welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء / ج 1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء / ج 1


(145)

التفصيل بين الشبهة الموضوعية والحكمية

قد تعرّفت على دليل المثبت والنافي ولكن الحقّ التفصيل بين كون مورد القضاء شبهة موضوعية التي يدور عليها رحى القضاء في تسعين بالمائة. وكونه شبهة حكمية، أمّا الأُولى، فالأقوى هو التخيير بين الأفضل والفاضل، إذ ليس للأفقهية تأثير فيها، فإنّ فصل الخصومة يتحقّق بالبيّنة والإحلاف على تفاصيلها، فلو أتى المدّعي بها يحكم له، وإلاّ حلف المنكر، ولونكل وقلنا بالقضاء به، يُقضى عليه، وإلاّ يرّد اليمين على المدّعي، وهذه سنّة متّبعة في فصل الخصومات في الشبهات الموضوعية، والأفضل والفاضل في مقابلها سواء وليس لكون أحدهما أقوى نظراً وأحسن استنباطاً تأثير في أصابة الواقع فعندئذ يسقط دليل القائل بلزوم الترجيح بكون الظنّ الحاصل من رأي الأفضل أقوى من غيره نعم لو علم الاختلاف بين الفاضل والمفضول وكان منشأ الاختلاف ناشئاً من اختلاف النظر كان للترجيح وجه ولكنّه قليل كالاختلاف بالقضاء بالنكول وعدمه وبالجملة: كلّ مورد لايكون للاجتهاد فيه مدخل، يسقط الترجيح ويكفي كون القاضي مجتهداً وأمّا المقبولة الدالّة على الترجيح بالأفقهية فلاصلة لها بالمقام لأنّ موردها هو الشبهة الحكمية كماسيأتي.

وأمّا إذا كان مورده هو الشبهة الحكمية فلمّا كان القضاء فيها مسبوقاً بالإفتاء فيها. ولولاه لما كان للقضاء أساس، فلو لم يعلم الاختلاف بين رأيهما فيها، جاز الرجوع إلى كلّ واحد، حسب ماعرفت في باب الاجتهاد والتقليد من جواز الرجوع إلى الأفضل والفاضل مالم يعلم الخلاف بين رأيهما، وأمّا إذا علم الاختلاف وكان


(146)

الاختلاف في مورد القضاء ناشئاً من الاختلاف في استنباط الحكم الشرعي ككون الحبوة للولد الأكبر أو لجميع الورثة ففي مثله لمّا كان فتوى الأفضل حجّة قطعاً، يكون قضاؤه مثل فتواه وأمّا الفاضل فلمّا كان رأيه في المسألة مشكوك الحجّية يتسرّب الشكّ إلى قضائه أيضاً فلايجوز الرجوع إليه مادام الحال كذلك.

ويؤيّد ذلك، أنّ الإمام أمر بالأخذ بالمرجّح عند ظهور الاختلاف في مورد الشكّ في الشبهة الحكمية حيث قال الراوي: «فإن كان كل واحد اختار رجلاً من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما واختلفا فيما حكما وكلاهما اختلفا في حديثكم فقال: الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما».(1) فإذا كان مبدأ الاختلاف هو الاختلاف في الحديث، يكون المورد من قبيل الشبهة الحكمية. هذا هو المختار وهو متين وقد حكاه المحقّق الآشتياني عن شيخه العلاّمة الأنصاري ـ قدّس سرّهما ـ.(2)

ثمّ إنّ كون مصدر القضاء في الشبهات الحكمية مسبوقاً بالإفتاء وأنّ القاضي يفتي ثمّ يقضي به ربّما يفيد في المستقبل كنفوذ رأي القاضي في حقّ المجتهد الآخر ومقلّديه وعدمه إذا كانا مخالفين في تشخيص الحكم الشرعي. فانتظر.

المسألة الرابعة: في جواز الاستخلاف وعدمه

إنّ للمسألة صوراً أربع ذكرها المحقّق في الشرائع وإليك بيانها:

1ـ إذا أذن الإمام له في الاستخلاف جاز بلا إشكال.

2ـ لو منع عن الاستخلاف لم يجز لذلك.

3ـ لو ولاّه وأطلق التولية وكان هناك أمارة تدلّ على الإذن في الاستخلاف


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 9، من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.
2 ـ الآشتياني: القضاء:23.


(147)

مثل سعة الولاية التي لاتضبطها اليد الواحدة، جاز الاستنابة.

4ـ تلك الصورة ولم تكن فيها تلك الأمارة لم يجز.

هذا ما أفاده المحقّق ووجهه واضح ولكنّه إنّما يتمّ فيما إذا كان القضاء متوقّفاً على النصب كما في زمان الحضور مع بسط اليد أو زمان الغيبة مع قيام الدولة الإسلامية فبما أنّ القضاء في هذه الظروف فرع النصب فتأتي فيها تلك الصور الأربع.

وأمّا في غيرهما كزمان الحضور مع عدم البسط، أو زمان الغيبة مع كون مفاتيح القضاء بيد الجائر، وكان في خارج دائرة القضاء الرسمية، رجال صالحون للقضاء لاصلة لهم به ففي هذين الطرفين كل مجتهد قاض مأذون، غير محتاج إلى النصب فالنائب إذا كان مجتهداً، فهو مثل المستنيب وليس فرعاً له، وإن كان مقلّداً فلايصلح للقضاء حتى بالوكالة، كما مرّ.

نعم يجوز أخذ النائب في مقدّمات القضاء وتدوين الأقارير وجمع القرائن والشواهد ممّا يسهِّل الأمر على القاضي وليس ممنوعاً كما يأتي التصريح به.

وهنا أمر آخر، وهو إذا ولاّه الإمام أو من بيده زمام الأمر في الدولة الإسلامية وصار ذا ولاية، كالجدّ والأب، فلايتوقّف استخلافه على وجود أمارة تدلّ على الإذن فيه، لأنّ المفروض أنّه صاحب ولاية على القضاء يعمل كيف شاء نعم يتوقّف استخلافه على أمر آخر، وهو إحراز أنّ القضاء قابل للنيابة أولا، أوقابل للوكالة أو لا، وقد عرفت الكلام فيهما فيما سبق فلانعيد.

المسألة الخامسة: في ارتزاق القاضي من بيت المال

لاشك أنّ القاضي كسائر الناس ، يتوقف قضاؤه على حياته، وهي رهن وجود معيشة ماليّة يسدّ بها عيلته ولولاه لما توفّق للقضاء فتارة يرتزق من ماله


(148)

الشخصي، وأُخرى من بيت المال وثالثة بأُجرة يدفعها أهل البلد للإقامة والقضاء فيه ورابعة بالجعل على المتحاكمين وخامسة بالجعل على المدّعي إلى غير ذلك ممّا تقضى به حاجته، ويدوم عيشه. والذي نركز عليه في المقام هو أمران:

1ـ ارتزاقه من بيت المال.

2ـ ارتزاقه من طريق الجعل على المتحاكمين

وأمّا البحث عن الرشوة والهدية فقد فرغنا عن بيان حكمهما عند البحث في المكاسب المحرّمة لكن نعيد إليهما في المستقبل فيقع الكلام في مقامين:

المقام الأوّل: الارتزاق من بيت المال

هل يجوز له الارتزاق من بيت المال مطلقاً، أو لايجوز مطلقاً، أو فيه التفصيل؟ وجوه: ذهب الشيخ الطوسي إلى القول بالجواز في النهاية، ويظهر أيضاً من الخلاف ونقل أبو قدامة القول بالمنع مطلقاً، عن بعض التابعين والفقهاء ولعلّهم أرادوا الكراهة. واختار القول الثالث، الشيخ في المبسوط، والمحقّق في الشرائع والعلاّمة في القواعد. وإليك بعض نصوصهم في المقام.

1ـ قال الشيخ في النهاية:ومتى تولّى شيئاً من أُمور السلطان من الإمارة، والجباية والقضاء وغير ذلك من أنواع الولايات، فلابأس أن يقبل على ذلك الارتزاق والجوائز والصلات، فإن كان ذلك من جهة سلطان عادل كان ذلك حلالاً له طلقاً، وإن كان من جهة سلطان الجور، فقد رخّص له في قبول ذلك من جهتهم لأنّ له حظّاً من بيت المال.(1)

2ـ وقال في الخلاف:ليس للحاكم أن يأخذ الأُجرة على الحكم من الخصمين ولامن أحدهما سواء كان له رزق من


1 ـ الطوسي: النهاية، كتاب المكاسب:357.


