welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء / ج 1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء / ج 1


(119)

3ـ رواية داود بن الحصين وقاضي التحكيم

روى داود بن الحصين عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ في رجلين اتّفقا على عدلين جعلاهما بينهما في حكم وقع بينهما فيه خلاف فرضيا بالعدلين فاختلف العدلان بينهما ،عن قول أيّهما يمضى الحكم؟ قال: «ينظر إلى أفقههما وأعلمهما بأحاديثنا وأورعهما فينفذ حكمه ولايلتفت إلى الآخر».(1)

وليس الموهم إلاّ قوله:فرضيا وقد عرفت وجهه.

أضف إليه أنّه جزء من رواية المقبولة، لأنّ الراوي لها عن عمر بن حنظلة هو داود بن الحصين، فنقل جزء منها، بحذف آخر السند، أو سقوطه من قلم النساخ، فيأتي فيها ما قلناه في المقبولة.

وبذلك يعلم حال رواية موسى بن اكيل(2) فلانطيل الكلام.

فاتّضحت أنّه لاوجه لحمل تلك الروايات الواردة في القاضي المأذون على قاضي التحكيم وليس القاضي منحصراً بالمنصوب والتحكيم حتى يدور الأمر بينهما ـ كما ربّما يبدو من بعضهم ـ فهناك قسم ثالث وهو القاضي المأذون والروايات وردت في حقّه.

الجهة الخامسة: في بيان ما هو الشرط في قاضي التحكيم

هل يشترط في قاضي التحكيم، كل ما يشترط في القاضي المنصوب، سوى كون الثاني منصوباً دون الأوّل، أو لايشترط فيه سوى الأمورالعامّة من العقل و البلوغ والإسلام والإيمان؟


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 9من أبواب صفات القاضي، الحديث 20.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب9من أبواب صفات القاضي، الحديث 45.


(120)

صريح المحقّق هو الأوّل، قال: يشترط فيه ما يشترط في القاضي المنصوب عن الإمام ـ عليه السلام ـ (1) وقال الشهيد في المسالك:«واعلم أنّ الاتّفاق واقع على أنّ قاضي التحكيم يشترط فيه مايشترط في القاضي المنصوب من الشرائط التي من جملتها كونه مجتهداً».(2)

والحق هوالإشتراط والدليل حسب ما استظهرنا من عمومات نفوذ قضاء الفقيه، واضح، لما مرّ من أنّ الموضوع لنفوذ القضاء هو الصادر عن الكتاب والسنّة الذي يعبّر عنه اليوم بالفقيه الجامع للشرائط أو المجتهد، من غير فرق بين زمان الحضور (من عصر الصادق بل قبله أيضاً لوحدة الحكم في جميع الأزمنة) وزمان الغيبة، غير أنّ الظروف الخاصة كبسط اليد، أو قيام الدولة الحقّة قسّمه إلى منصوب وغير منصوب، وإلاّ فالجميع داخل تحت عنوان الفقيه ولايمنع عن قضاء غير المنصوب، شيء سوى إيصاد باب الفوضى، وعند ذلك، يكون دليل الشروط في الجميع واحداً، فلو كان شيء شرطاً في المنصوب يكون شرطاً في غيره لكونه شرطاً لنفوذ قضائه لا للنصب.

ثمّ إنّ صاحب الجواهر استظهر من روايتي أبي بصير والحلبي الماضية ، عدمَ اشتراط أي شيء خاص في قاض التحكيم سوى الشروط العامة من البلوغ والعقل والإسلام والإيمان، قائلاً بأنّ الموضوع في الرواية الأُولى لأبي بصير هو الدعوة إلى قضاء الأخ فقط حيث قال:«فدعاه إلى رجل من إخوانه ليحكم بينه وبينه» (3) كما أنّ الموضوع في الرواية الثانية له هو كونه حاكماً بالعدل كما قال:«لو كان لك على رجل حقّ فدعوته إلى حكام أهل العدل...».(4) والموضوع في الثالث هو «رجل من الشيعة» كما قال:«فيتراضيان برجل منّا»(5) فإنّ مفاد هذه الروايات


1 ـ النجفي: الجواهر:40/28 قسم المتن.
2 ـ زين الدين العاملي: المسالك: 2/390.
3 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 2، 3، 8.
4 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 2، 3، 8.
5 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 2، 3، 8.


(121)

أنّهم أذنوا لشيعتهم أجمع، الحكم به وأنّ المدار هو القضاء بأحكامهم لابغ(1)يرها.

يلاحظ عليه أوّلاً: ما عرفت من عدم ثبوت ورود هذه الروايات في مورد قاضي التحكيم، بل هو أحد الاحتمالين، والاحتمال الآخر كونها واردة في حقّ القاضي المأذون وأخذ قيد «الدعوة إلى الأخ»، و«حكّام العدل» أو «برجل منّا»، لتدارك ما يفوت المأذون من القوّة والقدرة، على ما تقدّم.

وثانياً: أنّ الروايات بصدد بيان أصناف القضاة وأنّه لايجوز الرجوع إلى حكّام الجور، بل يجب الرجوع إلى حكّام العدل، وأمّا ما هو شرائط أُولئك الحكّام؟ فليست الروايات بصدد بيانها، بل يمكن الاستئناس من عطف أحد الحكّام على الآخر، وحدة حكمهما، لأنّ حكّام الجور يوم ذاك كانوا من فقهاء العامة ومن الذين كانوا يصدرون عن الكتاب والسنّة فليكن حكّام العدل أيضاً مثلهم.

إنّ المحقّق الخوئي ممن ذهب إلى عدم شرطية الاجتهاد في قاضي التحكيم، اعتماداً برواية أبي خديجة الّتي جاء فيها قوله:«ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم»(2) حيث حملها على قاضي التحكيم، وقد مرّ الكلام فيها وأنّه لايصح الاحتجاج بها، لأجل احتمال وحدة الروايتين وتردّد اللفظ الصادر عن أئمة أهل البيت بين دال على شرطية الاجتهاد وعدمه.

الجهة السادسة: في اشتراط الرضا بعد القضاء و عدمه

المشهور، عدم اشتراط الرضا بعد القضاء قال الشيخ في المبسوط : إذا ترافع نفسان إلى رجل من الرعيّة فرضيا به حكماً بينهما و سألاه أن يحكم لهما بينهما جاز وإنّما يجوز أن يرضيا بمن يصلح أن يلي القضاء وهو أن يكون من أهل العدالة


1 ـ النجفي : الجواهر:40/30.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 5.


(122)

والكمال والاجتهاد، على ما شرحناه من صفة القاضي، لأنّه رُضي به قاضياً فأشبه قاضي الإمام، ولا فصل بين أن يرضيا به في بلد فيه حاكم سواه أو لا حاكم فيه، الباب واحد لأنّه إذا كان ذلك إليهما في بلد لا قاضي به، كذلك في بلد به قاض.

