقَ بِالحُسْنى* فَسَنُيَسِّرهُ لِلْيُسرى* وَأَمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى* وَكَذَّبَ بِالحُسْنى* فَسَنُيَسِّرهُ لِلْعُسرى) (1) . (2)
3. وفي أُخرى للترمذي: قال: بينما نحن مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو ينكت في الأرض إذ رفع رأسه إلى السماء ثمّ قال: ما منكم من أحد إلاّ قد علم ـ و في رواية إلاّ قد كتب ـ مقعده من النار ومقعده من الجنة، قالوا: أفلا نتّكل يا رسول الله؟ قال: لا، اعملوا، فكلّ ميسر لما خلق له. وأخرج أبو داود الرواية الأُولى من روايتي الترمذي.(2)
و هذه الروايات لا تصف العبد فقط بأنّه مكتوف اليد بل تصف الله أيضاً مكتوف اليد ومغلولها فلا يخضع القدر لقدرته، فلا يقدر على تغييره وتبديله. وهذا بنفسه نفس عقيدة اليهود التي نقلها القرآن عنهم (وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيديهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشاء) .(3)

1 . الليل: 5 ـ 10.   2 . جامع الأُصول: 10 / 515 ـ 516، رقم الحديث 7557 وذيله.
2 . المصدر السابق.
3 . المائدة:64.

صفحه 214
كلام أحمد حول القدر   
 
كلام أحمد حول القدر
السابر في كتب أهل الحديث يرى أنّهم يهتمون بأمر التقدير أكثر من اهتمامهم بسائر المسائل العقائدية، وكأنّ الاعتقاد بالتقدير عندهم أهمّ من الاعتقاد بالمبدأ والمعاد.
ولأجل ذلك لا ترى تشاجراً ولا بحثاً مبسوطاً حول إمكان المعاد، ورفع شبهاته وتبيين خصوصياته. ولكن التقدير قد احتل مكانة مرموقة في مجال العقيدة.
وهذا القاضي أبو الحسين محمد بن أبي يعلى قد أخرج في كتابه ما أملاه أحمد ابن محمد بن حنبل أو كتبه باسم «عقيدة أهل السنّة» وممّا جاء فيه(1): قال: والقدر خيره وشره، وقليله وكثيره، وظاهره وباطنه، وحلوه ومرّه، ومحبوبه ومكروهه، وحسنه وسيئه،وأوّله وآخره، من الله، قضاء قضاه، وقدر قدّره عليهم، لا يعدو واحد منهم مشيئة الله عزّوجلّ، ولا يجاوز قضاءه، بل هم كلّهم صائرون إلى ما خلقهم له، واقفون فيما قدر عليهم لأفعاله، وهو عدل منه عزّربّنا وجل، والزنى والسرقة وشرب الخمر وقتل النفس وأكل المال الحرام والشرك بالله والمعاصي كلّها بقضاء وقدر، من غير أن يكون لأحد من الخلق على الله حجّة، بل لله الحجّة البالغة على خلقه، (لا يُسْألُ عَمّا يَفْعلُ وهُمْ يُسألُونَ)(2)، وعلم الله عزّ وجلّ ماض في خلقه

1 . طبقات الحنابلة:1/25ـ 27.
2 . الأنبياء: 23.

صفحه 215
بمشيئة منه، قد علم من إبليس ومن غيره ممّن عصاه ـ من لدن أن عصى تبارك و تعالى إلى أن تقوم الساعة ـ المعصية، وخلقهم لها، وعلم الطاعة من أهل الطاعة وخلقهم لها. وكلّ يعمل لما خلق له، وصائر لما قضى عليه وعلم منه، لا يعدو واحد منهم قدر الله ومشيئته. والله الفاعل لما يريد، الفعّال لما يشاء.
ومن زعم أنّ الله شاء لعباده الذين عصوه الخير والطاعة وأنّ العباد شاءوا لأنفسهم الشر والمعصية، فعملوا على مشيئتهم، فقد زعم أنّ مشيئة العباد أغلظ من مشيئة الله تبارك و تعالى، فأي افتراء أكثر على الله عزّوجلّ من هذا؟
ومن زعم أنّ الزنى ليس بقدر، قيل له: أرأيت هذه المرأة، حملت من الزنى وجاءت بولد، هل شاء الله عزّوجلّ أن يخلق هذا الولد؟ وهل مضى في سابق علمه؟ فإن قال: لا، فقد زعم أنّ مع الله خالقاً وهذا هو الشرك صراحاً.
ومن زعم أنّ السرقة وشرب الخمر وأكل المال الحرام، ليس بقضاء وقدر، فقد زعم أنّ هذا الإنسان قادر على أن يأكل رزق غيره، وهذا صراح قول المجوسية. بل أكل رزقه وقضى الله أن يأكله من الوجه الذي أكله.
ومن زعم أنّ قتل النفس ليس بقدر من الله عزّوجلّ، وأنّ ذلك (ليس) بمشيئته في خلقه، فقد زعم أنّ المقتول مات بغير أجله. وأي كفر أوضح من هذا. بل ذلك بقضاء الله عزّ وجلّ وذلك بمشيئته في خلقه، وتدبيره فيهم، وما جرى من سابق علمه فيهم. وهو العدل الحقّ الذي يفعل ما يريد، ومن

صفحه 216
أقرّ بالعلم لزمه الإقرار بالقدر والمشيئة على الصغر والقماءة.(1)
وسيوافيك تمام الرسالة في الفصل القادم.
وممّا يوجب الأسف أنّ الوهابية أخذت تروّج عقائد التجسيم والتشبيه، وإليك قصيدة في ذلك الباب نشرت في عاصمة التوحيد مكة المكرمة:
لله وجه لا يحد بصورة *** ولربّنا عينان ناظرتان
وله يدان كما يقول إلهنا *** ويمينه جلّت عن الأيمان
كلتا يديه يمين وصفها *** فهما على الثقلان منفقتان(2)
كرسيه وسع السماوات العلى *** والأرض وهو يعمه القدمان
والله يضحك لا كضحك عبيده *** والكيف ممتنع على الرحمن
والله ينزل كلّ آخر ليلة *** لسمائه الدنيا بلا كتمان
فيقول: هل من سائل فأجيبه *** فأنا القريب أجيب من ناداني
من قصيدة عبد الله بن محمد الأندلسي المالكي نشرت في «أربح البضاعة في معتقد أهل السنّة والجماعة» ص 32 جمع علي بن سليمان آل يوسف، منشور مكة المكرمة سنّة 1393 هـ . كما في التمهيد، الجزء الثالث ص 90 لشيخنا الحجة محمّد هادي معرفة ـ دام ظلّه ـ.

1 . طبقات الحنابلة للقاضي محمد بن أبي يعلى:1/25ـ26.
2 . هكذا ورد.

صفحه 217
الفصل السادس
عصارات مدونة
من عقائد أهل الحديث

صفحه 218

صفحه 219
عقيدة الحنابلة على لسان إمامهم   
إنّ هذه الروايات التي سبقت تمثل عقائد أهل الحديث في العصور الأُولى الإسلامية حيث نسجت العقائد عليها وحيكت على منوالها، وقد بلغت بشاعة الأمر إلى حدّ أوجبت سقوط عقيدة أهل الحديث عن مقامها في نفوس الناس بعد ما انتشرت في أرجاء البلاد، ولولا ثورة الإمام الأشعري على عقيدة أهل الحديث لكانت البشاعة أكثر.
ونحن نأتي في هذا المجال ببعض الرسائل المدونة لبيان عقيدة أهل الحديث والحنابلة:

1. عقيدة الحنابلة على لسان إمامهم

إنّ إمام الحنابلة كتب رسالة صغيرة حول عقيدة أهل الحديث والسنّة وهي أخف وطأة ممّا ورد في كتب الحديث، وإليك نصّ تلك الرسالة.
قال: هذه مذاهب أهل العلم، وأصحاب الأثر، وأهل السنّة، المتمسّكين بعروتها، المعروفين بها، المقتدى بهم فيها، من لدن أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى يومنا هذا. وأدركت من أدركت ـ من علماء الحجاز والشام وغيرها ـ عليها.
فمن خالف شيئاً من هذه المذاهب، أو طعن فيها، أو عاب قائلها، فهو

صفحه 220
مخالف مبتدع، وخارج عن الجماعة، زائل عن منهج السنّة، وسبيل الحقّ.
فكان قولهم: إنّ الإيمان قول وعمل ونية، و تمسّك بالسنّة. والإيمان يزيد وينقص. ويستثنى في الإيمان، من غير أن يكون لشك. إنّما هو سنّة ماضية عن العلماء.
فإذا سئل الرجل: مؤمن أنت؟ فإنّه يقول: أنا مؤمن إن شاء الله. ومؤمن أرجو، أو يقول: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله.
ومن زعم أنّ الإيمان قول بلا عمل، فهو مرجئي.
ومن زعم أنّ الإيمان هو القول، والأعمال فشرائع: فهو مرجئي.
ومن زعم أنّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فقد قال بقول المرجئة.
ومن أنكر الاستثناء في الإيمان، فهو مرجئي.
ومن زعم أنّ إيمانه كإيمان جبريل والملائكة فهو جهمي.
والقدر خيره وشره، وقليله وكثيره، وظاهره وباطنه،وحلوه ومرّه، ومحبوبه ومكروهه، وحسنه وسيّئه، وأوّله وآخره.
والله عزّوجلّ قضى قضاءه على عباده، لا يجاوزون قضاءه، بل هم كلّهم صائرون إلى ما خلقهم له، واقعون فيما قدر عليهم لا محالة، وهو عدل منه عزّ وجلّ.
والزنى والسرقة، وشرب الخمر، وقتل النفس، وأكل المال الحرام، والشرك بالله عزّ وجلّ، والذنوب والمعاصي، كلّها بقضاء وقدر من الله عزّ

صفحه 221
وجلّ، من غير أن يكون لأحد من الخلق على الله حجّة، بل لله عزّوجلّ الحجّة البالغة على خلقه (لا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون) .
وعلم الله عزّ وجلّ ماض في خلقه بمشيئة منه، قد علم من إبليس ومن غيره ممّن عصاه ـ من لدن أن عصاه إبليس إلى أن تقوم الساعة ـ المعصية، وخلقهم لها، وعلم الطاعة من أهل الطاعة وخلقهم لها، فكلّ يعمل بما خلق له، وصائر إلى ما قضى الله عليه منه، لم يعد أحد منهم قدر الله عزّوجلّ ومشيئته، والله الفعّال لما يريد.
ومن زعم أنّ الله عزّ وجلّ شاء لعباده الذين عصوا، الخير والطاعة وأنّ العباد شاءوا لأنفسهم الشر والمعصية، يعملون على مشيئتهم، فقد زعم أنّ مشيئة العباد أغلب من مشيئة الله عزّ وجلّ. فأيّ افتراء على الله أكبر من هذا؟!
ومن زعم أنّ الزنى ليس بقدر، قيل له: أرأيت هذه المرأة حملت من الزنى، وجاءت بولد، هل شاء الله عزّوجلّ أن يخلق هذا الولد؟ وهل مضى هذا في سابق علمه؟ فإن قال: لا، فقد زعم أنّ مع الله تعالى خالقاً وهذا هو الشرك صريحاً.
ومن زعم أنّ السرقة وشرب الخمر وأكل المال الحرام، ليس بقضاء فقد زعم أنّ هذا الإنسان قادر على أن يأكل رزق غيره. وهذا يضارع قول المجوسية. بل كلّ رزقه الله، وقضى الله عزّوجلّ أن يأكله من الوجه الذي أكله.
ومن زعم أنّ قتل النفس ليس بقدر من الله عزّوجلّ، فقد زعم أنّ

صفحه 222
المقتول مات بغير أجله، وأيّ كفر أوضح من هذا؟ بل كان ذلك بقضاءالله عزّ وجلّ وقدره وكلّ ذلك بمشيئته في خلقه، وتدبيره فيهم، وما جرى من سابق علمه فيهم. وهو العدل الحقّ الذي يفعل ما يريد.
ومن أقرّ بالعلم لزمه الإقرار بالقدر والمشيئة.
ولا نشهد على أحد من أهل القبلة أنّه في النار لذنب عمله ولا بكبيرة أتاها، إلاّ أن يكون في ذلك حديث، فنروي الحديث كما جاء على ما روي. نصدق به. ونعلم أنّه كما جاء. ولا تنقض الشهادة.
والخلافة في قريش ما بقي من الناس اثنان، ليس لأحد من الناس أن ينازعهم فيها، ولا يخرج عليهم، ولا نقر لغيرهم بها إلى قيام الساعة.
والجهاد ماض، قائم مع الإمام، برّاً أو فاجراً. ولا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل.
والجمعة والحجّ والعيدان مع الأئمّة، وإن لم يكونوا بررة عدولاً أتقياء.
ودفع الصدقات والأعشار والخراج والفيء، والغنائم إلى الأُمراء، عدلوا فيها أو جاروا. والانقياد لمن ولاّه الله عزّوجلّ أمركم لا تنزع يداً من طاعته، ولا تخرج عليه بسيفك، يجعل الله لك فرجاً ومخرجاً، ولا تخرج على السلطان، بل تسمع وتطيع، فإن أمرك السلطان بأمر، هو لله عزّ وجلّ معصية، فليس لك أن تطيعه وليس لك أن تخرج عليه، ولا تمنعه حقّه، ولا تعن على فتنة بيد ولا لسان، بل كفّ يدك ولسانك، وهواك. والله عزّوجلّ المعين.
والكفّ عن أهل القبلة. ولا نكفر أحداً منهم بذنب، ولانخرجهم عن

صفحه 223
الإسلام بعمل، إلاّ أن يكون في ذلك حديث فيروى كما جاء، وكما روي، ونصدقه ونقبله ونعلم أنّه كما روي نحو ترك الصلاة وشرب الخمر، وما أشبه ذلك أو يبتدع بدعة ينسب صاحبها إلى الكفر والخروج عن الإسلام فاتبع الأثر في ذلك ولا تجاوزه.
ولا أحب الصلاة خلف أهل البدع، ولا الصلاة على مَن مات منهم.
والأعور الدجّال خارج لا شكّ في ذلك ولا ارتياب. وهو أكذب الكذّابين.
وعذاب القبر حقّ. يسأل العبد عن دينه، وعن ربّه، ويرى مقعده من النار والجنة.
ومنكر ونكير حق وهما فتانا القبور، نسأل الله عزّوجلّ الثبات.
وحوض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)حقّ، ترده أُمّته، وله آنية يشربون بها منه.
والصراط حق يوضع على شفير جهنم ويمر الناس عليه، والجنة من وراء ذلك، نسأل الله عزّوجلّ السلامة في الجواز.
والميزان حقّ، توزن به الحسنات والسيّئات، كما شاء أن توزن.
والصور حقّ، ينفخ فيه إسرافيل (عليه السلام) فيموت الخلق، ثمّ ينفخ فيه أُخرى فيقومون لربّ العالمين عزّ وجلّ للحساب والقصاص والثواب والعقاب.
والجنة والنار واللوح المحفوظ حقّ، تستنسخ منه أعمال العباد ممّا سبقت فيه من المقادير والقضاء.

صفحه 224
والقلم حقّ، كتب الله به مقادير كلّ شيء وأحصاه في الذكر تبارك وتعالى.
والشفاعة حقّ يوم القيامة، يشفع قوم في قوم فلا يصيرون إلى النار، ويخرج قوم من النار بعدما دخلوها بشفاعة الشافعين، ويخرج قوم من النار برحمة الله عزّوجلّ بعدما لبثوا فيهاما شاء الله عزّوجلّ، وقوم يخلدون فيها أبداً، وهم أهل الشرك والتكذيب والجحود والكفر بالله عزّ وجلّ.
ويذبح الموت يوم القيامة بين الجنّة والنار.
وقد خلقت النار وما فيها، وخلقت الجنة وما فيها، خلقهما الله عزّوجلّ، ثمّ خلق الخلق لهما، لا يفنيان، ولا يفنى ما فيهما أبداً.
فإن احتج مبتدع بقوله تعالى: (كُلُّ شَيء هالِكٌ إِلاّ وجهَه) (1) ونحو هذا من متشابه القرآن.
قيل له: كلّ شيء ممّا كتب الله عزّوجلّ عليه الفناء والهلاك هالك، والجنة والنار خلقهما الله عزّوجلّ للبقاء لا للفناءولا للهلاك، وهما من الآخرة لا من الدنيا.
والحور العين، لا يمتن عند قيام الساعة، ولا عند النفخة أبداً لأنّ الله عزّ وجلّ خلقهنّ للبقاء، لا للفناء، ولم يكتب عليهن الفناء ولا الموت، فمن قال خلاف ذلك فهو مبتدع.
وخلق الله سبع سماوات، بعضها فوق بعض، وسبع أرضين بعضها أسفل من بعض.

1 . القصص:88.

صفحه 225
وبين الأرض العليا والسماء الدنيا خمسمائة عام، وبين كلّ سماءين مسيرة خمسمائة عام. والماء فوق السماء السابعة، وعرش الرحمن تبارك وتعالى فوق الماء. والله عزّوجلّ على العرش. وهو يعلم ما في السماوات السبع والأرضين السبع و ] ما[ بينهما وما تحت الثرى، وما في قعر البحار ومنبت كلّ شعرة، وكل شجرة، وكل زرعة، وكل نبت، ومسقط كلّ ورقة، وعدد ذلك وعدد الحصا والرمل والتراب، ومثاقيل الجبال، وأعمال العباد وآثارهم، وكلامهم وأنفاسهم ويعلم كلّ شيء لا يخفى عليه شيء من ذلك، وهو على العرش، فوق السماء السابعة وعنده حجب من نار ونور وظلمة وماء، وهو أعلم بها.
فإن احتجّ مبتدع أو مخالف بقوله تعالى: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِليهِ مِنْ حَبْلِ الْوَريد) (1) ، أو بقوله عزّ وجلّ:(وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ) (2) ، أو بقوله
تعالى: (ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَة إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ) (2)، ونحو هذا من متشابه القرآن.
قيل: إنّما يعني بذلك العلم. لأنّ الله تبارك وتعالى على العرش فوق السماء السابعة العليا، يعلم ذلك كلّه، وهو تعالى بائن من خلقه لا يخلو من علمه مكان، والله تعالى على العرش. وللعرش حملة يحملونه. والله عزّوجلّ على عرشه.
والله تعالى سميع لا يشكّ، بصير لا يرتاب، عليم لا يجهل، جواد لا

1 . ق: 16.   2 . الحديد: 4.
2 . المجادلة:7.

صفحه 226
يبخل، حليم لا يعجل، حفيظ لا ينسى، يقظان(1) لا يسهو، قريب لا يغفل، يتكلّم ويسمع وينظر، ويبصر ويضحك،ويفرح ويحب، ويكره ويبغض،ويرضى ويغضب ويسخط، ويرحم ويعفو ويعطي ويمنع، وينزل تبارك وتعالى كلّ ليلة إلى السماء الدنيا كيف يشاء (ليْسَ كَمِثْلهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّميعُ الْبَصِير) (2)، وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الربّ عزّوجلّ، يقلبها كيف يشاء ويوعيها ما أراد.
وخلق الله عزّوجلّ آدم (عليه السلام) بيده والسماوات والأرض يوم القيامة في كفّه. ويخرج قوماً من النار بيده، وينظر أهل الجنة إلى وجهه. ويرونه فيكرمهم ويتجلى لهم فيعطيهم. ويعرض عليه العباد يوم الفصل والدين، ويتولّى حسابهم بنفسه، لا يولى ذلك غيره عزّ وجلّ.
والقرآن كلام الله، ليس بمخلوق، فمن زعم أنّ القرآن مخلوق فهو جهمي كافر.
ومن زعم أنّ القرآن كلام الله عزّوجلّ ووقف، ولم يقل: مخلوق ولا غير مخلوق، فهو أخبث من الأوّل. ومن زعم أنّ ألفاظنا بالقرآن وتلاوتنا له مخلوقة، والقرآن كلام الله فهو جهمي. ومن لم يكّفر هؤلاء القوم كلّهم فهو مثلهم.
وكلّم الله موسى تكليماً، من الله سمع موسى يقيناً، وناوله التوراة من يده، ولم يزل الله متكلماً عالماً، تبارك الله أحسن الخالقين.

1 . لم ترد هذه الكلمة في الكتاب ولا السنّة. ولعلّ الأولى أن يقال: (لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوم) .
2 . الشورى:11.

صفحه 227
والرؤيا من الله عزّ وجلّ حقّ، إذا رأى صاحبها شيئاً في منامه يقصّها على عالم،وقد كانت الرؤيا من الأنبياء وحياً.
ومن السنّة: ذكر محاسن أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)كلّهم أجمعين والكفّ عن الذي شجر بينهم. فمن سب أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو واحداً منهم، فهو مبتدع رافضي، حبهم سنّة، الدعاء لهم قربة، والاقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآثارهم فضيلة.
وخير هذه الأُمّة ـ بعد نبيّها (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ أبو بكر، وخيرهم ـ بعد أبي بكر ـ عمر، وخيرهم ـ بعد عمر ـ عثمان، وخيرهم ـ بعد عثمان ـ علي، رضوان الله عليهم، خلفاء راشدون مهديون. ثمّ أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد هؤلاء الأربعة، لا يجوز لأحد أن يذكر شيئاً من مساويهم، ولا يطعن على أحد منهم، فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته، ليس له أن يعفو عنه، بل يعاقبه ثمّ يستتيبه، فإن تاب قبل منه. وإن لم يتب أعاد عليه العقوبة. وجلده في المجلس حتى يتوب ويراجع.(1)
ثمّ إنّ الشيخ أبا جعفر المعروف بالطحاوي المصري (المتوفّى عام 321 هـ) كتب رسالة حول عقيدة أهل السنّة تشتمل على مائة وخمسة أُصول، زعم أنّها عقيدة الجماعة والسنّة على مذهب فقهاء الملة: أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وأبي عبد الله محمّد بن الحسن الشيباني، والرسالة صغيرة كتب عليها تعاليق وشروح كثيرة.

1 . السنّة : 44ـ50.

صفحه 228
ولمّا ثار الإمام الأشعري على المعتزلة وانخرط في سلك أهل الحديث، جاء في الباب الثاني من كتاب «الإبانة» بعقيدة أهل السنّةوالجماعة في واحد وخمسين أصلاً، وإليك هذه الرسالة.
رسالة الأشعري في عقيدة أهل الحديث   

2. رسالة «الأشعري» في عقيدة أهل الحديث

قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب ربّنا عزّ وجلّ، وبسنّة نبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم)، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمّة الحديث ونحن بذلك معتصمون. وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ـ نضر الله وجهه، ورفع درجته وأجزل مثوبته ـ قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون، لأنّه الإمام الفاضل والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحقّ، ودفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين وشك الشاكّين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وجليل معظم، وكبير مفخم، وعلى جميع أئمّة المسلمين.
وجملة قولنا:
1. أنا نقرّ بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)لا نرد من ذلك شيئاً.
2. وأنّ الله عزّوجلّ إله واحد لاإله إلاّ هو، فرد صمد لم يتخذ صاحبة ولا ولداً.
3. وأنّ محمّداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحقّ.
4. وأنّ الجنّة والنار حقّ.

صفحه 229
5. وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنّ الله يبعث من في القبور.
6. وأنّ الله استوى على عرشه كما قال:(الرَّحمنُ عَلى العرشِ اسْتَوى).(1)
7. وأنّ له وجهاً بلا كيف كما قال: (وَيَبْقى وَجْهُ رَبّكَ ذُو الجَلالِ وَالإِكْرام) .(2)
8 . وأنّ له يدين بلا كيف كما قال: (خَلَقْتُ بيدي) (2)، وكما قال:(بَلْ يَداهُ مَبْسُوطتان) .(4)
9. وأنّ له عيناً بلا كيف كما قال: (تَجْري بِأَعْيُننا) .(3)
10. وأنّ من زعم أنّ أسماء الله غيره كان ضالاً.
11. وأنّ لله علماً كما قال:(أَنْزَلَهُ بعِلْمِهِ) (6)، وكما قال:(وَماتَحْمِل مِنْ أُنْثى وَلاتَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ).(4)
12. ونثبت لله السمع والبصر ولا ننفي ذلك، كما نفته المعتزلة والجهمية والخوارج.
13. وثبت أنّ لله قوّة كما قال:(أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللّهَ الَّذي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشدُّ مِنْهُمْ قُوّة) .(8)
14. ونقول: إنّ كلام الله غير مخلوق، وإنّه لم يخلق شيئاً إلاّ وقد قال له:

1 . طه: 5.   2 . الرحمن: 27.
2 . ص: 75.   4 . المائدة: 64.
3 . القمر: 14.   6 . النساء: 166.
4 . فاطر: 11.   8 . فصلت: 15.

صفحه 230
كن فيكون،كما قال: (إِنّما قَوْلُنا لِشَيء إذا أََرْدناهُ أَنْ نَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) .(1)
15. وإنّه لا يكون في الأرض شيء من خير وشر إلاّ ما شاء الله، وإنّ الأشياء تكون بمشيئة الله عزّوجلّ.
وإنّ أحداً لا يستطيع أن يفعل شيئاً قبل أن يفعله الله.
16. ولا نستغني عن الله، ولا نقدر على الخروج من علم الله عزّوجلّ.
17. وإنّه لا خالق إلاّ الله، وإنّ أعمال العبد مخلوقة لله مقدورة، كما قال: (وَاللّهُ خَلَقكُمْ وَما تَعْمَلُون).(2)
وإنّ العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئاً وهم يخلقون، كما قال: (هَلْ مِنْ خالِق غَيرُ اللّهِ) (2)، وكما قال:(لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وهُمْ يُخْلَقُون) (4)، وكما
قال: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُق) (3)، وكما قال: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غيَرْ ِشَيء أم هُمُ الخالِقُونَ)(6)، وهذا في كتاب الله كثير.
18. وإنّ الله وفق المؤمنين لطاعته، ولطف بهم، ونظر إليهم، وأصلحهم وهداهم، وأضل الكافرين ولم يهدهم، ولم يلطف بهم بالإيمان، كما زعم أهل الزيغ والطغيان، ولو لطف بهم وأصلحهم لكانوا صالحين. ولو هداهم لكانوا مهتدين، كما قال تبارك و تعالى:(مَنْ يَهْد اللّهُ فَهُوَ المُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الخاسِرُون) .(4)

1 . النحل: 40.                      2 . الصافات: 96.
2 . فاطر: 3.   4 . النحل: 20.
3 . النحل: 17.    6 . الطور: 35.
4 . الأعراف:178.

صفحه 231
وإنّ الله يقدر أن يصلح الكافرين، ويلطف بهم حتى يكونوا مؤمنين، ولكنّه أراد أن يكونوا كافرين كما علم، وإنّه خذلهم وطبع على قلوبهم.
19. وإنّ الخير والشر بقضاء الله وقدره. وإنّا نؤمن بقضاء الله وقدره، خيره وشرّه، حلوه ومرّه، ونعلم أنّ ما أخطأنا لم يكن ليصيبنا، وأنّ ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وأنّ العباد لا يملكون لأنفسهم ضرّاً ولا نفعاً إلاّ ما شاء الله، كما قال عزّوجلّ: (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاّ ما شاءَ الله)(1)، وإنّا نلجأ في أُمورنا إلى الله، ونثبت الحاجة والفقر في كلّ وقت إليه.
20. ونقول: إنّ القرآن كلام الله غير مخلوق، وإنّ من قال بخلق القرآن فهو كافر.
21. وندين بأنّ الله تعالى يُرى في الآخرة بالأبصار كما يُرى القمر ليلة البدر يراه المؤمنون كما جاءت الروايات عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
ونقول: إنّ الكافرين محجوبون عنه إذا رآه المؤمنون في الجنة، كما قال الله عزّ وجلّ:(كَلاّ إِنّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمئِذ لَمَحْجُوبُون) (2)، وإنّ موسى(عليه السلام)سأل الله عزّوجلّ الرؤية في الدنيا، وإنّ الله تعالى تجلّى للجبل، فجعله دكّاً، فاعلم بذلك موسى أنّه لا يراه في الدنيا.
22. وندين بأن لا نكفّر أحداً من أهل القبلة بذنب يرتكبه كالزنى والسرقة وشرب الخمر، كما دانت بذلك الخوارج وزعمت أنّهم كافرون.
ونقول: إنّ من عمل كبيرة من هذه الكبائر مثل الزنى والسرقة وما

1 . الأعراف: 188.    2 . المطففين: 15.

صفحه 232
أشبههما مستحلاً لها غير معتقد لتحريمها كان كافراً.
23. ونقول: إنّ الإسلام أوسع من الإيمان، وليس كلّ إسلام إيماناً.
24. وندين بأنّ الله تعالى يقلّب القلوب «وأنّ القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن»(1)، وأنّه سبحانه«يضع السماوات على أصبع والأرضين على أصبع»(2) كما جاءت الرواية عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)من غير تكييف.
25. وندين بأن لا ننزل أحداً من أهل التوحيد والمتمسكين بالإيمان جنة ولا ناراً إلاّ من شهد له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بالجنة، ونرجو الجنة للمذنبين ونخاف عليهم أن يكونوا بالنار معذبين.
ونقول: إنّ الله عزّوجلّ يخرج قوماً من النار بعد أن امتحشوا بشفاعة محمّد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)تصديقاً لما جاءت به الروايات عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .(3)

1 . رواه مسلم في صحيحه: 8 / 51، في القدر: باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء. وأحمد: 2 / 168 و 173 من حديث عبد الله عمرو. وابن ماجه برقم (3834) في الدعاء: باب دعاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)والترمذي رقم (2141) في القدر: باب ما جاء أنّ القلوب بين أصبعي الرحمن من حديث أنس بن مالك وأحمد: 6 / 302 و 315 والترمذي رقم (3517) في الدعوات باب رقم 89 من حديث أُمّ سلمة وأحمد: 6 / 251، من حديث عائشة 302، 315.
2 . صحيح البخاري: 6 / 33، تفسير سورة الزمر، وج 8 / 174 و 202 كتاب التوحيد; صحيح مسلم: 8 / 125 و 126، باب صفة القيامة والجنة والنار والترمذي رقم (3236) و (3238) في التفسير: باب و من سورة الزمر كلّهم من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
3 . خروجهم من النار بعد أن امتحشوا وحديث الشفاعة، رواه البخاري في صحيحه: 1 / 196، باب فضل السجود، وج 7 / 202 و 205، كتاب الرقاق، و ج 8 / 180 و 182 كتاب التوحيد; ومسلم في صحيحه: 1 / 113، باب معرفة طريق الرؤية، وص 118 باب إثبات الشفاعة باسنادهما عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة.

صفحه 233
26. ونؤمن بعذاب القبر وبالحوض، وأنّ الميزان حقّ، والصراط حقّ، والبعث بعد الموت حقّ، وأنّ الله عزّ وجلّ يوقف العباد في الموقف ويحاسب المؤمنين.
27. وأنّ الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ونسلم الروايات الصحيحة في ذلك عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)التي رواها الثقات عدل عن عدل حتى تنتهي الرواية إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
28. وندين بحب السلف، الذين اختارهم الله عزّوجلّ لصحبة نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، ونثني عليهم بما أثنى الله به عليهم، ونتولاهم أجمعين.
29. ونقول: إنّ الإمام الفاضل بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أبو بكر الصديق رضوان الله عليه، وإنّ الله أعزّ به الدين وأظهره على المرتدين، وقدمه المسلمون للإمامة، كما قدمه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)للصلاة، وسمّوه بأجمعهم خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). ثمّ عمر بن الخطاب ، ثمّ عثمان بن عفان ، وإنّ الذين قتلوه، قتلوه ظلماً وعدواناً، ثمّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فهؤلاء الأئمّة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وخلافتهم خلافة النبوة.
ونشهد بالجنة للعشرة الذين شهد لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بها، ونتولّى سائر أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)و نكف عمّا شجر بينهم، وندين الله بأنّ الأئمّة الأربعة خلفاء راشدون مهديون فضلاء لا يوازيهم في الفضل غيرهم.
30. ونصدق بجميع الروايات التي يثبتها أهل النقل من النزول
إلى السماء الدنيا، وأنّ الربّ عزّ وجلّ يقول: «هل من سائل، هل من

صفحه 234
مستغفر»(1) وسائر ما نقلوه وأثبتوه خلافاً لما قاله أهل الزيغ والتضليل.
31. ونعول فيما اختلفنا فيه على كتاب ربّنا تبارك وتعالى وسنّة نبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإجماع المسلمين، وما كان في معناه، ولا نبتدع في دين الله بدعة لم يأذن الله بها، ولا نقول على الله مالا نعلم.
32. ونقول: إنّ الله عزّوجلّ يجيء يوم القيامة كما قال: (وَجاءَ ربّكَ وَالمَلَكُ صَفّاً صَفّاً) (2)، وإنّ الله عزّ وجلّ يقرب من عباده كيف شاء، كما قال: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِليهِ مِنْ حَبْلِ الْوَريد) (3)، وكما قال: (ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى* فَكانَ قابَ قَوسين أَوْ أَدنى) .(4)
33. ومن ديننا أن نصلي الجمعة والأعياد وسائر الصلوات والجماعات خلف كلّ برّ وفاجر، كما روي عن عبد الله بن عمر أنّه كان يصلّي خلف الحجّاج.
34. وأنّ المسح على الخفين سنّة في الحضر والسفر خلافاً لقول من أنكر ذلك.
35. ونرى الدعاء لأئمّة المسلمين بالصلاح والإقرار بإمامتهم، وتضليل من رأى الخروج عليهم، إذا ظهر منهم ترك الاستقامة، وندين

1 . رواه مسلم في صحيحه: 2 / 176، في صلاة المسافرين: باب الترغيب والدعاء والذكر في آخر الليل. وللحديث صيغ أُخرى رواها البخاري في التهجد: باب الدعاء والصلاة من آخر الليل وفي الدعوات: باب الدعاء نصف الليل وفي التوحيد: باب قوله تعالى: (يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلاَمَ اللهِ) وأبو داود رقم (4733) في السنّة. والترمذي رقم (3493) في الدعوات، وأحمد: 2 / 258 و 267 و 282و 419 و 487 و 504 و 521 من حديث أبي هريرة.
2 . الفجر: 22.   3 . ق: 16.   4 . النجم: 8 ـ 9.

صفحه 235
بإنكار الخروج عليهم بالسيف، وترك القتال في الفتنة.
36. ونقرّ بخروج الدجّال، كما جاءت به الرواية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .(1)
37. ونؤمن بعذاب القبر ومنكر ونكير ومسألتهما المدفونين في قبورهم.
38. ونصدّق بحديث المعراج.(2)
39. ونصحّح كثيراً من الرؤيا في المنام ونقرّ أنّ لذلك تفسيراً.
40. ونرى الصدقة عن موتى المسلمين، والدعاء لهم ونؤمن بأنّ الله ينفعهم بذلك.
41. ونصدّق بأنّ في الدنيا سحراً وسحرة، وأنّ السحر كائن موجود في الدنيا.
42. وندين بالصلاة على من مات من أهل القبلة برّهم وفاجرهم وتوارثهم.

1 . صحيح البخاري: 8 / 101 ـ 103، في الفتن: باب ذكر الدجال و2 / 223 في فضائل المدينة: باب لا يدخل الدجال المدينة; صحيح مسلم: 8 / 194 في الفتن: باب ذكر الدجال وصفته ومن معه ، و الترمذي (2235) لغاية (2246) في الفتن، وأبو داود (4315) في الملاحم ولغاية (4328)، وأحمد في «المسند»:1/4، 7; 2/33، 37، 67، 104، 108، 124، 131، 237، 349، 429، 457، 530; 3/42; 5/32، 38، 43، 47. وابن ماجة من (4071) ولغاية (4988) في الفتن باب فتنة الدجال.
2 . رواه البخاري في صحيحه: 4 / 248 باب المعراج; والنووي في شرح صحيح مسلم: 2 / 209 باب الإسراء برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى السماوات، والنسائي: 1 / 221 في الصلاة: باب فرض الصلاة، والترمذي رقم (3130) في التفسير: باب و من سورة بني إسرائيل.

صفحه 236
43. ونقرّ أنّ الجنة والنّار مخلوقتان.
44. وأنّ من مات أو قتل فبأجله مات أو قتل.
45. وأنّ الأرزاق من قبل الله عزّوجلّ يرزقها عباده حلالاً وحراماً.
46. وأنّ الشيطان يوسوس للإنسان ويشككه ويتخبطه خلافاً لقول المعتزلة والجهمية، كما قال الله عزّوجلّ:(الّذينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَما يَقُومُ الَّذي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَس) (1)، وكما قال: (مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الخَنّاس* الَّذي يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النّاس* مِنَ الجِنَّةِ وَالنّاس) .(2)
47. ونقول: إنّ الصالحين يجوز أن يخصّهم الله عزّوجلّ بآيات يظهرها عليهم.
48. وقولنا في أطفال المشركين: إنّ الله يؤجّج لهم في الآخرة ناراً، ثمّ يقول لهم اقتحموها، كما جاءت بذلك الروايات.(2)
49. وندين الله عزّوجلّ بأنّه يعلم ما العباد عاملون، وإلى ما هم

1 . البقرة: 275.   2 . الناس: 4 ـ 6.
2 . اختلف العلماء قديماً وحديثاً في أولاد المشركين على أقوال، منها القول الذي ذكره المصنّف رحمه الله أنّهم يمتحنون في الآخرة بأن ترفع لهم نار، فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً، و من أبى عذّب. رواه البزاز من حديث أنس بن مالك وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما، ورواه الطبراني من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه.
قال الحافظ في «الفتح»:3/195 وقد صحّت مسألة الامتحان في حقّ المجنون و من مات في الفترة من طرق صحيحة. ومن الأقوال أنّهم في الجنة. قال النووي: وهو المذهب الصحيح الذي صار إليه المحقّقون لقوله تعالى: (وَما كُنّا معذّبين حتّى نبعث رَسولاً). وانظر «الفتح»:3/195ـ 196.

صفحه 237
صائرون، وما كان وما يكون، وما لا يكون إن لو كان كيف كان يكون.
50. وبطاعة الأئمّة ونصيحة المسلمين.
51. ونرى مفارقة كلّ داعية إلى بدعة ومجانبة أهل الأهواء، وسنحتج لما ذكرناه من قولنا وما بقي منه ممّا لم نذكره باباً باباً وشيئاً شيئاً، إن شاء الله تعالى.
***
وما طرح من الأُصول في كتاب «الإبانة» هو الذي جاء به في كتاب «مقالات الإسلاميين» عند البحث عن قول أصحاب الحديث وأهل السنّة ولو كان بينهما اختلاف فإنّما هو في العرض لا في الأصل والجوهر. ويقول بعد عرضها «فهذه جملة ما يأمرون به، ويستعملونه، ويرونه وبكلّ ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب».(1)
لقد شهد التاريخ الإسلامي صراعاً عنيفاً بين الحنابلة والأشاعرة، وستوافيك صورة من ذلك في آخر هذا الجزء.
ولكن الحقّ أنّه لو كانت عقيدة الأشاعرة هي ما جاء في مقدمة رسالة «الإبانة» أو ما جاء في كتا ب«مقالات الإسلاميين» لما كان بين الفريقين أي اختلاف أبداً، وهذا ممّا يقضى منه العجب.
ولأجل ذلك ـ ربما ـ تخيّل بعضهم(2) أنّ الرسالة المطبوعة موضوعة على لسان الأشعري.

