welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء / ج 1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء / ج 1


(175)

المسألة الثامنة: في انعزال القاضي وعزله

قد تعرّفت فيما مضى على الشرائط المعتبرة في عقد القضاء، ابتداءً، فيعتبر فيه العقل والبلوغ والعدالة، والاجتهاد والضبط العادي، ولو افترضنا أنّه افتقد في الأثناء بعض هذه الشرائط كما إذا جنّ أو فسق أو زال الاجتهاد والضبط، يُعزل عن القضاء من غير فرق بين القاضي المنصوب والمأذون لأنّ المتبادر من الأدلّة كونها معتبرة ابتداءً واستدامة، لقبح تسليط المجنون والفاسق ومن لايصلح للقضاء على النفوس والأعراض والأموال، وبعبارة أُخرى: مناسبة الحكم والموضوع تقتضي كونها شروطاً مطلقة.

وعلى ضوء ذلك لو حكم لم ينفذ واقعاً ولو جهل حاله وحكم، يكون نافذاً ظاهراً ولو بان الخلاف يكشف عن بطلانه من أوّل الأمر.

هذا من غير فرق بين القاضي المنصوب والقاضي المأذون ، لأنّها شرائط واقعية على وجه لولاها، لما عقد له القضاء.

ولو افترضنا عود الوصف الزائل، كما لو صار عادلاً، أو ضابطاً يحتمل الفرق بين المنصوب ، والمأذون، لأنّ الثاني بعد عود الوصف يدخل تحت العمومات الواردة في المقبولة وغيره، بخلاف المنصوب ففيما لو توقّف النفاذ على النصب، كما في زمان الحضور مع بسط اليد، أو الغيبة مع قيام الدولة الإسلامية، فعود الوصف وإن كان يلازم عود الولاية، لكن المفروض ، اشتراط النصب في النفاذ فلاينفذ حكمه إلاّ بعد النصب الجديد.هذا ما بنينا عليه في الدورة السابقة.

ولكن يمكن أن يقال:إنّ أساس القضاء هو الولاية والمفروض عودها وهذا كما إذا قال الإمام: صلّ خلف العادل، وافترضنا أنّ عادلاً فسق ثمّ تاب فيدخل التائب تحت قوله:«صلّ خلف العادل» ولايضرّ عدم انطباقه عليه في الأثناء فلو


(176)

كان لدليل النصب عموماً أزمانياً يُتمسّك به إلاّ فيما دلّ الدليل على خروجه.

فهل ينعزل بمجرّد العزل أو بعد بلوغ الخبر، تظهر الثمرة في صحّة الأحكام الصادرة بين العزل والبلوغ، قال في المسالك:فيه قولان أظهرهماالثاني لمعظم الضرر في ردّ أقضيته بعد العزل وقبل بلوغ الخبر فيكون الحكم فيه أولى من الوكيل.

والسيرة الرائجة بين العقلاء هو العزل بعد بلوغ الخبر، وهو المتّبَع مالم يردع عنه الشارع وهو الظاهر من سيرة الإمام علي ـ عليه السلام ـ كما في كتابه إلى أبي موسى الأشعري عندما كان عامله على الكوفة وبلغه عنه تثبيطه الناس عن الخروج إليه لمّا ندبهم لحرب الجمل وهو: «من عبد الله ، علي أمير المؤمنين ، إلى عبد الله بن قيس.أمّا بعد:فقد بلغني عنك قول هو لك وعليك فإذا قدم رسولي عليك، فارفع ذيلك، واشدد مئزرك، واخرج من جُحْرك».(1)

المسألة التاسعة: في انعزال القضاة بموت الإمام

إذا مات الإمام فهل ينعزل القضاة المنصوبون به أو لا؟ فيه خلاف والكلام يقع تارة في الإمام المعصوم وأُخرى في الحاكم الإسلامي الأعلى.

وإليك بعض الكلمات:

1ـ قال المحقّق :إذا مات الإمام ـ عليه السلام ـ ، قال الشيخ: الذي يقتضيه مذهبنا انعزال القضاة أجمع. وقال في المبسوط: لاينعزلون لأنّ ولايتهم ثبتت شرعاً، فلا تزول بموته ـ عليه السلام ـ ، والأوّل أشبه.(2)

قال ابن سعيد: وإذا مات الإمام انعزل النائبون عنه.(3)

وقال العلاّمة في القواعد: ولو مات إمام الأصل فالأقرب انعزال القضاة.(4)


1 ـ نهج البلاغة، قسم الكتب، برقم 63.
2 ـ نجم الدين الحلي: الشرائع: 4/71.
3 ـ ابن سعيد الحلي: جامع الشرائع540.
4 ـ مفتاح الكرامة : 10/21، قسم المتن.


(177)

وقال أيضاً في الإرشاد: وينعزل بموت الإمام والمنوب.(1)

والقول المشهور عند الفقهاء هو الانعزال وما نقله المحقّق عن الشيخ في المبسوط، لم نعثر عليه في كتاب القضاء منه وقد نقل العاملي الانعزال عن النافع، والتحرير، والدروس، والمسالك، والمجمع وحتّى عن الشيخ في المبسوط.

ومع ذلك يظهر من المسالك وجود قولين بين الفقهاء قال: اختلف كلام الشيخ وغيره من الفقهاء فيما لو مات إمام الأصل هل ينعزل القضاة أم لا؟ فقيل: ينعزلون مطلقاً، لأنّهم نوّابه وولايتهم فرع على ولايته، فإذا زال الأصل تبعه الفرع، وقيل: لاينعزلون، لأنّ ولايتهم ثبتت شرعاً فيستصحب ولما يترتّب على الانعزال من الضرر العام اللاحق بالخلق بخلوّ البلدان عن الحكّام إلى أن يتجدّد للإمام اللاحق نوّاب فيعطّل المصالح. والأظهر هو الأوّل.