فإذا ثبت أنّه جائز فإذا نظر بينهما فمتى يلزم حكمه في حقّهما؟ قال قوم: بالرضا بما حكم به بعد حكمه . وقال آخرون: يلزم حكمه بما يلزم به حكم الحاكم وهو إذا أمضاه هو عليهما لما روي عن النبيّ صلَّى الله عليه و آله و سلَّم أنّه قال: «من حكم بين اثنين تراضيا به فلم يعدل بينهما فعليه لعنة الله» فلولا أنّ حكمه بينهما يلزم، ما تواعده باللّعن عند الجور . (1)

وقال في الخلاف: إذا تراضى نفسان برجل من الرعيّة يحكم بينهما وسألاه الحكم بينهما، كان جائزاً بلا خلاف فإذا حكم بينهما لزم الحكم وليس لهما بعد ذلك خيار وللشافعي فيه قولان :أحدهما أنّه يلزم بنفس الحكم كما قلناه والثاني: يقف بعد إنفاذ حكمه على تراضيهما، فإذا تراضيا بعد الحكم لزم.(2)

وقال المحقّق :ولايشترط رضاهما بعد الحكم.(3)

وقال العلاّمة في القواعد:ولايجوز نقض ما حكم به ممّا لاينتقض فيه الأحكام وإن لم يرضيا بعده إذا كان بشرائط القاضي المنصوب في الإمام.(4)

وقال الشهيد: قضاء التحكيم وهو سائغ وإن كان في البلد قاض ويلزم الخصمين المتراضيين به حكمه حتّى في العقوبة وهل يشترط رضاهما بعد الحكم؟ الأقرب لا.(5)

وقال الأردبيلي: مضى حكمه بينهما وليس لهما نقضه بعده ولايشترط الرضا


1 ـ الطوسي: المبسوط8/164.
2 ـ الطوسي: الخلاف 3، كتاب القضاء، المسألة 40.
3 ـ النجفي: الجواهر 40/23، قسم المتن.
4 ـ العاملي: مفتاح الكرامة 10/3، قسم المتن.
5 ـ الشهيد: الدروس 2/17ـ18.


(123)

بعد الحكم على المشهور ولايجوز لهما خلاف ذلك.(1)

وقال الشهيد الثاني في الروضة:وهل يلزم حكمه بنفس الحكم، كحكم القاضي أو لايلزم إلاّ بتراضيهما بعد الحكم؟فيه قولان ويقال وجهان: أظهرهماالأوّل.(2)

نعم قال العلاّمة في التحرير:ولو تراضى خصمان بواحد من الرعيّة وترافعا إليه فحكم لم يلزمهما الحكم وإن كان غائباً.(3)

ومع ذلك فالحقّ هو عدم الحاجة إلى التراضي، وذلك لوجهين:

1ـ إنّ قاضي التحكيم، ليس موضوعاً جديداً بل هو والقاضي المنصوب من أقسام القاضي المأذون في عصر الغيبة، غير أنّ حفظ النظم، ألجأغير المنصوب الى الإنسحاب من ساحة القضاء مع أنّ له أهليّة القضاء وصلاحيته فإذا قضى في مورد لاتشمله أدلّة المنع، تعمّه أدلّة نفوذ القضاء وأنّه: «إذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنّما استخف بحكم الله وعلينا ردّ والرادّ علينا الرادّ على الله».(4)

2ـ إذا كان نفوذالحكم منوطاً بتراضي الطرفين، تلزم لغوية القضاء لأنّه لايخلو إمّا أن يحصل التراضي أو لا. فعلى الأوّل، يكون الفاصل، هو التراضي دون القضاء ويكون القضاء بمنزلة الإفتاء، وعلى الثاني، يطرح ويكون بلا أثر.

وإلى ما ذكرنا يشير الشيخ في الخلاف ويقول:وأيضاً لو كان الحكم لايلزم بنفس الالتزام والانقياد ، لما كان للترافع إليه معنى فإن اعتبر التراضي كان ذلك موجوداً قبل الترافع إليه.(5)


1 ـ الأردبيلي: مجمع الفائدة2/182.
2 ـ زين الدين : الروضة3/71.
3 ـ التحرير: كتاب القضاء180.
4 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.
5 ـ الطوسي: الخلاف، كتاب القضاء، المسألة 40.


(124)

فإن قلت: إنّ قوله ـ عليه السلام ـ في صحيح الحلبي: «ليس هو ذاك، إنّما هو الذي يجبر الناس على حكمه بالسيف والسوط» (1) إذا كان وارداً في قاضي التحكيم يكون مفاده شرطية النفوذ بالتراضي.

قلت: مضافاً إلى ما عرفت من أنّ الحديث يحتمل أمرين، أنّ الفقرة عنوان مشير إلى السلطات الجائرة، الذين كانوا يجبرون الناس على أحكامهم الباطلة بالسيف والسوط، وإلاّ فهل يمكن لأحد أن ينكر لزوم القوّة والقدرة في إجراء الأحكام الحقّة؟ قال رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم: «الخير كلّه في السيف وتحت ظلّ السيف ولا يقيم الناس إلاّ السيف».(2)

الجهة السابعة: نفوذ حكمه بحقوق الناس و عدمه

الظاهر من كلمات الأصحاب نفوذ حكمه مطلقاً. قال المحقّق يعمّ الجواز كل الأحكام.(3)

وقال العلاّمة في القواعد:«لزمهما حكمه في كل الأحكام حتّى العقوبات».(4) وقال شارح القواعد:«والمراد بالعقوبة في كلام المصنف، الحبس وإقامة الحدود والتعزير والنفوذ نفساً وطرفاً »وقال (المصنّف) فيما بعد: «وهل له الحبس واستيفاء العقوبة إشكال» فلاأراه إلاّ رجوعاً .(5)

وقال في الدروس:«ويلزم الخصمين المترافعين به حكمه حتى في العقوبات».(6)

وقال في المسالك:«وظاهر الأصحاب وصريح بعضهم ثبوت هذا الحكم في


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 8.
2 ـ الوسائل: الجزء 11 الباب 1 من أبواب جهاد العدو، الحديث1.
3 ـ نجم الدين الحلّي:الشرائع: 4/68.
4 ـ العاملي: مفتاح الكرامة:10/30 متناً وشرحاً.
5 ـ العاملي: مفتاح الكرامة:10/30 متناً وشرحاً.
6 ـ مكي العاملي: الدروس: 2/68.


(125)

جميع ما يقع فيه التداعي من المال والنكاح والقصاص والحدود وغيرها لوجود المقتضي في الجميع وعموم الخبر ،واستشكل العلاّمة ثبوته في الحبس واستيفاء العقوبة من حيث إنّه ولاية شرعية وأمر خطير فلايصلح أن يكون لغير الحاكم الشرعي وهو قول لبعض الشافعية نعم يختصّ بحقّ الآدمي حيث إنّه يتوقّف على نصب المتخاصمين فلايحكم في حقوق الله تعالى إذ ليس لها خصم معيّن، ويختصّ حكمه بمن رضى فلايضرب دية القتل خطأ على العاقلة إذا لم يرضوا بحكمه ولايكفي رضى القاتل.(1)

ويظهر نظرنا في المقام ممّا ذكرناه في الجهات السابقة وهو نفوذ رأيه وقضائه في جميع الموارد، إلاّ فيما إذا لم يكن في المورد مشتك، وذلك لأنّه لايقصر عن القاضي المنصوب قدر شعرة وربّما يترجّح عليه و إنّما عاقه عن التصدي صيانة النظام عن تسرّب الفوضى إليه، فإذا كان المانع مفقوداً، فيكون قضاؤه نافذاً.

نعم فيما إذا لم يكن هنا أيّ مشتك ، فلاموضوع للتحكيم كما لايخفى.

في نفوذ قضاء الفقيه الإمامي : القاضي المأذون

قد عرفت أنّ القاضي ينقسم إلى قاض منصوب يختصّ بزمان الحضور مع بسط اليد، وقاضي التحكيم يتوقّف نفوذ قضائه على رضاء الطرفين وهو يختصّ عند الأصحاب بزمان الحضور، مع عدم بسطها ـ و قد عرفت إمكان تصويره في زمان الغيبة أيضاً كما تقدّم ـ وقاض مأذون من جانبهم ومنصوب عنهم بالنصب العام، لا الخاص ولأجل التفريق بين القسمين نسمّيه بالمأذون لابالمنصوب وإلاّ فالنصب ممّا لابدّ منه عموماً أو خصوصاً وما في المسالك: «وأمّا مع عدم تمكّن ذلك إمّا لغيبته أو لعدم بسط يده، فيسقط هذا الشرط من جملة الشرائط وهو نصب الإمام له» محمول على سقوط النصب الخاص لا العام وإلاّ فيفقد الولاية


1 ـ زين الدين: المسالك2/389ـ390.