1 . مقالات الإسلاميين: 320ـ 325.
2 . كالشيخ محمد زاهد الكوثري في بعض تعاليقه على الكتب.

صفحه 238
أُصول عقيدة أهل الحديث عند الملطي   
 
3. أُصول عقيدة أهل الحديث عند الملطي
ثمّ تتابع بعده تبيين عقيدة أهل السنّة، فكتب أبو الحسين محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الملطي الشافعي (المتوفّى عام 377 هـ) كتابه المعروف «التنبيه والرد» وذكر عقيدة أهل السنّة تحت أُصول نذكرها:
والذي ثبت عن محمد بن عكاشة أنّ أُصول السنّة ممّا اجتمع عليه الفقهاء والعلماء منهم: علي بن عاصم، وسفيان بن عيينة، وسفيان بن يوسف الفريابي، وشعيب، ومحمّد بن عمر الواقدي، وشابة بن ثوار، والفضل بن دكين الكوفي، وعبد العزيز بن أبان الكوفي، وعبد الله بن داود، ويعلى بن قبيصة، وسعيد بن عثمان، وأزهر، وأبو عبد الرحمن المقري، وزهير بن نعيم، والنضر بن شميل، وأحمد بن خالد الدمشقي، والوليد بن مسلم القرشي، والرواد بن الجراح العسقلاني، ويحيى بن يحيى، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبو معاوية الضرير كلّهم يقولون: رأينا أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)كانوا يقولون:
1. الرضا بقضاء الله و التسليم لأمر الله والصبر على حكم الله.
2. الأخذ بما أمر الله، والنهي عمّا نهى الله عنه.
3. الإخلاص بالعمل لله.
4. الإيمان بالقدر، خيره وشره من الله.
5. ترك المراء والجدال والخصومات في الدين.

صفحه 239
6. المسح على الخفين.
7. الجهاد مع أهل القبلة.
8 . الصلاة على من مات من أهل القبلة سنّة.
9. الإيمان يزيد وينقص قول وعمل.
10. القرآن كلام الله.
11. الصبر تحت لواء السلطان على ما كان منهم، من عدل أو جور، ولا يخرج على الأُمراء بالسيف وإن جاروا.
12. لا ينزل أحد من أهل التوحيد جنّة ولا ناراً.
13. لا يكفر أحد من أهل التوحيد بذنب، وإن عملوا الكبائر.
14. الكف عن أصحاب محمد(صلى الله عليه وآله وسلم).
15. أفضل الناس بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أبو بكر، ثمّ عمر، ثمّ عثمان، ثمّ علي.(1)
وهذا النصّ يجمع السنّة التي يدين بها أهل الحديث وقد اقتدى بهم

1 . التنبيه والرد لأبي الحسين الملطي: ص 14ـ 15 وممّا يجب التعليق عليه: أنّ محمد بن عكاشة مرمي بالكذب ووضع الحديث، فقد قال الرازي في كتاب «الجرح والتعديل»: محمد بن عكاشة الكرماني، روى عبد الرزاق: حدّثنا عبد الرحمن قال: سئل أبو زرعة عنه؟ فقال: قد رأيته وكتبت عنه وكان كذاباً، قدم علينا مع محمد بن رافع النيسابوري وكان رفيقه، فأوّل ما أملى حديث كذب على الله عزّوجلّ وعلى رسوله. (لاحظ الجرح والتعديل للحافظ أبي حاتم الرازي:8/52 ط الهند).

صفحه 240
الأشعري في أكثرها، وقد تقدم الأُصول التي نسبها الأشعري إلى أهل السنّة. وهذه الأُصول التي جاء بها محمّد بن عكاشة ملفقة من أُصول اتّفق على صحتها أهل القبلة وأُصول مختلف فيها، وأُصول مزورة ومختلقة ومكذوبة على الإسلام أساساً.

الأُصول المهمة في عقائد أهل الحديث

ننتقل الآن للبحث عن بعض الأُصول التي زعمها أهل الحديث أُصولاً صحيحة وهي عندنا مفتعلة على الإسلام ومختلقة، ونختار منها المواضيع التالية:
1. إطاعة السلطان الجائر والصبر تحت لوائه.
2. عدالة الصحابة جميعاً.
3. الإيمان بالقدر خيره وشره.
4. الإيمان بخلافة الخلفاء.
وممّا يعجب القارئ في مثل هذه الكلمة قوله: «إنّ هؤلاء كلهم يقولون: رأينا أصحاب رسول الله كانوا يقولون»، مع أنّه ليس بين هؤلاء العلماء تابعي واحد حتى تصح منهم رؤية أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا من أغرب الغرائب!!

صفحه 241

1

إطاعة السلطان بين الوجوب والحرمة

إطاعة الحاكم العادل من صميم الدين، قال سبحانه: (أَطيعُوا
اللهَ وَأَطيعُوا الرَّسُولَ وَأُولي الأَمْرِ مِنْكُمْ
).(1)
وليس المراد منه إطاعة مطلق ولاة الأمر، بل المراد خصوص العدول منهم بقرينة النهي عن إطاعة المسرفين والغافلين عن ذكر الله سبحانه والمكذبين والآثمين وغيرهم.
قال سبحانه: (ولا تُطِع مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا واتّبَعَ هَواهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطاً) .(2)
وقال سبحانه: (يا أيّها النّبيُّ اتّقِ اللّهَ ولا تُطِعِ الكافرينَ والمُنافِقِين) .(2)
وقال سبحانه: (فَلا تُطِعِ المُكَذِّبين) .(4)
وقال تعالى: (ولا تُطِعْ كُلَّ حَلاّف مَهِين) .(5)

1 . النساء: 59.                        2 . الكهف: 28.
2 . الأحزاب: 1.   4 . القلم: 8.   5 . القلم: 10.

صفحه 242
وقال سبحانه:(فَاصبِرْ لِحُكْمِ رَبّكَ وَلا تُطِع مِنْهُمْ آثماً أَوْ كَفُوراً) .(1)
وقال تعالى: (وَلاتُطِيعُوا أَمْرَ المُسرِفين) .(2)
إلى غير ذلك من الآيات الناهية عن طاعة الطغاة العصاة. فبقرينة هذه الآيات الناهية يصحّ أن يقال: إنّ المراد من الأمر بإطاعة أُولي الأمر، هو إطاعة العدول منهم.
وقد تضافرت الروايات على وجوب إطاعة السلطان العادل المعربة عن عدم وجوب إطاعة السلطان الجائر أوحرمتها.
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «السلطان العادل المتواضع، ظل الله ورمحه في الأرض ويرفع له عمل سبعين صدّيقاً».(2)
وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «ما من أحد أفضل منزلة من إمام، إن قال صدق، وإن حكم عدل، وإن استرحم رحم».(4)
إطاعة السلطان الجائر   
وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «أحبّ الناس إلى الله يوم القيامة وأدناهم مجلساً، إمام عادل; وأبغض الناس إلى الله وأبعدهم منه، إمام جائر».(3)
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «السلطان ظلّ الله في الأرض، يأوي إليه الضعيف وبه ينصر المظلوم، ومن أكرم سلطان الله في الدنيا أكرمه الله يوم القيامة».(6)
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «ثلاثة من كنّ فيه من الأئمّة صلح أن يكون إماماً اضطلع بأمانته: إذا عدل في حكمه، ولم يحتجب دون رعيته، وأقام كتاب الله تعالى

1 . الإنسان: 24.                           2 . الشعراء: 151.
2 . كنز العمال: 6 / 6، الحديث 14589.            4 . نفس المصدر: الحديث 14593 .
3 . نفس المصدر: الحديث 14604 .            6 . نفس المصدر: الحديث 14572.

صفحه 243
في القريب والبعيد»(1)... إلى غير ذلك من الروايات التي يقف عليها المتتبع في الجوامع الحديثية.
هذا من طريق أهل السنّة وأمّا من طريق الشيعة فحدّث عنه ولا حرج.
روى عمر بن حنظلة عن الصادق (عليه السلام) في لزوم طاعة الحاكم العادل: «من روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً، فإنّي جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه، فإنّما استخف بحكم الله وعلينا ردّ، والرادّ علينا، الرادّ على الله، وهو على حدّ الشرك بالله».(2)
ونكتفي ـ هنا ـ بقول الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام) في كتابه إلى أهل الكوفة حيث قال (عليه السلام): «فلعمري ما الإمام إلاّ الحاكم بالكتاب، القائم بالقسط، الدائن بدين الحقّ، الحابس نفسه على ذات الله».(3)
إذاً فوجوب إطاعة السلطان العادل ممّا لا شكّ فيه، ولا يحتاج إلى إسهاب الكلام فيه، ولكن الحنابلة ذهبوا إلى غير ذلك، وإليك البيان.

إطاعة السلطان الجائر

فلقد اتّفقت كلمة الحنابلة ومن لفّ لفّهم على وجوب إطاعة السلطان الجائر، وإليك نصوصهم:

1 . نفس المصدر: الحديث 14315.
2 . الوسائل: الجزء18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.
3 . بحار الأنوار: 15 / 116; تاريخ الطبري: 4 / 262، أحداث سنة 60.

صفحه 244
قال أحمد بن حنبل في إحدى رسائله: السمع والطاعة للأئمّة وأمير المؤمنين البر والفاجر، ومن ولي الخلافة فأجمع الناس ورضوا به، ومن غلبهم بالسيف وسمّي أمير المؤمنين، والغزو ماض مع الأُمراء إلى يوم القيامة، البر والفاجر، وإقامة الحدود إلى الأئمّة وليس لأحد أن يطعن عليهم وينازعهم، ودفع الصدقات إليهم جائز، من دفعها إليهم أجزأت عنهم، براً كان أو فاجراً، وصلاة الجمعة خلفه وخلف كلّ من ولي، جائزة إقامته، ومن أعادها فهو مبتدع تارك للآثار مخالف للسنّة.
ومن خرج على إمام من أئمّة المسلمين وكان الناس قد اجتمعوا عليه وأقرّوا له بالخلافة بأي وجه من الوجوه، أكان بالرضا أو بالغلبة فقد شق الخارج عصا المسلمين وخالف الآثار عن رسول الله، فإن مات الخارج عليه، مات ميتة جاهلية.(1)
هذا الرأي المنقول عن إمام الحنابلة لا يمكن إنكار صحّة نسبته إليه، ولأجل ذلك قال الأُستاذ أبو زهرة: ولأحمد رأي يتلاقى فيه مع سائر الفقهاء، وهو جواز إمامة من تغلّب ورضيه الناس وأقام الحكم الصالح بينهم، بل إنّه يرى أكثر من ذلك، إنّ من تغلّب وإن كان فاجراً تجب إطاعته حتّى لا تكون الفتن.(2)
والعبارة التي نقلناها عن إمام الحنابلة تكاد تعرب عن وجوب إطاعة الجائر ولو أمر بمعصية الخالق، وهو أمر عجيب منه جدّاً مع أنّ أكثر الأشاعرة

1 . تاريخ المذاهب الإسلامية لأبي زهرة:2/322.
2 . المصدر السابق:ص 321; ولاحظ كتاب السنّة لابن حنبل : 46.

صفحه 245
الذين يحرّمون الخروج عليه، لا يوجبون طاعته في هذا الحال كما يوافيك نصوصهم، ولغرابة رأي ابن حنبل هذا، ذيّله أبو زهرة بقوله: ولكنّه ينظر في هذه القضية إلى مصلحة المسلمين وأنّه لا بدّ من نظام مستقرّ ثابت، وأنّ الخروج على هذا النظام يحل قوة الأُمّة ويفك عراها، ولأنّه رأى من أخبار الخوارج وفتنتهم ما جعله يقرر أنّ النظام الثابت أولى وأنّ الخروج عليه يرتكب فيه من المظالم أضعاف ما يرتكبه الحاكم الظالم.
ثمّ إنّه ينظر في القضية نظرة اتباع فإنّ التابعين الذين عاشوا في العصر الأموي إلى أكثر من ثلثي زمانه قد رأوا مظالم كثيرة، ومع ذلك نهوا عن الخروج ولم يسيروا مع الخارجين، وكانوا ينصحون الخلفاء والولاة إن وجدوا آذاناً تسمع، وقلوباً تفقه، وفي كلّ حال لا يخرجون ولا يؤيدون خارجه.(1)
وهذا التوجيه من الأُستاذ غريب جدّاً.
أمّا أوّلاً: فلأنّ الخروج على النظام الظالم إذا كان موجباً لحلّ قوّة الأُمّة وفك عراها، يكون الصبر تشويقاً لتماديه في الظلم وإكثار الضغط على الأُمّة وبالنتيجة: تحويل الدين وتحريفه عمّا هو عليه من الحقّ... فأي فائدة تكمن في حفظ قوّة أُمة، انحرفت عن صراطها وتبدّلت سننها وتغيّرت أُصولها، فإنّ الظالم لا يرى لظلمه حدّاً ولتعدّيه ضوابط، فلو رأى أنّ الإسلام بواقعه يضاد آراءه الشخصية وميوله الخبيثة، عمد إلى تغييره وتحويره فليس يقتصر ظلم الظالم على التعدّي على النفوس والأموال، بل الراكب على أعناق الناس

1 . تاريخ المذاهب الإسلامية:2/322.

صفحه 246
يغير كلّ شيء كيفما يريد، وحيثما يرى أنّه لصالح شخصه، والتاريخ شاهدنا الأصدق على ذلك.
وأمّا ثانياً: فإنّ الأُستاذ أبا زهرة نسب إلى التابعين الذين عاشوا في العصر الأموي إلى أكثر من ثلثي زمانه بأنّهم رأوا مظالم كثيرة ومع ذلك نهوا عن الخروج ولم يسيروا مع الخارجين... ولكنّه غفل عن قضية الحرة الدامية حيث كان الخارجون فيها على الحكومة الغاشمة هم الصحابة والتابعين....
وهذا المسعودي صاحب «مروج الذهب» ينقل إلينا لمحة عمّا جرى هناك ويقول:
ولمّا انتهى الجيش من المدينة إلى الموضع المعروف بالحرة وعليهم «مسرف» خرج إلى حربه أهلها، عليهم عبد الله بن مطيع العدوي وعبد الله بن حنظلة الغسيل الأنصاري، وكانت وقعة عظيمة قتل فيها خلق كثير من بني هاشم وسائر قريش والأنصار وغيرهم من سائر الناس، فقد قتل من آل أبي طالب اثنان: عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وجعفر بن محمد بن علي بن أبي طالب; ومن بني هاشم من غير آل أبي طالب: الفضل بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وحمزة بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب والعباس بن عتبة ابن أبي لهب بن عبد المطلب، وبضع وتسعون رجلاً من سائر قريش ومثلهم من الأنصار وأربعة آلاف من سائر الناس ممّن أدركه الإحصاء دون من لم يعرف.(1)
هل نسي أبو زهرة(أو لعلّه تناسى) قضية دير الجماجم حيث قام ابن

1 . مروج الذهب:3/69ـ 70.

صفحه 247
الأشعث التابعي في وجه الحجّاج السفّاك بالموضع المعروف بدير الجماجم فكان بينهم نيف وثمانون وقعة تفانى فيها خلق وذلك في سنّة اثنتين وثمانين.(1)
وعلى كلّ تقدير فقد اقتفى أثر أحمد بن حنبل جماعة من متكلّمي الأشاعرة وغيرهم وادّعوا بأنّ هذه عقيدة إسلامية كان الصحابة والتابعون يدينون بها وأنّه يجب الصبر على الطغاة الظلمة إذا تصدروا منصة الحكم، نعم غاية ما يقولونه هو: إنّه لا تجب إطاعتهم إذا أمروا بالحرام والفساد جاعلين قولهم هذا منعطفهم الوحيد عن قول ابن حنبل وبقية أهل الحديث، وإليك نبذة من أقوال القوم:
1. قال الإمام الشيخ أبو جعفر الطحاوي الحنفي(المتوفّى 321 هـ) في رسالته المسمّاة بـ «بيان السنّة والجماعة» المشهور بـ «العقيدة الطحاوية»: ونرى الصلاة خلف كلّ برّ وفاجر من أهل القبلة، ولا نرى السيف على أحد من أُمّة محمّد إلاّ على من وجب عليه السيف (أي سفك الدم بالنصّ القاطع كالقاتل والزاني المحصن والمرتد) ولا نرى الخروج على أئمّتنا ولا ولاة أمرنا وإن جاروا، ولا ندعو على أحد منهم، ولا ننزع يداً من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعات الله عزّوجلّ فريضة علينا مالم يأمروا بمعصية.(2)
2. قال الإمام الأشعري من جملة ما عليه أهل الحديث و السنّة: ويرون العيد والجمعة والجماعة خلف كلّ إمام برّ وفاجر... إلى أن قال: ويرون

1 . نفس المصدر السابق: 3 / 132.   2 . شرح العقيدة الطحاوية : 110 و 111.

صفحه 248
الدعاء لأئمّة المسلمين بالصلاح، وأن لا يخرجوا عليهم بالسيف، وأن لا يقاتلوا في الفتن.(1)
3. وقال الإمام أبو اليسر محمد بن عبد الكريم البزدوي: الإمام إذا جار أو فسق لا ينعزل عند أصحاب أبي حنيفة بأجمعهم، وهو المذهب المرضي... ثمّ قال: وجه قول عامة أهل السنّة والجماعة إجماع الأُمّة، فإنّهم رأوا الفسّاق أئمّة، فإنّ أكثر الصحابة كانوا يرون بني أُمية وهم بنو مروان أئمّة حتى كانوا يصلون الجمعة والجماعة خلفهم ويرون قضاياهم نافذة، وكذا الصحابة والتابعون، وكذا من بعدهم يرون خلافة بني عباس وأكثرهم فسّاق، ولأنّ القول بانعزال الأئمّة بالفسق، إيقاع الفساد في العالم، وإثبات المنازعات وقتل الأنفس، فإنّه إذا انعزل يجب على الناس تقليد غيره، وفيه فساد كثير، ثمّ قال: إذا فسق الإمام يجب الدعاء له بالتوبة ولا يجوز الخروج عليه، وهذا مروي عن أبي حنيفة، لأنّ الخروج إثارة الفتن والفساد في العالم.(2)
ما استدلّوا به من روايات لإطاعة الجائر   
4. وقال الإمام أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني (المتوفّى عام 403 هـ) في «التمهيد»: إن قال قائل: ما الذي يوجب خلع الإمام عندكم؟ قيل له: يوجب ذلك أُمور: منها: كفر بعد إيمان، ومنها: تركه الصلاة والدعاء إلى ذلك، ومنها: عند كثير من الناس فسقه وظلمه بغصب الأموال وضرب الأبشار وتناول النفوس المحرمةوتضييع الحقوق وتعطيل الحدود، وقال الجمهور من أهل الإثبات وأصحاب الحديث: لا ينخلع بهذه الأُمور ولا

1 . مقالات الإسلاميين: 323.   2 . أُصول الدين: 190 ـ 192 .

صفحه 249
يجب الخروج عليه، بل يجب وعظه وتخويفه وترك طاعته في شيء ممّا يدعو إليه من معاصي الله، إذ احتجوا في ذلك بأخبار كثيرة متضافرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وعن الصحابة في وجوب طاعة الأئمّة وإن جاروا واستأثروا بالأموال وأنّه قال(عليه السلام): واسمعوا وأطيعوا ولو لعبد أجدع، ولو لعبد حبشي، وصلّوا وراء كلّ بر وفاجر. وروي أنّه قال: وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك وأطيعوهم ما أقاموا الصلاة.(1)
5. وقال الشيخ نجم الدين أبوحفص عمر بن محمد النسفي (المتوفّى عام 537 هـ) في العقائد النسفية: ولا ينعزل الإمام بالفسق والجور... ويجوز الصلاة خلف كلّ برّ وفاجر.
وعلّله الشارح التفتازاني بقوله: لأنّه قد ظهر الفسق واشتهر الجور من الأئمّة والأُمراء بعد الخلفاء الراشدين، والسلف كانوا ينقادون لهم، ويقيمون الجمع والأعياد بإذنهم، ولا يرون الخروج عليهم.(2)

ما استدلّوا به من روايات لإطاعة الجائر

وقد أيّدت تلك العقائد بروايات ربما يتصوّر القارئ أنّ لها نصيباً من الحقّ أو حظاً من الصدق، لكنّ الحقّ أنّ أكثرها مفتعلة على لسان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قد أفرغها في قالب الحديث جمع من وعاظ السلاطين ومرتزقتهم تحفّظاً على عروشهم وحفظاً لمناصبهم، وإليك بعض تلك الروايات التي رواها مسلم في صحيحه:

1 . التمهيد : 186.   2 . شرح العقائد النسفية : 185 و 186.

صفحه 250
1. روى مسلم، عن حذيفة بن اليمان، قلت: يا رسول الله... إلى أن قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يكون بعدي أئمّة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنّتي، وسيقوم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس، قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع.
2. وروي عن أبي هريرة، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: من خرج من الطاعة وفارق الجماعة مات ميتة الجاهلية... إلى أن قال: ومن خرج على أُمّتي يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده، فليس منّي ولست منه.
3. روي عن ابن عباس أنّه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): مَن رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر، فإنّه من فارق الجماعة شبراً فمات، فميتته جاهلية.
4. روي عنه أيضاً، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: من رأى من أميره شيئاً فليصبر، فإنّه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبراً فمات عليه إلاّ مات ميتة جاهلية.
5. روي عن عبد الله بن عمر، أنّه جاء إلى عبد الله بن مطيع حين كان من أمر الحرة ما كان زمن يزيد بن معاوية فقال: أخرجوا لأبي عبد الرحمن وسادة، فقال: إنّي لم آتك لأجلس، أتيتك لأُحدّثك حديثاً سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يقوله: من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية.
وقد فسر ابن عمر قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بلزوم بيعة يزيد وإطاعته حتى في مسألة الحرة.

صفحه 251
6. روي عن أُمّ سلمة، أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «ستكون أُمراء فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ و من أنكر سلم ولكن من رضي وتابع». قالوا يا رسول الله: ألا نقاتلهم؟ قال: «لا ما صلّوا».
7. روي عن عوف بن مالك في حديث: قيل يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئاً تكرهونه فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يداً من طاعته.(1)
وقد أورد ابن الأثير الجزري قسماً من هذه الأحاديث في «جامع الأُصول».(2)
8. روى البيهقي في سننه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): سيكون بعدي خلفاء يعملون بما يعلمون،ويفعلون بما يؤمرون، وسيكون بعدهم خلفاء يعملون بما لا يعلمون ويفعلون مالا يؤمرون، فمن أنكر عليهم برئ ومن أمسك يده سلم ولكن من رضي وتابع.(3)
9. وروى ابن عبد ربه، عن عبد الله بن عمر: إذا كان الإمام عادلاً فله الأجر وعليك الشكر، وإذا كان الإمام جائراً فعليه الوزر وعليك الصبر.(4)
10. وهذه الأحاديث تهدف إلى قول أحمد بن حنبل فقد عرفت ما في إحدى رسائله وهذا نصّه: السمع والطاعة للأئمّة وأمير المؤمنين البر والفاجر ومن ولي الخلافة فاجتمع عليه الناس ورضوا به ومن غلبهم

1 . صحيح مسلم: 6/20ـ 24، باب الأمر بلزوم الجماعة، وباب حكم من فارق أمر المسلمين.
2 . لاحظ جامع الأُصول:4، الكتاب الرابع في الخلافة والأمارة، الفصل الخامس ص 451 .
3 . السنن الكبرى: 8 / 158.   4 . العقد الفريد: 1 / 8.

صفحه 252
بالسيف وسمّي أمير المؤمنين، والغزو ماض مع الأُمراء إلى يوم القيامة.(1)
عرض أحاديث إطاعة الجائر على القرآن   

عرض أحاديث إطاعة الجائر على القرآن

وقبل كلّ شيء يجب علينا أن نعرض تلك الروايات على كتاب الله سبحانه فإنّه المحك الأوّل لتشخيص الحديث الصحيح من السقيم.
قال سبحانه حاكياً عن العصاة والكفّار:(يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنا اللهَ وَأَطَعنا الرَّسُولا * و قالُوا رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سَادَتَنا وَكُبَرَاءَنا فَأَضَلُّونا السَّبِيلا * رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَينِ مِنَ العَذابِ وَالعَنْهُمْ
لَعْناً كَبيراً
).(2)
فهذا القسم من الآيات يندّد بقول من يرى وجوب طاعة السلطان الظالم التي توجب ضلالة المطيع له عن السبيل السوي، وثمة آيات تندّد بعمل من يصبر على عمل الطاغية من دون أن يأمره بالمعروف أو ينهاه عن المنكر، وترى نفس السكوت والصبر على طغيان الطاغية جرماً وإثماً موجباً للهلاك، وهذه الآيات هي الواردة حول قوم بني إسرائيل الذين كانوا يعيشون قرب ساحل من سواحل البحر فتقسّمهم إلى أصناف ثلاثة:
الأوّل: الجماعة المعتدية العادية التي رفضت حكم الله سبحانه حيث حرم عليهم صيد البحر يوم السبت، قال سبحانه: (إِذْ يعدون في السّبت إِذ تَأْتيهِمْ حيتانُهُمْ يَوْم سَبْتِهِمْ شُرّعاً وَيَومَ لا يَسْبِتُون لا تَأْتيهِمْ...).(3)

1 . تاريخ المذاهب الإسلامية: 2 / 322.         2 . الأحزاب: 66 ـ 68.   3 . الأعراف: 163.

صفحه 253
الثاني: الجماعة الساكتة التي أهمّتهم أنفسهم لا يرتكبون ماحرم الله وفي الوقت نفسه لا ينهون الجماعة العادية عن عدوانها، بل كانوا يعترضون على الجماعة الثالثة التي كانت تقوم بواجبها الديني من إرشاد الجاهل والقيام في وجه العاصي والطاغي، بقولهم: (لِمَ تَعِظُونَ قَوماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أو مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً).(1)
الثالث: الجماعة الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر معتبرين ذلك وظيفة دينية عريقةونصيحة لازمة للإخوان، وقد حكى الله سبحانه عن لسانهم في محكم كتابه العزيز حيث قال: (مَعْذِرةً إِلى ربِّكُمْ ولَعَلَّهُمْ يَتَّقُون) .(2)
نرى أنّ الله سبحانه أباد الطائفتين الأوّليين وأنجى الثالثة. قال سبحانه: (فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخذْنا الّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذاب بَئيس بِما كانُوا يَفْسُقُون) .(2)
فالآية الأخيرة صريحة في حصر النجاة في الناهين عن السوء فقط وهلاك العادين والساكتين عن عدوانهم، فلو كان السكوت والصبر على عدوان العادين أمراً جائزاً لماذا عمّ العذاب كلتا الطائفتين؟ أو ما كان في وسع هؤلاء أن يعتذروا للقائمين بالأمر بالمعروف، بأنّ في القيام والخروج وحتى في النصيحة بالقول، تضعيفاً لقوة الأُمّة وفكّاً لعراها؟
فلو دلّت الآية الأُولى على حرمة طاعة الظالم في الحرام، ودلّت الآية

1 . الأعراف: 164.   2 . الأعراف: 164.
2 . الأعراف:165.

صفحه 254
الثانية على حرمة السكوت في مقابل طغيان العادين، فهناك آية ثالثة تدلّ على حرمة الركون إلى الظالم يقول سبحانه: (وَلا تَركَنُوا إِلى الَّذينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّار).(1)
أو ليس تأييد الحاكم الجائر والدعاء له في الجمعة والجماعات وإقامة الصلاة بأمره، وإدارة كلّ شأن خوّل منه إليه، يعد ركوناً إلى الظالم؟! فما هو جواب هؤلاء المرتزقة في ما يسمّى بالدول الإسلامية الذين يعترفون بجور حكامهم وانحرافهم عن الصراط السوي، ومع ذلك يدعون لهم عقب خطب الجمعات بطول العمر ودوام السلامة ويديرون الشؤون الدينية حسب الخطط التي يرسمها ويصوّرها لهم أُولئك الحكام، الذين يعدهم هؤلاء المرتزقة محاور ومراكز، ويعدّون أنفسهم أقماراً تدور في أفلاكها، اللّهمّ إلاّ أن يعتذر هؤلاء بعدم التمكّن ممّا يجب عليهم من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر على مراتبها المختلفة، ولكنّه عذر لا يقبل في كثير من الأحيان، وعلى ذلك الأساس فما قيمة تلك الروايات المعارضة لنصوص الكتاب وصريح الذكر الحكيم؟!
أحاديث معارضة لأحاديث طاعة الجائر   

أحاديث معارضة لأحاديث طاعة الجائر

إنّ هناك روايات تنفي صحّة الروايات السابقة وتجعلها في مدحرة البطلان، وقد نقلها أصحاب الصحاح والسنن أيضاً وعند المعارضة يؤخذ من السنّة الشريفة ما يوافق كتاب الله الحكيم. وإليك نزراً من تلك الروايات:

1 . هود:113.

صفحه 255
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «اسمعوا: سيكون بعدي أمراء، فمن دخل عليهم فصدّقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس منّي ولست منه، وليس بوارد علي الحوض».(1)
هذا بعض ما لدى السنّة من الروايات، و أمّا ما لدى الشيعة فنأتي ببعضها:
1. عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «ألا ومن علق سوطاً بين يدي سلطان، جعل الله ذلك السوط يوم القيامة ثعباناً من النار طوله سبعون ذراعاً يسلّطه الله عليه في نار جهنم وبئس المصير».
2. وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين أعوان الظلمة، ومن لاق لهم دواة أو ربط لهم كيساً، أو مد لهم مدة قلم، فاحشروهم معهم».
3. وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «من خفّ لسلطان جائر في حاجة كان قرينه في النار».
4. وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما اقترب عبد من سلطان جائر إلاّ تباعد من الله».
5. وعن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) أنّه قال: «من أحبّ بقاء الظالمين، فقد أحبّ أن يعصى الله».
6. و عنه (عليه السلام)أنّه قال: «من سوّد اسمه في ديوان الجبّارين حشره الله يوم القيامة حيراناً».

1 . جامع الأُصول: 4 / 75 نقلاً عن الترمذي والنسائي.

صفحه 256
7. وعنه (عليه السلام) أنّه قال: «من مشى إلى ظالم ليعينه وهو يعلم أنّه ظالم، فقد خرج عن الإسلام».
8 . وعن الإمام الصادق جعفر بن محمد(عليهما السلام) أنّه قال: «ما أحبّ أنّي عقدت لهم عقدة، أو وكيت لهم وكاء وأنّ لي ما بين لابتيها، لا، ولا مدة بقلم، إنّ أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتى يفرغ الله من الحساب».(1)
وغيرها من عشرات الأحاديث والروايات الواردة من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأهل بيته المعصومين (عليهم السلام) الناهية عن السكوت على الحاكم الجائر، والحاثّة على زجره ودفعه، والإنكار عليه بكلّ الوسائل الممكنة، فهذه الأحاديث تدلّ على أنّ ما مرّ من الروايات الحاثّة على السكوت عن الحاكم الظالم، والانصياع لحكمه والتسليم لظلمه، والرضا بجوره، جميعها ممّا لفّقه رواة السوء والجور بإيعاز من السلطات الحاكمة في تلك العصور المظلمة، فنسبوه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو ـ روحي فداه ـ منها براء لمعارضتها الصريحة لمبادئ الكتاب والسنّة الصحيحة.
ولو لم يكن في المقام إلاّ قول علي (عليه السلام) في خطبته: «... وما أخذ الله على العلماء أن لا يقارّوا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم... » (2) لكفى في وهن تلك الروايات المفتعلة على لسان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
صراع بين العقيدة والوجدان   
***

1 . راجع لمعرفة هذه الأحاديث وسائل الشيعة:12، الباب 42 من أبواب ما يكتسب به، الأحاديث 6، 10، 11، 12، 14، 15و الباب 44 الحديث 5و 6.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 3.

صفحه 257
وفي ختام الكلام نلفت نظر القارئ الكريم إلى ما قاله الإمام أبو الشهداء الحسين بن علي(عليهما السلام)لأهل الكوفة حيث خطب أصحابه وأصحاب الحرّ(قائد جيش عبيد الله بن زياد آنذاك) فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: «أيّها الناس إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: من رأى سلطاناً جائراً، مستحلاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغير عليه بفعل ولا قول، كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله، ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله وحرّموا حلاله، وأنا أحقّ من غيّر».(1)
وهذه النصوص الرائعة المؤيّدة بالكتاب والسنّة وسيرة السلف الصالح من الصحابة والتابعين الذين قاموا في وجه الطغاة من بني أُمّية وبني العباس، تشهد بأنّ ما نسب إلى الصحابة والتابعين من الاستسلام والسكوت على ظلم الظالمين لكون ذلك من عقيدتهم الإسلامية ما هو إلاّ بعض مفتعلات أصحاب العروش وقد وضعها وعّاظهم ومرتزقتهم، وإلاّفالطيّبون من الصحابة والتابعين بريئون من هذه النسبة.

صراع بين العقيدة والوجدان

نرى أنّ بعض الشباب المسلم في البلاد الإسلامية، قد انخرطوا في الأحزاب السياسية، ورفضوا الدين من أساسه، ولعلّ بعض السبب هو أنّهم

1 . تاريخ الطبري: 4/304، حوادث سنة 61 هـ .

صفحه 258
وجدوا في أنفسهم صراعاً بين العقيدة والوجدان. فمن جانب، توحي إليهم فطرتهم وعقيدتهم الإنسانية السليمة، أنّه تجب مكافحة الظالمين، والخروج عليهم، ونصرة المظلومين وانتزاع حقوقهم من أيدي الظالمين; ومن جانب آخر يسمعون من علماء الدين أو المتزيين بلباسهم، أنّه لا يجوز الخروج على السلطان، بل تجب طاعته وإن أمر بالظلم والعدوان. فحينئذ يقع الشاب في حيرة من أمره بين اتّباع الفطرة والعقل السليم، واتّباع كلام هؤلاء العلماء الذين ينطقون باسم الدين خصوصاً إذا كان المتكلّم رجلاً يكنّ له المجتمع الاحترام والإكبار، ويعرفه التاريخ بالخطيب الزاهد، كالحسن البصري فإنّه عندما سئل عن مقاتلة الحجاج ـ ذلك السيف المشهر على الأُمّة والإسلام ـ فأجاب: أرى أن لا تقاتلوه، فإنّه إن يكن عقوبة من الله، فما أنتم برادّيها، وإن يكن بلاءً فاصبروا حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين. فخرج السائلون من عنده وهم يقولون مستنكرين ما سمعوا منه: أنطيع هذا العلج. ثمّ خرجوا مع ابن الأشعث إلى قتال الحجاج.(1)
فإذا سمع الشاب الثوري هذه الكلمة من عميد الدين وخطيبه ـ كما يقال ـ عاد يصف جميع رجال الدين بما وصف به الحسن البصري، وبالتالي يخرج من الدين ويتركه، ويصف الدين سناداً للظالم وملجأ له.
وفي الختام نوجه نظر الأعلام من السنّة إلى خطورة الموقف في هذه الأيّام، وأنّ أعداء الإسلام لبالمرصاد يصطادون الشباب بسهام الدعاية

1 . الطبقات الكبرى لابن سعد:7/164.

صفحه 259
الكاذبة، ويعرّفون الإسلام بأنّه سند الظالمين وركن الجائرين بحجة أنّه ينهى عن الخروج على السلطان الجائر.
والمسلم غير العارف بالدين وما أُلصق به، لا يميّز بين الحقيقة الناصعة وبين ما أُلبس عليها من ثوب رديء قاتم.
وليس هذا أوّل ولا آخر مورد يجد الشاب الثوري صراعاً في نفسه بين العقلية الإنسانية والدعاية الكاذبة عن الإسلام، فيختار وحي الفطرة ويصبح ثائراً على القوى الطاغية، ويظن أنّه ترك الإسلام بظن أنّ المتروك هو الدين الحقيقي الذي أنزله الله تعالى على النبي محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، و هذه الجريمة متوجهة بالدرجة الأُولى إلى هذا النمط من العلماء.
فواجب علماء الدين أن يرجعوا إلى المصادر الإسلامية الصحيحة في تشخيص ما هو من صميم الدين عمّا أُلصق به، ولا يقتنعوا بما كتب باسم الدين عن السلف الصالح، وليس كلّ ما نسب إلى السلف الصالح، أو قالوا به من صميم الدين، كما أنّه ليس كلّ سلف صالحاً، بل هم بين صالح وطالح، وسعيد وشقي، وعالم وجاهل، وليس كلّ سلف أفضل وأتقى وأعلم من كلّ خلف، فليذكروا المثل السائر: «كم ترك الأوّل للآخر»، فليدرسوا الأُصول المسلّمة من رأس، نعم لا أنكر أنّ هناك أُناساً واقفين على الحقيقة ولكنّهم يكتمونها، لأنّ مصالحهم الشخصية لا تقتضي إظهارها، وقد نزل فيهم قوله سبحانه: (إِنَّ الّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ وَ الهُدَى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ

صفحه 260
لِلنّاسِ فِي الكِتابِ أُولئكَ يَلْعَنُهُمُ اللّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُون) (1)، كما أنّ بينهم شخصيات لامعة جاهروا بالحقيقة وأصحروا بها واشتروا رضا الرب بأثمان غالية وتضحيات ثمينة.
فهذا إمام الحرمين يقول: إن الإمام إذاجار وظهر ظلمه وغشمه ولم يرعو لزاجر عن سوء صنيعه، فلأهل الحل والعقد، التواطؤ على ردعه، ولو بشهر السلاح ونصب الحروب.(2)
في الختام نعطف نظر القارئ الكريم إلى قوله سبحانه عندما يأمر المؤمنات بالبيعة مع النبي ويقول:(ولا يَعْصينَك فِي مَعْرُوف) (3)، فيقيد إطاعة النبي وحرمة مخالفته بما إذا أمر بالمعروف، ومن المعلوم أنّ النبي الأكرم معصوم لا يأمر بالمنكر أبداً وإنّما هو لتعليم غيره، فهل يجوز لمسلم أن يقول بوجوب طاعة السلطان الجائر إذا أمر بالجور والمنكر؟!
***
(وَقالُوا رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونا السَّبِيلا* رَبّنا آتِهِمْ ضِعْفَينِ مِنَ الْعَذابِ والعَنْهُمْ لَعْناً كَبيراً) .(4)

1 . البقرة:159.
2 . شرح المقاصد:2/272.
3 . الممتحنة:12.
4 . الأحزاب: 67 ـ 68.