(149)

بيت المال أو لم يكن وقال الشافعي:إن كان له رزق من بيت المال لم يجز كما قلناه وإن لم يكن له رزق من بيت المال جاز له أخذ الأُجرة على ذلك.(1)

3ـ وقال في المبسوط: وأمّا من يحلّ له أخذ الرزق عليه ومن لايحلّ فجملته: أنّ القاضي لا يخلو من أحد أمرين: إمّا أن يكون ممّن تعيّن عليه القضاء أو لم يتعيّن. فإن لم يتعيّن عليه، لايخل من أحد أمرين: إمّا أن تكون له كفاية أو لاكفاية فإن لم يكن له كفاية جاز له أخذ الرزق وإن كانت له كفاية فالمستحب أن لايأخذ فإن أخذ جاز. ولم يحرم عليه بل كان مباحاً، وجواز إعطاء الرزق للقضاء إجماع، ولأنّ بيت المال للمصالح وهذا منها بل أكثرها حاجة إليه. لما فيه من قطع الخصومات واستبقاء الحقوق ونصرة المظلوم ومع الظالم.

وإذا تعيّن عليه، فقد فصّل بين من له كفاية ومن ليس له، فيحرم في الأوّل لأنّه يؤدي فرضاً تعيّن عليه، ومن أدّى فرضا لم يحلّ له أخذ الرزق عليه مع الاستغناء عنه دون الثاني لأنّ عليه فرض النفقة على عياله وفرضاً آخروهو القضاء وإذا أخذ الرزق جمع بين الفرضين.(2)

4ـ وقال المحقّق: إذا ولِّي من لايتعيّن عليه القضاء، فإن كان له كفاية من ماله، فالأفضل أن لايطلب الرزق من بيت المال ولو طلب جاز لأنّه من المصالح، وإن تعيّن للقضاء ولم يكن له كفاية، جاز له أخذ الرزق وإن كان له كفاية، قيل: لايجوز له أخذ الرزق لأنّه يؤدي فرضاً. (3)

5ـ وقال العلامة في القواعد: وإذا ولّي من لايتعيّن عليه فالأفضل ترك الرزق له من بيت المال إن كان ذا كفاية ويسوغ له لأنّه من المصالح، وكذا يجوز له إذاتعيّن ولم يكن ذا كفاية، ولو كان ذا كفاية لم يجز له لأنّه يؤدي واجباً.

6ـ وقال السيّد العاملي في تعليقته على عبارة القواعد في المقام أعني: «لم يجز


1 ـ الطوسي: الخلاف، كتاب القضاء، المسألة 31.
2 ـ الطوسي: المبسوط ج8، 84ـ85.
3 ـ المحقق: الشرائع 4/69.


(150)

لأنّه يؤدي واجباً» : هذا هو الحق إذا كان وجوبه ذاتياً لاتوصلياً لأنّه لا أُجرة على الواجب كذلك إجماعاً في باب المكاسب وذهب الشيخ وشيخه المفيد إلى الجواز لأنّه منالمصالح المهمّة قالا: و نمنع أن لا أُجرة على الواجب مطلقاً وإلاّ لم يوجر المجاهدون، قلت:الأصل عدم الجواز خرج عنه جواز الاستئجار للجهاد بالإجماع عند الشيعة.(1)

6ـ وقال ابن قدامة: ويجوز للقاضي أخذ الرزق ورخص فيه شريح وابن سيرين والشافعي وأكثر أهل العلم.

وروي عن عمر أنّه استعمل زيد بن ثابت على القضاء وفرض له رزقاًورزق شريحاًفي كل شهر مائة درهم وبعث إلى الكوفة عمّاراً وعثمان بن حنيف وابن مسعود ورزقهم كل يوم شاة نصفها لعمار ونصفها لابن مسعود وعثمان وكان ابن مسعود قاضيهم ومعلّمهم، وكتب إلى معاذ بن جبل وأبي عبيدة حين بعثهما إلى الشام أن أنظرا رجالاً من صالحي من قبلكم فاستعملوهم على القضاء وأوسعوا عليهم وارزقوهم واكفوهم من مال الله.

وقال أبو الخطاب: يجوز له أخذ الرزق مع الحاجة فأمّا مع عدمها فعلى وجهين. وقال أحمد:مايعجبني أن يأخذ على القضاء أجراً وإن كان فبقدر شغله مثل والي اليتيم. وكان ابن مسعود والحسن يكرهان الأجر على القضاء وكان مسروق وعبد الرحمان بن القاسم بن عبد الرحمان لايأخذان عليه أجراً وقالا: لانأخذ أجراً على أن نعدل بين اثنين.

وقال أصحاب الشافعي:إن لم يكن متعيّناً جاز له أخذ الرزق عليه وإن تعيّن لم يجز إلاّ مع الحاجة، والصحيح جواز أخذ الرزق عليه بكل حال لأنّ أبابكر لمّا ولّي الخلافة فرضوا له الرزق كل يوم درهمين ولما ذكرناه من أنّ عمر رزق زيداً وشريحاً وابن مسعود وأمر بفرض الرزق لمن تولى من القضاة ولأنّ بالناس حاجة إليه


1 ـ العاملي: مفتاح الكرامة10/14.


(151)

ولو لم يجز فرض الرزق لتعطلّ وضاعت الحقوق، فأمّاالاستئجار عليه فلايجوز قال عمر : لاينبغي لقاضي المسلمين أن يأخذ على القضاء أجراً وهذا مذهب الشافعي ولانعلم فيه خلافاً وذلك لأنّه قربة يختصّ فاعله أن يكون في أهل القربة فأشبه الصلاة ولأنّه لايعمله الإنسان عن غيره وإنّما يقع عن نفسه فأشبه الصلاة ولأنّه عمل غير معلوم فإن لم يكن للقاضي رزق فقال للخصمين: لا أقضي بينكما حتى تجعلا لي رزقاًعليه جاز ويحتمل أن لايجوز.انتهى.(1)

هذه هي كلمات الفقهاء وهي تعرب عن اختلافهم إلى أقوال ثلاثة والمختار عندنا جواز الارتزاق من بيت المال مطلقاً والمقصود من بيت المال هو البيت الذي يجمع فيه ما يصرف في مصالح الإسلام والمسلمين وليس له مصرف خاص كالأنفال والجزية، والخراج والمقاسمة، و المال الموصى مصرفه في مصارف البرّ والقسم الخاص من الزكاة الذي يصرف في سبيل الله.

وأمّا الزكاة وسهم السادات من الخمس والمظالم واللقطة ممّا لها مصارف خاصة فلايطلق عليه بيت المال، والقاضي يرتزق من الأوّل دون الثاني والحقّ الجواز مطلقاً بوجهين:

الأوّل: جريان السيرة بين المسلمين حيث إنّ القضاة كانوا يرتزقون من بيت المال، وقد عرفت كلام ابن قدامة في ارتزاق عدّة في زمن الخلفاء من بيت المال، وعليها سار الإمام علي ـ عليه السلام ـ في عهد خلافته، وكان شريح يرتزق من بيت المال ويأخذ في كل شهر شيئاً قليلاً ولمّا بلغ عليّاً أنّه ابتاع داراً بثمانين ديناراً، استدعاه وقال له:بلغني أنّك ابتعت داراً بثمانين ديناراً وكتبت لها كتاباً، واشهدت فيه شهوداً... ثمّ لامه وذمّه.(2) وما هذا إلاّ لأنّ الإمام رأى أنّه ابتاع داراً فوق ما يرتزقه من الإمام فصار مظنّة دفع الثمن من حرام وحلال.و روي أنّ عليّاً ولّى شريحاً و


1 ـ ابن قدامة: المغني 10/124.
2 ـ نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 2.


(152)

جعل له في كلّ سنة خمسمائة درهم (كل شهر قرابة 41 ديناراً و نصف) وكان عمر قبله جعل له كلّ شهر مائة(1) درهم .

والحاصل أنّ القضاة كانوا يرتزقون من بيت المال، من دون سؤال عن وجود الكفاية لهم وعدمه، أو فحص عن كون القضاء متعيّناً عليه وعدمه وهذه السيرة المستمرّة إلى يومنا هذا، تشهد على الجواز ولو كان هنا ذم في بعض الروايات، فإنّما هو لأجل كونهم قضاة الجور وأعوان الظلمة، وأين هو من قضاة العدل. كما سيوافيك؟

الثاني: ما دلّ عليه من الروايات ونذكر مايلي:

1ـ مرسلة حمّاد بن عيسى عن العبد الصالح في حديث طويل في الخمس والأنفال والغنائم قال:«والأرضون التي أخذت عنوة فهي موقوفة متروكة في يد من يعمرها ويحييها ـ ثمّ ذكر الزكاة وحصّة العمال ـ إلى أن قال: ويؤخذ الباقي فيكون بعد ذلك أرزاق أعوانه على دين الله، وفي مصلحة ما ينوبه من تقوية الإسلام، وتقوية الدين في وجوه الجهاد وغير ذلك ممّا فيه مصلحة العامة.

