welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء / ج 1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء / ج 1


(227)

المسألة الثالثة

فيها فروع ثلاثة:

ذكر المحقّق فيها فروعاً ثلاثة بالنحوالتالي:

1ـ لو قضى الحاكم على غريم بضمان مال،وأمر بحبسه فعند حضور الحاكم الثاني، يُنظر فإن كان الحكم موافقاً للحقّ ألزم، وإلاّ أبطله سواء كان مستند الحكم قطعياً أو اجتهادياً.

2ـ كلّ حكم قضى به الأوّل وبان للثاني فيه الخطاء فإنّه ينقضه.

3ـ لو حكم هو ثمّ تبيّن الخطأ فإنّه يبطل الأوّل ويستأنف الحكم بما علمه حقاً.(1)

وإليك البحث فيها واحداً بعد الآخر.

لزوم النظر في حكم الغريم المحبوس

إنّ ما ذكر في الفرع الأوّل، هوالموافق لما ذكره في مبحث الآداب قال:«إنّ


1 ـ نجم الدين الحلي: الشرائع: 4/75.


(228)

القاضي ينظر في المحبوسين ويجعل وقتاً فإذا اجتمعوا أخرج اسم واحد واحد ويسأله عن موجب حبسه ويعرضه على خصمه فإن ثبت لحبسه موجب أعاده وإلاّ أشاع حاله بحيث إن لم يظهر له خصم أطلقه» (1) ولكنّه، لايلائم ظاهراً مع ما سيذكره في المسألة الرابعة حيث قال:«ليس على الحاكم تتبّع حكم من كان قبله». (2)

وقد اضطرب كلامهم في الجمع بين ما ذكر هنا، وما ذكره في المسألة الرابعة فقال الشهيد الثاني: ـ عند الكلام في المسألة الرابعة ـ إنّما وجب في المسألة الأُولى النظر في حكم الأوّل دون هذه، (الرابعة) لأنّه في الأوّل وجد الغريم محبوساً على الحقّ ولم يُحصِّل أداءه فكأنّ الأوّل لم يتمّ ، فلذا أوجب على الثاني النظر في حال من عليه الحقّ لأنّه يحتاج إلى أن يحكم عليه بوجوب أداء الحقّ ولايتمّ للثاني ذلك حتّى يعلم حال الحكم السابق بخلاف ما إذا كان قد انقضى الأمر في حكم الأوّل واستوفى متعلّق الحكم فإنّ الحاكم الثاني لايجب عليه النظر في السابق ولايُتْبع الأحكام إلاّ أن يدّعي المحكوم عليه جور الحاكم الأوّل فيلزمه حينئذ النظر لأنّ هذه دعوى يلزمه سماعها ولايتمّ إلاّ بالنظر في الحكم فينفذه إن كان حقّاً ويردّه إن تبيّن بطلانه.(3)

واعترض في الجواهر بأنّ دعوى عدم انتهاء الحكم في الأوّل يدفعها ظهور العبارة في خلافها ضرورة كون حبسه لاستنقاذ الحقّ منه.

والظاهر أنّ صاحب الجواهر قدّس الله سرّه ما أعطى حقّ النظر في عبارة الشهيدـ أنارالله برهانهـ كما هوشأنه في سائر الموارد إذ المراد من عدم التمامية هو عدمها استيفاءً لا حكماً فليس له الحبس إلاّ إذا ثبت موجبه عنده، ومثله إذا صدرالحكم بالإعدام فليس للثاني الإجراء إلاّ إذا ثبت موجبه عنده مثل القاضي


1 ـ المصدر نفسه/73.
2 ـ المصدر نفسه/76.
3 ـ العاملي، المسالك: 2/400.


(229)

الأوّل.

والضابطة الكلّية أنّه ليس للثاني ردّ حكم القاضي السابق ولكنّه أيضاً ليس له إنشاء حكم وفق حكم الحاكم الأوّل إلاّ بعد ثبوت الموضوع عنده بل و لا إجراؤه وإن لم يحكم كماسيوافيك في محلّه والعجب أنّه تنبّه ببعض ما ذكره الشهيد في بعض كلماته حيث قال:وعدم جواز الردّ عليه مع عدم العلم بفساده لايقتضي تحقّق الموضوع الذي يتوقّف عليه مباشرة الثاني لاستيفاء الحقّ الذي هو من ولاية القضاء بالمعنى الأعم فليس له حينئذ ذلك إلاّ بعد ثبوت كونه مستحقّاًعليه عنده وليس في الأدلّة أزيد من حرمة الردّ ومن الإنكار على الردّ ونحوه ذلك ممّا لادلالة فيه على ثبوت الحقّ عند الثاني على وجه يكون وليّاً على استنقاذه (1).

وبذلك اتّضح دليل الفرع الأوّل وقد أشار إليه المحقّق بعبارة موجزة حيث قال:لاحتياج الاستيفاء منه إلى مسوِّغ.

والحاصل: إنّ الردّوالاستنكار أمر وإنشاء الحكم وفق الحكم الأوّل أو إجراء حكم المعزول أمر آخر فما يرجع إلى المسألة الرابعة، هو الأمر الأوّل، وما يرجع إلى المقام هو الأمر الثاني.

ثمّ إنّه يظهر من السيّد الطباطبائي أنّ الممنوع في هذه الصورة هو إنشاء حكم على طبق حكم حاكم آخر من غير أن يبحث عنه و يتبيّن كونه على طبق رأيه و مع ذلك يجوز أو يجب إمضاؤه بمعنى تنفيذه و هو غير الحكم من نفسه على طبقه.(2)

و لا يخفى عدم ترتّب ثمرة على هذا التفصيل، فإنّ محور النزاع هو جواز أو وجوب إجراء حكم من تقدّم سواء كان هناك إنشاء حكم على وفق الأوّل أو لا، و الذي تترتّب عليه الثمرة، هو اجتنابه عن إجراء الحكم إلاّ إذا ثبت الموضوع عنده.


1 ـ الجواهر: 40/95.
2 ـ ملحقات العروة 2/28، المسألة35.


(230)

و الظاهر من عبارة الجواهر السابقة هو ما ذكرناه. (1)

و نظير ما قلناه في المقام ما يقال في أصالة الصحّة في فعل الغير من أنّها لا تثبت الصحّة المطلقة بل الصحّة النسبيّة، فلو اشترى رجل من بايع مشكوك بلوغه عندنا فمقتضى الأصل، هو صحّة شراءه منه و لكنّه لا تثبت بلوغ البايع حتّى يجوز لنا شراء شيء آخر منه بل لا محيص لنا عن التحقيق في بلوغه و عدمه.

و مثله إذا تفحّص الحاكم عن زوج المرأة أربع سنوات، فطلّقها فيجوز لنا، تزويجها، و أمّا إذا تفحّص ولم يطلّق فليس لنا طلاقها مبنياً على فحصه إلاّ بعد ثبوت الموضوع عندنا.

فإن قلت: إذا كان الحكم صادراً عن وفق موازين القضاء فيجب على الحاكم الثاني تنفيذه، فإنّ إيقافه ردّ على الحاكم الأوّل.

قلت: إنّ الحرام هو ردّ الحكم و رفضه حسب دلالة المقبولة، و أين هو من الإيقاف حتّى يثبت الموضوع.

والحاصل: إنّ الإجراء فرع ثبوت الموضوع لدى الحاكم الثاني و إلاّ فلا يردّه ولا يرميه بالبطلان و في الوقت نفسه لا يجريه.

نقض حكم القاضي عند تبيين الخطأ

هذا هو الفرع الثاني الذي أشار إليه المحقّق بقوله:«وكذا كلّ حكم قضى به الأوّل وبان للثاني فيه الخطأ فإنّه ينقضه» توضيحه:

التنصيب عموماً أو خصوصاً على القضاء، يلازم نفوذ حكم القاضي لرفع الخصومة وقطع النزاع فلو لم يكن حكمه نافذاً لغى التنصيب ويصبح القاضي رجلاً ناصحاً لا أثر لكلامه في رفع المنازعة إلاّ في أقلّ من الناس.ولأجل ذلك


1 ـ الجواهر 40/95.


(231)

أوجب الإمام قبول قضاءه وحرّم ردّه بقوله:«فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه، فإنّما استخفّ بحكم الله وعلينا ردّ، والرادّ علينا كالرادّ على الله وهو بمنزلة الشرك».(1) إلى غير ذلك من الروايات.

ومع ذلك كلّه فقد استثنى القوم موارد جوّزوا فيها نقض حكمه فيها قائلين بأنّه ليس من مقولة الردّ عليه والصور المتصوّرة بشكل عام وإن كان بعضه خارجاً عن إطار البحث عبارة:

1ـ نقض الحكم بالحكم

2ـ نقض الحكم بالفتوى

3ـ نقض الفتوى بالحكم

4ـ نقض الفتوى بالفتوى

وهذه هي الأقسام الأربعة وإليك البحث فيهاواحداً بعد الآخر.