صفحه 261
   

2

عدالة الصحابة بين العاطفة والبرهان

لقد احتدم النزاع منذ عصر مبكّر حول الصحبة والصحابة، أعني: الذين التفّوا حول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وخاضوا معه المعارك والمغازي، ورفعوا رايةَ الإسلام خفّاقة في أحلك الظروف، وأشد المواقف، وجاهدوا بين يديه بأنفسهم ونفيسهم حتّى نشروا الإسلام في ربوع الأرض.
ولا شكّ في أنّ هذا يثير مشاعر كلّ مسلم واع يعتزّ بدينه وشريعته ورسوله وقرآنه، ويشدّه إلى حبّهم وودّهم حتّى صار حب الصحابة من مظاهر حب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقد اشتهر بأنّ من أحب شيئاً أحبّ آثاره ولوازمه، فمن أحب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد أحب المتعلّمين على يديه والمجاهدين دونه.
هذا ممّا لا سترة ولا خلاف فيه، إنّما الكلام في أنّ مجرّد صحبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)سواء أكانت قصيرة الأمد أم طويلته، هل تجعل الصحابي إنساناً مثالياً بعيداً عن المعاصي، صغيرها وكبيرها، جليلها وحقيرها طول عمره؟!
أو انّ صحبة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) تؤثر في سلوك الصحابي وأخلاقياته، وأنّ كلّ من صحبه يستضيء بنوره وبيانه حسب قابلياته واستعداداته؟!

صفحه 262
ولأجل ذلك ظهر هنا اتجاهان:
أحدهما: عدالة الصحابة برُمّتهم استغراقاً في حبهم ونزولاً عند حكم العاطفة لصاحب الشريعة وأنصاره، وهو خيرة جمهور أهل السنّة.(1)
ثانيهما: انّ صحبة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) تؤثر في سلوك الصحابي وأخلاقياته حسب قابلياته، فمنهم من بلغ قمة الكمال حتّى أصبح يُستدرّ به الغمام، ومنهم من لم يبلغ هذا الشأو ولكن استضاء بنور النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وحسنت صحبته وسلمت سريرته، ومنهم من لم ينل إلاّ حظاً قليلاً، وما هذا إلاّ لتفريطه وتقصيره.
والنظرية الثانية هي خيرة الشيعة الإمامية ولفيف من غيرهم.
فالغاية من هذا البحث هو القضاء بين هذين الاتجاهين على ضوء القرآن الكريم والسنّة الشريفة والتاريخ الصحيح والعقل الحصيف بأُسلوب موضوعي بعيد عن التعصّب والعاطفة.
ويأتي ما هو المقصود ضمن أُمور:

1 . راجع مقالات الإسلاميّين: 1 / 323 ; كتاب السنّة: 49 .

صفحه 263

الأمر الأوّل

مَن هو الصحابي؟

اختلفت كلمة جمهور أهل السنّة في تعريف الصحابي مع اتّفاقهم على عدالته، فاتّفقوا على حكم(عدالة الصحابي) لم يُحدَّد موضوعه سعة وضيقاً عندهم. وإليك نصوصهم في هذا الشأن:
1. قال سعيد بن المسيب: الصحابي، ولا نعدّه إلاّ من أقام مع رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) سنة أو سنتين وغزا معه غزوة أو غزوتين.
2. قال الواقدي: رأينا أهل العلم يقولون: كلّ مَن رأى رسول اللّه وقد أدرك فأسلم وعقل أمر الدين ورضيه فهو عندنا ممّن صحب رسول اللّه، ولو ساعة من نهار، ولكن أصحابه على طبقاتهم وتقدّمهم في الإسلام.
3. قال أحمد بن حنبل: أصحاب رسول اللّه كلّ من صحبه شهراً أو يوماً أو ساعة أو رآه.
4. قال البخاري: مَن صحب رسول اللّه أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه.
5. وقال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب: لا خلاف بين أهل اللغة في

صفحه 264
أنّ الصحابي مشتق من الصحبة، قليلاً كان أو كثيراً، ثمّ قال: ومع هذا فقد تقرر للأُمّة عرف، فإنّهم لا يستعملون هذه التسمية إلاّ فيمن كثرت صحبته، و لا يجيزون ذلك إلاّ فيمن كثرت صحبته لا على مَن لقيه ساعة أو مشى معه خطى، أو سمع منه حديثاً، فوجب ذلك أن لا يجري هذا الاسم على من هذه حاله، ومع هذا فإنّ خبر الثقة الأمين عنه مقبول و معمول به وإن لم تطل صحبته ولا سمع عنه إلاّ حديثاً واحداً.
6. وقال صاحب الغوالي: لا يطلق اسم الصحبة إلاّ على مَن صحبه ثمّ يكفي في الاسم من حيث الوضع، الصحبةُ ولو ساعة، ولكن العرف يخصُّصه بمن كثرت صحبته.
قال الجزري بعد ذكر هذه النقول، قلت: وأصحاب رسول اللّه على ما شرطوه كثيرون، فإنّ رسول اللّه شهد حنيناً ومعه اثنا عشر ألف سوى الأتباع والنساء، وجاء إليه«هوازن» مسلمين فاستنقذوا حريمهم وأولادهم، وترك مكة مملوءة ناساً وكذلك المدينة أيضاً، وكلّ من اجتاز به من قبائل العرب كانوا مسلمين فهؤلاء كلّهم لهم صحبة، وقد شهد معه تبوك من الخلق الكثير ما لا يحصيهم ديوان، وكذلك حجة الوداع، وكلّهم له صحبة.(1)
إنّ التوسع في مفهوم الصحابي على الوجه الذي عرفته في كلماتهم ممّا لا تساعد عليه اللغة والعرف العام، فإنّ صحابة الرجل عبارة عن جماعة تكون لهم خلطةومعاشرة معه مدّة مديدة، فلا تصدق على من ليس له حظ

1 . أُسد الغابة: 1 / 11 ـ 12 ، طبع مصر.

صفحه 265
إلاّ الرؤية من بعيد، أو سماع الكلام أو المكالمة أو المحادثة فترة يسيرة، أو الإقامة معه زمناً قليلاً.
وأعجب منه كما تقدّم انّهم اتّفقوا على عدالة كلّ صحابي مع أنّهم اختلفوا في مفهوم الصحابي اختلافاً واسعاً، ومن الواضح انّ اتّفاقهم على العدالة رهن اتّفاقهم على تعريف محدد وجامع لمفهوم الصحابي.

صفحه 266

الأمر الثاني

الصحبة وملاكات الاختلاف

لا شكّ أنّ للصحبة تأثيراً في النفوس من غير فرق بين كون المصاحَب مصاحَب سوء أو غيره، فلذلك نرى أنّ المجرم يوم القيامة يتمنّى عدم اتخاذ فلان صديقاً، يقول سبحانه حاكياً عنه: (يا وَيْلَتى لَيْتَني لَمْ أَتّخذ فُلاناً خَليلاً)(1) ، ويقول أيضاً حاكياً عن الخلّة والصحبة: (الأَخلاّءُ يَومئِذ بَعْضُهُمْ لِبَعْض عَدوٌّ إِلاّ الْمُتَّقين)(2) ، فإذا كان لصحبة السوء تأثير في تكوين شخصية الإنسان، فلصحبة الأخيار تأثير في النفوس القابلة المستعدة، فربما ترفعه إلى منزلة عالية، وهذا شيء يلمسه كلّ إنسان في واقعه العملي.
لا شكّ انّ لصحبة الأخيار أثراً تربوياً، ولكن مدى تأثيرها يختلف حسب اختلاف عناصر ثلاثة، هي:
1. السن.
2. الاستعداد.

1 . الفرقان: 28.
2 . الزخرف: 67 .

صفحه 267
3. مقدار الصحبة.
أمّا الأوّل فلا شكّ أنّ الإنسان الواقع في إطار التربية إذا كان إنساناً يافعاً أو شاباً في عنفوان السن يكون قلبه وروحه كالأرض الخالية تنبت ما أُلقي فيها، فربما تُكوّن الصحبةُ شخصية كاملة تعدّ مثلاً للفضل والفضيلة، وهذا بخلاف ما إذا كان طاعناً في السن، واكتملت شخصيّته الروحية والفكرية، فانّ النفوذ في النفوس المكتملة الشخصية والتأثير عليها والثورة على أفكارها وروحياتها واتجاهاتها أمر صعب، فيكون تأثير الصحبة أقل بمراتب من الطائفة الأُولى.
وأمّا الثاني ـ أعني: الاختلاف في الاستعداد ـ فهو أمر لا يحتاج إلى البيان، فكما أنّ البشر يختلفون في تقبّل العلم، فهكذا هم يختلفون في مقدار قبول الهداية الإلهية، ولهذا نرى أنّ من تخرّجوا عن مدرسة الرسول يختلفون إيماناً وإيثاراً وأخلاقاً و سلوكاً .
وأمّا الثالث ـ أي مقدار الصحبة ـ فقد كانوا مختلفين فيه، فبعضهم صحب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من بدء البعثة إلى لحظة الرحلة، وبعضهم أسلم بعد البعثة وقبل الهجرة، وكثير منهم أسلموا بعد الهجرة وربما أدركوا من الصحبة سنة أو شهراً أو أيّاماً أو ساعة فهل يصحّ أن نقول: إنّ صحبة ما، قلعت ما في نفوسهم جميعاً من جذور غير صالحة وملكات ردية، وكوّنت منهم شخصيات ممتازة أعلى وأجل من أن يقعوا في إطار التعديل والجرح.
وهذه العوامل تؤيد الاتجاه الثاني القائل بأنّ تأثير الصحبة في صحابة

صفحه 268
الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن على نحو يجعل الجميع على حدّ سواء من الإيمان والفضل والتقوى والإيثار والزهد والخير، ومادامت هذه الاختلافات سائدة عليهم فمن البعيد أن نجعلهم على غرار واحد ونزن الكل بصاع معيّن، ونحكم على الكلّ بصفاء النفس، والتجافي عن زخارف الدنيا .
إنّ صحبة الصحابة لم تكن أشدّ ولا أقوى ولا أطول من صحبة امرأة نوح وامرأة لوط، فقد صحبتا زوجيهما الكريمين، ولبثتا معهما ليلاً ونهاراً ولكن هذه الصحبة ـ للأسف ـ ما أغنت عنهما من اللّه شيئاً، قال سبحانه:(ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً لِلّذِينَ كَفَرُوا امرأةَ نُوح وَامرأةَ لُوط كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنيا عَنْهُما مِنَ اللّهِ شَيئاً وَقِيلَ ادْخُلا النّار مَعَ الدّاخِلين).(1)
إنّ التشرّف بصحبة النبي لم يكن أكثر امتيازاً وتأثيراً من التشرّف بزوجية النبي، وقد قال سبحانه في شأنها : (يا نِساءَ النَّبيّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَة مُبَيّنة يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَين وَكانَ ذلِكَ عَلى اللّهِ يَسيراً).(2)
وأنت ترى الكتاب العزيز يندّد بنساء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لأجل كشف سره ويعاتبهنّ في ذلك.
يقول سبحانه: (وَإِذ أسرّ النبيّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حديثاً فَلَما نَبّأت بِهِ

1 . التحريم: 10.
2 . الأحزاب: 30.

صفحه 269
وَأَظهرهُ اللّه عَليهِ عَرّف بعضه وَأعرض عَنْ بَعض فَلَما نبّأها به قالَتْ مَنْ أنْبأك هذا قال نبّأني العَليمُ الخبيرُ * إِنْ تَتُوبا إِلى اللّه فقَدْ صَغَتْ قُلُوبكُما وَإِن تَظاهرا عليه فَإِنّ اللّه هُوَ مَولاهُ وَجِبريلُ وَصالحُ المُؤْمنين والْمَلائكةُ بَعْد ذلك ظهير * عسى ربُّهُ إِنْ طلَّقكنَّ أن يُبْدله أزواجاً خيراً منكنّ مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكاراً).(1)
فأي عتاب أشدّ من قوله سبحانه: (ان تَتُوبا إلى اللّه فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبكما)أي مالت قلوبكما عن الحقّ، كما أنّ قوله: (وإِنْ تَظاهرا عليه)يعرب عن وجود أرضية فيهن للتظاهر ضدّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وخلافه، وهو سبحانه أخبر عن إخقاق أُمنيتهنّ، لأنّ اللّه ناصر النبي وجبرئيل وصالح المؤمنين والملائكة.
كلّ ذلك ينبئ عن أنّ الصحبة ليست علّة تامة لتحويل المصاحب إلى إنسان عادل صالح خائف من اللّه، ناء عن اقتراف السيّئات حقيرة كانت أو كبيرة، بل هي مقتضية لصلاح الإنسان إذا كان فيه قابلية للاستضاءة، وعزم للاستفاضة.
ومعنى هذا انّ للصحبة تأثيراً متفاوتاً وليست على وتيرة واحدة.

1 . التحريم: 3 ـ 5.

صفحه 270

الأمر الثالث

الصحبة ونفي البعد الإعجازي لها

إنّ دعوة الأنبياء ـ لاسيّما دعوة رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ ابتنيت على أُسس رائجة في ميادين الدعوة، فكانوا يدعون بالقول والعمل والتبشير والتنذير، ومثل هذا النوع من الدعوة يؤثر في طائفة دون طائفة ، كما أنّه عند التأثير يختلف تأثيره عند من يلبّي دعوته، ولم تكن دعوته دعوة إعجازية خارجة عن قوانين الطبيعة، فالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يقم بتربية الناس وتعليمهم عن طريق الإعجاز، بل قام بإرشاد الناس ودعوتهم إلى الحق مستعيناً بالأساليب التربوية المتاحة والإمكانيات المتوفرة، والدعوة القائمة على هذا الأساس يختلف أثرها في النفوس حسب اختلاف استعدادها وقابلياتها ، ولم يكن تأثير الصحبة في تكوين الشخصية الإسلامية كمادة كيمياوية تستعمل في تحويل عنصر كالنحاس إلى عنصر آخر كالذهب حتّى تصنع الصحبةُ الجيلَ الكبير الذي يناهز مائة ألف، أُمّة عادلة مثالية تكون قدوة وأُسوة للأجيال المستقبلة، فإنّ هذا ممّا لا يقبله العقل السليم.
فبالنظر إلى ما ذكرنا نخرج بالنتيجة التالية:
إنّ الأُصول التربوية تقضي بأنّ بعض الصحابة يمكن أن يصل في قوة

صفحه 271
الإيمان و رسوخ العقيدة إلى درجات عالية، كما يمكن أن يصل بعضهم في الكمال والفضيلة إلى درجات متوسطة، ومن الممكن أن لا يتأثر بعضهم بالصحبة وسائر العوامل المؤثرة إلاّ شيئاً طفيفاً لايجعله في صفوف العدول وزمرة الصالحين.
ويقول بعض المعاصرين تحت عنوان: «هل للصحابي خصوصية مسألة العدالة»:
وأرى أنّ أوّل الخلل يكون عندما نتعامل مع الصحابة وكأنّهم جنس آخر غير البشر، والقرآن الكريم والسنّة المطهرة لا يوجد فيها أبداً هذا التفريق بين الصحابة وغيرهم إلاّ ميزة الفضل للمهاجرين والأنصار الذين كانت لهم ميزة الجهاد والإنفاق أيّام ضعف الإسلام وذلّة أهله، أمّا بقية الأُمور كطروء النسيان والوهم والخطأ وارتكاب بعض الكبائر، فهذه وجدت وحصل من بعض السابقين ومن كثير من اللاحقين.
ولم أجد دليلاً مقنعاً صحيحاً صريحاً يفرق بين شروط العدالة بين جيل وآخر، لا استثني من ذلك صحابة ولا تابعين.(1)
وما ذكرناه هو نتيجة التحليل على ضوء الأُصول النفسية والتربوية غير أنّ البحث لا يكتمل ولا يصحّ القضاء الباتّ إلاّ بالرجوع إلى القرآن الكريم حتّى نقف على نظره فيهم، كما تجب علينا النظرة العابرة إلى كلمات الرسول في حقّهم، ثمّ ملاحظة سلوكهم في زمنه(صلى الله عليه وآله وسلم) وبعده. وسيوافيك بيانه في الفصول المستقبلة.

1 . الصحبة والصحابة: 217 ـ 218.

صفحه 272

الأمر الرابع

الصحابة أبصر بحالهم من غيرهم

إنّ من سبر تاريخ الصحابة بعد رحيل رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ، يجد فيه صفحات مليئة بألوان الصراع والنزاع بينهم، حافلة بتبادل التّهم والشتائم، بل تجاوز الأمر بهم إلى التقاتل وسفك الدماء، فكم من بدري وأُحدي انتُهكت حرمته، وصُبّ عليه العذاب صبّاً، أو أُريق دمه بيد صحابي آخر.
وهذا ممّا لا يختلف فيه اثنان، بيد أنّ الذي ينبغي التنبيه عليه، هو أنّ كلاً من المتصارعين ، كان يعتقد أنّ خصمه متنكّبٌ عن جادة الصواب، وأنّه مستحقّ للعقاب أو القتل، وهذا الاعتقاد، حتّى وإن كان نابعاً عن اجتهاد، فإنّه يكشف عن أنّ كلاً من الفئتين المختلفتين لم تكن تعتقد بعدالة الفئة الأُخرى.
فإذا كان الصحابي يعتقد أنّ خصمه عادل عن الحق ومجانب لشريعة اللّه ورسوله، وهو على أساس ذلك يبيح سلّ السيف عليه وقتله، فكيف يجوز لنا نحن أن نحكم بعدالتهم ونزاهتهم جميعاً، وأن نضفي عليهم ثوب القدسيّة على حدّ سواء؟! ونُبرّأهم من كل زيغ وانحراف؟
أو ليس الإنسان أعرف بحاله وأبصر بروحيّاته؟

صفحه 273
أو ليس الصحابة أعرف منّا بنوازع أنفسهم، وبنفسيات أبناء جيلهم؟
هذا وراء ما دار بينهم من كلمات تكشف عن اعتقاد بعضهم في
حق بعض، فالاتّهام بالكذب والنفاق والشتم والسب كان من أيسر
الأُمور المتداولة بينهم، فهذا هو سعد بن عبادة سيّد الخزرج، يخاطب سعد بن معاذ، وهو سيد الأوس وينسبه إلى الكذب كما حكاه البخاري في صحيحه عن عائشة أنّها قالت: فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج فقال لسعد ]بن معاذ [كذبت لعمر الله... فقام أُسيد بن حضير وهو ابن عم سعد] بن معاذ[ فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر اللّه لنقتلنّه فإنّك منافق تجادل عن المنافقين، فتثاور الحيّان حتّى همّوا أن يقتتلوا ورسول اللّه قائم على المنبر، فلم يزل رسول اللّه يخفِّضهم حتّى سكتوا وسكت.(1)
وليست هذه القضية فريدة في بابها فلها عشرات النظائر في الصحاح والمسانيد وفي غضون التاريخ. وإنّما ذكرته ليكون كنموذج لما لم أذكر، وسيوافيك في الفصول التالية نماذج من أفعالهم وأقوالهم التي يكشف عن اعتقادهم في حقّ مخالفيهم.
أو ليس من العجب العجاب، انّ الصحابي يصف صحابياً آخر ـ في محضر النبي ـ بالكذب، والآخر يصف خصمه بالنفاق، وكلا الرجلين من جبهة الأنصار وسنامهم؟! ولكن الذين جاءوا بعدهم يصفونهم بالعدل والتقوى، والزهد والتجافي عن الدنيا، وهل سمعت ظئراً أرحم بالطفل من أُمّه.(2)

1 . صحيح البخاري: 3 / 245، كتاب التفسير، رقم الحديث 4750.
2 . مثل يضرب .

صفحه 274

الأمر الخامس

ما هي الغاية من نقد آراء الصحابة وأفعالهم؟

قد أثبتت البحوث السابقة انّ الصحابة من جنس البشر وليسوا من جنس الملائكة المعصومين الذين (لا يَعْصُونَ اللّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ)(1)، فهم كالتابعين وتابعي التابعين في كلّ ما يجوز ومالا يجوز، فتحريم البحث عن حياتهم ونقد آرائهم وأفعالهم، تخصيص بلا جهة.
وقد تذرّعوا في تحريم نقدهم «بأنّ الصحابة هم المصدر لأخذ الدين والمسلمون متطفّلون على موائدهم حيث أخذوا عنهم دينهم، فنقد آرائهم وأفعالهم ينتهي إلى تقويض دعائم الدين» ولكن هذا التذرّع لا يثبت أمام الآيات الصريحة والأحاديث النبوية والتاريخ الصحيح الواردة في نقد آراء الصحابة وأفعالهم.
أضف إلى ذلك: انّ المسلمين كما أخذوا دينهم عن الصحابة أخذوا عن التابعين أيضاً، فلو ثبت ما تذرّعوا به لسرى التحريم إلى التابعين أيضاً، وقد اتّفق المسلمون على خلافه في مورد التابعين.

1 . التحريم: 6.

صفحه 275
إنّ البحث حول الصحابة لا يؤول إلى انهيار الدين وتصدّع الشريعة، مادام يعيش بين ظهرانيهم علماء ربّانيّون هم أُسوة في الحياة، أُمناء على الدين والدنيا، فلا يضرّ جرح طائفة أو فئة خاصة بثبات الدين وقوامه.
ومع ذلك كلّه، نرى أنّ علماء الرجال وأصحاب الجرح والتعديل يحذرون من نقد حياة الصحابة أشدَّ الحذر ويعدّون ذلك من عمل المبتدعة، يقول الحافظ ابن حجر في الفصل الثالث من «الإصابة»:
اتّفق أهل السنّة على أنّ الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلاّ شذوذ من المبتدعة، وقد ذكر الخطيب في الكفاية فصلاً نفيساً في ذلك، فقال: عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل اللّه لهم وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم، ثمّ نقل عدّة آيات حاول بها إثبات عدالتهم وطهارتهم جميعاً، إلى أن قال: روى الخطيب بسنده إلى أبي زرعة الرازي قال: إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول اللّه فاعلم أنّه زنديق، وذلك انّ الرسول حقّ والقرآن حق، وما جاء به حقّ، وإنّما أدّى إلينا ذلك كلّه الصحابة، وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنّة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة.(1)
أقول: إنّ نقد الصحابي عقيدة وفعلاً ليس لغاية إبطال الكتاب والسنّة، ولا لإبطال شهود المسلمين، وإنّما الغاية من البحث في عدالتهم هي الغاية ذاتها من البحث في عدالة غيرهم، فالغاية في الجميع هي التعرف على

1 . الإصابة: 1 / 17.

صفحه 276
الصالحين والطالحين، حتّى يتسنّى لنا أخذ الدين عن الصلحاء واجتناب أخذه عن غيرهم، فلو قام الرجل بهذا العمل وتحمّل العبء الثقيل، لما كان عليه لوم، فلو قال أبو زرعة مكان هذا القول:«إذا رأيت الرجل يتفحّص عن أحد من أصحاب الرسول لغاية العلم بصدقه أو كذبه، أو خيره أو شرّه، حتّى يأخذ دينه عن الخيرة الصادقين ويتحرز عن الآخرين، فاعلم أنّه من جملة المحقّقين في الدين والمتحرين للحقيقة»، لكان أحسن وأولى، بل هو الحق والمتعيّن.
ومن غير الصحيح أن يتهم العالم أحداً، يريد التثبّت في أُمور الدين، والتحقيق في مطالب الشريعة، بالزندقة وانّه يريد جرح شهود المسلمين لإبطال الكتاب والسنّة، وما شهود المسلمين إلاّ الآلاف المؤلّفة من أصحابه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلا يضرّ بالكتاب والسنّة جرح لفيف منهم وتعديل قسم منهم، وليس الدين القيم قائماً بهذا الصنف من المجروحين«ما هكذا تورد يا سعد الإبل».

صفحه 277

الأمر السادس

هل الصحابة الكرام فوق الأنبياء؟

إنّ من سبر كتب الحديث والتفسير يجد أنّ السلف الصالح ينسبون إلى الأنبياء قصصاً خرافية ويلهجون بأكاذيب شنيعة بلا اكتراث ولا تكذيب، ولكنّهم يتورّعون عن دراسة حياة الصحابي ونقد أفعاله وآرائه وأقواله، وربما يتّهمون الناقل بالزندقة وإبطال شهود المسلمين، فما هذا التبعيض؟! فهل يحظى الصحابة بالتكريم أكثر ممّا يحظى به الأنبياء؟! وهل هم فوق رجال السماء في النزاهة وكرامة النفس؟! وإليك بعض الأكاذيب الشنيعة التي ملئت بها كتب التفاسير .

1. أُكذوبة الغرانيق

قال ابن كثير في تفسير قوله سبحانه: (وما أَرسلنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول وَلا نَبيّ إِلاّ إِذا تَمَنّى أَلقى الشَّيطان في أُمْنِيّته فَينسخُ اللّهُ ما يُلقي الشَّيطانُ ثُمّ يُحكِمُ اللّهُ آياتِه وَاللّه عَليمٌ حَكيم * لِيَجْعَل ما يُلقي الشَّيطانُ فِتنَةً لِلّذينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالقاسِيَةِ قُلُوبُهُم وَإِنّ الظّالِمِين لَفي شِقاق بَعيد * وليعلَمَ الّذينَ أُوتُوا العِلمَ أَنّهُ الحَقُّ من رَبّك فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتخبِت لَهُ

صفحه 278
قُلوبهُم وَإِنّ اللّه لهاد الّذينَ آمنوا إِلى صراط مُستَقيم).(1)
قد ذكر كثير من المفسّرين هاهنا قصة الغرانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة ظناً منهم انّ مشركي قريش قد أسلموا، ولكنّها من طرق كلّها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح.
قال ابن أبي حاتم: حدّثنا يونس بن حبيب، حدّثنا أبو داود، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال:
قرأ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) بمكة النجم، فلمّـا بلغ هذا الموضع:(أفرأيتُم اللاّت والعُزّى * وَمَناة الثالثة الأُخرى)، قال: فألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى وانّ شفاعتهن ترتجى، قالوا: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم، فسجد وسجدوا، فأنزل اللّه عزّ وجلّ هذه الآية :(وما أَرسلنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول وَلا نَبيّ إِلاّ إِذا تَمَنّى أَلقى الشَّيطان في أُمْنِيّته فَينسخُ اللّهُ ما يُلقي الشَّيطانُ ثُمّ يُحكِمُ اللّهُ آياتِه وَاللّه عَليمٌ حَكيم).(2)
لا يشكّ أي مسلم عارف بحقّ النبي الخاتم في أنّ القصة مكذوبة، والأدلّة على نزاهة النبي عن هذه، كثيرة، ويكفيك انّ سورة الحجّ مدنية أمر فيها بالأذان بالحجّ وأذن فيها بالقتال وأمر فيها بالجهاد ولم يكن هذا الأمر وهذا الإذن إلاّ بعد الهجرة بأعوام. وانّ الذي بين ذلك، و بين الوقت الذي

1 . الحج: 52 ـ 54.
2 . تفسير ابن كثير: 4 / 655; ولاحظ تفسير الطبري:17 في تفسير نفس الآية، ص 131، وغيرهما.

صفحه 279
يجعلونه لخرافة الغرانيق أكثر من عشرة أعوام. ولو أغمضنا عن ذلك، إذ لا مانع من كون السورة مكية وبعض آياتها مدنية، لكفى في إبطالها ما أقمنا عليه في محاضراتنا.(1)
والغرض الأسنى من ذكر هذه الأُكذوبة أنّ القوم ينقلون هذه الأكاذيب الشنيعة المنسوبة إلى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ولكنّهم يتورّعون عن دراسة حال الصحابي ونقد رأيه وفعله، فكأنّ الصحابة عندهم أرفع وأنزه من الأنبياء المعصومين بنص الكتاب!!
وهذه القصة التي وردت في كتب التفسير لأهل السنّة صارت أساساً لكتاب «الآيات الشيطانية» لسلمان رشدي المرتدّ حيث نشر كتابه هذا في الملأ العام وأضاف إلى هذه القصة أضعافاً كثيرة ممّا أوحى إليه شيطانه. وقد حكم الإمام الخميني رحمه اللّه بارتداده ووجوب قتله.

2. اتّهام داود (عليه السلام) بقتل زوج أوريا و تزوّجها

إنّ نبي اللّه داود(عليه السلام) أحد الأنبياء العظام الذي وصفه سبحانه بقوله: (وَآتاهُ اللّه الْمُلك وَالحِكْمَة وعلّمه ممّا يَشاء)(2)، وقد بلغ من الكمال حدّاً، أن كانت الجبال تتجاوب معه في التسبيح، يقول سبحانه: (وَلَقَد آتَيْنا داود منّا فَضْلاً يا جِبالُ أوّبي مَعَهُ والطَّير).(3)

1 . سيرة سيّد المرسلين: 1 / 488 ـ 497.
2 . البقرة: 251.
3 . سبأ: 10.

صفحه 280
كما سخّر له اللّه سبحانه الجبال والطير، فقال: (إِنّا سَخّرنا الجِبال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيّ وَالإشْراقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوّابٌ).(1)
أفهل يتصوّر في حق نبي بلغ من الكمال ما بلغ أن يعشق امرأة محصنة وهي أوريا، ثمّ يمهد الطريق لقتل زوجها لغاية التزوّج بها؟! ومع ذلك ملئت بهذه الخرافة، التفاسير.
يروي المفسرون في تفسير قوله سبحانه: (وَهَلْ أَتاكَ نَبأ الخَصم إِذ تسوّرُوا المحرابَ * إِذ دَخَلُوا عَلى داودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمان بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْض فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ * إِنّ هذا أَخي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَليَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنيهَا وَعَزَّني فِي الخطاب * قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثيراً مِنَ الخُلَطاءِ لَيَبْغي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْض إِلاَّ الَّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَليلٌ مَا همْ وَظَنَّ داوُدُ إنّّما فَتَنّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ).(2)
...جاءه الشيطان قد تمثل في صورة حمامة حتّى وقع عند رجليه، وهو قائم يصلّي، فمدّ يده ليأخذه فتنحى، فتبعه فتباعد حتّى وقع في كوّة، فذهب ليأخذها، فطار من الكوّة، فنظر أين يقع، فذهب في أثره، فأبصر امرأة تغتسل على سطح لها، فرأى امرأة من أجمل الناس خلقاً، فحانت منها

1 . ص: 18 ـ 19.
2 . ص: 21 ـ 24.

صفحه 281
التفاتة فأبصرته، فالتَفّت بشعرها فاستترت به، فزاده ذلك فيها رغبة، فسأل عنها، فأُخبر أنّ لها زوجاً غائباً بمسلحة كذا وكذا. فبعث إلى صاحب المسلحة يأمره أن يبعث إلى عدوّ كذا وكذا... فبعثه ففتح له أيضاً، فكتب إلى داود(عليه السلام)بذلك، فكتب إليه أن ابعثه إلى عدوّ كذا وكذا... فبعثه فقتل في المرة الثالثة، وتزوّج امرأته.
فلمّا دخلت عليه لم يلبث إلاّ يسيراً حتّى بعث اللّه له ملكين في صورة أُنسيّين، فطلبا أن يدخلا عليه، فتسوّرا عليه المحراب، فما شعر وهو يصلّي إذ هما بين يديه جالسين، ففزع منهما فقالا: (لا تَخَف) إنّما نحن (خَصْمان بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْض فاحْكُمْ بَيْنَنا بِالحَقِّ وَلا تُشْطِط) يقول: لا تخف(واهدِنا إِلى سواءِ الصِّراط)إلى عدل القضاء فقال: قُصّا عليَّ قصتكما، فقال أحدهما(إِنَّ هذا أَخي لَهُ تِسعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلي نَعْجَةٌ واحِدَة) قال الآخر: وأنا أُريد أن آخذها فأكمل بها نعاجي مائة، قال: وهو كاره، قال: إذاً لا ندعك وذاك، قال: يا أخي أنت على ذلك بقادر، قال: فإن ذهبت تروم ذلك ضربنا منك هذا وهذا. يعني طرف الأنف والجبهة.
قال: يا داود أنت أحقّ أن يضرب منك هذا وهذا. حيث لك تسع وتسعون امرأة، ولم يكن لأُوريا إلاّ امرأة واحدة، فلم تزل تعرضه للقتل حتّى قتلته، وتزوّجت امرأته، فنظر فلم ير شيئاً، فعرف ما قد وقع فيه، وما قد ابتلى به.(1)

1 . الدر المنثور: 7 / 160، تفسير سورة ص; تفسير الطبري: 23 / 93، وغيرهما.

صفحه 282
ومعنى ذلك انّه كان لداود 99 زوجة وأراد أن يتمّها بامرأة غيره وبذلك ظلم أخاه، فبعث اللّه ملكين يطرحان عمله بصورة أُخرى وانّ هناك أخوين لأحدهما 99 نعجة وللآخر نعجة واحدة فأراد صاحب النعاج الكثيرة أن يتملّك النعجة الوحيدة.
وهذه القصة الخرافية وأمثالها تُنسب إلى الأنبياء بلا اكتراث، ومع ذلك لايرضون لأحد أن ينقد حياة صحابي حتى يأخذ دينه من عين صافية ومن رجال صلحاء، أعني: الذين خامر الدين والإيمان أنفسهم وأرواحهم.
ما هكذا تورد يا سعدُ الابل.

صفحه 283

الأمر السابع

مظاهر الغلو في الصحابة

الغلو هو تجاوز الحدّ، ومنه غلا السعر: إذا تجاوز حدّه، قال سبحانه:(يا أَهْل الكِتاب لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلى الله إِلاّ الحَق إِنّما المَسيحُ عيسَى بن مَرْيَم رَسُول الله وَكَلمته أَلقاهَا إِلى مَرْيَم وَرُوحٌ مِنْهُ).(1)
فالغلو في الدين في الآية ، كناية عن الغلو في رسوله، أعني: المسيح عيسى بن مريم.
فذكر سبحانه أوّلاً واقعَ المسيح وانّه كان بشراً رسولاً، لا يختلف عمّن تقدّم من الرسل، وهو كلمة اللّه التي حملتها مريم وولدتها.
ثمّ أشار ثانياً إلى أنواع غلوهم فحُلّت الآلهة الثلاثة مكان الإله الواحد، وُعّد المسيح أحد الآلهة تارة، وابن الإله أُخرى، فهذا كلّه غلو وإفراط، قال: (فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنّما اللّهُ إِلهٌ واحدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمواتِ وَ مَا فِي الأَرْضِ وكَفى بِاللّهِ وَكيلاً).(2)

1 . النساء: 171.   2 . النساء: 171.

صفحه 284
فكما أنّ الإفراط غلو وتجاوز للحد فهكذا التفريط والتقصير، والداعي إلى الأخير إمّا عجز الإنسان وعيّه عن أداء الحقّ، أو حسده وحقده.
وللإمام أمير المؤمنين حول الإفراط والتفريط كلمتان نأتي بهما:
1. قال: الثناء بأكثر من الاستحقاق ملق، والتقصير عن الاستحقاق عيّ أو حسد.(1)
2. وقال: إنّ دين اللّه بين المقصر والغالي، فعليكم بالنمرقة الوسطى، فيها يلحق المقصر، ويلحق إليها الغالي.(2)
فالمسلم الحرّ، لايعدل عن النمرقة الوسطى، وهو يخضع للحق مكان خضوعه للملق والعاطفة، أو للبغض والحسد.
إنّ كثيراً من أهل السنّة، غالوا في حقّ الصحابة وتجاوزوا الحد، خضوعاً للعاطفة، وإغماضاً عمّا ورد في حقّهم في الكتاب العزيز والسنّة النبوية والتاريخ الصحيح، فألبسوهم جميعاً لباس العدالة ـ بل العصمة من غير وعي ـ فصاروا مصادر للدين، أُصوله وفروعه، دون أن يقعوا في إطار الجرح والتعديل، من غير فرق بين من آمن قبل بيعة الرضوان وبعدها، ومن آمن قبل الفتح أو بعده، ومن غير فرق بين الطلقاء وأبنائهم والأعراب، مع تفريق الكتاب العزيز بينهم في الإيمان والإخلاص، فالكلّ في نظرهم من أوّلهم إلى آخرهم عدول، لا يخطئون ولا يسهون، ولا يعصون.
وليس هذا إلاّ نوعا من الغلو لم يعهد في أُمّة عبر التاريخ.

1 . نهج البلاغة: قصار الكلمات، 347.
2 . ربيع الأبرار للزمخشري: 2 / 63 ; الغدير: 7 / 70 .

صفحه 285
 
مظاهر الغلو
و هنا ـ وراء القول بعدالتهم بل عصمتهم ـ مظاهر للغلو، نشير إليها:

1. سنّة الصحابة

يرى غير واحد من الباحثين أنّ للصحابة سنّة، تُعتبر حجة يعمل بها، وإن لم تكن في الكتاب الكريم ولا في المأثور عن النبي، قال مؤلّف (1)كتاب «السنّة قبل التدوين»:
«وتطلق السنّة أحياناً عند المحدّثين وعلماء أُصول الفقه على ما عمل به أصحاب رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ، سواء أكان في الكتاب الكريم أم في المأثور عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أم لا. ويحتج لذلك بقوله عليه الصلاة والسلام: «عليكم بسُنّتي وسنّة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسّكوا بها وعضّوا عليها بالنّواجذ». وقوله أيضاً: «تفترق أُمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلّها في النار إلاّ واحدة»، قالوا: ومَن هم يا رسول اللّه؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي».
ومن أبرز ما ثبت في السنّة بهذا المعنى (سنّة الصحابة) حد الخمر، وتضمين الصناع، وجمع المصاحف في عهد أبي بكر برأي الفاروق، وحمل الناس على القراءة بحرف واحد من الحروف السبعة، وتدوين الدواوين... وما أشبه ذلك ممّا اقتضاه النظر المصلحي الّذي أقرّه الصحابة (رضي الله عنهم) .
ثمّ قال:

1 . الدكتور محمد عجاج الخطيب، أُستاذ الحديث وعلومه في كلية الشريعة بدمشق.