وقد يقدح هذا في ولاية الفقيه حال الغيبة وأنّ الإمام جعله قاضياً وحاكماً فيجري في حكمه ذلك الخلاف إلاّ أنّ الأصحاب مطبقون على استمرار تلك التولية فإنّها ليست كالتولية الخاصّة بل على حكم بمضمون ذلك فإعلامه بكونه من أهل الولاية على ذلك، كإعلامه بكون العدل مقبول الشهادة وذي اليد مقبول الخبر وغير ذلك وفيه بحث.(2)

إنّ القائل بالانعزال يتمسّك بفرعية ولايته على إمامة الأصل الذي مات.و القائل بعدمه يتمسّك باستصحاب الولاية أوّلاً ، ولما يترتّب على الانعزال من تعطيل المصالح ثانياً والظاهر أنّ القولين مبنيان على أمر آخر وهو أنّ المنشأ هو النيابة أو إعطاء المنصب كما سيظهر.

ولعلّ نظر الشهيد من قوله:«وفيه بحث» إلى ما يلي:

1ـ لافرق بين التولية الخاصّة والتولية العامّة فإن كان المنشأ هو النيابة


1 ـ إرشاد الأذهان:2/139.
2 ـ زين الدين العاملي، المسالك:2/394.


(178)

فيكون أشبه بالوكالة، تبطل بموت الموكِّل، وإن كان إعطاء المنصب وإضفاء المقام، فلاينعزل مطلقاً، خاصّاً كان أو عامّاً.

2ـ وجود الفرق الواضح بين الإعلام بكون العدل مقبول الشهادة وذي اليد مقبول القول وبين النصب للقضاء، فإنّ الأوّل من قبيل الإخبار عن واقع محفوظ خارج كلامه ـ عليه السلام ـ فلايتحدّد بحياة المخبر وبين الإنشاء فإذا كان بصورة النيابة يكون مقيّداً بحياة المنوب عنه.

3ـ وما ذكره من أنّه قد يقدح في ولاية الفقيه حال الغيبة غير قادح مطلقاً بل القدح يختصّ بصورة واحدة لابكلتا الصورتين.

ويظهر من الجواهر: الفرق بين استمداد الإمام مشروعيّة مقامه من الناس وبين كونه منصوباً من الله سبحانه فالانعزال يناسب الأوّل دون الثاني لأنّ أئمّتنا أولياؤنا أحياءً وأمواتاً، نعم إنّما ينعزل نوّابهمعليهم السَّلام بالموت حيث تكون التولية منهم مقيّدة بذلك ولو بظاهر الحال لانقطاع ولايتهم بالموت، فإذا كانت من أحدهم على الاستدامة صريحاً أو ظاهراً فلاإشكال في عدم الانعزال.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الظاهر عدم الفرق بين من أخذ مشروعيّة مقامه من الناس أو من الله، فالمتقمّص بالإمامة من جانب الشعب له الاستنابة، وله إعطاء المنصب والولاية، فالقيادة العامّة تُسوّغ كلا الأمرين والأوّل منهما يُتقوّم بحياته دون الآخر.

انّ تخصيص النزاع بالقضاة دون سائر الموظّفين عسكريين كانوا أم مدنيين بلا وجه فمقتضى الاستنابة، انعزال الجميع، وهو يورث الفوضى في المجتمع بل يورث ما لاتحمد عاقبته.كلّ ذلك يدلّنا على أنّ المنشأ هو الولاية وإعطاء المنصب وهذا أيضاً هو المستفاد من جعل الأئمّة، الفقهاءَ حكّاماً ممّا مضى من الروايات


1 ـ النجفي، الجواهر: 40/65.


(179)

خصوصاً من الإمعان في التوقيع الرفيع الصادر عن صاحب الأمر لشيعته حيث قال:«وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فإنّهم حجّتي وأنا حجّة الله».(1)

ثمّ إنّ اللازم تركيز النزاع بعصر الغيبة وعندئذ لو لم يكن هنا دولة إسلامية فلاموضوع للبحث والفقهاء فيه قضاة مأذونون من جانب الإمام الحيّ ـ عجلّ الله تعالى فرجه الشريف ـ وأمّا إذا كان هناك دولة إسلامية يرأسها فقيه جامع للشرائط فقد عرفت أنّ النصب شرط النفاذ، وإيصاد باب الفوضى فإذا مات الفقيه فلاينعزل القضاة لأنّ ولايتهم مقتبسة عن الإمام المعصوم لاعن الفقيه القائد، غاية الأمر النفاذ بالقوة القاهرة، فرع الاعتراف بقيادته.

في موت القاضي المنصوب

ما سبق كان في موت الإمام الناصب، بقي الكلام في موت القاضي المنصوب فيقع البحث تارة في نوّابه في شغل خاص، وأُخرى في الخليفة عنه في القضاء على وجه الإطلاق.

أمّا الأوّل فظاهر الأمر أنّه من قبيل الاستنابة كما إذا عيّن رجلاً لبيع مال على ميّت أو غائب أو سماع بيّنة في حادثة معيّنة، ولامعنى لإعطاء الولاية في حادثة معيّنة لشخص.

ويقرب منه: تعيين المتولّي للوقف الذي لامتولّي له والقيّم لليتيم الذي لا ولي له، فإنّ الظاهر أنّه من قبيل الإذن في التصرّف القائم نفوذه بحياة الآذن.حيث إنّه لايمكن للفقيه المباشرة، فيُنيب الغير مكانه.

قال الشهيد: وفي المنصوبين في شؤون عامة كقوام الأيتام والوقوف وجهان ناشئان من الوجهين في نوّاب الإمام من حيث التبعية ومن ترتّب الضرر لولايتهم


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 11، من أبواب صفات القاضي، الحديث 9.


(180)

إلى أن تتجدّد الولاية.(1)

أقول: الظاهر هو الوجه الأوّل، ولايترتّب أيّ ضرر إذ لو لم يتمكّن من الرجوع إلى الفقيه، يرجع إلى عدول المؤمنين وأقصى ما يترتّب ـ عند عدم التمكّن منهم ـ كون تصرّفاتهم فضولية إذا كانت مقرونة بالمصلحة ، فتنفذ بتنفيذ الفقيه الآخر بعد التمكّن منه.