قال الشيخ الحرّ العاملي: يظهر منه جواز الرزق للقاضي من بيت المال (2)، لأنّ القضاء من أوضح مصاديق ما فيه مصلحة العامة.

2ـ ما كتبه الإمام إلى عامله في مصر:«واعلم أنّ الرعيّة طبقات: منها جنود الله ، ومنها كُتّاب العامّة والخاصّة، ومنها قضاة العدل ـ إلى أن قال :ـ وكل قد سمّى الله له سهمه ووضعه على حدّه وفريضته ، ثم قال: ولكلّ على الوالي حقّ بقدر ما يصلحه، ثمّ قال: واختر للحكم بين الناس أفضل رعيّتك وقال بعد ذكر صفات القاضي: وأكثِر تعاهد قضائه، وأفسح له في البذل ما يزيح علّته وتقلّ معه


1 ـ ابن إدريس: السرائر: 2/178.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 8 من أبواب آداب القاضي ، الحديث 2.


(153)

حاجته إلى الناس»(1) ولم يكن في يدعامل الإمام مايصرف في هذا المورد، سوى بيت المال.

3ـ روى في الدعائم عن علي ـ عليه السلام ـ أنّه قال:«لابدّ من إمارة ورزق للأمير. ولابدّ من عريف ورزق للعريف، ولابدّ من حاسب ورزق للحاسب ولابدّمن قاض ورزق للقاضي وكره أن يكون رزق القاضي على الناس الذي يقضي لهم.(2)

ترى فيه الإطلاق من دون تقييد بما في كلام الأعلام من كونه كفائياً، أو عينياً; مع الحاجة، أو مع عدمها. ولم نقف على مورد، سئل الإمام القاضي المنصوب عن وجود كفاية له وعدمه، أو فصل بين الكفائي والعيني .

استدل على المنع بروايتين:

1ـ صحيحة عبد الله بن سنان ، قال:سئل أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ عن قاض بين قريتين يأخذ من السلطان على القضاء الرزق؟ فقال:«ذلك السحت».(3) ولعلّ وصف رزقه بالسحت لأجل كونه قاضي سلطان الجور ومن أعوانه، لا أنّ مجرّد الرزق من بيت المال سحت وإن كان على خلاف الظاهر.

2ـ خبر عمّار بن مروان عن أبي عبد الله قال:«والسحت أنواع كثيرة: منها: ما اصيب من أعمال الولاة .ومنها: أُجور القضاة».(4) ويحمل على الأُجور المأخوذة من السلطان الجائر.

وعلى ضوء ذلك فالحقّ هو جواز الارتزاق من بيت المال سواء كان بصورة الارتزاق من دون تعيين حدّ، بمعنى أنّ الحاكم يقوم برفع حوائح القاضي قليلاً


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 8 من أبواب آداب القاضي ، الحديث 9.
2 ـ المستدرك: الجزء 18، الباب 28، من أبواب كيفية الحكم ، الحديث 3.
3 ـ الوسائل:الجزء 18 ،الباب 8 من أبواب آداب القاضي، الحديث 1.
4 ـ الوسائل: الجزء 12، الباب 5 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 12.


(154)

كان أو كثيراً وهويدير ذمّة القضاء، أو بتعيين حدّ معيّن كما هو اللائح من عهد الإمام الماضي وأمّا الإشكال بأنّ القضاء واجب فكيف يأخذ الأُجرة على الواجب؟ فيدفع بأنّه فرق بين الأُجرة والارتزاق، فإنّ عمل القاضي في الثاني تبرعي، غير انّ قيامه بهذا العمل التبرعي رهن سدّ عيلته، بدفع شيء من بيت المال حتى يقيم صلبه، و يدفع عادية الفقر الكاسر مضافاً إلى ما سيوافيك تحليله في المقام الثاني وما احتمل في الجواهر من اختصاص بيت المال بذوي الحاجات(1) غير تام لأنّه يصحّ في بعضه كالزكاة والصدقات دون غيرهما.

المقام الثاني: في أخذ الجعل من المتحاكمين

القاضي المنصوب إذا أخذ الرزق من بيت المال، يحرم عليه أخذ الجعل من المتحاكمين إذ لايصحّ له أخذ أُجرتين لعمل واحد، فإنّ عمله هذا ملك للحكومة الإسلامية، وقد عُيِّن للقضاء بين المسلمين مقيّداً بعدم أخذ شيء، فكيف يجوز له أخذ الأُجرة أو الجعل؟! وأمّا إذا لم يكن كذلك فالقول بحرمة الجعل وإن كان قولاً بين الأصحاب ، قال المحقّق : أمّا لو أخذ الجعل من المتحاكمين ففيه خلاف والوجه التفصيل المذكور في الارتزاق من بيت المال. وقال في الجواهر: إنّه لايجوز مطلقاً.(2) لكن ليس له دليل صالح سوى ما ذكره الشيخ في المبسوط ونقله المحقّق في الشرائع وهو أنّه يؤدّي فرضاً، فكيف يأخذ الأُجرة على الفرض؟ وإليك تحليل هذا الدليل فنقول:

إنّ مقتضى القاعدة صحّة الإجارة إذا تمّت أركانها من موجر عاقل بالغ منتفع بالإجارة، وأجير كذلك سواء كان باذل الأُجرة، أهل البلد، أو المتحاكمين أو المدّعي وعلى كل تقدير فالعمل محترم والموجر ينتفع بعمله فلاوجه للبطلان مع


1 ـ الجواهر: 40/51.
2 ـ الجواهر : 40/52ـ 53، قسم المتن والشرح.


(155)

تمامية الأركان إنّما الكلام في أنّ وجوب القضاء هل يصلح أن يكون مانعاً من صحّة الإجارة أو لا؟ فنقول:

إنّ المانع عن صحّتها أُمور ثلاثة وهي:

1ـ أن لاينتفع به الموجر، لأنّه يكون من قبيل أكل المال بالباطل وقال سبحانه:«يا أيُّها الّذين آمنُوا لاتأكُلُوا أموالَكُم بينَكُم بالباطل» (النساء/29)بناء على أنّ حرف الجرّ في «بالباطل» بمعنى المقابلة أي في مقابل أمر باطل عند العقلاء فيصحّ به الاستدلال على البطلان إذا لم تكن للمبيع أو لمورد الإجارة منفعة عقلائية كبيع الحشرات وأمّا على القول بأنّه راجع إلى النهي عن الأسباب الفاسدة كالرشوة، والربا ، والقمار، فيكفي في عدم صحّته، عدم شموله مثل هذه الإجارة للعمومات الواردة في باب المعاوضات إذ موردها هو انتفاع الطرفين بالعمل والأُجرة لعدم إقدام العقلاء على الإيجار في غير هذه الصورة فتحمل عليه.

2ـ أن يكون العمل عبادياً لايترتّب عليه الأثر إلاّ بالإتيان لله أو امتثال أمره وفي مثله لايصحّ الاستيجار لأنّ أثر العبادة مشروط بالقربة، بانحصار الداعي فيها ولكن الداعي بعد الإجارة، هو الأُجرة لاغير بحيث لولاها لما قام بالعمل وعلى ضوء ذلك يبطل أخذ الأُجرة على الواجبات التعبديّة لأنّ صحّة صلاة الظهر رهن كونه لله وينافيه أخذ الأُجرة من غير فرق بين الفرائض كالصلوات اليومية، أو النوافل، كصلاة الليل وغسل الجمعة.

وأمّا صحّة النيابة عن الميّت في قضاء صلواته وصومه، وكذا النيابة عنه في تلاوة القرآن وزيارة الأئمّة، مع أخذ الأُجرة فالفرق واضح فإنّ الأُجرة في الأوّل على نفس العمل فيأخذ الأُجرة، ليصلّي فرائض نفسه أو يأتي بنوافلها، بخلاف الثاني، فإنّ الأُجرة فيها على النيابة وهي ليست من العبادات والتفصيل في محلّه.

3ـ أن يكون العمل حقّاً للغير فلو كان كذلك كانت الأُجرة سحتاً ولأجل


(156)

ذلك تحرم الأُجرة في مقابل كفن المسلم ودفنه والصلاة عليه فإنّ ظاهر الأدلّة كونها من حقوق الميّت على المسلم الحيّ فأخذ الأُجرة فيه كأخذ الأُجرة على عمل مستحقّ لآخر كما إذا نذر أن يبني مسجد لله، فلايجوز له أخذ الأُجرة في مقابل العمل.