صفحه 286
وممّا يدلّ على أنّ السنّة هي العمل المتبع في الصدر الأوّل قول علي بن أبي طالب(عليه السلام) لعبد اللّه بن جعفر عندما جلد شارب الخمر أربعين جلدة: «كفّ. جلد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أربعين، وأبو بكر أربعين، وكمّلها عمر ثمانين وكلّ سنّة».(1)
روى السيوطي: قال حاجب بن خليفة شهدت عمر بن عبد العزيز يخطب وهو خليفة فقال في خطبته: ألا إنّ ما سنَّ رسول اللّه وصاحباه فهو دين نأخذ به، وننتهي إليه وماسنّ سواهما فإنّما نرجئه.(2)
هذا وقد احتلّت فتوى الصحابة منزلة الآثار النبوية يأخذ بها فقهاء السنّة، يقول الشيخ أبو زهرة: ولقد وجدناهم (الفقهاء) يأخذون جميعاً بفتوى الصحابي ولكن يختلفون في طريق الأخذ، فالشافعي كما يصرح في «الرسالة» يأخذ بفتواهم على أنّها اجتهاد منهم واجتهادهم أولى من اجتهاده، ووجدنا مالكاً (رضي الله عنه) يأخذ بفتواهم على أنّها من السنّة . الخ
وهذا يعرب عن أنّ للصحابة حق التشريع وجعل الأحكام في ضوء المصالح العامة، مع أنّ الكتاب العزيز دلّ بوضوح على أنّ حق التشريع خاص باللّه فقط، ولا يحق لأحد أن يفرض رأيه على الآخرين.
فدفعُ زمام التشريع إلى غيره سبحانه أشبه بعمل أهل الكتاب حيث اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون اللّه فلم يعبدوهم، بل خضعوا لهم في التحريم والتحليل فصاروا أرباباً في مجال التقنين والتشريع.
روى الثعلبي باسناده عن عدي بن حاتم قال: أتيت رسول اللّه وفي

1 . السنّة قبل التدوين: 20، ط دار الفكر.   2 . تاريخ الخلفاء: 16.

صفحه 287
عنقي صليب من ذهب، فقال لي: «يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك» قال: فطرحته، ثم انتصب إليه وهو يقرأ هذه الآية: (اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرباباً)(1) حتى فرغ منها، فقلت: إنّا لسنا نعبدهم، فقال: «أليس يحرّمون ما أحله اللّه فتحرّمونه، ويحلّون ما حرّم اللّه فتحلّونه؟» قال: فقلت: بلى، قال: «فتلك عبادة».(2)
وأين هذا ممّا عليه أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، روى جابر بن عبد اللّه عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) قال: «يا جابر إنّا لو كنّا نحدّثكم برأينا وهوانا، لكنّا من الهالكين، ولكنّا نحدّثكم بأحاديث نكنزها عن رسول اللّه».(2)
وممّن وقف على خطورة الموقف، الشوكاني قال: والحق إنّ قول الصحابي ليس بحجّة، فانّ الله سبحانه وتعالى لم يبعث إلى هذه الأُمّة إلاّ نبيّنا محمّداً، وليس لنا إلاّ رسول واحد، والصحابة ومن بعدهم مكلّفون على السواء باتّباع شرعه والكتاب والسنّة، فمن قال: إنّه تقوم الحجّة في دين الله بغيرهما فقد قال في دين اللّه بما لا يثبت وأثبت شرعاً لم يأمر اللّه به.(4)
وممّن بالغ في حجّية قول الصحابي ـ غير المسند إلى الرسول ـ ابن قيّم الجوزية في كتابه «اعلام الموقعين» وقد أوضحنا حال أدلّته البالغة إلى ستة وأربعين دليلاً، في تقديمنا لموسوعة طبقات الفقهاء، القسم الأوّل، فلاحظ.(3)

1 . التوبة: 31.                               2 . تفسير الثعلبي: 5 / 314.
2 . جامع أحاديث الشيعة: 1 / 17.               4 . إرشاد الفحول: 214.
3 . الفقه الإسلامي منابعه وأدواره: 289 ـ 303 .

صفحه 288
والعجب أنّ الصحابة لم يدّعوا لأنفسهم هذا المقام ولم يغالوا في حقّهم ولم يتجاوزوا الحد، وهذا هو عمربن الخطاب يقول: وإنّي لعلّي أنهاكم عن أشياء تصلح لكم، وآمركم بأشياء لا تصلح لكم.(1)
وقد شاع وذاع عن الخلفاء قولهم: «أقول فيها برأيي فإن أصبتُ فمن الله، وإن أخطأت فمنّي أو من الشيطان» فكيف يمكن أن يكون الرأي المردد بين الله وغيره حكماً شرعياً لازم الاتّباع إلى يوم البعث؟!
إن هذا إلاّ الغلو الواضح النابع من القول بعصمتهم من غير وعي.

2. العزوف عن نقد الصحابة

من مظاهر الغلو في الصحابة هو العزوف عن نقدهم، والمنع عن التكلم حول ما دار بينهم من النزاع والنقاش، يقول إمام الحنابلة:
وخير هذه الأُمّة بعد نبيّها(صلى الله عليه وآله وسلم) أبو بكر، وخيرهم بعد أبي بكر عمر، و خيرهم بعد عمر، عثمان، وخيرهم بعد عثمان علي (رضوان الله عليهم) خلفاء راشدون مهديّون، ثمّ أصحاب محمّد بعد هؤلاء الأربعة لا يجوز لأحد أن يذكر شيئاً من مساويهم ولا يطعن على أحد منهم، فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته، ليس له أن يعفو عنه، بل يعاقبه ثمّ يستتيبه، فإن تاب قبل منه، وإن لم يتب أعاد عليه العقوبة، وجلده في المجلس حتّى يتوب ويراجع.(2)
وقال الإمام الأشعري: ونشهد بالجنة للعشرة الذين شهد لهم رسول

1 . تاريخ بغداد: 14 / 81.   2 . كتاب السنة لأحمد بن حنبل: 50.

صفحه 289
اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) بها ونتولّى بها ونتولّى سائر أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ونكفّ عمّا شجر بينهم...(1)
وقال أبو الحسين محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الملطي (المتوفّى 377 هـ) عند ما ذكر عقائد أهل السنّة ومنها: الكفّ عن أصحاب محمد.(2)
وعندما يقف الباحث على مصادر جمة وتظهر أمامه أفانين من اقتراف المعاصي وسفك الدماء الطاهرة، وهتك الحرمات، ويجابههم بهذه الحقائق، فإنّهم يلتجئون إلى ما يُروى عن عمر بن عبد العزيز وأحياناً عن الإمام أحمد بن حنبل من لزوم الإمساك عمّا شجر بين الصحابة من الاختلاف، وكثيراً ما يقولون حول الدماء التي أُريقت بيد الصحابة ـ حيث قتل بعضهم بعضاً ـ تلك دماء طهّر اللّه منها أيدينا فلا نلوّث بها ألسنتنا.
غير أنّ هذه الكلمة ـ من أيّ شخص صدرت ـ تخالف القرآن الكريم والسنّة النبوية والعقل الصريح.
أمّا القرآن الكريم فقد وصف طوائف من الصحابة بالأوصاف التي سوف تقف عليها عند تصنيف الصحابة والتي منها الفسق وقال فيما قال: (يا أَيُّها الّذينَ آمَنوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبإ فَتَبيّنوا أَن تصيبُوا قَوْماً بِجَهالة فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمين).(3)
وأمّا السنّة النبوية فهي تصف قتلة عمار بالفئة الباغية حيث قال(صلى الله عليه وآله وسلم):

1 . الإبانة: 40، ط دار النفائس، ومقالات الإسلاميين: 294.
2 . التنبيه والردّ : 15.   3 . الحجرات: 6.

صفحه 290
«تقتلك الفئة الباغية، تدعوهم إلى الجنّة ويدعونك إلى النار».(1) وكان معاوية، وعمرو بن العاص يقودان الفئة الباغية.
ويقول(صلى الله عليه وآله وسلم) في حقّ الخوارج:« تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق».(2)
وهذه الأحاديث وأمثالها كثيرة مبثوثة في الصحاح والمسانيد، فإذا كان الإمساك أمراً واجباً والإطلاق أمراً محرماً، فلماذا أطلق الوحي الإلهي والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لسانهما بوصف هؤلاء بالأوصاف الماضية؟!
وأمّا العقل فلا يجوّز لنا أن نلبس الحق بالباطل ونكتم الحقّ ونكيل للظالم والعادل بمكيال واحد، أمّا ما روي عن الإمام أحمد فلعلّه يريد به الإمساك عن الكلام فيهم بالباطل والهوى، وأمّا الكلام فيهم بما اشتهر اشتهار الشمس في رائعة النهار ونقله المحدّثون والمؤرخون في كتبهم وأُشير إليه في الذكر الحكيم فلا معنى للزوم الإمساك عنه.
ثمّ إنّه يُستشفّ من هذا الكلام أنّ الدماء التي أُريقت في وقائع الجمل وصفين والنهروان، كانت قد سُفكت بغير حق، وهذا ـ وأيم الحق ـ عين النصب، وقضاء بالباطل، وإلاّ فأي ضمير حرّ يحكم بأنّ قتال الناكثين والقاسطين والمارقين، كان قتالاً بغير حقّ؟! وكلّنا يعلم أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام)كان على بيّنة من ربّه وبصيرة من دينه، يدور معه الحقّ حيثما دار، وهو الذي يقول: «والله لو أُعطيتُ الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصيَ اللهَ في نملة أسلبُها جِلْبَ شعيرة ما فعلتُ».

1 . الجمع بين الصحيحين: 2 / 461، رقم 1794.   2 . السنّة لابن حنبل، رقم 41.

صفحه 291
ما هذا التجنّي أمام الحقائق الواضحة؟!
أو ليس العزوف عن نقد الصحابة تكريساً للأخطاء، وإيغالاً في التقديس؟!
أو ليس تنزيه الصحابة جميعاً تنكّراً للطبيعة البشرية.
إنّ النقد الموضوعي تعزيز لجبهة الحق، وتمييز الخبيث من الطيّب، والمبطل عن المحق قال سبحانه: (ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ المُؤْمنينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبيثَ مِنَ الطَّيّبِ).(1)
ولو كان الكفّ عمّا اقترفوا أمراً واجباً فلماذا خرق النبي هذا الستر وأخبر عن رجوعهم عن الطريق المهيع.
وهذا هو الإمام البخاري يروي روايات كثيرة حول ارتداد بعض الصحابة بعد رحيل النبي، نكتفي بواحدة منها.
إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: بينما أنا قائم على الحوض إذا زمرة حتّى إذا عرفتهُم خرج رجل بيني و بينهم فقال: هلم! فقلت: أين؟ فقال: إلى النار واللّه، فقلت: ما شأنهم؟ قال: إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى، ثمّ إذا زمرة أُخرى، حتّى إذا عرفتهم خرج رجل بيني و بينهم فقال لهم: هلم، فقلت: إلى أين؟ قال: إلى النار واللّه، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنّهم ارتدوا على أدبارهم، فلا أراه يخلص منهم إلاّ مثل هِمْل النعم».(2)

1 . آل عمران: 179.
2 . جامع الأُصول لابن الأثير: 11 / 120، كتاب الحوض في ورود الناس عليه، رقم الحديث 7972. و «الفرط»: المتقدم قومه إلى الماء، ويستوي فيه الواحد والجمع ، يقال: رجل فرط وقوم فرط.

صفحه 292
وظاهر الحديث:«حتّى إذا عرفتهم» و قوله: «ارتدوا على أدبارهم القهقرى» أنّ الذين أدركوا عصره وكانوا معه، هم الذين يرتدون بعده.
إذا راجعنا الصحاح والمسانيد نجد أنّ أصحابهم أفردوا باباً بشأن فضائل الصحابة إلاّ أنّهم لم يفردوا باباً في مثالبهم، بل أقحموا ما يرجع إلى هذه الناحية في أبواب أُخر، ستراً لمثالبهم وقد ذكرها البخاري في الجزء التاسع من صحاحه في باب الفتن، وأدرجها ابن الأثير في جامعه في أبواب القيامة عند البحث عن الحوض، والوضع الطبيعي لجمع الأحاديث وترتيبها، كان يقتضي عقد باب مستقل للمثالب في جنب الفضائل حتّى يطلع القارئ على قضاء السنة حول صحابة النبي الأكرم.

3. السنّة قاضية على القرآن

القرآن الكريم هو المرجع الأوّل للمسلمين في الشريعة والعقيدة، وقد وصفه سبحانه بأنّ فيه تبياناً لكلّ شيء، قال: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيء).(1)
والمراد من الشيء في الآية إمّا المعنى العام، أو المعنى الخاص، أي العقيدة والشريعة، والمعنى الثاني هو القدر المتيقّن، فيجب أن يكون ميزاناً للحقّ والباطل فيما تحكيه الروايات في مجالي العقيدة والشريعة.
كما أنّه سبحانه عرّفه في مكان آخر بأنّه المهيمن على جميع الكتب

1 . النحل: 89 .

صفحه 293
السماوية (وَأَنْزَلْنَا إِليكَ الْكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ).(1)
فإذا كان القرآن مهيمناً على جميع الكتب السماوية وميزاناً للحقّ والباطل الواردين فيها، فأولى أن يكون مهيمناً على ما يُنسب إلى صاحب الشريعة المحمّدية من صحيح وسقيم.
ومقتضى ذلك أن يكون القرآن حاكماً على السنّة ومعياراً لصحّتها وسقمها; ولكن الغلوّ في رواة السنّة وعلى رأسهم الصحابة، انتهى إلى خلاف ذلك، فصارت السنّة قاضية على القرآن، حاكمة عليه، وهذا أحد مظاهر الغلوّ في الصحابة ومن تتلمذ على أيديهم حيث قدّموا رواياتهم على كتاب ربّ العزّة، وإن كنت في ريب ممّا ذكرنا فاقرأ ما نتلوه عليك:
روى الحافظ الكبير أبو محمد عبد الرحمن الدارمي في سننه في باب «السنّة قاضية على كتاب اللّه» بسنده عن يحيى بن أبي كثير قال: السنّة قاضية على القرآن وليس القرآن بقاض على السنّة.(2)
قال الإمام الأشعري واختلفوا في القرآن هل ينسخ إلاّ بقرآن، وفي السنّة هل ينسخها القرآن؟ فقال: المختلفون في ذلك ثلاثة أقاويل، منها:
السنّة تنسخ القرآنَ وتقضي عليه، والقرآن لا ينسخ السنّة ولا يقضي عليها.(2)
لا شكّ انّ السنّة المحكية الّتي تصدر عن لسان النبيّ هي كالقرآن

1 . المائدة: 48.   2 . سنن الدارمي: 1 / 144.
2 . مقالات الإسلاميين: 608.

صفحه 294
الكريم، تخصِّص عموم القرآن وتقيّد مطلقه، ولا يكون بينهما أيّ خلاف حتّى يكون أحدهما قاضياً على الآخر، إنّما الكلام في هذه السنن الحاكية المبثوثة في الصحاح والسنن والمسانيد، فهل يمكن أن تكون تلك السنّة قاضية على كتاب اللّه ولا يكون الكتاب قاضياً عليها؟!
(تلك إذاً قسمة ضيزى).

4. حجّية رواياتهم بلا استثناء

من مظاهر الغلو في حقّ الصحابة، حجّية رواياتهم بلا استثناء، مع أنّ الصحابة كانوا على أصناف يعرفهم كلّ من قرأ الكتاب العزيز وتدبّر في آياته.
كانت في الصحابة طائفة من المؤمنين المخلصين بدرجات مختلفة، وفيهم المسلمون الذين لم يدخل الإيمان في قلوبهم، وفيهم المنافقون وهم عدد غير قليل، وفيهم المؤلّفة قلوبهم، وفيهم من نزل القرآن بفسقه، وفيهم من أُقيم عليه الحدّ الشرعي في زمن النبيّ، وفيهم من ارتدّ عن دينه إلى غير ذلك من الأصناف الّتي لا يحتجّ بأقوالها ورواياتها.
ومع ذلك احتج بروايات الصحابي مطلقاً ، ومن دون استثناء.
إنّ الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) حذّر أصحابه من الكذب عليه في حياته، وهذا يعرب عن وجود من كان يكذب عليه في حياته فكيف بعد مماته.
روى البخاري، عن رِبْعي بن حراش يقول: سمعت عليّاً يقول: قال

صفحه 295
النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا تكذبوا عليّ، فإنّه مَنْ كذب عليّ فليلج النار».(1)
وروى أيضاً عن عبد اللّه بن الزبير قال: قلت للزبير: إنّي لا أسمعك تحدّث عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) كما يحدّث فلان وفلان؟ قال: إنّي لم أُفارقه، ولكن سمعته يقول: «من كذب عليّ فليتبوّأ مقعده من النّار».(2)
إلى غير ذلك من الأحاديث الّتي رواها الإمام البخاري في هذا المضمار.
وقد عقد ابن ماجة في سننه، باب التغليظ على تعمّد الكذب على رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وروى فيه ثماني روايات حول نهي النبي عن الكذب عليه.
وعن أبي قتادة قال: سمعت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول على هذا المنبر: «إيّاكم وكثرة الحديث عنّي، فمن قال عليّ فليقل عدلاً أو صدقاً، و من تقوّل عليّ ما لم أقل فليتبوّأ مقعده من النار».(2)
ماذا يريد رسول اللّه من خطابه: «إيّاكم وكثرة الحديث عنّي» ألا يدلّ هذا على أنّه كان بين الصحابة من يتقوّل عليه وينقل عنه ما لم يقل؟ نعم هذا لا يستلزم اختصاص الحكم بالصحابة، بل يحرم التقوّل على غير الصحابي أيضاً بملاك الاشتراك في التكليف، ولكن الخطاب متوجه إلى الصحابة يخصّهم بالذكر وإن كان الحكم واسعاً.
ثمّ إنّ ابن ماجة عقد باباً آخر، تحت عنوان «من حدّث عن رسول

1 و 2 . صحيح البخاري: 1، باب إثم من كذب على النبيّ، الحديث 106ـ 107.
2 . سنن ابن ماجة: 1 / 14 برقم 35.

صفحه 296
اللّه حديثاً وهو يرى أنّه كذب» روى فيه أربع روايات كلّها بمضمون الحديث التالي :من حدّث عنّي حديثاً وهو يرى أنّه كذب فهو أحد الكاذبين.(1)
وهذا يكشف عن وجود أرضية سيّئة بين نقلة الحديث في عصر الرسول، أفيمكن بعد هذه الروايات أن نكيل عامة الصحابة بكيل واحد ونصفهم بالعدل والزهد والتقى؟! مع أنّ منهم ـ بعدما ظهر كذبه في الحديث ـ من يعتذر بأنّه من كيسه.
أخرج البخاري عن أبي صالح، قال: حدّثني أبوهريرة، قال: قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) : أفضل الصدقة ما ترك غنىً، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، تقول المرأة: إمّا أن تطعمني وإمّا أن تطلقني.
ويقول العبد: اطعمني واستعملني.
ويقول الابن: ا طعمني إلى من تدعني؟
فقالوا: يا أبا هريرة، سمعت هذا من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ؟!
قال: لا، من كيس أبي هريرة.
ورواه الإمام أحمد في مسنده باختلاف طفيف في اللفظ.
انظر إلى الرجل ينسب في صدر الحديث الرواية إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بضرس قاطع، ولكنّه عندما سُئل عن سماع الحديث من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)عدل عمّا ذكره أوّلاً، وصرح بأنّه من كيسه الخاص أي من موضوعاته.(2)

1 . سنن ابن ماجة: 1 / 14 برقم 38.
2 . صحيح البخاري، كتاب النفقات، رقم الحديث 5355 ; مسند أحمد: 2 / 252.

صفحه 297
 
الأمر الثامن

عدالة الصحابة كخلافة الخلفاء ليست من صميم الدين

من يراجع الرسائل والكتب العقائدية يقف فيها على مسألتين تعتبران منذ عصر الإمام أحمد (المتوفّى 241 هـ) من صميم الدين وممّا يجب الإيمان به، وهما:
1. خلافة الخلفاء الأربعة.
2. عدالة الصحابة جميعاً.
يقول إمام الحنابلة في رسالة عقائدية: وخير هذه الأُمّة بعد نبيّها(صلى الله عليه وآله وسلم)أبو بكر، وخيرهم بعد أبي بكر عمر، وخيرهم بعد عمر عثمان، وخيرهم بعد عثمان علي ـ رضوان الله عليهم ـ خلفاء راشدون مهديّون، ثمّ أصحاب محمد بعد هؤلاء الأربعة.(1)
وقال الإمام الأشعري في رسالة ألّفها لبيان عقيدة أهل الحديث:
إنّ الإمام الفاضل بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أبو بكر الصدّيق، ثمّ عمر بن الخطاب، ثمّ عثمان بن عفان، ثمّ علي بن أبي طالب (عليه السلام). فهؤلاء الأئمّة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وخلافتهم خلافة النبوّة.(2)

1 . السنّة: 50.
2 . الإبانة في أُصول الديانة: 21 ـ 22، باب إبانة قول أهل الحقّ والسنّة.

صفحه 298
وقال أبو جعفر الطحاوي في العقيدة الطحاوية المسمّاة بـ«بيان السنّة والجماعة»:
وتثبيت لأبي بكر الصديق تفضيلاً وتقديماً على جميع الأُمّة ثمّ لعمر بن الخطاب، ثمّ لعثمان، ثمّ لعلي.(1)
هذه النصوص المذكورة وما لم نذكره تعرب عن أنّ خلافة الخلفاء ـ عند القوم ـ عقيدة إسلامية يجب على كلّ مسلم الاعتقاد بها كالاعتقاد بسائر الأُصول من توحيده سبحانه ونبوّة نبيّه ومعاد الإنسان، وقد ذكرها الإمامان: أحمد والأشعري في عداد عقائد أهل السنة والجماعة.
هذا هو المفهوم من هذه الكلمات وربما يتصوّر القائل أنّ الاعتقاد بخلافة الخلفاء أصل من أُصول الإسلام وقد جاء به النبيّ الخاتم وأمر الناس بالاعتقاد به.

الاعتقاد بخلافة الخلفاء ليس من صميم الدين

كيف يتصوّر ذلك مع أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقبل إسلام من ذكر الشهادتين دون أن يسأله عن خلافة الخلفاء؟
والذي يدلّ على أنّ خلافة الخلفاء ليست أصلاً دينيّاً وإنّما هي
مرحلة زمنية مرّ بها المسلمون في فترة من تاريخهم كما مرّوا بخلافة
سائر الخلفاء، هو أنّ أصل الخلافة والإمامة من الفروع عند متكلّمي

1 . شرح العقيدة الطحاوية، للشيخ عبد الغني الميداني الحنفي الدمشقي: 479، ولاحظ الفرق بين الفرق: 350 للبغدادي، وغيره.

صفحه 299
أهل السنّة، فكيف تكون خلافة الخلفاء من الأُصول؟
قال الغزالي: واعلم أنّ النظر في الإمامة أيضاً ليست من المهمّات، وليس أيضاً من فن المعقولات، بل من الفقهيّات.(1)
وقال الآمدي: اعلم أنّ الكلام في الإمامة ليس من أُصول الديانات، ولا من الأُمور اللابدّيّات بحيث لا يسع المكلّف الإعراض عنها والجهل بها.(2)
وقال السيد الشريف: وليست الإمامة من أُصول الديانات والعقائد، بل هي من الفروع المتعلّقة بأفعال المكلّفين، إذ نصب الإمام عندنا واجب على الأُمّة سمعاً.(2)
فإذا كانت الكبرى حكماً فرعياً من فروع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد قام المسلمون بعد رحيل الرسول بتطبيقها على الخلفاء الأربعة ثم توالى الخلفاء بعدهم، أفهل يكون ذلك دليلاً على أنّ الاعتقاد بخلافتهم أصل من الأُصول؟
إذ طالما قام المسلمون بواجبهم في أكثر بقاع العالم فبايعوا شخصاً بالخلافة فلم تُصبح خلافته أصلاً من أُصول الإسلام، هذا من غير فرق بين أن نقول بصحّة خلافتهم وكونها جامعة شرائط الخلافة أم لم نقل، إنّما الكلام في أنّ الاعتقاد بها ليس أصلاً من أُصول الإسلام.
ومن سبر التاريخ يقف على أنّ يد السياسة أوجدت تلك الفكرة،

1 . الاقتصاد في الاعتقاد: 234.            2 . غاية المرام في علم الكلام: 362.
2 . شرح المواقف: 8 / 344.

صفحه 300
وجعلت خلافة الخلفاء الثلاث أصلاً من أُصول الإيمان ليكون ذريعة إلى سائر المسائل السياسية.
ذكر المسعودي: اجتمع عمرو بن العاص مع أبي موسى الأشعري في دومة الجندل، فجرى بينهما مناظرات، وقد أحضر عمرو غلامه لكتابة ما يتّفقان عليه، فقال عمرو بن العاص بعد الشهادة بتوحيده سبحانه ونبوّة نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم)ونشهد أنّ أبا بكر خليفة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عمل بكتاب الله وسنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حتى قبضه الله إليه، وقد أدّى الحق الذي عليه.
قال أبو موسى: اكتب، ثمّ قال في عمر مثل ذلك، فقال أبو موسى: اكتب. ثمّ قال عمرو: اكتب انّ عثمان ولي هذا الأمر بعد عمر على إجماع من المسلمين وشورى من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ورضا منهم وأنّه كان مؤمناً، فقال أبو موسى الأشعري: ليس هذا ممّا قعدنا له، قال: والله لابدّ من أن يكون مؤمناً أو كافراً، فقال أبو موسى: كان مؤمناً. قال عمرو: فمره يكتب، قال أبو موسى: اكتب. قال عمرو: فظالماً قتل عثمان أو مظلوماً؟ قال أبو موسى: بل قتل مظلوماً، قال عمرو: أو ليس قد جعل الله لوليّ المظلوم سلطاناً يطلب بدمه؟ قال أبو موسى: نعم. قال عمرو: فهل تعلم لعثمان ولياً أولى من معاوية؟ قال أبو موسى: لا، قال عمرو: أفليس لمعاوية أن يطلب قاتله حيثما كان حتّى يقتله أو يعجز عنه؟ قال أبو موسى: بلى، قال عمرو للكاتب: اكتب وأمره أبو موسى فكتب، قال عمرو: فإنّا نقيم البيّنة على أنّ علياً قتل عثمان....(1)

1 . مروج الذهب للمسعودي: 2 / 396 ـ 397.

صفحه 301
ومن يقرأ قصة التحكيم في حرب صفّين يجد أنّ إقحام الاعتقاد بخلافة الشيخين، كان تمهيداً لانتزاع الإقرار بخلافة الثالث، ولم يكن الإقرار بخلافة الثالث مقصوداً بالذات، بل كان ذريعة لانتزاع اعترافات أُخرى من أنّه قتل مظلوماً، وأنّه ليس له وليّ يطلب بدمه أولى من معاوية وأنّ علياً هو الذي قتله.
وقد استفحلت أهميّة الإيمان بخلافة الخلفاء ولا سيما الثالث في عهد معاوية للإطاحة بعليّ وأهل بيته وإقصائهم عن الساحة السياسية، حتّى يخلو الجوّ لمعاوية وأبناء بيته، وقد أمر الخطباء والوعّاظ بنشر مناقب الخلفاء أوّلاً، وسائر الصحابة ثانياً، والمنع عن نشر أيّة فضيلة من فضائل أمير المؤمنين علي(عليه السلام) .
إنّ الرسائل العقائدية الّتي أشرنا إليها اشتملت على ما يربو على خمسين أصلاً، يتراءى لنا أنّها من أُصول الإسلام، وأنّها ممّا قد أجمع عليها المسلمون بعد رحيل الرسول،ولكن الواقع غير ذلك فأكثر الأُصول ردود على الفرق الكلامية الّتي ظهرت في الساحة، فصارت العقائد الإسلامية كأنّها ردود على الفرق الناجمة في عصر التيارات الكلامية ولا أصالة لها. ولولا تلك الفرق الضالة! لم يكن لهذه الأُصول عين ولا أثر، حتّى أنّ مسألة تربيع الخلفاء تمّ الاتّفاق عليها في عصر الإمام أحمد، و كان أكثر المحدّثين على التثليث.
قد ذكر ابن أبي يعلى بالاسناد إلى وديزة الحمصي قال: دخلت على أبي عبد الله أحمد بن حنبل حين أظهر التربيع بعلي (رضي الله عنه) فقلت له: يا أبا عبد

صفحه 302
الله إنّ هذا لطعن على طلحة والزبير، فقال: بئس ما قلت وما نحن وحرب القوم وذكرها، فقلت: أصلحك الله إنّما ذكرناها حين ربّعت بعلي وأوجبت له الخلافة وما يجب للأئمّة قبله، فقال لي: وما يمنعني من ذلك؟ قال: قلت: حديث ابن عمر. فقال لي: عمر خير من ابنه فقد رضي علياً للخلافة على المسلمين وأدخله في الشورى، وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنه) قد سمّى نفسه أمير المؤمنين، فأقول: أنا ليس للمؤمنين بأمير، فانصرفتُ عنه.(1)
والحقّ أنّ الأُصول التي تبنّاها الإمام أحمد وبعده الإمام الأشعري أو جاءت في العقيدة الطحاوية هي أُصول استنبطها الإمام من الآيات والروايات فجعلها عقائد إسلامية يجب الإيمان بها، وهي أولى بأن تسمّى: عقائد الإمام أحمد بدل أن تسمّى عقائد إسلاميّة.

عدالة الصحابة ليست من صميم الدين

هذا هو حال الخلافة التي جعلوها من الأُصول ولا تمتّ إليها بصلة، ولنبحث الآن مسألة عدالة الصحابة، أي عدالة مائة ألف إنسان رأى النبيّ وشاهده أو عدالة خمسة عشر ألف صحابي سُجّلت أسماؤهم في المعاجم فقد هتفت الكتب الرجالية بعدالتهم على الإطلاق، وحُرّم أيّ نقد علمي أو تاريخي في حقّهم، بل عُدّ الناقد لهم خارجاً عن الإسلام مبطلاً لأدلّة المسلمين على ما مرّ .(2)
إنّ الدارس لتاريخ حياة الصحابة يقف بوضوح على أنّ هذه الحالة

1 . طبقات الحنابلة: 1 / 393.             2 . لاحظ ص 288 من هذا الكتاب.

صفحه 303
القدسية التي يضفيها جمهور السنّة على الصحابة ليست إلاّ وليدة عصر متأخر عنهم، ولم تزل هذه الحالة تزداد وتتّسع، حتّى أصبحنا في عصر لا يمكن فيه لأحد أن يبحث في ممارسات الصحابة وسلوكيّاتهم، ولا أن يشير إلى مواضع الألم في تاريخ تلك الحقبة، حتّى ولو اعتمد القائل في قضائه على الآيات والروايات والتاريخ الصحيح، بل يتّهم بأنّه زنديق، وأنّ الجارح أولى بالجرح.
لقد تكوّنت هذه النظرية ونشأت عن العاطفة الدينية التي حملها المسلمون تجاه الرسول الأكرم وجرّتهم إلى تبنّي تلك الفكرة واستغلّتها السلطة الأموية لإبعاد الناس عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)أحد الثقلين اللّذين تركهما الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد رحيله لهداية الناس.
والشاهد على أنّ هذه القداسة طارئة على فكر المجتمع الإسلامي، هو تضافر الآيات على تصنيف الصحابة إلى أصناف مختلفة يجمعها من حسنت صحبته ومن لم تحسن، كما تضافرت الروايات على ذمّ لفيف منهم، وقد احتفل التاريخ بنزاعهم وقتالهم وقتلهم الأبرياء، ومع ذلك كلّه فعدالة الصحابة من أوّلهم إلى آخرهم صارت كعقيدة راسخة في فكر المجتمع الإسلامي، لا يجترئ أحد على التشكيك فيها إلاّ من تجرّد عن العقائد المسبقة وقدّم تبنّي الحقيقة على المناصب الدنيوية وزخارفها وابتاع لنفسه أنواع التهم والذموم.
وها نحن نذكر شيئاً من الآيات الصريحة في ذمّ لفيف منهم على نحو لا يبقى معه شكّ لمشكّك ولا ريب لمرتاب.

صفحه 304
 
الأمر التاسع

القرآن الكريم وعدالة الصحابة

إنّ القرآن الكريم في مختلف سوره وآياته ينقد أقوال الصحابة وأفعالهم بوضوح كما أنّه في بعض آياته يثني على طائفة منهم، فمن الخطأ أن نركّز على طائفة دون طائفة، فها نحن ندرس في هذا الفصل بعض الآيات التي تنقد أفعالهم وآراءهم كما ندرس في الفصول القادمة الآيات المادحة.

1. تنبّؤ القرآن بارتداد لفيف من الصحابة

القرآن يتنبّأ بإمكان ارتداد بعض الصحابة بعد رحيل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم). وذلك لمّا انهزم من انهزم من المسلمين يوم أُحد وقتل من قتل منهم. يقول ابن كثير: نادى الشيطان على أنّ محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم)قد قتل. فوقع ذلك في قلوب كثير من الناس واعتقدوا أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قد قتل وجوّزوا عليه ذلك، فحصل ضعف ووهن وتأخّر عن القتال، روى ابن نجيح عن أبيه إنّ رجلاً من المهاجرين مرّ على رجل من الأنصار وهو يتشحّط في دمه، فقال له: يا فلان أشعرت أنّ محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم)قتل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمّد قد قتل فقد بلّغ، فقاتلوا عن دينكم. فأنزل الله سبحانه قوله: (وَما مُحمّدٌ إِلاّ رَسُولٌ

صفحه 305
قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفإِنْ ماتَ أَو قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيئاً وَسَيَجْزي اللهُ الشّاكِرين).(1)
قال ابن قيّم الجوزية: كانت وقعة أُحد مقدّمة وإرهاصاً بين يدي محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)ونبّأهم ووبّخهم على انقلابهم على أعقابهم إن مات رسول الله أو قتل.(2)
والظاهر من الارتداد هو الأعمّ من الارتداد عن الدين الذي جاهر به بعض المنافقين والارتداد عن العمل كالجهاد ومكافحة الأعداء وتأييد الحقّ إنساء ما أوصى به رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) .
وهذه الآية تخبر عن إمكانية الانقلاب على الأعقاب بعد رحيل الرسول، فهل يمكن أن يوصف بالعدالة التامّة الّتي هي أُخت العصمة من كان يُحتمل فيه تلك الإمكانية؟ ولذلك ترى أنّهم لا يرضون بنقد آراء الصحابة وأقوالهم.

2. ترك الرسول قائماً وهو يخطب

بينا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يخطب الجمعة قدمت عير المدينة فابتدرها أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى لم يبق معه إلاّ اثنا عشر رجلاً. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): والذي نفسي بيده، لو تتابعتم حتّى لا يبقى منكم أحد سال لكم الوادي ناراً، فنزلت هذه الآية:(وَإِذا رَأوا تِجارةً أَو لَهْواً انفضّوا إِليها

1 . تفسير ابن كثير: 1 / 409. والآية 144 من سورة آل عمران.
2 . زاد المعاد: 253.

صفحه 306
وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ الله خَيْرٌ مِنَ اللَّهو وَ مِنَ التِّجارَةِ وَاللّهُ خَيرُ الرّازِقين).
قال ابن كثير: يعاتب تبارك وتعالى على ما كان وقع، من الانصراف عن الخطبة يوم الجمعة إلى التجارة التي قدمت المدينة يومئذ، فقال تعالى: (وَإِذا رَأوا تِجارةً أَو لَهْواً انفضّوا إِليها وَتَرَكُوكَ قائِماً) أي على المنبر تخطب، هكذا ذكره غير واحد من التابعين، منهم: أبو العالية والحسن وزيد بن أسلم وقتادة، وزعم ابن حبّان أنّ التجارة كانت لدحية بن خليفة قبل أن يسلم وكان معها طبل، فانصرفوا إليها وتركوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قائماً على المنبر إلاّ القليل منهم، وقد صحّ بذلك الخبر، فقال الإمام أحمد: حدّثنا ابن إدريس، عن حصين بن سالم بن أبي الجعد، عن جابر، قال: قدمت غير مرّة المدينة ورسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يخطب فخرج الناس وبقي اثنا عشر رجلاً فنزلت (وَإِذا رأوا تجارة أو لهواً انفضّوا إِليها )أخرجاه في الصحيحين .(1)
أفمن يقدّم اللهو والتجارة على ذكر الله ويستخف بالنبيّ، يكون ذا ملكة نفسانية تحجزه عن اقتراف المعاصي واجتراح الكبائر، ما لكم كيف تحكمون؟!

3. الخيانة بالنكاح سرّاً

شرّع الله سبحانه صوم شهر رمضان وحرّم على الصائم إذا نام ليلاً

1 . تفسير ابن كثير: 4 / 378; صحيح البخاري: 1 / 316، كتاب الجمعة، باب الساعة التي في يوم الجمعة ; صحيح مسلم: 2 / 590 كتاب الجمعة، باب في قوله تعالى: (وإذا رأوا تجارة...).

صفحه 307
مجامعة النساء، فكان جماعة من المسلمين ينكحون سرّاً وهو محرّم عليهم.
قال ابن كثير: كان الأمر في ابتداء الإسلام، هو إذا أفطر أحدهم إنّما يحلّ له الأكل والشرب والجماع إلى صلاة العشاء أو نام قبل ذلك فمتى نام أو صلّى العشاء حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى الليلة القادمة، ثمّ إنّ أُناساً من المسلمين أصابوا من النساء والطعام في شهر رمضان بعد العشاء، منهم عمر بن الخطاب، فشكوا ذلك إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فأنزل الله قوله: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيلةَ الصّيامِ الرَّفثُ إِلى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنكُم كُنْتُمْ تَختانُونَ أَنفسكُمْ فتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فالآن باشِرُوهنَّ وابتَغُوا ما كَتَبَ الله لَكُمْ...).(1)
فهل يصحّ لنا أن نصف من خانوا أنفسهم بارتكاب الحرام بأنّهم عدول ذوي ملكة رادعة عن اقتراف الكبائر والإصرار على الصغائر؟! أو أنّ أكثرهم لم يكونوا حائزين تلك الملكة، وإنّما كانوا على درجة متوسطة من الإيمان والتقوى وقد يغلب عليهم حبّ الدنيا ولذّاتها.

4. خيانة بعض البدريّين

يقول سبحانه:(وَما كانَ لِنَبىّ أن يغُلَّ وَمَنْ يَغْلُل يَأْتِ بِما غَلَّ يَوم القِيامَةِ ثُمّ توفّى كُلّ نَفس ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلمُون).(2)

1 . تفسير ابن كثير: 1 / 219; صحيح البخاري: 5 / 155 ، كتاب التفسير، وغيرهما، والآية 187 من سورة البقرة.
2 . آل عمران: 161.

صفحه 308
قال ابن كثير: نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، فقال بعض الناس: لعلّ رسول الله أخذها فأكثروا في ذلك، فأنزل الله:(وَما كانَ لِنَبيّ أن يغلّ وَمَنْ يَغْلل يَأْتِ بِما غلّ يَوم القِيامَة) وهذا تنزيه له ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ من جميع وجوه الخيانة في أداء الأمانة وقسم الغنيمة، ثمّ تبيّن أنّه قد غلّ بعض أصحابه.(1)
والآية تعرب عن مدى حسن ظنّهم واعتقادهم برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)حتّى اتّهموه بالخيانة في الأمانة وتقسيم الأموال، ثمّ تبين أنّه قد غلّه بعض أصحابه، فهؤلاء الجاهلون بمكانة النبي، أو من مارس الخيانة في أموال المسلمين لا يوصفون بالعدالة.
وهذا حال البدريين، لا الأعراب ولا الطلقاء ولا أبنائهم ولا المنافقين، فكيف حال من أتى بعدهم؟ ولعمري أنّ من يقرأ هذه الآيات البيّنات وما ورد حولها من الأحاديث والكلمات ثمّ يصرّ على عدالة الصحابة جميعاً دون تحقيق فقد ظلم نفسه وظلم أُمّته.