1ـ نقض الحكم بالحكم

وقبل الخوض في البحث نأتي ببعض نصوصهم:

1ـ قال الشيخ:إذا قضى الحاكم بحكم فاخطأ فيه ثمّ بان أنّه أخطأ أو بان أنّ حاكماً كان قبله قد أخطأ فيما حكم به، وجب نقضه ولايجوز الإقرار عليه بحال وقال الشافعي: إن أخطأ فيما لايسوغ فيه الاجتهاد بأن خالف نصّ كتاب أو سنّة أو إجماعاً أو دليلاً لايحتمل إلاّ معنى واحداً وهو القياس الجليّ على قول بعضهم، والقياس الجليّ والواضح على قول الباقين منهم، فإنّه ينقض حكمه، وإن أخطأ فيما يسوغ فيه الاجتهاد لم ينقض حكمه.

وقال مالك وأبوحنيفة: إن خالف كتاب الله والسنّة لم ينقض حكمه، وإن


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.


(232)

خالف الإجماع نقض حكمه، وناقض كل واحد أصله فقال مالك: إن حكم بالشفعة للجار نقض حكمه وهذه مسألة خلاف، وقال محمد بن الحسن: إن حكم بالشاهد واليمين، نقض حكمه، وقال أبوحنيفة: إن حكم بالقرعة بين العبيد أو بجواز بيع ما تركت التسمية على ذبحه عامداً، نقض حكمه لأنّه حكم بجواز بيع الميتة.

قال الشيخ: دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم وأيضاً فقد ثبت عندنا أنّ الحقّ في واحد، وأنّ القول بالقياس والاجتهاد باطل، فإذا ثبت ذلك فكلّ من قال بهذا قال بما قلناه، وإنّما خالف في ذلك من جوّز الاجتهاد، وروي عن النبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم أنّه قال: من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو ردّ، وقال ـ عليه السلام ـ : ردّوا الجهالات إلى السنن، وهذه جهالة وروي عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري كتاباً يقوله فيه: ولايمنعك قضاء قضيت به اليوم ثمّ راجعت رأيك فهُديت لرشدك أن تراجع فإن ّ الحقّ قديم، ولايبطله شيء، وأنّ الرجوع إلى الحقّ أولى من التمادي في الباطل.(1)

2ـ وقال الشيخ أيضاً: وقال المخالف ليس لأحد أن يردّ عليه وإن حكم بالباطل عنده لأنّه إذا كان حكمه باجتهاده وجب عليه العمل به فلايعترض عليه بما هو فرضه إلاّ أن يخالف نصّ الكتاب أو سنّة أو إجماعاً أو قياساً لايحتمل إلاّ معنى واحداً فإنّ ذلك ينكر عليه ـ ثمّ إنّه اختار ما يلي وقال: إنّه إن أصاب الحقّ نفذ حكمه، ولايعترض عليه، وإن أخطأ وجب على كل من حضره أن ينبّهه على خطئه، ولاقياس عندنا في الشرع ولا اجتهاد، وليس كلّ مجتهد مصيباً.(2)

3ـ قال ابن البرّاج: وإذا حكم بشيء ثمّ بان له أنّه أخطأ أو بان له أنّ الحاكم قبله حكم بشيء وأخطأ فيه كان عليه نقض ما أخطأ هو فيه، وكذلك ما أخطأ فيه غيره من الحكّام المتقدّمين عليه وحكم بما يعلمه من الحقّ.(3)


1 ـ الطوسي: الخلاف، كتاب القضاء، المسألة 7.
2 ـ الطوسي، المبسوط : 8/91.
3 ـ ابن البرّاج ،المهذبّ:2/599.


(233)

4ـ وقال العلاّمة :وكلّ حكم ظهر بطلانه فإنّه ينقضه سواء كان الحاكم هو أو غيره، و سواء كان مستند الحكم قطعياً أو اجتهادياً.(1)

5ـ وقد اضطرب كلام العلاّمة في القواعد ففي موضع يظهر منه التفصيل بين ما إذا خالف دليلاً قطعياً وجب عليه وعلى غير ذلك الحاكم، نقضه ولايسوغ إمضاؤه ... وإن خالف دليلاً ظنّياً لم ينقض كما لو حكم بالشفعة مع الكثرة....

ثمّ يقول بعد عدّة سطور: ولو كان الحكم خطأ عند الحاكم الأوّل وصواباًعند الثاني ففي نقضه مع كون الأوّل من أهله نظر والأقرب أنّ كلّ حكم ظهر أنّه خطأ سواء كان هو الحاكم أو السابق فإنّه ينقضه ويستأنف الحكم بما علمه حقّاً.(2)فقد فصّل في العبارة الأولى بين الدليل القطعي والظنّي و لكنّه حكم بالنقض مطلقاً في الثانية فلاحظ.

6ـ وقال فخر المحقّقين: إذا علم الحاكم الثاني بأنّ الحاكم الأوّل أخطأ في حكمه، أوالحاكم نفسه علم أنّه حكم بحكم خطأ والخطاء بمخالفة نصّ الكتاب أو السنّة المعلومي الدلالة مع علم سند السنّة أو الإجماع، نقض ذلك الحكم. وأمّاإذا ظهر خطأ الحكم لاستناده في الاجتهاد إلى دليل ظهر أنّه ليس بدليل في نفسه ولم يظهر له برهان على فساد هذا الحكم بل ظهر فساد في مستنده فهذا هو المبحوث عنه هنا وقد اختار المصنف (العلاّمة) أنّ الأقرب نقضه والحكم بما علمه حقّاً.

ووجه القرب قوله تعالى: «وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ» (المائدة /47) والخطأ لم ينزله اللّه، ولأنّ إقرار ما يعتقده خطأ مع العلم به أو الظنّوهو غير جائز.

وقال: وفيه نظر ، لأنّ قوله:«مع العلم به لانزاع فيه» وقوله:«أو الظن» فإنّه


1 ـ الإرشاد:2/141.
2 ـ مفتاح الكرامة:10/155، قسم المتن، ولاحظ: الايضاح: 3/319.


(234)

في عين المنع، فإنّ الدليل الظنّي لاينقض ما حكم به بدليل ظنيّ وإلاّ لم تستقرّ الأحكام أمّا لو ظهر باجتهاد ثان فلاينقض وإلاّ لم يستقرّ حكم.(1)

هذه بعض النصوص في المسألةو إليك تحليلها:

إنّ نقض الحكم بالحكم جوازاً و منعاً يستمدّ من الأمور التالية و الإمعان فيها يعطي الضابطة و يحدِّد الجواز والمنع و إليك بيانها:

1ـ الغاية المتوخاة من القضاء في جميع الأوساط هو رفع الخصومة و قطع النزاع قانوناً و تشريعاً و هو لا يتحقّق إلاّ إذا كان حكم القاضي متمتِّعاً بصلابة و قوّة غير منتقضة باعتراض أحد الطرفين و إلاّ لما حصلت الغاية المطلوبة، و انتهى الأمر إلى الهرج و المرج و لأجل ذلك يَتمتَّعُ حكم القاضي في تمام المجتمعات بالقوّة والاستحكام.

2ـ إنّ النقض و تحديد القضاء فرع وجود الخصومة و المفروض أنّها ارتفعت بالقضاء الأوّل فليست على صعيد التشريع أيّة خصومة حتّى يتصدّاها الحاكم الثاني أو القاضي الأوّل نفسه و إن رضى المتحاكمان لأنّ الوصل بعد الفصل يحتاج إلى دليل.

و بذلك يظهر أنّ حرمة النقض و تجديد المرافعة من القضايا التي دليلها معها، لأنّ القضاء الثاني فرع وجود المرافعة تشريعاً و المفروض أنّها ارتفعت بالقضاء الأوّل و بقاءها تكويناً في نفوس المترافعين أو في ألسنتهما ليس موضوعاً شرعياً له. و إلى ما ذكرنا يشير المحقق الرشتي و يقول: إنّ حرمة النقض لا يحتاج في إثباتها إلى دليل آخر غير ما دلّ على وجوب الرضا بحكم الحاكم بعد تصوّر حقيقة الحكم فإنّ الحكم المبحوث عنه ـ على ما سبق ـ عبارة عن فصل الخصومة و قطع المنازعة بإلزام أحد المتخاصمين على غير ما يقتضيه تكليفه فإذا تحقق


1 ـ الايضاح:4/320.