(126)

كما سيوافيك توضيحه. وعلى كل تقدير يقع الكلام في جهات:

الجهة الأُولى: في نقل كلمات الأصحاب في نفوذ قضاء الفقيه

اتّفق الأصحاب على أنّه ينفذ قضاء الفقيه من فقهاء أهل البيتعليهم السَّلام الجامع للصفات المشروطة في الفتوى:

1ـ قال المحقّق: فمع عدم حضور الإمام ـ عليه السلام ـ ينفذ قضاء الفقيه من فقهاء أهل البيت الجامع للصفات المشترطة في الفتوى.(1)

2ـ قال ابن سعيد: فإن تنازع المؤمنون حال انقباض يد الإمام ـ عليه السلام ـ فالحاكم من روى حديثهم وعرف أحكامهم والرادّ عليه كالرادّ عليهم.(2)

3ـ قال العلاّمة في الإرشاد:وفي حال الغيبة ينفذ قضاء الفقيه من علماء الإمامية الجامع لشرائط الفتوى.(3)

4ـ قال في القواعد: وفي حال الغيبة ينفذ قضاء الفقيه الجامع لشرائط الإفتاء.(4)

5ـ قال الشهيد في الدروس: وفي غيبة الإمام ينفذ قضاء الفقيه الجامع للشرائط.(5)

6ـ قال الشهيد الثاني: وينفذ عندنا قضاء الفقيه العدل الإمامي الجامع لباقي الشرائط وإن لم يتراض الخصمان.(6)

7ـ قال المحقّق الأردبيلي معلِّقاً على قول العلاّمة في الإرشاد: دليله كأنّه الإجماع والأخبار المتقدّمة الدالّة على جعله العالمَ بالأحكام قاضياً وحاكماً وأنّ


1 ـ نجم الدين الحلّي:الشرائع 4/68.
2 ـ ابن سعيد الحلّي: الجامع للشرائع531.
3 ـ العلاّمة: إرشاد الأذهان.:2/138.
4 ـ مفتاح الكرامة ، قسم المتن ج10/3.
5 ـ مكي العاملي: الدروس 2/67.
6 ـ زين الدين العاملي: المسالك2/390.


(127)

خلافه لايجوز بل الرادّ عليه هو الرادّ على الله وهو على حدّ الشرك بالله وإن لم يكن سندها معتبراً على ما عرفت إلاّ أنّ مضمونها موافق للعقل وكلامهم وقواعدهم المقرّرة.(1)

الجهة الثانية: في إغناء الإذن عن النصب

التصفح في كلمات الأصحاب يعرب عن اتّفاقهم على إغناء الإذن العام عن النصب قال الشهيد الثاني: أمّا مع عدم ذلك (التمكّن من الإمام) إمّا لغيبته أو لعدم بسط يده فيسقط هذا الشرط من جملة الشرائط وهو نصب الإمام له.(2)

وقال المحقق الأردبيلي عند البحث في روايات المقام:لعلّهم خصّوا بحال الغيبة وعدم إمكان النصب و الإذن للإجماع و نحوه.(3)

أقول: مرادهم من الغناء عن النصب ، نصب الإمام المعصوم وذلك لعدم التمكّن ولكن لايستلزم ذلك، الغنى عن النصب مطلقاً ولو عن جانب الحاكم الأعلى إذا قامت دولة حقّ للإسلام يرأسها فقيه جامع للشرائط، فإنّ صيانة النظام عن تسرّب الفوضى يقتضي توقف النفوذ على نصب الحاكم الأعلى وذلك لالعدم المقتضي، بل لرعاية المصالح الملزمة.

الجهة الثالثة: في سعة نفوذ قضائه

لاشكّ في نفوذ قضاء الفقيه في الجملة، وإنّما الكلام في سعة نفوذه فيظهر منهم أنّه نافذ حتى في الموارد التالية:

1ـ ينفذ حكمه على مجتهد آخر يخالفه في الرأي.


1 ـ الأردبيلي: مجمع الفائدة 12/18.
2 ـ زين الدين العاملي: المسالك2/390.
3 ـ الأردبيلي: مجمع الفائدة12/18.


(128)

2ـ ينفذ حكمه على مقلد مجتهد آخر يخالفه في الرأي.

3ـ لايجوز نقض حكمه بحكم آخر إلاّ إذا علم علماً قطعياً بمخالفته للواقع بأن كان مخالفاً للإجماع المحقّق أو الخبر المتواتر أو تبيّن تقصيره في الاجتهاد، ففي غير هاتين الصورتين لا يجوز نقضه و إن كان مخالفاً لدليل قطعي نظري كإجماع استنباطي أو خبر محفوف بقرائن وأمارات قد توجب القطع مع احتمال عدم حصوله للحاكم الأوّل أخذاً بإطلاق عدم جواز ردّ حكم الحاكم الذي منه نقضه إلاّ إذا حصل القطع بكونه على خلاف الواقع فلايكفي في جواز النقض كون الدليل علمياً لبعض دون بعض.(1)

4ـ لايجوز نقض الحكم بالفتوى المخالف.

5ـ يجوز نقض الفتوى بالحكم في مورد ذلك الحكم مثلاً إذا ترافع شخصان على بيع شيء من المائعات وقد لاقى عرق الجنب من حرام مثلاً عند من يرى طهارته فحكم بذلك كان محكوماً بالطهارة للمحكوم عليه وإن كان مجتهداً يرى نجاسته أو مقلّد مجتهد كذلك، لإطلاق دليل ما دلّ على وجوب قبول حكمه وأنّه حكمه والرادّ عليه كالرادّ عليهم ويخرج حينئذ هذا الجزئي من كل الفتوى بأنّ المائع الملاقي عرق الجنب عن حرام، نجس في حقّ ذلك المجتهد ومقلّدته وكذا البيوع والأنكحة والطلاق والوقوف وغيرها وهذا معنى وجوب تنفيذ الحاكم الثاني ما حكم به الأوّل وإن خالف رأيه مالم يعلم بطلانه.(2)

وبما أنّ المحقّق وشرّاح الشرائع بحثوا عن هذه الأحكام بعد الفراغ عن صفات القاضي وآدابه، في ضمن المسألة الثالثة، فنحن أيضاً نقتفي أثرهم فانتظر.


1 ـ السيّد الطباطبائي، ملحقات العروة:2/26.
2 ـ النجفي: الجواهر 40/98 ووافقه السيّد الطباطبائي في ملحقات العروة :2/27، المسألة 35، ولاحظ العروة الوثقى قسم التقليد، المسألة 55، فقد أفتى فيها السيد بفساد المعاملة من رأس، وهو ينافي مع ما ذكره في المقام وسيوافيك تفصيله في محلّه.