5. فاسق يغرّ النبيّ وأصحابه

يقول سبحانه: (يا أَيُّها الّذينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبأ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصيبُوا قَوماً بِجَهالة فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمين).(2)
أمر الله سبحانه بالتثبت في خبر الفاسق ليحتاط له لئلاّ يحكم بقوله

1 . تفسير ابن كثير: 1 / 421 ; تفسير الطبري: 4 / 155 في تفسير الآية، إلى غير ذلك من المصادر.
2 . الحجرات: 6.

صفحه 309
فيكون في نفس الأمر كاذباً أو مخطئاً، قال ابن كثير: قد ذكر كثير من المفسّرين أنّ الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط حين بعثه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على صدقات بني المصطلق إلى حارث بن ضرار وهو رئيسهم ليقبض ما كان عنده ممّا جمع من الزكاة، فلمّا أن سار الوليد حتّى بلغ بعض الطريق فرق ـ أي خاف ـ فرجع حتّى أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول الله إنّ الحارث قد منعني الزكاة وأراد قتلي، فغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعث البعث إلى الحارث (رضي الله عنه) و أقبل الحارث بأصحابه حتّى إذا استقبل البعث وفصل عن المدينة لقيهم الحارث، فقالوا: هذا الحارث. فلمّا غشيهم قال لهم: إلى من بعثتم؟ قالوا: إليك. قال: ولم؟ قالوا: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بعث إليك الوليد بن عقبة فزعم أنّك منعته الزكاة وأردت قتله، قال (رضي الله عنه): لا والذي بعث محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم)بالحقّ ما رأيته بتة ولا أتاني، فلمّا دخل الحارث على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: منعتَ الزكاة و أردتَ قتل رسولي؟ قال: لا، والذي بعثك بالحقّ ما رأيته ولا أتاني، وما أقبلت إلاّ حين احتبس عليّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)خشيت أن تكون سخطة من الله تعالى ورسوله، قال: فنزلت الحجرات: (يا أيُّها الّذين آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسق بنبأ)إلى قوله: (حكيم).(1)

6. تنازعهم في الغنائم إلى حدّ التخاصم

إنّ صحابة النبي بعد انتصارهم على المشركين في غزوة بدر، استولوا على أموالهم وتنازعوا فيها إلى حدّ التخاصم، قال الذين جمعوا الغنائم: نحن

1 . تفسير ابن كثير: 4 / 209.

صفحه 310
حويناها وجمعناها فليس لأحد فيها نصيب.
وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم أحقّ بها منّا ونحن منعنا عنه العدوّ وهزمناهم.
وقال الذين أحدقوا برسول الله: لستم بأحقّ بها منّا نحن أحدقنا برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وخفنا أن يصيب العدوّ منه غرّة واشتغلنا به فنزل: (يسألونك عن الأنفالِ قُل الأَنفالُ للّهِ والرَّسُولِ فاتَّقُوا الله وأصلحوا ذات بَيْنِكم وأَطيعوا الله ورسوله إِنْ كُنْتُمْ مُؤمنين).(1)
قال ابن كثير: سأل أبو أمامة عبادة عن الأنفال؟ قال: فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا، فانتزعه الله من أيدينا وجعله إلى رسول الله، فقسّمه رسول الله بين المسلمين عن سواء.(2)
وفي الآية إلماعات إلى سوء أخلاقهم حيث يعظ سبحانه هؤلاء السائلين ويأمرهم بأُمور ثلاثة بقوله:
1. (واتقوا الله) في أُموركم وأصلحوا فيما بينكم ولا تظالموا ولا تخاصموا ولا تشاجروا، فما آتاكم الله من الهدى والعلم خير ممّا تختصمون بسببه.
2. (وأصلحوا ذات بَيْنِكم): أي لا تسبّوا.
3. (وأَطيعوا الله ورسوله): أي لا تخالفوه و لا تشاجروا.(2)

1 . الأنفال: 1.   2 . تفسير ابن كثير: 2 / 283.
2 . تفسير ابن كثير: 2 / 285.

صفحه 311
فالإمعان في الآيات النازلة حول هؤلاء المتنازعين والروايات الواردة في تفسير الآية، لا تدع مجالاً للشكّ في أنّ لفيفاً من الحاضرين في غزوة بدر لم يبلغوا مرحلة عالية تميزهم عن غيرهم، بل كانوا كسائر الناس الذين يتنازعون على حطام الدنيا وزبرجها دون أن يستشيروا النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)في أمرها، ويسألونه عن حكمها، أفهؤلاء الذين كانوا يتنازعون على حطام الدنيا، يصبحون مُثُلاً للفضيلة وكرامة النفس والطهارة؟!

7. استحقاقهم مسّ عذاب عظيم

كانت السنّة الجارية في الأنبياء الماضين انّهم إذا حاربوا أعداءهم وظفروا بهم ينكّلون بهم بالقتل ليعتبر به من وراءهم حتّى يكفّوا عن عدائهم لله ورسوله، وكانوا لا يأخذون أسرى حتّى يثخنوا في الأرض ويستقر دينهم بين الناس، فعند ذلك لم يكن مانع من الأسر، ثمّ يعقبه المنّ أو الفداء.
يقول سبحانه في آية أُخرى: (فإذا لَقِيتُمُ الّذين كَفَروا فَضربَ الرِّقابِ حتّى إِذا أَثخَنْتُموهُمْ فَشدّوا الوَثَاقَ فإِمّا منّاً بعدُ وإِمّا فِداء)(1)، فأجاز أخذ الأسر، لكن بعد الإثخان في الأرض واستتباب الأمر.
غير أنّ لفيفاً من الصحابة كانوا يصرون على النبي بالعفو عنهم وقبول الفداء منهم (قبل الإثخان في الأرض) فأخذوا الأسرى، فنزلت الآية في ذم هؤلاء وعرّفهم بأنّهم استحقوا مسَّ عذاب عظيم لولا ما سبق كتاب من الله، يقول سبحانه: (ما كان لنبيّ أن يكونَ لَهُ أَسرى حتّى يُثخِن فِي الأَرض

1 . محمد: 4.

صفحه 312
تُريدُونَ عَرَض الدُّنيا وَاللّهُ يُريدُ الآخرة واللّهُ عَزيزٌ حَكيم * لَولا كِتابٌ مِنَ الله سَبق لَمَسَّكُم فيما أخذتُمْ عذابٌ عَظيم).(1)
والمستفاد من الآيتين أمران:
الأوّل: أنّ الحافز لأكثرهم أو لفئة منهم هو الاستيلاء على عرض الدنيا دون الآخرة كما يشير إليه سبحانه بقوله: (تُريدُونَ عَرَض الدُّنيا وَاللّهُ يُريدُ الآخرة).(2)
الثاني: لقد بلغ عملهم من الشناعة درجة، بحيث استحقُّوا مسَّ عذاب عظيم، غير أنّه سبحانه دفع عنهم العذاب لما سبق منه في الكتاب، قال سبحانه: (لَولا كِتابٌ مِنَ الله سَبق لَمَسّكُمْ فيما أَخذتُم) أخذ الأسرى (عذاب عظيم).
فقوله:(عذاب عظيم) يعرب عن عظم المعصية التي اقترفوها حتّى استحقوا بها العذاب العظيم.
أفيمكن وصف من أراد عرض الدنيا مكان الآخرة واستحقّ مسّ عذاب عظيم بأنّه ذو ملكة نفسانية تصده عن اقتراف الكبائر والإصرار على الصغائر، كلاّ، ولا.

8 . الفرار من الزحف

لقد دارت الدوائر على المسلمين يوم أُحد، لأنّهم عصوا أمر الرسول

1 . الأنفال: 67 ـ 69.
2 . الأنفال: 67.

صفحه 313
وتركوا مواقعهم على الجبل طمعاً في الغنائم فأصابهم ما أصابهم من الهزيمة التي ذكرتها كتب السيرة و التاريخ على وجه مبسوط. وبالتالي تركوا النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في ساحة الحرب وليس معه إلاّ عدد قليل من الصحابة، ولم تنفع معهم دعواته(صلى الله عليه وآله وسلم) بالعودة إلى ساحة القتال ونصرته، فقد خذلوه في تلك الساعات الرهيبة، وأخذوا يلتجئون إلى الجبال حذراً من العدو، ويتحدّث سبحانه تبارك وتعالى عن تلك الهزيمة النكراء بقوله: (إِذْ تُصْعِدونَ وَلا تَلوُونَ عَلى أَحَد وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ في أُخراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمّاً بِغَمّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَالله خَبيرٌ بِما تَعْمَلُون).(1)
فالخطاب موجّه للذين انهزموا يوم أُحد، وهو يصف خوفهم من المشركين وفرارهم يوم الزحف، غير ملتفتين إلى أحد، ولا مستجيبين لدعوة الرسول، حين كان يناديهم من ورائهم ويقول: هلم إليَّ عباد الله أنا رسول الله... ومع ذلك لم يُجبه أحد من المولّين.
والآية تصف تفرقهم وتولّيهم على طوائف أُولاهم بعيدة عنه، وأُخراهم قريبة، والرسول يدعوهم ولا يجيبه أحد لا أوّلهم ولا آخرهم، فتركوا النبيّ بين جموع المشركين غير مكترثين بما يصيبه من القتل أو الأسر أو من الجراح.
نعم كان هذا وصف طوائف منهم و كانت هناك طائفة أُخرى، التفت حول النبي ودفعت عنه شرّ الأعداء، وهم الذين أُشير إليهم بقوله سبحانه: (وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكرين).(2)

1 . آل عمران: 153.   2 . آل عمران: 144.

صفحه 314
ثمّ إنّه سبحانه يصرح بتولّيهم وفرارهم عن الجهاد وينسب زلّتهم إلى الشيطان ويقول: (إِنّ الّذين تَوَلَّوا مِنْكُمْ يَومَ التَّقى الجَمْعَانِ إِنّما استَزَلَّهُمُ الشَّيطانُ ببعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ الله غَفُورٌ رَحيم).(1) وليس هؤلاء من أصحاب النفاق (لأنّ المنافق لا يُغفر له ولا يعفى عنه) بل من الصحابة العدول!

9. نسبة الغرور إلى الله ورسوله

إنّ غزوة الأحزاب من المغازي المعروفة في الإسلام، حيث اتحد المشركون واليهود للانقضاض على الإسلام، فحاصروا المدينة وهم عشرة آلاف مدجّجين بالسلاح، وحفر المسلمون خندقاً حول المدينة لمنع العدو من اقتحامها وقد طال الحصار نحو شهر.
وفي هذه الغزوة امتحِن أصحابُ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وزلزلوا زلزالاً عظيماً ، وتبيّن الثابت من المستزلّ، وانقسم أصحابه إلى قسمين:
1. المؤمنون وشعارهم: (هذا ما وعدنا اللهُ ورسولُهُ وصدق اللهُ ورسولُهُ وما زادهم إلاّ إيماناً وتسليماً).(2)
2. المنافقون والذين في قلوبهم مرض وشعارهم:(ما وعدنا الله ورسوله إلاّ غروراً).(2)

1 . آل عمران: 155 .   2 . الأحزاب: 22.
2 . الأحزاب: 12.

صفحه 315
فضعفاء الإيمان من المؤمنين كانوا يظنون بالله انّه وعدهم وعداً غروراً، فهل يصحّ وصف هؤلاء بالعدالة والتزكية؟! وهم ـ طبعاً ـ غير المنافقين الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، ويدلّ على ذلك، عطف (والّذينَ في قُلُوبهم مرضٌ)على المنافقين، قال سبحانه: (وَإِذ يَقُولُ المُنافِقُونَ وَالّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ).
ومن يمعن النظر في الآيات الواردة حول غزوة الأحزاب يعرف مدى صمود كثيرمن الصحابة أمام ذلك السيل الجارف، فإنّ كثيراً منهم كانوا يستأذنون النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)للرجوع إلى المدينة بحجة انّ بيوتهم عورة ويقول سبحانه: (وما هي بِعَورة ان يُريدون إِلاّ فراراً ولقَد عاهدوا الله من قَبل لا يولون الأَدبار وكانَ عَهْد الله مسؤولاً).(1)

10. المنافقون المندسّون بين الصحابة

لقد شاع النفاق بين الصحابة منذ نزول النبي، بالمدينة، وقد ركّز القرآن على عصبة المنافقين وصفاتهم، وفضح نواياهم، وندّد بهم في السور التالية: البقرة، آل عمران، المائدة، التوبة، العنكبوت، الأحزاب، محمد، الفتح، الحديد، المجادلة، الحشر، والمنافقون.
وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ المنافقين كانوا جماعة هائلة في المجتمع الإسلامي، بين معروف عرف بسمة النفاق ووصمة الكذب،

1 . الأحزاب: 13.

صفحه 316
وغير معروف بذلك، ولأنّه مقنّع بقناع الإيمان والحب للنبي، فلو كان المنافقون جماعة قليلة غير مؤثرة لما رأيت هذه العناية البالغة في القرآن الكريم.
وهناك ثلة من المحقّقين ألّفوا كتباً ورسائل حول النفاق والمنافقين، وقد قام بعضهم بإحصاء ما يرجع إليهم فبلغ مقداراً يقرب من عشر القرآن الكريم.
ومع ذلك فهل يمكن عد جميع من صحب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)عدولاً؟!
نعم المنافقون ليسوا من الصحابة ولكنّهم كانوا مندسّين فيهم، وعند ذلك فكثيراً ما يشتبه الصحابي الصادق بالمنافق، ولا يتميّز المنافق عن المؤمن، حتّى أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ربما كان لا يعرفهم، يقول سبحانه: (وَمِنْ أَهل المَدينة مردوا عَلى النِّفاق لا تعلمهم نَحْنُ نعلَمهم).(1)
فهذا يجر الباحث ـ الذي يريد الإفتاء على ضوء ما قاله الصحابة ـ التفتيش عن حال الصحابي حتّى يعرف المنافق عن غيره، فلو اشتبه الحال فلا يكون قوله ولا روايته حجّة.
هذا بعض قضاء القرآن في حق الصحابة، ولسنا بصدد الاستقصاء بأنّ أصناف الصحابة المجانبين للعدالة، أكثر(2) ممّا ذكرنا لكن التفصيل لا يناسب وضع الكتاب.

1 . التوبة: 101.
2 . منهم: السمّاعون ( التوبة: 45 ـ 47)، خالطو العمل الصالح بغيره (التوبة: 102)، المسلمون غير المؤمنين ( الحجرات: 14)، المؤلفة قلوبهم (التوبة: 60).

صفحه 317

الأمر العاشر

السنّة النبوية وعدالة الصحابة

درسنا عدالة الصحابة في ضوء القرآن الكريم وخرجنا بالنتيجة التالية :انّ حال الصحابة كحال التابعين، ففيهم عادل وفاسق، وصالح وطالح، منهم من يُستدرّ به الغمام ومنهم من دون ذلك.
ومن حسن الحظ انّ السنّة النبوية تدعم ذلك الموقف، فلنذكر منها نزراً قليلاً حسب ما يقتضيه وضع الكتاب.

1. زعيم الفئة الباغية

روى مسلم عن أبي سعيد قال: أخبرني من هو خير منّي ـ أبو قتادة ـ انّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعمّار حين جعل يحفر الخندق وجعل يمسح رأسه ويقول: بُؤسَ ابنُ سمية تقتلك فئة باغية.(1)
وروى البخاري عن أبي سعيد أنّه قال: كنّا نحمل لبنة لبنة وعمار لبنتين لبنتين، فرآه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فجعل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ينفض التراب عنه ويقول: ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار.

1 . جامع الأُصول: 9 / 42 برقم 6580.

صفحه 318
قال الحميدي في هذا الحديث زيادة مشهورة لم يذكرها البخاري أصلاً من طريق هذا الحديث، ولعلّها لم تقع إليه فيها، أو وقعت فحذفها لغرض قصده في ذلك، وأخرجها أبو بكر البرقاني، وأبو بكر الإسماعيلي قبله، وفي هذا الحديث عندهما انّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: ويح عمّار، تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار.(1)
وقد كشف الحميدي عن نوايا البخاري انّه ربما يتلاعب بالحديث فيحذف بعض أجزائه لغرض معيّن، وهو إنّما حذف هذه الجملة المشهورة، أعني: «تقتله الفئة الباغية»بقصد تبرئة معاوية، وتبرير أعماله.
ونحن نسأل القائلين بعدالة الصحابة مَن هي الفئة الباغية التي قتلت عماراً؟! وهل كان فيها من صحابة النبي من يؤيّد موقف الفئة الباغية؟! لا شكّ انّ معاوية كان يترأس الفئة الباغية وكان عمرو بن العاص وزيره في الحرب، وكان انتصار معاوية في حرب صفين رهن مكيدة عمرو بن العاص، وكان بين الفئة الباغية من الصحابة النعمان بن بشير الأنصاري، وعُقْبة بن عامر الجهني، وأبو الغادية يسار بن سبع الجهني وغيرهم.

2. عصيان أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بإحضار القلم والدواة

قد روى أصحاب الصحاح أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر بإحضار القلم والدواة ليكتب كتاباً لا يضلّوا بعده أبداً، وقد حال بعض الحاضرين بينه و بين ما يروم إليه، وقد أخرجه البخاري في غير مورد من صحيحه.

1 . جامع الأُصول: 9 / 44 برقم 6583.

صفحه 319
ففي كتاب العلم أخرج عن ابن عباس انّه قال: لما اشتدّ بالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وجعه، قال: «ائتوني بكتاب اكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده»، قال عمر: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغط، قـال: «قوموا عنّي ولا ينبغي عندي التنازع» فخرج ابن عباس يقول: إنّ الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)و بين كتابه.(1)
وأخرج أيضاً عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنّه قال: يوم الخميس وما يوم الخميس، ثمّ بكى حتّى خَضَبَ دمعُه الحصباءَ، فقال: اشتدّ برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وجعه يوم الخميس، فقال: «ائتوني بكتاب اكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً». فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: هجر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قال: «دعوني فالذي أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه».(2)
وهنا نكتة لابدّ من إلفات القارئ إليها وهي: انّ فعل النبي(طلب الكتاب)، نسب في الصورة الأُولى إلى غلبة الوجع وعند ذاك سمّي القائل به وهو عمر، وفي الصورة الثانية نسب إلى الهجر والهذيان، ولم يذكر اسم القائل، وجاء مكان «عمر» لفظة: «قالوا».
ولما كانت الصورة الأُولى أخف وطأة من الثانية، جاء فيها ذكر القائل دون الثانية.
والقائل في الجميع واحد.
ويذكره أيضاً بشكل آخر في موضع ثالث، يقول:
اشتدّ برسول الله وجعه فقال: «ائتوني بكتف اكتب لكم كتاباً لا تضلّوا

1 . صحيح البخاري: 1 / 38، برقم 114.   2 . صحيح البخاري: 2 / 287، برقم 3053.

صفحه 320
بعده أبداً» فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: ماله أهجر؟ استفهموه، فقال: «ذروني فالذي أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه».(1)
وفي صورة رابعة قال بعضهم: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد غلبه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قرّبوا يكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول غير ذلك، فلمّا أكثروا اللغو والاختلاف قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): قوموا.(2)
أُنشدك بالله انّ من يخالف أمر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي تدلّ القرائن على كونه إلزامياً، ثمّ يصف أمره بأنّه نتيجة غلبة الوجع أو الهجر والهذيان هل يوصف هذا بأنّه صاحب ملكة رادعة عن اقتراف المحرمات؟!
وما أبعد ما بين وصف هؤلاء وبين وصفه سبحانه لنبيّه الكريم بقوله: (وَالنَّجم إِذا هَوى * ما ضَلَّ صاحِبكُمْ وَما غَوى * وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى* إِنْ هُوَ إِلاّ وَحيٌ يُوحى).(3)
كيف يقول ذلك الصحابي حسبنا كتاب الله؟! فلو كان هذا صحيحاً فلماذا ألف المسلمون الصحاح والسنن والمسانيد؟!

3. الانقلاب على الأعقاب بعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

1. أخرج البخاري وعن أبي حازم قال: سمعت سهل بن سعد يقول:

1 . صحيح البخاري: 2 / 321، برقم 3168 .
2 . صحيح البخاري: 3 / 132 برقم 4432، ولاحظ أيضاً: 4 / 10 برقم 5669 ورقم 7366.
3 . النجم: 1 ـ 4 .

صفحه 321
سمعت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: أنا فَرَطُكُم على الحوض من ورده شرب منه، ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبداً، ليرد عليّ أقوام أعرفهم ويعرفونني ثمّ يحال بيني و بينهم.
قال أبو حازم: فَسَمِعَني النعمان بن أبي عيّاش وأنا أُحدِّثهم هذا، فقال: هكذا سمعتَ سهلاً؟ فقلت: نعم، قال: وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعتُه يزيد فيه قال: إنّهم منّي، فيقال: إنّك لا تدري ما بدّلوا بعدك، فأقول: سُحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي.(1)
2. أخرج البخاري عن المغيرة، قال سمعت أبا وائل، عن عبد الله (رضي الله عنه)، عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: أنا فَرَطُكم على الحوض، وليرفعنّ رجال منكم ثمّ ليُختلجُنَّ دوني، فأقول: يا ربّ أصحابي، فقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك.(2)
3. أخرج البخاري عن أنس، عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ليردَنَّ عليّ ناس من أصحابي الحوض حتّى إذا عرفتهم، اختُلِجُوا دوني فأقول: أصحابي؟! فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك.(3)
4. أخرج البخاري عن سهل بن سعد قال، قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّي فَرَطُكم على الحوض من مرّ عليّ شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً، ليردنّ عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ثمّ يحال بيني و بينهم.(3)

1 . صحيح البخاري: 4 / 355، برقم 7050 و 7051.
2 . صحيح البخاري: 4 / 227، برقم 6576.   3 . صحيح البخاري:4/ 228، برقم 6582.
3 . صحيح البخاري:4/ 228، برقم 6583 .

صفحه 322
5. أخرج البخاري عن أبي هريرة انّه كان يحدث انّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي فيحلّؤن عن الحوض، فأقول: يا رب أصحابي، فيقول: إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، انّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقهرى.(1)
6. أخرج البخاري عن أبي المسيب انّه كان يحدِّث عن أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)انّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: يرد عليّ الحوض رجال من أصحابي فيحلّؤن عنه، فأقول: يا ربّ أصحابي، فيقول: إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى.(2)
7. أخرج البخاري عن ابن عباس في حديث:... ثمّ يؤخذ برجال من أصحابي ذات اليمين وذات الشمال، فأقول: أصحابي، فيقال: إنّهم لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح عيسى بن مريم: (وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَ أَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ ـ إلى قوله: ـ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )(2).(3)
8. أخرج البخاري عن العلاء بن المسيب قال: لقيت البراء بن عازب فقلت: طوبى لك صحبت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وبايعته تحت الشجرة، فقال: يا بن أخي إنّك لا تدري ما أحدثنا بعده.(4)

1 . صحيح البخاري: 4 / 228، برقم 6585.   2 . صحيح البخاري: 4 / 228، برقم 6586.
2 . المائدة: 117 ـ 118 .
3 . صحيح البخاري: 2 / 402، كتاب أحاديث الأنبياء برقم 3447 .
4 . صحيح البخاري: 3 / 64، كتاب المغازي برقم 4170 .

صفحه 323
9. أخرج ابن أبي شيبة عن أبي بكرة انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: ليردنّ على الحوض رجال ممّن صحبني ورآني حتّى إذا رفعوا إليّ اختلجوا دوني فلأقولنّ: ربّي أصحابي! فليُقالَنّ إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك.(1)
10. أخرج مسلم عن أسماء بنت أبي بكر، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّي على الحوض حتّى أنظر من يرد عليّ منكم، وسيؤخذ أُناس دوني، فأقول: يا ربّ منّي ومن أُمتي، فيقال: أما شعرت ما عملوا بعدك، والله ما برحوا بعدك يرجعون أعقابهم.
قال: فكان ابن أبي مليكة يقول: اللّهم إنّا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا وأن نفتن عن ديننا.(2)
وتنتهي أسانيد هذه الروايات إلى شخصيات نظراء: سهل بن سعد، أبي وائل عن عبد الله، أنس بن مالك، أبي هريرة، ابن المسيب، البراء بن عازب، أبي بكرة، وأسماء بنت أبي بكر واقتصرنا غالباً بما رواه البخاري وقد نقله مسلم وغيره أيضاً ، وما ظنّك بحديث يرويه الإمام البخاري وقد نقل شيئاً منه في الفتن، وقسماً أكثر في باب الحوض.
ولابدّ من الكلام في مقامين:
الأوّل: من هم الذين أخبر النبي عن ارتدادهم بعد رحيله؟
الثاني: ما هو المراد من ارتدادهم؟
أمّا الأوّل: فالقرائن القطعية تدلّ على أنّ المراد، بعض أصحابه الذين

1 . مصنّف ابن أبي شيبة: كتاب الفضائل برقم 35 ; مسند أحمد: 5 / 48 .
2 . شرح صحيح مسلم للنووي: 15 / 61 برقم 2293 .

صفحه 324
عاشوا معه وكان يعرفهم وهم يعرفونه واجتمعوا معه في فترة زمنية، وليس هؤلاء إلاّ لفيف من أصحابه، والدليل على ذلك ما جاء في متونها من الكلمات التالية:
1. ليردنّ علي أقوام أعرفهم ويعرفونني كما في رقم 1.
2. أنا فرطكم على الحوض وليرفعن رجال منكم(رقم2).
3. حتّى إذا عرفتهم اختلجوا دوني(رقم3).
4. فأقول: يا ربّ أصحابي (رقم 3، 5، 6).
5. تشبيه هؤلاء بأصحاب عيسى ابن مريم والاستشهاد بقوله سبحانه: (وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ) فهو صريح في أنّ المراد من عاصر النبي. (رقم 7).
6. شهادة البراء بن عازب بأنّ الصحابة أحدثوا بعد رحيل النبي (رقم 8).
7. انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يصفهم بقوله: ممّن صحبني ورآني. (رقم 9).
8. استعاذة ابن أبي مليكة من أن يرجع إلى أعقابه الدالّ على أنّ الصحابة هم المقصودون. (رقم 10).
إذا كان من علائم هؤلاء:
إنّ الرسول يعرفهم وهم يعرفونه، وانّهم من رجال عصر الرسول (رجال منكم) لا من الأجيال المستقبلة، فهؤلاء أصحابه الذين عاشوا معه

صفحه 325
في عصر الرسالة، حتّى استحقوا بأن يصفهم النبي عند الاستغاثة بقوله: «يا رب أصحابي».
فلا أظن من يدرس هذه الروايات الواردة في الصحيحين وغيرهما بتجرّد وموضوعية أن يدور في خلده، انّ المراد من الذين ارتدوا على أدبارهم، أُمّته الذين أتوا بعده وعاشوا في أحقاب بعيدة عن عصر الرسول، ولم يكن فيها من وجود الرسول عين ولا أثر، إذ لو كان هذا هو المراد، فمتى عاش معهم النبي، حتّى عرفهم وعرفوه؟ ومتى كانوا معه حتّى صحّ وصفهم بقوله: «رجال منكم» ومتى صحبوه (فترة قصيرة أو طويلة) وصاروا أصحابه؟
ومن التجنّي على الحقيقة القول: «بأنّ جميع الأُمّة أصحاب النبي، كما أنّ جميع من يقلّدون الشافعي مثلاً أصحابه» فانّ هذا التفسير في المقيس عليه ممنوع فكيف المقيس؟ فأصحاب الشافعي هم الذين تربّوا على يديه والتفُّوا حوله وانتفعوا بعلمه، وأمّا الذين جاءوا بعده ولم يشاهدوه فهم أتباعه، لا أصحابه، فلو صح إطلاق الأصحاب عليهم، فإنّما هو إطلاق مجازي لا حقيقي .
وأمّا المقيس فالحال فيه واضحة.
فالصحابة، في الروايات والآثار، هم الذين أقاموا مع رسول الله فترة من الزمن، أو رأوا رسول الله و أدركوه وأسلموا، إلى غير ذلك من التعاريف التي ذكرها الجَزري في «أُسد الغابة».(1)

1 . أُسد الغابة:1/11ـ12.

صفحه 326
وليس هذا المورد إلاّ كسائر الموارد التي وردت فيها كلمة الصحابة، مثلاً رووا عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «لا تسبُّوا أصحابي» كما رووا عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: مثل أصحابي كالنجوم، إلى غير ذلك من الموارد، فالمراد من الجميع هو المعنى المصطلح.
وقد ألّف غير واحد من الرجاليين كتباً في حياة الصحابة، كالاستيعاب لابن عبد البرّ، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، و إلى غير ذلك من الموارد التي أُطلقت فيها كلمة الصحابة وأُريد بها، من كانوا وعاشوا معه.
إنّ المتبادر من قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك»، أو «إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك» أو «إنّهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى»،هو انّهم كانوا معك ولكن اقترفوا هذه الجريمة بعد رحيل الرسول، دون فاصل زماني طويل، وقد كان المترقب من هؤلاء الذين رأوا شمس الرسالة واستضاءوا بها، أن يتّبعوا دينه وشريعته و لا يعدلوا عنه قيد شعرة، ولكنّهم ـ للأسف ـ ارتدوا على أدبارهم القهقرى.
هذا كلّه حول الأمر الأوّل، أعني: رفع الستر عن هؤلاء الذين ارتدوا وبدّلوا.
وأمّا الأمر الثاني، فهل المراد من الارتداد هو الخروج عن الدين، أوالمراد من الارتداد هو الأعم من الرجوع عن العقيدة، أو السلوك على غير ما أوصى به النبي في غير واحد من الأُمور؟ ولعل المراد هو الثاني حيث إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أوصى بالثقلين وأهل بيته، فخالفوا وصية الرسول، كما أنّهم خالفوا في كثير من الأحكام، المذكورة في محلّها، فقدّموا الاجتهاد على

صفحه 327
النصّ، والمصلحة المزعومة على أمره، وبذلك أحدثوا في دينه بدعاً، ليس لها في الكتاب والسنّة أصل.

موقف النبي ممّن لم تحسن صحبته

ما مرّ من الروايات لا تهدف شخصاً معيّناً بالذكر، وهناك روايات تخص بعض الصحابة بالذكر من الذين لم تحسن صحبتهم ويخبر عن سوء مصيرهم ويندد بسوء عملهم، وهي كثيرة، ونذكر منها النزر اليسير:

1. كلّهم مغفور له إلاّ

أخرج مسلم عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): من يصعد، الثنيّة، ثنيّة المُرار فانّه يحطّ عنه، ما حطّ عن بني إسرائيل قال: فكان أوّل من صعدها، خيَلنا خيلَ بني الخزرج ثمّ تتامّ الناس، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «وكلّهم مغفور له إلاّ صاحب الجمل الأحمر» فأتيناه فقلنا له: تعال يستغفر لك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال: والله لأن أجد ضالّتي أحبّ إليّ من أن يستغفر لي صاحبكم، وكان رجل ينشد ضالّة له.(1)
إنّ مسلماً وان ذكره في كتاب صفات المنافقين، لكنّه لا دليل على أنّه كان منهم، بل كان من ضعفاء الإيمان، أو مرضى القلوب، أو السمّاعين، إلى غير ذلك من الأصناف المتوفرة في صحابة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقد ذكر الشراح انّه كان الجدّ بن قيس الأنصاري.

1 . صحيح مسلم: 8 / 123، صفات المنافقين وأحكامهم.

صفحه 328
وروى مسلم بعد هذا الحديث عن أنس بن مالك قال: كان منّا رجل من بني النجّار قد قرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتُب لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فانطلق هارباً حتّى لحق بأهل الكتاب قال فرفعوه، قالوا: هذا كان يكتب لمحمد، فأُعجبوا به....

2. اللّهم إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد

أخرج البخاري عن سالم، عن أبيه قال: بعث النبي خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فدعاهم إلى الإسلام فلم يُحسِنُوا أن يقولوا أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر، ودفع إلى كلّ رجل منّا أسيره، حتّى إذا كان يوم، أمر خالد أن يقتل كلّ رجل منّا أسيره، فقلت : والله لا أقتل أسيري، ولا يَقْتُل رجل من أصحابي أسيره حتّى قدمنا على النبي فذكرناه، فرفع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يده فقال: «اللّهمّ إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد» مرّتين.(1)
هذا هو سيف الإسلام، وبطله يقتل الأبرياء واحداً بعد الآخر، ويتبرأ النبي الأعظم من جريمته ولكنّه يُصبح بعد رحيل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)رجلاً بارّاً و سيفاً مسلولاً سلّه رسول الله ولا يُغمد، وإن زنى بزوجة مالك بن نويرة وقتله، فما حال غيره!

1 . صحيح البخاري، كتاب المغازي ، باب بعث النبي خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، الحديث 4339.

صفحه 329
 
3. تنبّؤه بمصير ذي الخويصرة
أخرج البخاري عن أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه) بينما نحن عند رسول الله وهو يقسم قسماً، أتاه ذو الخويصرة، وهو رجلٌ من بني تميم، فقال: يا رسول الله اعدل، فقال: «ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل، قد خِبتُ وخسرتُ إن لم أكن أعدِلُ». فقال عمر: يا رسول الله، ائذَن لي فيه فأضرِبَ عُنقَهُ؟
فقال: «دَعْهُ، فإنّ له أصحاباً يحقِّرُ أحدكم صلاتَه مع صلاتهم، وصيامَه مع صيامهم، يقرأون القرآن لا يُجاوز تراقيهم، يمرقون من الدِّين كما يمرقُ السَّهم من الرّميَّة».

4. انّ فيك شعبة من الكفر

قد سبّ أبو هريرة رجلاً بأُمّ له في الجاهلية فاستعدى رسول الله على أبي هريرة، فقال له رسول الله:«إنّ فيك شعبة من الكفر» فحلف أبو هريرة أن لا يسب بعده مسلماً.(1)

5. امتناع الرسول من الصلاة على أحد أصحابه

أخرج الحاكم في مستدركه عن زيد بن خالد الجهني (رضي الله عنه) أنّ رجلاً من أصحاب رسول الله توفّي يوم حنين أو خيبر، فامتنع (صلى الله عليه وآله وسلم) من الصلاة

1 . مجمع الزوائد:8/86، كتاب الأدب، باب في من يُعيّر بالنسب أو غيره.

صفحه 330
عليه، لأنّه غلّ في سبيل الله ففتّشوا متاعه فوجدوا خِرزاً من خرز اليهود لا يساوي درهمين.(1)

6. تنبّؤ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالمصير الأسود لبعض أصحابه

أخرج البخاري عن أبي هريرة قال شهدنا خيبر ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)لرجل ممّن معه يدّعي الإسلام: «هذا من أهل النّار». فلمّا حضر القتال قاتل الرجل أشدّ القتال حتّى كثُرت به الجِراحَة، فكادَ بعض الناس يرتاب، فوجد الرّجل ألمَ الجِراحَة، فأهوى بيده إلى كنانته، فاستخرج منها أسهماً فنَحَر بها نفسه، فاشتدّ رجال من المسلمين فقالوا: يا رسول الله، صدّق الله حديثك، انتحَر فلانٌ فقتل نفسه، فقال: «قم يا فلانُ، فأذِّن أنّه لا يدخلُ الجَنّة إلاّ مؤمنٌ، إنّ الله يُؤيِّد الدّين بالرَّجلِ الفاجر» .(2)

7. صحابي يخلو بامرأة

روى ابن كثير في تفسير قوله سبحانه:(إِنّ الحَسنات يُذْهِبن السَّيئات)قال: روى الإمام أبو جعفر بسنده عن أبي اليسر كعب بن عمرو الأنصاري قال:أتتني امرأة تبتاع منّي بدرهم تمراً، فقلت: إنّ في البيت تمراً أجود من هذا، فدخلت فأهويت إليها فقبّلتها، فأتيت عمر فسألته فقال: اتّق الله واستر على نفسك ولا تخبرن أحداً، فلم أصبر حتّى أتيت أبا بكر فسألته

1 . مستدرك الحاكم:2/127، كتاب الجهاد; مسند أحمد:4/114.
2 . صحيح البخاري:3/73، برقم 4203.

صفحه 331
فقال: اتّق الله واستر على نفسك ولا تخبرن أحداً، قال: فلم أصبر حتّى أتيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبرته فقال: «أخلفت رجلاً غازياً في سبيل الله في أهله بمثل هذا؟» حتّى ظننت أنّي من أهل النار حتّى تمنيتُ انّي أسلمت ساعتئذ، فأطرق رسول الله ساعة فنزل جبريل، فقال أبو اليسر: فجئت فقرأ عليّ رسول الله:(وَأَقِمِ الصَّلاة طَرَفي النَّهار وزُلَفاً من اللَّيل إِنّ الحَسنات يُذْهِبنَ السَّيئات ذلكَ ذِكْرى لِلذّاكرين) فقال إنسان: يا رسول الله له خاصة أم للناس عامة؟ قال: «للناس عامة».(1)

8. صحابي يجلس بين رجلي امرأة

أخرج عبد الرزاق عن يحيى بن جعدة انّ رجلاً من أصحاب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ذكر امرأة وهو جالس مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فاستأذنه لحاجة، فأذن له، فذهب يطلبها فلم يجدها، فأقبل الرجل يريد أن يبشر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بالمطر، فوجد المرأة جالسة على غدير فدفع في صدرها وجلس بين رجليها فصار ذكره مثل الهدبة، فقام نادماً حتّى أتى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فأخبره بما صنع فقال له: «استغفر ربّك وصلّ أربع ركعات» قال: وتلا عليه: (وَأَقِم الصَّلاة طَرفي النّهار وزُلفاً مِنَ اللَّيل)الآية.(2)

1 . تفسير ابن كثير:2/463 والآية 113 من سورة هود.
2 . تفسير ابن كثير: 2 / 463.