(235)

الفصل عند حاكم لم يبق أمر قابل للفصل شرعاً بعدُ سواء رضي الخصمان بتجديد المراجعة أم لا. (1)

فما يظهر من صاحب الجواهر من تجويز النقض برضى المتخاصمين(2) ليس في محلّه لأنّ رضاهما لا يغيّر الحكم الشرعي و لا يوجد موضوعاً لدى القاضي.

3ـ إنّ الإمام أعطى لحكم القاضي منزلة جليلة، فجعل حكمه حكم نفسه و ردّه ردّ حكمه(3). فكل مورد كان النقض ملازماً مع الردّ يكون محرّماً بلا إشكال.

هذه الجهات الثلاثة، توضح وجه حرمة النقض، و هناك جهات أخرى تسوّغ النقض و إليك بيانها:

4ـ إنّ العبرة و الاعتبار في حكم القاضي برصيده الذي يتمتّع به و هو كونه حاملاً لحكمهمعليهم السَّلام و هذا هو الذي أعطى له القيمة و الكرامة و لو خلّي عنه، لسقط عن الاعتبار و المقصود من حكمهم هو الأعم من الحكم الواقعي المنكشف بالعلم، أو المنكشف بالأدلّة القطعيّة و إن لم يكن نفس الحكم قطعياً، كظواهر الكتاب و السنّة المعتبرة، و الإجماع المحصّل، و الشهرات المحقّقة التي تجعل المقابل شاذاً ساقطاً ـ حسب ما حقّقناه ـ .

والحكم القضائي عندنا ليس حكماً واقعياً و لا ظاهرياً و إنّما قسم خاص منه، لكن بما أنّه يستمدّ من هذين القسمين يكون له الاعتبار، فإذا لم يكن مستمدّاً منهما لما كانت له قيمة.

5ـ الاجتهاد الصحيح موضوع لنفوذ القضاء فلو حكم بالحق بلا اجتهاد،


1 ـ المحقق الرشتي: كتاب القضاء:1/107.
2 ـ النجفي: الجواهر40/95، و نقله عنه كل من المحقق الرشتي و الاشتياني في كتابيهما باسم «كتاب القضاء:108، و57 معبّرين عنه ببعض مشايخنا و هذا يعرب عن تتلمّذهما عليه أولاً ثمّ على الشيخ الأنصاري: ـ قدّس الله أسرارهم ـ .
3 ـ الوسائل: الجزء18، الباب11 من أبواب صفات القاضي الحديث 1.


(236)

أو باجتهاد فاسد فهو من مصاديق قوله: «حكم بالحقّ و هو لا يعلم» و لأجل ذلك لا قيمة لقضاء العامي و إن أصاب الحق.

6ـ إنّ حكم القاضي و إن كان حجّة على الكل من غير فرق بين المترافعين و غيرهما لكن ليست حكومته مطلقة، غير مشروطة و لا محدّدة فلو كان الحقّ منكشفاً لدى القاضي بالعلم القطعي أو بحجّة قطعيّة على قول، فليست له حكومة عليه إذ لايصح جعل حكم مخالف في عرض الواقع، المنكشف.

7ـ إذا حكم القاضي بحكم على موضوع ثبت عنده بالبيّنة كالقصاص، ولكن عزل وترك إجراءه على قاض آخر، فلا يصحّ له الإجراء إلا إذا تحقّق الموضوع عنده و هو كونه قاتلاً أو مديوناً فيطلب ذلك، النظرَ في القضاء الأوّل. و إلاّ فمجرّد حرمة الردّ و الإنكار لا يدلّ على ثبوت الحقّ عند الثاني. إذا عرفت ما هو المبرر لحرمة النقض و جوازه فإليك بيان الموارد التي يجوز النقض فيها:

أ: تبيّن فساد الاجتهاد

إذا تبيّن أنّ الحاكم الأوّل، لم يقض على اجتهاد صحيح مثلاً أحلف المدّعي مكان المنكر أو قضى بشهادة النساء مكان لزوم شهادة الرجال، أو بشهادة عدلين مع لزوم شهادة الأربعة أو قضى بشهادة عدل و يمين في غير الأموال و الحقوق مع اختصاص القضاء بهما عليهما ففي تلك الموارد لاشبهة في جواز النقض بل لزومه في حقوق الله مطلقاً و حقوق الناس مع المطالبة فإنّ حكمه في الواقع دائر بين الحقّ و الباطل فعلى الأوّل قضى بالحقّ و هو لا يعلم، و على الثاني قضى بالجور و هو لا يعلم والكلّ قضاء باطل.

ب ـ إذا خالف الدليل القطعي

إذا كان في المسألة دليل قطعي يفيد العلم بالحكم الواقعي، كنصِّ الكتاب،


(237)

أو السنّة المتواترة، و إجماع الفرقة المحقّة في الأعصار، فحكمه حكم القسم الأوّل من لزوم النقض مطلقاً في حقوق الله و حقوق الناس مع المطالبة إذ لا معنى لجعل حكم في عرض الحكم الواقعي، وبكلمة قصيرة يدخل الحكم حينئذ في من قضى بالجور و هو لا يعلم.

ج ـ إذا خالف الدليل المعتبر

إذا كان في المسألة دليل معتبر ثبت اعتباره بالدليل القطعي كخبر الواحد و سائر الأمارات التي قامت الأدلّة القطعية على حجّيتها كالشهرات الفتوائية طوال القرون ـ على ما حقّقنا حالها في الأصول ـ ، و كالعلّة المنصوصة و بالجملة تبيّن تبيّناً قطعياً أنّه استند إلى ما ليس بحجّة واقعاً، و إن لم ينكشف الواقع مثل انكشافه في الصورة الثانية فهل يجوز النقض أو لا؟

والحقّ جوازه وذلك لأنّ المفروض أنّ الحجّة الفعلية في حقّه، هو ما غفل عنه، و عدل إلى ما ليس بحجّة و مع ذلك فكيف يكون نافذاً في حقّ القاضي الثاني؟

و الحاصل أنّ المقياس تبيّن الخطاء في قضائه (لا تبيّن الواقع و انكشافه) و هو يلازم عدوله عن الحجّة السابقة إلى الحجّة الفعلية.

د ـ لو كان الدليل المخالف عند القاضي الثاني أرجح عنده مما استند إليه. مع كون مستند الأوّل أيضاً ممّا يجوز الاعتماد عليه فإنّ ذلك لاينقض لأنّه لا يعلم كونه خطاء.و على ضوء ذلك ظهر أنّ مورد النقض ينحصر في أمرين: تبيّن فساد الاجتهاد، تبيّن الخطاء في مستند القاضي الأوّل تبيّناً قطعياً سواء كان الواقع متبيّناً أيضاً أو لا و أمّا إذا كان الخطاء غير متبيّن غاية الأمر كان لأحد الدليلين ترجيح في نظر الثاني على الأوّل فلا.

نعم المتأخّرون بين موافق، و متردّد، وجازم بالخلاف.


(238)

أمّا الأوّل فقد أفاد المحقّق الرشتي في هذا المجال:

يجوز النقض في مواضع ثلاثة. و هي المواضع التي يقع فيها الحكم لاغياً:

أحدها : ما لو علم الحاكم أو غيره مخالفة حكم الحاكم الأوّل للحكم الإلهي الواقعي علماً قطعيّاً فإنّه يجوز النقض حتّى تتجدّد المرافعة لأنّه الحكم على حدّ سائر الأمارات فلايكون حجّة إلاّ مع الجهل بالواقع و امّا مع العلم به فلاحكومة له.

ثانيها: ما لو علم مخالفة الحكم لدليل معتبر عند الكل كالخبر الصحيح المعمول به، الثابت في الكتب المعتبرة مع عدم المعارض فإنّ النقض جائز لأنّ العلم بالواقع الأوّلي و الثانويّ مع وحدته بين الكلّ سيّان في عدم جواز المخالفة، بحيث لو فرضت مراعاة المجتهد لشرائط الاجتهاد لم يفت بمضمونه.

وأمّا مخالفة الحكم الثانوي مطلقاً فليس محلّ النقض لأنّ الأحكام الثانويّة متعدّدة حسب تعدّد الأمراء فليس لمجتهد إبطال ما زعم الآخر حكماً إلهياً و إلاّ لم يبق للحكم مورد لا ينتقض فيه إلاّ نادراً.

و الحاصل :أنّ المخالفة في الرأي لا توجب جواز النقض مطلقاً، بل يتوقّف على كونها بحيث لا تخفى على أحد مراع لشروط الاجتهاد.

ثالثها: ما لو ظهر خطأ الحاكم في الاجتهاد قصوراً أو تقصيراً (فساد الاجتهاد) إلخ. (1)

والقسمان الأوّلان داخلان في تبيّن الخطأ في مستند القاضي سواء كان الواقع متبيّناً كما في القسم الأوّل أو لا كما في الثاني.