وأمّا الخليفة عنه في القضاء فالمفروض على أُصولنا أنّه مجتهد مثل المنوب عنه، قاض مثله، غير أنّ حفظ النظم دعاهما إلى الترتّب وبما أنّ استنابته كان باذن من الإمام، لايضر موت النائب والمفروض ثبوت الولاية له أيضاً، نعم نفوذ رأيه ظاهراً يتوقف على الاعتراف به رسميّاً.

المسألة العاشرة: في تولية من لم يستكمل شرائط القضاء

إنّ شرائط القضاء على قسمين: قسم يعدّ مقوّماً له بحيث لولاه لما انعقد القضاء كالعقل والقدرة والبلوغ من الشرائط لعامّة التكاليف، وقسم يعدّ كمالاً للقضاء وشروطاً شرعيّة ففي حقّه يقول المحقق:

إذا اقتضت المصلحة تولية من لم يستكمل الشرائط، انعقدت ولايته مراعاة للمصلحة في نظر الإمام كمااتّفق لبعض القضاة في زمان علي ـ عليه السلام ـ وربّما منع من ذلك فإنّه ـ عليه السلام ـ لم يكن يفوض إلى من يستقضيه ولايرتضيه بل يشاركه فيما ينفذه فيكون هو الحاكم في الواقعة لا المنصوب.(2)

والمراد هنا من غير المستكمل للشرائط من كان مقلِّداً لامجتهداً، فاسقاً لاعادلاً، وبما أنّا أشبعنا الكلام حول الأمرين عند البحث عن شرائط القضاء فلانعود إليه، ونعطف عنان الكلام إلى المسألة الآتية.


1 ـ زين الدين، المسالك: 2/295.
2 ـ نجم الدين: الشرائع:4/71.


(181)

المسألة الحادية عشرة: كلّ من لاتقبل شهادته لاينفذ حكمه

هنا مسألتان: احداهما: إنّ هنا طوائف لاتقبل شهادتهم على المشهود عليهم وإن كانوا عدولاً، كالولد على الوالد، والعبد على مولاه، والخصم على خصمه، على وجه لاتوجب الخصومةُ فسق الشاهد.

نعم تقبل شهادة الولد لوالده والوالد على ولده وله، والأخ لأخيه وعليه، وقد بحث فيه المحقّق في كتاب الشهادة:

قال حول شهادة الولد على الوالد: النسب وإن قرب لايمنع قبول الشهادة كالأب لولده وعليه، والولد لوالده والأخ لأخيه وعليه. وفي قبول شهادة الولد على والده خلاف.

وقال حول شهادة المملوك قيل: لاتقبل شهادة المملوك أصلاً، وقيل: تقبل مطلقاً وقيل: تقبل إلاّ على مولاه.

وقال حول شهادة الخصم: العداوة الدينية لاتمنع القبول فإنّ المسلم تقبل شهادته على الكافر. وأمّا الدنيوية فإنّها تمنع.(1)

وبما أنّ التصديق الفقهي في هذه الفروع يتوقّف على دراسة أدلّتها، وهي مطروحة في كتاب الشهادة فنتخذ عدم القبول أصلاً موضوعياً فيها ونبحث في الملازمة بين عدم قبول الشهادة وعدم قبول القضاء فنقول:

وإليك الكلمات:

1ـ قال المحقّق: كل من لاتقبل شهادته لاينفذ حكمه كالولد على الوالد، والعبد على مولاه، والخصم على خصمه.(2)


1 ـ لاحظ الشرائع:4/129ـ131، كتاب الشهادة.
2 ـ نجم الدين: الشرائع:4/71.


(182)

2ـ وقال العلاّمة في القواعد: وكلّ من لاتقبل شهادته لاينفذ حكمه كالولد على والده....(1)

3ـ وقال في الإرشاد: ولاينفذ حكم من لاتقبل شهادته كالولد على والده....(2)

أقول: أُستدل على الملازمة بوجوه:

1ـ القضاء شهادةوزيادة

قال ثاني الشهيدين: الحكم من شخص على آخر، شهادة له عليه وزيادة فيشترط في نفوذه ما يشترط في نفوذ الشهادة من الطرفين و أحدهما ...لكنّه قدَّس سرَّه منع الحكم في الأصل، أي عدم قبول شهادته فرتّب عليه قبول حكمه له وعليه كغيره.(3)

وقال المحقّق الأردبيلي في شرح قول العلاّمة في الإرشاد:أي لايُمضى حكم من لاتقبل شهادته على شخص، عليه كشهادته كحكم الولد على والده فإنّ المشهور بل ادّعي الإجماع على عدم قبول شهادة الولد على الوالد فلايجوز حكمه عليه إذ الحكم شهادةوزيادة.

ثمّ أورد عليه بقوله: فيه تأمل إذ سيجيء أن لا إجماع ولا دليل على ذلك بل الدليل على خلافه و قد تمنع الأولوية على تقدير وجود الدليل على منع الشهادة فقط و القياس ممنوع فيجوز الحكم عملاً بعموم الأدلّة.(4)

أقول: لاشكّ أنّ الإطلاقات هو المحكّم فما لم يكن هناك دليل صالح على منع الحكم فيؤخذ بإطلاق قوله:«فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً»(5) وأمّا الاستدلال


1 ـ مفتاح الكرامة: 10/13، قسم المتن.
2 ـ ارشاد الأذهان: 2/139.
3 ـ المسالك: 2/395.
4 ـ الأردبيلي،مجمع الفائدة: 12/21ـ22.
5 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب11من أبواب صفات القاضي، الحديث 6.


(183)

فيوضح ببيانين:

أ: إنّ القضاء حكم يتضمّن الشهادة، فإذا كانت شهادته غير نافذة يكون قضاؤه كذلك.