(129)

الجهة الرابعة: في حرمة الترافع إلى حكّام الجور

يحرم الرجوع إلى حكّام الجور إجمالاً و إليك كلمات الفقهاء:

1ـ قال المحقّق : ولو عدل إلى قضاة الجور والحال هذه كان مخطئاً.(1)

2ـ قال أبو سعيد: ولايجوز الترافع إلاّ إلى الإمام أو نائبه، ومن أذن له.(2)

3ـ قال العلاّمة: ومن عدل عنه إلى قضاة الجور كان عاصياً.(3)

4ـ قال الشهيد الثاني ـ بعد نقل رواية أبي خديجة والمقبولة:ـ وقد ظهر منها الحكم بتخطئة التحاكم إلى أهل الجور.(4)

5ـ قال المحقّق الرشتي: لايجوز الترافع والتحاكم إلى حكّام الجور في حال الاختيار أي مع إمكان الرجوع إلى حكّامنا بالأدلّة الأربعة.(5)

6ـ قال السيّد الطباطبائي : لايجوز الترافع إلى قضاة الجور اختياراً ولا يحلّ ما أخذه بحكمهم إذا لم يعلم بكونه محقّاً إلاّ من طرف حكمهم.(6)

إلى غير ذلك من الكلمات الواردة في الكتب الفقهية في عنوان المسألة ويدل على التحريم: الكتاب والسنّة والعقل.

أمّا الكتاب فقوله سبحانه: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطّاغُوتِ وَقد أُمِرُوا أَنْ يَكْفُروا بِهِ وَ يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً». (النساء/60). وروى المفسرّون أنّه كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة فقال اليهودي: أُحاكم إلى


1 ـ نجم الدين الحلي: الشرائع: 4/68.
2 ـ أبو سعيد الحلي: الجامع للشرائع530.
3 ـ العلاّمة:الايضاح4/294، قسم المتن.
4 ـ زين الدين العاملي: المسالك2/390.
5 ـ الرشتي: القضاء:14.
6 ـ السيد الطباطبائي: ملحقات العروة2/9.


(130)

محمّد لأنّه علم أنّه لايقبل الرشوة ولايجور في الحكم فقال المنافق: لا! بل بيني وبينك كعب بن الأشرف لأنّه علم أنّه يأخذ الرشوة.(1) ومورد الآية و إن كان هو اليهود لكن المتفاهم هو كل من يحكم بغير الحقّ .قال الطبرسي: والطاغوت يوصف به أيضاً كل من طغى بأن حكم بخلاف حكم الله، وصريح الآية أنّه لايجتمع الإيمان بما أنزل الله إلى نبيّه والأنبياء السالفين، مع التحاكم إلى الطاغوت ، بل لايجتمع زعم الإيمان بالله مع إرادة التحاكم إليه، فإذا لم يجتمع زعم الإيمان معه، فكيف يجتمع الإيمان مع الرجوع، وذكر زعم الإيمان دون الإيمان نفسه لأجل الإيعاز إلى نفاقه.

وأمّا من السنّة فيكفي في ذلك، ما في المقبولة:«من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى طاغوت وما يحكم له فإنّما يأخذ سحتاً وإن كان حقّه ثابتاً لأنّه أخذه بحكم الطاغوت وقد أمر الله أن يكفر به».(2) أضف إلى ذلك رواية أبي خديجة (3) وصحيح الحلبي(4) وروايتي أبي بصير (5)و (6)وداود بن الحصين (7) وخبر موسى بن أكيل النميري (8) التي تقدمت وغير ذلك من الروايات الواردة في المقام.

وأمّا من العقل، فإنّ حكم الجائر بينهما حرام والترافع إليه يقتضي ذلك فيكون اعانة على الإثم وهي منهيّ عنها.

وأورد عليه في الجواهر: بمنع الصغرى أوّلاً ومنع حرمة الكبرى ثانياً (9)

أقول: إنّ المستدل تارة يستدلّ بحكم العقل على حرمة مقدّمة الحرام ، وأُخرى بما دلّ على حرمة التعاون على الإثم والعدوان وإن كان ظاهر كلامه هو الثاني، فعلى الأوّل لاوجه للشك في كونه مقدّمة للحرام، وأمّا الكبرى فلو قلنا


1 ـ الطبرسي: مجمع البيان 2/66.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4، 5، 8، 2، 3.
3 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4، 5، 8، 2، 3.
4 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4، 5، 8، 2، 3.
5 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4، 5، 8، 2، 3.
6 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4، 5، 8، 2، 3.
7 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 20، 45.
8 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 20، 45.
9 ـ الاستدلال من المحقق السبزواري نقله في الجواهر40/35 وأورد عليه بما عرفت.


(131)

بحرمة مطلق المقدّمة أو الجزء الأخير منها فهو حرام أيضاً لأنّ المقصود من الترافع ليس مجرّد الرجوع إلى محكمته، بل طرح الدعوى بالإتيان بالشاهد أو تحليف المنكر ولاشكّ أنّه الجزء الأخير من مقدّمات الأمر المحرّم أعني :حكم الجائر.

وعلى الثاني فلمنع كل من الصغرى والكبرى وجه وإن كان غير مرضيّ عندنا أمّا منع الصغرى فلأنّ المحرم حسب ظاهر الآية، هو المعاونة القائمة بالطرفين، لا الإعانة القائمة بالطرف الواحد كما في المقام أمّا منع الكبرى فلاحتمال كون النهي تنزيهياً، كالأمر الوارد في عدله أعني :«وَتَعاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَ التَّقْوى» (المائدة/2).

يلاحظ على الأوّل:أنّ التعاون كما يصدق في مورد الاجتماع على الإتيان بالإثم والعدوان كأن يجتمعوا على قتل النفوس ونهب الأموال كذلك يصدق إذا قام واحد بالعمل مستقلاً وأعان آخرون عليه والحاصل أنّه يصدق فيما اشتركوا في الإتيان بالمحرّم وفيما إذا اشتغل واحد، وأعان الآخر عليه، قال في اللسان:«تعاونا: أعان بعض بعضاً»(1)

والذي يدلّ على ذلك أنّ أمين الإسلام فسّره بنحو عام وقال:أمر الله عباده بأن يعيّن بعضهم بعضاً ، على البرّ والتقوى أو هو العمل بما أمرهم الله تعالى به، واتقاء ما نهاهم عنه، ونهاهم أن يعين بعضهم بعضاً على الإثم وهو ترك ما أمرهم به وارتكاب ما نهاهم عنه من العدوان وهو تجاوز ما حد الله لعباده في دينهم وفرض لهم في أنفسهم.(2)

ويلاحظ على الثاني: بأنّ الموضوع لايناسب كون النهي تنزيهياً وهو التعاون على الإثم والعدوان وعندئذ لايكون الصدر قرينة على الذيل.

إلى هنا تمّ بيان ما دلّ على حرمة الترافع إلى قضاة الجور، غير أنّ للمسألة صوراً فيقع الكلام في كون الحكم عاماً لجميع الصور أمكن الرجوع إلى الفقيه


1 ـ ابن منظور: لسان العرب:13/ 299.
2 ـ الطبرسي: مجمع البيان: 2/155ط صيدا.