هذه هي الموانع الثلاثة عن صحّة الإجارة وأخذ الأُجرة ويمكن إرجاع الثاني إلى الأوّل، لأنّ الموجر لاينتفع بعمل الأجير إذا كان المورد أمراًعبادياً قربيّاً، إذتشترط في صحّته نيّة القربة غير الجامعة مع أخذ الأُجرة. وأمّا إرجاع الثالث إلى الثاني، كما عليه المحقّق الرشتي (1) فلا، لأنّ المفروض أنّ الميت أو وليّه ينتفع بعمل الأجير بدفن الميّت أو الصلاة عليه.

وأمّا المقام فليس القضاء ممّا لاينتفع به أهل البلد أو المتحاكمان، بل هو قوام الحياة والمجتمع، وليس عملاً عبادياًحتى لايجتمع مع أخذ الأُجرة وليس من حقوق الغير، وإلاّ أصبح جميع الخدمات من هذا القبيل إذ أيّ فرق بين قضاء القاضي ومراقبة الحارس ومرابطة المجاهد في الحدود، وطبابة الطبيب حيث لاتخطر ببال أحد، حرمة أخذ الأُجرة على تلك الخدمات بل الجواز فيها بمكان من الوضوح إذ تحريم أخذ الأُجرة فيها يوجب اختلال النظام وتسرّب الفوضى إلى المجتمع.

وكونه واجباً لايمنع عن الإيجار مالم يكن حقّاً للغير أو لم تكن الأدلّة ظاهرة في كونه عملاً تبرعيّاً فإنّ الواجب على قسمين: واجب بقيد جواز أخذ الأُجرة ،كما هو الحال في الخدمات والصناعات من غير فرق بين الكفائي والعيني وكون العامل فقيراً أو غنياً، فلايمنع وجوب العمل فيها عن عقد الإيجار ، وواجب بقيد كونه تبرعيّاً أو متعلّقاً لحقّ الغير. فمجرّد الوجوب لايكشف عن كونه عملاً تبرعياً مستحقاً للغير، كما أنّ جواز الإجبار، لايكشف عنه، فإنّ مناط الإجبار، كون العمل


1 ـ القضاء: 87.


(157)

معروفاً لاكونه حقّاً للغير فيأمره بالإتيان به لتلك الغاية.

إنّ من زعم أنّ الوجوب مطلقاًمانع من أخذ الأُجرة ، من دون تفريق بين كونه حقّاً للغير وعدمه لما واجه الصناعات والخدمات حيث إنّها واجبة مع جواز أخذ الأُجرة، حاول تصحيح أخذ الأُجرة بوجوه زائفة مرجودة في المكاسب المحرّمة للشيخ الأنصاري ونقلها السيد الطباطبائي في المقام (1)والحقّ أن يقال: إنّ الوجوب بما هو هو غير مانع عن الإيجار وأخذ الأُجرة، والمانع كونه حقّاً للغير وليس القضاء كذلك .

وعلى ضوء ذلك يجوز جعله على المتحاكمين بالتشريك بينهما كما يجوز جعله على المدّعي، أو على المحكومعليه فيتّبع على كيفية الاتفاق.

قال الشهيد في المسالك :ثمّ على تقدير جوازه بوجه ففي جواز تخصيص أحدهما به أو جعله على المدّعي أو التشريك بينهماأوجه، من الشكّ في أنّها تابع للعمل أو للمنفعة الحاصلة، فعلى الأوّل هو عليهما وعلى الثاني يجب على المحكوم له أو على المدّعي.(2)

أقول: الظاهر أنّه لو رفع المتحاكمان الشكوى إليه فالأُجرة عليهما، وإن رفع المدّعي فهو عليه ، إلاّ أن يكون هنا اتّفاق آخر.

ثمّ إنّ المحقق أجاز للمؤذّن والقاسم وكاتب القاضي والمترجم وصاحب الديوان و والي بيت المال أن يأخذوا الرزق من بيت المال المعدّ للمصالح وكذامنيكيل للناس ويزن ومن يعلم القرآن و الآداب .(3) من غير تفصيل بين كون العمل واجباً كفائياً أو عينياً أو كونهم من ذوي الكفايات أو من ذوي الحاجات. ولكنّهقدَّس سرَّه استشكل في القاضي فيما إذا كان متعيّناً عليه وكان غنيّاً والفرق عجيب.


1 ـ السيد الطباطبائي: ملحقات العروة 2/20، المسألة 17.
2 ـ المسالك 2/393.
3 ـ نجم الدين: الشرائع:4/69.


(158)

نعم لو رفع المدّعي الشكوى إلى المجتهد وكان فقيراً ، بذل الحاكم نفقة القضاء من بيت المال لئلا يتضرّر المسلم ولو تعذّر التوصل إليه، فيجب على القاضي القيام به على الأحوط، من باب صيانة حقّ المؤمن كنفسه.

المسألة السادسة: فيما تثبت به ولاية القاضي

تثبت ولاية القاضي بالأُمور التالية:

1ـ العلم 2ـ البيّنة 3ـ سماع التولية 4ـ إقرار الإمام أو من نصبه بها 5ـ حكم الحاكم 6ـ الاستفاضة. وإليك بيانها:

أمّا العلم فهو أعلى الطرق وليس وراءه شيء.

وأمّا البيّنة ، فثبوتها بها يتوقّف على وجود إطلاق في حجّية البيّنة وعدم اختصاصها بالمرافعات والموارد الّتي وردت فيها بالخصوص ولعلّ الإمعان في رواية «مسعدة بن صدقة» (1)وغيرها يعطي سعة حجيّتها والتفصيل موكول إلى محلّه.

وأمّا سماع التولية فلأنّ ظواهر الكلام حجّة فإذا قال: نصبت زيداً للقضاء، يكون الظنّ الحاصل منها حجّة وعلى ما ذكرنا في علم الأُصول عند البحث في حجّية الظواهر من أنّ الظواهر مفيدة للعلم بالمراد الاستعمالي يدخل هذا، في القسم الأوّل ولمّا كانت الظواهر عند المشهور من الحجج الظنّية عدّوها سبباًمستقلاً.

وأمّا إقرار الإمام أو من نصبه بها ، فلحجّية إقرار كل فيما يرجع إليه ويملكه وقد ثبت في محلّه أنّ «من ملك شيئاً ملك الإقرار به».

وأمّا حكم الحاكم فالمقصود، هو حكم الحاكم في البلد أو القاضي غير


1 ـ الوسائل: الجزء 12، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به ، الحديث 4.


(159)

المعزول على كون شخص منصوباً للقضاء، وحجّيته موقوف على حجيّة حكم الحاكم في الموضوعات الخارجة عن حريم المرافعات وهو بعدُ غير ثابت لأنّ مقتضى الأدلّة حجّية رأيه في الأحكام والمرافعات، وأمّا حجيّة رأيه في الموضوعات التي لم ينسدّ باب العلم فيها فلا، لإمكان التوصل إليها بالطرق المقرّرة الشرعية.

نعم يمكن أن يقال: إنّ هناك موضوعات، لو لم نقل بحجّية حكم الحاكم فيها، لزم طرح الحكم المجعول لها وذلك كالهلال مثلاً إذا كان حكم الحاكم حجّة في ثبوت الهلال تكون الدواعي مصروفة إلى إعلامه بالرؤية، فإذا استفاض يقطع بصحّته فيحكم برؤية الهلال بخلاف ما إذا قلنا بعدم حجّية حكمه فلايكون هنا داع إلى الإعلام فيلزم ترك الحكم المجعول لها. ومثلها المقام إذمقتضى طبع الحال أن يطّلع حاكم البلد، على القاضي المنصوب لوجود مراسلات بينه وبين الحاكم الأعلى، بخلاف سائر الناس، فلو ألغينا حكمه، لزم طرح الآثار المترتّبة على القاضي المنصوب.

أمّا السادس ، أعني: الاستفاضة، فبما أنّها لم ترد في لسان الدليل، فلاملزم للغور في تبيين مفهومها و البحث عن ثبوت الولاية بالشياع وعدمه، خال عن الفائدة في الظروف الحاضرة لأنّ ثبوتها من أسهل الأُمور فيها فاللازم البحث عن أدلّة حجيّة الشياع في الموضوعات من غير تقيّد بالمقام، ولما للبحث من فوائد فقهية: فنقول استدلّ على حجيّة الشياع بوجوه:

الأوّل: مرسلة يونس عن بعض رجاله عن أبي عبد الله قال: سألته عن البيّنة إذا أُقيمت على الحقّ أيحلّ للقاضي أن يقضي بقول البيّنة إذا لم يعرفهم من غير مسألة؟ فقال: «خمسة أشياء يجب على الناس أن يأخذوا فيها بظاهر الحكم : الولايات، والتناكح ، والمواريث، والذبائح، والشهادات فإذا كان ظاهره ظاهراً مأموناً جازت شهادته ولايُسأل عن باطنه».(1)


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 22، من أبواب كيفية الحكم، الحديث1.