يرد عليه أنّ القضاء ليس شهادة، وإنّما القاضي يصدر عن الشهادة من دون تصديق لها قال رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم: «إنّما أقضى بينكم بالبيّنات والأيمان وبعضكم الحن بحجّته من بعض».(1)

ب : انّ العرف يَفهم حكمَ القضاء من حكم الشهادة، وأنّ ما هو السبب لمنع نفوذ شهادته، فهو موجود أيضاً في القضاء حرفاً بحرف وهذا استدلال مقبول ولايرد عليه ما ذكره المحقّق الأردبيلي: «من منع الأولوية على تقدير وجود الدليل على منع الشهادة، والقياس ممنوع» وذلك لأنّ أساس الاستدلال ليس القياس ولا القسم الأولوي منه، بل فهم العرف من الدليل، عدم اختصاص الحكم بمورد الدليل.

2ـ القضاء عليه خلاف المعروف

إنّ القضاء على الوالد، يخالف قوله سبحانه:«وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً» (لقمان/15).

يلاحظ عليه : أنّ القضاء بالحقّ ليس على خلاف المعروف وليس المعروف إلاّ الموافق للشرع وإن أبيت إلاّ عن كونه موافقاً لما عليه العقلاء، فنمنع كون الإجهار بالحقّ في المحكمة، على خلاف سلوكهم بل يعدّ خدمة له، لأنّه يخلصه عمّا عليه من الحقّ ومن تبعاته، كيف لايكون كذلك وقد قال سبحانه:«وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَ لَو كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوفُوا ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» (الأنعام/152).


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب2 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.


(184)

3ـ القضاء عليه عقوق:

إنّ القضاء عليه عقوق لأنّه إظهار لكذب الوالد وهو محرّم.(1)

يلاحظ عليه: ـ مضافاً إلى أنّه إذا كان عقوقاً يجب أن لايمضي حكمه على والده مع أنّه جائز بالاتّفاق ـ بأنّ الإيذاء إذا كان بحقّ لايعدّ عقوقاً، فلو تأذّى الوالد من أداء الواجبات، فلايعدُّ من العقوق المحرّم يقول سبحانه:«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ للّهِ وَ لَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدين وَ الأَقْرَبين»(النساء/135) .ومثله ليس بعقوق إمّا موضوعاً أو حكماً.

وعلى ضوء الدليل الأوّل المرضيّ عندنا لافرق بين قضاء الولد على الوالد، أو قضاء الخصم على خصمه، وإن كان حاكماً في عصر الغيبة أو قضاء المملوك على مالكه، إذ المفروض ثبوت الحكم في الأصل ، والمناسبة الموجودة بين الموضوع والحكم في الأصل تقتضي سريانه إلى القضاء ويكون حاكماً على قوله:«فإنّي جعلته عليكم حاكماً» أو: «فإنّهم حجّتي عليكم»، «والرادّ عليهم كالرّاد علينا»(2)بمعنى تضييق دائرة الدليل وحجّيته.

تكميل

إنّ من لاتقبل شهادته لايختصّ بالثلاثة، بل يعمّ من يجرّ بالشهادة إلى نفسه نفعاً أو يدفع ضرراً تجمعهما التهمة كما في شهادة الشريك للشريك فيما هو شريك فيه، وصاحب الدين للمحجور عليه، فمن، لاتقبل شهادته فيه، لايقبل قضاؤه لنفس الدليل المذكور في الصورة المتقدّمة وقد استدل على عدم جواز شهادة غير الثلاثة بروايات:

أ : موثقة سماعة: قال سألته عمّا يردّ من الشهود قال:«المريب، والخصم،


1 ـ الدليلان نقلهما السيد العاملي في مفتاح الكرامة عن العلاّمة ، لاحظ:10/14.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1، 9، 10.


(185)

والشريك، ودافع مغرم، والأجير والعبد والتابع، والمتّهم، كلّ هؤلاء تردّ شهاداتهم».(1)

ب : ما رواه الصدوق بسنده المذكور في المشيخة عن فضالة بن أيوب عن أبان قال: سئل أبو عبد الله عن شريكين شهد أحدهما لصاحبه قال: تجوز شهادته إلاّ في شيء فيه له نصيب.(2) إلى غير ذلك من الروايات التي يجمعها غالباً جرّ النفع أو دفع الضرر. وقد عرفت وجود الملازمة العرفية بين المنع عن الشهادة والمنع عن نفوذ القضاء وعلى ذلك فهناك فروع تترتّب على ذلك الأصل يظهر من المشايخ عدم نفوذ رأي القاضي فيها، ولايخلو بعضها من إشكال وإليك الفروع:

1ـ إذا كان للحاكم منازعة مع غيره لاينفذ حكمه لنفسه على ذلك الغير ولو بأن يوكِّل غيره في المرافعة معه فيترافعا إليه بل يلزم الرجوع إلى حاكم آخر... وهذا لاغبار عليه، لانصراف أدلّة قضاء الفقيه عن هذه الصورة ولأنّ ظاهره جرّ النفع إلى نفسه وإن كان يحتمل أن يكون حقّاً وقد عنونه المحقّق في محلّه فلاحظ.(3)

2ـ إذا نقل حقّه إلى غيره، جاز أن يرجع الغير مع الخصم إليه، و إن انتقل إلى القاضي بعد ذلك بإقالة و نحوها وذهب السيّد الطباطبائي إلى الجواز قال: «حتى ولو نقل إلى الغير بشرط الخيار لنفسه في الفسخ» (4) لعدم كون القاضي طرفاً للنّزاع فلا انصراف للأدلّة ولعدم صدق جرّ النفع بشرط أن يكون الانتقال جدّياً، لامن باب الحيل الشرعية حتى يقع ذريعة للترافع لديه. ومع ذلك ففي النظر فيه


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 32 من أبواب الشهادات، الحديث 3 ولاحظ الحديث 7.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 27 من أبواب الشهادات، الحديث 3، وسند الصدوق إلى فضالة في «الفقيه» صحيح، وفضالة بن أيوب ثقة، وأبان بن عثمان ممن أجمعت العصابة على تصديقه، ولما حقّقنا في محلّه من بطلان اتّهامه بالناووسية.
3 ـ نجم الدين الحلي الشرائع: 4/83 و لاحظ الجواهر: 40/158.
4 ـ السيّد الطباطبائي، ملحقات العروة: 2/17.