(132)

الإمامي أو لا. وأيضاً إذا ترافع إليهم ، هل يكون ما يأخذه بحكمه حراماً وسحتاً من غير فرق بين الدين أو عين ماله . أو يفرق بينها؟ ولأجل إيضاح الحال نقول:

إنّه تارة يتمكّن من استيفاء حقّه من الرجوع إلى الفقيه الإمامي وأُخرى لايتمكّن من ذلك، وعلى كل تقدير تارة يكون محقّاً قبل الترافع وأُخرى يكون محقّاً بالترافع، وعلى جميع التقادير، فتارة يكون المأخوذ بحكمهم، هو عين ماله الذي كان استولى عليه الطرف، وأُخرى يكون دينه الذي كان عليه ويتشخص بالترافع والقضاء عليه. هذه هي الصور المطروحة ونبحث عن الجميع في ضمن صور أربع:

الأُولى: إذا تمكّن من استيفاء حقّه بالرجوع إلى الفقيه الإمامي وكان محقّاً قبل الترافع، عالماً بأنّ العين الفلاني الذي في يد المدّعى عليه ماله، أو أنّ له مالاً في ذمّته فلاشكّ أنّ الرجوع إليهم حرام للأدلة السابقة، والمأخوذ بحكمه حرام أيضاً، كيف وقد أسماه الإمام سحتاً؟ فقال: وما يحكم له فإنّما يأخذه سحتاً وإن كان حقّه ثابتاً لأنّه أخذه بحكم الطاغوت وقد أمر الله أن يكفر به.(1)

واحتمال اختصاص الرواية بما إذا ثبت كونه محقّاً بالترافع، لامن كان محقّاً قبله يردّه ظهور الرواية في كونه محقاً قبله قال:«وإن كان حقّه ثابتا لأنّه أخذه بحكم الطاغوت» أضف إليه عموم التعليل أعني قوله:«لأنّه أخذه بحكم الطاغوت» من غير فرق بين كونه محقّاً قبله أو بعده.

هذا مما لاينبغي الشكّ فيه إنّما الكلام في سعة الحكم للعين والدين فهل الحكم عام أو يختصّ بالثاني ؟قولان مبنيّان على أنّ السحت هل هو مطلق الحرام، سواء كان مال الغير أو لا، أو هو مال الغير الحرام، بحيث يعدُّ كونه مال الغير مقوّماً له؟ وقد اختار المحقّق الرشتي القول الثاني ولم يذكر له دليلاً (2)، ويمكن


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4.
2 ـ كتاب القضاء:65.


(133)

استظهاره من الكتاب وكلمات اللغويين أمّا الكتاب فقد استعمله في خصوص الرشوة . قال سبحانه :«سمّاعُونَ للكذبِ أكّالُونَ للسُّحت»(المائدة/42) ، وقال تعالى:«لَولا يَنهاهُمُ الرّبّانيُّونَ والأحبارُ عن قولهِمُ الإثمَ وأكلهِمُ السُّحت»(المائدة/63) وفسر في كلا الموردين بالرشوة(1) وأمّا اللغة فقد فسّروه بثمن الكلب والخمر والخنزير والرشوة وفي حديث ابن رواحة أنّ اليهود لما أرادوا أن يرشوه قال: أتطعموني السحت أي الحرام سمّي الرشوة في الحكم سحتاً وفي الحديث: يأتي زمان يستحلّ فيه كذا وكذا، والسحت : الهدية أي الرشوة في الحكم والشهادة ونحوهما.(2)

ويؤيده أنّ حرمة مال الإنسان لمالكه على خلاف الأصل لايصار إليه إلاّ لوجه، ككونه رهناً، أو كون المالك قاصراً كالسفيه أو مفلَّساً متعلّقاً ماله لحقوق الغرماء وأمّا المقام فليس هنا قصور لافي العين ولا في المالك، فلاوجه لكون التصرّف فيه حراماً وسحتاً وإن كان أصل الترافع أمراً محظوراً ولايقاس بالدين، لأنّ كون ماله عوضاً عن الدين، يتوقف على الولاية أو الرضا به، والقاضي لاولاية له، وهو أيضاً غير راض، بخلاف العين فهي باقية على ملك المالك.

ويمكن أن يستظهر القول الأوّل بوجهين:

1ـ بما ورد في صدره من منازعة في دين أو ميراث، والثاني يراد منه ما يقابل الدين.

2ـ الأخذ بعموم التعليل، وهو: لأنّه أخذه بحكم الطاغوت وقد امروا أن يكفروا به .

يلاحظ على الأوّل: أنّ الميراث، يكون مشاعاً غالباً ، فاختصاص واحد من الورثة به، يتوقّف على الولاية أو الرضا وكلاهما مفقودان ويكون حكمه حكم


1 ـ الطبرسي: مجمع البيان: 2/196و 217 ط صيدا.
2 ـ لسان العرب،2/41; النهاية2/340; تاج العروس550.


(134)

الدين.

وعلى الثاني: أ نّه لايعدو عن كونه إشعاراً ولعلّ المراد أنّه تملّك بحكم الطاغوت ، لامطلق الأخذ، فيكون مختصّاً بالدين لا الأعم.

ثمّ إنّ المراد من ثبوت كونه محقّاً قبل الترافع، أعم من كون الحقّ معلوماً واقعاً، كما إذا استولى المنكر على ماله، أو استقرضه ثم انكر المديون، أو معلوماً في ظاهر الشرع كما إذا شهدت البيّنة بأنّ أباه، كان له على فلان كذا وكذا، أو كان مقتضى فتوى مقلّده كونه ذا حقّ وأمّا مع عدم العلم واقعاً ولاظاهراً، ولكن لما رفع الترافع إلى حاكم الجور، فقد قضى له. وهذا، هو الصورة التالية.

الصورة الثانية: إذا أمكن الترافع لدى حكّام العدل وكان هناك نزاع بينه وبين شخص من أبناء جلدته ولم يكن الحق متبيّناً قبل الترافع وإنّما صار محقّاً بقضاء قاضي الجور، فالترافع إليه حرام أوّلاً، وهو الفرد الأجلى للروايات السابقة، ويحرم عليه الأخذ عيناً وديناً. ثانياً، لعدم الاعتداد بقضاء أهل الجور، فلايثبت به كونه مالكاً للعين، والدين فضلاً عن تشخّصه بحكمه في مال معين.

الصورة الثالثة: إذا علم كونه محقّاً قبل الترافع وعالماً بأحد الأنحاء المذكورة أنّه مالك للعين أو الدين في ذمّته غير أنّه توقف استيفاء حقّه المعلوم واقعاً على الترافع إلى غير الأهل من قضاة الجور إمّا لعدم رضى الطرف المقابل إلاّ بالترافع إلى غير الأهل من قضاة الجور، أو لعدم وجود الحاكم الشرعي، أو لعدم إمكان إثبات الحقّ عنده أو لعدم نفاذ قضائه .فالظاهر جوازه لانصراف الأخبار عن هذه الصورة، بشهادة أنّها تأمر بالتراضي على الرجوع إلى من له شرائط القضاء من الشيعة ومعناه إمكان الرجوع إلى الأهل وفيحلّ ما يأخذه عيناً أو ديناً أمّا العين فقد علمت حالها وأمّا الدين فلسقوط شرطية رضائه بإبائه وعدم وجود طريق آخر للاستنقاذ .

وأقصى ما يمكن أن يقال: أنّه إعانة على الإثم، ولكن إطلاقها مخصّصة


(135)

بنفي الضرر والضرار ويمكن الاستدلال بصحيح علي بن مهزيار عن علي بن محمّدعليمها السَّلام سألته هل نأخذ في أحكام المخالفين ما يأخذون منّا في أحكامهم؟ فكتب ـ عليه السلام ـ : «يجوز ذلك إن شاء الله إذا كان مذهبكم فيه التقيّة منهم والمداراة لهم».(1)

إذ بناء على ما احتمله الفيض في الوافي من «أنّه يجوز لنا أن نأخذ حقوقنا منهم بحكم قضائهم كما يأخذون منّا بحكم قضائهم يعني إذا اضطرّ إليه كما إذا قدّمه الخصم إليهم» (2) يكون دليلاً على جواز الترافع عند الاضطرار.

وحمله في الجواهر على أنّ المراد المعاملة معهم كمعاملتهم معنا في مثل الشفعة بالجوار، وتوريث العصبة(3) ونحو ذلك وعندئذ يخرج عن مورد الترافع ، ويكون من أدلّة قاعدة الإلزام،ولكن هذا المعنى لايلائم مع ما في كتاب أبي الأسد(4) فتعيّن الأوّل.