أمّا الثاني: فقد أفاد المحقّق الاشتياني فيه و قال: المخالفة للدليل المعتبر عند الكل إن رجع إلى الفساد في الاجتهاد فهو داخل في القسم السابق و إلاّ ففيه


1 ـ المحقق الرشتي: كتاب القضاء 1/108ـ109


(239)

إشكال من حيث عموم الأدلّة الدالّة على حرمة النقض و شمولها بالنسبة إلى المقام، و من حيث العلم بكون التكليف الظاهري لكلّ أحد، هو مؤدّى الدليل الفلاني حتّى لهذا الحاكم فيرجع إلى العلم بمخالفة حكمه للتكليف الظاهري حتّى في حقّ الحاكم فلا أثر في حكمه كما لو خالف الدليل العلمي.(1)

وأمّا الثالث فقد أفاد السيّد الطباطبائي فخصّ جواز النقض بموردين:

1ـ علم علماً قطعياً بمخالفته للواقع بأن كان مخالفاً للإجماع المحقّق أو الخبر المتواتر.

2ـ إذا تبيّن تقصيره في الاجتهاد ثمّ قال ففي غير هاتين الصورتين لا يجوز نقضه و إن كان مخالفاً لرأيه بل و إن كان مخالفاً لدليل قطعي نظريّ كإجماع استنباطي أو خبر محفوف بقرائن و أمارات قد توجب القطع، مع احتمال عدم حصوله للحاكم الأوّل فإن مقتضى إطلاق عدم جواز ردّ حكم الحاكم، عدم جواز نقضه حينئذ إلاّ إذا حصل القطع بكونه على خلاف الواقع فلا يكفي في جواز النقض كون الدليل علميّاً لبعض دون بعض.(2)

يلاحظ عليه: أنّ التمسّك بالاطلاق فرع إحراز الموضوع و هو أنّه حكم بحكمهم، و المفروض أنّه لم يحرز إمّا وجداناً كما فيما إذا قامت الحجّة القطعيّة أو تعبدّاً كما في مورد الأمارات التي دلّت الحجّة القطعية على صحّة الاحتجاج بها. و معه كيف يصح التمسّك بالإطلاق.

وبذلك يظهر النظر فيما أفاده صاحب الجواهر حيث قال: أمّا القطعي النظري كإجماع استنباطي و خبر محفوف بقرائن و تكثّر أمارات ممّا يمكن وجود عكسها عند الأوّل كما تراه بالعيان بين العلماء خصوصاً في دعوى الإجماع فلا يبعد عدم جواز النقض به في غير ما فرضناه ضرورة اندارج حكم الأوّل في الأدلّة


1 ـ الآشتياني القضاء 56.
2 ـ السيّد الطباطبائي ملحقات العروة 2/26 المسألة 32 و لاحظ أيضاً المسألة 28 ط طهران.


(240)

المقتضية لنصبه فإنّ المدار في صحّته على معرفة حكمهم بالاجتهاد الصحيح الذي هو أعمّ من القطع النظري و الظن(1) .

يلاحظ عليه: أنّه لا ملازمة بين جواز النصب، و نفوذه على المجتهد الآخر، فلعلّ عرفانه بالاجتهاد الصحيح في أغلب الموارد كاف في جوازه و لا يكون دليلاً على كونه حجّة على المجتهد الذي كشف أنّ الحكم الفعلي هو خلاف ما حكم. كشفاً قطعياً، بحيث لو كان الأوّل ملتفتاً لقضى به.

ولعلّ ما أفاده في ذيل كلامه موافق لما ذكرناه حيث قال: وينقض إذا خالف دليلاً علمياً لا مجال للاجتهاد فيه أو دليلاً اجتهادياً لا مجال للاجتهاد بخلافه إلاّ غفلة و نحوها و لا ينقض في غير ذلك. (2)

ما هو المراد من حرمة النقض؟

إذا اختلف المتبايعان في نجاسة المبيع وطهارته كالعصير الذاهب ثلثاه بالشمس ، و رأى المشتري نجاسته تقليداً أو اجتهاداً على خلاف البايع، و حكم الحاكم بطهارته، فهل يترتّب جميع آثار الطهارة على نوع العصير، أو على شخصه المتنازع فيه، أو خصوص الأثر الذي بسببه وقعت الخصومة و هو صحّة البيع و تملّك البايع الثمن، و لزوم دفعه إليه من غير أن يصحّ للمشتري أن يرتّب سائر آثار الطهارة كإباحة الأكل و الصلاة إذا لم يساعد تكليفه؟

فعلى الوجه الأوّل يجوز للمشتري القائل بالنجاسة، أن يعامل مع مطلق العصير، معاملة الطهارة و إن كان خارجاً عن محلّ المرافعة، و على الثاني يجوز له أن يرتّب على خصوص المتنازع فيه جميع آثارها من الأكل و الصلاة، و على الثالث يجوز أن يرتّب الأثر الذي وقع مورد النزاع و هو لزوم دفع الثمن و كون


1 ـ الجواهر :40/96ـ 97.
2 ـ الجواهر :40/96ـ 97.


(241)

البايع مالكاً. و الظاهر هو الثالث لأنّ المتبادر من قوله «فارضوا به حكماً»(1) هو الرضا بحكمه بمقدار ترتفع به الخصومة و هو الذي يقبل الإلزام، لا سائر الآثار. من غير فرق بين أن يكون متعلّق القضاء الطهارة أو أداء الثمن، لأنّ الحكم بالطهارة ليس إلاّ فتوى و لا يجب على المحكوم عليه الأخذ بفتياه خصوصاً إذا كان مجتهداً أو كان مقلّداً أو كان القاضي غير أعلم، بخلاف حكمه بأداء الثمن فإنّه حكم قضائي محترم.

نعم يظهر من صاحب الجواهر، أنّ المترتّب، هو الطهارة حيث قال : كما أنّه لا فرق في ذلك بين العقود و الإيقاعات و الحلّ و الحرمة و الأحكام الوضعيّة حتّى الطهارة و النجاسة فلو ترافع شخصان على بيع شيء من المائعات وقد لاقى عرق الجنب من زنا مثلاً، عند من يرى طهارته فحكم بذلك كان طاهراً مملوكاً للمحكوم عليه و إن كان مجتهداً يرى نجاسته أو مقلِّد مجتهد كذلك لإطلاق ما دلّ على وجوب قبول حكمه، و يخرج حينئذ هذا الجزئي من كلّي الفتوى بأنّ المايع الملاقي عرق الجنب نجس في حقّ ذلك المجتهد و مقلّدته و كذا البيوع و الأنكحة و الطلاق و الوقوف و غيرها، و هذا معنى وجوب تنفيذ الحاكم الثاني ما حكم به الأوّل و إن خالف رأيه.(2)

و يظهر من السيّد الطباطبائي اختياره أيضاً قال: إذا كان مذهبه اجتهاداً أو تقليداً نجاسة الغسالة أو عرق الجنب من الحرام و اشترى مايعاً فتبيّن أنّه كان ملاقياً للغسالة أو عرق الجنب من الحرام ـ إلى أن قال ـ ففي خصوص هذا المورد يعمل بمقتضى الطهارة و يبنى عليها و ينقض الفتوى بذلك الحكم(3).


1 ـ الوسائل18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث1.
2 ـ الجواهر: 40/98.
3 ـ السيّد الطباطبائي: ملحقات العروة :2/27، المسألة 38 و المورد من مصاديق نقض الفتوى بالحكم.


(242)

يلاحظ على ما ذكراه أنّ المتبادر من أدلّة نفوذ القضاء، هو نفوذه، في مورد الخصومة، و هو لزوم أداء الثمن، و عدمه لا صيرورة النجس في نظر المشتري طاهراً بحيث يجوز له شربه و بيعه.

و العجب أنّ السيّد الطباطبائي أفتى في كتاب التقليد على خلاف ما ذكره هنا حيث قال:إذا كان البايع مقلِّداً لمن يقول بصحّة المعاطاة مثلاً أو العقد الفارسي ـ والمشتري مقلِّداً لمن يقول بالبطلان، لا يصحّ البيع بالنسبة إلى البايع أيضاً لأنّه متقوّم بطرفين فاللازم أن يكون صحيحاً من الطرفين، و كذا في كلّ عقد كان مذهب أحد الطرفين بطلانه و مذهب الآخر صحّته(1).

فإذا كان هذا حال البايع حسب الفتوى فكيف يمكن أن يغيّره حكم القاضي إلى الصحّة لأنّ المفروض أنّ القاضي يُفتي ثمّ يقضي حسب الفتوى نعم ذهب المشايخ إلى صحّته بالنسبة إلى البايع مع تمشي قصد المعاملة ممّن يرى بطلانها كما عليه السيّد الأستاذ في تعليقته على العروة و غيره من الأعلام.