(186)

مجال، لأنّه متّهم في قضائه إذ لو قضى لصالح المدّعي يلزم عليه ردّ الثمن على من باعه منه ، ولو قضى لصالح المنكر (المشتري) فقد دفع به ذلك المغرم عن نفسه فيحتمل أن يكون من مصاديق قوله في موثقة سماعة:«ودافع مغرم» كما مرّ فالأولى رفع الشكوى إلى قاض آخر.

3ـ إذا كان للحاكم شركة مع غيره في مال ووقع النزاع فيه بينهما وبين غيرهما نفذ حكمه في حصّة شريكه لافي حصّة نفسه مثلاً إذا تنازع أخوه مع غيره في مال مشترك بينه وبين أخيه في طرف الإرث وترافعا إليه فحكم لأخيه نفذ في حصّة أخيه، ولاينفذ في حصّة نفسه لأنّه يصبح طرف النزاع ويجرّ به نفعاً.

وهل يشارك القاضي مع الغير في تلك الحصّة التي قضى له؟ ربّما يقال: بالفرق بين ما إذا قسّمها الأخ بينه وبين القاضي قبل القضاء إذ حينئذ يشارك معه في تلك الحصّة لإقراره بالشركة، وما إذا لم يقسّمها فلايشارك معه فلأخيه أن ينقلها إلى غيره على إشاعتها. هذا ما ذكره السيّد الطباطبائي.(1)

يلاحظ عليه: أنّه إذا كان الاعتراف بالشركة قبل الإفراز نافعاً فليكن نافعاً في صورة عدم الإفراز وعلى ما ذكره في صورة الإفراز ، وما ذكرناه في صورة الإشاعة يكون مرجع النزاع لبّاً إلى أنّ نصف النصف المفروز أو المشاع ماله فلايكون نافذاً.

نعم إذا كانت الدعوى ديناً فلايشاركه بعد القبض لأنّ المحكوم عليه يغرم له بما أنّه سهمه والمحكوم يقبض بما أنّه سهمه وهذا كما إذا تنازع جماعة مشاركون في عين أو دين مع غيرهم فأقاموا شاهداً واحداً وحلف بعضهم دون بعض فإنّه تثبت حصّة الحالف، دون غيره ولايشاركه من لم يحلف في حصّته.

4ـ إذا كان القاضي وليّاً خاصاً للمدّعى عليه كالأُبوة والجدودة والوصاية، فاختار صاحب الجواهر عدم قبول شهادته للمولّى عليه لأنّها تجرّ نفعاً إليهم


1 ـ ملحقات العروة: 2/17.


(187)

وقوّى عدم نفوذ قضائه حيث قال:«أمّا إذا كان الأب حاكماً مثلاً أو الوصيّ كذلك ففي قبول حكمه له نظر أقواه العدم».(1)

يلاحظ عليه: أنّ الشهادة في جميع الموارد تجرّ نفعاً إلى المشهود له،والمانع هو جرّ النفع إلى نفسه لا إلى المشهود له وإن كانت بينهما وشيجة كالقرابة وعلى ذلك فلامانع من قبول شهادته وقضائه والمراد من المتّهم في رواية سماعة هو المتّهم في دينه كما ورد التفسير به في رواية الصدوق في معاني الأخبار(2) ولو نوقش في سندها وفسِّر بمعنى آخر(غير ما ذكرنا) فهو لايصدق على القاضي العادل وإن قضى في حقّ أولاده.والقدرالمتيقّن من عدم نفوذ قضائه فيما إذا كان النزاع في أنّ المال الفلاني له أو لا وبعبارة أُخرى أن يكون هو طرف النزاع واقعاً من غير فرق بين كون طرف النزاع في الظاهر هو نفسه أو وكيله.وأمّا إذا كان النزاع في مال غيره فمقتضى عموم نفوذ حكم الحاكم وعدم جواز الردّ عليه، نفوذه.

نعم في تصدّيه للدفاع عن المولّى عليه شبهة وحدة المدّعي و القاضي فله أن يدفع الشبهة بتوكيل شخص يكون هو طرف المرافعة، لا القاضي نفسه، ويحكم ويجوز حكمه. و مع ذلك يجوز له القضاء مباشرة لوجود حيثيتين مختلفتين في القاضي فبما أنّه وليّ أو وصيّ فهومدّع، وبما أنّه فقيه جامع للشرائط قاض .وفي الحقيقة المدّعون الواقعيّون، هم الأيتام والقصّر، والقاضي ينوب عنهم ويتكلّم عن لسانهم وهذا غير كون المدّعي والقاضي واحداً حقيقة نعم التوكيل أحسن وأحوط وأقرب إلى سلوك العقلاء.

أضف إلى ذلك وجود النصّ على نفوذ شهادة الوصيّ فيجوز قضاؤه.(3)

وممن تنبّه بذلك السيّد الطباطبائي قدَّس سرَّه فإنّه بعد أن منع في المسألة 13 نفوذ


1 ـ النجفي، الجواهر: 40/72.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 32 من أبواب الشهادات، الحديث 8.
3 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 28من أبواب الشهادات، الحديث 1.