صفحه 332

9. صحابي يُقتصَّ منه

وهذا حارث بن سويد بن الصامت شهد بدراً لكنّه قتل المِجذَر بن زياد يوم أُحد لثأر جاهلي فقُتِل بأمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) . يقول ابن الأثير: لا خلاف بين أهل الأثر انّ هذا قتله النبي بالمجذر بن زياد، لأنّه قتل المجذر يوم أُحد غيلة.(1)

10. دعاء النبي على مُحلم بن جثامة

خرج هو ومعه نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة حتّى إذا كانوا ببطن «اضم» مرّ بهم عامر بن الاضبط الأشجعي على بعير له، وسلم عليهم بتحية الإسلام، وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله لشيء كان بينه وبينه وأخذ بعيره ومتاعه، فلمّا قدموا على رسول الله وأخبروه الخبر، فنزل فيهم قوله سبحانه: (يا أَيُّها الّذينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ في سَبيلِ الله فَتَبَيّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَن ألقى إِليكُمُ السلام لَسْت مُؤْمناً)الآية.(2)
وفي تفسير ابن كثير قال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : لا غفر الله لك.(2)
هذه نماذج من أصحاب النبي الذين اقترفوا المعاصي في حياة النبي وتنبّأ النبي بسوء مصيرهم، أو ندد بعملهم، وإلاّ فالمجروحون من أصحابه كثير. وكفى في نقض الموجبة الكلية (الصحابة كلّهم عدول) القضية الجزئية.

1 . أُسد الغابة: 1 / 332.            2 . أُسد الغابة: 4 / 309; النساء: 94.
2 . تفسير ابن كثير:1/539.

صفحه 333

الأمر الحادي عشر

عدالة الصحابة والتاريخ الصحيح

لقد أوقفك الامعان في آيات الذكر الحكيم والسنّة النبوية على أنّ الصحابة لم يكونوا على وتيرة واحدة، فكان فيهم الصالح والطالح، والعادل والفاسق، ومن حسنتْ صحبتُه، ومن ساءتْ، وبذلك انثلمتِ القاعدةُ العامّة المدّعاة في حقّ الصحابة وهي: «انّ الصحابة كلّهم عدول»، وقد بُرْهن في المنطق على أنّ نقيض الموجبة الكلية هو السالبة الجزئية، وما ذكرناه من النماذج ليس إلاّ سوالب جزئية بالنسبة إلى الضابطة الكلية.
فهلمّ معي نسلّط الأضـواء على ملامح من حيـاة الصحابة بعد رحيل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)فهي مشـرقـة من جانب، إذ حملوا لواء الإسلام بأيديهم، ونشروه في ربوع الأرض وقاتلـوا وقتلوا، وهذا ممّا لا يُنكر، ومُظلمة من جانب آخر فانّ بعض من صحب النبي وعاشره اقترف جرائم لا تُغتفر، سوّد بها صحيفة حياته حتّى عدّ عاراً على الصحابة أنفسِهم.
وها نحن نذكر في المقام نبذة موجزة عن بعض الصحابة الذين عدلوا عن الطريق المهيع لتكون نموذجاً لما لم نذكر، فإنّ استقصاء ذلك الجانب من حياة الصحابة رهن كتاب مفرد.

صفحه 334
 
1. صحابيّ يقتل صحابيّاً ويزني بزوجته
إنّ مالك بن نويرة بن حمزة اليربوعي يعرّفه الطبري بقوله: بعث النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)مالك بن نويرة على صدقة بني يربوع وكان قد أسلم هو وأخوه متمم بن نويرة الشاعر.(1) ولما ارتحل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)شاع الارتداد في القبائل، وبعث أبو بكر خالد بن الوليد ليطفئ هذه الفتنة، ولكنّ خالداً، تجاوز الحدّ فقتل الصحابي: مالك بن نويرة، ولم يقتصر على قتله فحسب، بل زنى بزوجته أيضاً.
فلمّا قدم خالد المدينة بالسبي ومعه سبعة عشر من وفد بني حنيفة، دخل المسجد وعليه قباء عليه صدأ الحديد، متقلداً السيف، وفي عمامته أسهُم، فمرّ بعمر فلم يكلّمه ودخل على أبي بكر، فرأى منه كلّ ما يُحب، وإنّما وجد عليه عمر لقتله مالك بن نويرة وتزوّجه بامرأته.(2)
وكانت شناعة الأمر بمكان، بحيث انّ عمر بن الخطاب لمّا ولي الأمر عزله و كتب إلى أبي عبيدة: انّي قد استعملتك وعزلت خالداً.(3)

2. سمرة بن جندب يبيع الخمر

تولّى سمرة بن جندب (أحد الصحابة)إمارة البصرة في عهد معاوية،

1 . الاستيعاب: 3 برقم 2303.
2 . مختصر تاريخ دمشق: 8 / 19; سير إعلام النبلاء: 3 / 235 في ترجمة خالد برقم 83 . ولاحظ تاريخ الطبري: 2 / 272 و أُسد الغابة: 2 / 95 و الإصابة: 5 / 755 في ترجمة مالك بن نويرة.
3 . سير اعلام النبلاء: 3 / 236.

صفحه 335
وقد سفك من الدماء الكثير، ومن شنائع ما اقترفه، بيعه الخمر في عهد عمر.
أخرج مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: بلغ عمر أنّ سمرة باع خمراً، فقال: قاتل الله سمرة، ألم يعلم أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها.(1)
ولم تقتصر القبائح التي ارتكبها سمرة بن جندب على ذلك، بل تعداه إلى سفك الدماء والإسراف في قتل النفوس البريئة.
روى الطبري في حوادث سنة 50، قال: عن محمد بن سليم، قال: سألتُ أنس بن سيرين هل كان سمرة قتل أحداً؟ قال: وهل يحصى من قتله سمرة بن جندب، استخلفه زياد على البصرة، وأتى الكوفة فجاء وقد قتل ثمانية آلاف من الناس، فقال له : هل تخاف أن تكون قد قتلت أحداً بريئاً؟ قال: لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت.
وروى أيضاً عن أبي سوار العدوي قال: قتل سمرة بن جندب من قومي في غداة سبعة وأربعين رجلاً قد جمع القرآن.(2)

3. قدامة بن مظعون بدري يشرب الخمر

قدامة بن مظعون بن حبيب القريشي، وهو خال عبد الله وحفصة ابني عمر بن الخطاب، وقد استعمله عمر بن الخطاب على البحرين، فقدم الجارود سيد عبد القيس على عمر بن الخطاب من البحرين، فقال: يا أمير

1 . صحيح مسلم: 5 / 41 باب تحريم الخمر والميتة.
2 . تاريخ الطبري: 3 / 176.

صفحه 336
المؤمنين انّ قدامة شرب المسكر، فقال عمر: من يشهد معك، فقال: أبو هريرة، فدعي أبو هريرة، فقال: بم تشهد، فقال: لم أره يشرب، ولكنّي رأيته سكران يقي. فقال عمر: لقد تنطعت في الشهادة، ثمّ كتب إلى قدامة أن يقدم عليه من البحرين، فقدم، فقال الجارود لعمر: أقم على هذا كتاب الله الخ.(1)
قال عبد الرزاق في «المصنّف»: سمعت أيوب بن أبي يقول: لم يحدّ في الخمر أحد من أهل بدر إلاّ قدامة بن مظعون.(2)

4. أبو جندل يُحدّ حدّ الخمر

أبو جندل بن سهيل بن عمرو القرشي العامري، وكان أبوه سهيل كاتب قريش في صلح الحديبية، وهو ممّن فرّ من مشركي مكة والتحق بالمسلمين في صلح الحديبية.
ذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرت انّ أبا عبيدة بالشام وجد أبا جندل بن سهيل بن عمرو، و ضرار بن الخطاب وأبا الأزور، وهم من أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قد شربوا الخمر.
فقال أبو جندل: «ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طمعوا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات»، فكتب أبو عبيدة إلى عمر: انّ أبا جندل خصمني بهذه الآية. فكتب عمر: انّ الذي زيّن لأبي جندل الخطيئة زيّن له الخصومة، فاحددهم، فقال أبو الأزور: اتحدّوننا؟ قال أبو عبيدة: نعم،

1 . الاستيعاب: 3 / 1276، باب قدامة.
2 . مصنف بن عبد الرزاق: 9 / 240 برقم 17075.

صفحه 337
قال: فدعونا نلقى العدو غداً فإن قُتلنا فذاك، وإن رجعنا إليكم فحدُّونا، فلقى أبوجندل وضرار وأبو الأزور العدوَّ فاستشهد أبو الأزور وحدّ الآخران. فقال أبو جندل: هلكتُ. فكتب بذلك أبو عبيدة إلى عمر، فكتب عمر إلى أبي جندل وترك أبا عبيدة: انّ الذي زين لك الخطيئة حظر عليك التوبة.(1)

5. أبو محجن الثقفي يُحد ثماني مرات

أبو محجن مالك بن حبيب الثقفي، سمع من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وروى عنه، وحدث عنه أبو سعد البقال، قال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: أخوف ما أخاف على أُمّتي من بعدي ثلاث: إيمان بالنجوم، وتكذيب بالقدر، وحيف الأئمة.
ففي الاستيعاب: كان شاعراً مطبوعاً كريماً إلاّ أنّه منهمكاً في الشراب لا يكاد يُقلع عنه، ولايردعه حدّ ولا لوم لائم، وجلده عمر بن الخطاب في الخمر مراراً ونفاه إلى جزيرة في البحر، وبعث معه رجلاً فهرب منه ولحق بسعد بن أبي وقاص بالقادسية وهو محارب للفرس، وكان قد همّ بقتل الرجل الذي بعثه معه عمر، فأحس الرجل بذلك، فخرج فارّاً فلحق بعمر فأخبره خبره، فكتب عمر إلى سعد بن أبي وقاص بحبس أبي محجن، فحبسه.
وروى عن ابن جريج قال: بلغني انّ عمر بن الخطاب حدّ أبا محجن الثقفي في الخمر سبع مرات، وقال قبيصة بن ذويب: ضرب عمر بن

1 . الاستيعاب: 4 / 1623.

صفحه 338
الخطاب أبا محجن الثقفي في الخمر ثماني مرات، ومن رواية أهل الاخبار انّ ابناً لأبي محجن الثقفي دخل على معاوية، فقال له معاوية: أبوك الذي يقول:
إذا متُّ فا دفنّي إلى جنب كرمة *** تروّي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفنني بالفلاة فاننّي *** أخاف إذا ما متّ أن لا أذوقها(1)
وقد عقد الحافظ الكبير عبد الرزاق باباً أسماه «باب من حدّ من أصحاب النبي وذكره فيه».

6. مسلم بن عقبة يشن الغارة على أهل المدينة

مسلم بن عقبة الأشجعي من صحابة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ذكره ابن حجر في «الإصابة» برقم 7977، وكفى في حقّه ما ذكره الطبري في حوادث سنة 64 هـ ، قال: ولمّا فرغ مسلم بن عقبة من قتال أهل المدينة وإنهاب جنده أموالهم ثلاثاً، شخص بمن معه من الجند متوجهاً إلى مكة، فلما وصل إلى قفا المشلل نزل به الموت،وذلك في آخر محرم من سنة 64 هـ .(2)

7. بسر بن أرطأة يذبح ولدي عبيد الله بن العباس

بسر بن أرطأة من أصحاب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) شهد فتح مصر واحتفظ
بها، وكان من شيعة معاوية، وكان معاوية وجّهه إلى اليمن والحجاز في

1 . الاستيعاب: 4 / 1749. ولاحظ مصنف عبد الرزاق: 9 / 243 برقم 17077.
2 . تاريخ الطبري: 4 / 381، حوادث سنة 64.

صفحه 339
أوّل سنة أربعين وأمره أن ينظر من كان في طاعة عليّ(عليه السلام) فيوقع بهم، ففعل ذلك.
وقد ارتكب جرائم كثيرة ذكرها التاريخ، ولمّا كانت تمس عدالة الصحابة وكرامتهم أعرض ابن حجر عن استعراضها مكتفياً بالقول: وله أخبار شهيرة في الفتن لا ينبغي التشاغل بها!!
ومن جرائمه التي لا تستقال ولا تغتفر ذبحه ولدي عبيد الله بن العباس.
قال الطبري: أرسل معاوية بن أبي سفيان بعد تحكيم الحكمين بسر بن أبي أرطأة، فساروا من الشام حتّى قدموا المدينة وعامل علي(عليه السلام)على المدينة يومئذ أبو أيوب الأنصاري، ففر منهم أبو أيوب. ثمّ صعد بسر على المنبر ونادى: يا أهل المدينة والله لولا ما عهد إليّ معاوية ما تركت بها محتلماً إلاّ قتلته ـ إلى أن قال ـ: ثمّ مضى بسر إلى اليمن وكان عليها عبيد الله بن العباس، فلمّا بلغه مسيره فرّ إلى الكوفة واستخلف عبد الله بن عبد المدان الحارثي على اليمن، فأتاه بسر فقتله وقتل ابنه، ولقي بسر ثَقَل عبيد الله بن عباس وفيه ابنان له، فذبحهما.(1)

8. أُمّ المؤمنين وتزعّمها لجيش جرار

أمر الله تبارك وتعالى أُمّهات المؤمنين بملازمة بيوتهن بقوله: (وَقَرْنَ

1 . تاريخ الطبري: 4 / 107 ; سير اعلام النبلاء: 3 / 409 برقم 65.

صفحه 340
في بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِليةِ الأُولى وَأَقمن الصَّلاةَ وآتينَ الزَّكاةَ وأطعنَ اللّهَ وَرَسُولَه).(1)
وقد خالفت أُمّ المؤمنين عائشة أمر الكتاب العزيز حينما خرجت مع طلحة والزبير في جيش جرّار لمحاربة الإمام أمير المؤمنين علي(عليه السلام)الذي بايعه جمهور الصحابة من المهاجرين والأنصار.
وكان لها موقف عدائي واضح من الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) ، ولمّا بلغها قتل الإمام(عليه السلام)أنشدت قائلة:
فألقت عصاها واستقرّ بها النوى *** كما قرّ عيناً بالإياب المسافر(2)
فهذه الصحابية مع مالها من منزلة رفيعة بين المسلمين قادت جيشاً كبيراً لمحاربة الإمام(عليه السلام)، ودارت بينهما معركة شرسة، قُتل فيها من المسلمين ما يربو على عشرة آلاف حسب ما ذكره الطبري.(3)
وربما يقال: إنّ القتلى يفوق هذا العدد.
هذه نماذج ممّا يطالعه القارئ في مرآة التاريخ، ولو حاولنا الاستقصاء لفاق هذا العدد بكثير.
ومن سبر التاريخ بروح موضوعية وتجرد، يجد انّ فئة من الصحابة سوّدت وجه التاريخ بنحو يثير أسف الخلف على هذا السلف.

1 . الأحزاب: 33.
2 . تاريخ الطبري: 4 / 115.
3 . تاريخ الطبري: 3 / 540.

صفحه 341
 
ادّعاء العدالة لعامة الصحابة تنكّر للطبيعة البشرية
إنّ الصحابة الكرام لهم غرائز جامحة كسائر الناس، فمن الغريب استثناء هذا الجيل عن سائر الأجيال، وإضفاء هالة من القداسة عليهم بلا استثناء. ولم يكن للصحبة، البعد الإعجازي حتّى يقلب فطرتهم رأساً على عقب، ويحوّلهم إلى أشخاص مثاليّين، بل هم بشر ـ كسائر البشر ـ لهم ميول وغرائز، قد ينفلت زمامها، فتُلقي بهم في وديان الهوى والظلم والعصيان.
وما ذكرناه هو الذي يدعمه الذكر الحكيم والسنّة النبوية وتاريخ الصحابة، فمن حاول الإصرار على موقفه من عدالة الصحابة كلّهم، فقد خالف صريح القرآن الكريم والسنّة الشريفة وما أطبق عليه التاريخ الصحيح.
وعلى الرغم من ذلك فإنّ القائلين بعدالة الصحابة استدلّوا بوجوه:
الأوّل: الإجماع.
الثاني: ثناء الكتاب على الصحابة.
الثالث: ثناء السنّة عليهم.
وسنعقد بحثاً في الفصول الآتية نتناول فيه هذه الوجوه نقداً وتمحيصاً.

صفحه 342

الأمر الثاني عشر

أدلّة القائلين بعدالة الصحابة

1. الإجماع على عدالة الصحابة

استدلّ القائلون بعدالة الصحابة وهم جمهور السنّة بوجوه:
الأوّل: الإجماع على عدالتهم وقد مرّ آنفاً كلمة إمام الحنابلة وغيره، يقول ابن حزم:
إنّا نقطع على غيب قلوبهم انّهم كلّهم مؤمنون صالحون ماتوا كلّهم على الإيمان والهدى والبر، كلّهم من أهل الجنّة لا يلج أحد منهم النار.(1)
يلاحظ عليه: بأنّه كيف يدّعي الإجماع على خلاف ما نطق به الكتاب العزيز والسنّة النبوية والتاريخ الصحيح، أو ليس هذا الإجماع، إجماعاً على خلاف الحجج القطعية؟! ثمّ كيف يدّعي الإجماع مع أنّ في عدالة الصحابة أقوالاً مختلفة نذكر منها ما يلي:
يقول الخطيب في كتابه: «السنّة قبل التدوين».
إنّ للصحبة شرفاً عظيماً يمنح صاحبها ميزة خاصة، وهي انّ جميع

1 . ابن حزم حياته وعصره لأبي زهرة: 259.

صفحه 343
الصحابة عند من يعتدّ به من أهل السنّة عدول، سواء من لابس منهم الفتن ومن لم يلابس، وهو قول الجمهور.
وقال قوم: إنّ حكمهم في العدالة حكم من بعدهم في لزوم البحث عن عدالتهم عند الرواية.
ومنهم من قال: إنّهم لم يزالوا عدولاً إلى أن وقع الاختلاف والفتن بينهم، فبعد ذلك لا بدّ من البحث في عدالتهم.
ومنهم من قال ـ و هم المعتزلة ـ : إنّ كلّ من قاتل عليّاً عالماً فهو فاسق مردود الرواية والشهادة، لخروجهم على الإمام الحقّ.
ومنهم من قال برد رواية الكلّ وشهادتهم، لأنّ أحد الفريقين فاسق وهو غير معلوم ولا معيّن.
ومنهم من قال: بقبول رواية كلّ واحد منهم وشهادته إذا انفرد، لأنّ الأصل فيه العدالة، وقد شككنا في فسقه، ولا يقبل ذلك منه مع مخالفه، لتحقّق فسق أحدهما من غير تعيين. (1)
وقد مرّ انّ عمر بن عبد العزيز، وأحمد بن حنبل وغيرهما قالوا بلزوم الإمساك عمّا شجر بين الصحابة في الخلاف، وما روي عنهم من اقتراف المعاصي، ومعنى ذلك انّهم وقفوا على واقع الأمر وأرادوا التغطية على الواقع الملموس، حفظاً لعقائد المسلمين!!

1 . السنّة قبل التدوين: 258.

صفحه 344

كلام التفتازاني في حقّ الصحابة

وهناك كلام للشيخ التفتازاني في شرح مقاصده مع أنّه استولت عليه العصبية بدعوته إلى ترك الكلام في حقّ البغاة والجائرين من الصحابة، ولكنّه أصحر بالحقيقة، قائلاً:
ما وقع بين الصحابة من المحاربات والمشاجرات على الوجه المسطور في كتب التواريخ والمذكور على ألسنة الثقات يدلّ بظاهره على أنّ بعضهم قد حاد عن طريق الحقّ، وبلغ حدّ الظلم والفسق وكان الباعث له الحقد والعناد والحسد واللداد، وطلب الملك والرئاسة، والميل إلى اللذات والشهوات، إذ ليس كلّ صحابي معصوماً ولا كلّ من لقي النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بالخير موسوماً إلاّ أنّ العلماء لحسن ظنهم بأصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ذكروا لها محامل وتأويلات بها تليق، وذهبوا إلى أنّهم محفوظون عمّا يوجب التضليل والتفسيق، صوناً لعقائد المسلمين عن الزيغ والضلالة في حقّ كبار الصحابة لا سيما المهاجرين منهم، والأنصار، والمبشرين بالثواب في دار القرار.
ثناء القرآن على الصحابة   
وأمّا ما جرى بعدهم من الظلم على أهل بيت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فمن الظهور بحيث لا مجال للإخفاء، ومن الشناعة بحيث لا اشتباه على الآراء، إذ تكاد تشهد به الجماد والعجماء، ويبكي له من في الأرض والسماء، و تنهد منه الجبال و تنشق الصخور، ويبقى سوء عمله على كرّ الشهور، ومرّ الدهور فلعنة الله على من باشر أو رضي أو سعى ولعذاب الآخرة أشدّ وأبقى.(1)

1 . شرح المقاصد: 5 / 310 ـ 311; وراجع كتاب الأربعين لمحمد طاهر القمي الشيرازي: 633، بحار الأنوار: 28 / 364.

صفحه 345
 
2. ثناء القرآن على الصحابة
استدلّ غير واحد من القائلين بعدالة الصحابة كلّهم، بآيات ورد فيها الثناء على طوائف منهم، وليس على كلّ الصحابة، لكن حب المستدلين للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه، حال بينهم و بين ما تهدف إليه آيات الثناء، فزعموا انّها تُثني على الصحابة بأجمعهم وانّه سبحانه شمل الجميع بثنائه وأشاد بفضلهم وفضيلتهم من دون استثناء، وإليك هذه الآيات.
الآية الأُولى:
يقول سبحانه: (وَالسّابِقُونَ الأوّلون َمِنَ المُهاجرينَ وَالأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبعُوهُمْ بِإِحسان رَضَِي اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعدّ لَهُمْ جَنّات تَجري مِنْ تَحْتهَا الأَنْهارُ خالِدينَ فِيها أَبداً ذلِكَ الْفَوزُ العَظيم).(1)
أثنى سبحانه في هذه الآية المباركة على طوائف ثلاثة عبّر عن كلّ منها بلفظ خاص.

الأُولى: السابقون الأوّلون من المهاجرين

أثنى سبحانه على السابقين من المهاجرين وحذف متعلّق السبق، وبما أنّهم من المهاجرين، يُعلم أنّ متعلّقه هو الهجرة أي الذين هاجروا أيّام هجرة النبي أو بعدها بقليل، وبما انّ لفظة «من» في قوله «من المهاجرين»

1 . التوبة: 100.

صفحه 346
للتبعيض، فهو يخرج المتأخرين في الهجرة فلا يعمّ المهاجرين غير السابقين، وعلى هذا فالآية تنطبق على من آمن بالنبي قبل الهجرة ثمّ هاجر قبل وقعة بدر التي منها ابتدأ ظهور الإسلام على الكفر.
وأمّا المهاجرون بعد وقعة أُحد، فلا يمكن الاستدلال بالآية عليهم لعدم وجود الموضوع أي السبق في الهجرة والنصرة.

الثانية: السابقون الأوّلون من الأنصار

أثنى سبحانه فيها على السابقين الأوّلين من الأنصار، وذلك لأنّ قوله: «والانصار» عطف على قوله: «المهاجرين» فيكون تقدير الآية : السابقون الأوّلون من الأنصار، ومتعلّق السبق وإن كان محذوفاً، ولكن كونهم من الأنصار، قرينة على أنّ المراد، السبق في النصرة بالإنفاق والإيواء فلا يدخل فيهم مطلق الأنصار ولا أبناؤهم، وحلفاؤهم، فالآية تثني على السابقين الأوّلين من الأنصار و هم الذين آمنوا بالنبي وآووه وتهيّأوا لنصرته عندما هاجر إلى المدينة، و لا تُثني على عامة الأنصار، وما ذكرناه هو الظاهر من المفسرين . قال الرازي: إنّ الآية تتناول الذين سبقوا في الهجرة والنصرة، فهو لا يتناول إلاّ قدماء الصحابة، لأنّ كلمة «من» تفيد التبعيض.(1)

دفع وهم

وربمايتوهم انّ الآية بصدد الثناء على عامة المهاجرين والأنصار، وهذا هو الظاهر من خطباء القوم ومؤلّفيهم وهو الذي ذكره الرازي قولاً ثانياً

1 . التفسير الكبير: 16 / 171.

صفحه 347
و قال: منهم من قال تتناول الآية جميع الصحابة، لأنّ جملة الصحابة موصوفون بكونهم سابقين أوّلين بالنسبة إلى سائر المسلمين، وكلمة «من » في قوله (من المهاجرين والأنصار)ليست للتبعيض، بل للتبيين، أي والسابقون الأوّلون الموصوفون بوصف كونهم مهاجرين وأنصاراً، كما في قوله تعالى: (فاجتنبوا الرِّجس من الأَوثان)وكثير من الناس ذهبوا إلى هذا القول.(1)
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ المتّبع في تفسير الآية، هو المتبادر عند أهل اللسان من ظاهر الآية، فإذا كان الصحابة حسب شهادة بعض الآيات منقسمين إلى قسمين سابق في الهجرة والنصرة ولاحق فيهما، يكون السبق واللحوق قائمين بنفس الصحابة، فمنهم سابق ومنهم لاحق لا أنّ كلّهم سابقون، ومن آمن بعدهم لاحقون. يقول سبحانه (لا يَسْتَوي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبل الفَتح وقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا).(2)
وثانياً: لو كانت الآية بصدد الثناء على عامة المهاجرين والأنصار، بل مطلق الصحابة وإن لم يكونوا منهما، تلزم لغوية قوله: (السابِقُونَ الأَوّلون)، بل يكفي أن يقال: (المهاجرون والأنصار و...)، لأنّ سبب الرضا والثناء هو هجرتهم ونصرتهم لا سبقهم على سائر الاجيال، لأنّ سبقهم على سائر المسلمين في الأجيال اللاحقة لم يكن أمراً اختيارياً لهم، وهذا بخلاف ما لو بان الثناء على صنف من الصحابة دون صنف، لأنّ سبق الأوّل في الهجرة

1 . التفسير الكبير: 16 / 171.   2 . الحديد: 10.

صفحه 348
والنصرة على سائر الصحابة إنّما كان بملاك الاختيار.
وثالثاً: إذا كـان المـراد مـن الآيـة عامّة الصحابة الذين أدركوا النبي وأسلموا، يكون المراد من الطائفة الثالثة فـي (و الذّين اتّبعوهم بإحسان)سائر المسلمين في الأجيال المتلاحقة .
فكان اللازم عندئذ أن يقول: والذين يتّبعونهم بإحسان، بصيغة المضارع لا الماضي، كما أتى به سبحانه في سورة الجمعة وقال: (هُوَ الّذي بَعَثَ فِي الأُميّين رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهم آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلّمُهمُ الكتابَ وَالْحِكْمَةَ وإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلال مُبين* وَآخَرينَ مِنْهُمْ لمّا يَلْحَقُوا بِهم وَهُوَ الْعَزِيزُ الحْكيم).(1)
فأراد من الآية الأُولى عامة الصحابة، ومن الآية الثانية (وآخرين َ مِنْهُم لَمّا يَلْحَقُوا بِهمْ) كلّ من يأتي بعد الصحابة إلى يوم القيامة، قال الله سبحانه بعث النبي إليهم فإنّ شريعته خاتمة الشرائع .

الثالثة: والذين اتّبعُوهم بإحسان

ما هو المراد من الموصول؟! وما هو المراد من القيد بإحسان؟
أمّا الأوّل فالمراد هم الذين تحقّق اتباعهم في عصر نزول الآية، لا من يتحقّق في الأجيال الآتية، وبما انّ مبدأ ظهور السابقين، هو ظهور الإسلام في الفترة المكية ومنتهاهم هو انتصار الإسلام على مظاهر الشرك في المنطقة، أعني: غزوة بدر، يكون نهاية هؤلاء مبدأ لظهور الطائفة الثالثة

1 . الجمعة: 2 ـ 3.

صفحه 349
وتتحدد نهايتهم ببيعة الرضوان أو فتح مكة لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا هجرة بعد الفتح».
وأمّا الثاني، فالآية لاتثني على كلّ من اتبع السابقين بالهجرة والنصرة ولكن تقيّد الاتّباع بقوله: «بإحسان» أي يكون الاتّباع مقروناً ومصحوباً بالإحسان في القول والعمل، فتقييد الرضا بحسن سلوكهم وسيرتهم يخرج من هاجر ونصر، من دون اتّباع مصحوب بإحسان، بأن ساءت سيرته، ولم يحسن سلوكه .
والله سبحانه يعلن رضاه عن هذه الطائفة مثل السابقين ويقول: (رَضِي الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ).(1)
فلو وجدنا صحابياً آمن وهاجر أو نصر النبي ولكن شككنا في حسن سلوكه وسيرته، لا تكون الآية دليلاً على رضاه سبحانه عنه، للشكّ في شمول الآية له فضلاً عمّن ثبت سوء سيرته.
هذا ما هو المتبادر والمفهوم من الآية، وهي دليل قاطع على أنّه سبحانه رضي عن طوائف ثلاث من الصحابة، لا عن كلّهم، والاستدلال به على الموجبة الكلية«عدالة كلّ صحابي» كما ترى.

الآية الثانية

استدلّوا على عدالة الصحابة بآية ثانية، نظيرة الآية المتقدّمة في تصنيف الصحابة إلى أصناف ثلاثة.

1 . المجادلة: 22.

صفحه 350
وهذه الطوائف الثلاث التي أشارت إليها الآية عبارة عن:
1. الفقراء المهاجرين.
2. الذين تبوّءُوا الدار والإيمان (الأنصار).
3. والذين جاءوا من بعدهم .
ولكلّ من الأصناف سمات و ميزات، مذكورة فيها ويتميزون بها عن سائر الصحابة قال سبحانه : (لِلْفُقراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَموالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُون * وَالّذينَ تَبَوَّءُو الدارَ والإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحبُّونَ مَن هاجَر إِليهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا وَيُؤثِرُونَ عَلى أَنفُسِهِمْ وَلَو كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ المُفْلِحُون * وَالَّذينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا وَلإِخوانِنا الَّذينَ سَبَقُونا بِالإِيمان وَلا تَجْعَل في قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤوفٌ رَحيم).(1)
فهذه الآيات الثلاث نظير ما تقدّم من الآيتين، لا تُثني على عامّة الصحابة، بل على فريق منهم.
أمّا المهاجرون فتثني على من تمتّع منهم بالصفات التالية:
أ. (أُخرجوا من ديارهم وأموالهم).
ب. (يبتغون فضلاً من الله ورضواناً).
ج. (ينصرون الله ورسوله).

1 . الحشر: 8 ـ 10.

صفحه 351
فمن تمتّع بهذه الصفات الثلاث من المهاجرين فقد أثنى القرآن عليه، وبما انّ من أبرز صفاتهم، كونهم مشرّدين من ديارهم وأموالهم، فيكون المقصود هم الذين هاجروا قبل وقعة «بدر». فينطبق على السابقين الأوّلين من المهاجرين في الآية السابقة.
وأمّا الأنصار فإنّما تثني على من تمتّع منهم بالصفات التالية:
أ.(تبوّءُو الدار والإِيمان مِنْ قَبْلِهِمْ ) أي آمنوا بالله ورسوله، فخرج بذلك من اتّهم بالنّفاق وكان في الواقع منافقاً.
ب. (يُحبُّونَ مَن هاجَر إِليهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجة مِمّا أُوتُوا).
ج.(وَيُؤثِرُونَ عَلى أَنفُسِهِمْ وَلَو كانَ بِهِمْ خَصاصَة ).
وبما انّ من أبرز صفاتهم، هو إيواء المهاجرين والأنصار وإيثارهم على الأنفس، فيكون المراد من آمنوا بالنبيّ وآووه وآووا المهاجرين، فينطبق على من آمن وآوى قبل غزوة بدر لانتفاء الإيواء بعدها خصوصاً بعد إجلاء «بني قينقاع» غبَّ معركة «بدر» حيث خرجوا من قلاعهم وأموالهم وأسلحتهم، تاركين جميع ذلك للمسلمين. فينطبق على السابقين الأوّلين من الأنصار في الآية السابقة.
وأمّا التابعون لهم، أعني: الذين جاءوا من بعدهم فإنّما أثنى على من تمتع منهم بالصفات التالية:
أ. ( يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا وَلإِخوانِنا الَّذينَ سَبَقُونا بِالإِيمان ).

صفحه 352
ب.(وَلا تَجْعَل في قُلُوبِنا غِلاً لِلَّذينَ آمَنُوا).
فالعلائم المذكورة للطائفة الثالثة، كناية عن الاتّباع بإحسان الذي ورد في الآية الأُولى، فتنبطق على التابعين فيها.
فظهر انّ الآيات الواردة في سورة الحشر، تتّحد مضموناً مع ما ورد في سورة التوبة ولا تختلف عنها قيد شعرة.
فالاستدلال بهذه الآيات وما تقدّمها على أنّ القرآن أثنى على الصحابة جميعهم من أوّلهم إلى آخرهم ـ الذين ربّما جاوز عددهم المائة ألف ـ غفلة عن مفاد الآيات; فأين الدعاء والثناء على لفيف من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم المتمتّعين بخصوصيات معيّنة، من الثناء على الطلقاء والأعراب وأبناء الطلقاء والمتّهمين بالنفاق؟!
وأين هذه الآيات من مدح خمسة عشر ألف صحابي سُجّلت أسماؤهم في المعاجم، أو مائة ألف صحابي صحبوا النبي في مواقف مختلفة ورأوه وعاشروه؟!

الآية الثالثة:

استدلّوا بآية ثالثة نزلت في مورد بيعة الرضوان وأبدى سبحانه رضاه عن المبايعين، وقال:
(لَقَدْ رَضِيَ اللّهُ عَنِ الْمُؤْمِنينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما

صفحه 353
فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَل السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً).(1)
فالآية تثني على مَن صحبوا النبي في الحديبية وبايعوه تحت الشجرة، وكان ذلك في السنّة السادسة من الهجرة، وقد رافقه حوالي ألف وأربعمائة أو ألف وستمائة أو ألف وثمانمائة.(2)
والثناء على هذا العدد القليل لا يكون دليلاً على الثناء على جميع الصحابة من أوّلهم إلى آخرهم!!
كما أنّ الرضا محدّد بزمان البيعة حيث قال: (إِذْ يُبايِعُونَكَ) ولا يشمل الفترات المتأخرة عنها.

الآية الرابعة:

استدلّوا على عدالتهم بآية رابعة تذكر سمات أصحاب النبي وصفاتهم، يقول سبحانه:
(مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضلاً مِنَ اللّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيل كَزَرْع أَخْرَجَ شَطأَهُ فَآزَرَهُ فَاستَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاع لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحات مِنْهُمْ مَغْفِرةً وَأَجراً عَظيماً).(2)

1 . الفتح: 18.   2 . السيرة النبوية: 2 / 309; مجمع البيان: 2 / 288.
2 . الفتح: 29.

صفحه 354
فهذه الآية بظاهرها أوسع دلالة ممّا سبق، لأنّها تثني على النبي ومن معه، ولكن مدلول الآية ـ في الحقيقةـ ليس بأوسع ممّا سبق، وذلك للقرائن التالية:
الأُولى: الصفات التالية لم تكن متوفرة في عامّة الصحابة، أعني بها:
أ. (أشدّاء على الكفّار).
ب. (رُحماء بَينَهُمْ).
ج.( تَراهُمْ رُكّعاً سُجّداً)
د. ( يَبْتَغُونَ فَضلاً مِنَ اللّهِ وَرِضْواناً).
هـ .( سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُود).
فهل الذين أراقوا دم عثمان وقتلوه في عقر داره كانوا من غير الصحابة؟!
وهل الذين خضّبوا الأرض بدم الصحابة في ميادين القتال كانوا من الأجانب؟! فما لكم كيف تحكمون.
فإذا كانت أعمالهم الإجرامية من مصاديق التراحم فكيف يكون تباغضهم ومشاجراتهم؟!
وهل كان في وجوه الأعراب والطلقاء وأبنائهم والذين آمنوا بعد الفتح أثر للسجود؟!
الثانية: أنّ ذيل الآية يشهد بأنّ الثناء على قسم منهم، يقول تعالى:

صفحه 355
(وَعَدَ اللّهُ الَّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرةً وَأَجراً عَظيماً)فانّ لفظة «من» في قوله: «منهم» للتبعيض، وما يقال من أنّ «من» بيانية غير صحيح، لأنّها لا تدخل على الضمير مطلقاً في كلامهم وإنّما تدخل على الاسم الظاهر، كما في قولك: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان)(1).(2)
الثالثة: انّ الآية نزلت قبل فتح مكة وبعد الحديبية، والمراد من قوله سبحانه في هذه الآية: (إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحَاً مُبِيناً) هو الفتح في صلح الحديبية، وفيه إخبار عن فتح مكة في المستقبل بقوله: ( لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنينَ مُحَلِّقينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرينَ لاَ تَخافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً).(3)
فالآية تتضمن الإخبار عن فتحين آخرين:
1. عمرة القضاء وأشار إليه بقوله: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الحَرامَ).
2. فتح مكة وأشار إليه بقوله: (فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً).
فإذا كانت الآية ممّا نزلت في السنّة السادسة وحواليها، فلا تكون

1 . الحج: 30.
2 . وربما يستشهد على دخول من البيانية على الضمير بقوله تعالى: ( لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ). والاستدلال مبني على عود الضمير في تزيلوا إلى المؤمنين، والضمير في «منهم» إلى الذين كفروا، ولكنّه غير صحيح ، بل الضميران جميعاً يرجعان إلى مجموع المؤمنين والكافرين من أهل مكة فتكون «من» تبعيضية لا بيانية.
3 . الفتح: 27.

صفحه 356
أوسع دلالة من الآيات النازلة بعدها في السنّة التاسعة كما نقلناه، فالثناء المطلق في الآية على مَن كان مع النبي (والّذين مَعَه) يحمل ويخصص بما خصصه القرآن في آيات أُخرى كالآيات المتقدّمة.
وعلى ضوء ما تقدّم، نصل إلى النتيجة التالية: أنّ ما اشتهر على الألسن من ثناء القرآن على صحابة الرسول قاطبة وتعديله إيّاهم ممّا لا أساس له، وإنّما وقع الثناء ـ بعد ضمّ بعضها إلى بعض ـ على لفيف منهم وطائفة خاصّة.
   