والحقّ أنّ النقض نسبيّ لا مطلق و بذلك يظهر اندفاع ما ربّما يقال: «لا دليل على نفوذ حكمه على مجتهد مخالف لأنّه لا يلتزم بأنّ ما حكم به حكم الإمام ـ عليه السلام ـ بل يرى أنّه ليس بحكمه فلا تدلّ الروايات على نفوذ حكم ذلك الحاكم على مخالفيه في الرأي إذ يجب عند ترتّب الأثر إحراز عناوين الموضوعات و منها أنّه حكم الإمام فمهما لا يعلم أنّ ما حكم به هو حكم الإمام فلا دليل على نفوذ حكمه عليه».

يلاحظ عليه: أنّه إن أراد من قوله: «إنّ ما حكم به الأوّل ليس من أحكامهم» الموارد الثلاثة التي يجوز نقضها، فلا كلام في عدم النفوذ، إنّما الكلام في غيرها كنجاسة الغسالة، أو عرق الجنب عن الحرام، الذي للاجتهاد معه محلّ فلو لم يكن رأى الحاكم نافذاً في المخالف معه اجتهاداً أو تقليداً، يلزم بقاء


1 ـ السيّد الطباطبائي: العروة الوثقى باب التقليد، المسألة 55.


(243)

الخصومة لأنّ كلاّ ً يريد العمل برأيه أو برأي مقلّده فتبقى غير منحلّة و بالجملة ترتّب جميع آثار الطهارة، أو عدم نفوذه في حقّ المخالف، بين الإفراط و التفريط والأوسط ما اخترناه.

هذا كلّه حول الشبهة الحكمية و أمّا الشبهة الموضوعية فإن لم يعلم مخالفة حكمه فيها للواقع فلا شكّ في حرمة النقض و توّهم اختصاص المقبولة بالأُولى مردود، بما في صدره من اختلاف بعض أصحابنا في دين أو ميراث فإنّ الاختلاف في الأوّل ينشأ من الشبهة الموضوعية. و كون حكم القاضي حكماً مبرماً غير قابل للنقض أثر طبيعة حكمه فلا معنى للفرق بين كون الشبهة حكمية أو موضوعية و على كلّ تقدير فإن كان هناك تقصير أو قصور في الاجتهاد يجب النقض، إذا كان من حقوق الله، و مع المطالبة إذا كان من حقوق الناس، وقال المحقّق الرشتي: ينقض باطناً دون جهار بمعنى تجديد المرافعة من رأس لخوف الفتنة أو الإهانة على الحاكم الأوّل (1). و هو كما ترى و مراده من النقض باطناً جواز التقاص خفاءً في غير اليمين. و أمّا إذا كان القضاء على وفق الموازين لكن كذّب المدّعي نفسه أو تبيّن أنّ السند مزوّر أو أنّ الشاهدين فاسقان و بعبارة أخرى تبيّن الخطأ و علم كون الحكم على خلاف الواقع الفعلي، نقَضَه، دون ما إذا ظنّ أو احتمل.

2ـ نقض الحكم بالفتوى

قد عرفت عدم جواز نقض الحكم بالحكم إلاّ في موارد خاصّة، فأولى بعدم النقض، نقضه بالفتوى إلاّ في موارد ثلاثة متقدّمة، فبما أنّ الحاكم يفتي أوّلاً ثمّ يقضي ربّما يكون نقض الحكم بالحكم مسبوقاً بالنقض بالفتوى و على أيّ تقدير لا يجوز النقض بها في غير الموارد الثلاثة. مثلاً لو بدا له في الحكم بعد حكمه في جزئي خاص، كما في تزويج الباكرة بدون إذن أبيها، فحكم بالصحّة لعدم اشتراط


1 ـ المحقق الرشتي: كتاب القضاء: 1/110.


(244)

الإذن عنده في ذلك الزمان ثمّ تغيّر رأيه، فالتزويج السابق، يكون محكوماً بالصحّة لظهور أدلّته في عدم جواز نقضه مطلقاً إلاّ في موارد ثلاثة.

3ـ نقض الفتوى بالحكم

يجوز نقض الفتوى بالحكم كما عرفته فيما إذا كان مذهب المشتري اجتهاداً أو تقليداً نجاسة الغسالة أو نجاسة عرق الجنب من الحرام إلى آخر ما عرفت.

4ـ نقض الفتوى بالفتوى

إذا مات مقلَّده أو تغيّر رأيه فإنّه يجب عليه العمل بالفتوى الثانية فيما يأتي دون ما مضى و أمّا الأعمال السابقة فقد اخترنا الإجزاء مطلقاً سواء كان مستند الفتوى، الأمارات أو الأُصول مثلاً إذا تزوّج بكراً، بإذنها ثمّ تبدّل رأيه إلى كون أمرها بيد أبيها، لم يضرّ بما سبق نعم يختصّ الإجزاء بما سبق دون ما يأتي و بعبارة أخرى، يحكم على الأعمال السابقة بالصحّة و إن كان له استمرار، و أمّا الموضوع الجديد فيجب العمل فيه على وفق الرأي الحديث فلو تزوّج بنتاً بإذنها، بفتوى كفاية إذنها دون أبيها، فلا يصحّ التزويج من بعد إلاّ من بعد إذن أبيها، ولو توضّأ بالماء القليل الملاقي للنجس بفتوى عدم انفعاله فالصلوات الماضية صحيحة لكن طهارة البدن بالنسبة إلى الأعمال الآتية موضوع جديد يجب إحرازها حسب الفتوى الجديدة و بالجملة إنّ دليل الإجزاء في الأمارات، الذي هو وجودالملازمة العرفية بين تجويز العمل، و كفايته مطلقاً، لا يؤثّر إلاّ في الأعمال السابقة دون ما يأتي، و تزويج الباكرة بلا إذن أبيها أو تزويج من ارتضعت منهعشرة رضعات عمل واحد قد تمّ و معنى تماميتها كونه زوجها إلى أن تموت أوتطلَّق.

قد عرفت أنّ المحقّق ذكر في المسألة الثالثة فروعاً ثلاثة و قد فرغنا عن دراسة الفرعين الأوّلين و إليك


(245)

الفرع الثالث: لو حكم ثمّ تبيّن له الخطأ

لو ثبت عند القاضي ما يبطل حكمه الأوّل أبطله سواء كان من حقوق الله أو من حقوق الناس و في بعض الكلمات الماضية(1) إلماع إلى هذا الفرع، أضف إليه ما ننقله هنا:

1ـ قال ابن حمزة: فإن حكم بخلاف الحقّ سهواً أو خطاءً ثمّ بان له، رجع و نقض ما حكم به(2).

2ـ و قال ابن سعيد: إذا قضى بقضاء ثمّ بان له فساده نقضه.(3)

أقول: النقض لا يختصّ بصورة العلم بالخطاء بل يكفي الشكّ و التردّد في صحّة الحكم السابق فإذا حكم إنشاء لا استيفاء ثم عرض له الشكّ أو تبيّن الخطاء فليس له أن يرتّب الأثر على الحكم السابق لأنّ ما هو شرط ابتداءً شرط استمراراً أيضاً و لأجل ذلك لا يجوز الإفتاء بما شكّ في صحّته فالعلم و اليقين بصحّة الحكم من شرائط القضاء ابتداءً و استمراراً.

أضف إلى ذلك أنّه إذا طرأ عليه الشكّ ربّما يكون المورد من مصاديق درء الحدود بالشبهات.

و ليس المقام من موارد استصحاب الحكم السابق، لأنّه فيما إذا كان اليقين بالحدوث محفوظاً في ظرفه و تعلّق الشك بالبقاء ولكنّ الشك في المقام متعلّق بالحدوث فهو من مصاديق قاعدة اليقين و الشكّ الساري التي لا تشملها أدلّة الاستصحاب كما حرّر في محلّه.

كما لا تجري في المقام أصالة الصحّة ـ إذا شكّ في الصحّة لا إذا تبيّن الخطاء


1 ـ لاحظ كلام الشيخ في المبسوط، و ابن البرّاج في المهذّب، و العلاّمة في الإرشاد وقد مضت نصوصهم.
2 ـ ابن حمزة: الوسيلة:309.
3 ـ ابن سعيد: الجامع للشرايع:529.


(246)

ـ و ذلك لأنّها إنّما تجري إذا لم تكن صورة العمل محفوظة وإلاّ فلو كانت محفوظة و كانت الحالة السابقة واللاحقة بالنسبة إلى اليقين و الشكّ سواسيه فلا تجري، كما إذا اغتسل في الحمام و لم يحرّك الخاتم الذي في يده، ثمّ شكّ بعد الفراغ عن العمل في جريان الماء تحته قهراً أو لا، فلا تجري أصالة الصحّة التي يعبّر عنها بقاعدة الفراغ، إذ ليس هو حين العمل بأذكر من بعده و ـ لذا ـ لو التفت حين العمل، لشكّ مثل الشكّ بعد العمل. و المقام أيضاً كذلك لأنّه لو كان تبيّن له حين القضاء ما تبيّن له بعده، لشكّ في قضائه.