وأمّا خبر عطاء بن السائب عن علي بن الحسينعليمها السَّلام قال:«إذا كنتم في أئمة جور فاقضوا في أحكامهم ولاتشهروا أنفسكم فتقتلوا وإن تعاملتم بأحكامنا كان خيراً لكم». ورواه في العلل إلاّ أنّه قال: وإن تعاملتم بأحكامهم.(5)


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 11، من أبواب آداب القاضي، الحديث 1، والمراد من علي بن محمّد هو الإمام الهادي، فما في الجواهر من قوله:«خبر علي بن محمّد» ليس في محلّه ، لإيهامه أنّ علي بن محمّد راو، أضف إليه أنّ الشيخ رواه في التهذيب عن أحمد بن محمّد بن عيسى وسنده إليه صحيح كما نصّ به الأردبيلي في جامع الرواة2/469.
2 ـ الفيض: الوافي:
3 ـ النجفي: الجواهر40/35.
4 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 9.
5 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب11، من أبواب آداب القاضي، الحديث 2، وفي الجواهر المطبوع: فامضوا مكان «فاقضوا» ، الجواهر40/36. و في السند صالح بن عقبة وعطاء وكلاهما لم يوثقا، نعم عمرو بن أبي المقدام ضعّفه الغضائري في أحد كتابيه ووثّقه في كتابه الآخر، كما نقله العلاّمة في الخلاصة، وروى الكشي في رجاله مدحاً له.


(136)

ولعلّه يهدف إلى جواز العمل بأحكامهم تقيّة كتعيين أوّل الشهر صياماًوإفطاراً وعند ذلك لاتكون له صلة بباب القضاء خصوصاً على ما رواه في الجواهر «فامضوا» مكان «فاقضوا».

وأولى بالصّحة إذا كان الخصم من أهل الخلاف.

فإن قلت: جواز التصرّف في العين لاغبار عليه إنّما الكلام في جواز التصرّف في عوض الدين إذ كيف يتشخّص له مع عدم الولاية للقاضي، والرضا للمنكر.

قلت: تسقط شرطية رضاءه في المقام لأجل إبائه وعدم طريق آخر للاستيفاء ، فليس لحكم قاضي الجور دور سوى إعطاء القدرة الرسمية لإعادة عينه إلى سيطرته، واستيفاء دينه المسلّم .

الصورة الرابعة: نفس الصورة الثالثة، لكن لم يتبيّن كونه محقّاً إلاّ بالترافع إليهم، فالترافع إليهم وإن كان جائزاً لانصراف الأدلّة عن صورة الاضطرار لكن لايصحّ الأخذ بحكمهم لعدم العلم بكونه مالكاً للعين أو الدين، ولاقيمة لقضاء قاضي الجور عندئذ فيصبح كالعدم إلاّ إذا كان الخصم مخالفاً أخذاً بقاعدة الإلزام بشرط أن لايعلم باستحقاقه وإلاّ فيحرم كما هو مفاد رواية أبي الأسد.

الصورة الخامسة : إذا استعان بظالم من دون أن يكون حاكم جور أو قاضيه في استيفاء حقّه فإن لم يتبيّن له كونه محقّاً، فيحرم الرجوع ولايملك ما أخذه من العين والدين لعدم ثبوت كونه مالكاً لها.

إنّما الكلام فيما إذا كان محقّاً، فإن أمكن استيفاء حقّه بالرجوع إلى حاكم العدل، فالرجوع إليه حرام لكونه ركوناً إلى الظالم وقد قال سبحانه:«وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّار»(هود/113).فان استعان والحال هذه يجوز له التصرّف في العين دون عوض الدين وإن لم يمكن الاستيفاء به، وانحصر الطريق بالاستمداد من الظالم فالظاهر جواز الرجوع، لقاعدة لاضرر وجواز التصرّف في العين ، وعوض الدين كما عرفت في الصورة الثالثة.


(137)

المسألة الثانية (1) وفيها فروع

1ـ تولي القضاء مستحب لمن يثق من نفسه بالقيام بشرائطه.

2ـ ربّما وجب ويكون واجباً على الكفاية. وقد تقدّم الكلام في هذين الفرعين.

3ـ إذاعلم الإمام ـ عليه السلام ـ أنّ بلداً خال من قاض لزمه أن يبعث له ويأثم أهل البلد بالاتّفاق على منعه ويحلّ قتالهم طلباً للإجابة.(2)

ولابدّ من تقييد اللزوم بوجود الحاجة إلى القاضي. و أمّا وجوب البعث فإنَّ نصب القاضي من شؤون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنّ مفاده يختلف بالنسبة إلى العامي والحاكم الإسلامي المقتدر فإنّ مفاده بالنسبة إلى الأوّل ليس إلاّ دعوة الناس بما يقتضيه تكليفهم، كما إذا كذب إنسان أو اغتاب فيلزم نهيه عن ذلك لاعتراف الآمر والمأمور بحرمة الكذب والغيبة، ولايعمّ المعروف والمنكر الثابتين بالقضاء لأنّهما بالنسبة إلى أدلّة الأمر بالمعروف، من قبيل الموضوع الجديد، والحكم لايثبت موضوعه، وإنّما يتوجّه إلى الموضوع المحرز قبل الحكم.

هذا كلّه في العامي، وأمّا الحاكم الإسلامي، المقتدر، فلايشترط في حقّه العلم التفصيلي بالموضوع قبل التمسّك بأدلّة الأمر بالمعروف بل يكفي العلم الإجمالي بوجود معروف متروك، ومنكر معمول، فهذا المقدار من العلم الإجمالي، يكفيه في إحراز الموضوع، ويصحّ التمسك عندئذ بمادلّ على لزوم الأمر بالمعروف، ومن توابعه، نصب القاضي لكونه من مبادئ الأمر بالمعروف أو نفسه بمعنى، ولأجل ذلك قال المحققّ:«لزم أن يبعث له».

وأمّا حليّة قتال المخالفين عن دخول البلد، أو قضاءه فلأنّه قيام على ضدّ


1 ـ مرّت المسألة الأُولى ص 109.
2 ـ نجم الدين الحلّي: الشرائع: 4/68.


(138)

الحكومة الإسلامية المحلّ للقتال إلى حدّ الاستسلام.

4ـ لزوم التصدي للقضاء وشقوقه

قد عرفت أنّ القضاء واجب كفائي ومعناه وجوبه على الكل غير أنّه يسقط بقيام البعض. وإذا كان القادر بالإتيان واحداً يتعيّن الأمر عليه وهنا صور وشقوق و أقسام أشار إليها الشيخ في الخلاف، والمحقّق في الشرائع، وفصّلها الشهيد الثاني في المسالك وتبعهم صاحب الجواهر ونحن نذكر أكثر الأقسام.

الف: إذا كان هناك جماعة يعلمون القضاء على حدّ واحد، فعيّن الإمام واحداً منهم فولاّه قال الشيخ في الخلاف:«لم يكن له الامتناع من قبوله، وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه. والآخر يجوز له الامتناع لأنّه من فروض الكفاية ثمّ استدل الشيخ على فتواه بأنّ الإمام معصوم عندنا فإذا أمر بأمر لايجوز خلافه لأنّ ذلك معصية واثم يستحق فاعلها الإثم والعقاب».(1)

يلاحظ عليه: بأنّه لو تمّ الفرض، لايختصّ الحكم بالإمام المعصوم، بل يعمّ الحاكم الإسلامي الأعلى الذي بيده رتق الأُمور وفتقها، وقدعرفت لزوم النصب عند قيام دولة إسلامية يرأسها فقيه جامع للشرائط فإذا نصب يكون لازماً على المنصوب امتثال أمره.