إنّما الأعمال بالخواتيم

هذا العنوان كلمة قدسية قالها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فيما رواه البخاري عنه، وذكر في الباب روايتين تدلاّن على أنّ الملاك للنجاة هو خواتيم الأعمال نذكر واحدة منها.
أخرج البخاري عن سهل : أنّ رجلاًمن أعظم المسلمين غناءً عن المسلمين، في غزوة غزاها مع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فنظر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: «من أحبّ أن ينظر إلى رّجل من أهل النار فلينظر إلى هذا، فاتبعه رجل من القوم وهو على تلك الحال من أشدّ الناس على المشركين حتّى جرح، فاستعجل الموت، فجعل ذبابة سيفه بين ثَدييه حتّى خرج من بين كتفيه، فأقبل الرّجل إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مسرعاً، فقال: أشهد أنّك رسول الله، فقال: «وما ذاك؟». قال: قلت لفلان: «من أحبّ أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إليه». وكان من

صفحه 357
أعظمنا غناء عن المسلمين، فعرفتُ أنّه لا يموت على ذلك، فلمّا جرح استعجل الموت فقتل نفسه، فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عند ذلك: «إنّ العبد لَيعملُ عَمَل أهل النّار وانّه من أهل الجنّة، ويعمل عمل أهل الجنّة وإنّه من أهل النار، وإنّما الأعمال بالخواتيم».(1)
وكم من إنسان حسنتْ حياته في أوائل عمره، ثمّ تبدلت وساءت سيرته وسلوكه، وحبطت أعماله الصالحة أتى بها في أوائل عمره أو أواسطه يقول سبحانه:
(يا أَيُّها الّذينَ آمَنُوا لا تَرفَعُوا أَصواتكُمْ فوقَ صوتِ النَّبيّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْض ان تَحبَطَ أَعمالُكُمْ).(2)
والقرآن يحدث عمّن أُوتي آيات الله في مقتبل عمره، لكنّه ساءت سيرته في الفترة الأخيرة من عمره فصار من الغاوين ، ويقول: ( و اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذي آتَيْناهُ آياتِنا فَانسَلَخَ مِنْها فأَتبَعَهُ الشَّيطانُ فكان مِنَ الغاوين).(3)
وهذا هو قارون بني إسرائيل كان يقرأ التوراة بصوت حسن، ولكنّه ساء سلوكه فخسف سبحانه به وبداره وكنزه.(4)

1 . صحيح البخاري: 4 / 233، كتاب القدر، الباب 5، الحديث 6607; سنن الترمذي: 4، كتاب القدر، الباب 5 ، الحديث 2137. والحديث الوارد في السنن غيره في صحيح البخاري.
2 . الحجرات: 2.
3 . الأعراف: 175.
4 . لاحظ القصص: 81 .

صفحه 358
وعلى ضوء ذلك فما مرّ من الآيات التي تُثني على فئات من الصحابة لا يحتج بها على صلاحهم إذا ثبت بالأدلّة القطعية انحرافهم عن الطريق المهيع، واقترافهم المعاصي ومحاربتهم الحق والحقيقة.
وممّا لا شكّ فيه وقوع التشاجر بين الصحابة ، كما دارت بينهم معارك دامية، قُتل على أثرها لفيف من البدريين والأُحديين وغيرهم من المسلمين الأبرياء وعندئذ يقال: إنّما العبرة بخواتيم الأعمال، وثناء القرآن عليهم إنّما كان بحسب ملابساتهم وأحوالهم يوم ذاك. فكانوا من الصلحاء وليس من المستحيل أن ينسلخوا من تلك الأحوال كما انسلخ غيرهم.
ثناء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على الصحابة   

3. ثناء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على الصحابة

استُدلّ على عدالة الصحابة بثناء النبي عليهم، ونحن نذكر منه ما هو المهم:

1. حديث انّ الله اطّلع على أهل بدر...

أخرج البخاري عن علي (رضي الله عنه) قال: بعثني رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وأبا مرثد والزبير، وكلُّنا فارس، قال: انطلقوا حتّى تأتوا روضة خاخ، فانّ بها امرأة من المشركين، معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين، فأدركناها تسير على بعير لها حيث قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقلنا: الكتاب، فقالت: ما منّا كتاب، فأنخناها فالتمسنا فلم نر كتاباً، فقلنـا: ماكذب رسول الله، لتُخرجنّ الكتاب أو لنجرّدنّك، فلمّـا رأت الجدّ أهوت إلى حُجْزتها وهي محتجزة

صفحه 359
بكساء فأخرجته، فانطلقنا بها إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال عمر: يا رسول الله، قد خان الله ورسوله والمؤمنين، فدعني لاضرب عنقَه، فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) : ما حملك على ما صنعت؟ قال حاطب: والله ما بي أن لا أكونَ مؤمناً بالله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) أردت أن يكون لي عند القوم يد يدفع الله بها عن أهلي ومالي، وليس أحد من أصحابك إلاّ له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله. فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): صدق، ولا تقولوا له إلاّ خيراً.
فقال عمر: إنّه قدخان الله ورسوله والمؤمنين، فدعْني فلأضرب عنقه، فقال: أليس من أهل بدر؟ فقال: لعلّ الله اطّلع على أهل بدر، فقال: إعمَلوا ما شئتم، فقد وجبت لكم الجنة، أو قد غفرتُ لكم، فدمعت عينا عمر، وقال: الله ورسوله أعلم.(1)
هذا الحديث وإن أخرجه البخاري وأسنده إلى علي(عليه السلام) ولكنّنا نجلّ الإمام أمير المؤمنين عليّاً (عليه السلام) عن رواية هذا الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فانّ مضمونه يشهد على كذبه، إذ كيف يمكن للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يُعطي الضوء الأخضر لجماعة من الصحابة يناهز عددهم الثلاثمائة، ويسمح لهم أن يفعلوا ما يشاءُون، وإن اقترفوا الكبائر وارتكبوا المعاصي وإن سفكوا الدماء وخضّبوا بها وجه الأرض.
إنّه سبحانه يخاطب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: (لئن أشركتَ لَيَحْبِطنَّ عَمَلك).(2) فهل يُعقل أن يسمح للبدريين أن يفعلوا ما شاءوا وأن يُبشرهم

1 . صحيح البخاري: 3 / 11، برقم 3983.
2 . الزمر: 65.

صفحه 360
بالجنة؟! وقد تقدّم آنفاً انّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)اقتصّ من الحارث بن سويد بن الصامت البدريّ لقتله المجذر بن زياد.
وهذا هو حاطب بن أبي بلتعة يُصبح عينَ المشركين بالمدينة، ولكنّه بالرغم من ذلك يدخل الجنة!! مع أنّ الجاسوس إذا كان مسلماً، يتجسّس لصالح الكفّار يقتل، أو يوجع ويعزّر على اختلاف في المذاهب.(1)

2. حديث «مثل أصحابي كالنجوم»

أخرج ابن حميد عن نافع عن ابن عمر، انّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: مثل أصحابي مثل النجوم يهتدى به، فأيّهم أخذتم بقوله اهتديتم.(2)
يلاحظ عليه : أنّ متن الحديث يكذِّب صدوره، إذ ليس كلّ نجم هادياً في البرّ و البحر، بل هناك نجوم خاصة للاهتداء، ولأجل ذلك قال سبحانه: (وَعَلامات وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُون) .(3)
وأمّا قوله سبحانه: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ وَالْبَحْر قَدْ فَصَّلْنَا الآيات لِقَوم يَعْلَمُونَ)(4)، فاللام في النجوم للعهد أي النجوم المعهودة التي كانت العرب يومذاك يهتدون بها في البر والبحر وليست للاستغراق.

1 . الموسوعة الفقهية:10/ 163ـ 165.
2 . المسند الجامع: 10 / 782 برقم 8219 نقله عن مسند عبد بن حُميْد.
3 . النحل: 16.
4 . الأنعام: 97.

صفحه 361
ولا يتمشّى ذلك الحمل في الحديث بأن يحمل على فئة من الصحابة، لأنّ الغاية فيها التبسيط والتعميم لكلّ صحابي كما هو صريح قوله: «فأيّهم أخذتم بقوله اهتديتم» فلا محيص من حمل «كالنجوم» على الاستغراق، والحال انّه ليس كلّ نجم هادياً.
ولو افترضنا الاهتداء بكلّ نجم في السماء، أفهل يمكن أن يكون كلّ صحابي نجماً لامعاً هادياً للأُمّة؟ فهذا قدامة بن مظعون، صحابي بدري يعد من السابقين الأوّلين ومن المهاجرين الهجرتين، قد شرب الخمر وأقام عليه عمر الحدّ، كما أنّ المشهور انّ عبد الرحمان الأصغر بن عمر بن الخطاب قد شرب الخمر.(1)
كما أنّ بعض الصحابة أراق دماءً طاهرة فمن استقصى تاريخ حياة بسر بن أرطأة يجد انّه اقترف جرائم كثيرة، حتّى أنّه قتل طفلين لعبيد الله بن عباس!! و كم بين الصحابة من رجال قد احتفل التاريخ بضبط مساويهم، أفبعد هذه البيّنات يصحّ لأحد أن يتقوّل بأنّهم جميعاً وبلا استثناء كالنجوم يهتدى بهم؟!
يقول أبو جعفر النقيب: إنّ هذا الحديث من موضوعات متعصبة الأموية فانّ منهم من ينصرهم بلسانه وبوضعه الأحاديث إذا عجز عن نصرهم بالسيف.(2)

1 . أُسد الغابة: 3 / 312.
2 . شرح ابن أبي الحديد: 20 / 12.

صفحه 362
ولعل القارئ الكريم يتصوّر انّ أباجعفر النقيب ممن ينفرد في شأن هذه الرواية و ليس الأمر كذلك ، بل حكم بوضعها كثير من محقّقي السنّة يقول ابن حزم في رسالة إبطال الرأي والقياس والاستحسان والتعليل والتقليد: وهذا ـ أي حديث النجوم ـ خبر مكذوب موضوع باطل لم يصحّ قط.(1)
وقال الحافظ الكبير الذهبي في ترجمة جعفر بن عبد الواحد الهاشمي القاضي: ومن بلاياه عن وهب بن جرير، عن أبيه، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): أصحابي كالنجوم من اقتدى بشيء منها اهتدى.(2)
وقال أيضاً في ترجمة زيد بن الحواري العَمِّي.
روى نعيم بن حماد، حدّثنا عبد الرحيم بن زيد العَمِّي، عن أبيه ، عن سعيد بن المسيب، عن عمر مرفوعاً: سألت ربي بين ما اختلف فيه أصحابي من بعدي، فأوحى الله إليّ : يا محمد إنّ أصحابك عندنا بمنزلة النجوم بعضهم أضوأ من بعض، فمن أخذ بشيء ممّا هم عليه من اختلافهم فهو عندي على هدى. فهذا باطل، و عبد الرحيم تركوه، ونعيم صاحب مناكير.(3) إلى غير ذلك من الكلمات حول الحديث.
ثمّ إنّ الحديث قد روي بصور مختلفة:

1 . البحر المحيط: 5 / 528.
2 . ميزان الاعتدال: 1 / 413 برقم 1511.
3 . ميزان الاعتدال: 2 / 102 برقم 3003 .

صفحه 363
أ. أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم
رواه ابن عبد البر في جامع العلم (2/91) ،و ابن حزم في الأحكام (6/82) من طريقة سلام بن سليم، قال: حدثنا الحارث بن غصين، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر مرفوعاً به. وقال ابن عبد البر: هذا إسناد لا تقوم به حجّة، لأنّ الحارث بن غصين مجهول.
وقال ابن حزم: هذه رواية ساقطة، أبو سفيان ضعيف، والحارث بن غصين هذا هو أبو وهب الثقفي، وسلام بن سليمان يروي الأحاديث الموضوعة، وهذا منها بلا شك.(1)
ب. مهما أُوتيتم من كتاب الله فالعمل به ، لا عذر لأحدكم في تركه، فإن لم يكن في كتاب الله، فسنّة منّي ماضية، فإن لم يكن سنّة منّي ماضية، فما قال أصحابي، إنّ أصحابي بمنزلة النجوم في السماء فأيّها أخذتم به اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة.
أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الدراية ، ص 48، وكذا أبو العباس الأصم وابن عساكر (7/315/2) من طريق سليمان بن أبي كريمة، عن جويبر، عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعاً.
وهذا اسناد ضعيف جداً، سليمان بن أبي كريمة، قال ابن أبي حاتم (2/1/138) عن أبيه: «ضعيف الحديث».
وجويبر هو ابن سعيد الأزدي متروك، كما قال الدارقطني والنسائي

1 . سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة: 1 / 144.

صفحه 364
وغيرهما، والضحاك هو ابن مزاحم الهلالي لم يلق ابن عباس.(1)
ج. سألت ربّي فيما اختلف فيه أصحابي من بعدي فأوحى الله إليّ، يا محمد: انّ أصحابك عندي بمنزلة النجوم بعضها أضوأ من بعض، فمن أخذ بشيء ممّا هم عليه فهو عندي على هدى.
رواه ابن بطّة في الإبانة(4/11/2)، والخطيب أيضاً، نظام الملك في الأمالي(13/2)، والديلمي في مسنده (2/190)، والضياء في المنتقى من مسموعاته بمرو (116/2)، وكذا ابن عساكر (6/303/1) من طريق نعيم بن حمّاد، حدّثنا عبد الرحيم بن زيد العمّي، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب مرفوعاً.
وهذا السند موضوع، نعيم بن حماد ضعيف، قال الحافظ: يخطئ كثيراً. وعبد الرحيم بن زيد العَمّي كذاب فهو آفته.(2)
هذا قليل من كثير ممّا ذكره الشيخ الألباني المعاصر في كتابه، و من أراد التفصيل فليرجع إلى نفس الكتاب .
وقد أضاف في آخر تحقيقه، وقال: لو صحّ هذا الخبر يكون المراد إنّ ما قالوه برأيهم يجب العمل به، وهذا دليل آخر على أنّ الحديث موضوع، وليس من كلامه (صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ كيف يسوغ لنا أن نتصوّر انّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)يبرّر لنا أن

1 . سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة: 1 / 146.
2 . سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة: 1 / 148.

صفحه 365
نقتدي بكل رجل من الصحابة مع أنّ فيهم العالم والمتوسط في العلم،ومن هو دون ذلك، وكان فيهم مثلاً من يرى أنّ البرد لا يفطر الصائم بأكله.(1)

3. خير القرون قرني

أخرج البخاري في كتاب فضائل أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عن عمران بن حصين يقول: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : خير أُمّتي قرني، ثمّ الذين يلونهم، ثمّ الذين يلونهم، قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثاً، ثمّ إنّ بعدكم قوماً يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن.(2)
وأخرجه مسلم في صحيحه عن عمران بن حصين.(3)
وأخرجه أحمد في مسنده عن بريدة الأسلمي.(4)
إنّ هذا الحديث مهما صح سنده ونقله أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن، يكذبه التاريخ الصحيح الذي سجّل أحوال أهل القرون التي أُطلق عليهم هذا الاسم، وذلك بالبيان التالي:
القرن في اللغة عبارة عن الفترة من الزمان وإطلاقه على مائة سنة،

1 . سلسلة الأحاديث الضعيفة و الموضوعة: 1 / 147 ـ 149، وحديث البرد أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار، لاحظ 2 / 340 وهوحديث غريب يضاد القرآن والسنّة وإجماع المسلمين.
2 . صحيح البخاري: 2 / 249، برقم 3650.
3 . صحيح مسلم: 7 / 185 ـ 186، باب فضل الصحابة ثمّ الذين يلونهم.
4 . مسند أحمد: 5 / 357.

صفحه 366
إطلاق حادث لا تحمل عليه الرواية. وعلى ضوء ذلك فالقرن الذي بعث فيه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خير القرون من الأزمنة باعتبار نفس النبي فقط، فكان (صلى الله عليه وآله وسلم)نوراً انبعث في الظلمة حيث تقوضت به دعائم الشرك والوثنية، وأُشيدت دعائم التوحيد والحنفية.
هـذا يرجـع إلى نفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأمّا غيره فالظاهر من الرواية انّها تصنِّف الناس حسب التفضيل بالنحو التالي:
الصحابة (القرن الذي بعثتُ فيه).
التابعون(ثمّ الذين يلونهم).
تابعو التابعين (ثمّ الذين يلونهم) و هكذا.
فكلّ من قرب زمنه من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو أفضل ممّن بعد منه.
هذا ما تفيده الرواية، وللأسف الشديد انّ الواقع الملموس يثبت خلاف ذلك لا سيّما من تصفّح التاريخ والحديث.
فهذا هو الإمام البخاري يروي في حقّ الصحابة ما مرّ من ارتدادهم، كما مرّ .
ثمّ إنّ قوله: هم الذين يلونهم: يهدف إلى التابعين وفيهم الأمويون، فهل يمكن أن نعدَّ عصر الأمويين خير القرون وقد لوّنوا وجه الأرض بدماء الأبرياء، وقتلوا سبط النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)في كربلاء عطشاناً وذبحوا أولاده وأصحابه، وهتكوا حرمة الكعبة؟

صفحه 367
وهذا هو الحجاج صنيعة أيديهم اقترف من الجرائم البشعة ما يندى لها جبين الإنسانية، ولا أُطيل الكلام في ذلك والتاريخ خير شاهد على كذب هذه الرواية ووضعها من قبل سماسرة الحديث لتطهير الجهاز الحاكم الأموي ممّا ارتكبه.
ويكفي في ذلك ما علّقه أبو المعالي الجويني على هذا الحديث، قائلاً:
وما يدلّ على بطلانه أنّ القرن الذي جاء بعده بخمسين سنة، شرّ قرون الدنيا وهو أحد القرون التي ذكرها في النصّ، و كان ذلك القرن هو القرن الذي قُتل فيه الحسين، وأُوقع بالمدينة، وحوصرت مكة، ونقضت الكعبة، وشربت خلفاؤه والقائمون مقامه المنتصبون في منصب النبوة، الخمورَ وارتكبوا الفجور، كما جرى ليزيد بن معاوية ولزيد بن عاتكة وللوليد بن يزيد، وأُريقت الدماء الحرام، وقتل المسلمون وسبي الحريم، واستعبد أبناء المهاجرين والأنصار ونُقش على أيديهم كما ينقش على أيدي الروم، وذلك في خلافة عبد الملك، وإمرة الحجاج، وإذا تأمّلت كتب التواريخ وجدت الخمسين الثانية، شراً كلها، لا خير فيها ولا في رؤسائها وأُمرائها، والناس برؤسائهم وأُمرائهم أشبه، والقرن خمسون سنة فكيف يصحّ هذا الخبر؟(1)

1 . شرح نهج البلاغة : 20 / 29، والرسالة مبسوطة جديرة بالمطالعة.

صفحه 368
نقد الصحابة لا يعدّ سبّاً   

خاتمة المطاف

موعظة شافية

أُريد أن أذكر في خاتمة المطاف كلمة فيها صلاح الإسلام والمسلمين، وهي موعظة شافية لكلّ من ألقى السمع وهو شهيد، وهي:
1. إذا كان السبُّ هو النيل من كرامة الشخص بكلمات مبتذلة ولسان بذيء، لغاية التشفّي وهدم كرامة المسبوب، فالمسلمون بعامة طوائفهم إلاّ النواصب منزّهون عن تلك الوصمة، وقد ملئت أسماعهم بقول الرسول: «وسباب المسلم فسق، وقتاله كفر».
وأمّا الرائج بين المحقّقين فليس من مقولة السبّ إنّما هو دراسة أحوال الصحابة من زاوية الحديث والتاريخ، وهذا ليس سبّاً، بل نقد لحياة الشخص، وأين هو من السبِّ؟!
يقول الشيخ عبد الله الهروي الشافعي المعروف بالحبشي: ليس من سب الصحابة القول إنّ مقاتلي علي منهم بغاة، لأنّ هذا ممّا صرّح به الحديث بالنسبة لبعضهم وهم أهل صفين، وقد روى البيهقي في كتابه الاعتقاد باسناده المتصل إلى محمد بن إسحاق وهو ابن خزيمة قال: «وكلّ من نازع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في إمارته فهو باغ» وعلى هذا

صفحه 369
عهدتُ مشايخنا، وبه قال ابن إدريس يعني الشافعي، فلا يُعدُّ ذكر ما جاء في حديث البخاري سبّاً للصحابة إلاّ من بعد عن التحقيق العلمي فليتفطن لذلك.(1)
وقال أيضاً: وهذا الحسن البصري(2) الذي قيل فيه انّه سيد التابعين (وإن كنّا نقول إنّ سيد التابعين أُويس القرني أخذاً بحديث مسلم)، فانّه قال: لمّا مات عمرو بن العاص وهو يردّد لاإله إلاّ الله: وكيف إذا جاء بلا إله إلاّ الله وقد قتل أهلَ لا إله إلاّ الله.(2)
2. انّ النقد لا يعدّ سبّاً إذا كان لغرض شرعي صحيح، بل يكون بنّاءً، ويشهد لذلك حديث مسلم وأبي داود انّ رجلاً خطب عند رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال في خطبته من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال له رسول الله: بئس الخطيب أنت.(3)
وقد كان البحث حول محاربي عليّ في الجمل وصفين والنهروان قائماً على قدم وساق، وقد كثر الكلام حول من نكث البيعة وحارب علياً في صفين وغيرها .
هذا هو أبو منصور البغدادي يقول في كتابه «الفرق بين الفرق» ما نصّه:

1 . المقالات السنية: 360.   2 . اتحاف السادة المتقين: 10 / 333.
2 . المقالات السنية: 360.
3 . صحيح مسلم: 3 / 12 ـ 13، كتاب الجمعة، باب تحقيق الصلاة والخطبة; سنن أبي داود: 1 / 288، كتاب الحجّة، باب الرجل يخطب على قوس، رقم الحديث 1099.

صفحه 370
وقالوا ـ أي أهل السنّة ـ بإمامة علي في وقته، وقالوا بتصويب علي في حروبه بالبصرة وبصفين وبالنهروان، وقالوا بأنّ طلحة والزبير تابا ورجعا عن قتال علي، لكن الزبير قتله عمرو بن جرموز بوادي السباع بعد منصرفه من الحرب، وطلحة لما همّ بالانصراف رماه مروان بن الحكم وكان مع أصحاب الجمل بسهم فقتله، وقالوا: إنّ عائشة قصدت الإصلاح بين الفريقين، فغلبها بنو ضبّة والأزد على رأيها، وقاتلوا علياً دون إذنها حتّى كان من الأمر ما كان.(1)
وقال في كتاب أُصول الدين: أجمع أصحابنا على أنّ علياً (رضي الله عنه)كان مصيباً في قتال أصحاب الجمل وفي قتال أصحاب معاوية بصفين، وقالوا في الذين قاتلوه بالبصرة: انّهم كانوا على الخطأ، وقالوا في عائشة وفي طلحة والزبير: انّهم أخطأوا ولم يفسقوا، لأنّ عائشة قصدت الإصلاح بين الفريقين فغلبها بنو ضبة وبنو الأزد على رأيها، فقاتلوا علياً فهم الذين فسقوا دونها، وأمّا الزبير فانّه لما كلمه عليّ يوم الجمل عرف أنّه على الحقّ فترك قتاله وهرب من المعركة راجعاً إلى مكة، فأدركه عمرو بن جرموز بوادي السباع فقتله وحمل رأسه إلى علي فبشره علي بالنار، وأمّا طلحة فانّه لمّا رأى القتال بين الفريقين همّ بالرجوع إلى مكة، فرماه مروان بن الحكم بسهم فقتله، فهؤلاء الثلاثة بريئون من الفسق والباقون من أتباعهم الذين قاتلوا علياً فسقة، وأمّا أصحاب معاوية فانّهم بغوا، وسمّاهم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بغاة في قوله لعمار: «تقتلك الفئة الباغية» و لم يكفروا بهذا البغي.(2)

1 . الفرق بين الفرق: 350 ـ 351، باب بيان الأُصول التي اجتمع عليها أهل السنّة.
2 . أُصول الدين: 289 ـ 290.

صفحه 371
نحن وإن لم نكن نوافق بعض ما جاء في بنود هذا النص، وإنّما نستشهد به على أنّ دراسة أحوال الصحابة إذا كانت دراسة نزيهة لا تعدّ من السب بشيء.
وقال الحافظ الذهبي في «سير اعلام النبلاء»: لا ريب انّ عائشة ندمت ندامة كلية على مسيرها إلى البصرة وحضورها يوم الجمل، وما ظنّت انّ الأمر يبلغ ما بلغ، فعن عمارة بن عمير عمّن سمع عائشة إذا قرأت: (وقرن في بيوتكنّ)بكت حتّى تبل خمارها.(1)
وذكر مثل ذلك القرطبي وأبو حيان في تفسيره، قال: وكانت عائشة إذا قرأت هذه الآية يعني آية (يا نساء النبي) بكت حتّى تبلّ خمارها، تتذكر خروجها أيام الجمل تطلب بدم عثمان.(2)
وفي كتاب دلائل النبوة للبيهقي ما نصه: عن أُمّ سلمة، قالت: ذكر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)خروج بعض نسائه أُمّهات المؤمنين، فضحكت عائشة، فقال: انظري يا حميراء، أن لا تكوني أنت.
ثمّ التفت إلى عليّ فقال: يا علي إن ولِّيت من أمرها شيئاً فارفق بها.(3)
ونحن أيضاً لا نوافق بعض ما جاء في هذه الكلمات، لكن الاستشهاد بها مثل ما سبق.
هذا وقد تضافر انّ الحافظ النسائي قال: لمّا دخلت دمشق وجدت

1 . سير اعلام النبلاء: 2 / 177.
2 . الجامع لأحكام القرآن: 14 / 180.
3 . دلائل النبوة: 6 / 411.

صفحه 372
أهلها منحرفين عن علي بن أبي طالب، ولمّا علموا انّي عملتُ خصائص عليّ (عليه السلام)طلبوا أن أعمل خصائص معاوية، فقلت: ماذا أخرج له، أخرج له لا أشبع الله بطنه.(1)
فصاروا يضربونه في خصيته فحمل من دمشق إلى الرملة فتوفي بها.
وهذا هو علي أفضل الصحابة وأوّل من آمن بالنبي ينقد صاحبي رسول الله كما ذكره الحافظ ابن حجر في المطالب العالية، قال: إنّ صاحبي علي (رضي الله عنه) عبد الله بن الكواء وابن عباد سألاه عن طلحة والزبير قالا: فأخبرنا عن ملك هذين الرجلين (يعنيان طلحة والزبير) صاحباك في الهجرة وصاحباك في بيعة الرضوان وصاحباك في المشورة، فقال: بايعاني بالمدينة وخالفاني بالبصرة، وعزاه لإسحاق بن راهويه، قال الحافظ البوصيري: رواه إسحاق بسند صحيح.(2)
ونحن لا نطيل الكلام بذكر نظائرها في غير من قاتل علياً، فقد جرت السيرة على عدم الإمساك عمّا شجر بين الصحابة وما صدر عنهم، وإن صدر الأمر بالإمساك عن عمر بن عبد العزيز وغيره.
ثناء القرآن الكريم على الصحابة ثناء جمعي   
روى الحافظ الذهبي في كتاب «سير اعلام النبلاء» ما هذا حاصله: اتّهم المغيرة بن شعبة بالزنا وهو أمير الكوفة في عصر الخليفة عمر بن الخطاب وشهد عليه شهود أربعة، منهم أبو بكرة ونافع وشبل فشهدوا على

1 . أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب السير والصلة والآداب، باب من لعنه النبي أو سبّه أو دعا عليه.
2 . المطالب العالية : 4 / 296، باب قتال أهل البغي.

صفحه 373
أنّهم رأوه يولجه ويخرجه ويلج ولج المِروَد في المكحلة، فلمّا حاول رابع الشهود وهو زياد بن أبيه، حاول الخليفة أن يدرأ عنه الحد للشبهة، فخاطبه بقوله: إنّي لأرى رجلاً لم يخز الله على لسانه رجلاً من المهاجرين، فقال له الخليفة: أرأيتَه يُدخله كالميل في المكحلة؟ فقال: لاولكنّي رأيت مجلساً قبيحاً وسمعت نفساً عالياً ورأيته تبطنها.(1)
فلو كانت الصحابة عدولاً، لما استمع الخليفة إلى الشهادات، ولرفضها ابتداءً!! ولو كانت دراسة سيرة الصحابي، سبّاً له، لعزّر الخليفة الشهود بالسبّ، دون أن يسأل واحداً واحداً منهم عن صحّة الواقعة.
3. لا شكّ انّ الآيات قد أثنت على جمع من الصحابة وقد أوضحنا مقاصدها، ومع ذلك كلّه فالثناء ثناء جمعي لا يتعلّق بآحادهم، نظير الثناء على قوم بني إسرائيل في قوله تعالى: (يا بني إِسرائيلَ اذْكروا نعمتِي الّتي أنعمتُ عليكم وأنّي فضلْتُكم عَلى العالَمِينَ).(2)
وقوله: (وَلَقَدْ آتَيْنا بَني إِسرائيل الكتابَ وَالحُكْمَ وَالنُّبوةَ ورَزَقْناهُمْ مِنَ الطّيباتِ وفضلناهُمْ عَلى العالَمين).(3)
وقد أدرك بعض المحقّقين من أهل السنّة انّ وصف الصحابة بالعدالة كلّهم يخالف ما روي في حقّهم، ولذلك عاد إلى تفسير هذا الكلام وقال: إنّه

1 . سير اعلام النبلاء: 3 / 28 برقم 7; الأغاني: 14 / 146; تاريخ الطبري: 4 / 207; الكامل: 2 / 228.
2 . البقرة: 47.
3 . الجاثية: 16.

صفحه 374
ليس معنى «الصحابة كلّهم عدول» انّ كلاً منهم سالم من الكبيرة، فانّه بعيد من الصواب، لأنّ منهم من سمع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يقول: «لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض» ثمّ قاتل مع معاوية فكان قاتل عمار بن ياسر، ثمّ كان يتبجّح بذلك ويقول لمّا يأتي إلى أبواب بني أُمية: «قاتلُ عمار بالباب»، فهل يحكم لهذا بأنّه عدل بمعنى انّه سالم من الكبائر؟! إنّما معنى قول أُولئك المحدِّثين انّهم لا يتّهمون بالكذب على الرسول فيما يروونه من الأحاديث عنه، أليس قتل عمار من أفسق الفسق؟! فقد خالف قول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)الذي سمعه منه و هذا الغادر هو أبو الغادية الجهني.(1)
قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» عند شرح الحديث الذي فيه قصة حاطب بن أبي بلتعة ما نصّه: وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدّم انّ المؤمن ولو بلغ بالصلاح أن يقطع له بالجنة، لا يعصم من الوقوع في الذنب.(2)
الاعتقاد المسبّق بعدالة الصحابة وآثاره السلبية   
4. انّ الاعتقاد المُسْبق بعدالة الصحابة آل ـ في كثير من الأحيان ـ بمحقّقي أهل السنّة إلى عدم التدبّر العميق في التاريخ ونقده، ممّا أدّى إلى وقوعهم في مأزق كبير حفاظاً على ذلك المعتقد، وهو إسدال الستار على كثير من حقائق التاريخ التي حدثت بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)ودامت حوالي قرن واحد، فتراهم يؤولون ما صدر عن الصحابة من التكفير والتفسيق والنهب والقتل بالاتّكاء على النظرية القائلة: بأنّهم كانوا مجتهدين مخطئين،

1 . المقالات السنية: 365.
2 . فتح الباري: 12 / 310.

صفحه 375
ومثابين في الوقت نفسه!! حتّى أنّ من كثر خطأه زاد ثوابه وأجره، وهذا من غرائب الأُمور.
أوَ ما آن للمحقّقين من أهل السنّة أن يخوضوا عباب التاريخ نقداً وتمحيصاً، ويرفعوا ربقة التقليد للسلف والجري وراءهم، لكي يفهموا التاريخ على ما هو عليه ويرفعوا اليد عن الاعتقاد بعدالة كلّ صحابي بلا استثناء.
إنّ الدعاية الأموية لغاية ترسيخ ملكهم وإبعاد الناس عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام) حاكت حول الصحابة حالة قدسية وهمية على نحو لم ترخص فيه لأحد الخروج عن هذا الإطار والتدبّر فيما شجر بين الصحابة من مشاجرات.
إنّ الدعاية الأموية نشرت بين الناس أكاذيب وتهماً حول الشيعة للمساس بهم، من سبّ الصحابة وبغضهم وتفسيقهم وكفرهم، وهذا ـ شهيدي الله ـ كذب بلا مرية، وفرية يتحمل أوزارها آل أُمية وآل مروان.
فكيف يمكن للشيعة أن تبغض الصحابة مع أنّ رواد التشيع كانوا منهم وقد حفل التاريخ بأسمائهم وتشيعهم؟!
وليس عند الشيعة في هذا المجال إلاّ مسألة «عدالة الصحابة بأجمعهم»، فإنّهم لا يعتقدون بعدالة الكلّ، ويقولون: إنّ مثلهم بين المسلمين كمثل التابعين، وهذا أمر يوافقه الكتاب العزيز والسنّة النبوية والتاريخ الصحيح.

صفحه 376
5. وممّا يدلّ على إكبار الشيعة لصحابة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وتبجيلهم لهم، انّ الكتب الرجالية للشيعة لم تزل إلى يومنا هذا تحتفل بذكر أسماء الصحابة كلّ حسب وسع المؤلّفين وطاقتهم.
هذا هو رجال البرقي من الأُصول الرجالية،وقد أدرج في رجاله أسماء صحابة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قبل صحابة سائر الأئمة.
وهذا هو الشيخ الطوسي في كتابه المعروف بـ «رجال الطوسي» أدرج في كتاب في باب من روى عن النبي أسماء 430 شخصاًمن الصحابة، كما أنّه أدرج من الصحابيات أسماء38 امرأة، فاشتمل الكتاب على ترجمة 468 شخصاً.(1)
وقد تبعه غير واحد من أصحاب المعاجم فذكروا أسماء جمع غفير من الصحابة الذين لهم رواية عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ممّا يدلّ على أنّ للصحابة مقاماً ومكرمة لدى الشيعة، إلاّ ما قامت البيّنة على إعراضهم عن الطريق المهيع.
روّاد التشيّع من الصحابة   

6. روّاد التشيّع من الصحابة

إنّ التشيع ليس إلاّ نفس الإسلام الذي اتّفق عليه الفريقان، ويختلف عن سائر الفرق في مسألة التنصيص على الخلافة، فالشيعة الأوائل هم الذين اتّبعوا قول الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في حقّ علي(عليه السلام)وكانوا مع علي(عليه السلام) في حياة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وبعد رحيله .

1 . رجال الشيخ، باب من روى عن النبي من الصحابة: 24 ـ 53.

صفحه 377
فها نحن نضع أمام القارئ الكريم قائمة بأسماء ثلّة من الصحابة الذين شهدت أعمالهم على أوصافهم، وأفعالهم على نيّاتهم، وأثنى أصحاب الرجال والتراجم عليهم أو على الأقل سكت عنهم التاريخ، ولنكتف بذكر القليل منهم عن الكثير، وهم:
جندب بن جنادة( أبوذر الغفاري)، عمار بن ياسر، سلمان الفارسي، المقداد بن عمرو بن ثعلبة الكندي، حذيفة بن اليمان صاحب سرّ النبيّ، خزيمة بن ثابت الأنصاري ذو الشهادتين، الخباب بن الأرت التميمي، سعد بن مالك أبو سعيد الخدري، أبو الهيثم بن التيهان الأنصاري، قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، أنس بن الحرث بن منبه أحد شهداء كربلاء، أبو أيوب الأنصاري خالد بن زيد الذي استضاف النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عند دخوله المدينة، جابر بن عبد الله الأنصاري أحد أصحاب بيعة العقبة، هاشم بن عتبة بن أبي وقاص المرقال فاتح جلولاء، مالك بن الحارث الأشتر النخعي، مالك بن نويرة ردف الملوك الذي قتله خالد بن الوليد، البراء بن عازب الأنصاري، أُبيّ بن كعب سيد القرّاء، عبادة بن الصامت الأنصاري، عبد الله بن مسعود صاحب وضوء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ومن سادات القرّاء، أبو الأسود الدؤلي ظالم بن عمير واضع أُسس النحو بأمر الإمام عليّ، خالد بن سعيد بن أبي عامر بن أُمية بن عبد شمس خامس من أسلم، أُسيد بن ثعلبة الأنصاري من أهل بدر، الأسود بن عيسى بن وهب من أهل بدر، بشير بن مسعود الأنصاري من أهل بدر و من القتلى بواقعة الحرة بالمدينة، ثابت أبو فضالة الأنصاري من أهل بدر، الحارث بن النعمان بن أُمية الأنصاري من أهل بدر، رافع بن خديج

صفحه 378
الأنصاري ممّن شهد أُحداً ولم يبلغ وأجازه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، كعب بن عمير بن عبادة الأنصاري من أهل بدر، سماك بن خرشة أبو دجانة الأنصاري من أهل بدر، سهيل بن عمرو الأنصاري من أهل بدر، عتيك بن التيهان من أهل بدر، ثابت بن عبيد الأنصاري من أهل بدر، ثابت بن حطيم بن عدي الأنصاري من أهل بدر، سهل بن حنيف الأنصاري من أهل بدر، أبو مسعود عقبة بن عمرو من أهل بدر، أبو رافع مولى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي شهد مشاهده كلّها مع مشاهد عليّ(عليه السلام) وممّن بايع البيعتين: العقبة والرضوان وهاجر الهجرتين: للحبشة مع جعفر وللمدينة مع المسلمين، أبو بردة بن دينار الأنصاري من أهل بدر، أبو عمر الأنصاري من أهل بدر، أبو قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري من أهل بدر، عقبة بن عمر بن ثعلبة الأنصاري من أهل بدر، قرظة بن كعب الأنصاري، بشير بن عبد المنذر الأنصاري أحد النقباء ببيعة العقبة، يزيد بن نويرة بن الحارث الأنصاري ممّن شهد له النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بالجنة، ثابت بن عبد الله الأنصاري، جبلة بن ثعلبة الأنصاري، جبلة بن عمير بن أوس الأنصاري، حبيب بن بديل بن ورقاء الخزاعي، زيد بن أرقم الأنصاري شهد مع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بضعة عشر وقعة، أعين بن ضبيعة بن ناجية التميمي، يزيد الأسلمي من أهل بيعة الرضوان، تميم بن خزام، جندب بن زهير الأزدي، جعدة بن هبيرة المخزومي، جارية بن قدامة التميمي السعدي، جبير بن الحباب الأنصاري، حبيب بن مظاهر الأسدي، حكيم بن جبلة العبدي، خالد بن أبي دجانة الأنصاري، خالد بن الوليد الأنصاري، زيد بن صوحان العبدي، الحجاج بن عمرو بن غزية الأنصاري، زيد بن شرحبيل

صفحه 379
الأنصاري، زيد بن جبلة التميمي، بديل بن ورقاء الخزاعي، أبو عثمان الأنصاري، مسعود بن مالك الأسدي، ثعلبة أبو عمرة الأنصاري، أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي، عبد الله بن حزام الأنصاري شهيد أُحد، سعد بن منصور الثقفي، سعد بن الحارث بن الصمد الأنصاري، الحارث بن عمر الأنصاري، سليمان بن صرد الخزاعي، شرحبيل بن مرّة الهمداني، شبيب بن رت النميري، سهل بن عمر صاحب المربد، سهيل بن عمر أخو سهل المار ذكره، عبد الرحمن الخزاعي، عبد الله بن خراش، عبد الله بن سهيل الأنصاري، عبيد الله بن العازر، عدي بن حاتم الطائي، عروة بن مالك الأسلمي، عقبة بن عامر السلمي، عمر بن هلال الأنصاري، عمر بن أنس بن عون الأنصاري من أهل بدر، هند بن أبي هالة الأسدي، وهب بن عبد الله بن مسلم بن جنادة، هاني بن عروة المذحجي، هبيرة بن النعمان الجعفي، يزيد بن قيس بن عبد الله، يزيد بن حوثرة الأنصاري، يعلى بن عمير النهدي، أنس بن مدرك الخثعمي، عمرو العبدي الليثي، عميرة الليثي، عليم بن سلمة الفهمي، عمير بن حارث السلمي، علباء بن الهيثم بن جرير وأبوه الهيثم من قواد الحملة في قتال الفرس بواقعة ذي قار، عون بن عبد الله الأزدي، علاء بن عمر الأنصاري، نهشل بن ضمرة الحنظلي، المهاجر بن خالد المخزومي، مخنف بن سليم الأزدي، محمد بن عمير التميمي، حازم بن أبي حازم البجلي، عبيد بن التيهان الأنصاري وهو أوّل المبايعين للنبي ليلة العقبة، أبو فضالة الأنصاري، أويس القرني الأنصاري، زياد بن النضر الحارثي، عوض بن علاط السلمي، معاذ بن عفراء الأنصاري، علاء بن

صفحه 380
عروة الأزدي، الحارث بن حسان الذهلي صاحب راية بكر بن وائل، بجير بن دلجة، يزيد بن حجية التميمي، عامر بن قيس الطائي، رافع الغطفاني الأشجعي، وأبان بن سعيد بن العاص بن أُمية بن عبد شمس من أُمراء السرايا أيّام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ومن خلّص أصحاب الإمام علي(عليه السلام) وأمثالهم من الصحابة الكرام.
دعاء أئمة أهل البيت(عليهم السلام)للصحابة   
فهؤلاء هم طليعة الصحابة وسنام العرب من المهاجرين والأنصار، قد استضاءوا بنور النبوّة والوحي واستقامت أُمورهم وكانوا على الصراط المستقيم في حياتهم، وكم لهم من نظائر في صحابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أعرضنا عن ذكرهم مخافة الإطناب.
7. انّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) كانوا باستمرار يـدعـون للصحابة ويترضّون عليهم، ومن المعلوم أنّهم(عليهم السلام) يدعون للصالحين وما أكثر الصالحين فيهم يقول الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) في بعض خطبه مادحاً أصحاب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم):
«لقد رأيت أصحاب محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) فما أرى أحداً منكم يشبههم، لقد كانوا يصبحون شُعثاً غبراً، وقد باتوا سجّداً وقياماً، يراوحون بين جباههم وخدودهم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم، كأنّ بين أعينهم رُكَبَ المعزى من طول سجودهم، إذا ذُكر الله هملت أعينهم حتّى تَبُلَّ جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف، خوفاً من العقاب ورجاءً للثواب».(1)

1 . نهج البلاغة: الخطبة 93، شرح محمد عبده; شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 7 / 77.