تمّ الكلام في المسألة الثالثة بفروعها الثلاثة.

***

المسألة الرابعة

فيها فروع ثلاثة

قد جاء في هذه المسألة أيضاً فروع ثلاثة:

1ـ ليس على الحاكم تتبّع حكم من قبله

2ـ لو زعم المحكوم عليه أنّ الحاكم الأوّل حكم عليه بجور لزمه النظر.

3ـ لو ثبت عنده ما يبطل حكم الأوّل، أبطله، سواء كان من حقوق الله أو من حقوق الناس.

أمّا الفرع الأوّل، فليس عدم وجوب التتبّع لأجل أصالة الصحّة في القضاء السابق و لا لكونه تفتيشاً في عيوب الناس بل لأجل عدم الموضوع و هو التخاصم، إذا كان الغرض هو التصويب أو النقض و أمّا إذا كانت الغاية دراسة وضع القضاء فيما مضى، فهو أمر مباح لا دليل على وجوبه و لا على حرمته.

وأمّا الثاني: فلأنّ هذا الادّعاء دعوى جديدة أقامها المحكوم عليه على القاضي، فيشمله إطلاق ما دلّ على قبول كلّ دعوى من مدّعيها.


(247)

ثمّ إنّه لو ادّعى الجور في الأحكام، فهو ليس من موارد البيّنة حتّى يقال البيّنة للمدّعي، لأنّ مورد البيّنة هو الشبهات الموضوعية، و المفروض أنّ ادّعاء الجور فيها شبهة حكمية، فيجب على القاضي النظر في الحكم فإن كان حقّاً يقبله و إن كان باطلاً يردّه نعم لو كان مضمون الدعوى غير الجور في الأحكام، بل كان عدم اجتهاد القاضي، أو فسقه أو فسق الشهود فعليه حينئذ البيّنة و ما ربّما يقال من أنّ طلب الاستئناف ردّ لحكمه، غير مسموع إذ فرق بين إنكار الحكم مع الاعتراف بكونه على موازين القضاء المقرّرة و بين ردّه لعدم كونه على وفقها ، بحيث لو كان موافقاً لقبله و مثل ذلك ليس ردّاً و لا تشمله المقبولة، و لأجل ذلك يصحّ الاعتراض سواء أكان القاضي معزولاً أم لا.

وبذلك يظهر أنّ ما اشتهر أنّه لا استئناف في القضاء الإسلامي، فليس على إطلاقه لأنّه إن أُريد به، وجود دائرة للقضاء الإبتدائي، و دائرة للاستئناف، و دائرة ثالثة للقضاء النهائي فالنفي حقّ، لأنّ الفقيه الجامع للشرائط لا تتحدّد مسؤوليته بمرحلة خاصّة.

و إن أُريد أنّه إذا تمّ القضاء يصحّ للمحكوم، أن يعترض على القضاء البدئي من دون أن يوجّه شكواه إلى شيء من العناصر المؤثرة في القضاء فالنفي أيضاً حقّ.

و إن أُريد أنّ للمحكوم بعد صدور الحكم أن يعترض على أحد العناصر المؤثّرة فيه و أنّه لم يكن جامعاً للشرائط كعدم أهلية القاضي للقضاء، أو فسق الشاهدين أو الجور في الحكم أو غير ذلك، فالنفي غير صحيح لما عرفت من أنّ للمحكوم أن يعترض على القضاء و برفع شكواه إلى قاض آخر.

وسيوافيك الكلام في هذا الموضوع في المستقبل.

وأمّا الفرع الثالث: فهو مبني على كون الحقوقين من باب واحد سواء كان هناك مطالب أو لا، و أمّا على ما هو المعروف من الفرق بينهما و أنّ الأوّل ليس


(248)

رهن مطالب بخلاف الثاني فيشكل النقض مع عدم المطالب.

و بما أنّ نظام القضاء قد وقع في قفص الاتّهام و اتّهم، بعدم الاستئناف الذي يعد اليوم من كمال النظام القضائي فلنردّ عنه سهام التهمة، بالبحث الموجز فيه.

الاستئناف في القضاء

قد عرفت موقف القضاء الإسلامي في تجديد المرافعة و استئناف المحاكمة على وجه موجز و قد أجمل الفقهاء الكلام فيه و بذلك صار غرضاً لأعداء الإسلام فناقشوا نظام القضاء بأنّه فاقد لهذا الأصل الحيويّ في مهمّة القضاء، فإنّ القضايا المطروحة في المحاكم بين واضح بسيط لا يحتاج إلى قضاء مجدّد، و غامض معقَّد، تتوقّف إصابة الواقع إلى محاكمة من هو أبصر منه و أكثر تجربة و أعرف بالأصول و القوانين و ـ على زعمهم ـ ضرب الإسلام الجميع بسهم واحد و تعامل معهم معاملة واحدة.

و قد أفرطت المحاكم الدولية في العالم، حيث جعلوا لغالب القضايا مراحل متعدّدة و بذلك فوّتوا الوقت على أكثر المراجعين، حيث لا يتمّ القضاء النهائي إلاّ بعد مرور سنين. فهل فرّط من نفى الاستئناف من رأس، و جعل لكلّ مرافعة، مرحلة واحدة؟! ولنذكر أُموراً.

1ـ اختلاف كلمات الفقهاء

إنّ كلمات الفقهاء في ذلك مختلفة فالمحقّق النراقي، على النفي المطلق و صاحب الجواهر و السيّد الطباطبائي على التفصيل و إليك كلماتهم:

قال النراقي: لو ترافعا عند مجتهد و تمّ قضاؤه لا يجوز لهما الترافع عنده أو عند غيره ثانياً في هذه الواقعة مخصوصاً، ولو ترافعا لا يجوز للحاكم سماع الذي


(249)

فيه(1) .

وقال صاحب الجواهر: بل ربّما يتوّهم عدم محلّ للدعوى و إن تراضى الخصمان بتجديدها عند الحاكم الثاني، و إن كان الأقوى خلافه، بل الأقوى نفوذ حكمه و إن اقتضى نقض الحكم الأوّل. (2)

وقال السيّد الطباطبائي: ليس للمحكوم عليه بعد تمام المرافعة و الحكم، مطالبة تجديدها عند حاكم آخر أو عند الأوّل و هل يجوز ذلك مع رضى الطرفين أو لا قولان: أقواهما الأوّل كما اختاره في الجواهر إذ الظاهر عدم صدق ردّ الحكم خصوصاً إذا كان لاحتمال خطأ الحاكم لا سيّما إذا كان الحاكم أيضاً أراد تجديد النظر في مقدّمات الحكم.(3)

2ـ مورد البحث غير المواضع الثلاثة

إنّ محل البحث في غير الموارد التي يجوز فيه تجديد النظر و النقص عند تبيّن الخطأ في الحكم، بقسميه أو فساد اجتهاده أو عدم كون القاضي أهلاً و نحو ذلك، و إلاّ فلا خلاف في جواز النقض.

3ـ الموانع الماثلة أمام تجديد المرافعة

إنّ الموانع الموجودة حول تجويز الاستئناف عبارة عن الأمور التالية:

أ ـ كون الاستئناف و تجديد المرافعة ينافي التسليم و القبول الذي أُمرنا به في المقبولة.


1 ـ النراقي: المستند: 2/504، المسألة التاسعة من البحث الثالث في بعض الأحكام المتعلّقة بالقاضي.
2 ـ النجفي : الجواهر: 40/94.
3 ـ السيّد الطباطبائي: ملحقات العروة: 2/ 26 المسألة 31.


(250)

ب ـ ما أطبقوا عليه تبعاً للنصوص من أنّ حلف المنكر يذهب بحق المدّعي و إن كان محقّاً فلا تجوز له المقاصّة و لا التصرّفات الآخر. روي الصدوق بإسناده عن عبد الله بن أبي يعفور أنّ رسول الله قال: «من حلف منكم على حقّ فصدِّقوه، و من سألكم بالله فأعطوه، ذهبت اليمين بدعوى المدّعي ولا دعويله»(1).

قال المحقّق: إنّ المنكر إمّا أن يحلف أو يردّ أو ينكل فإذا حلف سقطت الدعوى ولو ظفر المدّعي بعد ذلك بمال لم تحلّ له المقاصّة ولو عاود المطالبة أثم ولم تسمع دعواه.