وأورد عليه المحقّق بنفي الصغرى وأنّ الإمام بعد تساوي الأفراد في القضاء لايأمر بواحد معيّناً فإنّه من قبيل إلزام ما ليس بلازم.(2)

ولايخفى أنّ تعدّد القابل للقضاء وصلاحية المتعدّد له، لاينفي ،تعيين فرد خاصّ على القضاء فإنّه ربّما يكون في بعض الأفراد مزية، غير ملزمة ككونه صاحب عشيرة في المنطقة أو عارفاً بلسان أهلها غير محتاج إلى المترجم أو غير


1 ـ الطوسي: الخلاف، كتاب القضاء، المسألة 2.
2 ـ نجم الدين الحلّي: الشرائع:4/68ـ69.


(139)

ذلك من المرجّحات غير الملزمة، وهذا وأمثاله ، ربّما يبعث الإمام لأن يعين ذاك الفرد دون الآخر، وإن كان الجميع صالحين للقضاء وعارفين له.

ب : إذا كان العارف به واحداً فقط وعيّنه الإمام ، فيجب عليه وينقلب الوجوب الكفائي إلى العيني. ودليل الحكمين في هذه الشق وما قبله وما يأتي ـ إذا كان المعيّن معصوماً ـ قوله سبحانه:«وَما كانَ لِمُؤْمِن وَلا مُؤْمِنَة إِذا قَضَى اللّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَ مَنْ يَعْصِ اللّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً»(الأحزاب/36) وقال سبحانه:«أَطِيَعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولي الأَمْرِ مِنْكُمْ»(النساء/59). وأمّا إذا كان فقيهاً جامعاً للشرائط، فدليل الحكمين هو وجوب نفاذ حكمه وعموم ولايته بالنسبة إلى هذه الموارد. ثمّ إنّ الفرد المعيّن بالامتناع عن الإجابة يفقد شرط القضاء وهو العدالة ولكن لايسقط الحكم لتمكّنه من تحصيل الشرط (العدالة ) بالتوبة كما لايخفى.

ج: إذا انحصر العلم بالقضاء في واحد ولم يعلم به الإمام ـ لو صحّ الفرض في الإمام المعصوم ـ أو الحاكم الإسلامي، يجب على الواجد، إعلام الإمام نفسه ولكن إثباته بالموازين مشكل، لعدم وجوب القضاء عليه، إلاّ بالنصب والمفروض أنّه غيرمنصوب، فكيف تجب مقدّمته أعني: التعريف بنفسه عند الإمام ولامحيص عن القول بوجود العلم بالملاك وإن لم يكن هناك علم بالخطاب، كما إذا غرق ابن المولى في الماء وكان المولى غافلاً والعبد ملتفتاً إليه فيكفي في الذم والعقاب العلم بالملاك ، وقد صحح الأُصوليون موارد عن هذا الطريق منها : الإتيان بالمهمّ مع وجود الأهم بناء على بطلان الترتّب وعدم الأمر بالمهم كما هو واضح.

د: تلك الصورة ولكن تعدّد القابل والقائم بمهمّة القضاء، فيجب على الكل الإعلام كفاية، ويسقط بإعلام واحد منهم شأن كل واجب كفائي.

هـ : إذا تعدّد القابلون وطلب الإمام واحداً منهم لاعلى التعيين تجب التلبية على الكل، وتسقط بتلبية واحد منهم وإلاّ أثم الجميع .


(140)

إلى غير ذلك من الصور المذكورة في المسالك فلاحظ.

5ـ في بذل المال لتصدّي القضاء

إذا كان التصدّي للقضاء من جانب الجائر أمراً راجحاً، موجباً لرفع الظلم وإجراء العدل والحقّ، يكون بذل المال جائزاً للنصب والبقاء بل لأجل عزل القاضي الجائر وإن كان الأخذ للظالم حراماً إنّما الكلام إذا كان التصدّي من جانب الحاكم العادل ، فلايجوز أخذ المال، ولا دفعه إلى بيت المال، ولأجل عدم الجدوى في المسألة، أعرض عن شرحها، صاحب الجواهر.

المسألة الثالثة:
في تولية المفضول مع وجود الفاضل

و هنا جهات من البحث:

الأُولى: في تعيين محلّ النزاع.

فنقول: إنّ لتولية المفضول مع وجود الفاضل مجالات:

تارة يبحث عنها في باب الإمامة الكبرى والنيابة عنالرسولصلَّى الله عليه و آله و سلَّم، فقد اتفقت كلمة الشيعة على قبحها وعدم صحّتها، و أُخرى في باب التقليد وأخذ الأحكام فالمشهور عندهم هو لزوم الرجوع إلى الفاضل دون المفضول مطلقاً، أو في موارد الاختلاف، وثالثـة في كتاب القضاء وأنّه هل يجوز تصدّي المفضول لمهمّة القضاء مع وجود الفاضل مع استكمال الشرائط المعتبرة فيها أو لا؟ وهو المقصود هنا. وله شقوق:

الف: هل يجوز للإمام المعصوم أن ينصب المفضول مع وجود الأفضل؟


(141)

قال المحقّق: الوجه الجواز لأنّ خلله ينجبر بنظر الإمام ـ عليه السلام ـ . ولايخفى أنّ الإمام أعرف بواجبه، فلاجدوى للبحث، أضف إليه، أنّ خلله إنّما ينجبر إذا كان للإمام إشراف على قضائه، كما كان لعليـعليهالسلامـ إشراف على قضاء شريح لاما إذا كان بعيداً عنه.

ب: إذا كان هنا علماء موصوفون بصفات المفتي والقاضي وفيهم من هو أعلم من غيره، فما هو وظيفة العامي في الرجوع إلى الترافع قبل أن يقلّد؟

إنّ وظيفة العامي في المقام نفس وظيفته في باب التقليد فيجب عليه قبل التقليد عقلاً، العمل بالاحتياط وتكون النتيجة هو تعيّن الرجوع إلى الأفضل، لدوران الأمر بين التعيين والتخيير، وأمّا إذا قلّد فيجب عليه أن يعمل بفتوى مقلَّده سواء قال بتعيّن الرجوع إلى الأفضل أوبالتخيير بينه وبين غيره.

ج: إذا كان علماء موصوفون بصفات الإفتاء والقضاء وفيهم من هو أعلم من غيره، وكانت مفاتيح الأمور بيد قضاة الجور، فهل لغير الأفضل تصدّي القضاء في زمان الغيبة أو لا؟ وبعبارة أخرى: هل يجوزللعامي الرجوع إلى غير الأفضل حسب الأدلّة الإجتهاديّة أولا؟

د: إذا قامت دولة اسلامية في عصر الغيبة يرأسها فقيه جامع للشرائط، فهل يتعيّن عليه نصب الأفضل مع وجود الفاضل، أو يتخير؟ وهذا هو الصالح للبحث عنه في المقام وإن كانت كلمات الأصحاب غير واضحة.