صفحه 381
وقال أيضاً مادحاً أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : «أين القوم الذين دُعوا إلى الإسلام فقبلوه، وقرأوا القرآن فأحكموه، وهيجُوا إلى القتال فولهوا وله اللقاح إلى أولادها، وسلبوا السيوف أغمادها، وأخذوا بأطراف الأرض زحفاً زحفاً، وَصَفّاً صفّاً، بعضٌ هلك، وبعض نجا، لا يُبَشّرون بالأحياء، ولا يُعَزَّونَ عن الموتى، مُرْهُ العيون من البكاء، خُّمصُ البطون من الصيام، ذُبَّل الشفاه من الدعاء، صُفرُ الألوان من السَّهَر، على وجوههم غبرة الخاشعين، أُولئك إخواني الذاهبون، فحقّ لنا أن نظمأ إليهم، ونعضَّ الأيدي على فراقهم».(1)
وللأئمّة المعصومين كلمات أُخرى حول الصحابة غير ما ذكرناه ، منقولة في كتب الشيعة، وهذا هو الإمام زين العابدين(عليه السلام) يقول في دعائه:«اللّهمّ وأصحاب محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) خاصة الذين أحسنوا الصحبة والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، وكاتفوه وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته...».(2)

1 . نهج البلاغة: الخطبة 117، شرح محمد عبده; شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 7 / 291.
2 . الصحيفة السجادية: الدعاءالرابع.

صفحه 382
   

3

الإيمان بالقدر خيره و شرّه

هذا هو الأصل الثالث الذي اتّفقت عليه كلمات أهل الحديث.
القدر كما ذكره بعض أئمّة اللغة: حدّ كلّ شيء ومقداره.
والقضاء بمعنى الحكم البات، قال سبحانه: (إِنّا كَّلّ شَيء خَلَقْناهُ بِقَدَر) (1) وقال تعالى: (وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّإِيّاهُ).(2)
وعلى هذا فالقدر في الأشياء، هو تحديد وجود الشيء والقضاء هو إبرامه، ويؤيد ذلك ما روي عن بعض أئمّة أهل البيت (عليهم السلام): القدر هو الهندسة ووضع الحدود في البقاء والفناء، والقضاء هو الإبرام وإقامة العين.(2)
القول بالقضاء والقدر على نحو الإجمال من العقائد الإسلامية التي لا يصحّ لمسلم إنكارها،ولو كان هناك اختلاف فإنّما هو في تفسيرهما وأنّه هل القضاء والقدر بمعنى التقدير والحتم على أفعال الإنسان وخلقها بلا إرادة

1 . القمر: 49.   2 . الإسراء: 23.
2 . الكافي:1/158.

صفحه 383
واختيار منه، وأنّه في مسرح الحياة مكتوف اليدين فيما كتب وقدر عليه حتى فيما يتعلّق بالتكاليف (الحلال والحرام)، أو أنّه بمعنى علمه السابق، على وجود الأشياء وتقديره وتحديده والحكم بوجودها على وجه لا ينافي اختيار العبد وحريته من الأساس.
وإن شئت قلت: ثبوت الأمر الجاري في العلم الأزلي الإلهي مع إعطاء القدرة على الفعل والترك وتعريف الخير والشر، وبيان عاقبة الأوّل ومغبة الأخير، فهذا العلم السابق لا يستلزم جبراً، وعلمه سبحانه بمقادير ما يختاره العباد من النجدين وما يأتون به من العمل من خير أو شر لا ينافي التكليف، كما لا سببية له في اختيار المكلّفين ولا يقبح معه عقلاً، العقاب على المعصية ولا يسقط معه الثواب على الطاعة.
أمّا سبق علمه سبحانه على خصوصيات الفعل وتحقّقه وعدمه، فيكفي في ذلك قوله سبحانه: (ما أَصابَ مِنْ مُصيبَة فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتاب مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلى الله يَسير). (1)
وقوله سبحانه: (وَكُلّ شَيء فَعَلُوهُ فِي الزُّبُر* وَكلُّ صَغيروَكَبِير مُسْتَطَر).(2)
وقال عزّ من قائل: (ما قَطَعْتُمْ مِنْ لينَة أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصولِها فَبِإِذنِ الله) .(2)

1 . الحديد: 22.   2 . القمر: 52 ـ 53.
2 . الحشر:5.

صفحه 384
و أمّا كون القدر والقضاء لا ينافي التكليف، فيكفي قوله سبحانه:(إِنّا هَدَيْناهُ السَّبيلَ إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً) (1) وقوله سبحانه: (وَهَدَيْناهُ النَّجْدَين).(2)
وقوله سبحانه: (وَمَنْ يَشْكرْ فَإِنّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَميد).(2)
فالله سبحانه خلق الإنسان مزيجاً من العقل والنفس مع خلق عوامل النجاح تجاه النفس الأمّارة بالسوء، فمن عامل بالطاعة بحسن اختياره، ومن مقترف للمعصية بسوء الخيرة.
وتدلّ على ذلك الآيات التالية:
(فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيرات). (4)
(فَمَنِ اهْتَدى فَإِنّما يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها). (3)
(مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُون) .(6)
(فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَليْها). (4)
(إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها) .(8)

1 . الإنسان: 3.   2 . البلد: 10.
2 . لقمان: 12.   4 . فاطر: 32.
3 . يونس: 108.   6 . الجاثية: 15.
4 . الأنعام: 104.    8 . الإسراء: 7.

صفحه 385
إلى غير ذلك من الآيات التي تنصّ على حرية الإنسان في اختياره خصوصاً فيما يرجع إلى الطاعة والمعصية.
إلى هنا خرجنا بهذه النتيجة:
إنّه سبحانه «يعلم ما في السماء والأرض إنّ ذلك في كتاب إنّ ذلك على الله يسير»(1) و في ضوء ذلك نعتقد بأنّه سبحانه يعلم أعمارنا وأرزاقنا وما يجري في حياتنا من الأحداث، وما نقوم به من الأفعال كما يعلم مواعيد وفاتنا والكلّ موجود في (كتاب مُبِين) .(2)
لكن علمه السابق بما يجري في صحيفة الكون لا يجعل الإنسان مكتوف اليد أمام الملابسات التي حوله ولا يصيره كالريشة في مهب الريح، بل هو في الكون محكوم من جهة ومختار من جهة أُخرى، محكوم بالسنن العامة السائدة على الكون والحياة ولا يمكن الخروج عنها، مختار في ما تتعلق به إرادته وفي موقفه من الملابسات التي حوله.
فالنوازل والمصائب والحروب الطاحنة تنتابه، شاء أم لم يشأ والموت يدمّر حياته وكيانه والسموم القتالة تهلكه والجراثيم الضارية تنحرف بها صحته، ولكنّه غير مسؤول أمام هذه الأُمور الخارجة عن اختياره، ولكنّه أمام نعمه سبحانه والإمكانيات التي حوله أمام خيارين: فله أن يستفيد منها بما

1 . اقتباس من قوله سبحانه: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ ...)(الحج: 70 ).
2 . إشارة إلى قوله سبحانه: (وَ عِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَ يَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ مَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَة إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَ لاَ حَبَّة فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَ لاَ رَطْب وَ لاَ يَابِس إِلاَّ فِي كِتَاب مُبِين )(الأنعام: 59 ).

صفحه 386
يمد حياته في الدنيا ويسعده في الآخرة كما أنّ له خلاف ذلك. فلو قلنا: الإنسان مخيَّر لا مسيّر، فإنّما نريد هذا الجانب الثاني، ولو قيل إنّه مسيّر لا مخيّر، فلابدّ أن يراد منه الجانب الأوّل. ثمّ إنّ في الذكر الحكيم آيات ودلالات وتصريحات على كون الإنسان مخيراً، وهي على حدّ لا يمكن جمعها في مقام واحد.
يقول الله لِكلِّ بشر على ظهر الأرض:(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ مِنْ قَبل أَنْ يَأْتِيَ يَومٌ لا مَردَّ لَهُ مِنَ اللهِ يَومَئِذ يَصَّدّعُون * مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُون) (1) ، فهل ربط الجزاء بالعمل هنا من قبيل المزاح أو الخديعة؟
وعندما يصف ربّنا جزاء الكذبة والمكّذبين ويبيّن عقبى عملهم ويقول: (فَلَنُذيقَنَّ الّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَديداً وَلَنَجزِيَنَّهُمْ أَسوأ الَّذي كانُوا يَعْمَلُونَ * ذلِكَ جَزاءُ أَعْداء الله النّار لَهُمْ فِيها دارُ الخُلْد جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُون) (2) هل هذا الربط المتكرر بين العمل والجزاء، وهل هذه
النقمة المحسوسة على المجرمين تومئ من قرب أو بعد إلى أنّ القوم كانوا أهل خير فلوى زمامهم قدر سابق أو كتاب ماحق؟ ما أقبح هذا الفهم! في يوم الحساب يحصد الناس ما زرعوا لأنفسهم. والقرآن حريص كلّ الحرص على إعلان هذه الحقيقة وهي أنّك واجد ما قدمت لن تؤخذ أبداً بشيء لم تصنعه، لم تغلب على إرادتك يوماً فيحسب عليك ما لم تشأ. إنّ المغلوب

1 . الروم: 43 ـ 44.   2 . فصلت: 27 ـ 28.

صفحه 387
على عقله أو قصده لا يؤاخذ أبداً بل إنّ التكليف يسقط عنه.
وتدبر قوله تعالى: (أَلْقيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّار عَنِيد * مَنّاع لِلْخَيْرِ مُعْتَد مُرِيب * الَّذِي جَعَلَ مَعَ الله إِلهاً آخَرَ فَألقِيَاهُ فِي العَذابِ الشَّدِيد * قالَ قَرينُهُ رَبّنا ما أَطغيتُهُ ولكِن كَانَ فِي ضَلال بَعيد) (1) ربّنا سبحانه و تعالى ينفي الظلم عن نفسه ويقول إنّه ما عذب إلاّ من فرط وأساء.(2)
وعلى ذلك فهنا أمران مسلّمان لا يصح لأحد إنكار واحد منهما:
1. إنّ لله سبحانه علماً سابقاً على كلّ شيء، ومنه أعمال العباد ويعبر عنه بالقدر والتقدير.
2. الإنسان مخيّر في ما تتعلّق به إرادته ومحكوم فيما هو خارج عن إطار إرادته. وللمسلم الواعي الجمع بينهما على وجه صحيح، وسوف يوافيك بيان هذا الجمع عند البحث عن عقيدة الأشاعرة في كون الإنسان مسيّراً لا مخيراً.(3)
وعلى ذلك فالاعتقاد بالتقدير والقضاء أمر لا يمكن لمسلم إنكاره كما أنّ حرية الإنسان في مجال التكليف مثله أيضاً، فإذاً ما هو الذي وقع مثاراً للنقاش؟
في النصف الثاني من القرن الأوّل بل قبله بقليل أيضاً، انتشر القول

1 . ق: 24ـ 27.
2 . السنّة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث: 148ـ 149، ولكلامه ذيل فراجعه.
3 . لاحظ الجزء الثاني من هذه الموسوعة، وسيوافيك إجماله في آخر هذا البحث عند القول بأنّ «القدر لا يلازم الجبر».

صفحه 388
بالقدر حتى فرق المسلمين إلى قولين: إلى قدري وجبري، ولكن قد عرفت أنّ القدرية مع أنّها في اللغة بمعنى مثبتة القدر يراد منها في المصطلح النافون للقدر.
لابدّ من أن نقف ملياً للتأمل في تشخيص النزاع بين الطرفين.
فنقول: إنّ التأمّل في عقائد بعض العرب في الجاهلية يوحي بأنّهم كانوا قائلين بالقدر ومثبتين له بشكل يستنتجون منه سلب المسؤولية عن أنفسهم وإلقاءها على عاتق القدر. وهذا التفسير كان رائجاً بينهم وإن لم يعم الجميع، يقول سبحانه:(سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيء كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْم فَتُخرجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ الظَنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تخرصُون).(1)
ولعلّ قوله سبحانه: (وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاء أَتَقُولُونَ عَلى اللهِ ما لا تَعْلَمُون) (2) يشير إلى أنّهم كانوا يعتذرون بأنّ تقديره سبحانه يلازم الجبر ونفي الاختيار،والله سبحانه يرد على تلك المزعمة بهذا القول.
استغلال الأمويين للقدر   
فقد بقيت هذه العقيدة الموروثة من العصر الجاهلي في أذهان بعض الصحابة، فقد روى الواقدي في مغازيه عن أُمّ الحارث الأنصارية وهي تحدث عن فرار المسلمين يوم حنين قالت: مرّ بي عمر بن الخطاب

1 . الأنعام: 148.   2 . الأعراف: 28.

صفحه 389
(منهزماً) فقلت: ما هذا؟ فقال عمر: أمر الله.(1)
والعجب أنّ تلك العقيدة بقيت في أذهان بعض الصحابة حتّى بعد رحلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فهذا السيوطي ينقل عن عبد الله بن عمر أنّه جاء رجل إلى أبي بكر فقال: أرأيت الزنى بقدر؟ قال:نعم، قال: فإنّ الله قدّره علي ثمّ يعذّبني؟! قال: نعم يابن اللخناء، أما والله لو كان عندي إنسان أمرته أن يجأ أنفك.(2)
لقد كان السائل في حيرة من أمر القدر، فسأل الخليفة عن كون الزنى مقدّراً من الله أم لا؟ فلمّا أجاب الخليفة بنعم، استغرب من ذلك لأنّ العقل لا يسوغ تقديره سبحانه شيئاً بمعنى سلب الاختيار عن الإنسان في فعله أو تركه ثمّ تعذيبه عليه، ولذلك قال: فإنّ الله قدره علي ثمّ يعذبني؟ فعند ذاك أقرّه الخليفة على ما استغربه وقال: نعم يابن اللخناء.

استغلال الأُمويين للقدر

لقد اتّخذ الأمويون مسألة القدر أداة تبريرية لأعمالهم السيّئة، وكانوا ينسبون وضعهم الراهن بما فيه من شتى ضروب العيث والفساد إلى القدر، قال أبو هلال العسكري: إنّ معاوية أوّل من زعم أنّ الله يريد أفعال العباد كلّها.(2)
ولأجل ذلك لمّا سألت أُمّ المؤمنين عائشة، معاوية عن سبب تنصيب

1 . مغازي الواقدي: 3 / 904.   2 . تاريخ الخلفاء : 95.
2 . الأوائل:2/125.

صفحه 390
ولده يزيد خليفة على رقاب المسلمين فأجابها: إن أمر يزيد قضاء من القضاء وليس للعباد الخيرة من أمرهم.(1)
وبهذا أيضاً أجاب معاوية عبد الله بن عمر عندما استفسر من معاوية عن تنصيبه يزيد بقوله: إنّي أُحذرك أن تشق عصا المسلمين وتسعى في تفريق ملئهم وأن تسفك دماءهم وإن أمر يزيد قد كان قضاء من القضاء وليس للعباد خيرة من أمرهم.(2)
وقد كانت الحكومة الأموية الجائرة متحمّسة على تثبيت هذه الفكرة في المجتمع الإسلامي، وكانت تواجه المخالف بالشتم والضرب والإبعاد.
قال الدكتور أحمد محمود صبحي في كتابه «نظرية الإمامة»: إنّ معاوية لم يكن يدعم ملكه بالقوة فحسب، ولكن بآيديولوجية تمس العقيدة في الصميم، ولقد كان يعلن في الناس أنّ الخلافة بينه و بين علي (عليه السلام)قد احتكما فيها إلى الله فقضى الله له على علي، وكذلك حين أراد أن يطلب البيعة لابنه يزيد من أهل الحجاز أعلن أنّ اختيار يزيد للخلافة كان قضاء من القضاء وليس للعباد خيرة في أمرهم، وهكذا كاد أن يستقر في أذهان المسلمين، أنّ كلّ ما يأمر به الخليفة ـ حتى و لو كانت طاعة الله في خلافه ـ فهو قضاء من الله قد قدّر على العباد.(2)
وقد سرى هذا الاعتذار إلى غير الأمويين من الذين كانوا في خدمة خلفائهم وأُمرائهم فهذا عمر بن سعد بن أبي وقاص قاتل الإمام الشهيد

1 . الإمامة والسياسة: 1 / 167.         2 . الإمامة والسياسة: 1 / 171 .
2 . نظرية الإمامة: 334.

صفحه 391
الحسين(عليه السلام) لمّا اعترض عليه عبد الله بن مطيع العدوي بقوله: اخترت همذان والري على قتل ابن عمك فقال عمر: كانت أُمور قضيت من السماء، وقد أعذرت إلى ابن عمي قبل الوقعة فأبى إلاّ ما أبى.(1)
ويظهر أيضاً ممّا رواه الخطيب عن أبي قتادة عندما ذكر قصة الخوارج في النهروان لعائشة فقالت عائشة: ما يمنعني ما بيني وبين علي أن أقول الحق سمعت النبي يقول: تفترق أُمّتي على فرقتين، تمرق بينهما فرقة محلقون رؤوسهم، محفون شواربهم، أزرهم إلى أنصاف سوقهم، يقرأون القرآن لا يتجاوز تراقيهم، يقتلهم أحبهم إليّ، وأحبهم إلى الله. قال: فقلت: يا أُمّ المؤمنين فأنت تعلمين هذا فلم كان الذي منك؟!
قالت: يا قتادة وكان أمر الله قدراً مقدوراً، وللقدر أسباب».(2)
وقد كان حماس الأمويين في هذه المسألة إلى حدّ قد كبح ألسن الخطباء عن الإصحار بالحقيقة، فهذا الحسن البصري الذي كان من مشاهير الخطباء ووجوه التابعين، وكان يسكت أمام أعمالهم الإجرامية ولكن كان يخالفهم في القول بالقدر بالمعنى الذي كانت تعتمد عليه السلطة آنذاك. فلمّا خوّفه بعض أصدقائه من السلطان، وعد أن لا يعود.
روى ابن سعد في طبقاته عن أيّوب قال: نازلت الحسن في القدر غير مرّة حتّى خوفته من السلطان ، فقال: لا أعود بعد اليوم.(2)

1 . طبقات ابن سعد: 5 / 148.   2 . تاريخ بغداد: 1 / 160.
2 . طبقات ابن سعد: 7/167.

صفحه 392
كيف وقد جلد محمد بن إسحاق صاحب السيرة النبوية المعروفة في مخالفته في القدر.
قال ابن حجر في تهذيب التهذيب: إنّ محمّد بن إسحاق اتّهم بالقدر، وقال الزبير عن الدراوردي: وجلد ابن إسحاق يعني في القدر.(1)
أحاديث مختلقة لا تفارق الجبر   

أحاديث مختلقة لا تفارق الجبر

وفي ظل هذا الإصرار على القضاء والقدر بهذا المعنى نسجت أحاديث لا تفارق الجبر قيد شعرة. وإليك أمثلة منها:
1. روى مسلم في صحيحه عن زيد بن وهب، عن عبد الله قال: حدّثنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو الصادق أنّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أُمّه أربعين يوماً، ثمّ يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثمّ يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثمّ يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، فو الّذي لا إله غيره إنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنّة حتّى ما يكون بينه و بينها إلاّ ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها; وإنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتّى ما يكون بينه وبينها إلاّذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنّة فيدخلها.(2)
2. وروى عنه أيضاً حذيفة بن أسيد يبلغ به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة

1 . تهذيب التهذيب: 9 / 38 ـ 46.         2 . صحيح مسلم: 8 / 44، كتاب القدر.

صفحه 393
فيقول: يا ربّ أشقي أو سعيد؟ فيكتبان، فيقول: أي رب أذكر أو أنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه، ثمّ تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص.(1)
3. قال:جاء سراقة بن مالك بن جعشم قال: يا رسول الله بيّن لنا ديننا كأنّا خلقنا الآن فيما العمل اليوم، أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أم فيما نستقبل؟ قال: لا بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، قال: ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكلّ ميسر لما خلق له وكل عامل بعمله.(2)
فبناء على الحديث الأوّل لا يقدر الإنسان على إضلال نفسه ولا هدايتها كما لا يقدر على أن يجعل نفسه من أهل الجنّة أو النار، فكلّما أراد من شيء يكون الكتاب السابق حائلاً بينه و بين إرادته.
والحديث الثاني يدلّ على أنّ الإنسان لا يقدر على تغيير مصيره بالأعمال الصالحة والأدعية والصدقات، وأنّ الكتاب الذي سبق، حاكم على الإنسان فلا يزاد ولا ينقص وهو يخالف النصوص الثابتة في القرآن والسنّة من تغيير المصير والزيادة والنقص على المكتوب، بالأعمال الصالحة أو الطالحة.
إنّ تفسير القضاء والقدر بهذا الشكل الذي يجعل الإنسان مكتوف اليدين في بحر الحياة ممّا ترغب عنه الفطرة السليمة.
إنّ هذه الأحاديث قد نسجت وفق المعتقدات السائدة للسلطة آنذاك

1 . صحيح مسلم:8/45 كتاب القدر.
2 . جامع الأُصول:1/516; صحيح مسلم:8/48.

صفحه 394
حتى تبرر أنّ الوضع الاجتماعي آنذاك لا يمكن تغييره أبداً فإنّه شيء قد فرغ منه. فالفقير يجب أن يبقى هكذا، والغني كذلك يبقى غنياً، وهكذا المظلوم والظالم.
ترى أنّهم قد رووا عن عبد الله بن عمر، عن أبيه قال: يا رسول الله أرأيت ما نعمل فيه أمر مبتدع ـ أو مبتدأ ـ أو فيما قد فرغ منه؟ فقال: «بل فيما قد فرغ منه، يا ابن الخطاب وكلّ ميسر; أمّا من كان من أهل السعادة فإنّه يعمل للسعادة، وأمّا من كان من أهل الشقاء فإنّه يعمل للشقاء».
وفي رواية قال: لما نزلت (فَمِنْهُمْ شَقيٌّ وَسَعيدٌ) (1) سألت رسول الله، فقلت: يا نبي الله فعلام نعمل، على شيء قد فرغ منه، أو على شيء لم يفرغ منه؟ قال: «بل على شيء قد فرغ منه وجرت به الأقلام يا عمر! ولكن كلّ ميسر لما خلق له».(2)
وهذا الحديث يعرب عن أنّه قد تم القضاء على الناس في الأزل وجعلهم صنفين وكل ميسر لما خلق له، لا لما لم يخلق له، فأهل السعادة ميسرون للأعمال الصالحة فقط، وأهل الشقاء ميّسرون للأعمال الطالحة فقط.
وهذه المرويات في الصحاح والمسانيد ـ و قد تقدّم بعضها ـ(3) لا تفترق عن الجبر وهي تناقض الأُصول المسلّمة العقلية والنقلية، وحاشا

1 . هود:105.
2 . جامع الأُصول:10/516ـ 517، وفيه أخرجه الترمذي.
3 . لاحظ ص 197 ـ 201 من هذا الجزء.

صفحه 395
رسول الله وخيرة أصحابه أن ينبسوا بها ببنت شفة، وإنّما حيكت على منوال عقيدة السلطة، وعند ذلك لا تعجب ممّا يقوله أحمد بن حنبل في رسائله:
القدر خيره وشره وقليله وكثيره وظاهره وباطنه وحلوه ومرّه ومحبوبه ومكروهه وحسنه وسيّئه وأوّله وآخره من الله. قضاء قضاه، وقدر قدّره، لا يعدو أحد منهم مشيئة الله ولا يجاوز قضاءه، بل كلّهم صائرون إلى ما خلقهم له، واقعون فيما قدر عليهم لأفعالهم، وهو عدل منه عزّ ربّنا وجلّ. والزنى والسرقة وشرب الخمر وقتل النفس وأكل المال الحرام والشرك بالله والمعاصي كلّها بقضاء وقدر.(1)
وقد سرى الجهل إلى أكثر المستشرقين فاستنتجوا من هذه النصوص أنّ الإسلام مبني على القول بالجبر، وفي ذلك يقول «ايرفنج» ـ من أعلام الكتاب في الولايات المتحدة في القرن التاسع عشرـ : القاعدة السادسة من قواعد العقيدة الإسلامية هي الجبرية، وقد أقام محمد جلّ اعتماده على هذه القاعدة لنجاج شؤونه الحربية، وهذا المذهب الذي يقرر أنّ الناس غير قادرين بإرادتهم الحرة على اجتناب الخطيئة أو النجاة من العقاب، ويعتبره بعض المسلمين منافياً لعدل الله، فقد تكونت عدّة فرق جاهدت وهم لا يعتبرون من أهل السنّة.(2)
هذا غيض من فيض ممّا يمكن أن يذكر حول القول بالقدر، وسيوافيك توضيحه والمضاعفات الناجمة عنه عند البحث عن عقيدة الأشاعرة.

1 . طبقات الحنابلة:1/15 بتصرّف يسير، وقد تقدّم نصّ الرسالة.
2 . حياة محمد : 549.

صفحه 396
إنّ هنا كلمة للشيخ «محمد الغزالي» المعاصر حول القدر والجبر يعرب عن أنّ المحقّقين من أهل السنّة بدأوا يدرسون الإسلام من جديد أو يدرسون الأُصول الموروثة من أبناء الحنابلة وأهل الحديث من رأس وقد رد على القول بالقدر المستلزم للجبر رداً عنيفاً يعرب عن حريته في الرأي وشجاعته الأدبية في تحليل عقائد الإسلام نقتبس منه ما يلي:
فمن الناس من يزعم أنّ الحياة رواية تمثيلية خادعة، وأنّ التكليف أُكذوبة وأنّ الناس مسوقون إلى مصائرهم المعروفة أزلاً طوعاً أو كرهاً وأنّ المرسلين لم يبعثوا لقطع أعذار الجهل بل المرسلون خدعة تتم بها فصول الرواية أو فصول المأساة والغريب أنّ جمهوراً كبيراً من المسلمين يجنح إلى هذه الفرية بل إنّ عامة المسلمين يطوون أنفسهم على ما يشبه عقيدة الجبر، ولكنّهم حياءً من الله يسترون الجبر باختيار خافت موهوم، وقد أسهمت بعض المرويات في تكوين هذه الشبهة وتمكينها وكانت بالتالي سبباً في إفساد الفكر الإسلامي وانهيار الحضارة والمجتمع.
إنّ العلم الإلهي المحيط بكلّ شيء وصّاف كشّاف يصف ما كان ويكشف ما يكون والكتاب الدالّ عليه يسجل للواقع وحسب!لا يجعل السماء أرضاً ولا الجماد حيواناً إنّه صورة تطابق الأصل بلا زيادة ولا نقص ولا أثر لها في سلب أو إيجاب.
إنّ هذه الأوهام (التقدير سالب للاختيار) تكذيب للقرآن والسنّة، فنحن بجهدنا وكدحنا ننجو أو نهلك، والقول بأنّ كتاباً سبق علينا بذلك، وأنّه لا حيلة لنا بإزاء ما كتب أزلاً، هذا كلّه تضليل وإفك لقوله تعالى: (قَدْ جاءَكُمْ

صفحه 397
بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها) (1) ، (وَقُلِ الحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُر) .(2)
والواقع أنّ عقيدة الجبر تطويح بالوحي كلّه وتزييف للنشاط الإنساني من بدء الخلق إلى قيام الساعة بل هي تكذيب لله والمرسلين قاطبة ومن ثمّ فإنّنا نتناول بحذر شديد ما جاء في حديث مسلم وغيره: إنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنّة حتى ما يكون بينه و بينها إلاّ ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النار....(2)
ونظير ذلك ما رواه الترمذي عن عمر بن الخطاب أنّه سئل عن قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَني آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أنفُسِهِمْ ألستُ بربِّكُمْ قاَلُوا بَلَى شَهِدْنا أن تقُولُوا يومَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عِنْ هذا غافِلين) (4) قال عمر بن الخطاب: سمعت رسول الله يسأل عنها فقال
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ الله خلق آدم ثمّ مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذريّة فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون. ثمّ مسح على ظهره فاستخرج منه ذريّة فقال: هؤلاء خلقت للنار وبعمل أهل النار يعملون فقال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟ قال: فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله الجنة، وإذا خلق العبد للنّار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله الله النار».(3)

1 . الأنعام: 104.                           2 . الكهف: 29.
2 . قد مرّ نصّ الحديث في ص 392.            4 . الأعراف: 172.
3 . صحيح الترمذي:5/266، رقم الحديث 3075.

صفحه 398
فإنّ هذا التفسير المنسوب لعمر يسير في اتجاه مضاد للتفسير البديهي المفهوم من الآيات البينات.
على أنّه ليس هنا أثر من الجبر الإلهي في الآية التي ورد الحديث في تفسيرها ولا يفيد أنّ الله خلق ناساً للنار يساقون إليها راغمين، وخلق ناساً للجنّة يساقون إليها محظوظين! وإنّ التعلق بالمرويات المعلولة إساءة بالغة للإسلام.
كلّ ميل بعقيدة القدر إلى الجبر فهو تخريب متعمد لدين الله ودنيا الناس، وقد رأيت بعض النقلة والكاتبين يهونون من الإرادة البشرية ومن أثرها في حاضر المرء ومستقبله، وكأنّهم يقولون للناس: أنتم محكومون بعلم سابق لا فكاك منه ومسوقون إلى مصير لا دخل لكم فيه، فاجهدوا جهدكم فلن تخرجوا من الخط المرسوم لكم مهما بذلتم!
إنّ هذا الكلام الرديء ليس نضح قراءة واعية لكتاب ربّنا، ولا اقتداء دقيقاً بسنة نبيّنا إنّه تخليط قد جنينا منه المر!
تكوين القدرية كرد فعل    
وكلّ أثر مروي يشغب على حرية الإرادة البشرية في صنع المستقبل الأُخروي يجب أن لا نلتفت إليه فحقائق الدين الثابتة بالعقل والنقل لا يهدها حديث واهي السند أو معلول المتن، لكنّنا مهما نوّهنا بالإرادة الإنسانية فلا ننسى أنّنا داخل سفينة يتقاذفها بحر الحياة بين مد وجزر وصعود وهبوط والسفينة تحكمها الأمواج ولا تحكم الأمواج، ويعني هذا أن نلزم موقفاً محدداً بإزاء الأوضاع المتغيرة التي تمر بنا هذا الموقف من صنعنا وبه نحاسب.

صفحه 399
أمّا الأوضاع التي تكتنفنا فليست من صنعنا ومنها يكون الاختيار الذي يبت في مصيرنا، إنّ تصوير القدر على النحو الذي جاءت به بعض المرويات غير صحيح، وينبغي أن لا ندع كتاب ربّنا لأوهام وشائعات تأباها روح الكتاب ونصوصه.
القرآن قاطع في أنّ أعمال الكافرين هي التي أردتهم (يا أَيُّهَا الَّذينَ كَفَروا لا تَعْتَذِرُوا الْيَومَ إِنّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُون) (1)، وقاطع في أنّ أعمال الصالحين هي التي تنجيهم: (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الجَنّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُون) .(2)
فلا احتجاج بقدر ولا مكان لجبر وعلى من يسيئون الفهم أو النقل أن لا يعكّروا صفو الإسلام.
جاءت في القدر أحاديث كثيرة نرى أنّها بحاجة إلى دراسة جادة حتى يبرأ المسلمون من الهزائم النفسية والاجتماعية التي أصابتهم قديماً وحديثاً.(2)

تكوين القدرية كرد فعل

و لمّا كان القدر والقضاء بالمعنى الذي تروّجه السلطة الأموية مخالفاً للفطرة والعقل، قام رجال أحرار في وجه هذه العقيدة فركّزوا على القول بحرية الإنسان في إطار حياته فيما يرجع إلى سعادته وشقائه، وفيما عينت

1 . التحريم: 7.    2 . الأعراف: 43.
2 . السنّة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث: 144 ـ 157 بتلخيص.

صفحه 400
من الثواب والعقاب، ولكن السلطة اتهمتهم بنفي القضاء والقدر ومخالفة
الكتاب والسنة ثمّ وضعت السيوف على رقاب بعضهم، هذا هو معبد الجهني اتّهموه بالقدر (نفي القدر) ذهب إلى الحسن البصري فقال له: إنّ بني أُميّة يسفكون الدماء ويقولون إنّما تجري أعمالنا على قدر الله، فقال: كذب أعداء الله.(1)
ومعبد هذا قد اتّهم بالقدرية وأنّه أخذ هذه العقيدة عن رجل نصراني، ولكنّه اتهام في غالب الظن قد أُلصق به وهو منه براء وهذا الذهبي يعرّفه بقوله: إنّه صدوق في نفسه، وإنّه خرج مع ابن الأشعث على الحجاج حتى قتل صبراً، ووثّقه ابن معين، ونقل عن جعفر بن سليمان أنّه حدثه مالك بن دينار قال: لقيت معبداً الجهني بمكة بعد ابن الأشعث وهو جريح وكان قاتل الحجاج في المواطن كلّها.(2)
ولا أظن أنّ الرجل الذي ضحى بنفسه في طريق الجهاد ومكافحة الظالمين ينكر ما هو من أوضح الأُصول وأمتنها، ولو أنكر فإنّما أنكر المعنى الذي استغله النظام آنذاك وتشهد بذلك محاورته الحسن البصري الآنفة.
الاحتجاج بالقدر   
ومثله غيلان الدمشقي فقد اتّهم بنفس ما اتهم به أُستاذه، فهذا الشهرستاني يقول: كان غيلان يقول بالقدر خيره وشره من العبد. وقيل تاب عن القول بالقدر على يد عمر بن عبد العزيز، فلمّا مات عمر جاهر بمذهبه فطلبه هشام بن عبد الملك وأحضر الأوزاعي لمناظرته، فأفتى بقتله، فصلب على باب كيسان بدمشق.(2)

1 . الخطط المقريزية: 2 / 356.         2 . ميزان الاعتدال: 4 / 141.
2 . الملل والنحل: 1 / 47.

صفحه 401
وقد صارت مكافحة هذا الاتجاه الظاهر عن معبد الجهني وغيلان الدمشقي ومحاربته سبباً لظهور المفوّضة الذين كانوا يعتقدون بتفويض الأُمور إلى العباد وأنّه ليس لله سبحانه أي صنع في أفعالهم، فجعلوا الإنسان خالقاً لأفعاله، مستغنياً عن الله سبحانه فصار كالإله في مجال الأفعال كما كان القضاء والقدر حاكماً على كلّ شيء ولا يمكن تغييره بأي صورة أُخرى من الصور. فالطرفان يحيدان عن جادة التوحيد ويميلان إلى جانبي الإفراط والتفريط في الخلق، وسيوافيك تفصيل القول في محله.

الاحتجاج بالقدر

إنّ القدر بالمعنى الذي جاء في الأحاديث النبوية من شأنه أن يجعل الإنسان مسلوب الاختيار، مسيراً في حياته غير مختار في أفعاله، فعند ذلك يصحّ للعبد أن يحتجّ على المولى في عصيانه ومخالفته.
ومن العجيب انّه جاء في الصحيحين حديث عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «احتجّ آدم وموسى فقال موسى: يا آدم أنت أبو البشر الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته، فلماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟» فقال له آدم: أنت موسى الذي كلّمك الله تكليماً وكتب لك التوراة فبكم تجد فيها مكتوباً «وعصى آدم ربّه فغوى» قبل أن أخلق؟ قال: بأربعين سنة قال: فحجّ آدم موسى».(1)
وقد اضطرب القائلون بالقدر ومالوا يميناً وشمالاً في تفسير هذا

1 . جامع الأُصول:10/523 ـ 525; صحيح البخاري:4/158 و 6/96و 8/126و 9/148.

صفحه 402
الحديث وأمثاله إذ لو صحّ القدر بالمعنى الذي جاء في الأحاديث النبوية لكان باب العذر للعبد مفتوحاً على مصراعيه.
والعجب من ابن تيمية حيث فسر الحديث في رسالة أسماها بـ «الاحتجاج بالقدر» بأنّ موسى لم يلم آدم إلاّ من جهة المصيبة التي أصابته وذريته بما فعل لا لأجل أنّ تارك الأمر الإلهي مذنب عاص، ولهذا قال: لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة. ولم يقل: لماذا خالفت الأمر؟ ولماذا عصيت؟ والناس مأمو