لو أقام بيّنة بما حلف عليه المنكر، لم تسمع و أضاف في الجواهر قوله: «كما هو المشهور بل عن خلاف الشيخ و الغنية الإجماع عليه، و لا حقّ له فلا تكون البيّنة حجّة»(2).

ج ـ ما ذكرناه من أنّه بعد القضاء لا موضوع (النزاع) على صعيد التشريع، و معه كيف تعمّه أدلّة القضاء العامّة و وجود النزاع في الأذهان ليس موضوعاً لها بل النزاع الذي لم يحكم عليه، و لم يقطع و لم يفصَّل و بعد الحكم و القطع و الفصل، لا موضوع على صفحة التشريع حتّى تشمله الأدلّة.

هذه هي الجهات الماثلة أمام تجويز الاستئناف فلابدّ من دراستها و الوقوف على مدى تأثيرها في منع تجديد النظر.

أ ـ تجديد النظر غير الاستنكار

أمّا المانع الأوّل، فالظاهر أنّ المراد من الردّ، هو الاستنكار و الإعراض عن


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 9 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2 و لاحظ الباب10.
2 ـ النجفي: الجواهر 40/171ـ 173.


(251)

حكم القاضي متوجّهاً إلى التحاكم لدي الطواغيت و النزول في حكمهم و ذلك بشهادة أنّه جاء في صدر الحديث: «من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت و ما يحكم له، فإنّما يأخذ سحتاً و إن كان حقّاً ثابتاً، إلى أن قال: قلت: فكيف يصنعان؟ قال:«ينظران من كان منكم من روي حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فليرضوا به حكما فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً» ـ فعند ذاك ـ قال:« فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنّما استخف بحكم الله و علينا ردّ».(1)

فكم هو الفرق بين طلب تجديد النظر عند نفس القاضي أو قاض آخر ليحكم حسب الموازين الواردة في المقبولة و غيرها، و بين رفض حكم القاضي مستنكراً عليه، راجعاً إلى محاكم طاغوتية؟ و المحرّم هو الثاني دون الأوّل و تجديد النظر في الأوّل لأجل طلب الواقع أكثر ممّا كان ، و في الثاني: لأجل القضاء لصالح أحد الطرفين أو لاستنكار النظام السائد، والشاهد عليه ـ وراء ما ذكرنا ـ تمثيل المقام بأنّه على حدّ الشرك بالله و هو يناسب الرفض، لا طلب تجديد النظر لغاية إصابة الواقع أكثر من الوضع الموجود.

ب ـ ذهاب الحقّ باليمين حكم ثانوي

وأمّا الثاني: أي ذهاب الحقّ باليمين فهل المراد أنّ اليمين الكاذبة يذهب بالحقّ واقعاً و حقيقة و يصبح مال المدّعي، ملكاً للمنكر حقيقة لا سبيل إلى هذا أبداً و لا يتفوّه بذلك أحد من الفقهاء كيف و الرسول الأكرمصلَّى الله عليه و آله و سلَّم يقول: «إنّما أقضى بينكم بالبيّنات و الأيمان، و بعضكم ألحن بحجّته من البعض، فأيّما رجل قطعت له من مال أخيه شيئاً فإنّما قطعت له به قطعة من النار» (2).


1 ـ الوسائل: الجزء18، الباب11 من أبواب صفات القاضي الحديث 1.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 2 من أبواب كيفية الحكم، الحديث1.


(252)

أو المراد الذهاب حسب الحكم القضائي الذي هو أشبه بالحكم حسب العنوان الثانوي فليس للمدّعي أخذ المال الذي حلف عليه المنكر كاذباً و لا المقاصّة عن دينه و لا التصرّفات الآخر، كل ذلك إحتراماً للحلف و تكريماً للحكم، و إن كان خاطئاً أو كاذباً في الواقع، فيكون المقصود منه نفوذ حكمه و لزوم العمل به و ليس للطرفين و لا لطرف واحد، الإعتراض عليه. و يكون مفاده متّحداً مع مفاد المقبولة، فبما أنّ الذهاب لم يكن واقعياً بل ثانوياً، يدور نفوذ القضاء مدار وجود الموضوع فإذا نقض الحكم، وارتفع، فيتبعه ما ترتّب عليه.

محاولات للجمع بين ذهاب الحق و تجديد النظر

1ـ لو افترضنا أنّ المتخاصمين اتّفقوا عندالرجوع إلى القاضي أن يكون لهما، أو لكلّ واحد منهما تجديد النظر بعد ذلك، فهل الروايات تدفع ذلك الاشتراط أو هي ساكتة منصرفة عن هذه الصورة أو افترضنا أنّه لم يكن منهما اتّفاق على هذا و لكن دائرة القضاء قسّمت القضايا المطروحة على قسمين، قسم يتمتّع من تجديد النظر إذا رضي المتخاصمان، و قسم ليس له هذا الشأن، ونفترض أنّ المتخاصمين خاضا الترافع على ذلك الأصل، فهل يكون هذا النوع من الاشتراط أو الأصل المصوَّب، مخالفين للمقبولة، وبالتالي يكون مخالفاً للسنّة أو لا ؟ الظاهر لا، لإنصرافها عن هذه الصورة أي اتّفاق المتخاصمين على التجديد بعدالقضاء. نعم لو كان لرواية ذهاب الدعوى باليمين إطلاق يعمّ حالة الاشتراط، أو الخوض في القضاء بانياً على الأصل المصوّب، يكون الاشتراط، أو البناء مخالفاً للسنّة و الشرط المخالف لها لايكون نافذاً أو يختصّ الرجوع بما إذا كان الفصل بغير اليمين.

2ـ إذا كان المراد من الاستئناف هو تجديد المرافعة أي دعوة المدّعي لإقامة البيّنة، و المنكر للتحليف ثانياً كان لما ذكر وجه، و أمّا إذا كان المراد، تجديد النظر في الأسس التي قام الحكم عليها و صدر القاضي عنها فلو كان موافقاً للحق لزم


(253)

و إلاّ أبطل، فعندئذ يدخل الموضوع فيما ذكره المحقّق في المقام حيث قال: « ليس على الحاكم تتبّع حكم من قبله و لكن لو زعم المحكوم عليه أنّ الأوّل حكم عليه بالجور لزم النظر....

3ـ إذا تمّت عملية المحاكمة لدى القاضي و بان الحقّ لديه واتّضح الباطل و لكن توقف عن إصدار الحكم و إنشائه حتّى تتمّ المحاكمة الثانية و إن استلزمت إقامة البيّنة من جديد، والتحليف ثانياً فعند ذلك إذا كانت النتيجة واحدة أنشأ الحكم و إلاّ أمسك فيصحّ الاستئناف بناء على أنّ ذهاب الحقّ باليمين ليس أثر نفسها بل أثر الحكم الذي افترضنا عدم صدوره.

ج ـ النزاع غير مرفوع لدى الاشتراط

وأمّا الثالث و هو عدم الموضوع للقضاء بعد صدور الحكم، فهو غير مرفوع إذا كان الترافع على وجه مشروط أو بناء على الأصل المصوّب لدى دائرة القضاء فإنشاء الحكم على هذا الأصل لا يقطع النزاع حتّى على صعيد التشريع و لهما، أن يطلبا بجديد النظر ثانياً.

على أنّ الإشكال يتمّ على الوجه الثاني من الوجوه الثلاثة و أمّا على الوجه الثالث، فالحقّ و إن تبيّن لدى القاضي الأوّل، ولكن الحكم الفاصل بعد لم يصدر و معه فالنزاع بعد باق، حتّى يتمّ القضاء النهائي. و الله العالم.

***

المسألة الخامسة:

في الشكوى على قضاء القاضي

الشكوى على قضاء القاضي إذا كانت جامعة للشرائط دعوى مسموعة و


(254)

ما ربّما يتوّهم من أنّ إقامة الدعوى على الفقيه المأذون إهانة لمقام الإمامة غير تام لأنّه لم ينصب رجلاً معصوماً للقضاء حتى تُعدَّ الشكوى إهانة عليه و على ضوء هذا فلو ادّعى أحد أن المعزول بل و غير المعزول قضى عليه بشاهدين فاسقين، فهو موضوع قابل للسماع و تحقيق الحقّ في المسألة يتوقّف على الكلام في موضعين:

الأوّل: في وجوب إحضاره مطلقاً حرّر المدّعي الدعوى أم لم يحرّر، أقام البيّنة أو لا.