الجهة الثانية: ما هوملاك الأفضلية؟

ليس الملاك في المقام تفاضل أحد القاضيين على الآخر في الروحيات والملكات كالأعدلية، والأورعية، والهاشمية، لأنّ المطلوب في باب القضاء هو عدم التهجّم على المحارم ويكفي في تحققه كونه ورعاً وعدلاً، بل الملاك في المقام كون رأي أحدهما أقرب إلى الواقع، ولايتحقق ذلك إلاّ بالأعلمية والأفقهية وقد


(142)

نصّ بذلك صاحب الجواهر في آخر المسألة وقال: والظاهر أنّ المدار على الفضيلة في الفقه ولو باعتبار الفضيلة في المقدّمات على وجه يعدّ كونه أفقه ، أمّا مالامدخلية له فيه فلاعبرة به.(1)

نعم أفاد في صدر المسألة وقال:نعم مع تساويهما في العلم يقدّم الأعدل لكونه أرجح حينئذ فيكون الحاصل حينئذ ترجيح أعلم الورعين وأورع الورعين لقاعدة قبح ترجيح المرجوح على الراجح.(2)

إنّ طبع المسألة يقتضي انحصار ملاك التفاضل بالعلم والفقه فقط ولأجله لا يصح قوله في العبارة الثانية:«ترجيح أعلم الورعين» أمّا الترجيح بالأورعية مع التساوي في العلم فلم يدلّ عليه دليل ومسألة قبح ترجيح المرجوح على الراجح، ينتفي بوجود بعض المرجّحات في جانب المرجوح ككونه طليق اللسان، رحب الصدر، صحيح المزاج، عارفاً باللسان صاحب العشيرة الذي يهاب منه فلايتأمر على ضدّه ، وبالجملة المرجّحات التي توجب اختيار الورع على الأورع ، التي بها يدفع قبح الترجيح المذكور، كثيرة فلاتصل النوبة إلى ترجيح الأورع على الورع ترجيحاً واجباً لحفظ القاعدة العقلية.

الجهة الثالثة: في دراسة أدلّة الطرفين

استدل القائل بالترجيح بالوجوه التالية:

1ـ إنّ الظنّ الحاصل من قول الأفضل، أقوى من الظن الحاصل من قول غيره والأخذ بالظن الأرجح متعيّن.

يلاحظ عليه: بمنع الصغرى تارة وأنّه ربّمايكون الظن الحاصل من قول المفضول أقوى من غيره لمطابقته رأي من هو أعلم من ذلك الأفضل كما إذا طابق


1 ـ الجواهر: 40/46و 43.
2 ـ الجواهر: 40/46و 43.


(143)

قول الفاضل، رأي المحققّ، أو الشيخ الأنصاري، ومنع الكبرى أُخرى، إذ لادليل على لزوم الترجيح بهذا المقدار، بعد إطلاق الدليل على حجّية كل من الرأيين.

2ـ نصوص الترجيح خصوصاً مقبولة ابن حنظلة الحاكمة بالترجيح بالأفقهية بل بغيرها أيضاً.

يلاحظ عليه : أنّها أجنبية عن المقام ، لأنّه ورد الترجيح فيها فيما إذا ترافع كل إلى قاض خاصّ فحصل بينهما التعارض، ولم يكن حينئذ محيص من الرجوع إلى المرجح وأين هذا من لزوم الرجوع إلى المرجح ابتداءً؟

أضف إلى ذلك أنّ المنساق من المقبولة أنّه كان في وسع المترافعين الرجوع إلى كلّ واحد من المتفاضلين ، من غير فرق بين العالم والأعلم لكنّهما، ضيّقاالأمر على أنفسهما فرجع كل إلى قاض خاص، فلم يكن لهم حينئذ بدّ من إعمال المرجّحات فلزوم العمل بالمرجّح نشأ من عملهما ولم يكن هناك أيّ ملزِم له ، وعلى ذلك فالرواية على عكس المقصود أدلّ.

3ـ قول الإمام في عهده إلى واليه في مصر المعروف فقد جاء فيه: «ثمّ اخْتَرْ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النّاسِ أفْضَلَ رَعِيَّتِكَ في نَفْسِكَ، مِمّن لاتَضِيقُ بِهِ الامُورُ، ولا تُمَحِّكُهُ الخُصُومُ ، ولايَتَمادى في الزَّلَّةِ، ولايَحْصَرُ مِنَ الفَيْءِ إلَى الحَقِّ إذا عَرَفَهُ، ولا تُشْرِفُ نَفْسُهُ على طَمَع، ولايَكْتَفي بِأدْنى فَهْم دُونَ أقْصاهُ، وَ أَوْقَفَهُمْ في الشُّبَهاتِ، وَ آخَذَهُمْ بِالحُجَجِ، وَ أَقَلَّهُمْ تَبَرُّماً بِمُراجَعَةِ الخَصْمِ، وَ أَصْبَرَهُمْ عَلى تَكَشُّفِ الأُمُورِ، وَ أَصْرَمَهُمْ عِنْدَ اتِّضاحِ الْحُكْمِ، مِمَّنْ لايَزْدَهيهِ إطْراءٌ، ولايَسْتَمِيلُهُ إغْراءٌ، وأولئِكَ قَلِيلٌ».(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ورد فيه بين ما تجب رعايته وبين مالاتجب للإجماع على عدم اشتراطه كأوقفهم في الشبهات وآخذهم بالحجج، فلايمكن الاستدلال به


1 ـ نهج البلاغة، قسم الرسائل، رقم 53.


(144)

على الوجوب.

4ـ ادعاء الإجماع على لزوم الترجيح نسب إلى المرتضى في الذريعة والمحقق الثاني في حواشيه على كتاب الجهاد من الشرائع.

قال المرتضى: وإن كان بعضهم عنده أعلم من بعض أو أورع وأدين فقد اختلفوا: فمنهم من جعله مخيّراً ، ومنهم من أوجب أن يستفتى المقدَّم في العلم والدين ، وهو أولى لأنّ التفقه هاهنا أقرب وأوكد.والأُصول كلها بذلك شاهدة.(1)

وليس في كلامه دعوى الإجماع والاتّفاق سوى قوله في الذيل: «الأُصول كلّها بذلك شاهدة» ولذلك صحّت تسميته إجماعاً فإنّما هو إجماع استنباطي من الاتّفاق على الأُصول، التي مورد البحث من صغرياتها. أضف إليه انّ كلامه راجع إلى باب الاستفتاء لا القضاء.

وأمّا المحقّق الثاني فليس في تعليقته على قواعد العلامة المعروف بجامع المقاصد دعوى الإجماع بل لم يذكر هذا الشرط لافي متن القواعد ولافي تعليقته وقد ذكر العلاّمة صفات المفتي بالنحو التالي: الإيمان والعدالة ومعرفة الأحكام بالدليل، والقدرة على استنباط المتجدّدات من الفروع من أُصولها. وليس في تعليقته سوى توضيح قوله:«ومعرفة الأحكام بالدليل»(2) وأمّا تعليقته على الشرائع فلم تحضرني حتى أُلاحظها.

استدل القائل بعدم الوجوب ببعض الوجوه أولاها جريان السيرة عليه، فقد نصب النبي الأكرم معاذاً للقضاء مع وجود عليّ ـ عليه السلام ـ وهو أقضى الأُمة إلاّ أن يقال بلزوم الترافع إلى الأعلم إذاكانا في بلد واحد لافي بلدين وقد كان علي في المدينة، ونصب معاذاً للقضاء في اليمن ومع ذلك كلّه لايمكن إنكار جريان السيرة على الرجوع إلى المجتهدين العظام في كل بلد، من دون أن يفرق بين الأعلم والعالم، وقد نصب الإمام الصادق أصحابه للقضاء حسب المقبولة. وفيهم زرارة ومحمّد بن مسلم وغيرهم. مع أنّ الأولين من أفقه أصحابه ـ عليه السلام ـ .

إلى هنا تبيّن موقف الأصحاب في المسألة ولنا في المقام تفصيل نأتي به.


1 ـ المرتضى: الذريعة2/801.
2 ـ المحقّق الكركي: جامع المقاصد 3/490.

Website Security Test