(188)

قضاء الحاكم إذا كان له منازعة مع غيره كأنّه حاول الاستدراك لما ذكره فقال في المسألة 16:إنّ جميع ما ذكرنا في هذه المسائل إنّما هو بناء على الإطلاق المدّعي على عدم نفوذ حكم الحاكم في حقّ نفسه أو تمامية انصراف أخبار نفوذ حكم الحاكم إلى غير صورة رجوع الحكم إلى نفسه لكن القدر المتيقن من الإجماع أو الانصراف ما إذا كان هو الطرف للمنازعة أو كان الطرف وكيله مع كون النزاع في أنّ الشيء الفلاني ماله أو لا و أمّا إذا كان النزاع في مال غيره و لو كان هو الولي له بالولاية الخاصة أو كان الطرف شريكه، أو كان النزاع مع غيره و إن كان الحقّ راجعاً إليه فمقتضى عموم نفوذ حكم الحاكم وعدم جواز الردّ عليه، نفوذه.(1)

5ـ وبما ذكر يعلم الفرق بين ما إذاكان النزاع مع شريك القاضي وبين كونه شريك الموّلى عليه، ففي الأوّل لاينفذ وإن وكّل الغير، لما مرّ من أنّ القاضي يصير م آلاً طرف النزاع، بخلاف الثاني، لانطباق ما ذكرنا من الميزان على الأوّل دون الآخر.(2)

6ـ كما تظهر الحال فيما إذا كان الطرف غيره بحسب عنوان المنازعة وإن كان المال راجعاً إليه كما إذا نذر شخص داره له أو أوصى بها له، وحصل منازع مع ذلك الشخص فترافعاً إليه في ذلك الدار فلامانع عن نفوذ حكمه له.إذ ليس النزاع في أنّ الشيء الفلاني ماله أو لا، خصوصاً إذا لم يكن حال الحكم عالماً بأنّ تلك الدار له من طرف النذر أو الوصية.

7ـ إذا كان وليّاً عامّاً للأيتام والمجانين والغيّب والفقراء بالنسبة إلى الخمس والزكاة والوقف إذا كان النزاع في ثبوتها وعدمها فتظهر الحال ممّا سبق إذ ليس النزاع في أنّ المال ماله بل النزاع في أنّ لهؤلاء حقّاً أو لا فلاوجه لعدم النفوذ وكونه وليّاً لهم لايكون سبباً للمنع.


1 ـ السيّد الطباطبائي، ملحقات العروة: 2/18.
2 ـ خلافاً للسيّد الطباطبائي حيث سوّى بينهما في الحكم مع وضوح الفرق.


(189)

قال العلاّمة في التحرير: ولو تولّى وصيّ اليتيم القضاء فهل يقضى له فيه نظر: ينشأ من كونه خصماً في حقّه، كما في حقّ نفسه ومن أنّ كل قاض وليّ الأيتام»(1) وقال في الجواهر:«لا إشكال في عدم منع مثل ذلك الحكم لعدم اختصاص الولاية له، وكذا شهادة الفقير أو حكومته بأنّ في مال زيد الزكاة مثلاً بل وكذا الكلام في مصرف الوقف من العلماء والعدول ونحوهم فإنّ ذلك ونحوه لايمنع الحكومة ولا الشهادة لعموم أدلّة القبول.(2)

والحاصل: أنّ الذي عليه العقلاء هو أنّه إذا كان الإنسان بشخصه مدّعياً وقاضياً فهذا ما لايخضع عليه العقلاء، بل يرجعون الواقعة إلى فرد ثالث لأنّهم يتّهمون القاضي بالتأثر عن الإنانيّة عن لاوعي، وهذا بخلاف ما إذا كان مدّعياًنيابة بشخصيته، وقاضياً بشخصه كما في موارد الولاية العامّة والخاصّة والوصاية، ففي مثله يخضع العقلاء على قضائه وعلى ضوء هذا يتّضح حكم كثير ممّا ذكرنا من الصور أو جميعها، فلاحظ.

فتلخّص من دراسة الصور السبع أنّ الميزان هو أنّه إذا كان طرف النزاع فعلاً كما في الصورة الأُولى والثالثة، أو كان في مظنّة دفع مغرم عن نفسه، كما في الصورة الثانية فلايصلح للقضاء، بخلاف ما إذا لم يكن كذلك.

***


1 ـ العلاّمة الحلّي، التحرير، كتاب القضاء181.
2 ـ الجواهر: 40/72.


(190)

النظر الثاني
في آداب القاضي

و فيه مسائل:

الأولى: عمل القاضي بعلمه

هل يجوز للإمام أن يقضي بعلمه ، وإذا جاز له القضاء بعلمه، فهل يجوز للفقيه القاضي أن يعمل بعلمه أو لا؟وربّما يتصوّر أنّ البحث عن الجهة الأُولى لغوٌ لاثمرة فيه، وليس كذلك; إذ ربّما يقع البحث فيها ذريعةً لاستكشاف الحال في الجهة الثانية، إذ لو لم يجز للإمام، فلايجوز للقاضي بوجه أولى كما أنّه إذا جاز له العمل، يكون مقتضياً لثبوت الحكم فيه، وإن لم يكن سبباً تامّاً لاحتمال أن يكون العمل من خصائصهمعليهم السَّلام .

وقد عبّر المحقّق الرشتي عن المسألة بـ «هل يكون علم القاضي بيّنةً للقضاء»؟

ولعلّ التعبير عن «علم القاضي» بالبيّنة مشعرٌ بأنّ النزاع في الجواز مختصٌّ بالشبهات الموضوعية، وأمّا الشبهات الحكمية فلا ريب أنّه يعمل بعلمه واجتهاده لا بعلم الغير واجتهاده لكونه مخطِّئاً له.

إذا عرفت هذا فلإيضاح المقام نقدّم أُموراً:

* الأمرالأوّل: في نقل كلمات الأصحاب في المسألة :

1ـ قال ابن الجنيد في كتاب الأحمدي : «ويحكم الحاكم فيما كان من حدود الله عزّ وجلّ ولايحكم فيما كان من حقوق الناس إلاّبالإقرار والبيّنة فيكون ما علمه


(191)

من حقوق الناس شاهداً عند مَن فوقه وشهادته كشهادة الرجل الواحد، سواء كان ما علمه من ذلك كلّه في حال ولايته أو قبلها».(1)

والظاهر ممّا نقل عنه المرتضى أنّه كان يمنع العمل بالعلم مطلقاً من غير فرق بين حقوق الله وحقوق الناس، قال المرتضى: احتجّ ابن الجنيد بأنّ في الحكم بعلمه تزكية نفسه ولأنّه إذا حكم بعلمه فقد عرض نفسه للتهمة وسوء الظن به.