الثاني: إذا أحضر فإن اعترف بما ادّعى عليه فهو و إن قال: لم أحكم إلاّ بشهادة عدلين فهل يُكلَّف بالبيّنة أو باليمين أو يقبل قوله مطلقاً؟ و إليك الكلام في الموردين:

أمّا الأول: فإن أقام المدّعي بيّنة على مدّعاه فلا شكّ في وجوب الإحضار لكونها دعوى مسموعة تشملها إطلاقات أدلّة القضاء في الكتاب والسنّة،وإنّما الكلام إذا كانتالدعويمجرّدة عن البيّنة فهل يجوز أو يجب الإحضار أولا؟وجوه:

1ـ السماع لاحتمال الإقرار أو تحليفه و هذا كاف في لزومه و هو خيرة المحقّق في الشرائع (1) و العلامة في الإرشاد (2) و الشهيد الثاني في المسالك (3).

2ـ عدم السماع إمّا بنحو عدم الوجوب أو عدم الجواز. قال المحقّق الأردبيلي: قيل لا يجب، بل يمكن أن لا يجوز فإنّه موجب لهتكه، و زهد القضاة عن القضاء، و لأنّه أمين عام فالظاهر وقوع فعله على الوجه الشرعي (4).


1 ـ نجم الدين الحلّي: الشرائع: 4/76.
2 ـ العلامة الحلي، إرشاد الأذهان، 2/142.
3 ـ زين الدين العاملي، مسالك الافهام، 2/400.
4 ـ الأردبيلي مجمع الفائدة 12/88.


(255)

3ـ التفصيل بين ذكر ما يُستعدى عليه و غيره. قال الشيخ في المبسوط: «فإن اسْتُعْدِيَ على حاكم كان قبله لم يحضره حتى يُبيّن ما يستعدى عليه لأجله احتياطاً للمعزول و خوفاً من الامتهان (1)و الابتذال» و هو خيرة العلاّمة في القواعد، حيث قال: «ولو استعدى على الحاكم المعزول فالأولى للحاكم مطالبته بتحرير الدعوى صوناً للقاضي عن الامتهان فإذا حرّرها أحضره» (2).

4ـ استدعاؤه إلى داره. نقله في مفتاح الكرامة عن بعض العامّة، حيث أوجب على الحاكم إحضار ذي المروءة إلى داره دون مجلس الحكم.(3)

هذه هي الأقوال التي عثرت عليها و غير خفيّ على الفقيه النابه أنّ المقام من قبيل التزاحم فإنّ كون المدّعي مُحقّاً أمر محتمل كما أنّ الإهانة لذوي المروءات و الشخصيات المحترمة من غير فرق بين القاضي و غيره أمرمحرّم قطعاً فيجب على الحاكم الإمعان و الدقّة فإن تفرّس من القرائن الموجودة حول المدّعي و المدّعى عليه و الحقّ الذي يدّعيه، أنّ الدعوى أمر واه فلا يرتّب عليه أثراً لانصراف أدلّة القضاء من مثله و إلاّ فيحضره على وجه خال عن الإهانة.

و ربّما يحتجّ على الإحضار بحضور الإمام علي ـ عليه السلام ـ في مجلس القضاء مع الخصم ولكنّه لا يصلح للاستشهادعلى المقام لأنّ حضوره فيه مع كونه حاكماً أعلى، ما كان يزيده إلاّ علواً و شأناً و لا يشينه بخلاف إحضار القاضي المعزول أو غيره إلى المحكمة.

وأمّا إذا لم يتفرّس ذلك و احتمل كون المدّعي محقّاً فعليه أن يحضره جامعاً بين الحقّين من غير فرق بين أن يحرّر الدعوى أو لا. نعم سيرة المحاكم الدوليّة على لزوم تحرير الدعوى و بدونه لايترتّب عليها أثر.

هذا كلّه حول الأمر الأوّل، و أمّا الأمر الثاني و هو كيفية الحكم إذا اقيمت


1 ـ أمهن الشيء: أي احتقره و أبتذله.
2 ـ فخر المحقّقين، الإيضاح، 4/322 قسم المتن.
3 ـ العاملي، مفتاح الكرامة، 10/58.


(256)

الدعوى على أنّه قضى بشاهدين فاسقين فإليك الكلام فيه فننقل من الأقوال ما يفيدنا في المقام:

قال الشيخ في الخلاف: إذا عزل حاكم فادّعى عليه إنسان أنّه حكم على شهادة فاسقين و أخذ منه مالاً و دفعه إلى من سأل عن ذلك. فإن اعترف به لزمه الضمان بلاخلاف. (1)

وقال المحقّق: «فإن حضر و اعترف به اُلزم». إلى غير ذلك من العبارات.(2)

والحقّ أن يقال: أنّه ضامن مع العلم بالفسق أو التقصير في طلب المزكّي حيث حكم بمجرّد الشهادة مع عدم ثبوت الحكم إلاّ بالبيّنة العادلة. و أمّا لوكان خطأ يكون على بيت المال. روى الصدوق بإسناده عن الأصبغ بن نباته قال: قضى أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ إنّ ما أخطأت القضاة في دم أو قطع فهو على بيت مال المسلمين(3).

ولو كان هناك تدليس من الشهود يستقرّ الضمان عليهم. هذا إذا أقرّ بفسق الشاهدين على النحو الذي عرفت و أمّا إذا لم يعترف فهناك أقوال:

1ـ يحلف القاضي لو لم يكن للمدّعي البيّنة

و إن أنكر كان على المدّعي، البيّنة (4) و إن لم تكن له بيّنة كان القول قوله مع يمينه و لاتجب عليه إقامة بيّنة على صفة المشهود. و هو خيرة الشيخ في


1 ـ الطوسي: الخلاف ج3 كتاب القضاء المسألة 8.
2 ـ نجم الدين الحلّي: الشرائع: 4/76.
3 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 10 من أبواب آداب القاضي، الحديث 1.
4 ـ بيّنة المدّعي إنّما تنفع في ضمان القاضي إذا شهدت بعلم القاضي بفسقهما، و أما إذا شهدت بفسقهما وحده يكون الضمان على بيت المال.


(257)

الخلاف(1) و نقله عن الشافعي أيضاً مستدلاً بأنّ الظاهر من الحاكم أنّه أمين كالمودع فلا يطالب بالبيّنة و يكون القول قوله.

1ـ وقد أفتى به الشيخ أيضاً في المبسوط لا في خصوص هذه المسألة (حَكَمَ بشاهدين فاسقين) بل في مطلق ما إذا أُسْتُعدِيَ على الحاكم حيث قال: فإن اعترف اُلزم و إن أنكر قضى بينهما كما يقضى بينه و بين غيره . (2)

2ـ يُكلَّف القاضي بإقامة البيّنة

يكلّف القاضي بإقامة البيّنة على ذلك، لأنّه قد اعترف بالحكم و نقل المال عنه إلى غيره (كما إذا كان مورد المرافعة ادّعاء الدين) و هو يدّعي ما يزيل ضمانه عنه فلا يقبل. و هو خيرة أبي حنيفة كما في الخلاف (3) و خيرة الشيخ في المبسوط قال: قال بعضهم يجب عليه إقامة البيّنة أنّه حكم بعدلين و هو الأقوى عندي لأنّه إذا اعترف بالحكم و نقل المال عنه إلى غيره، و هو يدّعي ما يزيل الضمان عنه فلا يقبل منه(4)، إلاّ إذا ثبت أنّه قضى بعدلين.

يلاحظ عليه بأمرين:

أ: أنّ المدّعي و المنكر من المفاهيم العرفية الرائجة بين العقلاء فالمدّعي عندهم من لو ترك تُرك و هو لاينطبق في المقام على القاضي. بل ينطبق على من ادّعى عليه و لو عرّف بمن خالف قوله الأصلَ أو الظاهرَ و هو أيضاً ينطبق على من استعدى عليه.

ب ـ ليس مطلق نقل المال موجباً للضمان فإنّ الوكيل يعترف بذلك و ليس بضامن بل إذا كان في النقل مفرطاً و الأصل عدمه. (1)

3ـ يُصدَّق بلايمين

يُصدّق القاضي في ادّعائه بلا يمين لا لكونه أمين الشرع فيصان منصبه عن الامتهان و الابتذال كما في المسالك(2) بل لما مرّ في بحث عمل القاضي بعلمه من اتفاق الفقهاء على جواز عمله بعلمه في موارد تزكية الشاهدين، فإذا كان علمه في المورد حجّة فيكون إخباره عن ذلك حجّة أيضاً للملازمة كما لا يخفى.

اللّهم إلاّ أن يقال علمه و ادّعاءه إنّما يكون حجّة إذا لم يكن القاضي طرفَ النزاع و أما إذا كان طرفاً له فلا و قد مضى الكلام فيه في محلّه.

***


1 ـ الطوسي: الخلاف 3/ كتاب القضاء المسألة 8.
2 ـ الطوسي: المبسوط 8/102.
3 ـ الطوسي: الخلاف 3/ كتاب القضاء المسألة 8
4 ـ المبسوط 8/103.

Website Security Test