(160)

ورواه الصدوق في الفقيه وذكر مكان المواريث «الأنساب» .(1)

ورواه في الخصال عن أبي جعفر المقري رفعه إلى أبي عبد الله عن آبائه عن علي عليهم السَّلام : خمسة يجب على القاضي.(2)

ورواه الشيخ بإسناده عن علي بن إبراهيم إلاّ أنّه قال مكان «بظاهر الحكم»: «بظاهر الحال».(3)

ولعلّ عناية المشايخ الثلاثة بنقلها، تورث الاطمئنان بصدورها ولايضرّها الإرسال والرفع. إنّما الكلام في فقه الرواية فندرسها نجوماً لإيضاح مفادها.

1ـ ما ذا يريد السائل من قوله:«أن يقضي بقول البيّنة إذا لم يعرفهم من غير مسألة» وكيف يقضي بشهادتهم مع عدم عرفانهم، وهل يجتمع ذلك مع لزوم إحراز عدالتهم؟

والظاهر أنّ المراد لايعرف مستند شهادتهم بشهادة قول السّائل:«من غير مسألة» و شهادة ما في جواب الإمام من قوله:جازت شهادته ولايُسأل عن باطنه.

2ـ «خمسة أشياء، يجب على الناس أن يأخذوا بظاهر الحكم» إنّ لهذه الفقرة تفسيرين:

أ: المراد من قوله:«بظاهر الحكم» هو حكم الناس فتكون اللام للعهد الذكري لسبق لفظ الناس ولو صحّ ما نقله الشيخ من «ظاهر الحال» مكان «ظاهر الحكم» يكون المراد حال الناس أي تلقّيهم هذه الأُمور صحيحاً.فيكون مفادهما واحداً، والفقرة دليلاً على حجّية الشياع وحكم الناس فيها والله سبحانه لأجل التسهيل على العباد جعل حكم الناس فيها حجّة على السائرين ، فإذا


1 ـ الصدوق: الفقيه ، ج3، ص9، برقم 29.
2 ـ الصدوق: الخصال، باب الخمسة،الحديث88.
3 ـ الطوسي: التهذيب، ج6، ص288، برقم 798.


(161)

أشار الناس إلى واحد، بأنّه وال، وإلى آخر بأنّه زوج وإلى ثالث بأنّه وارث فلان ، وإلى لحم بأنّه مذكّى، يقبل قولهم ويؤخذ به ولايجب التجسّس.وهذا هو الذي فهمه المستدل بالرواية، على حجّية الشياع.

لكن هذا المعنى لايلائم الموضوع الخامس (الشهادة) إذلو أُريد منه أيضاً ذاك، كان على الإمام أن يقول:«والعدالة »أي إذا اشتهر بين الناس أنّ رجلاً عادل يقبل حكم الناس في حقّه.لا أنّه إذا اشتهر بين الناس بالشهادة تقبل شهادته إذ ليس له معنى معقول وقد نقل المحقق الآشتياني وجهاً له وصفه بالركاكة، فلاحظ(1).

إلاّ أن يقال: الشهادة مصحف العدالة أو هو من قبيل ذكر المسبّب وإرادة السبب أي إذا قبل الناس شهادة رجل فعلى الشاكّ قبولها، لأنّه يكشف عن كونه عادلاً، فحكم الناس في الأربعة الأُول، يثبت نفسها وفي الخامس يثبت منشأها ومستندها.

ب: أن يراد من ظاهر الحكم، حسن ظاهر الأفراد والمقصود أنّ حسن الظاهر حجّة في الموارد الخمسة، وعليه يكون المراد من ظاهر الحال في نقل الشيخ هو ذاك فإذا ادّعى الولاية، أو الزوجيّة أو الوراثة أو الذبح أوالشهادة وكانوا في الظاهر مأمونين يقبل أقوالهم ولايتفحّص عن مستند أقوالهم وهذا المعنى يلائم الموارد الخمسة ويؤيّده الفقرة التالية.

3ـ «فإن كان ظاهره مأموناً جازت شهادته ولايسأل عن باطنه» وإنّما خصّ الشاهدَ، بحسن الظاهر، مع كونه شرطاً في الجميع لأجل وجود السؤال في حقّه حيث قال:«أن يقضي بقول البيّنة إذا لم يعرفهم من غير مسألة» وعندئذ يكون الحديث أجنبياً عن الدلالة على حجيّة الشياع بل كان دليلاً على حجّية قول المدّعي في هذه الأمور بالشرط المذكور ولادليل على اختصاص الولاية بالقضاء بل


1 ـ الآشتياني : القضاء :45


(162)

يعمّ الولاية في التصرّف كالمتصرّف في مال الغير.

الثاني: صحيحة حريز قال: كانت لإسماعيل بن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ دنانير وأراد رجل من قريش أن يخرج إلى اليمن ، فقال إسماعيل:يا أبه إنّ فلاناً يريد الخروج إلى اليمن وعندي كذا وكذا دينار، أفترى أن أدفعها إليه يبتاع لي بها بضاعة من اليمن؟فقال أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ : «يا بنيّ أما بلغك أنّه يشرب الخمر» فقال إسماعيل: هكذا يقول الناس، فقال: «لا! يا بنيّ لاتفعل».

فعصى إسماعيل أباه و دفع إليه دنانيره، فاستهلكها ولم يأته بشيء منها، فخرج إسماعيل، وقضى أنّ أبا عبد الله ـ عليه السلام ـ حجّ وحجّ إسماعيل تلك السنة، فجعل يطوف بالبيت ويقول: اللّهمّ اجرني واخلف عليّ»، فلحقه أبو عبد اللّه ـ عليه السلام ـ فهمزه بيده من خلفه وقال له:«يا بنيّ فلا والله مالك على الله هذا، ولا لك أن يأجرك ولايخلف عليك، وقد بلغك أنّه يشرب الخمر فأتمنته».

فقال إسماعيل: يا أبه انّي لم أره يشرب الخمر إنّما سمعت الناس يقولون . فقال:« يا بني إنّ الله عزّ وجلّ يقول في كتابه :«يُؤمِنُ بِاللّهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤمِنينَ»(1) يقول: يصدّق اللّه ويصدّق للمؤمنين فإذا شهد عندك المؤمنون فصدّقهم، ولاتأتمن شارب الخمر انّ اللّه عزّوجلّ يقول في كتابه:«ولاتُؤتُوا السُّفهاءَ أموالَكُم»(2) فأيّ سفيه أسفه من شارب الخمر؟إنّ شارب الخمر لايُزوّج إذا خطب، ولايُشفّع إذا شفع،ولايؤتمن على أمانة، فمن ائتمنه على أمانة فاستهلكها لم يكن للذي ائتمنه على اللّه أن يأجره ولايُخلف عليه»(3).

قال صاحب الجواهر: ـ بعد نقل الرواية ـ إذ هو كما ترى كالصريح في اعتبار الشياع الذي أعلى أفراده هو قول الناس وشهادة المؤمنين ونحوهما مما مذكور فيه وبه أدرجه فيما دلّ على النهي عن ائتمان شارب الخمر.(4)


1 ـ التوبة:61.
2 ـ النساء/5.
3 ـ الوسائل: الجزء 13، الباب 6 من أبواب أحكام الوديعة، الحديث 1.
4 ـ الجواهر:40/57.


(163)

وبذلك يعلم عدم تمامية ما ذكره المحقق العراقي في ردّ الاستدلال بالحديث إنّ ظاهر الحديث هو أنّ الإمام ـ عليه السلام ـ يعلّم ولده آداب المعاشرة حيث ينبغي أن يسلك في مثل هذه الموارد طريق الاحتياط و أن يصدّق الناس في الظاهر تصديقاً صورياً.(1)

يلاحظ عليه : أنّ لسان الرواية لسان الإحراز والحجّية حيث يقول: «ولاتأتمن شارب الخمر إنّ الله عزّ وجلّ يقول في كتابه:«ولاتُؤتوا السفهاءَ أموالَكم»وأيّ سفيه أسفه من شارب الخمر» نعم لايلزم من حجّية الشياع كونه حجّة في جميع الموارد فلايُحدّ الإنسان وإن شاع أنّه سارق أو زان إذ لإجراء الحدّ شروط خاصة.