ويظهر من دليله أيضاً أنّه قائلٌ بالمنع مطلقاً قال:وجدت الله تعالى قد أوجب للمؤمنين فيما بينهم حقوقاً، أبطلها فيما بينهم وبين الكفّار والمرتدّين كالمواريث والمناكحة وأكل الذبائح ووجدنا أنّه قد اطلع رسوله على من يُبطِن، كأن يبطن الكفر ويظهر الإسلام وكان يعلمه ولم يبيّن صلَّى الله عليه و آله و سلَّم أحوالهم لجميع المؤمنين فيمتنعوا من مناكحتهم وأكل ذبائحهم.(2)

وعلى كلّ تقدير فهو إمّا من المفصِّلين أو من المانعين على وجه الإطلاق.

2ـ قال المرتضى: ممّا ظنّ انفراد الإمامية وأهل الظاهر في القول بأنّ للإمام والحكّام من قبله، أن يحكموا بعلمهم في جميع الحقوق والحدود من غير استثناء وسواء علم الحاكم ماعلمه وهو حاكم أو علمه قبل ذلك...ثمّ نقل تفصيل مذاهب الجمهور ـ إلى أن قال: ـ لاخلاف بين الإمامية في هذه المسألة وقد تقدّم إجماعُهم ابنَ الجنيد وتأخّر عنه وإنّما عول ابن الجنيد على ضرب من الرأي والاجتهاد.(3)

3ـ قال الشيخ في الخلاف:للحاكم أن يحكم بعلمه في جميع الأحكام من الأموال والحدود والقصاص وغير ذلك سواء كان من حقوق الله تعالى أو من


1 ـ زين الدين العاملي، المسالك :2/398 ويظهر منه أنّ كتاب الأحمدي كان موجوداً في عصره. إذ هذه العبارة ليس لها أثر في الانتصار للسيّد المرتضى ولا في مختلف الشيعة للعلاّمة وإنّما الموجود فيهما غيرها كما سيوافيك.
2 ـ المرتضى، الانتصار: 70. راجع مفتاح الكرامة:10/36ـ37.
3 ـ المرتضى، الانتصار: 70. راجع مفتاح الكرامة:10/36ـ37.


(192)

حقوق الآدميين، فالحكم فيه سواء، ولافرق بين أن يعلم ذلك بعد التولية في موضع ولايته أو قبل التولية، أو بعدها قبل عزله في غير موضع ولايته، الباب واحد.(1)

4ـ وقال في المبسوط: والذي يقتضيه مذهبنا ورواياتنا أنّ للإمام أن يحكم بعلمه وأمّا من عداه من الحكّام فالأظهر أنّ لهم أن يحكموا بعلمهم وقد روي في بعضها أنّه ليس له أن يحكم بعلمه لما فيه من التهمة.(2)

وقال أيضاً:«قال قوم يقضي بعلمه، وقال آخرون: لايقضي، وعندنا أنّ الحاكم إذا كان مأموناً قضى بعلمه وإن لم يكن كذلك لم يحكم به».(3)

وقال أيضاً: «وأمّا إقامته بعلمه فقد ثبت عندنا أنّ للحاكم أن يحكم بعلمه فيما عدا الحدود وفي أصحابنا من قال: وكذلك في الحدود».(4)

وعلى ضوء هذا فللشيخ أقوالٌ ثلاثة:

أـ الجواز مطلقاً.

ب ـ الجواز إذا كان مأموناً.

ج ـ التفصيل بين الحدود وغيرها فيجوز في الثاني .ولعلّ مراده من كونه مأموناً، أي بريئاً من التهمة.

5ـ وفي النهاية فصّل في الحدود بين حقوق الناس وحقوق الله فيجوز في الأوّل دون الثاني.(5)

6ـ وقال أبو الصلاح الحلبي: وإن أنكر فكان عالماً بصدق المدّعي أو


1 ـ الطوسي، الخلاف: 3، كتاب القضاء، المسألة 41.ولعلّ تقدير العبارة هكذا:يعلم ذلك قبل التولية أو بعدها في موضع ولايته وبعد التولية في غير موضع ولايته.
2 ـ الطوسي، المبسوط:8/166، وما أشار إليه من الرواية ليست موجود في مصادرنا كما صرح في مفتاح الكرامة:10/37.
3 ـ المبسوط:8/ 121و12.
4 ـ المبسوط:8/ 121و12.
5 ـ النهاية:691.


(193)

المدّعى عليه على كلّ حال وفي تلك القضية حكم بعلمه ولم يحتج إلى بيّنة ولايمين على صحّة دعوى ولا إنكار، إلاّ أن تقوم بيّنةً تمنع من استمرار العلم فيحكم بمقتضاه.(1)

7ـ قال ابن البرّاج: «وإذا ترافع خصمان إلى الحاكم فادّعى أحدهما على الآخر حقّاً فأنكر وعلم الحاكم صدق المدّعي فيما طالبه، مثل أن يكون ما عليه، يعلمه الحاكم أو قصاص أو ما أشبه ذلك، كان له أن يحكم بعلمه، ثمّ نقل عن المخالفين بأنّهم يعيبوننا بالقول بعلم القاضي بعلمه، مع أنّهم يجوزونه في موارد ثلاثة:

أ ـ أن يحكم في الجرح بعلمه وأن تهدى البيّنة على عدالة الشاهد.

ب ـ إذا طلّق زوجته بحضرته ثلاثاً ثمّ جحد الطلاق كان القول قوله مع يمينه فيعمل بعلمه.