ومع ذلك كلّه فالإذعان بما ذكر مشكل جدّاً، إذ من المحتمل أن يكون المراد من التصديق الحذر والاحتياط لاترتيب الآثار الشرعية. ويؤيده ما في كلام الإمام الكاظم لمحمد بن الفضيل أيضاً: يا محمّد كذّب سمعك وبصرك عن أخيك المؤمن ولو شهد عندك خمسون قسامة و قال لك قولاً فصدّقه وكذّبهم.(2)

فإنّ تكذيب خمسين قسامة، تكذيب لبيّنة شرعيّة، ولو كان المراد هوالتكذيب الجدّي، لحفظ قول مؤمن واحد يلزم ترجيح المرجوح على الراجح وهو أقبح من الترجيح بلامرجح. وهذا يعرب عن كون تصديق المؤمنين وتكذيبهم، ليس بالمعنى الحقيقي بل الغاية هو الدعوة إلى الحذر والاحتياط، فمقتضى الاحتياط في مورد الاتّهام بشرب الخمر هو عدم الائتمان، كما أنّ مقتضاه في المورد الثاني، عدم ترتّب الأثر في حقّ الأخ عند تكذيبه.

الثالث: ما ورد في متاع الرجل والمرأة ، إذا مات أحدهما فادّعاه ورثة الحيّ وورثة الميّت أو طلّقها فادّعاه الرجل وادّعته المرأة ، فقد قضى الإمام بأنّ المتاع


1 ـ المحقق العراقي: القضاء20.
2 ـ تفسير نور الثقلين: ج3، ص582 ; ثواب الأعمال295 ; البحار: 75، ص255، الحديث40.


(164)

للمرأة مستدلاً بقوله: «أرأيت إن أقامت بيّنة إلى كم كانت تحتاج؟» فقلت: شاهدين، فقال:«لو سألت من بينلابتيها يعني الجبلين ونحن يومئذ بمكّة لأخبروك أنّ الجهاز والمتاع يُهدى علانية من بيت المرأة إلى بيتزوجها فهي التي جاءت به، وهذا المدّعي (الرجل) إن زعم أنّه أحدث فيه شيئاً فليأت عليه البيّنة».(1)

وظاهر الحديث أنّ الاعتداد بشهادة من بين لابتين لأجل إفادته العلم واليقين، فإنّ المتاع قد نقل على رؤوس الأشهاد من بيت المرأة إلى بيت الزوج، فكيف يصحّ للزوج أن يدّعي أنّه له.فلا صلة له بالشياع بما هوهو.

الرابع: ما رواه في الوسائل عن تفسير الإمام الحسن العسكري ـ عليه السلام ـ من أنّ المدّعي إذا جاء بشهود إلى النبيّ الأكرم وهو لايعرفهم بخير ولاشرّ، يرسل من خيار أصحابه من يسألهما عن قبائلهما وأسواقهما، ومحالهما، والربض الذي ينزلانه حتى يخبراه بحالهما....(2)

والحديث مع ضعف سنده وعدم صلاحيته للاحتجاج ينزل على حصول العلم، من الفحص من تلك المظان، ولا صلة له بالشياع.

الخامس: ما في صحيحة عبد الله بن أبي يعفور: من بيان ما تعرف به العدالة:... فإذا سئل عنه في قبيلته ومحلته قالوا: ما رأينا منه إلاّ خيراً....(3)

يلاحظ عليه: انّه جعل قضاء الناس في حقهما، جزء السبب لا تمامه كما هو ظاهر لمن لاحظها والمدّعى كون الشياع تمامه.

إلى هنا كانت الأدلّة مسوقة لبيان حجّية الشياع على وجه الإطلاق بخلاف الوجهين التاليين فانّهما يختصّان بحجّيته في باب الولاية.


1 ـ الوسائل: الجزء 17، الباب 8 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 1.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 6 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1، وهو حديث مفصل.
3 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 1.


(165)

السادس: السيرة المستمرّة من زمن النبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم حيث استقرّت على تعيين الولاة وإثباتها بالإستفاضة ولم يكن دأب النبي أو من نصبوه لنصب القاضي، إرسال البيّنة العادلة عند كل أحد، مع القاضي المنصوب حتى تشهد لولاته.(1)

يلاحظ عليه: أنّ إرسال القاضي كان مرفّقاً برسالة مأمونة من التزوير وكانت مفيدة للاطمئنان لوجوه أهل البلد الذين كانوا يقابلون القاضي قبل كل أحد ، وكان تصديقهم مورثاً للعلم لغيرهم فلايصحّ القول بأنّا نعلم بعدم حصول العلم.

السابع: عسر إقامة البيّنة فيجب سماع الاستفاضة فيها أمّا الصغرى فواضحة حيث إنّ إقامة البيّنة العادلة عند كل من يحتاج للرجوع إليه مشكل جدّاً وأمّا الكبرى فلما يستفاد من النصوص أنّه كلّما تعسّرت إقامة البيّنة يقوم غيرها مقامها.

وأورد عليه أنّ عسر اقامة البيّنة لايوجب الانتقال إلى غيرها بل ربّما يوجب سقوط وجوب الإقامة كما هو الحال فيما إذا لم يعلم إلاّ من قبلها أو سقوط بعض شروطها كالذكورة في شهادة النساء على الحمل، أو سقوط العدالة، كما إذا حضر الموت و لم يكن عند المحتضر مسلم عادل فيجوز إشهاد غير المسلم لقوله سبحانه:«يا أَيُّهَا الّذِينَ آمنُوا شَهادةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحدكُمُ المَوتُ حينَ الوَصِيَّةِ اثنانِ ذوا عَدْل مِنْكُمْ أَو آخرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصابَتكُمْ مصيبةُ المَوتِ... » (المائدة/106).(2)

لقد تلخّص من هذا البحث الضافي حول الشياع عدم دليل صالح يعطي كون الشياع حجّة بنفسه ولو كان هناك دليل من إجماع أو غيره على حجيّته في موارد كالهلال(3) والنسب يكتفي به وإلاّ فلو أفاد الاطمئنان فهو وإلاّ فلايعدّ دليلاً


1 ـ الآشتياني :القضاء /43 ، هذا الوجه و مابعده مختصّ بباب الولاية.
2 ـ الآشتياني :القضاء /43 مع تفصيل منّا.
3 ـ لاحظ الوسائل: الجزء7، الباب 11 من أبواب شهر رمضان، الحديث14.


(166)

شرعيّاً.

وفي ما أفاد الاطمئنان لايصلح دليلاً للحكم في المرافعات والحدود، لأنّ الاعتبار في المرافعات بالبيّنة، وفي غيرها كالحدود بما ورد فيها من الخصوصيات.

بقي الكلام في أُمور:

الأوّل : هل حجّية الشياع ـ على القول بحجّيته ـ مشروطة بإفادته العلم، أو الاطمئنان المتاخم له، أو الظن المطلق أو هو حجّة مطلقاً؟ اختار الأخير صاحب الجواهر وقال: «المدار على تحققه»(1)ولاسبيل إلى الأوّل لأنّه يُلحقه بما لاشكّ في حجّيته،ويكون تعليق الحكم بالشياع عندئذ لغواً، وأمّا الأخير فهو بعيد عن مذاق العقلاء فإنّهم يعتبرون الشياع طريقاً إلى الواقع ولو أمضاه الشارع فإنّما أمضاه لأجل ذلك الملاك، واحتمال التعبدية في حجية الأمارات العقلائية بعيد عن لسان الآيات والرواية، فدار الأمر بين المتاخم للعلم والظن المطلق، وبما أنّ الموضوعات الواردة في مرسلة يونس بن عبد الرحمان ـ على فرض دلالتها ـ من مهامّ الأُمور، فمن البعيد حجّية الظن المطلق في الولايات التي تمارس الدماء والأعراض والأموال.فلم يبق إلاّ الاطمئنان الذي هو علم عرفي.

والذي يسهل الخطب أنّ الشياع الطبيعي لايفارق الاطمئنان في ظرف من الظروف إلاّ إذا كان للمورد خصوصية تورث سوء الظن بالخبر وهو خارج عن مصبّ البحث. والحاصل أنّ كل مورد يكون خارجاًعن احتمال التوطئة، يكون الشياع مفيداً للإطمئنان.

الثاني: في العدد المحقِّق للشياع والظاهر أنّه لايمكن تحديده كما لايمكن تحديد العدد المحقق للتواتر لأنّ طبيعة الموضوعات مختلفة اذ الدواعي إلى الجعل والمؤامرة والتوطئة موجودة في بعضها دون بعض فإنّه إذا كان المناط هو الشياع


1 ـ النجفي: الجواهر40/57.


(167)

المفيد للاطمئنان فتجب الاستفاضة إلى حدّ يفيده، وهذا يختلف حسب اختلاف الموضوعات في القرب من دواعي الجعل وعدمه، وحسب صلتها بالسياسة والأهواء والميول ، ولذلك يجب التربّص حتى يحصل الاطمئنان.

الثالث: هل الشياع حجّة في خصوص الخمسة الواردة في مرسلة يونس أو يعمّها وغيرها؟وقد استظهر صاحب الجواهر عموم اعتباره لغير المذكورات فيها، لأنّ صريح صحيحة حريز هو ثبوت الفسق لكن التعدّي إلى غيرها يحتاج إلى الدليل، وذلك لأجل ورود العدد في المرسلة نعم بما أنّها ليست بحجّة لإرسالها وإجمال المراد منها يؤخذ بإطلاق ما دلّت الصحيحة عليه.كلّ ذلك على فرض ثبوت حجّية الشياع بما هو هو وإلاّ فيكون أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع.

المسألة السابعة: في نصب قاضيين في البلد الواحد

إذا كان البلد صغيراً أو كانت المرافعات قليلة، على وجه ترتفع الحاجة بممارسة الواحد، يكتفى بنصب قاض واحد وأمّا إذا كانت هناك حاجة إلى التعدد فيجوز نصب قاضيين في البلد الواحد وأمّا كيفية ممارستهما فلها وجوه بالنحو التالي:

1ـ تخصيص كلّ واحد بطرف في البلد كالشرق والغرب.

2ـ تخصيص كلّ واحد بزمان خاص كالصباح والمساء.

3ـ تخصيص واحد، بالحقوق والآخر بالجزاء.

وليس ذلك ، تضييقاً في ولايته ولامخالفاً لاستقلال القاضي وإنّما هو من باب تقسيم المسؤوليات بين القضاة حتى تجري الأُمور على أحسن الوجوه.

4ـ جعل كلّ واحد قاضياً في تمام البلد، وتمام الجهات في الحقوق والجزاء وذلك لكثرة المراجعات والشكاوى،و لكل غرفة في دائرة القضاء.


(168)

5ـ التشريك بينهما في الجهة الواحدة على جهة الاجتماع على الحكم الواحد، كان ينصبا ، للقضاء في حادثة على وجه الاتفاق، وإصدار الحكم على وجه الاشتراك ولايتحقّق إلاّ بالتوافق قبل إصداره.

6ـ تلك الصورة ويكون الاعتبار للرأي الحائز لأكثر الآراء.

7ـ تلك الصورة ويكون الاعتبار للرأي الحائز لنصاب خاصّ من الآراء لامطلق الأكثرية كأربعة أخماس من خمسة آراء.

هذه هي الصور المتصوّرة في المقام وليس في كلمات القوم أثر من السادس والسابع، مع كونهما رائجين بين العقلاء والمجامع القضائية العالمية.

فندرّس أحكام الصور، أمّا الثلاثة الأول فلا شبهة في صحّتها، إنّما الكلام في أحكام الصور الباقية وإليك دراستها:

الف: نصب قاضيين في البلد في جميع الجهات

إنّ الداعي لهذا النوع من النصب صلاحية كلّ من القاضيين للقضاء في جميع الجهات، مع مسيس الحاجة إليهما، كما يجوز نصب وكيلين تامي الاختيار في الأموال بيعاً وإجارة ورهناً وغيرها، نعم إنّ هذا النوع من النصب ربّما يورث التنازع بين المترافعين إذ يمكن أن يختار كل رجلاً هذا بخلاف ما إذا كان القاضي واحداً وهذه الصورة هي الّتي أشار إليها صاحب الجواهر مع الإيعاز بما يترتّب عليه من التنازع وقال:وأولى من ذلك (القضاء على وجه الاتفاق الصورة الخامسة) التشريك بينهما على جهة الاستقلال كما في نصب الغيبة ـ إلى أن قال: ـ والتنازع يندفع بتقديم من سبق داعيه منهما ولو جاءا معاً حكم بالقرعة ولو ابتدأ المتنازعان بالذهاب إليهما من غير دعاء، قدّم من يختاره المدَّعي.(1)

وقال النراقي : إذا كان هناك مجتهدان أو أكثر يتخيّر فيهما الرعيّة ، فالحكم


1 ـ الجواهر: 40/61.


(169)

لمن اختاره المدّعي وهو المتّبع له إجماعاً له، ولأنّه المطالِب بالحقّ، ولاحقّ لغيره أوّلاً فمن طلب منه المدّعي استنقاذ حقّه يجب عليه الفحص فيجب اتّباعه ولاوجوب لغيره.(1)

أقول: ما ذكره العلمان هو الحقّ إذ المدّعي له حقّ إقامة الدعوى، في تمام المحاكم الشرعية دون محكمة خاصّة، ومن له هذا الشأن، يكون التعيين بيده.

غير أنّ السيّد الطباطبائي لم يرتض ذلك وقال ردّاً على المستند: إنّ كون الحقّ له غير معلوم، وإن أُريد حقّ الدعوى له حيث إنّ له أن يدّعي وله أن يترك، ففيه أنّ مجرد هذا لايوجب تقديم مختاره إذ بعد الدعوى يكون للآخر أيضاً حقّ الجواب مع أنّه يمكن أن يسبق المدّعى عليه بعد الدعوى إلى حاكم ويطلب منه تخليصه من دعوى المدّعي فمقتضى القاعدة مع عدم أعلمية أحد الحاكمين هوالقرعة إلاّ إذا ثبت الإجماع على تقديم مختار المدّعي.(2)

يلاحظ عليه بأمرين:

1ـ لا شكّ أنّ للآخر حقّ الجواب، لكن هذا الحقّ إنّما يتولد، بعد إقامة الدعوى لدى الحاكم المختار للمدّعي، فلايمكن أن يكون مانعاً من اختياره ويكون أشبه بمنازعة النتيجة مع المقدمة.

2ـ إنّ للآخر الرجوع إلى حاكم آخر يطلب منه تخليصه من دعوى المدّعي، لكنه إنّما يتحقق بعد صدور الحكم من الحاكم الأوّل إمّا لأجل وجود البيّنة للمدّعي، أو لنكول المنكر وردّه اليمين إلى المدّعي، وأمّا قبله فلم يحكم عليه بشيء حتى يكلف تخليصه من الحاكم الثاني.

ثمّ قال السيّد الطباطبائي: هذا إذا كان أحدهما مدّعياً و الآخر منكراًو أمّا


1 ـ النراقي: المستند 2، كتاب القضاء/498.
2 ـ الطباطبائي: ملحقات العروة الوثقى:2/15.


(170)

مع تداعيهما بأن يكون كلّ مدعياً من وجه و اختار كلّ منهما غير ما اختاره الآخر مع فرض تساويهما فلا ينبغي الإشكال في القرعة كما إذا زوّجت الباكرة الرشيدة نفسها من رجل، و زوّجها أبوها من آخر فتنازع الرجل في زوجيّتها أو تنازع الولد الأكبر مع سائر الورثة في كون الحبوة مجّانية أو بعوض الإرث أو تنازع اثنان فيما في يد ثالث أو فيما لا يد لأحد عليه، فمع اختيار كلّ من المتنازعين حاكماً للترافع وإصرارهما على ذلك يكون المرجع هو القرعة .

أقول: ما ذكره من أنّ المرجع هو القرعة إنّما يتمّ فيما إذا كان من قبيل الشبهات الموضوعية كما لو تنازعا في مال في يد ثالث و أمّا إذا كانت الشبهة موضوعية كما في مثال التزويج و الحبوة، فالمرجع هو القاضي الأعلم في البلدة، لوجوب تقليده وعدم حجّية فتوى غيره و قد عرفت أنّ القضاء فيها، إفتاء أوّلاً ، ثمّ قضاء.

فتلخّص أنّ هناك صوراً:

1ـ إذا كان هناك ادّعاء من جانب و انكار من جانب آخر فتعيين القاضي بيد المدّعي.

2ـ إذا كان هناك تداع و كانت الشبهة موضوعية فتعيين القاضي بالقرعة بينهما.

3ـ إذا كانت حكمية فيرجع إلى أعلم القضاة في البلد.

ب: نصب قاضيين لممارسة القضاء على وجه الاتفاق

هذه هي الصورة الخامسة وقد جاءت المسألة في كتب لفيف من الأصحاب كالمحقّق ومن بعده وإليك نصوصهم:

1ـ قال المحقّق:وهل يجوز التشريك بينهما في الولاية الواحدة؟ والوجه


(171)

الجواز لأنّ القضاء نيابة تتبع اختيار المنوب.(1)

2ـ قال العلاّمة في القواعد: ولو اشترط اتّفاقهما في حكم فالأقرب الجواز.(2)

3ـ وقال فخر المحققين في شرحه: وجه القرب أنّه أضبط ولجوازه في الشهادة وهي الأصل وأنّهما كالوليين والوصيين ويحتمل عدمه لأنّ الخلاف في مواقع الاجتهاد كثير وهو يؤدي إلى تعطيل الحكم فيبقى أكثر الخصومات غير مفصولة، والأقرب عندي هو الأوّل.(3)

4ـ وقال العلاّمة في الإرشاد: ولو شرط اتّفاقهما في كلّ حكم لم يجز.(4)

5ـ وقال الشهيد:ولو شرط اتّفاقهما في الأحكام ففيه نظر من تضييق موارد الاجتهاد، ومن أنّه أوثق في الحكم عندنا لأنّ المصيب واحد.(5)

6ـ وقال الشهيد الثاني: فإن شرط عليهما الاجتماع على الحكم الواحد ففي جوازه وجهان:

أحدهما: العدم لأنّ الخلاف في مواقع الاجتهاد ممّا يكثر فيبقى الخصومات غير مفصولة.