ج ـ إذا عتق الرجل عبده بحضرته ثمّ جحد، ولايعتمد بيمين المنكر».(2)

8ـ وقال ابن حمزة: «ويجوز للحاكم المأمون الحكم بعلمه في حقوق الناس وللإمام في جميع الحقوق».(3)

9ـ قال ابن إدريس: عندنا للحاكم أن يقضي بعلمه في جميع الأشياء; لأنّه لو لم يقض بعلمه أفضى إلى إيقاف الأحكام أو فسق الحكّام، لأنّه إذا طلّق الرجل زوجته بحضرته ثلاثاً ثمّ جحد الطلاق كان القول قوله مع يمينه فإن حكم بغير علمه وهو استحلاف الزوج وتسليمها إليه فَسَقَ وإن لم يحكم وقف الحكم وهكذا إذا أعتق الرجل عبده بحضرته ثمّ جحد وإذا غصب من رجل ماله ثمّ جحد يفضي إلى ما قلناه.

الحقوق ضربان: حقّ للآدميين، وحق لله فإن ادّعى حقّاً لآدمي كالقصاص


1 ـ أبو الصلاح ، الكافي: 445.
2 ـ ابن البراج، المهذب: 2/586 ـ587.
3 ـ ابن حمزة: الوسيلة: 219.


(194)

وحدّ القذف، والمال فاعترف به أو قامت به البيّنة لم يجز للحاكم أن يعرض له بالرجوع عنه، والجحود; لأنّه لاينفعه ذلك، لأنّه إذا ثبت باعترافه، لم يسقط برجوعه وإن كان قد ثبت بالبيّنة لم يسقط عنه بجحوده.

وإن كان حقّاً لله كحدّ الزنا والشرب فإن كان ثبوته عند الحاكم بالبيّنة لم يَعْرض له بالرجوع لأنّ الرجوع لاينفعه ، وإن كان ثبوته باعترافه جاز للحاكم أن يعرض له بالرجوع لكنّه لايصرّح بذلك; لأنّ فيه تلقين الكذب وإنّما قلنا بجوازه لأنّ ماعزاً لمااعترف قال له النبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم: لعلّك قبّلتها، لعلّك لمستها.(1)

10ـ وقال المحقّق: «الإمام يقضي بعلمه مطلقاً، وغيره من القضاة يقضي بعلمه في حقوق الناس وفي حقوق الله تعالى على قولين أصحّهما القضاء».(2)

11ـ وقال ابن سعيد: «والحاكم يحكم بعلمه في عدالة الشاهد وجرحه فلاخلاف وفي حقوق الناس وحقوق الله في الأظهر».(3)

12ـ وقال العلاّمة في القواعد: «الإمام يقضي بعلمه مطلقاً، وغيره يقضي به في حقوق الناس وكذا في حقّه تعالى على الأصح».(4)

13ـ قال الشهيد الثاني : ظاهر الأصحاب الاتّفاق على أنّ الإمام يحكم بعلمه مطلقاً لعصمته المانعة من تطرّق التهمة وعلمه المانع من الخلاف، والخلاف في غيره من الحكّام فالأظهر بينهم أنّه يحكم أيضاً بعلمه مطلقاً، وقيل:لايجوز مطلقاً، وقال ابن إدريس: يجوز في حقوق الناس من دون حقوق اللّهوعكس ابن الجنيد في كتابه الأحمدي ـ إلى أن قال: ـ وأصحّ الأقوال جواز قضاء الحاكم مطلقاً بعلمه مطلقاً لأنّ العلم أقوى من الشاهدين اللّذين لايفيدقولهما عند الحاكم إلاّ مجرّد الظن إن كان فيكون القضاء به ثابتاً بطريق


1 ـ ابن إدريس الحلي، السرائر: 2/179.
2 ـ الجواهر: 40/86ـ 88، قسم المتن.
3 ـ الجامع للشرائع: 529.
4 ـ مفتاح الكرامة: 10/35 ـ36، قسم المتن.


(195)

أولى.(1)

14ـ اختار السيد الأُستاذقدَّس سرَّه في التحرير جواز عمل القاضي بالعلم في المجالين: حقوق الله وحقوق الناس مثل عمله إذا قامت البيّنة أو أقرّ الخصم، غير أنّ عمله في حقوق الناس يتوقّف على المطالبة حدّاً كان أو تعزيراً(2) ولكنّ القيد ليس تفصيلاً في المسألة; إذ المطالبة هوالشرط مطلقاً في حقّ الناس سواء ثبت بالعلم أو بالبيّنة والإقرار ، فما لايطالب صاحب الحقّ لايحكم به القاضي.

فهذا أربعة عشر نصّاً من الأصحاب يعرّف موقف الأصحاب من المسألة ويحصل من الإمعان فيها أنّ الأقوال عندهم تناهر ستة:

1ـ القول بالمنع، كما عن ابن الجنيد.

2ـ الجواز مطلقاً، كما عليه الأكثر.

3ـ يجوز في حقوق الناس دون حقوق الله .

4ـ عكس الثالث وهوخيرة ابن الجنيد في الأحمدي حسب ما عرفت.

5ـ الفرق بين كون القاضي مأموناً وعدمه فيقضي في الأوّل دون الثاني.

6ـ الفرق بين الحدود وغيرها فلايقضي في الأوّل بعلمه وهوخيرة الشيخ في موضع من المبسوط وهو غير القول الثالث; لأنّه يفرق بين حقّ الناس وحقّ الله، فيقضي في الأوّل دون الثاني وهذا يفرق بين الحدود ـ وإن كان حقّ الناس ـ وغيرها وعلى هذا لايعمل بعلمه في القصاص وحدّ القذف; لأنّهما وإن كانا من حقوق الناس، لأنّهما من الحدود.


1 ـ زين الدين العاملي، المسالك: 2/398.ما نسبه إلى ابن إدريس لاينطبق على ما نقلناه عن السرائر فلاحظ.
2 ـ الإمام الخميني: التحرير:2/408.

Website Security Test