والثاني: وهو الذي اختاره العلاّمة وولده، الجواز لأنّه أضبط وأوثق في الحكم خصوصاً عندنا من أنّ المصيب فيه واحد. وعلى هذا فإن اختلف اجتهادهما في المسألة وقف الحكم وإنّما ينفذان ما يتفق فيه اجتهادهما.(6)

وقال السيّد العاملي: لاخلاف في جواز تعددهم بحسب اختلاف البلدان أو الأحكام أو الأزمان وإنّما الكلام فيما إذا اتحدّ الحكم كأن يشترط اجتماعهما في حكم أي نوع من الأحكام أو الصنف أو كل حكم، والمصنف (العلاّمة) هنا


1 ـ نجم الدين الحلي: الشرائع:4/70.
2 ـ الإيضاح في شرح القواعد: 4/300.
3 ـ الإيضاح في شرح القواعد: 4/300.
4 ـ العلاّمة الحلّي: إرشاد الأذهان : 2/139.
5 ـ مكي العاملي، الدروس الشرعيّة: 2/67.
6 ـ زين الدين العاملي: المسالك: 2/394.


(172)

والفخر ظاهراً والشهيد الثاني على الجواز واستدل عليه بعضهم بأنّ القضاء نيابة فيتبع اختيار المنوب كالوكيلين والوصيين وفيه أنّه كالمصادرة، والأولى الاستدلال عليه بالأصل وعموم الأدلّة وكونه في معنى قصر ولايتهما بما يتفقان عليه فيكون أوثق وأضبط قالوا: فإن اختلف اجتهادهما في المسألة وقف الحكم فيرجعان إليه ـ عليه السلام ـ .

وذهب المصنف في الإرشاد والتحرير إلى عدم الجواز لأنّه يؤول إلى تعطيل الأحكام وبقاء المنازعة .قلت: الأولى الاستدلال عليه بأنّهما إن صلحا للقضاء فلامعنى لاشتراط اتّفاقهما مع ظهور اختلاف الاجتهاد كثيراً وإلاّ فلامعنى لتوليتهما وإلاّ فما استندوا إليه في المنع يندفع بأدنى ملاحظة فيما ذكرناه من أدلّة المجيزين، ثمّ اختار الجواز لأنّه قد تقضي المصلحة قصر ولايتهما على ما يتفقان فيه وإن كان كل منّهما صالحاً للقضاء.(1)

أقول: يقع الكلام في جهات:

الأُولى: التصوير الصحيح من هذا القسم، فهل المراد منها، كون القاضي مجموعهما على وجه يكون كلّ واحد نصف قاض أو أنّ المراد أنّ كلّ واحد قاض تامّ ولكن الحكم لاينفذ بدون الاتّفاق؟ والظاهر هو الثاني، بدليل تشبيه المقام بالوصيين والوكيلين فإنّ كلّ واحد وصيّ إلاّ أنّه لاينفذ تصرّفه إلاّ برضا الآخر، ولأجل ذلك لو مات أحدهما يبقى الآخر وصيّاً تام الاختيار ولايحتاج إلى ضمّ غيره إليه.

الثانية: في تلخيص أدلّة الطرفين. إنّ المجيز والمانع استندا إلى وجوه مختلفة ، فاستند المجيز إلى:

1ـ كونه أوثق وأضبط فيكون أوقع.

2ـ إنّهما كالوكيلين والوصيين.


1 ـ العاملي: مفتاح الكرامة10/12.


(173)

3ـ إذا جاز في الشهادة التي هي الأصل للقضاء يجوز في المقام.

4ـ إنّ الجواز مقتضى الأصل والعمومات.

وعليه لو اتّفقا ينفذ وإلاّ يوقف .

استند المانع إلى:

1ـ أنّ الخلاف في مواقع الاجتهاد كثير وهو يؤدي إلى تعطيل الأحكام.

2ـ أنّه تضييق لموارد الاجتهاد ولعلّه يريد أنّه تضييق لولاية القاضي ومخالف لاستقلاله.

3ـ أنّهما إن صلحا للقضاء فلامعنى لاشتراط الاتّفاق وإلاّ فلامعنى لتوليتهما.

الثالثة: في القضاء بين القولين

هو أنّ مورد النزاع غير منقح في كلامهم فإن كان النزاع في المنصوب الخاص كما هو الظاهر من كلام السيّد العاملي حيث قال: «فيرجعان إليه ـ عليه السلام ـ » فلاموضع للجدال، لأنّ ولاية القاضي ضوء من ولاية الإمام، فهي تتّبع كيفية الإفاضة فتارة يتولّى عنه على وجه الاستقلال وأُخرى على وجه التشريك وشرط الاتّفاق قال سبحانه:«هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أو أمْسِكْ بِغيرِ حِساب»(ص/39).ولعلّ المفروض في كلام المحقق أيضاً هو هذه الصورة حيث قال: «لأنّ القضاء نيابة تتّبع اختيارالمنوب» ومع هذا لاحاجة للاستدلال بالأوثقية أو التشبيه بالوكيلين أو الوصيين أو الشهادة.ولم أتحقق وجه التمسك بالأصل في المقام في كلام السيّد العاملي، وأمّا العمومات فهي فرع وجود البيان من هذه الجهة.

كما أنّه لايصلح للمنع قوله بأنّه يؤدي إلى تعطيل الأحكام ضرورة أنّه محدّد بما إذا لم يؤدّ إلى التعطيل، أو قوله: إنّه إن صلح للقضاء فلامعنى للاشتراط، لما عرفت من أنّها مفاضة منه فتتّبع كيفية الإفاضة.


(174)

ولو كان هذا محطّ النزاع فالبحث عنه لغو في زماننا.

وأمّا إذا كان محطّ النزاع هو القاضي المأذون في عصر الغيبة وإن شئت قلت: المنصوب العام فإن لم تكن هناك دولة إسلامية يرأسها الفقيه، فلاموضوع للنصب حتّى يتحدّد بالاستقلال أوالتشريك إنّما الكلام إذا كانت دولة إسلامية وصارالتنفيذ محدّداً بالنصب لأجل حفظ النظام، وعدم تسرّب الفوضى إلى المجتمع،فيقع الكلام في جواز هذاالتحديد و هو فرع جواز تضييق دائرة ولاية القاضي واستقلاله والمفروض أنّ للقاضي في عصر الغيبة الولاية التامّة وليس للفقيه الرئيس تحديد الولاية وأمّا حديث النصب فهو شرط النفاذ، لا الولاية، وإلاّ فله الولاية نُصب أم لا ومعه كيف يمكن له أن تحدّد ولاية القاضي واستقلاله ويشترط الاتّفاق وهذا هو المهم في المسألة.

نعم لو اقتضت المصلحة فله أن يحكم عليهما حكماً حكومياً على أن لايصدر إلاّ عن الاتّفاق، والإمساك عند الاختلاف في الرأي، ولو لم يكن هناك حكم بالإمساك، واختلفا في الرأي والحكم فإذا كانت الشبهة موضوعية يتساقطان ويرجع إلى ثالث يعيّنه المدّعي وإن كانت حكمية فيؤخذ بقضاء الأعلم كما لايخفى و هذا يستفادمن رواية ابن حنظلة(1) وداود بن الحصين(2) وغيرهما كما لايخفى.

وبذلك يعلم حال الصورتين الأخيرتين في المنصوب الخاص والعام، والمحاولة الأخيرة تجري فيهما أيضاً، فالتحديد لابدّ أن يكون قيداً للتنفيذ، لاللولاية، وأن يكون هناك حكم حكوميّ لإمساك المخالف عن إصدار الحكم. فلو تحقّق الموضوع من الأكثرية أو النصاب الخاص ينفذ وإلاّ فلا.ولو صدر الحكم المخالف، يكون المرجّح في الشبهة الحكمية هو الأفقهية الواردة في الروايات، وإن كانت موضوعية يتساقطان فيرجع إلى قاض آخر .


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 9، من أبواب صفات القاضي، الحديث 1، 20.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 9، من أبواب صفات القاضي، الحديث 1، 20.

Website Security Test